سورة الأحقاف

الجُزءُ السادس والعشرون‬
‫سُوْرةُ الأحقاف‬

حمٓ ﴿1﴾
لقاؤنا اليوم مع خاتمة العرائس، مع سابعة آل حم، مع سورة الأحقاف، وسورة الأحقاف سورة مكية افتتحت بما افتتح به أخواتها‫: (حمٓ (١))، ويقال فيها ما قد قيل من قبل‫: هو سر الله فلا تطلبوه‫.
تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴿2﴾
وقد جاءت الآية في السورة السابقة، في سورة الجاثية، إخبار من الله، تبارك وتعالى، لنا أن القرآن كلامه، ونزل بأمره وهو وحيه، وربنا، تبارك وتعالى، غالب لا يقهر، حكيم فيما قضى وقدّر‫.‬‬
‫نعم،( تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ (٢)).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَمَّآ أُنذِرُوا۟ مُعْرِضُونَ ﴿3﴾
آية تدل على أمرين؛ الأمر الأول‫:‬ وجود الصانع الحكيم القادر، والأمر الثاني‫:‬ الجزاء والعدل بين الناس يوم التلاقي، (مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ ) وطالما خلقهما، سبحانه وتعالى، بالحق أي بالأمر الحق وبالقول الحق، خلقا متلبسا بالحق، فلا بد أن يقام الحق، ولا بد أن يقام ميزان العدل في يومٍ الملك فيه يومئذ لله، والأجل المسمى المدة المحدودة والمعدودة والتي حددها الله لنهاية كل شيء، ف (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍۢ (٢٦) وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ (٢٧)) [سورة الرحمن آية‫:‬ ٢٦- ٢٧]، الأجل المسمى ذلك نهاية العالم، أجل لا يعلمه إلا الله، لكل شيء أجل فلكل إنسان أجل ولكل مخلوق أجل ولكل شيء خلقه الله، تبارك وتعالى، بداية ونهاية، أما الله، تبارك وتعالى، فهو الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية، ورغم ذلك يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَمَّآ أُنذِرُوا۟ مُعْرِضُونَ (٣)) الذين كفروا أعرضوا واستمروا في غيهم وضلالهم ولهوهم ولعبهم، غرتهم الدنيا فأنستهم ذكر الله، أنذرهم النبي، صلى الله عليه وسلم، وحذرهم من صاعقة كصاعقة عاد وثمود، بيّن لهم بالدلالات والبراهين ما حدث للأمم السابقة، وقد كانوا يمرون عليها بالليل وأيضا مصبحين، رأوا ما انتهت إليه ممالكهم، رأوا ما انتهى إليه سلطانهم، رأوا ما انتهى إليه غرورهم، ومع ذلك أعرضوا وانصرفوا ولم يلقوا آذانا للنبي، صلى الله عليه وسلم، ولا قلوبا، أعرضوا عن الإنذار، والإنذار تخويف مع إعطاء مهلة، وربنا، تبارك وتعالى، أعطاهم مهلة وهي مدة بقاء الدنيا أو مدة بقائهم في الدنيا، ومع ذلك أعرضوا عن كل ذلك، فيسألهم نبينا، صلى الله عليه وسلم، بأمر الله له، ويجادلهم بالتي أحسن، ويبين لنا قاعدة أساسية للاستدلال بها على الحق، فكل حق لا بد عليه من دليل، وما يستدل به على حقيقة الحق؛ إما دليل عقلي وإما دليل نقلي، فما من حق إلا وله دليل معقول أو منقول، فيقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬
قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌۭ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ۖ ٱئْتُونِى بِكِتَـٰبٍۢ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَـٰرَةٍۢ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿4﴾
جمعت الآية الاستدلالات،(َرَءَيْتُم) سؤال، كلمة توضع للسؤال والاستفهام، بمعنى أخبروني، أخبروني وأنبئوني (قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ) هم دعوا الأصنام، ومنهم من دعا عيسى وعزيرا، ومنهم من دعا الملائكة، فهم أصناف وألوان، أشركوا بالله، تبارك وتعالى، بغير علم، منهم من أشرك الأصنام، وقالوا‫:‬ يقربونا إلى الله زلفى، ومنهم من أشرك عيسى وادعى أنه هو الله أو هو ابن الله أو هو ثالث ثلاثة، ومنهم من قال إن عزيرا هو ابن الله كما قالت اليهود، ومنهم من قال إن الملائكة بنات الله فيسائلهم‫:‬ (أَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى) سؤال آخر للتأكيد، أخبروني (مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ) ها هي الأرض فيها من الجبال وفيها الأنهار وفيها الأودية وفيها المسالك وفيها الآبار وفيها العيون وفيها المعادن وفيها الزروع وفيها الثمار وفيها النخيل من كل لون ومن كل صنف، ماذا خلق مَن تدعونه من دون الله؟ ماذا خلقوا في هذه الأرض حتى يستحقوا الألوهية، حتى يعبدوا؟ لأن استحقاق الألوهية له علامات وله شروط، أولها الوجود، الوجود بلا بداية والوجود بلا نهاية، هذه الأصنام وجدت ببداية أنتم بدأتموها بصنعكم إياها، والملائكة والبشر وغيرهم وجدوا بإيجاد الخالق، ولهم أجل، ما من شيء إلا وله أجل مسمًّى، طالما قد انتهى فلا يستحق الألوهية، هل خلقوا شيئا؟ ماذا خلقوا من الأرض؟ ليست هناك إجابة لأن الإجابة معروفة، لم يخلقوا شيئا، لم يخلقوا أنفسهم ولم يخلقوا شيئا، (مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌۭ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ۖ ) ولم يقل أم خلقوا من السموات شيئا، وجاء بكلمة الاشتراك لأنهم كانوا يزعمون أن الأحداث الموجودة والوقائع، لهذه الأصنام والأوثان أثر فيها، فهم يذبحون لها القرابين ويقدمون لها البدن وينحرونها ويلطخونها بدمائها، وهم أيضا يتوجهون بالعبادة لهذه المخلوقات، الجمادات أو البشر أو الملائكة فأتى بكلمة‫:‬ (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌۭ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ۖ ) لإزالة كل توهم أن لهذه المعبودات تصريفا أو تدبيرا أو اشتراكا مع الله في تدبير ما يحدث في الأرض من نفع أو ضر؛ لأن النفع والضر بيد الله، وهذه الأصنام وهذه المعبودات من دون الله لا يمكن أن يكون لها اشتراك في تدبير الملك، فهل لها شرك في السموات؟ مشتركة مع الله في التدبير أو التصريف؟ انتفت عنها صفة الخلق، ولا بد أن تنتفي عنها أيضا صفة التدبير فكيف تدبّر مع المدبّر والمهيمن.
(قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌۭ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ۖ ٱئْتُونِى بِكِتَـٰبٍۢ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَـٰرَةٍۢ مِّنْ عِلْمٍ) ‫الدليل العقلي الذي انتفى‫:‬ (أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌۭ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ۖ ) ذاك الدليل العقلي، أن يخلق شيئا فيستحق العبادة من المخلوق، أو يكون له اشتراك في التدبير والتصريف، إذا فقد انتفى الدليل العقلي على ألوهية الأصنام وما يدعونه من دون الله، أما الدليل النقلي الذي انتفى أيضا فبقوله‫:‬ (ٱئْتُونِى بِكِتَـٰبٍۢ ) لأن الكتاب دليل منقول من رسول سابق أو من نبي سبق (ٱئْتُونِى بِكِتَـٰبٍۢ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ) من قبل القرآن، كتاب فيه أن الله، تبارك وتعالى، أشرك معه عيسى أو عزيرا، فيه أن الله، تبارك وتعالى، أشرك الملائكة أو أشرك الأصنام أو أذن بشفاعتها هل هناك دليل نقلي؟ هل هناك كتاب سماوي من قبل القرآن فيه ما تدعون؟ (ٱئْتُونِى) كتاب سماوي (مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ) من قبل القرآن، (أَوْ أَثَـٰرَةٍۢ مِّنْ عِلْمٍ) بقية من علم انتقل إليكم من الأولين، ليس ظنا وليس خزعبلات أو أوهامًا أو ادعاءات، بل الأثارة هو الأثر الذي تركه الأولون (أَوْ أَثَـٰرَةٍۢ مِّنْ عِلْمٍ) بقية من علم، وقرئت‫:‬ (أُثْرة) (ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أُثْرةٍ من علم) الأُثرة من الأثر، والأثر الرواية، أثْرتُ الحديث آثره أثارة وأُثرة، ومنه الحديث المأثور، أي المروِيّ رواه الخلف عن السلف فهو صحيح السند صحيح الرواية، ذاك هو الحديث المأثور الذي أثره فلان عن فلان عن فلان (أُثْرةٍ من علم) أي علم منقول نقله الخلف عن السلف مع صحة السند، وقرئت (أَثْرة) وقرئت‫:‬ (أَثَرة) والمعنى قد يختلف، ولكن في النهاية النتيجة واحدة (أَوْ أَثَـٰرَةٍۢ مِّنْ عِلْمٍ) بقية من علم (أَثرةٍ من علم) منقولة من أثر الحديث أُثرة، علم اختُصصتم به، اختصكم الله به من الأثرة وهي الاختصاص أو التخصيص، هل اختصكم ربكم بعلم؟ أين هو هذا العلم؟ إذا فقد انتفى الدليل العقلي بانتفاء خلق الآلهة لشيء وبانتفاء اشتراكهم مع الله في التدبير، بذا وبذاك انتفى الدليل العقلي، وبعدم إتيانهم بكتاب من قبل القرآن أو بأثارة من علم تدل على صحة زعمهم انتفى الدليل النقلي، وطالما انتفى الدليل العقلي وانتفى الدليل النقلي إذًا هم لا يتبعون إلا ظنا، وإن هم إلا يخرصون، (قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌۭ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ۖ ٱئْتُونِى بِكِتَـٰبٍۢ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَـٰرَةٍۢ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (٤)) ولم يحدث، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى، متسائلا سؤال تقرير:
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ ﴿5﴾
‫( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُۥٓ) لا أحد، لا أحد أضل من هذا، والإجابة معلومة، محذوفه للعلم بها، من أضل؟ (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ) إذا فهو في ضلال؛ لأنه إذا دعاه لا يسمع، وإن سمع لا يستجيب فكيف تدعو من لا يسمعك؟ وكيف تدعو من لا يستجيب لك؟ وطالما لا يسمع أو لا يستجيب لك فهو لا ينفع ولا يضر، فكيف تدعوه؟ وكيف تسأله؟ وكيف تطلب منه؟ وكيف تعبده؟ من أضل من هذا؟ لا أحد، (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ (٥)) أي المعبودون وجاء بصيغة العقلاء لأنهم عاملوهم معاملة العقلاء، (وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ (٥)) هذه الآلهة المزعومة غافلة عن دعاء العباد، لسبب من اثنين؛ إما لأنها جمادات لا تنطق ولا تتحرك ولا تضر ولا تنفع ولا تأكل ولا تشرب ولا تتكلم ولا تسمع، فهي جمادات، وإذا كانت جمادات فهي غافلة، أو هي ليست جمادات ولكنها مسخرة فهي مخلوقة مسخرة مشغولة بشأنها عن دعاء الداعين، فالملائكة مثلا خلقهم الله، تبارك وتعالى، وهم مسخرون، (لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)) [سورة التحريم آية‫:‬ ٦]، مشغولون بما هم به مكلفون، والمشغول عنك غافل، فالمشغول بشأنه والمشغول بأمره عن غيره غافل، فهم عن دعائهم غافلون إما لأنهم جمادات وإما لأنهم مشغولون بما هم به مكلفون فكيف يستجيبون إذًا (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ (٥))، ذاك في الدنيا، فما خبر الآخرة؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءًۭ وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ ﴿6﴾
‫(وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءًۭ) ذاك أخطر فإذا لم يستجب لك في الدنيا فأنت تدعو في الهواء دون استجابة، لم يحدث الضر، أما أن يأتي يوم القيامة فينقلب معبودك عدوا لك فذاك أمر في منتهى الخطورة (وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ) يوم القيامة (كَانُوا۟) أي كانت الأصنام وكان المعبود من دون الله (وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءًۭ) والعدو يضر ولا ينفع، نعم فأصنامهم وأوثانهم تشتعل عليهم نارا تحرقهم، تلك هي العداوة، وأما عيسى فهو الشاهد بين يدي ربه، شاهد الصدق‫:‬ (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ١١٧]، ها هو عيسى يتبرأ من فعلهم وكذلك الملائكة، (قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ۖ ) [سورة سبأ آية‫:‬ ٤١]، هاهي الملائكة أيضا تتبرأ وعيسى يتبرأ والأصنام كذلك ينطقها الله، تبارك وتعالى، وتتبرأ، (وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءًۭ وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ (٦)) من الذي كفر بالعبادة؟ المعبودون، أيضا العابدون؛ لأن العباد الذين عُبدوا من دون الله يقولون‫:‬ (وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٢٣]، إذا فقد كفروا بعبادتهم، وكذلك من عُبد من دون الله ينطق ويقول‫:‬ (مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨)) [سورة يونس آية‫:‬ ٢٨].‬
‫( وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ (٦)) كفر العابد بالمعبود وكفر المعبود بعبادة الكافر، وتبرأ الكل من الكل، (وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءًۭ وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ (٦)) ولكي لا يسأل إنسان كيف ذاك؟ وكيف ذلك؟ ولم؟ عقوبة وتهديد ووعيد وعداوة بين العابد والمعبود وشهادة وفضيحة وضلال، لم هذا الضلال؟ لم هذا الانغلاق وانسداد القلب والآذان؟ ولم كل ذلك؟ أكتب عليهم؟ أهم مجبورون على ذلك؟ هل جبلوا على الضلالة؟ هل ظلموا بذلك؟ أبدا والله، (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٤٦)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٦]، واسمع‫:‬‬‬‬
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌۭ مُّبِينٌ ﴿7﴾
إذًا فقد لزمتهم الحجة، إذا فلا عذر لهم، وما جاء في وصفهم أنهم أضلوا الناس بعبادة ما لا ينفع وما لا يتكلم وما لا يسمع وما لا يضر، نعم استحقوا بهذا الضلال ما وعدوا به وتُوعدوا به من عذاب جهنم ومن العداوة ومن البغضاء ومن ومن لأنهم في الدنيا (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ) واضحات منيرات دالات على وجود الواحد الأحد، إذا تتلى عليهم هذه الآيات الواضحة، واضحة الدلالة ساطعة البرهان (قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌۭ مُّبِينٌ (٧)) والآية فيها تسجيل، تسجيل على القرآن بأنه الحق، وعليهم بأنهم كفار، وانتبه‫:‬ (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ) ضمير (ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ) الآيات هي القرآن، قالوا، التقدير في الكلام، تتلى عليهم‫.‬. قالوا، قالوا لها، للآيات‫:‬ (هَـٰذَا سِحْرٌۭ مُّبِينٌ (٧)) فجاء بالمظهر مكان المضمر فقال‫:‬ (قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟) تسجيل عليهم بالكفر، (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟) الذين تليت عليهم الآيات، فلم يقل‫:‬ قالوا، أو جاء بالضمير، وإنما جاء بالصفة (قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟) تسجيل عليهم بأنهم كفار (قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟) بدلا من (لها) للآيات التي تليت (لِلْحَقِّ) تسجيل على أن الآيات التي تليت هي الحق، فجاء بالمظهر مكان المضمر للإشعار بالتسجيل عليهم بالكفر والتسجيل على القرآن بأنه الحق وكلام الحق وفيه الوعد الحق، (قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌۭ مُّبِينٌ (٧)) إذًا فقد ظلموا أنفسهم، ولا حجة لهم، آيات بينات واضحات ومع ذلك اتهموها بالسحر، وما هي بسحر.
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَلَا تَمْلِكُونَ لِى مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ۖ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۖ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿8﴾
‫( أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ ) إضراب عن الكلام وكأن الله تبارك وتعالى يقول‫:‬ دعك من هذا، دعك من مقالتهم‫:‬ (هَـٰذَا سِحْرٌۭ مُّبِينٌ (٧)) وتعال واسمع الأعجب، بل أعجب العجب، العجب العجاب، تعال واسمع، دعك من قولهم‫:‬ (هَـٰذَا سِحْرٌۭ مُّبِينٌ (٧)) فهي مقالة مردودة، هم أول من يعلم كذبها، هم أول من يعلم أن قولهم كذب وادعاء وخرص وظن، فدعك من كل ذلك، (َمْ) هذا معنى كلمة أم، الهمزة همزة استفهام، أيقولون افتراه، والميم صلة، وتأتي كلمة أم بمعنى الإضراب أي بل، بل يقولون فدعك من هذا وتعال وانظر، وتعال وتعجب‫:‬ (أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ ) هذا هو العجب، ليس مقالتهم هو سحر على القرآن عجبًا أو بعجب كمقالتهم افتراه فهي أعجب العجب، لم؟ لم هي أعجب العجب؟ افتراه اختلقه، الفرْيُ الكذب، والفرية الشيء المختلق، وضع الشيء في غير مكانه، (أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ ) اختلقه، ألفه، جاء به من عنده (أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ ) وسكت، أين العجب في هذا؟ أين العجب الذي نزعم أنه موجود في الكلام؟ (أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ ) اسمع، القرآن لغة عربية فصحى، فيه الإعجاز من كل لون، فصحاء العرب وأساطين اللغة سمعوه حاروا فيه، لم يستطع مخلوق منهم أن يأتي بآية بسورة بمثل هذا القرآن، وهم فصحاء اللغة شعراء الجاهلية أصحاب المعلقات، الذين كانوا ينقلون أخبارهم من خلال الشعر، يتناقلونه ويحفظونه من أول مرة، فإذا سمع الرجل منهم القصيدة مرة واحدة حفظها في التو واللحظة ورددها، فهم لا يعرفون القراءة والكتابة واعتمادهم الأساسي على الحفظ والذاكرة والسماع، هؤلاء عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة واحدة من القرآن، وجاء محمد به، جاء محمد الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب بهذا الكتاب، اختلقه افتراه ألفه، فإن كان محمد قد جاء بما عجز عنه العرب جميعا إذا فهو معجزة، إذ فعل ما لم يستطعه أساطين اللغة، هو ألف هذا القرآن، هو افتراه، اختلقه وافتراه، كون هذا القرآن مختلقًا مفترى، ألفه محمد، هذا في حد ذاته معجزة، لأنكم يا أهل اللغة يا من تعرفون القراءة والكتابة يا أساطين الشعر ويا قادة اللغة ومؤلفيها عجزتم، فإن جاء هو بما عجزتم أنتم عنه فذاك في حد ذاته معجزة، وإن كانت معجزة فلا بد أن المانح للمعجزة هو القادر على الإتيان بالمعجزات، وإذا كان القادر على الإتيان بالمعجزات قد أيّده بإتيانه بهذه المعجزة فلا يمكن أن يؤيد ربنا الكذب والاختلاق، إذا فلا بد أن يكون حقا‫.‬‬
‫( أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ ) كلمة، ومع ذلك جاءت في صيغة تظهر الحق، إظهار؟ إي وربي، كظهور الشمس، (أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ ) تعجب منهم، أنتم تعرفون العربية، وأنتم أساطينها أنتم تعجزون عن الإتيان بسورة كيف أتى هذا الرجل الأمي بكل هذا القرآن الذي لا خلاف فيه ولا اختلاف، متناسق متكامل بديع، نحو صرف كل ما في اللغة من فنون مجتمعة في القرآن، كيف أتى به محمد؟ ومن أين له ذلك فهي معجزة في حد ذاتها، وإن كانت معجزة فالمانح للمعجزات هو الله، ولا يمكن أن يعطي ربنا، تبارك وتعالى، معجزة لكاذب، إذا فلا بد أن تكون المعجزة حقيقة وصدقًا، (أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ ) وترك الإجابة لنا ولكل متأمل‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫ثم يقول، دليل آخر، دليل آخر‫:‬ (قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ) إن حدث، على سبيل الفرض، أني افتريته (فَلَا تَمْلِكُونَ لِى مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۖ ) إذا أنا افتريت هذا القرآن فأنتم لا تملكون دفع العذاب عني، ولا يمكن أن يتركني الإله الذي أقررتم أنتم بوجوده (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ ) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٨٧]، إذًا فأنتم تقرون بوجوده، فإذا جئت أنا وافتريت عليه كذبا، وادعيت وألفت كلاما ونسبته إليه، إذا أراد بي العذاب، أو أخذني، أتمنعون عني عذابه؟ أبدا، إذاً فكيف أفتريه وكيف أختلق هذا القرآن، (قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَلَا تَمْلِكُونَ لِى مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۖ ) فإذا افتريته ونسبته إلى بشر إلى رجل إلى ملك، أما إلى ملك الملوك، تلك جرأة لا يمكن أن يقدر عليها إنسان أو مخلوق، (قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَلَا تَمْلِكُونَ لِى مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۖ ) وطالما أن محمد بقي فيهم وحُفظ القرآن وتُلي آناء الليل وأطراف النهار ونصره الله عليهم في كل مجال ومكان ومعركة، إذًا فقد أيده الله، وطالما أيده الله فلا يمكن أن يكون قد افترى عليه القرآن (قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَلَا تَمْلِكُونَ لِى مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۖ ) فمن يرزقني ومن يسترني ومن ينصرني؟ هو الله هو الله‫.‬‬
‫( هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ۖ ) تهديد ووعيد، بعد نفي الدليل العقلي ونفي الدليل النقلي عن زعمهم، ثم إثبات أن القرآن إعجاز من الله، وأنه الصدق وأنه الحق، وأن محمدا ما كان له أن يفتري ذلك على الله وإلا (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ (٤٧)) [سورة الحاقة آية‫:‬ ٤٥- ٤٧] ولكن الله لم يؤاخذه إذا فهو الصادق المصدوق‫.‬‬
‫( هُوَ أَعْلَمُ) أي الله (بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ۖ ) الإفاضة في الشيء الاندفاع فيه، الإفاضة من عرفات الاندفاع، أفاض في الشيء اندفع فيه، فهم يفيضون في الحديث أي يندفعون في الحديث بغير روية وبغير تفكير وبغير تأمل، تعبير في منتهى الدقة يدل على أن هؤلاء الناس حين جادلوا النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يجادلوه بحجة عقلية أو حجة نقلية، أو حتى بتأمل وبفكر، وإنما اندفعوا في الحديث اندفاع المفيض إفاضة فأفاضوا واندفعوا بغير روية وبغير تأمل، من هنا يقول‫:‬ (هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ۖ ) من أحاديث ومن تكذيب ومن افتراءات ومن ادعاءات اندفعتم فيها بغير روية أو بغير تأمل، (هُوَ أَعْلَمُ) تهديد ووعيد، طالما كان يعلم فلا بد وأن يؤاخذ، ولا بد أن ينصر الحق لأنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق‫.‬‬
‫( هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ۖ ) يعلم وطالما يعلم فهو الشاهد، الشاهد بحق، لأنه يرى ويسمع، فكفى بالله، تبارك وتعالى، شهيدا بيني وبينكم يعلم أني على الحق وأنكم على الباطل، (كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۖ ) أي هو يكتفي بشهادة الله، الله الذي شهد له في الملأ الأعلى فقال‫:‬ (مُّحَمَّدٌۭ رَّسُولُ ٱللَّهِ ۚ ) [سورة الفتح آية‫:‬ ٢٩]، شهد له الله (كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۖ ).‬
‫ورغم التهديد ورغم الوعيد ورغم الشدة في التحذير والإنذار تفتح أبواب الرحمة لكل تائب فيقول، تبارك وتعالى‫:‬ (وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (٨)) حلم، حلم الحليم، حلم مدهش، إي والله، مذهل، تصور إذا آذاك إنسان واستمر في إيذائك، أتصبر عليه؟ أتحلم وأنت تملك العقوبة؟ ربنا يؤذى في الليل وفي النهار ولا تضره المعاصي ولكن التعبير مجازي حيث يدعون له الشريك والولد حيث يسبون الدهر وهو الدهر، يقلب الليل والنهار، ومع ذلك (كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۖ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (٨)) الغفور لمن تاب، الرحيم لمن أناب، فتح لهم أبواب التوبة ولم ييئسهم، هلم وقد استمعتم إلى الحق، هلم وقد سطع البرهان، هلم وقد جاءتكم الحجة هلم ولا تعاندوا ولا تستكبروا هلم إلى أبواب التوبة فربنا هو الغفور الرحيم‫.‬‬
‫ثم يسألهم سؤال تبكيت، سؤال آخر، وانظر إلى حلم ربنا، تبارك وتعالى، وكيف يجادلهم ويعطيهم الحجة، ينذرهم ويخوفهم ويفتح أبواب التوبة وأبواب الرحمة ويفتح عقولهم للتدبر والتأمل:
قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًۭا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿9﴾
‫(قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًۭا مِّنَ ٱلرُّسُلِ) (بِدْعًا) و(بِدَعًا) قراءتان، البِدْع من أي شيء الأول في كل شيء، البدع الأول، والبديع الله تبارك وتعالى بديع السموات والأرض، خلقها على غير مثال، (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًۭا مِّنَ ٱلرُّسُلِ) أي لم أكن أول الرسل حتى تستغربوا وتتعجبوا وتكذّبوا، فقد جاء من قبلي رسل؛ عيسى وموسى ونوح وإبراهيم وإسماعيل، وأنتم تقرون برسالتهم وبنبوتهم، إذًا فلست أولا في هذا الأمر ولست بدعًا فيه، بل أنا كغيري من الرسل سبقني رسل، وسبقني أنبياء فليس ذلك بشيء عجيب بل هو شيء قد عهدتموه وألفتموه وعلمتموه وأقررتم به، (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًۭا) (ما كنت بدَعا) بفتح الدال أي صاحب بِدَع، أتيت بما لم يأت به الأولون، ربنا، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ ) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٣]، عقيدة التوحيد؛ لا إله إلا الله، وأن الدنيا إلى زوال وأن البعث آت لا محالة وأن الساعة لا ريب فيها، إذاً فلست صاحب بدع بل جئت بما جاء به الرسل من قبلي، (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًۭا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ ۖ ) إذا فليس له شرك مع الله، هو ينفي الشرك عن الله، فكيف ينسب لنفسه الشرك مع الله؟ من هنا يقول‫:‬ (وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ ۖ ) مصداقا لقول الله، تبارك وتعالى، أيضا‫:‬ (قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٨٨].‬
(وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ ۖ ) ‫وقد أخطأ بعض العلماء، غفر الله لهم ولنا وعفا الله عنا وعنهم، وقالوا‫:‬ ما يفعل بي ولا بكم أي في يوم القيامة، ثم عادوا وقالوا نسخت الآية بعد أن أعلمه الله‫:‬ (لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) [سورة الفتح آية‫:‬ ٢]، هذا في شأنه ثم أعلمه بشأن المؤمنين وقال‫:‬ (وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٢٣] ومنذ بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو يدري ما يفعل به وبهم، وهو يقول‫:‬ إن المؤمن مصيره الجنة وإن الكافر مصيره النار، إذا فالآية‫:‬ (وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ ۖ ) تتعلق بالدنيا وليس بالآخرة، في الدنيا بمعنى هل يؤاخذكم ربكم فيرسل عليكم صاعقة من السماء؟ هل يخسف بكم الأرض كما خسف بمن كان قبلكم؟ هل يؤجلكم؟ هل تؤمنون؟ هل تظلون على كفركم؟ هل أنتصر عليكم؟ هل أقتل كما قتل الأنبياء من قبلي؟ هل وهل وهل، كل ذلك غيب لا يعلمه إلا أن يُعْلِمه الله، (وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ ۖ ) من رزق من غنى من فقر من هداية من ضلال من نصر من هزيمة من موت من حياة، كل ذلك غيب لا يعلمه النبي، صلى الله عليه وسلم، ولا دخل له فيه ولا سيطرة له على شيء حتى عليهم، لست عليكم بمسيطر‫.‬‬
‫( وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ ۖ ) وإن كان الله قد أدراه بعد ذلك في آيات أخرى حيث قال له‫:‬ (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ ) من أجلك ومن أجل عيونك من أجل خاطرك يا حبيبي لن آخذ الكفار من أمتك كما أخذت من قبلهم، فهم آمنون من الخسف والتدمير والصواعق، آمنون بوجودك فيهم، فإذا انتقلت إلى الرفيق الأعلى أمِنَ كفار أمتك وعصاتها باستغفار المؤمنين منهم‫:‬ (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٣]، فباستغفار المؤمن يرحم العاصي ويؤجل العاصي‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
(وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ) ‫إذاً فهو رسول، يبلّغ يبشر ينذر ولا دخل له في شيء، لا يهدي من يشاء ولكن الله يهدي من يشاء، لا يقوى على الهداية ولا الإضلال، لا يقوى على نصر ولا على هزيمة، لا يقوى على مؤاخذتهم، لا يقوى على محاسبتهم، لا يملك شيئا ولا يقول شيئا ولا ينشئ قولا‫:‬ (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ (٤)) [سورة النجم آية‫:‬ ٤].‬
‫( قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يَفعل بي ولا بكم) يَفعل، أي يفعل الله، قراءة‫.‬‬
‫(إن أتبع إلا ما يوحِي إلي) أي ما يوحي إلي الله، قراءة‫.‬‬
‫( قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًۭا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ (٩)) نذير‫:‬ مخوِّف محذر مبين‫:‬ موضح مبين، الدليل على قولي‫:‬ هاهي ثمود، هاهي عاد، هاهي قرى لوط، هاهم قوم مدين، تمرون عليهم في الشتاء وفي الصيف، في رحلة الشام وفي رحلة اليمن، (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٣٧- ١٣٨] إذا فهو نذير مبين موضح مبين جاء بالدليل وجاء بالبرهان وجاء بالحجة (وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ (٩)).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫ويأتي افتراض بعد ذلك يدل على منتهى الحلم من الله، ويدل على منتهى السفاهة من هؤلاء الناس، والإنسان في شكّه في أمر لا بد وأن يفترض الفروض، ولكي تحصل على أحسن النتائج يجب أن تفترض أسوأ الفروض، يجب أن تفترض أسوأ الفروض لكي تحصل على أحسن النتائج (وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ (٩)) هو ينذر، ينذر بماذا؟ بيوم قيامة بيوم بعث، ينذر بالنار وعذاب الجبار، وتأمل لو أنك في مجلسك هذا جاء مَن بجوارك وقال‫:‬ قم، ثعبان إلى جوارك! قم واحذر الحية! إياك والعقرب! ماذا تفعل؟ تهب واقفًا تفزع تقفز تبعد نفسك عن مصدر الخطر ثم بعد ذلك تنظر أهناك ثعبان أم لا، لو أنك شككت في كلامه، خذ حذرك أولا ثم بعد ذلك تأكد، أما وأن يقول لك‫:‬ إياك وحاذر فإلى جوارك ثعبان، فتقول‫:‬ أنت تمزح، أنت تهزأ، أنت تستهزئ بي، أنت تكذب وتدّعي، تقول ذلك فإذا بالثعبان يلدغك وإذا بك تندم، العقل يقول‫:‬ احذر أولا ثم ابحث ثانيا، من هنا اسمع‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿10﴾
‫( قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ) احتمال، يجب أن تحتمل، احتملتم وافترضتم الكذب في، افترضتم الافتراء في، افترضتم أن ذاك سحر ألا تفترضون مرة أنه حق؟ ألا تفترضون مرة أنه صدق فتتأملون فيه، (قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِۦ فَـَٔامَنَ) الشاهد موسى، ومثله التوراة، ففي القرآن ما جاء في التوراة من توحيد وفيها نعت النبي، صلى الله عليه وسلم، وصفته، الشاهد عبد الله بن سلام عالم اليهود وحبرهم الذي شهد لمحمد، صلى الله عليه وسلم، بالنبوة وبالصدق، الشاهد من آمن من اليهود أيا كان، على التوراة إذ فيها ما جاء في القرآن فدعوة الأنبياء واحدة لا إله إلا الله وأن هناك يوما للبعث وأن الساعة لا ريب فيها، (قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِۦ فَـَٔامَنَ) أين الجواب؟ أين الجواب؟ الجواب محذوف لا بد له من تقدير، (قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِۦ فَـَٔامَنَ) ألستم بظالمين؟ هل تأمنون عذاب الله؟ استكبرتم إذا فها هو القرار (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ (١٠)) والإجابة معلومة، وكأن الكلام تقديره‫:‬ إذا كان هذا القرآن من عند الله حقيقة، افتراض احتمال، كما احتملتم الكذب احتملوا الصدق، فإذا كان حقا من عند الله وكفرتم به وهو الحق، هل تأمنون العذاب؟ إذا كان كلام محمد صدقا محضا وهناك ساعة وهناك قيامة وهناك جنة وهناك نار، إذا افتراضنا وجود إله، هاهم أناس ينكرون وجود الإله ويتصرفون على هذا الأساس، لا يؤمنون كما افترضت عدم الوجود افترض الوجود فإذا افترضت الوجود ألا تتأمل في ذلك، فإذا لم تفترض الوجود وقد كان الوجود حقا ماذا يكون مصيرك؟ نحن نؤمن بالساعة إذا لم تكن هناك ساعة نحن نؤمن بالقيامة إذا لم تكن هناك قيامة إذا لم يكن هناك حساب هل خسرتم شيئا؛ بصلاتكم خسرتم شيئا؟ بصيامكم فقدتم شيئا؟ بمجيئكم إلى هذا البيت هل خسرتم شيئا أو فقدتم شيئا؟ لا حساب ولا قيامة، هل خسر المؤمنون؟ أبدا عاشوا في أمان وفي سعادة وفي خلق كريم، هلم إلى الكفار الذين أنكروا الساعة وأنكروا القيامة لو كان هناك ساعة هل خسروا؟ نعم هم الأخسرون، افتراض احتمال، وانظر كيف يأتي الكلام وكيف يأتي ينذر ربنا، تبارك وتعالى، هذه الحجج والبراهين ويناقشهم ويجادلهم بالحجة والبرهان بالافتراض تارة وبالاحتمال تارة وبالتأكيد تارة وبالتفكير والتأمل والإدراك تارة وبمخاطبة العقول تارة وبمخاطبة القلوب تارة، من يهدي من أضل الله؟ من؟‬
‫( قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ (١٠)) وقد يكون الكلام فيه تقديم وتأخير بمعنى‫:‬ (قل أرأيتم إن كان من عند الله وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن هو وكفرتم أنتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين)، والكلام فيه تقديم وتأخير، والإجابة موجودة ولا تحتمل التقدير(قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِۦ فَـَٔامَنَ) آمن هو وكفرتم أنتم، في هذه الحالة (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ (١٠)) لأنكم ظلمة، الحق أبلج ومع ذلك تركتموه، إذا فقد ظلمتم أنفسكم، والله لا يهدي القوم الظالمين‫.‬‬
‫( قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ (١٠)).‬
‫أيها الأخ المسلم العقل العقل! أعمل عقلك، أعمل بصرك، وافتح أذنك ينفتح قلبك، وإذا بالإيمان نور ينير لك الطريق في الدنيا وفي الآخرة، وإذا بالتوحيد عقيدة راسخة، إي وربي، يتحدث بها شعرك كما يقشعر لها جلدك كما ينفتح لها صدرك كما يضيء بها قلبك، آمنوا بالله وبوحدانيته، وثقوا به وأنكم إليه صائرون فاعملوا لذلك وسلوه المغفرة والرحمة‫.‬‬
‫نظرة الإنسان إلى الدنيا ما لم تؤيد بإيمان في قلبه فهي تابعة للهوى، وطالما تبعت نظرة الإنسان في الدنيا للهوى ضل وأضل، الدنيا إلى زوال، والدنيا مخلوقة، والدنيا عمرها قصير وخطرها حقير وزادها قليل، وأنت إذا رأيت الدنيا رأيت أن الله، تبارك وتعالى، قسّم الأرزاق فجعل هذا غنيا وجعل ذاك فقيرا وعقل الإنسان محسوب عليه من رزقه وما السلطان وما الجاه إلا مظاهر وزخرف زائل لا محالة، ولو دامت لغيرك ما آلت إليك، العاقل يرى ذلك وعليه فإن كان على غنى عرف أن ذاك من الله، وإن كان على فقر عرف أن ذلك فضل من الله يحميه من الدنيا يقيه من شر الإسراف، لو أعطاه لعصى وهلك، لو أغناه لتجبر وطغى، فإذا رأيت ذلك فلا تحسد من هو فوقك ولا تتكبر على من هو تحتك، فالله يبسط ويقبض، والله يعطي ويمنع وينفع ويضر، لكن الجهلاء الذين اتبعوا الهوى اختالوا بعطاء الله لهم، فهذا يختال بجسده أوتي جسدا عظيما، فهو يختال بطوله وعرضه وقوته على الضعفاء قليلي الحجم، وهذا أغناه الله فهو يختال بغناه على الفقراء، وهذا أوتي جمالا فهو يختال بجماله على من حرم حظا من الجمال، كيف تختال بشيء لا تملكه؟ كيف كيف وقد ولدتم جمعيا عراة حفاة لا تملكون شيئا، كلكم لآدم وآدم من تراب، جهلاء مكة ومشركو قريش حين رأوا أن من آمن بمحمد، عليه الصلاة والسلام، هم بلال وصهيب وعمار، الفقراء والعبيد، قالوا بجهالتهم، واسمع لما قالوا:
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْ كَانَ خَيْرًۭا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ۚ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا۟ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌۭ قَدِيمٌۭ ﴿11﴾
سبحان الله! سبحان الله! منتهى الجهالة منتهى الضلال والجهل (لَوْ كَانَ خَيْرًۭا) أي لو كان القرآن وما جاء به محمد خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء السقاط عامة الشعب الفقراء والعبيد، كيف يحصلون على خير نحن لا نحصل عليه وكأن الخير كتب لهم، وكأنهم أصحاب الغنى والجاه والسلطان وأصحاب الخير في كل وقت وحين، بل في الدنيا والآخرة، حتى أنهم زعموا إن كان هناك قيامة وآخرة فلا بد أن نكون فيها سلاطين وأمراء وأغنياء كما كنا في الدنيا، كِبر غرور جهل ضلال، سمه ما شئت، (وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْ كَانَ خَيْرًۭا) أي الهدى والقرآن ومحمد (مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ۚ ) ما سبقنا هؤلاء السُّقّاط والضعفاء والفقراء إليه، تلك مقالة، الأغرب من هذا أن تأتي قاعدة في القرآن، قاعدة سارية إلى أن تقوم الساعة، تلك القاعدة هي‫:‬ من جهل شيئا عاداه، أو بمعنى‫:‬ الإنسان عدو ما يجهل، قاعدة قيلت في القرآن، يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا۟ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌۭ قَدِيمٌۭ (١١)) جهلوه لم يهتدوا بالقرآن وحين لم يهتدوا بالقرآن زعموا أنه كذب وادعاء منقول من الكتب القديمة من أساطير الأولين، (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا۟ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌۭ قَدِيمٌۭ (١١)) أي طالما لم يهتدوا بالقرآن ولم يصلوا للهداية بسماعهم للقرآن سيهاجمونه كذبا يهاجمونه جهلا يهاجمونه ظلما، يدعون يدعون ويزعمون أنه إفك كذب قديم جاء من أساطير الأولين حكايات تحكى وأساطير تروى، فالإنسان عدو ما يجهل، قاعدة، ومن جهل شيئا عاداه‫.‬‬
وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًۭا وَرَحْمَةًۭ ۚ وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌۭ مُّصَدِّقٌۭ لِّسَانًا عَرَبِيًّۭا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ ﴿12﴾
‫( وَمِن قَبْلِهِۦ) الدليل الرد عليهم (وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ) إذا فهو ليس بدعا من الكتب كما أن محمدا ليس بدعا من الرسل، من قبل هذا الكتاب الذي لم تهتدوا به وتزعمون أنه إفك قديم من قبله كتاب موسى (إِمَامًۭا وَرَحْمَةًۭ ۚ ) إماما يقتدى به ورحمة للناس وكذا القرآن، عارضوا القرآن مع التوراة هل جاء في القرآن شيء جديد يخالف التوراة من أمور التوحيد والعقيدة الأساسية؟‬
‫( وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًۭا وَرَحْمَةًۭ ۚ وَهَـٰذَا) القرآن مثل التوراة (وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌۭ مُّصَدِّقٌۭ) أي مصدق للكتب السابقة ليس فيه شيء جديد وليس فيه شيء غريب (وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌۭ مُّصَدِّقٌۭ لِّسَانًا عَرَبِيًّۭا) أي بلسان عربي فنزع الخافض فانتصب (لِّسَانًا عَرَبِيًّۭا) نصب بنزع الخافض (وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌۭ مُّصَدِّقٌۭ لِّسَانًا عَرَبِيًّۭا) بلغتكم، بلغتكم، باللغة العربية التي تفهمونها وتعقلونها وورثتموها‫.‬‬
‫(لتُنذر الذي ظلموا) أي لتنذر يا محمد الذين ظلموا، قراءة، أو(لِّيُنذِرَ) ليُنذر القرآن أو لينذر النبي (ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)) بشرى في موضع رفع أي كتاب مصدق وبشرى معطوف أو في موضع نصب بنزع الخافض وللبشرى‫.‬‬
‫( وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌۭ مُّصَدِّقٌۭ لِّسَانًا عَرَبِيًّۭا) منصوبة على الحال، حال كونه عربيا، و(لِّسَانًا) توطئة للحال، أو منصوب بنزع الخافض، بلسان عربي، (لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)).‬
‫فإن أعظم العلم في الدنيا علم صادق وعمل صالح، ومنتهى العلوم التوحيد بالله، تبارك وتعالى، نعم خلاصة العلم توحيد الله، ومنتهى العمل الاستقامة في الأمور كلها، من أجل ذلك يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿13﴾ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿14﴾
‫( إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا) الذين قالوا ربنا الله هم الذين اتصفوا بالعلم، بأشرف العلوم بمنتهى العلم العلم بالله، إذ أن توحيد الله هو منتهى العلم وهو أشرف العلوم على الإطلاق، إذا فربنا، تبارك وتعالى، يصف هؤلاء الذين اتصفوا بالفضائل كلها، اتصفوا بوصفين منتهى العلم أو خلاصة العلم ومنتهى العمل، خلاصة العلم التوحيد، ربنا الله، إذًا فقد أقروا بالربوبية وأقروا بالألوهية، أقروا بالربوبية أي أن الله، تبارك وتعالى، هو رب السموات والأرض، وهو رب العالمين وخالقهما وموجدهما، هو الخالق وهو الموجد وهو الرازق وهو الله لا إله إلا هو الواحد المدبر المهيمن، لأن مشركي العرب أقروا بالربوبية ولم يقروا بالألوهية، فإن سألتهم من رب السموات والأرض قالوا الله، إذا فقد أقروا بأنه الخالق الرب المربي الموجد، وحين سئلوا عن الألوهية أشركوا مع الله آلهة أخرى، أما هؤلاء الذين وصفهم الله وأثنى عليهم ووعدهم الجزاء الأوفى هؤلاء قد أقروا بالربوبية وأقروا بالألوهية في قولهم‫:‬( رَبُّنَا ٱللَّهُ) ، وقد سئل النبي، صلى الله عليه وسلم، سأله سائل، فقال‫:‬ يا رسول الله قل لي قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك‫.‬ فقال‫:‬ (قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ).‬
‫( إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟) ثم للتراخي، ولبيان أن العمل متراخ عن الإيمان، أي أن الإيمان أولا ثم العمل، أيضا لبيان أن العمل المعتبر به هو المبني على الإيمان، فالعمل بغير إيمان كلا عمل، فجاء بكلمة ثم لبيان أن العمل مترتب على الإيمان متراخٍ عنه مرتبته تلي مرتبة الإيمان، وأن العمل المعتبر به شرعا هو المترتب على الإيمان، والاستقامة الاستقامة في الأمور كلها، السير على منهج الله، تبارك وتعالى، في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه‫.‬‬
‫( إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من شيء يكرهونه (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣))على شيء يحبونه، لا خوف عليهم مما هو آت، ولا يحزنون على ما فات، لا خوف ولا حُزْن، (أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا) هم أصحاب الجنة وكأن الجنة خلقت لهم وكأنهم ورثوها بلا منازع وبلا شريك (أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا) لا موت ولا عدم ولا تعب ولا نصب (جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (١٤)) أي ذلك الجزاء بسبب استحقاقهم له أو أن استحقاقهم لهذا الجزاء لاستكمالهم الفضائل العلمية بالتوحيد والعملية بالاستقامة (أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (١٤)).‬
‫وينتقل الكلام عن بر الوالدين وعقوق الوالدين، وصلة الكلام يدعو للتأمل، فمن أول سورة الأحقاف الكلام مخاطبة للمشركين، قرعهم بالحجة بالبرهان الساطع، بيان أن النبي، صلى الله عليه وسلم، صادق وأمين، الخطاب لهم والخطاب معهم، وانتقل الخطاب فجأة لضرب الأمثال بالبر والعقوق بالإيمان وبالكفر، وكأن السر في هذه الصلة هو أن الله، تبارك وتعالى، يريد أن يبين لنا أن الأبناء منهم البار ومنهم العاق، فإذا كان قوم محمد، صلى الله عليه وسلم، منهم من آمن ومنهم من كفر فليس ذلك عجبا، ففي الأبناء البار والعاق، فلا عجب أن يكون في قوم النبي، صلى الله عليه وسلم، مصدق ومكذّب مؤمن وكافر، فيقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰنًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًۭا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًۭا ۖ وَحَمْلُهُۥ وَفِصَـٰلُهُۥ ثَلَـٰثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًۭا تَرْضَىٰهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىٓ ۖ إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴿15﴾
‫(ووصينا الإنسان بوالديه حُسنًا) قراءة، حملا على قوله، تبارك وتعالى، في سورة العنكبوت‫:‬ (وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًۭا ۖ ) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٨]، (وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰنًا ۖ ) حملا على قوله، تبارك وتعالى، في سورة الإسراء، والقراءتان صحيحتان، (وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰنًا ۖ ) الإحسان ضد الإساءة، والحسن ضد القبح، وصينا أمرنا، فمعنى أن الله، تبارك وتعالى، يوصي أي يأمر،(وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ) أي أمرنا الإنسان (بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰنًا ۖ ) أي أن يحسن لهما وأن يصاحبهما في هذه الدنيا بالإحسان وليس بالإساءة (وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰنًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًۭا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًۭا ۖ ) أو حملته أمه كَرْهاً ووضعته كَرْها، قراءة، كُرهاً وكَرْهًا لغتان بمعنى واحد، أو كُرهًا بالضم ما حمل الإنسان على نفسه، كَرْهاً بالفتح ما حمله على غيره، الكُره الشده والمشقة، الكَرْه القهر والغصب،كقوله، تبارك وتعالى، للسموات والأرض‫:‬ (ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ (١١)) [سورة فصلت آية‫:‬ ١١] كَرْها أي قهرا بغير إرادة منكما (حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًۭا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًۭا ۖ ) أي ذات كره أو حملا ذا كره، فيه الشدة وفيه المشقة في الحمل وفي الوضع كذلك (وحمْلُهُ وَفَصْلُهُ) قراءة (ثَلَـٰثُونَ شَهْرًا ۚ ) قراءة أي مدة الحمل ومدة الرضاعة ثلاثون شهرا، (وحمْلُهُ وَفَصْلُهُ) أي مدة حمله وفصاله ، (ثَلَـٰثُونَ شَهْرًا ۚ ) وفي موضع آخر يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ۚ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٣٣]، فبين أن مدة الإرضاع سنتان ويقول في موضع آخر‫:‬ (وَفِصَـٰلُهُۥ فِى عَامَيْنِ) [سورة لقمان آية‫:‬ ١٤]، وهنا يتبين لنا أن مدة الحمل ومدة الرضاعة ثلاثون شهرا، إذًا فقد جاءت الآية لتدل على أن أدنى مدة للحمل ستة أشهر، وأن من وضعت بعد ستة أشهر من الحمل فلا بأس عليها وحملها صحيح ونسبها شرعي، وقال بعض العلماء‫:‬ (ثَلَـٰثُونَ شَهْرًا ۚ ) أسقط الله، تبارك وتعالى، ثلاثة أشهر من الحساب وهي المدة الأولى من الحمل لأن الحامل لا تشعر بحملها في المدة الأولى، حيث يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًۭا فَمَرَّتْ بِهِۦ ۖ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٨٩] نطفة وعلقة ومضغة ولا تشكو، ويبدأ الكره بعد ذلك، وقال بعضهم‫:‬ بل الآية لتبين أن مدة الحمل إذا كانت ستة أشهر أرضعته أربعا وعشرين شهرا، وإذا كانت مدة الحمل تسعة أشهر أرضعته إحدى وعشرين شهرا حتى يكتمل العدد بالحمل والإرضاع ثلاثين شهرا، فإن ولد بعد ستة أشهر فهو محتاج للرضاعة أكثر فترضعه أربعا وعشرين شهرا، وإن ولدته بعد تسعة أشهر فيكفي أن ترضعه إحدى وعشرين شهرا، والآية تدل على أن أقل مدة للحمل ستة أشهر لحفظ الأنساب‫.‬‬
‫( حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ) الأشد‫:‬ الحُلُم، الأشد بلوغ الحلم الأشد‫:‬ ثماني عشرة سنة، الأشد‫:‬ ثلاث وثلاثون سنة، تلك أقوال، الأشد بمعنى اكتمال القوة في البدن، واكتمال العقل، ذاك هو الأشد، الأشد استكمال القوى العقلية والبدنية، ذاك هو الأشد، إن كان الحُلُم أو إن كان في ثماني عشرة سنة أو ثلاث وثلاثين سنة على مختلف الأقوال، (وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ) سن النبوة، سن الكمال، منتهى كمال الأشد، أقصى مدة للأشد أكبر الأشد أربعون سنة، فإذا بلغ الأشد وبلغ أربعين سنة (قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ) الكلام مثال عن البار بوالديه الطائع لربه، وقيل إن الآية نزلت في أبي بكر الصديق، فما من أحد من المهاجرين اجتمع له إسلام أبويه سوى أبي بكر هو الوحيد من المهاجرين الذي أسلم أبواه وأسلم جميع أولاده فقد استجاب الله لدعائه حين قال‫:‬ أصلح لي في ذريتي، فأسلم الأولاد والبنات، قيل ذلك والآية عامة والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب‫.‬‬
‫( قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ) أوزعني‫:‬ ألهمني، أوزعني ادفعني ووفقني، والوزع‫:‬ الحبس، أوزعني‫:‬ ألهمني ووفقني واقصر عملي أن أشكر نعمتك؛ نعمتك عليّ بالهداية، نعمتك عليّ بالتوفيق، نعمتك عليّ بالإيجاد، نعمتك علي التي لا تعد ولا تحصي النعمة على الوالدين أن يرزقهما ربنا، تبارك وتعالى، التحنن والإشفاق، فيربيا الصغير بالشفقة والحنان والرحمة، ولولا أن الله، تبارك وتعالى، غرس الرحمة في قلوب الآباء والأمهات ما عاش منا أحد وما رُبّي منا أحد وكلنا نعلم كيف يضحي الأب وكيف يسعى على رزق أولاده وكيف تضحى الأم وتسهر الليالي من أجل رضيعها وصغيرها فتلك نعمة على الأبناء قبل أن تكون نعمة على الآباء‫.‬‬
‫( وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًۭا تَرْضَىٰهُ) صالحا نكرة كلمة منكره (أَعْمَلَ صَـٰلِحًۭا) هل هذا التنكير للتعظيم فهو يطلب أعظم الأعمال الصالحة يطلب أن يوفقه الله، تبارك وتعالى، لأفضل الأعمال أم أن هذا التنكير لأنه يطلب الجنس من العمل الذي يرتضيه الله، تبارك وتعالى، (وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًۭا تَرْضَىٰهُ) لأن العبد قد يعمل العمل يظن أنه صالح وهو عند الله غير مقبول، فالعبرة بالعمل القبول، إذا قبل العمل ولو سجدة نجا العبد، نجا العبد، إذًا فالعبرة في الأعمال بقبول الله، تبارك وتعالى، لها، من هنا يقول‫:‬ (أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًۭا تَرْضَىٰهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىٓ ۖ ) بأن يجعلهم ربنا، تبارك وتعالى، أبرارا به طائعين له بارين بالأب والأم طائعين لله، تبارك وتعالى، وذاك منتهى الكمال في الابن أن يكون بارا بوالديه صالحا فإذا كان بارا بوالديه أسعدهما في الدنيا، أسعدهما في الدنيا، وإن كان صالحا أسعدهما بعد مماتهما، فإذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث؛ منها‫:‬ ولد صالح يدعو له، فالولد الصالح البار يسعد في الدنيا ويسعد أيضا بعد الموت (وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىٓ ۖ إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ) إني تبت إليك عمّا لا يرضيك، ثُبت إليك عن كل ما يشغلني عنك، تبت إليك عن كل ما لا ينبغي (وَإِنِّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (١٥)) الموحدين المخلصين ذاك، هو المثال للعبد الصالح البار بوالديه والذي يدعو لهما والذي يسأل الله، تبارك وتعالى، أن يصلح له في ذريته وأن يوفقه للعمل الصالح‫.‬‬
‫وضرب المثال بالسن هنا ببلوغ الأشد، قالوا بلوغ الحلم وهو سن التكليف لأن قبل الحلم لا يكون الإنسان مكلفا، إذا بلوغ الأشد هو بلوغ الحلم وهو سن التكليف حيث يصبح المرء مسئولا عن عمله، وقالوا إن سن الأربعين هو سن النبوة وسن الاكتمال، وقالوا إن العبد ممهل إلى هذا السن ففي شبابه طيش وفي شبابه شهوة وفي شبابه النزوات والخطرات، فإذا بلغ سن الأربعين بفضل الله، تبارك وتعالى، ولم يمت قبل ذلك فلا عذر له وأقيمت عليه الحجة فذاك سن الاكتمال وسن العقل التام وسن النبوة‫.‬‬
‫البر بالوالدين جاء في أكثر من موضع في القرآن، وقد أمر الله، تبارك وتعالى، بعبادته وتوحيده، وقرن ذلك ببر الوالدين حيث قال‫:‬ (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۚ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٢٣]،كما قرن شكرهما بشكره حيث قال‫:‬ (أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ (١٤)) [سورة لقمان آية‫:‬ ١٤] وقد سئل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أي أعمال أحب إلى الله فقال، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا، قِيلَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قِيلَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْجِهَاُد فِي سَبِيلِ اللهِ)، وقال، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةُ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ)، أي بعد أن يموت وقد جاءه رجل فسأله وقال‫:‬ يا رسول الله هل بقى من بر والدي بعد موتهما شيء أبرهما به؟ قال‫:‬ (نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا رَحِمَ لَكَ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِمَا)، هذا الذي بقى عليك ولا يشترط لبر الوالدين أن يكون الوالدان مسلمين، بل البر مطوب وإن كان الأبوان كافرين حيث تقول أسماء بنت أبي بكر الصديق، رضى الله عنها، جاءتني أمي وهي راغبة، أي راغبة عن الدين كانت مشركة، فسألت النبي، صلى الله عليه وسلم، فقلت أفأصلها يا رسول الله؟ قال‫:‬ (نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ)، ونزل قول الله، تبارك وتعالى، مصداقا لذلك‫:‬ (لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ (٨)) [سورة الممتحنة آية‫:‬ ٨]، بل جاء رجل إلى رسول الله يستأذنه في الجهاد فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (أَحَيٌّ وَالِدَاكَ)؟ قال‫:‬ نعم، قال‫:‬ (اذْهَبْ، فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ).‬
‫ومن هنا استدل العلماء على أن الجهاد في سبيل الله إذا لم يكن فرض عين وجب أن يستأذن المجاهد فيه أبويه ولا يخرج للجهاد إلا بعد إذن الأب والأم، وتبين الآية أن الأم لها مزيد فضل ومطلوب لها مزيد بر لأن الله، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰنًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًۭا) وجاء بذكر الأم ولم يأت بذكر الأب، جاء بالتفصيل لذكر الأم (حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًۭا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًۭا ۖ وَحَمْلُهُۥ وَفِصَـٰلُهُۥ ثَلَـٰثُونَ شَهْرًا ۚ ) إذا فقد تميزت الأم عن الأب بثلاثة أشياء؛ الحمل والوضع والرضاعة، الحمل فيه الشدة والمشقة والوضع فيه الشدة والمشقة وكذلك الإرضاع فيه السهر وفيه التعب، من هنا حين سئل رسول الله، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ)، فقال العلماء‫:‬ يجب أن تكون محبة الابن لأمه ثلاثة أمثال محبته لأبيه، وشفقته عليها ثلاثة أمثال شفقته على أبيه، ثلاثة أمثال من قول النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (أمك ثم أمك ثم أمك) ثلاث مرار، من أجل الحمل من أجل الوضع من أجل الرضاعة، بل ويقول النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (مَنْ أَصْبَحَ مُرْضِيًّا لِوَالِدَيْهِ وَأَمْسِى، أَصْبَحَ وَأَمْسَى وَلَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، وِإِنْ وَاحِدًا فَوَاحِدًا)، أي إن كان الأب واحدا أو الأم لم يكن له سوى الأب أو الأم، (وإن كان واحدا فواحدا) أو أرضى أحدهما ولم يرض الآخر، (وَمَنْ أَمْسَى وَأَصْبَحَ مُسْخِطًا لِوَالِدَيْهِ أَصْبَحَ وَأَمْسَى وَلَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إِلَى النَّارِ، وَإِنْ وَاحِدًا فَوَاحِدًا) فقال رجل‫:‬ وإن ظلماه يا رسول الله؟ فقال، صلى الله عليه وسلم، (وَإِنْ ظَلَمَاهُ وَإِنْ ظَلَمَاهُ وَإِنْ ظَلَمَاهُ)، ثلاث مرات يكررها‫.‬‬
‫بر الوالدين، من أخطر الأمور أن يعق الإنسان والديه، فعقوق الوالدين من أكبر الكبائر، حيث قال النبي، صلى الله عليه وسلم، (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قُلْنَا‫:‬ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ)، ثم أخذ يكررها، إذا فقد قرن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الشرك بعقوق الوالدين كما قرن الله، تبارك وتعالى، العبادة والتوحيد ببر الوالدين وقرن الشكر لله بشكر الوالدين.
أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمْ فِىٓ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ ۖ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يُوعَدُونَ ﴿16﴾
هذه الآية تدل على أن الآية السابقة آية عامة والعبرة بعموم اللفظ (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ) إذاً فكل من فعل هذا دخل في هذا الوعد، (أولئك الذين يَتَقَبَّل عنهم)، (ويتجاوز عن سيئاتهم ) (أولئك الذين يُتقبل عنهم) (ويُتجاوز عن سيئاتهم) (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمْ) ثلاث قراءات‫.‬‬
‫( أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمْ) قالوا الأحسن ما فيه ثواب وعقاب، الأحسن العمل الصالح، أما الحسن فهو المباح الذي ليس فيه ثواب ولا عقاب، فالعمل الحسن هو العمل المباح كالأكل والشرب والنوم وما إلى ذلك، عمل مباح ليس فيه ثواب وليس فيه عقاب، أما الأحسن فهو العمل الذي يؤدي إلى رضا الله، تبارك وتعالى، ويؤدي إلى الثواب (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمْ) السيئات‫:‬ السوء العمل السيئ، السيئات القبائح، السيئات المعاصي، السيئات الصغائر، يتجاوز يعفو ويصفح من قولهم‫:‬ جزت الشيء إذا لم أقف عليه، جاز الشيء لم يقف عليه ولم يتوقف عنه، فالتجاوز الصفح والعفو وعدم التوقف عند هذا الشيء، إذا فكأنهم لا يسألون عن سيئاتهم،( وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمْ) بمعنى عدم السؤال عن القبائح، (إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ (١١٤)) [سورة هود آية‫:‬ ١١٤].‬
‫( وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمْ فِىٓ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ ۖ ) أي مع أصحاب الجنة (وَعْدَ ٱلصِّدْقِ) مصدر مؤكد لنفسه من باب إضافة الشيء لنفسه، (وَعْدَ ٱلصِّدْقِ) أي وعد الله صادق ووعد الله حق، وكأن الله وعدهم ووعده صدق والوعد محقق لا محالة، (وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يُوعَدُونَ (١٦)) أي الذي كانوا يوعدون به في الدنيا، فنحن نوعد في الدنيا، في القرآن، بالجنة وبالبشرى، وهذه الوعود التي وعد الله عباده تتحقق يوم القيامة‫.‬‬
‫ويأتي الكلام ليضرب المثل بالعاق والذي يؤدي به عقوقه إلى الكفر، المعاصي والحسنات كلما أتى العبد عملا صالحا كلما ارتفع في الدرجات وكلما أدى به العمل الصالح إلى عمل أصلح وأحسن، فلو واظب العبد على قراءة القرآن لا بد وأن يصل إلى الحفظ وإن وصل إلى الحفظ لا بد وأن يصل للعمل ولو وصل إلى العمل لا بد وأن يصل للفهم وهكذا يرقى، والعمل الصالح يرقي العبد، والعمل السيئ إذا واقع الإنسان الشبهات وقع بعد ذلك في الحرام، وإذا وقع في الحرام أو الصغائر أدى به ذلك إلى الوقوع في الكبائر، وكلما وقع في الكبائر أدى بعد ذلك به إلى الكفر بالله أو الشرك بالله، يقول الله، تبارك وتعالى:
وَٱلَّذِى قَالَ لِوَٰلِدَيْهِ أُفٍّۢ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِىٓ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿17﴾
‫(أُفٍّۢ) فيها قراءات ذكرناها في سورة الإسراء (أُفٍّۢ لَّكُمَآ) (أُفَّ) بغير تنوين (أُفِّ) بغير تنوين فيها القراءات التي ذكرت في سورة الإسراء (وَٱلَّذِى قَالَ لِوَٰلِدَيْهِ أُفٍّۢ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِىٓ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى) (أتعدانِنيَ) (أتعدانِّيَ) (أن أَخْرج) قراءة، قراءة، (أتعدانِنيَ) (أتعدانِّيَ) قراءات، إذًا فقد عقّ والديه وقال أفٍ لهما، ومقولة أف تعني أنه قد ارتكب ما فوق ذلك لأن الله، تبارك وتعالى، ينهي عن هذه المقولة (فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّۢ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٢٣]، إذاً ما فوق ذلك من الكبائر إذا كان النهي عن كلمة أف، وهي كلمة تضجر، كلمة تأفف، كلمة ضيق، قد تقال من الإنسان رغم أنفه في حالة الضيق، أف كلمة ضجر، تضجر، فإذا كان هذا منهيا عنه فما بالنا بما فوق ذلك من الكلام أو الفعل أو الإشارة، النهي عن أقل الأمور وهي كلمة من حرفين (أُفٍّۢ) لا تعني شيئا ليس فيها السباب، ليس فيها الإساءة، وإنما فيها التضجر الملل فقط‫.‬‬
‫(وَٱلَّذِى قَالَ لِوَٰلِدَيْهِ أُفٍّۢ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِىٓ أَنْ أُخْرَجَ) إذا فهو ينكر البعث، ينكر البعث، (أَنْ أُخْرَجَ) أو (أن أَخرج) يقصد البعث يوم القيامة، هم يدعوانه للإيمان هم يحضانه على الإسلام وهو يأبى، لأنه عاق تعوّد على العصيان كلما أمره أبوه عصاه، وكلما أمرته أمه عصاها، هذا الذي تعوّد على العصيان وتعوّد على التأفف تعوّد على ألا يسمع النصح، تعوّد على النفور، فإذا إعتاد الإنسان على تسفيه رأي الأب أو تسفيه رأي الأم أو عدم الاستماع للنصح في أمور الدنيا فلن يستمع لهم في النصح في أمور الآخرة، وهكذا يؤدي العقوق، عقوق الوالدين يؤدي إلى الكفر بالله لأن الولد لا يتعلم الصلاة إلا من أبيه، ولا يتعلم الحنان إلا من أمه، فإذا عصى وعق لن يتعلم شيئا أبدا لا في الدنيا ولا في الآخرة لا شيء يصلحه ولا شيء ينفعه‫.‬‬
‫(أَتَعِدَانِنِىٓ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى) مضت واندثرت القرون من قبلي ولم ترجع، مات الأجداد ومات أجداد الأجداد واندثرت القرون وانمحت وخلت ومضت ولم نر أحدا منهم قد رجع فكيف تعداني بهذا الرجوع وتقولان إن هناك بعثا؟ وليس هناك بعث بدليل أنه لم يرجع أحد ممن مضى، (وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ) القرون جمع قرن، والقرن المدة من الزمان أو الجماعة من الناس المجتمعون في وقت واحد وزمان واحد ومكان واحد، (وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ) يدعوان الله لأن الاستغاثة‫:‬ الدعاء، أو يقولان‫:‬ نستغيث بالله منك وهذا مستبعد، وقد يكون المعنى وهما يستغيثان الله له أن يغيثه، يسألان الله الغوث لابنهما فالمغيث هو الله، وهما يسألان الله، تبارك وتعالى، أن يغيث هذا الولد العاق من الكفر ويهديه إلى الإيمان‫.‬‬
‫( وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنْ) ويلك كلمة تهديد بالويل بالثبور ودعاء أيضا لكنهما لا يقصدان ذلك، فما من أب أو أم يدعو على ابنه وإنما يدعو له، إذا حين يقولون ويلك يهددان يحذرانه يخوفانه كفره أو من نتيجة كفره، (وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ (١٧)) أساطير الأولين أباطيل الأولين التي سطروها وكتبوها، أباطيل لا أساس لها من الصحة أهناك بعث و و و وما إلى ذلك؟ كل هذا الكلام أباطيل لا أساس لها من الصحة سطرها الأولون، فأنتم تقولون كما قال الأولون، (فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ (١٧)) هو يقول إن ذلك أباطيل سطرها الأولون وهما يؤكدان ويشددان (إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ) وعد الله بالبعث، وعد الله بالجزاء وعد الله بالثواب والعقاب وهو يصر على ذلك، الذي (وَٱلَّذِى قَالَ لِوَٰلِدَيْهِ أُفٍّۢ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِىٓ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ (١٧)) تأكيد، صدق خوف شفقة ومع ذلك هو مستكبر ومعرض ويقول ما هذا إلا أساطير الأولين، فيقول الله، تبارك وتعالى، عن مثل هذا العاق‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ ﴿18﴾
‫( أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ) أي قول؟ قال الله، تبارك وتعالى، لإبليس‫:‬ (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)) [سورة ص آية‫:‬ ٨٥]، هل هي هذه المقالة التي حقت عليهم؟ وقال الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)) [سورة السجدة آية‫:‬ ١٣] هل هذه هي المقالة؟ هل هي قول الله، تبارك وتعالى، حين خلق الخلق، وهم في عالم الذر، وقبض قبضتين وقال‫:‬ هذه في الجنة ولا أبالي وهذه للنار ولا أبالي، قول الله، تبارك وتعالى، قول الله بأن هؤلاء من أهل النار، أمم كثيرة من الكفار مضت وخلت وكلها مصيرها إلى النار، وربنا لا يبالي فربنا، تبارك وتعالى، لا تنفعه الطاعات ولا تضره المعاصي ولو أدخل الخلائق جميعا جهنم ما نقص ذلك من ملكه، ولو أدخلهم جميعا الجنة ما نقص ذلك أو زاد في ملكه شيئا‫.‬‬
‫( أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ (١٨)) استئناف لتعليل الحكم (إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ (١٨)) حيث خسروا أنفسهم وخسروا مقاعدهم في الجنة، فما من عبد إلا وله مقعد في الجنة وله مقعد في النار، فإن عمل صالحا أنقذه الله من النار وأورثه مقعده في الجنة، وإن عمل سيئا خسر مقعده في الجنة وخسر أهله وخسر نفسه وخسر رضا الله، تبارك وتعالى، (إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ (١٨)).‬
‫إذا دخل أهل الجنة ودخل أهل النار النار، لكل من هؤلاء وهؤلاء مقامات ودرجات، وقد فضّل الله، تبارك وتعالى، الناس في الدنيا بعضهم فوق بعض درجات (ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ وَلَلْـَٔاخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍۢ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًۭا (٢١)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٢١]، فإذا دخل أهل الجنة في الجنة تفاضلوا بأعمالهم، الدخول بالرحمة والمنزلة في الجنة بالعمل، وكلما ازداد العبد من أعماله الصالحة كلما ازداد رفعة في الجنة، والجنة درجات والنار دركات، يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬
وَلِكُلٍّۢ دَرَجَـٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿19﴾
‫( وَلِكُلٍّۢ دَرَجَـٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۖ ) وسمَّى في الجنة درجات، وفي النار دركات؛ لأن الجنة درجاتها علُّوًا، ودرجات النار استفالا، فهي دركات، نزول، كلما ازداد كفرا كلما ازداد نزولا في قعر جهنم واقترابا من قعر جهنم، وكلما كان صالحا كلما ازداد رفعة في الجنة‫.‬‬
‫بيّن الله هؤلاء الذين بروا آباءهم وأطاعوا ربهم وكيف يكون مصيرهم، ثم بيّن هؤلاء الذين عقّوا الأبوين ووصلوا إلى الشرك والكفر وإنكار البعث، كيف يكون مصيرهم، ثم قال إن لكل من الفريقين درجات مما عملوا، فالناس لا تستوي في الأعمال، لا يستوي الصالحون في صلاحهم ولا يستوي الكفار في كفرهم، فمن العباد من هو أصلح ومن العباد من هو أفجر، لكل من الفريقين الذين آمنوا أهل الجنة والذين كفروا أهل النار، لكل درجات مما عملوا أي درجاتهم تتصاعد علوا في الجنة بصالحاتهم، وأولئك درجاتهم تنزل سفالا في النار بما فسقوا وبما كفروا، وقارئ القرآن مثلا في الدنيا الذي حفظ كلام الله وعمل بما جاء فيه، يؤتى به يوم القيامة ويقال له‫:‬ اقرأ القرآن كما كنت تقرأه في الدنيا، اتل كما كنت تتلو في الدنيا، ودرجتك في الجنة عند آخر آية تتلوها وعدد درجات الجنة بعدد آيات القرآن، إذا فمن حفظ البقرة أقل منزلة ممن حفظ البقرة وآل عمران وهكذا لكل درجات مما عملوا (وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)) بزيادة عقاب أو بإنقاص ثواب، الفريقان أهل الجنة لا يظلمون وأهل النار لا يظلمون، لا يظلم هؤلاء بإنقاص ثوابهم ولا يظلم هؤلاء بزيادة عقابهم، بل يجزي الإنسان على قدر العمل (وَلِكُلٍّۢ دَرَجَـٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)).‬
‫أيها الأخ المسلم هذا المثال الذي ضربه الله لنا يبين لنا أن بر الوالدين يؤدي إلى كل نفع وإلى كل سعادة، ويبين أن عقوق الوالدين يؤدي إلى كل شر وإلى كل ضر، وبر الوالدين لا يقتصر على حياتهما بل بر الوالدين دائم ولو بعد مماتهما بالاستغفار لهما وبالصلاة عليهما وبصلة الرحم التي لا رحم لنا إلا من قبلهما وبإنفاذ عهدهما، بر الوالدين يؤدي إلى الجنة، وعقوق الوالدين يؤدي إلى النار، بر الوالدين يؤدي إلى الإيمان وعقوق الوالدين يؤدي إلى الكفر، بل جاء رجل لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسأله عن أبويه فقال تركتهما يبكيان، وقد جاء ليبايع ويهاجر، فقال‫:‬ (ارْجِعْ فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمِا)، وجاء رجل يسأله ويقول‫:‬ يا رسول الله، بلغ والدي الكبر وأَلِي منهما ما كان يليان من أمري في صغري، يشير إلى أنه يحملهما ويذهب بهما إلى الخلاء ويغير لهما ثيابهما فقد عادا إلى مرحلة الطفولة وفقدا الحراك، فهو يفعل لهما كل شيء إطعام وتغيير للثياب وغسل وأكل وكل شيء كما تفعل الأم بصغيرها الرضيع، ألي من أمرهما ما كانا يليان من أمري في صغري فهل جزيتهما يا رسول الله؟ قال‫:‬ (لَا)، قال‫:‬ ولم يا رسول الله؟ قال‫:‬ (لِأَنَّهُمَا كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ وَهُمَا يَرْجُوَانِ حَيَاتَكَ، وَأَنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَأَنْتَ تَرْجُو مَمَاتَهُمَا)، بر الأب وبر الأم لا يعدله عمل صالح، أحب الأعمال إلى الله مقرون بالعبادة والتوحيد وشكرهما كذلك، وأما العقوق فمقرون بالشرك، وها أنت تسمع حين سأل الرجل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإن ظلماه يا رسول الله فقال وإن ظلماه وإن ظلماه وان ظلماه، فإياكم والعقوق وعليكم بالبر، وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوما‫:‬ (رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ)، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ).‬
‫في يوم القيامة تحدث مشاهد ومواقف وأحوال وأهوال، نجانا الله من كل ذلك، يقول الله، تبارك وتعالى:
وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ﴿20﴾
‫(وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ) هل هم يعرضون عليها أم هي تعرض عليهم؟ مواقف وأحوال، فقد قال ربنا، تبارك وتعالى‫:‬ (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْكَـٰفِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)) [سورة الكهف آية‫:‬ ١٠٠]، إذاً فهي تعرض، وهنا يقول‫:‬ (يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ) مواقف مشاهد أهوال أعاذنا الله وإياكم منها، (وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ) يعذبون بها أو تبدو لهم أو يسمعون لهيبها وشهيقها وزفيرها، إذا رأتهم من كل مكان بعيد، هل رأتهم، هل ترى النار؟ هل ترى؟ هل تسمع هل تشعر؟ هل تعقل؟ ربنا، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ سَمِعُوا۟ لَهَا تَغَيُّظًۭا وَزَفِيرًۭا (١٢)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ١٢]، كالوحش إذا رأى الفريسة يزأر ويتلمظ ويجري لعابه، هل هي كذلك؟‬
‫(وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ) قراءة (آذهبتم طيباتكم) قراءة، استفهام للتوبيخ، والعرب توبخ بالاستفهام وبغيره، فقرئت بالاستفهام وبغير الاستفهام، (وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا)، هذه الطيبات التي أذهبوها في الدنيا أهي النعيم واللذائذ والشهوات؟ (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا) أفنيتم رصيدكم، أفنيتم الطيبات، استمتعتم بالشهوات واللذائذ وكل طيب في نظركم في الدنيا فليس لكم نصيب في الآخرة فقد أفنيتموها، هل هو ذلك؟ أم هل أذهبتم طيباتكم أي شبابكم في المعاصي وقوتكم في الفجور، والعرب تقول ذهب أطيباه الشباب والقوة، فالعرب تسمي الشباب والقوة أطيب ما في الإنسان، فإذا كبر الرجل وذهب عنه الشباب وضعفت منه القوة تقول العرب ذهب أطيباه، (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا) أي أفنيتم شبابكم وأذهبتم قواكم في المعاصي والفجور (وَٱسْتَمْتَعْتُم بِهَا) تمتعتم بهذه اللذائذ الحرام، وبهذه المعاصي، إذا طالما أذهبوا هذه الطيبات فليس لهم في الآخرة طيب‫.‬‬
‫(فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ) عذاب الهوان، الخزي العار الفضيحة الإذلال، ترى الرجل في الدنيا في عظمة وفي جاه وفي سلطان في غنى وحوله الناس يشجعونه ويمتدحونه ويصدقونه بالكذب ويمتدحونه بما ليس فيه يستمتع بما شاء يتجبر يستكبر، فإذا جاء يوم القيامة تراه ذليلا خازيا مفضوحا يتهرب منه كل إنسان يلعنه الخلائق أجمعون، (فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ) تستكبرون عن عبادة الله، تختالون على عباد الله، تستكبرون بغير الحق، هل هناك استكبار بالحق؟ ليس هناك استكبار بالحق أبداً لأن المتكبر بحق هو الله هو الله، وكل متكبر متكبر بالباطل، ما من متكبر من الدنيا إلا وهو متكبر بالباطل، أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة وهو فيما بينهما يحمل العذرة فكيف يتكبر ؟! فكل متكبر في الدنيا متكبر بالباطل مهما أوتي لأنه يتكبر بما لا يملك، إذا تكبر بالمال فمن الذي منحه المال، وإذا استكبر بالقوة والجاه فمن الذي أعطاه القوة والجاه؟ إذا فهو يتكبر بما لا يملك وبما لا يضمن دوامه، فهو متكبر بالباطل، أما المتكبر بحق هو المالك والملك والخالق والموجد هو الله، لذا يقال لهؤلاء الكفار‫:‬ (فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)) وحين يقول (تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ) تأكيد بأن أي استكبار في الدنيا استكبار بالباطل بغير حق، ليس هناك استكبار بحق واستكبار بغير الحق، إنما يؤكد أن هؤلاء المستكبرين استكبروا بالباطل، (فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)) هؤلاء الذين استكبروا في الدنيا بالباطل وبغير حق تراهم يوم القيامة أذلاء صاغرين، مصداقا لقول النبي، صلى الله عليه وسلم، (يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَشِيمِ الذَّرِّ، النمل الصغير، يَطَأُهُمُ النَّاسُ، أي يدوسون عليهم بأقدامهم، لِهَوَانِهِمْ عَلَى اللهِ).‬
‫(وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)) والفسق‫:‬ الخروج عن الطاعة، فسقت الرطبة خرجت عن قشرتها وإذا خرجت الرطبة عن قشرتها تلوثت وعف عليها الذباب وعافها الإنسان، وكذلك العبد إذا خرج عن لباس التقوى الذي أنزله الله علينا (يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًۭا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًۭا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ ۚ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٢٦] فمن خرج عن لباس التقوى فسق، وإذا فسق تعرض للشياطين وتعرض لهمزاتهم وتعرض للمساوئ وفضح في الدنيا وفي الآخرة، هؤلاء يقال لهم‫:‬ (فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)).‬
‫أيها الأخ المسلم، دخل عمر بن الخطاب على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في مشربته حين كان معتزلا لنسائه، سمع عمر أن النبي طلق نساءه وخاف على نفسه وعلى ابنته وحزن من أجل ذلك، دخل يسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيحكي لنا ويقول‫:‬ دخلت عليه في مشربته فلم أر شيئا يرد البصر إلا أُهُبًا، جلودا معطونة قد سطع ريحها، جلد مدبوغ دباغه غير كاف، رائحته معطونة واضحة، ولم ير شيئا يرد البصر أي لم ير شيئا ذا قيمة، لم ير شيئا ذا قيمة، لأنك إذا لم تر شيئا لم يثبت بصرك ولم يعد، لم أر شيئا يرد البصر إلا أُهباً، جمع إهاب جلد، جلود معطونة، قلت‫:‬ يا رسول الله، أنت رسول الله وخيرته وهذا كسرى وقيصر في الديباج والحرير، فجلس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال‫:‬ (أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ هَؤُلَاءِ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا)، ويحكي لنا جابر بن عبد الله يقول‫:‬ اشتهى أهلي لحما فاشتريته لهم، فمررت بعمر بن الخطاب فسألني فأخبرته فقال عمر‫:‬ أوكلما اشتهى أحدكم شيئا جعله في بطنه؟ أما تخشون أن تكونوا من أهل هذه الآية‫:‬ ؟ بل وحين كان يعاتب عمر على شظف العيش في أكله وفي ملبسه، فكان يقول‫:‬ لو شئت لكنت أطيبكم مطعما وألينكم ملبسا ولكني أستبقى طيباتي إلى يوم القيامة‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم القاعدة في هذه الأمور، يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ۚ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٣٢] إذا فكل مباح لك أن تستمتع به ولكن بغير إسراف لأن الله، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ (٣١)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٣١] أيضا بغير تكلف، فإن العبد إذا تكلّف أطايب الطعام وأليَن اللباس اعتاد على ذلك واستشرهه الطبع واستمرأته العادة، فإذا فقد ذلك لفقر أو لفاقة أو لظرف لم يستطع أن يصبر على الحرمان، فحاول أن يحصل عليه ولو بالشبهات ثم يقع بعد ذلك في الحرام، وقد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يأكل العسل إذا وجده، ويأكل اللحم إذا توفر، ويأكل القديد إذا لم يجد سواه، ويأكل التمر بل وعاش شهورا لا يطعم إلا التمر والماء، وكم ربط على بطنه الأحجار من الجوع! فإذا لم يوجد الطعام صبر، وإذا وجد الطعام أكل وشكر، فعلى الإنسان ألا يتكلف أن يطعم أطيب الطعام ويلبس أحسن اللباس وإنما إذا وجد الشيء استمتع به وشكر الله، وإذا لم يجد الشيء صبر واكتفى بما هو موجود، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، كما قال نبينا، صلى الله عليه وسلم‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم إياك وتكلف اللين! فإن النعمة لا تدوم، إياك وأن تعوّد نفسك على أن تعطيها كل ما تشتهيه فإن النفس إذا اشتهت وأطاعها العبد لم تكتف ولم تشبع، ولو كان لابن آدم واديا من ذهب لتمنى أن يكون له ثان، ولو كان له واديان لتمنى أن يكون له ثالث، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب‫.‬‬
‫العاقل من اتعظ بغيره، والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، وقد انتفت عن مشركي مكة هذه الصفات الحميدة؛ العقل والكياسة، فلم يتعظ مشركو مكة بهلاك الأمم الخالية، ولم يدينوا أنفسهم بل زكوا أنفسهم، لم يتعظوا بالأمم الخالية وقد كانوا يمرون عليها في رحلاتهم وفي أسفارهم، وكذلك زكوا أنفسهم وقالوا كما أخبرنا الله، تبارك وتعالى، في سورة الأحقاف‫:‬( لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ) ، تعجبوا من إسراع الفقراء إلى الإسلام، تعجبوا من اتباع العبيد للنبي، صلى الله عليه وسلم، وزكوا أنفسهم وقالوا‫:‬( لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ) ، وتمنوا، صنعوا الأصنام وعبدوها، وقربوا لها القرابين، وقالوا‫:‬ ما نعبدها إلا لتقربنا إلى الله زلفى، فتمنوا شفاعتهم واعتقدوا في ذلك؛ لذا يذكرهم ربهم، تبارك وتعالى، في سورة الأحقاف فيقول:
وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُۥ بِٱلْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦٓ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ﴿21﴾
الآية تشعر بأن الله، تبارك وتعالى، يسرِي عن حبيبه المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وكأنه يقول له‫:‬ اقتد بمن سبقك من الرسل، اقتد بهود فقد دعا قومه وأنذرهم وحذرهم، فازداد طغيانهم وعظم تجبرهم ومع ذلك صبر، اذكر هذه القصة، وتذكر ما فعل هود مع قومه، وكيف كذبوه، وكيف حاربوه، وكيف استعجلوا العذاب بجهالتهم، فإن كذّبك قومك فقد كذّب أقوام من قبلك، وإن كُذبت فقد كُذبت رسل من قبلك، والآية أيضا تشعر بأن الله، تبارك وتعالى، يقول له‫:‬ ذكّرهم وأنذرهم بقوم هم قريبون من ديارهم، فقد كانت عاد تسكن في اليمن، بين اليمن وبين حضرموت وكانت ديارهم قريبة من البحر، والأحقاف المكان الذي كانوا يسكنون فيه جمع حِقف، والحقف الرمل الكثير المتجمع كهيئة الجبل ولم يبلغ أن يكون جبلا لكنه كهيئة الجبل ومتعوج متعرج من قولهم‫:‬ احقوقف الشيء اعوج، احقوقف الهلال أصبح دائريا معوجا، فسميت الديار الأحقاف لأنها كانت فيها مجموعة من الرمال تشكل كهيئة الجبال لكنها متعرجة، فيقول الله، تبارك وتعالى‫: (وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ)‬ أخو عاد هود، ولم يكن أخاهم في الدين بل كان أخًا لهم في النسب، فما من أمة إلا وأرسل الرسول من بينهم وبلسانهم رحمة من الله، ذكّرهم واذكر لهم قصه عاد وقصه هود (إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُۥ) أنذرهم خوفهم حذرهم أنذرهم (بِٱلْأَحْقَافِ) حيث يسكنون أي بأماكنهم وببلادهم، الأحقاف جمع حِقْف وتجمع على حقاف وحقوف وأحقاف، أنذرهم ببلدهم التي تدعى الأحقاف (وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ) خلت‫:‬ مضت، النُذر الرسل (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌۭ (٢٤)) [سورة فاطر آية‫:‬ ٢٤]، (وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦٓ) خلت النُذر من قبله ومن بعده، إذا فقد كان هود رسولا لأمة وهي عاد، سبقه رسل ولحقه رسل، ولم يكن هو أيضا بدعًا من الرسل (وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦٓ) أي من قبل أن يأتي خلت من قبله رسل، وأيضا من بعد ما مضى هود جاءت من بعده رسل، (وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦٓ) أي كانت الرسل جمعيا يبعثون بكلمة واحدة، بألا إله إلا الله (أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ) كلام معترض، ذاك قول الرسل لأقوامهم، (أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ) أي بألا تعبدوا إلا الله أنذرهم بذلك وخوفوهم (إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ (٢١)) من قول هود، من قول هود، أنذر قومه بالأحقاف وقال لهم‫:‬ (إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ (٢١)) كما قالت الرسل من قبله ومن بعده لأقوامهم لا تعبدوا إلا الله نخاف عليكم عذاب يوم عظيم، تلك مقالة الرسل‫.‬ وانظر الرد‫:‬‬‬‬‬
قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿22﴾
لم تناقش الرسالة، لم يناقشوا موضوع الرسالة، لم يتكلموا في الوحدانية، لم يخافوا ولم يُجد معهم إنذار، لم ينظروا في نسبه، هو منهم صادق أمين، لم ينظروا في قوله الحق الأبلج، وإنما زعموا كما يزعم الجبارون في كل مكان وزمان أنه قد أتى للاستيلاء على السلطة وللاستيلاء على الملك ولإذهاب ما كانوا يتمتعون به من جاه وسلطان، (أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا) لتصرفنا عن آلهتنا، أَفَكَه وأفِكَهُ صرفه قلبه، والأَفْك القلب، الصرف، (أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا) أي أجئتنا لتصرفنا عن عبادة هذه الآلهة ونتوجه بعبادة أخرى، وكأنهم ظنوا أنهم سوف يعبدونه أو سيتولى الملك عليهم واتهموه بذلك، أو المعنى‫:‬ أجئتنا لتصرفنا عن آلهتنا بإفكك بكذبك بقلبك للحقائق بادعاءاتك (أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا) أي لتصرفنا عن آلهتنا بإفكك وكذبك، أو لتصرفنا عن آلهتنا وتمنعنا عن عبادتها‫.‬‬
‫(فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ (٢٢)) أمر غريب، هو ينذرهم بعذاب، هو يحذرهم من عقاب، العاقل يتعظ بغيره، وهؤلاء لم يتعظوا بمن سبقهم فقد خلت من قبله النذر فلم يتعظوا بمن قبلهم ولم يناقشوا الدعوة ولم يناقشوا الرسالة ولم يطلبوا الهداية، ها هو يزعم أن هناك إلها، شيء ليس بجديد وليس بغريب ولا بعجيب، فقد خلت من قبله النذر يقولون هذه المقالة، لو كان هؤلاء عقلاء لقالوا‫:‬ إن كنت موجودا يا رب وإن كان قول هذا الرجل حقا فاهدنا إليك وأرنا الحق والعلامات والآيات، ولكنهم طلبوا العذاب ولم يطلبوا الهداية، طلبوا العقاب ولم يطلبوا الرحمة، لم يحتملوا أن يكون صادقا لو بنسبة واحد في المائة، لم يحتملوا أن يكون هود صادقا، إذ لو كان صادقا لآتاهم العذاب وآتاهم ما يطلبون، لم يحتملوا ذلك، تجبر واستكبار وجهل، نفس مقالة أهل مكة حين كفروا (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ (٢٢)) وكذبوا ولم يناقشوا النبي، صلى الله عليه وسلم، في رسالته أو في مضمونها، أو فيما هو مراد، ولم يعودوا إلى أنفسهم ويتفكروا، أيطلب أجرا؟ أيريد ملكا؟ أيريد جاها؟ أيريد مالا؟ هل أسر عنه الكذب هل أتى بما لم يأت به الأولون، لم يناقشوا كل ذلك بل‫:‬ قالوا يتيم أبي طالب يزعم أنه نبي يريد الرياسة ولذا كانت حججهم ومناقشاتهم معه إن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وإن كنت تريد مالا جمعنا لك مالا فكنت أعظمنا مالا وإن كان الذي يأتيك رئيا من الجن ابتغينا لك العلاج، كان هذا الحوار ولكن لم يكن هناك حوار في حقيقة الرسالة وفي مضمون ما يدعيه، بل وقالوا كما قال هؤلاء‫:‬ (وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٢)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٢]، جهالة تدعو للعجب، فعل مشركو مكة كما فعل مشركو عاد، (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ (٢٢)) أي فأتنا بالعذاب الذي تتهددنا به إن كنت صادقا في دعواك أن كان هناك إله وأن وأن وأن، رد عليهم بالرد المنطقي لجميع الرسل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ ﴿23﴾ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًۭا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا۟ هَـٰذَا عَارِضٌۭ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌۭ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿24﴾ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿25﴾
‫(قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ) لا أعلم الغيب، (وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٨٨] كما قال محمد، صلى الله عليه وسلم، (قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ) وكذلك قالها نوح (قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ) وقال‫:‬ يأتيكم بالعذاب إن شاء هو لا إن شئت أنا، كذلك قال الرسل‫:‬ (إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ) العلم بالعذاب العلم بموعده، العلم باستحقاقكم له، ثم إن الرسل لا يحق لهم أن يقترحوا على الله شيئا، فلا يجوز لرسول من الرسل أن يطلب من الله شيئا أو يقترح عليه فعلا، ما من رسول إلا وهو نذير وبشير، من هنا نفى عن نفسه صفة الشرك مع الله أو العلم بالغيب أو إمكانية الاقتراح على الله أو القدرة على الإتيان بما يطلبون كما قال نوح‫:‬ (إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)) [سورة هود آية‫:‬ ٣٣- ٣٤] تلك مقالة نوح، فكذلك قال هود‫:‬ (إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦ) وظيفتي البلاغ فقط لا الاقتراح ولا الإتيان بالعذاب ولا أقدر على شيء، إنما الوظيفة الوحيدة للرسل هي البلاغ (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ) [سورة الشورى آية‫:‬ ٤٨]، كما قيل لنبينا، صلى الله عليه وسلم‫.‬‬
‫(قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ (٢٣)) نعم يجهلون لأنهم طلبوا العذاب ولم يطلبوا الرحمة، طلبوا العقاب ولم يطلبوا الهداية، لم يطلبوا الحجج والبراهين، لم يناقشوا موضوع الرسالة، استكبروا وعتوا في الأرض عتوا كبيرا واستعجلوا العذاب، من هنا قال لهم‫:‬ (وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ (٢٣)) وانتظر بهم وانتظروا به، هو ينتظر النصر، هو ينتظر الفرج، هو قد أدى ما عليه، وهم ينتظرون به ريب المنون، يمكرون به، يفكرون ويخططون كما فكر أهل مكة في أن يخرجوه أو يثبتوه أو يقتلوه ومكروا (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ (٣٠)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٠].‬
‫وفجأة وفي صباح يوم مشئوم نظروا فإذا بسحاب عظيم قد ظهر في عرض السماء في جهة يتوقعون منها المطر دائما وأبدا، وطالما أتاهم الخير وأتاهم المطر أتاهم من هذا الاتجاه، فأصبحوا وإذا بالسماء قد عرض فيها عارض سحاب معترض، (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًۭا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ) سحاب منظره منظر السحاب، اتجاه السحاب اتجاه سليم يأتي منه السحاب دائما وأبدا، وهم ينتظرون المطر ويتوقعونه فلم يتعجبوا، فحين رأوه عارضا أي معترضا للسماء أي في عرض السماء، فلما رأوه عارضا (قَالُوا۟ هَـٰذَا عَارِضٌۭ مُّمْطِرُنَا ۚ ) سحاب يأتينا بالمطر، يمطر علينا، (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًۭا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ) أي قادم في اتجاه أوديتهم إذ كانوا يسكنون الأودية بين الأحقاف، بين كل حقف وحقف واد، الحقف‫:‬ الرمل المتعرج المتعوج المرتفع كهيئة الجبل ولم يبلغ أن يكون جبلا، بين كل حِقْف وحِقْف واد يعيشون فيه، فحين رأوا العارض السحاب مستقبل الأودية آتيا في اتجاه الوديان (قَالُوا۟ هَـٰذَا عَارِضٌۭ مُّمْطِرُنَا ۚ ) وتعرضوا له وخرجوا فرحين مهللين يمدون أيديهم يستقبلون الماء من السماء (بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌۭ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (٢٤)) أتاهم من حيث لم يحتسبوا، أتى الشر في صورة الخير، أتى الضر ملتحفا بثوب النفع، أتاهم وهم في أمان واطمئنان يتوقعون الخير وينتظرون المطر(بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ) من مقالة هود وقرئت‫:‬ (قل بل هو ما استعجلتم به) قرئت كذلك، بإضافة كلمة قل، (بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ) أي هو العذاب الذي قلتم في شأنه‫:‬ (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ (٢٢)) هذا الذي استعجلتم به هو الذي يقدم عليكم (بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌۭ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (٢٤)) وكلمة ريح جاءت في القرآن كثيرة وكلمة الرياح جاءت في القرآن كثيرة، والمتأمل يرى أن كلمة رياح إذا جاءت في القرآن تعني البشرى والمطر (وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۖ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٥٧] وكلمة ريح تأتي دائما بمعنى العاصف الذي فيه العذاب وفيه التدمير (بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌۭ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا) وقرئت‫:‬ (تَدْمُرُ كلُّ شيء بأمر ربها)، من دمر الشيء يدمر هلك، تدمر كل شيء أي كل شيء عندهم يدمر أي يهلك وينتهي ويفنى، (بِأَمْرِ رَبِّهَا) الضمير مؤنث أي الأشياء (تَدْمُرُ كلُّ شيء بأمر ربها) أي بأمر رب الأشياء التي تدمر، (تَدْمُرُ) أي الريح القادمة (تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ (٢٥)).‬
‫كيف دمرتهم؟ وكيف دُمِرت الأشياء ؟ وكيف أصبحوا لا يرى إلا مساكنهم؟ حين توقعوا المطر وجاء السحاب إذا بالريح تهب فجأة فلم يتوقعوا الضر وانتظروا وإذا بكل شيء من أملاكهم وممتلكاتهم من المواشي من الإبل من كل شيء موضوع، إذا بالريح تحمله وتطير به بين الأرض والسماء وتحطمه على الصخور، وإذا بهم يُحملون في الهواء تتقاذفهم الرياح وتخبطهم في الصخور والأحجار، فخافوا وارتعبوا وارتعدوا، لم يلجأوا إلى الله، وإنما لجأوا إلى البيوت، ولجأوا إلى الحصون، فقد تحصنوا وبنوا حصونا لم ير مثلها قط، (فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ ۚ ) حين دخلوا المساكن واحتموا بها وأغلقوا الأبواب عليهم جاءت الريح فأزالت كل شيء موجود خارج الدور ولم يبق خارج الدور شيء، المساكن فقط، ثم إذا بالريح تقتحم عليهم الأبواب فتقتلعها، اقتلعت الريح أبوابهم ونوافذهم، وأصبحت المساكن مفتحة للريح وسلط الله، تبارك وتعالى، الريح على الأحقاف الرمال والجبال، سلط الريح على الأحقاف فحملتها وأتت بها وأدخلتها عليهم في البيوت فردمتهم وغطتهم (سَبْعَ لَيَالٍۢ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًۭا) [سورة الحاقة آية‫:‬ ٧] لا يُسمع إلا الأنين، ولا يرى إلا المساكن، فقد اختفوا تحت الرمال، ولم يموتوا، تركهم ربنا يتعذبون ويتألمون ولم يقض عليهم‫.‬‬
‫(فأصبحوا لا تُرى إلا مساكنهم) قراءة، (فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ ۚ ) قراءة، (فأصبحوا لا تَرى إلا مساكنهم) أي يا محمد والخطاب له أصبحوا لا ترى، إن كنت هناك، لا ترى إلا مساكنهم فقط أما هم فقد أخفتهم الرمال عن الأعين، دفنوا بالحياة، دفنوا أحياء تحت الرمال، لأنهم عموا وصموا فأعماهم وأصمهم بالرمال، (سَبْعَ لَيَالٍۢ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ) مشئومة (حُسُومًۭا) أي مشئومة وفي اليوم الثامن أمر ربنا الريح فأزالت ما عليهم من رمال وكشفتهم فانكشفوا فحملتهم، وحين حملتهم الريح تقاذفتهم، وإذا بهم يطيرون في الهواء يتوقعون الهلاك في كل لحظة تخبطهم في الصخور وتضربهم بالأحجار يتعذبون في الهواء ويطيرون مع الريح إلى أن قضى ربنا هلاكهم فألقت الريح بهم في البحر فغرقوا بعد ما دفنوا فذاقوا الموت مرات ومرات‫.‬‬
‫(كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ (٢٥)) وقلنا من قبل إن كلمة مجرم في القرآن تعني الكافر (أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ (٣٥)) [سورة القلم آية‫:‬ ٣٥]، فجُعل المجرم مقابل المسلم، (كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ (٢٥)) أي القوم الذين كفروا وأشركوا، إذا فلم يكن العذاب مقصورا على عاد بل العذاب يأتي به الله، تبارك وتعالى، وقتما يشاء، يعذب به من يشاء، تلك العقوبة لا تختص بها عاد وإنما هي عقوبة لكل من سلك مسلك عاد، تحذير وإنذار لكفار مكة (كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ (٢٥)).
وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًۭا وَأَبْصَـٰرًۭا وَأَفْـِٔدَةًۭ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلَآ أَفْـِٔدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُوا۟ يَجْحَدُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿26﴾
هذه الآيات لترد على تساؤل قد يظهر، كانوا ضعافا؟ كانوا بغير عقول؟ كانوا لا يسمعون؟ لا عيب إلا أنهم لا يسمعون خلقا؟ خلقوا صمًا أو عميًا أو ضعافًا أو لم يمن الله عليهم بالنعم حتى يشكروه فيبين لنا ويقول‫:‬ (وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰهُمْ) أي جعلنا في إمكانهم وأعطيناهم ومننا عليهم وسخرنا لهم وجعلناهم مسيطرين متمكنين من كل شيء خلق (وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ) إن حرف شرط، والجواب محذوف مضمر تقديره‫:‬ مكنّاهم فيما إن مكنّاكم فيه لكنتم أشد بغيا وأكثر كفرا، إذا فالكلام يعني أن ما حازه قوم عاد وما تمكنوا فيه أقوى وأكثر وأعظم مما مكّنِ فيه أهل مكة ومع ذلك حدث لهم ذلك ولم يبال الله بهم ودمرهم، كانوا أكثر منكم أموالاً وأولادا كانوا أعز منكم نفرا كانوا وكانوا، لو جعلنا لكم ما لهم لكنتم أشد بغيا وكفرا منهم، (وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ) لحدث كذا وكذا، لكنتم كذا وكذا‫.‬‬
‫(وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًۭا وَأَبْصَـٰرًۭا وَأَفْـِٔدَةًۭ) عقول الأفئدة القلوب والقلوب هي العقول إذا فلم يحرمهم ربنا العقل لم يحرمهم من القلب لم يحرمهم من السمع لم يحرمهم من البصر أعطاهم ومكنهم ومنّ عليهم فلم يشكروه ولكنهم كفروا (فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلَآ أَفْـِٔدَتُهُم مِّن شَىْءٍ) لِمَ لمْ يغن عنهم السمع؟ ولم لم يغن عنهم البصر؟ ولم لم يغن عنهم العقل؟ (إِذْ كَانُوا۟ يَجْحَدُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ) ظرف، ظرف جاء في موقع التعليل، لما كانوا يكفرون بآيات الله ويجحدونها، حين كانوا يجحدون بآيات الله الدالة على وجوده وقدرته حرموا من نعمة السمع الحقيقية والبصر والعقل، وكأن السمع رغم وجوده قد أغلق، وكأن الأعين رغم وجودها قد حرمت البصر فهم عمي القلوب لا عمى الأبصار، لم يغن عنهم سمعهم لأنهم لم يستخدموا السمع فيما خلق له، لم يعطوا آذانهم لنبيهم لم يسمعوا منه لم يتأملوا في كلامه، لم يغن عنهم بصرهم؛ لأنهم لم يتبصروا ولم يبصروا الآيات ولم ينظروا في آلاء الله، تبارك وتعالى، فكانوا كالعمي، هم بأنفسهم صمُّوا آذانهم وهم بأنفسهم غطوا أعينهم وهم بأنفسهم أصروا وأغلقوا قلوبهم على الكفر ولم يسمحوا لنور الإيمان أن يدخل إلى قلوبهم فلم يغن عنهم السمع ولم يغن عنهم البصر ولم يغن عنهم الفؤاد لأنهم، التعليل لترتيب الحكم (إِذْ كَانُوا۟ يَجْحَدُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ) تعليل لعدم إغناء السمع والبصر والفؤاد، تعليل (إِذْ كَانُوا۟ يَجْحَدُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ) تعليل رتب الحكم بعد ذلك وهو (وَحَاقَ بِهِم) أحاط بهم (مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ (٢٦)) العذاب الذي استهزأوا به وقالوا‫:‬(فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ (٢٢)) فنزل عليهم وجاء بهم وأحاط بهم، (وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ (٢٦)).‬‬‬
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿27﴾
‫(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْقُرَىٰ) والكلام والخطاب لمشركي مكة كي يعتبروا كي يتذكروا فالقصة برمتها لتذكيرهم وهم يعلمون أنباء عاد وتوارثوها من آبائهم والأجداد، كل يحكي لأنهم يمرون عليها في رحلتهم إلى اليمن، ويرون آثار التدمير، جاءت القصة لتذكرهم وتنذرهم وتحذرهم مصير عاد، يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْقُرَىٰ) أهلكنا ما حولهم من القرى؛ قرى ثمود قرى لوط مدين كل ذلك كان موجودا إذاً فقد أهلكت هذه القرى والكل يعلم والكل يرى والكل يحكي يحكي، روايات منقولة من الآباء والأجداد (وَصَرَّفْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)) لعلهم يرجعون؛ لأن الله تبارك وتعالى لا يعاقب فجأة، ولا يؤاخذ الناس بغير إعذار وإنذار بل ربنا، تبارك وتعالى، يرسل الرسل وينزل الكتب ويصرف الآيات ويأتي بالمعجزات، وحلم الله، تبارك وتعالى، فوق الخيال، أهلك القرى وقد رأت عاد ما حل بمن سبق؛ لأن النذر قد خلت من قبل هود ومن بعده رأوا ومع ذلك لم يتعظوا (وَصَرَّفْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ) توالت الآيات وتنوعت، التصريف التنويع، تنوعت، (وَصَرَّفْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)) عن غيهم وكفرهم إلى حظيرة الإيمان‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةًۢ ۖ بَلْ ضَلُّوا۟ عَنْهُمْ ۚ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿28﴾
‫(فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ) أي فهلا نصرهم، (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةًۢ ۖ بَلْ ضَلُّوا۟ عَنْهُمْ ۚ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ (٢٨)) هذا الكلام لو يتعقلونه في وقتها حين سمعوا لأفاقوا لكن الكبر يردي والاستكبار عن الحق يهلك ويعمي ويصم، لم يتفكروا في هذا الكلام، هل نصرتهم الآلهة؟ قريش اتخذت الأصنام آلهة، وقالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، والقربان كل ما يتقرب به إلى الله من طاعة أو نسيكة، ذبائح تسمى قربانا، والجمع قرابين (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ) الكلام عن عاد، أي هلا نصرهم (ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةًۢ ۖ) قربانًا حال، والآلهة مفعول به أي اتخذوا هذه الآلهة من دون الله متقربين بها إلى الله إذ زعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، هل هذا القربان الذي اتخذوه، الأصنام، هل نفعت؟ هل شفعت؟ هل منعت عنهم العذاب؟ فكيف تتوقعون أن تمنع آلهتكم إساف ونائلة ومناة، كيف تتوقعون أن تمنع عنكم العذاب؟ لو كانت هذه الآلهة تشفع أو تنفع لنفعت عادًا لمنعت عنهم، (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةًۢ ۖ) غابوا، ضل الشيء غاب، ضلوا عنهم غابوا عنهم وضاعوا منهم، ضل العابد عن المعبود وضل المعبود عن العابد، (وذَلَك أَفَكَهُم) قراءة وذلك أَفَكَهُم أي وذلك صرفهم عن العبادة وعن التوحيد حيث اتخذوا الأصنام آلهة فصرفتهم عن عبادة الله وصرفتهم عن الدين القويم أو (وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ) كذبهم وادعاؤهم (وَمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ (٢٨)) يختلقون الكذب على الله فيزعمون له الولد ويزعمون له الشريك ويزعمون أن الأصنام تنفع أو تشفع، (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةًۢ ۖ بَلْ ضَلُّوا۟ عَنْهُمْ ۚ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ (٢٨)).‬
‫أيها الأخ المسلم هذه القصة التي سبقت في سورة الأحقاف لتذكر كفار مكة وتنذر كفار قريش، هل عقلوها؟ هل فهموها؟ هل أجدت معهم؟ أبداً لأن العاقل من اتعظ بغيره، وهم قد فقدوا العقول، هم كالأنعام بل هم أضل، هل دانوا أنفسهم؟ الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، هل عملوا؟ أبداً بل هم من العاجزين الذين تمنوا الأماني واعتقدوا أن الأصنام تنفع وتشفع، فهل أغنت الآيات؟ (وَمَا تُغْنِى ٱلْـَٔايَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ (١٠١)) [سورة يونس آية‫:‬ ١٠١]،لم تغن الآيات ولم تغن النذر ولم يغن القصص، وإنما ازداد كفار مكة إيذاء لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، قص عليهم قصة عاد (وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ) [سورة الأحقاف آية‫:‬ ٢١]، ذكّرهم بهذه القصة (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةًۢ ۖ بَلْ ضَلُّوا۟ عَنْهُمْ ۚ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ (٢٨)) وقص عليهم فازدادوا عنادا وازدادوا استكبارا وازدادوا تعذيبا للمسلمين والمؤمنين وازدادوا إيذاء لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولما لم يكن يحميه منهم بعض الحماية إلا وجود الزوجة المخلصة الوفية شريفة قريش شريفة العالمين السيدة خديجة وكذلك أبو طالب عمه كان يحميه ومات أبو طالب وماتت خديجة وأصبح النبي، صلى الله عليه وسلم، وحيدا، فاشتد الإيذاء واشتد الأذى واشتد التعذيب للمسلمين وللمؤمنين، وازدادوا في عنادهم وتجبرهم، فخرج النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى الطائف طمعا في أن ينصروه أو يؤوه، ذهب إلى ثقيف بالطائف ينذرهم، يدعوهم إلى الإسلام، فاستقبلوه بأسوأ استقبال، أغروا سفهاءهم وصبيانهم وعبيدهم فتقاذفوه بالحجارة، وأحاطوا به من كل جانب حتى أدموْا قدميه وسالت الدماء من رجليه، وهم يسبونه ويصفونه بأقذع الشتائم وأبشع الصفات، ساحر مجنون كاذب، بل أشرافهم وعقلاؤهم الذين كان يتوقع منهم الاستماع والاستجابة أحدهم قال له‫:‬ إن كنت رسولا حقا سوف أذهب إلى الكعبة وأمزق أستارها، معترضا كيف يبعث هذا اليتيم نبينا ورسولا؟ (وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٣١]، وقال له الآخر‫:‬ لا أكلمك أبدا؛ لأنك لو كنت نبيا حقا وصادقا فأنت أعظم خطرا من أن أتكلم معك، وإن كنت كاذبا فلا أكلم كاذبًا، وتركه وانصرف، وهكذا سفاهة وجهالة وإساءة، حتى لجأ النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى حائط واستظل بشجرة، حائط حديقة بغير سور، لجأ إلى شجرة وجلس تحت ظلها، عطف عليه بعض الناس فأرسلوا إليه تمرا في صحن، أو قطفًا من عنب وجاء بهذا القطف من العنب عبد لهم يدعى عداس، جاء العبد إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، بقطف عنب، وتشتهر ثقيف بالعنب، فقدمه له، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ بسم الله الرحمن الرحيم، فتعجب العبد وقال‫:‬ إن هذا كلام لا يقوله أهل هذه البلاد، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ ومن أي البلاد أنت يا عداس؟ قال أنا من نينوى، نصراني من نينوى، قال‫:‬ من بلد العبد الصالح يونس ابن متى؟ فقال عداس‫:‬ وما يدريك ما يونس ابن متى؟ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ ذلك أخي هو نبي وأنا نبي، فأكب عداس على رأس النبي، صلى الله عليه وسلم، ويديه ورجليه يقبله من رأسه ويقبل يديه ويقبل قدميه ويبكي، وآمن عداس بكلمة، عبد من ثقيف، الكل وقف ضد النبي، صلى الله عليه وسلم، الكل استهزأوا به الكل أساءوا إليه، وعبد واحد بكلمة واحدة أسلم، نعم صدق ربي‫:‬ (فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًۭا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٢٥]، وهنا لجأ نبينا، صلى الله عليه وسلم، للملجأ وللملاذ فنادى وناجى‫:‬ (اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى عَبْدٍ يَتَجَهَّمُنِي أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبُ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنْ عَافِيَتُكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي صَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَضَاءَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ أَنْ يَنْزِلَ بِي غَضَبُكَ أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ)، لجأ إلى الله ونزل جبريل فور هذه الاستغاثة ونزل ملك الجبال يستأذن‫:‬ أطبق عليهم الأخشبين؟ الجبال يطبقها عليهم كما أطبق ربنا، تبارك وتعالى، الأحقاف على عاد وردمهم بها كذلك يطبق عليهم الجبال، فاستغاث‫:‬ (لَا، لَعَلَّ اللهَ يُخْرِجُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)، الرءوف الرحيم بأمته، وانصرف النبي، صلى الله عليه وسلم، والدماء تسيل من قدميه، ونزل ببطن نخلة، مكان، نزل بهذا الوادي المسمى بطن نخلة، وبدأ يقرأ القرآن في الليل يتهجد به، وإذا بالجن يستمعون له، كفر به الإنس من ثقيف وآمن به الجن، كفر به الناس وشهد له الله (مُّحَمَّدٌۭ رَّسُولُ ٱللَّهِ ۚ ) [سورة الفتح آية‫:‬ ٢٩]، جاء الجن يستمعون ولم يعلم بوجودهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يعلم بهم ولم يعلم بوجودهم بل قرأ وهم يستمعون حيث يقول الله، تبارك وتعالى:
وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًۭا مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓا۟ أَنصِتُوا۟ ۖ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا۟ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ﴿29﴾ قَالُوا۟ يَـٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿30﴾ يَـٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ﴿31﴾ وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ﴿32﴾
أيها الأخ المسلم، القرآن كلام الله القديم القائم بذاته القرآن هدى، القرآن نور، القرآن حبل الله المتين، القرآن شاهد لك أو شاهد عليك، إياك إياك أن تكون من الذين شكاهم رسولنا، صلى الله عليه وسلم، إلى الله حيث قال‫:‬ (إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًۭا (٣٠)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٣٠]، إياك أن تكون من هؤلاء! بل كن من الذين (يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١١٣]، ارجعوا إلى ربكم واقرأوا القرآن وواظبوا على تلاوته ففيه الهدى وفيه النور وفيه البركة وفيه السعادة في الدنيا والآخرة وفيه الأنس، أنت تسمع والله يتكلم، كم تسمع من كلام الناس! وكم تقرأ من أكاذيب الناس! هلم إلى كلام الصادق، من أصدق من الله قيلا؟ لا أحد، هلم إلى الله، تبارك وتعالى، وهلم إلى القرآن وهلم إلى كلام الله واستمعوه فقد استمعت الجن وقالوا‫:‬ أنصتوا، وربنا، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَإِذَا قُرِئَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥ وَأَنصِتُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٢٠٤]، كان للجن في السماء مواضع يسّمّعون منها إلى الملأ الأعلى وينزلون إلى الكهان فيخبرونهم بحديث أهل السماء فكانت الكهانة وكان العرافون، وفجأة مُنع الشياطين من الاستماع وحجبت الجن عن السماء وامتلأت السماء بالشهب، فإن استرق أحد منهم السمع لحقه شهاب مبين فاحتاروا في الأمر وأمرهم زعيمهم أن يضربوا آفاق الأرض، فإن ما حدث في السماء لا بد لشيء قد حدث في الأرض، وأخذت الجن تجوب آفاق الأرض في الجبال والأودية وفي كل الأمصار وكان من نصيب فئة منهم الخير كله، فقد وصلوا إلى مكان بين ثقيف ومكة يسمى بطن نخلة، وصلوا إليه في جوف الليل البهيم، فسمعوا عجبا، سمعوا سيد الخلائق أجمعين يتهجد بكلام رب العالمين فاندهشوا وقال بعضهم لبعض‫:‬ صه، أنصتوا واسمعوا، نعم قفل النبي، صلى الله عليه وسلم، من ثقيف بعد أن لقي من أهلها ما لا يصح ولا يجوز مع مبلغ وداعٍ مع ذلك الذي يريد بهم الخير وأرادوا به الشر، لكن الله، تبارك وتعالى، أراد أن يسري عنه فآمن له عبد واحد ألا وهو عداس وأكب على يديه وقدميه يقبلهما وخرج النبي، صلى الله عليه وسلم، بعد أن دعا لقومه، نزل ملك الجبال يستأذنه في أن يطبق عليهم الجبال ويدمرهم فأبى وقال‫:‬ اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، سار نبينا، صلى الله عليه وسلم، واستراح في بطن نخلة وقام يتهجد من الليل يقرأ القرآن، تحكي لنا سورة الأحقاف ذلك اللقاء‫:‬ (وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًۭا مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓا۟ أَنصِتُوا۟ ۖ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا۟ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (٢٩)) الآية دليل على أن النبي، صلى الله عليه وسلم، بعث للجن كما بعث للإنس، وطالما آمن به من استمعه من الجن فقد كان مبعوثا إليهم، وطالما ولوْا إلى قومهم منذرين ينذرونهم ويبلغونهم إذا فقد بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، للجن، والآية تشعر وكأنها توبيخ لأهل مكة، فبعد أن جاء ذكرهم في سورة الأحقاف وكيف تعنتوا وكيف وكيف، كأن الله، تبارك وتعالى، يقول لهم‫:‬ أنتم معشر الإنس لم تؤمنوا بنبي من أنفسكم تعرفون صدقه ونسبه وحسبه، لم تؤمنوا به وكذبتموه، هاهم الجن قد آمنوا به، ويقول نبينا، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي؛ كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ، الأحمر والأسود الإنس والجن، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ)، صلى الله عليك وسلم يا سيدي يا رسول الله، نعم بعث للناس كافة إلى أن تقوم الساعة ولا نبي بعده، وبعث للإنس والجن، والجن منهم المسلم ومنهم الكافر منهم الطائع ومنهم الفاسق كما حكى ربنا، تبارك وتعالى، عنهم في قولهم من سورة الجن‫:‬ (وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ تَحَرَّوْا۟ رَشَدًۭا (١٤) وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَكَانُوا۟ لِجَهَنَّمَ حَطَبًۭا (١٥)) [سورة الجن آية‫:‬ ١٤- ١٥].‬
‫يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًۭا مِّنَ ٱلْجِنِّ) ، صرفنا‫:‬ وجهنا، وجهنا إليك نفرا من الجن، والنفر ما دون العشرة من العدد من ثلاثة إلى عشرة أو إلى تسعة يسمى نفرا وجمعه أنفار، وجهنا إليك نفرا من الجن قيل كانوا سبعة، (يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ) أي فلما حضروا القرآن الذي يتلوه سيد الأنام أو (فَلَمَّا حَضَرُوهُ) أي حضروا في حضرة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، (قَالُوٓا۟ أَنصِتُوا۟ ۖ ) قال بعضهم لبعض‫:‬ استمعوا واسكتوا صه صه، وسكت الكل، والقارئ هو سيد الخلائق، أي صوت! أي خشوع! أي جلال! أي كمال! أي جمال! في هدأة الليل (فلما قَضَى) قراءة، أي فلما قضى محمد قراءته (وَلَّوْا۟) أو (فَلَمَّا قُضِىَ) أي فلما قضيت القراءة أو فلما قضى محمد قراءته (وَلَّوْا۟) انصرفوا مسرعين، فقد جاءهم الحق المبين، انصرفوا وانصرفوا مسرعين إلى قومهم ينذرونهم وينبئونهم بخبر الأرض الذي من أجله امتنعوا عن خبر السماء أو منعوا عن تلقف الأخبار من السماء، (وَلَّوْا۟ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (٢٩)) يحذرونهم وينذرونهم فكانوا رسلا إلى قومهم من الجن، إذا فقد بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى الجن كما بعث إلى الإنس وإلا ما كان للإنذار حاجة‫.‬‬
‫(قَالُوا۟) وانظر إلى مقالتهم والحق في كلامهم (قَالُوا۟ يَـٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰبًا) أي إنا سمعنا قرآنا يتلى (أُنزِلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰ) قالوا من بعد موسى ولم يقولوا من بعد عيسى إما لأنهم لم يسمعوا بعيسى أصلا، وقد بعث عيسى في قومه خاصة، وإما أنهم كانوا من اليهود الذين آمنوا بموسى فأسلموا لموسى في وقتهم، والله، تبارك وتعالى، أعلم بهم لأنه لم يبعث نبي إلى الجن قبل محمد، صلى الله عليه وسلم، (أُنزِلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰ) أي من بعد كتاب موسى أو من بعد ما رحل موسى إلى الرفيق الأعلى (مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) موافقا لما جاء في الكتب السابقة والتي نزلت كلها من السماء (مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) أي هو موافق في كل ما يقول لجميع ما قيل في الكتب السماوية السابقة (لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) لما سبقه من الكتب (يَدَيْهِ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ) إذا فقد هدوا وآمنوا وهاهم يهدون قومهم، هذا الكتاب يهدي إلى الحق، يهدي إلى الصدق إلى الكمال إلى الله، تبارك وتعالى، (وَإِلَىٰ طَرِيقٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (٣٠)) يهدي إلى المنهج والسلوك، السليم المستقيم الذي يوصل إلى رضوان الله، تبارك وتعالى‫.‬‬
‫(يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (٣٠)) تلك كانت البداية، الدليل، سوق الدليل على صحة كلامهم، كتاب أنزل من السماء، فيه ما جاء في التوراة فيه ما جاء في الكتب السابقة إذا استمعت إليه وجدته يهدي إلى الحق، والحق أبلج والباطل لجلج، وجدته يهدي إلى طريق مستقيم، هذا هو المنطق السليم الذي افتقده كفار مكة، نزل الكتاب نسمع ننصت أيصدق ما قبله من كتب أم أتى بالعجب، بل يصدق ما قبله من كتب، فيه الصدق، إلام يدعو؟ يدعو إلى الحق، إلى أي شيء يهدي ويدل؟ إلى الطريق المستقيم، إذا لا بد وأن يكون من عند الله، من هنا قالوا محذرين‫:‬ (يَـٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ) وداعي الله هو محمد، عليه الصلاة والسلام، دليل آخر على بعثته إلى الجن (يَـٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ) أي الذي يدعو إلى الله لا يدعو إلى نفسه لا يدعو إلى ملك يتملكه أو إلى مال يجمعه بل يدعو إلى الله (وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ) بمحمد أو (وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ) بالله، (يَـٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ) أجيبوا القرآن أو أجيبوا محمدا فهو الذي يدعو إلى الله، (وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ) بمحمد فالضمير عائد على النبي، صلى الله عليه وسلم، على الداعي أو الضمير عائد على الذات العلية (وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣١)) إذا الإيمان بالله، تبارك وتعالى، وإجابة الداعي وهو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تؤدي إلى غفران الذنوب وستر العيوب والنجاة من عذاب النار (يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣١)) وقال (مِّن ذُنُوبِكُمْ) لم يقل يغفر ذنوبكم بل قال (يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ) وكأن الإيمان والطاعة تكفر السيئات والذنوب والتي هي في جناب الله، تبارك وتعالى، في العلاقة بين العبد وربه، أما ما يتعلق بحقوق العباد فلا تكفي فيه التوبة بل لا بد من سماح أصحاب الحقوق أو رد الحقوق إلى أصحابها (يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ) أي فيما يتعلق بينكم وبين الله، فيما يتعلق بحقوق الله، تبارك وتعالى، على العباد، أما ما يتعلق بحقوق العباد فالإيمان لا يكفره والطاعة لا تغفره وإنما يكفر حقوق العباد أن ترد الحقوق إلى أصحابها، من هنا قال‫:‬ (مِّن ذُنُوبِكُمْ) أي ليس كل ذنوبكم بل من ذنوبكم التي هي في حق الله، تبارك وتعالى، (وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣١)) ينجيكم من عذاب أليم ألا وهو عذاب جهنم عذاب النار‫.‬‬
‫والآية استدل بها بعض العلماء على أن الجن إن آمنوا وأطاعوا نجاهم ذلك من عذاب جهنم فقط ولا يدخلون الجنة بل يحاسبون فإن غفرت لهم الذنوب بالإيمان والطاعة نجاهم ربنا من جهنم ثم قال لهم كونوا ترابا فكانوا ترابا كما يحدث مع البهائم، استدل بعض العلماء بالآية على ذلك، إذ ليس فيها ثواب (يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣١)) ولم يقل يدخلكم الجنة أو يجازيكم بثواب عظيم أو برزق كريم كما قيل في شأن الإنس ومن هؤلاء العلماء الإمام الأعظم أبو حنيفة، وقال آخرون‫:‬ بل كما يعاقبون على الكفر والمعاصي لا بد يثابون على الطاعة والإيمان، طالما عوقبوا على الكفر لا بد وأن يثابوا على الإيمان والطاعة ويدخلوا الجنة كما يدخل المسلمون من الإنس، ومن هؤلاء إمام دار الهجرة مالك والشافعي رحمة الله على الجميع، واستدل الفقهاء القائلون بذلك بقول الله، تبارك وتعالى، في سورة الأنعام‫:‬ (يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ (١٣٠) ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّۢ دَرَجَـٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٣٠-١٣٢]، إذا طالما قال الله، تبارك وتعالى‫:‬ بعد أن خاطبهم يا معشر الجن والإنس إذا فلا بد وأن لهم درجات، استدلوا بهذه الآيات، وهناك فريق ثالث من العلماء قالوا‫:‬ لا يقطع في هذا الأمر بشيء ويُفوّض العلم إلى الله، تبارك وتعالى‫.‬‬
‫أنذر هؤلاء الذين آمنوا من الجن قومهم وقالوا لهم‫:‬ (يَـٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم) المجير هو الله تبارك وتعالى، ولا مجير إلا الله (وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣١) وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ) التحذير والإنذار، وبضدها تتميز الأشياء، فإن أجابوا الداعي وآمنوا بالله غفر لهم الذنوب ونجاهم من العذاب، (وَمَن لَّا يُجِبْ)، يمتنع عن الإجابة لا يؤمن بمحمد، صلى الله عليه وسلم، (وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ) لن يفلت من الله فقد أحاط ربنا، تبارك وتعالى، بكل شيء فلا هروب ولا فرار (فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ) أي لن يفلت ولن يفوت ولن يعجز ربنا، تبارك وتعالى، عن الإمساك به وأخذه فهو المحيط بكل شيء، (وَلَيْسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءُ ۚ ) أي ليس له من دون الله أولياء ينصرونه من الله أو يمنعونه عنه عذاب الله، (وَلَيْسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ (٣٢)) أولئك أي الذين لم يجيبوا داعي الله، الذين لم يستجيبوا لدعوة محمد، صلى الله عليه وسلم، (فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ (٣٢)) في بعد ظاهر واضح، بعد عن الطريق القويم، بعد عن الحق في ضلال في غيبوبة لأنهم لم يستجيبوا لمن هذا شأنه، شأنه لا يعجزه شيء ولا يفوته شيء وليس هناك ولي من دونه ينصر أحدا منه فإذا كان هذا شأنه لا يعجزه شيء، فمن أجاب فقد نجا (وَمَن لَّا يُجِبْ) فقد ضل ضلالا مبينا.
أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿33﴾ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿34﴾
‫(أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ (٣٣)) الرؤية في هذه الآية بمعنى العلم (أَوَلَمْ يَرَوْا۟) أي أولم يعلموا، فالرؤية رؤية علم ورؤية عين ورؤية قلب، (أَوَلَمْ يَرَوْا۟) هؤلاء الذين لم يستجيبوا الذي أنكروا البعث، والكلام توبيخ لمشركي مكة‫.‬‬
‫(أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ) عيَّ بالأمر وعيي بالأمر وأعياه الأمر أعجزه ولم يقو عليه، ربنا، تبارك وتعالى، خلق السموات والأرض ولا يعجزه ذلك، لم يعجز ولم يتعب ولم تنته قوته والناس مهما بلغوا من القوة ومهما بلغ ما عندهم من جهد إذا عملوا شيئا أو صنعوا شيئا أو بذلوا جهدا استنفد طاقتهم، فإذا حمل الإنسان شيئا ثقيلا استنفد طاقته، وإذا بذل مجهودا في شيء أو صناعة أو في عمل لا بد وأن يتعب لا بد وأن تستنفد طاقته وجهده، أما الله، تبارك وتعالى، فلا يعجز ولا ينفد جهده ولا تنتهي قوته ولا قدرته أبد الآباد مهما خلق ومهما فعل، أولم يعلم هؤلاء (أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ) بما فيها (وَٱلْأَرْضَ) وما عليها (وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَـٰدِرٍ) الباء للتأكيد قرئت‫:‬ (قادرٌ)، وقرئت‫:‬ (يقدر)، ثلاث قراءات (أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ ۚ ) (قادرٌ) (يقدر) على إحياء الموتى، ومن قدر على الابتداء قدر على الإعادة بعد الإفناء‫.‬‬
‫ويأتي الرد (بَلَىٰٓ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ (٣٣)) تعميم للقدرة، ليس قادرا على إحياء الموتى فقط بل هو قادر على كل شيء (بَلَىٰٓ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ (٣٣)) وبعد كل ذلك البرهان الساطع وهذه الحجة الواضحة لا عذر لأحد وكأنما أراد الله، تبارك وتعالى، أن يختم السورة بالمعاد كما بدأها بالمبدأ حيث قال في بداية السورة‫:‬ (مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ ) [سورة الأحقاف آية‫:‬ ٣]، ذاك المبدأ فأنهيت السورة بالمعاد حيث حيث يقول الله، تبارك وتعالى، (بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ) النهاية‫:‬ المعاد يعرضون على النار حيث كفروا بالله الواحد القهار(أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ۖ ) سؤال، إما السائل هو الله، وإما السائل ملائكة يسألون بأمر الله، (أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ۖ ) العذاب، والإشارة للعذاب وإلى جهنم وما وعدوا وتوعدوا به (أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ۖ ) بالصدق بالحق الذي كنتم تزعمون أنه كذب (أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ) اعترفوا حيث لا ينفع الاعتراف وأقروا حيث لا يجدي الإقرار، والسؤال للتوبيخ وللتبكيت والإهانة المقرر الذي سألهم إما الله وإما الملائكة (قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)) (مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٤٦)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٦] هاهم يذوقون العذاب بما كانوا يكفرون في الدنيا رغم النصح رغم الإرشاد رغم الأدلة رغم الهداية رغم البرهان رغم الآيات رغم كل ذلك لم يؤمنوا، آمن الجن ولم يؤمنوا‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، الإيمان بالله، الإيمان بالله، أعظم ما في الوجود، الإيمان بالله، وأعظم نعمة على الإطلاق الهداية للإسلام، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، يقول النبي، صلى الله عليه وسلم، الصبر شطر الإيمان، نعم الصبر نصف الإيمان، وقد لقي النبي، صلى الله عليه وسلم، من أذى المشركين بمكة ما لا يوصف من إيذاء وتكذيب وعنت، لقي منهم الكثير فيأمره ربه، تبارك وتعالى، بالصبر فيقول في ختام سورة الأحقاف‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّن نَّهَارٍۭ ۚ بَلَـٰغٌۭ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ﴿35﴾
‫( فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ ) أي ولا تستعجل لهم العذاب وكأن الله، تبارك وتعالى، ينهاه عن الدعاء عليهم وكأن الله، تبارك وتعالى، ينهاه عن تمني وقوع العذاب بهم في الدنيا، يأمره بالصبر، (كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ) وأولو العزم أولو الثبات أولو الحزم أولو الجد أولو الصبر (أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ) (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ (٩٠)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٩٠]، أي اقتد بهؤلاء واصبر كما صبر هؤلاء (مِنَ ٱلرُّسُلِ) من لبيان الجنس (فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ) للتجنيس، لبيان الجنس، الذين صبروا من الرسل ليس من الناس بل من الرسل على وجه الخصوص ويصبح معنى الآية يفيد أن جميع الرسل أولو عزم، أصحاب عزم، أولو ثبات وجِد وجَد واجتهاد وصبر، (فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ) وقد تكون كلمة من للتبعيض (فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ) إذا ففي الرسل أصحاب عزم، ومن الرسل من ليس لهم عزم، لم يتصفوا بهذه الصفة فأُمر أن يقتدي بالصابرين منهم الموصوفين بأنهم من أولي العزم، لأن في القرآن يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًۭا (١١٥)) [سورة طه آية‫:‬ ١١٥]، ويقول في شأن يونس‫:‬ (وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ) [سورة القلم آية‫:‬ ٤٨] إذا ينهاه أن يقتدي به في دعائه على قومه أو في استعجال العذاب (وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌۭ (٤٨)) [سورة القلم آية‫:‬ ٤٨] إذاً فمن الرسل أصحاب عزم، مَن هؤلاء؟ قال بعض العلماء‫:‬ أولو العزم من الرسل هم أصحاب الشرائع الذين صبروا على التبليغ وصبروا على تكذيب قومهم وجاهدوا في هداية الناس، وهم إبراهيم عليه السلام ونوح وموسى وعيسى، ومحمد، صلى الله عليه وسلم، خامسهم، نوح إبراهيم وموسى وعيسى وهم أصحاب الشرائع الأربعة ومحمد، صلى الله عليه وسلم، أمر أن يكون منهم فكان منهم، وقال بعضهم‫:‬ أولو العزم من الرسل هم الذين صبروا، وهم نوح صبر على إيذاء قومه، فقد كانوا يجتمعون عليه ويضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم صبر على النار وصبر على الأمر بذبح ابنه، والذبيح حيث قال‫:‬ (سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ (١٠٢)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٠٢]، ويعقوب صبر على العمى وصبر على فقد ابنه، ويوسف صبر على الجب، على البئر، وصبر على السجن، وموسى حيث قال له قومه‫:‬ (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّآ ۖ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ (٦٢)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٦١- ٦٢]، وعيسى حيث لم يضع لبنة على لبنة لم يبن في حياته شيئا، وكان يقول إنها معبر، الدنيا معبر أي مكان تعبر منه إلى مكان آخر، إنها معبر فاعبروها ولا تعمروها، قيل هؤلاء وقيل بل هم ثمانية عشر رسولا جاء ذكرهم في سورة الأعراف وفي سورة الشعراء؛ نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب ومن جاء ذكرهم وعيسى ويوسف وموسى وهارون وأيوب صبر على المرض هم ثمانية عشر من الرسل، هي أقوال ويعلم الله، تبارك وتعالى، بمراده هو أعلى وأجلّ، وهو أعلم بمراده‫.‬‬
‫( فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّن نَّهَارٍۭ ۚ بَلَـٰغٌۭ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ (٣٥)) أي لمشركي مكة الذين كذبوك (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّن نَّهَارٍۭ ۚ) يوم يرون ما يوعدون من العذاب من الحشر من جهنم من ومن ومن ومن كل ما توعدهم به الله، تبارك وتعالى، يرون كل ذلك كأنهم لم يلبثوا في الدنيا أو لم يلبثوا في القبر إلا ساعة واحدة من نهار هل لبثوا ساعة؟ لبثوا في الدنيا، منهم من عاش مائة عام ومنهم من عاش فوق ذلك فقد كان الناس معمرين، ومنهم من لبث في قبره آلاف بل ملايين السنين فكيف يقال كأنهم (لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّن نَّهَارٍۭ ۚ)؟ نعم إلى جوار طول يوم القيامة وإلى جوار هول الموقف وإلى جوار ما ينتظرهم من عذاب كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة من نهار فبالمقارنة وبالقياس من هول ما ينتظرهم كأن الدنيا ساعة وكأن القبر لحظة‫.‬‬
‫(بَلَـٰغٌۭ ۚ) بلاغ بمعنى الكفاية، أي في هذا الكلام كفاية (لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًۭا (٦٢)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٦٢]، في هذا الكلام كفاية لمن يعقل، كفاية لكل إنسان حتى يهتدي إلى الحق ويعرف الطريق إلى الله (بَلَـٰغٌۭ ۚ) كفاية، وقد جاء هذا المعنى في حديث لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول فيه‫:‬ (لِيَكُنْ بَلَاغُ أَحَدِكُمْ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ)، أي كفاية الإنسان من الدنيا أن يكتفي فيها بزاد الراكب، كأنك راكب من مكان إلى مكان، ماذا تأخذ معك هذا هو الزاد، لا تبن وتعمر وتكنز وتفعل فالبلاغ كفاية، (بَلَـٰغٌۭ ۚ) أي في هذا القول كفاية أو (بَلَـٰغٌۭ ۚ) من التبليغ أي هذا بلاغ، أي هذا تبليغ من الله لكم، إنذار لكل من يعقل، إنذار للناس كافة (بَلَـٰغٌۭ ۚ) أي هذه السورة بلاغ، هذا الكلام بلاغ، هذا الإنذار بلاغ، تبليغ من الله لكم على لسان رسوله، صلى الله عليه وسلم، وقرئت‫:‬ (بلِّغ)، أمر للنبي أن يبلغ الناس بهذا (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّن نَّهَارٍۭ ۚ بَلَـٰغٌۭ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ (٣٥)) وقرئت (بلاغًا) أي بلغوا بلاغا بالنصب (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ (٣٥)) السؤال سؤال تقرير لا ينتظر الإجابة، وقرئت‫:‬ (هل نُهلك) و(هل يَهْلِك) و(هل يَهْلَكُ) قراءات، السؤال (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ (٣٥)) سؤال تقريري، لا يهلك إلا من خرج عن طاعة الله، والآية يقول بعض الناس فيها إنها من أقوى آيات الرجاء في القرآن، طالما قال الله، تبارك وتعالى، لا نهلك إلا القوم الفاسقين، ولا يُهلك إلا القوم الفاسقون الخارجون عن طاعة رسول الله المشركون الكفار الذين كفروا ولم يستجيبوا فالآيات تترى (يَـٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ) [سورة الأحقاف آية‫:‬ ٣١] ويقول (وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ) [سورة الأحقاف آية‫:‬ ٣٢]، ويقول‫:‬ (أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ (٣٣)) [سورة الأحقاف آية‫:‬ ٣٣]، ويقول‫:‬ (وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّار) [سورة الأحقاف آية‫:‬ ٣٤]، كل ذلك يشعر أن المقصود بالقوم الفاسقين أي الذين خرجوا عن الإيمان، فإذا كان هذا هو القرار لا يهلك إلا مشرك ولا يهلك إلا كافر أعطى ظهره للإسلام ولم يجب داعي الله إذا فكل من أسلم نجا، كل من أسلم نجا، وأمة محمد، صلى الله عليه وسلم، بخير، لا يهلك ولا يهلِك منهم أحد لأنهم ليسوا بفاسقين، بل هم المسلمون، والمسلمون ناجون بفضل الله، تبارك وتعالى، لذا قال بعض العلماء‫:‬ هذه من أقوى آيات الرجاء، وآيات الرجاء كثيرة منها على سبيل المثال‫:‬ (إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا (٣١)) [سورة النساء آية‫:‬ ٣١] إذا مجرد اجتناب الكبائر يكفر الصغائر ولو غفلت عن الاستغفار، آيات الرجاء كثيرة والرجاء في ربنا مطلوب والعفو عند ربنا مأمول‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، ربنا، تبارك وتعالى، أرحم الراحمين ورحمته سبقت غضبه، بل افتتح كلامه وقرآنه بقوله عز من قائل‫:‬ (بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ (١)) [سورة الفاتحة آية‫:‬ ١] الرحمن الرحيم، صفتان يتصف بهما الله، تبارك وتعالى، وهما من الصفات الذاتية الأزلية والأبدية، الرحمن، ويقول نبينا، صلى الله عليه وسلم‫:‬ إن الله، تبارك وتعالى، قسم رحمته مائة جزء فأنزل منها جزءا وحدا إلى الدنيا يتراحم به الخلائق إلى أن تقوم الساعة، ومن هذا الجزء ترفع الشاة قدمها عن وليدها خشية أن تؤذيه، من هذا الجزء يتراحم به الخلائق والبهائم والكل إلى أن تقوم الساعة، وادخر تسعا وتسعين جزءا ليوم القيامة يرحم بها الخلائق، بل وفي سفر من أسفاره ضل وليد عن أمه وإذا بها والهة خائفة فزعة تجري وتبحث عن وليدها بوله وبخوف وبرعب وبشوق، فتعجب الأصحاب من ذلك، فقال لهم رسولنا، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (أَتَتَعَجَّبُونَ مِنْ رَحْمَةِ هَذِهِ الْأُمِّ بِوَلِيدِهَا، للهُ أَرْحَمُ بِعَبْدِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمِّ بِوَلِيدِهَا)، بل ويروى أن الله، تبارك وتعالى، أرحم ما يكون بعبده حين يوضع في قبره حيث يتخلى عنه الكل.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬