سورة الزخرف

حمٓ ﴿1﴾
لقاؤنا اليوم مع واسطة العقد، مع درة العرائس، عرائس آل حم، لقاؤنا اليوم مع سورة الزخرف، واسطة العقد ودرة العرائس، فمِن قبلها غافر وفصلت والشورى، ومن بعدها الدخان والجاثية والأحقاف، فهي واسطة عرائس القرآن، سورة الزخرف سورة مكية نزلت بمكة قبل الهجرة، وافتتحت العروس بما افتتحت به العرائس ‫(حمٓ (١)) سر الله فلا تطلبوه وكل ما قيل في هذه المفتتحات، فواتح السور، الحروف المقطعة ضرب من الظن لا سند له ولا أساس، هي سر الله فلا تطلبوه‫.
وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ ﴿2﴾ إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿3﴾
‫(حمٓ (١) وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ (٢)) قَسَم، قسم ممن ما لا يحتاج إلى قسم فهو الصادق، سبحانه وتعالى (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًۭا (١٢٢)) [سورة النساء آية‫:‬ ١٢٢] لا أحد، أقسم سبحانه وتعالى بالكتاب المبين، بالقرآن، المبين لأنه بين للناس الأحكام، وفصَل بين الحلال والحرام، (ٱلْمُبِينِ (٢)) الواضح الذي أوضح للناس طريقهم إلى هدى الله، أقسم بالقرآن على القرآن (إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)) أقسم بالقرآن على أن القرآن باللغة العربية، والله، تبارك وتعالى، يقسم بما شاء على ما يشاء، والقسم بالأشياء لرفعة شأن الأشياء، فربنا، تبارك وتعالى، يقسم لرفعة شأن المُقسَم به ولرفعة شأن المُقسم عليه، وهاهو يقسم بالقرآن على القرآن (وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)) جعلناه أنزلناه، جعلناه بيناه، جعلناه سميناه، والجعل يعني أمورًا كثيرة، وهنا كلمة الجعل ليس منها الإنشاء، وليس منها الخلْق لأن القرآن غير مخلوق، بل هو كلام الله القديم القائم بذاته الذي لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال والحلول في الأوراق، وهذه الآية مصداق لقوله، تبارك وتعالى، في أول سورة يوسف‫:‬ (إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)) [سورة يوسف آية‫:‬ ٢]، إذًا فقوله (إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ) أي سميناه ووصفناه، وقد جاء هذا المعنى في كثير من آيات القرآن كقوله، تبارك وتعالى‫:‬ (مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍۢ وَلَا سَآئِبَةٍۢ) [سورة المائدة آية‫:‬ ١٠٣] أي تلك أسماء سميتموها ولم يسمها الله (إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)) لعلكم تفهمون لعلكم تعقلون ما أنزل ليكم وتعرفون المراد منه وتتفكرون فيه، وما من رسول إلا وأرسل بلسان قومه كما يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٤]، وقد أرسل النبي، صلى الله عليه وسلم، في أمة العرب وإن كان قد أرسل للناس كافة ولكنه أرسل في أمة العرب ومن بينهم، فلزم أن يكون اللسان عربيا ولزم أن يكون القرآن عربيا، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)).‬‬
وَإِنَّهُۥ فِىٓ أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ ﴿4﴾
‫(وَإِنَّهُۥ) أي القرآن (فِىٓ أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ) أم الكتاب اللوح المحفوظ وسمي اللوح المحفوظ بأم الكتاب لأنه أصل الكتاب، وكلمة الكتاب تفيد جنس الكتاب، ألف لام الجنس وليست ألف لام العهد، (أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ) أي أصل الكتب السماوية كلها فما من كتاب نزل إلا وأصله في اللوح المحفوظ كما يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (إِنَّهُۥ لَقُرْءَانٌۭ كَرِيمٌۭ (٧٧) فِى كِتَـٰبٍۢ مَّكْنُونٍۢ (٧٨)) [سورة الواقعة آية‫:‬ ٧٧- ٧٨]، اللوح المحفوظ ويقول ربنا، تبارك وتعالى‫:‬ (بَلْ هُوَ قُرْءَانٌۭ مَّجِيدٌۭ (٢١) فِى لَوْحٍۢ مَّحْفُوظٍۭ (٢٢)) [سورة البروج آية‫:‬ ٢١- ٢٢]، يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَإِنَّهُۥ فِىٓ أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ) أي أن القرآن مسطور في اللوح المحفوظ الذي هو أم الكتاب أصل الكتب كلها (لَدَيْنَا) عندنا (لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ (٤)) عليّ: رفيع المنزلة لا ينال ولا يمكن أن يصل إليه مخلوق رفيع الشان عظيم البيان، (حَكِيمٌ (٤)) ذو حكمة، حكيم فيه الحكمة، حكيم محكم لا ينسخه ناسخ ولا ينسخ بكتاب من بعده بل هو محكم وهو آخر الكتب السماوية نزولا، وقد تعهد الله، تبارك وتعالى، بحفظه إلى أن تقوم الساعة، (وَإِنَّهُۥ فِىٓ أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ (٤)) ذاك وصف للقرآن وقد أقسم الله، تبارك وتعالى، على هذه الأوصاف بالقرآن‫.‬‬
‫ويتوجه الخطاب بعد ذلك لمشركي مكة فيقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬
أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًۭا مُّسْرِفِينَ ﴿5﴾
‫(أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحًا) بمعنى هل نعرض عنكم إعراضا فلا ننزل هذا القرآن؟ أو هل نعرض عنكم ولا نذكركم؟ أو هل نطوي عنكم الذكر طيا من غير أن نعظكم ونأمر وننهى بسبب أنكم قد أشركتم وكفرتم وسبق في علمنا أنكم تكذّبون بالقرآن؟ ذاك معنى السؤال، وأصل الكلام‫:‬ ضرب عنه صفحا أعرض عنه، أعرض عنه، وكلمة الصفح من صفحة العنق لأنك إن أعرضت عن إنسان وتركت ذلك الإنسان وليت وجهك إلى جانب آخر فكأنك ولَيتهُ صفحة العنق، إذا أعرضت عن إنسان وليته أي أظهرت له صفحة العنق فأعرضت عنه، إذا فالإعراض أن تنظر إلى جهة أخرى، أن تولي وجهك جانبا آخر وتولي المعرَض عنه صفحة العنق، هذا هو أصل كلمة الصفح، ومعنى ضرب عنه صفحا أي أعرض عنه إعراضا بحيث ولاه وأظهر له صفحة العنق، فربنا، تبارك وتعالى، في هذه الآية قد يعنى بكلمة الذكر القرآن وإنه أي القرآن يطلق عليه أيضا كلمة الذكر الحكيم، فكلمة الذكر قد تعني القرآن يعنى أنحجب ونطوى عنكم الذكر الذي هو القرآن، صفحا مصدر من غير لفظه، لأن معنى أنضرب بمعنى أنصفح، وصفحا إضرابا، (أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ) نطوى عنكم ونحجب القرآن عنكم حجبا ونعرضه عنكم إعراضا ونطويه عنكم ولا ننزله لأنكم (كُنتُمْ قَوْمًۭا مُّسْرِفِينَ) فكيف تكون الحجة عليهم، إذًا فقد نزل القرآن هدى للمؤمنين، هدى للمتقين، أما بالنسبة للمسرفين فهو حجة عليهم‫.‬‬
‫وقد تعني كلمة الذكر التذكير (أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحًا) أي نطوى عنكم التذكرة أنهلككم من قبل أن نذكركم؟ أنترككم ولا نعظ ولا نأمر ولا ننهى (إن كنتم قوما مسرفين) قراءة، وتصبح إن شرطية وجواب الشرط مقدم أي إن كنتم قوما مسرفين نضرب عنكم الذكر، أي إن كنتم من الكفار لا ننزل عليكم القرآن، بل ننزل القرآن ليهتدي به المؤمن وليضل به الكافر، فالقرآن إذا نزل زاد المهتدي هدى وزاد الضال ضلالا، به يهدى وبه يضل، (وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِۦٓ إِيمَـٰنًۭا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ (١٢٥)) [سورة التوبة آية‫:‬ ١٢٤- ١٢٥]، (أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًۭا مُّسْرِفِينَ (٥)) أن بمعنى لأن أي لأنكم كنتم قوما مسرفين‫.
وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِىٍّۢ فِى ٱلْأَوَّلِينَ ﴿6﴾ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِىٍّ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿7﴾ فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًۭا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿8﴾
‫(وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِىٍّۢ فِى ٱلْأَوَّلِينَ ﴿٦﴾) تعزية وتسلية للحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، فقد كان يضايقه تكذيب قومه وقد كان صدره يضيق بهذا التكذيب إشفاقا عليهم وخوفا عليهم، فهم قومه، فيسليه ربنا، تبارك وتعالى، ويعزيه‫: (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِىٍّۢ فِى ٱلْأَوَّلِينَ ﴿٦﴾)‬ كم قد تأتي من أجل السؤال، السؤال عن العدد، وتأتي كم وتسمى خبرية لتفيد التكثير (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِىٍّۢ فِى ٱلْأَوَّلِينَ ﴿٦﴾) أي ما أكثر ما أرسلنا من أنبياء فهي خبرية من أجل التكثير، ما أكثر ما أرسلنا من أنبياء، وقد ورد أن عدد الأنبياء يزيد على الثلاثة آلاف نبي (وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِىٍّ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿۷﴾) هذه هي التعزية والتسلية، إذا كذبك قومك يا محمد فما أكثر ما أرسلنا من أنبياء وما أكثر ما كُذّب الأنبياء (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِىٍّۢ فِى ٱلْأَوَّلِينَ ﴿٦﴾ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِىٍّ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿۷﴾) إذا فلم يكن محمد، صلى الله عليه وسلم، بدعا من الرسل استهزأ به قومه وكذلك كل الأنبياء على الإطلاق استهزأ بهم أقوامهم‫.‬‬
‫(فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًۭا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلْأَوَّلِينَ (٨)) أي أهلكنا من هو أشد قوة وسطوة من مشركي مكة هؤلاء الذين لا يركبون إلا البعير ولا يأكلون إلا التمر ولا يعرفون إلا النوى، من قبلهم أقوام قيل في شأنهم‫:‬ (كَمْ تَرَكُوا۟ مِن جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ (٢٥)) [سورة الدخان آية‫:‬ ٢٥]، من قبلهم أقوام قيل في شأنهم‫:‬ (ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ (٨)) [سورة الفجر آية‫:‬ ٨] عاد، (وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُوا۟ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلْأَوْتَادِ (١٠)) [سورة الفجر آية‫:‬ ٩- ١٠]، وكل ذلك قص علينا في القرآن وجاء القصص من قبل، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم) أي أشد من كفار مكة البطش القوة والسطوة بَطَش يبْطُشُ ويبطِشُ سطا سطوة وقوة وتسلط‫.‬‬
‫(وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلْأَوَّلِينَ (٨)) مضت أخبارهم وأحداثهم وأصبحوا خبرا بعد عين، وقد جاء قصصهم في القرآن فيما مضى من قرآن وفيما أنزل عليك من قبل، مضى خبرهم وقصصهم الذي أصبح كالمثل في الغرابة كم فعل الله بهم! وكم بطش بهم! وكم أهلك من قرون! (فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًۭا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ ) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٤٠]، أصناف أنواع أجناس، (فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًۭا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلْأَوَّلِينَ (٨)).‬
‫وتأتي الحجج لتبين جهالات القوم وسفاهات المشركين‫:‬‬‬‬
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ﴿9﴾ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًۭا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًۭا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿10﴾ وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍۢ فَأَنشَرْنَا بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا ۚ كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ ﴿11﴾
‫(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ) والخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ (٩)) هل قالوا‫:‬ (خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ (٩)) ووصفوا الله بالعزة والعلم أم ذلك مضمون القول؟ في القرآن كثيرا ما جاء هذا السؤال‫:‬ (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (٦١)) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٦١]، فإذا كانوا قد أجابوا بقولهم‫:‬ الله، فصفات الله الذي أقر به المشركون أنه عزيز عليم، عزيز ممتنع، عزيز فرد لا مثل له، صمد لا ضد له، واحد لا شريك له، (ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ (٩)) وعلم الله أزلي لا يزيد ولا ينقص (لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ (٩)) إما ذلك قولهم فعلا وإما أنه مفاد القول ومضمون المقالة، حيث أقروا بوجود الله، وبأنه، تبارك وتعالى، هو خالق الوجود‫.‬‬
‫( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ (٩) ٱلَّذِى) استئناف كلام من الله، تبارك وتعالى، للبيان (ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًۭاذ) ولو كان الكلام من قولهم لقالوا‫:‬ الذي جعل لنا الأرض مهدا، فحين نجد أن التعبير (ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ) إذا فذاك إنشاء كلام، واستفتاح كلام من الله، تبارك وتعالى، استئناف يبين ربنا، تبارك وتعالى، الصفات والأفعال لعل الناس تعقل ولعل الكافر يؤمن ولعل الضال يعود‫.‬‬
‫(الذي جعل لكم الأرض مهادا)، (مَهْدًۭا) و(مهادا) قراءتان في هذه الآية (ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًۭا) المهد، أصل كلمة المهد الفراش الذي يوطأ للصغير الطفل الرضيع يوطأ له ويهيأ له فراش ناعم سهل حتى إذا نام عليه الطفل لا يؤذى، فما يوطأ للطفل وما يمهد ويهيأ له من فراش يسمى المهد والمهاد، ومنه قول الله، تبارك وتعالى، في شأن المسيح‫:‬ (وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (٤٦)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٤٦].‬
‫(ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًۭا) ذللها لكم، جعلها سهلة، هل تجد صعوبة في المشي على الأرض؟ أتزحف عليها؟ أتستخدم أظافرك أم أنك تسير في الأرض بسهولة، دون أن تنتبه ودون أن تفكر أن الذي ذللها ومهدها وهيأها وجعلها كالمهاد للطفل هو الله، وأنت قد وجدتها كذلك ولو خرجت خارج المدن إلى الصحراء إلى الوديان إلى أصل الأرض قبل أن يعمرها الإنسان ويبني فيها المساكن ويشق فيها الطرق ما من طريق شق إلا وقد كان في الأصل طريقا وممهدا وتسير فيه الخيل والبغال والحمير، وما فعله الإنسان هو كسوة الطريق كساه بمادة فقط، أما الطريق فقد مهده الله لنا وسخر لنا الأرض بل وسخر لنا أمواه البحار فحملت السفن‫.‬‬
‫(وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًۭا) جعل لكم فيها معايش، السبل الطرق، طرق الاكتساب بالزرع بالحفر باستخراج المعادن، جعل في الأرض طرقا متعددة لاكتساب الرزق، السبل أيضا الطرق التي يسير فيها الإنسان (وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًۭا) طرقا تسيرون فيها وتنتقلون فيها من مكان إلى مكان وطرقا للمعايش كذلك (لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)) تهتدون إلى طريقكم تهتدون إلى مقاصدكم وكان من الممكن أن تكون الأرض مجهولة وإذا سار فيها الإنسان لا يعرف كيف يعود ولا يعرف أين يتجه لو جعلت الأرض مسطحة بلا علامات بلا جبال وكانت السماء مظلمة بلا نجوم ما اهتدى الإنسان إلى طريقه، ولمشيت وأنت لا تعرف أين تتجه ولا تعرف اليمين من الشمال ولا الشمال من الجنوب ولا الشرق من الغرب، ولا تعرف كيف ترجع، ولذا لو سار الإنسان في الصحراء وحده بغير علم سابق وبغير مزولة وبغير دليل تاه في الصحراء ولا يعرف كيف يعود ولا يعرف أين يتجه، ولو جعلت الأرض كلها كذلك ما اهتدى الإنسان إلى طريقه، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫: (لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠))‬ إذا فالسبل والطرق كالوديان بين الجبال والطرق الملاصقة للأنهار والاتجاهات في الأرض تجعل الإنسان يعرف طريقه، وإذا خرج من مأواه سواء كان هذا المأوى كهفا أو مغارة أو جبلا أو كنا أو بيتا يعرف كيف يعود إلى بيته وإلا ما عاد خارج أبدا، (لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)) أيضا في كلمة (لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)) معنى آخر تهتدون إلى الله لأنك إذا رأيت المقدور دلك المقدور على القدرة ودلتك القدرة على القادر (لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)) تهتدون إلى الله الذي جعل ذلك (ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًۭا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًۭا) تلك مقدورات هذه المقدورات تدل على القدرة التي أنشأتها وأوجدتها وفعلتها ونظمتها هذه القدرة تدل على القادر‫.‬‬
‫لا بد للإنسان في هذه الأرض من حياة ولا بد للحياة من مصدر والمحيي هو الله، أنشأك وأعطاك الحياة ولكي تستمر الحياة لا بد لها من معين لا ينضب، إمداد، لأنك إذا أعطيت شيئا الحياة كالنبات مثلا يموت ما لم يمد بمعين لا ينضب بماء فتستمر فيه الحياة من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫: (وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ)‬ هذا الماء الذي نزل من السماء هو المعين الذي لا ينضب لإمداد الأحياء بالحياة، الأحياء من إنسان وحيوان ونبات، ولكن الماء إذا نزل قد يقصر عن الحاجة فلا يكفي ويحدث الجدب ويحدث الجفاف وتنتهي الحياة، وإذا نزل الماء بأكثر من الحاجة فاض وغرقت البلاد وحدث الطوفان كما حدث في زمن نوح ولأغرق الماء الحياة وأزالها من على وجه الأرض، إذا ً فلا بد لهذا الماء أن ينزل بقدر لا ينقص عن الحاجة ولا يزيد عن الحاجة فينفع ولا يضر (وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ) على قدر الحاجة وعلى قدر المصلحة، إذا فهو عالم، إذا فهو يرى ويسمع، إذا فهو الذي خلق الحياة وهو الذي جعل الحياة تستمر بإمدادها بالمعين وبأصل الحياة فقد جعل الله كل حي من الماء، (وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍۢ فَأَنشَرْنَا بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا ۚ ) أنشرنا أحيينا النشور الحياة بعد موات، نشره وأنشره أحياه (فَأَنشَرْنَا بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا ۚ ) البلدة الميتة التي لا نبات فيها، إذا بالماء حدثت الحياة قد حصد الزارع زرعه وإذا بالأرض بعد اخضرار إذا بها تسوّد، بلا حياة وكأنها موات فإذا نزل الماء على الأرض عادت لها الحياة واهتزت وربت وفرحت وأزهرت وأنبتت وأثمرت فعادت إليها الحياة من رب الحياة، نزل من السماء ماء بقدر فأنشر به أحيى به البلدة الميتة الأرض الميتة، أرأيتم ذلك؟ من قدر على هذا قدر على إحيائك بعد الإماتة، ومن قدر على الإنشاء قدر على الإعادة بعد الإفناء، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى، ختاما للآية‫:‬ (كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)) (كذلك تَخرجون) (كذلك يخرجون) ثلاث قراءات (وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍۢ فَأَنشَرْنَا بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا ۚ كَذَٰلِكَ) مثل هذا الخروج للنبات بعد الموت مثل هذا الإحياء للأرض بعد الموت (كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)) من قبوركم وليس هناك سهل وعسير فكل المقدورات في قدرة الله سواء، (وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍۢ فَأَنشَرْنَا بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا ۚ كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)) والمتأمل في الحياة يجد الأضداد، الضد، يجد الشيء وضده وما من شيء في هذه الدنيا فرد أبدا، الفرد هو الصمد هو الله وما سوى الله أصناف أزواج بمعنى الأصناف من هنا يقول الله، تبارك وتعالى:
وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ ﴿12﴾ لِتَسْتَوُۥا۟ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا۟ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ ﴿13﴾ وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ﴿14﴾
‫(وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ) الأزواج الأصناف كأصناف النبات وقد قال الله، تبارك وتعالى‫:‬ (أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍۢ كَرِيمٍ (٧)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٧]، أي من كل صنف (وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا) الأصناف ما يتقلب فيه الإنسان من خير وشر، إيمان وكفر، نفع وضر، غنى وفقر، صحة وسقم، من النبات حلو ومر، وشفاء وسم، من الجبال سود وحمر وبيضاء نواصع، من الطيور حاملات رسائل وفواسق ونوازع، الدواب وحوش كاسرات وفيها وفي البهائم ركائب ومنافع، في البحر أمواج مهلكات وفيه طعام ولؤلؤ وقواقع، أصناف وأضداد، من الناس أهل للمعروف ومنهم من في الشر ضالع، من الأيام أيام فيها الإسعاد والمبشرات ومن الأيام بالفتن والشرور طوالع، فقر وغنى، حياة وموت، حتى في النجوم شمس وقمر، ليل ونهار، أبيض وأسود، وهكذا، أصناف وأزواج وأضداد، الذي لا ضد له هو الله هو الله صمد فرد واحد أحد لا شريك له ولا ند له ولا ضد له، وما سوى الله أصناف وأزواج، ويخلق من الشيء ضده، ويخرج من الماء النار، ويخرج من النار الماء، سبحانه وتعالى (يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ) [سورة الروم آية‫:‬ ١٩]، يخرج الضد من الشيء وقد ميز الأشياء بضدها فبالظل عرف الحرور ولولا الأعمى ما اعتبر البصير ولولا الحزن ما عرف السرور، هو الله (وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا) الأصناف كلها، ما من شيء في الوجود إلا وله ضد، ما من شيء في الوجود إلا وله صنف ومثل وضد، الله، تبارك وتعالى، هو الذي خلق ذلك وجعل التوازن بين كل ذلك فلا يطغى شيء على شيء، فلو طغت الوحوش على الأليف من الحيوان ما وجدنا الركائب وما حدثت لنا المنافع فهناك التوازن وكذلك لو طغت الحشرات والقوارض والحيات ما كانت هناك حياة ولأصبنا جميعًا بالتسمم والأمراض والآفات، وكذلك لو طغى الليل على النهار ما سلكنا سبلا للمعايش، ولو طغى النهار على الليل ما وجدنا السكن والراحة والسبات، توازن، لا يطغى المالح على العذب (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌۭ لَّا يَبْغِيَانِ (٢٠)) [سورة الرحمن آية‫:‬ ٢٠]، فلو طغى المالح ما وجدنا الماء السلسبيل السائغ شرابه، ولو طغى العذب لتعطنت المياه، وكأن المالح لحفظ الماء، فبالملح حفظ الماء فإذا جاءت الشمس وحدث البخر خرج الماء العذب على هيئة سحاب وبقي الملح في قاع البحر فنزل إليك الماء عذبا غير مالح، ولو طغى العذب لتعطن ولو طغى المالح لمتنا من العطش، وانظر وتأمل وتفكر في كل شيء تجد القدرة، تجد الحكمة تجد الإتقان تجد الإحكام تجد العلم تجد القوامة تجد أنه القيوم الذي لا يغفل ولا يسهو ولا ينام، هو الله‫.‬‬
‫(وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)) الفلك يذكر ويؤنث ويفرد ويجمع، الفلك جمع، الفلك مفرد، الفلك مذكر، الفلك مؤنث (وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا) [سورة هود آية‫:‬ ٤١]، (وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)) إذا فقد سخر لنا الطرق والسبل سبل الانتقال في البر على الدواب وفي البحر على القوارب، هو الذي خلق وهو الذي سخّر ولولا السنن الكونية ما حدثت الاختراعات وما من اختراع إلا وهو اكتشاف ليس خلْقا وليس جعلا وإنما الخالق هو الله حين صنعت السفن صنعت لأن الإنسان اكتشف أن الخشب إذا ألقي في الماء طفا على السطح فإذا حرّك يديه وهو على جذع الشجرة على سطح الماء إذا بها تسير عكس اتجاه حركة الأيدي، اكتشف ذلك فبدأ يركب البحر والمجاري المائية على جذوع الشجر، ثم بدأ في شقها وجعلها مسطحة حتى تتسع لحاجاته وزاده وطعامه، ثم صنعت السفن وهكذا من الذي خلق سنّة الطفو، هو الله، إذًا فهو الذي جعل لنا الفلك، من الذي سخر الدواب؟ تجد أن الطفل الصغير يقود الجمل الكبير وتجد الفتاة الرقيقة تركب على ظهر الجواد وتلهبه بسوطها فلا يتململ ولا يتردد ولا يعترض، سبحانك، (وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)) أي ما تركبونه في البر والبحر، ولكن منا من ينتبه ومنا من لا ينتبه غافل، هناك متفكر فاهم ذاكر متأمل من أولى الألباب الذين نزل لهم الخطاب، ومنهم من هو غافل محصور في دائرة نفسه لا يرى إلا نفسه الفانية الزائلة ولا يتعدى بصره موقع قدمه يقول الله، تبارك وتعالى، منبها ومذكرا ومعلما‫:‬‬
‫(وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُۥا۟ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ) الاستواء الاعتدال، الاستواء التمكن، فأنت إذا استويت على ظهر الدابة تمكنت منها وجلست جلسة المتمكن لا جلسة فيها القلق أو التحرج أو الملل أو التململ بل جلسة المتمكن، جعل ظهر البعير وظهر الفرس وظهر الحمار جعل الظهور مهيأة لركوبك فإذا ركبت استويت، سبحانك (لِتَسْتَوُۥا۟ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ) ظهور الفلك وظهور الدواب (ثُمَّ تَذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ) إذا حدث الاستواء والاعتدال والاطمئنان والتمكن وأنت صغير الحجم وأنت قليل الحيلة وأنت ضعيف القوى وإذا بك متمكن مستريح مطمئن على ظهر البعير الضخم أو الفرس أو البغل أو الحمار أو السفينة الصغيرة في البحر المتلاطم لا حدود له لا ترى الشاطئ لا ترى شواطئه ولا ترى له نهاية وأنت في ضآلتك مستو على هذا الظهر الذي سوّاه الله لك وهيأه لك (لِتَسْتَوُۥا۟ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا۟ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ (١٣)) تذكّر النعمة، أولا أن تعرف أن هذه نعمة ثم تعرف أن هذه النعمة من المنعم، فإذا أقررت بأن النعمة من المنعم عرفت أن ذلك محض فضل وبغير استحقاق منك بل هو محض فضل، فإذا كان محض فضل، فإذا كان محض فضل من ذي الفضل العظيم وجب الشكر ووجب الحمد تقول‫:‬ (سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا)، علمنا ماذا نقول، بعد تذكر النعمة ولذا ورد عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال‫:‬ بسم الله، فإذا استوى على ظهر دابته قال‫:‬ الحمد لله على كل حال، (سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ (١٤)) نعم تذكر نعمة ربك إذا استويت على ظهر الدابة السيارة الطائرة السفينة لأن الله، تبارك وتعالى، قال‫:‬ (وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًۭ ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)) [سورة النحل آية‫:‬ ٨]، إذا فكل ما يركب بعد ذلك بعد الخيل والبغال والحمير من خلقه وإيجاده (لِتَسْتَوُۥا۟ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ) تذكر النعمة بأن تعرف أنها نعمة بأن تعرف أنها من المنعم بأن تعرف بأنك لا تستحق بل هو محض فضل بأن تشكر وتحمد وتنطق بالإقرار والحمد والشكر وتقول‫:‬ (سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا) ما أعظم شأنه! ما أعظم شأن الله! سبحانه تنزيها له عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله، فالسبحان من السباحة والسباحة الإسراع في السير على الماء أو على الهواء، وكأن القائل لكلمة سبحان يسرع بالكلية وبالقلب وبالعقيدة يسرع في تنزيه الله عن كل نقص، في تنزيه الله عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله (سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا) ذلّل لنا هذا وأوجده لنا وهيأه لنا علّمنا كيف نستخدمه علمنا كيف نستخدم السيارة وكيف تستخدم الطائرة وكيف نخترع الترام وكيف نخترع القطار وكيف نسوس ونقود الخيل والبغال والبعير(سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا) ذلّله وأوجده وعلمنا أيضا كيف نستخدم الأشياء (وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ (١٣)) وكلمة مقرنين أي مطيقين أو مماثلين في الأيد والقوة، من قولهم‫:‬ فلان قرنٌ لفلان أي مثل له، فهل أنت مثل للبعير هل تساوي قوتك قوة البعير؟ هل تساوي قوتك قوة الفرس؟ ومع اختلاف القدرة والقوة والحجم سُخر لك، فسبحان من سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين أي مساوين له في القوة وفي الحجم، أو مقرنين مطيقين من أقرنه أطاقه وقوي عليه أقرنه وأقرن له قوي عليه وأطاقه واحتمله فهل أنت تقوى على البعير؟ هل أنت تقوى على البغال؟ هل أنت تقوى على كل ذلك إذا فالذي قوّاك والذي ذلّله لك فأطاعك هو الله (سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ (١٣)) ولا يكتفي بهذا فأنت قد ذكرت النعمة وتذكرت المنعم وشكرته على فضله وإحسانه وتبين لك أنك بغير حول وبغير قوة وهو ذو الحول والطول، بعد الإقرار بكل ذلك لا بد أن تنتبه لأمر، إذا ركبت مركبا فأنت منتقل من مكان إلى مكان، فحينئذ عليك أن تذكر النقلة الكبرى حيث تنتقل إلى الدار الآخرة هذا انتقال وهذا انتقال من مكان إلى مكان فحين تركب تذكر أنك تنتقل من مكان إلى مكان فاحذر فهناك نقلة أخرى من هنا تقول‫:‬ (وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ (١٤)) أي كما انتقلنا من هذا البلد إلى هذه البلد وكما انتقلنا من هذا المكان إلى ذلك المكان فنحن ولا بد منتقلون إلى الله، فهل أعددت المركب؟ هذا مركبك في الدنيا تنتقل به فهل أعددت المركب الذي تنتقل به النقلة الكبرى إلى الله؟ (وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ (١٤)) عائدون راجعون، أيضا ما من ركوب إلا وفيه المخاطر فكم وقص البعير راكبه وكم وطأ الفرس فارسه وكم انقلبت السيارة وكم احترقت الطائرة وكم وكم، ففي المراكب مخاطر وفي كل ركوب خطر، فإذا ركبت تذكرت أنك إلى الله راجع فإن حدث الخطر وانقلب المركب وانتقلت فما أنت إلا راجع إلى الله فإن تذكرت ذلك وحدث وانتقلت كان آخر كلامك شكر الله وذكر الله والمعرفة بأنك راجع إلى الله‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم علمنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن نقول ذلك في ركوبنا في الحضر فكان، صلى الله عليه وسلم، إذا وضع رجله في الركاب قال‫:‬ بسم الله، فإذا استوى قال‫:‬ الحمد لله على كل حال سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، علمنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد تفضل علينا ربنا، تبارك وتعالى، فألهمنا وبين لنا في هذا الكتاب المبين كل شيء حتى ما يجب أن يقال حتى ما يقربنا إليه ذكرا وقلبا وتحركا ويقظة ومناما، أيضا إذا ركبنا في السفن علمنا ماذا نقول (وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (٤١)) [سورة هود آية‫:‬ ٤١]، وعلمنا حين النزول أن نقول‫:‬ ربنا أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين، كما علم نوحًا‫:‬ (وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًۭا مُّبَارَكًۭا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ (٢٩)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٢٩]، فإذا ركبنا السفن قلنا‫:‬ الحمد الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلون، بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم، فإذا أردنا النزول قلنا‫:‬ اللهم أنزلنا منزل مباركا وأنت خير المنزلين، سواء في السفن في الطائرات وهكذا‫.‬‬
‫وقد علمنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد أن علمنا دعاء الركوب في الحضر، علمنا دعاء الركوب في السفر، فقال، صلى الله عليه وسلم، حال السفر معلما لنا‫:‬ (اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِى السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِى الأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِى الْمَالِ وَالأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِى سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى)، أيها الأخ المسلم، ذكر الله، تبارك وتعالى، في كل آن وحين وقد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يذكر الله في كل أحواله، وربنا، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٥٢].‬
‫الحقيقة كلٌّ لا يتجزأ، ومن عرف الحق، عرف الحق من شهد لله بالوحدانية، فقد علم أن الله، تبارك وتعالى، هو الخالق لكل شيء ومن شهد بأن الله، تبارك وتعالى، هو خالق السموات والأرض لا بد وأن يشهد أن الله، تبارك وتعالى، واحد لا شريك له، فرد لا ند له، صمد لا ضد له، وحقيقة الإيمان هو العلم بأن الله، تبارك وتعالى، هو الخالق الواحد المدبر المهيمن، وحين تقص علينا الآيات في سورة الزخرف كيف أمر الله، تبارك وتعالى، نبيه، صلى الله عليه وسلم، أن يسأل المشركين من خلق السموات والأرض إذا بهم يجيبون‫:‬ (خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ) طالما أقروا أن الخالق هو الله إذا فلا بد وأن يقروا بأن الخالق قد كان قبل الخلق، وطالما خلق الخلق فهو غير محتاج لمن يساعده أو يعضده، فقد كان ولم يكن شيء، حين خلق الأشياء كلها خلقها بمفرده، فهل يعقل بعد أن خلق الخلق بمفرده أن يتخذ من خلقه شركاء؟ شركاء في ماذا؟ هل يحتاج لمن يقويه؟ هل يحتاج لمن يعضده؟ هل يحتاج لمن يؤنسه؟ كيف كان قبل الخلق؟ من هنا يعجبنا القرآن في سورة الزخرف عن هؤلاء المشركين الذين جزأوا الحقيقة والحقيقة كل لا يتجزأ فشهدوا بأن الله خالق بل هو الخالق الأوحد ثم عادوا فجعلوا له من عباده جزءا، عادوا وجعلوا شركاء من خلْقه جهالة سفاهة لذا يقول الله، تبارك وتعالى، منكرا عليهم:
وَجَعَلُوا۟ لَهُۥ مِنْ عِبَادِهِۦ جُزْءًا ۚ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌۭ مُّبِينٌ ﴿15﴾
‫(وَجَعَلُوا۟ لَهُۥ مِنْ عِبَادِهِۦ جُزْءًا ۚ ) والتعبير بكلمة جزء يشعر أن الجزء بعض من كل (وَجَعَلُوا۟ لَهُۥ مِنْ عِبَادِهِۦ جُزْءًا ۚ ) والجزء بعض من كل، إذا فقد أجازوا على الواحد أن يتجزأ أو يكون له أبضاع، يتجزأ، والله، تبارك وتعالى، ليس بجسم مصوّر ولا بجوهر محدود مقدر ولا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام ولا يحويه مكان ولا يحده زمان فقد كان قبل خلق المكان والزمان وهو الآن على ما عليه كان لا تحويه الأقطار ولا تدركه الأبصار ولا تصل إلى كنه ذاته العقول والأفكار، هو الله (وَجَعَلُوا۟ لَهُۥ مِنْ عِبَادِهِۦ جُزْءًا ۚ ) والجزء يعبر به عن الولد وسمي الولد جزءا لأنه جزء من أبيه، الولد جزء من أبيه بل هو بضعة منه فكيف جهلوا؟ وكيف غابت عنهم الحقائق؟ لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫: (إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌۭ مُّبِينٌ (١٥))‬ شديد الكفر كثير الكفر مجاهر بكفره معلن له، (وجعلوا له من عباده جُزُؤا) قرئت بضمتين، جزْءا وجزُؤا، (إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌۭ مُّبِينٌ (١٥)) ظاهر الكفر معلن له مجاهر به‫.‬‬
‫ويأتي السؤال الإنكاري والتوبيخ والتقريع‫:‬‬‬‬
أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍۢ وَأَصْفَىٰكُم بِٱلْبَنِينَ ﴿16﴾
‫(أَمِ ٱتَّخَذَ) الميم صلة، وتقدير الكلام‫:‬ أتخذ؟ السؤال للتقريع صيغة الاستفهام ومعناه التقريع والتوبيخ إذا أردت أن تزعم لله الولد، إذا أردت ذلك أيها الكافر فهلا زعمت له أرفع الجنسين وأعلى الصنفين، لكنهم حين زعموا له الولد اختصوه بأخس الأنواع وبأدنى الجنسين، اختصوه بالبنات، فقالوا‫:‬ الملائكة بنات الله، لذا يوبخهم ربهم، تبارك وتعالى، ويقول‫: (أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍۢ وَأَصْفَىٰكُم)‬ آثركم، أصفاكم أخلصكم (بِٱلْبَنِينَ (١٦)) إذا كان الأمر كذلك، أولًا إذا اتخذ الملائكة بنات فالملائكة من خلقه إذا فليس الملائكة جزءا من الله بل الملائكة عباد الملائكة من خلق بإقرار الكفار بإقرارهم أن الله خلق السموات والأرض وخلق ما فيهما وما بينهما، فهل إذا أراد أن يتخذ ولدا هل يتخذ البنات أم يتخذ البنين؟ إذا أراد أن يتخذ لا بد وأن يتخذ أعلى ما في خلقه، لا بد أن يتخذ أرفع الأجناس، من هنا في موضع آخر يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًۭا لَّٱصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ ) [سورة الزمر آية‫:‬ ٤]، هو الذي يصطفي، لو افتراض للمستحيل، ليس أنت الذي تصطفي له، أتخذ من الملائكة بنات؟ أصفاكم أنتم بالبنين، آثركم أنت بالبنين واختصكم بأرفع الجنسين واختص نفسه بأدنى المنزلتين؟ (أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍۢ وَأَصْفَىٰكُم بِٱلْبَنِينَ (١٦)).‬
‫ثم ينعي عليهم ذلك ويذكرهم مشاعرهم ويقول‫:‬‬‬‬
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلًۭا ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴿17﴾
هؤلاء الذين زعموا لله البنات واختاروا له أدنى المنزلتين وأخس النوعيْن إذا بشر أحدهم بالأنثى، إذا قيل له إن امرأتك قد ولدت لك أنثى اسود وجهه واغبر وعلته الكآبة والحزن، وامتلأ قلبه بالغم والهم (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلًۭا) لأن المثلية بين الأب والابن واردة، وهؤلاء حين زعموا أن الملائكة بنات الله وكأنهم جعلوا مثلية بين الله وبين الملائكة، والله تبارك وتعالى لا مثل له (لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ١١]، فهؤلاء إذا بشروا بالمثلية أو بما ضربوه مثلا لله فبشر أحدهم بالأنثى كما قيل موضع آخر‫:‬ (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا وَهُوَ كَظِيمٌۭ (٥٨) يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)) [سورة النحل آية‫:‬ ٥٨- ٥٩].‬
‫(وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلًۭا) وكلمة الرحمن تفيد أن الله، تبارك وتعالى، لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العقوبة ولكن رحمته سبقت غضبه، (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلًۭا ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)) (ظلَّ وجهُهُ مسودٌّ وهو كظيم) ( ظل وجهه مسوادٌ وهو كظيم) قراءات ظل وجهه مسودّا خبر ظل (ظل وجهه مسودٌ) وجهه مسوّدٌ مبتدأ وخبر والجملة خبر ظل واسمها في الضمير في ضميرها، ظل وجهه مسوادٌّ وهو كظيم مملوء بالغم في قلبه ومملوء بالهم كيف تلد امرأته أنثى؟ والأعجب من هذا، زيادة في كفرهم وإمعانا في ضلالهم، جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، الجعل هنا بمعنى القول وبمعنى التسمية، بمعنى التسمية وبمعنى أيضا الجعل، (وَجَعَلُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَـٰدُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثًا ۚ ) بيان للضلال والكفر، البنات والإناث، الله، تبارك وتعالى، يهب لمن يشاء الذكور ويهب لمن يشاء الإناث، ويهب لمن يشاء الصنفين، ويجعل من يشاء عقيما، ليس الذكر كالأنثى أراد الله ذلك (ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ) [سورة النساء آية‫:‬ ٣٤]، لكن الله، تبارك وتعالى، حين فضل الذكر على الأنثى فضله بسبب القوامة وبما أنفقوا من أموالهم ولله تبارك وتعالى أن يصطفي ويختار ما يشاء لا ما يشاءون، البنات كيف تربى وكيف تنشأ ومن رُزق بالبنين وبالبنات لا بد وأن تختلف المعاملة وتختلف التربية للولد عن البنت فأنت حين تربي الولد تربيه ليكون رجلا مسئولا قواما يعمل ويكد ويكدح ليكتسب رزقه، تربيه على الفروسية، تربيه على الشجاعة، تربيه على الكرم، تربيه على المسئولية، أما البنات فتربى على الرقة، وتربى على الدلال، وتربى على التدليل، وزي البنت يخالف زي الولد، زي الولد بسيط وزي البنت مزخرف مزين ألوانه براقة، كما أن ما حرم على الرجال لا يحرم على النساء، فللنساء أن يتزين بالذهب ولهن أن يتزين ويتزيين بالحرير، فلبس الحرير والذهب حرام على الرجال مباح للنساء، من هنا تربى البنت على الرقة، تربى على الدلال، تربى في الحرير، تربى في الحلية، تربى في الذهب فيقول الله، تبارك وتعالى، لهم هؤلاء الذين وأدوا البنات وعقّوا الأمهات وفضلوا الأولاد على البنات، يخاطبهم ولكن بخطاب الخالق الرحمن، الخطاب الذي يعقله أولو الألباب، ليس فيه صخب ولا سباب، ليس فيه خروج عن اللياقة في الحديث، يقول الله، تبارك وتعالى، واصفا للبنات‫:‬‬‬‬
أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍۢ ﴿18﴾
تعبير غاية في الرقة، غاية في اللطف لتطييب قلوب النساء نساء الأمة لم يسبّ ربنا البنات، إنما اعترض على الكفار أنهم خصوه بالبنات الذين هم إذا بشروا بهن اسودت منهم الوجوه وامتلأت بالغمّ منهم القلوب فيقول لهم‫:‬ (أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ) (أومن ينشأ في الحلية) (أومن يناشؤ في الحلية) النشوء التربية، نشأت في بني فلان تربيت فيهم فالنشوء التربية نَشَأَ نَشْئًا ونشوءًا ونُشِّئَ وأُنشيَ بمعنًى، يقول الله بهذا التعبير الدقيق كيف اخترتم البنات لله؟ والبنات من طبعهن أن يربيهن الوالد في الحلية، الحلْي، والآية دليل على الترخيص للنساء في أن يتزينَّ بالحلْي والحُلي وأن يلبسن الحرير، فالآية دليل على ذلك، فالله، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ) في الحرير في التنعيم في الذهب تلبس وتتزين وهكذا، هل يتخذ ربنا من هذا شأنه ولدا، الخالق القوي القاهر إن كان محتاجا لتأييد فهو محتاج للأقوياء لا للضعفاء الذين يربين في الحلية، أيضا في الخصام حين المجادلة حين الاختلاف لا حجة لهن وإن كانت لها الحجة صاغتها على نفسها، لا يبين لا يوضح وما من امرأة خاصمت وكانت لها حجة إلا وقلبتها على نفسها، فهن ناقصات عقل وناقصات دين، وهن في الخصام لا حجة لهن، المرأة ضعيفة ضعيفة في البنية ضعيفة في الجسم ضعيفة في الرأي أيضا لا حجة لها ولا برهان وإن كانت لها الحجة والبرهان لا تستطيع أن توضحها كما يوضحها الرجال، لا تقوى على طول الجدال، بل تسرع الدموع إلى عينيها، إن غلبت بكت، وإن فقدت الحيلة ذرفت الدموع (أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍۢ (١٨)) هل من هذا شأنه ينسب إلى الله، تبارك وتعالى؟‬‬
وَجَعَلُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَـٰدُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثًا ۚ أَشَهِدُوا۟ خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ وَيُسْـَٔلُونَ ﴿19﴾ وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴿20﴾ أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰبًۭا مِّن قَبْلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسْتَمْسِكُونَ ﴿21﴾ بَلْ قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ ﴿22﴾ وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍۢ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ ﴿23﴾ قَـٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ ۖ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ﴿24﴾ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴿25﴾
‫(وَجَعَلُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَـٰدُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثًا ۚ ) وصفوا الملائكة بالأنوثة والملائكة عباد الرحمن، قال فيهم ربهم‫:‬ (بَلْ عِبَادٌۭ مُّكْرَمُونَ (٢٦)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٢٦]، وقال في شأنهم‫:‬ (أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَن يَتَّخِذُوا۟ عِبَادِى مِن دُونِىٓ أَوْلِيَآءَ ۚ ) [سورة الكهف آية‫:‬ ١٠٢]، فمدحهم بقوله عبادي، هؤلاء العباد كيف يُعبدون وهم يَعبدون (لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)) [سورة التحريم آية‫:‬ ٦]، وقرئت‫:‬ (وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثا) العندية ليست عندية مكان بل عندية منزلة كقوله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِندَهُۥ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١٩]، وقوله، تبارك وتعالى‫:‬ (فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْـَٔمُونَ ۩ (٣٨)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٣٨]، فقرئت كذلك‫:‬ (وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن)، و(وجعلوا الملائكة الذين هم عبيد الرحمن) طالما جعلوا هذا وحكموا بذلك، جعلت زيدا أكرم الناس أي حكمت له بذلك، الجعل هنا الحكم والقول، (وَجَعَلُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَـٰدُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثًا ۚ ) طالما حكمتم بأن الملائكة إناث لا بد لهذا الحكم من دليل والدليل إما عقلي وإما نقلي، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (آشْهِدوا خلقهم) (أأُشْهِدوا خلقهم) (آأُشْهِدوا خلقهم) (أَشَهِدُوا۟ خَلْقَهُمْ ۚ ) هل رأوا الملائكة حين خلقت، لأن الأنوثة والذكورة لا تعلم إلا بالمشاهدة، فأنت حين تلد امرأتُك تنظر وتعلم أذكر هو أم أنثى، فكيف علموا أن الملائكة إناث؟ يقول الله‫:‬ حين خلقهم الله؟ هل شهدوا كيف خلقهم الله؟ هل نظروا إليهم؟ هل رأى أحد منهم الملائكة فعلم أنهم إناث (أَشَهِدُوا۟ خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ وَيُسْـَٔلُونَ (١٩))، (سنكتب شهادتهم)، (ستُكتب شهاداتهم)، (سيكتب شهادتهم ويسألون) قراءات، قراءات كلها بمعنى واحد، ويسألون يوم القيامة عن هذه الشهادة، شهادة الزور، يسألون عن شهادة الزور التي شهدوا بها، شهدوا أن الملائكة إناث، هل شهدوا خلقهم؟ ستكتب شهادتهم ويسألون، وهنا يسوق الله قولهم حين هددوا بالعذاب وحين نوقشوا بالمنطق‫:‬‬
‫(وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم ۗ ) سبحان الله! كلمة حق، (لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم ۗ ) (وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٣٧]، (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١١٢]، (وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟ ۗ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٠٧]، الله يقول ذلك، الله، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟ ۗ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٠٧]، فهم يقولون كلمة حق (وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم ۗ ) كلمة حق أريد بها الباطل، قالوها استهزاء، قالوها مجادلة، قالوها ليدحضوا الحق بالباطل، ولو قالوها إيمانا وإجلالا لله وتعظيما له لدخلوا بها الجنة؛ لأن الله، تبارك وتعالى، لا يقع في ملكه إلا ما يريد، هي كلمة حق، لو شاء الله ما عبدوهم، لم أخذت عليهم الكلمة؟ لأنهم قالوها استهزاء وإلقاءً للمسئولية عن أنفسهم، الله، تبارك وتعالى، لا يقع في ملكه إلا ما يريد، وهو الفعال لما يريد، لأنه الملك، ولو وقع في ملكه شيء لا يعلمه لكان ذلك من صفات النقص، أو لو وقع في ملكه شيء لا يستطيع أن يغيره لكان ذلك من صفات النقص، إذا فلا يمكن أن يقع في الملك إلا ما يوافق الإرادة الأزلية ويتفق والعلم الأزلي، من هنا نعلم أن خلاف المراد وخلاف المعلوم مقدور وإن لم يقع، بمعنى أن الله، تبارك وتعالى، حين أراد لهم وشاء أن يعبدوا الأصنام كان يمكن أن يريد ألا يعبدوها، فخلاف المراد مقدور أي في قدرة الله وإن لم يقع، وكذلك علم الله من الأزل أنهم لو تركوا وأنفسهم لاختاروا الكفر، علم ذلك من الأزل، خلاف هذا العلم مقدور، لو أراد الله أن يؤمنوا لآمنوا وإن لم يقع؛ لأن الله، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ ) [سورة يونس آية‫:‬ ٩٩]، لو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعا، إذا خلاف المشيئة وخلاف العلم وخلاف المراد وخلاف العلم مقدور الله وإن لم يقع، فلم وقع؟‬
‫المشيئة اختيار بين الممكنات، من الممكن أن يؤمنوا لأنه في قدرة الله، ومن الممكن أن يكفروا فاختارت المشيئة لهم الكفر، ولو اختارت الإيمان لوقع، إذا فلا بد وأن نعلم أن الإرادة شيء، والأمر شيء آخر، أراد منهم الكفر ولم يأمرهم به (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٢٨]، حين أمر إبليس بالسجود هل أراد منه ذلك؟ لا يمكن لأنه لو أراد منه السجود لسجد لأنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد، وهو الفعال لما يريد، أمره السجود ولم يرده منه لماذا لم يرد منه السجود؟ حتى يظهر الكفر والكبر هؤلاء لو شاء الله ما عبدوا الأصنام فلم أراد منهم ذلك؟ ولم شاء لهم ذلك؟ لأنه علم من الأزل أن فساد فطرتهم سوف يؤدي بهم إلى الكفر فأذن بوقوع الكفر في ملكه، أذن بذلك كما يحدث في دنيانا هذه فقد يعلم الحاكم بوجود مؤامرة ضده، قد يعلم بذلك ويستطيع أن يمنعها ولكنه يتركهم ويراقبهم حتى إذا أخذهم واجههم بالدليل، فالله، تبارك وتعالى، علم من الأزل بكفر هؤلاء، لو أدخلهم النار حينئذ من قبل خلق الدنيا، له أن يفعل ذلك، ولكن الله، تبارك وتعالى، لو فعل ذلك لقالوا‫:‬ لم لم تختبرنا؟ لم لم ترسل إلينا رسولا؟ وقد ساق الله هذه الحجج في قوله‫:‬ (وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُم بِعَذَابٍۢ مِّن قَبْلِهِۦ لَقَالُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًۭا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ (١٣٤)) [سورة طه آية‫:‬ ١٣٤]، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا (١٥)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ١٥]، لأنه لو عذبهم بعلمه الأزلي لقالوا لم نفعل شيئا، ولكن لله الحجة البالغة، من هنا نعلم أن الله، تبارك وتعالى، أمر وأراد، الأمر قد يتفق مع الإرادة وقد لا يتفق، والرضا قد يتفق مع الإرادة وقد لا يتفق، الله، تبارك وتعالى، لا يرضى لعباده الكفر ولم يأمر عباده بالكفر بل يرضى منهم الإيمان ولا يرضى منهم الكفر لكنه الملك ولا يقع في ملكه إلا ما يريد فعلم أزلا أن هؤلاء سوف يكفرون فتركهم وأوكلهم إلى أنفسهم وتركهم يكفرون حتى إذا أخذهم (كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًۭا (١٤)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ١٤]، من هنا قالوا كلمة حق وأرادوا بها الباطل حيث قالوا‫:‬ (وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم ۗ ) نعم لكنهم قالوها استهزاء، قالوها استهزاء ليس إيمانا بالله ومعرفة بالله، من هنا كان الرد عليهم‫:‬ (مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)) الخرص‫:‬ الكذب، أصل كلمة الخرْص القول بالظن والحكم بالتخمين، ولذا كانت العرب تخرص النخلة، ينظر إلى النخلة وما عليها من ثمر ويقدر ظنا وتخمينا ما سوف تأتي به الشجرة كيلا ًأو وزنا، وفي زماننا هذا يصنع الفلاحون كذلك في حدائقهم ينظر إلى الشجر ويقدر ما عليه من ثمار بالظن، ذاك يسمى خرصا، خرص يخرص قال بالظن وبالتخمين، فهؤلاء ظنوا وخمنوا‫.‬‬
‫(وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)) يقولون بالظن والحدس، وقد يرجع الكلام لقومهم الملائكة إناث (مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰبًۭا مِّن قَبْلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)).‬
‫هاهي الحجه الثانية، الحجة الأولى (أَشَهِدُوا۟ خَلْقَهُمْ ۚ ) المشاهدة الحكم بالعقل، بالتمييز، بالإدراك، أو بالنقل فلا بد لكل أمر ولكل حكم من برهان ودليل؛ إما عقلي وإما نقلي، أما العقل فقد ذهبت حجتهم فيه لأنهم لم يشهدوا خلق الملائكة، كما أن الواحد الأحد إذا أراد أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق لا أنتم تختارون له بل هو يخلق ما يشاء ويختار، كما أن الواحد الذي لا يتجزأ لا يمكن أن يكون له ولد لأن الولد جزء من أبيه والله، تبارك وتعالى، لا يتجزأ، ليس بجسم مصور ولا بجوهر محدود مقدر ولا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام، بالعقل لا يمكن أن يقال إن الله ولدا، بالعقل لا يمكن أن يقال إن الملائكة بنات الله (أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍۢ (١٨)) أيؤثركم بالبنين ويأخذ هو لنفسه البنات (أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍۢ وَأَصْفَىٰكُم بِٱلْبَنِينَ (١٦)) هذا هو العقل الكلام بالعقل إذا فليس لهم دليل من العقل فهل لهم دليل من النقل؟‬
‫(أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰبًۭا مِّن قَبْلِهِۦ) من قبل القرآن أو (مِّن قَبْلِهِۦ) من قبل زعمهم أن الملائكة بنات الله (فَهُم بِهِۦ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)) هل هناك دليل نقلي؟ نحن الآن حين نتكلم عن وحدانية الله نتكلم عن وحدانية الله بالدليل النقلي، نقل إلينا من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، القرآن ذاك دليل نقلي، الدليل الفعلي أن تتفكر، كان ولم يكن شيء ويبقى ولا يبقى شيء إذا فهو الأول وهو الآخر هو الظاهر وهو الباطن، العقل يؤدي إلى ذلك، والنقل يؤدي إلى وحدانية الله، تبارك وتعالى، الوحدانية لله أمر لازم لازم، لا بد أن يكون واحدا عقلا ونقلا، هؤلاء حين زعموا ما زعموا ليس لهم دليل من العقل وليس لهم دليل من النقل وها هو يسألهم‫:‬ (أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰبًۭا مِّن قَبْلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)) حين أسقط في أيديهم ولم تكن لهم حجة عقلية ولا نقلية (قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ (٢٢)).‬
‫ظهر الحق، ظهر الحق لا دليل عقلي ولا دليل نقلي وإنما تقليد دون تفكير ودون إعمال للعقل (بَلْ قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ) (على إمة) الإمة والأمة الطريق، الأمة الدين الأمة الطائفة من الزمان، الأمة الجماعة من الناس، هنا كلمة أمة تعني الطريق الشريعة الدين والإمة ما يؤم ويقصد (وجدنا آباءنا على إمة) على طريقة على حالة (وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم) كما فعلوا نفعل (مُّهْتَدُونَ (٢٢)) أي مقتدون سائرون على الدرب، تقليد بغير إعمال للعقل، والآية دليل على ذم التقليد دون إعمال العقل والفكر، ويعزي ربنا، تبارك وتعالى، الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، ويسري عنه ويسليه فيقول‫:‬ (وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍۢ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ (٢٣)).‬
‫إذا فالتقليد أمر قديم، التقليد أمر قديم، وكما هو في أمتك يا محمد فهو أيضا كان في الأمم السابقة، وما من أمة سبقت وما من قرية كانت إلا وأرسل إليها النذير، وحين جاءهم النذير ينذرهم قالوا وجدنا آباءنا كما قال مشركو مكة وكما قال قومك، فأنت لست بدعا من الرسل (مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ ) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٣]، تسرية تعزية للحبيب المصطفى (وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍۢ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ (٢٣)).‬
‫أيها الأخ المسلم ما من حكم إلا وله دليل، وما من حقيقة إلا ولها حق، حقيقة الإيمان أن يعلم العبد أن الله هو الخالق هو المدبر هو الرازق هو كل شيء، هو الله ولا شيء سواه، تلك حقيقة الإيمان، ولو تجمل المرء وتزين قلبه بهذه الحقيقة ما سأل إلا الله وما عبد إلا الله وما لجأ إلا إلى الله وما توكل إلا على الله، وكلما أحس العبد بحقيقة الإيمان في قلبه وكلما انشرح صدره بنور اليقين كلما زاده الله إيمانا على إيمان؛ (فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًۭا) [سورة التوبة آية‫:‬ ١٢٤]، ما من آية إلا وتزيد المؤمن إيمانا وربنا، تبارك وتعالى، يقذف من نوره في قلب المؤمن، وقد حدث يوما أن جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فسأله النبي، صلى الله عليه وسلم، كيف أصبحت؟ فقال‫:‬ أصبحت مؤمنا حقا يا رسول الله، فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (انْظُرْ مَا تَقُولُ! فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً)، معنى الكلام أن الإنسان لا يحكم لنفسه بشيء إلا إذا كان له الدليل على ذلك، (انْظُرْ مَا تَقُولُ! فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟)؟ قال‫:‬ يا رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا، إذا فقد علم أنها إلى زوال فعزفت نفسه عنها، عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، صام بالنهار وقام بالليل، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وأصبحت أرى الجنة وأهل الجنة فيها يتنعمون، وأرى النار وأهل النار فيها يتعاوون، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (عَرَفْتَ فَالْزَمْ).‬
‫إن التقليد مذموم إلا أن يكون التقليد له دليل، فنحن نقلد العلماء، والعلماء قلدوا الأصحاب، والأصحاب قلدوا الرسول، صلى الله عليه وسلم، هذا التقليد تقليد في الحق وبالحق، لأنا أولا آمنا وعرفنا الحق واتبعناه، فالتقليد في السلوك في الخلق في الأخذ بالأسباب كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ)، فنحن نتبع النبي، صلى الله عليه وسلم، في سلوكياته وأخلاقياته أيضا نتبعه في عبادته حيث قال‫:‬ (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)، وقال في حجة الوداع‫:‬ (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ، فَلَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا)، فالتقليد هنا ممدوح لأنه تقليد بالحق وللحق، أما التقليد في أمور ما أنزل الله بها من سلطان ولا دليل عليها ولا برهان فهو مذموم، هؤلاء المشركون قالوا بعد أن سقطت حجتهم وتبين أن كلامهم لا دليل عليه من العقل أو النقل، (قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ ﴿٢٢﴾) وكذلك قال الكفار من قبلهم، وقد ذكر المترفون وخصوا بهذا التكذيب، (وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍۢ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ) المترفون المتنعمون، تَرِفَ الرجل تنعم، أترفته النعمة أفسدته وأبطرته وأطغته، فالمترف هو من أطغته النعمة، والمترفون في كل زمان هم الجبابرة، هم من ملكوا رقاب الناس، هم الطغاة، من هنا خافوا على سلطانهم وجاههم، وأول ما قيل للنبي، صلى الله عليه وسلم، من صناديد قريش المترفين في قريش‫:‬ أخرج هؤلاء الفقراء والعبيد ونحن نجلس إليك، أول ما قالوا، وكذلك فرعون حين جاءه موسى بالحق وأسقط في يده وسجدت السحرة وذهبت حجته (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا) [سورة طه آية‫:‬ ٥٧]، اتهمه بالمؤامرة والسعي للملك (وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلْأَرْضِ) [سورة يونس آية‫:‬ ٧٨]، نظرة خاطئة، فقد للتمييز، هؤلاء الذين قلدوا الآباء وقالوا إنا على آثارهم مهتدون، يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬
‫(قُلْ) والخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، (أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ ۖ ) ها وقد سقطت الحجج ولا دليل ولا برهان، أنتم تتبعون آباءكم تقليدا، فإذا جئتكم بما هو أرشد وأهدى وأصلح مما وجدتم عليه الآباء، ما رأيكم؟ منتهى اللطف في الجدال، منتهى الرحمة في محاولة إفهام هؤلاء، (قُلْ) أي يا محمد (أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ ۖ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ﴿٢٤﴾) الكفر البواح سقطت الحجج والأدلة، إذا هم لا يريدون الإيمان، ولو أرادوه لطلبوه، من هنا علم الله ذلك منهم من الأزل فشاء لهم الكفر ولم يشأ لهم الإيمان هاهو يقول لهم‫:‬ (أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ ۖ ) لم يفكروا ولم يميزوا ولم يفاضلوا بين العقائد والشرائع، لم يفاضلوا بين ما وجدوا عليه الآباء وما جاءهم به، لم يفكروا ولم يفاضلوا بل أصروا على الاتباع والتقليد وإن كان باطلا (قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ﴿٢٤﴾).‬
‫وقرئت الآية‫:‬ (قَـٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ) وكأن الكلام عن النذير قال النذير (وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍۢ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ ﴿٢۳﴾ قَـٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ) الذي أرسل، والكلام عن كل الرسل، أي كل نذير منهم قال لقومه حين قالوا وجدنا آباءنا، فرد عليهم وقال‫:‬ (أولو جئناكم) قراءة أيضا، (قُل) و (قَـٰلَ)، (جِئْتُكُم) (جئناكم)، (قال أولو جئناكم) أي قال كل نذير منهم (أولو جئناكم) أي قالوا‫:‬ (أولو جئناكم) (بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ ۖ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ﴿٢٤﴾ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴿٢٥﴾) تسلية للنبي، صلى الله عليه وسلم، ووعيد لهؤلاء الكفار هؤلاء الذين رفضوا العقل ورفضوا المنطق ورفضوا الأدلة ورفضوا البراهين رفضوا كل ذلك وأصروا على البقاء في الظلام وفي الظلمات وأصروا على التقليد وإن كان باطلا، (أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ ۖ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ﴿٢٤﴾) دون مناقشة، دون تمييز، دون تفكير دون مفاضلة دون تعقل، لذا يهدد ويتوعد ربنا، تبارك وتعالى، فيقول‫:‬ (فَٱنظُرْ) فتأمل (كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴿٢٥﴾) انتقم الله تبارك وتعالى منهم كقوم عاد كثمود الذين جابوا الصخر بالواد، كفرعون ذي الأوتاد، كيف فعل الله بهم، امش في الأرض، وتأمل وانظر أين الآباء؟ أين الأجداد؟ مدينتكم هذه أهي جديدة أم قديمة؟ بل كانت وكان لها شأن وكان فيها أناس وكانت فيها الأصنام وكانت فيها القصور وكان فيها وكان فيها أين هم؟ أين آثارهم؟ أين أموالهم؟ أين قصورهم أين جاههم أين هم أين عظامهم لا أثر لهم، لا أثر لهم، تأمل واعتبر يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴿٢٥﴾) وإذا نظرت وتأملت ورأيت علمت أن السلامة والنجاة في اللجوء إلى الله لأن الله، تبارك وتعالى، هو الهادي إلى سواء السبيل، ومن يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم الإيمان نور في الدنيا وعلى الصراط وفي الآخرة وربنا، تبارك وتعالى، يشرح لنا ذلك ويقول‫:‬ (أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَـٰهُ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٢٢] أي ميت بالكفر ميت بالجهل ميت الأحياء (أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ) في الناس في الدنيا بصيرة يميز بها (أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ) هذا هو نور الإيمان في الدنيا ونور الإيمان في الآخرة (يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم بُشْرَىٰكُمُ ٱلْيَوْمَ) [سورة الحديد آية‫:‬ ١٢].‬
‫أيها الأخ المسلم الإيمان بالله راحة إذا آمنت بالله حق الإيمان لم تخف إلا الله ولم تسأل إلا الله، وقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم، لأحد أصحابه وكان مردفا له خلفه‫:‬ (اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ)، وقال له‫:‬ (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ).‬
‫أيها الأخ المسلم، سلّم تسلم، سلم تسلم، هو الفعال لما يريد هو الله يفعل ما يشاء وأنت ليس بيدك شيء إلا أن تسلم فتسلم، أسلموا تسلموا، وسلوا الله دائما وأبدا بالوثوق وباليقين وبالتأكد أن الله تبارك وتعالى لا يرد السائلين‫.‬‬
‫ذمّ الله تبارك وتعالى التقليد بغير دليل من عقل أو نقل، وما من أمة بعث فيها رسول إلا وقال مترفوها‫:‬ (إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ ) على شريعة وعلى طريقة وعلى دين وعلى ملة (وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ ﴿٢۳﴾) تقليد أعمى تقليد بغير دليل من عقل وبغير دليل من نقل، وإذا كان الأمر كذلك في جميع الأمم فقد سادت قريش على الدرب وسارت على نهج المكذبين ورفضت الحق الذي جاء به محمد، صلى الله عليه وسلم، والذي عرف بينهم بالصادق والأمين، رفضوه وقالوا‫:‬ (إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ ﴿٢۳﴾) فيقول الله لهم إذا كان ولا بد من التقليد فقلدوا أشرف الآباء قلدوا أعظم الآباء الذي تعترفون بأبوته لكم وللأنبياء جميعًا، والذي تتشرفون بالانتساب إليه ألا وهو إبراهيم، قلدوه فقد كان على برهان من ربه، إما أن تقلدوه في رفض التقليد بغير دليل من عقل أو من نقل وإما أن تقلدوه فيما فعل وفيما أتى به، فيقول الله، تبارك وتعالى، مخاطبا للحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌۭ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿26﴾ إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ ﴿27﴾ وَجَعَلَهَا كَلِمَةًۢ بَاقِيَةًۭ فِى عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿28﴾
هذا هو إبراهيم، أشرف الآباء على الإطلاق، رفض التقليد، وجد قومه يعبدون الأصنام فرفض أن يقلدهم وتبرأ من عبادتهم للأصنام وأعلنها واضحة جلية، إذا فقد رفض إبراهيم التقليد فكذلك عليكم أن ترفضوا التقليد كما رفضه أبوكم الأكبر والأشرف، وإن أردتم أن تقلدوا ملة الآباء وكان لا بد لكم من التقليد فلم لا تقلدون ملة أبيكم إبراهيم (هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ) [سورة الحج آية‫:‬ ٧٨]، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى، للحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم‫:‬ ذكرهم واذكر لهم وقت أن جاء إبراهيم ووجد قومه يعبدون الأصنام فتبرأ منهم وتبرأ مما يعبدون وتبرأ من التقليد واتبع الحق (وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌۭ مِّمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦)) قراءة (إنني بريء مما تعبدون) قراءة، البريء والبراء، البريء من الشيء الخالص منه، والبراءة والتبري من الشيء التفصي عن هذا الشيء، وكلمة براء تستخدم للواحد ولا تثنى ولا تجمع فتستخدم للمفرد مذكر أو مؤنث، تستخدم للمثنى وتستخدم للجمع، لأنها في الأصل مصدر، إنني براء وهم براء وهما براء وهي براء، كلمة تستخدم للجمع، أما إذا قال إنني بريء فهي بريئة وهما بريئتان وهن برايا وبريئات، وهما بريئان وهم بريئون وأبرياء وبُرآء وبِراء تجمع .‬
‫(وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌۭ مِّمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى) الله الذي خلق، وطالما فطرني، والفطر الشق الفطر الإيجاد من العدم، كنت معدوما فأوجدني طالما أوجدني فهو أحق بأن يعبد فلا أعبد إلا الذي أوجدني، أوجدني من العدم إذا فهو الرب وأنا العبد، وطالما أوجدني فقد أبقاني وهيأ لي ما أحيا به ويدوم بقائي، ولا بد أن أرجع إليه ومصيري بيده، فهو المستحق للعبادة، والكلام (إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى) استثناء إن كان متصلا فقد عبدوا الله مع الأصنام، عبدوا الله وعبدوا الأصنام كما فعلت قريش، قالوا الأصنام تقربهم إلى الله زلفى، وإن كان الاستثناء منفصلا حسب الإعراب فقد عبدوا الأصنام فقط ولم يعبدوا الله، وهنا يصبح المعنى إنني بريء مما تعبدون لكن الله الذي أوجدني وأنشأني من العدم هو المستحق للعبادة، (إِنَّنِى بَرَآءٌۭ مِّمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى) أي عبدتموه وعبدتم الأصنام فأنا أستثنيه من المجموع وأعبده وحده‫.‬‬
‫(إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ (٢٧)) وقد كان إبراهيم مهديا، كان مهديا وكلامه دليل على الهدى، فلم قال إنه سيهدين؟ لأن الهدى درجات ومقامات وفوق كل هدى هدًى آخر وكأن إبراهيم طمع في مزيد من الهداية والدلالة (سَيَهْدِينِ (٢٧)) أو سيبقيني على الهدى سيبقيني على ما هداني إليه أو يزيد من هدايتي، أيضا يشعرهم إبراهيم أن الهادي إلى سواء السبيل هو الله الذي فطر الذي خلق الذي أوجد، وكل صانع أدري بصنعته‫.‬‬
(إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةًۢ بَاقِيَةًۭ فِى عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)) (عقْبه) بسكون القاف، عقِبه بكسر القاف قراءتان العقِب والعقْب‫:‬ الولد وولد الولد، الذرية والنسل، ذاك هو العقب، وعقب يعقُب جاء الشيء بعد الشيء، كان من جنسه أو من غير جنسه، ولك أن تقول أعقب الله بخير، وأعقب الشيب السواد، جاء شيء بعد شيء، فإذا أطلق العقب على الولد كان ذلك معناه الولد وولد الولد وولد ولد الولد وهكذا، كل من جاء من الولد من بعدك فهو عقب‫.‬‬
‫(وَجَعَلَهَا كَلِمَةًۢ بَاقِيَةًۭ فِى عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)) ما هي الكلمة التي جعلها باقية في عقبه؟ ومن الذي جعل؟ الجاعل هو الله، أي جعل الله، تبارك وتعالى، الكلمة كلمة إبراهيم (إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٣١)) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٣١]، أو الكلمة‫:‬ لا إله إلا الله، أو الكلمة هي قوله‫:‬ (إِنَّنِى بَرَآءٌۭ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿٢٦﴾ إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى).‬
‫جعل ربنا تبارك وتعالى كلمة التوحيد في نسل إبراهيم إلى أن تقوم الساعة، هم الموحدون والناس لهم في التوحيد تبع إلى أن تقوم الساعة، ومن عقبه محمد، صلى الله عليه وسلم، ، فالجاعل هو الله والكلمة كلمة التوحيد، أو الجاعل إبراهيم، (وَجَعَلَهَا) إبراهيم، جعل كلمة التوحيد التي قالها جعلها متوارثة في نسله وفي أولاده فأوصاهم بذلك حيث أوصى بها إبراهيم (إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٣١) وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٣٢)) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٣١ - ١٣٢] فتوارثها الآباء وورثوها للأبناء وجعلها إبراهيم كلمة باقية في ولده وولد ولده إلى أن تقوم الساعة يوصى بعضهم بعضا بالتوحيد وهكذا، ويورث الأبناء كلمة الأب الأعظم كلمة إبراهيم‫:‬ لا إله إلا الله‫.‬‬
‫(لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٢۸﴾) إذا كان الجاعل للكلمة إبراهيم فقد جعلها في عقبه (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٢۸﴾) أي لعل من أشرك يرجع بدعاء من وحد فإذا الموحدون من نسله يردون المشركين إلى كلمة الحق إلى الله إلى التوحيد، وإذا كان الجاعل للكلمة هو الله يصبح في الكلام تقديم وتأخير (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فانه سيهدين لعلهم يرجعون وجعلها باقية في عقبه) أي أن إبراهيم حين قال لأبيه وقومه إنني بريء من هذه الأصنام التي عبدتموها ووجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين قال ذلك لعل قومه يرجعون عن غيهم وعن شركهم ويؤمنون بربه الذي آمن به، ففي الكلام تقديم وتأخير (إلا الذي فطرني فإنه سيهدين لعلهم يرجعون) أي قال إبراهيم ذلك إذا قال إبراهيم ذلك لعلهم يرجعون أي لعلعم يرجعون عن شركهم وجعلها الله، تبارك وتعالى، كلمة باقية في عقبه‫.‬‬
‫ثم يقول ربنا تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬
بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿29﴾ وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌۭ وَإِنَّا بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ﴿30﴾ وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴿31﴾ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَـٰتٍۢ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًۭا سُخْرِيًّۭا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴿32﴾
طالما ترك إبراهيم هذه الكلمة في عقبه باقية إلى أن تقوم الساعة، أو جعلها الله، تبارك وتعالى، في عقب إبراهيم إلى أن تقوم الساعة فمال هؤلاء لا يؤمنون؟ فمال هؤلاء يشركون؟ فمال هؤلاء يكذبون النبي، صلى الله عليه وسلم، ؟ فيقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ لأننا متعناهم هم وآباءهم، أمدّ الله في أعمارهم وأمهلهم وأعطاهم من النعم حتى طغوا ونسوا الدار الآخرة ونسوا الله وابتعدوا عن شريعة إبراهيم وإسماعيل اللذين ينتسبون إليهما، فهم ينتسبون إلى إبراهيم وإسماعيل وهم مقيمون في الحرم الذي دعا إبراهيم ربه أن يجعله آمنا وأن يرزق أهله من الثمرات، لم ضلُّوا عن ملة إبراهيم؟ لم ضلوا عن ملة إسماعيل؟ لأن الله، تبارك وتعالى، أعطاهم وأمد في أعمارهم وأعطاهم من النعم وأمهلهم فنسوا الذكر وكانوا قوما بورا، يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (بل متعنا هؤلاء وآباءهم) قراءة وقراءة أخرى‫: (بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ)‬ الحق القرآن، الحق الكلمة التي قالها إبراهيم كلمة التوحيد، (وَرَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ (٢٩)) محمد، صلى الله عليه وسلم، رسول ظاهر الصدق ظاهر الدلالة في أنه من عند الله، تبارك وتعالى، رسول مبين واضح في رسالته أو رسول مبين يبين لهم ما هم إليه محتاجون، مبين يبين ويوضح الطريق إلى الله رسم الطريق إلى الهدى ولولا هديه ما صح للعبد وصول، نعم هو الذي رسم الطريق لنا، ولما جاءهم الحق القرآن وكلمة التوحيد أو لما جاءهم النبي، صلى الله عليه وسلم،، ربنا، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ (٢٩) وَلَمَّا جَآءَهُمُ) محمد، صلى الله عليه وسلم، حق القرآن حق كلمة التوحيد حق ميراث النبوة من إبراهيم حق (وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌۭ) إذا فأرجح الأقوال أن كلمة الحق تعني القرآن لأنهم ادعوا أن القرآن سحر مبين (وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌۭ وَإِنَّا بِهِۦ كَـٰفِرُونَ (٣٠)) عناد جهل إسراف في الكفر (وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌۭ وَإِنَّا بِهِۦ كَـٰفِرُونَ (٣٠)) وزادوا في ضلالهم وغيهم وجهالتهم فقالوا‫:‬ (وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)) إذا كان القرآن سحرا فلم تتمنى أن ينزل على غير محمد؟ وانظر إلى التضارب، وانظر إلى التعارض، هم قالوا إن القرآن سحر، فإن كان القرآن سحرا فلم تتمنى أن ينزل على غير محمد وتدّعي أنه لو نزل على أحد رجلين من القريتين عظيم هم يشيرون إلى عظيم مكة الوليد بن المغيرة كان يسمى ريحانة قريش ويشيرون إلى عظيم الطائف أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي وهم قد ادعوا وزعموا أن العظمة بالجاه والعظمة بالمال والعظمة بالزعامة، فزعموا أن القرآن لو كان قد نزل على عظيم مكة وهذه العظمة لكثرة ماله وجاهه وشرفه، أو نزل القرآن على عظيم الطائف عروة بن مسعود الثقفي لآمنوا به، كيف وقد زعمتم أن القرآن سحر؟ زعمتم أن القرآن سحر فكيف تؤمنون به؟ فهل المسألة هي صحة القرآن أم من نزل عليه القرآن؟ تضارب، إذا كانت المسألة مسألة قرآن فإن كان القرآن سحرا نزل على محمد أو على غير محمد على عظيم وشريف أو على حقير ومهين فلا إيمان بسحر، وإن كان القرآن حقا وجب الإيمان به أيا كان درجة ومنزلة من نزل عليه القرآن فلله أن يخلق ما يشاء ويختار وليس لهم أن يختاروا لله ما يشاء‫.‬‬
‫(وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ) أي أحد رجلين أو على رجل من قرية من القريتين كما قال (يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱللُّؤْلُؤُ وَٱلْمَرْجَانُ (٢٢)) [سورة الرحمن آية‫:‬ ٢٢]، والخارج من أحدهما فكذلك (عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)) أي من إحدى القريتين، (لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)) فيقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ ) الرحمة النبوة، هل هم يقسمون النبوة فيضعونها حيث شاءوا؟ هم قد اعتقدوا أن العظمة والتي تستدعي نزول القرآن على الشخص المتصف بها هي عظمة الدنيا هي عظمة المظهر هي عظمة الجاه هي عظمة المال وغفلوا عن أن النبوة رحمة من الله يختص بها من يشاء أولا، ثانيا لا بد من يرزق النبوة أن يعد إعدادا خاصا ويؤهل لحمل الرسالة والخالق هو الوحيد القادر على التأهيل وإعداد من رزق النبوة، الأمر الثالث أن القرآن والنبوة تحتاج لعظمة من تنزل عليه ومن يرزق النبوة لا بد وأن يكون عظيما ولكن ليس بالمال ولا بالجاه ولكن عظيم النفس مرتفعا إلى الكمالات الإنسانية، فالعظمة المطلوبة لنبي من الأنبياء هي عظمة الروح القرآن والنبوة أمر روحاني وليس أمرا ماديا يحتاج إلى عظمة الأخلاق عظمة الروح قوة القلب التمتع بالكمالات البشرية والإنسانية في أجلى وأرقى معانيها فيقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ ) سؤال إنكاري وفيه التعجيب أيضا هل يعقل أن تترك لهم النبوة يضعونها حيث شاءوا (نحن قسمنا بينهم معايشهم في الحياة الدنيا) الدنيا الحقيرة التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة لم يترك أمر قسمتها لهم بل ربنا، تبارك وتعالى، هو الذي قسم المعايش وقسم الدنيا وهي حقيرة وتعنيهم ولم يترك لهم قسمة الدنيا فهل يعقل أن تترك لهم قسمة النبوة؟ (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ) (نحن قسمنا بينهم معايشهم) قراءتان‫.‬‬
‫(فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ ) الدنيا أي الأدنى الأقل منزلة من الدنايا فهي دنية وحقيرة ولا تساوي عند الله جناح بعوضة ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضه ما سقى كافرًا منها شربة ماء هكذا يقول الصادق المصدوق، صلى الله عليه وسلم، (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَـٰتٍۢ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًۭا سُخْرِيًّۭا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)) ربنا تبارك وتعالى قسم الحياة الدنيا بين الناس وحين قسمها جعل هذا غنيا وجعل هذا فقيرا جعل هذا أميرا وجعل هذا حقيرا، ربنا، تبارك وتعالى، حين قسم الدنيا سواء من مال أو جاه أو صحة أو فقر أو غنى أو مرض قسمها كيف شاء وبحكمته لما يشاء، حين بسط الرزق لهذا فليس لكرامته على الله، وحين ضيق على هذا لم يضيق عليه لهوانه عند الله، ولكن الله، تبارك وتعالى، رفع الناس بعضهم فوق بعض درجات كي يسّخر بعضهم بعضا، فيسخر الغني الفقير ويجعل ربنا رزق الفقير في يد الغني، يسخر القوي منهم الضعيف، تنتظم أحوال المعايش، تنتظم أحوال الدنيا، فبعضهم محتاج إلى بعض وبعضهم يسخّر بعضا، بعضهم مالك وبعضهم مملوك بعضهم يملك وبعضهم لا يملك بعضهم يفكر وبعضهم يعمل، تنتظم المعايش وينتظم حال الدنيا ولو كانت الناس غير محتاجة لبعضهم البعض ما استقامت الدنيا، لو لم يحتج الأجير لمن يعطيه الأجر ما وجد أحد من الناس أجيرا لبارت الأرض ولم يفلحها ويزرعها أحد، لو لم يحتج البائع للشاري لم يشتر منه أحد لو لم يحتج الصانع لمن يستخدم صنعته لو لم يحتج العامل لمن يستعمله، لو لم يحتج الناس بعضهم لبعض لفسدت الدنيا، لكن الله، تبارك وتعالى، رفع الناس بعضهم فوق بعض درجات، ميّز بعضهم بالغني وميّز بعضهم بالجاه وميّز بعضهم بالقوة وهكذا، لا لكرامة هذا ولا لهوان ذاك وإنما لتنتظم المعايش، وربنا، تبارك وتعالى، يبين العلة فيقول‫:‬ (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَـٰتٍۢ لِّيَتَّخِذَ) اللام للتعليل لم رفع بعضهم فوق بعض درجات لم أغنى هذا وأفقر ذاك لم صحح هذا وأمرض ذاك لم ملّك هذا وحرم ذاك؟ (لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًۭا سُخْرِيًّۭا ۗ ) السخريا التسخير الاستخدام ليستخدم بعضهم بعض ولولا ذلك ما انتظمت المعايش، قرئت (سُخْرِيًّۭا ۗ )، وقرئت‫:‬ (سِخريا) السُّخريا والسِّخْريا التسخير أو الاستهزاء، فالسُّخريا تطلق أيضا على الاستهزاء، سخر منه وسَخِر به هزأ منه وهزأ به (لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًۭا سُخْرِيًّۭا ۗ ) أو سِخريا، والاثنان موجودان، فيسخَر الغني من الفقير فيعاقب، ويسخَر القوي من الضعيف فيعاقب، ويسخّر القوي الضعيف فإن راقب الله، تبارك وتعالى، فيمن يعملون عنده أثابه الله، وإن لم يرع الله ولم يرع الحرمة عوقب على ذلك، فهم يتخذون بعضهم بعضا سُخريا وسِخريا، تسخيرا واستهزاء‫.‬‬
‫أيضا (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَـٰتٍۢ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًۭا سُخْرِيًّۭا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)) النبوة التي أرادوا أن يجعل أمرها إليهم فيقسموها كيف شاءوا أفضل وخير من الدنيا وما فيها ولم ندَع لهم قسمة الدنيا فكيف ندعُ لهم قسمة ما هو خير وأفضل وأعظم (وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)) أو (وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)) الثواب والآخرة والجنة خير من الدنيا وما فيها، فلم لا يؤمنون ولم لا يصدقون؟ وقال بعضهم‫:‬ (وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)) أي مهما جمع الجامع من المتقين ومن الصالحين من أعمال وحسنات وثواب، مهما جمع في حياته، فالفضل من الله والعطاء فوق الأجر خير وأبقى وأفضل من أجر العمل، (وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)) وأرجح الأقوال أن المقصود بالرحمة هنا النبوة (وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)). ثم يدلل ربنا، تبارك وتعالى، على حقارة الدنيا ويبين أن الدنيا سجن المؤمن جنة الكافر يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬
وَلَوْلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًۭا مِّن فِضَّةٍۢ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴿33﴾ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَٰبًۭا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِـُٔونَ ﴿34﴾ وَزُخْرُفًۭا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَٱلْـَٔاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴿35﴾
‫(سَقْفًا) (سُقُفًۭا) (سُقُوفًا) قراءات (وَمَعَارِجَ) (ومعاريج) قراءتان‫.‬‬
‫الآية تشرح أن الله يقول‫:‬ لولا أن يسعى الناس جميعا للكفر، لأن الإنسان محب للدنيا طالبا لها لا يشبع ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، فخوفا على المؤمن وخوفا على المتقين أن يجرفهم الدنيا إذا رأوا الكفار يتمتعون بزخرفها وزينتها، خوفا عليهم من ذلك لم يجعل الله، تبارك وتعالى، للكفار ما كان قادرا على أن يجعله، مالت الدنيا بأكثر أهلها ولم يفعل ربنا، تبارك وتعالى، ذلك فكيف لو فعل؟ وكأن الكافر إذا كفر أعطاه الله الدنيا وما فيها وكان علامة الكفر العطاء الدنيوي، لو أراد الله أن يجعل للكافر لبيته (سُقُفًۭا مِّن فِضَّةٍۢ) ليس من البناء (وَمَعَارِجَ) جمع مَعْرَج ومِعْرج وجمع مِعْراج معاريج ومعارج‫:‬ سلالم‫.‬‬
‫(عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣)) يرتفعون ويرتقون سواء كان السلم خشبيا أو رخاما أو من فضة أو من ذهب أو آلة كالمصعد، كان من الممكن أن يجعل ربنا هذه المصاعد للكفار من فضة، ومعارج من فضة عليها يرتفعون ويصعدون (وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَٰبًۭا) أيضا، أبواب من فضة (وَسُرُرًا) جمع سرير أو جمع أسرة، جمع الجمع، سرير وأسرة وسُرُر، سرر من فضة أيضا (عَلَيْهَا يَتَّكِـُٔونَ (٣٤)) والاتكاء على الشيء الاستناد والتحامل عليه (أَتَوَكَّؤُا۟ عَلَيْهَا) [سورة طه آية‫:‬ ١٨]، يستند على العصا والمُتكأ المكان الذي يتكأ فيه (وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِـُٔونَ (٣٤)) أي الأسرة أيضا من فضة‫.‬‬
‫(وَزُخْرُفًۭا ۚ ) أي وجعلنا لهم فوق ذلك كله زخرفا ذهبا أعطيناهم ذهبا أو جعلنا لهم زخارف يزينون بها البيوت، والزخرف يطلق على الأثاث والفراش والمتاع والزينة وما يزين ويزخرف به البيت، أي جعلنا لهم فوق ذلك كله الزخرف الأثاث والمتاع والرياش والزينة، أو الزخرف بمعنى الذهب جعلنا لهم أيضا ذهبا فوق كل ذلك أو الكلام (وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَٰبًۭا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِـُٔونَ (٣٤)) ومن زخرف أي من فضة ومن زخرف وحين حذف الخافض حرف من، انتصبت الكلمة زخرفا أي لجعلنا لهم لبيوتهم الأبواب من فضة وذهب، والسرر من فضة وذهب، والمعارج من فضة وذهب، والسقف من فضة وذهب، لو جعل الله ذلك لكل من يكفر بالرحمن يبسط له الله، تبارك وتعالى، الرزق تصبح البيوت للكافر من فضة وذهب، ماذا يحدث؟ يجتمع الناس على الكفر فتكون الناس أمة واحدة، أمة واحدة في الكفر والطغيان لأن الدنيا قد مالت بالناس، مالت بالناس ولم يجعل الله ذلك للكفار فكيف لو جعل؟ لمالت بالكل وما نجا منها أحد، (وَلَوْلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ) أي يكون الناس مجتمعين جماعة واحدة على الكفر لأنهم رأوا نتيجة الكفر فإذا رأوا نتيجة الكفر سقفًا من فضة وذهب وأبواب من فضة وذهب وبيوت مرتفعة وقصور وزخارف وما إلى ذلك لمالت الدنيا بالجميع وما نجا منها أحد‫.‬‬
‫(وَلَوْلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ لَّجَعَلْنَا) إذا فلم يجعل ربنا للكفار هذا خشية على المؤمن أن تميل به الدنيا، (وَلَوْلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًۭا مِّن فِضَّةٍۢ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَٰبًۭا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِـُٔونَ (٣٤) وَزُخْرُفًۭا ۚ ) لكن الله أراد أن يجعل في المسلمين الغني والفقير وأن يجعل في الكفار الغني والفقير ويصبح الغنى والفقر لا علاقة لهما بالإيمان أو بالكفر، ولكن الله أراد ذلك لحكمة حتى يتخذ بعضهم بعضا سخريا ويسخر بعضهم بعضا ويستخدم بعضهم بعضا ويحتاج بعضهم لبعض فتنتظم المعايش وينتظم العالم وتنتظم أحواله‫.‬‬
‫(وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ ) (لَمَا) و (لَمَّا) قراءتان، المتاع أصل الكلمة تفيد ضآلة الوقت وقلة الزمن، من قولهم متع النهار ارتفع، وإذا ارتفعت الشمس وارتفع النهار فلسويعات قليلة ثم يأتي الزوال ويأتي بعد ذلك العشي ويأتي بعد ذلك الغروب فهي مدة بسيطة، فأطلقت كلمة المتاع على الدنيا وما فيها؛ لأنها إلى زوال وعمرها قصير وخطرها حقير وزادها قليل‫.‬‬
(وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَٱلْـَٔاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)) إشعار (وَٱلْـَٔاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)) إشعار بأن الله، تبارك وتعالى، يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب ولكنه لا يعطي الدين إلا لمن أحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، إشعار بأن الله، تبارك وتعالى، أراد أن تكون الدنيا مجهلة المصير فتجد الرجل قليل الحيلة عيي اللسان ضعيف القوة مبسوطًا له في الرزق، وتجد الرجل عظيم الحيلة قوى البنية منطيقًا متكلمًا لبقًا ومع ذلك مُقتر عليه في الرزق، وتجد الرجل من الصالحين المتقين مداومًا على الصلاة والعبادة والمساجد وهو فقير محتاج، وتجد الرجل في غاية الكفر والتجبر والفجور وقد بسطت له الدنيا ونال الملك والجاه، والعكس كذلك، إذا فقد جهلت الأمور، الإنسان إذا بسط له الرزق فهو امتحان وإذا قُتر عليه فهو امتحان، ابتلى الله، تبارك وتعالى، الناس بالغنى وابتلاهم بالفقر (وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٣٥].‬
‫(وَٱلْـَٔاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)) إشعار بأن الله، تبارك وتعالى، لم يعط المتقين الدنيا وإن أعطاهم فبقدر، لأنه قد ضمن لهم الآخرة، ولو بسط الله الدنيا للجميع وأعطى الكفار السُّقُف من الفضة وما إلى ذلك ربما كانت تميل بالمؤمن فحماه الله، تبارك وتعالى، لأن الآخرة خير وأبقى، (وَٱلْـَٔاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)).‬
‫أيها الأخ المسلم يروى عن أبي بكر الصديق، رضى الله عنه وأرضاه، في خلافته أنه دعا بشراب فجيء له بشراب ماء خلط بالعسل أو كوب من اللبن مخلوط وممزوج بالعسل، فقدم إليه الشراب، الماء بالعسل أو اللبن بالعسل، فحين رآه بكى، وأخذ يبكي حتى أبكى من حوله، فقالوا‫:‬ يا خليفة رسول، الله ماذا يبكيك؟ فقال كنت يوما أجلس مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرأيته يدفع شيئا بكلتا يديه، ولم أر شيئا، فقلت بأبي وأمي يا رسول الله ماذا تدفع عنك؟ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (هَذِهِ الدُّنْيَا أَتَتْنِي فَدَفَعْتُهُا عَنِّي وَقُلْتُ: إِلَيْكِ عَنِّي، فَقَالَتْ: أَمَا إِنْ نَجَوْتَ فَلَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ بَعْدَكَ)، فذكرت ذلك فبكيت، فيقول الله، تبارك وتعالى، في أول السورة‫:‬ (أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًۭا مُّسْرِفِينَ (٥)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٥]، أي هل يمنعنا كفركم وإسرافكم على أنفسكم أن نذكركم؟ هل يمنعنا رفضكم للقرآن أن ننزله؟ لا يمنعنا ذلك، حتى يلزمهم ربنا، تبارك وتعالى، الحجة، وها هو الذكر ينزل وهاهي الآيات تترى، وها هو القصص يقص علينا، هاهو المنطق، هاهو البرهان، هاهو الدليل هاهي الحجة الدامغة فيقول الله، تبارك وتعالى‫:
وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًۭا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌۭ ﴿36﴾ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴿37﴾ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَـٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ ﴿38﴾ وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴿39﴾
أي أن الذكر قد نزل وينزل ويتوالى نزول الذكر، ولا يمنع كفر القوم أن يكمل ربنا، تبارك وتعالى، رسالته، وأن ينزل قرآنه، فها هو الذكر ينزل، فمن أعرض عن هذا الذكر وتعامى سخر الله له شيطانا، فهو معه أينما حل وارتحل، لا يفارقه في نوم ولا في يقظة، بل سخره الله له وجعله محيطا به إحاطة القيض على البيض، البيض له قشرة هذه القشرة الرقيقة المحيطة بالبيضة تسمى قيضًا، فإذا قيض الله شيئا لشيء أحاطه به كإحاطة القيض بالبيض، هل هناك منفذ؟ أبدا، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيّضُ) بالرفع قراءة (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ) بالجزم قراءة، (ومن يعشَ)، بالفتح، (عن ذكر الرحمن يقيِّضْ له شيطانا فهو له قرين) قراءة، (ومن يعش عن ذكر الرحمن يقيَّضْ له شيطانٌ) بالرفع، قراءات وكلها تفيد نفس المعنى‫.‬‬
‫(وَمَن يَعْشُ) العشى‫:‬ ضعف البصر والأعشى يرى بالنهار ولا يرى بالليل، وعَشِيَ الرجل ضعف بصره عَمِيَ، مَن يعشُ: يتعامى، من يعشَ: يعمى، ومن يعشُ يعرض ويتعامى، القراءتان، (عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ) هذا القرآن هذه الآيات هذا التذكير المتولي يقيض له ربه، يسخر، شيطانا فإذا بالشيطان له كالقيض على البيض لا منفذ، إذا فلا يصل منه دعاء، من أين ينفذ؟ لا تصل إليه الهداية من أين تدخل؟ لا يصل إليه النور من أين ينفذ؟ (نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًۭا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌۭ (٣٦)) ملازم وكأنهما قرنا ببعض أو كأنهما شيء واحد ربط برباط واحد، أو كأن من قيض له الشيطان أصبح شيطانا، لأن قرن الشيء شبيهه ومثله (فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌۭ (٣٦)) فشيطان من الإنس وشيطان من الجن‫.‬ (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ) أي الشياطين تصد هؤلاء الذين اتبعوا الضلال، (لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ) عن طريق الله، تبارك وتعالى، وعن الإيمان (وَيَحْسَبُونَ) يحسب من قيض لهم الشياطين يحسبون أنهم مهتدون، يحسبون أنهم على الهدى أو يحسبون أن الشياطين الذين أضلوهم على الهدى (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (٣٧)) إذا فذاك ضلال فوق ضلال، فهناك من الناس من يرتكب الخطأ ويقر بينه وبين نفسه أنه على خطأ وأن ذلك خطأ، فهو إلى الهداية أقرب، قد يقلع، قد يتوب، قد يرجع، ومن الناس من يرتكب الخطأ ولا يقر بأن ذاك خطأ فذاك معاند، فهو بعيد عن الهدى، بعيد عن الرجوع بعناده بإصراره على الخطأ وزعمه أن الخطأ صواب، ومن الناس من يرتكب الخطأ ولا يدري أنه على الخطأ وذاك ضلال فوق ضلال، فهؤلاء يحسبون أنهم مهتدون وهم على الضلال المبين إذا فالرجوع مستحيل، لم يرجع؟ إن كان يعرف أن ذاك خطأ قد يرجع إن كان يقرب بالخطأ قد يرجع إن كان يعاند فقد يترك عناده لكن أن يكون على الخطأ وهو يعتقد أنه على صواب هؤلاء هم الأخسرون أعمالا (ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)) [سورة الكهف آية‫:‬ ١٠٤] أكبر ضلال‫.‬‬
‫هؤلاء يصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (حتى إذا جاءانا) الإنسان وشيطانه، (جاءانا) قراءة، (حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا) الإنسان الذي قيض له الشيطان (قَالَ يَـٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ (٣٨)) ولن ينفع ذلك حيث لا ينفع الندم ولا تنفع التوبة ولا ينفع الاعتذار، هل يؤذن لهم؟ هل إذا أرادوا أن يعتذروا إلى ربهم هل يأذن لهم الله؟ أبدا (وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)) [سورة المرسلات آية‫:‬ ٣٦]، هل لو أردوا التوبة تتاح لهم الفرصة؟ باب التوبة يغلق؛ إغلاق خاص وإغلاق عام، الإغلاق الخاص لكل فرد إذا غرغر أغلق باب التوبة في وجهه، إذا غرغر، فباب التوبة مفتوح لكل إنسان حتى يغرغر فإن غرغر أغلق باب التوبة وهذا الغلق الخاص، وهناك غلق عام وهو إذا جاءت الآية الكبرى فخرجت الشمس من مغربها بدلا من أن تخرج من مشرقها، هنا يغلق باب التوبة الغلق العام إلى أن تقوم الساعة، إذا جاءت الآية الكبرى أغلق باب التوبة، (لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَـٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَـٰنِهَا خَيْرًۭا ۗ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٥٨]، إذا فباب التوبة مفتوح طالما العبد لم يغرغر وطالما الشمس لم تخرج من مغربها فباب التوبة مفتوح، فهلَّم أيها الأخوة الأحباب إلى هذا الباب المفتوح على مصراعيه نلجأ إلى الله وندلف إلى هذا الباب وندخل بسرعة وهو مفتوح قبل أن يغلق فالإنسان لا يضمن عمره ولا يضمن حياته ولا يضمن أن يوفق للتوبة، وما منا أحد إلا وهو محتاج إلى التوبة، وقد فتح ربنا، تبارك وتعالى، أبواب التوبة لكل أسير في الإثم مغلول، وربنا، تبارك وتعالى، لا يرد سائلا قط ودعاء الصالحين لديه مقبول، من تبع شيطانه وهواه خسر دنياه وأخراه وكلما ابتعد العبد عن ذكر الله وكلما أعرض عن الله كلما زاده الله، تبارك وتعالى، ضلالا فوق ضلال حتى يقيّض له شيطانا فهو له قرين وإذا بالشيطان ملازم له، يخصص له شيطان من أجله ومن أجله فقط يلازمه، فهو معه في يقظته ومنامه، في جلوسه ومشيه، في سكونه وحركته، يشاركه الطعام ويشاركه الفراش، وبل يشاركه في زوجته، فهو معه أينما حل وارتحل، إذا تكلم فالمتكلم شيطانه، وإذا سكت فالمفكر شيطانه، تحيط به الخواطر وتحيط به الوساوس ويصبح أعمى وأصم، المتكلم هو الشيطان المفكر هو الشيطان المتصرف هو الشيطان، والأدهى من ذلك أن إحاطة الشيطان به من كل جانب تجعله لا يرى ولا يسمع، فيفقد التمييز فيرى الباطل حقا، وإذا به يحسب أنه يحسن صنعا فإذا به من الأخسرين أعمالا (ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)) [سورة الكهف آية‫:‬ ١٠٤]، وهكذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًۭا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌۭ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (٣٧)) إذا فهو في ضلال مبين لأنه يعتقد أنه على الهدى، فلا مجال لرجوعه ولا أمل في إفاقته أو توبته، ويظل هكذا حتى يفاجأ بيوم الرجوع، وإذا به يرجع إلى الله ليس منفردا بل هو وشيطانه في قيد واحد، مقرنين بالسلاسل يبعث ويبعث شيطانه معه مقيدا معه في سلسلة واحدة‫.‬‬
‫(حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَـٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ (٣٨)) وقرئت‫:‬ (حتى إذا جاءانا) الاثنان الكافر وشيطانه، (قَالَ) الكافر لشيطانه‫:‬ (يَـٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ) أي بعد مشرق الشتاء عن مشرق الصيف، فهناك أطول أيام العام تشرق فيه الشمس في موعد، وهناك أقصر أيام العام تشرق الشمس فيه في موعد، وما بين المشرقين مسافة، وما بين المشرقين زمان، فهو يندم ويتمنى حيث لا ينفع الندم ولا تجدي الأماني (قَالَ يَـٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ (٣٨)) أي فبئس القرين أنت الذي قارنه في الدنيا وقارنه أيضا في البعث وقارنه في النار، بئس الصديق، بئس القرين، وقد يكون المقصود بالمشرقين المشرق والمغرب، والعرب تطلق على الأشياء المتضادة أو المتشابهة اسما واحدا، فهم يقولون عن الشمس والقمر القمرين، يقصدون الشمس والقمر، ويقولون عن أبي بكر وعمر العمرين، ويقولون عن الغداة والعصر العصرين، فكذلك يطلق على المشرق والمغرب المشرقان، من هنا حين يقول‫: (يَـٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ)‬ أي بعد المشرق عن المغرب، وقد يكون الكلام يفيد أن الشمس إذا غربت في مكان فهي مشرقة في مكان آخر، فهي مشرقة على الدوام وما الغروب بالنسبة لنا إلا شروق بالنسبة لغيرنا (حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَـٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ (٣٨)) فيجاب على الندم ويجاب على التمني فيقال له‫:‬ (وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ) أي ولن تنفعكم هذه الندامة ولن ينفعكم هذا المقال ولن ينفعكم التبري الآن، حيث يتبرأ كل من صاحبه، يتبرأ الإنسان من شيطانه ويتبرأ الضعفاء من الكبراء ويتبرأ المرءوسون من الرؤساء، (وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ) في الدنيا هذا الندم وهذا القول، (إِنكم في العذاب مشتركون) إذا فلن ينفع الندم ولن ينفع التبري كقوله الله، تبارك وتعالى، حكاية عنهم حين ينادى الضعفاء الذين استكبروا في جهنم قائلين‫:‬ (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًۭا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلنَّارِ (٤٧) قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُلٌّۭ فِيهَآ) [سورة غافر آية‫:‬ ٤٧- ٤٨]، فإذا كنا لا نغني عن أنفسنا فكيف نغني عنكم فكذلك هنا‫.‬‬
‫(ولن ينفعكم اليوم إذا ظلمتم إنكم في العذاب مشتركون) أي أنك أيها المتندم والنادم والمتمني مشترك في العذاب مع شيطانك وقرينك لك نفس العذاب وله نفس العذاب تلك قراءة، وهناك قراءة أخرى (وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)) ويصبح المعنى أن اشتراككم في العذاب لا يخفف من وقعه عليكم وقد اعتاد الإنسان في هذه الدنيا أنه إذا اشترك في المصيبة مع غيره خفف وقع المصيبة عليه، فالتأسي في الدنيا يخفف، وهناك أناس يقولون من رأى البلاء في غيره هان في عينه بلاؤه، فالاشتراك في المصائب في الدنيا يجعل الناس يتعاونون عليه، بل ويتأسّى بعضهم ببعض ويعين بعضهم بعضا، واشتراكهم في المصيبة وفي العذاب يخفف من وقع العذاب، هذا التأسِّي وهذه العادة الموجودة فينا جميعا في هذه الدنيا غير موجودة في جهنم؛ لأن لكل إنسان نصيبه الأوفر من العذاب الذي يجعله يذهل عن نفسه وغيره، الذي يجعل المرضعة تذهل عن رضيعها، والأم تذهل عن وليدها، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم اشتراككم في العذاب، إذا الاشتراك في العذاب لا يخفف من وقعه في جهنم، قد يخفف الاشتراك في العذاب والمصائب والبلاء في الدنيا من وقع البلاء على المشتركين فيه أما في الآخرة فلا يخفف الاشتراك في العذاب عن المعذَّب شيئا (وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ) أي لأنكم (فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)) فهذا الاشتراك في العذاب لن يخفف ولن ينفع، لن ينفعكم هذا الاشتراك (وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)).‬
‫وبعد ذلك يتوجه الخطاب إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، مسريا مسليا ومعزيا، فكلنا يعلم أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يضيق صدره بتكذيب قومه وكان يتمنى لو آمنوا وكان يجهد في ذلك ويتعب نفسه فيقول الله، تبارك وتعالى، له سائلا معجبا‫:‬‬‬‬
أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَمَن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿40﴾ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ ﴿41﴾ أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ ﴿42﴾
طالما أن الهدى ليس لك، وطالما أن الضلال ليس بيدك، وأنك لا تقدر ولا تقوى على الهداية ولا الإضلال، فإتعابك نفسك وضيق صدرك لا فائدة منه، فطب نفسا ودع الأمر لله ودع الخلق للخالق ولا تجهد ولا تتعب ولا تضايق نفسك ولا يضيق صدرك بما يقولون، فمن أراد الله هدايته هداه، ومن أراد الله إضلاله أضله، والآية تفيد أن الإيمان في القلب من فعل الله، وأن الضلال في القلب من خلق الله (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ) رجل أصم كيف تسمعه؟ رجل أعمى كيف تصف له الطريق؟ أنّى يسير؟ من هنا يقول الله، تبارك وتعالى، له‫:‬ (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ) أتقدر على ذلك يا محمد؟ هل تقوى؟ الذي يقوى على ذلك هو الله؛ لأنه الذي يقول للشيء كن فيكون، فيحول الأصم سميعا ويحول الأعمى بصيرا، أما أنت فلا (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَمَن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ (٤٠)) كذلك، ازداد على العمى والصم أنه ضل ضلالا بعيدا (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَمَن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ (٤٢)).‬
‫يقول الله، تبارك وتعالى، له مبشرا ومطمئنا‫:‬ إذا أردنا تعذيب قومك أخرجناك من مكة، تلك البلدة التي كذبوك فيها، ثم أوقعنا بهم العذاب وانتقمنا منهم كما فعلنا مع الأمم السابقة التي كذبت أنبياءها فأخرجنا الأنبياء ونجيناهم ثم أهلكنا المكذبين (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ) أي نخرجنك من مكة (فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ (٤١)) من هؤلاء المكذبين (أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ) أو يقضي الله أن يريه ما وعدهم من عذاب في الدنيا وفي الآخرة (فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ (٤٢)) إذا فلن يفوتوا الله، تبارك وتعالى، ولن يعجزوه فهو قادر على تعذيبهم بأساليب ووسائل لا تخطر على بال، (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ (٤٢)) وقد أراه الله تبارك وتعالى بعض ذلك في غزوة بدر حيث قتل صناديد قريش، وأشار النبي، صلى الله عليه وسلم، قبل الغزوة بيوم إلى أماكن المصارع وقال‫:‬ هنا مصرع فلان وهنا مصرع فلان وهنا مصرع فلان، وجاء الصباح وحدث اللقاء وما تعدى واحد منهم مصرعه، قتلوا حيث أشار النبي، صلى الله عليه وسلم، أراه الله، تبارك وتعالى‫:‬ (أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ (٤٢)).‬
‫وقد يكون المعنى في قوله (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ) أي الموت (فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ (٤٢)) وإذا كان المقصود بهذه الكلمة هو انتقال النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى الرفيق الأعلى فهو يحدثه عن أمته وما حدث في أمته من فتن وشرور وتفرّق، ما حدث في الأمة من اختلاف ومن حروب ومن بعد عن الإسلام وسلوك الإسلام، (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ (٤٢)) من الذين ارتدوا ومن الذين كذّبوا ومن الذين بعدوا عن الإسلام (أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ (٤٢)) وقد قيل إن النبي، صلى الله عليه وسلم، أراه الله ما تقر به عينه وأخفى عنه ما يحزنه من أمر أمته، وأخذه إليه قبل نزول الفتن وقبل نزول النقم على الأمة، وقيل‫:‬ قد رأى نبينا، صلى الله عليه وسلم، ما حدث للأمة وخرج في يوم وقال‫:‬ (وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ)، وقال‫:‬ (إِنِّي أَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ) المطر، وإنه ما رئي ضاحكا حتى مات بعد ما رأى ذلك‫.‬‬
‫والرأي الأرجح أن الآية في الكفار وليست في الأمة؛ لأن نبينا، صلى الله عليه وسلم، يقول‫:‬ (إِذَا أَرَادَ اللهُ بِأُمَّةٍ خَيْرًا قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا، فَكَانَ هَذَا النَّبِيُّ لَهَا فَرَطًا وَذُخْرًا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِأُمَّةٍ شَرًّا أَبْقَى نَبِيَّهَا وَعَذَّبَ الْأُمَّةَ فِي حَيَاتِهِ كَيْ يَقَرَّ عَيْنًا بِمَا كَذَّبُوهُ وَبِمَا آذُوهُ)، لذا فإن انتقال النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى الرفيق الأعلى والأمة باقية خير للأمة فهو فرط لنا على حوضه، وهو ذخر لأمته إلى أن تقوم الساعة‫.‬‬‬‬
فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿43﴾ وَإِنَّهُۥ لَذِكْرٌۭ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْـَٔلُونَ ﴿44﴾ وَسْـَٔلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةًۭ يُعْبَدُونَ ﴿45﴾
‫(فاستمسك بالذي أَوْحَى) الله (إليك إنك على صراط مستقيم) قراءة، (فاستمسك بالذي أَوْحَى) إليك أي بالذي أوحى الله إليك وهو القرآن، (فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ ) قراءة أخرى (فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (٤٣)) أي استمسك بالقرآن الذي أوحاه الله، تبارك وتعالى، إليك (إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (٤٣)) على الطريق الذي لا عوج له والذي يؤدي إلى رضا الله وإلى ثواب الله وإلى نعيمه وجنانه (فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (٤٣) وَإِنَّهُۥ لَذِكْرٌۭ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْـَٔلُونَ (٤٤)) أي وإن القرآن أشير إليه بقوله‫: (فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ ) (وَإِنَّهُۥ)‬ أي القرآن الذي أوحى إليك (وَإِنَّهُۥ لَذِكْرٌۭ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ ) إذا كان المراد بكلمة القوم قريش الذي هو منهم فالمعنى وإنه لشرفٌ لك، لشرف لك ولقومك من قريش وللعرب قاطبة؛ لأن القرآن نزل باللسان العربي (قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍۢ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٢٨]، وحين ينزل القرآن باللغة العربية فذاك شرف ورفعة لأهل اللسان العربي؛ لأن جميع الخلائق في كل زمان ومكان المختلفة ألسنتهم يحتاجون إلى اللسان العربي لفهم القرآن ولمعرفة الأوامر والنواهي وبذا يصبحون عيالا على أهل للغة العربية فأهل العربية وأهل اللغة العربية هم المتقدمون وهم القادة وهم الأئمة في كل زمان ومكان ويحتاج إليهم أهل كل لسان حتى يفهموا القرآن ويعقلوا عنه‫.‬‬
‫(وَإِنَّهُۥ لَذِكْرٌۭ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ ) إذا فهو شرف للنبي، صلى الله عليه وسلم، ولقومه من العرب حيث نزل القرآن بلسانهم فاحتاج أهل الألسنة الأخرى إليهم وإن كان المقصود بكلمة قوم الأمة، أمة النبي، صلى الله عليه وسلم، على اختلاف ألسنتها وألوانها، يصبح المعنى وإنه لذكر لك ولأمتك أي فيه ما أنتم إليه في حاجة، فيه حاجتكم من أمور الدنيا والآخرة، فيه الأمر والنهي، فيه الحلال والحرام، فيه الأحكام، فيه القصص، فيه خير ما قبلنا ونبأ ما بعدنا، فيه كل شيء، إذا فهو ذكر للنبي، صلى الله عليه وسلم، ولمن آمن به إلى أن تقوم الساعة مهما اختلفت الألسنة والألوان، أو إنه لتذكرة، معنى ذكر لك أي تذكرة لك ولقومك ولمن آمن بك، دائما القرآن يذكرنا بالله دائما القرآن يذكرنا بالآخرة، دائما القرآن يذكّرنا بالحلال والحرام وما إلى ذلك، (وَإِنَّهُۥ لَذِكْرٌۭ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ ) والقوم الأمة، ويصبح هذا المعنى مؤكدا لقول النبي، صلى الله عليه وسلم، لابنته فاطمة، وهي سيدة نساء العالمين‫:‬ (يَا فَاطِمَةُ، اشْتَرِي نَفْسَكِ مِنَ اللهِ فَإِنِّي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا)، ونفس الكلام قاله لعماته، قاله لزوجاته، قاله لعشيرته وأقرب الناس إليه، اعملوا فإني لا أغني عنكم من الله شيئا‫.‬‬
‫يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَإِنَّهُۥ لَذِكْرٌۭ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْـَٔلُونَ (٤٤)) وسوف تسألون عن شكر النعمة إن كان الذكر الشرف كقوله، تبارك وتعالى‫:‬ (لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَـٰبًۭا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١٠] في سورة الأنبياء، وسوف تسألون عن شكر النعمة لأن الله إذا شرفك فقد أنعم عليك وإذا أنزل كلامه بلسانك فقد تفضل عليك إذا فقد وجب عليك الشكر، هل شكرتم؟ هل قمتم بحق الشكر لله حيث أنزل القرآن بلسانكم فما احتجتم لترجمان وها أنتم تسمعونه وتفهمونه وتعقلونه أو (وَسَوْفَ تُسْـَٔلُونَ (٤٤)) عن كل ما جاء فيه من أمر (وَسَوْفَ تُسْـَٔلُونَ (٤٤)) هل عملتم بالقرآن هل عملتم بما جاء فيه؟ ربنا، تبارك وتعالى، حين أنزل القرآن لم يدع للناس حاجة إلا وبينها هل حكمتم بالقرآن أم حكمتم بقوانين وضعها أناس يجوز عليهم الصواب والخطأ؟ هل عملتم بما فيه؟ هل خشيتم ربكم؟ هل قرأتموه؟ هل قرأتم القرآن؟ كل منكم يسأل نفسه‫:‬ لو أرسل إليك إنسان خطابا ألا تفتح الخطاب؟ ألا تقرأ الخطاب؟ أيا كان المرسل ألا تفتح الخطاب وتقرأ ما جاء فيه؟ هذا القرآن ما هو إلا رسالة وخطاب من الله، جاء به محمد، صلى الله عليه وسلم، وهو رسول من قبل الله خاطبك به فأنت به مخاطب، لأنك دخلت في الخطاب، يا أيها الناس ألست منهم؟ يا بني آدم ألست منهم؟ بلى أنت منم يا أيها الإنسان أنت إنسان وربنا، تبارك وتعالى، ينادي عليك ويقول (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ (٦)) [سورة الانفطار آية‫:‬ ٦]، ألم تكن من المؤمنين، يقول الله، تبارك وتعالى، يا أيها المؤمنون، نداء، خرجت من المسجد وإذا بشخص ينادي عليك‫:‬ يا فلان ألا تلتفت إليه؟ ألا تسمع ما يقول؟ فما غرّك والمنادي هو الله الخالق الرازق المعاقب والمحاسب والمعاتب، هو الله ينادي عليك (وَسَوْفَ تُسْـَٔلُونَ (٤٤)) ما من ناطق باللغة العربية إلا وسوف يسأل عن القرآن هل قرأت القرآن؟ هل فكرت أن تفتح المصحف وتقرأ من بدايته لنهايته بفهم أو بغير فهم؟ فالله، تبارك وتعالى، أرسل رسوله وأنزل كتابه لأمة أمية (هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ) [سورة الجمعة آية‫:‬ ٢]، أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب ونزل فيها هذا القرآن، فلا عذر لأحد بأنه لا يقرأ أو لا يكتب أو لا يعرف، فمن لا يعرف القراءة والكتابة فليستمع القرآن إن الله، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَإِذَا قُرِئَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥ وَأَنصِتُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٢٠٤]، وكأن الأمر بالاستماع للكل قارئا كان أو غير قارئ، فهل قرأت القرآن؟ سل نفسك هذا السؤال وتذكر قول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَـٰبًۭا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١٠]، وتذكر قول الله، تبارك وتعالى‫:‬ الكل (فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ (٦)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٦].‬
‫وتوجه السؤال مرة أخرى للنبي، صلى الله عليه وسلم، يأمره بأن يسأل الرسل فيقول له‫: (وَسْـَٔلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةًۭ يُعْبَدُونَ (٤٥))‬ الأمر للنبي، صلى الله عليه وسلم، للسؤال، إما أن الخطاب موجه للنبي، صلى الله عليه وسلم، فعلا وهو مأمور بالسؤال وعليه أن يسأل الرسل وقد سألهم فعلا حيث أسري به إلى المسجد الأقصى وقد أنزل الله له وحشر له آدم ومن أرسل من ذريته من الرسل وجاء جبريل فأذّن وأقام وقال تقدم يا محمد فصلّ بهم، فصلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم التفت إليهم وقال‫:‬ لقد أمرني ربي أن أسألكم، أو قيل‫:‬ إن جبريل قال له هذه الآية في هذا الموضع (وَسْـَٔلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةًۭ يُعْبَدُونَ (٤٥)) فالتفت النبي، صلى الله عليه وسلم، بعد ما انفتل من صلاته وسألهم وقال‫:‬ إن الله أمرني أن أسألكم، هل أرسل أحد منكم وقد أمر بأن يعبد غير الله؟ قالوا يا محمد‫:‬ ما منا من أحد إلا وأرسل بالتوحيد وبكلمة لا إله إلا الله وأن ما يعبدون من دون الله باطل، وأنك خاتم المرسلين وسيد النبيين والمرسلين، وقد علمنا ذلك بإمامتك لنا، وأنه لا نبي بعدك‫.‬‬
‫وقيل إن النبي، صلى الله عليه وسلم، حين سأل فهو لم يكن في شك وهو غير محتاج للإجابة، بل كان على يقين من ربه، وعلى يقين بأن الرسل أرسلوا جميعا بكلمة لا إله إلا الله، والغرض من السؤال هو التقرير والتوقيف، حتى يشهد الرسل ويجمعوا جميعا على كلمة التوحيد فالسؤال ليس عن شك، والسؤال ليس عن طلب للعلم، وإنما السؤال من أجل التقرير وشهادة الأنبياء والرسل أجمعين بأن التوحيد هو أساس إرسال الرسل وإنزال الكتب، وقال بعض الناس‫:‬ إن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يسأل وقال‫:‬ قد اكتفيت، ومنعه يقينه عن السؤال، فلم يسأل لا في ليلة الإسراء ولا في غيرها، ويصبح الكلام موجها للنبي، صلى الله عليه وسلم، كي يسأل الأمم وليس الرسل سؤال تبكيت وتوبيخ (وَسْـَٔلْ) أتباع وعلماء (مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ) أي اليهود المعاصرين والنصارى المعاصرين اسأل أتباع الأمم والرسل (وَسْـَٔلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةًۭ يُعْبَدُونَ (٤٥)) أين الدليل على ذلك أين الدليل عندكم هل جاءت رسلكم بهذا؟ هل أنزلنا عليكم كتابا فيه هذا، إذا فالسؤال ليس للأنبياء ولكن لأتباع الأنبياء الذين أشركوا حيث قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله‫.‬‬
‫وقال بعض الناس الكلام للنبي، صلى الله عليه وسلم، والمراد الأمة، نحن السائلون نحن الذين نسأل، أي دع أمتك من آمن بك يسأل هؤلاء‫:‬ هل أرسل رسول في تاريخ البشرية يأمر بعبادة غير الله، (وَسْـَٔلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةًۭ يُعْبَدُونَ (٤٥)) والآية جاءت بالخبر على صيغة من يعقل (أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةًۭ يُعْبَدُونَ (٤٥)) وكان السياق والنسق‫:‬ أجعلنا من دون الرحمن آلة تعبد، لأنها لا تعقل، آلهة يعبدن، فقال (ءَالِهَةًۭ يُعْبَدُونَ (٤٥)) لأنهم تكلموا عن أصنامهم وأجروا الكلام عنها مجرى من يعقل فخاطبهم الله، تبارك وتعالى، بما جرت به عادتهم فأجرى الخبر عن الآلهة مجرى الخبر عن من يعقل فقال‫:‬ (أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةًۭ يُعْبَدُونَ (٤٥)) وانتهى هذا الكلام بهذا السؤال الذي لا جواب له إلا جواب واحد، هو الله الواحد الأحد، وما من رسول إلا وأرسل بكلمة التوحيد، كلمة لا إله إلا الله، عليها قامت السماء والأرض وبها انتظم الكون، ومن أجلها خلقت الجنة ومن أجلها خلقت النار ومن أجلها أرسلت الرسل ومن أجلها أنزلت الكتب وهذه الكلمة هي النجاة، هي الميثاق هي الوثيقة هي العهد الذي أخذه الله علينا ونحن في أصلاب آبائنا حين أخرجنا من هذه الأصلاب في عالم الذر، وهي الكلمة التي سوف يسأل عنها الإنسان في يوم القيامة، حيث أول ما يسأل عنه الإنسان هو‫:‬ من ربك؟ أول سؤال في القبر من ربك؟ وهو أول سؤال في يوم القيامة، ولتتبع كل أمة ربها فيتبعون أصنامهم إلى جهنم كما قال لهم ربنا، تبارك وتعالى‫:‬ (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَٰرِدُونَ (٩٨)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٩٨]، ويتبع المرؤوسون الرؤساء والضعفاء الكبراء، كل يتبع إلهه كل يتبع ما عبده من دون الله وها هو فرعون (يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ (٩٨)) [سورة هود آية‫:‬ ٩٨].‬
‫أيها الأخ المسلم كلمة لا إله إلا الله شهادة وإقرار ويقين، تريح الصدر وتفتح القلب وتنير لك الطريق في الدنيا وفي القبر وفي الآخرة‫.‬‬
‫بينت الآيات من سورة الزخرف مآل هؤلاء المكذبين، بينت الآيات أن من يتعامى عن ذكر الله ويعمى عن وجود الله ويصم أذنه عن استماع كلام الله يضل، ويزيده الله ضلالا ويقيض له شيطانا يرافقه في كل حال وفي كل حين في كل مكان حتى يشاركه منامه وطعامه، بعد أن بين الله، تبارك وتعالى، أن الرسل قد أجمعوا على كلمة التوحيد، بعد أن بين الله، تبارك وتعالى، أن تكذيب قريش للنبي، صلى الله عليه وسلم، قد حدث مثله من قبل وقد كذبت الأمم من قبل، يضرب ربنا، تبارك وتعالى، لنا مثلا ويقص علينا قصص فرعون وموسى، يسلي نبيه، صلى الله عليه وسلم، ويسري عنه ويبين أن الإنسان مهما علا في الدنيا ومهما أعطي من المال ومهما منح من الجاه لا يؤهله ذلك للرسالة، فمهما كان عظيما في الدنيا فليست العظمة بعظمة الجاه والمال وإنما العظمة عظمة النفس عظمة الخلق، فنزلت الرسالة على موسى ولم تنزل الرسالة على فرعون إجابة لقولهم‫:‬ (وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٣١]، ما قص علينا في الآيات السابقة من مقالة حين كفروا فقالوا‫: (وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١))‬ من مكة أو من ثقيف أو من الطائف فيقول الله، تبارك وتعالى:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَقَالَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿46﴾
أرسل الله، تبارك وتعالى، موسى إلى فرعون وملئه، والملأ أشراف الناس وسمي أشراف الناس ملأ لأنهم امتلأوا بما احتاج إليه الناس، امتلأوا بالمال وامتلأوا بالجاه وامتلأوا بكل ما يحتاج إليه فسموا ملأ لامتلائهم بكل ما احتاج إليه الآخرون، أو هم ملأ لأن الناس قد امتلأت صدورهم بالرهبة والخوف منهم، الملأ المحيطون بالحاكم الملأ الأشراف، أرسل موسى لفرعون ولهؤلاء الملأ الذين استضعفوا بني إسرائيل فذبحوا أبناءهم واستحيوا نساءهم، أرسل موسى بالآيات؛ العصا واليد وغيرها من الآيات المعجزات الدالة على صدقه، قال موسى لفرعون كلمة‫:‬ (إِنِّى رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٤٦)) وجاءه بالآيات، وقصة موسى مع فرعون جاءت تفصيلا فيما سبق من سور وآيات، وهنا جاءت مختصرة لتدلل على أمور فيها الفائدة فيها الزيادة عن المعاني المستفادة من قبل يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬
فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَـٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ ﴿47﴾
‫(فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَـٰتِنَآ إِذَا) لما جاءت هذه الآيات المبصرة (إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧)) يستهزئون يسخرون اتهموه بالسحر اتهموه بالدجل اتهموه بمحاولة الاستيلاء على السلطة بمحاولة السعي للدنيا (فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَـٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧))، وحلم الله، تبارك وتعالى، أزلي ولا نهاية له حين جاءتهم الآية فضحكوا واستهزءوا أرسل الله آية أخرى فضحكوا واستهزءوا فأرسل الله آية أخرى، تسع آيات، حلم، فيقول الله، تبارك وتعالى‫:
وَمَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ۖ وَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿48﴾ وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴿49﴾ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ﴿50﴾
‫(وَمَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ۖ ) وأكبر هنا لا تعني أن هناك آية ضعيفة وآية قويه آية معجزة وآية غير معجزة أو آية أشد إعجازا، فالآيات كلها معجزات وإنما إذا أضيف العلم بالمعجزة الأولى إلى العلم بالمعجزة الثانية لأصبح العلم أكبر وأصبح البرهان أسطع، (وَمَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ۖ ) والأخوة في هذا المعنى تعني المشاكلة المشابهة المثلية فالآيات كلها من حيث الإعجاز معجزة وكبيرة، ما نريهم من آية إلا وهي أكبر من الآية السابقة، أعظم وأدلّ على صدق موسى، وبعد الآيات أخذهم ربنا، تبارك وتعالى، بالعذاب، حين استهزءوا بالآيات آية وراء آية، آية وراء آية، أخذهم ربنا بالعذاب كما يقول في موضع آخر‫:‬ (وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٣٠]، عذّبهم بالقحط، عذّبهم بالفقر، عذبهم بامتناع المطر، عذبهم بالجدب وامتناع الأرض عن إخراج الثمار، عذبهم بأن حوّل أنهار مصر إلى دم لونا وطعما، عذبهم بأن أرسل عليهم الضفادع حتى إذا تثاءب الرجل دخل الضفدع في فمه فكان الرجل منهم يخاف أن يتثاءب حتى لا تدخل الضفادع، إذا أرادت المرأة أن تكشف غطاء القدر الذي تصنع فيه الطعام قفزت إليه الضفادع، في مياه شربهم، في طعامهم، في كل مكان أرسلت عليهم الضفادع، أرسل عليهم القمل فغطى أجسادهم وفرشهم، أرسل عليهم الطوفان ففاضت الأنهار وأغرقت البلاد وهدمت البيوت، أرسل عليهم كل ذلك وحين نزل بهم العذاب وهم يستهزئون بالآيات أفاقوا أو يهيأ للإنسان أنهم أفاقوا، فإذا جاءهم العذاب خافوا ولجأوا إلى موسى وانظر كيف لجأوا إليه وكيف خاطبوه، (وَمَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ۖ وَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)) يرجعون من كفرهم (وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ) تأمل، تأمل في الخطاب وكيف من أضله الله فلا هادي له، وهم في العذاب، وهم يجأرون، وهم يستغيثون إذا بهم يخاطبونه قائلين‫: (يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ)‬ عجب، من شدة العجب في استماعنا لهذه الآية إذا ببعض المفسرين يقولون‫:‬ كلمة (يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ) أي أيها العالم، فقد كانوا يوقرون السحرة ويعتبرون السحر علما، والسحرة هم العلماء، فهم يعظمونه ويقولون (يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ) على سبيل التعظيم، هل هو كذلك؟ من شدة العجب، لأن المفسرين لم يتوقعوا أن يقول هؤلاء الناس وهم في العذاب هذه المقالة التي كذبوه بها واتهموه بها (يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ) تهمة اتهمه بها فرعون حين قال‫:‬ (إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌۭ (٣٤) يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِۦ) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٣٤- ٣٥]، إذا ًفهي تهمة وليست توقيرا، لكن المفسرين قالوا ذلك؛ لأن العجب يأخذ كل سامع هل يعقل في هذا الموقف وأنتم تلجأون إليه أن تسبوه؟ ومع ذلك حلم الله واسع، حلم الله واسع، وخلق الأنبياء لا مثيل لها وهم يقولون له‫:‬ (يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩)) فدعا موسى ولم يتأخر عن الدعاء رغم أنهم يقولون له (يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ) لم يقولوا "ربنا"، الذي يؤكد معنى الاستهزاء ومعنى الكفر المتأصل في نفوسهم والجحود والنكران والطغيان، فبعض الناس الذي يحتاج إليك ويأتيك سائلا متكبرا، من الناس كذلك يسألك ويتكبر عليك يسألك ويتعاظم عليك، فهؤلاء في عذابهم يسألون ويرجون ومع ذلك في كبر وفي طغيان، لذا لم يهدهم الله ولو قالوا وسألوا بأدب وبخلق وبصدق لهداهم الله، فلم لم يهدهم الله وهم يقولون‫:‬ (بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩))؟ هذا العهد يقال‫:‬ إن الله، تبارك وتعالى، قد وعد الأنبياء بإجابة الدعاء فهم يسألون موسى بأنك يا موسى قد وعدت من ربك أن يجاب على دعائك وأن تجاب دعوتك فبهذا العهد نحن واثقون بإجابة الدعوة، وقيل‫: (بِمَا عَهِدَ عِندَكَ)‬ أي بما أمرك وأرسلك فأطعت واهتديت وآمنت، إذا فلك عهد عندك لأنك آمنت به وأطعته وبلغت عنه الرسالة، وقيل‫:‬ (بِمَا عَهِدَ عِندَكَ) أن الله قال إن آمنوا هديناهم وكشفنا عنهم العذاب وإن كفروا عذبناهم إذا فذاك عهد أن من آمن نجا ومن كفر عذب، فبهذا العهد وبهذا الوعد (ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩)) شرطوا إن كشف العذاب فهم سوف يؤمنون شرطوا كشف العذاب أولا، فإن كشف العذاب آمنوا، كبر وطغيان وتجبر لا مثيل له، المفسرون الذين قالوا إن كلمة ساحر هنا للتعظيم قالوا (إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩)) أي إننا قد اهتدينا وآمنا عظموه وقالوا (يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ) أي يا أيها العالم (ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ) من إجابة دعوتك وبما عهد عندك من إنجاء من آمن لقد آمنا بك فادعه يكشف عنا العذاب وحين كشف عنهم العذاب ارتدوا عن إيمانهم، ذاك قولهم، والله أعلم، وإن كان الكلام (يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ) يدل على الطغيان والكبر وسوء الأدب والدليل على ذلك (ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ) ولم يقولوا : ربنا ولو كانوا قد آمنوا لقالوا‫:‬ ادع ربنا، لأنك إذا آمنت بالله فهو ربك ورب الجميع، فتقول ربي ولا تقول ربك، من منا يخاطب الآخر ويقول ادع ربك، نقول ادع ربنا، إذًا قالوا‫:‬ (ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ) إذا فالصلة بينه وبين ربه الذي يزعم أنه إله (إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩)) دلالة على أن الكلام في المستقبل وقد شرطوا كشف العذاب أولا، شرطوا على الله، ومع ذلك انظر إلى الحلم‫: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ)‬ بإجابة دعاء موسى وكأن الكلام فيه حذف تقديره‫:‬ (ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩)) ، فدعا موسى ربه فاستجاب الله، (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (٥٠)) النكث النقض والنقض لا يكون إلا لعهد، إذا فحينما قالوا‫: (إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩))‬ ذاك عهد بأن يؤمنوا إذا كشف العذاب فلما كشف العذاب نقضوا العهد ولم يؤمنوا، ولو كانوا قد آمنوا ثم ارتدوا لقيل (ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم يرجعون)، يرتدون، كما قال نكثوا على رءوسهم في قوم إبراهيم (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (٥٠)) نقضوا العهد ولم يؤمنوا بموسى ولم يؤمنوا برب موسى‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، الهداية من خلق الله والضلال من خلق الله، والله، تبارك وتعالى، خلق قلب العبد، وجعل هذا القلب هو المخاطب هو المعاتب هو المعاقب، هذا القلب يسع الإيمان ويسع الكفر، هذا القلب يسع الهوى ويسع الغَرضَ والغَرَض مَرَض، وهذا القلب يسع الله مصداقا لقوله، جل وعلا، في حديثه القدسي‫:‬ (مَا وَسِعَتْنِي أَرْضِي وَلَا سَمَائِي، وَوَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ)، هذا القلب إذا كان فيه نور الإيمان، فالله، تبارك وتعالى، هو المانح، وذاك القلب إذا كان فيه ظلمة الضلال فالله، تبارك وتعالى، هو المانع، (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ (٩٩)) [سورة يونس آية‫:‬ ٩٩] ، لكن الله، تبارك وتعالى، أراد أن يخلق الهدى ويخلق الضلال، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وكل ذلك بمقتضى الإرادة الأزلية وفق العلم الأزلي، فمن علم الله، تبارك وتعالى، أزلا فيه الاستعداد للهدى زاده هداية وزاده نورا وقذف من نوره في قلبه وأنار له الطريق، ومن علم الله، تبارك وتعالى، أزلا فيه سوء استعداده وفساد فطرته أضله وحرمه النور وملأ قلبه بالضلال وبالكبر، والكبر أدوأ الأدواء وما تكبر عبد إلا وكان مآله إلى النار لأن الكبرياء من صفات الله هو المتكبر بحق‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، التواضع لله خير ما يزود به الإنسان نفسه وما ازداد عبد بتواضع إلا رفعة، والعفو خير ما يتخلق به الإنسان ما ازداد عبد بعفو إلا عزة، وما ازداد عبد بتواضع إلا رفعة، أيها الأخ المسلم، الأخلاق، خلق المسلم قد يخلق ويوهب وقد يكتسب، فمن وهب الأخلاق كالنبي، صلى الله عليه وسلم، حيث خلّقه الله بما أراد وحيث خلَقه الله لما أراد وكالأنبياء كما قيل لموسى‫:‬ (وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى (٤١)) [سورة طه آية‫:‬ ٤١]، فأخلاق الأنبياء مواهب وأخلاق الأولياء تكسّب، حيث يبين لنا نبينا، صلى الله عليه وسلم، ذلك فيقول‫:‬ (إِنَّما الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ)، فنحن نتخلق بالحلم تحلما وأما حلم النبي، صلى الله عليه وسلم، فقد كان خلقا فيه، خلق وفيه الحلم، من هنا نعلم قول النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (مَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهْ)، فاحرص أيها الأخ المسلم على أن تتخلق بأخلاق الإسلام وتسعى لاكتسابها، ما من خطوة تتقدمها إلا ويسرع الله إليك خطوات، ما من شبر تتقرب به إلى الله إلا ويتقرب الله به إليك ذراعا، لو أتيت الله تمشي لأتاك الله هرولة‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، إن الله، تبارك وتعالى، يفرح بتوبة العبد وفرح الله بتوبة العبد إرادة الثواب وإرادة الهداية، وجل وعلا عن صفات المخلوقات يحدثنا نبينا، صلى الله عليه وسلم، مشبها الفرحة فيقول‫:‬ لو أن رجلا بفلاة من الأرض، معه بعيره عليه ماله وزاده وما يخصه، فأخذته سنة من النوم، جلس تحت ظل شجرة ونام، وأمسك بعقال بعيره، واستيقظ فجأة ولم يجد البعير، لم يجد البعير وعليه زاده في فلاة من الأرض، ضياع، ضياع، وفجأة أخذته سنة من النوم مرة أخرى واستيقظ فإذا البعير في يده، أي فرحة تكون له! حينما يجد البعير قد عاد، وإذا بالمقود أو العقال في يده، أي فرحة! والله لله أشد فرحا بتوبة العبد من هذا الرجل بعودة بعيره‫.‬‬
‫حين نزل العذاب بقوم فرعون لجأوا إلى موسى، لجأوا إلى موسى وعاهدوه إن كشف عنهم العذاب فسوف يؤمنون به، ولجوؤهم إلى موسى لجوء المضطرين، ولو تأملت في كلامهم معه لوجدت أن قلوبهم لم تتخلص من الكبر والشرك، ولوجدت خطابهم خطاب أهل الطغيان والشرك والكفر والمكر والحيلة، حيث قالوا كما يخبرنا ربنا، تبارك وتعالى، عنهم‫:‬ (وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴿٤۹﴾) لو تأملت في هذه المقالة لوجدت أنهم خاطبوه بالاتهام مقلدين فرعون في اتهامه لموسى حيث قال فرعون‫:‬ (إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌۭ (٣٤) يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِۦ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٣٤- ٣٥]، فحين خاطبوا موسى قالوا‫:‬ (يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ) سوء أدب واتهام وعدم تصديق، ثم قالوا‫:‬ (ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ) ونسبوا الربوبية لموسى فقط، فهو رب موسى وليس ربهم، وكان من العقل أن يقولوا‫:‬ ادع ربنا، فرب موسى هو ربهم وهو رب الكل، لكنهم قالوا‫: (ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ)‬ ثم قالوا‫:‬ (إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴿٤۹﴾) جواب الشرط إن كشف عنا العذاب إن استجاب لك (إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴿٤۹﴾) ولم يقدموا المشيئة، لم يقولوا إن شاء الله، كما قال قوم موسى حين سألهم أن يذبحوا بقرة قالوا‫:‬ (وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٧٠]، ولولا أنهم قالوها ما هداهم الله لها أبدا‫.‬‬
‫أيضا لو لاحظنا لوجدناهم شرطوا على الله والله، تبارك وتعالى، لا يشارط عليه ولا يشترط عليه، فهو الفعال لما يريد، شرطوا أن يكشف العذاب أولا فإن فعل آمنوا وإن لم يفعل لم يؤمنوا، وهذا سوء أدب مع الله، وقد كان الواجب عليهم أن يؤمنوا أولا بالله ثم يتضرعوا إلى الله، هذا الأسلوب في الخطاب يبين لك ما انطوت عليه قلوبهم من كفر، ويبين لك فساد فطرتهم وسوء طويتهم، ومع ذلك دعا موسى ربه، والأنبياء مستجاب دعاؤهم، وحلم الله، تبارك وتعالى، قديم وواسع، استجاب الله لموسى وكشف عنهم العذاب رغم علم الله، تبارك وتعالى، الأزلي بأنهم سوف ينكثون، سوف ينقضون العهد ولا يؤمنون، استجاب ربنا، تبارك وتعالى، لدعاء موسى وكشف عنهم العذاب (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (٥٠)) نقض العهد نقض الشرط، شرطوا إن كشفت العذاب نؤمن، ها قد كشف عنهم العذاب ومع ذلك لم يؤمنوا، والأدهى من ذلك أن فرعون جمع قومه وخطب فيهم، وآه للناس من خطباء الفتنة والضلال! آه للناس من خطباء الكذب والضلال! آه للناس من زعماء الفتنة وطغاة الرياسة! خطب فرعون في قومه وقال:
وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿51﴾ أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌۭ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ﴿52﴾ فَلَوْلَآ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌۭ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴿53﴾ فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًۭا فَـٰسِقِينَ ﴿54﴾
مقالة فرعون تدور في ذهن المتأمل وكأنها مقالة أزلية، يقولها الطغاة في كل مكان وزمان، التهويل والتهوين والإتيان بالكلمات الفخمة الضخمة، تزويق الكلام وزخرفة البيان والتدليس على الناس، فإذا بالناس يطيعون، ليس كل الناس بل السفهاء منهم خفاف العقول سفهاء الأحلام، الفسق يؤدي إلى الكفر الفسق يؤدي إلى العمى يؤدي إلى الضلال، هلم بنا نتأمل مقالة فرعون، ماذا فيها من الحق وماذا فيها من الضلال؟ ماذا فيها من التدليس؟‬
‫(وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ) إما أنه جمعهم وخطب بنفسه فيهم في مؤتمر عام كما يعمل زعماء اليوم، وإما أنه قال للملأ ولأشراف القوم فقالوا هم للناس، وإما أنه أمر المنادي فنادى، المهم أنه أسمع مقالته للكل، نادى فرعون في قومه (قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ) كلمة حق نعم له ملك مصر، ولكن من الذي أعطاه هذا الملك؟ هل صنعه بنفسه؟ هل خلق مصر بمن فيها أم ولد وهو لا يسمع ولا يبصر ولا يعقل؟ هل كان له اختيار في أبيه وأمه حتى يرث منهم ملك مصر أم ولد بغير اختيار؟‬
‫(وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ ) من تحت قصره، أو من تحت سرير ملكه، أو من تحتي أي بأمري تجري بأمري ولو شئت لأوقفتها أو تجري بسلطاني وتحت تصريفي (أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)) سؤال سؤال وكأنه يقرر أن الجواب نعم نبصر، لك ملك مصر والأنهار تجري من تحتك‫.‬‬
‫(أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌۭ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)) أم هنا تعني بل أفلا تبصرون بل أنا خير من، قرار اتخذ فرعون هذا القرار، أو أم معطوفة على ما قبله أفلا تبصرون أم تبصرون وحذفت كلمة تبصرون للعلم بها، أفلا تبصرون أم تبصرون أنا خير منه، أنشأ الكلام وقال أنا خير منه، ولذا قرأ بعض القراء‫:‬ (أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ) ووقف ثم أنشأ فقال‫:‬ (أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْ).‬
‫(أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌۭ) مهين من المهنة، والمهين المحتقر الضعيف صاحب القلة وليس الكثرة ليس له خدم ولا حشم ولا حرس ولا جنود، المهين يمتهن نفسه أي يعمل في مهنة نفسه فهو يخدم نفسه يرفع ثوبه يخصف نعله يجهز طعامه يسرج فرسه ليس له خادم فهو في مهنة نفسه، فزعم أن موسى حقير قليل في الناس ليس له ملأ ليس له خدم ليس له حشم يخدم نفسه يرقع ثوبه يخصف نعله يجهز طعامه يسرج فرسه وما إلى ذلك، (وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)) عنده عي في الكلام، قال بعض المفسرين‫:‬ إن موسى كان في لسانه عقدة، فيه لدغة في لسانه، ونحن رددنا على هذا القول وقلنا‫:‬ ما من نبي بعث إلا وهو في كمال الخلق والخلق، وإنما موسى حين خرج من مصر وعاش في اليمن سنوات، ولغة موسى أصلا هي لغة بني إسرائيل، ولغة فرعون هي لغة أهل مصر، فاللسان مختلف، حين سافر موسى سنوات وسنوات ثم يعود لا بد له أن ينسى اللغة واللسان، فليس هناك تمرين في الكلام، من هنا طلب موسى من ربنا، تبارك وتعالى، أن يؤيده بهارون وقال‫:‬ (وَأَخِى هَـٰرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًۭا) [سورة القصص آية‫:‬ ٣٤]، ولم يقل هو أصح، ولو كان كما قال المفسرون اللسان فيه عيب لقال وأخي هارون هو أصح مني لسانا، بل قال أفصح مني لسانا، والفصاحة البيان وليست صحة الكلام (وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)) أي ولا يكاد يستطيع أن يعبر عما يريد بلغة سليمة، (أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌۭ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)) هنا أخطأ فرعون خطأ إبليس من قبل، قاس بقياسه ونظر بنظرته، وهي نظرة لو تأملت لوجدتها سائدة في أهل العمى والضلال‫.‬‬
‫ربنا، تبارك وتعالى، حين خلق الناس خلقهم جميعا من آدم، وحين خلق آدم خلق آدم من تراب وأصل التراب العدم إذا فالكل أصله العدم، حين خلق ربنا، تبارك وتعالى، الحصى وحين خلق الدُّر الحصى والدر من الأرض والأرض من التراب والأصل عدم، كان الله ولم يكن شيء، إذا فلا أصل لشيء في الوجود يستطيع أن يفتخر به، وإنما أصل الوجود كله العدم، وليته كان التراب بل العدم، العدم يعني غير موجود أصلا، أحقر شيء العدم، لا قيمة للعدم، غير موجود أصلا، وبالتالي حين أوجد الله، تبارك وتعالى، الكائنات والخلائق هو سبحانه وتعالى فضّل وميز أشياء عن أشياء بتفضيله هو وليس بذوات الأشياء أو لفضل فيها، ودليل ذلك وعلامته أنك ترى في مواسم الحج حجرا يقبل ويعظم ويتقاتل الناس على لمسه، وفي المناسك حجر آخر يرجم ويتقاتل الناس على إصابته بالأحجار، حجر وحجر، أي فضل لهذا على ذاك، حجر وحجر، لكن الله يريد أن يبين لك أن الفضل فضل الله (وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ ) [سورة الحج آية‫:‬ ١٨]، ومن يكرم الله فما له من مهين، فالإكرام من الكريم والإهانة من القادر والتفضيل من ذي الفضل العظيم، حين أخطأ إبليس أخطأ لأنه قاس، قاس نفسه على آدم وقاس آدم على نفسه ونظر إلى المنشأ، وقال (أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ) لماذا؟ (خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ (١٢)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٢] فنظر إلى النار ونظر إلى الطين وفاضل بين النار وبين الطين وغفل إبليس أنه لم تكن هناك نار ولم يكن هناك طين، وأصل النار وأصل الطين عدم، الخالق هو الذي فضل ورتب ورفع الناس بعضهم فوق بعض درجات ورفع المخلوقات كذلك، فأنت والبهيمة من تراب ونحن وجميع الحشرات والبهائم من تراب، والتراب من عدم، ولا فضل لنا على البهائم إلا بما فضلنا الله به من عقل وتمييز، ولو نظرت إلى البهائم لوجدت أصلها من تراب، ولو نظرت إلى نفسك لوجدت نفسك من تراب، والمكرم هو الله ولذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ) هو الذي كرمهم (وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍۢ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًۭا (٧٠)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٧٠].‬
‫إذا فالله هو المفضل فلما تكلم فرعون؟ تكلم بمنطق زائغ وبحجة داحضة ونظر نظرة إبليس وقاس قياس إبليس فقال‫:‬ (أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌۭ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)) فمن أين أتى فرعون بالحرس هل خلقهم أم خلقهم الله له؟ هل سخرهم أم طوعهم الله له؟ حين تكلم عن ملك مصر هل خلق مصر؟ كيف يملك ما لم يخلق؟ كيف يملك ما لم يصنع؟ كيف؟ هذه الأنهار هل أجراها أم أجراها الله؟ التي قال عنها إنها تجري من تحته، وحين ميز نفسه على موسى نظر وقاس كما فعل إبليس، هو صاحب جاه وموسى بغير جاه، هو صاحب كثرة موسى صاحب قلة، هو صاحب مال وموسى فقير، هو صاحب سلطان وموسى مهين، هو ملك وموسى من الرعية، ذاك هو القياس وغفل عن الصانع، غفل عن المعطي، غفل عن الخالق غفل عن المفضل، أنت خلقت ذكرًا وخلقت امرأتك أنثى، جعلك الله قيّما عليها (ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ) [سورة النساء آية‫:‬ ٣٤]، أم جعلت أنت نفسك ذلك؟ هو الذي جعلك ولو شاء لخلقك أنثى ولخلقها ذكرا، فليس لك اختيار في خلقك أو في إيجادك أو في تفضيلك، ليس لأحد اختيار وإنما ربنا، تبارك وتعالى، يخلق ما يشاء ويختار‫.‬‬
‫(أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌۭ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)) واستمر فرعون في غية واستمر في إضلال الناس وإرهابهم وتخويفهم وإقناعهم بالباطل (فلولا أَلقى عليه إسورةً من ذهب) فلولا ألقى الله، قراءة، (فَلَوْلَآ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌۭ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)) وانظر إلى هذه المقالة أيضا، كانوا في زمن فرعون إذا أرادوا أن يسوّدوا رجلا سورّوه بسوارين من ذهب وطوّقوه بطوْقٍ من ذهب علامة على السيادة، فنظر فرعون بهذه النظرة البشرية وهذه النظرة الضيقة الزائغة، لو كان موسى خليقًا بما يدّعيه لسوده إلهه فأنزل عليه الأساور من ذهب وطوّقه بها كما لبس هو السوار من ذهب وطوِّق بطوق الذهب (فلولا أُلقى عليه أساورةٌ من ذهب) (فلولا ألقى عليه أساوير من ذهب) (أساوُرُ من ذهب) (أَسْوِرَةٌۭ مِّن ذَهَبٍ) قراءات، أسْوِرة جمع سوار، أساور جمع أسورة أي جمع الجمع، أساوير جميع سوار‫.‬‬
‫(أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)) أي نزلت معه الملائكة تحيط به وتحميه وتحرسه وتؤيده، ننظر لهذه المقالة، العظمة المطلوبة للنبي عظمة الخلق عظمة الروح وعظمة المعدن وليس عظمة الجاه أو المال أو السلطان لأن النبوة أمر روحي، أمر قلبي، أمر سر بين العبد وبين ربه، هذه النبوة تجعل النبي من الأنبياء قدوة للناس؛ قدوة في أمور الدين قدوة في الخلق الجميل قدوة في معاملة الناس قدوة في التعامل مع الله وليس قدوة في الغنى أو العز أو الجاه أو السلطان، فالعظمة المطلوبة عظمة الروح وليس عظمة الجسد الزائل الذي مآله إلى التراب، ومقالة فرعون كمقالة قريش التي ذكرت في نفس السورة وقالوا‫:‬ (لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٣١]، عظيم في الجاه والمال والسلطان، رأي هزيل وفكر ضعيف ونظرة باطلة وقياس غير معقول قياس فاسد قياس باطل زيف‫.‬‬
‫(أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)) فيها كلام! أن يرسل موسى بغير حرس وبغير ملائكة وبغير جنود ويقف وحده أمام هذا الجبار المدعِي للألوهية تلك وحدها معجزة، من الذي حرسه وحماه؟ أنت تطلب أن ينزل معه الحرس، هو بغير حرس ولم تقدر أنت عليه، فكيف لو كان معه الحرس؟ لو كان معه الحرس لنسبت الحماية إلى الحرس، ولو كان معه أتباع لنسبت الحماية لهم، أما أن يأتيك موسى منفردا بمفرده دون أن ترى من حوله الجنود والأحراس ذاك دليل على أن الله هو الحامي والحارس هو الحافظ، (أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)) متتابعين، مقترنين جماعات جماعات مقارنين له أو مقارنين بعضهم لبعض، أيضا، الأغرب من هذا هل يؤمن فرعون بالملائكة حتى يطلب نزولهم مع موسى دليلا على صدقه؟ هل يؤمن بالملائكة؟ لو أنه يؤمن بالملائكة لا بد وأن يؤمن بخالق الملائكة، كيف وهو يقول‫:‬ (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى)، بل يتحدى ويقول‫:‬ (فَأَوْقِدْ لِى يَـٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّى صَرْحًۭا لَّعَلِّىٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ) [سورة القصص آية‫:‬ ٣٨]، إذا فهو لا يؤمن بإله موسى، إذا فهو لا يؤمن بالله، وإن كان لا يؤمن بالله كيف يؤمن بالملائكة؟ انظر إلى التلاعب في الألفاظ، انظر إلى التناقض، انظر إلى التهويل والتهوين، تهويل وتهوين وكلام وزخارف في البيان لا أساس له، لا يقف على قدم ولا ساق‫.‬‬
‫(فَلَوْلَآ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌۭ) من الذي يلقي عليه الأسورة؟ الله، وهل هناك آلهة يا فرعون وهل أقررت أنت أصلا بوجود إله حتى يلقي الأسورة على موسى؟ (أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)) هل آمنت أنت بوجود الملائكة أو آمنت بخالق الملائكة حتى تؤمن بالملائكة؟ (أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)).‬
‫من هنا كان التعليق الإلهي على هذا الزيف وهذا البهتان وهذا الغش والتدليس (فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ ) فاستخفهم، استخف به أهانه، استخفه استجهله، استخفه استفزه، (فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ) إما وجدهم خفاف العقول فدلس عليهم وزيف واستهواهم بالكلام المنمق، كما يفعل زعماء اليوم منادين بالحرية والاشتراكية والديمقراطية وألفاظ ما أنزل الله بها من سلطان والجهاد والشهادة والتحرير، ألفاظ ما أنزل الله بها من سلطان لاستهواء الناس لاستخفاف الناس، كذلك فرعون استخف قومه استجهلهم، أو استخف قومه استفزهم كما يقول الله، تبارك وتعالى، ناصحا لنبيه ومعلما له، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)) [سورة الروم آية‫:‬ ٦٠]، الاستخفاف‫:‬ الاستفزاز، استفزهم على موسى لأنه ضعيف لا عترة له فلا تخافوا من قتله أو لا تخافوا منه، استفزهم بالكلام عن هذا المهين الذي لا يكاد يبين، استفزهم ودفعهم للتكذيب، أم استخفهم استجهلهم أو وجدهم خفاف العقول فأمرهم ودعاهم فأطاعوه (فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ ).‬
‫ويعلل ربنا، تبارك وتعالى، طاعة قوم فرعون لفرعون بقوله‫: (إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًۭا فَـٰسِقِينَ (٥٤))‬ إذا فالفسق يؤدي إلى الجهل، والجهل يؤدي للكفر، الفسق خروج عن الطاعة والخروج عن الطاعة الحرمان من النور، الخروج عن الطاعة التعرض للشيطان، الخروج عن الطاعة معناها أنك بغير سلاح، وانظر إلى كلمة الفسق أصلا من أين أتت؟ أنت تعرف التمرة، التمرة البلحة ذات قشرة صلبة متماسكة لا تستطيع أن تنزع قشرة البلحة عنها فإذا تركتها أياما ماذا يحدث؟ أصبحت رطبا، وإذا أصبحت رطبا استطعت أن تزيل القشرة من على البلحة، فإذا ترطبت البلحة واستوت وتركت فترة تجد أن البلحة خرجت من قشرتها بمفردها بغير تقشير بغير فعل فاعل، حين تخرج البلحة من قشرتها تلقائيا يسمى هذا‫:‬ فسقت الرطبة، هذا هو أصل الكلمة، أصل الكلمة فسقت الرطبة خرجت عن قشرتها، كيف يعبر بهذه الكلمة عن خروج الإنسان عن الطاعة؟‬
‫اسمع لقول الصانع البديع، سبحانه وتعالى‫:‬ (يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًۭا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًۭا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٢٦]، إذا فهناك لباس لا نراه هو لباس التقوى، لباس الطاعة، لباس تمتنع به عن الخروج من طاعة الله، لباس التقوى (وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦))، (يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ) الذين ألبسهم الله لباس التقوى بالفطرة (يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ ۗ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٢٧]، إذا فحين أغوى الشيطان آدم نزع عنه اللباس فظهرت السوأة أي العورة، حين يغوى الشيطان ابن آدم الآن أينزع عنه اللباس فيخصف عليه من ورق الشجر؟ ماذا ينزع الشيطان؟ ينزع عنه لباس التقوى، فإذا نزع عنه اللباس التقوى تعرى، وإذا تعرى تعرض لسهام إبليس كما تتعرض الرطبة إذا فسقت الرطبة هل تأكلها؟ تخشى أن تأكلها، لأنها تعرضت للذباب وتعرضت للحشرات وتعرضت للغبار لكنها بقشرتها محفوظة، فإذا أزلت القشرة خرجت سليمة نقية نظيفة أما إذا فسقت وخرجت عن قشرتها فلا تؤكل، تعافها الأنفس، وكذلك الإنسان إذا خرج عن الطاعة خرج من لباس التقوى كما تخرج الرطبة من قشرتها، فيتعرض لسهام إبليس ولوساوس الشيطان كما تتعرض الرطبة للغبار وللذباب وللحشرات وما إلى ذلك، فانظر إلى الكلمة وتأمل (فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ ) عراة عن لباس التقوى بغير حماية فاستخفهم فرعون، ضحك عليهم واستفزهم وهوّل وهوّن وبالتالي أطاعوه، ولو كانوا طائعين لله ما استخفهم فرعون أبدا، ولميزوا بين الحق والباطل، ولفهموا ما فهمناه نحن الآن نفهم ونسمع ونعقل، عقلنا كلام فرعون وعرفنا ما فيه من باطل وزيف (أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌۭ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَآ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌۭ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)) أنت الآن حين تسمع هذا الكلام هل تقتنع بكلام فرعون؟ لماذا؟ لماذا لا تصدقه؟ لماذا لا يقع هذا الكلام موضع التصديق من قلبك؟ لأنك محفوظ بلباس التقوى، أما إذا خلع عنك هذا اللباس زاغ منك البصر وزاغ منك القلب وحرمت النور والحماية (أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍۢ مِّنْهَا ۚ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٢٢].‬
‫أيها الأخ المسلم طاعة الله حماية، طاعة الله وقاية، طاعة الله نور، أنت محتاج اللباس التقوى فإياك أن تنزعه عن نفسك أو ينزعه عنك الشيطان وإلا تعرضت بغير دفاع وبغير وسائل للدفاع، لباس التقوى لباس صلب، لباس التقوى لباس حام، لباس التقوى يحميك من كل شيء، لباس التقوى يتيح لك الفرصة أن تميز، لباس التقوى يتيح لك الفرصة أن ترى الحق من الباطل، لباس التقوى يجعلك تمشي في الناس وأنت ترى الحق من الباطل وتميز الصالح من الطالح، لباس التقوى يجعلك محميا من الدنيا وما فيها وزينتها وزخرفها ترى كل شيء بعين الحق واليقين ولا ترى الأشياء بعين الزيف والباطل، ذاك لباس التقوى، حماية لك، الله، تبارك وتعالى، مستغن عن العباد فقد كان ولم يكن شيء، من كان يسبحه؟ من كان يؤنسه؟ من كان يكلمه؟ هو الله ليس كمثله شيء، هو الله، تبارك وتعالى، تخاطب ذاته صفاته، هو الله المؤتنس بنفسه ولا يحتاج لسواه، كان الله ولم يكن شيء، فالله غير محتاج لعبادتك، أما الطاعات التي فرضها علينا فهي لحمايتنا، من عنايته بنا، من رحمته بنا، أنزل الرسل وأنزل الكتب وعلّمنا وفهمنا وهدانا وكسانا وأوانا ورزقنا وأطعمنا وسقانا وهيأ لنا كل أسباب المعيشة السعيدة، ومن ضمن أسباب الحياة السعيدة أن ينير لك الطريق فتميز بين الحق وبين الباطل ترى الباطل باطلا وترى الحق حقا فتتبع الحق وتجتنب الباطل، وأنزل معك لباس التقوى، ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، (فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ۚ ) [سورة الروم آية‫:‬ ٣٠]، فإياك أن تنزع عنك لباس التقوى فتضعف وتتعرض للسهام؛ سهام شياطين الإنس والجن، تصبح بغير وقاية تصبح بغير حماية تصبح بغير مناعة، وإذا كان الجسم بغير مناعة تكتلت عليه الأمراض، وإذا كان القلب أيضا بغير مناعة ضاع الإنسان في مهاوي ومهالك الوساوس والخواطر، إياك إياك إياك الفسق خروج عن الطاعة الخروج عن الطاعة خروج عن لباس التقوى الخروج عن لباس التقوى عري، تنكشف سوأتك وعورتك للملائكة والحفظة والكتبة فيرون منك كل قبيح ولا يكتبون لك أي جميل وتصبح معرضا لكل المهالك وتصبح أعمى لا ترى وأصمّ لا تسمع كما كان هؤلاء الكفار في كل زمان ومكان أضلّهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم يقول النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (إذا أذنب العبد ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء، والنكت بالكاف الحفر والنكت الرسم، نكت في قلبه نكتة سوداء، حفرت حفرة سوداء في قلبه، فإن استغفر محيت وعاد القلب لما كان عليه، وإذا لم يستغفر بقيت، وكلما أذنب العبد ذنبا نكت في قلبه نكته سوداء وهكذا حتى يسود القلب كله وذاك هو الران الذي ذكره الله، تبارك وتعالى، في قوله‫:‬ (كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (١٤)) [سورة المطففين آية‫:‬ ١٤] ، أي يكسبون من المعاصي، كلما عصى نكتت نكتة سوداء، كلما عصى نكتت نكتة سوداء حتى يسود القلب كله، (كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (١٤))، ذلك في الدنيا فهو أعمى وأصمّ، فقد التمييز، لا يعرف الحق من الباطل والصواب من الخطأ والنافع من الضار، فماذا في الآخرة؟‬
‫يقول الله، تبارك وتعالى، بعد أن قال‫:‬ (كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (١٤))، قال‫:‬ (كَلَّآ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍۢ لَّمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا۟ ٱلْجَحِيمِ (١٦)) [سورة المطففين آية‫:‬ ١٥- ١٦]، أي مصيبة أكبر من مصيبة الحجب عن الله! أي مصيبة أعظم من أن يحشر الإنسان يوم القيامة أعمى فلا يرى الله! أي مصيبة وعباده عاشوا حياتهم يأملون في هذه اللحظة ويدعونه ويطلبون منه لذة النظر إلى وجهه الكريم! واللهِ إن لذة النظر إلى وجهه الكريم أفضل وأعلى وأجل من الجنة بما فيها، بل وأصحاب الجنة حين يناديهم ربهم‫:‬ هل رضيتم؟ يقولون‫:‬ يا رب رضينا، فيقول‫:‬ سلوني! يقولون‫:‬ يا رب نسألك رضاك، يقول‫:‬ رضائي أسكنكم جنتي، أي قد حدث الرضا، سلوني! فيقولون‫:‬ يا رب وما نسألك؟ يقول‫:‬ سلوني المزيد! فيقولون‫:‬ يا رب نسألك المزيد، فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله، تبارك وتعالى، إذًا فالنظر إلى الله أعلى وأجل من الجنة وما فيها‫.‬‬
‫طاعة الله خير زاد، (وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ۚ )، وطاعة الله من منن الله علينا، إي وربي، مَنّ علينا بالتكاليف والطاعات لأن الطاعة لا تفيده كما أن المعصية لا تضره، فسبحانه وتعالى، لا تنفعه الطاعات ولا تضره المعاصي، من هنا كان على الإنسان أن يرعى نفسه وأن يأخذ لنفسه من نفسه، فهو المستفيد الوحيد من الطاعة بالنور في الدنيا والسعادة والهناء والراحة النفسية والقلبية، وربنا، تبارك وتعالى، يعد الطائعين بذلك، فيقول عز من قائل‫:‬ (مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةًۭ طَيِّبَةًۭ ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٧)) [سورة النحل آية‫:‬ ٩٧]، والحياة الطيبة ليست الغنى وليست الجاه وليست العز وليست السلطان وليست كثرة الولد، الحياة الطيبة أن تكون أنت راضيا عن حياتك، طالما كنت راضيا سعيدا فأنت تحيا حياة طيبة ولو لم يكن معك المال بدليل أنك تجد الصالح من الناس في شدة الفقر ومنشرحًا ووجهه منير وتجده راضيا سعيدا، يسجد لله، تبارك وتعالى، بحب وبعطف، يتعاطف مع نفسه وينزل إلى الأرض وكأنه يحنو عليها، وكأنها أمه فهو منها وإليها يعود، تجد من الناس أصحاب مال والشقاوة في أعينهم، تجد من الناس الأغنياء والفقر قد ملأ قلوبهم، امتلأت أيديهم بالمال وخوت قلوبهم من القناعة، كم وكم وكم! فالحياة الطيبة أن ترضى عن نفسك وأن ترضى عن ربك وأن ترضى عن كل شيء مما أعطاك الله إياه وخوّلك‫.‬‬
‫هؤلاء قوم فرعون كانوا من الفاسقين فسهل على فرعون أن يستخفهم، أطاعوه ونكثوا العهد ونقضوا عهدهم مع موسى (لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ (١٣٤)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٣٤]، نقضوا معه عهدهم (ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٤٩]، فيقول الله، تبارك وتعالى، بعد أن الزمهم الحجة، كان يعلم من الأزل أنهم سوف ينقضون عهدهم ومع ذلك أجاب موسى لدعائه حتى تظهر المعصية وحتى يتضح فساد الطوية وسوء الفطرة، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬
فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿55﴾ فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفًۭا وَمَثَلًۭا لِّلْـَٔاخِرِينَ ﴿56﴾
‫(فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا) هل يأسف ربنا؟ الأسف في اللغة يعني الغضب وقد يعني السخط (فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا) أي فلمّا أغضبونا أو فلما أسخطونا، السخط إظهار الكراهية، الغضب إرادة العقوبة، الفرق بين السخط والغضب أن السخط إظهار الكراهية والغضب إرادة العقوبة إرادة الانتقام، فإذا كان المقصود بالسخط العقوبة، فإن كان إرادة العقوبة فهي من صفات الذات، وإن كانت العقوبة نفسها فهي من صفات الفعل، فعل الله، تبارك وتعالى،، فربنا، تبارك وتعالى، يقول‫: (فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا)‬ أي فلما أغضبونا أو فلما أسخطونا، وقد تعني (فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا) أي فلما آسفوا رسلي، فلما أغضبوا رسلي، كقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٥٧]، هل يؤذى الله؟ هل يقدر أحد على إذاية الله؟ إذا فمعنى يؤذون الله أي يؤذون أولياءه، وحين يقول‫:‬ (إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٣٣]، هل يحارب ربنا، تبارك وتعالى، أبدا وإنما المقصود يحاربون رسل ربنا، تبارك وتعالى، فإذا حاربوا رسله وحاربوا أولياءه فكأنهم قد حاربوه،(فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا) فلما أغضبونا، (فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا) فلما أغصبوا رسلي، أغضبوا موسى وهارون، (فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)) ماتوا على الكفر، ومن مات على شيء بعث عليه، وحين فاجأهم الغرق آمنوا (وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍۢ (٣)) [سورة ص آية‫:‬ ٣]، أبدا لا ينفع الإيمان حين الاضطرار، لذا باب التوبة مفتوح حتى يغرغر الإنسان لأنه إذا غرغر تيقن الموت، فإن تاب في هذه الحالة لا تقبل منه توبته‫.‬‬
‫(فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفًۭا) (فجعلناهم سُلُفًا) (فجعلناهم سُلَفًا) ثلاث قراءات، السُّلف جمع سلفة الفرقة المتقدمة، السَّلَف جمع سالف من تقدم من الناس ومضى، السُّلُف جمع سليف والسليف أيضا من ذهب وانقضى، سلف الرجل وسلّاف الرجل وأسلافه أجداده وآباؤه الأقدمون، السالف، سلف يسلف سلفا تقدم، فالسالف المتقدم، وإن سلف لك عمل صالح معناها أنك قد عملت في الماضي أعمالا صالحة، الخلف من يأتي بعدك، ربنا، تبارك وتعالى، حين يقول‫:‬ (فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفًۭا) أي تقدموا أمثالهم من الكفار ومن فعلوا فعلهم تقدموهم إلى النار كما تقدم فرعون قومه (يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ (٩٨)) [سورة هود آية‫:‬ ٩٨]، (فَجَعَلْنَـٰهُمْ) أي جعل ربنا، تبارك وتعالى، قوم فرعون الذين كفروا فأغرقهم وانتقم منهم جعلهم سلفا متقدين لكل كافر في كل مكان وزمان يقدمونهم إلى النار (وَمَثَلًۭا) عبرة وعظة (لِّلْـَٔاخِرِينَ (٥٦)) فهم مثل وعبرة لكل معتبر ولكل متأمل، سلفا متقدمين الكفار وعبرة لأمة النبي، صلى الله عليه وسلم، (فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفًۭا وَمَثَلًۭا لِّلْـَٔاخِرِينَ (٥٦)) فهم عبرة وعظة، فهل اتعظ الناس؟ (فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفًۭا وَمَثَلًۭا لِّلْـَٔاخِرِينَ (٥٦)).‬
‫هل اتعظ كفار مكة؟ هل رجعوا عن غيهم؟ هل عادوا عن كفرهم وعنادهم؟ هل تأملوا في الكلام؟ هل تأملوا في القصص؟ كانت قوافلهم تمر شتاء وصيفا على أمم اندثرت حدّثهم نبينا، صلى الله عليه وسلم، عنهم، هل اتعظوا؟ أبدا، لم يتعظوا، لم لا يتعظ الكافر؟ لأنه لا عقل له، هم كالأنعام بل هم أضل، لأنه أعمى لا يبصر وأصم لا يسمع فكيف يتعظ؟ (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ (١٩)) [سورة الرعد آية‫:‬ ١٩]، هاهي العلة، فإذا تعجبت كيف كفر هؤلاء؟ وكيف أصر صناديد قريش على عداوتهم للنبي، صلى الله عليه وسلم، وإذا يتهم له وللمؤمنين؟ وكيف والقرآن عربي مبين يتلى عليهم آناء الليل وأطراف النهار؟ كيف لم يسمعوه؟ أليست لهم آذان؟ بلى لهم آذان لكنهم لا يسمعون بها، أليست لهم أعين؟ بلى لهم أعين ولكن لا يبصرون بها، أليست لهم قلوب؟ بلى لهم قلوب ولكن لا يفقهون بها، والأدهى من ذلك أن يحرمهم ربنا، تبارك وتعالى، من كل تمييز وكل عقل فيقول ميئسا لهم‫:‬ (وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ حِجَابًۭا مَّسْتُورًۭا (٤٥)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٥]، غريب الحجاب ساتر فكيف يكون الحجاب مستورا؛ لأن الحجاب الساتر إذا رأيته أنت أزلته حتى لا يسترك فإن كان الحجاب ساترا لك مستورا عنك أنى لك أن تعلم أو تدري أنك مستور؟ لذا جعل بينه وبين الذين يستمعون لهذا الكلام حجابا مستورا (وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) أغطية (أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ )، والأدهى (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ وَلَّوْا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُورًۭا (٤٦)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٦]، سبحانك يا رب، (يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ ) [سورة النحل آية‫:‬ ٩٣].‬
‫أيها الأخ المسلم، الأساس كله فيما ترى ونعتقد إن كان للإنسان كسب منسوب إليه هو لباس التقوى، النصيحة الأولى والأزلية (يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًۭا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًۭا ۖ ) أي الملابس العادية المتخذة من القطن وما إلى ذلك، وريشا الأثاث والرياش والغطاء والفراش وما إلى ذلك (وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ ۚ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٢٦]، هذا هو الحماية الوقاية الحصن لباس التقوى إياك أن ينزع لباس التقوى لأن نزع لباس التقوى يعرضك لما لا طاقة لك به ولا قبل لك به الأساس لباس التقوى استمع وافهم واعقل لباس التقوى الوقاية إياك أن تثق بنفسك! فربنا، تبارك وتعالى، هو الذي خلقك وأدرى بك وقال‫:‬ (وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًۭا (٢٨)) [سورة النساء آية‫:‬ ٢٨]، إياك أن تثق بنفسك أو بعقلك إنما أنت محمي بفضل الله وبلباس التقوى، فإن نزعت عنك لباس التقوى كنت كما كانوا، يستخف بك شيطان الإنس وشيطان الجن، وأنت ترى الآن في الأمة الإسلامية بل وفي العالم أجمع، ترى الزعماء يتكلمون ويخطبون في الناس بكلام أغرب من الخيال فكيف يستمع الناس لهم وكيف يطيعونهم وانظر إلى الأمة الإسلامية واحزن ما شئت، ولا يسري عني في هذا المجال إلا أمر واحد، لو شاء ربك ما فعلوه، قدر الله وما شاء فعل ولا أمل إلا في الله، أما في هؤلاء فلا أمل فيهم، أصحاب بدع قد لبسوا العمائم وقلة من أهل العلم والفكر الأصيل، أين وأين، وقد ورد عن النبي، صلى الله عليه وسلم، حين نزل قول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًۭا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًۭا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٦٥]، حين نزلت الآية خاف النبي، صلى الله عليه وسلم، وتضرع إلى الله فقد هددت الأمة بثلاث عقوبات؛ أن يبعث عليهم عذابا من فوقهم كما فعل بقوم لوط، أو من تحتهم فيخسف بهم كما فعل بقارون، أو يلبسهم شيعا فيتحزبوا ويتفرقوا ويختلفوا ويذيق بعضهم بأس، بعض فلما تضرع النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى الله أجابه في اثنين ومنعه الثالثة؛ فلن يخسف بأمة محمد، صلى الله عليه وسلم، أبدا، ولن ينزل على أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، عذابا من فوقها أبدا، أما أن يلبسهم ربنا، تبارك وتعالى، شيعا فذاك حادث وواقع، ولم يستجيب ربنا، تبارك وتعالى، لهذه وتلك أخف الأضرار؛ لأن العذاب إذا نزل من فوق لم يُستثن أحد، إذا خسفت الأرض لم يستثن أحد، أما أن يلبس ربنا، تبارك وتعالى، الناس شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض فيمكن لك أن تتجنب الفتن وأن تلجأ إلى الله وتتضرع إليه‫.‬‬
‫فإذا غضب الله على قوم رزقهم الجدل، والجدل آفة، وهي شر ما يبتلي به المرء، فالمجادل لا يبتغي الحق ولا يهدف للصواب، وإنما المجادل يسعى للانتصار لرأيه وإن كان خطأ، وقد كذبت قريش النبي، صلى الله عليه وسلم، وجادلوه، وكما فعلت الأمم من قبل جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق جادلوه حين سمعوه يقرأ عليهم‫:‬ (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَٰرِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَـٰٓؤُلَآءِ ءَالِهَةًۭ مَّا وَرَدُوهَا ۖ وَكُلٌّۭ فِيهَا خَـٰلِدُونَ (٩٩)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٩٨- ٩٩]، حين تلا قول الله، تبارك وتعالى، هذا ضجوا واعتقدوا أنه قد خُصم، أي غلبوه في خصامهم وألزموه الحجة، وقالوا‫:‬ طالما زعمت أن كل من عبد من دون الله يدخل النار، إذا فعيسى في النار؛ لأن النصارى عبدوه، وعزيز في النار لأن اليهود عبدوه، والملائكة كذلك في النار، وإن كل هؤلاء في النار فلا بأس بأن تدخل الأصنام النار معهم، جدل وخصومة، حين قالوا ذلك للنبي، صلى الله عليه وسلم، أنزل الله، تبارك وتعالى، قوله‫:‬ (إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١٠١]، رد عليهم القرآن وتركهم وترك الجدل، رد عليهم بذلك، وتحكي لنا الآيات من سورة الزخرف هذا الحدث، فيقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬
وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴿57﴾ وَقَالُوٓا۟ ءَأَـٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًۢا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴿58﴾
‫(وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا) إذ تكلم بعضهم وقال‫:‬ طالما يزعم أن المعبود من دون الله في النار فقد دخل عيسى النار، فكيف يكون نبيا ويدخل في النار؟ حين قال أحدهم ذلك ويقال إنه عبد الله بن الزبعرى حال كفره لم يكن قد أسلم بعد، ضج المشركون وفرحوا وضحكوا وارتفعت أصواتهم وظنوا أنهم قد غلبوا محمدا، صلى الله عليه وسلم، (يَصِدُّونَ (٥٧)) يضجون، صد يصد صديدا ضج وارتفع صوته كما تضج الإبل حين تحمل بالأثقال وقرئت‫:‬ (يصُدُّون) بالضم من الصدود وهو الإعراض (ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصُدُّون) يميلون عن الحق ويعرضون عنه ويتخذون هذه الآية تكئة للجدال لا للوصول إلى الحق فهم لا يسألون ولا يستفهمون بل يجادلون كي ينتصروا عليه‫.‬‬
‫(وَقَالُوٓا۟ ءَأَـٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ ) في ضجيجهم وضحكهم وصدودهم سألوا هذا السؤال، والسؤال ليس للاستفهام بل سألوا للتقرير أن آلهتهم خير من عيسى (ءَأَـٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ ) أي إذا كان عيسى في النار فلا بأس في دخول آلهتنا أيضا في النار فليس أحد خير من أحد طالما عُبد عيسى من دون الله وأنت تزعم أن ما عبد من دون الله حصب جهنم فكذلك آلهتنا ونحن نرحب بذلك، وقيل إن سبب الآيات حين نزل قول الله، تبارك وتعالى، في نفس السورة في سورة الزخرف‫:‬ (وَسْـَٔلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةًۭ يُعْبَدُونَ (٤٥)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٤٥]، قالوا إن محمدا يريد أن يعبد كما عُبد عيسى، لأنهم لو سألوا النصارى منْ عبدتم لقالوا عبدنا عيسى، فكأنه يريد أن يعبد كما عُبد عيسى، (وَقَالُوٓا۟ ءَأَـٰلِهَتُنَا) أي الملائكة أو الأصنام (خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ ) أم محمد فهل نترك عبادة آلهتنا لعبادة محمد؟ وقيل إن الآية أيضا نزلت بسبب أن النصارى حين عبدوا عيسى وقالوا‫:‬ عيسى ابن الله أو قالوا‫:‬ عيسى هو الله زعموا أن الملائكة خير من عيسى، فعيسى في الأرض والملائكة في السماء، وقالوا‫:‬ (وَقَالُوٓا۟ ءَأَـٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ ) أم عيسى وأرجح الأقوال أن الكلام خاص بعيسى وأن الآية نزلت بسبب مجادلتهم وزعمهم في قول النبي، صلى الله عليه وسلم، (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٩٨]، قالوا‫:‬ (ءَأَـٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ ) يرد الله، تبارك وتعالى‫:‬ (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًۢا ۚ ) أي ما ضربوا لك المثل بعيسى إلا مجادلين، حال كونهم مجادلين غايتهم الجدال، غرضهم الجدل والخصومة وليس الوصول إلى الحق، فما ضربوا لك المثال بعيسى أنت تزعم أن ما يعبدون من دون الله حصب جهنم فما بال عيسى وما بال عزير؟‬
‫(مَا ضَرَبُوهُ لَكَ) أي هذا المثل ما ضرب ابن مريم مثلا (إِلَّا جَدَلًۢا ۚ ) أي حال كونهم مجادلين إن هم في جدالهم إلا قوم شديدو الخصومة (خَصِمُونَ (٥٨)) جمع خَصِمْ والخَصِمْ من الناس شديد الخصومة لديد الخصومة، الذي يخاصم فيفجر، (وَإذَا خَاصَمَ فَجَرَ)، لا يترك شيئا يلجأ إليه إلا ولجأ إليه مشروعا كان أو غير مشروع لا يكف عن خصومته ولا يكف عن عداوته وبغضائه (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًۢا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)) نعم هم يجادلون ولا يبتغون الوصول إلى الحق، وهم أهل اللسان العربي وهم أهل اللغة وقد نزل القرآن بلسانهم وهم أعلم الناس بحروف الكلام، وهم يعلمون أن كلمة "ما" تستخدم لغير العاقل وأن كلمة "من" تستخدم للعاقل، ربنا، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ)، ولم يقل إنكم ومن تعبدون من دون الله فلو قال‫:‬ إنكم ومن، لدخل في الكلام من يعقل كعيسى وعزير والملائكة وإنما حين قال (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ) إذا فالكلام مختص بمن لا يعقل، الكلام مختص بالأصنام الكلام مختص بالحجارة وهم يعلمون ذلك الفرق بين ما ومن، يعلمون أن من للعاقل وما لغير العاقل، إذا فحين قالوا عيسى وضربوا به المثل كان قولهم جدالا ولم يكن سؤالا أو استفهاما لأنهم أهل اللغة ويعلمون أن كلمة ما لغير العاقل إذا فالكلام مختص بالأصنام (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ) أي هم والحجارة (وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ) [سورة التحريم آية‫:‬ ٦]، أما عيسى فنبي الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وهو ليس مسئولا عن ضلال قومه وعن عبادتهم له وكذلك الملائكة من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًۢا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)).‬
‫ثم تبين الآيات موقف عيسى، من هو عيسى؟ فيقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلًۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ﴿59﴾
إذًا فما من نبي إلا وهو عبد، يشترك مع الناس جميعا في العبودية، وفي صفة العبودية (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ) يتميز عن الخلائق بإنعام الله عليه ولا فضل لأحد على أحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، ولكن الفضل بتفضيل الله، وكذلك الجواهر والمعادن وكل ما خلقه الله، تبارك وتعالى، سواء فالكل من التراب، والتراب من العدم، وطالما كان الأصل في الأشياء العدم فلا فضل لشيء، وإنما فضل الله، تبارك وتعالى، الدر على الحصى والكل من التراب، وفضل الذهب على النحاس والكل من التراب وفضل الأنبياء على الناس والكل من آدم ودم من تراب، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ) مخلوق هو من العباد ميز عنهم بإنعام الله، إذا فالفضل ليس في ذاتك وإنما الفضل في تفضيل الله لك (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ) بالنبوة وفضلناه بالحكمة وبالرسالة (أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلًۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ (٥٩)) عبرة وعظه وآية ومعجزة فقد ولد من غير أب، وكانت بنو إسرائيل في ذلك الوقت أفضل الخلائق جميعا عند الله، (وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٦)) [سورة الجاثية آية‫:‬ ١٦]، أراد ربنا، تبارك وتعالى، أن ينعم على بني إسرائيل فأرسل منهم رسولا، وخلقه من غير أب ليكون آية وعبرة وعظة وعلامة على قدرة الله، تبارك وتعالى، على الإيجاد والإنشاء إبداعا أو توليدا فقد خلق الملائكة إبداعا وخلق الناس توليدا يخلق الشيء من لا شيء ويخلق الشيء من الشيء سبحانه هو الخلاق العليم‫.‬‬‬‬
وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَـٰٓئِكَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ﴿60﴾
يبين ربنا، تبارك وتعالى، أن المعجزة في خلق عيسى في قدرة الله، تبارك وتعالى، كباقي الأشياء وأن الله قادر على كل شيء، خلق آدم من غير أب ومن غير أم، وخلق حواء من أب ومن غير أم، وخلق عيسى من أم ومن غير أب، وخلق الملائكة من غير أب ومن غير أم، خلقهم إبداعا، وخلق الناس توليدا، وهو قادر على أن يعكس فيجعل ما خلقه إبداعا يخلق توليدا وما خلقه توليدا يخلق إبداعا، فأوجد آدم إبداعا وأوجد حواء من غير أم وأوجد عيسى من غير أب، لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَـٰٓئِكَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)) أي لو أردنا أن نجعل الملائكة يخلفون في الأرض ويعمرونها بدلا من الناس لفعلنا ذلك وإسكان الملائكة في السماء ليس لشرفهم وليس فضلا لهم وليس لأنهم يستحقون أن يعبدوا من دون الله، فما كان إسكان الملائكة في السماء إلا إرادة الله ولا يستحقون بهذا الإسكان أن يعبدوا من دون الله، ولو شاء ربنا، تبارك وتعالى، لأسكنهم في الأرض كما أسكنكم في الأرض (وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم) أي بدلا منكم (مَّلَـٰٓئِكَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)) يخلف بعضهم بعضا‫.‬‬
‫والآية تعني أيضا‫:‬ لو نشاء لخلقنا منكم ملائكة توليدا كما خلقناهم إبداعا، فإذا بالرجل يتزوج بالمرأة وهما من الناس تحمل المرأة فتلد ملكا لا تلد إنسانا وإنما تلد ملكا؛ لأن الله قادر حين خلق الملائكة إبداعا قادر على أن يخلقهم توليدا ومن غير جنسهم، لأن الناس والملائكة وجميع الخلائق لم تكن وكان الله، وحين أوجد الله الأشياء أوجدها بحكمته وفق علمه وبإرادته كما شاء وكيف شاء توليدا أو إبداعا أسكنهم في السماء أسكنهم في الأرض هو الله فلم تعبدون عيسى؟ لأنه ولد من غير أب؟ تعبدون الملائكة لأنها سكنت في السماء؟ الذي خلق عيسى هو الله كما خلق آدم من تراب ثم قال له كن فيكون، والذي أسكن الملائكة في السماء هو الله، لا يستحق عيسى العبادة ولا تستحق الملائكة عبادة، لا هذا يستحق العبادة لأنه ولد من غير أب ولا الملائكة تستحق العبادة لأنها سكنت في السماء، لأن الخالق والموجد هو الله والمسكن هو الله يفعل ما يشاء، (لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ (٢٣)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٢٣].‬
‫(وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم) من نسلكم (مَّلَـٰٓئِكَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)) يخلفونكم فإذا بالملائكة تتولد من الناس يخلقها توليد كما خلقها إبداعا وهو قادر على كل شيء وأمره إذا أراد شيئا إنما يقول له كن فيكون‫.‬‬‬‬
وَإِنَّهُۥ لَعِلْمٌۭ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ ﴿61﴾ وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ﴿62﴾
‫(وَإِنَّهُۥ) الضمير عائد على القرآن لأن بالقرآن تعلم أحوال الساعة وأهوالها (وَإِنَّهُۥ) محمد، صلى الله عليه وسلم، لأنه قال‫:‬ (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ) وقرن بين السبابة والوسطى، فمحمد، صلى الله عليه وسلم، من علامات الساعة (وَإِنَّهُۥ) عيسى، والكلام متصل، والكلام عن عيسى وما زال الكلام عن عيسى (وَإِنَّهُۥ) أي عيسى (لعَلَمٌ للساعة) علامة، عَلَم قراءة، علامة على الساعة، (لَعِلْمٌۭ لِّلسَّاعَةِ) أي به تعلم الساعة ببعثته أو بنزوله، فحين بعث الله، تبارك وتعالى، عيسى ابن مريم لبني إسرائيل وأرادوا صلبه (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) [سورة النساء آية‫:‬ ١٥٧]، ورفعه الله، تبارك وتعالى، إليه، حين جاءهم عيسى جاء من غير أب، إذا فقد جعل مثلا لبني إسرائيل آية وعبرة، به تعلم الساعة لأنه أحيا الموتى وخلق من الطين كهيئة الطير فنفخ فيه فأصبح طيرا بإذن الله، فإن قدر عيسى على إحياء الموتى فالله أقدر، إذا ً فبعث عيسى وجعل إحياء الموتى له وإبراء الأكمه والأبرص وإنباؤهم بالغيوب، ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، يشفي المرضى ويحيي الموتى وما إلى ذلك، كل هذه العلامات علامات على الساعة (وَإِنَّهُۥ لَعِلْمٌۭ لِّلسَّاعَةِ) أي عيسى، إيجاد عيسى وخلْق عيسى من غير أب، بعثة عيسى، البينات التي كانت مع عيسى، المعجزات التي كانت لعيسى أو (وَإِنَّهُۥ) وإن نزول عيسى في آخر الزمان علامة على قيام الساعة فقد اقتربت، ونزول عيسى في آخر الزمان حق لا مراء فيه، وصدق لا شبهة فيه، فقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (وَاللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلاً، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ، وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلاَصُ فَلاَ يُسْعَى عَلَيْهَا، القلاص النوق الجمال والنوق، لا يسعى عليها تترك ترعى، يتركها راعيها وصاحبها فالناس يومئذ في شأن عظيم، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ فَلاَ يَقْبَلُهُ أَحَدٌ).‬
‫نعم كيف أنتم إذا نزل عيسى ابن مريم والإمام منكم، وينزل عيسى ابن مريم في آخر الزمان على المنارة شرق دمشق وينزل ومعه رمحه الذي يقتل به الدجال، وينزل عيسى ويحكم بشريعة محمد، صلى الله عليه وسلم، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، فالإسلام أو القتل، يدعو إلى الإسلام وإذا صلى الناس صلى وراءهم بإمامة إمامهم من أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، (وإنه لعَلَم للساعة) أي نزول عيسى، (وَإِنَّهُۥ لَعِلْمٌۭ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا) لا تشكُّون فيها ولا تكذبون بها (واتبعوني) بالياء (وَٱتَّبِعُونِ ۚ ) من غير ياء، قراءتان، والياء وصلا ووقفا مثبتة وتحذف وقفا وتثبت وصلا، قراءات، (هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ (٦١)) أي اتباع محمد، صلى الله عليه وسلم، صراط مستقيم (فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ ۚ ) القائل هو الله أي واتبعوا هداي واتبعوا رسولي واتبعوا شرعي، أو القائل هو محمد، صلى الله عليه وسلم، (وَإِنَّهُۥ لَعِلْمٌۭ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ (٦١)) طريق واضح لا اعوجاج فيه يؤدي إلى رضوان الله، تبارك وتعالى، وإلى الجنة (هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ (٦١)).‬
‫(وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ۖ ) لا يدفعنكم عن الطريق المستقيم، لا يبعدكم عنه كما فعل بأبويكم يخرجهما من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهم (وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ۖ ) فيجعلكم تعرضون عن هذا الصراط المستقيم فتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، صراط الله واحد والسبل متعددة وسبيل الله سبيل واحد طريق واضح مستقيم (وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ (٦٢)) ظاهر العداوة هل يشك إنسان في عداوة الشيطان؟ هل يشك إنسان مهما كان دينه مهما كانت ملته مهما كان جنسه، هل يشك إنسان في عداوة الشيطان؟ فكيف تتبعون الشيطان وكيف تسمحون له بأن يصدكم عن طريق الله؟ (وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ (٦٢)).‬
‫وتنتقل الآيات للحكاية عن عيسى، هذا الذي زعموا أنه إله، هذا الذي عبدوه من دون الله ماذا قال وماذا فعل، الحق الأبلج:
وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿63﴾ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ ﴿64﴾ فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴿65﴾ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿66﴾
هذا هو قول عيسى، هذا هو عيسى، عبد أنعم الله عليه بالنبوة، (وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ) لبني إسرائيل، إحياء الموتى، خلق الطير من الطين والنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله ينبئهم بالغيوب ينبئهم بما يأكلون وبما أكلوا وما يدخرون وما يكنزون وما يخبئون، هذا هو عيسى لما جاء بالبينات لم يدع الألوهية، ولم يطلب من الناس أن يعبدوه من دون الله وإنما حين جاء بالبينات (قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ) بالإنجيل (بِٱلْحِكْمَةِ) بالنبوة (بِٱلْحِكْمَةِ) ما يعلم به كل جميل ويبعد به عن كل قبيح الحكمة الإصابة في القول والعمل الحكمة الصواب، (قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ۖ ) لم يبين لهم بعض الذي يختلفون فيه ولا يبين كل ما يختلفون فيه؟ قال العلماء كلمة بعض تعني الكل وجاءت في القرآن (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ) [سورة يونس آية‫:‬ ٤٦]، وكلمة "بعض" قد تعني الكل وقال بعض العلماء‫:‬ (بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ۖ ) إذا فقد اختلفوا في أمور الدين واختلفوا في أمور الدنيا، فبيّن لهم بعض الذي يختلفون فيه أي بين لهم أمور دينهم فقط ولم يبين لهم أمور الدنيا وقال كما قال محمد، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (أَنْتُمْ أَدْرَى بِشُئُونِ دُنْيَاكُمْ)، من هنا قال بعض، وقالوا بل الآية تشبه (وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٥٠]، أي يحل لهم بعض الذي حرم عليهم فالحرام حرام من الأزل لكن الله عاقب بني إسرائيل بفسقهم وبعصيانهم وبصدهم فحرم عليهم طيبات أحلت لهم، فجاء عيسى يحل بعض الحرام أي الذي لم يكن حرام أصلا وإنما حرم عليهم بذنبهم وبصدهم، (جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ۖ ) أي لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، وقال علماء آخرون‫:‬ بل بين لهم بعض الذي يختلفون فيه في الإنجيل وبين لهم في غير الإنجيل كل ما اختلفوا فيه، فالبعض بين في الإنجيل، هذا فيما يتعلق بالحلال والحرام وما اختلف فيه بنو إسرائيل بعد موت موسى (وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣)) كلمة النبي، صلى الله عليه وسلم، وكلمة الرسل جميعا اتقوا الله، فما من نبي إلا وبعث للدلالة على الله، بعث للدعوة إلى الله ولم يدع نبي لنفسه أو لملكه أو لسلطانه أو لأجر (وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٠٩)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ١٠٩]، (اتقوا الله وأطيعوني) أطيعوني فيما أمر الله به وتقرأ أيضا (وأطيعوني) إذا قرأت (واتبعوني) بالياء فلا تمترن بها وأطيعوني).‬
‫إذا فقد دعا عيسى إلى التوحيد وقد دعا عيسى إلى الله، ولم يدع عيسى لنفسه ولم يزعم لنفسه الألوهية وإنما قال‫: (إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ (٦٤))‬ أمرهم عيسى بأمرين؛ أمرهم بالتوحيد وأمرهم بالعبادة وهي الأوامر التي أمر بها الأنبياء جميعًا (إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ) تلك دعوة إلى التوحيد، لا إله إلا الله (إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ ) بالطاعة فاعبدوه بطاعته إذا ً فقد دعاهم إلى التوحيد وإلى الطاعة دعوة النبي، صلى الله عليه وسلم، ودعوة الأنبياء (إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ (٦٤)).‬
‫هذا حال عيسى وهذه حكايته وهذا هو الحق في شأنه‫.‬‬
‫(فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ ) الأحزاب اليهود والنصارى، الأحزاب فرق من النصارى، ففي النصارى فرق؛ فرقة زعمت أن المسيح هو الله، وفرقة زعمت أن المسيح ابن الله، وفرقة زعمت أن المسيح ثالث ثلاثة أحدهم هو الله والثاني هو عيسى والثالث الروح القدس، فاختلفوا (فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ ) اختلفوا بينهم، اختلفوا في شأن عيسى واختلفوا في أمره (فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)) تهديد من الله، تبارك وتعالى، ووعيد شديد، هلاك وخسران وحسرة وضياع (فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا۟) والظلم هنا بمعنى الشرك (إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌۭ (١٣)) [سورة لقمان آية‫:‬ ١٣].‬
‫(فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ ) وقد تعني الآية قريشا حيث تحزبوا على النبي، صلى الله عليه وسلم، وكذبوه وآذوه وأخرجوه (فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا۟) المشركون في كل مكان تنطبق الآية على الذين اختلفوا في شأن عيسى وتنطبق الآية أيضا على من تحزب على النبي، صلى الله عليه وسلم، من كفار مكة (فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)) اليوم ليس أليما وإنما العذاب هو الأليم فربنا، تبارك وتعالى، يقول‫: (فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥))‬ أي أليم عذابه، ووصف العذاب بالشدة أقصى الغاية في المبالغة في شأن شدة العذاب، أن تصف اليوم الذي وقع فيه العذاب بالإيلام، كأن تقول ليله قائم نهاره صائم، النهار لا يصوم، لكن كثرة صيامه فكأن النهار قد صام ومن كثره قيامه بالليل فكأن الليل قد قام، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)) وكأن اليوم هو أليم، ولكن الأليم هو العذاب، لكن للمبالغة لبيان شدة العذاب الذي لا يخطر على بال (فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنظُرُونَ) هل ينتظرون (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)) إلا أن تأتي الساعة يوم القيامة الساعة التي تقوم فيها القيامة هل ينتظرون إلا أن تأتيهم هذه الساعة فجأة وهم لا يفطنون لها ولا يشعرون بها مشغولون بأمر الدنيا عن أمر الآخرة، (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)).
ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ ﴿67﴾ يَـٰعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿68﴾ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ مُسْلِمِينَ ﴿69﴾ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ تُحْبَرُونَ ﴿70﴾ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍۢ مِّن ذَهَبٍۢ وَأَكْوَابٍۢ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿71﴾ وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِىٓ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿72﴾ لَكُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ كَثِيرَةٌۭ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿73﴾
‫(ٱلْأَخِلَّآءُ) الأخلاء الأصدقاء، الأخلاء من الخلة ومن التخلل وكأن الخليل قد تخللت محبته قلب صاحبه، أو كأن الخليل قد تخلل في باطن صاحبه وخفاياه فعلم أسراره وعلم عنه كل شيء، من التخلل تخللت المحبة القلوب وخالطتها (ٱلْأَخِلَّآءُ) الذين كانوا في الدنيا أخلاء (يَوْمَئِذٍۭ) يوم القيامة أعداء، تنقلب الخلة إلى عداوة، تنقلب الصداقة إلى بغضاء، تنقلب المحبة إلى تلاعن يلعن بعضهم بعضًا (ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)، نعم يتعادون ويتعاوون ويتلاومون ويستصرخون‫:‬ (يَـٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلًۭا (٢٧) يَـٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًۭا (٢٨) لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى ۗ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِلْإِنسَـٰنِ خَذُولًۭا (٢٩)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٢٧- ٢٩]، نعم (ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ (٦٧)) المتقون الأخلاء في الدنيا تبقى معهم المحبة والمودة والخلة والحب إلى يوم القيامة، وإذا بعث الناس يوم القيامة كلهم آت الرحمن عبدا وكلهم آتية يوم القيامة فردا، أما المتقون يجعل لهم الرحمن ودا فتبقى المودة فإذا بهم متحابون متآلفون مجتمعون لا يتعادون ولا يتلاومون كما يفعل الآخرون، وإنما هم أحباب في يوم القيامة يشفعون لبعضهم البعض ويسرون لمسرة بعضهم كما كانوا يفعلون في الدنيا‫.‬‬
‫(ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ (٦٧)) تبقى مودتهم وصدق القائل‫:‬ ما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله قطع وانفصل، بل الأحباب يحشرون تحت العرش، يظلون بالعرش يوم لا ظل إلا ظل العرش، (اثْنَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَافْتَرَقَا عَلَيْهِ)، المحبة في الله تبقى في الدنيا وتبقى بعد الممات وتبقى في البرزخ وتبقى يوم القيامة وتبقى في الجنة (إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ (٤٧)) [سورة الحجر آية‫:‬ ٤٧].‬
‫أيها الأخ المسلم، يقول النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ)، فإذا كان يوم القيامة وتعادى الأخلاء وظهرت العداوة والبغضاء بينهم وبقي المتقون في محبتهم ومودتهم نادى المنادي من قبل العلي الأعلى‫:‬ (يَـٰعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿٦۸﴾) فيرفع الخلائق جميعًا رءوسهم ويقولون‫:‬ نحن عباد الله، فينادي الثانية‫: (ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ مُسْلِمِينَ ﴿٦۹﴾)‬ فينكس الكفار رءوسهم ويبقى الموحدون رافعي رءوسهم، فيقال لهم‫:‬ (ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ تُحْبَرُونَ ﴿۷۰﴾) جعلنا الله منهم، نعم (ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ ﴿٦۷﴾).‬
‫(يا عبادي) (يَـٰعِبَادِ) بغير ياء (يا عباديَ) بفتح الياء أيضا (يَـٰعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿٦۸﴾) نداء من العلي الأعلى، ما أحلاه من نداء! الحنان كله، نعم فهو الحنان المنان، الرحمة الفرح هل تتخيل حين تسمع ذاك النداء وتعلم أنك مقصود به كيف حالك في يوم الفزع والكل غارق في عرقه والكل وجِل والكل مرتعد، إذا سمعت هذا النداء كيف وقْعه! كيف طعمه! (يَـٰعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ) لا خوف عليكم اليوم مما هو آت (وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿٦۸﴾) على ما فات، فلا حزن على ما فات، ولا خوف مما هو آت، (يَـٰعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿٦۸﴾) نداء من العلي الأعلى الملك الحق‫.‬‬
‫(ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ مُسْلِمِينَ ﴿٦۹﴾) تفسير وبيان لنوعية العباد الذين هم يوم الفزع آمنون، (ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ مُسْلِمِينَ ﴿٦۹﴾) الموحدون لله المخلصون له المسلمون أمرهم لله المتوكلون عليه الذين آمنوا وكانوا يتقون نعم (يَـٰعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿٦۸﴾ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ مُسْلِمِينَ ﴿٦۹﴾ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ تُحْبَرُونَ ﴿۷۰﴾) أنتم وأزواجكم، قيل أزواجكم في الدنيا من المسلمات، فالرجل إذا دخل الجنة ألحق الله به زوجته وأولاده (أَنتُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ) نساؤكم في الدنيا الذين ماتوا على ما متم عليه (أَنتُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ) إخوانكم في الله الذين كانوا معكم في الطريق إلى الله (أَنتُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ) أي أصنافكم أنتم وأشباهكم وأمثالكم أو (أَنتُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ) من الحور العين والكلمة تعني كل ذلك، فالرجل إذا دخل الجنة ومنّ الله عليه بالمنزلة العليا في الجنة وتلفت حوله باحثا عن أحبابه عن أصدقائه عن إخوانه عن أخلائه عن نسائه وأبنائه فإذا لم يجد زوجته وأولاده سأل‫:‬ يا رب أين امرأتي التي كانت تعينني في الدنيا؟ يا رب أين أولادي؟ فيقال له‫:‬ هم أدنى منك منزلة في الجنة فما عملوا بمثل عملك، فيقول‫:‬ يا رب كنت أعمل لي ولهم، فيقال‫:‬ ارفعوهم إلى منزلته ألحقنا بههم أزواجهم وألحقنا بهم ذريتهم (وَمَآ أَلَتْنَـٰهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍۢ ۚ ) [سورة الطور آية‫:‬ ٢١].‬
‫(ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ تُحْبَرُونَ ﴿۷۰﴾) وكلمة تحبرون تحير، فهي تصف ما لا يوصف، تصف ما لا عين ولا أذن سمعت ولا خطر على قل بشر ولا يمكن أن تعبر كلمة أخرى عما تعبّر عنه هذه الكلمة، لذا اختلفت فيها الأقوال قالوا‫:‬ تسرُّون تفرحون تنعمون تزينون، كلمات كثيرة، أصل كلمة تحبرون إما من الحَبار والحَبَر الأثر، فمعنى تحبرون يحدث لكم من التنعيم ما يظهر أثره عليكم ويحدث لكم من السرور ما يظهر حَبَاره على الوجوه، (وُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍۢ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌۭ (٢٣)) [سورة القيامة آية‫:‬ ٢٢- ٢٣]، فلا بد أن يحدث أثر على الوجه من لذة النظر إلى وجه الكريم، هذا الأثر هو الحبر الحبار، فكأن كلمة تحبرون معناها يظهر أثر النعيم على الأبدان والأجساد والوجوه، أيضا كلمة تحبرون قد تكون من الحبْر أو الحِبْر والحَبْر والحِبْر الزينة، تحبرون تزينون، وكلنا يعلم أن الناس يحشرون يوم القيامة عراة حفاة غرلا غير مختونين، وأول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم الخليل ثم تكسى الخلائق بعد ذلك كل بحسب منزلته ودرجته عند الله‫.‬‬
‫(ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ تُحْبَرُونَ ﴿۷۰﴾) إذا فكلمة تحبرون تعني كل ما يخطر وما لا يخطر على بال (يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍۢ مِّن ذَهَبٍۢ وَأَكْوَابٍۢ ۖ ) الصحاف جمع صحفة والصحفة الإناء الذي يوضع فيه الطعام لم يذكر الطعام لكن ذكر الصحاف فإذا كانت الصحاف من ذهب تطاف عليهم هل يطاف عليهم بالصحاف خالية، لا يمكن (يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍۢ مِّن ذَهَبٍۢ وَأَكْوَابٍۢ ۖ ) أي وأكواب من ذهب هذه الصحاف والأكواب من ذهب ترى ماذا فيها؟ يعلم الله‫.‬‬
‫(وَفِيهَا) في الجنة (ما تشتهي الأنفس) قراءة (مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ) قراءة (مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿۷١﴾) نعم (وَفِيهَا) في الجنة (مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ) كل ما تشتهيه، وقد سأل رجل النبي، صلى الله عليه وسلم، يومًا‫:‬ يا رسول الله هل في الجنة خيل؟ قال‫:‬ (إن أدخلك الجنة وشئت أن يكون لك خيل فيها كان لك فرس من ياقوتة حمراء تذهب بك حيث تشاء)، فقال رجل‫:‬ وهل فيها إبل؟ فلم يرد عليه كما رد على الأول وإنما قال‫:‬ (ما من شيء إن أدخلك الله الجنة ما من شيء تشتهيه نفسك إلا وتجده)، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر‫.‬‬
‫(وَفِيهَا) في الجنة (مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ) وشهوة النفس في الدنيا تختلف فأنت في صباك وفي طفولتك ماذا تشتهي؟ كرة تعلب بها، دراجة تركبها أليس كذلك؟ تشتهي اللعب بالكرة في الطريق، تشتهي الأرجوحة، وتشتهي البنتُ العروسة، فإذا كبرت سنك ووصلت مرحلة البلوغ ما تشتهيه نفسك الزواج، المرأة، تشتهي شيئا آخر فقد كبرت منك السن، وكلما تكبر تتغير شهوات النفس بحسب السن، فإذا بلغت من العمر مداه اشتهيت لقاء الكريم، ترى في يوم القيامة ترى وأنت في الجنة ماذا تشتهي؟ ترى هل تشتهي النساء؟ هل تشتهي الطعام؟ هل تشتهي اللعب بالكرة كما تشتهيها الصبيان، ماذا تشهيه؟ حين يقول‫:‬ (مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ) نحن لا نعلم ما سوف تشتهيه نفوسنا كما لا يعلم الطفل الصغير ماذا تشهيه نفسه حين يبلغ الحلم وحين يبلغ مبلغ الرجال، هل يعلم الطفل حين يبلغ مبلغ الرجال ماذا تشتهيه نفسه؟ فكذلك أنت لا يمكن أن يخطر ببالك ما تشتهيه نفسك وأنت في دار الحق وأنت في جوار الكريم وأنت في الخلود في الجنة‫.‬‬
‫فكلمة‫:‬ (مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ) وحدها لا تفسير لها ولا يمكن أن يكون لها تفسير لأننا لا ندري ما سوف نشتهيه، ولو سئلت أنت الآن عما تشتهيه ربما اختلفت الآراء، وأعظم ما يمكن أن يشتهي دنيا وأخرى هو النظر إلى وجه الكريم لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ ۖ ) وتلك الأخرى لا تفسير لها، من حيث اللغة لذَّ يلذُّ لذاذا ولذاذةً ولذِذْتُ به أَلذُّ والتذذت به وتلذذت، تلك لغة (وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ ۖ ) الأعين تلذ كيف؟ كيف تلذ الأعين؟ وبم تلذ الأعين؟ بمنظر الزهور والورود والأغصان والأشجار، تلذ بالنظر إلى الفواكه المختلفة والطعوم المختلفة، تلذ بالنظر إلى الحور (وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًۭا (٣٣) وَكَأْسًۭا دِهَاقًۭا (٣٤)) [سورة النبأ آية‫:‬ ٣٣- ٣٤]، (وَحُورٌ عِينٌۭ (٢٢) كَأَمْثَـٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ (٢٣)) [سورة الواقعة آية‫:‬ ٢٢- ٢٣]، بم تلذ الأعين؟ أم تلذ بالنظر إلى الله، تبارك وتعالى، بم تلذ؟‬
‫(وَأَنتُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿۷١﴾) كلمة خالدون تلك الأخرى نحن لا ندري عن معناها شيئا، فنحن لم نجرّب الخلد ولا نعرفه، جرّبنا أن النعيم في الدنيا زائل وزوال النعيم في الدنيا له ثلاث آفات؛ الآفة الأولى أن تتكلف الحفاظ عليه، فما من نعمة إلا وأنت متكلف في الحفاظ عليها فإذا كان لك مال أردت خزينة وخزائن وأردت أن تضعه تحت الحفظ وإن جئت بالحراس وإن خفت على حياتك جئت بالحرس فما من نعمة إلا وأنت تتكلف الحفاظ عليها، أيضا ما من نعمة إلا وأنت خائف من زوالها فأنت تخاف من زوال الصحة وتخاف من زوال المال وتخاف من زوال الجاه وتخاف من زوال السلطان وتخاف من زوال الجمال، ما من شيء إلا ويخاف الإنسان زواله، هذه هي الآفة الثانية، والآفة الثالثة الحسرة بعد زوال النعمة فما من نعمة إلا وتزول، كل نعيم لا محالة زائل، ثلاث آفات في نعم الدنيا؛ تكلف الحفاظ عليها، خوف زوالها، الحسرة بعد الزوال، وها هو المتحسر على شبابه يقول‫:‬‬
‫ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما فعل المشيب‬
‫ويتحسر الإنسان على صحته ويتحسر على ماله ويتحسر على أولاده، ما من نعمة إلا ويتحسر عليها، أما نعيم الآخرة فدائم لا يزول غير مقطوع وغير مجذوذ، فربنا، تبارك وتعالى، حين يقول‫:‬ (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿۷١﴾) خلد لا موت‫.‬‬
‫(وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِىٓ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿۷٢﴾) هل يدخل أحدنا الجنة بعمله؟ أبدا والله، لا يدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا‫:‬ ولا أنت يا رسول الله؟ قال‫:‬ لا ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته، لكن لطف الله، تبارك وتعالى، وحنان الله، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِىٓ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿۷٢﴾) أمران يلفتان النظر؛ أولا الميراث هل هناك ميراث؟ نعم فما من مخلوق إلا وله جنة وله نار، ما من إنسان على وجه الأرض إلا وله جنة وله نار، ما من إنسان على وجه الأرض إلا وله مقعد في الجنة ومقعد في النار، أما أهل النار فيرثون مقاعد المؤمنين في النار، وأما أهل الجنة فيرثون مقاعد الكفار في الجنة؛ لأن الكافر إذا دخل النار حرم من مقعده في الجنة فورثه المؤمن، وإذا دخل المؤمن الجنة حماه الله من مقعده في النار فورثه الكافر‫.‬‬
‫(وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِىٓ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿۷٢﴾) وقرئت‫:‬ (ورثتموها) وكأن الدخول إلى الجنة برحمة الله واقتسام الجنة وإرث الجنة بالعمل، وهكذا قال النبي، صلى الله عليه وسلم، حين قالوا‫:‬ ولا أنت يا رسول الله؟ قال‫:‬ ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته، وقالوا‫:‬ فيم العمل؟ قال‫:‬ تدخلون الجنة برحمة الله وتقتسمونها بأعمالكم‫.‬‬
‫(وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ) كلمة تلك إشارة للبعيد (وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ) وفي القرآن جاءت كلمة تلك إشارة للجنة (وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ) وحين جاء ذكر النار لم يأت بكلمة تلك لكنه قال (هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)) [سورة يس آية‫:‬ ٦٣]، غريب أشار للنار بكلمة هذه وأشار للجنة بكلمة تلك وكأن النار قريبة والجنة بعيده وكأن النار حاضرة وكأن الجنة غائبة، وكأن الجنة غائبة وكأن النار حاضرة، نعم لأن جهنم يؤتى بها (وَجِا۟ىٓءَ يَوْمَئِذٍۭ بِجَهَنَّمَ ۚ ) [سورة الفجر آية‫:‬ ٢٣]، الجنة يسعى إليها والنار تسعى إليهم، تلك الجنة لرفعة منزلتها وعلو شأنها، هذه النار لحقارة شأنها وفظاعة عذابها (وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِىٓ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿۷٢﴾ لَكُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ كَثِيرَةٌۭ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿۷۳﴾) لكم فيها فاكهة كثيرة لا عد لها ولا حصر، لا لأصنافها ولا لأنواعها ولا لكمياتها (مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿۷۳﴾) لأنها لا تنتهي لا تنضب ولا تفرغ ما من شيء تأخذه إلا وينبت غيره قبل أن يصل إلى يدك فلا نفاد لها (إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ (٥٤)) [سورة ص آية‫:‬ ٥٤].‬
‫(وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِىٓ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿۷٢﴾ لَكُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ كَثِيرَةٌۭ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿۷۳﴾) وكأن الطعام هناك للتلذذ والنعيم (مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿۷۳﴾) لا عن جوع وكلما أكلت لا تشبع وإنما تأكل للتلذذ، ولذا قال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَلاَ يَتْفُلُونَ، التفل البصق، وَلاَ يَبُولُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ) من المخاط، قالوا‫:‬ يا رسول الله ما بال الطعام؟ أي إذا أكلوا الطعام أين يذهب؟ قال‫:‬ (جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ)، أرأيت الزهرة؟ أرأيت الوردة؟ أرأيت الشجرة؟ حين تسقى الوردة بالماء وتأخذ من الأرض الغذاء أين يذهب؟ يخرج شذى وعبيرًا ورائحة تفوح في الأرجاء، فهكذا المسلم والمؤمن في الجنة يأكل ويشرب كالورد، وينصرف الطعام والشراب هيئة مسك يرشح فتتعطر الأجواء بعطره (جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ) هل تتعب في التنفس هل تشعر بنفسك وأنت تتنفس فكذلك أهل الجنة يلهمون التسبيح والتحميد والتكبير كما يلهمون النفس، لا تعب ولا نصب، لا مشقة ولا تكاليف، بل لذة ونعيم حتى التسبيح حتى التحميد حتى التكبير كالنفس يلهمون ذلك كله دون تعب ودون تكليف ودون نصب بل يتمتعون ويتلذذون بكل ذلك‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، الذهب والحرير لنا في الجنة، إن شاء الله، ولهم في الدنيا يقول المصطفى، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (لاَ تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلا الدِّيبَاجَ، وَلا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ)، وقال في شأن الحرير والذهب‫:‬ (هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهَا)، من هنا قال العلماء‫:‬ يحرم لبس الحرير ويحرم لبس الذهب للرجال ويحرم الأكل أو الشرب في الآنية المصنوعة من الذهب والفضة على الأمة جميعها ذكورها وإناثها، أما لبس الحرير ولبس الذهب فيحل للإناث فقط، وقال العلماء‫:‬ طالما قد حرم علينا لبس الحرير ولبس الذهب إذا يحرم استعمالهما أيضا، وما يحرم استعماله يحرم اقتناؤه، من هنا مهما قل الذهب المستخدم فهو حرام، فهو حرام مهما قل، كالذي يوضع كدبوس أو يوضع كإطار للنظارة أو يوضع في اليد كخاتم الزواج مهما قل شأن الذهب فهو حرام، ومن لبس الذهب في الدنيا ومات ولم يتب لم يلبسه في الجنة أبدا، لم يلبسه في الجنة أبدا، الذهب والحرير حرام على الذكور حل للإناث، يحرم الشرب والأكل في آنية الذهب والفضة يحرم استخدامها في أي شيء أيضا يحرم اقتناء الذهب والفضة إلا ما أحله الله كالحلية للإثاث من الذهب والفضة والحلية من الفضة للرجال أما ما سوى ذلك فيحرم استخدامه ويحرم أيضا اقتناؤه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، استمع وانتبه واعلم أنك قريب من الآخرة، والموت أقرب إليك من شراك نعلك، وربنا، تبارك وتعالى، يرى ويسمع وما خلق الناس سدى (أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةًۭ مِّن مَّنِىٍّۢ يُمْنَىٰ (٣٧)) [سورة القيامة آية‫:‬ ٣٦- ٣٧]، ألم يكن كذلك؟ بلى كان كذلك والله، تبارك وتعالى، نبهنا إلى أن هناك يوما يجتمع فيه الخلائق بين يدي الملك فيقضي بينهم بالحق‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، انظر لنفسك من تخالل فالمرء على دين خليله، إياك والجدل فنبينا، صلى الله عليه وسلم، يقول‫:‬ (مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ)، إياك والجدل! إياك ولبس الحرير والذهب! إياك والأكل والشرب في صحاف الذهب والفضة! إياك والمحظورات! إياك والممنوعات! انظر من تصاحب في هذه الدنيا ومن جالس جانس، واعمل لآخرتك وخذ لنفسك من نفسك، (مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٤٦)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٦].‬
‫قد تبين لها من الآيات في سورة الزخرف أن النعيم في الآخرة لا تصل إلى كنهه العقول والأفكار، فنعيم الآخرة دائم لا يزول وكل نعيم لا محالة زائل، ونعيم الدنيا مهما كثر ومهما عظم، فالإنسان فيه يتكلف مؤنة الحفظ، فهو مشغول بالحفاظ على نعمه وعلى ما لديه من نعم، وهو أيضا يشعر بالقلق خوف الفوات وخوف الزوال، وهو أيضا لا بد وأن يأتي عليه يوم يشعر فيه بالتحسر على ضياع النعم، فما من نعمة إلا وهي زائلة، ذاك طبع الدنيا نعيمها زائل، وأما نعيم الآخرة فلا يزول، خلود ولا موت، خلود ولا موت، لا يتكلف الإنسان مؤنة حفظ الآخرة فهو محفوظ غير مقطوع ولا مجذوذ، ولا يشعر بالخوف من زواله فهو دائم لا يزول، ولا يتحسر على الزوال فلا زوال لنعيم الآخرة مطلقا، حتى أن التعبير بالوراثة ورد في منح هذا النعيم للمتقين، حيث يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِىٓ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿۷٢﴾) والميراث لا شك أنه كسب بلا تعب، فمهما حصل الإنسان على مال فلا بد فيه من التعب والنصب، أما الميراث فهو يأتيك بغير تعب وهكذا نعيم الجنة لا تعب فيه ولا نصب‫.‬‬
‫وبضدها تتميز الأشياء، وكذلك العذاب والألم في الدنيا لا يقارن بعذاب الآخرة، فعذاب الدنيا مهما اشتد فوراءه الأمل، الأمل في الشفاء، الأمل في ارتفاع البلاء، وإذا انقطع الأمل فهناك الأمل في الموت، والموت قد يكون رحمة، وكما أن العذاب في الدنيا يخفف بالمسكنات، ويخفف بالمهدئات ويشتد تارة ويفتر تارة، وهناك ساعات ينام فيها الإنسان نوما طبيعيا أو نوما صناعيا بالأدوية والمخدرات، وفي فترة النوم لا يشعر بالألم ولا يشعر بالعذاب، وإن اشتد الألم على قوة احتماله أصيب بالإغماء فإذا به في غيبوبة لا يشعر فيها بالألم، فالألم غير دائم، يفتر ساعة ويشتد ساعة وتستيقظ ساعة وتنام ساعة والأمل في الشفاء قائم، وإذا انقطع الأمل في الشفاء فالأمل في رحمة الله بالموت والموت آت لا محالة، كما وأن العذاب في الدنيا يخفف بالاشتراك في المصيبة فمن رأى بلية في غيره هانت عليه بلواه، وإذا اشترك الناس في القحط خفّ وقعه عليهم، وإذا شترك الناس في العذاب خفّ وقع العذاب عليهم، ذاك عذاب الدنيا، وأما عذاب الآخرة فليس وراءه أمل، ليس فيه شفاء وليس بعده موت، وليس في الشفاء منه أو الخلوص منه رجاء، كما وأن الاشتراك في عذاب الآخرة لا يخفف عن المعذب شيئا، كما قال الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٣٩]، أي لن ينفعكم اشتراككم في العذاب فلا يخفف عنكم بهذا الاشتراك، والعذاب في الآخرة ليس فيه نوم فليس هناك ليل ونهار بل يقظة مستمرة، وعذاب الآخرة لا يفتر أي يضعف تارة ويشتد تارة بل درجة العذاب واحدة مستمرة لا تنخفض أو ترتفع بل هي درجة واحدة من العذاب، إذا فليس هناك راحة ولا لحظة وليس هناك نوم وليس هناك موت وليس هناك أمل وليس هناك رجاء وليس هناك تخفيف بالاشتراك في العذاب، كل هذه المعاني جاءت في ثلاث آيات من سورة الزخرف يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬
إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ ﴿74﴾ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴿75﴾ وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا۟ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿76﴾ وَنَادَوْا۟ يَـٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ ﴿77﴾
‫(إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥))، و (وَنَادَوْا۟ يَـٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ (٧٧)) والآية السابقة اعتراض في الكلام (وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا۟ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٧٦)) بيان من الله، تبارك وتعالى، أنهم جنوا على أنفسهم وما جنى عليهم أحد، ثلاث آيات تصف هذا العذاب الذي يخطر ببال‫.‬‬
‫(إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ) المجرمون هم الكفار، المجرمون هم الذين لم يقروا لله بالألوهية، المجرمون هم الذين نسبوا لله الولد ونسبوا له الشريك، المجرمون الذين غفلوا عن حقيقة العلم بالله، تبارك وتعالى، ونسبوا له أوصافًا سبحانه وتعالى عما يصفون علوا كبيرا، (إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ (٧٤)) إذا فلا موت، خلد في العذاب ولا موت، فلا أمل في انتهائه حتى بالموت‫.‬‬
‫(لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ) لا يُخفف عنهم، إذا فهو لا يفتر تارة ويشتد تارة، والفتور الضعف، وفتر الشيء هدأ وسكن، فلا يفتَّر عنهم أي لا يخفف عنهم هذا العذاب بل هو على درجة من الشدة لا تنخفض مطلقا (لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ) أي في هذا العذاب (مُبْلِسُونَ (٧٥)) الإبلاس اليأس، شدة اليأس، فهم في هذا العذاب مبلسون أي آيسون من رحمة الله، يئسوا من انتهاء العذاب ويئسوا من تخفيفه ويئسوا من صرفه اليأس المطلق‫.‬‬
‫(وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا۟ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٧٦)) وربنا، تبارك وتعالى، ليس بظلام للعبيد، والظلم في عرف الناس من حيث اللغة أن تأخذ ما ليس لك بحق أو أن تعتدي على حق غيرك، ذاك هو الظلم أن تحرم غيرك من حقه أو أن تغتصب حقه أو أن تأخذ ما ليس لك بحق ذاك هو الظلم، ربنا، تبارك وتعالى، كان ولم يكن شيء ثم خلق الوجود وخلق ما فيه، فالله، تبارك وتعالى، هو الملك وهو المالك ومن حكم فيما ملك فما ظلم، فله أن يحكم في خلقه بما يشاء، ربنا، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا۟ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٧٦)) أي ظلموا أنفسهم بالشرك وظلموا أنفسهم بالكفر، وظلموا أنفسهم بالخروج عن طاعة الله والخروج عن لباس التقوى ومعاداة الرسل ومعاداة الأنبياء ومعاداة الحق، فهم قد ظلموا أنفسهم وما ظلمهم الله، وهذا الجزاء الذي بينه الله، تبارك وتعالى، في هذه الآيات هم مستحقون له بشؤم أفعالهم‫.‬‬
‫(وَنَادَوْا۟) رغم اليأس، رغم الإبلاس (وَنَادَوْا۟ يَـٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ ) ومالك هو خازن النار، بل هو زعيم الخزنة ورئيسهم، ومالك خلقه الله، تبارك وتعالى، لغضبه، ولك أن تتخيل كيف خلقه الله، إذا كان قد خلقه لغضبه فكيف هو وما شكله وما حجمه وما قدرته وما تصرفه؟ هؤلاء في جهنم يطمعون يوما فينادون الخزنة‫:‬ (وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًۭا مِّنَ ٱلْعَذَابِ (٤٩)) [سورة غافر آية‫:‬ ٤٩]، طلبوا التخفيف ولو يوما، ترد عليهم الخزنة ويقولون لهم‫:‬ (فَٱدْعُوا۟ ۗ وَمَا دُعَـٰٓؤُا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ (٥٠)) [سورة غافر آية‫:‬ ٥٠]، فحين يقولون لهم ادعوا قد يشعرون ببعض الأمل ويجدون أن خزنة جهنم لا تصريف لهم ولا تدبير ولا يستطيعون رفع العذاب عنهم بل ولا يجرؤون على الدعاء، لا يجرؤون على سؤال ربهم فيوكلونهم لأنفسهم ادعوا أنتم أما نحن فلا تستطيع أن ندعو، فيأملون في مالك وهو زعيم الخزنة فينادون عليه‫:‬ (يَـٰمَـٰلِكُ) وقرئت‫:‬ (يا مالِ) بالكسر وبالضم (يا مالُ) هذه القراءة تسمى عند علماء القراءات الترخيم، والترخيم حذف حرف أو حرفين من الاسم المنادي كما تقول يا فاطم بدلا من فاطمة يا عائش بدلا من عائشة، (ونادوا يا مال ليقض علينا ربك) هذا هو الترخيم، حذف حرفين من المنادى أو حذف حرف، وقال بعض المفسرين‫:‬ إن هذه القراءة للإشعار بأنهم لفرط ضعفهم وألمهم وذهاب قوتهم لم يستطيعوا أن يكملوا الحروف فقالوا‫:‬ (يا مال) ولم تكن لهم القدرة على النطق بباقي الحروف، قالوا (وَنَادَوْا۟ يَـٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ ) طلبوا الموت طلبوا القضاء، قضى عليه أماته، قضى عليه دمره وأهلكه، طلبوا الموت حين يقول الكافر‫:‬ يا ليتني كنت ترابا، طلبوا الموت‫.‬‬
‫(قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ (٧٧)) والمكوث الاستمرار باقون في هذا العذاب إلى ما لا نهاية، قال بعض العلماء‫:‬ إنهم حين ينادون‫: (يَـٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ )‬ لا يأتيهم الجواب ألف سنة واليوم في هذه السنين كألف سنة مما تعدون، فهم ينتظرون الجواب مائة سنة أو ثمانين سنة أو ألف عام في بعض الروايات وكل يوم من هذه الأيام كألف سنة مما تعدون (وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍۢ مِّمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)) [سورة الحج آية‫:‬ ٤٧]، ثم يأتيهم الجواب (قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ (٧٧)) وقيل‫:‬ إن المجيب هو مالك، يجيبهم بنفسه (يَـٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ ) أي ادع ربك أن يقضي علينا، ادع ربك أن يميتنا وأن يقضي علينا، فيرد عليهم مالك‫:‬ (إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ (٧٧)) أي لا فائدة من الدعاء فقد سبق القضاء بالخلد في جهنم، وقيل‫:‬ إن الذي أجابهم هو الله، تبارك وتعالى، (قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ (٧٧)).
لَقَدْ جِئْنَـٰكُم بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ ﴿78﴾ أَمْ أَبْرَمُوٓا۟ أَمْرًۭا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴿79﴾ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴿80﴾
‫(لَقَدْ جِئْنَـٰكُم بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ (٧٨)) نعم (وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا۟ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٧٦))، جاءهم ربنا، تبارك وتعالى، بالحق فقد أرسل رسله تترى (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌۭ (٢٤)) [سورة فاطر آية‫:‬ ٢٤]، أرسل الرسل وأنزل الكتب وبلّغت الرسل عن ربها فلا عذر لأحد في أنه لم يكن يعلم أو لم يكن يدري (لَقَدْ جِئْنَـٰكُم بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ (٧٨)) وكلمة (أَكْثَرَكُمْ) تعني هنا كلكم (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ) لأن الخطاب لأهل جهنم وهم جميعًا دخلوها لأنهم للحق كارهون، وقيل‫:‬ إن أكثركم تعني الرؤساء كفرعون كقارون، الرؤساء والزعماء زعماء الكفر والكلام لهم أما الأتباع فقد كانوا هملا لا يبالي الله بهم شيئا‫.‬‬
‫(لَقَدْ جِئْنَـٰكُم بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ (٧٨)) هم كرهوا الحق، كرهوا الحق لأن الحق يزيل عنهم ما يتمتعون به من سلطان وجاه كما قال فرعون لموسى‫:‬ (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَـٰمُوسَىٰ (٥٧)) [سورة طه آية‫:‬ ٥٧]، خاف على سلطانه وخاف على جاهه وكما قال مشركو مكة للنبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ هل تريد أن تكون ملكا علينا؟ وكما قالوا له‫:‬ اصرف عنك الفقراء والضعفاء حتى نجلس إليك وأبوْا أن يسوّي الإسلام بينهم وبين عبيدهم، إذا فقد كرهوا الحق لأن الحق فيه التكليف فيه المشقة أن تخرج الزكاة من مالك تلك مشقة على النفوس، أن تصلي الصلوات الخمس وأن تتوضأ لها وأن تصوم رمضان وأن وأن كل التكاليف فيها المشقة لا يقوى عليها إلا من شرح الله صدره للإسلام، أما هؤلاء فقد كرهوا الحق لأنه يحرمهم من لذائذ ومتع تعودوا عليها، المال والجاه والسلطان، الخمر والفواحش والميسر والزنا كل هذه المعاصي التي زينها الشيطان للناس هم كرهوا الحق لأنه يحرمهم منها فالله، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (لَقَدْ جِئْنَـٰكُم بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوٓا۟ أَمْرًۭا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩)).‬
‫(أَمْ) هنا بمعنى بل، أي بل أبرموا أمرا فإنا مبرمون، الإبرام‫:‬ الإحكام، أصل كلمة الإبرام من فتل الحبل أكثر من مرة، فذاك هو الإبرام الإحكام فإذا قضيت أمرا وأحكمته فقد أبرمته، ذاك هو الإبرام، فربنا، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ إنهم أبرموا أمرا، أي أحكموا التدبير وخططوا التدبير، أي تدبير هذا الذي خططوه؟ إما تدبيرهم لإلقاء الشبه على الحق كقولهم‫:‬ إن محمدًا ساحر، كقولهم في شأنه‫:‬ إنه كاذب إنه ساحر إنه كاهن وكذا وكذا وكذا، هذا التدبير الذي أبرموه لإلقاء الشبه عليه، أيضا المجادلة في كلام الله بالباطل ليدحضوا به الحق كقولهم‫:‬ إن محمدًا يحلّ ذبيحة نفسه ويحرّم ذبيحة الله فكيف يحرّم الميتة وقد أماتها الله ويحل الذبيحة وقد أماتها بنفسه؟ يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، وكذلك حين جادلوا في شأن عيسى كما تحكي لنا سورة الزخرف‫:‬ إذا كان ما يعبدون من دون الله حصب جهنم فقد عبدت النصارى عيسى، جدال، يخططون ويفكرون ويدبرون لدحض الحق لإلقاء الشبه عليه‫.‬‬
‫(أَمْ أَبْرَمُوٓا۟ أَمْرًۭا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩)) أي فإنا محكمون القضاء عليهم بتعذيبهم في الدنيا وفي الآخرة، أو الآية نزلت بسبب مكرهم بالنبي، صلى الله عليه وسلم، حيث اجتمعوا في دار الندوة وقرروا أن ينتدبوا من كل قبيلة شابا قويا جلدا ويعطوه سيفا صارما حادا قاطعا فيدخلوا على النبي، صلى الله عليه وسلم، في بيته قبل الهجرة ويضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يستطيع أهله أن يطالبوا بدمه، أهله بنو طالب بنو هاشم، ذاك كان إبرامهم، ذاك كان تدبيرهم، وذاك كان مكرهم، (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ (٣٠)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٠]، فيخرج المعصوم، صلى الله عليه وسلم، عليهم وهو يقرأ من قول الله، تبارك وتعالى، من سورة يس‫:‬ (وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّۭا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّۭا فَأَغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)) [سورة يس آية‫:‬ ٩]، فإذا بهم يلقى عليهم النوم ويضع التراب على رءوسهم فردا فردا ويخرج من بينهم سالما، نعم (أَمْ أَبْرَمُوٓا۟ أَمْرًۭا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)) قيل‫:‬ إن ثلاثة نفر من قريش من مشركي مكة اختفوا بين الكعبة وأستارها يسرون القول في النبي، صلى الله عليه وسلم، ويمكرون به فقال أحدهم‫:‬ أتظنون أن الله يسمعنا؟ فقال الثاني يسمع جهرنا ولا يسمع إسرارنا، وقال الثالث‫:‬ لو سمع جهرنا لسمع سرنا، فيقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (أَمْ يَحْسَبُونَ) يظنون يعتقدون (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُم ۚ ).‬
‫السر ما تحدثت به نفسك ولم تسمعه أذناك، حديث النفس، سبحانه وتعالى، يرى خفايا الوهم والتفكير ويسمع هواجس الضمير، السر حديث النفس، والنجوى أن تحدث غيرك ويحدثك في السر فلا يسمعك سواه ولا يسمعه سواك، فيقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُم ۚ بَلَىٰ) أي بلى نسمع، نسمع السر وأخفى، (وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)) إذًا فالله يرى ويسمع يعلم السر وأخفى ويرى ما تحت الثرى، يرى خفايا الوهم والتفكير ويسمع هواجس الضمير، بالإضافة إلى أن الحفظة والكتبة يحيطون بالإنسان يكتبون عليه ويحصون عليه أعماله وأقواله (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ (١٨)) [سورة ق آية‫:‬ ١٨].‬
‫وتأتي الحجة الدامغة بأسلوب يبين لك استبعاد ما يزعمون، فيقول الله، تبارك وتعالى:
قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌۭ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ ﴿81﴾ سُبْحَـٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿82﴾
‫(قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌۭ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ (٨١)) علّق المحال على المحال، فوجود ولد لله أمر محال وعبادة هذا الولد محال، لأن وجود الولد محال أصلا والصياغة غاية في الدقة للمبالغة في استبعاد الأمر كما تقول لصاحبك‫:‬ إذا أتيت بالدليل على ما تقول فأنا أول من يعتقده، إذا أتيت بالدليل على قولك فأنا أول من يعتقده، وأنت تعلم تماما أنه لن يأتي بالدليل، فكذلك يقول الله لحبيبه المصطفى، صلى الله عليه وسلم‫:‬ قل لهم يا محمد إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين، لأن تعظيم الوالد لا بد أن يستتبعه تعظيم الولد فإن كان هناك ولد فأنا أول من يعبد هذا الولد لأني أعرفكم بالله وأعبدكم لله، فإن كان للرحمن ولد، وهذا أمر محال فأنا أول من يعبد هذا الولد وطالما أنه نفي عن الله الولد إذا فلا يمكن أن يكون هناك ولد ولا يمكن أن تكون هناك عباده لغير الله، تبارك وتعالى‫.‬‬
‫وقيل إن المعنى يخالف هذا بالقراءة (يقُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌۭ) والوقف هنا تام (فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ (٨١)) والمعنى يتغير وتصبح كلمة (إِن) بمعنى كلمة ما (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌۭ) أي قل ما كان للرحمن ولد، أنا أول الموحدين لله، فأنا أول الموحدين من أهل مكة، إن زعمتم أن لله ولدا، ما كان للرحمن ولد، كقوله، تبارك وتعالى‫:‬ (مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍۢ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنْ إِلَـٰهٍ ۚ إِذًۭا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ ) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٩١]، الشركاء يختلفون ولو كان هناك شركاء في ملك هذا العالم وفي امتلاكه وتدبيره لاختلفوا ولظهر هذا الخلاف في الكون في كل شيء في الشموس والأفلاك والأقمار والليل والنهار ودورة الفلك وما إلى ذلك‫.‬‬
‫(قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌۭ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ (٨١)) أي إن حدث وكان ذلك وهذا محال فأنا أول العابدين ولما كان وجود الولد محالا فكذلك عبادة غير الله أو عبادة الولد محال، (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌۭ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ (٨١) سُبْحَـٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)) التنزيه، وكلمة سبحن كما قلنا من السباحة، والسباحة السير بسرعة في الماء أو الهواء، وكأن المسبّح يسرع بتنزيه الله، تبارك وتعالى، عما لا يليق بجلاله وكماله، وقد علمنا الله، تبارك وتعالى، الكلمة، وعلمنا كيف ننزهه، سبحانه وتعالى، بعد أن نزّه نفسه عن كل نقص (سُبْحَـٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)) عما يكذبون وعما يدعون وعما يزعمون له من ولد وشريك، تدل على أمرين الأمر الأول أن الله، تبارك وتعالى، حين خلق السموات والأرض خلقهما بغير عون وبغير إعانة، كان ولم يكن شيء، والرب من التربية والتربية إيصال الشيء إلى كماله شيئا فشيئا بحسب استعداده، فحين خلق الله السموات خلقهما بغير عون من أحد فقد كان ولم يكن أحد وهو الذي أوصل هذا الكون لهذا الانتظام فلم يحتاج للولد؟‬
‫نحن نحتاج للولد لأمور؛ نحتاج للولد كي يرث ما تعبنا في تحصيله، نحتاج للولد كي يعاون في الكبر في الشيخوخة حال المرض، نحتاج للولد للإعانة، نحتاج للولد للأنس، نحتاج للولد للميراث، ربنا، تبارك وتعالى، هو الوارث ولا يرثه أحد، يرث السموات والأرض ويرث من عليها (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)) [سورة مريم آية‫:‬ ٤٠] فهو غير محتاج لوارث وهو غير محتاج لعون، فقد كان ولم يكن شيء، فلم يحتاج ربنا، تبارك وتعالى، للولد؟ وكيف يتولد منه الولد وهو كلٌّ سبحانه وتعالى لا يتجزأ‫.‬‬
‫الأمر الثاني (سُبْحَـٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) الإتيان بكلمة السموات والأرض ليبين لك أنك إذا كنت قد اعتدت على وجود الأشياء بالتوليد، فأنت ترى الناس تأتي من خلال التوليد التزاوج ويتولد الابن من الأب، والنبات تتولد الشجرة من الحبة، كل شيء تراه يتولد؛ في الإنسان، في الحيوان، في كل شيء، يتولد الشيء من الشيء، وكما قلنا‫:‬ إن الله، تبارك وتعالى، قادر على إيجاد الأشياء إبداعا كما خلق الملائكة إبداعا ولا تتولد ولا يتولد منها شيء وخلق الناس توليدا يتولد الناس من الآباء والآباء من الأجداد وهكذا، تشير الآية إلى السموات والأرض السموات والأرض مخلوقة، هل يتولد من الأرض شيء؟ أرض أخرى هل يتولد من السماء شيء؟ هل يتولد من الشمس شيء؟ فهذه المخلوقات ذوات أصيلة خلقها الله إبداعا وظلت كما هي دون أن يتولد منها شيء، إذًا فالخالق، سبحانه وتعالى، الذي قدر على أن يخلق الأشياء إبداعا ولا يتولد منها شيء، يخلقها إبداعا بغير توليد وهي أيضا لا يتولد منها شيء فهو أولى بذلك (سُبْحَـٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)) هذه الذوات أمامكم لا يتولد منها شيء، فكيف تزعمون أن هناك ولد قد تولد من الله، تبارك وتعالى؟‬‬‬
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا۟ وَيَلْعَبُوا۟ حَتَّىٰ يُلَـٰقُوا۟ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ ﴿83﴾
‫(يَلْقَوْا) قراءة، (يُلَـٰقُوا۟) قراءة، (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا۟ وَيَلْعَبُوا۟) يخوضوا في أباطيلهم وفي شبهاتهم وكذبهم وادعائهم، والخوض في الأصل السير في مخاضة، والمخاضة تجمع الماء، وغالبا ما تذكر المخاضة على تجمع الماء العطن أو العفن، (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا۟) وكأنهم يمشون في مخاضة من ماء يلوثون ثيابهم ويلوثون أجسادهم، فهؤلاء يخوضون في الباطل يتكلمون بالباطل يأتون بالشُبَه ويصفون الله بما لا يجب وينسبون إليه ما لا يصح، ذرهم يا محمد يخوضوا في كلام وشُبَه وأباطيل (وَيَلْعَبُوا۟) في دنياهم، فما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو، فاتركهم ودعهم يخوضوا في أباطيلهم ويلعبوا في دنياهم (حَتَّىٰ يُلَـٰقُوا۟ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ (٨٣)) يوم القيامة أو يوم الموت حين يموت ذاك الجبار ولا يجد حوله إلا ملائكة العذاب (يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ (٢٧)) [سورة محمد آية‫:‬ ٢٧]، ويقولون لهم ذوقوا عذاب الحريق‫.‬‬
‫ويبين ربنا، تبارك وتعالى، أنه مستحق للألوهية مستحق أن يعبد في كل مكان فيقول‫:‬‬‬‬
وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّمَآءِ إِلَـٰهٌۭ وَفِى ٱلْأَرْضِ إِلَـٰهٌۭ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ ﴿84﴾
الظرف لا يعبر عن المكان فهو ليس في السماء، سبحانه وتعالى، وهو ليس في الأرض، سبحانه وتعالى، فقد كان الله ولم يكن شيء، كان قبل المكان والزمان وهو الآن على ما عليه كان، لكن الظرف يعبر (وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّمَآءِ إِلَـٰهٌۭ) أي هو المستحق للألوهية في السماء فهو المعبود في السماء وهو المستحق للألوهية في الأرض فهو المعبود في الأرض، فلا معبود سواه لا في الأرض ولا في السماء‫.‬‬
‫(وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّمَآءِ إِلَـٰهٌۭ) في السماء مستوجب للألوهية مستحق للعبادة وهو كذلك في الأرض مستوجب للألوهية مستحق للعبادة فهما من خلقه وهما من إيجاده‫.‬‬
‫(وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ (٨٤)) كل الأمور تجري بحكمته، سبحانه وتعالى، ولا تخلو الأمور عن حكمة، خلق الخير وقدره، وخلق الشر وقدره، وما لأحد في الأمور تدبير، هو الذي أحكم خلقه وهو الحكيم في أموره، وهو الحكيم في تدبيره، العليم بكل ما يحدث، (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ (٥٩)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٥٩]، فهو عليم بسرهم، عليم بنجواهم، عليم بمكرهم، عليم بالطائع، عليم بالعاصي، حكيم في مجازاة كل إنسان بعمله‫.‬‬‬‬
وَتَبَارَكَ ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿85﴾
‫(وَتَبَارَكَ ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) تفاعل من البركة، البركة ثبات الخير ونماؤه، ومنه برك البعير ثبت في مكانه، ومنه البركة لثبات المياه فيها وعدم تحركه، فكلمة البركة تعني ثبات الخير ونماء الخير، خير ربنا، تبارك وتعالى، وفضل ربنا، تبارك وتعالى، وإنعام ربنا، تبارك وتعالى، لا نهاية له، في كل شيء تستطيع أن تكتشف هذا الأمر بسهولة ويسر، فأنت إذا نظرت إلى الثمرة، أي ثمرة لا تفنى، لو تركتها فنيت ولو أكلتها بقيت، كيف ذلك لو تركت البلح التمرة كما هي فنيت، ولو أكلتها رميت النواة فإذا رميت النواة خرجت منها نخلة فيها مائة ألف بلحة وهكذا، خذ من الإنسان يبقى الإنسان إذا تزوج وأمْنى وجامع امرأته جاء بالنسل والذرية وكذلك البهائم، الزروع إذا حصدتها خرجت زروع غيرها، الثمار إذا قطفتها خرجت ثمار غيرها وهكذا، ملك الله يزيد ولا ينقص وما من عطاء إلا وثابت خيره ونماؤه لا شك فيه، فتبارك الله، نعم تبارك الله، ثبت خيره ونما خيره عظم عطاؤه‫.‬‬
‫(وَتَبَارَكَ ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) إذا فالملك له والمِلك له، هو الذي خلق وهو الذي أوجد (وَتَبَارَكَ ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) فإذا كان له ملك السموات فلا شريك له، وإذا كان له ملك السموات فلا يمكن أن يتخذ من خلقه شريكا أو يتخذ من خلقه ولدا (وَتَبَارَكَ ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) وما بينهما لا يعلمه إلا الله، وأنت ترى الآن مع اختراع المراصد كبيرة الحجم عظيمة الشأن حتى الآن لم يصل علماء الدنيا بأجهزتهم الحديثة لتحديد مساحة ما بين السماء والأرض بل لم يصلوا حتى لمعرفة الموجودات بين السماء والأرض، لم يصلوا لذلك، كون مترام سعته فوق كل خيال فوق كل حساب‫.‬‬
‫(وَعِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ) عنده علم الساعة أي علم وقت قيام الساعة، أما العلم بالساعة فكلنا يعلم أن الساعة آتية لا ريب فيها، لكن العلم هنا هو علم وقت قيامها، (وَعِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ) علم الساعة التي تقوم فيها القيامة، علم الساعة التي تدمر فيها الدنيا (يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ (٤٨)) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٤٨].‬
‫(وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)) (يُرجعون) قراءات بالفتح أيضا (وإليه تَرجعون) (وإليه يَرجعون) إذا فالكل راجع إلى الله لا محالة، من المنشأ ولا بد أن تعود إلى المنشأ (مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ (٥٥)) [سورة طه آية‫:‬ ٥٥]، ولا يمكن أن يقبل عاقل أن يترك الناس هملا المحسن كالمسيء والعاصي كالطائع، لا يمكن، لا بد من وجود يوم للجزاء حتى يتفاضل الناس بأعمالهم (أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءًۭ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)) [سورة الجاثية آية‫:‬ ٢١]، الملك العمل لا بد وأن يقيم الميزان بالعدل ليجزي كل نفس بما كسبت‫.
وَلَا يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿86﴾
هم اتخذوا الأصنام وقالوا ما نعبدها إلا لتقربنا إلى الله زلفى، إذا فقد زعموا أن للأصنام شفاعة، هناك من عبد الملائكة وهناك من عبد الأصنام وهناك من عبد عيسى وهناك من عبد عزيرًا، وكل هؤلاء يزعمون أن هؤلاء المعبودين شفعاء لهم، فيقول الله، تبارك وتعالى، منكرا عليهم نافيا لزعمهم‫:‬ (وَلَا يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ) والذين يدعون من دونه الملائكة وعيسى وعزير والأصنام كل هؤلاء لا يملكون (ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ) إذا فهناك من يملك الشفاعة، من هو؟ (مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ) الموحدون عيسى يشهد ويشفع، وعزير يشهد ويشفع، والملائكة تشفع، لأن كل هؤلاء موحدون لله، وشهادة الحق هي لا إله إلا الله فهي أحق الحق وهي قول الحق‫.‬‬
‫(إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)) إذا الشهادة بالحق لا تجدي إلا إذا كان معها العلم وفي كل أمورنا في هذه الدنيا، الشهادة، إذا جئت تشهد في أمر لا بد أن تشهد بالحق وتشهد وأنت تعلم ما تشهد في شأنه فلا بد أن ترى وتسمع وإذا رأيت الشيء كالشمس شهدت وإلا فلا، فهنا يقول الله، تبارك وتعالى‫: (وَلَا يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَـٰعَةَ)‬ قد يقصد بها الأصنام (إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ) إلا الأنبياء والملائكة والصالحون والاستثناء منفصل (وَلَا يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَـٰعَةَ) شملت الكل (إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ) استثناء متصل أي ما عدا عيسى وما عدا الملائكة وما عدا عزيرًا فهؤلاء قد شهدوا بالحق، وقد تعني أيضا (وَلَا يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ) أي ولا يملك هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله آلهة لا يملكون (ٱلشَّفَـٰعَةَ) أي لا يستطيعون أن يحصلوا على الشفاعة فالشفاعة ليست للكفار أبدا وليست للمشركين أبدا ولا يجرؤ أحد أن يشفع لهم لا يملكون هؤلاء الشفاعة أي لا يستحقونها ولا يقدرون عليها ولا يشفع لهم أحد (إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ) هؤلاء لهم شفعاء يشفع لهم الأنبياء ويشفع لهم الملائكة (إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)) أي يعلمون ما يشهدون يعلمون علم اليقين ما يشهدون عنه، فالملائكة إذا شهدت لك بالإيمان شهدت عن علم فهي تحصي عليك أعمالك وهي تكتب أقوالك فإن شهدت الملائكة شهدت بعلم أعلمها الله أو قد رأت فنحن محاطون بالملائكة من كل جانب (لَهُۥ مُعَقِّبَـٰتٌۭ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۗ ) [سورة الرعد آية‫:‬ ١١].‬
‫أيها الأخ المسلم، الشفاعة ثبتت بالقرآن وثبتت بالسنة، وكلمة الشفاعة أصلا من الشفع، الوتر الفرد، الشفع الزوج، فكأن المستشفع كان فردا فجاء الشافع فانضم إليه فأصبحا زوجا، فكأن الشافع الذي يشفع ينضم إليك فيقويك ويقف إلى جانبك فتصبح جماعة بعد أن كنت فردا، الشفاعة ثبتت بالقرآن وبالسنة، الشفاعة للأنبياء، الشفاعة للعلماء، الشفاعة للصالحين حتى إن الصالح من أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، يشفع لسبعين من أهله وجيرانه، نعم ثبتت الشفاعة، والشفاعة ليست بمفهوم الناس كالواسطة كما يحدث في الدنيا فأنت في الدنيا تنكر الوساطة وتنكر الشفاعة في الدنيا لأن الشفاعة في الدنيا المذمومة هي أن تتوسط لشخص كي يحصل على ما ليس له بحق أو بتوسطك لشخص يحصل على حق غيره، أما في يوم القيامة فالملك لله، والجنة تتسع لجميع خلق الله بما فيهم الكفار، إذا فلن يأخذ أحد حق أحد، ولن يحصل أحد على مكان أحد، فالشفاعة في يوم القيامة ليس فيها إضرار بالغير، الشفاعة والوساطة في الدنيا المذمومة هي تلك التي فيها إضرار بالغير وهناك شفاعة في الدنيا مطلوبة، (اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا)، هناك في الدنيا شفاعة مطلوبة وهي إيصال صوت المظلوم إلى الحاكم إيصال الحق إلى صاحب الحق بواسطتك أو بشفاعتك أما في يوم القيامة فالشفاعة كلها محمودة ولا ينال الشفاعة إلا الشهداء والأنبياء والعلماء والأولياء والصالحون من أمة النبي، صلى الله عليه وسلم، وأول من يشفع هو النبي، صلى الله عليه وسلم، وللنبي، صلى الله عليه وسلم، شفاعتان شفاعة عامة وشفاعة خاصة؛ أما الشفاعة العامة فهي الشفاعة العظمى المقام الأوحد حيث يشفع لدى ربه كي يقضي بين العباد كي ينصب الميزان وينشر الديوان تلك شفاعة عامة، ثم شفاعة خاصة في أمته وقد سئل النبي، صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُخْلِصًا بِهَا قَلْبُهُ).‬
‫إن من أسو ما يصاب به المرء أن يعرف الحق ولا يتبعه تلك مصيبة كبرى وذاك هو الضلال المبين، الجدال في الحق أن يجادل في الحق وهو يعلم، فهناك من الناس من ضل طريقه لم يعرف كيف السبيل إلى الطريق وهناك من الناس من يعرف الطريق ويبتعد عنه عمدا، لذا فهناك ضال وهناك مغضوب عليه فالمغضوب عليهم الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه، أما الضالون فهؤلاء الذين لم يعرفوا الحق ولم يبحثوا عنه، مشركو مكة عرفوا الحق ولم يتبعوه، عرفوا النبي، صلى الله عليه وسلم، ولم يصدقوه، جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، ولذا أهلكهم ربنا، تبارك وتعالى، جميعًا في يوم واحد وفي ساعة واحدة في غزوة بدر، في غزوة بدر قتلوا جميعا، هؤلاء اعترفوا بالحق ولم يتبعوه، لذا يقول الله، تبارك وتعالى:
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴿87﴾
‫(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ ) الإقرار الاعتراف، (مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ ) إذا فهناك إقرار بوجود الإله، وهناك اعتراف بأنه الخالق فلم تبتعدون عن ذلك؟ لم تعبدون غيره؟ لم تزعمون له الشريك؟ لم تزعمون له الولد؟ لم تختارون له الشفعاء وتصنعون الأصنام بأيديكم حتى إن أحدهم كان يضع الصنم من التمر ويصلي له فإن جاع أكله؟ سفاهة ما بعدها سفاهة وضلال ما بعده ضلال‫.‬‬
‫(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (٨٧)) فكيف يصرفون عن هذا الحق بعدما عرفوه وأقروا به الأفك القلب، أفك يأفَك، إفك يأفِك قلب الشيء وصرفه، ومنه قول الله، تبارك وتعالى، حكاية عن الكفار‫:‬ (قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا) [سورة الأحقاف آية‫:‬ ٢٢]، لتصرفنا عنها، ومنه قول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ (٥٣)) [سورة النجم آية‫:‬ ٥٣]، قرى لوط حيث حملها جبريل على جناحه ثم قلبها فسقطت على الأرض (فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (٨٧)) أنّى تفيد معنى متى وكيف وأين (أنّى) كلمة جامعة تفيد الاندهاش والتعجب من تصرف هؤلاء الناس (فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (٨٧)) أنّى ينقلبون على رءوسهم! أنّى يصرفون عن الحق بعد أن أقروا واعترفوا بوجود الإله الخالق وأنه خلقهم، طالما هو الذي خلق إذا فهو الذي رزق، طالما هو الخالق والرازق فهو القادر، إذا فهو الذي يرسل الرسل وهو الذي يخلق ويختار ما يشاء لا ما تختارون وتشاءون، فكيف تختارون له ولم تختاروا لأنفسكم؟ هل يستطيع الإنسان أن يختار لنفسه الولد أو البنت؟ أنت لا تختار لنفسك الذرية، أنت لا تختار لنفسك الولد، أترزق بالبنات والبنين أو لا ترزق بهم، فكيف تختار لله الولد؟ كيف تختار له ما لا تستطيع أن تختار لنفسك كيف تختار له الشفعاء وتصنع أصنامًا وتدعي أنها تشفع لك؟ ولذا عبر بكلمة (فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (٨٧)).
وَقِيلِهِۦ يَـٰرَبِّ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌۭ لَّا يُؤْمِنُونَ ﴿88﴾ فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَـٰمٌۭ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿89﴾
‫(وَقِيلِهِۦ يَـٰرَبِّ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌۭ لَّا يُؤْمِنُونَ (٨٨)) القيل‫:‬ القول ونهى رسولنا، صلى الله عليه وسلم، عن قيل وقال، ويقول الله، تبارك وتعالى، في سورة النساء‫:‬ (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًۭا (١٢٢)) [سورة النساء آية‫:‬ ١٢٢] القيل والقول، قال قِيلاً، قال قولا، قال قالًا، إذا فهي مصدر، هذا القيل قيلُ من؟ قيل النبي، صلى الله عليه وسلم، (وَقِيلِهِۦ) أي وقوله (يَـٰرَبِّ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌۭ لَّا يُؤْمِنُونَ (٨٨)) إذا فقد شكا النبي، صلى الله عليه وسلم، لربه من هؤلاء الناس أنهم لا يؤمنون، وقرئت‫:‬ (وَقِيلِهِۦ) (وقيلَهُ) (وقيلُهُ) بالرفع والنصب والجر على تقدير محذوف بالقسم أو بالعطف أو مبتدأ وله خبره (وقيلُهُ يا رب) مبتدأ وخبر (وقيلَهُ) معطوفة (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم أو نعلم قيله) وهكذا فيها الإعراب المختلف حسب القراءات (وَقِيلِهِۦ) أي يعلم ربنا، تبارك وتعالى، قول النبي، صلى الله عليه وسلم، الذي قاله، وقيل‫:‬ بل هو قسم يا رب أقسم بالله (وَقِيلِهِۦ يَـٰرَبِّ) أو هو دعاء منادى (يَـٰرَبِّ) ينادي يدعو، قول النبي، صلى الله عليه وسلم، معلوم لدى الله علمه كما علم السر النجوى (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٨٠]، أو (وَعِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٨٥]، وعلم قيله، أي عنده علم قول النبي، صلى الله عليه وسلم، قال نبينا، صلى الله عليه وسلم، لله، تبارك وتعالى، وشكا كما يشكو من أمته (وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَـٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًۭا (٣٠)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٣٠]، فها هو يشكو هؤلاء المتعنتين الذين أقروا بأن الله خلقهم ثم عبدوا غيره (وَقِيلِهِۦ يَـٰرَبِّ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌۭ لَّا يُؤْمِنُونَ (٨٨)) فقال الله، تبارك وتعالى، له‫:‬ (فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَـٰمٌۭ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)) (فسوف تعلمون) قراءة، أخرى (فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ) فأعرض عنهم إن كانت الكلمة بمعنى الصفح أي العفو والمغفرة فالآية منسوخة بآية السيف (فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) [سورة التوبة آية‫:‬ ٥]، ذاك قول والأرجح أن الآية محكمة ليس فيها نسخ والصفح هنا بمعنى الإعراض (فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ) أي فاعرض عنهم وعن حججهم وشبههم وكلامهم فقد أبلغت (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ٤٨]، (إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ ) [سورة القصص آية‫:‬ ٥٦]، (وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍۢ (١٠٧)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٠٧].‬
‫(فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ) فأعرض عنهم (وَقُلْ سَلَـٰمٌۭ ۚ ) أي وقل سلام مودعا لهم وليس تحية فهم لا يحيون بالسلام أبدا، وإنما السلام هنا توديع وليس تحية أي متاركة لكم وتسلما من أقوالكم وأفعالكم (فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَـٰمٌۭ ۚ ) أعرض عنهم وقل سلام مودعا إياهم مبعدا نفسك عنهم، لا تشغل نفسك بشأنهم، فالله قد كتب عليهم الضلالة وحقت عليهم الشقاوة (فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَـٰمٌۭ ۚ ) (فسوف تعلمون) التفات، التفات للتهديد الشديد لهم، أو هو من قول النبي، صلى الله عليه وسلم، أيضا أن يقول ذلك يهددهم نبينا بتهديد الله لهم إذا يقول الله‫:‬ (فاصفح عنهم وقل سلام فسوف تعلمون) تهديد ووعيد مِن الذي يقدر على التهديد والوعيد، أو (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)) فسوف يعلمون جزاء أعمالهم فسوف يعلمون نتيجة كفرهم فسوف يأتيهم اليوم الذين يعلمون فيه أنهم كانوا على الباطل‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم انتهت سورة الزخرف بهذا التهديد وهذا الوعيد الشديد لهؤلاء الذين أنكروا الألوهية أو نسبوا لله الولد أو نسبوا لله الشريك، سورة الزخرف سورة عظيمة وهي من عرائس القرآن من آل حم السبع، فيها التوحيد الصرف الخالص، فيها الدليل على وجود الواحد الأحد‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، كلمة التوحيد كلمة لا إله إلا الله كلمة بها تحدث النجاة وبها تتحقق السعادة، كلمة التوحيد من أجلها قامت السموات والأرض ومن أجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب ومن أجلها خلقت الجنة والنار ومن أجلها ينصب الميزان وينشر الديوان، كلمة لا إله إلا الله هي الحق وهي قول الحق وهي القول الثابت الذي يثبت ربنا، تبارك وتعالى، به الذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة، يسأل عنه المرء أول ما يموت، أول ما يسأل المرء حين الموت يسأل عن هذه الكلمة، فقد روى لنا الصحابة أن النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ قال‫:‬ (أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) يسأل المرء، بمجرد ما يدفن إذا به يستيقظ فيسمع خفق نعال مشيعيه، إي وربي يسمع خفق نعال مشيعيه، وإذا بالملائكة تسأله في قبره‫:‬ ما دينك؟ تسأله‫:‬ من ربك؟ تسأله‫:‬ ماذا كنت تقول في ذلك الرجل؟ مشيرين بذلك إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ثلاثة أسئلة، الغريب أن النبي، صلى الله عليه وسلم، يشبه هذا الامتحان وهذا السؤال بفتنة الدجال، المسيح الدجال، ونحن نعتقد أن السؤال سهل يسير، ما دينك؟ ديني الإسلام، من ربك؟ ربي الله، لم يتعثر الإنسان في الإجابة؟ ولم يتعسر عليه الجواب؟ لم ذلك وكيف تشبه هذه الأسئلة بفتنة الدجال التي استعاذ نبينا، صلى الله عليه وسلم، بالله منها حيث قال‫:‬ (أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ)؟ فتنة المسيح الدجال تدع المؤمن حيران، تدع المؤمن يمسي مؤمنا ويصبح كافرا ويصبح مؤمنا ويمسى كافرا، فتنة الدجال لا يقوى عليها إلا من ثبته الله، فتنة الدجال أخطر الفتن على الإطلاق، أفتنة القبر كذلك حتى يستعيذ النبي، صلى الله عليه وسلم، منها فيقول‫:‬ (أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ)؟ فتنة القبر كفتنة الدجال، والسؤال سهل ما دينك؟ من ربك؟ ماذا تقول في هذا الرجل؟ السؤال يبدو أنه سهل ولكن الفزع المفاجأة حين ينام المرء في الموت، فالنوم كالموت، تموتون كما تنامون وتبعثون كما تستيقظون، يموت الإنسان ومهما لقي لحظة الموت، فالموت له طعم (كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ ) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٣٥]، إذا له طعم، والطعم يختلف بحسب الميت وبحسب درجة صلاحه، فمهما جاءته ملائكة؛ ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، يظهر أنه ينسى هذه اللحظة حين يشيع أو حين يوضع في قبره يستيقظ فجأة، فجأة، اليقظة في القبر فإذا بالظلام الدامس الذي لا يعدله ظلام، السكون الهدوء الوحشة الخوف الضيق كل ذلك يفاجأ به ويُفجأ بالملائكة يفجأ بشكلهم يفاجأ بالسؤال، من الناس من يثبته الله، هو الله المثبت (يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٢٧]، فمهما كنت حريصا ومهما كنت حافظا للإجابة ومهما لقنك الملقنون من فوق القبر‫:‬ يا فلان، إذا جاءك الملكان فسألاك فقالا، ولقنك الإجابة، مهما لقنت ومهما حفظت ومهما استعديت ومهما أعددت، في هذه اللحظة لولا في هذه اللحظة لولا أن يثبتنا الله لحرنا كيف نجيب، إي ورب فمن الناس من يثبته الله فيرد بلسان عربي مبين ثابت الجنان يرد رد الثابت المثبت، ومن الناس من لم يحر جوابا يربط على لسانه ولا يعرف كيف يجيب فيتلجلج ويقول‫:‬ كنت أقول كما يقول الناس لا يدري ماذا يقول‫.‬‬

أيها الأخ المسلم كلمة لا إله إلا الله أول ما يسأل عنها العبد في قبره، وهي النجاة، ولا يخلد في النار مسلم أو موحد أبدا، كما لا يدخل الجنة مشرك أو كافر أبدا، ولذا يشفع الأنبياء والأولياء والصالحون، كل يشفع، فإذا انتهت شفاعة الشافعين ولم يبق أحد يشفع لأحد يقول الله، تبارك وتعالى، يا ملائكتي أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وينادي ربنا، تبارك وتعالى، أيضا في ملائكته‫:‬ يا ملائكتي أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام.