سورة الجاثية

‫(حمٓ (١) تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ (٢)) [سورة الجاثية آية‫:‬ ١- ٢]‬
‫لقاؤنا اليوم مع سادسة العرائس، لقاؤنا اليوم مع عروس من عرائس القرآن السبع، لقاؤنا مع سورة الجاثية، وسورة الجاثية سورة مكية إلا آية واحدة منها نزلت بالمدينة لمناسبة سوف يأتي ذكرها إن شاء الله، افتتحت سورة الجاثية بما افتتح به أخواتها آل حم، افتتحت السورة بحرفين (حمٓ (١)) استهلال يقرع الأسماع ويشحذ العقول مما جعل العلماء في كل زمان يبحثون في معناها أو الغرض منها؛ هل هي اسم للسورة؟ هل هو اسم للقرآن؟ هل هو قسم أقسم الله به؟ هل هو تحد لفصحاء اللغة، هاهو القرآن مكون من هذه الحروف فإن استطعتم أن تأتوا بسورة من مثله؟ هل هي حروف بجمعها من السورة التي افتتحت بهذه الحروف يتشكل اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى وإذا استرحم به رحم وإذا استفرِج به فرّج؟ هل هي مشتقة من فعل حُمَّ الأمر؟ أم هي مما استأثر الله، تبارك وتعالى، بعلمه فهي من متشابه القرآن الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وعلينا أن نقتدي بالراسخين في العلم فنقول‫:‬ (ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٧].‬‬‬‬

حمٓ ﴿1﴾ تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴿2﴾
‫(ٱلْكِتَـٰبِ) القرآن، يبين ربنا، تبارك وتعالى، في أول السورة أن هذا القرآن نزل من عنده وهو كلامه وهو العزيز المنيع الغالب القوي الذي ليس له مثيل، الحكيم الذي يفعل بحكمة ويقول بحكمة، هو ربنا، تبارك وتعالى، بحكمته أنزل القرآن، هذا القرآن الهادي إلى سواء السبيل، نزل ولا يمكن لمخلوق أن يبدل فيه أو أن يغيّر فيه فهو من لدن العزيز الغالب على أمره الفعال لما يريد الحكيم الذي اقتضت حكمته، جل وعلا، أن ينزل هذا الكلام على النبي العربي الأمي ليكون خاتما للمرسلين، (تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ (٢)).‬
‫ثم بعد ذلك تأتي ثلاث آيات يسوق الله، تبارك وتعالى، فيها ستة أدلة على وجود الخالق الواحد الرب المدبر المهيمن‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿3﴾ وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَـٰتٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ﴿4﴾ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزْقٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ ءَايَـٰتٌۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ﴿5﴾
‫(إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّلْمُؤْمِنِينَ (٣)) في السماوات والأرض أدلة على وجود الخالق الصانع المختار، في نفس السموات أو في الأرض أو في خلقهما، فالتقدير إن في خلق السموات والأرض لأنه بعد ذلك يقول‫:‬ (وَفِى خَلْقِكُمْ).‬
‫(إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّلْمُؤْمِنِينَ (٣)) السموات جمع سماء، والسماء كل ما علاك يسمى سماء كالسقف وغيره، كل ما علاك يسمى سماء، فهل المقصود بكلمة السموات كل ما علا في الفضاء أم السموات المبنية، السموات ذات الأبواب، السموات التي لها أبواب تفتح وتغلق، السموات التي رقى إليها سيد الخلائق أجمعين، عليه الصلاة والسلام، العلم الحديث لم يصل حتى الآن إلى السماء المبنية، كل ما وصل إليه العلم بالمراصد المختلفة هو الفضاء المحيط بنا من كل مكان، كل ما وصل إليه النجوم والكواكب والشموس على اختلاف أنواعها، كل ما وصل إليه المجرات أي مجموعات النجوم المتشابكة المختلفة، لو أنك نظرت إلى السماء بغير المراصد وبغير شيء لأذهلك انتظامها ولأذهلتك هذه النجوم المشرقة المعلقة في الفضاء، هذه النجوم التي تدور في أفلاك منتظمة لا تتغير ولا تتبدل، منها ما يدور حول نفسه ومنها ما يدور حول غيره، والكل في نظام متسق، صنعة لا يقوى عليها إلا الحكيم الخبير، هذه النجوم التي ترى بالعين المجردة ضئيلة صغيرة هي أكبر من الشمس بملايين المرات، ولبعدها الشاسع تبدو صغيرة، هذه النجوم التي استطاع العلماء أن يرصدوا لها شروقا وغروبا، رصدوا لها المدارات المنتظمة على مر السنين دون تبديل ودون تعديل، دون تقديم ودون تأخير، هذا النظام الموجود في السماء والأرض والتي ظن الناس لقرون عديدة أنها ثابتة وأن الشمس تشرق وتغرب وتتحرك من المشرق إلى المغرب ثم يُكتشف أن الأرض هي التي تدور والشمس ثابتة، وما الشروق والغروب إلا نتيجة دوران الأرض، ثم يكتشفون بعد ذلك أن الشمس غير ثابتة بل هي تجري منذ خلقت بسرعة فوق الخيال ولا يمكن أن تكتب على الورق، وتجري في خط مستقيم تسحب معها الأرض والمجموعة بكاملها، إلى أين؟ لم يعرف الجواب بعد وإن كان الاتجاه قد عرف فهي تتجه في اتجاه النجم الثاقب النجم القطبي وصدق ربي حيث يقول‫:‬ (وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا ۚ) [سورة يس آية‫:‬ ٣٨]، فسّرها الأولون بشروقها وغروبها فهي تتحرك من المشرق إلى المغرب، وفسّرها الآخرون بجريها الحقيقي حيث لا يعلم مستقرها إلا الله‫.‬‬
‫نعم (إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّلْمُؤْمِنِينَ (٣)) وخص ربنا المؤمنين، إذا فهذه الآيات والدلائل على وجود الصانع الحكيم لا يتنبه لها ولا يستفيد منها إلا المؤمن، لم ذاك؟ وهذا الخبر يأتينا من أربعة عشر قرنا، (لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّلْمُؤْمِنِينَ (٣)) وتجد الصدق في هذا الكلام باكتشافات العلماء، منهم المؤمن ومنهم الكافر، فهناك أناس كافرون ووصلوا بعلومهم إلى أن أرسلوا رجلا إلى الفضاء وسبح في الفضاء ونزل ليقول‫:‬ بحثت عن الله ولم أجده، لم يؤمن، لم يؤمن لأن الآيات للمؤمنين فقط، (إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّلْمُؤْمِنِينَ (٣)) خصّ المؤمن بالتذكر والاعتبار وزيادة الإيمان، لأن الإيمان التصديق بالغيب فنحن لم نر السماء ومع ذلك نؤمن بأنها سبع سموات، ونحن لم نر السماء الدنيا حتى، نؤمن بما فيها وبمن فيها، ونؤمن بكلام ربنا، تبارك وتعالى، وما التأمل والنظر والتدبر إلا وسيلة لزيادة الإيمان وليس لإنشاء الإيمان أصلا، (إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّلْمُؤْمِنِينَ (٣)) أصلا، فهم يزدادون إيمانا برؤية هذه الآيات‫.‬‬
‫(وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَـٰتٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ (٤)) وفي خلقكم كذلك كما في السموات والأرض آيات ودلائل وبراهين كذلك في خلقكم أنتم، وانظر لنفسك مم خلقت وكيف جئت، رجل وامرأة، من الذي جعل هذا رجلا وجعل هذه امرأة، وهل لك أن تختار الجنس لك أو لأولادك ولذريتك، إذا بك رجلا وإذا بها امرأة وإذا بك تنجذب إليها وإذا بها تنجذب إليك، وإذا بعامل مشترك بينكما يجذب الواحد إلى الآخر فيحدث التزاوج، وبالتزاوج تحدث اللذة والشهوة التي جعلت وركبت في النفوس كي يحدث هذا الالتقاء والسعي، وإذا بلحظة، لحظة، لحظة استمتاع ينتج منها خلق، خلق أصغر من أن يرى، يخرج من صلب الرجل دون أن يدري ودون أن يقصد ولا إرادة له فيه، وإذا به يستقر في رحم المرأة ويلتقي بشيء آخر أصغر من أن يرى يتزاوجان في مكان مغلق في ظلمات ثلاث، فيتشكل منه الذكر ومنه الأنثى، وإذا به يجمع كل الصفات الموروثة من الأب ومن الأم، وإذا به يربي ويغذى وتصريف الغذاء إليه ومنه في بطن الأم دون أن تدري ودون أن تتدخل، ثم يخرج في ساعة محددة لا يمكن أن تتقدم ولا يمكن أن تتأخر، لم يكن يتنفس في بطنها بل كان غارقا في الماء المحيط به، محاطًا بكيس يمنع عنه الماء والهواء الضياء، إذا به يعيش على الماء يتنفس في الماء كالأسماك يأخذ ما يحتاجه الجسد من الغاز من خلال الماء، أله خياشيم؟ كيف يحيا بغير نفس؟ وإذا بقلبه يدق وإذا بالأعضاء تتشكل؛ عظام وأعصاب وعضلات وأجهزة وكبد ومعدة وقلب ورئتان، أجزاء، وأصابع وأظفار وأسنان مخزونة تخرج في وقت اللزوم حتى لا يؤذى بها ثدي أمه، ويخرج في لحظة وفجأة يتنفس الهواء، ولو أخذت هذا الوليد بمجرد الولادة فوضعته في ماء كالذي كان فيه لمات غرقا، لمات غرقا، بل ولو أدخلت إليه الهواء وهو في بطن أمه، هذا الهواء الذي يعيش عليه، لو أدخلت عليه الهواء لمات خنقا، ثم يخرج وإذا به يلتقم الثدي دون علم دون تجارب دون إخبار دون إخطار، وكيف يضع يديه وكيف يمتص وكيف يأخذ الغذاء، وإذا به يخرج فضلات، أين كانت هذه الفضلات وهو في بطن أمه، لم تكن تخرج من المخارج لم يكن يتبول ولم يكن يتبرز وإلا لماتت الأم من التسمم، أين كانت؟ ولم خرجت هذه الفضلات حين ولد وخرج؟ وإذا به يبصر وإذا به يسمع ثم يحبو ثم يقف معتدلا ثم يُمنح التمييز والإدراك ثم يمنح العقل وهكذا ويشب ويكبر ويصبح رجلا يقول‫:‬ أنا وأنا.
‫(وَفِى خَلْقِكُمْ) نعم دلائل وآيات على وجود الصانع من الذي شق عينيك في رحم الأم ؟ من الذي شق السمع ؟ من الذي شكل كل ذلك حتى الشعر، شعرة شعرة، إي وربي شعرة شعرة خلقها الله، والأسنان إذا بها تخرج وقتما يستغني عن لبن الأم، حتى الأسنان تتبدل وتتغير مع الكبر وهكذا‫.‬‬
‫وإذا نظرت بعد ذلك إلى المخلوقات وجدت الدواب (وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ) أمور تذهل، ملايين المخلوقات التي قد ندري ونعلم الحكمة من إيجادها والتي لا نعلم ما الحكمة من إيجادها، فأنت ترى الفَراش ما الحكمة في خلق الفراش؟ ولم يحوم حول الضياء بل ويحترق فيه ومع ذلك يعود إليه؟ كيف يتغذى الذباب الحشرات الميكروبات؟ البهائم منها النافع ومنها الضار، الوحوش الكاسرة المفترسة، الحيّات، العقارب، ما من شيء يدب على الأرض، النملة الهدهد الطائر ، كل هذه الدواب أصناف وألوان وأنواع، ولكل رزقه، بل ولكل أدوات يتكسب بها الرزق وأدوات يحمي بها نفسه، ومن لا حماية له كالحمام مثلا رزق بالجناحين كي يهرب ويطير بعيدا عن الخطر، توازن، توازن غريب يتغذى بعضه على بعض، وما من قوة إلا لله، فما من دابة إلا وهناك من هو أقوى منها، وما من وحش إلا وهناك ما يقدر عليه، توازن وتوالد وتكاثر وأرزاق مقسّمة، تجد الطائر الذي يتغذى على الديدان في الأرض يطير ويحوم وفجأة ينقض على الأرض ثم يغرس منقاره في الأرض ويخرج بدودة وما من غرزة في الأرض وتخرج خاوية أبدا، كيف رآها؟ وكيف عرف بمكانها؟ وكيف انتزعها من صغارها؟ وما مصير الصغار؟ وتجد القط في الليل يتسلق الأشجار فيأخذ الأفراخ الصغيرة يتغذى بها ويترك الأم في وَلَه وحزن، لم ذاك؟ وتجد حشرات لا تدري ما الحكمة في إيجادها كالصرصور كالذباب كالبعوض لم خلقها الله؟ وما نفعها؟ هل لها نفع؟ هل خلقها للضر؟ فهو الضار وهو النافع، أم خلقها لنفع نحن لا ندريه؟‬
‫نعم (وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَـٰتٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ (٤)) إذا فاليقين مرتبة أعلى من الإيمان، اليقين من قولهم يقنت البئر إذا راق ماؤها وظهر قعرها، يقولون‫:‬ يقنت البئر، فاليقين معناه الوثوق التام بالشيء، فإذا راق الماء وظهر قعر البئر دون شوائب دون قاذورات فأنت ترى قعر البئر ولا يحجبك عن رؤيته حاجب، من هنا يقال يقنت البئر، وكأن اليقين إيمان يرى ويثق، الإيمان هو التصديق واليقين أرقى وأعلى، وكأن المتيقن مؤمن راسخ الإيمان، وكأنه يرى صنع الله في صنعته، فإذا تأملت في السموات والأرض فذاك آيات للمؤمنين، فإذا تدبرت في خلقك وفي خلق الدواب وكل ما على الأرض من دابة وصلت إلى مرتبه اليقين (وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَـٰتٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ (٤)).‬
‫(وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزْقٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ ءَايَـٰتٌۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ (٥)) اختلاف الليل والنهار آية عظيمة دالة أن كل من عليها فان، اختلاف الليل والنهار هو عمرك، هو انقضاء حياتك، إذ لولا الليل والنهار ما عرف الأمس وما انتظر الغد، ولولا الليل والنهار ما شاخ الرجل وما كان هناك حياة ولا موت‫.‬‬
‫(ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ) الليل تسكن وتنام وتهدأ الأصوات فيه وتخشع، والنهار ترى وتسمع وتسعى وتذهب وتنشط وترزق، وهذا الاختلاف والتوالي والترتيب بين الليل وبين النهار أمر لا يصنع إلا بحكمة والحكيم هو الله ، وتقديم الليل على النهار في هذه الآية بل في جميع الآيات في القرآن التي جاء فيها ذكر الليل والنهار قدّم الليل على النهار ليتضح لك أن الأصل الظلمة وأن الأصل الظلام وأن الدنيا بأسرها كانت مظلمة فأضيئت وأنيرت بنور الله (ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ ) [سورة النور آية‫:‬ ٣٥]، فالأصل هو الليل والنهار عارض، إذ لولا الشمس ما كان هناك ضياء‫.‬‬
‫(وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزْقٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) المطر سمي رزقا لأن به يحدث الرزق، (أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ) أي مما علاك إذ المطر ينزل من السحاب نعم (فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) الأرض يابسة جدباء قاحلة لا شيء فيها لونها أغبر لونها أسود لا شيء فيها إلا التراب، فإذا نزل عليها الماء، هذا الماء الذي اكتشف العلماء أنه مكون من الغاز، مكون من غازين بنسبة خاصة، غاز وغاز يركب منهما فإذا بالماء ينتج منه أمر غريب، هذا الماء الذي نزل بمقدار إن زاد غرقت الأرض وإن قل قحطت الأرض، لا بد أن ينزل بمقدار ينفع ولا يضر، هذا المنزِّل لا بد وأن يكون هو الخالق الحكيم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
(وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ) ‫تصريف الرياح أيضا أمر مذهل، الأرض كرة وهي معلقة في الفضاء علقها الله بغير حبل وبغير وسيلة بكلمة كن، هذه المعلقة بسر يقولون عنه الجاذبية يحيط بها غلاف من الهواء، الغلاف الجوي، يدور معها حيث دارت وينتقل معها حيث انتقلت فهي تدور حول نفسها بغلافها وليس بدون الغلاف، وإلا لو دارت بدون الغلاف لتهدمت البيوت ووقع الناس ووقع كل شيء من عليها، فهي تدور بهوائها يدور معها حول نفسها، وتدور حول الشمس مرة في العام بهذا الغلاف، هذا الغلاف المفروض أنه ثابت فالهواء واقف وثابت وإذا بنا نكتشف أن هناك رياحا شرقية ورياحا شرقية غربية وأخرى جنوبية وجنوبية غربية يتفاوت هبوبها وتتفاوت شدتها من موسم لآخر، فهي تتغير في اتجاهاتها وفي سرعتها من الصيف إلى الشتاء ومن مكان إلى مكان هذا الهبوب للريح كيف؟ ما الذي سيّره؟ ومن الذي حركه؟ هو الله الذي يرسل الرياح هل هناك ملائكة تسوق الهواء؟ هل تنفخ فيه حتى يتحرك؟ من أين تأتي هذه الرياح وكيف تأتي باتجاه محدد وبانتظام مدروس؟ وبهذا التصريف للرياح يحدث النسيم ويتلطف الجو ويحدث السَّموم وتحدث العواطف، وبهذه الرياح تتوجه السحب وتتجمع وتتركز وتتكاثف حتى تنزل المطر حيث يشاء، وبهذه الرياح تتكون الأعاصير وتحدث الفيضانات وتنهدم القرى والدور، تصريف والمصرِف هو الله‫.‬‬
‫(وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزْقٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ ءَايَـٰتٌۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ (٥)) نعم بعد هذه الآيات والأدلة لا بد وأن يعقل الإنسان المؤمن الموقن، العقل الحبس ، العقل المنع ، وأنت إذا كان لك دابة وعقلتها بعقال منعتها من الحركة فالعقل أن تربط الناقة أو البهيمة بحبل حتى تمنعها من التحرك أو تمنعها من الانصراف، سمي العقل عقلا لأنه يمنع صاحبه عن التردي في المهاوي والمهالك، سمي العقل عقلا لأنه يحبس صاحبه عن المعاصي والشرور والذنوب وما يؤدي به إلى التهلكة والفساد، إذا فبعد هذه الآيات السموات والأرض وخلق الناس وما يبث من دابة واختلاف الليل والنهار وما أنزل من السماء من رزق وإحياء الأرض بعد موتها وتصريف الرياح كل ذلك يؤدي بك إلى أن تستخدم عقلك في البعد عما يغضب الله والتقرب إلى ما يرضى الله فتصبح من العقلاء من أولى الألباب‫.‬‬
‫هذه الآيات الثلاث‫:‬ (إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَـٰتٌۭ) قراءة، (آياتٍ) قراءة (لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ (٤) وَٱخْتِلَـٰفِ) (واختلافُ) قراءتان، (ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزْقٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ ءَايَـٰتٌۭ) (آياتٍ) (لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ (٥)) ثلاث آيات سيق فيها ستة أدلة‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ يُؤْمِنُونَ ﴿6﴾
‫(تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ) دلائل وبراهين أخبرنا بها الله، تبارك وتعالى، لنزداد إيمانا فوق إيماننا، (يتلوها عليك بالحق) يتلوها قراءة، (نَتْلُوهَا) قراءة (نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۖ) بالصدق الذي لا كذب فيه، بالواقع الذي لا اختلاف فيه، بالحق الذي لا باطل فيه، (فبأي حديث بعد الله وآياته تؤمنون) قراءة، (فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ يُؤْمِنُونَ (٦)) قراءة، نعم (فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَ ٱللَّهِ) أي حديث الله تبارك وتعالى وقد يطلق على القرآن كلمة حديث (ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ) [سورة الزمر آية‫:‬ ٢٣]، (فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَ ٱللَّهِ) أي حديث بعد حديث الله وآيات الله ودلائل الله والبراهين التي نصبها يؤمن الإنسان، هل هناك إله غيره ؟ هل هناك من يزعم أنه إله ؟ هل هناك من يدّعي أنه الرب ؟ ليس هناك دعوى بهذا، إذا فالوحيد الذي يقول أنا الله هو الله، فبأي حديث بعد حديث هذا الواحد الأحد يؤمن الناس؟ فعلا سؤال لا بد أن يتوجه به إلى الناس، هؤلاء الغافلين، أي حديث بعد الله وآياته تؤمنون؟ من هنا أسقطت الحجج ولا عذر لأحد فوجب التهديد والوعيد‫:‬‬‬‬‬‬
وَيْلٌۭ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍۢ ﴿7﴾ يَسْمَعُ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًۭا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ ﴿8﴾ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا شَيْـًٔا ٱتَّخَذَهَا هُزُوًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ﴿9﴾
‫(وَيْلٌۭ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍۢ (٧)) تهديد ووعيد (وَيْلٌۭ) قيل إنه اسم لوادٍ في جهنم وقيل إن كلمة (وَيْلٌۭ) تهديد ووعيد شديد كما أن كلمة (وَيْلٌۭ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍۢ (٧)) ويح بالحاء كلمة ترحم وإشفاق، الأفاك : الكذاب والإفك : الكذب والفرق بين الإفك والكذب أن الكذب ادعاء اختلاق، الإفك قلب للحقائق، الكذب أن يدعي الرجل أنه رأى عفريتا من الجن، ادعاء اختلاق، ذاك كذاب، أما أن يرى رجلا فيدعي أنه رأى امرأة، فهذا إفك، قلب للحقائق، أفكه قلبه (وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ (٥٣)) [سورة النجم آية‫:‬ ٥٣]، التي قلبها جبريل قرى قوم لوط‫.‬‬
‫(وَيْلٌۭ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍۢ (٧)) هؤلاء الذين يشوهون الحقائق يقلبون الأمور يقلبون الحقائق يزيفون ويزورون، الشمس ساطعة فإذا به يدّعي أن الوقت ليل، أفِك فهو آفِك، وأفّاك شديد الإفك (وَيْلٌۭ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍۢ (٧)) لأنهم قلبوا الحقائق، الحقيقة الوحيدة أن الله هو الواحد الأحد الفعال لما يريد، بل أقروا بذلك أقروا بالربوبية ولم يقروا بالألوهية (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ) [سورة لقمان آية‫:‬ ٢٥]، (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٨٧]، (قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ ) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٨٦- ٨٧]، اعترفوا بأنه الخالق وبأنه الرب، الربوبية اعترفوا بها، ووحدوا الربوبية فلم يزعموا أن هناك صانعا غير الله، وحين جاء الأمر لهم بتوحيد الألوهية كذبوا وقالوا إن الأصنام آلهة، قالوا إن المسيح هو الله، قالوا إن عزيرا ابن الله، قالوا الملائكة بنات الله، فاعترفوا بالربوبية ولم يعترفوا بالألوهية‫.‬‬
‫(وَيْلٌۭ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍۢ (٧)) أثِمَ الرجل يأثم إثما أخطأ وارتكب الخطيئة، فهو آثم وأثوم، وأثيم كثير الإثم (وَيْلٌۭ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍۢ (٧)) وكأن الكفر بالله، وكأن عدم الاعتراف بالله يؤدي إلى الفجور وإلى الإثم؛ لأنه إذا لم يعترف بالألوهية وزعم أن لله الشركاء والوسطاء والشفعاء وما إلى ذلك لم يخش الله ولم يخف فاقتحم المعاصي فأصبح آثما وأثيما‫.‬‬
‫(يَسْمَعُ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًۭا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٨)) هدد ربنا، تبارك وتعالى، هؤلاء الكذابين الأفاكين الذين يسمعون آيات الله تتلى عليهم ثم يصرون، أصرَّ وصرَّ صرّ الصُّرة‫:‬ شدها، الصُرَّة أن تضع فيها شيئا ثم تشد هذه الصرة حتى تحفظ ما فيها فلا يخرج ولا يدخل إليها غيره (ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًۭا) يصر، ما يصر يبقى على ما هو عليه، يصر يبقى على كفره وكأنه جاء لقلبه، وهو محل الإيمان ومحل الكفر والقلب هو المخاطب والمعاقب والمعاتب، يأتي لهذا القلب ويجعله كالصرة فيصره ويغلقه ويشده على الكفر فيه فلا يدخل إليه الإيمان، تعبير يشعر بأن الكافر الذي امتلأ قلبه بالكفر لم يدع فرصة لدخول الإيمان حتى يطرد الكفر فيه، لم يدع الفرصة بل أغلق على الكفر وصرّه كالصرة حتى لا يدخل فيه الكلام أو الإيمان‫.‬‬
‫(ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًۭا) لا يصر فقط بل يصر حال كونه متكبرا، تكبر واستكبار على الله واستكبار على آيات الله (كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ۖ ) أي كأنه لم يسمعها، يفعل فعل غير السامع‫.‬‬
‫( فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٨)) البشرى لا تستخدم إلا فيما يسر ويشرح الصدور، وأصل كلمة البشرى من ظهور أثر الفرح على البشرة، فأنت إذا تلقيت خبرا سعيدا ظهر الأثر على البشرة فأضاءت واستنارت، فالبشرى تستخدم في الخير وفيما يسر، هنا يقول‫:‬ (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٨)) وكأنه يتهكم بهم، من التهكم لأن البشرى إذا قال لك أحد الناس أبشر توقعت أن تسمع خبرا سعيدا، فإذا ألحق كلمة أبشر بخبر سيئ إذا فهو يستهزئ بك ويتهكم‫.‬‬
‫(وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا شَيْـًٔا ٱتَّخَذَهَا هُزُوًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ (٩)) نعم لا يصر مستكبرا فقط كأنه لم يسمع الآيات لا يبقى على كفره ويصر على هذا الكفر ويتمسك بكفره ويولي مدبرا فقط، بل زاد في ضلاله وفجوره، فإذا سمع الآيات تتلى استهزأ بها وسخر، فأضاف إلى كفره جرمًا آخر، حين نزل قول الله، تبارك وتعالى، بالتهديد بشجرة الزقوم الشجرة الملعونة قال أحد الكفار‫:‬ أتدرون ما الزقوم ؟ قالوا‫:‬ ما الزقوم؟ قال‫:‬ الزبد والتمر، فضحكوا، وحين قيل‫:‬ إن خزنة جهنم تسعة عشر، (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)) [سورة المدثر آية‫:‬ ٣٠]، وقف أحد المستكبرين من كفار مكة يقول‫:‬ أنا أكفيكم هؤلاء أنا أقوى عليهم وأستطيع أن أهزمهم فلا تخشوا شيئا، تسعة عشر خازنا فقط ويستهزئ، وحين نزل قول الله، تبارك وتعالى، بتحريم الميتة قالوا‫:‬ انظروا إلى محمد يحرّم ذبيحة الله ويحل ذبيحة نفسه، وهكذا تأتي الآية فتزيد المؤمن إيمانا وتأتي نفس الآية فتزيد الكافر كفرا وضلالا‫.‬‬
‫(أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ (٩)) مهين فيه الإذلال، فيه الإهانة، لأنهم استهزءوا بالآيات فاستحقوا أن يستهزأ بهم وأن يهانوا كما أهانوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكما أهانوا الآيات استحقوا عذابا مهينا يهينهم ويخزيهم ويفضحهم ويذلهم:
مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ ۖ وَلَا يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُوا۟ شَيْـًۭٔا وَلَا مَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿10﴾ هَـٰذَا هُدًۭى ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌۭ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ﴿11﴾
‫(مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ ۖ) جهنم، نحن نؤمن بوجودها ولم نرها فالإيمان بالغيب هو الإيمان الحقيقي (مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ ۖ) أي من خلفهم من خلف أعمارهم وآجالهم وهذه الدنيا التي يتمتعون بها (جَهَنَّمُ ۖ).‬
‫(مِّن وَرَآئِهِمْ) من أمامهم فكلمة وراء تفيد المعنيين فهي من الأضداد كقوله، تبارك وتعالى‫:‬ (مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍۢ صَدِيدٍۢ (١٦)) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ١٦]، وكقوله تبارك وتعالى‫:‬ (وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌۭ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٧٩] أي أمامهم‫.‬‬
‫( مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ ۖ) نعم هي من ورائهم وهي من أمامهم، هي من وراء أعمارهم وهي أمامهم تنتظرهم، (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ سَمِعُوا۟ لَهَا تَغَيُّظًۭا وَزَفِيرًۭا (١٢)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ١٢].‬
‫(مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ ۖ وَلَا يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُوا۟ شَيْـًۭٔا) من أموال وأولاد وجاه وسلطان (وَلَا مَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ ۖ) الأصنام لا تنفع، الأحجار لا تشفع، تتبرأ منهم، والرسل لا يشفعون لهم (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠)) عذاب عظيم لأنهم افتروا الإثم العظيم فزعموا أن لله الولد وزعموا أن الأصنام تشفع، فزعمهم بأن الأصنام تشفع إثم عظيم استوجب العذاب العظيم‫.‬‬
‫(هَـٰذَا هُدًۭى ۖ) نعم القرآن هدى،كلام الله هدى، الدلائل التي ساقها والحجج التي أقامها هدى، (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌۭ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ (١١)) (لهم عذاب من رُجز أليم) بالضم والفتح قراءتان، (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ) القرآن، الآيات القرآن (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ) الدلائل التي نصبها لعباده حتى يدلهم عليه فيصلون إليه ويعرفون بوجوده ويؤمنون به ويوحدونه (لَهُمْ عَذَابٌۭ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ (١١)) و(من رجز أليمٍ) قراءتان، (لَهُمْ عَذَابٌۭ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ (١١)) نعت للعذاب، عذاب أليم من رجز، (عذاب من رجز أليمٍ) نعت للرجز، الرجز يأتي بمعنى الرجس القذر النجاسة القذارة، والرجز أيضا بمعنى العذاب مطلقا، كلمة الرجز من الارتجاز وهو الاضطراب الشديد، فإذا نزلت الصاعقة أو نزل العذاب الذي لا يتوقع أو لا ينتظر أو جاء فجأة حدث الاضطراب والاهتزاز والارتعاش الشديد، هذا الاضطراب الشديد هو الرجز عُبِّر به عن العذاب الشديد، ويُعبَّر به أيضا عن القاذورات والنجاسات (وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ (٥)) [سورة المدثر آية‫:‬ ٥] بالضم وقرئت هنا أيضا بالضم (الرُجز) وكأن الإشارة للون من ألوان العذاب يُتقذّر ولا يُطاق نتن ريحه قذر في شكله، نعم أشير إليه في موضع آخر‫:‬ (وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍۢ صَدِيدٍۢ (١٦)) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ١٦]، صديد أهل النار ما يسيل من جروحهم وقروحهم هذا الصديد السائل من الجروح والقروح لأهل جهنم شقاء وشراب لأهلها، فهو قذر وهو نجس وهو نتن الرائحة وهو لا يطاق، فهؤلاء الذين كفروا بربهم (لَهُمْ عَذَابٌۭ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ (١١)) ، لون من ألوان العذاب المقزز(مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ (١١)).‬
‫أيها الأخ المسلم، آيات الله دلائل الله، تبارك وتعالى، كثيرة ولا عد لها ولا حصر، والمتأمل والمتدبر لا يجد وقتا لأي شيء إلا التأمل والتدبر فيهتف من أعماقه‫:‬ سبحان الله ولا إله إلا الله، ولذا قيل عن النبي، صلى الله عليه وسلم، صمته فكر ونطقه ذكر وإذا نامت العينان فالقلب يقظان، آيات الله كثيرة والإنسان يقضي عمره كله يتأمل في هذه الآيات ويتدبر وينتهي العمر ولا تنتهي الآيات‫.‬‬
‫يمتن الله، تبارك وتعالى، على عباده فيقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ٱللَّهُ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِۦ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿12﴾ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿13﴾
‫(ٱللَّهُ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِىَ) البحر صلة بين القارات بعضها وبعض، ولولا البحر ما كانت هناك صلة، فإذا وجد البحر ولم يسخّر لنا عاش الناس منعزلين لا يعرف بعضهم بعضا ولا ينتفع بعضهم ببعض، فسخّر الله، تبارك وتعالى، لنا البحر وخلق سنة الطفو طفو الأشياء، وقد اكتشف الإنسان هذا بعروق الأشجار التي تسبح فوق مياه الأنهار فاكتشفوا أن هناك شيئا يطفو فصنعوا السفن من الخشب، وتقدم بهم العلم واستغلوا السنّة الكونيه التي خلقها الله في البحر فسخره لنا فصنعت السفن، وبالسفن انتقلت المعارف والعلوم وانتقل الناس وانتقلت التجارات بين البلدان وبعضها، سخر البحر فجعله أملسا مسطحا مستويا، وجاء في بعض الأوقات بالرياح الشديدة والأمواج العالية ليريك أن القادر على بسطه قادر على تهييجه، والقادر على طفوك قادر على إغراقك، وأنه لم يخلق هملا وهكذا بل هو سخره ولولا التسخير لهاج البحر وأغرق الدنيا، سخره لك وجعل فيه اللحم الطري، ووصف رزق البحر باللحم الطري، وعلى مر الدهور والأزمان وتنوع اللحوم التي يأكلها الإنسان لا يمكن أن يطلق كلمة طري إلا على السمك فقط وطعام البحر، والغريب أن الدواب في البر إذا كبر سنها مججت طعمها وتشدد وكبر لحمها وأنت لا تستطعمه ولا تستلذه فأنت تأكل من البهائم صغيرة السن فإذا كبرت نشفت وجف لحمها وتقدد، أما في البحر فالسمك لو عاش في البحر مائة عام ثم اصطاده إنسان لا يفرق بين السمكة التي ولدت بالأمس والتي ولدت منذ ألف عام، غريب، لم يلاحظها كل الناس، لا يشيخ أكل البحر أبدا ، لا يشيخ طعامه، بل وفى الإحرام حيث يحرم علينا صيد البر يحل لنا صيد البحر، سخر البحر لمنافع كثيرة الطعام والرزق فيه ألوان وأنواع، ألوان وأنواع من الرزق لا عد لها ولا حصر، أيضا فيه القواقع وفيه اللآلئ، فيه أصناف تستمتع بها النساء في الحلي ويتاجر بها، فهو مسخر لمنافع عديدة وكثيرة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
(ٱللَّهُ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِۦ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ) ‫بالتجارة، تبتغوا من فضله بالصيد، تبتغوا من فضله بالغوص وإخراج اللآلئ والكنوز (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)) والشكر فعل كما هو قول، الشكر أن تعلم أن المنّة من الله، الشكر أن تداوم على الحمد، الشكر أن تؤدي ما عليك فيما أعطاك الله، من قولهم شكرت البئر امتلأت وفاض الماء على جوانبها، فكذلك الشكر (ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًۭا ۚ) [سورة سبأ آية‫:‬ ١٣]، وكأن الشكر عمل، الحمد باللسان وبالجنان أما الشكر بالجوارح بالفعل بالطاعة، فإذا شكرت على المال حمدت الله، تبارك وتعالى‫:‬ الحمد لله على ما رزقني، والشكر أن تخرج من هذا المال فتطعم من حولك كما شكرت البئر ففاض الماء على جوانبها، فالشكر على المال أن يفيض المال على أهلك وجيرانك وأقاربك والفقراء، نعم (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)) خاصة أن الرزق في البحر بغير جهد بغير مجهود، لم تزرع ولم تحصد، سمك ورزق وطعام خارج‫.‬‬
‫(وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مِّنْهُ ۚ) ما في السموات وما في الأرض مسخر لنفع الإنسان وكأن الله، تبارك وتعالى، بعد ما ذكر لنا الدلائل والآيات عن خلق السموات والأرض وما بث من دابة واختلاف الليل والنهار وما ذكر من آيات ودلائل كأن الله يقول لك‫:‬ كل ذلك من أجلك أيها الإنسان، (قُتِلَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُۥ (١٧)) [سورة عبس آية‫:‬ ١٧]، أراد أن يزين لك السماء فانظر عدد النجوم لا يعد ولا يحصى، انظر إلى الضياء والقمر والشمس، انظر إلى الأرض وأنواع المطعومات، انظر إلى خلق الله في كل شيء في كل شيء، كل ذلك من أجلك أنت أيها الإنسان الضئيل الحجم‫.‬‬
‫(وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا مَنُّهُ) قراءة عطاؤه وفضله، (جميعا مِنَّة) مِنَّةً منه تفضُّلا منه، هو المصدر هو الموجد هو العاطي هو المانح‫.‬‬
‫(إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)) هل أنت منهم؟ سل نفسك هذا السؤال، يستيقظ الإنسان في الصباح يفكر في ماذا ؟ ماذا يلبس ماذا سوف يفعل يقابل فلانًا وفلانًا، ماذا سوف يأكل؟ ماذا سوف يصنع؟ يخرج ويلهو ويلعب ويتقابل مع الناس، يتاجر ويفعل ثم يعود ليأكل، ينام يخرج يذهب إلى المقاهي والملاهي، وتدور الأيام كل يوم كسابقه، يفكر تحت قدميه ولا يرى ما سوى ذلك ولا يتأمل في خلق لله ثم ينام، فإذا ضاقت به السبل أو حدثت له المصيبة هنا فقط تذكر الله (قُتِلَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُۥ (١٧)) [سورة عبس آية‫:‬ ١٧]، اذكر الله في الرخاء يذكرك في الشدة، اذكره في الصحة واذكره في الصحة يذكرك في المرض، ذكر الله في كل حين وآن، نبينا، صلى الله عليه وسلم، كان يذكر الله على كافة أحواله، لا بد إذا استيقظت أن تتأمل؛ ذهب الليل، أين ذهب ومن أذهبه؟ وجاء النهار، قمت من نومك واستيقظت من الذي أقامك؟ هو الذي توفانا ثم أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، أصبحت وأصبح الملك لله، لا بد وأن تتفكر في كل خطوة في كل شيء حتى الرزق إذا أتاك مهما بذلت من جهد لا بد أن تعلم أن الرازق هو الله وأن الرزق مضمون مقسوم، نعم (مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٤٦)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٦].‬
‫تختم الآيات والدلائل وهذه العظمة التصويرية التي لا بد أن تؤدي إلى معرفة الله وإلى الإقرار بالربوبية والألوهية وإلى الاعتراف بوجود الله الصانع المختار القادر الغفار الجبار، تختم بقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)) ، لا بد من جزاء، لا تنفعه الطاعات ولا تضره المعاصي فإن أطعت فلنفسك وإن عصيت فعليها ثم إلى بكم ترجعون (ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)).‬
‫أيها الاخ المسلم، يقول النبي، صلى الله عليه وسلم، محدثا عن رب العزة‫:‬ (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِى مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ).‬
‫لقد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، في غزوة بني المصطلق ونزل على بئر يقال له المريسيع ونزل معه أصحابه، وكان في جيش المصطفى، صلى الله عليه وسلم، منافقون، كان المنافقون في جيشه وعلى رأسهم عبد الله بن أبي ابن سلول، وقد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، لا يفتش في قلوب الناس وإنما يؤاخذهم ويأخذهم بما ظهر منهم، أرسل عبد الله بن أبي ابن سلول غلامه ليستقي من البئر فأبطأ عليه فقال له عبد الله‫:‬ ما حبسك؟ قال‫:‬ غلام عمر بن الخطاب قعد على فم البئر ليستقي فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قِرَب النبي، صلى الله عليه وسلم، وقرب أبي بكر الصديق وقرب مولاه عمر، فقال المنافق‫:‬ مثلنا ومثل هؤلاء كما قيل‫:‬ سمن كلبك يأكلك، فبلغت مقالته عمر بن الخطاب فاشتمل سيفه وخرج ليقتله فنزل جبريل، عليه السلام، على النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول له من قول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَغْفِرُوا۟ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿14﴾
وهذه هي الآية الوحيدة المدنية التي نزلت بعد هجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة في سورة الجاثية، وسورة الجاثية كلها مكية إلا هذه الآية والتي نزلت في غزوة بني المصطلق، وقد قال بعض الناس‫:‬ إن الآية أيضا مكية وساقوا قصة قالوا فيها إن رجلا من المشركين سب عمر فأراد عمر أن يقتله فنزلت الآية، والرأي الأول الذي قلناه أرجح والآية مدنية‫.‬‬
‫يقول الله تبارك وتعالى للنبي، صلى الله عليه وسلم، آمرا إياه‫:‬ (قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَغْفِرُوا۟ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ) أمر، أمر للمؤمنين بالعفو والصفح عن المشركين وعن الجهلاء، الإعراض عن إساءتهم وبذاءتهم فلم يضروكم إلا أذى (يَغْفِرُوا۟) يصفحوا ويعفوا ويعرضوا (قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَغْفِرُوا۟) والتقدير قل للذين آمنوا اغفروا يغفروا أو جُزمت تشبيها بجواب الشرط (قُل) وكأنه شرط وجواب (يَغْفِرُوا۟ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ) أيام الله تطلق على الوقائع التي حدثت في الأمم السابقة، ومنها قول الله، تبارك وتعالى، لموسى‫:‬ (وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ ۚ ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٥]، أيام الله ما يحدث في الأمم من نصر للمؤمنين وهزيمة للكافرين وخزي للمجرمين، الوقائع والحوادث التي تحدث في هذه الدنيا بفعل الله، تبارك وتعالى، وبأمره، هؤلاء المشركون لا يرجون أيام الله، والرجاء يأتي بمعنى الأمل ويأتي بمعنى الخوف كقوله، تبارك وتعالى‫:‬ (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًۭا (١٣)) [سورة نوح آية‫:‬ ١٣]، أي لا تخشون له عظمة فهؤلاء لا يرجون أيام لله لا يخافون عذابه لا يخشون وقائعه السابقة بالأمم لا يرجون ويأملون في ثوابه، لا يخشون البعث، كل ذلك من صفات المشركين‫.‬‬
‫(لِيَجْزِىَ قَوْمًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (١٤)) (لِيَجْزِىَ) (لنجزي) (ليُجزَى) ثلاث قراءات، (لِيَجْزِىَ) أي ليجزي الله (قَوْمًۢا) قوما نكرة والتنكير إما للتعظيم وإما للتحقير وإما للشيوع بحسب مراد الله، تبارك وتعالى، والمعنى‫:‬ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما، العلة ليجزي الذين آمنوا وغفروا ، قوما التنكير لتعظيم المؤمن الذي عفا وصفح (بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (١٤)) بمغفرتهم لهؤلاء المشركين، أو (لِيَجْزِىَ قَوْمًۢا) الذين لا يرجون أيام الله (بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (١٤)) بما أساءوا للمؤمنين أو (لِيَجْزِىَ قَوْمًۢا) الفريقين ليجزي الفريقين المؤمن بعفوه والكافر بإساءته، فإن كان الكلام عن المؤمنين فالتنكير للتعظيم، وإن كان الكلام عن الذين لا يرجون أيام الله فالتنكير للتحقير، وإن كان الكلام للفريقين فالتنكير للشيوع لأنه شمل الفريقين‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴿15﴾
حقا الله تبارك وتعالى لا تضره المعاصي ولا تنفعه الطاعات فقد كان ولم يكن شيء وهو المستغني بذاته عن كل شيء، فمن عمل صالحا فإنما يعمل لنفسه يثاب على هذا العمل، ومن أساء لنفسه أو للناس إنما يسيء لنفسه وجزاء الإساءة عائد عليه، هذا التقرير من الله، سبحانه وتعالى، يبين سبب النجاة وسبب الهلاك، سبب النجاة وسبب الهلاك العمل (إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ)، (مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)) يجازي كلا بعمله‫.‬‬
‫وتنتقل الآيات للكلام عن بني إسرائيل، أمة ضربت مثلا لأمة محمد، صلى الله عليه وسلم، وأساء رجالها ومتشككوها لموسى كما أساء قوم محمد، صلى الله عليه وسلم، لمحمد فيضرب ربنا، تبارك وتعالى، بهم المثل ويبين لنا أن النعمة والمنة لا تدوم إلا بالطاعة وأن المعاصي والفجور يزيل النعم وقد يحرم الرجل من الرزق بالذنب يصيبه، يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿16﴾ وَءَاتَيْنَـٰهُم بَيِّنَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ ۖ فَمَا ٱخْتَلَفُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿17﴾
‫( وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ) الكتاب : التوراة، ألف لام هنا ألف لام العهد الكتاب هو التوراة التي نزلت مكتوبة على موسى ونزلت دفعة واحدة، تلك معجزة كبرى وفضل من الله عليهم‫.‬‬
‫(وَٱلْحُكْمَ) الحكم يطلق على الفهم في الكتاب والحكم يطلق على الفصل في الخصومات والقضاء، إذًا فقد آتاهم الله، تبارك وتعالى، التوراة، ونزلت مكتوبة فيها الأحكام وفيها بيان الحلال والحرام، وآتاهم الحكم الفهم في هذا الكتاب، آتاهم أيضا الملك لأن الحكم يشعر بالملك فلا يحكم إلا الملك وقد جعل منهم ملوكا وجعل منهم الأنبياء‫.‬‬
‫(وَٱلنُّبُوَّةَ) لأن الله تبارك وتعالى جعل الأنبياء منهم من لدن يوسف بن يعقوب حتى عيسى ابن مريم كلهم من بني إسرائيل‫.‬‬
‫(وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ) الحلائل واللذائذ كالمن والسلوى في التيه حتى حين عصوا موسى وأبوا أن يدخلوا الأرض التي كتب الله لهم وقالوا له‫:‬ اذهب أنت وربك فقاتلا، رغم كل ذلك وحكم عليهم بالتيه أربعين سنة لم يتخل الله عنهم ورزقهم في التيه المن والسلوى، رزقهم من الطيبات وأحل لهم الطيبات، وحين سألوا موسى أن يرزقهم الله مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها أجابهم الله، تبارك وتعالى، وأخرجت الأرض ما يشتهون‫.‬‬
‫(وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٦)) عالمي زمانهم، فضلناهم على العالمين في ذلك الزمان حيث كان بنو إسرائيل، أو فضلناهم على العالمين على الإطلاق وليس معنى ذلك أنهم أفضل من أمة محمد، فأمة محمد عليه الصلاة والسلام خير أمة أخرجت للناس على الإطلاق، وإنما فضلناهم على العالمين على إطلاقها بمعنى اختيار الأنبياء منهم، فكان الأنبياء من لدن يوسف بن يعقوب من بني إسرائيل، وإسرائيل لقب يعقوب، إسرائيل لقب وليس اسما لقب ليعقوب، وأنبياء بني إسرائيل من يوسف حتى عيسى ابن مريم كلهم من بني إسرائيل ذاك هو التفضيل أن جعل الله الأنبياء منهم‫.‬‬
‫(وَءَاتَيْنَـٰهُم بَيِّنَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ ۖ) البينات المعجزات، البينات الدلائل، البينات البراهين، وكأن الله، تبارك وتعالى، أعطاهم المعجزات كالعصا واليد وما تفعل العصا من ضرب الحجر فإذا بالعيون تنبع، أعطاهم كثيرا من المعجزات، أعطاهم الدلائل والبراهين، أعطاهم الفهم في كتابه، كل ذلك أوتوه (وَءَاتَيْنَـٰهُم بَيِّنَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ ۖ ) من الدين، الأمر هنا بمعنى الدين، وكلمة الأمر عموما لها معنيان؛ الأمر بمعنى الشأن وهو واحد الأمور كقوله، تبارك وتعالى‫:‬ (فَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍۢ (٩٧)) [سورة هود آية‫:‬ ٩٧]، أي شأنه، والأمر بالمعنى الآخر أحد أقسام الكلام ضد النهي، هناك أمر وهناك نهي‫.‬‬
‫(وَءَاتَيْنَـٰهُم بَيِّنَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ ۖ فَمَا ٱخْتَلَفُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ) بعد ما جاءهم العلم بالحلال والحرام، جاءهم العلم بالأحكام، جاءهم العلم بالتوراة وتفصيل التوراة، حين صاروا علماء وأوتوا العلم طمعوا في الرياسة وطعموا في الزعامة، جاءهم العلم بالتوراة وتفصيل التوراة، حين صاروا علماء رءوس العلم طمعوا في الرياسة، وطمعوا في الزعامة، وما هلكت أمه إلا بالطمع بين أبنائها في الرياسة والزعامة والتسلط والاستيلاء، هؤلاء ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم (بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۚ ) تحاسدا وتباغضا وعداوة كل يبتغي الرياسة كل يبتغي الزعامة كل يبتغي السلطة، فحدث الاختلاف ونتج من الخلاف أن دمرت تلك الأمة، وما من أمة إلا ودمرت بأبنائها، إذا كانت الأمم التي أقصدها هي الأمم المؤمنة لا يُدمَّر المؤمن أبدا إلا أن يدمر نفسه، إذ لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، (ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًۭا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ ) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٥٣]، ولكم في سبأ آية (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍۢ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌۭ ۖ ) [سورة سبأ آية‫:‬ ١٥]، في قصتهم آية، حيث رزقهم الله الجنات فحين اختلفوا وحين فعلوا وفعلوا بدلهم ربهم، تبارك وتعالى (فَمَا ٱخْتَلَفُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۚ ) تركهم الله وخلافهم وتخلّى عنهم وتوعدهم‫.‬‬
‫(إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ) يحكم ويفصل (يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧)) فيجازي المخلصين بإخلاصهم ويعاقب الطامعين الباغين ببغيهم ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله والبغي يعود على الباغي، كقوله، تبارك وتعالى، (إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ ) [سورة يونس آية‫:‬ ٢٣].‬
‫وقد قال بعض الناس في الآية معنى آخر (وَءَاتَيْنَـٰهُم) أي آتينا بني إسرائيل (بَيِّنَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ ۖ ) دلائل على نبوة محمد، صلى الله عليه وسلم، حيث جاء ذكره في التوراة وجاءت صفته بل وجاء في التوراة أنه يهاجر من مكة إلى يثرب، جاءت صفاته وعلاماته في التوراة؛ لا يأكل الصدقات وبين كتفيه خاتم النبوة وأسلم عبد الله بن سلام بذلك وأسلم كثير من يهود المدينة حين رأوا الخاتم وحين جاءوه بالصدقة فرفضها فجاءوه بالهدية فقبلها (وَءَاتَيْنَـٰهُم بَيِّنَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ ۖ فَمَا ٱخْتَلَفُوٓا۟) فما اختلفوا في شأن محمد، صلى الله عليه وسلم، حيث كانوا يؤمنون به حين كان الكفار والمشركون يحاربونهم أو تحدث بينهم معارك أو خلاف يقولون‫:‬ نحن ننتظر النبي المنتظر نبي آخر الزمان، بل وامتلأت يثرب باليهود انتظارا لبعثة نبي آخر الزمان، وحدثنا ربنا، تبارك وتعالى، عن شأنهم حيث قال‫:‬ (وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ) ، أي يستنصرون عليهم بالنبي المنتظر (فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ (٨٩)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٨٩]، نعم (وَءَاتَيْنَـٰهُم بَيِّنَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ ۖ ) في أمر محمد (فَمَا ٱخْتَلَفُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ) العلم بنبوته العلم بصدقه حيث جاء بالعلامات والدلالات وانطبقت عليه الآيات، هو محمد رسول الله هو نبي آخر الزمان، اختلفوا بعد ما جاءهم العلم بصدقه (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧)).‬
‫ويتوجه الخطاب إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، بعد ذلك، فيه المنّ من الله، فيه النعمة، فيه العطاء، فيه الحب، فيه كل ما يخطر على بالك من المدد الرباني ما يثلج القلوب ويقر الأعين، يقول للحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم:
ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿18﴾ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا۟ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۚ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۖ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿19﴾
‫(ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ) الجاعل هو الله، العاطي هو الله، وكأن الله، تبارك وتعالى، وضعه على الطريق الصحيح وأخذ بيده إليه، فالنعمة والمنّة من الله، تبارك وتعالى، والعطاء من الرب تبارك وتعالى، الشريعة في الأصل الطريق إلى الماء، والشارع الطريق إلى المقصد، وشَرَع الطريق مَهَّدَه، فكل طريق يؤدي إلى الماء هو مشرعة الماء، ولما كان الماء حياة للناس إذ بغير الماء لا حياة فكذلك الدين حياة القلوب وبغير الدين تموت القلوب، فسميت العبادات والأوامر والنواهي والأديان شرائع لأنها طريق للوصول إلى النعيم وإلى الحياة الأبدية الأخروية وإلى رضوان الله، فيقول الله، تبارك وتعالى، له‫:‬ (ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ) طريقة تؤدي إلى الحياة الأبدية والأخروية، جعلناك يا محمد (عَلَىٰ شَرِيعَةٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ) والأمر هنا يحتمل هنا يحتمل المعنيين إما الأمر بمعنى الشأن وإما الأمر بمعنى قسم الكلام الذي هو ضد النهي‫.‬‬
‫(عَلَىٰ شَرِيعَةٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ) الدين القويم الموصل لرضوان الله (فَٱتَّبِعْهَا) ذاك أمر من الله، تبارك وتعالى، له وقد قضى الله أن ينفذ الأمر فما اتبع الشريعة أحد كما اتبعها المصطفى، صلى الله عليه وسلم، فهو أتقى الناس وهو أعبد الناس وهو أعلم الناس‫.‬‬
‫(وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)) الأهواء جمع هوى، وسمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في قعر جهنم، (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)) هؤلاء هم مشركو مكة حيث دعوه لعبادة أصنامهم وحاوروه وجادلوه وأخذوا يراودونه‫:‬ اعبد آلهتنا يوما ونعبد إلهك يوما، ومرة يقولون له‫:‬ لا تسب آلهتنا ولا تسفه أحلامنا ونحن نعرض عنك، وتارة يقولون له‫:‬ اصرف عنك العبيد والفقراء حتى نجلس إليك، وهكذا فربنا، تبارك وتعالى، يأمره بالالتزام بالشرع والمنهاج السليم والصراط الرباني‫:‬ (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)) الذين لا يعلمون ما ينتظرهم ولا يعلمون عن الله شيئا ولا يعلمون عن الدين شيئا فهؤلاء جهلاء وهم كالأنعام بل هم أضل‫.‬‬
‫(إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا۟ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۚ ) أي لئن اتبعت أهواءهم لا يفيدك اتباعهم ولا يغنون عنك شيئا، أي لا يستطيعون أن يمنعوا عنك ما أراده الله بك (إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا۟ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۚ ) أي لا يستطيعون أن يمنعوا عنك ما أراده الله بك‫.‬‬
‫(وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۖ) فأنت لا تتولاهم لأنك لست منهم بل هم الظالمون والظالمون يتولى بعضهم بعضا في الدنيا ثم إذا جاء يوم القيامة (كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءًۭ وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ (٦)) [سورة الأحقاف آية‫:‬ ٦]، فالظالمون بعضهم أولياء بعض، أصدقاء أحباب متعارفون متحاربون متوادون حيث تنقطع الخلة والمحبة ويفصل بينهم يوم القيامة (ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ (٦٧)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٦٧]، لأن المتقين وليهم الله‫.‬‬
‫(وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُتَّقِينَ (١٩)) فكن من الأتقياء حتى يكون الله وليك، والتقوى هنا تقوى الشرك وتقوى المعاصي (وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُتَّقِينَ (١٩)) وولاية الله، تبارك وتعالى، للمتقين في الدنيا وفي القبر وفي البعث وفي يوم القيامة، وولايته لا تنقطع والخلة بينهم لا تنقطع فما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله قطع وانفصل نعم (ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ (٦٧)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٦٧].‬
‫بل والأغرب من هذا أن الناس جمعيا يأتون الله يوم القيامة، (وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْدًا (٩٥)) [سورة مريم آية‫:‬ ٩٥]، منفردا ليس معه أحد، أما المتقون فيقول الله، تبارك وتعالى، عنهم‫:‬ (سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدًّۭا (٩٦)) [سورة مريم آية‫:‬ ٩٦]، الود المأمول المنقطع يوم القيامة إلا للمتقين (وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُتَّقِينَ (١٩)).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
هَـٰذَا بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ﴿20﴾
‫(هَـٰذَا بَصَـٰٓئِرُ) (هذه بصائر) قراءتان، (هَـٰذَا بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ (٢٠)).‬
‫(هَـٰذَا) القرآن (بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ) ، (هذه) الآيات (بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ)، والبصائر جمع بصيرة، والبصيرة عين القلب كما أن البصر إنسان العين، البصر‫:‬ الرؤية بالعين البصيرة الرؤيا بالقلب، رؤية العين تخالف رؤية القلب، فكثيرا ما تختلط المناظر على العيون وإذا جاء الظلام امتنعت العيون عن الرؤية وإذا ضعف البصر ضعف التمييز وإذا بعد المرئي اختلط على العين الأمر، أما عين القلب فلا تنام وترى بالليل كما ترى بالنهار ولا تحجبها الأستار ولا تحجبها الظلمات، فهؤلاء الذين اتقوا ربهم القرآن لهم والآيات لهم بصائر، عيون يرون بها ما لا يراه الناس، (أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍۢ مِّنْهَا ۚ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٢٢] نعم عيون القلب عيون يمنحها الله، تبارك وتعالى، لمن عرفوه فخافوه وعبدوه ورجوه وأملوا في رحمته وذكروه فذكرهم وما نسوه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬
(هَـٰذَا بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًۭى) ‫رَشَد، يرشدك إلى الصواب، يبين لك الحق من الباطل، وهذا الهدى هدى الله، تبارك وتعالى، الدلالة، أرأيت الرجل يمشي في بلد غريب لا يعرف الطريق وأراد أن يصل إلى مكان فمن يهديه هو من يدله على الطريق، والهداية أنواع ولكي تهدي الرجل ممكن أن تصف له الطريق؛ سر أماما ثم انحرف يسرة ثم انحرف يمنة ثم كذا ثم كذا وتقف مكانك وتصف له، ويمكن لك أن تهديه بأن تضع له العلامات سرْ كذا خطوة يمنة ثم انحرف كذا خطوه سوف تجد محلا صفته كذا سوف تجد نورا كذا سوف تجد بيتا كذا حديقة كذا فتضع له الدلائل والعلامات حتى لا تختلط عليه الأمور وتبقى معه تحفظه وترسخ في عقله الوصف، وهناك هداية أخرى أن تأخذ بيده وتوصله حيث يريد بلا كلام، ذاك هو هدى الله، هدى الأنبياء أن تصف لنا الأنبياء الطريق إلى الله، وصف، أما هدى الله فهو أن يأخذ بيدك من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى، (ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٥٧]، هكذا القرآن آيات ودلائل وبصائر وهدى ورحمة، ورحمة الله لا تصل إليها العقول، ومهما قال المفسرون في صفات الله، تبارك وتعالى، واللهِ، لا يعرف اللهَ إلا اللهُ، وما يصفون إلا الألفاظ ما يتكلمون إلا في النحو والصرف ومشتقات اللغة، أما المعنى الحقيقي فلا يعرفه إلا الله، فلا يعرف الرحيم إلا الرحيم‫.‬‬
‫( هَـٰذَا بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ (٢٠)) يريدون اليقين، ألا تسمع قول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَإِذَا قُرِئَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥ وَأَنصِتُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٢٠٤]، إذًا فيه الرحمة، مجرد الاستماع لكلام الله، تبارك وتعالى، يؤدي بك إلى الرحمة، وكلمة لعل وكلمة عسى إذا جاءت من قبل الله، تبارك وتعالى، تفيد التحقيق ولا تفيد الشك أو التردد، فإذا قال إنسان عسى أن آتيك غدا فقد يأتي وقد لا يأتي، أما إذا قال الله، تبارك وتعالى‫:‬ (عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٨]، رحمهم؛ لأن الله لا يرجيك ثم يخيب رجاءك، أبدا، الإنسان قد يغدر قد يكذب قد تحول الظروف بينه وبين تحقيق ما يريد قد تمتنع عليه الأسباب في تحقيق الوعد، أما الله إذا قال فعل، هو الفعال لما يريد لا راد لقضائه ولا معقب على حكمه، (هَـٰذَا بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ (٢٠)) يريدون اليقين أو هم موقنون فعلا بالله فيزيدهم القرآن إيمانا ويزيدهم يقينا ويزيدهم نورا وبصيرة فيرون ما لا يراه الناس، أو من كان يريد اليقين فعليه بالقرآن فهو بصائر وهو هدى وهو رحمة وهو المؤدي إلى اليقين‫.‬‬
‫ويأتي الكلام باستفهام فيه الإنكار لكل من يعقل‫:‬‬‬‬‬
أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءًۭ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿21﴾
استفهام فيه إنكار، فيه الإنكار (أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ) اجترح اكتسب، والجوارح كواسب، سميت الجوارح جوارح لأنها تكسب لصاحبها فأنت تكسب بيدك وتكسب بعينك وهكذا فسميت الجوارح كذلك، حتى الطيور التي تعلَّم الصيد والكلاب الصائدة تسمى جوارح، (وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ۖ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٤]، جوارح كواسب تكسب لصاحبها تصيد له، جرح يجرح كسب يكسب، واجترح اكتسب لأولاده طعامهم واكتسب لهم المال، فهؤلاء اجترحوا السيئات اكتسبوها، والتعبير يشعر بأنهم سعوا إليها وما جاءتهم قضاء وقدرا؛ لأن المجترح قد بذل المجهود، حتى التاء إذا دخلت على الفعل تفيد الطلب، فتح واستفتح، طلب، التاء تفيد الطلب، فحين يقول اجترحوا ولم يقل جرحوا أو كسبوا فكأنهم بذلوا المجهود واستخدموا الجوارح التي أعطاها الله لهم كي يكسبوا رزقهم بالحلال ويتفكروا في آلاء الله ونعمائه، استخدموا الجوارح في اكتساب المعاصي والسيئات والشرور، هؤلاء الذين اجترحوا السيئات يحسبون أن يجعل الله، تبارك وتعالى، وضعهم وحالهم وشأنهم في الحياة وفي الممات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، هل يعقل هذا؟‬
‫(سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)) ساء ذاك الحكم! بئس الحكم يحكمونه! (أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءًۭ) (سواءٌ) (مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)) الكلام يختلف معناه حسب الإعراب، إذا قرأناها (سواءٌ) بالضم فذاك استفتاح مبتدأ وخبر سواءٌ خبر مبتدأه (مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ ) أي محياهم ومماتهم سواء، والكلام يصبح معناه (أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ) وانتهى الكلام، هل يعقل أن نجعل هؤلاء كهؤلاء؟ لا يعقل ثم ينشئ الكلام فيقول‫:‬ (سواءٌ محياهم ومماتهم) أي كما عاشوا كفارا فسوف يموتون كفارا (سواءٌ محياهم ومماتهم)، والكلام عن الذين اجترحوا السيئات فكما كفروا واجترحوا السيئات في الدنيا وارتكبوا الشرور فكذاك مماتهم خزي وعار وندامة وعذاب أليم (سواءٌ محياهم ومماتهم).‬
‫وإذا قرئت‫:‬ (سَوَآءًۭ) يصبح المعنى (أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءًۭ) أي نسوّي بينهم في حياتهم وفي مماتهم، ولذا هناك قراءة أخرى، مماتهم قرئت‫:‬ بالنصب على حذف الخافض حرف الجر سواءً في محياهم وكذلك في الممات لا يمكن أن يسوّي بين المسيء والمحسن في الحياة ونسوِّي بينه وبينه أيضا في الموت، أبدا حياة المؤمن طيبة فيها القناعة فيها الرضا فيها الانشراح فيها الأمل، حياة الكافر سيئة حياة المسيء لا بد وأن تكون سيئة ضيقة ضنكا (فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةًۭ ضَنكًۭا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ (١٢٤)) [سورة طه آية‫:‬ ١٢٤]، هؤلاء الذين غفلوا عن ذكر الله وهؤلاء الذين اجترحوا السيئات فلا يمكن أن يجعلهم الله، تبارك وتعالى، سواء مستويين (أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءًۭ) نجعلهم سواء (مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ ) إذا فالمعنى هنا يصبح أن من عاش مؤمنا سيموت مؤمنا ومن عاش كافر سيموت كافرا، ومن أساء في حياته أسيء إليه في مماته ومن أحسن في حياته أحسن إليه في مماته‫.‬‬
‫ويأتي الحكم والدليل على هذا الكلام، الدليل أن المجترح للسيئات لا يمكن أن يسوى بينه وبين المؤمن في الحياة أو في الموت، الدليل على ذلك قوله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿22﴾
‫(وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ) وطالما خلقها بالحق إذا ولا بد أن يقام ميزان العدل (وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ) دليل على ما قيل أنهم لا يمكن أن يكونوا سواء والعلة (وليَجْزِيَ) الله (كلَّ نفس بما كسبت وهم لا يظلمون) نعم (وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ) بالأمر الحق، بالحق بالقول الحق، بالحق من أجل إقامه الحق، (وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ) فمن اجترح السيئات جوزي بسيئاته ومن عمل الصالحات جوزي بصالحاته، نعم (مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ ) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٦]، (وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ (١٩٥)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٩٥]، (وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۗ ) وما متاع الدنيا إلا سراب‫.‬‬
‫(وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢)) لا يظلمون بإنقاص الثواب ولا يظلمون بزيادة عقاب، هل لو فعل الله ذلك، هل لو زاد في ثواب المحسن وضاعف في عقاب المسيء، هل يسمى ذلك ظلما ؟ أبدا، هل لو أدخل ربنا، تبارك وتعالى، المؤمنين في النار وأدخل الكفار في الجنة فهل ظلم؟ أبدا والله؛ لأنه كان ولم يكن شيء ومن حكم فيما ملك فما ظلم، فلله الحق في أن يكلف الناس ما لا يطيقون ويختار لهم ما لا يرتضون وأن يصيبهم بالألم وبالعذاب ويوقع بهم ما يشاء من عقاب دون جرم سابق أو ثواب لاحق، هو الله (لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ (٢٣)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٢٣]، لكن الله، تبارك وتعالى، سمى ذلك ظلما بما تعارف عليه الناس فقال‫:‬ (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢)) لأنه الملك الحكم العدل، لكن الله لا ينسب إليه ظلم أبدا مهما فعل لا ينسب إليه ظلم لأنه المالك وهو الملك والخالق والبارئ (لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ (٢٣)) ، وتتضح هذه المعاني في مواضع كثيرة من القرآن كقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ١٧]، إن أراد أن يفعل ذلك فهل أحد يملك منه شيئا؟ هل يسأل؟ هل يعاتب؟ هل يعد ذلك منه ظلما؟ أبدا والله وفي قوله ، تبارك وتعالى‫:‬ (وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٨٤]، وما يخفى في نفسك من خواطر تأتيك عن غير إرادتك من الشيطان ومن النفس ومن الشيطان الخواطر أنت لا سلطان لك عليها ومع ذلك إن شاء حاسبك عليها، إن شاء، لكن برحمته رفع عنا ذلك فقال‫:‬ (لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٨٦] برحمته، ولو حاسب الله الناس بعدله ما ترك عليها من دابة، لهلك الكل بما فيهم الرسل، لأنه تبارك وتعالى أصدق القائلين يقول‫:‬ (وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٤٥]، من دابة، طيور وحيوانات وحشرات وأناس وكل شيء، فنحن نأمل ونطمع أن يحاسبنا ربنا، تبارك وتعالى، برحمته وليس بعدله؛ لأنه لا يدخل أحدكم الجنة بعمله وإنما دخول الجنة بالرحمة، حتى الرسل، إي وربي بالرحمة، فعليك أن تطمع في رحمته وأن تلجأ إليه‫.‬‬
‫ما يخزي العبد ويهلك العبد أشد من الهوى فما من شيء يهلك العبد أشد وأخطر من الهوى وما ذكر الهوى في القرآن إلا مذمومًا، فقد قال ربنا، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ ) [سورة ص آية‫:‬ ٢٦]، ويقول‫:‬ (وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٧٦]، ويقول‫:‬ (وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمْرُهُۥ فُرُطًۭا (٢٨)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٢٨]، ويقول‫:‬ (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيْرِ هُدًۭى مِّنَ ٱللَّهِ ۚ ) [سورة القصص آية‫:‬ ٥٠]، ويقول‫:‬ (بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۖ فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ۖ ) [سورة الروم آية‫:‬ ٢٩]، وكفاك قول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ (٤٠) فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ (٤١)) [سورة النازعات آية‫:‬ ٤٠- ٤١]، يقول الله، تبارك وتعالى، معجبا لحبيبه المصطفى، صلى الله عليه وسلم‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍۢ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةًۭ فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿23﴾
‫(أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ) عجب، اتخذ معبوده هواه، والكلام قد يكون فيه تقديم وتأخير، أفرأيت من اتخذ هواه إلهه، يصح المعنى كذلك، أما القراءة فهي قراءة واحدة (أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍۢ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةًۭ فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)) قراءة، (تتذكرون) قراءة‫.‬‬
‫(أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ) عبد هواه، كلما دعاه لشيء ركبه فَضَلّ، والهوى مذموم في القرآن ما جاء في موضع إلا وجاء مذمومًا، ذمه الله، تبارك وتعالى، بل ونبينا، صلى الله عليه وسلم، يقول‫:‬ (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ).‬
‫(أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ) وقرئت‫:‬ (أفرأيت من اتخذ آلهته هواه) بمعنى أن الرجل منهم كان يعبد الحجر والصنم فإذا وجد صنما أفضل أو أحسن في نظره رمى الصنم الأول وعبد الصنم الثاني، الآلهة تبعا للهوى والهوى يصم ويعمى الهوى يهلك، (وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ ) [سورة ص آية‫:‬ ٢٦].‬
‫هذا الذي (ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍۢ) كلمة (عَلَىٰ عِلْمٍۢ ) هنا حال، إما من الفاعل وإما من المفعول، فإن كانت من الفاعل حال من الفاعل فالمعنى أضله الله على علم من الله بأن الضال يستحق الضلال والإضلال، أضله الله الفاعل هو الله، أضله الله على علم به، أي أن الله عالم به وبضلاله وبفساد طويته وسوء نيته فأضله وهو عالم به من الأزل أنه مستحق للضلال، وإذا كانت حالا من المفعول فالمعنى يتغير (وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍۢ ) على علم من الضال أنه ضال فهو يعبد الصنم وهو يعلم أنه على خطأ فيكابر ويستكبر، كقول فرعون‫:‬ أنا ربكم الأعلى، هل هو كذلك ؟ هل هو متيقن من مقالته؟ أبدا والله، وإنما هو ضال وضال على علم من نفسه بنفسه‫.‬‬
‫(أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍۢ ) على علم من الله أو على علم من الضال بأنه على ضلال ومع ذلك يستكبر ويصر ويبقى على ضلاله ككفار مكة علموا صدقه وسموه الصادق الأمين من قبل البعثة، وقال بعضهم لبعض‫:‬ والله إنه نبي، والله إنه صادق، وما جربنا عليه الكذب، ولكن أنؤمن به حتى تعيرنا بنات قريش؟! إذا فقد علموا أنهم على ضلال ومع ذلك لم يتبعوا محمدًا، صلى الله عليه وسلم، واتبعوا أهواءهم‫.‬‬
‫(وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ) ختم : طبع، والخاتم كلنا يعرف ذلك إذا أردنا أن نخزن شيئا من الطعام كالسمن أو العسل ختمنا على الإناء أي أغلقناه إغلاقا شديدا حتى لا يخرج منه ما هو فيه ولا يدخل إليه ما هو ليس منه، ذاك الختم على الآنية على فم القربة وفم الإناء وهكذا طبع، فحين يختم ربنا، تبارك وتعالى، على القلب معنى ذلك أنه قد أغلق على ما فيه فلا يخرج منه ما هو فيه ولا يدخل إليه ما ليس فيه، هذه القلوب ماذا فيها؟ فيها الكفر فإن ختم عليها لا يخرج الكفر أبدا ولن يدخل الإيمان أبدا، وكذلك السمع إذا ختم عليه لن يدخل إليه الهدى ولن يدخل إليه الصواب أبدا، (أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ) هذا الذي فعل ذاك وجعل معبوده إلهه وجعل إلهه هواه ما يشتهيه وما تهواه الأنفس وما يريده وما يحبه وما يميل إليه، إذا فعل ذلك ختم الله على سمعه وقلبه (وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةًۭ) (وجعل على بصره غَشْوة) قراءة، (أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍۢ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةًۭ) أو (غَشوة) قراءتان، الغشاء الغطاء والغشاء ما يحيط بالشيء وما يغشيه يغطيه، فكأن البصر وضع عليه غطاء فإذا وضع الغطاء على البصر امتنعت الرؤية فلا يرى الآيات ولا يرى الحق ولا يرى النعم ولا يرى الآلاء فهو كالأعمى والأصم والسفيه لا عقل له، كيف يُهدى؟ كيف يصل إلى الصواب؟ وكيف يصل إلى الحق؟ (أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍۢ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةًۭ فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ ) أي من يهديه من بعد إضلال الله له (فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ ) الله تخلى عنه، الله أضله، فمن يهديه؟ إذا كان الله قد أضله وهو الهادي وهو المضل فمن يهديه من بعد الله‫.‬‬
‫(أفلا تتذكرون) قراءة قراءة‫.‬‬
‫أيها الاخ المسلم، هل تذكرت؟ نعم إن شاء الله تذكرنا جميعا أن الهادي هو الله وأن الهدى في كتاب الله وأن من ابتغى الهدى في غير كتاب الله أضله الله‫.‬‬
‫أيها الاخ المسلم، يقول النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ وَثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ؛ فَالْمُهْلِكَاتُ شُحٌّ مُطَاعٌ) بخل شديد (فَالْمُهْلِكَاتُ شُحٌّ مُطَاعٌ وَهَوًى مُتَّبَعٌ وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ) أرأيت الهوى؟ مهلك، (ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ وَثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ؛ فَالْمُهْلِكَاتُ شُحٌّ مُطَاعٌ وَهَوًى مُتَّبَعٌ وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، وَالْمُنْجِيَاتُ خَشْيَةُ اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ وَالْعَدْلُ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ)، ويقول المصطفى، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْي بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَةِ نَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ).‬
‫الناس في إنكارهم للألوهية فئات؛ فمن الناس من يثبت الألوهية ولكنه ينكر البعث، (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ ) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٨٧]، ثم إذا حدثتهم عن الساعة والبعث أنكروها وأنكروا قيامها، أبطلوا الجزاء وأنكروا البعث وكذبوا بالساعة، ومنهم من أقر بالربوبية ومنهم من أنكرها، هؤلاء الذين أقروا بالربوبية، من رب السموات والأرض؟ إذا وجهت إليهم هذا السؤال قالوا ربنا هو الله، أما الألوهية فقد أشركوا مع الله آلهة أخرى، فأقروا بالربوبية ولم يقروا بالألوهية، ومنهم من شك في الساعة فهو متردد بين مصدِّق ومكذّب، من هؤلاء مشركو مكة كانوا على أنواع وعلى أصناف قد جاهدهم النبي، صلى الله عليه وسلم، بالقول وبالحجة وبالمنطق وبالآيات، وكلما ساق إليهم آية ساقوا إليه حجة وسمّوها حجة وما هي بحجة وكلما ساق إليهم دليلا عارضوه بزيف وبهتان، وحين تكلموا عن الحياه والموت‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَقَالُوا۟ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴿24﴾
‫(وَقَالُوا۟ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ ۚ) تلك مقالتهم (وَقَالُوا۟ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا) أي هذه الحياة الدنيا التي نحياها ليس هناك شيء قبلها وليس هناك شيء بعدها، هؤلاء أنكروا فعل الله، تبارك وتعالى، ونسبوا الفعل إلى الدهر (وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ ۚ ) أي ما يفنينا وما يميتنا إلا الدهر، والدهر مدة بقاء الدنيا، من دَهَرَهُ إذا غلبه، وقصدوا بكلمة الدهر تعاقب الليل والنهار، قصدوا بكلمة الدهر مرور الزمان مرور الأيام مرور الشهور وتتابع الليل والنهار، وكأنهم يشبهون كفار عصرنا الحديث حيث أنكروا الألوهية ونسبوا الوجود إلى الطبيعة وقالوا‫:‬ هي كذلك وما أعدها وما خلقها أحد بل وجدت من تلقاء نفسها والدنيا هي الدنيا وما قبلها من شيء وما بعدها من شيء ووجدت الأشياء من تلقاء نفسها وتهلك الأشياء بمرور الزمان وبمرور الأيام، وغفل هؤلاء عن أن لكل فعل فاعلا، الليل والنهار نتجا من شروق الشمس وغروبها، (ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍۢ (٥)) [سورة الرحمن آية‫:‬ ٥]، محسوب بمواقيت وبمواعيد ولا بد للشمس وللقمر من مسخِّر ومن محرك ومن موجد ألا وهو الله، فتعلقوا بالسبب وغفلوا عن المسبب، سبحانه وتعالى، الذي خلق الأسباب والمسببات‫.‬‬
‫(وَقَالُوا۟ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا) أي نموت ويحيا أبناؤنا أو نموت ونحيا بحياة أولادنا وببقاء آثارنا أو يموت بعضنا ويحيا بعضنا فهي موت وحياة أو هو على التقديم والتأخير بمعنى نحيا ونموت لأن الحياة سابقة للموت فهم لا يقصدون الحياة بعد الموت فهم ينكرونها، ولكن يقصدون الحياة والموت نموت ويحيي غيرنا، يموت بعضنا ويحيا بعضنا، نموت ويحيا أولادنا، نموت ونحيا ببقاء آثارنا أو تقديم وتأخير في الكلام نحيا ونموت، وقرئت‫:‬ (نموت ونُحيي).‬
‫( وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ ۚ ) ما يفنينا (إِلَّا ٱلدَّهْرُ ۚ ) وكانوا ينسبون كل شيء إلى الدهر فإذا جاءتهم المصائب أو جاءهم القحط أو جاءهم جدب سبوا الدهر باعتباره الفاعل، من هنا روى لنا نبينا، صلى الله عليه وسلم، حديثا قدسيا يقول الله، تبارك وتعالى، فيه‫:‬ (يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)، فبيّن ربنا، تبارك وتعالى، في هذا الحديث أن الدهر الذي يسبونه ما هو إلا من فعل رب الدهر ألا وهو الله، فإذا أنت سببت الدهر كأنك سببت من خلق الدهر لأنهم نسبوا إليه الفعل والفاعل هو الله‫.‬‬
‫(وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)) رد الله، تبارك وتعالى، عليهم (وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ ) أي ما لهم بهذا الكلام من علم، هم لا يعلمون سر الفلك، هم لا يعلمون سر الليل والنهار، هم لا يرون الشمس ولا يصلون إليها لا يرونها إلا بأعينهم من بعيد فهم لا يعرفون حقيقتها وكُنهها وكيف سُخرت ولم لمْ تنطفئ منذ آلاف بل بلايين السنين ولم لمْ يقل ضوؤها ولم لا تتلاشى بل هي باقية منذ خلقت إلى أن تقوم الساعة بنفس القوة بنفس النظام بنفس الحرارة بنفس الدفء بنفس الشروق والغروب في مشارق ومغارب حسبت لا تقديم ولا تأخير‫.‬‬
‫( وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ ) أيّ درجة من درجات العلم أي نوع من أنواع العلم (وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)) يتبعون الظن والظن أكذب الحديث كما قال نبينا، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ! فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ)، الظن تخيل، الظن تخمين، الظن لا دليل له ولا سند يستند عليه، إن يتبعون إلا الظن، هؤلاء متبعون للظن‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿25﴾ قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿26﴾
‫(وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ) الآيات القرآنية، الدلائل الواضحة التي توضح سر الخلق وأن الخالق هو الله وأنه كان والكون عدم وأنه سخّر الشمس وسخر القمر وسخر الأرض وسخر الفلك وسخر النجوم وسخر البحر، إذا تليت عليهم هذه الآيات لم يتفكروا فيها ولم يناقشوها وإنما ساقوا حجة وسمُّوها حجة وسماها ربنا، تبارك وتعالى، في هذا الرد حجة استهزاءً وسخرية بهم، (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (٢٥)) تساق لهم الآيات والدلائل والبراهين على وجود الله المسخِّر لكل هذا، الخالق للدهر، الخالق الليل والنهار والشمس والقمر إذا سيقت الآيات والدلائل والبراهين تركوا كل ذلك وساقوا حجة وما هي بحجة‫:‬ إذا كنتم تزعمون أن هناك بعثًا وساعة وقيامة وجزاءً فأتوا بآبائنا الذين ماتوا فأحيوهم لنا حتى نسألهم عن زعمكم (مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (٢٥)).‬
‫يرد الله، تبارك وتعالى، عليهم آمرا نبيه، صلى الله عليه وسلم، بالرد‫:‬ (قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ) قل الله يحيكم ثم يميتكم رد على مقالتهم‫:‬ ما يهلكنا إلا الدهر، فهو يرد على هذه المقالة أن الله، تبارك وتعالى، هو الذي أحياكم حيث كنتم أمواتا، كنتم نطفا في أرحام الأمهات، كنتم نطفا في أصلاب الآباء لم يكن الآباء ولم يكن الأجداد، كان الله ولم يكن شيء، هو الذي أحياكم ثم يميتكم وأنتم ترون الحياة والموت بميلاد الأطفال وبموت الكبار (ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) وطالما قدر على الابتداء فهو قادر على الإعادة بعد الإفناء‫.‬‬
‫(ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ) وكما أنشأكم أول مرة فكذلك تخرجون وكذلك تعودون، كما أخرجكم من الأرض أول مرة كذلك هو قادر على أن يعيدكم (ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ) لا شك فيه ولا مراء فيه (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)) لا يعلمون أن الله، تبارك وتعالى، هو الخالق المحيي المميت القادر على الفعل، وما لا يحدث في الحال لا يعني استحالة حدوثه في المآل، فإذا لم يأت ربنا بآبائهم الآن فهذا لا يعني استحالة الإتيان بهم في المستقبل، وقد اقتضت حكمة الله، تبارك وتعالى، أن يبعث الناس للجزاء، والآباء مبعوثون (ٱئْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (٢٥)) نعم سوف يأتي بهم الله ويأتي بكم أيضا ولكن في يوم القيامة حيث الجزاء؛ لأن الدنيا عمل ولا جزاء والآخرة جزاء ولا عمل‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍۢ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴿27﴾
تعميم بعد تخصيص، تعميم للقدرة بعد التخصيص بقدرة الله على البعث (قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ) تخصيص لقدرة الله، تبارك وتعالى، في هذا الشأن الإحياء والإماتة والإعادة ثم تعميم للقدرة بعد ذلك أن الله قادر على كل شيء في كل شيء (وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ ) وإذا كان له ملك السموات والأرض فهو قادر على كل شيء أوجدها من العدم وله أن يفنيها ويعيدها بعد ذلك، كما بدأ أول خلق يعيده، فهو قادر لأنه الملك والمالك طالما خلقها وملكها وهو الملك المتحكم فيها فهو القادر على كل شيء‫.‬‬
‫(وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍۢ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ (٢٧)) أي يخسر المبطلون يوم تقوم الساعة أو التقدير‫:‬ ولله ملك السموات والأرض وله الملك يوم تقوم الساعة، أيضا، (يَوْمَئِذٍۢ) في يوم القيامة (يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ (٢٧))، الذين أبطلوا البعث وأبطلوا الجزاء وكذّبوا بالساعة وأنكروا القيامة، هؤلاء المبطلون الذين اتبعوا الباطل يخسرون يوم القيامة؛ يخسرون أنفسهم، يخسرون رضا الله، يخسرون منازلهم في الجنة، فما من مخلوق إلا وله منزل في الجنة وله منزل في النار، فهؤلاء خسروا منازلهم في الجنة، خسروا الحور العين، خسروا رضا رب العالمين‫.‬‬
‫وتنتقل بنا الآيات لتصوير الموقف نقلة فجائية (يَوْمَئِذٍۢ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ (٢٧)) الكلام عن يوم القيامة وينتقل الكلام لتصوير الواقع‫:‬‬‬‬‬‬‬
وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍۢ جَاثِيَةًۭ ۚ كُلُّ أُمَّةٍۢ تُدْعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿28﴾ هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿29﴾
‫(وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍۢ جَاثِيَةًۭ ۚ ) نقلنا القرآن إلى موقف القيامة، حيث لله قد أحيا الكل وبعث الكل وبدلت الأرض غير الأرض والسموات كذلك، وإذا بالأرض أرض جديدة أرض المحشر وإذا بالكل قد حشر من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة والوحوش حشرت كذلك الوحوش والأسماك كل ما دب على الأرض أو طار بجناحيه حشر يوم القيامة‫.‬‬
‫‫(وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍۢ جَاثِيَةًۭ ۚ ) جَثَا يجثو ويجثي جُثُواً وجُثيا برك على ركبه، (وترى كل أمة جاذية) قرئت بالذال‫:‬ مجتمعة، والجذوة كل ما اجتمع من شيء يسمى جذوة (وترى كل أمة جاذية) مجتمعة، وفي نفس الوقت تعطي معنى البروك على الركب مستوجذة معنى ذلك أن كل إنسان جلس على ركبتيه وأطراف أنامل أصابعه فقط، نزل على ركبه ولا يمس الأرض منه إلا الركب وأطراف أصابع القدمين ذاك هو منظر الناس في يوم القيامة بما فيهم الرسل حتى إن إبراهيم، عليه السلام، لينادي‫:‬ يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي، إبراهيم أبو الأنبياء‫:‬ يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي، نفسي نفسي ذاك مقالة الرسل كيف وقد طمأنهم الله في القرآن؟ كيف؟ وقد طمأن الله المؤمنين بأن يجعل لهم الرحمن ودا يحشرون آمنين (يَـٰعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٦٨]، وهناك أناس في ظل العرش يظلهم الله بظل عرشه، هؤلاء الرسل إبراهيم قيل له‫:‬ (وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًۭا (١٢٥)) [سورة النساء آية‫:‬ ١٢٥]، كيف يقول‫:‬ لا أسألك إلا نفسي؟ نعم في يوم القيامة ساعة هي عشر سنوات على بعض أقوال الصحابة، ساعة تساوى عشر سنوات، يبرك الكل على الركب، يذهل الرسل عن وعد الله، يذهلون عن وعد الله لهم بالنجاة والنصر في تلك الساعة في تلك اللحظة الكل على الركب‫.‬‬
‫(وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍۢ جَاثِيَةًۭ ۚ كُلُّ أُمَّةٍۢ تُدْعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا) قرئت بالنصب (كُلَّ ) وقرئت بالضم‫:( كُلُّ أُمَّةٍۢ تُدْعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا)‬ صحيفة أعمالها، (كِتَـٰبِهَا) الكتاب المنزّل على رسولها يسألون عن هذه الكتب ماذا عملتم؟ ها هو القرآن بين أيديكم يا أمة محمد هل حكمتم بما جاء فيه؟ هل عملتم بما جاء فيه؟ هل قرأتموه؟ هل أحللتم حلاله وحرمتم حرامه؟ (كُلُّ أُمَّةٍۢ تُدْعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا) إما الكتاب المنزَّل وإما الكتب صحيفة الأعمال الجزاء يوم الجزاء لأن الله خلق الدنيا ابتلاء واختبارا وما خلق الناس هملا (أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةًۭ مِّن مَّنِىٍّۢ يُمْنَىٰ (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةًۭ فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰٓ (٣٩)) [سورة القيامة آية‫:‬ ٣٦- ٣٩]، علقة ونطفة وأصناف وألوان وأنواع (ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).‬
‫(هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا) نسب الكتاب إليه سبحانه وتعالى (هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ۚ ) هو كتاب الناس هو ما نسخ من أعمالهم فحين يقول‫:‬ (هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا) وينسب الكتاب إليه تشريفا للكتاب وتصديقا لما دُوّن وسطر فيه فهو الآمر بالنفخ وهو الآمر بالكتابة لذا قال‫:‬ (هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا) لأنه أمر به وأمر بالكتابة فيه‫.‬‬
‫( يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ۚ ) ينطق استعارة هل هي استعارة بمعنى يشهد شهادة ثابتة أكيدة وكأنها نطق أم أنه ينطق حقا؟ يعلم الله، كل العلماء قالوا في هذا‫:‬ هذه استعارة فالكتاب لا ينطق وإنما ينطق بمعنى يشهد، وقال ربنا، تبارك وتعالى، في موضع آخر‫:‬ (وَلَدَيْنَا كِتَـٰبٌۭ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٦٢] وقال حكاية عن الناس‫:‬ (مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٤٩]، وجدوا العمل، وجودوا العمل حاضرا، لم يجدوا ما هو مكتوب بل وجدوا وكأن العمل حاضر، كيف ذلك؟ أمر لا يمكن أن نصل إلى كنهه وحقيقته ومهما قال المفسرون فيه لم يصلوا إلى الحق، والحق يعلمه الله هو أعلى وأجلّ وأعلم، هل الكتاب ينطق؟ هل تعاد الدنيا (يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَآءَ كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍۢ نُّعِيدُهُۥ ۚ ) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١٠٤] نحن في زماننا هذا نرى إنسانا يتكلم في أقصى الأرض وما عليك إلا أن تضغط زرا فإذا بالصور والشكل والصوت وحتى اللون الألوان إذا بها أمامك في نفس اللحظة بالأقمار الصناعية وبما غير ذلك، بل ولك أن تسجل كل ذلك في شريط ثم تعيد عرض هذا الشريط وقتما تشاء، فإذا بك ترى الأموات وكأنهم أحياء يمثلون ويتضاحكون ويرقصون وما إلى ذلك، إذا كان الإنسان قد استطاع أن يحصي الأعمال ويسجلها صوتا وصورة بل ولونا كذلك، أفلا يستطيع ربنا ذلك؟ فهل الكتاب منسوخ؟ هل الكتاب كتابة بحروف تقرأ أم هي صورة أم هي الدنيا بأسرها تعاد فإذا بك تراها حقيقه واقعة؟‬
‫(هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)) وحيّرت الآية العلماء، النسخ بمعنى المحو (مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٠٦]، والنسخ أيضا بمعنى النقل، وإذا كنت تنقل وتنسخ فأنت إذا نسخت الكتاب نقلت ما سطر فيه إلى كتاب آخر، ذاك هو النسخ أن يكون هناك مكتوب فتنقل المكتوب إلى صحيفة أخرى، هنا يقال إنك نسخت، أما إنشاء الكتابة فيقال فيه‫:‬ كتبت، إنا كنا نكتب ما تعملون، أما أن يقول‫:‬ (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ) إذا فهو نقل لمكتوب، حيرتهم تتضح، قالوا‫:‬ الملائكة الموكلون يكتبون أفعال العباد وأعمال العباد قبل أن تحدث في كل رمضان من كل عام تنقل من اللوح المحفوظ في صحائف، ما هو كائن في العام في ليلة القدر في ليلة القدر، ينسخون من اللوح المحفوظ ما هو كائن في العام القادم إلى ليلة القدر التالية، هؤلاء الموكلون بذلك، وهناك الحفظة والكتبة، الكتبة معهم صحائف ينسخون ما نعمل وما يعمل الناس في صحائف أخرى أولا بأول (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ (١٨)) [سورة ق آية‫:‬ ١٨]، وفي كل جمعة في يوم الخميس يأتي الكتبة فيعارضون ما كتبوا مع الحفظة الذين نسخوا من اللوح المحفوظ فتفاجأ الملائكة الكتبة والحفظة بأن ما سطر في اللوح المحفوظ من الأزل هو ما كتبته الملائكة والحفظة دون تقديم ودون تأخير دون تبديل ودون تغيير، هو هو، وقالوا‫:‬ إذا رفعت الصحائف فيها كل شيء (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ (١٨)) حتى الحركة حتى النفس حتى الحكة وكل ما يفعله الإنسان ومنه ما هو مباح ومنه ما هو حلال ومنه ما هو حرام منه ما فيه ثواب وعقاب ومنه ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، فإذا كتبت الحفظة كل شيء هنا يرفعون الصحائف فيأمر ربنا، تبارك وتعالى، بنسخ ما فيه ثواب وعقاب فقط وإهدار ما سوى ذلك مما ليس فيه ثواب ولا عقاب كالحكة مثلا كالقيام والجلوس لا ثواب فيه ولا عقاب فيه، هذا معنى نستنسخ، أي الكتبة يكتبون كل شيء فإذا صعدوا بما هو مكتوب نسخ منه ما فيه ثواب وعقاب فقط، أقوال وأقوال وأقوال كل ذلك حتى يصلوا إلى معنى (َسْتَنسِخُ) لأن معنى نستنسخ النقل من نسخة إلى نسخة أخرى فهل هو نقل من اللوح المحفوظ إلى نسخ ثم معارضة هذا مع ما كتبه الكتبة فكأنه منسوخ من اللوح المحفوظ أم هو نقل لما كتبه الكتبة في صحيفة الأعمال التي يحاسب العبد عليها ولا ينقل فيها إلا ما فيه ثواب أو فيه عقاب وما سوى ذلك لا ينسخ؟ يعلم الله‫.‬‬
‫(هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ۚ ) بالصدق (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)) أي نأمر بنسخه؛ لأن الله لا ينسخ بنفسه، وإنما نسب الفعل إلى نفسه لأنه الآمر به (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ) أي أمرنا بالنسخ (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)).
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ﴿30﴾ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ ﴿31﴾
‫(فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ (٣٠)) الناس فريقان؛ فريق في الجنة وفريق في السعير، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، (فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟) بالله، تبارك وتعالى، وبالبعث وبالكتب وبالرسل وباليوم الآخر وبالقضاء والقدر خيره وشره (وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ) وأصلحوا في الأرض ولم يفسدوا وأتبعوا السيئة بالحسنة وخالقوا الناس بخلق حسن وفعلوا ما أمروا به هؤلاء يدخلهم ربهم في رحمته ومن جملة الرحمة الجنة، فالجنة من جملة الرحمة، أما الرحمة فقد وسعت كل شيء بما فيها الجنة، فما الجنة إلا جزء من الرحمة العامة التي لا يعلم مداها إلا الله (فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ ) لأن الإنسان لا ينجيه عمله ولكن ينجو برحمة الله‫.‬‬
‫(ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ (٣٠)) الفوز الواضح البيّن العظيم الذي لا شُبهة فيه ولا نزاع، والفوز الحصول على البغية، الفوز درْك ما تأمل، الفوز أن تصل إلى ما تريد، ولكن الفوز في الدنيا فيه الشوائب لأنك قد تنازَع فإذا فزت بمنصب مثلا حسدك الآخرون ونازعوك فيه، وإذا فزت بمال كذلك قد ينازعك فيه آخرون حتى يصلوا بك إلى القضاء يتهمونك ويشككون في أحقيتك للشيء، فما من فوز في الدنيا إلا وفيه الشوائب والشبهات والقلق عليه والأرق لحفظه والخوف من زواله (وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ) أي يقال لهم‫:‬ (أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ) استفهام توبيخ ورفع للحجة وإبطال للعذر لأن الله برحمته قال‫:‬ (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا (١٥)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ١٥] فإذا جاء الرسول ونزل الكتاب لا عذر لمعتذر (وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ) عن الإيمان (وَكُنتُمْ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ (٣١)) أي كفار، المجرم في القرآن هو الذي أكسب نفسه الشرك، فلان جريمة أهله أي الكاسب لهم، لأن الجرم هو الكسب فالمجرم هو من كسب شيئا، واتخذت الكلمة للتعبير عن كل ما اكتسب شيئا قبيحا كل ما اكتسب شيئا قبيحا قيل في حقه أجرم، لكن أصل الكلمة الاكتساب، المجرمون هم الكفار في القرآن، كلمة مجرم تعني من أكسب نفسه الشرك الكفر لأن الله، تبارك وتعالى، يقول في موضع آخر‫:‬ (أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ (٣٥)) [سورة القلم آية‫:‬ ٣٥]، إذا فالمجرم ضد المسلم إذا المجرم هو الكافر‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّۭا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴿32﴾ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿33﴾ وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَىٰكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ﴿34﴾ ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًۭا وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴿35﴾
‫( وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا) والساعةَ بالنصب معطوفة على (وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ) اسم إن، وقرئت‫:‬ (وَٱلسَّاعَةُ) (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَٱلسَّاعَةُ) وهي من جملة الوعد لأن الله وعد بأمور، وعد بالقيامة، وعد بالبعث، وعد بالساعة، وعد بالجزاء، وعد بالجنة، وعد بالنار، وعد بالمغفرة، وعد بالعقاب، وعد بأمور كثيرة من جملتها قيام الساعة، (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ) حادث حاصل واقع (وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا) أي واقعة حادثة لا شك فيها‫.‬‬
‫(قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا ٱلسَّاعَةُ) تلك مقالتهم التي قالوها من قبل (وَقَالُوا۟ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ ۚ) [سورة الجاثية آية‫:‬ ٢٤]، ها هم يوبخون ويسألون سؤال توبيخ لا يطلب منهم الجواب لأنهم لا يؤذن لهم في ذلك اليوم فيعتذرون، وإنما السؤال سؤال تبكيت (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا ٱلسَّاعَةُ) ما نعلم عنها شيئا وما حدثنا آباؤنا عن الساعة ولم يأت أحد بمثل ما قلتم من قبل وليس هناك ساعة ولا قيامة، وإنما هي حياتنا الدنيا نموت ونحيا‫.‬‬
‫(إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّۭا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)) أصل الكلام نحن نظن ظنا، فجاء بحرف إن وجاء بالاستثناء إلا لتأكيد مقالتهم أنهم لا ظن لهم في شيء إلا في قيام الساعة، كأنهم قد تأكدوا من كل شيء في الدنيا وتيقنوا من كل الأمور ولا ظن لهم مطلقا في شيء إلا الظن في الساعة، وكأن كل شيء قد ثبت والساعة لا تثبت، منتهى الكفر منتهى الجبروت (قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّۭا).‬
‫ثم أكدوا ذلك بمقالتهم‫:‬ (وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)) لم نصل إلى اليقين ولم نصل إلى العلم، ما هو إلا الظن ونحن لا نظن في شيء كل شيء ثابت وكل شيء موجود وكل شيء يقين إلا الساعة التي تدعيها وتقول عنها فنحن نشك فيها ونظن أنها واقعة حادثة‫.‬‬
‫(وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟) سُئلوا سؤال التوبيخ والتبكيت ثم ظهر لهم، بدا‫:‬ ظهر طلع، نعوذ بالله من هول المطلع، (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟) هل المقصود (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟) كما قال العلماء والمفسرون أي ظهر لهم الجزاء العقاب، عرضت عليهم النار، عرضت عليهم مقاعدهم من النار، رأوا الجزاء (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟) أي ظهر لهم جزاء أعمالهم أم (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟) كما قال آخرون بمعنى أن أعمالهم القبيحة التي كانوا يرون أنها جميلة في الدنيا إذا بهم يرونها على حقيقتها، فالسارق في الدنيا يعتبر نفسه في منتهى الذكاء، يعتبر نفسه شجاعًا أو قام بعمل جميل وكذلك القاتل وكذلك الملوك والرؤساء الذين يمدحون بما ليس فيهم ويصدقون بالكذب، هؤلاء الذين يدعون الخلود، هؤلاء مسرورون في الدنيا مبهورون بأعمالهم القبيحة لا يرون قبحها فإذا جاءوا يوم القيامة وظهرت الأعمال وهم قد تبرأوا من الهوى وزالت الدنيا وزال التعلق بها وبدت الأمور على حقيقتها حتى أن المشرك يعلم حقيقة أن الله هو الله، فهل بدا لهم سيئات ما عملوا أي بدا لهم قبح أعمالهم التي لم يكونوا يرون قبحها في الدنيا فإذا بهم يرون الحقيقة فيكتشفون قبح ما قاموا به فيصابون بالندم والخزي والعار، فتصبح فضيحتهم على رءوس الخلائق كما قال المصطفى، صلى الله عليه وسلم، في الغادر‫:‬ (يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِوَاءٌ، يُنَادِي الْمُنَادِي‫:‬ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ)، هل تبدو السيئات؟ هل تظهر الأعمال؟ هل تظهر وتبدو وتتضح فإذا بها حقيقة واقعة ويراها الكل ويراها الناس فضيحة‫.‬‬
‫(وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ (٣٣)) حاق أحاط، أحاط بهم من كل جانب من فوق ومن أسفل، أحاط من الجوانب، حاق أحاط من كل جانب (وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ (٣٣)) عذاب الآخرة الذين اتخذوه هزوا وسخرية واستهزأوا به‫.‬‬
‫(وَقِيلَ) يا له من قول أعاذنا الله منه (ٱلْيَوْمَ نَنسَىٰكُمْ) اليأس المطلق ربنا المتكلم (وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَىٰكُمْ) وهل ينسى ربنا؟ أبدا، سبحانه وتعالى لا يضل ولا ينسى، لكن التعبير بالنسيان منتهى التيئيس، أي أن الله سوف يتركهم في العذاب ترك المنسي فأنت إذا نسيت شيئا ترك وتركته ولا تدري عنه شيئا فكذلك ربنا يقول، تبارك وتعالى‫:‬ (وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَىٰكُمْ) هو القائل أو الملائكة قالوا‫.‬‬
‫(وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَىٰكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا) ويُعبر بالنسيان عن الترك، هم لم ينسوا لقاء اليوم ولكنهم تركوه، تركوا الإعداد له تركوا العمل له (وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ (٣٤)) المأوى المستقر، المأوى الملجأ، المأوى المسكن، وإذا أوى الإنسان إلى شيء فذاك مستقره ومستكنه ومسكنه، مأواهم النار مستقرهم إلى الأبد لا مهرب ولا ملجأ ولا منجى ينصرونكم بتخفيف العذاب أو(وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ (٣٤)) ينصرونكم بصرف العذاب أو ينصرونكم بالتذكير بكم بأن يذكّروا الله بكم فينجيكم أو ينصرونكم بالإخراج‫.‬‬
‫(ذَٰلِكُم) هذا الجزاء هذه العقوبة هذه المقالة ما حدث لهم وما هم فيه (بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًۭا) استهزأوا بالنبي، صلى الله عليه وسلم، كم قالوا عنه! قالوا‫:‬ مجنون، قالوا‫:‬ ساحر، قالوا‫:‬ كاذب، قالوا‫:‬ شاعر، (وَقَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًۭا (٥)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٥]، كم قالوا! وكم استهزأوا! كم قالوا عنه وعن آيات الله وعن القرآن! (ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًۭا) سخرية ولعبًا (وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ ) خدعتكم (وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ ) خدعتكم ببهرجها بزخرفها بما فيها من زينة، مع أن الله قد ذكّرنا وحذرنا بقوله لنا حكاية عن قول إبليس‫:‬ (لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ) [سورة الحجر آية‫:‬ ٣٩]، إذًا ما على الأرض زينة، بل وربنا، تبارك وتعالى، يقول وينبه‫:‬ (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةًۭ لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا (٧)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٧]، وليس لها قيمة بدليل أنه يقول بعد ذلك‫:‬ (وَإِنَّا لَجَـٰعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًۭا جُرُزًا (٨)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٨].‬
‫(فَٱلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا) (فاليوم لا يَخرجون منها) يَخرجون ويُخرجون قراءتان على قول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ (١٠٧)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١٠٧]، على هذا المعنى فلا هم يُخرجون‫.‬‬
‫(فَٱلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)) إذا طلبوا الخروج لا يجابون ولا يخرجهم أحد، لا يخرجون ولا يُخرجون (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)) كناية عن طلب الرضا من الله، أصل الكلمة من العتب، الاستعتاب أن تذكر الآخر بإساءته حتى يعود عنها ويسترضيك، ذاك هو الاستعتاب فإذا ذكرته بإساءته وذكرك بإساءتك فذاك هو العتاب بين اثنين يذكّر كل منهما صاحبه بالإساءة فيحدث التراضي بعد الاعتذار، فذاك هو العتاب والمعاتبة، والعتبى الرجوع عن الذنب، (لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى) (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)) أي ولا هم يمنحون الفرصة لإزالة العتب، لا يمنحون الفرصة للعودة عن السيئات أو للعودة إلى إرضاء ربهم، لا فرصة هناك لأن الآخرة جزاء ولا عمل‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، هؤلاء كلما أرادوا أن يخرجوا منها، إذا فهم يريدون الخروج فإذا كانوا يريدون الخروج تصبح القراءة (فاليوم لا يَخرجون) لأنهم أرادوا الخروج فامتنع عليهم وإذا كان (رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ (١٠٧)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١٠٧]، إذاً فهم ينادون ويطلبون الخروج تصبح القراءة (فَٱلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا) لذا كانت القراءتان كل مال إلى آية من الآيات، فهي تحمل المعنيين فهو ينادي وهو يحاول هم يحاولون أولا إذا وقعوا في النار إذا بالنار تستعر وتلتهب ويرتفع لهيبها، فإذا ارتفع اللهيب ارتفعوا هم أيضا مع اللهيب، فإذا ارتفعوا مع اللهيب تجاوزوا الأسوار فقد (أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٢٩]، سور محيط بجهنم يعلم الله كنه هذا السور ما شكله ما حجمه ما ارتفاعه من أي شيء هو، فإذا ارتفعوا حداهم الأمل ودفعهم حيث رأوا نهاية السور وارتفعوا فوق مشارف السور فإذا هم يهمون بالخروج فإذا بالملائكة حول السور بالمقامع (كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَآ أُعِيدُوا۟ فِيهَا) [سورة السجدة آية‫:‬ ٢٠]، فهم يريدون الخروج (فاليوم لا يَخرجون منها) فإذا يئسوا من المحاولات نادوا‫:‬ (رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا) لأنهم لا يستطيعون الخروج بأنفسهم (رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ (١٠٧)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١٠٧] فيأتيهم الرد‫:‬ (قَالَ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١٠٨]،‬ (فَٱلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥))
‫أيها الأخ المسلم، نحن في دار الدنيا وأمامنا الفرصة وأبواب التوبة مفتوحة والعتاب قائم ومن من حقك الآن أن تستعتب وأن تطلب العتبى وأن تطلب من الله العفو وأن تسأله المغفرة وأن تستغفر وأن تعتذر وأن تقر بخطئك، فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون‫.‬‬
‫تختم سورة الجاثية وبختامها يختم الجزء الخامس والعشرون من القرآن، تختم بقول الله، تبارك وتعالى:
فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿36﴾ وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿37﴾
‫(رب) قرئت بالرفع‫:‬ (رَبٌّ) أي هو رب، وقرئت بالجر كما قرأها‫:‬ (فلله الحمد ربِّ السماوات ورب العالمين)‬
‫أيها الاخ المسلم، بُدئ الخلق بالحمد ويختم الخلق بالحمد (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١]، وكلمة الحمد هي كلمة المؤمن تملأ الميزان في الدنيا يقولها المؤمن حين البعث (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٥٢]، يقولها المؤمن إذا رأى الرحمة وفتحت له الأبواب (وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٤٣]، وإذا دخلوا الجنة قالوا‫:‬ (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ (٧٤)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٤] وإذا رأوا جهنم قالوا‫:‬ (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌۭ شَكُورٌ (٣٤)) [سورة فاطر آية‫:‬ ٣٤]، وإذا استقروا ورأوا ما فيها من نعيم وأحاطت بهم الحور العين سبحوا بحمد ربهم (دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ) وحيوا من الكل (وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌۭ ۚ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٠)) [سورة يونس آية‫:‬ ١٠]، ويوم القيامة هناك من يُحمدون وهناك من يَحمدون (وَتَرَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٧٥)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٥]، ختام يا له من ختام! ما أجمله من ختام!‬
‫(فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ) نعم لله الحمد فالكل من عطائه والكل نعماؤه، ذو العطاء والمن والجود واهب الحياة وخالق الوجود، ما كان الإيجاد واجبا عليه، وما كان تكليف العباد لخير أو لنفع يحصل لديه، هو الله كان ولم يكن شيء‫.‬‬
‫الحمد من حيث اللغة الثناء على الجميل الاختياري، المدح‫:‬ الثناء على الجميل مطلقا، فأنت إذا رأيت شيئا أو فعلا جميلا من إنسان مدحت ذلك فيه مدحت كرمه مدحت خلقه مدحت شكله مدحت جماله، أما إذا صنع إليك معروفا وهو مختار هنا ليست المدح بل الحمد (فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ) لأن الله هو الجميل وكل فعل الله جميل وهو مختار في فعله، من هنا كان له الحمد وليس المدح، الثناء المطلق على الله لأن فعل الله، تبارك وتعالى، جميل، وقبح القبح من حيث الله جميل، من هنا له الحمد، وقد حمد نفسه بنفسه من الأزل لأن الناس مهما فعلوا ومهما أثنوا لا يحصي الثناء إلا الله، من هنا كان المصطفى، صلى الله عليه وسلم، يمدح ويحمد ويثني ويقول‫:‬ (لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) لأن الحمد لا يعرفه على الحقيقة إلا الله، لذا لم يأمرنا بذلك أمرنا بالشكر، لكن الحمد نحن نكرر ما قاله هو‫:‬ (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٢)) [سورة الفاتحة آية‫:‬ ٢].‬
‫(فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ) الذي خلقها وأوجدها وأنشأها وزينها وأوحى فيها وفي كل سماء أمرها (وَرَبِّ ٱلْأَرْضِ) أوجدها ودحاها وأخرج منها نباتها ومرعاها والجبال أرساها، هو رب الأرض خلقها وأوجدها وقدر فيها أقواتها سواء للسائلين، قدر الأقوات لمن أطاع ولمن عصى، فالكل بفضله ومن فضله مرزوق، هو (رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٣٦)) كل ما سوى الله العالمين جمع عالم والعوالم كثيرة والعالم كل ما سوى الله (فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٣٦) وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ) الكبرياء لا يعرفه إلا الله ولكن من حيث اللغة من حيث اللفظ الكبرياء الكمال المطلق، وربنا له كمال الذات وكمال الوجود، كمال الذات مع كمال الوجود ذاك هو الكبرياء، القوة البقاء السلطان العظمة الجلال الكمال ذاك هو الكبرياء، والكبرياء لله‫.‬‬
‫(وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ (٣٧)) العزيز الغالب، العزيز القوي، العزيز القاهر، العزيز ما ليس له مثال، العزيز النادر، العزيز الذي لا ينال، ليس كمثله شيء (وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ (٣٧)) في فعله وقوله وقضائه وقدره (فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٣٦) وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ (٣٧)).‬
‫أيها الاخ المسلم، يروى لنا نبينا، صلى الله عليه وسلم، حديثا قدسيا يقول ربنا، تبارك وتعالى، فيه‫:‬ (الْكِبْرِيَاءُ إِزَارِي وَالْعَظَمَةُ رِدَائِي مَنْ نَازَعَنِي فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا أَذَقْتُهُ نَارِي وَلَا أُبَالِي)، نعم له، نعم له الكبرياء وهو الأوحد ذو الكبرياء (وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ (٣٧)) الذي لا تخرج أفعاله عن الحكمة ولا تخلو عن الحكمة في قضائه في قدره، الحكيم أزلا الحكيم أبداً.‬‬ ‬