القرآن الكريم / سورة الدخان / التفسير المقروء
سورة الدخان
مقدمة
لقاؤنا مع عروس من عرائس القرآن السبع، مع درة من الدرر العظام، مع سورة الدخان، سورة الدخان من قرأها في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له، سورة الدخان من قرأها في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك، سورة الدخان سورة مكية نزلت بمكة قبل الهجرة إلا آية وهي قول الله (إِنَّا كَاشِفُوا۟ ٱلْعَذَابِ قَلِيلًا ۚ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ (١٥)) [سورة الدخان آية: ١٥]، سورة الدخان فيها بيان وإنذار وتخويف ومثال من أمة سابقة فعلت كما فعل مشركوا مكة فكان عاقبتها الوبال، فيها بيان ليوم القيامة حيث لا يغني مولى عن مولى شيئا والأمر كله لله، فيها بيان عن أهل النار وعن أهل الجنة.
حمٓ ﴿1﴾
وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ ﴿2﴾
إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ﴿3﴾
افتتحت سورة الدخان بما افتتحت به سور آل ح ميم، افتتحت بقوله، تبارك وتعالى، (حمٓ (١)) [سورة الدخان آية: ١] افتتحت بهذين الحرفين ويقال فيها كما قيل في غيرها من قبل هو سر الله فلا تطلبوه وكل ما قيل في شأن فواتح السور من الحروف المقطعة لا سند له ولا أصل له وإنما هو اجتهاد واستنتاج لا يقوم عليه دليل.
(وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ) يقسم ربنا بالقرآن، ولله، تبارك وتعالى، أن يقسم بما يشاء على ما يشاء، والهدف من القسم تعظيم شأن المقسم به وتعظيم شأن المقسم عليه فربنا، تبارك وتعالى، يعظم شأن القرآن بالقسم به ويعظم شأن ما أقسم عليه بعظمة القسم (حمٓ (١)) قد تكون قسما يقسم الله به (وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ (٢)) قسم آخر والواو واو العطف أي أقسم الله، تبارك وتعالى، بحم وأقسم أيضا بالكتاب المبين، أو هي منفصلة فيبدأ القسم (وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ (٢)).
( وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ (٢)) هو القرآن والمبين لأنه واضح بلسان عربي أيضا يبين لنا الحلال والحرام ويوضح لنا كل الأحكام.
(إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (٣)) جواب القسم، أقسم الله بالقرآن، جواب القسم أنه أنزله في ليلة مباركة، أقسم الله على إنزال القرآن بالقرآن (إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍ) هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر، وقد قال بعض الناس: إنها ليلة النصف من شعبان وهذا الكلام مردود لأن الله، تبارك وتعالى، يقول: (شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ) [سورة البقرة آية: ١٨٥] إذا فقد حدد شهر رمضان الذي نزل فيه القرآن وهنا يحدد الزمان في هذا الشهر وهو الليل من شهر رمضان (إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍ) وصفت الليلة بأنها مباركة وليلة القدر مباركة لأمور أولا لنزول القرآن فيها ثانيا (تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍۢ (٤)) [سورة القدر آية: ٤] نزول الملائكة ونزول الروح الأمين في هذه الليلة جعلها مباركة فيها يستجاب الدعاء فيها يرحم العباد، فيها تتنزل الملائكة بأمر ربهم فيها تُقسم الأرزاق فيها تبين الأمور وتنسخ من اللوح المحفوظ من أم الكتاب، نزول القرآن في هذه الليلة (إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍ) هل نزل القرآن كله أم بدأ نزوله؟ فيها ثلاثة أقوال: في ليلة القدر نزل القرآن كله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا دفعة واحدة ثم نزل ذلك منجما على رسول اللهص، صلى الله عليه وسلم، في الأيام والشهور والسنين على مقتضى الأحداث بإرادة الله في زمن هو ثلاث وعشرين سنة مدة رسالة النبي، صلى الله عليه وسلم، مدة حياته بعد البعثة، والقول الآخر أنه بدأ النزول في ليلة القدر وأن جبريل حين نزل على النبي، صلى الله عليه وسلم، بقول الله، تبارك وتعالى، (ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ (١)) [سورة العلق آية: ١].
كان ذلك في ليلة القدر (إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍ) أي ابتدأنا الإنزال فالقرآن في اللوح المحفوظ في أم لكتاب، بدأ نزول القرآن في ليلة القدر ولم ينزل دفعة واحدة إلى السماء الدنيا.
القول الثالث أن القرآن ينزل منه في كل ليلة قدر من رمضان ما يوحى به إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، في السنة القادمة من ليلة القدر إلى ليلة القدر فهو إما نزل دفعة واحدة إلى السماء الدنيا ثم نزل بعد ذلك منجما، وإما ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة قدر ما قضى الله به في هذا العام إلى ليلة القدر من العام القادم، أو ابتدأ النزول من اللوح المحفوظ إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، مباشره في ليلة القدر، وقد ورد أن الكتب السماوية جميعها نزلت في رمضان فقد نزلت صحف إبراهيم في الليلة الأولى من رمضان ونزلت التوراة لست ليال مضين من رمضان ونزلت الزبور لاثنتي عشر ليلة من رمضان، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان ونزل القرآن لأربع وعشرين ليلة مضت من رمضان فجميع الكتب السماوية نزلت في شهر رمضان (إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ) استئناف لبيان سبب الإنزال لم أنزل الله، تبارك وتعالى، القرآن؟ للإنذار استئناف في الكلام لبيان مقتضى الإنزال الإنذار (إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ) والإنذار إخبار فيه تخويف وترهيب كما أن التبشير إخبار فيه تأمين وترغيب.
(وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ) يقسم ربنا بالقرآن، ولله، تبارك وتعالى، أن يقسم بما يشاء على ما يشاء، والهدف من القسم تعظيم شأن المقسم به وتعظيم شأن المقسم عليه فربنا، تبارك وتعالى، يعظم شأن القرآن بالقسم به ويعظم شأن ما أقسم عليه بعظمة القسم (حمٓ (١)) قد تكون قسما يقسم الله به (وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ (٢)) قسم آخر والواو واو العطف أي أقسم الله، تبارك وتعالى، بحم وأقسم أيضا بالكتاب المبين، أو هي منفصلة فيبدأ القسم (وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ (٢)).
( وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ (٢)) هو القرآن والمبين لأنه واضح بلسان عربي أيضا يبين لنا الحلال والحرام ويوضح لنا كل الأحكام.
(إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (٣)) جواب القسم، أقسم الله بالقرآن، جواب القسم أنه أنزله في ليلة مباركة، أقسم الله على إنزال القرآن بالقرآن (إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍ) هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر، وقد قال بعض الناس: إنها ليلة النصف من شعبان وهذا الكلام مردود لأن الله، تبارك وتعالى، يقول: (شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ) [سورة البقرة آية: ١٨٥] إذا فقد حدد شهر رمضان الذي نزل فيه القرآن وهنا يحدد الزمان في هذا الشهر وهو الليل من شهر رمضان (إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍ) وصفت الليلة بأنها مباركة وليلة القدر مباركة لأمور أولا لنزول القرآن فيها ثانيا (تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍۢ (٤)) [سورة القدر آية: ٤] نزول الملائكة ونزول الروح الأمين في هذه الليلة جعلها مباركة فيها يستجاب الدعاء فيها يرحم العباد، فيها تتنزل الملائكة بأمر ربهم فيها تُقسم الأرزاق فيها تبين الأمور وتنسخ من اللوح المحفوظ من أم الكتاب، نزول القرآن في هذه الليلة (إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍ) هل نزل القرآن كله أم بدأ نزوله؟ فيها ثلاثة أقوال: في ليلة القدر نزل القرآن كله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا دفعة واحدة ثم نزل ذلك منجما على رسول اللهص، صلى الله عليه وسلم، في الأيام والشهور والسنين على مقتضى الأحداث بإرادة الله في زمن هو ثلاث وعشرين سنة مدة رسالة النبي، صلى الله عليه وسلم، مدة حياته بعد البعثة، والقول الآخر أنه بدأ النزول في ليلة القدر وأن جبريل حين نزل على النبي، صلى الله عليه وسلم، بقول الله، تبارك وتعالى، (ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ (١)) [سورة العلق آية: ١].
كان ذلك في ليلة القدر (إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍ) أي ابتدأنا الإنزال فالقرآن في اللوح المحفوظ في أم لكتاب، بدأ نزول القرآن في ليلة القدر ولم ينزل دفعة واحدة إلى السماء الدنيا.
القول الثالث أن القرآن ينزل منه في كل ليلة قدر من رمضان ما يوحى به إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، في السنة القادمة من ليلة القدر إلى ليلة القدر فهو إما نزل دفعة واحدة إلى السماء الدنيا ثم نزل بعد ذلك منجما، وإما ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة قدر ما قضى الله به في هذا العام إلى ليلة القدر من العام القادم، أو ابتدأ النزول من اللوح المحفوظ إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، مباشره في ليلة القدر، وقد ورد أن الكتب السماوية جميعها نزلت في رمضان فقد نزلت صحف إبراهيم في الليلة الأولى من رمضان ونزلت التوراة لست ليال مضين من رمضان ونزلت الزبور لاثنتي عشر ليلة من رمضان، ونزل الإنجيل لثماني عشرة ليلة مضت من رمضان ونزل القرآن لأربع وعشرين ليلة مضت من رمضان فجميع الكتب السماوية نزلت في شهر رمضان (إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ) استئناف لبيان سبب الإنزال لم أنزل الله، تبارك وتعالى، القرآن؟ للإنذار استئناف في الكلام لبيان مقتضى الإنزال الإنذار (إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ) والإنذار إخبار فيه تخويف وترهيب كما أن التبشير إخبار فيه تأمين وترغيب.
فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴿4﴾
أَمْرًۭا مِّنْ عِندِنَآ ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿5﴾
( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) في هذه الليلة، وقال بعض الناس أيضا إن هذه الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم هي ليلة النصف من شعبان وهذا الكلام مردود ولم يصح حديث واحد في شأن ليلة النصف من شعبان لا في فضلها ولا في الدعاء الوارد في شأنها لم يصح حديث واحد، هذا الكلام مخصوص بليلة القدر فيها في هذه الليلة المباركة ليلة البراءة هذه الليلة التي نزل فيها القرآن (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) يفصل ويبين، في هذه الليلة يبين الله، تبارك وتعالى، للملائكة الموكلون بأمر العباد الأوامر والقضاء الخاص بالأرض وبمن فيها عن هذه السنة إلى ليلة القدر القادمة فينزل في هذه الليلة من اللوح المحفوظ من أم الكتاب بيان وتفصيل للملائكة أرزاق العباد آجال العباد كل ما يحدث في الأرض من مصائب أو نقم أو نعم أو فتن حتى الحج يحج فلان ويحج فلان الموت والحياة كل ما قضاه الله في هذه السنة ينزل في ليلة القدر إلى الملائكة الموكلون بأمور العباد ثم ينزل في الليلة القادمة في العام ما يختص بالعام التالي وهكذا ما عدا الشقاوة والسعادة فإنها في علم الله، تبارك وتعالى، الأزلي ولا تتغير فيها ولا تبديل (فيها يُفَرَّقُ كل أمرٍ حكيم)، ، (فيها نَفْرُقُ كل أمر حكيم)، (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (فيها نُفَرِّقُ كل أمر حكيم ) قراءات والفرق الفصل الفرق البيان (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) يبين ويوضح ويفصل ويوحي به الله، تبارك وتعالى، إلى الملائكة الأمر عظيم شأنه لذا يقول في وصفه حكيم لأن الأمور لا تخلو عن الحكمة والله، تبارك وتعالى، جميع أموره متلبسة بالحكمة على مقتضى الحكمة ووفق الإرادة والعلم الأزلي، فخم الأمر بوصفه بالحكمة على الحكمة (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) ثم زاده تفخيما وتعظيما فقال: (أَمْرًۭا مِّنْ عِندِنَا) زيادة لتفخيم الأمر وتعظيم الأمر (أَمْرًۭا) منصوبة على الاختصاص أعني أمرا من عندنا أمرا حاصلا من عندنا نازلا من لدنا وكون الأمر من عند الله، تبارك وتعالى، من لدن الله، تبارك وتعالى، ذلك يزيد الأمر تفخيما وتعظيما أو أمرا وصف للقرآن (إنا أنزلناه أمرا) (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) بدل من قوله تعالى:( إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ) ،(إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) أي جرت عادة الله، تبارك وتعالى، على إرسال الكتب وإنزال الكتب للناس لبيان الأحكام ولتفصيل الحلال والحرام هذه هي عادة الله، تبارك وتعالى، رحمة ورأفة بالعباد ولو شاء ربنا لخلقهم وتركهم يصلون إليه أولا يصلون بعقولهم وبتفكيرهم ولكن رحمة الله، تبارك وتعالى، اقتضت أن يرسل إليهم الرسل وأن ينزل عليهم الكتب حتى يوضح لهم ويبين لهم ولا يؤاخذهم بعقولهم (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا (١٥)) [سورة الإسراء آية: ١٥].
رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿6﴾
( رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ) ، (رحمة ٌ من ربك) أي تلك رحمة من ربك أي أن الإرسال رحمة والإنذار رحمة لأن لله، تبارك وتعالى، لا يؤاخذ الناس حتى يرسل إليهم رسولا فيبين لهم ما يتقون (رحمة ٌ من ربك) بالرفع أي تلك رحمة من ربك الإرسال رحمة بلا شك أنها رحمة لأنه بغير الإرسال لا يمكن لنا أن نعرف الله، تبارك وتعالى، وبغير الرسل لا يمكن لنا أن نصل إلى الله، تبارك وتعالى، وبغير الكتب لا يمكن لنا أن نعرف ما يرضي وما يغضب وما ينفع وما يضر، أو (رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ) قراءة كما قرأها قارئكم (رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ) قد تكون مفعول به (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةًۭ) إذا فربنا، تبارك وتعالى، ، تبارك وتعالى، أرسل إلينا رحمة أرسل إلينا رحمة (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةًۭ) إذا فقد أرسل رحمة إذا قرئت رحمة بالنصب، ما هي الرحمة التي أرسلها؟ الحبيب المصطفى والخليل المجتبى والحبيب المنتقى مظهر الحقيقة والحقوق مصداقا لقوله، تبارك وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)) [سورة الأنبياء آية: ١٠٧] هو النبي، هو محمد، صلى الله عليه وسلم، وقد تكون رحمة مفعولا لأجله بمعنى إنا كنا مرسلين الرسل إنا كنا مرسلين محمدا من أجل الرحمة من أجل رحمة الله، تبارك وتعالى، بكم إذا فقد أنزل الله، تبارك وتعالى، القرآن في ليلة مباركة هي ليلة القدر فيها تفصّل وتبيَّن جميع الأمور للعام القادم فيها يفرق كل أمر حكيم ذو حكمة من لدن الله، تبارك وتعالى، أمرا من عند الله، تبارك وتعالى، إذا فهو عظيم الشأن بعظمة المُرسل وبعظمة المنزل وبعظمة القاضي والمدبر والمقدر بعظمة الله، تبارك وتعالى، وكل ذلك من أجل رحمة الناس من أجل رحمة العباد (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةًۭ) الملفت للنظر في هذه الآية أن النسق اختلف لو قرأت الآية تجد أن القياس(إِنَّا).
الله، تبارك وتعالى، يتحدث عن نفسه (كنا مرسلين رحمة منا) ضمير لأنه يتكلم عن نفسه فقال:(رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ) وضع كلمة الرب مكان الضمير للإشعار بأن الربوبية هي التي اقتضت الإرسال والإنزال، والربوبية هي التربية الرب المربي والتربية إيصال الشيء إلى كماله شيئا فشيئا بحسب استعداده إذا فربنا، تبارك وتعالى، يشعرنا بأن الإرسال والإنزال تربية للخلائق وإيصال العباد للكمال أن يبين لهم كيف يصلون إلى الكمالات البشرية في منتهاها بالقرآن وأفضل التربية على وجه الإطلاق الهداية إلى الله، التربية أن الله، تبارك وتعالى، أنشأك من التراب ثم جعلك نطفة ثم جعلك علقة ثم جعلك مضغة ثم صورك في الرحم كيف شاء كل ذلك تربية إيصال الشيء شيئا فشيئا إلى الكمال إلى المنتهى الذي من المفروض أن يصل إليه، التربية أن تنزل من بطن أمك لا تسمع ولا تعقل فيرزقك السمع والبصر والفؤاد أن يلهمك كيف تتغذى وتلتقم الثدي تحبو ويرعاك ثم تشب وهكذا تلك تربية، التربية أن ينزل المطر أن ينبت الزرع كل ذلك تربية إيصال الإنسان والناس إلى الكمال من حيث الخلق ومن حيث الشكل ومن حيث الغذاء ومن حيث القوى ومن حيث الإدراك ومن حيث الفهم ومن حيث الحواس فأعظم التربية هداية القلب إلى الله، وهداية القلب إلى الله، تبارك وتعالى، بالقرآن وبالإرسال أشعرنا ربنا بذلك بقوله (رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ) فجاء بكلمة الرب التي تشير إلى التربية بدلا من الضمير، (إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ) من صفات الله، تبارك وتعالى، السمع والعلم إنه هو السميع لأقوال العباد العليم بأحوالهم الذي يعرف مصالحهم فهو الذي خلقهم وهو أدرى بهم يعرف ما يصلح شأنهم من هنا كان الإنزال وكان الإرسال رحمة وتربية وإيصال الناس للكمال بمعرفه الله، تبارك وتعالى، وهو أعلم بهم حيث خلقهم من التراب من العدم.
الله، تبارك وتعالى، يتحدث عن نفسه (كنا مرسلين رحمة منا) ضمير لأنه يتكلم عن نفسه فقال:(رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ) وضع كلمة الرب مكان الضمير للإشعار بأن الربوبية هي التي اقتضت الإرسال والإنزال، والربوبية هي التربية الرب المربي والتربية إيصال الشيء إلى كماله شيئا فشيئا بحسب استعداده إذا فربنا، تبارك وتعالى، يشعرنا بأن الإرسال والإنزال تربية للخلائق وإيصال العباد للكمال أن يبين لهم كيف يصلون إلى الكمالات البشرية في منتهاها بالقرآن وأفضل التربية على وجه الإطلاق الهداية إلى الله، التربية أن الله، تبارك وتعالى، أنشأك من التراب ثم جعلك نطفة ثم جعلك علقة ثم جعلك مضغة ثم صورك في الرحم كيف شاء كل ذلك تربية إيصال الشيء شيئا فشيئا إلى الكمال إلى المنتهى الذي من المفروض أن يصل إليه، التربية أن تنزل من بطن أمك لا تسمع ولا تعقل فيرزقك السمع والبصر والفؤاد أن يلهمك كيف تتغذى وتلتقم الثدي تحبو ويرعاك ثم تشب وهكذا تلك تربية، التربية أن ينزل المطر أن ينبت الزرع كل ذلك تربية إيصال الإنسان والناس إلى الكمال من حيث الخلق ومن حيث الشكل ومن حيث الغذاء ومن حيث القوى ومن حيث الإدراك ومن حيث الفهم ومن حيث الحواس فأعظم التربية هداية القلب إلى الله، وهداية القلب إلى الله، تبارك وتعالى، بالقرآن وبالإرسال أشعرنا ربنا بذلك بقوله (رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ) فجاء بكلمة الرب التي تشير إلى التربية بدلا من الضمير، (إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ) من صفات الله، تبارك وتعالى، السمع والعلم إنه هو السميع لأقوال العباد العليم بأحوالهم الذي يعرف مصالحهم فهو الذي خلقهم وهو أدرى بهم يعرف ما يصلح شأنهم من هنا كان الإنزال وكان الإرسال رحمة وتربية وإيصال الناس للكمال بمعرفه الله، تبارك وتعالى، وهو أعلم بهم حيث خلقهم من التراب من العدم.
رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ﴿7﴾
لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿8﴾
وقرئت: (رَبُّ) إذا قرئت: (رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ (٦) رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ (٧) لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ (٨)) أو القراءة كلها بالجر ( رحمة من ربك إنه هو السميع العليم. رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم مؤمنين. لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائك الأولين)، (رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ (٦) رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) ربنا، تبارك وتعالى، هو الذي أوصل السموات إلى ما هي عليها الآن لقد كانت السماء دخان لم تكن أصلا ثم كانت دخان (ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌۭ) [سورة فصلت آية: ١١]، فسواها سبع سماوات وأوحى في كل سماء أمرها وضع فيها ما يشاء من الأمور ومن الخلق ومن الملائكة ومن كل شيء أراده، سبحانه وتعالى، ثم زين السماء الدنيا بمصابيح وجعلها حفظا وجعلها رجوما للشياطين وكذلك الأرض دحاها وأخرج منها ماءها ومرعاها وبالجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم تلك هي التربية إيصال الشيء إلى الكمال شيئا فشيئا لذا يقول الله، تبارك وتعالى: (رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ (٧)) الخطاب لمشركي مكة وتذكرون في آخر سورة الزخرف (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (٨٧)) [سورة الزخرف آية: ٨٧]، إذا ً فإن كنتم موقنين فعلا بأن الله، تبارك وتعالى، هو الخالق فهو رب السموات والأرض وإذا كان هو الخالق وهو رب السموات والأرض حقيقة وإن كنتم موقنين بذلك كان لا بد لكم أن تؤمنوا بأن الله يرسل من يشاء بما يشاء لمن يشاء فلم كذبتم محمد لم اتهمتموه بالسحر والجنون إن كنتم موقنين بذلك فلا بد أن توقنوا بأن الله أرسل النبي، صلى الله عليه وسلم، وأنزل القرآن (إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ (٧)) ويمكن أن تكون الآية بمعنى الاستقبال (إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ (٧)) أي إن كنتم تريدون اليقين حقا فآمنوا بمحمد الذي أرسله رب السموات والأرض وأنزل القرآن في ليلة مباركة فيها البركة وفيها الخير رحمة منه بالعباد، (لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ (٨)) بيان للناس ولكل من يعقل حين يسألون من خلقكم يقولون الله من خلق السموات والأرض الله، طالما أقررتم بذلك إذا تقرر أنه لا إله إلا هو وأنه يحيي ويميت يحيي من يشاء ويميت من يشاء ويخلق من يشاء خلق الموت والحياة ليبلوكم ربنا هو الذي يحيي وهو الذي يميت ولا إله إلا هو لأن الكون بانتظامه واتفاقه إن دل على شيء فإنما يدل على وحده الواحد الأحد (رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ (٨)) كما فعل في آبائكم فعل فيكم وكما رباكم ربى الآباء وقد رأيتم الآباء كيف شاخوا كيف كبروا كيف ماتوا، إذا فهو يحيي ويميت وهو الذي يربي وهو الذي يوصل المنافع ويبعد المضار هو النافع وهو الضار لا إله إلا هو ولا شريك له ربكم ورب آبائكم الأولين.
ويأتي الرد على كلامهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ثم يجعلون له الشركاء ثم يكذبون بالرسول، ثم لا يصدقون بالقرآن فيقول الله، تبارك وتعالى:
ويأتي الرد على كلامهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ثم يجعلون له الشركاء ثم يكذبون بالرسول، ثم لا يصدقون بالقرآن فيقول الله، تبارك وتعالى:
بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ يَلْعَبُونَ ﴿9﴾
لأنهم لو كانوا مؤمنين حقا لآمنوا بمحمد، عليه الصلاة والسلام، ولعلموا أن الله المربي الذي خلق السموات والأرض والذي رباهم لا بد وأن يرسل الرسل وأن ينزل الكتب وله أن يختار ما يشاء (بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ يَلْعَبُونَ (٩)) أي هم في شك من مقالتهم حين يقولون الله (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ) [سورة الزخرف آية: ٨٧]، يقولوها وهم غير موقنين يقولوها وهم شاكون فيها يقولونها تقليدا لآبائهم يقولونها لأنه لا رد سواها، يقولونها لأنه لا رد لهم لا يمكن أن يقولوا خلقنا الصنم أو خلقنا الجبل أو وجدنا من تلقاء أنفسنا فلا بد من إجابة، والإجابة المنطقية أن يقولوا الله، تبارك وتعالى، هل قالوها بإيمان؟ أبدا لأنهم لو قالوها بيقين لصدقوا محمدا، صلى الله عليه وسلم، ولآمنوا به لذا يقول الله، تبارك وتعالى، لا تصدقهم لأنهم لا يقولونها يقينا وإيمانا وإنما يقولونها في شك وهم يلعبون يستهزئون بك ويكذبونك وإذا وعظت الرجل فلم يتعظ تقول عنه يلعب كالصبيان يتلّهى بما لا ينفع (بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ يَلْعَبُونَ (٩)) في شك من مقالتهم (يَلْعَبُونَ (٩)) يستهزئون بالنبي، صلى الله عليه وسلم، وبالآيات.
فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿10﴾
يَغْشَى ٱلنَّاسَ ۖ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿11﴾
رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴿12﴾
أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿13﴾
ثُمَّ تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ مُعَلَّمٌۭ مَّجْنُونٌ ﴿14﴾
(فَٱرْتَقِبْ) فانتظر، فانتظر بهم يا محمد أو فاحفظ عليهم مقالتهم وتكذيبهم واحفظ كلامهم حتى إذا جاء اليوم الموعود كنت شهيدا عليهم لأن الرقيب هو الحافظ والحفيظ، أو (فَٱرْتَقِبْ) فانتظر، فانتظر بهم (فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍۢ مُّبِينٍۢ (١٠)) مبين: واضح يملأ مابين السماء والأرض، الدخان، ما هو الدخان وهل أتى أم له يوم يأتي فيه؟ وهل الكلام يحضهم أم يخص الناس فهل هو إنذار خاص لمشركي مكة أو هو إنذار عام لكل الناس؟ (فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍۢ مُّبِينٍۢ (١٠) يَغْشَى ٱلنَّاسَ ۖ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١١) رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ مُعَلَّمٌۭ مَّجْنُونٌ (١٤)) الدخان، وردت أحاديث صحيحة في صحيح البخاري وصحيح مسلم تؤيد الآراء، رأي يقول حين كذّب مشركو مكة بالنبي، صلى الله عليه وسلم، واشتد أذاهم وخاصة بعد موت أبي طالب وبعد موت خديجة حين اشتد الأذى بالنبي، صلى الله عليه وسلم، دعا عليهم وقال: (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) أراد النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يجعلهم يؤمنوا بالقحط بالجدب بالأخْذ ربما إذا حدث لهم ما حدث لقوم يوسف سنين القحط والجدب ربما يلجأوا إلى الله ربما يؤمنوا فحين دعا ربه رب أعني عليهم بسنين كسني يوسف أصابهم الجدب والقحط حتى أكلوا الكلاب أكلوا الجلود والميتة والعظام وكان الرجل منهم من شدة الجوع يرى بين السماء والأرض كهيئة الدخان من ضعف البصر والجائع إذا اشتد جوعه ضعف بصره ضعفت الرؤية ورأى بين السماء والأرض كهيئة دخان، أيضا حين يحدث الجدب والقحط ولا تمطر السماء يتصاعد الغبار من الأرض، فالأرض ليس بها الماء لم ينزل عليها المطر فتتصاعد الأتربة والغبار فتملأ الجو ولذا سميت السنة الجدباء غبراء لكثرة الغبار فيها وأسند الدخان إلى السماء (يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍۢ ) لأن السماء ينزل منها المطر فإذا لم ينزل منها المطر حدث الجدب حدث القحط حين حدث الجدب وحدث القحط وأكلوا العظام والجلود والميتة لجأوا إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وقالوا له استسق لمضَرْ استسق لأهلك هلكوا وأكلوا العظام وأكلوا الميتة فرحمهم النبي، صلى الله عليه وسلم، ورقّ لهم فدعا الله فقال الله، تبارك وتعالى، له:( يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍۢ مُّبِينٍۢ (١٠) يَغْشَى ٱلنَّاسَ) يغطيهم (هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١١) رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)) أي إن كشفت عنا العذاب سوف نؤمن لك ونؤمن بنبيك فأنبأ نبيه، صلى الله عليه وسلم، أنه مستجيب له
إِنَّا كَاشِفُوا۟ ٱلْعَذَابِ قَلِيلًا ۚ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ ﴿15﴾
يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ﴿16﴾
(إِنَّا كَاشِفُوا۟ ٱلْعَذَابِ قَلِيلًا) مدة بسيطة مدة أعمارهم أو كشفا قليلا (إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ) أي عائدون إلى كفرهم فأنبأه بذلك فحين دعا النبي، صلى الله عليه وسلم، لهم فسقُوا وأمطرت السماء وحلّ الرخاء عادوا لكفرهم بعد أن وعدوا بالإيمان عادوا لكفرهم مرة أخرى وعادوا للإيذاء والتكذيب، من هنا يضرب ربنا، تبارك وتعالى، لهم ولنا المثل بمن فعل فعلهم قوم فرعون حين جاءهم رسول كريم حين أرسل الله، تبارك وتعالى، عليهم الآيات والعذاب قالوا ادع لنا ربك بما عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك لما كشف ربنا عنهم الرجز عادوا إلى كفرهم وكذلك كفار مكة ولذا اختصت السورة بضرب المثل بفرعون (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ)
ذاك قول وهو مستند إلى حديث في صحيح البخاري يحكي لنا قصة الدخان الذين رأوا حين جاعوا وضعفت منهم الأبصار.
هناك قول آخر يقول أن الدخان لم يأت بعد وأنه سوف يأتي وهو من علامات الساعة وهذا القول عليه دليل من صحيح البخاري وصحيح مسلم حيث يروي الأصحاب اطلع علينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوما ونحن نذكر أو نتذاكر فقال ما تذكرون؟ قلنا تذكر الساعة يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: ( أَمَا إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ عَشْرَ آيَاتٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَخُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَالدَّجَّالُ، وَالدَّابَّةُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تُرَحِّلُ النَّاسَ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتُرِيحُ مَعَهُمْ حَيْثُ رَاحُوا، وَبِريحٍ تُلْقِيهِمْ فِي الْبَحْرِ)، (وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةًۭ مِّنَ ٱلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)) [سورة النمل آية: ٨٢] تختم الكافر بالكفر وتختم المسلم بالإيمان ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى ابن مريم والدجال كل تلك الآيات قبل نزول الساعة طلوع الشمس من مغربها من الآيات فهم عشرة خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَخُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَالدَّجَّالُ، وَالدَّابَّةُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وكذلك والنار التي تحشر الناس من المشرق إلى المغرب إلى أرض المحشر حيث تتبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار، في ذلك اليوم حين ينزل الدخان ينزل فيملأ ما بين المشرق والمغرب ويملأ ما بين السماء والأرض وحين ذكر الرسول، صلى الله عليه وسلم، الدخان في الآيات العشر قالوا وما الدخان يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تلا قول الله: (فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍۢ مُّبِينٍۢ (١٠) يَغْشَى ٱلنَّاسَ ۖ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١١)) من هنا كانت هذه الرواية أرجح لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، تلا قول الله، تبارك وتعالى: (فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍۢ مُّبِينٍۢ (١٠)) والرواية الأخرى وإن كانت صحيحة ولها ما يؤيدها في الحديث وإنما هي من قول الصحابة لم يتلو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الآية عليهم بمناسبة الجدب والقحط الذي حدث إذا فهي آية من الآيات العشر طلوع الشمس من مغربها وما إلى ذلك، حين يأتي هذا الدخان يستمر في الأرض أربعين يوما وليلة المؤمن والكافر في الأرض فإذا حدث الدخان وملأ بين السماء والأرض وما بين المشرق والمغرب يصيب المؤمن منه مثل الزكام، أما الكافر فيدخل الدخان من منخريه من أنفه فينتفخ ويخرج الدخان من جميع فتحات الجسم فإذا به يمشي والدخان يخرج من أنفه وفمه وأذنه ودبره وهكذا أربعين يوما وهنا يلجأ الناس إلى الله إلى الله يجأرون إليه: (رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)) فيكشف عنهم ربنا العذاب وهي الفترة بين الآية والآية فيعودون إلى الكفر بعد أن كشف عنهم الدخان ويبقى المؤمن على إيمانه ويعود الكافر لكفره، والآيات تتوالى إذا حدث خسف بالمشرق قد ينتبه بعض الناس وقد لا ينتبه الآخرون ثم يحدث فترة ينسى الناس فيها ويعود الكافر إلى كفره فيحدث خسف آخر يجأر الناس وهكذا ثم يحدث الخسف بجزيرة العرب ثم يأتي الدخان يأتي الدجال ينزل يأجوج ومأجوج الدابة تخرج، تطلع الشمس من مغربها وهكذا بين كل آية وآية من علامات الساعة فترة الزمان ينسى فيها الناس ويعود الكافر إلى كفره إلى أن تطلع الشمس من مغربها فيقفل باب التوبة ثم تخرج النار من قعر عدن من اليمن تحشر الناس (فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍۢ مُّبِينٍۢ (١٠)) مبين: ظاهر واضح كثير الانتشار (يَغْشَى ٱلنَّاسَ ۖ) يغطي الناس جمعيا لا ينجو منه أحد (هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١١)) من قول الله، تبارك وتعالى، يقول للناس: (هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١١)) أو هو من قول الناس إذا رأوا الدخان قالوا: (هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١١)) أو هو تحذير من الله، تبارك وتعالى، كأن تقول هذا الشتاء فاستعد له هذا المطر فاستعد له فكأنه إنذار من الله يوم تأتي هذا الدخان يغشى الناس انتبهوا (هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١١)) هنا يجأر الناس إلى الله، (رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)) أي سوف نؤمن إن كشفت عنا العذاب كما قال قوم فرعون لموسى، (رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)) وعد بالإيمان وتعهد بالإيمان إذا كشف العذاب يقول الله، تبارك وتعالى، مكذبا لهم: (أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ مُعَلَّمٌۭ مَّجْنُونٌ (١٤)) أنّى لهم الذكرى إن كان الدخان كما قيل الجدب والقحط فرينا ينبئ حبيبه المصطفى، صلى الله عليه وسل، أنّى لهم الإيمان وكيف يتسنى لهم الإيمان ومتى يحدث هذا الإيمان وقد أرسلناك رسولا مبينا واضحا صادقا مصدقا ومع ذلك اتهموك مرة ومرة بأنك معلم حيث قال مشركو مكة يعلمه فتى أعجمي لبعض بني ثقيف فهي أساطير الأولين اكتتبها تملى عليه بكرة وأصيلا، مرة يقولون يعلمه بشر ومرة يقولون بل هو مجنون تضارب في الأقوال لم يتفقوا على رأي فربنا ينبئه أنت تستسقي لهم وأنت الآن تدعو لهم (رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)) هم يزعمون لك ذلك كيف وأنت أكبر آية فإذا لم يؤمنوا بك وأنت أكبر آية فكيف يؤمنوا إذا كشفنا عنهم الدخان (أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ) أنّى لهم التذكر أنّى لهم الإيمان (وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ (١٣)) الإشارة للنبي، صلى الله عليه وسلم، (ثُمَّ تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ) أعرضوا وانصرفوا (وَقَالُوا۟ مُعَلَّمٌۭ مَّجْنُونٌ (١٤)) أي قالوا مرة معلم يعلمه بشر وقالوا مرة مجنون، معنى هذا أن الإيمان الجبري لا يقبل الإيمان الاضطراري لا ينفع آمن فرعون حين أدركه الغرق هل قبل منه؟ أبدا إذا طلعت الشمس من مغربها آمن الناس هل ينفع أبدا (يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَـٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَـٰنِهَا خَيْرًۭا ۗ) [سورة الأنعام آية: ١٥٨]، فكذلك أنّى لهم الذكرى بعد أن رأوا العذاب جاء الدخان وجاء العذاب فكيف يؤمنون كتب الله عليهم الكفر وقضى عليهم بذلك لفساد طويتهم وسوء نيتهم من هنا يقول: (أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ (١٣)) محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رسول الناس جميعا رسول إلى الناس كافة إلى آخر الزمان، وكل من بلغته بعثة النبي، صلى الله عليه وسلم، مسئول عن الإيمان به وإن كان في أقصى الأرض فما من جزء في الأرض إلا وبلغه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قد بعث وأرسل، والقرآن ترجم لجميع اللغات وهكذا، فما ينفعهم إيمانهم إذا رأوا العذاب، لا ينفعهم إيمانهم حين رأوا العذاب لذا يقول: (أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ (١٣)).
( إِنَّا كَاشِفُوا۟ ٱلْعَذَابِ قَلِيلًا ۚ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ (١٥)) يقول الله، تبارك وتعالى، مخبرا أنه سوف يكشف العذاب بسبب تضرع الناس والله، تبارك وتعالى، يجيب المضطر إذا دعاه رغم علم الله الأزلي بأنهم يعودون إلى الكفر وقد قالها (إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ (١٥)) رغم ذلك (إِنَّا كَاشِفُوا۟ ٱلْعَذَابِ قَلِيلًا ۚ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ (١٥)) إذا فهم عائدون إلى كفرهم، (إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ (١٥)) أو إلينا فنجازيكم الجزاء الأوفى، (إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ (١٥)) وقيل أنها تحدث يوم القيامة والرأي الذي قلناه أن هذا من علامات الساعة هو أرجح الآراء (إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ (١٥)) أي عائدون على كفركم.
( يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ (١٦)) البطش الأخذ بعنف وقوة البطش بطش يبطِشُ ويبطُشُ التناول بالعنف بالقوة وبالشدة وبالقسر، (يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰٓ) متى هذا البطشة إذا كان الدخان مقصود به الجدب والقحط الذي حدث لأهل مكة بدعاء النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم استجاروا فاستسقى لهم فسقوا فعادوا إلى كفرهم مرة أخرى فالبطشة يوم بدر (يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰٓ ) غزوة بدر حيث قتل صناديد قريش، وإن كان الدخان هو من علامات الساعة ولم يأت بعد والكلام عن المستقبل (يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰٓ) يوم القيامة فهي آخر البطشات، فهناك بطشات كثيرة بطش الله، تبارك وتعالى، بأعدائه بالكفار في الأمم السابقة بطش بعاد وبطش بقوم فرعون وبطش بقوم لوط وهكذا وتأتي الآيات والعلامات لقيام الساعة آخر البطشات يوم القيامة يوم يجعل الولدان شيبا (إِنَّا مُنتَقِمُونَ (١٦)) الانتقام العقوبة والفرق بين الانتقام والعقوبة الانتقام من النِقْمة والنَقْمة وجمعها نقمات النقمة قد تكون قبل العقوبة الغضب والسخط وإرادة الانتقام العقوبا تأتي بعد المعصية والعقوبة مشتقة من كلمة العاقبة من هنا لا بد وأن تكون العقوبة بعد المعصية أما النقمة فلا يشترط أن تكون بعد المعصية (إِنَّا مُنتَقِمُونَ (١٦)) المحذِر والمهددْ هو الله شديد البطش شديد العقاب ذو الطول المنتقم الجبار. فإن الله، تبارك وتعالى، قد علم الأمور من الأزل وعلم بإيمان المؤمن وعلم بكفران الكافر وربنا، تبارك وتعالى، يبتلي العباد ليظهر معادنهم وليظهر ما انطوت عليه قلوبهم فيشتد إيمان المؤمن ويزيد إيمانه، ويشتد كفر الكافر ويزيد كفره ومن القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا، ومن الآيات ما تجعل المؤمن يزداد إيمانا ومن الآيات ما يجعل الكافر يزداد كفرا، حين يرسل ربنا، تبارك وتعالى، لنا الدخان آية من الآيات وعلامة من العلامات المؤمن يزداد إيمانه ويعلم أنها آية وعلامة كما أخبرنا بها النبي، صلى الله عليه وسلم، وأما الكافر فيؤمن لحظة إيمان مشبوه إيمان مشكوك فيه يدعو ويجأر كما يدعو الكفار ويحدثنا ربنا عنهم (رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)) لذا يقول: (أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ مُعَلَّمٌۭ مَّجْنُونٌ (١٤)) ومع ذلك يكشف ربنا العذاب الفترات بين علامات الساعة المختلفة (إِنَّا كَاشِفُوا۟ ٱلْعَذَابِ قَلِيلًا ۚ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ (١٦)) أكبر البطشات يوم القيامة (إِنَّا مُنتَقِمُونَ (١٦)) حيث ينتقم الله، تبارك وتعالى، من أعدائه وأعداء الرسل.
فإن العاقل من اتعظ بغيره وربنا تبارك وتعالى يحكي لنا في القرآن قصص الأولين يحكي لنا ما فعلته الأمم الكافرة بأنبيائها وكيف كان عاقبتهم وكيف حاق بهم العذاب ويقول عز من قائل: (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّمَن يَخْشَىٰٓ (٢٦)) [سورة النازعات آية: ٢٦]، وقد بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، في قومه وهم على درجة من الجهل والكفر لم يكن لها مثيل عقوق الأمهات ووأد البنات أقيمت دور الفجور في كل مكان ضيع فيهم الفقير واليتيم وابن السبيل لم يكن للجار حق، يغيرون بعضهم على بعض يسبون النساء والذرية ويقتلون الأنفس بغير حق، ساد فيهم الذل والشرك والعصيان بعث رحمة فكذبوه وآذوه ولم يصدقوه وهو الصادق الأمين فيهم من قبل البعثة، ودعاهم رسولنا، صلى الله عليه وسلم، بالحسنى وساق لهم الأدلة والبراهين ونزل القرآن آية آية وسورة سورة يخاطبهم بالعقل والمنطق يلفت أنظارهم إلى خلق السموات والأرض، يلفت أنظارهم إلى خلقهم وكيف أن الله، تبارك وتعالى، سخر لهم ما في السموات وما في الأرض، قص عليهم قصص الأولين وقد كانوا يمرون على ديارهم صيفا وشتاء قوم عاد وثمود قص عليهم فعاملوا النبي، صلى الله عليه وسلم، كما عامل فرعون موسى قالوا عنه معلم مجنون قالوا عنه ساحر، وفي سورة الدخان تحكي لنا الآيات كيف أصابتهم المجاعة وكيف سلطت عليهم السنون وزعموا أنهم سوف يؤمنوا إذا كشف عنهم العذاب وما آمنوا وما صدقوا وما وفوا بعهدهم، فتأتي الآيات من سورة الدخان تحكي لهم من قصة فرعون وكيف كان مآله علّهم يتعظون يقول الله، تبارك وتعالى:
ذاك قول وهو مستند إلى حديث في صحيح البخاري يحكي لنا قصة الدخان الذين رأوا حين جاعوا وضعفت منهم الأبصار.
هناك قول آخر يقول أن الدخان لم يأت بعد وأنه سوف يأتي وهو من علامات الساعة وهذا القول عليه دليل من صحيح البخاري وصحيح مسلم حيث يروي الأصحاب اطلع علينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوما ونحن نذكر أو نتذاكر فقال ما تذكرون؟ قلنا تذكر الساعة يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: ( أَمَا إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ عَشْرَ آيَاتٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَخُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَالدَّجَّالُ، وَالدَّابَّةُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تُرَحِّلُ النَّاسَ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتُرِيحُ مَعَهُمْ حَيْثُ رَاحُوا، وَبِريحٍ تُلْقِيهِمْ فِي الْبَحْرِ)، (وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةًۭ مِّنَ ٱلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)) [سورة النمل آية: ٨٢] تختم الكافر بالكفر وتختم المسلم بالإيمان ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى ابن مريم والدجال كل تلك الآيات قبل نزول الساعة طلوع الشمس من مغربها من الآيات فهم عشرة خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَخُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَالدَّجَّالُ، وَالدَّابَّةُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وكذلك والنار التي تحشر الناس من المشرق إلى المغرب إلى أرض المحشر حيث تتبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار، في ذلك اليوم حين ينزل الدخان ينزل فيملأ ما بين المشرق والمغرب ويملأ ما بين السماء والأرض وحين ذكر الرسول، صلى الله عليه وسلم، الدخان في الآيات العشر قالوا وما الدخان يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تلا قول الله: (فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍۢ مُّبِينٍۢ (١٠) يَغْشَى ٱلنَّاسَ ۖ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١١)) من هنا كانت هذه الرواية أرجح لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، تلا قول الله، تبارك وتعالى: (فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍۢ مُّبِينٍۢ (١٠)) والرواية الأخرى وإن كانت صحيحة ولها ما يؤيدها في الحديث وإنما هي من قول الصحابة لم يتلو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الآية عليهم بمناسبة الجدب والقحط الذي حدث إذا فهي آية من الآيات العشر طلوع الشمس من مغربها وما إلى ذلك، حين يأتي هذا الدخان يستمر في الأرض أربعين يوما وليلة المؤمن والكافر في الأرض فإذا حدث الدخان وملأ بين السماء والأرض وما بين المشرق والمغرب يصيب المؤمن منه مثل الزكام، أما الكافر فيدخل الدخان من منخريه من أنفه فينتفخ ويخرج الدخان من جميع فتحات الجسم فإذا به يمشي والدخان يخرج من أنفه وفمه وأذنه ودبره وهكذا أربعين يوما وهنا يلجأ الناس إلى الله إلى الله يجأرون إليه: (رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)) فيكشف عنهم ربنا العذاب وهي الفترة بين الآية والآية فيعودون إلى الكفر بعد أن كشف عنهم الدخان ويبقى المؤمن على إيمانه ويعود الكافر لكفره، والآيات تتوالى إذا حدث خسف بالمشرق قد ينتبه بعض الناس وقد لا ينتبه الآخرون ثم يحدث فترة ينسى الناس فيها ويعود الكافر إلى كفره فيحدث خسف آخر يجأر الناس وهكذا ثم يحدث الخسف بجزيرة العرب ثم يأتي الدخان يأتي الدجال ينزل يأجوج ومأجوج الدابة تخرج، تطلع الشمس من مغربها وهكذا بين كل آية وآية من علامات الساعة فترة الزمان ينسى فيها الناس ويعود الكافر إلى كفره إلى أن تطلع الشمس من مغربها فيقفل باب التوبة ثم تخرج النار من قعر عدن من اليمن تحشر الناس (فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍۢ مُّبِينٍۢ (١٠)) مبين: ظاهر واضح كثير الانتشار (يَغْشَى ٱلنَّاسَ ۖ) يغطي الناس جمعيا لا ينجو منه أحد (هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١١)) من قول الله، تبارك وتعالى، يقول للناس: (هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١١)) أو هو من قول الناس إذا رأوا الدخان قالوا: (هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١١)) أو هو تحذير من الله، تبارك وتعالى، كأن تقول هذا الشتاء فاستعد له هذا المطر فاستعد له فكأنه إنذار من الله يوم تأتي هذا الدخان يغشى الناس انتبهوا (هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١١)) هنا يجأر الناس إلى الله، (رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)) أي سوف نؤمن إن كشفت عنا العذاب كما قال قوم فرعون لموسى، (رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)) وعد بالإيمان وتعهد بالإيمان إذا كشف العذاب يقول الله، تبارك وتعالى، مكذبا لهم: (أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ مُعَلَّمٌۭ مَّجْنُونٌ (١٤)) أنّى لهم الذكرى إن كان الدخان كما قيل الجدب والقحط فرينا ينبئ حبيبه المصطفى، صلى الله عليه وسل، أنّى لهم الإيمان وكيف يتسنى لهم الإيمان ومتى يحدث هذا الإيمان وقد أرسلناك رسولا مبينا واضحا صادقا مصدقا ومع ذلك اتهموك مرة ومرة بأنك معلم حيث قال مشركو مكة يعلمه فتى أعجمي لبعض بني ثقيف فهي أساطير الأولين اكتتبها تملى عليه بكرة وأصيلا، مرة يقولون يعلمه بشر ومرة يقولون بل هو مجنون تضارب في الأقوال لم يتفقوا على رأي فربنا ينبئه أنت تستسقي لهم وأنت الآن تدعو لهم (رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)) هم يزعمون لك ذلك كيف وأنت أكبر آية فإذا لم يؤمنوا بك وأنت أكبر آية فكيف يؤمنوا إذا كشفنا عنهم الدخان (أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ) أنّى لهم التذكر أنّى لهم الإيمان (وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ (١٣)) الإشارة للنبي، صلى الله عليه وسلم، (ثُمَّ تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ) أعرضوا وانصرفوا (وَقَالُوا۟ مُعَلَّمٌۭ مَّجْنُونٌ (١٤)) أي قالوا مرة معلم يعلمه بشر وقالوا مرة مجنون، معنى هذا أن الإيمان الجبري لا يقبل الإيمان الاضطراري لا ينفع آمن فرعون حين أدركه الغرق هل قبل منه؟ أبدا إذا طلعت الشمس من مغربها آمن الناس هل ينفع أبدا (يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَـٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَـٰنِهَا خَيْرًۭا ۗ) [سورة الأنعام آية: ١٥٨]، فكذلك أنّى لهم الذكرى بعد أن رأوا العذاب جاء الدخان وجاء العذاب فكيف يؤمنون كتب الله عليهم الكفر وقضى عليهم بذلك لفساد طويتهم وسوء نيتهم من هنا يقول: (أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ (١٣)) محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رسول الناس جميعا رسول إلى الناس كافة إلى آخر الزمان، وكل من بلغته بعثة النبي، صلى الله عليه وسلم، مسئول عن الإيمان به وإن كان في أقصى الأرض فما من جزء في الأرض إلا وبلغه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قد بعث وأرسل، والقرآن ترجم لجميع اللغات وهكذا، فما ينفعهم إيمانهم إذا رأوا العذاب، لا ينفعهم إيمانهم حين رأوا العذاب لذا يقول: (أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ (١٣)).
( إِنَّا كَاشِفُوا۟ ٱلْعَذَابِ قَلِيلًا ۚ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ (١٥)) يقول الله، تبارك وتعالى، مخبرا أنه سوف يكشف العذاب بسبب تضرع الناس والله، تبارك وتعالى، يجيب المضطر إذا دعاه رغم علم الله الأزلي بأنهم يعودون إلى الكفر وقد قالها (إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ (١٥)) رغم ذلك (إِنَّا كَاشِفُوا۟ ٱلْعَذَابِ قَلِيلًا ۚ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ (١٥)) إذا فهم عائدون إلى كفرهم، (إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ (١٥)) أو إلينا فنجازيكم الجزاء الأوفى، (إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ (١٥)) وقيل أنها تحدث يوم القيامة والرأي الذي قلناه أن هذا من علامات الساعة هو أرجح الآراء (إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ (١٥)) أي عائدون على كفركم.
( يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ (١٦)) البطش الأخذ بعنف وقوة البطش بطش يبطِشُ ويبطُشُ التناول بالعنف بالقوة وبالشدة وبالقسر، (يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰٓ) متى هذا البطشة إذا كان الدخان مقصود به الجدب والقحط الذي حدث لأهل مكة بدعاء النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم استجاروا فاستسقى لهم فسقوا فعادوا إلى كفرهم مرة أخرى فالبطشة يوم بدر (يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰٓ ) غزوة بدر حيث قتل صناديد قريش، وإن كان الدخان هو من علامات الساعة ولم يأت بعد والكلام عن المستقبل (يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰٓ) يوم القيامة فهي آخر البطشات، فهناك بطشات كثيرة بطش الله، تبارك وتعالى، بأعدائه بالكفار في الأمم السابقة بطش بعاد وبطش بقوم فرعون وبطش بقوم لوط وهكذا وتأتي الآيات والعلامات لقيام الساعة آخر البطشات يوم القيامة يوم يجعل الولدان شيبا (إِنَّا مُنتَقِمُونَ (١٦)) الانتقام العقوبة والفرق بين الانتقام والعقوبة الانتقام من النِقْمة والنَقْمة وجمعها نقمات النقمة قد تكون قبل العقوبة الغضب والسخط وإرادة الانتقام العقوبا تأتي بعد المعصية والعقوبة مشتقة من كلمة العاقبة من هنا لا بد وأن تكون العقوبة بعد المعصية أما النقمة فلا يشترط أن تكون بعد المعصية (إِنَّا مُنتَقِمُونَ (١٦)) المحذِر والمهددْ هو الله شديد البطش شديد العقاب ذو الطول المنتقم الجبار. فإن الله، تبارك وتعالى، قد علم الأمور من الأزل وعلم بإيمان المؤمن وعلم بكفران الكافر وربنا، تبارك وتعالى، يبتلي العباد ليظهر معادنهم وليظهر ما انطوت عليه قلوبهم فيشتد إيمان المؤمن ويزيد إيمانه، ويشتد كفر الكافر ويزيد كفره ومن القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا، ومن الآيات ما تجعل المؤمن يزداد إيمانا ومن الآيات ما يجعل الكافر يزداد كفرا، حين يرسل ربنا، تبارك وتعالى، لنا الدخان آية من الآيات وعلامة من العلامات المؤمن يزداد إيمانه ويعلم أنها آية وعلامة كما أخبرنا بها النبي، صلى الله عليه وسلم، وأما الكافر فيؤمن لحظة إيمان مشبوه إيمان مشكوك فيه يدعو ويجأر كما يدعو الكفار ويحدثنا ربنا عنهم (رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)) لذا يقول: (أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ مُعَلَّمٌۭ مَّجْنُونٌ (١٤)) ومع ذلك يكشف ربنا العذاب الفترات بين علامات الساعة المختلفة (إِنَّا كَاشِفُوا۟ ٱلْعَذَابِ قَلِيلًا ۚ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ (١٦)) أكبر البطشات يوم القيامة (إِنَّا مُنتَقِمُونَ (١٦)) حيث ينتقم الله، تبارك وتعالى، من أعدائه وأعداء الرسل.
فإن العاقل من اتعظ بغيره وربنا تبارك وتعالى يحكي لنا في القرآن قصص الأولين يحكي لنا ما فعلته الأمم الكافرة بأنبيائها وكيف كان عاقبتهم وكيف حاق بهم العذاب ويقول عز من قائل: (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّمَن يَخْشَىٰٓ (٢٦)) [سورة النازعات آية: ٢٦]، وقد بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، في قومه وهم على درجة من الجهل والكفر لم يكن لها مثيل عقوق الأمهات ووأد البنات أقيمت دور الفجور في كل مكان ضيع فيهم الفقير واليتيم وابن السبيل لم يكن للجار حق، يغيرون بعضهم على بعض يسبون النساء والذرية ويقتلون الأنفس بغير حق، ساد فيهم الذل والشرك والعصيان بعث رحمة فكذبوه وآذوه ولم يصدقوه وهو الصادق الأمين فيهم من قبل البعثة، ودعاهم رسولنا، صلى الله عليه وسلم، بالحسنى وساق لهم الأدلة والبراهين ونزل القرآن آية آية وسورة سورة يخاطبهم بالعقل والمنطق يلفت أنظارهم إلى خلق السموات والأرض، يلفت أنظارهم إلى خلقهم وكيف أن الله، تبارك وتعالى، سخر لهم ما في السموات وما في الأرض، قص عليهم قصص الأولين وقد كانوا يمرون على ديارهم صيفا وشتاء قوم عاد وثمود قص عليهم فعاملوا النبي، صلى الله عليه وسلم، كما عامل فرعون موسى قالوا عنه معلم مجنون قالوا عنه ساحر، وفي سورة الدخان تحكي لنا الآيات كيف أصابتهم المجاعة وكيف سلطت عليهم السنون وزعموا أنهم سوف يؤمنوا إذا كشف عنهم العذاب وما آمنوا وما صدقوا وما وفوا بعهدهم، فتأتي الآيات من سورة الدخان تحكي لهم من قصة فرعون وكيف كان مآله علّهم يتعظون يقول الله، تبارك وتعالى:
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌۭ كَرِيمٌ ﴿17﴾
الفتنة قد تكون بمعنى العذاب والفتنة قد تكون بمعنى الاختبار وأصل كلمة الفتن إدخال المعدن الذهب أو الفضة في النار حتى يخلص من الشوائب ذاك أصل في استخدام الكلمة فتن المعدن إدخال المعدن في النار حتى يخرج خالصا.
وتستخدم الكلمة في العذاب حيث أن المعدن يدخل في النار، وتستخدم أيضا في الابتلاء من هنا يكون المعنى ولقد ابتلينا واختبرنا آل فرعون وقوم فرعون بأن أرسلنا إليهم رسولا يدعوهم إلى الله يختبرهم ربنا، تبارك وتعالى، أيتبعونه أم يكذبونه ولقد قرئت: ( فتَّنَّا قلبهم قوم فرعون) مشددة للتكثير ولتشديد المعنى مبالغة في المعنى أن الفتنة كانت شديدة الاختبار والابتلاء، وقد يكون في الكلام تقديم وتأخير والتقدير ولقد أرسلنا إلى فرعون رسولا كريما، أو ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم وفتناهم أي أن الإرسال كان أولا ثم حدثت الفتنة بعد أن كذبوه ويصبح معنى الفتنة هنا الإغراق التعذيب الشديد حيث أن الإغراق تم بعد أن كذّبوا موسى، (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ) هذه الفتنة إما أنها اختبار وابتلاء بإرسال الرسول، وإما أنها الإغراق والتعذيب بتكذيبهم للرسول (وَجَآءَهُمْ رَسُولٌۭ كَرِيمٌ (١٧)) هو موسى كريم، كريم على الله أسمعه كلامه وكريم على المؤمنين الذين صدّقوه واتبعوه، كريم في قومه بنسبه وحسبه قال لهم موسى حين جاءهم:
وتستخدم الكلمة في العذاب حيث أن المعدن يدخل في النار، وتستخدم أيضا في الابتلاء من هنا يكون المعنى ولقد ابتلينا واختبرنا آل فرعون وقوم فرعون بأن أرسلنا إليهم رسولا يدعوهم إلى الله يختبرهم ربنا، تبارك وتعالى، أيتبعونه أم يكذبونه ولقد قرئت: ( فتَّنَّا قلبهم قوم فرعون) مشددة للتكثير ولتشديد المعنى مبالغة في المعنى أن الفتنة كانت شديدة الاختبار والابتلاء، وقد يكون في الكلام تقديم وتأخير والتقدير ولقد أرسلنا إلى فرعون رسولا كريما، أو ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم وفتناهم أي أن الإرسال كان أولا ثم حدثت الفتنة بعد أن كذبوه ويصبح معنى الفتنة هنا الإغراق التعذيب الشديد حيث أن الإغراق تم بعد أن كذّبوا موسى، (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ) هذه الفتنة إما أنها اختبار وابتلاء بإرسال الرسول، وإما أنها الإغراق والتعذيب بتكذيبهم للرسول (وَجَآءَهُمْ رَسُولٌۭ كَرِيمٌ (١٧)) هو موسى كريم، كريم على الله أسمعه كلامه وكريم على المؤمنين الذين صدّقوه واتبعوه، كريم في قومه بنسبه وحسبه قال لهم موسى حين جاءهم:
أَنْ أَدُّوٓا۟ إِلَىَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ۖ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ ﴿18﴾
وَأَن لَّا تَعْلُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنِّىٓ ءَاتِيكُم بِسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿19﴾
وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ ﴿20﴾
وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ لِى فَٱعْتَزِلُونِ ﴿21﴾
( أَنْ أَدُّوٓا۟ إِلَىَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ۖ) أي اتبعوني وأدُّوا إلي سمعكم وعقولكم واسمعوني علكم تهتدون (عِبَادَ ٱللَّهِ ۖ) منادى وكأنه يناديهم ويقول يا عباد الله أدّو إليّ سمعكم فاسمعوا رسالة ربكم واتبعوني لعلّكم تهتدون، وقد يكون المعنى يا فرعون ويا قوم فرعون أدُّوا إليّ عباد الله الذين هم بنو إسرائيل، عباد الله إما منادى والخطاب لفرعون وقوم فرعون اتبعوني واسمعوا منى وأدوا إليّ سمعكم وانتباهكم، أو عباد الله مفعول وهنا أعطوني واسمحوا لي وأرسلوا معى عباد الله الذين هم بنو إسرائيل خلصوهم من العذاب وأطلقوا سراحهم وفكوا قيدهم (إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ (١٨)) أمين على الوحي فقد استأمنني الله، تبارك وتعالى، على وحيه، أو أمين في نصحكم صادق في إبلاغكم.
(وَأَن لَّا تَعْلُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ۖ) لا تستكبروا على الله ولا تتعظموا عليه ولا تستكبر على آياته (وَأَن لَّا تَعْلُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ۖ) أي لا تتعاظموا على رسوله وعلى آياته أو تستكبروا على الله، تبارك وتعالى، بعدم الاتباع وبالكفر (إِنِّىٓ ءَاتِيكُم بِسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍۢ (١٩)) حجة واضحة ظاهرة بيّنة اليد والعصا جاء موسى ومعه المعجزات جاء ومعه الآيات التي تدل على صدقه اليد حين أخرجها فإذا هي بيضاء من غير سوء تشرق كشروق الشمس العصا التي التقمت ما كانوا يأفكون (وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ (٢٠)) الرجم قد يكون على الحقيقة بمعنى القذف بالحجارة حتى الموت، والرجم قد يكون بمعنى الشتم والسباب فإن الكلام السيئ والسباب والشتم يصيب الإنسان كالحجارة يصيب منه مقتلا والحُر لا يقبل الضيم والكريم تؤثر فيه الكلمة تأثير السيف والرمح من هنا قد يكون الرجم معناه القتل بالحجارة أو الشتم والسب وهكذا (وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى) التجأت إليه واستجرت به وتوكلت عليه (وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ) الاستعاذة هنا قد تكون في الماضي (وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ) قد حدث أنه استعاذ بربه حين أخبره ربه أنه لن يصل إليه شيء يكرهه حيث قال: (بِـَٔايَـٰتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ (٣٥)) [سورة القصص آية: ٣٥]، حين قال له (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰنًۭا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا) [سورة القصص آية: ٣٥]، فالاستعاذة في الماضي، وقد تكون الاستعاذة في الحاضر ويعبر عنها بالماضي أي إني أعوذ بالله، تبارك وتعالى، منكم ومن أي أن تؤذوني أو ترجموني كما تقول للرجل أقسمت بالله عليك والتعبير بالفعل الماضي ولكنك تقصد أقسم بالله عليك، فحين تقول أقسم بالله عليك جاز وحين تقول أقسمت بالله عليك جاز فكذلك هنا (وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ (٢٠)).
( وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ لِى فَٱعْتَزِلُونِ (٢١)) أي لم تؤمنوا بي، أو (وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ لِى) أي لم تؤمنوا لأجل البرهان والسلطان البين الذي جئتكم به وقد جاء في القرآن في موضع آخر: (فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌۭ ۘ) [سورة العنكبوت آية: ٢٦] أي فآمن به لوط، (وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ لِى) أي وإن لم تؤمنوا بي، أو (وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ لِى) لأجل ما جئتكم به من آيات ومعجزات (فَٱعْتَزِلُونِ (٢١)) الاعتزال الابتعاد اتركوني وشأني وأترككم وشأنكم لا تؤذوني ولا أوذيكم.
(وَأَن لَّا تَعْلُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ۖ) لا تستكبروا على الله ولا تتعظموا عليه ولا تستكبر على آياته (وَأَن لَّا تَعْلُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ۖ) أي لا تتعاظموا على رسوله وعلى آياته أو تستكبروا على الله، تبارك وتعالى، بعدم الاتباع وبالكفر (إِنِّىٓ ءَاتِيكُم بِسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍۢ (١٩)) حجة واضحة ظاهرة بيّنة اليد والعصا جاء موسى ومعه المعجزات جاء ومعه الآيات التي تدل على صدقه اليد حين أخرجها فإذا هي بيضاء من غير سوء تشرق كشروق الشمس العصا التي التقمت ما كانوا يأفكون (وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ (٢٠)) الرجم قد يكون على الحقيقة بمعنى القذف بالحجارة حتى الموت، والرجم قد يكون بمعنى الشتم والسباب فإن الكلام السيئ والسباب والشتم يصيب الإنسان كالحجارة يصيب منه مقتلا والحُر لا يقبل الضيم والكريم تؤثر فيه الكلمة تأثير السيف والرمح من هنا قد يكون الرجم معناه القتل بالحجارة أو الشتم والسب وهكذا (وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى) التجأت إليه واستجرت به وتوكلت عليه (وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ) الاستعاذة هنا قد تكون في الماضي (وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ) قد حدث أنه استعاذ بربه حين أخبره ربه أنه لن يصل إليه شيء يكرهه حيث قال: (بِـَٔايَـٰتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ (٣٥)) [سورة القصص آية: ٣٥]، حين قال له (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰنًۭا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا) [سورة القصص آية: ٣٥]، فالاستعاذة في الماضي، وقد تكون الاستعاذة في الحاضر ويعبر عنها بالماضي أي إني أعوذ بالله، تبارك وتعالى، منكم ومن أي أن تؤذوني أو ترجموني كما تقول للرجل أقسمت بالله عليك والتعبير بالفعل الماضي ولكنك تقصد أقسم بالله عليك، فحين تقول أقسم بالله عليك جاز وحين تقول أقسمت بالله عليك جاز فكذلك هنا (وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ (٢٠)).
( وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ لِى فَٱعْتَزِلُونِ (٢١)) أي لم تؤمنوا بي، أو (وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ لِى) أي لم تؤمنوا لأجل البرهان والسلطان البين الذي جئتكم به وقد جاء في القرآن في موضع آخر: (فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌۭ ۘ) [سورة العنكبوت آية: ٢٦] أي فآمن به لوط، (وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ لِى) أي وإن لم تؤمنوا بي، أو (وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ لِى) لأجل ما جئتكم به من آيات ومعجزات (فَٱعْتَزِلُونِ (٢١)) الاعتزال الابتعاد اتركوني وشأني وأترككم وشأنكم لا تؤذوني ولا أوذيكم.
فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌۭ مُّجْرِمُونَ ﴿22﴾
فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ﴿23﴾
وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْوًا ۖ إِنَّهُمْ جُندٌۭ مُّغْرَقُونَ ﴿24﴾
( فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌۭ مُّجْرِمُونَ (٢٢)) (فدعا ربه إن هؤلاء قوم مجرمون) قراءتان الآية تشعر بأن موسى قد دعا على قومه (فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ) أي لأن هؤلاء قوم مجرمون دعا عليهم كيف؟ بأن ذكر الموجب والمستوجب للعقوبة فإذا أجرم العبد استوجب بذلك عقوبة فحين يذكر الفعل الذي فعلوه كأنه يعرّض بالدعاء عليهم حتى يؤاخذهم ربهم ويعاقبهم على ما فعلوه فدعا ربه ولذا قال (فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌۭ مُّجْرِمُونَ (٢٢)) لأن هؤلاء قوم مجرمون ذاك هو المعنى ذكر فعل هؤلاء القوم وهذا الفعل يستوجب من الله العقوبة وقد قرئت: (فدعا ربه إن هؤلاء قوم مجرمون) بإضمار القول بمعنى أنه دعا ربه وقال إن هؤلاء قوم مجرمون وطالما كانوا مجرمين وجب عليهم العذاب (فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ (٢٣)) الكلام فيه حذف وتقدير الكلام فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون فاستجاب له ربه فقال له فأَسْر بعبادي وقرئت: (فاسرِ) بهمزة وصل فاسرِ من سَرَىَ فأسرى من أسرى الإسراء لا يكون إلا ليلا سَرَى سار ليلا وأسرى كذلك، لكن الله، تبارك وتعالى، يذكر كلمة الليل للتأكيد (إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ (٢٣)) أي سوف يتبعكم فرعون وقومه وينبئه ربه، تبارك وتعالى، بذلك حتى لا يفزع إذا فوجئ موسى وهو يسير بقومه وبمن آمن معه باتباع فرعون وجنود فرعون له قد يفزع وقد يخاف فطمأنه ربه وأنبأه أنهم سوف يتبعونه فإن اتبعوك فلا تخش إنك أنت الأعلى،( وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْوًا ۖ إِنَّهُمْ جُندٌۭ مُّغْرَقُونَ (٢٤)) ، (أنهم جند مُغرقون) قراءتان رَهْوا ساكنا رَهْوا منفرجا رها بين رجليه فتح ما بينهم ورها البحر سكن يرهو رهوا سكونا (وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْوًا ۖ) أي اتركه ساكنا حين انفلق البحر بضرب موسى له بالعصا انفلق البحر وسار موسى في أرض يبس (فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًۭا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًۭا لَّا تَخَـٰفُ دَرَكًۭا وَلَا تَخْشَىٰ (٧٧)) [سورة طه آية: ٧٧]، فسكن البحر وارتفع الماء كالطود الشامخ وأصبح هناك طريق وسكن الماء عن جريه وكأنه بناء، فينبئه ربه، تبارك وتعالى، إذا سرت في البحر وانفلق لك البحر وسكن موجه وسكن جريه فلا تعيده إلى سيرته الأولى، لأن موسى ظن أنه إذا ضرب البحر فانفلق فإذا خرج واجتاز هو وقومه البحر يعيد البحر إلى سيرته الأولى حتى لا يدركه فرعون حتى يمنعه البحر ويجري الماء فلا يستطيع أن يجتاز فيحجز البحر بين موسى وقومه وبين فرعون وملأه وجنوده، لكن الله، تبارك وتعالى، قدّر أمرا آخر أن يغرقهم لا أن يحيل بين موسى وبينهم لا أن ينجي وقومه فقط بل ينجيهم ثم يدمر الآخرين من هنا يقول له (وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْوًا ۖ) أي دعه كهيئته ساكنا أو دعه كهيئته منفرجا ولا تعيده بعصاك إلى ما كان عليه لأنهم قوم مغرقون (واترك البحر رهوا أنعم جند مغرقون) قراءة لأنهم جند مغرقون فعليك أن تترك البحر كما هو فتستدرجهم فيعبرون كما عبرت ويسيرون كما سرت فينطبق عليهم البحر فيغرقهم ورها الرجل في سيره سار في سكينة ووقار على هيئنته، وقد يكون الكلام نعت لموسى وليس للبحر أي واترك البحر في سيرك بقومك في سكينة وهدوء وسكون لا تنزعجوا ولا تعدو بل سيروا سيرا هينا مطمئنين غير خائفين أو مضطربين أو متزاحمين لأن الخوف والاضطراب قد يدفع الناس مع موسى إلى التزاحم والتدافع فيحطم بعضهم بعضا ويدوس بعضهم بعضا ويحدث الجلبة والاضطراب والانزعاج والخوف فينبئه ربه، تبارك وتعالى، إن سيرك في البحر يا موسى وسير قومك يجب أن يكون هيّنا ساكنا في هدوء وانتظام وسكينة ووقار (إِنَّهُمْ جُندٌۭ مُّغْرَقُونَ (٢٤)) وقد حدث وتحقق وعد الله، تبارك وتعالى، وخرج موسى وقومه سالمين، ولجرأة فرعون وجهله سار وراءه وصدق ربي حيث يقول: (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ (١٨٣)) [سورة الأعراف آية: ١٨٢- ١٨٣]
رجل في منصب الملك والألوهية كما زعم ذاك بحر أمامه بحر فيه ماء وهو يعرفه ورآه من قبل انفرج البحر وإذا بموسى يسير آمنا هو ومن آمن معه هو وبنو إسرائيل، لا بد أن ذلك معجزة ظن أن ذلك من أفعال السحر وإن كان من أفعال السحر ومن أفعال موسى فالذي قدر على أن يفلق البحر بسحره قادر على أن يعيد البحر إلى ما كان عليه بسحره أيضا، إذا فكان من الواجب على فرعون أن يخشى موسى من أجل سحره أو أن يخشى الله من أجل المعجزة التي رآها، ومع ذلك تبع موسى في طريقه والماء مرتفع عن يمينه ويساره ومع ذلك خاض وراءه، سلب الله منه العقل سلب منه التدبر سلب منه النظر والله، تبارك وتعالى، غالب على أمره وحين خرج آخر رجل من قوم موسى إلى البر الشرقي دخل آخر رجل من جنود فرعون وبدخول آخر رجل من جنود فرعون وخروج آخر رجل من قوم موسى إذا بالبحر يعود سيرته الأولى فينطق عليهم فيغرقهم ويحكي ربنا، تبارك وتعالى، لنا ما تركوه وكيف كان معهم أمن وأمان ونعيم ونعمة وكفروا بكل ذلك وتركوا كل ذلك فيقول الله، تبارك وتعالى:
رجل في منصب الملك والألوهية كما زعم ذاك بحر أمامه بحر فيه ماء وهو يعرفه ورآه من قبل انفرج البحر وإذا بموسى يسير آمنا هو ومن آمن معه هو وبنو إسرائيل، لا بد أن ذلك معجزة ظن أن ذلك من أفعال السحر وإن كان من أفعال السحر ومن أفعال موسى فالذي قدر على أن يفلق البحر بسحره قادر على أن يعيد البحر إلى ما كان عليه بسحره أيضا، إذا فكان من الواجب على فرعون أن يخشى موسى من أجل سحره أو أن يخشى الله من أجل المعجزة التي رآها، ومع ذلك تبع موسى في طريقه والماء مرتفع عن يمينه ويساره ومع ذلك خاض وراءه، سلب الله منه العقل سلب منه التدبر سلب منه النظر والله، تبارك وتعالى، غالب على أمره وحين خرج آخر رجل من قوم موسى إلى البر الشرقي دخل آخر رجل من جنود فرعون وبدخول آخر رجل من جنود فرعون وخروج آخر رجل من قوم موسى إذا بالبحر يعود سيرته الأولى فينطق عليهم فيغرقهم ويحكي ربنا، تبارك وتعالى، لنا ما تركوه وكيف كان معهم أمن وأمان ونعيم ونعمة وكفروا بكل ذلك وتركوا كل ذلك فيقول الله، تبارك وتعالى:
كَمْ تَرَكُوا۟ مِن جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ ﴿25﴾
وَزُرُوعٍۢ وَمَقَامٍۢ كَرِيمٍۢ ﴿26﴾
وَنَعْمَةٍۢ كَانُوا۟ فِيهَا فَـٰكِهِينَ ﴿27﴾
كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ﴿28﴾
فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ وَمَا كَانُوا۟ مُنظَرِينَ ﴿29﴾
( كَمْ تَرَكُوا۟ مِن جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ (٢٥)) كلمة (كم) قد تأتي للسؤال وكلمة كم تأتي للتكرير، للتكثير لبيان الكثرة أي كثيرا الذي تركوه، (كَمْ تَرَكُوا۟ مِن جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ (٢٥)) والجنات جمع جنة والجنة البستان ذي الشجر الكثير المتكاثف أغصانه الكثير ثماره، (كَمْ تَرَكُوا۟ مِن جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ (٢٥)) يخرج منها الماء العذب الزلال لشربهم ولري زرعهم (وَزُرُوعٍۢ) أنواع الزرع المختلفة من القمح والذرة والطعام ومختلف النباتات الجنات تدل على الفواكه والثمار والزروع وتدل على باقي المزروعات والمنتجات الزراعية من حب وقمح وما إلى ذلك (وَمَقَامٍۢ كَرِيمٍۢ (٢٦)) المقام الكريم المسكن الطيب المزين، الرفاهية الأمن الاستقرار الاطمئنان (وَنَعْمَةٍۢ كَانُوا۟ فِيهَا فَـٰكِهِينَ (٢٧)) النَعمة بالفتح النعيم والمُتُنعم الذي يحيا في رخاء وسعة ودعة السعة والدعة والتنعم والتلذذ، تنعم الرجل تلذذ بالنعيم الذي أحاط به من كل جانب (نَعْمةٍ كانوا فيها فكهين ) قراءة أخرى بغير مد أشرين بطرين (وَنَعْمَةٍۢ كَانُوا۟ فِيهَا فَـٰكِهِينَ (٢٧)) بالمد أي متنعمين متلذذين الرجل إذا أطلق فاكِهْ فهو المستمتع بأنواع اللذائذ المتمتع بما عنده من نعم (وَنَعْمَةٍۢ) الفرق بينها وبين النِعْمة، النِعْمة اليد الصنيعة العطاء الإفضال المنّ تلك هي النعمة النِعمة هي ما أنعم الله به عليك من صحة أو من مال أو من رخاء من شيء أعطاه الله إياك وخوّلك إياه تلك هي النِعمة، أما النَعمة فهو التنعم النعيم الذي فيه الإنسان يستمتع ويتلذذ وقيل نَعْمة ونِعمة لغتان لمعنى واحد والكلمة واحدة، وقيل بل النعمة في البدن والدين والنِعمة في الملك ما تملكه يسمى نِعمة، فإن كانت النعمة في الصحة في البدن فتسمى نعمة، (كَذَٰلِكَ) أي الأمر كذلك ويوقف هنا على هذا المعنى (كَذَٰلِكَ ۖ)، (وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ (٢٨)) الأمر كذلك أي كما قلنا وكما أخبرنا كان ذلك شأنهم أو كذلك نفعل بمن فعل فعلهم نعذبهم نغرقهم نسلبهم النعمة التي كانوا فيها ، مصداقا لقوله، تبارك وتعالى: (وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟ ۖ) [سورة الأعراف آية: ١٣٧]، (وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ (٢٨)) أي وصل هذا الملك وهذا النعيم وهذه النعمة وهذه الزروع والمقام الكريم والجنات كل ذلك وصل إلى بني إسرائيل وصول الإرث ورثوها بغير جهد بغير حرب بغير قتال بغير تعب بغير نصب حصلوا على كل ذلك كحصول الوارث على إرثه من هنا يقول الله، تبارك وتعالى: (كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ (٢٨)).
( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ وَمَا كَانُوا۟ مُنظَرِينَ (٢٩)) هل تبكي السماء وهل تبكي الأرض ربنا، تبارك وتعالى، ينفي عنهما البكاء في هذه الحالة في حالة إغراق وقومه، قال بعض العلماء الكلام مجاز فيه ثمثيل وتخييل بمعنى إن هؤلاء الناس حين أهلكوا وأغرقوا حين أهلكوا وأغرقوا لم تعمّ مصيبتهم الأشياء ولم يفقدهم أحد ولم يبكي عليهم أحد ولم يبال بهم أحد لأن العرب تقول إذا مات منهم السيد بكت عليه السماء وبكت عليه الأرض وبكت عليه الليالي الشاتيات يقولون ذلك وكأنهم يشيرون إلى أن المصيبة قد عمت الأشياء حتى أن جميع الأشياء بكت افقده فحين يقول الله، تبارك وتعالى: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ ) أي لم يحزن عليهم أحد ولم يبال بهم أحد ولم يفتقدهم أحد، وقال بعض العلماء الكلام تقديره فما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض كقول الله، تبارك وتعالى: (وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا) [سورة يوسف آية: ٨٢]، أي وأسأل أهل القرية (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ) أي فما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض أي الناس والملائكة وهكذا، وقال بعضهم إذا كانت السماء والأرض تتكلم وتسمع وتطيع وتنطق فهي لا بد تبكي أيضا حيث خاطبها الله، تبارك وتعالى، بقوله: (ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا) [سورة فصلت آية: ١١]، فسمعت (قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ (١١)) [سورة فصلت آية: ١١]، فتكلمت، ويقول: (تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ) [سورة الإسراء آية: ٤٤]، وطالما سبحت فهي تعقل تتكلم تنطق فلا يبعد أن تبكي أيضا وساقوا من أجل ذلك أخبار وروايات يقولون فيها: أن لكل عبد من الناس بابان في السماء باب ينزل منه رزقه وباب يصعد إليه كلامه وعمله الصالح فإذا مات بكى عليه باب رزقه وبكى عليه الباب الذي كان يدخل منه كلامه الطيب وعمله الصالح، وما سجد عبد لله سجدة في موضع من الأرض إلا وشهدت له يوم القيامة وبكت عليه يوم موته، فالعبد الصالح يبكي عليه موضع سجوده ويبكي عليه أيضا مصعد عمله وقوله، حيث فقدت الأرض تسبيحه وسجوده وركوعه وفقدت السماء دعاءه وذكره وعمله، فقد كان يسبح ويحمد ويكبّر ويدوّي ذلك في السماء كدوِيّ النحل فحين يموت العبد تفتقد الأرض طاعته وتفتقد السماء عمله وقوله فيحدث البكاء، وقالوا إن البكاء بكاء حقيقي كبكاء الإنسان، وقالوا بل البكاء حمرة السماء والأرض يراها الناس كحمرة الشفق، وقال بعضهم بل البكاء علامة وآية فإذا مات العبد الصالح تغبَّر الأرض وتنهمر السماء وكأن الأرض حزينة وكأن السماء تبكي (وَمَا كَانُوا۟ مُنظَرِينَ (٢٩)) ممهلين مؤجلين لوقت آخر فقد جاء أجلهم وإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.
ويمتن ربنا، تبارك وتعالى، على بني إسرائيل ويحكي لنا ويقول:
( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ وَمَا كَانُوا۟ مُنظَرِينَ (٢٩)) هل تبكي السماء وهل تبكي الأرض ربنا، تبارك وتعالى، ينفي عنهما البكاء في هذه الحالة في حالة إغراق وقومه، قال بعض العلماء الكلام مجاز فيه ثمثيل وتخييل بمعنى إن هؤلاء الناس حين أهلكوا وأغرقوا حين أهلكوا وأغرقوا لم تعمّ مصيبتهم الأشياء ولم يفقدهم أحد ولم يبكي عليهم أحد ولم يبال بهم أحد لأن العرب تقول إذا مات منهم السيد بكت عليه السماء وبكت عليه الأرض وبكت عليه الليالي الشاتيات يقولون ذلك وكأنهم يشيرون إلى أن المصيبة قد عمت الأشياء حتى أن جميع الأشياء بكت افقده فحين يقول الله، تبارك وتعالى: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ ) أي لم يحزن عليهم أحد ولم يبال بهم أحد ولم يفتقدهم أحد، وقال بعض العلماء الكلام تقديره فما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض كقول الله، تبارك وتعالى: (وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا) [سورة يوسف آية: ٨٢]، أي وأسأل أهل القرية (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ) أي فما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض أي الناس والملائكة وهكذا، وقال بعضهم إذا كانت السماء والأرض تتكلم وتسمع وتطيع وتنطق فهي لا بد تبكي أيضا حيث خاطبها الله، تبارك وتعالى، بقوله: (ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا) [سورة فصلت آية: ١١]، فسمعت (قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ (١١)) [سورة فصلت آية: ١١]، فتكلمت، ويقول: (تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ) [سورة الإسراء آية: ٤٤]، وطالما سبحت فهي تعقل تتكلم تنطق فلا يبعد أن تبكي أيضا وساقوا من أجل ذلك أخبار وروايات يقولون فيها: أن لكل عبد من الناس بابان في السماء باب ينزل منه رزقه وباب يصعد إليه كلامه وعمله الصالح فإذا مات بكى عليه باب رزقه وبكى عليه الباب الذي كان يدخل منه كلامه الطيب وعمله الصالح، وما سجد عبد لله سجدة في موضع من الأرض إلا وشهدت له يوم القيامة وبكت عليه يوم موته، فالعبد الصالح يبكي عليه موضع سجوده ويبكي عليه أيضا مصعد عمله وقوله، حيث فقدت الأرض تسبيحه وسجوده وركوعه وفقدت السماء دعاءه وذكره وعمله، فقد كان يسبح ويحمد ويكبّر ويدوّي ذلك في السماء كدوِيّ النحل فحين يموت العبد تفتقد الأرض طاعته وتفتقد السماء عمله وقوله فيحدث البكاء، وقالوا إن البكاء بكاء حقيقي كبكاء الإنسان، وقالوا بل البكاء حمرة السماء والأرض يراها الناس كحمرة الشفق، وقال بعضهم بل البكاء علامة وآية فإذا مات العبد الصالح تغبَّر الأرض وتنهمر السماء وكأن الأرض حزينة وكأن السماء تبكي (وَمَا كَانُوا۟ مُنظَرِينَ (٢٩)) ممهلين مؤجلين لوقت آخر فقد جاء أجلهم وإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.
ويمتن ربنا، تبارك وتعالى، على بني إسرائيل ويحكي لنا ويقول:
وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴿30﴾
مِن فِرْعَوْنَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيًۭا مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴿31﴾
(وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ (٣٠)) نعم كان عذابا مهينا فقد قص الله علينا قائلا (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًۭا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةًۭ مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ) [سورة القصص آية: ٤]، منتهى الذل أن يقتل الولد أمان عيني أبيه منتهى الذل أن تنزع المرأة من زوجها لتخدم في بيوت الفراعين منتهى الذل والتعذيب والإذلال نجاهم ربنا، تبارك وتعالى، من هذا العذاب المهين، (مِن فِرْعَوْنَ ۚ) والكلمة من حيث الوضع والإعراب بدل من العذاب وكأن فرعون في نفسه هو عذاب مهين هو نفسه عذاب ليبين شدة الصولة وشدة البطش التي كان عليها هذا الجبار (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ (٣٠) مِن فِرْعَوْنَ ۚ) الذي هو العذاب المهين إذا كانت بدل من حيث الوضع اللغوي والإعراب، أو هي معطوفة مع حذف أداه العطف (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ (٣٠)) ومن فرعون كذلك (إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيًۭا) مستكبرا متكبرا متعاظما (مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ (٣١)) المتجاوزين لكل حد في البطش والبغي والظلم والعدوان والإسراف تجاوز الحد في كل شيء، كل معقول كل عرف كل معلوم تجاوز كل ذلك إسراف فيصفه ربنا، تبارك وتعالى، بقوله:( إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيًۭا مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ (٣١)).
وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿32﴾
وَءَاتَيْنَـٰهُم مِّنَ ٱلْـَٔايَـٰتِ مَا فِيهِ بَلَـٰٓؤٌۭا۟ مُّبِينٌ ﴿33﴾
(وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ) أي اخترنا بني إسرائيل اصطفيناهم (عَلَىٰ عِلْمٍ) منا بأنهم أحقاء بهذا الاصطفاء لأن لله، تبارك وتعالى، إذا اصطفى عبدا أو إذا اصطفى أمة فهو عالم بأنها تستحق ذلك (ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ) أي على علم بأنهم أحقاء، أو(عَلَىٰ عِلْمٍ) بأنهم قد يزيغون في بعض الأحوال لأن بني إسرائيل زاغوا في كثير من الأحيان أو في بعض الأحوال ما كادت أقدامهم تجف من ماء البحر حتى قالوا لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة وقالوا، وقالوا زاغوا، فكأن الله يقول (وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ) على علم منا بأنهم أو بأن بعضهم قد يزيغ في بعض الأحوال، أو علم بأنهم أحقاء بهذا الاختيار (عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ) العالمين: جمع عالم والعالم كل ما سوى الله، إذا فقد اصطفاهم ربهم وفضلهم على كل الخلائق في زمانهم، أما في كل الأزمنة فأمة محمد، صلى الله عليه وسلم، هي خير أمة مصداقا لقوله، تبارك وتعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [سورة آل عمران آية: ١١٠]، وقد يكون المعنى العالمين في كل زمان ومكان حتى زماننا هذا (وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ (٣٢)) على الإطلاق ويصبح الاختيار هنا ليس تفضيل بني إسرائيل على أمة محمد وإنما الاختيار لأنه جعل فيهم ملوكا وجعل منهم أنبياء جعل الأنبياء منهم وجعل منهم ملوكا كما قال لهم موسى: (إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًۭا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٢٠)) [سورة المائدة آية: ٢٠]، فالاختيار هنا بمعنى اختيار الأنبياء منهم فكل الأنبياء أو معظمهم من بني إسرائيل من لدن يعقوب وإسحق وزكريا ويحيى ويوسف وهكذا الأنبياء إلى أن وصل إلى عيسى وقد كان عيسى من بني إسرائيل ثم جاء محمد، صلى الله عليه وسلم، من ولد إسماعيل، (وَءَاتَيْنَـٰهُم مِّنَ ٱلْـَٔايَـٰتِ مَا فِيهِ بَلَـٰٓؤٌۭا۟ مُّبِينٌ (٣٣)) البلاء ليس بمعنى الشدة فقط بل البلاء قد يكون بمعنى الخير أيضا البلاء بمعنى الاختبار تأتي الكلمة بمعنى النقمة وتأتي الكلمة بمعنى النعمة وربنا يقول: (وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)) [سورة الأنبياء آية: ٣٥] إذا ًفقد يبلو بالشر وقد يبلو بالخير فالبلاء قد يكون نعمة وقد يكون نقمة لأنه اختبار، فإذا كان الخطاب لبني إسرائيل (وَءَاتَيْنَـٰهُم مِّنَ ٱلْـَٔايَـٰتِ) المعجزات والدلالات (مَا فِيهِ بَلَـٰٓؤٌۭا۟ مُّبِينٌ) الآيات هنا إنجاؤهم من فرعون فلق البحر تظليلهم بالغمام إنزال المن والسلوى عليهم، النعم التي من الله بها عليهم (وَءَاتَيْنَـٰهُم مِّنَ ٱلْـَٔايَـٰتِ مَا فِيهِ بَلَـٰٓؤٌۭا۟ مُّبِينٌ (٣٣)) نعمة ظاهرة كالمن والسلوى وما إلى ذلك، وإذا كان الخطاب عن آل فرعون أغرقهم ربنا، تبارك وتعالى، ويبين أنه لم يغرقهم ظلما (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٤٦)) [سورة فصلت آية: ٤٦]، بل هم ظلموا أنفسهم أنذرهم وحذرهم وآتاهم من الآيات ما فيه بلاء مبين شدة ونقمة كالدم والضفادع والقمل وما إلى ذلك مما ابتلاهم به الرجز حين وقع بهم (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُوا۟ يَـٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ (١٣٤)) [سورة الأعراف آية: ١٣٤]، ابتلاهم ربنا بالآيات التي فيها البلاء المبين النقمة الظاهرة والضفادع والجراد والقمل والدم آيات متعددة، وقد يكون الكلام للكل لبني إسرائيل الذين نجاهم ربهم نتيجة طاعتهم ولآل فرعون الذين أغرقهم ربهم نتيجة كفرهم وعصيانهم (وَءَاتَيْنَـٰهُم) آتينا الكل كلا من الفريقين (وَءَاتَيْنَـٰهُم مِّنَ ٱلْـَٔايَـٰتِ مَا فِيهِ بَلَـٰٓؤٌۭا۟ مُّبِينٌ (٣٣)) نعمة ونقمة خير وشدة أوامر ونواه اليد والعصا المنّ والسلوى ابتلى الجميع.
أيها الأخ المسلم لله تبارك وتعالى أن يبتلي عباده بما شاء ولله أن يختبرهم بما شاء ولتعلم علم القين أن وجودك في هذه الدنيا امتحان لك واختبار لا لتتمتع ولا لتسعد وتحيا سعيدا بما خولته من مال أو جاه أو سلطان ولا لتخلد فالدنيا ليست دار خلود وجودك في الدنيا امتحان وابتلاء (ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ) [سورة الملك آية: ٢]، امتحان واختبار، والامتحان بالخير والامتحان بالشر، فإذا أغناك فقد امتحنك بالغنى هل تشكر هل تؤدي حق الله وإذا ابتلاك بالفقر فقد امتحنك هل تصبر هل ترضى إذا ابتلاك بالصحة إذا ابتلاء بالمرض وهكذا (وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ ۖ) [سورة الأنبياء آية: ٣٥]، فما أنت فيه امتحان وسؤال، فتأمل وتدبر كيف تجيب في الدنيا قبل أن تسأل في الآخرة، ومن صحت إجابته في الدنيا لا يسأل يوم القيامة، ومن خابت إجابته في الدنيا أعيد عليه السؤال في القبر وفي يوم القيامة، فإن كنت غنيا فأنت في امتحان ماذا تجيب، وإن كنت صحيحا فأنت في امتحان بماذا تجيب، وإن كنت مريضا فأنت في امتحان بماذا تجيب فصححْ إجابتك حتى لا تسأل يوم القيامة وتكون من الذين قال في شأنهم: (إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴿١۰١﴾) [سورة الأنبياء آية: ١۰١]، هؤلاء لا يسألون ولا يسألهم ربهم، تبارك وتعالى، فقد أجابوا ونجحوا وحين نزلوا إلى القبر سُئلوا فأجابوا ونجحوا وصدقوا فقالت لهم ملائكة الرحمن في قبورهم نم آمنا فقد علمنا إن كنت لموقنا وحين يقوم ويحشر يقال له لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، فالحياة ابتلاء وامتحان واختبار ولا يمكن للإنسان أن يعرف نتيجته إلا عند الموت فإذا جاءت سكرة الموت بالحق نظر العبد فإذا بملائكة الله المأمورون بقبض روحه يختم على فمه فلا يتكلم حتى لا يشعر من حوله بحاله: (وَأَنتُمْ حِينَئِذٍۢ تَنظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ (٨٥)) [سورة الواقعة آية: ٨٤- ٨٥]، هنا وهنا فقط يعرف العبد مصيره لأن ملائكة الرحمة تختلف عن ملائكة العذاب فالصالحون تقبض أرواحهم ملائكة الرحمة (ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)) [سورة النحل آية: ٣٢]، والكفار والعياذ بالله تقبض أرواحهم ملائكة العذاب (يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ (٥٠)) [سورة الأنفال آية: ٥٠]، هذه الحياة الدنيا كيف بدأت انظر لنفسك تجد أنك جئت في لحظه لم تكن من اختيارك من أبوين لم تسأل عنهما في جيل وفي زمان أنت لم يكن لك شأن في تحديده بل حين جئت في لحظة يستمتع بها رجل مع امرأة أبوك وأمك كانا في لحظة نشوى في لحظة شهوة وخرجت من أبيك وجريت مجرى البول وإذا بالرحم مستقر لك ومستودع وخرجت لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر فأنشأك وسوّاك وعدلك وخولك ما أنت فيه هل يعقل أن يكون ذلك لعبا ولهوا هل يترك الإنسان سدى يفعل ما يشاء؟ هل يستوي الصالح والطالح؟ هل يستوي المؤمن والفاسق؟ هل يستوي المصلح والمفسد؟ هل يعقل لا يمكن إذا فلا بد أن يحدث التمييز والتفرقة ويحدث الجزاء ويحدث العقاب أو الثواب، إذا فلا بد أن تكون هناك حياة أخرى وطالما سبق حياتنا عدم لا بد وأن يلحق بحياتنا العدم ثم تعود الحياة مرة أخرى ومن قدر على الابتداء قدر على الإعادة بعد الإفناء، أي عاقل لا بد وأن يصل إلى هذه النتيجة، أما كفار مكة فلم يصلوا إليها وزعموا أنه لا بعث ولا نشور وأن الموت نهاية المطاف لذا يحكي ربنا عنهم في سورة الدخان فيقول:
أيها الأخ المسلم لله تبارك وتعالى أن يبتلي عباده بما شاء ولله أن يختبرهم بما شاء ولتعلم علم القين أن وجودك في هذه الدنيا امتحان لك واختبار لا لتتمتع ولا لتسعد وتحيا سعيدا بما خولته من مال أو جاه أو سلطان ولا لتخلد فالدنيا ليست دار خلود وجودك في الدنيا امتحان وابتلاء (ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ) [سورة الملك آية: ٢]، امتحان واختبار، والامتحان بالخير والامتحان بالشر، فإذا أغناك فقد امتحنك بالغنى هل تشكر هل تؤدي حق الله وإذا ابتلاك بالفقر فقد امتحنك هل تصبر هل ترضى إذا ابتلاك بالصحة إذا ابتلاء بالمرض وهكذا (وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ ۖ) [سورة الأنبياء آية: ٣٥]، فما أنت فيه امتحان وسؤال، فتأمل وتدبر كيف تجيب في الدنيا قبل أن تسأل في الآخرة، ومن صحت إجابته في الدنيا لا يسأل يوم القيامة، ومن خابت إجابته في الدنيا أعيد عليه السؤال في القبر وفي يوم القيامة، فإن كنت غنيا فأنت في امتحان ماذا تجيب، وإن كنت صحيحا فأنت في امتحان بماذا تجيب، وإن كنت مريضا فأنت في امتحان بماذا تجيب فصححْ إجابتك حتى لا تسأل يوم القيامة وتكون من الذين قال في شأنهم: (إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴿١۰١﴾) [سورة الأنبياء آية: ١۰١]، هؤلاء لا يسألون ولا يسألهم ربهم، تبارك وتعالى، فقد أجابوا ونجحوا وحين نزلوا إلى القبر سُئلوا فأجابوا ونجحوا وصدقوا فقالت لهم ملائكة الرحمن في قبورهم نم آمنا فقد علمنا إن كنت لموقنا وحين يقوم ويحشر يقال له لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، فالحياة ابتلاء وامتحان واختبار ولا يمكن للإنسان أن يعرف نتيجته إلا عند الموت فإذا جاءت سكرة الموت بالحق نظر العبد فإذا بملائكة الله المأمورون بقبض روحه يختم على فمه فلا يتكلم حتى لا يشعر من حوله بحاله: (وَأَنتُمْ حِينَئِذٍۢ تَنظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ (٨٥)) [سورة الواقعة آية: ٨٤- ٨٥]، هنا وهنا فقط يعرف العبد مصيره لأن ملائكة الرحمة تختلف عن ملائكة العذاب فالصالحون تقبض أرواحهم ملائكة الرحمة (ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)) [سورة النحل آية: ٣٢]، والكفار والعياذ بالله تقبض أرواحهم ملائكة العذاب (يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ (٥٠)) [سورة الأنفال آية: ٥٠]، هذه الحياة الدنيا كيف بدأت انظر لنفسك تجد أنك جئت في لحظه لم تكن من اختيارك من أبوين لم تسأل عنهما في جيل وفي زمان أنت لم يكن لك شأن في تحديده بل حين جئت في لحظة يستمتع بها رجل مع امرأة أبوك وأمك كانا في لحظة نشوى في لحظة شهوة وخرجت من أبيك وجريت مجرى البول وإذا بالرحم مستقر لك ومستودع وخرجت لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر فأنشأك وسوّاك وعدلك وخولك ما أنت فيه هل يعقل أن يكون ذلك لعبا ولهوا هل يترك الإنسان سدى يفعل ما يشاء؟ هل يستوي الصالح والطالح؟ هل يستوي المؤمن والفاسق؟ هل يستوي المصلح والمفسد؟ هل يعقل لا يمكن إذا فلا بد أن يحدث التمييز والتفرقة ويحدث الجزاء ويحدث العقاب أو الثواب، إذا فلا بد أن تكون هناك حياة أخرى وطالما سبق حياتنا عدم لا بد وأن يلحق بحياتنا العدم ثم تعود الحياة مرة أخرى ومن قدر على الابتداء قدر على الإعادة بعد الإفناء، أي عاقل لا بد وأن يصل إلى هذه النتيجة، أما كفار مكة فلم يصلوا إليها وزعموا أنه لا بعث ولا نشور وأن الموت نهاية المطاف لذا يحكي ربنا عنهم في سورة الدخان فيقول:
إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ ﴿34﴾
إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ﴿35﴾
فَأْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿36﴾
(إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ (٣٤)) والإشارة لكفار مكة (إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ (٣٥)) أي المسألة كلها لا تتعدى الموتة الأولى هي موتتنا في الحياة الدنيا وما بعدها حياة وما بعدها شيء (وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ (٣٥)) بمبعوثين النشور البعث (إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ (٣٥)) ليس هناك موتة قبلها وليس هناك موتة بعدها، (وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ (٣٥)) بمبعوثين (فَأْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (٣٦)) حجتهم إذا كنت تزعم أن الله يبعث الناس بعد مماتهم وأنه قادر على ذلك فهلم وأخرج لنا من آبائنا قصي بن كلاب فقد كان صادقا في قومه نسأله عن شأنك وطلبوا من النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يخرج لهم من القبور بعضا من آبائهم الذين ماتوا طالما أن الله قادر على البعث فأرِنا البعث وأرِنا النشور الآن حتى نصدقك ونؤمن لك، غفلوا عن أمر هام الوجود في الدنيا وجود ابتلاء امتحان فما الحياة الدنيا إلا للابتلاء والاختبار والامتحان وليست للجزاء والنشور والبعث يوم القيامة من أجل الجزاء وبالتالي فلا يمكن لعبد أن يموت أن يحيا مرة أخرى والدنيا لا زالت قائمة لأنه إذا قام من قبره هل يقوم للابتلاء والاختبار مرة أخرى أم يقوم للجزاء؟ الجزاء لا يمكن أن يكون في الدنيا فالدنيا دار عمل وليست دار جزاء والآخرة جزاء ولا عمل فكيف يبعث من قبره للجزاء مستحيل للاختبار والابتلاء مستحيل أيضا لأنه حين عاين الموت وعاين القبر ومات لو مات على كفره ثم أخرج من قبره مرة أخرى لن يكون هناك اختبار وابتلاء، لأنه قد عاين الموت وعاين القبر والإيمان يجب أن يكون اختياريا وليس اضطراريا لذا حين تأتي الآيات العظام كطلوع الشمس من مغربها لا تنفع التوبة ولا ينفع أو يقبل الإيمان، فالمطلوب أن يؤمن العبد بالغيب (ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ) [سورة البقرة آية: ٣]، أن يؤمن العبد بالغيب، أن تؤمن بالله ولم تره أن تصدق الله، تبارك وتعالى، فيما أوحى به إلى أنبيائه وأنت لم تر الأنبياء ولم تسمع منهم لم تر اليد ولم تر العصا ومع ذلك تؤمن بموسى لم تر عيسى وإبراء الأكمه والأبرص ومع ذلك تؤمن بعيسى نؤمن بالله وملائكته ولم نر الملائكة نؤمن باليوم الآخر ولم يقع ولم يحدث بعد نؤمن بالإنس والجن بأنهم مكلفون نؤمن بالنبي، صلى الله عليه وسلم، نؤمن بالغيب ذاك هو الإيمان الاختياري الذي يثاب عليه الإنسان بالنعيم المقيم والخلد في الجنة، أما أن تؤمن اضطراريا فذاك إيمان لا تكليف فيه كإيمان الملائكة الذين هم الملأ الأعلى حملة العرش الذين يخاطبهم ربهم تبارك وتعالى ويتلقون منه غير مكلفين لأنهم آمنوا إيمانا اضطراريا لم يكن لهم اختيار خلقهم الله كذلك، أما الإنسان فله الاختيار فأنت لم تر شيئا بعد لكنك تؤمن بالغيب من هنا كان بعث الإنسان في الدنيا من الأمور المستحيلة لأنه لا جزاء في الدنيا أيضا لن يكون الاختبار صحيحا فهم يحتجون بذلك ويطلبون المستحيل (فَأْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (٣٦)).
يرد الله، تبارك وتعالى، يهدد ويحذر ويتوعد:
يرد الله، تبارك وتعالى، يهدد ويحذر ويتوعد:
أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍۢ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ أَهْلَكْنَـٰهُمْ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ ﴿37﴾
( أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍۢ) تُبع لقب لكل ملك، ملك اليمن، كسرى لقب لمن ملك الفرس، قيصر لقب لملوك الروم، فرعون لقب لملوك مصر، النجاشي لقب لملوك الحبشة، تُبع لقب لملوك اليمن فالكلام عن قوم تبع قوم باليمن والإشارة لاسم الملك أو للقب كل من ملك هذه المنطقة أو تبع رجل بعينه كان مؤمنا ذم الله قومه ولم يذمه (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍۢ)، قيل أنه كان نبيا وقيل بل كان ملكا صالحا أهم أشد منعة وقوة أهم أعز نفرا وأكثر مالا إذا كان الله قد أهلك قوم تبع والذين من قبلهم بكفرهم ألا يهلك قوم محمد الذين كذبوه ألا يهلك كفار مكة ألا يهلك هؤلاء هل هم أشد منهم هل هم أكثر منعة هل هم أعز نفرا؟ إذا كنا قد أهلكنا أولئك فلا بد وأن نهلك هؤلاء. أيها الأخ المسلم انظر حولك وتأمل وتدبر ربنا تبارك وتعالى حين قص علينا وعلى رسله قصص الأنبياء قال: (لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ) [سورة يوسف آية: ١١١]، وحين قص علينا قصص الجبارين كقصة فرعون الذي طغى وأدبر في الأرض يسعى وحشر ونادى وقال أنا ربكم الأعلى وأخذه الله نكال الآخرة والأولى قال (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّمَن يَخْشَىٰٓ (٢٦)) [سورة النازعات آية: ٢٦] وكأن القصص في القرآن، القصص عن الصالحين والقصص عن الجبارين ليس للتسلية وإنما للعظة والعبرة من الذي يتعظ أولوا الألباب، من الذي يخاف من الذي يخشى الله ويخاف عقابه، أيها الأخ المسلم الرجاء والخوف فإذا سمعت الآيات تقص قصص الصالحين فكن من أولي الألباب أولي العقول أصحاب النهى وارج الله، تبارك وتعالى، أن تلحق بهم وأن تكون منهم وإذا سمعت قصص الجبارين والأمم المكذبة التي أهلكها الله، تبارك وتعالى، فخف ومن خاف سلم (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّمَن يَخْشَىٰٓ (٢٦)) [سورة النازعات آية: ٢٦]، يخشى أن يقع فيما وقع فيه هؤلاء، يخشى أن يحيق به ما حاق بهؤلاء، فعلينا أن نرجو الله دائما وأبدا، وعلينا أن نخشى الله دائما وأبدا، فالخوف والرجاء جناحان لكل مؤمن بغيرهما لا يستطيع أن يصل إلى الله، تبارك وتعالى، وذاك مصداقا لقوله،عز وحل: (وَٱدْعُوهُ خَوْفًۭا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ (٥٦)) [سورة الأعراف آية: ٥٦].
كان الله ولم يكن شيء الله فالله، تبارك وتعالى، هو الحق المطلق وكل ما خلا الله باطل، هو الحق ووعده الحق وقوله الحق ولقاؤه حق من أجل ذلك يقول الله، تبارك وتعالى:
كان الله ولم يكن شيء الله فالله، تبارك وتعالى، هو الحق المطلق وكل ما خلا الله باطل، هو الحق ووعده الحق وقوله الحق ولقاؤه حق من أجل ذلك يقول الله، تبارك وتعالى:
وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ﴿38﴾
مَا خَلَقْنَـٰهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿39﴾
اللعب: اللهو اللعب باطل اللعب لا يكون إلا من المحدثات، اللعب لا يكون إلا من العوارض فاللعب له بداية واللعب له نهاية واللعب للتسلية واللعب لقتل الوقت وربنا لا يحويه مكان ولا يحده زمان بل كان قبل المكان وقبل الزمان وهو الآن على ما عليه كان لديه وقت يريد أن يقتله هل يريد أن يتسلى وهو مستغن بذاته عما سواه الله هو الحق ولا حق سواه واللعب باطل من هنا ينفي ربنا ما قد يتبادر إلى أذهان المشركين أن الإنسان خلق هملا وأنه سوف يترك سدى وما هي إلا هذه الحياة الدنيا وليس بعدها حياة فيقول عز من قائل (وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ (٣٨)) فاللعب من صفاتكم من صفات المحدثات، أما الله فقد خلق السموات والأرض بالحق بالأمر الحق بالقول الحق، سبحانه وتعالى، يقول للشيء كن فيكون (وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ۚ) [سورة الأنعام آية: ٧٣]، أوجد السموات والأرض بكلمة كن بكلمة حق أوجدها من أجل الحق من أجل أن يميز الباطل من الحق من أجل أن ينتصر الحق من أجل كلمة الحق ألا وهي كلمة لا إله إلا الله أحق كلمة قيلت على الإطلاق لا إله إلا الله فهي حق في ذاتها حق فيما تدل عليه (مَا خَلَقْنَـٰهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩)) أكثر الناس لا يعلمون فهم في غفلة وهم في لعب وهم في لهو شغلتهم الدنيا وشغلهم زخرفها واستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله من هنا كان لا بد من يوم يفصل بين الحق والباطل لا بد من يوم يفصل الله فيه بين المحق والمبطل بالجزاء لا بد من يوم يظهر فيه هذا الحق والغرض من خلق السموات والأرض لذا يقول عز من قائل:
إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿40﴾
يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًۭى شَيْـًۭٔا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴿41﴾
إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴿42﴾
ويجوز قراءة كلمة ميقات بالنصب وإن كانت قراءة نادرة (إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)) وسمي يوم القيامة بيوم الفصل لأن الله يفصل فيه بين الحق والباطل ويفصل فيه بين المحق والمبطل ويفصل فيه بين الإنسان وأخيه وصاحبته وبنيه بل وأمه وأبيه ولذا يقول الله، تبارك وتعالى، في موضع آخر: (لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ ۚ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ۚ) [سورة الممتحنة آية: ٣]، ويقول: (وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍۢ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)) [سورة الروم آية: ١٤] ويقول: (إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَـٰتًۭا (١٧)) [سورة النبأ آية: ١٧] نعم يوم الفصل هو يوم القيامة يوم القضاء يوم الفصل بين النظام والعدل بين الظالم والمظلوم، بين المؤمن والكافر بين الإنسان وما سواه فكلهم آتيه يوم القيامة فردا لقد أحصاهم وعدهم عدا، (إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ) نعم موعد وأجل لا بد منه (مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)) الذين يعلمون والذين لا يعلمون والذين جاء ذكرهم في الآية السابقة (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩))، (إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)) من يعلم فعمل بما علم ومن لا يعلم فزاغ وضل وطغى وتجبر (يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًۭى شَيْـًۭٔا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ (٤٢)) ، نعم في ذلك اليوم تنادي الأمم على وليدها يا بني ألم يكن بطني لك وعاء ألم يكن ثديي لك سقاء ألم يكن حجري لك وطاء يا بني احمل عني اليوم بعض أوزاري فيقول الابن يا أم إليك عني فإني بذنبي عنك اليوم مشغول نعم لكل امرئ منهم يؤمئذ شأن يغنيه المولى ابن العم المولى الصديق المولى القريب المولى الناصر والمعين فلا يغنى في ذلك اليوم مول عن مولى شيئا ولا هم ينصرون لا نصر إلا من عند الله والمولى هو الله ولذا حذر النبي، صلى الله عليه وسلم، ابنته وأحب الخلق إليه: (يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، اشْتَرِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكِ شَيْئًا )، (يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًۭى شَيْـًۭٔا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ ۚ) إذا كان الاستثناء منفصلا فالمعنى إلا ممن رحمه الله، تبارك وتعالى، فلا يحتاج لمن ينصره أو لمن يغني عنه ولا يكون في ضائقة يبحث فيها عن صديق حميم أو شفيع مطاع، وإذا كان الاستثناء متصلا فالمعنى إلا من رحمه الله تنفعه الشفاعة حيث يشفع الله، تبارك وتعالى، المؤمنين بعضهم في بعض هذا فقط المرحوم الذي رحمه الله، تبارك وتعالى، هو الذي ينصر وهو الذي تنفعه الشفاعة وهو الذي يؤذن له فيشفع ويؤذن فيه فيشفع له (ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ (٦٧)) [سورة الزخرف آية: ٦٧]، نعم كلهم آتيه يوم القيامة فردا لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا، (إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ (٤٢)) المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه العزيز من ليس له مثيل العزيز: النادر، العزيز: الغالب القوي القاهر العزيز الذي لا ينال وركنه لا يرام هو الله العزيز المطلق (إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ (٤٢)).
وتبتدئ الآيات من سورة الدخان تكشف لنا عن الفصل (إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)) كيف هو الفصل وكيف يكون الفصل وكيف يتميز الناس فريق في الجنة وفريق في السعير، فوالله ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار يقول الله، تبارك وتعالى:
وتبتدئ الآيات من سورة الدخان تكشف لنا عن الفصل (إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)) كيف هو الفصل وكيف يكون الفصل وكيف يتميز الناس فريق في الجنة وفريق في السعير، فوالله ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار يقول الله، تبارك وتعالى:
إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ ﴿43﴾
طَعَامُ ٱلْأَثِيمِ ﴿44﴾
كَٱلْمُهْلِ يَغْلِى فِى ٱلْبُطُونِ ﴿45﴾
كَغَلْىِ ٱلْحَمِيمِ ﴿46﴾
خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴿47﴾
ثُمَّ صُبُّوا۟ فَوْقَ رَأْسِهِۦ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ ﴿48﴾
ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ ﴿49﴾
إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُم بِهِۦ تَمْتَرُونَ ﴿50﴾
شجرة الزقوم هي الشجرة المعلونة والتي جاء ذكرها في القرآن (ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلْقُرْءَانِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَـٰنًۭا كَبِيرًۭا (٦٠)) [سورة الإسراء آية: ٦٠]، نعم هي شجرة معلونة خلقها الله ملعونة ولعنها الله وجعلها طعاما للملعونين، (إِنَّهَا شَجَرَةٌۭ تَخْرُجُ فِىٓ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ (٦٥)) [سورة الصافات آية: ٦٤- ٦٥]، شجرة قبيحة المنظر كريهة الرائحة نتنة مبغوضة ملعونة خلقها الله من غضبه ولغضبه وسميت الزقوم والاسم قد يكون مشتقا من فعل التزقم، والتزقم الابتلاع بجهد وبكراهية أن يبتلع الإنسان شيئا وهو كاره له أن يبتلعه بغصص ليس سهلا ليس هنيئا وليس مريئا ذاك هو التزقم سميت الزقوم لأن أهل النار إذا جاعوا وكاد أن يهلكهم الجوع التجأوا إليها بل وألجئوا إليها فأكلوا منها حين امتلأت منها البطون (طَعَامُ ٱلْأَثِيمِ (٤٤)) الأثيم: الآثم الفاجر الكافر أَثِمَ يأثَمُ إثْما ً ومأثماً فهو آثم وهو أثيم وهو أثوم أيضا (طَعَامُ ٱلْأَثِيمِ (٤٤)) إذا ليس له طعام في جهنم إلا من هذه الشجرة يلجأ إليها ويأكل منها فتمتلئ بطنه بثمارها التي وصفها الله، تبارك وتعالى، (طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ (٦٥)) [سورة الصافات آية: ٦٥]، في القبح هل نظرت إلى طعامك في الدنيا هناك من الطعام ما يوضع أمامك فتشتهيه نفسك شكله مقبول حتى فيما خلق الله لنا من الأنعام شكل الضأن بل شكل البقر شكل الطيور الشكل لهذه الأشياء وهي حال حياتها شكل مقبول، فإذا طبخت ووضعت أمامك تقبلتها نفسك وتقبلتها عيناك فإذا كان الطعام الموضوع قبيح المنظر كالقردة مثلا هل يطيق الإنسان أن يأكل قردا شكله قبيح، فإذا كان الطعام شكله قبيح كيف تستريح إليه الأعين؟ كيف تتقبله النفوس؟ فما بالنا وربنا يقول (طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ (٦٥)) [سورة الصافات آية: ٦٥]، تشبيه برءوس الشياطين في القبح وسوء المنظر، وكذا في الرائحة والنتن (طَعَامُ ٱلْأَثِيمِ (٤٤)) الأثيم: الآثم الفاجر الكافر ثم يصف وقع هذا الثمر وإن كان تسميته بثمر تجوزا وقعه في البطن كيف يكون؟ وقعه على الأعين كرءوس الشياطين رائحته لا تطاق كالشوك يتبلَّع ويُتبلغ بجهد وبكراهية وبصعوبة وبمشقة يتزقم فإذا نزل في البطون كان كالمهل والمهل كل معدن يمهل في النار أي يترك حتى يذاب يسمى مهلا ومنه دردي الزيت أيضا ولذا يطلق على النحاس المذاب كلنا يعلم أن المعادن تحتاج إلى درجة حرارة شديدة جدا كي تذوب فأنت إذا أردت أن تذيب النحاس احتجت إلى أفران عاليه الحرارة بدرجات تفوق ألوف الدرجات فإذا كانت تحتاج إلى درجات عالية جدا كي تذوب فإذا ذابت كانت درجه السخونة والغليان والحرارة فوق كل خيال هكذا تشبَّه الشجرة (كالمَهل تَغْلي) قراءة بالحمل على الشجرة، وقرئت: (كَٱلْمُهْلِ يَغْلِى) بالحمل على الطعام طعام الأثيم طعام يغلي في البطون (كَغَلْىِ ٱلْحَمِيمِ (٤٦)) والحميم كل سائل بلغ الغاية في الحرارة أقصى درجات الحرارة ذاك هو الحميم تغلي هذه الشجرة بعد أن يأكلها الآثمون في جهنم تغلي في بطونهم كغليان الحميم ولا يقتصر الأمر على ذلك بل ينادي ربنا، تبارك وتعالى، زبانية جهنم ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ملائكة أشكالهم تتوافق مع أفعالهم، أفعالهم التعذيب أفعالهم الإرهاب أفعالهم الإضافة فكيف يكون شكلهم وأنت ترى في الدنيا الفرق بين الجمال والقبح في الناس في الشجر في الحيوانات في كل شيء تجد هناك جمال وهناك قبح والله، تبارك وتعالى، قادر على كل شيء يناديهم ربنا ويقول والأخذ وما أدراك ما الأخذ وأي أخذ ومن الآخذ يأخذونه أخذ عزيز مقتدر لا حماية ولا نصر ولا امتناع ولا شفاعة ولا ملجأ ولا مهرب (خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ (٤٧)) أو (فاعتُلوه) قراءتان عتله ويعتله ويعتله العتل الأخذ بمجامع الشيء إذا أخذت رجلا وعتلته فأنت تأخذ بتلابيبه بمجامع الإنسان بحيث لا يستطيع أن يفر أو يتفلفص أو يتملص منك ذاك هو العتل الأخذ بقوة وبقهر وبشدة بمجامع الشيء فلا مناص ولا مهرب (خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ) أو (فاعتُلوه) قراءتان أو لغتان بمعنى واحد (إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ (٤٧)) الوسط وسط جنهم أشد لهيبا من أطرافها وإن كانت كلها لا تطاق (خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ (٤٧)) بعد أن أكل من الزقوم بعد أن غلى في بطنه كغلي الحميم فيقال (خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ (٤٧)) أو وسط جهنم، (ثُمَّ صُبُّوا۟ فَوْقَ رَأْسِهِۦ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ (٤٨))، وفي موضع آخر يقول الله، تبارك وتعالى: (يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ (١٩)) [سورة الحج آية: ١٩]، وهنا يقول: (ثُمَّ صُبُّوا۟ فَوْقَ رَأْسِهِۦ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ (٤٨)) وكأن الحميم له عذاب ألوان فيذوق من بعضها (ثُمَّ صُبُّوا۟ فَوْقَ رَأْسِهِۦ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ (٤٨)) وقيل أن الرأس تتهرأ فإذا تهرأت الرأس وتساقطت الأصداغ والأشداق جوفت فصب في جوف بالرأس ذاك الحميم غليان فوق كل خيال، (ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ (٤٩)) نعم كان يزعم ذلك في الدنيا كما زعم أبو جهل حين لقيه النبي، صلى الله عليه وسلم، يوما فقال يا أبا جهل إن الله قد أمرني أن أقول لك أولى لك فأولى فقال أبو جهل أتهددني بم تهددني لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعل في شيئا فما فيها أعزّ مني ولا أكرم مني جبروت فيقال له في ذلك الموقف وفي هذا الموطن (ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ (٤٩)) كما زعمت استخفافا به واستهزاء به وتنقيصا له وإهانة (ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ (٤٩)) والذوق في الأصل ذوق الطعام الذوق باللسان فإذا عبر بالذوق عن العذاب لك أن تتخيل ما يشعر به، أعاذنا الله وإياكم من كل ذلك، يقال له ذق إنك أنت العزيز الحكيم، (إِنَّ هَـٰذَا) هذا العذاب وما ترونه الآن وما تشعرون به وما يحيق بكم (مَا كُنتُم بِهِۦ تَمْتَرُونَ (٥٠)) تشكون وتجادلون وتراءون، والمراء في الأصل الجدل والشك والتردد والحيرة.
وبضدها تتميز الأشياء (إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)) هؤلاء الذين لا يعلمون أن الله خلق السموات والأرض بالحق كما قال: (مَا خَلَقْنَـٰهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩)) هذا مصير الذين لا يعلمون فما هو مصير الذين يعلمون فعملوا لذلك اليوم واستعدوا اللقاء الجبار راجين في رحمته خائفين من عذابه:
وبضدها تتميز الأشياء (إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)) هؤلاء الذين لا يعلمون أن الله خلق السموات والأرض بالحق كما قال: (مَا خَلَقْنَـٰهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩)) هذا مصير الذين لا يعلمون فما هو مصير الذين يعلمون فعملوا لذلك اليوم واستعدوا اللقاء الجبار راجين في رحمته خائفين من عذابه:
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍۢ ﴿51﴾
فِى جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ ﴿52﴾
يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍۢ وَإِسْتَبْرَقٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ ﴿53﴾
كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍۢ ﴿54﴾
يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَـٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ ﴿55﴾
لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلَّا ٱلْمَوْتَةَ ٱلْأُولَىٰ ۖ وَوَقَىٰهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ﴿56﴾
فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴿57﴾
(إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍۢ (٥١)) ، (في مُقامٍ أمين) قراءتان الفرق بين الضم والفتح المقام المكان قام يقوم، المقام الإقامة أقام يقيم مقاما (إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍۢ (٥١)) في مكان آمن المكان آمن، أو في مكان إقامة فهم يقيمون في أمن وسلام لا خوف ولا فزع ولا اضطراب ولا قلق الأمن كله ممن يملك الأمن والأمان، من السلام سبحانه وتعالى القدوس السلام (إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ) الذين اتقوا الله، تبارك وتعالى، والتقوى ثلاث درجات وبها يتحدد المقام: تقوى الشرك هؤلاء هم الموحدون، تقوى المعاصي هؤلاء هم الطائعون، تقوى أن يشغل قلبك غير الله هؤلاء هم المخلَصون (إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ) بدرجاتهم (فِى مَقَامٍ أَمِينٍۢ (٥١)) ويشرح لنا ذلك المقام أنه فيه التلذذ والاستمتاع ليس الأمن فقط، فقد تكون آمنا، قد يكون الإنسان آمنا ولكنه جائع قد يكون آمنا ولكنه لا يتلذذ ولا يستمتع، لكن الأمن مع الشبع والري والدفء والسعادة والتلذذ والاستمتاع، لا يفتقر إلى كل ذلك فيقول: (إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍۢ (٥١) فِى جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ (٥٢)) وتخيل الجنات الجنات جمع جنة من حيث اللغة والجنة البستان الذي كثرت أشجاره والتفت أغصانه فأظلت السائر فيه جنَّته أخفته عن الأعين وغطته من الجن وهو التغطية، فالجنة البستان عظيم الأشجار كثير الثمار ملتف الأغصان والأوراق فلا ينفذ إليه ضوء أو غبار أو نظر أي شيء ذاك هو ما يطلق على البستان ويسمى في هذه الحالة جنة، (وَعُيُونٍۢ) الماء الخارج من العيون الكثير الزلال الذي يروي الأشجار فلا تحتاج إلى الري بل هي دائما وأبدا مروية، (يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍۢ وَإِسْتَبْرَقٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ (٥٣)) أما السندس فهو ما رق من الحرير واحده سندسة السندس الحرير الرقيق الشفاف والإستبرق ما غلظ من الحرير ما غلظ من الديباج فهم يلبسون من الثياب الرقيق والغليظ ولكن كله من حرير من أين يأتون بالثياب وكيف يخيطونها ومن يخيطها لهم ومن أين لهم القماش وكذا وكذا، أتدرون من أين يأتون بالثياب تلك ثيابهم تخرج لهم من بين أغصان الأشجار كثمار إي وربي كما أخرج الله الأصل من الأرض كالقطن والكتان وما إلى ذلك واحتاج الإنسان إلى غزله ونسجه هناك لا تعب ولا نصب ولا وصب فتأتيك ثيابك خارجه من الأشجار خروج الأزهار (يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍۢ وَإِسْتَبْرَقٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ (٥٣)) إذا ً لا يمكن لك أن ترى قفا رجل من أهل الجنة أبدا فربنا، تبارك وتعالى، نص على التقابل في أكثر من موضع وحار العلماء فيها فقالوا لابد وأن المجالس تدور بهم حيث داروا حتى تكون الأخوة والمودة كاملة بالتقاء الوجوه فإذا نظرت إلى وجه أخيك في الجنة دخلك السرور والانشراح وعمّك الحبور فأنت تتطلع على أجمل وجه تتخيله في الدنيا نور وجمال وجلال ورضا يكفي أن الوجه الذي تنظر إليه قد نظر إلى العلي الأعلى وهو كذلك ولذا لا يمكن أن يرى الرجل في الجنة قفا رجل آخر لأن لله، تبارك وتعالى، يقول: (عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ (٤٧)) [سورة الحجر آية: ٤٧] نعم يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين (كَذَٰلِكَ) أي الأمر كذلك والوقف هنا كما تقول حقا وصدقا ومن أصدق من الله قيلا أو (كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍۢ (٥٤)) أي فعلنا لهم ذلك و (كَذَٰلِكَ) مننا عليهم (وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍۢ (٥٤)) وهنا لا يصح الوقف كذلك وزوجناهم أي أيضا بالإضافة إلى ما ذكر فقد منّ الله عليهم بالزيجة التي لا تخطر على بال زيجة بمن؟ وكم هن؟ أدنى رجل منزله في لجنة له سبعون زوجة من الحور العين (بِحُورٍ) أو بحورٍ عين قراءتان الحور قال العلماء الحوراء من النساء البيضاء الذي يظهر ساقها من تحت ثيابها وقالوا الحوراء التي يرى مخ ساقها وقيل الحوراء البيضاء ذات البشرة البيضة والحس الفائق والبياض الناصح المضيء الثاقب تلك هي الحوراء ووصفوا حتى أنهم قالوا أن الرجل والناظر يرى وجهه في كعبها إذا نظر في كعبها رأى وجهه عن رقه الجلد وبضاضته ونصاعته وقالوا بل الحوراء من الحَوَرْ الحدق شديد السواد وما أحاط بالحدق من بياض شديد البياض وقالوا بل الحور العين التي جفونها كحلت خلْقا فهي سوداء خلقا وبياض العين شديد البياض أبيض من اللبن (بِحُورٍ عِينٍۢ (٥٤)) والعين جمع عيناء والمرأة العيناء واسعة العين في جمال فقد تتسع العين في فتح ولكن إذا اتسعت العين في حسن وجمال وبهاء فتلك هي العيناء فهن حور عين وصفت الحور في كثير من المواضع كأنهن بيض مكنون وهنا يقول الله، تبارك وتعالى: (وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍۢ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَـٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ (٥٥)) يدعون يطلبون يأمرون بكل فاكهة ما تشتهيه الأنفس جميع الفواكه التي نعرفها والتي لا نعرفها وسبق أن قلت لكم إن كلمة ما تشتهيه الأنفس لا يفسرها مفسر ولا يعرفها إنسان على وجه الأرض مطلقا منذ بدء الخليقة إلى أن تقوم الساعة لم لأن شهوة النفس في الجنة غير معلومة وأنت في الدنيا تشتهي في طفولتك ما لا تشتهيه في شبابك وتشتهي في شبابك ما لا تشتهيه في شيخوختك وفي شيخوختك تشتهي ما لم يكن يخطر على بال في طفولتك فأنت في شيخوختك تشتهي حسن الختام وفي شبابك تشتهي المرأة والزواج وتشتهي الأولاد وفي طفولتك تشتهي اللعب وتشتهي اللهو وتشتهي الكرة وما إلى ذلك فإذا دخلت في الجنة ترى كيف تكون نفسك هذه التي تشتهي هل تدري لا والله وما أحد يدري نعم (يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَـٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ (٥٥)) آمنين من أن يرفض طلبهم أو لا يجاب، آمنين من أن ينتهي هذا النعيم أو تنتهي الفواكه أولا يجدون ما يطلبون، آمنين من أن يحدث لهم الأذى إذا أكلوا ما شاءوا، آمنين من الشبع والملل آمنين من كل شيء، (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلَّا ٱلْمَوْتَةَ ٱلْأُولَىٰ ۖ وَوَقَىٰهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ (٥٦)) الموت حق والموت مصيبة وقد ذكرها الله، تبارك وتعالى، بهذا الوصف (فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ) [سورة المائدة آية: ١۰٦]، الموت مصيبة ولا بد أن له طعما وطعم الموت يختلف من رجل لآخر بحسب التقوى فهناك من يلقى بالرضا والرضوان والروح والريحان، وهناك من يقال له سلام لك من أصحاب اليمين وهناك من يضرب ويقرع ويقال له ويقال: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ) في الجنة في الآخرة (ٱلْمَوْتَ)، (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ) إذا فهو خلود بلا موت خلود لا نعرفه ولا نستوعبه لأننا اعتدنا على انتهاء الأشياء وأن لكل شيء بداية ونهاية (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلَّا ٱلْمَوْتَةَ ٱلْأُولَىٰ) الاستثناء قد يكون منفصلا بمعنى أنهم لا يذوقون في الجنة الموت أبدا بل هو خلود ولكنهم قد ذاقوا الموتة الأولى في الدنيا، وقد يكون الاستثناء متصلا لا يذوقون فيها الموت غير الموتة الأولى سوى الموتة الأولى بمعنى أن الموت أول الطريق فالرجل من أهل الجنة إذا جاءه الموت قبل أن تخرج الروح وهو يغرغر يرى مكانه في الجنة وتأتيه ملائكة الرحمن فتقول له إن كان من المقربين روح وريحان وجنة نعيم فهو يذوق الجنة قبل الموت ويرى مقعده منها قبل الموت بل ويلبس ثيابها قبل الموت فإذا مات كان موته أول مراحل الجنة، (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلَّا ٱلْمَوْتَةَ ٱلْأُولَىٰ) وهنا يكون الاستثناء لغويا ونحويا متصلا، (وَوَقَىٰهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ (٥٦)) الواقي هو الله وطالما كان الواقي هو الله فهي وقاية لا شك فيها ولا خلل وقاية بمعنى الوقاية حقا وقاهم عذاب الجحيم عذاب جهنم (فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكَ ۚ ) وقرئت: (فضلٌ من ربك) بالرفع أي ذلك فضلٌ من ربك وقرئت بالنصب: (فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكَ ۚ ) أي كل ذلك محض فضل من الله إذا كنت تقول إنك دخلت الجنة لأنك كنت من الأتقياء والأولياء والأصفياء في هذه الدنيا من الذي هداك هل لك فضل في الهداية؟ من الذي وفقك ورعاك؟ هو الله هل لك فضل في ذلك؟ من الذي أرسل إليك رسولا يتكلم بلسانك ويهديك إلى سواء السبيل؟ هو الله من الذي أعطاك الصحة كي تصلي وتصوم؟ هو الله من الذي وفقك للطاعات هو الله، إذا فلا فضل لك في أعمالك الصالحة كما أن الله، تبارك وتعالى، هو المعبود الحق خلقك ولم تكن شيئا، إذا فوجب عليك أن تعبد الله، تبارك وتعالى، دون انتظار للأجر فإن أعطاك ما أعطاك في الجنة فذاك فضل من الله وليس باستحقاقك أبدا مصداقا لقول النبي، صلى الله عليه وسلم، (لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَفَضْلٍ) قالوا ففيما العمل يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال (تدخلون الجنة برحمة الله وتقتسمونها بأعمالكم) نعم فضلا من ربك (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ (٥٧)) نعم أي فوز بعد هذا الفوز وأي فوز فوق هذا فاز بالشيء نال بغيته وحصل على مطلبه نعم ذلك الفوز العظيم ومن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما في الجنة من دنياكم إلا الأسماء تلك مقالة قالها حبر الأمة عبد الله بن عباس الأسماء فقط ولذا تجد من غرائب القرآن وإعجازه أن جاءت في القرآن كلمة واحدة في وصف أشياء الجنة لا مثيل لها في الدنيا ولن يكون لها مثيل وكأنها إشارة لكل مؤمن ومتدبر أن الجنة فوق الخيال ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر تلك الكلمة هي (قَوَارِيرَا۟ مِن فِضَّةٍۢ) [سورة الإنسان آية: ١٦]، القوارير جمع قارورة والقارورة الإناء الزجاجي إذا كان الكوب أو الإناء من زجاج يسمى قارورة فهي قوارير، والقوارير الزجاج الشفاف النقي وكما قال في شأن صرح سليمان (قَالَ إِنَّهُۥ صَرْحٌۭ مُّمَرَّدٌۭ مِّن قَوَارِيرَ ۗ) [سورة النمل آية: ٤٤]، حين داست عليه ملكه سبأ (حَسِبَتْهُ لُجَّةًۭ وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ ) [سورة النمل آية: ٤٤]، لأنها رأت ما تحته وكان تحته الماء والسمك يسبح الزجاج الشفاف فهنا يقول الله، تبارك وتعالى، في هذه الكلمة: (قَوَارِيرَا۟ مِن فِضَّةٍۢ) [سورة الإنسان آية: ١٦]، فهل رأيتم في دنياكم فضة شفافة؟ هل يمكن أن هل رأيتموها هل يراها إنسان هل يمكن أن تصنع هل يمكن أن توجد على هذه الأرض أبدا والله، (قَوَارِيرَا۟ مِن فِضَّةٍۢ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًۭا (١٦)) [سورة الإنسان آية: ١٦]، الوحيدة في القرآن كله التي لا شبيه لها في الدنيا إشارة للمتدبرين فيه إن ما في الجنة من دنياكم إلا الأسماء فهل ترى وصف النار ووصف الجنة حقيقي؟ هل هو حق؟ نعم هو حق ولكن من إعجاز القرآن أن قرّب إلينا الغيبيات بأسلوب معجز لا فيه المبالغة ولا فيه الكذب لا فيه النقص ولا فيه الزيادة ومع ذلك كل ما قيل من وصف في النار وفي الجنة شيء والحقيقة شيء آخر وأنت إذا أردت أن تصف لابنك الصغير شيئا لم يره من أصناف الفاكهة مثلا يستحيل أن تصل إلى الحقيقة فإذا لم يكن قد رأى التفاح مثلا وأردت أن تصفه له وصفت من حيث اللون قد يكون أخضر قد يكون أحمر قد يكون مشرب بالحمرة طعمه قريب من البرتقال بل هو طعمه أقرب ما يكون إلى الكمثرى لا يشبه البطيخ ولا يشبه العنب حجمه يتراوح بين كذا وكذا وأنت في وصفك مهما أوتيت من بلاغة قد تبالغ في الوصف وقد تنقص من الوصف لكن الله، تبارك وتعالى، حين وصف لنا جهنم وحين وصف لنا الجنة وصفها بلغة وبألفاظ فيها الإعجاز الذي يشعرك بالمعنى المراد دون مبالغة ودون انتقاص وحقيقة هذه الأشياء شيء آخر وإلا ما قال النبي، صلى الله عليه وسلم، (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أَذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ) وها هو القرآن قد وصف لنا الحور العين كواعب أترابا كأنهن بيض مكنون وصف بأوصاف كثيرة ومع هذا يقول المصطفى، صلى الله عليه وسلم: (بِيَدِهِ لَوْ اطَّلَعَتْ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا ) كيف ذلك إذا فالوصف لم يصل بنا إلى حقيقة الحق إن كان الوصف حقا فهو لم يصل بنا إلى حقيقة الحق لأنها غيبيات لا تصل إليها العقول والأفكار نعم ذاك فضل الله، تبارك وتعالى، على الناس في فهمهم وفي درجات فهمهم فهناك الفهوم تتفاوت في هذه الدنيا بين الناس كل بحسب تقواه وكل بحسب إيمانه وكل بحسب ما يمن الله عليه من فتح وفتوحات وإشراقات هل هناك فهوم فوق ما نفهم؟ نعم بدليل أن النبي، صلى الله عليه وسلم، تفقد رجلا يوما فلم يجده فسأل عنه فأتي به فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم، (كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا قَالَ: انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟ فَقَالَ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، فَأَسْهَرْتُ لَيْلِي وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَضَاغَوْنَ فِيهَا، فَقَالَ: يَا حَارِثَةُ عَرَفْتَ فَالْزَمْ - ثَلَاثًا) ورغم هذا التفاوت في الفهوم إلا أن الله من رحمته الواسعة وفضله السابغ أنزل القرآن عربيا على أمة أمية بفهمه الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب ويغوص في بحار معانيه وكنوزه أولوا الألباب العارفون والعالمون والراسخون في العلم يقولون كل من عند ربنا يؤمنون به ويفوضون العلم إلى الله مهما أتوا من فهم لذا تختم سورة الدخان بقول الله، تبارك وتعالى:
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿58﴾
فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ ﴿59﴾
(فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ) أي أنزلنا القرآن ميسرا سهلا بلغة عربية فصيحة بلسان الأمة بلسانك يا محمد بلغتك يا محمد (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ ) [سورة إبراهيم آية: ٤] إذا فقد نزل القرآن ميسرا سهلا هل هي دعوه لنا؟ هل هو حث على حفظ القرآن وقراءته والتأمل والتدبر في آياته نعم لأن لله، تبارك وتعالى،حين يقول (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ) إذا لا عذر لأحد لا عذر لمخلوق أن يقول لا أفهم أولا أعي أولا أعرف أولا أستوعب بل إذا قرأت القرآن إن كنت تقرأ وتكتب غير مثقف ولا تعلم شيئا عن اللغة وأسرارها وكنوزها فهمت ما أراد الله لك أن تفهم وكلما ازددت ثقافة وعلما اللغة وكنوزها وبحورها ازددت فهما وازددت معرفه وتفاضل الناس في العلم فمنهم العلماء ومنهم المتعلمون وإذا لم تكن تقرأ ولا تكتب فكيف تفعل؟ تسمع ولذا منّ الله علينا وقال: (وَإِذَا قُرِئَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥ وَأَنصِتُوا) [سورة الأعراف آية: ٢۰٤]، ووعدنا بالفهم والفلاح والهداية فقال (فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥ وَأَنصِتُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٢۰٤﴾) [سورة الأعراف آية: ٢۰٤]، الرحمة هي الفلاح والرحمة هي الهداية الرحمة، الرحمة هي النجاة والرحمة هي حب الله والرحمة هي النظر إلى وجهه الكريم فإذا استمعت القرآن وأنصت إليه رحمك ربك فجنبك المعاصي رحمك ربك فأفهمك رحمك ربك فعلمك رحمك ربك فنجاك وأخذ بيدك لو كنت أميّا لا تقرأ ولا تكتب لذا تجد في أول سورة الدخان ربنا يبين لنا البركات فيقول (إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ) [سورة الدخان آية: ٣]، ويختم السورة بقوله (فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ (٥٩)) نعم يذكرون الله ويذكرون يوم القيامة ويذكرون الآخرة ويذكرون الجنة ويذكرون النار ويذكرون الموت ويذكرون ما معنى من أمم لعلهم يتذكرون فيتعظون فيعملون لذلك اليوم (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) فهل تذكروا؟ أبدا قليل الذين تذكروا وكثير الذين هلكوا وضلوا هؤلاء الذين لم يتذكروا والذي نزل القرآن بلسانهم ميسرا سهلا يقرأه النبي، صلى الله عليه وسلم، آناء الليل وأطراف النهار (يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) وطالما لم يتذكروا ويتوعد الملك الجبار فيقول: (فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ (٥٩)) أي فارتقب يا محمد نصر الله فارتقب يا محمد يوم الفصل حيث ميقاتهم أجمعين فارتقب يا محمد يوم نصرك ويوم الفصل ويوم إظهار الحق (فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ (٥٩)) وشتان بين ارتقابه وارتقابهم فارتقاب النبي، صلى الله عليه وسلم، ارتقاب للفرج ارتقاب للرحمة ارتقاب للنصر ارتقاب للرضوان أما ارتقابهم فهم يرتقبون به ويتربصون به ريب المنون نعم تربصوا به على كل جبل وواد دعاهم إلى الهدى ولم يجد منهم إلا العناد هم مرتقبون الهلاك والموت عله يقتل علّ وعلّ وعلّ فهم مرتقبون للسوء وهو مرتقب للخير والله، تبارك وتعالى، خير وأبقى.
أيها الأخ المسلم سورة الدخان من قرأها في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك سورة الدخان من قرأها في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له سورة الدخان سورة وإن كانت لا تشغل من المصحف سوى صفحتان ونصف إلا أن المعاني فيها عظيمة جليلة فيها كل شيء فيها فضل الله فيها الكلام عن القرآن فيها الكلام عن ليلة القدر فيها الكلام عن يوم الفصل فيها البيان للأمم التي أهلكت فيها المثال لقصة فرعون حتى نتعظ ويتعظ أهل مكة فيها الكلام عن إهلاك قوم تبع الذين كانوا وكانوا وكانوا فيها بيان لمصير أهل النار وفيها لمصير أهل الجنة استمعنا إليها وقرأناها وشرحنا ألفاظها بما منّ الله علينا وإن كنا لم نبلغ الغاية فالقرآن يأتي يوم القيامة بكرا لم يفض ولم يعلم تأويله إلا الله ولكن ماذا خرجت أنت من هذه السورة؟ ما خرجت أنت من هذه السورة؟ هل تدبرت؟ هل تذكرت؟ هل عدت إلى الله هل اصطلحت مع ربك هل نويت أن تحفظ من القرآن ما شئت أو ما يمكن لك أن تحصل؟ هل تتذكر حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأبي أمامة الباهلي (اقْرَأُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي شَافِعًا لأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،) ونحن لا زلنا في معاني قول الله: (يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًۭى شَيْـًۭٔا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (٤١)) [سورة الدخان آية: ٤١] ونحن نحتاج إلى الشفاعة تحتاج إلى النصر تحتاج إلى من يقف إلى جوارنا أتدري أشد من يقف إلى جوارك ويحميك؟ القرآن إي وربي تحميك سورة تبارك في القبر من سؤال الملكين وتحميك آية الكرسي من كل شر وتحميك الآيات والسور وها هو رسولنا يقول: (اقْرَأُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي شَافِعًا لأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ، يُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ،) تقف البقرة وآل عمران بينك وبين الله تحاج عنك إذا سأل ربنا أجابت البقرة لحقتها آل عمران يجيبون عنك فإذا لم تستطع القرآن فعليك بالبقرة وآل عمران فيقول النبي، صلى الله عليه وسلم، متما لحديثه (اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ) يقول الراوي البطلة هم السحرة إذا فمن قرأ القرآن أو قرأ البقرة وآل عمران أو لم يقرأ أي يحفظ إلا البقرة فقط عمل ما لم يستطيع أن يعمله السحرة مجتمعون أرأيت كيف فعل السحرة مع موسى (فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةًۭ مُّوسَىٰ (٦٧)) [سورة طه آية: ٦٧]، أرأيت كيف قال الله، تبارك وتعالى: (قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ (٦٨)) [سورة طه آية: ٦٨] أرأيت كيف نصره الله إذا كانت معك البقرة فأنت منصور كنصر موسى لا تستطيعها البطلة.
أيها الأخ المسلم كتاب الله كلامه القديم القائم بذاته الذي لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال والحلول في الأوراق من قرأ القرآن كان جليا لله من قرأ القرآن كان مؤتنسا بكلام الله القرآن اقرؤوه واحفظوه واحفظوا ما تستطيعون منه حتى لا تتحسروا يوم القيامة واعلموا أن درجات الجنة بعدد آيات القرآن إي وربي (يُؤتَى بِقَارىء القُرآنِ يَوْم القِيامةِ، فيُوقَفُ فِي أول دَرجِ الجنَّةِ، ويقال له: اقْرَأ وارْقَ ورتلْ كَمَا كُنْتَ تُرتِّلُ في الدُّنيا فإنَّ منزلتك عِنْدَ آخِرِ آية تقرؤها).
أيها الأخ المسلم سورة الدخان من قرأها في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك سورة الدخان من قرأها في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له سورة الدخان سورة وإن كانت لا تشغل من المصحف سوى صفحتان ونصف إلا أن المعاني فيها عظيمة جليلة فيها كل شيء فيها فضل الله فيها الكلام عن القرآن فيها الكلام عن ليلة القدر فيها الكلام عن يوم الفصل فيها البيان للأمم التي أهلكت فيها المثال لقصة فرعون حتى نتعظ ويتعظ أهل مكة فيها الكلام عن إهلاك قوم تبع الذين كانوا وكانوا وكانوا فيها بيان لمصير أهل النار وفيها لمصير أهل الجنة استمعنا إليها وقرأناها وشرحنا ألفاظها بما منّ الله علينا وإن كنا لم نبلغ الغاية فالقرآن يأتي يوم القيامة بكرا لم يفض ولم يعلم تأويله إلا الله ولكن ماذا خرجت أنت من هذه السورة؟ ما خرجت أنت من هذه السورة؟ هل تدبرت؟ هل تذكرت؟ هل عدت إلى الله هل اصطلحت مع ربك هل نويت أن تحفظ من القرآن ما شئت أو ما يمكن لك أن تحصل؟ هل تتذكر حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأبي أمامة الباهلي (اقْرَأُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي شَافِعًا لأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،) ونحن لا زلنا في معاني قول الله: (يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًۭى شَيْـًۭٔا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (٤١)) [سورة الدخان آية: ٤١] ونحن نحتاج إلى الشفاعة تحتاج إلى النصر تحتاج إلى من يقف إلى جوارنا أتدري أشد من يقف إلى جوارك ويحميك؟ القرآن إي وربي تحميك سورة تبارك في القبر من سؤال الملكين وتحميك آية الكرسي من كل شر وتحميك الآيات والسور وها هو رسولنا يقول: (اقْرَأُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي شَافِعًا لأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ، يُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ،) تقف البقرة وآل عمران بينك وبين الله تحاج عنك إذا سأل ربنا أجابت البقرة لحقتها آل عمران يجيبون عنك فإذا لم تستطع القرآن فعليك بالبقرة وآل عمران فيقول النبي، صلى الله عليه وسلم، متما لحديثه (اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ) يقول الراوي البطلة هم السحرة إذا فمن قرأ القرآن أو قرأ البقرة وآل عمران أو لم يقرأ أي يحفظ إلا البقرة فقط عمل ما لم يستطيع أن يعمله السحرة مجتمعون أرأيت كيف فعل السحرة مع موسى (فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةًۭ مُّوسَىٰ (٦٧)) [سورة طه آية: ٦٧]، أرأيت كيف قال الله، تبارك وتعالى: (قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ (٦٨)) [سورة طه آية: ٦٨] أرأيت كيف نصره الله إذا كانت معك البقرة فأنت منصور كنصر موسى لا تستطيعها البطلة.
أيها الأخ المسلم كتاب الله كلامه القديم القائم بذاته الذي لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال والحلول في الأوراق من قرأ القرآن كان جليا لله من قرأ القرآن كان مؤتنسا بكلام الله القرآن اقرؤوه واحفظوه واحفظوا ما تستطيعون منه حتى لا تتحسروا يوم القيامة واعلموا أن درجات الجنة بعدد آيات القرآن إي وربي (يُؤتَى بِقَارىء القُرآنِ يَوْم القِيامةِ، فيُوقَفُ فِي أول دَرجِ الجنَّةِ، ويقال له: اقْرَأ وارْقَ ورتلْ كَمَا كُنْتَ تُرتِّلُ في الدُّنيا فإنَّ منزلتك عِنْدَ آخِرِ آية تقرؤها).