سورة الشورى

مقدمة‬
‫لقاؤنا مع عروس من عرائس القرآن السبع، لقاؤنا مع ديباج القرآن، لقاؤنا اليوم مع سورة الشورى، وسورة الشورى سورة مكية قيل ما عدا أربع آيات منها من قول الله، تبارك وتعالى، (قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ ۗ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ٢٣]، أربع آيات نزلت بالمدينة، سورة الشورى يلفت النظر ويقرع الأسماع فيها افتتاحيتها، افتتاحية سورة الشورى افتتاحية بحروف مقطعة سبق أن تكلمنا فيها وسردنا أقوال العلماء وأرجعنا كل هذه الأقوال أن افتتاحيات السور بالحروف المقطعة هو سر الله، تبارك وتعالى، فلا تطلبوه لن يصل إلى كنهه مخلوق ولن يعرف سر هو سر الله، هذه الفواتح مخلوق‫:‬‬

حمٓ ﴿1﴾ عٓسٓقٓ ﴿2﴾
قالوا كما قالوا فيما سبق‫:‬ ح من حلمه، م من مجده، ع من علمه، س من سناه، ق من قدرته أقسم بها من أين جئتم بذلك؟ وأي سلطان على ذلك؟ ح الحليم، م المجيد، ع العليم، س القدوس، ق القوي، من قال ذلك؟ أقوال لا سند لها حروف مقطعة تدل على أن القرآن مشكل منها يعجز به فصحاء اللغة، ها هو القرآن الذي عجزتم أن تأتوا بسورة من مثله مكون من هذه الحروف ألم، لم هذه الحروف، ولم اختصت هذه الحروف بالذات؟ هناك حروف بضعة حروف وليس كل الحروف لم لم تأت حرف الغين؟ مثلا إذا فقول الله، تبارك وتعالى، ليس له سند أسماء للسورة أسماء لله أسماء للنبي اسم الله، تبارك وتعالى، الأعظم مكونة من كلمات كل ذلك لا سند له إلا أساس هو سر الله، تبارك وتعالى، فلا تطلبوه‫.‬‬
‫يقرع أسماعنا افتتاحية سورة الشورى (حمٓ (١) عٓسٓقٓ (٢)) قرع للأسماع إدهاش إذهال إيقاف لكل متحرك يعقل حتى يسمع من لدن حكيم عليم هذا الكلام، يلفت النظر أن الافتتاحية مكونة من خمسة حروف، وعرائس القرآن السبع بدأت كلها بحرفين، حم غافر، حم فصلت، حم الزخرف، حم الدخان، حم الجاثية، حم الأحقاف، ستة وسورة الشورى السابعة في الوسط حم زيد عليها عسق، الأمر الثاني الملفت للنظر في هذه السورة بالذات بدأت سور القرآن المفتتحة بالحروف المقطعة بحرف ص ق ن، وبدأت بحرفين يس حم طه وبدأت بثلاثة الم الر طسم وبدأت بأربع المر المص وبدأت بخمس كسورة الشورى وكسورة مريم [سورة مريم آية‫:‬ ١- ٢]، لكن نظرت في مريم وفي المصحف لوجدت الحروف الخمسة متشابكة تشكل آية وكذلك حم آية ن آية الحروف هنا في سورة الشورى قطعت الخمسة حروف حم آية عسق آية الوحيدة ما سرها؟ يعلمه الله، قالوا حم مبتدأ عسق، لأن هذه آية وهذه آية وهذه كلمة وهذه كلمة كلام لا أصل له ولا سند لكن المتأمل يتنبه، أكبر عدد من الحروف افتتحت بها السور خمسة مريم الخمس حروف متشابكة تشكل آية واحدة في سورة الشورى قطعت حم آية وعسق آية أخرى، هو سر الله هذه الافتتاحية المذهلة المدهشة الملفتة للنظر المختلفة في شكلها ونظمها وخطها عن غيرها يبدأ بعدها قول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬
كَذَٰلِكَ يُوحِىٓ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿3﴾
إذاً الكلام عن أمر خطير وعن شأن عظيم ألا وهو الوحي كلام الله، (كَذَٰلِكَ يُوحِىٓ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ (٣)) أي أن الله، تبارك وتعالى، يوحي إليك كما أوحى إلى النبيين من قبلك بهذا الكلام بالقرآن بكلامه بأوامره بنواهيه (ٱللَّهُ) المتكلم (ٱلْعَزِيزُ) الغالب الممتنع القوي الذي ليس له مثال (ٱلْحَكِيمُ (٣)) الذي لا تخلو أموره من الحكمة يوحي إليك الله، رب السموات والأرض الله اسم علم على الذات العلية لا يعرف معناه إلا الله، تبارك وتعالى، (ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ (٣)) القوي الغالب الممتنع الحكيم المتقن لأفعاله أفعاله كلها فيها الإتقان فيها الإحكام فيها الإحسان‫.
لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ ﴿4﴾
تأكيد لشأن الموحي ولعظمة المتكلم ولرفع شأن الموحى به لأن كلما كان المتكلم عظيما كان الكلام عظيما فعظمة الكلام من عظمة المتكلم وعظمة الأمر من عظمة شأن الآمر (لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ ) إذا طالما له ما في السموات وما في الأرض فهو الملك وهو المالك وهو المتصرف، هو الذي يعرف صالح مملكته، هو الذي يعرف أين الصالح وما يصلح وما يحسن فإن كان قد أوحى إليك فقد أوحى من منطلق ملكه وملكه وقدرته وما يملكه حق لله يوحي كيف شاء لأنه الملك ويوحي لمن يشاء لأنه المالك ويوحي بما شاء لأنه الخالق فهو الملك وهو المالك وهو الخالق وهو الصانع وعليه فهو الذي يوحي بما شاء لمن يشاء كيف شاء (لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ ) فليس لأحد سواه ملك في هذا الكون وهذا الملكوت (وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ (٤)) إن كان قد ملك ما في السموات وما في الأرض ولكن قد بان عن خلقه بالصفات فهو رفيع الدرجات رب الأراضين والسموات العلي حتى لا يخطر في بالك التساوي بين المالك والمملوك فالناس منهم العبد ومنهم السيد منهم المالك ومنهم المملوك قد يستوون في الشكل ويختلفون في الغنى أو الطول والجاه لكن الملك ليس كمثله شيء هو العلي (لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ ) نعم لكنه العلي العالي المتعالي وعلو الله، تبارك وتعالى، على خلقه وعباده ليس علو مكان كدرجات السلم بل علو مكانة وارتفاع شأن، فقد كان قبل المكان والزمان وهو الآن على ما عليه كان، هو العلي العظيم وربنا، تبارك وتعالى، وهو متعال عن خلقه بائن عنهم بالصفات رفيع الدرجات وهو في شأنه وعلوه قريب من عباده وهو أقرب للعبد من حبل الوريد وقربه من عباده لا يشابه ولا يماثل قرب الأجسام، كما أن ذاته لا تماثل ذوات الأجسام سبحانه وتعالى هو القريب وهو العلي هو الأول وهو الآخر هو الظاهر وهو الباطن هو الله، تبارك وتعالى، (وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ (٤))، العظيم الشأن العظيم القدر العظيم الجلال العظيم الكمال العظيم فيها معاني القدم أي القديم وفيها معاني الكبرياء وفيها معاني التعالي سبحانه وتعالى وهو عظيم على الإطلاق ليس أعظم من غيره لأنك حين تقول فلان أعظم من فلان حدثت المقارنة ولكن الله، تبارك وتعالى، هو العظيم المطلق بلا مقارنة ليس عظيم بالنسبة لشيء آخر لأنه ليس كمثله شيء بل هو العظيم المطلق‫.‬‬
‫افتتاحية قرعت الأسماع وإذا بالتهييب والتخويف يأتي فيقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬
تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ۚ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿5﴾
‫(تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ) (يكاد السموات) قراءتان (يَتَفَطَّرْنَ) (تتفطرن) (ينفطرن) قراءات (تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ۚ ) تخويف إرهاب ترهيب بيان أن السموات السبع هذه العمارة الكونية التي لا مجال لحساب وسعها ولا يمكن لعقل بشري أن يتخيل مداها ولا يمكن لأجهزة على مستوى الدنيا بأسرها أن تحيط بها أو أن تحصرها أو تعرف عدد نجوم السماء الدنيا فقط عدد نجوم السماء الدنيا مجهول لا يعد ولا يحصى فما بالك بسبع سموات يحدثنا خالقها ويقول أوشكت وعلى وشك وهي تحاول وتكاد أن تندك وتنشق وتنهدم وتسقط هذه العمارة الكونية الهائلة من فوقها وتتشقق من أعلاها وليس من أسفلها فإن تشققت من أعلاها فالتشقق من أسفلها أسهل وأيسر ها هي تكاد تتشقق من أعلاها وتنهد (مِن فَوْقِهِنَّ ۚ ) من فوق الأراضين السبع وما فيهن هذه السموات التي تكاد تتفطر وتتشقق سماء فوق سماء من أعلاها فوق الأراضين أو (مِن فَوْقِهِنَّ ۚ ) من فوق بعضهن البعض لم ذلك؟ وأنت بنيت عمارة لا بد أن تؤسس بنيانها على متانة، كيف تبني عمارة وتوشك أن تنقض؟ كيف تبني عمارة وهي تهتز وتوشك أن تقع؟ كيف؟ وإذا بنفس المعنى يأتي في مكان آخر يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٤١]، سبحان الله، سبحان الله، ولم تزول ولم تنزل ولم تحتاج لأن تمسك لم ذلك؟ أمر مخيف، أمر مرعب أمر ملفت للنظر بعد الافتتاحية التي قرعت أسماعنا (حمٓ (١) عٓسٓقٓ (٢)) وتعظيم شأن الموحي وتعظيم شأن الوحي، (وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) وكأن الملائكة من الخوف والرعب تضرع إلى الله، آناء الليل وأطراف النهار يا رب أمسك السماء يا رب أدرك الخلائق يا رب عفوك يا رب حلمك وهكذا توشك السموات أن تقع وتنفطر وتنهدم ويصعق من فيها ويصعق من في الأرض وتنهد العمارة الكونية بالكامل والملائكة في رجفة وفي رعب (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) ينزهونه عما لا يليق بجلاله وكماله وعما لا يجوز وصفه به (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) يسبحون متلبسين بالحمد تسبيح متلبس بالحمد سبحانك اللهم وبحمدك هذا هو التسبيح المتلبس بالحمد سبحانك اللهم وبحمدك أي تسبيح مع حمد ممزوج بالحمد، لم تسبح الملائكة ولم أتى الخبر هنا في الآية أتسبح خوفا من وقوع السماء أتسبح ضراعة إلى رب السماء أتسبح تعجبا واندهاشا من جبروت الخلائق وتعرضهم لسخط الله، وادعاؤهم الولد لله وإشراكهم بالله وعبادتهم للأصنام وجهلهم بعظمه الله أهم متعجبون أهم مندهشون أهم متخوفون أهم متضرعون أهم متشفعون؟ (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ ) يا سبحان الله، يا سبحان الله، يستغفرون لمن في الأرض ومن هم من في الأرض هنا اختلف العلماء قال بعضهم يستغفرون للمؤمنين منهم بدليل النص الموجود في سورة غافر‫:‬ (ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟) [سورة غافر آية‫:‬ ٧]، إذا فالآية هنا (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ ) هي الآية في سورة غافر هم الملائكة حملة العرش ويستغفرون للمؤمنين من أهل الأرض وهؤلاء أناس قالوا ذلك وقولهم مرجوح، رد عليهم غيرهم وقالوا قال والملائكة ولم يقل حمله العرش وهناك حملة عرش وهناك غيرهم أطت السماء وحق لها أن تئط فما فيها موضع قدم إلا وبه ملك راكع أو ساجد والبيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة أعداد لا عد لها ولا حصر الملائكة يستغفرون لمن في الأرض كلام عام لا يصح تخصيصه إذا فهم يستغفرون لمن في الأرض مؤمنهم وكافرهم كيف؟ قيل نعم لأنه لولا استغفار الملائكة لمن في الأرض مؤمن كان أو كافر لصدق قول الله وتحقق‫:‬ (وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٤٥]، تنهد الدنيا لأن المسلم لا ينفك عن المعصية نحن مسلمون صائمون والحمد لله نقوم الليل ونصوم النهار ومع ذلك ألا نغتاب مرة ألا ننظر نظرة ألا نظن ظنا ألا نفكر مرة ألا يخطر ببالنا خاطر هل يخلو الإنسان من الذنوب أو يسلم من العيوب؟ سبحان من له الكمال المطلق، أيضا الكفار يكفرون بالله ويرزقهم ويبارك لهم في أرزاقهم ويتزوج الرجل وينجب الولد وينجب البنت والأعمال والدنيا والمخترعات، الدنيا قائمة والعالم يسير ولولا استغفار الملائكة، طلب الاستغفار هنا ليس بمعنى دخول الجنة ليس بمعنى أن يستغفروا للكافر فيغفر ربنا له كفره، وإنما الاستغفار هنا معناه يا حليم يا ستار سترك وحلمك طلب الستر طلب الحلم طلب الإمهال طلب الإنظار لعل وعسى، من هنا (تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ) إذا تكاد السموات أن تقع لأن السموات فوجئت بأن العباد الخلائق صغار الحجم قليلو القدرة ضعفاء (وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًۭا (٢٨)) [سورة النساء آية‫:‬ ٢٨]، وكما ينظر المارد إلى النملة نظرت السموات إلى هذه المخلوقات التي تمشي على الأرض وسخرت لها كل ما في الوجود من أشياء شمس وقمر ونجوم ومياه وضياء وأنهار وجبال وأودية يدعون لله الشريكة والولد اهتزت السماوات وضجت وكادت أن تقع من هول ما سمعت من زور، من هول ما سمعت من بهتان هذا هو السبب في أن السموات تكاد أن تقع ليس لأن العمارة والبناء ضعيف ليس لأن الذي بناها قد أهمل فيها انظر إليها هل ترى من فطور؟ هل ترى فيها من تشقق قوية البناء متينة (وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْي۟دٍۢ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)) [سورة الذاريات آية‫:‬ ٤٧]، لكن هول الكلام وهول الاتهام لله، تبارك وتعالى، يكاد يهد ويهدم الكون بأجمعه (أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (٥)) سبحانك، سبحانك ما أعظم شأنك هيب في الأول وأرعب وخوف وعظم شأن المسائل والأمور ثم ألطف وبشر وطمأن وختم بقوله‫: (أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (٥))‬ فتطمئن القلوب وتسعد بغفرانه وبرحمته وبأنه، سبحانه وتعالى، هو الحنان هو المنان، هو ذو الجلال والإكرام وتضرع إليه قلوب العارفين لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، سبحانك، سبحانك ما أعظم شأنك، (أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (٥))، ويتبين لك السبب وكما شرحنا وكما أوضحنا في الآية التالية حيث يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬
وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍۢ ﴿6﴾
إذا هذا هو الأمر، هذا هو السر انكشف السر وظهر الأمر (وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ) يتولون أمورهم يتوجهون إليهم بالدعاء يستشفعون بهم، يستشفون بهم، يقولون أنهم يشفعون لهم ويقربوهم إلى الله زلفى، ها هم ادعوا أن عزيزا ابن الله، هؤلاء ادعوا أن المسيح ابن الله، هؤلاء زعموا له الشريك هؤلاء قالوا الملائكة بنات الله، اتخذوا أولياء يتولون أمورهم كيف ولم يخلقوهم كيف ولم يرزقوهم كيف ولم يستروهم، كيف ولم يطعموهم كيف ولم يشفوهم وكيف وكيف، كيف تتخذ وليّ لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا وكيف تتهم الله، تبارك وتعالى، بهذه التهمه الشنعاء فيطمئن حبيبه حتى لا ينفطر قلبه كما تكاد السموات أن تنفطر وما من مؤمن عارف بالله إلا ويكاد ينفطر من اتهام الكفار ومن الاجتراء على العزيز الغفار كذلك قلب المؤمن ينفطر إن رأى المعاصي والفواحش ينفطر إن سمع سبا في الله أو خطأ في ذات الله أو وصفا لا يجوز على الله من هنا يطمئن الحبيب المصطفى ويقول له (وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ) حفيظ‫:‬ رقيب حفيظ يحفظ أعمالهم وإن حفظ أعمالهم حاسبهم عليها وجازاهم عليها طالما كان حفيظا يحفظ ويعد ويحسب لا بد وأن يعاقب (وَمَآ أَنتَ) يا محمد (عَلَيْهِم بِوَكِيلٍۢ (٦)) أي لست متوكلا بأمورهم وليست أمورهم موكولة إليك إن عليك إلا البلاغ ويأتي الكلام بعد ذلك بمزيد من الاطمئنان وبيان للنبي أن الله، تبارك وتعالى، لو شاء لهدى الناس جميعا ولكن حكمته وإرادته هو أعلم بمراده وهو أعلم بخلقه وهو سبحانه وتعالى يغفر لمن يشاء ويحاسب من يشاء ويهب لمن يشاء ويمنع ويمنح هو الفعال لما يريد ولا يقع في ملكه إلا ما يريد ولو شاء ربك ما فعلوه ولو أراد ربنا ألا يشرك به في الأرض ما أشرك به، ولو أراد أن تجتمع الناس على قلب رجل مؤمن واحد لكان كذلك لكن الله أراد للناس أن يكونوا مختلفين ولذلك خلقهم أراد لهم أن يكونوا مختلفين إلا من رحم ربك‫.‬‬
‫ويبين ربنا، تبارك وتعالى، بعد ذلك أن من رحمته أنه اختار محمد، صلى الله عليه وسلم، رسولا للعالمين وأن من رحمته أنه اصطفى مكة لتكون موطنا لرسالته وأن من رحمته، سبحانه وتعالى، أن أوحى إلى هذا النبي العربي الأمي قرآنا عربيا بلسان عربي مبين فأرسل إلى الناس رسولا منهم يعرفون نسبه وصدقه وأرسله بلسانهم يتكلم بلغتهم وأنزل الوحي بلغتهم رحمة يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌۭ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌۭ فِى ٱلسَّعِيرِ ﴿7﴾
‫(وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا) رحمة ولو نزل بغير العربية لضعنا وما فهموا وما عقلوا عنه شيئا (لينذر) قراءة (لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا) أم القرى‫:‬ مكة هل ينذر مكة أم ينذر أهل مكة؟ ينذر أهل مكة إذا (لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ) أي لتنذر أهل أم القرى سميت مكة أم القرى قالوا لأن الله حين خلق الأرض واختار مكة مكانا لبيته المعظم دحى الأرض من تحتها ولم يدحو مكة إذا فهي المركز هي الأساس مكة بالنسبة للأرض كالبيت المعمور بالنسبة للسماء هي المركز هي الأساس لذا سميت أم القرى وقد يثبت العلم أن المسافة بين مكة وبين أي مكان في جميع أنحاء العالم يبين أن مكة مركز الدائرة فلَوْ أن الأرض كروية وأصبحت كالدائرة ونظرت إلى مكة لوجدت أن المسافة بين مكة وبين المحيط متفقة في كل الأمكنة والمسافات، ولاتضح لك أن مكة هي مركز الكرة الأرضية هي الوسط والمنتصف والمركز، وإن أردت أن تجرّب ذلك فما عليك إلا أن تأتي بالخرائط وتنظر فيها حتى تجد أن مكة هي فعلا أم القرى موطن بيت الله العتيق، مكان دخله كل الأنبياء والرسل، مكة (لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا) أي القرى التي من حولها واختص الله، تبارك وتعالى، أم القرى لفضلها ولعلو شأنها ولوجود بيته المعظم فيها ولرسالة الإسلام خاتمة الرسالات، ولأنها مركز العالم ومركز الدنيا، أيضا لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، فيها أهله وعشيرته أقرب الناس إليه يعرفون نسبه يعرفون صدقه فأرسله إلى قومه يبتدئ بهم (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ (٢١٤)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٢١٤]، ثم بعد ذلك تمتد الدعوة وتنتشر حتى تصل إلى أرجاء المعمورة كلها (وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ ) أيضا يوم الجمع حيث يجمع الخلائق يوم الجمع حيث يجمع الأولون والآخرون والإنس والجن والوحش والهوام والحشرات والطيور والأسماك كل محشور (يَوْمَ ٱلْجَمْعِ) حيث يجمع الأشباح مع الأرواح حيث تخرج الأجساد من القبور بعد أن كانت ترابا وعظاما ورفاتا إذا بالأرواح تأتيها فتجتمع الأشباح والأرواح فإذا الناس نشور حيث يجتمع العمال والأعمال (وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُۥ فِى عُنُقِهِۦ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًۭا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا (١٣)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ١٣]، يجتمع العامل وعمله (يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ ) لا شك فيه آت لا محالة أين البداية؟ ألم تكن هناك بداية؟ إذا لم تدر أنت عن بداية العالم ألا تعلم عن بدايتك أنت؟ ألم تكن طفلا صغيرا تحبو؟ ولدت، أين ولدت ومتى ولدت وقيل ذلك ماذا كان هناك بداية إذا لا بد وهناك نهاية ألم تر غيرك يدفن ألم تر الجنازات تدخل وتخرج ألم تر القبور وتفتح وتغلق لا بد من النهاية (وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌۭ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌۭ فِى ٱلسَّعِيرِ (٧)) إي وربي ليس هناك فريق ثالث يجمع الخلائق يوم الجمع يحشر الخلائق بعد الجمع يحدث التفريق يجمعون أولا ثم يفرقون كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها مؤمنهم وصالحهم صادقهم وكاذبهم ومنافقتهم الكل يجثو على الركب فصل الخطاب فصل القضاء تتفرق الناس تتميز الناس فريق في الجنة وفريق في السعير‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار (إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ، جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُوقَفَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ لاَ مَوْتَ، يَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ لاَ مَوْتَ) لأن الله خلق الموت وما يغفل عنه الإنسان أن الموت مخلوق لأن الله، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ) [سورة الملك آية‫:‬ ٢]، إذا فالموت لم يكن موجودا الموت شيء خلقه الله كما خلق شيء اسمه الحياة فإذا الموت هذا المخلوق أراد له النهاية أنهاه وأصبح ليس هناك موت‫.‬ أيها الأخ المسلم إذا اطمأن أهل الجنة في مقاعدهم في جنة عدن في مقعد صدق عن مليكِ مقتدر نادى ربنا، تبارك وتعالى، عليائه (إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعُودًا فَيَقُولُونَ: وَمَا هُوَ؟ أَلَيْسَ قَدْ بَيَّضَ وُجُوهَنَا وَثَقَّلَ مَوَازِينَنَا وَأَدْخَلَنَا الْجَنَّةَ؟ فَيُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ ثَلَاثًا " قَالَ: «فَيَتَجَلَّى لَهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَعْظَمَ مِمَّا أُعْطُوا)، (لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌۭ (٣٥)) [سورة ق آية‫:‬ ٣٥]، فقد خلق الله، تبارك وتعالى، الخلق مختلفين ولو شاء ربنا، تبارك وتعالى، لخلق الناس كالملائكة كلهم طائعين ولو أراد ربنا أن يخلق الناس كالشياطين لجعلهم كالشياطين، لكن الله، تبارك وتعالى، أراد أن يدخل من يشاء في رحمته فهناك أناس خلقهم الله، تبارك وتعالى، برحمته ولرحمته ولذا نسمع ربنا يقول‫:‬ (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ ) [سورة هود آية‫:‬ ١١٨- ١١٩]، وكأن الله، تبارك وتعالى، خلقهم لرحمته من هنا يتبين لنا حين نسمع الآية في سورة الشورى والتي نحن بصددها يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ وَٱلظَّـٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ ﴿8﴾
نفس المعنى لو شاء الله، تبارك وتعالى، لجعلهم أمة واحدة على دين واحد أمة واحدة على شريعة واحدة أمة واحدة على خلق واحد إما الكل على هدى وإما الكل على ضلال وربنا يقول أيضا في موضع آخر‫:‬ (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ ) [سورة يونس آية‫:‬ ٩٩].‬
‫إذًا فقد كان الله، تبارك وتعالى، قادرا على أن يجعل الناس على أتقى قلب رجل واحد جميعا وإن فعل ذلك لأصبحوا كالملائكة وما أصبح للجنة أو للنار وجود إذ ليس هناك تكليف وليس هناك حساب فالكل طائع بالخلقة كالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ولو شاء ربنا لجعل الناس كلهم في ضلال ولو جعلهم كذلك في ضلال لدخل الجميع إلى جهنم وما أصبح هناك جنة، لكن الله، تبارك وتعالى، أراد أن يصطفي من خلقه أناسا لرحمته فيدخلهم في رحمته بأن يهديهم إلى الصراط المستقيم يبين لهم الطريق يخرجهم من الظلمات إلى النور يلهمهم الطاعة يرزقهم معرفته يحبهم ويرزقهم حبه فيؤهلهم ذلك لمحل كرامته فيصبحوا من أهل الجنة برحمته (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يُدْخِلُهُ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ»، قَالُوا‫:‬ وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَفَضْلٍ) قالوا وفيما العمل يا رسول الله؟ قال‫:‬ تدخلون الجنة برحمة الله، تبارك وتعالى، وتقسمونها بأعمالكم) لكن الدخول بالرحمة من هنا يتضح أن الناس كلهم على ضلال إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ولو تأملنا في سورة الفاتحة لوجدناك تدعو برحمة الله، تبارك وتعالى، علّمنا الدعاء في الفاتحة تقول‫:‬ (ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ (٦)) [سورة الفاتحة آية‫:‬ ٦]، أي صراط هذا؟ (صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [سورة الفاتحة آية‫:‬ ٧]، إذا فمن كان على صراط مستقيم فبنعمة الله عليه ليس بجهده ولا بفضله (صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ (٧)) [سورة الفاتحة آية‫:‬ ٧]، إذا فالناس ثلاثة‫:‬ فريق أنعم الله عليهم فأنقذهم، فريق في ضلال، فريق مغضوب عليهم إذا فالمفروض أن يكون الإنسان إما ضالا وإما أن يكون مغضوبا عليه أما الضال فهو الذي لا يعرف الطريق إلى الله ولا يعرف الشرع ولا يعرف الدين ولا يعرف اليوم الآخر لم يأته العلم أو جاءه العلم ولم يسمع، أما المغضوب عليهم فهؤلاء عرفوا فاجتنبوه واتبعوا الباطل فمن المفروض أن يكون الإنسان على هذا المنوال إما ضالا وإما مغضوبا عليه إلا من رحم الله هؤلاء الذين أنعم الله عليهم فهداهم إليه وهداهم إلى الصراط المستقيم وعلمنا أن نسأل الله فالفاتحة سبعة عشر مرة في كل يوم في سبعة عشر ركعة من الفرائض ندعو الله، تبارك وتعالى، فيها (ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [سورة الفاتحة آية‫:‬ ٦ -٧ ]، فاعلم إن كنت على هدى بفضل الله، وإن كنت على علم فبفضل الله (وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ وَٱلظَّـٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ (٨))، الظالمون المشركون الظالمون الذين ظلموا أنفسهم الظالمون الذين لم يعرفوا الطريق إلى الله الظالمون الذين حرموا من الدخول في رحمة الله هؤلاء ما لهم من ولي يتولى أمورهم يخرجهم من الظالمون إل النور أو يهديهم إلى صراط مستقيم وما لهم من نصير يمنع عنهم العذاب يوم القيامة‫.‬‬‬‬
أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۖ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِىُّ وَهُوَ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿9﴾
الكلام هنا بعد البيان (أَمِ ٱتَّخَذُوا۟) أي بل اتخذوا كلمة (أم) تأتي بمعنى بل وهمزة الاستفهام الإنكاري فتعنى الجملة بل اتخذوا من دون الله أولياء رغم أن الله، تبارك وتعالى، هو الخالق وهو القادر على أن يجعل الناس أمة واحدة وهو الذي يدخل من يشاء في رحمته وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الفعال لما يريد ومع ذلك اتخذوا من دونه أولياء أصنام لا تتكلم ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع ولا تشفع، اتخذوها أولياء، (فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِىُّ وَهُوَ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ (٩)) وكأن الكلام إجابة لشرط إن أرادوا وليا بحق وإن سألوا عن الولي الحق فالله هو الولي والدليل على أن الله، تبارك وتعالى، هو الولي يتولى الصالحين (ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٥٧]، والدليل على أن الله هو الولي أنه يحيي الموتى وإذا كان الله، تبارك وتعالى، قادرا على إحياء الموتى فهو من باب أولى قادر على أن يتولى أمورك في الدنيا وأن يهديك إلى صراط مستقيم وأن ينصرك وأن يرعاك وأن يكلأك بعناية وحمايته، (وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ (٩)) لكن الأولياء الذين اتخذوهم من دون الله لا ينصرونهم ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون أما الله، تبارك وتعالى، فهو على كل شيء قدير إذا فما تحتاج من شيء إلا و الله قادر على أن يأتيك به وما تطلب من شيء إلا والله، تبارك وتعالى، قادر على أن يمنحك إياه وكلنا يعلم أن الله، تبارك وتعالى، قال في حديث قدسي‫:‬ (كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ.. كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ.. كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ)، وهكذا فربنا، تبارك وتعالى، على كل شيء قدير هو المالك هو الخالق هو القادر هو الرازق فسلْه واطلب منه يتولى أمرك ومن تولى الله أمره نجا وأفلح وفاز‫:‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍۢ فَحُكْمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴿10﴾
وكأن الكلام حكاية عن قول النبي، صلى الله عليه وسلم، لكفار مكة ولصناديد قريش كأن النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول للمؤمنين ويقول للذين كفروا ما اختلفتم فيه من شيء من أمور التوحيد من أمور الدين من صدق النبي، صلى الله عليه وسلم، حكمه إلى الله هو الحكم وهو الحاكم وهو الذي يقضى بين الناس بالحق (ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّى) أي هذا الذي يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وهذا الذي هو الولي الحق الذي يحيي ويميت والذي هو على كل شيء قدير هو ربي إذا فالنبي، صلى الله عليه وسلم، على الهدى وعلى الحق لأنه عبد القادر الخالق المحيي المميت الإله بحق الولي الحق (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) أوكلت أموري إليه واعتمدت عليه في كل أموري (وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) أناب رجع إليه أنيب أرجع في كل شيء وفي كل أموري‫.‬ أيها الأخ المسلم ربنا، تبارك وتعالى، يقول في محكم كتابه (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلْأَمْرُ كُلُّهُۥ) [سورة هود آية‫:‬ ١٢٣]، فإذا كان الأمر كله يرجع إلى الله فإن أرجعت أمرك إلى الله فقد استسلمت لما هو كائن وإذا لم ترجع أمرك إلى الله فإليه راجع أمرك شئت أم أبيت فأيهما أفضل أن تستسلم طوعا أو تستسلم كرها لن يكون إلا ما هو كائن وإليه يرجع الأمر كله إذا فلوْ سلّمت الأمر إلى الله لوجدت الله أولى بك منك ولوجدت الله أحرص عليك من نفسك لأن إليه يرجع الأمر وها هو سيد الخلائق يقول‫:‬ (ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)) هل إذا وكلت أحدا بأمر لا بد أن توكل الكف العالم الأمين القادر الفاهم لمصحتك الحريص عليها، كأن توكل محاميا يدافع عنك أو توكل أحدا يبيع لك ويشتري أو يتاجر لك فأنت توكل الأمين الصادق الحريص على مصلحتك‫.‬‬
‫الله، تبارك وتعالى، هو القادر على كل شيء وهو العالم بكل شيء وهو أرحم بك من أمك التي أنجبتك فإن وكلته في أمرك لا بد وأن أمورك كلها تصبح في صلاح‫.‬ الله، تبارك وتعالى، حين يقول النبي، صلى الله عليه وسلم، (ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)) يعرّف من هذا الذي توكل عليه أيقدر أهو أمين أهو قادر أهو كذا أهو كذا؟ الذي أرجع إليه الأمور وإليه أنيب‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ أَزْوَٰجًۭا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ﴿11﴾
‫(فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ ) إذا لم يكن هناك شيء وكان الله ثم أوجد الله كل شيء (فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ ) خالق السموات والأرض مبتدع السموات والأرض غير مثال (جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا) خلقت حواء من ضلع من أضلاع آدم فكأن النساء خلقن من الرجال، (وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ أَزْوَٰجًۭا ۖ ) كذلك في الأنعام ذكر وأنثى خلقت الذكور وخلقت الإناث، (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) يذرؤكم يكثركم ذرأ الشيء كثره جعله كثيرا أي كثركم (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) أي يكثركم فيه (فِيهِ ۚ ) أي في هذا التزاوج في هذه النعمة (وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةًۭ وَرَحْمَةً ۚ ) [سورة الروم آية‫:‬ ٢١]، في موضع آخر، (ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ١]، نفس المعنى، (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ ) يكثركم بهذا التزاوج فيه بمعنى فاء السببية كذلك أي يكثركم بهذا الجعل جعل لكم من أنفسكم أزوجا يكثركم فيكثر الناس ويكثر العدد ويتوالد الناس وتدوم الدنيا، (لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ ) حتى لا يتبادر إلى ذهنك التشبيه أو التعطيل أو التقييد فالله، تبارك وتعالى، خلقنا وخلق أزواجنا من أنفسنا وذرأنا وكثرنا وجعل من الأنعام كذلك، أما هو فلا صاحبة له ولا ولد نحن لنا بداية أما الله فهو الأول بلا بداية نحن لنا نهاية أما الله فهو الآخر بلا نهاية، (لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ ) بعض الناس قال الكاف زائدة للتوكيد (لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ ) أي ليس مثله شيء أما الكاف للتأكيد على عدم المثلية، وقال بعضهم الكاف أصلية وإنما كلمة مثل هي الزائدة لأن الله لا مثيل له فحين تقول‫: (لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ )‬ أي ليس كهو شيء، لأنه لا مثل له فحين تقول ليس كمثله ليس هناك شبيه لمثله وليس هناك مثل حتى يكون له شبيه لكن الكلام في عادة العرب جرت عادة العرب على الكلام بهذا حين يقولون مثلك لا يفعل كذا للمبالغة في نفي الشيء عنك لأنه إذا نفي عن مثلك كان النفي عنك أولى بل وجاءت في القرآن على نفس الصياغة وعلى طريقة العرب في القرآن فقال الله، تبارك وتعالى، (فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٣٧]، أي فإن آمنوا بما آمنتم به لأن ليس هناك مثل للإسلام هل للإسلام شبيه ومثيل؟ فإن المعنى فإن آمنوا بما آمنتم به، لكن الله خاطبهم على أسلوبهم (فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٣٧]، فتأتي كلمة (مثل) للتعبير عن الذات فحين يقول الله، تبارك وتعالى، (لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ ) أي ليس كذاته شيء الكلام من حيث الكاف ومن حيث كلمة (مثل) تأكيد، زيادة في التأكيد لبيان أن الله، تبارك وتعالى، ليس كذاته ذات وليس كصفته صفات وليس كاسمه أسماء فليس كمثله شيء تفيد وتعني أن المثلية ممتنعة في كل شيء قد تشبه أحد الناس في بعض الأمور ولا تشبهه في باقي الأمور والمثلية قد تنتفي في بعض الأمور ولا تنتفي في بعض الأمور فالله يريد لنا أن المثلية في حقه منتفية تماما من جميع الأمور هو القديم ولا قديم إلا هو، هو الأول ولا أول إلا هو، هو الآخر ولا آخر إلا هو، هو الله ولا إله إلا هو، ليس كصفاته صفات ليس كأسمائه أسماء ليس كذاته ذات ليس كأفعاله أفعال وإن كانت الألفاظ مشتركه، فالله كريم ويطلق الناس على الرجل المنفق أو ذا الأصل الطيب رجل كريم يقال فلان عظيم والله ، تبارك وتعالى، عظيم فهذه الأسماء والألفاظ تشابه من حيث الرسم رسم اللفظ فقط أما الحقائق فليس هناك أدنى تشابه بين صفات الله، تبارك وتعالى، وصفات خلقه (لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ (١١)) لكي تعلم حين يقول‫:‬ ليس كمثله شيء قد تعطّل الصفة، التوحيد إثبات ذات غير مشابهة للذوات غير معطلة من الصفات فحين يقول‫:‬ (لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ ) قد يتبادر إلى الذهن أنه ليس هناك شيء مثله وبالتالي فهو شيء جامد غير فعّال أو غير متحرك أو غير قادر فلكي لا يتبادر إلى ذهنك التعطيل يقول (لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ (١١)) إذاً طالما كان سمعيا بصيرا فهو حي وطالما كان سمعيا بصيرا حيا فهو قادر فهو فعال فهو مريد إذاً من هنا (لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ (١١)) هذه الجملة التي نقولها دائما وأبدا تعني التوحيد الخالص الصرف وهو إثبات ذات الله، تبارك وتعالى، التي لا تشبه ذات ولا تشبهها ذات والتي هي غير معطلة من الصفات، هو الله‫.‬‬
‫فالتوحيد الخالص، التوحيد الصرف هو أن يثق العبد بأن الله، تبارك وتعالى، واحد أحد أبدي أزلي لا يحل في سواه ولا يحل فيه سواه وأنه، سبحانه وتعالى، قادر بقدرة ولا يعتريها نقص ولا قصور، وأنه، سبحانه وتعالى، مريد بإرادةٍ أزلية أوجدت على مراده الكائنات وما لها من حركات وسكنات وأنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام أزلي قائم بذاته لا يقبل الافتراق أو الانتقال بالحول في الأوراق وأن كلامه لا يشبه كلام المخلوقات كما أن ذاته لا تشبه ذوات المخلوقات وأن كلام الله، تبارك وتعالى، القديم غير محتاج لشفتين أو لسان وغير محتاج للهواء أو اصطكاك الأجرام بل هو متكلم بكلام أزلي وأن الله، تبارك وتعالى، سميع بسمع يتكشف به كمال المسموعات دون حاجة إلى أذن أو صماخ أو هواء أو انتقال أصوات ودون تأثر أو حدثان بل هو سميع بسمع يتكشف به كمال المسموعات وتستوي في كمال سمعه الأصوات، وأنه، سبحانه وتعالى، بصير ببصر يتكشف به كمال التفريق بين المبصرات بغير حدقة وأجفان وبغير انتقال للصور والألوان، وأنه، سبحانه وتعالى، لا تحجب رؤيته الظلمات وأنه، سبحانه وتعالى، بصير يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء ويسمع دبيبها على الصخرة الصماء وأنه سبحانه ولا يشبه أحدا من مخلوقاته في الإبصار وجميع المبصرات في قوة إبصاره سواء ليس فيها واضح وغير واضح بعيد وقريب وصغير وكبير وإنما كل المبصرات في بصره، سبحانه وتعالى، يسمع خفايا الوهم والتفكير يسمع هواجس الضمير ويرى خفايا الوهم والتفكير، سبحانه وتعالى، هو الله (لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ (١١)) ذات غير مشبهة للذوات غير معطلة من الصفات، يقول الله، تبارك وتعالى، مبينا لهذا الذي ليس كمثله شيء‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
لَهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ﴿12﴾
‫(لَهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ) أي أنه ليس خالق فقط ومالك فقط وفعال فقط بل هو المتحكم والمتصرف هو الملك وهو المالك، لأنك قد تكون ملكا ولا تملك وقد تكون مالكا ولا تتحكم، لكن الله كان ولم يكن شيء فكل الوجود ملكه هو خلقه وهو ملكه وهو الملك المتحكم المتصرف المدبر، (لَهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ) المقاليد‫:‬ جمع إقليد مفتاح أو مقلاد أو مقليد بمعنى المفتاح (لَهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ) إذا له المفاتيح ومن ملك المفاتيح ملك الخزائن ملك ما تفتح به المفاتيح (لَهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ) إذن فله الخزائن وله كل شيء، ممكن أن تكون كلمة مقاليد اسم جمع ولا مفرد له ليس جمع إقليد أو مقلاد كما قيل، وإنما مقاليد اسم جمع لا واحد له من لفظه مأخوذ من التقليد وهو الإلزام وكأن الله، تبارك وتعالى يشعرنا بأن الكل في قبضته مقهور في قبضته‫.‬‬
‫(يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ (١٢)) طالما كان يملك الخزائن وطالما كان يسمع ويبصر وطالما كان يعلم ويقدر وهو المالك وهو الملك إذا فالأرزاق بيده وهو يعلم من يصلح له الغنى ومن يصلح له الفقر فيبسط الرزق لمن يشاء ويقدر فربما يبسط الرزق لإنسان مرة ثم يقبض عنه مرة أخرى، فتجد الإنسان تارة في بسطة من العيش وتارة في ضيق من العيش نفس الإنسان الواحد وقد يقبض عن أناس ويبسط لأناس فيظل فلا غنيا طوال حياته وفلان فقيرا طوال حياته أو يتقلب بين الفقر والغنى فقد يبتدئ بالفقر وينتهي بالغنى وقد يبتدئ بالغنى وينتهي بالفقر أمور لا يعلمها إلا الله ولله في خلقه شئون، المهم أنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وليس بسط الرزق علامة الرضا كما أن قبض الرزق ليس علامة الغضب ولا السخط ولو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى لكافر منها شربة ماء وقد كان سيد الخلائق أجمعين يربط الأحجار على بطنه من شدة الجوع (دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَسَأَلَهُمَا، فَقَالاَ: أَخْرَجَنَا الْجُوعُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ: وَأَنَا أَخْرَجَنِي الْجُوعُ) سيد الخلق يجوع إذا الدنيا لا تساوي شيئا والغنى ليس علامة على الرضا كما أن الفقر ليس علامة على السخط وإنما يبسط ربنا، تبارك وتعالى، ويقبض ابتلاء واختيار يختبر الغني بالمال ويختبر الفقير بالفقر يمتحن الغني بالفقير أيعطيه؟ أيحسن إليه ويمتحن الفقير بالغني أيحسده؟ أيحقد عليه؟ أيسلبه ماله أم يقول قدّر الله وما شاء فعل، وما شاء فعل ويرضى، يبتلي الفقير بالفقر ليرضى ويبتلي الغني بالغنى ليشكر ويعطي ويمنح، امتحان وابتلاء هو أعلم بعباده يبتليهم كيف شاء، (وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٣٥]، هو يعلم وأنت لا تعلم، الله يعلم وأنتم لا تعلمون، وصدق النبي، صلى الله عليه وسلم، حين يقول‫:‬ (وَإِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانُهُ إِلَّا الْغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لَا يَصْلُحُ إِيمَانُهُ إِلَّا بِالْفَقْرِ وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ،) نعم إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون فربما أنت فقير ويقول لو أن الله أعطاني كذا وأعطاني كذا لفعلت كذا ولتصدقت من يدريك؟ وربنا يقص علينا قصة أحد الناس الذي قال في شأنه‫:‬ (وَمِنْهُم مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَىٰنَا مِن فَضْلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿۷٥﴾ فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضْلِهِۦ بَخِلُوا۟ بِهِۦ وَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ﴿۷٦﴾ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًۭا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُۥ بِمَآ أَخْلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ ﴿۷۷﴾) [سورة التوبة آية‫:٧٥ - ٧٧].‬
‫إذاً فقد كان الفقر رحمة كان فقيرا كان طائعا وليس في قلبه شيء من النفاق أخذ يسأل ويدعو ويطلب ويسأل النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يدعو الله له قال ادع الله، لي يعطيني مالا لأني لو أغناني سوف أتصدق وسوف أعطي وسوف أفعل وسوف أفعل أنت لا تعلم الله يعلم أخذ يلح أخذ يصر ويعاهد فأعطاه الله هل حين أفقرك الله، تبارك وتعالى، لأن الخزائن نضبت؟ ليس معه ما يعطيك أو يعطي غيرك؟ أخذ يلح ويصر فأعطاه الله وحين أعطاه الله وكثر المال أمامه واحتواه بدلا من أن يحتوي هو المال احتواه المال فبخل ولم ينفق ولم يتصدق كما وعد نتج من هذا أن قذف الله في قلبه النفاق إلى يوم القيامة انتهى، وانتهى إلى الأبد بالمال فقد كان الفقر له رحمة نعم (وَإِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لَا يُصْلِحُ إِيمَانُهُ إِلَّا الْغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لَا يَصْلُحُ إِيمَانُهُ إِلَّا بِالْفَقْرِ وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ) من هنا يقول الله، تبارك وتعالى واسمع‫:‬ (لَهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ (١٢)) ، إذا حين بسط الرزق ليس علامة رضا وليس علامة وجود المال واتساع الأرزاق وإنما بسط بعلم وحين يقدّر يضيق الرزق ليس عن فقر وليس عن احتياج وليس عن نضوب الخزائن، وإنما عن علم فمنكم من يصلح له الغنى ومنكم من يصلح له الفقر وأنت نفسك قد يصلح لك الفقر في فترة من عمرك فقد تكون فقيرا وأنت شاب فيمنعك الفقر من المعاصي والفحشاء من أين تشرب الخمرة ومن أين تأتي النساء ليس معك إلا القوت فأنت تمشي إلى جوار الحائط تنظر على الأرض من الفقر والجوع في شبابك، فإذا كبر سنك ووهن عظمك واحتجت للراحة أغناك فعشت في رفاهية وتصدقت لأنك قريب من القبر وأنفقت لأنك جربت الفقر ولم يمكنك سنك وكبرك من العصيان رحمة فالله، تبارك وتعالى، أعلم متى يصلح لك الفقر ومتى يصلح لك الغنى من هنا تختم الآية (إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ (١٢)).‬
‫أيها الأخ المسلم الرضا لمن يرضى أن ترضى بما قسم الله لك وهذا شرط من شروط الإيمان الرضا بالقضاء والقدر خيره وشره حلوه ومره، الرضا بعطاء الله لو أنك رضيت لرضا الله عنك، هناك سؤال يجب أن تسأل نفسك هذا السؤال هل رضي الله عنك؟ هذا هو المهم قلنا أن الغنى ليس علامة الرضا والفقر ليس علامة الغضب والسخط، أهم ما في الوجود أن يرضى الله عنك أتريد أن تعرف هل رضي الله عنك أم لا كلنا يود أن يعرف هل هناك إجابة؟ نعم إي وربي هناك إجابة لدي الإجابة كل واحد فيكم له أن يعلم الآن هل رضي الله عنه أم لا كيف؟ سل نفسك هل أنت راض عن الله ها هي الإجابة إذا كنت راضيا عن ربك فاعلم أنه قد رضي عنك وإذا لم تكن راضيا عنه بأن تكون متضايقا من الفقر أو من مرض أو من كذا أومن كذا وأنت غير راض فاعلم أنه غير راض عنك لأن الله، تبارك وتعالى، شرط رضاه برضاك فقال‫:‬ (رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ) [سورة التوبة آية‫:‬ ١٠٠]، أنت الآن تعلم هل أنت في محل الرضا أم لا فإن لم تكن في محل الرضا فاحرص على الإسراع والدخول في محل الرضا بأن ترضى عن الله والرضا عن الله رضا عن أفعاله رضا عن قضائه وقدره رضا عن اختياره لك، فسبحانه وتعالى، يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة‫.‬‬
‫أيضا هل تريد أن تعرف هل يحبك ربنا أم لا؟ هل أنت في مجال الحب والحب كالجاذبية له مجال هل أنت في مجال الحب أم خارج مجال الحب إذا أردت أن تعلم هل أنت محبوب من الله فسل نفسك أتحب أنت الله إن كنت تحب الله، حقا فوالله أنت محبوب لأن الله، تبارك وتعالى، شرط حبه بحبك فقال‫:‬ (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٥٤]، فطالما أنت تحب الله لا بد وأن الله يحبك هل يمكن للعبد أن يحب ربه بغير إذن من الله هل ممكن؟ أن تحب الله بغير إرادته؟ يستحيل إذا فطالما أحببته لا بد وأنه قد أذن لك فإن أذن لك بحبه فقد أحبك وكذلك الرضا‫.‬ أيها الأخ المسلم سل نفسك دائما هل أنت محب لله لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول‫:‬ (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا).‬
‫كان الله، تبارك وتعالى، ولم يكن شيء ثم خلق السموات والأرض وخلق الجنة والنار وخلق الإنس والجان وخلق الملائكة وخلق العرش والقلم واللوح خلق ربنا، تبارك وتعالى، كل ذلك من أجل كلمة واحدة ( لا إله إلا الله ) نعم من أجلها وعليها وبها قامت السموات والأرض من أجلها كانت الدنيا والآخرة، من أجلها خلقت الجنة والنا، من أجلها أهبط آدم إلى الأرض، من أجلها كان الثواب وكان العقاب وكان الابتلاء وكان الاختبار‫.‬ ( لا إله إلا الله ) أرسل لله الرسل بها بعد أن طال بالناس الزمان فحين أحبط آدم إلى الأرض وهو نبي ولم يكن لآدم إلا الضرورات الكد والكدح في هذه الأرض فقد كان في الجنة رزقه فيها رغدا حين نزل إلى الأرض نزل إلى دار الكدح والشفاء والتعب بدأ يتعلم كيف يزرع كيف يطحن كيف يخبز بدأ شقاؤه في أرض الشقاء دارت الأيام وتناسل الناس وبعدوا عن الملأ الأعلى وعن وصايا الأب عن وصايا النبي عن وصايا آدم فأرسل الله، تبارك وتعالى، نوحا وأنزل مع نوح الحلال والحرام حرّم الأمهات والأخوات والبنات فقد كان الرجل يتزوج بأخته لم يكن سوى آدم وحواء فكيف يتم التناسل، حين جاء نوح جاء بتحريم الأمهات والبنات والأخوات جاء بتحريم الحرام وبتحليل الحلال وبدأت الرسالات وأول الرسالات كانت رسالة نوح وما من رسول إلا وجاء معه بفرقان وضياء ثم ختمت الرسالات بالشريعة الغراء شريعة محمد، عليه الصلاة والسلام، ونزل القرآن لما في الصدور شفاء واكتملت الرسالات كلها بتاجها ألا وهي رسالة الإسلام، جميع الرسالات السماوية من لدن آدم إلى محمد، عليه الصلاة والسلام، كلها هي كلمة التوحيد هي رسالة واحدة هي لا إله إلا الله، الله ، تبارك وتعالى، خلق الخلق وبه عرفوه لا إله إلا الله هي رسالة واحدة في كل زمان يلحق بها شهادة للرسول الذي جاء بها في زمن نوح لا إله إلا الله نوح رسول الله، في زمن موسى لا إله إلا الله موسى رسول الله، في زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، لا إله إلا الله محمد رسول الله، فكل الرسالات متفقة في الأصل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره حلوه ومره تحريم القتل تحريم الزنا الأمر بصلة الرحم بالصدق بالوفاء تحريم الضرر بالغير فلا ضرر ولا ضرار هذا هو مضمون الرسالة، الرسالات جميعها ثم بعد ذلك هناك اختلافات في تفاصيل الشرائع كالعبادات ككيفية الصلاة كيفية الصيام كيفية الحج كيفية الزكاة في بعض المعاملات في القتل مثلا على بني إسرائيل إما القصاص وإما العفو والدية ممنوعة التعويض، في النصارى إما العفو وإما الدية والقصاص ممنوع، في أمة النبي، صلى الله عليه وسلم، منحت الأمة الثلاثة إما القصاص وإما الدية وإما العفو وهكذا تفاصيل في بعض الشرائع في العبادات وكيفيات المعاملات فقط، أما الأصل فالدين واحد‫:‬ (إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ ۗ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٩]، منذ خلق الله السموات والأرض لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًۭا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ ۖ أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ ٱللَّهُ يَجْتَبِىٓ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴿13﴾
‫( شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ) الشرع‫:‬ النهج والسنة (شَرَعَ لَكُم) بين لكم نهج لكم وضع لكم وخطط لكم ومنه الشارع‫:‬ الطريق الواسع الذي يمشي فيه الناس (شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ) والخطاب لأمة النبي، صلى الله عليه وسلم، وللناس كافة الذين بعث إليهم خاتم الأنبياء والرسل شرع (مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًۭا) إذاً ليس الأمر بجديد ما وصى به نوحا هو الذي وصى به محمد، عليه الصلاة والسلام، (وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ) يا محمد هو نفس ما أوحينا به إلى نوح وهو ما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى شرع واحد دين واحد (أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ ۚ ) إذا فقد كان الأمر أن يبقى التوحيد قائما مستمرا مستقرا دون خلاف أو اختلاف ودون افتراق (أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ) أي اجعلوا الدين قائما والدين الذي شرعه الله لنا ولنوح ولإبراهيم ولموسى ولعيسى هو ما يصبح المرء به مسلما هو الإيمان بأن الله واحد الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر بالقضاء والقدر تحريم الضرر تحريم القتل والزنا تحريم السرقة والإضرار بالناس الأصول، أصول القواعد، أصول العقائد (أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ) اجعلوه قائما مستمرا مستقرا لا اختلاف فيه ولا اضطراب (وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ ۚ ) بالاختلاف بالتنافر بالتباغض بالتباعد بالتكذيب (كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ ) والخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، (كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ ) عظم عليهم ما تدعوهم إليه، ما الذي دعاهم إليه؟ دعاهم إلى التوحيد إلى كلمة لا إله إلا الله فعظم عليهم ذلك كيف يتركون الأوثان كيف يتركون الأصنام كيف يتركون الحجارة التي صنعوها بأيديهم وقد كان الرجل منهم يصنع الإله من التمر من العجوة يصنع لنفسه صنما ليعبده ليعبده فإذا جاع أكله هكذا كانوا سفاهة ضلالة ومع ذلك كبر عليهم ما يدعوهم إليه النبي، صلى الله عليه وسلم، دعاهم إلى الواحد القهار الذي خلق السموات والأرض وقلب الليل والنهار الذي أرسى الجبال وأجرى الأنهار، (ٱللَّهُ يَجْتَبِىٓ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (١٣)) وكأن الله، تبارك وتعالى، يقول لحبيبه المصطفى، صلى الله عليه وسلم، لا تيأس ولا تحزن ولا تبتئس كبر عليهم ما تدعوهم إليه لم يعجبهم التوحيد أرادوا البقاء في الضلالة ليس لك من الأمر شيء الله فعّال لما يريد الله لم يختار هؤلاء الناس لم يرضى عنهم لو رضي عنهم لهداهم إليه ولو أحبهم لأحبوه ولو رضي عنهم لرضوا عنه إذا الله، تبارك وتعالى، لم يرد عليهم لهم الهداية والله يجتبي إليه من يشاء الاجتباء الاصطفاء الاختيار الاجتباء هو أن يضم المجتبي من اجتباه إليه ويبسط عليه كنفه وينشر عليه رعايته ويحيطه بعنايته الاجتباء‫:‬ الجابية الحوض الكبير يُجبى إليه الماء يخزن إليه الماء للسقاية ومنه الجابي الذي يرسله الحاكم لجمع الزكاة فالاجتباء الجمع والضم والاختيار والاصطفاء، (ٱللَّهُ يَجْتَبِىٓ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ) إلى ماذا إلى الدين الحنيف راجعة إلى قوله (أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ ۚ ) أو الضمير راجع إلى قوله (كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ ) يجتبي إليه إلى ما يدعوهم إليه محمد أي يجتبي إلى دينه الحنيف (وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ) إلى الطريق المستقيم وإلى الدين الحق (مَن يُنِيبُ (١٣)) من يرجع إلى الله، وكأن الناس صنفان صنف مختار مجتبى بغير سبق فضل منه ولا عمل ولا جهد وصنف آخر يسعى إلى الله فيساعده الله أما الصنف الأول فمنهم موسى عليه السلام وربنا يقول له (وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ (٣٩)) [سورة طه آية‫:‬ ٣٩]، ويقول له‫:‬ (وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى (٤١)) [سورة طه آية‫:‬ ٤١]، ويقول له (وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ) [سورة طه آية‫:‬ ١٣]، ويقول له أيضا (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةًۭ مِّنِّى) [سورة طه آية‫:‬ ٣٩]، مجتبى مختار مصطفى كما اصطفى الله، تبارك وتعالى، حبيبه وسيد الخلائق محمد، صلى الله عليه وسلم، أما الصنف الثاني فهو الذي يلهم المعرفة بالله يميل قلبه إلى الله يتجه إلى الله فيبذل جهد يصلي يصوم ويزكي ويسعى إلى العلم يكتسب المعارف ويكتب العلوم ويجتهد وفي هذا الصنف يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ (٦٩)) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٦٩]، إذاً فهما صنفان صنف مجتبى مختار اصطفاء الله، تبارك وتعالى، من البداية كما اصطفى عيسى فتكلم في المهد واصفاه من قبل أن يولد عيسى ومنح النبوة وهو في المهد وكما اصطفى يوسف وقال له أبوه بعد ما سمع رؤياه (وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ) [سورة يوسف آية‫:‬ ٦]، سبحانه وتعالى يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمَا تَفَرَّقُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِنۢ بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ ﴿14﴾
‫(وَمَا تَفَرَّقُوٓا۟) من الذين تفرقوا؟ الأمم السابقة ربنا، تبارك وتعالى، رب واحد ودينه دين واحد ولا يمكن أن يختلف الدين في ملة عن ملة أو في زمان عن زمان لا يمكن لأن الله، تبارك وتعالى، واحد هو الذي شرع فما شرعه لموسى لا بد أن يكون هو ما شرع لإبراهيم ولا بد أن يكون هو ما شرع لنوح وهو أيضا ما شرع لمحمد، عليه الصلاة والسلام، من أين يأتي الاختلاف الدين واحد لكنهم تفرقوا، تفرقت الأمم واختلفوا منهم من آمن ومنهم من كفر آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض هم الذين فرقوا بين الرسل فآمنوا بأناس وكفروا بأناس بل وادعوا لأنفسهم المزية والفضل وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه من أنّى لكم ذلك؟ ما تفرقوا للأسف الشديد (وَمَا تَفَرَّقُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ) إذا التفريق والاختلاف حدث ليس لنقص في البرهان ليس لقصور في الحجة والدليل، يحدث الاختلاف أن يتشكك الإنسان لقصور في المعلومات يتشكك الإنسان لعدم وضوح في البرهان، أما أن يكون البرهان ساطع والدليل واضح والعلم بيّن ثم يحدث الاختلاف إذا فالأمر أمر بغي وظلم، أمر تكالب على الدنيا أمر تظالم وتحاسد وتباغض وتدابر لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَمَا تَفَرَّقُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۚ ) ظلما وتحاسدا وتباغضا (بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۚ ) ولم يقض الله بينهم وتركهم في خلافهم لم؟ لأنه قد سبق في علمه الأزلي وفي قضائه أن يؤجلهم لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى) إلى يوم القيامة يوم الجزاء يوم التغابن يوم الفضيحة أيضا، (إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى) يوم القيامة، (إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى) أعمار هؤلاء فكل يمشي في دائرة الإمهال إلى أن يموت كلكم وكلنا في دائرة الحلم والإمهال طالما فيه عمر وطالما هناك نَفَس يتردد فأنت في دائرة الإمهال وإياك أن تعتقد أنك في دائرة الإهمال حاشا وكلا أن يهمل خلقه وإنما يملي ويمهل ثم أخذ فلا فوْت، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى، (وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى) أعمارهم أو إلى يوم القيامة أو إلى نهاية الدنيا (لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ ) قضى بينهم كيف؟ بإهلاك الكفار ببيان الحق من الباطل بنصرة المؤمنين بإهلاك الكافرين، (وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِنۢ بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ (١٤)) الذين أورثوا الكتاب من بعدهم الإشارة إلى اليهود والنصارى أورثوا الكتاب من بعد الأمم السابقة ورثوا التوراة ورثوا الإنجيل ومع ذلك هم في شك من كتبهم فقد حرفت ودلست وأضيف إليها ونزع منها وكتب الأحبار والرهبان الكتاب بأيديهم ثم قالوا هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا هم يعلمون ذلك والكتب متباينة مختلفة ونسخ متعددة وكل نسخة تخالف الأخرى فادعوا أن هذا كتابات الأتباع إذا فما بين أيدكم كتابات هي الأتباع باعترافكم أين الأصل؟ أين ما نزل على عيسى؟ أين الوحي الأصلي الذي نزل به جبريل؟ أين هو؟ أين الذي كتبه عيسى أو نطق به عيسى؟ غير موجود لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِنۢ بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ (١٤)) هم في شك من كتابهم وإن لم يبدوا ذلك كما أنهم في شك من قتل عيسى وإن الذين ادعوا أنهم صلبوه في شك منه ما لهم به من علم (وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا (١٥٧)) [سورة النساء آية‫:‬ ١٥٧]، في نفوسهم شك، هم شاكون في هذا الأمر، فإذا كان الكلام عن اليهود والنصارى فالكلام (وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِنۢ بَعْدِهِمْ) اليهود والنصارى (لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ (١٤)) من كتابهم أو (لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ (١٤)) من القرآن الذي نزل على محمد وقال بعضهم‫:‬ (وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِنۢ بَعْدِهِمْ) الكلام عن مشركي مكة عن كفار قريش هم أورثوا الكتاب لأن القرآن نزل للعرب والكتاب هنا جنس الكتاب، الكتاب الذي هو التوراة والإنجيل والزبور وما إلى ذلك نوع الكتاب كما تقول‫:‬ الحجر جنس الحجر فكذلك هنا الكتاب، الذين أورثوا الكتاب مشركي مكة هؤلاء في شك من الكتاب من القرآن من الذي نزل على النبي، صلى الله عليه وسلم، وإن كان الرأي الأول أرجح‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
فَلِذَٰلِكَ فَٱدْعُ ۖ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ۖ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍۢ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴿15﴾
‫(فَلِذَٰلِكَ فَٱدْعُ ۖ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ۖ ) الكلام والخطاب لسيد الخلق النبي، صلى الله عليه وسلم، (فَلِذَٰلِكَ) الإشارة لماذا؟ الإشارة لاختلافهم لذلك في هذا الاختلاف والتفريق الذي حدث ادع إلى التوحيد وإلى إقامة الدين والتوحيد وعدم الخلاف والإشارة إلى التفرق الذي حدث (فَلِذَٰلِكَ فَٱدْعُ ۖ ) وقيل الإشارة للكتاب والذين أورثوا الكتاب من بعدهم ولذلك الكتاب فادع أو فلذلك الدين شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا فلذلك فادع يا محمد إلى الله إلى التوحيد ادع إلى إقامة الدين الذي هو الإسلام الذي شرع لنوح وشرع لجميع الأنبياء من قبلك (وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ۖ ) الاستقامة التي أمرة الله أن يكون على الطريق المستقيم والحق الذي لا مراء فيه (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ۖ ) وكلكم يعرف ما هي الأهواء قالوا اعبد إلهنا يوما ونعبد إلهك يوما قالوا له اطرد الفقراء والعبيد من عندك حتى نجلس إليك قالوا لا تسب آلهتنا ولا نسب إلهك قالوا امدح آلهتنا يوما ونحن نتتبع دينك، قالوا، وقالوا، وقالوا كثيرا من الأهواء قص علينا طرفا منها في القرآن فربنا، تبارك وتعالى، يقول له استقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم (وَقُلْ) أمر بأن يقول (بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍۢ ۖ ) إذاً فهو مؤمن بالقرآن مؤمن بالتوراة التي نزلت على موسى مكتوبة وليست التي في أيدي الناس والإنجيل الذي نزل على عيسى وليس ما كتبه الحواريون كما يزعمون الزبور صحف موسى وصحف إبراهيم (وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍۢ ۖ ) من جنس الكتاب من صنف الكتاب إذا فنحن أمة محمد، عليه الصلاة والسلام، نتبع محمدا في ذلك نؤمن بالله وملائكته ورسله لا نفرق بين أحد من رسله أما هم فقالوا نؤمن برسول ونكفر برسول يؤمنون بنبي ويكفرون بنبي وهكذا، فاليهود لا تؤمن بعيسى بل تتهمه بأفظع التهم وتتهم أمه وهكذا كل ملة لا تؤمن بالملة الأخرى ولا بالأنبياء الآخرين، أما أمة محمد أمة الوسط أمة العدل الأمة القائمة خير الأمم وآخر الأمم وأفضل الأمم تؤمن بالله وبجميع كتبه وبجميع رسله ولا نفرق بين أحد منهم من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍۢ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ ) أعدل بينكم في الإبلاغ فلا يختص قوما دون قوم فلا يبلغهم ويؤثرهم وينسى الأغراب أو غيرهم وإنما أمر بالعدل في الإبلاغ بحيث لا يخفي شيئا ويبلغ كل شيء لكل الناس على سواء، العدل في الإبلاغ أيضا العدل في التسوية في الإيمان بالرسل والكتب أيضا العدل في الأقضية والأحكام (ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ ) نعم الله ربنا وربكم إلهنا وإلهكم إلهنا إله العالمين إلهنا رب السموات والأرض إلهنا رب الدنيا والآخرة إلهنا هو الله ربنا وربكم واحد فلم الخلاف ولم الصراع وفي أي شيء نتحاج ونتجادل الله ربنا وربكم، (لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ ۖ ) طالما الرب واحد إذا فأعمالنا لنا لا يصيبكم منها شيء وأعمالكم لكم لا يقع علينا من وزرها شيء، إذا طالما كانت الأعمال مرهونة بالعمال فلا خطر ولا خوف فالعدل قائم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا تزر وازرة وزر أخرى ولا نُسأل عما تعملون ولا تُسألون عما نعمل (لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ ) أي لا تحاجّ ولا خصومة لأن الخصومة ينشأ منها أن يتحاجّ المتخاصمان ويأتي كل منهم بحجة (لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ ) أي لا خصومة أصلا بيننا وبينكم فيم نختصم؟ في الله؟ الله ربنا وربكم خالق السموات والأرض لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ظهر الحق وتبين الحق فيم الخصومة؟ لا خصومة بيننا وبينكم ولا حجة بيننا وبينكم أي لكم دينكم ولنا ديننا (ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ (١٥)) هناك في يوم القيامة حيث يتم الجمع حيث المصير إلى الله حيث يجازى كل بعمله إذا فلا حجة بيننا وبينكم الله، ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم هناك يوم القيامة يجمع بيننا وإلى الله المصير فيجازي كلا بعمله‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم نعم الله يجمع بيننا وإليه المصير في يوم القيامة تظهر الأعمال في يوم القيامة يتمنى المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وبصاحبته وأخيه وبأمه وأبيه بل وبمن في الأرض جميعا ثم ينجيه هناك لو يمتلك الإنسان ما على الدنيا بأسرها ومثل ذلك معه ليفتدي به من عذاب يومئذ ما تقبل منه لو لو وأين الدرهم والدينار أين وقد خرجت من قبرك عار (يَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً) أي غير مختونين يعود إلى خلقته الأولى حفاة عراة غرلا وحين يسأل النبي، صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله ينظر بعضهم إلى بعض يقول‫:‬ ( (لِكُلِّ ٱمْرِئٍۢ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍۢ شَأْنٌۭ يُغْنِيهِ (٣٧)) [سورة عبس آية‫:‬ ٣٧]).‬
‫أيها الأخ المسلم ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار والمصير إلى الله كائن والرجوع إلى الله حق وعلى الكيس العاقل أن يعمل لآخرته قبل أن يفاجأ بالموت وربنا يحذر ويقول‫:‬ (وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (١٠)) [سورة المنافقون آية‫:‬ ١٠]، إياك أن تكون القائلين لهذا الكلام إياك، وإياك أن تكون من النادمين لأن من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه فمن الناس من إذا أتاه الموت قال مرحبا بحبيب جاء على فاقة ومن الناس من يقول أخِرني إلى أجل قريب نعوذ بالله من ذلك‫.‬‬
‫يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬
وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ٱسْتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌۭ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌ ﴿16﴾
‫(وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِى ٱللَّهِ) المحاجة‫:‬ الجدال والمحاجة تكون بالحق وتكون بالباطل والمحاجة المذكورة في هذه الآية محاجة بالباطل، أما المحاجة التي تكون بالحق فهي سوق الحجج لمن يريد أن يعرف الحق، أما المحاجة في الله، فهي باطل كما يقول الله، تبارك وتعالى، (أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِـۧمَ فِى رَبِّهِۦٓ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٥٨]، ها هي المحاجة في الباطل ماذا حدث؟ آتاه الله الملك فنسي نفسه ونسي ربه فحين قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت إذا بهذا الجبار يقول أنا أحيي وأميت ها هي المحاجة ها هو الباطل والقرآن يفسر بعضه بعضا وحين قال إبراهيم الله يأت بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب بهت الذي كفر لأن حجته داحضة باطلة زائلة لأنها محاجة بالباطل يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ٱسْتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ) يحاجون في الله أي في دين الله (مِنۢ بَعْدِ مَا ٱسْتُجِيبَ لَهُۥ) من بعدما استجيب لدينه فقد آمن الناس آمن أبو بكر المشهور بالورع والصدق والعقل والرزانة ورجاحة العقل والفكر، آمن صهيب آمن بلال آمن العبيد وآمن الأشراف، آمن الناس وطالما تمت الاستجابة لله، تبارك وتعالى، ولدين الله فالذين يحاجون فيه من بعد ذلك لا حجة لهم (وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِى ٱللَّهِ) في دينه، قال بعض الناس (مِنۢ بَعْدِ مَا ٱسْتُجِيبَ لَهُۥ) من بعد ما استُجيب لمحمد الضمير عائد عليه الذين يحاجون في دين الله من بعد ما استجيب لمحمد كيف استجيب لمحمد؟ استجيب له في غزوة بدر حين رفع يديه وقال اللهم إن تهلك هذه العصبة فلن تعبد في الأرض فلن تعبد في الأرض أبدا فنصره الله، تبارك وتعالى، ببدر (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍۢ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌۭ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٢٣]‬
‫فتبين الحق من الباطل ولذا سميت غزوة بدر غزوة الفرقان لأن الله فرق بين الحق والباطل، (مِنۢ بَعْدِ مَا ٱسْتُجِيبَ لَهُۥ) للقرآن لله لدين الله للنبي (حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ) زائلة باطلة الدحض والدحض المكان الزلق دحض قدمه زلق قدمه المكان الذي يحدث فيه الزلل يسمى الدحض والدحض حجتهم لإثبات لها لأن من يدحض وأدحضه الله ودحض قدمه معنى ذلك انزلق فوقع لا يثبت انزلق فكذلك إذا كانت الحجة داحضة أي زلقة غير ثابتة غير مستقرة إذا فهي زائلة باطلة لا أساس لها، (حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ) إذا طالما ليس لهم حجة سوف يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر حين يسألهم‫:‬ (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٣٠]، هنا قالوا بلى حجتهم داحضة عند ربهم لا حجة لأحد لله الحجة البالغة يوم القيامة لا حجة لأحد جاء البشير وجاء النذير (فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌۭ وَنَذِيرٌۭ ۗ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ١٩]، نعم هؤلاء حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب في الدنيا ولهم عذاب شديد في يوم القيامة لأن الله هو الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌۭ ﴿17﴾
الكلام للنبي، صلى الله عليه وسلم، وتصور يقول له (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌۭ (١٧)) وكأنه يحضه على العمل والسعي وكأنه يقول لسيد الخلق لحبيبه المصطفى والمجتبى اعمل قبل أن تفاجئك الساعة ادع إلى سبيل ربك واستقم كما أمرت وقل آمنت وادع إلى الله واجتهد وأطع وافعل الخيرات قبل أن تفاجأ بالساعة (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌۭ (١٧)) هنا لفتة نحب أن نبينها في القرآن ما أدراك وما يدريك (وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ (١٤)) [سورة المرسلات آية‫:‬ ١٤]، هنا (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌۭ (١٧)) ما أدراك في القرآن فقد أرداه كل ما جاء في القرآن وما أدراك فاعلم أن الله قد أدراه وأعلمه، وكل ما جاء في القرآن وما يدريك فاعلم أن الله لم يعلمه ولم يدريه (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌۭ (١٧)) إذاً لم يعلم الساعة ولم يعلم موعدها أما (ما أدراك) أدراه وأعلمه (وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ (١٤)) [سورة المرسلات آية‫:‬ ١٤]، نعم أدراه وأعلمه عن يوم الفصل وهكذا‫.‬‬
‫أيضا كلمة قريب مذكر وكلمة الساعة مؤنث (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌۭ (١٧)) فقالوا قريب مذكر والساعة مؤنث لأن تأنيث الساعة غير حقيقي لأن الساعة تعني الوقت إذا فحقيقتها تذكير، وقال بعضهم وذاك أصح وأرجح كلمة قريب نعت ينعت به المذكر والمؤنث والجمع والدليل على ذلك هنا (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌۭ (١٧)) وهناك حيث يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ (٥٦)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٥٦]، إن الله، تبارك وتعالى، حين جعل الأرض دارا للابتلاء وأمر بإهباط آدم إليها وجعلها لذريته دار عمل لا دار جزاء تعاهدهم بالرسالات السماوية وكان لا بد لهؤلاء الناس وقد أصبحوا شعوبا وقبائل شتى أن ينتظموا في قانون واحد ينظم علاقتهم بالله، تبارك وتعالى، وينظم علاقتهم بأنفسهم وحين نزل آدم إلى الأرض وعلّمِ الأسماء كلها كان مهيئا لذلك، لكن الله، تبارك وتعالى، برحمته أنزل الشرائع وما شرعه لنا هو ما شرعه لنوح ولإبراهيم وموسى وعيسى (أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟) وهذا هو ما يتضح في سورة الشورى والتي بصددها تنظيم العلاقة بين العبد وبين الله، تبارك وتعالى، ينظمها وتنظمها الكتب السماوية وقلنا إن الشرائع في جملتها كلها تؤدي إلى غرض واحد لا إله إلا الله الإيمان بالله وباليوم الآخر بالجزاء بالثواب والعقاب بالملائكة بالكتب بالرسل بالقضاء والقدر خيره وشره الحرام والحلال واحد في جميع الشرائع حرم الله، تبارك وتعالى، القتل حرّم الزنا حرم الخيانة حرم الغدر حرم الخديعة أمر بصلة الرحم أمر بالصدق أمر بالوفاء أمر بمراعاة الجار كل ذلك في جميع الشرائع الاختلافات كما قال‫:‬ (لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا ۚ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٤٨]، هذا في تفاصيل العبادة كيفيات الصيام كيفيات الصلاة وما إلى ذلك، أما الشرع شرع واحد وقد لزم لتنظيم العلاقة بين الناس أيضا أن يقام العدل حتى لا يكون تظالم ولا يكون تباخس وآلة العدل بين الناس هي الميزان لذا وضع الله، تبارك وتعالى، الميزان (رفع السماء بلا عمد ووضع الميزان) هذا الميزان وآلة الميزان الذي أوحى بها للناس هو الله، لأن الميزان كآلة هي التي تمنع التباخس والتظالم بين الناس ويعبر عن العدل بالميزان لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ۖ ) [سورة الحديد آية‫:‬ ٢٥]، إذاً فقد أوحى الله، تبارك وتعالى، للناس أو لنبي من أنبيائه بصنع آلة الميزان حتى لا يحدث التظالم والتباخس بين الناس، وقد يعبر بالميزان أيضا عن الشريعة التي هي مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة والتي هي مفتاح العدالة بين الناس (وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ ) [سورة الحجرات آية‫:‬ ١٣]، الأحكام التي تبين أحكام الزواج والطلاق المعاملات والبيوع الشريعة ما هي إلا ميزان يزن معاملات الناس بينهم وبين بعض ويزن أعمال الناس وينشأ الثواب وينشأ العقاب لكل ذلك ولكل هذه المعاني تشير الآية (ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ ۗ ) أي وأنزل الميزان، الله الذي أنزل الكتاب بالحق وأنزل الميزان أيضا، الكتاب جنس الكتاب وليس المقصود به القرآن وإنما جنس الكتاب الكتب السماوية جميعها كل كتاب (بِٱلْحَقِّ) أي بالحق الذي يقضي بين الناس بالحق متلبسا بالصدق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه الحق بالحق الإلهي لأن الله، تبارك وتعالى، هو الخالق وطالما كان هو الخالق فهو المالك وطالما كان هو المالك فهو الملك وطالما كان هو الملك فهو الحكم فمن حقه أن يشرع لعباده ما يشاء فأنزل الكتاب بالحق، من حق الله، تبارك وتعالى، لأنه هو المعبود الحق والإله الحق (أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ ۗ ) وأنزل الميزان، الميزان الشريعة التي تبين للناس منهاج العدل الميزان آلة الميزان أوحى بصنعها حتى لا بكون هناك تباخس وتظالم الميزان الثواب والعقاب الميزان العدل الإلهي في معاملة الناس طبقا للطاعة والعصيان‫.‬‬
‫(وَمَا يُدْرِيكَ)، الخطاب للنبي وقلنا أن كل ما جاء في القرآن (وَمَا يُدْرِيكَ) لم يخبره وما جاء في القرآن (ما أدراك) فقد أعمله وأخبره هنا يقول‫:‬ (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌۭ (١٧))، إذاً لم يعلم النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الساعة شيئا (َقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةًۭ ۗ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٨٧]، لا يعلمها النبي، صلى الله عليه وسلم، ولا ملك مقرب من هنا قال (وَمَا يُدْرِيكَ) وكأن الكلام لسيد الخلق حض على العبادة حض على العمل وكأنه يقول له اعمل يا محمد واجتهد في عملك فقد تفاجئك الساعة وأنت لا تدري وإذا بالميزان قد نصب وإذا بالديوان قد نشر فتجازى على أعمالك فبادر بالأعمال الصالحة قبل أن تفاجأ بالساعة هذا هو الخطاب لسيد الخلق (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌۭ (١٧)) وقلنا إن كلمة قريب لأن التأنيث غير حقيقي في كلمة الساعة أو قريب يوصف به المؤنث والمذكر والجمع كقوله الله، تبارك وتعالى‫:‬ (إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ (٥٦)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٥٦]، إذا كان الكلام لسيد الخلائق المعصوم بهذا التحضيض فكيف بنا؟ كيف بنا وماذا يقال لنا هذا ما قيل لسيد الخلق اعمل واجتهد (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌۭ (١٧)) كيف يقال لنا اعملوا لعل الساعة قريب إذا كان هذا لسيد الخلق فكيف بنا‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِى ٱلسَّاعَةِ لَفِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍ ﴿18﴾
الساعة والقيامة حق، والناس في شأنها فريقان‫:‬ فريق مكذّب هؤلاء الذين كذّبوا بالساعة حين حدثهم النبي، صلى الله عليه وسلم، عنها وحذّرهم منها استعجلوه بها استهزاء ولو كان موقنين بوقوعها ما استعجلوها كما استهزأ غيرهم وقالوا‫:‬ (وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٢)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٢]، منتهى الجهالة منتهى السفاهة والذين قال الله، تبارك وتعالى، في شأنهم (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَآ أَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٥٣].‬
‫هنا (يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ۖ ) يستعجلوها استهزاء بالنبي، صلى الله عليه وسلم، أيضا منهم الجبابرة العتاة الذين يستعجلون الساعة إضلالا للضعفاء إضلالا للمستضعفين في الأرض لأنهم حين يستفزون النبي، صلى الله عليه وسلم، ويستعجلوه بالعذاب ويستعجلوه بالساعة وإن كنت نبيا حقا فهلم وائتنا بالساعة (ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ (٢٩)) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٢٩]، وهكذا ولا يقع العذاب ولا تأتي الساعة فيشعرون الضعفاء بكذبه ويوهمون المستضعفين بأن الساعة وهم لا حقيقة لها ولو كان هناك ساعة حقا وبعث حقا لعاقبهم الله على استهزائهم ولم يعلموا أن الله، تبارك وتعالى، يملي ويمهل ولا يهمل، (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مُشْفِقُونَ مِنْهَا) الإشفاق غير الخوف غير الوجل كلمات كل كلمة تفيد معنى زائد وإن اجتمعت الكلمات كلها الإشفاق والوجل والخوف في إشعار السامع بشيء من الخوف أو الرهبة لكان الكلام في اللغة العربية لكل كلمة معان الإشفاق خوف ولكن مع الخوف اهتمام وعناية هناك خوف فقط فإذا كان مع الخوف اعتناء كأن مرض ابن لك فخفت عليه من الهلاك ومع شدة الخوف حدث الاعتناء الزائد بإعطائه الدواء والمحافظة عليه ومنعه عن الهواء وما إلى ذلك هذا الخوف الملبّس بالاعتناء يسمى إشفاق من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مُشْفِقُونَ مِنْهَا) إذا فالمؤمن خائف من يوم القيامة عامل له معتن به مهتم به فتجد المؤمن مع خوفه من يوم القيامة إلا أنه يجد ويجتهد ويعمل يعتني اعتناء زائدا بيوم القيامة فيستعد له من هنا عبر الله، تبارك وتعالى، عن هذا الخوف المشترك مع الاعتناء بكلمة الإشفاق ومهما جهد المؤمن ومهما عمل المؤمن لا يفارقه الإشفاق وإن فارقك الإشفاق يوما فابك على نفسك لأن الأمن معناه التقصير (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ (٩٩)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٩٩]، ولذا يقول الله، تبارك وتعالى، في مكان آخر (إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (٥٧)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٥٧]، ويحدثنا عن العاملين المشفقين فيقول (وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ (٦٠)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٦٠]، حتى الملائكة يسبحون من خشيته (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِۦ مُشْفِقُونَ (٢٨)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٢٨]، حتى الملائكة هؤلاء هم العارفون بربهم (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ ۗ ) يعلمون علم يقين، ثم يأتي التعقيب والتعليق (أَلَآ) كلمة تنبيه يفتح بها الكلام لتنبيه السامع إلى أهمية ما هو آت (أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِى ٱلسَّاعَةِ لَفِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍ (١٨)) المراء‫:‬ الخصام والمجادلة لتسفيه الخصم لتنقيص الخصم لإظهار العيب في كلامه من حيث النظم أو من حيث اللفظ أو من حيث المعنى أو من حيث القصد هذا هو المراء، المراء تسفيه وتنقيص الخصم وتكذيبه لإظهار النقص والعيب في كلامه، هؤلاء يمارون في الساعة يشككون فيها ويظهرون العيوب أو النقص في كلام النبي، صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يأت بالساعة (ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ) يشككون ويجادلون ويخاصمون ويكذبون بالساعة (لَفِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍ (١٨)) ليس في ضلال فقط بل في ضلال بعيد ومن كان في ضلال بعيد فلن يكون قريبا من الله أبداً لا دنيا ولا أخرى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ٱللَّهُ لَطِيفٌۢ بِعِبَادِهِۦ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ ﴿19﴾
‫(ٱللَّهُ لَطِيفٌۢ بِعِبَادِهِۦ) سبحانه (ٱللَّهُ لَطِيفٌۢ بِعِبَادِهِۦ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ (١٩)) اللطيف لا يعرفه إلا اللطيف ولا يعرف الله على الحقيقة إلا الله، الأسماء الحسنى ألفاظ تشترك في المعاني مع كثير من الناس والمعنى الحقيقي المتصف به الله، تبارك وتعالى، هو كما أراده هو وكما يليق بجلاله وكماله هو الله، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولكن اللطيف من حيث المعنى اللفظي، من حيث معنى اللفظ اللطيف‫:‬ هو الذي يعرف دقائق المصالح، المصالح والمنافع منها ما هو ظاهر ومنها ما هو باطن منها ما هو جلي ومنها ما هو خفي فالذي يعرف الدقائق وخفايا المصالح والمنافع ثم يوصلها إلى المستحق برفق وبعناية هو اللطيف ذاك معنى اللفظ، أما المعنى الحقيقي لا يعرفه إلا الله، هو الله اللطيف، اللطيف يجبر الكسير وييسر العسير اللطيف لا يخاف إلا عدله ولا يرجى إلا فضله، اللطيف من أظهر الجميل وستر القبيح، اللطيف لا يعاجل من عصاه ولا يخيب من رجاه، اللطيف يقبل القليل ويعطي الجزيل، اللطيف يعفو عمن يهفو، اللطيف يرحم من لا يرحم نفسه، اللطيف يرزق العصاة ولولا لطف الله ما وجد العاصي كسرة خبز، لطف الله، بره رحمته نعمته، لطف الله لا يدري ولا يعلم ويستحيل على إنسان مهما أوتي من علم أن يحصى ذاك اللطف، لطف الله في كل شيء‫:‬ في الرزق جعل الرزق من الطيبات وكان يمكن للإنسان أن يأكل الفضلات، كان الممكن أن يكون كالخنزير يأكل النجاسة يأكل الوساخة يأكل الفضلات يأكل الحشرات، لكن الله جعل رزقك من الطيبات ولم يعطك رزقك دفعة واحدة فتبذره فإذا انتهى أو ضاع أو تلف مت جوعا بل أعطاك الرزق برفق تدريجيا فما من يوم يصبح إلا وتجد فيه رزقك على الله مضمون يوم بيوم، ولو أعطاك الرزق دفعة واحدة لضاع منك أو لتلف، لطف الله، تبارك وتعالى، أن أظهر الجميل من الهيئة والزي وستر القبيح، فالدم في العروق غير ظاهر والفرث في الأمعاء غير ظاهر والصديد تحت البشرة غير ظاهر والمخاط في الأنف غير ظاهر، والبصاق في الفم غير ظاهر، أظهر الجميل وستر القبيح، اللطيف جعل لك المخارج وجعل لك المداخل فأظهر المداخل فإذا بالأنف يستنشق النسيم والهواء العليل ظاهر واضح والفم كذلك، مداخل للطعام والشراب وللهواء، وحين جعل لك المخارج سترها عنك قبل أن يسترها عن غيرك، اللطيف تخطيء وتذنب العمر كله ويسترك، تتجبر وتعصي ويرزقك، وإن قلت يا رب أستغفرك وأتوب إليك تاب عليك ومحى الذنوب جميعها بل بدل السيئات حسنات، لطيف هو الله، هو الله، الله تعالى، اللطيف لا يعاجل من عصاه يملي ويمهل قد يمرضه فإن عرف الضعف وعرف الاحتياج إلى الله فلجأ إليه يمسك عنه الرزق تارة فيلجأ إليه فيبسط له الرزق لطيف، لا يخيب من رجاه إي وربي ولو كان كافرا، إذا رفع الكافر يديه إلى السماء لا ترد أبداً هو يقول ذلك لأنه يقول‫:‬ (وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٦٧]، وهو يعلم أنهم سوف يعرضون يعلم أنهم إلى الكفر يعودون وذلك طالما قالوا‫:‬ (لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ (٢٢)) [سورة يونس آية‫:‬ ٢٢]، أنجاهم وأفادنا وقال‫:‬ (أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) [سورة النمل آية‫:‬ ٦٢]، هو الله، هو الله، اللطيف، الله، تبارك وتعالى، خلقك وترك لك فرصة سنين من عمرك تلهو وتلعب ترتع وتمرح وتحمل وتدلل بلا تكليف وبلا سؤال وبعد سنين المرح والرتع واللعب تكلف من تكليفك إلى موتك سنوات أقصاها خمسون ستون هب أنك عبدت الله ستين عاما هب أنك لم تغفل ليلة هب أنك فعلت ما لم يفعله الأولون من الطاعات والعبادات من الذي أعطاك الصحة؟ هو الله من الذي أعطاك العضلات والأعصاب حتى تفعل هذه الطاعات من الذي هيأ لك الأوقات ولو شاء لشغلك وأهمك من الذي أعطاك الأوقات؟ هو الله، من الذي هداك؟ هو الله، من الذي علمك العبادة؟ هو الله، من الذي أفهمك كيف تتوجه إليه؟ هو الله، ومع ذلك هو العاطي للطاعات والأوقات والأنفاس ومسخر العضلات ومع كل ذلك عبدته بكل ما أعطاك ستين عاما فإن لقيته (سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ (٧٣)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٣]، عبادة ستين عاما تؤدي إلى الخلد في الجنة يقبل القليل ويعطي الجزيل ولا يكلف فوق الطاقة، هو الله اللطيف (وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ ) [سورة النحل آية‫:‬ ١٨]، (أَلَمْ تَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُۥ ظَـٰهِرَةًۭ وَبَاطِنَةًۭ ۗ ) [سورة لقمان آية‫:‬ ٢٠]، أسمعتم العلماء، علماء الفلك يقولون لنا أن عدد النجوم التي في السماء الدنيا لا يحصى لا يحصيها العلم الدنيوي هذا العدد المهول من النجوم لماذا؟ لك أنت وحدك زينة وتهديك في ظلمات البر والبحر أي لطف هذا؟ أي لطف والرزق عام لمن أطاع ومن عصى والهداية عامة لمن أطاع ومن عصى، الله يمنح الهداية ويوفق للطاعة هو الله، هو اللطيف، الله لطيف بعباده ولو تكلمنا في معنى اللطيف لاحتجنا إلى سنوات ولا يعرف اللطيف إلا اللطيف، وصدق القائل‫:‬ (وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ ) [سورة النحل آية‫:‬ ١٨]، (يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ (١٩)) يرزق من يشاء إذا ويحرم من يشاء يغني من يشاء ويفقر من يشاء واستغنى بكلمة يرزق عن كلمة يحرم وبضدها تتميز الأشياء (وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ (١٩)) القوي الذي يستطيع أن يرزق ويوصل الرزق، العزيز المانع العزيز الممتنع الغالب، اسمع‫:‬ تريد أن تعطي هدية لأخيك وتجهزها وتعدها وتستعد لها ولكنك لا يمكنك أن توصلها إليه لمرض فجائي لتعب قامت الحرب غارة انطفأ النور وقف ظالم على الطريق يمنعك سلبها منك خاطف أو أخذها منك سارق فأن تعد الشيء وتجهز العطية أمر، وأن توصل العطية لمن تريد أن تعطيه أمر آخر فالله أعد الرزق إيصال الرزق لا يوصله إلا القوي الممتنع لأنه لا يمكن أن يمنع رزقه فلا بد أن يكون قويا عزيزا حتى يوصل الرزق لمن يشاء لذا تجد أن الله، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ (١٩)) إذاً فلا تخشى طالما كتب الله لك رزقا هل يمنعه أحد؟ هل هناك مانع من إيصاله؟ هل يقوى الله على إيصال الرزق؟ نعم يرزق النملة السوداء في الصخرة الصماء يرزق الدود في بطن الأرض يرزق الأسماك في أعماق المحيطات يرزق الطيور في الهواء، الله، تبارك وتعالى، يرزق من يشاء ويقسم رزقه كيف شاء، (مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍۢ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٢]، لأنه القوي العزيز، من هنا من كان رزقه على الله فلا يحزن، (وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)) [سورة الذاريات آية‫:‬ ٢٢]، ولا بد أن تعلم أن ما كان لك سوف يأتيك ولن يصيبك إلا ما كتب لك (يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ (١٩)) يرزق من يشاء بغير حكمة أم بحكمة؟ هل المشيئة مجرد مشيئة لهو لعب كما يريد بغير حكمة وهو القائل‫:‬ (وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ (١٦)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١٦]، (يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ۖ ) هذه المشيئة متعلقة بالحكمة إن من العباد من يصلح له الغنى ولو أفقره الله لفسد حاله، وإن من العباد من يصلح له الفقر ولو أغناه الله لفسد حاله، ربنا، تبارك وتعالى، جعل الفقراء فقراء ابتلاء وليس لأن خزائنه نضبت وليس لأن رزقه لا يكفي بل ربنا، تبارك وتعالى يقول‫:‬‬
‫(وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍۢ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًۭا (٢٠)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٢٠]، ابتلى الأغنياء بالفقراء أيعطوهم أيزكون أيمنحوهم أيطيعون قول الله‫:‬ (وَأَنفِقُوا۟ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ ) [سورة الحديد آية‫:‬ ٧]، المال مال الله والأغنياء وكلاؤه والفقراء عياله فإن منع وكلاؤه ماله عن عياله أذاقهم ناره ولا يبالي ابتلى الأغنياء بالفقراء وابتلى الفقراء بالأغنياء أيصبرون هل يصبر الفقير أم يحسد؟ هل يرضى أم يسخط ابتلى الغني كذلك أينفق أم يمسك ثم لا بد أن يكون هناك غنى وهناك فقير حتى يستغل الغني الفقير ويسخره فيكون هناك صاحب العمل والعامل وصاحب الأرض والأجير ولذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَـٰتٍۢ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًۭا سُخْرِيًّۭا ۗ ) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٣٢]، لا بد كي تستقيم الحياة‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ الله، تبارك وتعالى، فتح أبواب التوبة وفتح أبواب الرحمة وفتح أبواب العلم وفتح أبواب المعرفة، لا يلزمك إلا أمر واحد‫:‬ أن ترفع يديك إليه وأن تسأله لأن الله إذا لم يسأل غضب لأن عدم السؤال استكبار والسؤال فيه معنى الذل فيه معنى التواضع فيه معنى اللجوء فيه معنى‫:‬ (أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ (١٥)) [سورة فاطر آية‫:‬ ١٥]، وهو الآمر والسؤال دعاء والسؤال عبادة والدعاء مخ العبادة والسؤال طلب والله عليه الإجابة‫.‬‬
‫فالدنيا مزرعة الآخرة الدنيا عمل ولا جزاء والآخرة جزاء ولا عمل والإنسان إذا أراد أن يزرع وأن يحصد وأن يجني بذر الحب وبذْر الحب في الأرض يسمى حرثا لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (٦٣) ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ (٦٤)) [سورة الواقعة آية‫:‬ ٦٣- ٦٤]، فالحرث غير الزرع الحرث بذر الحب في الأرض أما الزرع إخراج النبات من الأرض أن تكبر الحبة ويتحول الحرث إلى زرع فالحرث بذر الحب إذا الدنيا أرض وأنت فيها حارث تحرث وتبذر مهما بذرت من حب فلن تحصد إلا ما حرثت لن تجني إلا ما زرعت من هنا يبين ربنا، تبارك وتعالى، ذلك فيقول:
مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نَزِدْ لَهُۥ فِى حَرْثِهِۦ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴿20﴾
‫(مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نَزِدْ لَهُۥ فِى حَرْثِهِۦ ۖ ) الحرث يُعبَّر به عن الزرع ويعبر به عن الناتج والحرث أصلا بذر الحب هكذا قال المفسرون ونحن نرى أنك لا تحصد ولا تزرع في الدنيا وإنما تحرث فعلا فمن أراد حرث الآخرة أي بذر بذْر الآخرة لأن الحصاد لن يكون في الدنيا، فالحرث في الدنيا والزرع في الآخرة والحصاد يوم القيامة (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلْـَٔاخِرَةِ) عمل لها وسعى لها سعيها وهو مؤمن (نَزِدْ) أو (يزد) قراءتان (نَزِدْ لَهُۥ فِى حَرْثِهِۦ ۖ ) كأنك إذا حرثت فدانا زاد الله وحرث ما معك ألف فدان أيضا إذا كانت الحبة تخرج شجرة أخرج الله منها مائة شجرة لأن الله يزيد ما يشاء قالوا الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ويزيد الله لمن يشاء هذه هي الزيادة أي الزيادة (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نَزِدْ لَهُۥ فِى حَرْثِهِۦ ۖ ) الزيادة أي الزيادة في الثواب الزيادة في الحسنات، وقالوا الزيادة أي التوفيق للطاعة كلما أتيت طاعة وفقك الله لطاعة أخرى وكلما عملت بما تعلم ما لم تعلم من عمل بمقتضى ما علم ورثه الله علم ما لم يعلم (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نَزِدْ لَهُۥ فِى حَرْثِهِۦ ۖ ) فإن تعلمت علما وعملت به زاد الله لك العلم وإن أنفقت في سبيل الله زاد الله لك أبواب الرزق وألهمك أبواب النفقة فزاد الرزق وزاد الإنفاق، كلما تعلمت طاعة وأديتها علمك الله طاعة أخرى وهكذا، أيضا يعطيك ربنا، تبارك وتعالى، الآخرة والدنيا لأن الآخرة تأتي بالدنيا والدنيا لا يمكن أن تأتي بالآخرة، يعطي الله، تبارك وتعالى، على نية الآخرة وما يشاء من الدنيا ولا يعطي على نية الدنيا إلا القدر المقسوم من الدنيا، (وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا) زرع للدنيا فقط وبذر الحب للدنيا فقط وعمل لدنياه وغفل عن أخراه فلا ينال من الرزق إلا ما قسمه الله، (نُؤْتِهِۦ مِنْهَا) ليس كلها وليس كل ما زرع أبدا المقسوم (وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ (٢٠)) لأنه لم يعمل حساب للآخرة (مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًۭا مَّدْحُورًۭا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًۭا (١٩) كُلًّۭا نُّمِدُّ هَـٰٓؤُلَآءِ وَهَـٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ١٨- ٢٠]، (مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا (١٣٤)) [سورة النساء آية‫:‬ ١٣٤]، هذه الآيات جميعها تدل على أمر واحد ماذا تريد أيها العبد المسكين؟ الله هو العاطي، الله هو الغني، الله هو المالك، أنت ماذا تريد؟ أنت وما تريد، ما تريده يعطك الله إياه، ولذا لو سائل الكافر ربه أن يؤمن لا بد وأن يؤمن، من يهديه؟ لو لم يهده الله لأصبحت للعبد حجة على الله يوم القيامة لم كفرت؟ يقول يا رب طلبت منك الهدى أطلبه ممن هل هناك إله غيرك؟ طلبت منك الهدى لم تهدني لا وزر عليّ له الحجة، لذا ما من عبد يطلب إلا ويعطى، أنت وما تريد من كان يريد الدنيا نعطيه الدنيا ومن كان يريد الآخرة نعطيه الآخرة (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نَزِدْ لَهُۥ فِى حَرْثِهِۦ ۖ ) لا يظلمه ربنا شيئا لا يظلمون نقيرا ولا يظلمون فتيلا، (وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا) أنت وما تريد، (مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ١٨]، (مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَـٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (١٦)) [سورة هود آية‫:‬ ١٥- ١٦].‬
‫أنت وما تريد، هل طلب شارب الخمر من الله أن يتوب عليه؟ أبدا ولو طلب بصدق والله لتيب عليه، هل طلب الزاني التوبة؟ أبدا والله لو طلبها لتاب الله عليه، إي وربي إي وربي، ما طلب عبد الهدى إلا وهداه الله ولكن الناس لا تطلب، الغني يمد يديه والناس غافلة نظرهم إلى الأرض وليس نظرهم إلى الله، ربنا، تبارك وتعالى، يسأل كل ليلة‫:‬ (هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَهُ ) والناس صم بكم، هذا يسكر وهذا يزني وهذا يسرق وهذا يتلهى ويتسلى بالأفلام والمسلسلات وما إلى ذلك، وذاك يلعب بالنرد وما إلى ذلك وذاك يغتاب وذاك يأكل لحم أخيه، وذاك يعصي وذاك يسرق والناس غافلة وربنا ينادي (هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟) هل رفعت يديك وسألت؟ هل رفعت يديك وسألت؟ ثق تماما وما ربك بظلام للعبيد إي وربي (وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًۭا لِّلْعِبَادِ (٣١)) [سورة غافر آية‫:‬ ٣١]، العباد لا تسأل، الذين هداهم الله سألوا الله الهدى والذين أضلهم الله لم يسألوا الله الهدى فوكلهم لأنفسهم، إذا فوضت الأمر إلى الله وجدت الله أولى بك منك، إي وربي إي وربي، وإلا ما أمر الحبيب المصطفى وقال له (وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا (٨١)) [سورة النساء آية‫:‬ ٨١]، طالما أمر أحب الناس إليه (وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا (٨١)) [سورة النساء آية‫:‬ ٨١]، إذا التوكل على الله يكفيك هل توكلت؟ يقول النبي، صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة (عبدي! خلقتك للعبادة فلا تلعب، وقسمت لك الرزق فلا تتعب، فإن أنت رضيت بما قسمته لك كنت عندي محموداً، وإن لم ترض بما قسمته لك وعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ولن تأخذ إلا ما قسم لك، وكنت عندي مذموماً) فمن عجب أن يعترف الكفار بوجود خالق ثم لا يعترفون بشرعه وقد سئل الكفار في القرآن كثيرا وأجيب عنهم لأنهم كانوا لا يجيبون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا سألهم لا يجيبون والإجابة معروفه فكان القرآن يجيب عنهم فيقول الله‫:‬ (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ ) [سورة لقمان آية‫:‬ ٢٥]، يجيب القرآن عنهم لأنهم لا يريدون أن تؤخذ عليهم الحجة حتى أهل الكتاب من اليهود حين كان بعضهم يذهب إلى المسلمين ويحدثهم عما نزل في كتبهم ويقارن بين أوصاف النبي المنتظر وأوصاف محمد بن عبد الله، عليه الصلاة والسلام، أو بين الآيات بعضها وبعض فإذا بالأحبار وأساطين الكفر والضلال يقولون لهم‫:‬ (َتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٧٦]، انظر إلى الضلال المبين الأحبار يكلمونهم حتى يخفون ما أنزل من التوراة خشية أن يتخذ المسلمون هذا الكلام حجة عليهم يوم القيامة أمام الله فيقول الله لهم لقد تبين لكم صدق كتاب محمد وأنه متفق مع كتابكم فلم لم تؤمنوا فالأفضل ألا يتحدثوا بهذا حتى لا تكون عليهم الحجة وكأن الله لا يسمع ولا يرى منطق غريب منطق غاية الغرابة، من هنا كان حال كفار مكة مثال في الغرابة لأن النبي حين يسألهم من خلق آباءهم ومن خلق السماوات ومن خلق الأرض يجيبون بإجابة واحدة ليس هناك سواها هو الله إذا طالما كان الله هو الخالق ها هو رجل يدعى النبوة ويدعى الرسالة ويأتي بشرع يقول هو من عند الله هل فكرتم هل سألتم أنفسكم هل تفكرتم في أنفسكم إذا كان هذا الرجل كاذبا فكيف تركه الله ولم يتركه الخالق يفتري عليه الكذب لم لا يقصمه كما قصم الجبابرة كفرعون حين قال أنا ربكم الأعلى أغرقه الله ودمّر ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون فكيف يترك يفتري على الله الكذب طالما أقررتم أن هناك إله وطالما أن هناك إله هو قادر وهو يسمع ويرى فكيف يترك عبدا من عباده يفترى عليه الكذب ثم إذا كان هذا الشرع الذي يأتي به محمد هو شرع كاذب فمن شرع لكم عبادة الأصنام؟ من شرعها لكم؟ لأن الشريعة لا بد أن تكون مشروعة من الشارع الحكيم الذي يملك أن يشرع لعباده لأنه الخالق المجازي المحاسب الذي يسأل ولا يسأل فحين نأتي إلى سورة الشورى ونجد أن الله تبارك وتعالى يقول فيها‫:‬ (شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًۭا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ ۖ أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ ۚ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ١٣]، إذا فدين الله واحد منذ خلق الأرض دين الله واحد هو دين عيسى هو دين موسى هو دين نوح هو دين إبراهيم هو دين محمد وخاتم الرسالات هو الإسلام (إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ ۗ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٩]، هذا هو الشرع هم عبدوا الأصنام من شرع لهم ذلك؟ أهو الله (أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ ۚ ) [سورة الطور آية‫:‬ ٤٣]، أم هو كتاب عندهم فيه يدرسون أم لهم سلطان يبين من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أَمْ لَهُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟ شَرَعُوا۟ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿21﴾
‫(أَمْ لَهُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟ شَرَعُوا۟ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ ۚ ) هل هناك شركاء شرعوا لهم الدين الذي يعبدون به الأصنام والأوثان؟ هؤلاء الشركاء هم الأصنام هل تنطق؟ هل تتكلم؟ هل تكتب؟ كيف شرع لهم عبادة الأصنام ومن شرعها؟ هل الأصنام؟ لأن الشارع إذا شرع عبادة لا بد أن يكون هو المستحق للعبادة فحين يكون مستحقا للعبادة وهو الخالق هو الآمر إذا لا بد أن يكون هو القادر على إثابة المطيع وعقاب المسيء لا بد فإن كانوا يعبدون الأصنام فلا بد أن تكون الأصنام هي الآمرة بعبادتها لا بد أن تكون الأصنام قادرة على إثابة المطيع وعقاب العاصي وإلا فما فائدة العبادة إذا كان العابد يستوي مع غير العابد لا ثواب ولا عقاب فلم نعبد ولم نكلف أنفسنا الجهد والمشقة لا بد أن يكون هناك ثواب لا بد أن يكون هناك عقاب والمعبود هو الذي يشرع للعبادة بل هو الذي يحدد أسلوب العبادة ولذا الذي حدد الصلاة ربنا هو الذي حدد شكل الصلاة هو الذي يحدد أسلوب القرب منه ثم يحدد أسلوب الثواب وأسلوب العقاب فهل شرعت الأصنام لهم ذلك وهل تعاقب وهل تثيب؟ هذا هو السؤال إذاً فالسؤال بلا إجابة وطالما كان السؤال بلا إجابة إذا فهو سؤال للتقريع ولإلزامهم الحجة وتأمل السؤال مرة أخرى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟ شَرَعُوا۟ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ ۚ ) إذاً فلا إله إلا الله ولا يمكن أن يشرع الدين إلا الله فهل هناك من شرع دينا غير دين الله بغير إذن الإله؟ لا يمكن كيف يكون السؤال بغير إجابة إذا فقد ألزمهم الحجة وحتى من حيث الإعراب تجد أن الميم في كلمة (أَمْ لَهُمْ) الميم للصلة فقط ولا موضع لها في الكلام وإنما للصلة والسؤال (ألهم شركاء) إذا فالسؤال والهمزة للتقريع والتقرير لا أكثر ولا أقل إلزامهم الحجة (أَمْ لَهُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟ شَرَعُوا۟ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ ۚ ) تركهم ربنا وقد نتساءل لم تركهم الله يفعلون ذلك فيجيب الله على تساؤل من يتساءل لم أمهلهم ولم تركهم يعبدون الأصنام ويؤلفون ويخترعون (وَلَوْلَا كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۗ ) لأن الله قال‫:‬ (بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ (٤٦)) [سورة القمر آية‫:‬ ٤٦]، يوم القيامة يوم الفصل (هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ (٢١)) [سورة الصافات آية‫:‬ ٢١]، وهكذا، لولا كلمة الفصل أي الكلمة التي قرر الله، تبارك وتعالى، بها أن يكون الفصل في يوم القيامة يوم القضاء لولا هذه الكلمة لقضى بينهم لأهلكهم الله كما أهلك فرعون وجنوده وكما أهلك عاد وكما أهلك ثمود وكما أغرق قوم نوح لولا كلمة الفصل لقضي بين الشركاء وبين العباد بين الأصنام وعابديهم أو بين المؤمنين وبين الكفار (وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (٢١)) وقرأت (وأن الظالمين لهم عذاب أليم) العذاب الأليم للظالمين هو عذاب النار لا شك وقد يكون العذاب الأليم دنيا وأخرى دنيا بالأسر والقتل والخزي والعار كما حدث لهم في غزوة بدر وكما حدث لهم في الغزوات الأخرى وفي الآخرة بدخول جهنم وبئس المصير، (الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) هكذا يقول الرسول، صلى الله عليه وسلم، والظلم أيها الأخ المسلم أنواع أعلى درجات الظلم الشرك بالله لأن المشرك قد ظلم نفسه يقول الله، تبارك وتعالى، فيما يحكيه على لسان لقمان حين يعظ ابنه‫:‬ (يَـٰبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌۭ (١٣)) [سورة لقمان آية‫:‬ ١٣]، ويقول الله، تبارك وتعالى، على لسان إبراهيم في الحجة التي حاجّ بها قومه‫:‬ (ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (٨٢)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٨٢]، الظلم هنا في هذه الآية أخاف الصحابة وقالوا يا رسول الله أينا لم يظلم أي منا لم يظلم ولو مرة فقال ليس كما تظنون بل الظلم هنا الشرك ثم تلا قول الله‫:‬ (إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌۭ (١٣)) [سورة لقمان آية‫:‬ ١٣]، (ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٨٢]، أي لم يخالط إيمانهم شرك وهل يخالط الإيمان شرك؟ نعم كثيرا؟ كثيرا، وهل يقع فيه المؤمن؟ نعم يقع وكيف ذلك؟ أمثلة كثيرة يقول الرجل دون أن يدري لولا هذا الدواء لمات الولد ويقول الرجل لولا الطبيب لضاع ابني، ولولا إني حذرتك لهلكت، ولولا كلبي لسرقنا البارحة أشرك كلبه مع الله والله هو الفعال لما يريد، ويقول الرجل دون أن يدري لصاحب الجاه هذا الأمر أفوضك فيه وأترك لك أمر ابني أعتمد على الله وعليك أشركه مع الله بواو العطف يجب أن يقول ثم أفوض الأمر لله ثم إليك، أعتمد على الله في هذا الأمر ثم أعتمد عليك ثم للتراخي ليس بواو العطف لدرجة أن رجلا وقف أمام النبي يخطب فقال‫:‬ (مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، قَالَ: فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَعْنِي حَتَّى يَقُولَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الخطأ منتهى الدقة، الرجل يقول ومن يعصهما فجمع الله والرسول في ضمير واحد في كلمة واحدة فجمعهما في الضمير فنهاه النبي، صلى الله عليه وسلم وقال‫:‬ وقل ومن يعص الله ورسوله فالفصل في الكلام ولا يصح الجمع حتى في الضمير، تصور الشرك الخفي (ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٨٢]، أي لم يلبسوا ولم يخلطوا إيمانهم بشرك وقد يخلط المؤمن إيمانه بشرك دون أن يدري تصلي فيدخل عليك أحد فتسعد برؤيته لك فتطيل في القراءة وتتغنى بالقرآن، الصلاة له وليست لله، كثير من الأمور يغفل عنا المسلم ويجب أن يتنبه لها فالله هو الفعال لما يريد لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (أَمْ لَهُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟ شَرَعُوا۟ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (٢١)) الظالمون هنا المشركون‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا۟ وَهُوَ وَاقِعٌۢ بِهِمْ ۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ ۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ﴿22﴾
‫(تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا۟) ونقلك القرآن والنقلات في القرآن غربية الأسلوب في القرآن غاية في الإعجاز كثيرا ما ينقلك من الدنيا إلى الآخرة في أقل من الثانية أقل من اللحظة دون أن تدري أو تحس ينقلك بالأسلوب من الدنيا إلى الآخرة ومن الحاضر إلى الماضي ومن الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل وهكذا فها هو ينقلنا إلى الآخرة (وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (٢١)) توعد‫.‬‬
‫(تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا۟ وَهُوَ وَاقِعٌۢ بِهِمْ ۗ ) ، نقلنا إلى الآخرة فرأينا المشركين مشفقين خائفين، قلنا من قبل إن الإشفاق خوف مع اعتناء فالمشفق هو الذي يخاف من الشيء فيعتني كي يراعي هذا الخوف أو كي يتقي الخوف ولذا أطلقت الكلمة على الملائكة وعلى المؤمنين (إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (٥٧)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٥٧]، خائفون ومعتنون بالعمل لإرضائه هنا (تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ مُشْفِقِينَ)، الخوف مع الاعتناء أي اعتناء نعم اعتناء ولكن بعد فوات الأوان حيث يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ) [سورة الزمر آية‫:‬ ٤٧]، وما تقبل منهم فهو يود ويريد ويتمنى ويأمل أن يرضي الله ويعترف بالألوهية ويعترف بأنه كان على ضلال ومع ذلك أنّى؟ فات الأوان (تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا۟)، من سيئاتهم وإشراكهم وكفرهم الظالمون هنا أيضا المشركون (وَهُوَ وَاقِعٌۢ بِهِمْ ۗ )، إذاً فالعذاب واقع أشفقوا أو لم يشفقوا وكأن الآية تشعر بأن الندم في ذلك اليوم لا فائدة ترجى من ورائه، وأن العمل في هذا اليوم لا يجدي، وأن التوبة لا تنفع لأن الله يقول‫:‬ (وَهُوَ وَاقِعٌۢ بِهِمْ ۗ )، أشفقوا أو لم يشْفقوا، لأن الإشفاق معناه الخوف والخوف معناه الندم، والندم معناه التوبة والاعتناء معناه محاولة الإرضاء إذا فكلمة (تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ) تحمل معنى أنه خاف وندم وتابوا واعتنوا واهتموا وأرادوا أن يرضوا الله ولكن واقع بهم لا محالة (تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا۟ وَهُوَ وَاقِعٌۢ بِهِمْ ۗ )، إذاً فعلينا أن تتوب من الآن لأن التوبة في أيدينا ولأن الأبواب مفتوحة ولأن المجال واسع والعمر به بقيه والله، تعالى، يقبل فعلى الإنسان أن يتوب ويسارع بالتوبة ولا يصر على المعصية ولا ينام وهو ينوى أن يعصي غدا فقد يموت وإذا مات، مات على نيته في ذلك الوقت ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم، (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ ۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ (٢٢))، في نفس الوقت هؤلاء في مقام الخوف والوجل والعذاب واقع بهم ولا أمل لهم في النجاة ولا توبة تنفع ولا شفاعة ولا عمل، الآخرون اللهم اجعلنا منهم جميعا (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ ۖ ) الروضات جمع روضة الروضة المكان النزه كثير الخضرة كثير الماء، هذا ما يقال عليه الروض كثير الخضرة كثير الماء المكان النزه الجميل الحلو المزين بشتى أصناف الزهور والثمار وغير ذلك يقال له روض، هؤلاء ليسوا في روضة واحدة بل روضات والروضات غير متشابهة، وإياك أن تعتقد أن ما تأكله في الجنة اليوم هو ما تأكله غدا أبدا وربي أبدا (وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَـٰبِهًۭا ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٥]، فقط وقالوا هذا الذي رزقنا من قبل أبدا إذا ذقت عملت ومن ذاق عرف فطعام اليوم في الجنة غير طعام أمس وطعام الغد غير طعام اليوم حتى الحور من باتت عندك الليلة إن جاءتك غدا هي هي لا تعرفها (إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءًۭ ﴿۳٥﴾ فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)) [سورة الواقعة آية‫:‬ ٣٦- ٣٦]، كل يوم شيء جديد من كل شيء، من اللباس من الطعام من الجواهر من الحلي مرة أساور من فضة ومرة أساور من ذهب ومرة أساور من لؤلؤ ترى أي نوع من الأساور يحلى المؤمن؟ أهي فضة مرة يطاف عليهم بصحاف من فضة مرة يطاف عليهم بصحاف من ذهب؟ أهي صحائف من فضة أهي صحاف من ذهب؟ هي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر هي ما وصفها الله من حيث هو يعرفها لا من حيث نحن نعلمها هو الله هو يعرفها، (لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ) أنت الآن تفكر في كلمة (لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ) وتتحدد المشيئة كلنا الآن لو فكر لك ما تشاء عند ربك ماذا تشاء؟ أنت مشيئتك الآن غير مشيئتك غدا لأنك تشاء الآن وأنت محدود تشاء وأنت فان تشاء وأنت تعيش في دار الدناوة دار الدنيا تتمنى وتشتهي وأنت تعيش في دار الزوال فكل ما تشتهيه الآن لا يقاس بما تشتهيه أنت غدا لأنك حين تشتهي غدا تشتهي من حيث ترى نشتهي من حيث أنت باقي تشتهي من حيث أنت تعلم فما يشتهون هنا غير ما يشتهون هناك الطفل الصغير إذا سألته ما تشتهيه يشتهي كرة ألعب بها أشتهي حلوى لو أصبحت شابا ما تشتهي أيها الشاب؟ أشتهي زوجة لو أصبح أكبر من ذلك ما تشتهي أشتهي سيارة أنزه بها أولادي إذا كبر عن ذلك ماذا تشتهي؟ أشتهي حسن الختام فالاشتهاء يتغير بحسب السن يتغير بحسب الظروف لو سألت الفقير في الشتاء ما تشتهي لقال أشتهي الدفء أشتهي غطاء لو سألت الغني ما تشتهي لقال شيئا آخر وكل هؤلاء يشتهون في الدنيا من أمور الدنيا، أمور الدنيا زائلة، أمور الدنيا زيف، أمور الدنيا غرور أمور الدنيا زينة (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةًۭ لَّهَا) [سورة الكهف آية‫:‬ ٧]، إذا فهي زينة لأن الزينة من طبيعتها أن تقام ثم تفض والزينة من طبيعتها أن تغطي العيوب فما على الدنيا زينة إذا فهي زيف حين يقول‫:‬ (لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ )، (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٧١]، لا يمكن يخطر على بالك ما سوف تشتهيه أنت لأنك سوف تشتهي وأنت باق ولست زائل، تشتهي وأنت تعلم وليس وأنت تجهل تشتهي وأنت ترى وليس تشتهي وأنت لا ترى، لذا للإجابة على كل ما قال أثرته الآن قال الله، تبارك وتعالى‫:‬ (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ (٢٢)) ما معنى كلمة الفضل الكبير؟ طالما قال الكبير إذا فهناك مقارنة بين كبير وصغير، أين الفضل الصغير حتى نعرف أن هذا الذي حدثنا عنه القرآن كبير فأين الصغير حتى نقارن أين هو غير موجود لم نره ولا نعرفه فكيف نقارن ثم هو يقول الفضل ومعنى الفضل الزيادة كل ما فضل عن حاجتك فهو زيادة أي فضل، أصحاب الفضل أي الذين زادوا بالصفات عن العامة فإذا قلت هذا الرجل صاحب فضل معنى ذلك أنه ازداد في صفات الكمال عن أقرانه ففضل عنهم فكلمة الفضل أصلا معناها الزيادة فحين يقول‫:‬ (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ (٢٢)) إذا فهو زيادة ترى ما هو الأصل؟ آية لو أمضينا العمر كله لن نعرفها لن نفهم المراد منها على الحقيقة، (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ (٢٢)) آية تدل على أنك لا تدري ما هو الفضل ولا تدري ما هو الأصل ولا تدري ما هو الكبير ولا تدري أين الصغير حتى تقارن يكفيك أن تعلم أن الذي قال (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ (٢٢)) هو الله لا يعرف هذا الفضل إلا الله ولن يعرف قدره إلا الله ومهما وصف العلماء ووصف الناس عن الجنة وما فيها ومن نعيمها لن يصلوا إلى الحقيقة مطلقا مقتضى اللفظ، مقتضى لفظ في هذه الآية يقتضي أن هذا الفضل لا يعرفه إلا الله وسنعرفه جمعيا إن شاء الله حينما نراه ونجتمع متحابين تحت ظل العرش كما اجتمعنا متحابين في بيته إنه سميع قريب‫.‬‬
‫إن الآيات التي تبشر في القرآن لو تأملها الإنسان لتمنى لقاء الله في التو واللحظة لولا أن هناك من الآيات ما يزلزل النفوس ويرعب القلوب والإنسان لا يطمئن لعمله وخاصة أن العمل لا يدخل الجنة وإنما الجنة تدخل برحمة الله من هنا يأمل الإنسان في طول العمر وفي حسن العمل (أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ، قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ) حين يبشرنا ربنا، تبارك وتعالى، ويقول‫:‬ وتتفكر وتتأمل كما تأملنا سويا هل مشيئتنا في الدنيا هي مشيئتنا في الآخرة؟ أبدا لا يمكن يستحيل أن تكون حاجات الدنيا هي حاجات الآخرة ويستحيل أن يكون عقلك في الجنة هو عقلك هذا في الدنيا لا يمكن يستحيل هناك بقاء وهنا زوال هناك دوام وهنا زيف هناك حق وهنا باطل (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ (٢٢)) غطت أعلمتنا أن الكبير هو الذي يقول فلا يعرف الكبير إلا الكبير الذي عمل والذي صنع والذي أعد‫.‬‬
‫ويزيدنا قربا من الأمل ومن الفهم فيقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ذَٰلِكَ ٱلَّذِى يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةًۭ نَّزِدْ لَهُۥ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ شَكُورٌ ﴿23﴾
‫(ذَٰلِكَ ٱلَّذِى يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ) والغريب في الآية فيها حذف حين أقول أبشرك لا بد وأن أتى بالباء أبشرك بكذا لا أقوال أبشرك كذا أبشرك بالنجاح أبشرك بانفراج الأزمة أبشرك بالصحة، هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (ذَٰلِكَ ٱلَّذِى يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۗ ) فجاء المفسرون وقالوا في الآية حذف تقديره ذلك الذي يبشر الله به عباده وحذفت به لم حذفت؟ لم يجب المفسرون قالوا‫:‬ به محذوفة ومقدرة (ذلك الذي يبشر الله به عباده) هذا هو المعنى وأما الآية (ذَٰلِكَ ٱلَّذِى يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۗ )، غريبة إذا تكلموا في معنى قالوا أن الله حين قال (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ (٢٢)) أراد أن يبين لك أيها المؤمن أن الذي يبشرك هو الله إذا فالبشرى أولا صادقة لأن المبشر صادق ثانيا البشرى التي يبشرك بها لا بد وأن تكون عظيمة وفعلا هي بشرى لأن المبشر هو العظيم ثالثا لا بد أن ما بشرك به لا بد واقع لأن المبشر قادر على تحقيق ما بشر به فحين يقول‫:‬ (ذَٰلِكَ ٱلَّذِى يُبَشِّرُ ٱللَّهُ) أي أن المبشر هو الله، طالما كان المبشر هو الله فالبشرى حق والبشرى صدق والبشرى واقعة لا محالة والبشرى تليق بالمبشر ألا وهو الله (ذَٰلِكَ ٱلَّذِى يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۗ ) "به" لم يتكلموا فيها وأخشى أن أتكلم فيها لكن أستشعر أنا شخصيا وانطباع خاص لا ألزم به أحدا أستشعر بأن به تفيد الكلام عن شيء والضمير عائد على شيء والشيء طالما أشير إليه فهو محدود طالما أشرت وقلت هذا مبنى كذا إذا فهو مبنى موجود محدود، غير المحدود لا يشار إليه فكأن البشرى وكأن الفضل لا يشار إليه لأنه فوق الخيال غير محدود فحذفت به هذا ما أستشعره ولا ألزم به أحدا‫.‬‬
‫بعد هذا التبشير وبعد هذا الفضل وبعد هذه الرؤية التي نقلتنا إلى الآخرة وإلى النعيم وبعد هذه المقارنة فإن هؤلاء الذين كذّبوا ولم يستندوا لشيء لا حجة ولا برهان ولا سلطان ولا تشريع ولا إله وكتاب لا حجة ولا منطق ذاك مصيرهم عذاب مشفقون أنّى ينفع الإشفاق واقع بهم لا محالة أما المؤمنون الذين كلفهم الله ما يطيقون كلف القليل وأعطى الجزيل خمس صلوات في اليوم والليلة شهر في العام الحلال بين الحلال والحرام بين، الطاعة بسيطة سهلة كلفك القليل حتى مدة الطاعة يسيرة والخلد في الجنة جزاء لأنه كبير ولأنه كريم بعد هذه المقارنة وبعد هذا البيان يأمر ربنا، تبارك وتعالى، حبيبه المصطفى، صلى الله عليه وسلم، أن يقول لهم (قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ ۗ ) لا أسألكم على القرآن أجرا ولا أسألكم على الإبلاغ أجرا ولا أسألكم على التحذير أجر لأن محمد، عليه الصلاة والسلام، أولا حذرك ومجرد التحذير يستحق عليه المحذر أجرا في الدنيا ثم بشرك والمبشر دائما يعطي جزاء البشارة إذا جاء رجل وبشرك بمنصب بشرك جزاء البشارة إذا جاء رجل وبشرك بمنصب بشرك بمولود جديد ألا تعطيه شيئا؟ إذا فالإنذار يستحق الأجر والتبشير يستحق الأجر بالإضافة إلى التعريف بالله والتعليم والإفادة عن أحوال الآخرة الجنة والنار ومع كل ذلك لا أسألكم عليه أجرا وهكذا كان ديدن الرسل جميعا‫:‬ لا أسألكم عليه أجرا إنما الأجر على الله كل الأنبياء قالوا ذلك (وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٢٧)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ١٢٧]، هنا فيه زيادة رغم أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال كما قال الأنبياء في مواضع كثيرة جاء القرآن بهذه المقولات (قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍۢ فَهُوَ لَكُمْ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌۭ (٤٧)) [سورة سبأ آية‫:‬ ٤٧]، مقالة النبي، صلى الله عليه وسلم، في مواضع كثيرة هنا اختلفت حدث بعض الخلاف (قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ ۗ ) انقسم الناس فيها ثلاثة أراء‫:‬ الرأي الأول‫:‬ كانت قريش تصل الرحم وكانوا يصلون محمدا، عليه الصلاة والسلام، قبل البعثة فلما بعث قطعوا الرحم فالآية تقول (قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ ۗ ) أي صلوا رحمي احفظوني لقرابتي منكم لا تؤذوني واحفظوني، إذا لم تؤمنوا بي فاعتزلون كما نوح‫:‬ (وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ لِى فَٱعْتَزِلُونِ (٢١)) [سورة الدخان آية‫:‬ ٢١]، إذا فإن لم تؤمنوا بي فاحفظوني لقرابتي منكم ليس لنبوتي فلا تؤذوني ولا تؤذوني في أهلي إذا يسألهم محمد، عليه الصلاة والسلام أن يوادوه للقرابة منهم أي يأمرهم ويطلب منهم حمله الرحم‫.‬‬
‫وقال بعضهم الرأي الثاني‫:‬ المودة في القربى أي في أهل بيتي وقرابتي وحين سئل من أهل بيتك‫:‬ (فَجَاءَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَدَخَلاَ فَدَخَلْتُ مَعَهُمَا قَالَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، حَسَنًا وَحُسَيْنًا، فَأَجْلَسَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى فَخِذِهِ، وَأَدْنَى فَاطِمَةَ مِنْ حِجْرِهِ وَزَوْجَهَا ثُمَّ لَفَّ عَلَيْهِمْ ثَوْبَهُ وَأَنَا مِنْتَبِذٌ فَقَالَ: (إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًۭا (٣٣)) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٣٣] اللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْلِي) أي ذرية النبي إذا فالنبي يطلب من الناس أن يحفظوه في قرابته وأن يوادوه في أهل بيته وأبنائه وذريته وأحفاده وما إلى ذلك هذا هو الرأي الثاني‫.‬‬
‫الرأي الثالث‫:‬ (قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ ۗ ) أي أن توادوا الله والقربى أي التقرب إلى الله إذا لا أسألكم عليه أجرا إلا أن توادوا الله ورسوله وتتقربوا من الله ورسوله بالطاعة هذا هو الرأي الثالث (قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ ۗ ) أي أن تتوددوا إلى الله وتتقربوا إلى الله هذا ما أسألكم عليه إذا فكأن النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول إن كان هناك أجر أطلبه فهو أن تصبح أنت سعيدا إن كان هناك أجر أطلبه أن تصبح أنت محببا إلى الله إن كان هناك أجر أطلبه أن تصبح أنت من أهل الجنة ذاك هو المعنى فتخيل إذا كان ذاك هو الأجر أن تعطى أنت وأن تمنح أنت أن تهدى أنت ترضى وترضى أنت، (وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةًۭ نَّزِدْ لَهُۥ فِيهَا حُسْنًا ۚ ) (ومن يقترف حسنه يزد له فيها حسنا) قراءتان القرف الاكتساب أصل كلمة قرف قشر اللحاء من على الشجر وقشر الجلد من على الجرح أخذت الكلمة وعبر بها عن كل اكتساب كل كسب ينشأ من فعل من عمل يسمى اقترف (وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةًۭ) أي يكتسب حسنة يعمل يجتهد فيكتب حسنة يزد له فيها الله حسنا كيف يزد فيها حسنا يضاعفها عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا يعرفها إلا الله لدرجة أن النبي حدثنا وقال‫:‬ (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا لأَحَدِكُمْ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ أَوْ فُلُوَّهُ، حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ) الفلو المهر الصغير غالي عند صاحبه يربيه يعتني به ويعلمه الركض ويجعله يسابق يربيه بعناية فكما يربي أحدكم الفلو يربي الله الصدقة بالدرهم بالتمرة بالقرش برغيف الخبز يربيه، يربيه، يربيه حتى يصبح أمثال الجبال فتذهل كا له يربيه، (وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةًۭ نَّزِدْ لَهُۥ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ شَكُورٌ (٢٣)) ومن طبع الغفور أن يتجاوز ومن طيع الشكور أن يعطي ويمنح فربنا غفور شكور إذا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يخلو عملهم من تقصير ومهما أطعت الله لن تصل إلى الكمال فالكمال المطلق لله فلا تخاف، أيها المؤمن التقصير في عملك وبعض الذنوب الصغيرة التي ترتكبها عن غير عمد وعن غير قصد فالعصمة للأنبياء والكمال لله ونحن غير معصومون أخطاؤنا الصغيرة يغفرها الغفور وقد غفرها من غير أن نستغفر وغفرها من غير أن تسأل لأنه قال‫:‬ (ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ ۚ ) [سورة النجم آية‫:‬ ٣٢]، إذا فاللمم مغفور (إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ) [سورة النساء آية‫:‬ ٣١]، إذا من غير استغفار مجرد اجتناب الكبائر يكفّر الصغائر من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةًۭ نَّزِدْ لَهُۥ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ شَكُورٌ (٢٣)) إن الله غفور لأنه يغفر التقصير ويستر العيوب شكور يشكر على شكرك طالما أنت شكرته طالما أديت العمل وطالما أحسنت الله يشكر لك وإذا كان الله هو الشكور ترى كيف شكره لعباده إذا كان قد أمرنا بالشكر (عبدي لم تشكرني ما لم تشكر من أجريت النعمة على يديه) إذا فقد أمرنا بالشكر كيف يشكر هو؟ أمرنا بالإحسان فكيف هو يحسن هو الله ترى كيف يحسن وقد أمرنا بالإحسان؟ هو الله‫.‬‬
‫دولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى أن تقوم الساعة، ومهما رأيت الباطل قد علا وطاف يزهو بغير خجل، ورأيت الحق يتوارى في خجل، ومهما رأيت أن الأرض بخلت واسود الجبل، واعتدى الكبير على الصغير وأكل الذئب الحمل، فاعلم أن الله يمهل ولا يهمل وإن عادته، سبحانه وتعالى، أن يمحو الباطل وإن أمهله وأن يعلي الحق وإن أجله والله، تبارك وتعالى في إحقاقه للحق وإزهاقه للباطل قد يفعل ذلك بالوحي فيحق الحق بكلماته فيرسل الرسل وينزل الكتب فيها الحق يزيل الشبهات ويمحو الأباطيل ويحق الحق بوحيه وكلامه وقد يحق ربنا الحق ويزهق الباطل بتدمير المبطلين وإهلاك المجرمين وبنصر الأنبياء والمرسلين وقد يحق ربنا، تبارك وتعالى، الحق بمعجزاته التي منحها لأصفيائه كما فعل مع موسى حيث ألقى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هناك وانقلبوا صاغرين فدولة الحق إلى أن تقوم الساعة وإن توارى الحق في لحظات أو أيام أو سنين أو دهور لا بد يوما ويعلوا الحق على الباطل (وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًۭا (٨١)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٨١].‬
‫وقد أنبأنا ربنا وأنبأ الناس أن القرآن كلامه وحيه أنزله رحمة للعاملين وفي سورة الشورى والتي نحن بصددها يقول الله، تبارك وتعالى، آمر نبيه (فَلِذَٰلِكَ فَٱدْعُ ۖ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ۖ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍۢ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ (١٥)) [سورة الشورى آية‫:‬ ١٥]، ويقول الله، تبارك وتعالى، أيضا وفي نفس السورة‫:‬ (ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ ۗ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ١٧] ورغم ذلك ورغم هذا التصريح أن القرآن كلامه يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا ۖ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ۗ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴿24﴾
‫(أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا ۖ ) فالكلام متصل كيف يدعون أن محمد، صلى الله عليه وسلم، قد افترى على الله الكذب والله هو الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما كان القرآن بدعا من الكتب فقد نزلت التوراة ونزل الإنجيل ونزل الزبور والكتب السماوية منها ما عرفناه ومنها ما لا نعرفه فقد قص الله علينا من أنباء الرسل ولم يقصص أكثر الأنباء (مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ ) [سورة غافر آية‫:‬ ٧٨].‬
‫يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا ۖ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ۗ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ (٢٤)) والآية فيها تقريع لكفار مكة وفيها الحجة والبرهان الساطع هم أقروا بوجود الإله (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ ) [سورة لقمان آية‫:‬ ٢٥]، وطالما أقر كفار مكة أن الإله موجود وأن الأصنام قد عبدوها لقربوهم إلى الله زلفى إذا فقد أقروا بوجود الله وطالما أقروا بوجود الله فلا بد ويقرون بصفات الإله وصفات الإله منها العلم منها القدرة منها الحكمة فإذا كان الأمر كذلك فحين يقولون إن محمد افترى على الله الكذب السؤال للاستفهام والتقريع (أَمْ يَقُولُونَ) الميم صلة والأصل (أيقولون افترى على الله كذبا) فالهمز ة استفهامية للتقريع ولتقرير ما قالوه وزعموه (أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا ۖ ) إن كان الأمر كذلك وادعوا افترائه الكذب (فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ۗ ) لأن الإله الذي أقروا بوجوده يعلم فإن افترى أحد عليه الكذب علم بذلك فإذا علم بذلك لا بد وأن يعاقب وينتقم لأنه قادر وكل ما في الإنسان منح من الله العقل والنطق والسمع والبصر فإن حدث وافترى أحد على الله الكذب ختم على قلبه أزال تمييزه فإذا به مجنون يهرف ويتجنبه الناس يزيل منه العقل يسلب عقله لأنه القادر ولأنه العالم، فرد ربنا، تبارك وتعالى، عليهم يقولون افترى على الله الكذب (فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ۗ ) فإن ختم على قلبه أزال التمييز وسحب منه البصر وسلب منه النطق فلا ينطق إن شاء بل يرفع كلامه ويذهب بقرآنه إن كان مفتعلا وطالما يفعل ربنا ذلك إذا فهو الحق لا محالة لأن الله ليس بعاجز ويؤكد ربنا هذا المعنى بقوله‫: (وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦٓ ۚ )‬ إذا فقد جرت عادة الله، تبارك وتعالى، على محو الباطل وإحقاق الحق وقد رأينا ذلك فدمّر ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون وأورث بني إسرائيل الأرض ودمّر قوم عاد ودمر قوم صالح ثمود ودمر قوم لوط إذا فقد جرت عادة الله، تبارك وتعالى، أن يحق الحق وأن يبطل الباطل فكيف ترك الباطل على لسان محمد، صلى الله عليه وسلم، إن كان هذا القرآن مفترى؟ ويختم ربنا الآية بقوله (إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ (٢٤)) بمعنى أن النية في قلب العبد معلومة لدى الله من قبل أن تخرج إلى حيز التنفيذ فسبحانه وتعالى يسمع هواجس الضمير ويرى خفايا الوهم والتفكير فإن حدثته نفسه بأن يفتري على الله الكذب لختم على قلبه قبل أن يفعل لأنه عليم بذات الصدور ما تركه ينطق ويتكلم بالكذب الرد في الآية (أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا ۖ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ۗ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ) استئناف كلام لبيان أن هذا هو ديدن الله، تبارك وتعالى، هي عادته (وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ) ولذا مرفوعة للاستئناف ولذا يحسن الوقف قبلها (فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ۗ ) جزم (يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ۗ ) (وَيَمْحُ) مرفوعة استئنافا (وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ (٢٤)) إذاً فقد تبين الحق وتبين أنهم لجوا في طغيانهم يعمهون لأنهم أقروا بوجود الإله فكيف يكون الإله موجودا عالما قادرا ثم يترك عبدا من عباده يضل الناس ويفتري على الله الكذب ولا يعاقبه ولا يختم على قلبه ولا يزيل تمييزه ولا يسلب عقله ولا يسلب نطقه وقد رأينا أن الله، تبارك وتعالى، قادر على سلب المنح والنعم فكم من الناس سلب عقله وكم منع نطقه وكم شلت يده وشلت رجله كم وكم، وقال بعض العلماء أن المقصود بكلمة (فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ۗ ) أي يربط على قلبك فيثبتك فلا تنزعج مما يقولون ولا تتأذى مما يفترون‫.‬‬
‫ويفتح الرحيم أبواب توبته وأبواب رحمته وعفوه لمن أفاق ولمن علم الحق ولمن رجع عن غيه فيقول عز من قائل:
وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَعْفُوا۟ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴿25﴾
‫(وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ) يقبل فعل يعدى إلى مفعول ثان بكلمة من يقبل من، لا يقال (يقبل عن) فهنا لم يقل وهو الذي يقبل التوبة من عباده بل قال (وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ) للإشعار بالإبانة والإزاحة وكأن التائب عائد إلى الله وقد أثقلته الذنوب والأوزار فقبله الله، تبارك وتعالى، وأبان عنه وأزاح عنه أرجاس المعاصي وأدران الذنوب، فجاء بكلمة (عن) ليبين الإبانة والإزاحة وكأن التائب العائد عائد إلى الله لكنه مدنس بذنوبه مدنس بالمعاصي جاء يحمل أوزاره على ظهره تائبا نادما فقبله الله طاهرا نقيا فأبان عنه وأزاح عنه أدران المعاصي وأوساخ الذنوب (وَيَعْفُوا۟ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ) العفو‫: المحو وعفا الأثر‫: زال (وَيَعْفُوا۟ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ) يمحوها تماما وأيضا كلمة عن تفيد بأن السيئات لها أثر وآثار السيئات تبدو على الوجوه فوجه الطائع العابد يشع نورا ووجه العاصي الظالم يشع ظلاما هؤلاء وجوههم ناضرة وأولئك وجوههم باسرة هؤلاء سيماهم في وجوههم من أثر السجود وأولئك وجوههم باسرة هؤلاء سيماهم في وجوههم من أثر السجود وأولئك وأولئك العصاة عليهم غبرة وجوههم مسودة يراها العارفون وبفراسة العلماء والأولياء يرون ذلك فالسيئات إذا ارتكبها العبد تركت أثرا على وجهه أو على بدنه أو على ما يحيط به من جو فمن الناس تستريح له ومن الناس من تنفر عنه ولو دخل مؤمن على عشرة رجال تسعة منهم عصاة وواحد فقط طائع لو دخل المؤمن دون أن يدري عن الجالسين شيئا لجاء مجلسه إلى جوار الطائع دون أن يقصد دون أن يدري لأن السيئات لها آثار لا شك فربنا يبشر ويقول‫: (وَيَعْفُوا۟ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ) يمحوها مع محو آثارها أيضا (وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)) (ويعلم ما يفعلون) قراءة بالياء وطالما كان يعلم ما يفعلون فإن جازى جازى بعلم وإن تجاوز، تجاوز بيقين لأنه يعلم ما يفعلون فإن آخذ آخذ بعلم وإن عفا عفا بعلم فلا يعفو إلا عمن يستحق العفو ولا يجازي إلا من يستحق المجازاة‫.
وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۚ وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ﴿26﴾
والآية أيضا، آيات متتالية في كل آية بحور من المعاني تحت كل حرف لا يتسع المجال للغوص في هذه البحور لاستخراج لآليء المعاني وكنوز الحروف (وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ) تحمل أكثر من معنى أجاب واستجاب تفيد نفس المعنى مثل فتح واستفتح لكن السين والتاء إذا دخلتا على الفعل أفادتا الطلب فتح استفتح طلب الفتح استنصر طلب النصر فاستجاب طلب الإجابة (وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟) هم يستجيبون أم هم يجابون؟ فإن كان المجيب هو الله فيكون التقدير (فيستجيب الله للذين ) (وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَعْفُوا۟ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟) أين اللام حذفت بمعنى ويجيب الله الذين آمنوا، يجيبهم إلى ماذا يجيبهم أن يقبل منهم الطاعة ويقبل منهم العمل الصالح ويقبل دعاءهم ويشفعهم في إخوانهم، ويستجيب الله الذين آمنوا ويجيب الله الذين آمنوا والإعراب لكلمة الذين أنها في موضع نصيب، (وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ) أي يستجيب الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات، (وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۚ ) فيعطيهم أجورهم ويزيد على الأجور والله ذو الفضل العظيم، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا عد له ولا حصر، يزيدهم من فضله يعطيهم من الفضل بغير استحقاق بسبق فضل وبسبق رحمة وقد تكون كلمة الذين في موضع رفع ويصبح المستجيب الذين آمنوا ويستجيب الذين آمنوا لله هم المستجيبون أطاعوا قول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ ) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٢٤]، فهم استجابوا لله أي أجابوه أو طلبوا الإجابة، طلبوا وسعوا في إجابة الله، تبارك وتعالى، وإجابة الدعوة (رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًۭا يُنَادِى لِلْإِيمَـٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٩٣]، فهم يستجيبون لله بقلوبهم يستجيبون لله بجوارحهم فهم مؤمنون طائعون عابدون مخلصون يستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم ربهم، طالما استجابوا لله يزيدهم الله، تبارك وتعالى، من فضله فيعطيهم فوق ما يستحقون، والآية بهذا التركيب الذي به وبوضع ألفاظها تحتمل أن المستجيب هو الله وتحتمل أن المستجيب هم الذين آمنوا يَدَع المتأمل يعتقد ويشعر أن الإجابة متبادلة وأن الاستجابة متصلة فهم يجيبون وهو يجيبهم هم يستجيبون له وهو يستجيب لهم فإن أحبوه أحبهم وإن أرضوه رضي عنهم، فهم مع الله، تبارك وتعالى، في صلة اتصال والحبل ممدود طرفه في يد العبد وطرفه الآخر في يد الله، هذه المعاني تتضح من حذف حرف اللام (وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۚ )، (وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ (٢٦))، وبضدها تتميز الأشياء والغريب حين يقول‫: (وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ (٢٦))‬ لم يبين الفاعل لأن رحمة الله سبقت غضبه فأخفى الفاعل في اللفظ (وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ (٢٦)) ليدلل ويشعر أن هذا العذاب الشديد بشؤم كفرهم وما ربك بظلام للعبيد‫.‬‬
‫وينتقل الكلام لبيان الحكمة في أفعال الله وأن أفعال الله، تبارك وتعالى، لا تخلو من المصالح وإن كان من المسلم به أن الله، تبارك وتعالى، لا يجب عليه الاستصلاح بمعنى أن الله، تبارك وتعالى، لا يجب عليه اختيار الأصلح وإن كانت أفعاله لا تخلو من المصالح إلا أنك لا تجد في كل الأفعال ما ترى فيه مصلحة فالله، تبارك وتعالى، يفعل ما يشاء وليس عليه اختيار الأصلح لأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألوا قد نزلت هذه الآية (وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ) بسبب أهل الصفة‫:‬‬
‫نزلت الآية بسبب أهل الصفة كانوا فقراء وكانوا يصاحبون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ملء بطونهم لم تشغلهم تجارة ولم تشغلهم زراعة وإنما أوقفوا أنفسهم على العبادة وعلى حفظ القرآن وعلى ضبط أفعال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأقواله ويقول أحدهم وهو الخباب بن الأرت رأينا أموال بني النضير وبني قريظة وبني قينقاع رأينا الأموال في أيدي الكفار وفي أيدي اليهود فتمنيناها فلما تمنينا الأموال نزل جبريل بقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍۢ مَّا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرٌۢ بَصِيرٌۭ ﴿27﴾
وإن كانت الآية لها سبب في نزولها إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، (وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ) البسط‫:‬ النشر بسط‫:‬ نشر البسط التعميم البسط التوسيع بسط وسّع بسط‫:‬ نشر (وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِۦ) أي وسع على العباد وجعل الناس جميعا أغنياء، (لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ) طغوا وعصوا البغي في الأصل طلب التجاوز، التجاوز عن الاقتصاد كما أو كيفا فكل أمر من الأمور له حدود الاقتصاد وهو الوسط وهو المعقول وهو المشروع وهو المعروف فإن أردت أن تتجاوز العرف والشرع أردت وطلبت وسعيت للتجاوز لتحصل على ما تريد بالتجاوز كما أو كيفا ذاك هو البغي وابتغى طلب وبغى طغى وعصى لأنه طلب التجاوز عن حدود المفروض (لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ) أي لو بسط الله الرزق ووسع على الناس جميعا لتكبروا أيضا تفسد الممالك حيث لا يكون هناك انقياد، لا يكون هناك قادة ومقاد لا يكون هناك رئيس ومرءوس لا يكون هناك مالك ومملوك لا يكون هناك صاحب مصنع عمال تفسد المصلحة وتفسد الدنيا وتتعطل الصنائع فالكل غير محتاج الكل غني فكيف تبنى المساكن ومن يبنيها وكيف تمشي المصانع وكيف ترعى البهائم وكيف تفلح الأراضي لو أن الكل محتاج لفسدت ولو أن الكل غني لفسدت فلا بد أن يكون هناك غني وفقير فيحتاج الغني للفقير لأداء الأعمال ويحتاج الفقير للغني لأخذ الأجور من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ) وكثرة المال تطغي وربنا، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ (٦) أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ (٧)) [سورة العلق آية‫:‬ ٦- ٧]، وفي الحديث (لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ، تَمَنَّى إِلَيْهِمَا وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ)، (وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍۢ مَّا يَشَآءُ ۚ ) أي ينزل بتقدير (مَّا يَشَآءُ ۚ ) فيجعل هذا غنيا ويجعل ذاك فقيرا وقد يفقر تارة ويغني تارة، يفقر ليصبر العبد ويغني ليشكر العبد فيبتلى العبد بالفقر تارة ويبتلى العبد بالغنى تارة، يبتليه بالغنى ليشكر ويبتليه بالفقر ليصبر، أيضا إذا كانت أفعال الله لا تخلو من المصالح فمعنى ذلك أن من أغناه الله فذاك مصلحة ومن أفقره الله فذاك مصلحة وهذا معنى لحديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْفَقْرُ وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَفَسَدَ حَالُهُ) ولكن رغم هذا قد ترى أن الله، تبارك وتعالى، قد بسط الرزق لعصاة طغاة ويعلم أنهم قد طغوا وبغوا بأموالهم ولو منع عنهم الرزق لكان حالهم أصلح فلم لا نجد المصلحة في هذا؟ لأن الله، تبارك وتعالى، لا يجب عليه اختيار الأصلح ولذا لو تأملت الحديث مرة أخرى (إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْفَقْرُ وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَفَسَدَ حَالُهُ) وليس كل العباد فهناك من الفقراء من أحبهم الله وحماهم الدنيا كما نحمي مريضنا الماء أي نمنعه من الماء ونمنع المريض من بعض الطعام فكذلك يمنع ربنا، تبارك وتعالى، الدنيا عن الفقير الذي يحبه حتى لا يطغى حتى لا يفسد وقد يعطي المال لمن يحب أيضا حتى يشكر حتى يعطي وينفق ولكن هناك من يفقره الله ليس لمصلحته بل ليكفر وينسى ومنهم من يعطيه ربنا، تبارك وتعالى، المال ليعصي وليطغى ولذا كان نبينا، صلى الله عليه وسلم، يدعو ويقول‫:‬ (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ فَقْرٍ يُنْسِينِي، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ غِنًى يُطْغِينِي) فالفقر قد ينسي والغنى قد يطغى من هنا يتبين لنا أمرا غاية في الأهمية بالله لا تخلو أفعاله عن الحكمة ولا تخلو عن المصالح ولكن لا يجب عليه أن يختار الأصلح من الذي يوجب عليه؟ من الذي يسأله لا يسأل عما يفعل وإنما تجري الأمور بحكمة فإن قلت فلم أعطى الغنى مالا وهو يعلم أنه يفسد ويطغى كما قارون من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة وهو يعلم أنه بغى على قومه فزاده طغيانا نعم أعطاه ليظهر فساده أعطاه ليملي له، مده كي يأخذه وإذا أخذه لم يفلته وإذا غضب الله، تبارك وتعالى، على عبد رزقه الله من حرام فإن اشتد غضبه بارك له فيه ومن الناس من فتح الله عليهم أبواب النعم (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةًۭ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (٤٤)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٤٤]، إذا فالأفعال لا تخلو عن الحكمة، جميع الأفعال بحكمة ولكن ليست جميع الأفعال للمصلحة، لمصلحة الناس لأن الله لا يجب عليه اختيار الأصلح (وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍۢ) بتقدير (مَّا يَشَآءُ ۚ ) بحكمته ومشيئته (إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرٌۢ بَصِيرٌۭ (٢٧)) يعلم خفايا أحوالهم ويرى جلايا أعمالهم فبخبرته بعباده وبعلمه بهم ينزل من الرزق ما يشاء بتقدير فيعطي هذا ويحرم هذا وما منع ربنا، تبارك وتعالى، المال عن العباد لعجز أو لنقص أو لفقر فهو الغني وهو الفعال لما يريد‫.‬‬
‫ويحدثنا نبينا، صلى الله عليه وسلم، في حديث قدسي أن الله يقول في شأن أوليائه الفقراء (إن من العباد من لو سألني غلاف سوط جراب يضع فيه السوط الذي يحرك به الفرس والبعير لم أعطه ولو سألني الجنة بحذافيرها لأعطيته ) يحميه ويرعاه ويكلؤه فلا يبسط له الرزق حتى لا يخطئ حتى لا يعصي، حتى لا يطغى‫.‬‬
‫أيها الأخ الله، تبارك وتعالى، يتولى المؤمن ولا يختار للمؤمن إلا الأصلح وأما الكافر فربنا يختار له ما يظهر طغيانه وما يظهر كفره ولا يختار له الأصلح فقد يتبادر إلى أذهان الكفار أن الله، تبارك وتعالى، حين منع، منع للإهانة وحين أعطى، أعطى للتكريم لكن الله، تبارك وتعالى، لا يفعل ذلك بل ذاك من خلق الإنسان أما الله، تبارك وتعالى، فقد وسعت رحمته كل شيء وهو، تبارك وتعالى، إذا أعطى، أعطى بحكمة ولحكمة وإذا منع أو سلب، سلب بحكمة ولحكمة، فلو بسط الرزق لعباده لبغوا وطغوا وعصوا ولفسدت الدنيا ولكنه أعطى بتقدير وفقا للمشيئة الأزلية لأنه بعباده خبير بصير والدليل على أن الرحمة وسعت كل شيء فالطائع مرزوق والعاصي مرزوق يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِنۢ بَعْدِ مَا قَنَطُوا۟ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُۥ ۚ وَهُوَ ٱلْوَلِىُّ ٱلْحَمِيدُ ﴿28﴾
‫(وهو الذي يَنزّلُ) (يُنْزِل) قراءتان (مِنۢ بَعْدِ مَا قَنَطُوا۟) (قَنِطُوا) قراءتان، (وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ) الغيث‫:‬ المطر الفرق بين الغيث والمطر أن المطر قد يكون ضارا وقد يكون نافعا وأما الغيث فهو النافع فقط إذا كان المطر نافعا سُمي غيْثا لأن به يغاث العباد وتغاث البلاد ويخرج النبات من هنا يسمى المطر غيثا إن كان فيه النفع (وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِنۢ بَعْدِ مَا قَنَطُوا۟) القنوط شدة اليأس بالطاء، القنوت بالتاء الطاعة والخضوع، (وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِنۢ بَعْدِ مَا قَنَطُوا۟) من بعد ما يئسوا يمنع ربنا، تبارك وتعالى، المطر تجف الضروع وتموت الزراعات وتموت الأرض ويأمل الناس في نزول المطر فيتأخر حتى إذا يئس الناس ولم يجدوا مهربا ولا ملجأ ولا وليا ولا نصيرا هنا وهنا فقط ينزل ربنا الغيث ليعلم الناس أنه هو الحي المحيي المميت القادر على الإغاثة القادر على الإبقاء، فكما خلقك أبقاك وهيأ لك ما يبقيك، (وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِنۢ بَعْدِ مَا قَنَطُوا۟) من بعد ما يئسوا واشتد يأسهم أنزل الغيث عليهم، (وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُۥ ۚ ) قالوا النشر‫:‬ البسط التوسيع التعميم قالوا (وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُۥ ۚ ) أي ينزل المطر والغيث على الجبال والأودية والسهول ولا يختص مكانا دون مكان، قالوا (وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُۥ ۚ ) أن تبزغ الشمس بعد المطر فتشرق ويعم دفئها على الناس ولو شاء لنزل المطر واستمر لأهلك الناس ولو شاء ما طلعت الشمس بعد نزول المطر لكن رحمته اقتضت أن تبزغ الشمس وتشرق بضيائها وتعم الناس بدفئها هذا معنى (وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُۥ ۚ )، وقد يكون المعنى أن الله، تبارك وتعالى، حين أنزل الغيث أنزل الغيث على البلاد فأغيث الناس وغيثت الأرض فأنبتت وأخرجت من الثمار ألوانا وأصنافا وحي وحيا أهلها منهم الطائع ومنهم العاصي منهم المؤمن ومنهم الكافر ومع ذلك عمم برحمته إذا فقد عمّت رحمته الخلائق رأفة وحنانا فالطائع والعاصي كلهم بفضله ومن فضله مرزوق (وَهُوَ ٱلْوَلِىُّ ٱلْحَمِيدُ (٢٨)) الولي الذي يتولى أمر الخلائق ويتولى أمر عباده الطائعين بالنصر والعناية والرعاية هو الولي الحميد المحمود من الأزل المحمود على كل لسان المستحق والمستوجب للحمد وقد تفضل ربنا، تبارك وتعالى، فحمد نفسه بنفسه من الأزل فقال‫:‬ (الحمد لله رب العالمين) هو الولي الحميد هذه الآية تبين أن الله، تبارك وتعالى، لو عاجل الناس بالعقوبة ما وجدوا الرزق ولكنه يعمم الرحمة ويرزق ويعطي ويملي ويمهل ولعل العاصي يتوب ربنا، تبارك وتعالى، ينزل الغيث وبالغيث حياة الناس وحياة الأرض حياة البلاد وحياة البهائم ربنا، تبارك وتعالى، عمّت رحمته الخلائق وإذا كان الأمر كذلك وجب على الإنسان أن يلجأ إلى الله، تبارك وتعالى، لأن كل شيء بيده الرزق بيده العمر بيده والحياة بيده والموت بيده وكل شيء بيده وما لنا من دون الله من ولي ولا نصير، فعلى العبد أن يهرب من الله إلى الله (فَفِرُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۖ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ (٥٠)) [سورة الذاريات آية‫:‬ ٥٠]، والفرار إلى الله السعي الحثيث بالطاعة للحصول على رضوان الله، تبارك وتعالى، والسعي الحثيث للهروب من مزالق الشيطان ومهاوي الهوى لأن الهوى يعمي ويصم وعلى العبد أن يتبين ويتأمل ويعرف أن له أجل وأن الأجل آت لا محالة وأنه مسئول عن أعماله وأن الدنيا ليست دار جزاء وإنما الدنيا دار عمل وأن الآخرة هي دار الجزاء هي دار العطاء هي دار الثواب والعبرة في جميع الأعمال بالنية (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى) وإن صلحت النوايا أصلح الله الأعمال وإن فسدت النوايا أفسد الله الأعمال وفي الجسد مضغة لو صلحت صلح الجسد كله ولو فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب لأن القلب هو محل الإيمان ولأن القلب هو محل الطاعة ولأن القلب هو محل الكفر وهو محل العصيان ولأن القلب هو محل النية فإن صلحت النوايا أصلح الله، تبارك وتعالى، الأفعال والأقوال‫.‬‬
‫(في يوم جمعة والنبي يخطب قام أعرابي وقال يا رسول الله هلك الزرع وهلك الضرع فادع الله، تبارك وتعالى، أن يمطرنا (فَاسْتَسْقَى فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ وَمَا نَرَى فِى السَّمَاءِ سَحَابَةً فَقَامَ فَصَلَّى حَتَّى جَعَلَ يَهُمُّ القَرِيبُ الدَّارِ الرُّجُوعَ إِلَى أَهْلِهِ مِنْ شِدَّةِ الْمَطَرِ) ما في السماء قطعة واحدة من سحاب ومع ذلك أغاثهم الله وغيثت البلاد وغيثت العباد ونزل الغيث، وسجد، صلى الله عليه وسلم، في الماء، والطين لأن الماء تسرب من سقف المسجد وقد كان سقف المسجد من سعف النخيل، ومرت الأيام وجاء الأسبوع التالي ووقف النبي يخطب ولا زالت السماء تمطر فقام الرجل الذي طلب في الجمعة السابقة أو قام غيره وقال يا رسول الله هلكت البلاد وهلكت العباد نزل الغيث وكاد أن يهدم ديارنا فادع الله أن يصرفه عنا فرفع يديه، صلى الله عليه وسلم وقال‫:‬ (اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا قَالَ فَتَكَشَّفَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ) فإذا بالسماء والسحاب يتشقق حتى تصبح السماء فوق المدينة المنورة كالإكليل السحاب يحيطها من كل جانب وفي الوسط لا سحاب هناك وارتفع المطر وارتفع الغيث‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم الله، تبارك وتعالى، يستجيب وحين يجيب الله تعالى دعوة الداعي لا يشترط فيمن يدعو أن يكون مؤمنا أو مسلما وإنما يشترط في الداعي الإخلاص فقط فلو دعا الكافر ربه في لحظة الضيق بإخلاص أجابه رغم أنه يعلم أنه سوف يكفر ويزداد في الكفر ومع ذلك يجيب (أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ) [سورة النمل آية‫:‬ ٦٢]، بل ويحدثنا عن الكفار إذا أصابهم الضر (دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٦٥]، وقد كان يعلم أنهم بعد النجاة يعودون إلى شركهم لكن في لحظة الدعاء دعوا مخلصين من هنا أجابهم إذا فشرط إجابة الدعاء الإخلاص فإن دعا العبد مخلصا أجيب وهناك من الناس من يدعو وقلبه غافل ويجري الدعاء على اللسان بحكم العادة فيدع بعد الصلاة أو يدعوا مع الإمام بحكم العادة وقلبه غافل أي أنه قد يفكر في أمور أخرى يقول آمين آمين أو يدعو ويقول اللم اغفر وارحم وهكذا وقلبه غير متابع للسان هذا الدعاء لا مجال له ولا يصعد وإنما أساس صعود الدعاء أن يكون القلب موافقا للسان وأن يكون الدعاء بإخلاص ومعنى الإخلاص أنك تعتقد أثناء الدعاء أنك تلجأ إلى الوحيد الذي يجيبك أنك تلجأ إلى الوحيد القادر أنك لا ملجأ لك إلا إليه وأنه لا ناصر لك إلا هو وأنه لا مانح إلا هو وأنك قد تقطعت بك الأسباب والوسائل ولا باب مفتوح إلا باب ربنا، ربنا تبارك وتعالى، ولا رجاء إلا الرجاء فيه ولا أمل إلا الأمل فيه فإن دعوت بهذا الإخلاص والاعتقاد واليقين أنه هو الوحيد الذي يُلجأ إليه أجابك مهما الإيمان ناقصا أو حتى كان الكفر في القلب متواجدا الإخلاص (دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٦٥]، فأجابهم‫.‬‬
‫من هنا تنبه لقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ) أن الإجابة لا بد وأن تكون متبادلة بين العبد وبين الرب ولا بد أن تكون الصلة متصلة بين العبد وبين الرب فإن أحبك أحببته وإن رضي عنك رضيت عنه وإن دعوته بإخلاص سمعك وإن سمعك أحابك‫.‬‬
‫فإن البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ألا يدل كل ذلك على العليم القدير ما من صنعة إلا ولها صانع وما من فعل إلا وله فاعل ونحن نرى في هذا الوجود جميع الموجودات قد وجدت بعد أن لم تكن وانتظمت فلا خلل ولا اختلاف ولا تفاوت ولا فطور فها هي السماء منذ وجدت ما ترى فيها من تشقق أو فطور، وها هي الأرض منذ خلقت حول الشمس تدور ها هي الشمس تشرق في موعدها وتغرب في موعدها ما تأخرت يوما على مر الدهور ها هي البحار ما نضبت وما تبخرت وها هي الأنهار ما امتنعت عن ري الأرض وعن إعطاء الماء العذب وما اختلط المالح بالعذب بينهما برزخ لا يبغي أحدهما على الآخر ها هم الناس يخلقون ويعيشون ثم يموتون وها هي الدول تزول وتدول ودول أخرى تنشأ وهكذا حياة وموت وجود وعدم مخلوقات أحسن خلقها وأحكم صنعها ألا يدل كل ذلك على وجود الصانع الحكيم العالم المدبر السميع البصير من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍۢ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌۭ ﴿29﴾
نعم السموات والأرض في انتظامها في وجودها في بقائها الأفلاك في دورانها الأرض تنبت منذ خلقت ما بخلت يوما وإن بخلت فبشؤم المعاصي وها هي الأنعام قد ذللت ما استأسدت وما توحشت بل تسلم ضرعها للطفل الصغير يحلبها وها هي الركائب من بغال وخيل وحمير طواعية تحملكم وتحمل أثقالكم هذا الانتظام وهذا الخلق والإيجاد آية تدل على وجود الصانع الحكيم المدبر المهيمن (وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍۢ ۚ ) دابة أي كل حي عبر بالمسبَب عن السبب طالما كان يدب فلا بد وأن يكون حيا إذا فالكلام معناه أن ما خلقه الله من أحياء في الأرض وفي السماء والآية على ظاهرها تدل على أنه كما أن في الأرض دواب من إنسان ومن حيوان ومن طيور وما إلى ذلك من حي كذلك يوجد في السماء مخلوقات تدب ونحن لا نعلمها (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)) [سورة النحل آية‫:‬ ٨]، لأنه يقول (وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍۢ ۚ )، أي في الأرض وفي السماء (مِن دَآبَّةٍۢ ۚ ) من حي وقال بعض الناس المقصود الأرض فقط وما وجد في شيء فكأنه موجود في الكل (وَمَا بَثَّ فِيهِمَا) أي وما بث في الأرض من دابة والكلام عن الأرض واستشهدوا بآية أخرى يقول الله فيها، تبارك وتعالى، (مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌۭ لَّا يَبْغِيَانِ (٢٠)) [سورة الرحمن آية‫:‬ ١٩- ٢٠].‬
‫أيضا يتحدث عن هذه المياه المختلطة الملح والعذب فيقول في شأنهما (يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱللُّؤْلُؤُ وَٱلْمَرْجَانُ (٢٢)) [سورة الرحمن آية‫:‬ ٢٢]، ونحن نعلم أن اللؤلؤ والمرجان لا يستخرج إلا من البحر المالح فقال يخرج منهما لأنه إذا خرج من أحدهما فكأنه خرج منهما جميعا استندوا إلى هذا التعبير وقالوا (وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا) أي في الأرض لأنه قد جمع الكلام جمع السموات والأرض في جملة واحدة فما خرج من أحدهما كأنه خرج من الكل وربنا، تبارك وتعالى، يخلق ما لا تعلمون ولا شك أن في السموات ملائكة وإن كانت الملائكة تطير بأجنحة (جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِىٓ أَجْنِحَةٍۢ) [سورة فاطر آية‫:‬ ١]، أي أنها تطير ولا تدب قيل ربما هناك مخلوقات أخرى تدب وقيل ربما أن الملائكة تطير وتدب أيضا (وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌۭ (٢٩))، ومن قدر على الإنشاء قدر على الإعادة بعد الإفناء والإعادة أسهل من الابتداء في عقولنا وعلى مقاييسنا إذا فهو على جمعهم يوم القيامة حين يشاء قدير متمكن قادر على الجمع لأنه لا تخفى عليه خافية وهو الذي أوجد كل هذه الموجودات من العدم‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍۢ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ﴿30﴾
هذه الآية قيل إنها أرجى آية في القرآن، أرجى آية بمعنى فيها الرجاء كله تجعل المؤمن يرجو ويأمل ولا يخاف فهي من أرجى الآيات أو أرجاها على الإطلاق لأن الله، تبارك وتعالى، جعل المؤمن بين أمرين بين الكفارة وبين العفو فإذا كنت تصاب بالبلوى والمصائب لتكفير الذنوب أو لتكفير بعض الذنوب فالله، تبارك وتعالى، أكرم من أن يُثني عليك العقوبة في الآخرة فطالما كفِّر عنك ذنب بمصيبة محي الذنب ولا يثني العقوبة ربنا عليك، وأما القسم الآخر من الذنوب وهو الكثير والأغلب فقد عفا الله عنه والله، تبارك وتعالى، طالما عفا عن ذنب في الدنيا أحلم من أن يعاقب عليه في الآخرة بعد أن قد عفا عنه فإذا كنت بين الكفارة والعفو في جميع ذنوبك إذا فلن يبقى عليك ذنوب ولن يوجد يوم القيامة ما تسأل عنه، فقد كفر بعض ذنوبك بالبلايا وعفا عن باقي الذنوب لذا قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه هي أرجى آية في القرآن لأنه طالما كفر عني بعض ذنوبي بالمصائب وعفا عن الكثير فسوف ألقاه بغير ذنب والمصائب في الدنيا ليست المصائب الكبيرة فقط كموت الأقارب وفقد المال وكفقد الجاه، ولكن الشوكة يشاكها المسلم عن غير قصد يكفّر الله بها عن سيئاته لو أنك مررت بيدك على سطح شيء مائدة أو خلافه فإذا بجزء صغير بخشبة رفيعة تدخل في إصبعك أو تغزك غزة فتألم ولو للحظة بها كفرت سيئاتك هكذا قال الصادق المصدوق، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (مَا يُصِيبُ الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ، وَلاَ حُزْنٍ، وَلاَ غَمٍّ، وَلاَ أَذًى، حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا، إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) لو أنك تسير في طريق فتعثرت هذه العثرة والتي لم تصبك بشيء كفارة ورفعة للدرجات فما من مصيبة يصاب بها الإنسان إلا ويكفر الله بها من سيئاته أو يرفع بها من درجاته من هنا يبشرنا ربنا، تبارك وتعالى، ويرجينا في رحمته والآية خاصة بالمؤمن خاصة بالمسلمين لأن الكفار لا يكفر عنهم في الدنيا ولا يعفى عنهم بل هم مؤاخذون يوم القيامة مؤجلين ليوم القيامة أعدت لهم العقوبات ليوم القيامة (وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍۢ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ (٣٠)) وقرأت (بما كسبت أيديكم) بغير فاء (وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ (٣٠)) يعفو عن كثير الذنوب ومن المعاصي وقد يكون المعنى ويعفو عن كثير من الناس فمن الناس من يكفر عنهم بالمصائب ومن الناس من لا يصيبهم ربنا بالمصائب ويسبق فضله فيعفو عنهم، وكأن الذين يصابون بالمصائب من المسلمين قليل وكثير الأمة معفو عنهم بلا إله إلا الله محمد رسول الله فإما العفو عن كثير من الذنوب وإما العفو عن كثير من الناس والآية تحتمل المعنيين، وقد يسأل سائل هذا في شأن المكلفين وفي شأن البالغين فما بال الصبيان والجواري الذين لم يبلغوا الحلم بعد ولم يصلوا إلى سن التكليف طفل مرض وهو ابن تسع سنين لم يبلغ لم يكلف وتألم هل هي كفارة؟ بالطبع لا لأنه غير مخاطب غير مطالب غير معاتب لم يبلغ الحلم فما حكم هذا الصبي؟ قيل هو ثواب له ولو أنه لم يكلف بعد إلا أن الله، تبارك وتعالى، قد أعد له المثوبة بأعمال لن يعملها حين يبلغ فأصابه بهذه المصائب قبل البلوغ كي تملأ صحيفة الحسنات من قبل أن يكلف رحمة بالصبي، وقال بعضهم بل هي ليست كفارة وليست من أجل المثوبة ولكن ما يصيب الأولاد ما يصيب البنات والبنين ما يصيب هؤلاء الأطفال قبل التكليف من مصائب من أجل الآباء والأمهات فهو يكفّر عنك بمصيبة تصيبك ويكفّر عنك أيضا بالقلق الذي يعتريك من أجل ابنك وبالألم الذي تتألمه من أجل بنتك إذا فما يصيب الأولاد والأطفال من أمراض أو من مصائب أو من آلام يكفر الله بها من سيئات الأبوين (وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍۢ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ (٣٠)) نعم، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٤٥]، إذا فالآية مؤكدة لآية أخرى أن الله، تبارك وتعالى، لو آخذ الناس بما كسبت أيديهم لدمرت الأرض بما عليها لكن الله، تبارك وتعالى، يعفو عن كثير ويحلم على الكثير وإن أصاب عبدا بمصيبة يكفر بها عن سيئاته، رزقه الصبر قبل المصيبة، قبل أن يصيبك بالمصيبة لا بد وأن يرزقك الصبر عليها فتصبر فتنال أجر الصابرين بالإضافة للتكفير عن السيئات وربنا هو الرحمن الرحيم‫:‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ ﴿31﴾
‫(وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ ) أي بفائتين الله، تبارك وتعالى، لأن الله لا يعجزه شيء، أعجزه الشيء‫:‬ فاته لم يدركه لم يتمكن منه فربنا يبين أن الخلائق جميعا أسرى في يد القدرة وهو يقول‫:‬ (نَّحْنُ خَلَقْنَـٰهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَـٰلَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨)) [سورة الإنسان آية‫:‬ ٢٨]، (وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ ) ما أنتم بفائتين الله، تبارك وتعالى، وما أنتم بمعجزين الله، تبارك وتعالى، فليس لهارب منه نجاة قد أحاط بخلقه وقد أحاط بملكه والله بكل شيء محيط، أي لن ينجو أحد من قدر ولن يهرب أحد من قضاء وما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن لصيبك، ومن هنا تعلم أن العبد إذا أصابته مصيبة لا بد وأن يسترجع إنا لله وإنا إليه راجعون ويرضى بقضاء الله ويصبر على قضاء الله، ويعلم أن ذلك خير له وليس شرا له عليه أيضا أن يتذكر قول النبي (وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ) ولذا يروى لنا أنس بن مالك خادم النبي يقول‫:‬ خدمت النبي عشر سنين فما قال لي يوما لشيء فعلته لم فعلته أو لشيء لم أفعلته أو لشيء لم أفعله لم لمْ تفعله ولكن كان يقول قدر الله وما شاء فعل فالأمور تجري بالمقادير (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ (٥٩)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٥٩].‬
‫لو نزلت من عينك دمعة هو أنزلها لو سقطت من رأسك شعرة هو أسقطها لو تلفت في جسمك خلية هو أتلفها هو الله، (وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ) ما لكم من دون الله من ولي يحميكم أو يمنع عنكم المصائب (وَلَا نَصِيرٍۢ (٣١)) يدفعها عنكم إذا فإذا أصابت العبد مصيبة لن يجد من يرفع عنه المصيبة وإن إصابه بلاء لن يجد من يدفع عنه البلاء أو يمنع عنه البلاء أو يرفع عنه البلاء أو ينصره على البلاء لأنه لا ولي ولا نصير إلا الولي النصير هو الله فإليه الملجأ وإليه الملاذ وإليه المرجع من هنا يعلمنا ربنا ، تبارك وتعالى، أن نرضى بالمصائب وأن نفرح بها وأن نعلم أنها كفارة وأن الله قد رحمنا بهذه البلايا وعلينا أن نلجأ إليه فلا ملجأ منه إلا إليه ولا وليّ لنا إلا هو ولا نصير لنا إلا هو فنرضى بقضائه ونفرح بقدره ونعلم أن ما أصابنا من ضر فبرحمة الله لرحمة ولتكفير سيئاتنا ونلجأ إليه في رفع الضر وفي رفع البلاء هو الولي هو النصير‫.‬‬
‫وينتقل الكلام الآية أخرى من الآيات الدالة على وجود الله وهيمنته على خلقه‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَـٰمِ ﴿32﴾ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍ ﴿33﴾ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا۟ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍۢ ﴿34﴾
‫(وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَـٰمِ (٣٢)) الجواري‫:‬ السفن جمع جارية وسميت السفينة جارية لأنها تجري في البحر وقد قال ربنا، تبارك وتعالى‫:‬ (إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ (١١)) [سورة الحاقة آية‫:‬ ١١]، السفينة (وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ) الجوار‫:‬ السفن، (فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَـٰمِ (٣٢)) أعلام جمع علم العلم‫:‬ الجبل كل مرتفع تسميه العرب عَلَم كل مرتفع من الأشياء يطلق عليه لفظ علم فها هي السفن في البحار عالية ظاهرة كالجبال أو كالأعلام أو كالقصور لأن كلمة عَلَم أيضا تطلق على القصر آية من آيات الله، تبارك وتعالى، لأن الله، تبارك وتعالى، هو الذي جعل في البحر سنّة الإغراق وسُنّة الطفو هو الذي خلقها وما خلقناه نحن اكتشفنا نظرية الطفو ونظرية إزاحة الماء، اكتشفنا هذا لكن الأصل أن الله، تبارك وتعالى، هو الذي وضع هذه السنن في هذه الأشياء فمن آياته هذه السفن في البحر تجري (إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ ۚ ) الرياح قراءة (فيظِللْن) قراءة والرياح من خلق الله هو الذي يرسل الرياح وما يقوله علماء الأرصاد من وجود منخفض جوي ومرتفع جوي ومن وجود كذا وكذا ما هو إلا شرح ومراقبة وملاحظة لشيء موجود هو خالقه فالرياح هو مسيرها هو خالقها ولو تأملت لوجدت أن الرياح من أكبر المعجزات في هذه الدنيا الرياح معناها هبوب للهواء كيف يهب الهواء؟ كيف يهب؟ أنت حين تريد أن تفعل مثل ذلك فلا بد لك من قوة تنفخ بها فإن نفخت في الشيء نفخت بفمك أخرجت الهواء ونفخت إذا لا يمكن للهواء أن يتحرك إلا بشيء يدفعه لا يمكن للهواء أن يتحرك منفردا لا بد من محرك للهواء والهواء محيط بالأرض من كل جانب، الغلاف الجوي، هذا الغلاف الجوي محدد بالسمك سُمكه محدد وكثافته محددة هذا الغلاف الجوي المفروض فيه ألا يتحرك لأنه ليس هناك محرك يحركه لا من ذاته ولا من خلال شيء آخر فمن الذي يجعل هذا الهواء يتحرك فإذا به رياح أو ريح إذا به بشرى يحمل المطر أو عاصف أو قاصف مدمر هذه العواصف والقواصف والرياح المدمرة ما الذي حركها؟ ومن الذي وجهها فتارة تأتي من الشمال وتارة تأتي من الجنوب وتارة تأتي من المشرق وتارة تكون لينة وتارة تكون عنيفة هو الله (إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ) كما جعلها تهب وكما أرسل الرياح فهو القادر وعلى أن يسكنها يوقفها فلا تتحرك الرياح ولا يتحرك الهواء (فَيَظْلَلْنَ) السفن (رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ ۚ ) فإذا بالسفينة التي كان شراعها يسيرها بدفع الهواء في وسط البحر وقد سكن الريح وقفت مكانها وإن وقفت السفينة مكانها غرق أهلها من الجوع وغرق أهلها من العطش فزادها ينفذ مهما طال الزمن وقد يسأل أحدكم ويقول ألا تسيّرها الأمواج؟ لا لأن الأمواج مسيّرة والذي يسيّر الأمواج الرياح فإن سكن الريح سكنت الأمواج وسكن الماء وما تحرك الماء قيد أنملة (فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ) ثوابت ساكنة راكد الشيء‫:‬ سكن والمراكد الأماكن التي يركد فيها الإنسان أو تركد فيها الأشياء وكل ثابت ساكن يسمى راكد، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍ (٣٣)).‬
‫أيها الأخ المسلم الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر من هنا يقول الله، تبارك وتعالى، في معرض ذكر الآيات والدلائل على وجوده وقدرته وخلقه للخلق وقدرته على الإهلاك وعفوه بالإنجاء آيات ودلائل يتأمل فيها الإنسان المستفيد من التأمل وصفه ربنا، تبارك وتعالى، وصفه بوصفين الصبر والشكر لأنه قال‫:‬ (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍ (٣٣)) الصبار كثير الصبر كلما ابتلي صبر لأن الصابر قد يصبر مرة فيطلق عليه كلمة صابر أصابه بلاء فصبر فقيل فيه هو صابر على بلاء الله أو على قضاء الله وكذا الشاكر جاءته النعمة فشكر فحين شكر يقال له شاكر أما الصبار فهو المواظب على الصبر كثير الصبر وكذا الشكور كثير الشكر كلما جاءته نعمة شكر، وكلما أصابته بلية صبر، من هنا نبهنا النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى أن الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر لأن العبد بين أمرين‫:‬ بين فرح وحزن بين ضحك وبكاء بين صحة ومرض وبين غنى وفقر بين خلو البال وبين انشغال البال بين صلاح الحال وبين فساد الحال المرء في هذه الدنيا بين أمرين بين شر وبين خير بين ضر وبين نفع، فالمؤمن في حالة الضر صابر وفي حالة النفع شاكر هذا هو المؤمن من هنا قيل إن الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر‫.‬ أيها الأخ المسلم من شروط الإيمان بالله، تبارك وتعالى، الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره حلوه ومره والبلية نعمة خفية حين قال قائلها هذا أن البلية نعمة خفية نظر إلى قول الله‫:‬ (وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍۢ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) أيهما أفضل عقوبة الدنيا أم عقوبة الآخرة؟ أيهما أحف؟ أيهما أهون؟ أيهما محتمل؟ عقوبة الدنيا لا شك، فما أصابك من مصيبة في الدنيا ثق أنها رحمة من الله إياك واليأس فلا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون إياك والاعتراض فإن الاعتراض كفر إياك وأن تنسى الله حال الرخاء فينساك حين الضراء فإن ذكرت الله في رخائك ذكرك الله في ضرائك‫.‬ أيها الأخ المسلم الله يعلم وأنتم لا تعلمون والله، تبارك وتعالى، يختار ما يشاء فإن كان الاختيار لمسلم ولمؤمن فكل ما أصاب المؤمن والمسلم خير في عاجله وفي آجله ونبينا، صلى الله عليه وسلم، يشبه المؤمن بخامة الزرع العود الأخضر الطري كالنجيل في الحدائق العود الأخضر الطري يشبه المؤمن بهذا العود بخامة الزرع مهما جاءتها الريح كفأتها بمعنى أن الريح مهما اشتدت ومهما عظمت ومهما كانت عاصفة قاصفة إذا جاءت ومرت على خامة الزرع هل تقتلعها؟ أبدا تميل خامة الزرع مع الريح فإن جاءت من الجانب الآخر عادت ومالت إلى الجانب الآخر حيثما جاءتها الريح كفأتها لا تموت ولا تؤذى لأنها تتحرك مع الريح هذا هو المؤمن إن أصابته ضراء صبر وإن أصابته سراء شكر، أما الكافر فكالأرزة الشجرة القوية الغليظة إذا جاءتها الريح قصمتها (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا۟ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍۢ (٣٤)) الكلام فيه تقدير (إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره أو يرسل الريح قاصفا فيوبقهن بما كسبوا) وبق‫:‬ هلك أوبقه أهلكه (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا۟) يغرقهن بما كسبت أيديهم من معاص وشرور وذنوب، والإهلاك قد يكون للسفن وقد يكون لأهلها، (أَوْ يُوبِقْهُنَّ) السفن، (أَوْ يُوبِقْهُنَّ) أي أهل السفن، كما قال‫:‬ (وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا) [سورة يوسف آية‫:‬ ٨٢] أي واسأل أهل القرية، (وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٤]، أي أهلكنا أهلها هنا كذلك (أَوْ يُوبِقْهُنَّ) يوبق السفن أي يوبق من هم فيها (أَوْ يُوبِقْهُنَّ) يغرقهن، بما كسبوا (وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍۢ (٣٤)) يعف هنا بغير واو يعفو الأولى (وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍۢ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ﴿۳۰﴾) فيها الواو هنا (وَيَعْفُ) بغير واو وتقرأ هكذا‫:‬ (وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ﴿۳۰﴾) لا تقل ويعفو كما تقول في الأولى وإن كانت هناك قراءة ( ويعفو عن كثير) كالأولى الأمر أمر إعراب، (وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ﴿۳۰﴾) مجزومة عطفا على مجزوم يسكن ويعف أو ويعفو مرفوعة على الاستئناف، قراءتان، (وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ﴿۳۰﴾) من أهلها والآية تحتمل أن الله، تبارك وتعالى، يقول إنه إن شاء أغرق السفن بمن عليها بما كسبت أيديهم من ذنوب ويعفو عن سفن أخرى رغم أنها ارتكبت من ذنوب، فهو يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، أو (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا۟) فيغرق بعض أهلها وينجو البعض الآخر بعفو الله لا لأنه يعلم السباحة، وكم من سباح غرق يعف عنه فهناك من يغرق وهناك من ينجو هذا بما كسبت يداه وهذا بعفو الله، قد يسأل سائل هل الآية تختص بالسفن ذات الشراع فقط، هناك سفن تسير بالآلة والسفن التي تسير بالآلات لا يؤثر فيها الريح من حيث المسير لكن يؤثر فيها الريح من حيث الإغراق فكم من سفن قوية عملاقة مجهزة بكافة الأجهزة تسير بالآلات ولا تعتمد على الرياح أو الشراع ومع ذلك جاءها القاصف من الريح فأغرقها‫.‬ أيها الأخ المسلم الرضا بقضاء الله أيا كان هذا القضاء الله يعلم وأنتم لا تعلمون وقد تكرهون شيئا وهو خير لكم وقد تحبون شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون‫.‬‬
‫فمتاع الدنيا قليل وزادها حقير وخطرها قليل عمرها قصير فمهما عمّر الإنسان في هذه الدنيا فبالقياس لا أقول بالقياس للآخرة والخلد بل أقول بالقياس لمدة القبر لو رجعنا إلى الوراء لرأينا قصة فرعون وهو زمن قريب أين فرعون وأين موسى وزمن موسى من نوح كم من قرون وأين زمن نوح من زمن آدم أزمان ودهور تعد لا أقول بملايين السنين بل بملايين ملايين السنين هؤلاء الناس الذين ماتوا على الرضا هم في نعيم منذ ماتوا فالقبر إما حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة وهؤلاء الذين أغرقهم الله في زمن نوح وأغرقهم الله في زمن موسى هم في العذاب الأليم منذ ماتوا أو أغرقوا إلى يومنا هذا بل إلى يوم الساعة (ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّۭا وَعَشِيًّۭا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ (٤٦)) [سورة غافر آية‫:‬ ٤٦]، كم من السنين عاشوا؟ كم؟ قارون غنى لم يسمع به أغنى مخلوق على وجه الأرض منذ خلقت الأرض منذ خلقت الأرض إلى أن تقوم الساعة قارون، مفاتيح الخزائن ليست الخزائن ولا ما الخزائن المفاتيح لا يستطيع العشرة من الرجال أن يحملوها فكيف بالخزائن خسف الله به وبداره الأرض من يومها إلى الآن يتجلجل فيها ترى كم من السنين عاش قارون كم من اللحظات استمتع حين خرج على قومه في زينته؟ كم؟ خرج على قومه في زينته كم مرة كم سنة كم لحظة؟ استمتع بالغنى والمال أيساوي ذلك ما هو فيه الآن؟ فرعون قال أنا ربكم الأعلى كان إلها في الأرض والغريب أنه كان يعبد طواعية فمن الحكام جبابرة يجبرون الناس على الخضوع لهم فإن خضعوا في الظاهر تمردوا في الباطن كم من حاكم جبار سيطر على رعيته وأخضعهم بالقهر وبالجبر فخضعوا ظاهرا ولم يخضعوا باطنا، أما قوم فرعون خضعوا له ظاهرا وباطنا عبد إله من دون الله يعبد في الأرض أي جاه هذا أي ملك هذا أي سلطان هذا أن يسجد الناس له سجود وطاعة عمياء، كيف كان غناه أتريد أن تعرف كيف كانت كنوزه انظر إلى قبره وقف كي تعرف أو تتخيل كيف كان قصره هذا هو قبره أهرام الجيزة تلك قبور والتي حار العلماء إلى يومنا هذا في سرها كيف بنيت وكيف شيدت وكيف بقيت وكيف هندست وكيف فيها السراديب والحجرات وكيف وجد العلماء في القبور اللآلئ والذهب فترى ما كان في القصور؟ إذا كانت هذه المذهبات وهذه اللآليء وهذه الجواهر وهذا القدر من الذهب في القبر زُين به القبر ترى ما الذي زين به القصر كم من السنين عاش فرعون يعبد يسجد له طواعية لأن الله يقول (فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ ) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٥٤]، استخفهم ولم يقل أجبرهم الإجبار والإذلال والاستضعاف كان لقوم موسى يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم فالإرهاب كان لقوم موسى أما لقوم فرعون فلم يكن هناك إرهاب مطلقا بل استخفاف (وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٥١]، (فَلَوْلَآ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌۭ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٥٣]، حوار استخف عقولهم واستخفهم فأطاعوه ليس بالإجبار والإكراه هذا الذي عبد طواعية كم سنة مائة من السنين متمتع بالشباب والصحة بل تقول مائة مائتين من السنين منذ متى وفرعون في قبره يعرض على النار مرتين في كل يوم منذ كم من السنين في أضعف الأقوال خمسة آلاف من السنين قبل الميلاد أي سبعة آلاف سنة كل سنة بها ثلاثمائة وخمس وستين يوما في كل يوم يعرض مرتين صدق ربي حيث يحدثنا عن مقالة الكافر (وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرَٰبًۢا (٤٠)) [سورة النبأ آية‫:‬ ٤٠]، صدق الله، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى، أن متاع الدنيا قليل ويبين لنا ويبين لكل الناس من آياته في خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة وأنه كما قدر على الإنشاء فهو قادر على الإعادة بعد الإفناء كذلك السفن تدل على الحركة أيضا تدل على الانتقال من مكان إلى مكان أيضا تدل على أن أرض الله واسعة أيضا تدل على الأرزاق وعلى رحمة الله فبالسفن نتبادل المنافع مع الدول الأخرى نحن نعطيهم القطن وهم يعطونا القمح وتتبادل المنافع بين الناس ومن رحمته جرت السفن وقد يغرقها بما كسبت أيديهم وليس بظلم فما ربنا بظلام للعبيد وقد ينجيها بالفضل فالعبد يتقلب بين الفضل والعدل، والعدل وإن حدث أو يوبقهن بما كسبوا ويعفو عن كثير في هذه الحالة:
وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍۢ ﴿35﴾
ولذا ما من كافر ركب البحر فهاجت الرياح وأوشكت سفينته على الغرق إلا ودعا الله مخلصا له الدين فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم عادوا إلى كفرهم وكان الله قادرا على أن يجبر الناس على الإيمان لكنه لو أجبرهم على الإيمان ما بقيت جنة ولا نار لكن الله أراد أن يبتلي الخلائق، (وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)) [سورة الأنبياء آية‫: ٣٥]، نعم إذا أغرق السفن علم الكفار ما لهم من مهرب ولا من ملجأ (وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا) (ويعلمُ) قراءة باستئناف على الرفع ويعلمْ بالجزم عطفا على المجزوم السابق ويعلمَ ويعلمُ ويعلمْ (وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا) الجدال هو محاولة تسفيه الخصم الجدال ليس هدفه الوصول إلى الحق هدفه الغلبة والانتصار وتسفيه كلام الآخر وما إلى ذلك هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله أي يكذبون بها الكلام عن الكفار حين يركبون السفن وتوشك على الغرق يعلم هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله ما لهم من محيص ما لهم من مهرب ما لهم من ملجأ حاص يحيص حيصا وحيوصا هرب وفرّ إذا يعلم هؤلاء ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص إذا فخلاصة كل ذلك‫:
فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍۢ فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿36﴾
ختام لمجموعة الآيات التي تكلمنا فيها من أروع ما يمكن في الإيجاز وفي الشرح وفي الإفهام ها أنت قد رأيت الآيات ها أنت قد رأيت الدلائل إذا فقد تيقنت من وجود الله وتيقنت من قدرة الله وتيقنت من البعث والنشور آمنت بذلك وعلمت أن ما أصابك من ضر فبرحمة الله بعدله وما أصابك من خير بفضله ولا ولي لك ولا نصير لك ولا ملجأ لك إلا الله لذا تعلم أن ما أوتيت في الدنيا متاعه قليل والدنيا عمرها قصير وزادها قليل وخطرها حقير إذا كان الأمر كذلك فما أوتيتم من متاع في هذه الدنيا فترة بسيطة تستمتع لحظات، أما ما عند الله خير وأبقى خير لأنه أفضل من كل شيء من حيث الكيف ومن حيث الكم ومن حيث النوع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وأبقى لأن ما في الدنيا يزول وما عند الله لا يزول ما في الدنيا يعترضه الخوف فحتى مهما كان عندك من مال فأنت تخاف أن يضيع أو تهلك تجارتك أو تسقط عمارتك أو أو أو ومهما كنت في صحة فالمرض يلاحقك ومهما كنت في شباب فالكبر يلاحقك فمتاع الدنيا زائل أنت تخاف في قلق وفي خوف من العوارض التي تعترض الاستمتاع فهو استمتاع غير كامل، أما ما عند الله فهو أولا خير أفضل لا مقارنة بين ما عندك في الدنيا وما عند الله في الآخرة أيضا ما عندك يزول وما عند الله لا يزول بلا قلق بلا خوف دائم عطاء غير مجذوذ لا مقطوعة ولا ممنوعة (وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)) الإيمان بأن الله قادر على الإنشاء وقادر على الإعادة بعد الإفناء وأنه الفعال لما يريد والإيمان بالقضاء والقدر ثم التوكل على الله لأنه ليس لنا ولي ولا نصير بل هو سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير(فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍۢ فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ) نعم ما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا أي شيء الصحة نعمة ولكنها لا تدوم الشباب نعمة ولكنه يدوم والمال نعمة ولكنك لا تأخذه معك والجاه ولكنه لا ينفع ولا يشفع والصحب والآل والأهل والخلاَن كل أولئك يتركونك بل ويهيلون عليك التراب ما من شيء في هذه الدنيا إلا وزائل متاع وكلمة متاع أصلا تفيد معنى القلة والزمن اليسير من قولهم متع النهار ارتفع وارتفاع الشمس وضوء النهار لا يدوم إلا سويعات وهكذا الدنيا ما هي إلا سويعات وأي إنسان منا يحسب عمره كم مضى من السنين وكأنها لحظات بل لحيظات، (فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍۢ فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ) فالدنيا عمرها قصير وزادها قليل وخطرها حقير والمطمئنون بها جاهلون مخدوعون مغرورون (وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ) نعم خير لأنه أفضل ولأنه أحسن ولأنه من الله، تبارك وتعالى، ثواب وجزاء وفضل ورحمة وإحسان وأبقى لأنه دائم لا يزول أبدا غير مقطوع وغير ممنوع ولكن الله، تبارك وتعالى، جعل ما عند خيرا وأبقى لفئة من الناس وجاءت أوصافهم‫:‬‬‬‬‬‬
وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا۟ هُمْ يَغْفِرُونَ ﴿37﴾ وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ﴿38﴾ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴿39﴾
فالله، تبارك وتعالى، جعل ما عنده خير وأبقى لفئة من الناس جاءت أوصافهم (الذين آمنوا) الإيمان معلوم هو الإيمان بالله وبأنه الواحد الأحد الخالق الرازق الإيمان به وبصفاته الإيمان بالله وبرسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر وبالقضاء والقدر خيره وشره حلوه ومره (وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)) هؤلاء الذين خرجوا من حولهم وقوتهم إلى حول لله وقوته وألجئوا الأمور إلى الله وعلموا أن الله، تبارك وتعالى، إليه يرجع الأمر كله ولا يقع في ملكه إلا ما يريد فأنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد، هؤلاء المتوكلون على ربهم أوكلوا إليه الأمور فسألوه الطاعة سألوه الهدى سألوه الستر سألوه العفو سألوه العافية خرجوا من حولهم وقوتهم علموا أن الإنسان خلق ضعيفا علموا أن الله، تبارك وتعالى، هو ذو الحول وهو ذو الطول وهو ذو السلطان وهو الآمر الناهي الفعال لما يريد هؤلاء هم أصحاب الآخرة هؤلاء هم المستحقون لما عند الله الذي هو خير وأبقى (لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦))، (وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ) كبير الإثم قراءة (وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا۟ هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)) أي أيضا ما عند الله خير وأبقى للذين يجتنبون كبائر الإثم فهي معطوفة على قوله (لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟) أي كذلك الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وكبير الإثم‫:‬ الكبائر، الكبائر معروفة الشرك بالله عقوق الوالدين قول الزور الزنا القتل الربا الغيبة النميمة التولي يوم الزحف السرقة الغصب الكبائر معلومة واجتنابها ميسور هؤلاء الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، الفواحش لو تتبعناها في القرآن لوجدنا أنها غالبا ما تطلق على الزنا على وجه الخصوص (إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةًۭ وَسَآءَ سَبِيلًۭا (٣٢)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٣٢]، وقيل إن الفواحش من الكبائر والعطف هنا عطف الخاص على العام من عطف الخاص على العام، ولكن هي من الكبائر ولكنها أشنع وأفحش وأفظع، أي الأشنع من الكبائر والأفظع من الكبائر والأفحش من الكبائر هو ما يطبق عليه الفواحش، وقيل إن المعنى الذين يجتنبون المعاصي عموما لأنها من الكبائر ومن الفواحش هؤلاء المجتنبون للكبير من الإثم والفواحش هم أيضا مبشرون بما عند الله وتأتي صفة أخرى يصفهم بها ربنا، تبارك وتعالى، (وَإِذَا مَا غَضِبُوا۟ هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)) وجاء بالضمير وبنى عليه كلمة يغفرون وكأنهم هم الأحقاء بذلك المتصفون بهذا (وَإِذَا مَا غَضِبُوا۟ هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)) لا ينتقمون ممن أغضبهم هؤلاء هم الكاظمون للغيظ العافون عن الناس إذا أغضبهم أحد من الناس غفروا له لأنهم يحبون أن يغفر لهم عقلوا ما قاله الله، تبارك وتعالى، (وَلْيَصْفَحُوٓا۟ ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۗ ) [سورة النور آية‫:‬ ٢٢]، إذا فهؤلاء الغافرون يغفر الله، تبارك وتعالى، لهم وجيء بهذه الصفة في سياق المدح لهم (وَإِذَا مَا غَضِبُوا۟ هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)).‬‬‬‬‬‬‬
(وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ (٣٨))
‫(وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمْ) أطاعوه واستمعوا لأمره ونهيه وعملوا بما أوصاهم به واجتنبوا ما نهاهم عنه هؤلاء المستجيبون الذين سارعوا بإجابة الداعي (رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًۭا يُنَادِى لِلْإِيمَـٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا ۚ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٩٣]، وقيل أن الآية نزلت في الأنصار في أهل المدينة حيث بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، لهم اثنا عشر نقيبا فدعوهم للإسلام فسارعوا بالاستجابة هؤلاء الذين استجابوا لربهم (وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ) وإقامة الصلاة الإتيان بالصلاة في أوقاتها وبالهيئة التي شرحها النبي، صلى الله عليه وسلم، حيث قال‫:‬ (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُوني أُصَلّي) فهم يعدلون أركانها يتمون ركوعها وسجودها وقيامها هؤلاء هم خاشعون في صلاتهم لا يشغلهم عن الصلاة شاغل ولا يلهيهم عن ذكر الله لاه هؤلاء الذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) يتشاورون في الأمر والشورى هي استخراج الرأي الأمثل بمراجعة البعض البعض إذا حزبهم الأمر يتشاورون يراجع بعضهم بعضا حتى يستخرجون الرأي الأمثل فهم مجتمعون على كلمة واحدة لأن القوم إذا شاور بعضهم بعضا هدوا لأرشد الأمور لا شك في ذلك ما خاب من استشار وما ندم من استخار مدحهم ربنا، تبارك وتعالى، باتفاق كلمتهم فالاختلاف ليس من شيم المؤمنين والله، تبارك وتعالى، يحذرنا (وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ ۚ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٠٥]، فالاختلاف ليس من شيمة الأمة بل الأمة كلمتها واحدة لأن الاختلاف ينشأ من اختلاف الرأي والفكر والعقل ونحن في أمور ديننا مأمورون بالرجوع إلى الله وإلى رسوله (وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍۢ فَحُكْمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ١٠]، وقد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يشاور أصحابه في أمور الحرب وفي أمور الدنيا وفيما لم ينزل فيه وحي فإذا نزل الوحي فلا مشورة هناك فالأمر لله، أما قيما لم ينزل فيه الوحي فقد كان يشاورهم وهو غني عن الشورى وقد أمره الله، تبارك وتعالى، بذلك فقال‫:‬ (وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٥٩]، فربنا، تبارك وتعالى، يمدح هؤلاء المؤمنين بأنهم يشاورون بعضهم بعضا وكلمتهم واحدة وأمرهم جميع متفقون لا ينفرد أحدهم بأمر من الأمور هذا فيما يتعلق بعموم الأمور بما يخص الجماعة لا ينفرد فيهم أحد حاكما كان أو محكوما فلا يصح للحاكم أن ينفرد بالحكم دون الرعية وعليه أن يشاور أهل الحل والعقد وأن يحيط نفسه بأولي الألباب ذوي العقول الراجحة الخلص الذين لا تؤثر فيهم الدنيا ولا يحيط نفسه بالمنافقين والوصوليين فكما قال نبينا، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (وَلاَ اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيْفَةٍ إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ ، وتَحُضُّهُ عَلَيهِ ، وبِطَانَةٌ تَأمُرُهُ بِالشَّرِ ، وَتَحُضُّهُ عَلَيهِ ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ تعالى)، (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) والغريب أن الكلمة كلمة الشورى والمشاورة والمشْوَرة أصل الكلمة مأخوذة من قولهم شرْت العسل فالرجل إذا أراد أن يستخرج العسل من خلايا النحل عملية استخراج العسل من مكانه حيث خزنته الشغالة عسل النحل عملية استخراج العسل من خلاياه وأماكنه هذه العملية يطلق عليها شرت العسل استخرجته فكأن الشورى استخراج خير الآراء وأفضل الاختيارات هؤلاء أمرهم شورى بينهم فهم يعلمون أن الرزاق هو الله وما في يدك من مال صاحبه هو الله والمعطي هو الله والمال مال الله لا بجهدك ولا عرقك ولا كدك ولا تعبك وإنما فضل من الله فإن كنت قد حصلت على المال بكد بكفاح من الذي أعطاك القوة والصحة؟ هو الله وإن كنت قد حصلت على المال بالعقل والتفكير والتدبير فرضا من الذي منحك العقل وسلامة الرأي هو الله وهكذا فالمال مال الله أيا كانت طريقة اكتسابه طالما كان من حلال (وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ) ولم يقل مما اكتسبوا بل قال‫:‬ (وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ (٣٨)) ينفقون في السراء والضراء ينفقون سرا وجهرا يخرجون زكاة أموالهم بل يتصدقون أيضا ففي أموالهم حق للسائل والمحروم (وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴿۳۹﴾) البغي‫:‬ الظلم والبغي كما قلنا من قبل هو طلب تجاوز حد الاعتدال وحد الاستقامة في الحصول على المراد مباحا كان أو حراما بغى الشيء طلبه وابتغاه سعى في طلبه إذا فالبغي هو طلب التجاوز، التجاوز عن حد الاستقامة في الحصول على الأشياء إذا فالبغي ظلم البغي تجاوز للحدود فالذين إذا أصابهم البغي أي أصابهم ظلم الظلمة وتجاوز الحدود من الفجار(هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴿۳۹﴾) ينتصر لنفسه أو يجتمعون معا حتى يزيلوا الظلم ويرفعوا البغي لا يقل كل واحد منهم أنا ونفسي مالي وما لغيري أبدا بل هم كما قال في شأنهم متشاورون أمرهم شورى متفقة كلمتهم أمرهم جميع فهم كذلك إذا أصابهم البغي اجتمعوا جميعا على قلب رجل واحد لرفع الظلم وإزالة البغي لأنه يكره للمؤمن أن يذل لأن المؤمن إن رضي بالضيم والهوان والظلم اجترأ عليه الفساق واجترأ عليه الفجار وعمّ الظلم في البلاد وارتفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هؤلاء إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، ينتصرون لأنفسهم كما أذن الله، تبارك وتعالى، للمؤمنين حين أخرجوا من ديارهم بغير حق أذن لهم في القتال فقال عز من قائل‫:‬ (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)) [سورة الحج آية‫:‬ ٣٩]، نعم هؤلاء الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله أذن الله، تبارك وتعالى، لهم في الانتصار لأنفسهم (وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴿۳۹﴾) ولكن في الانتصار حدود لا يصح التجاوز عنها ولا يصح تعديها‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿40﴾
سمي الانتصار وسمي رد البغي والظلم سيئة لأنه يسيء من فعل بك السيئة للمقابلة اللفظية (وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا ۖ ) دون تعد للحدود السن بالسن والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والجروح قصاص نعم (وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا ۖ ) كما يقول الله، تبارك وتعالى، في موضع آخر (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ ) [سورة النحل آية‫:‬ ١٢٦]، (وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا ۖ ) في حدود دون تجاوز أيضا ليس في كل الأمور فالانتصار للنفس والانتقام من الظالم ليس في كل الأمور في الأبدان كالجروح القصاص، نعم في الأموال كذلك ولكن إذا سبك شخص أو شتمك شخص أتسبه أتشتمه أترد له السيئة بسيئة لا يصح أبدا السباب والشتم لا يصح رده مطلقا وكذا الغيبة من اغتابك أساء إليك أيصح أن ترد عليه الغيبة بالغيبة؟ هذا ليس انتصار وإنما نزول إلى الهاوية معه، إلى الحضيض معه، ارتكاب للفواحش وارتكاب للكبائر فالانتصار وقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا ۖ ) هذا فيما يتعلق بالأموال والأبدان كالجروح وكالقتل وكغصب الأموال وما إلى ذلك أما ما يتعلق بالعرض من شتم وسب وغيبة ونميمة وفسوق كل ذلك لا يصح فيه الانتصار، (فَمَنْ عَفَا) عفا عن المسيء والعفو‫:‬ المحو من عفا عن المسيء نسى له إساءته ولم يقابلها بسيئة ولم ينتصر لنفسه (وَأَصْلَحَ) ما بينه وبين هذه الذي أساء إليه، (عَفَا) لم يؤاخذ وغفر وصفح ثم (وَأَصْلَحَ) بينه وبين المسيء (فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ ) بل هي عدة وعد مبهم (فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ ) أبهم الأجر ليبين لك عظم هذا الأجر لأن الأجر إن كان مبهما لا يعرف قدره ولا يعرف عظمه إلا الله المؤجر العاطي المثيب (إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٤٠)) الظالمين الذين بدءوا بالإساءة، أو الذين ردوا الإساءة فتجاوزوا الحد، (وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا ۖ ) فإن تجاوز الحد فهو ظالم بعد أن كان مظلوما أصبح ظالما فالبادئ بالإساءة ظالم ومن رد الإساءة بإساءتين أو تجاوز فهو ظالم من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٤٠)).‬
‫ثم يفتح الباب مرة أخرى ويقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ﴿41﴾
إذا من انتصر لنفسه وكان مظلوما فرد ورفع الظلم عن نفسه وانتصر لنفسه في المباح، فيما هو مباح في الانتصار كما قلنا لا يصح الانتصار في السباب والشتم وما إلى ذلك فمن انتصر بعد ظلمه وجازى بالسيئة سيئة وعاقب بمثل ما عوقب به ولم يتجاوز الحد هؤلاء‫:‬ (فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (٤١)) أي لا عتاب ولا عقاب ولا سؤال ولا مطالبة لهم (مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (٤١)) فهم يستردون حقوقهم وهم يؤاخذون من ظلمهم سيئة بسيئة عقاب بعقاب جزاء بجزاء دون تجاوز الحد للحد أرادوا أن ينتصروا لأنفسهم وأرادوا أن يأخذوا حقهم ولم يريدوا أن يستذلوا في الناس فتجترئ عليهم اللئام ‫(وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (٤١)) لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يصح للحاكم أن يؤاخذ كما أن الله، تبارك وتعالى، لا يعاتبهم ولا يطالبهم‫.‬‬
‫(إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ) أي المؤاخذة والأخذ على الأيدي والمطالبة والمعاتبة والمعاقبة تكون على‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿42﴾
نعم هؤلاء هم عليهم السبيل في الدنيا وفي الآخرة في الدنيا بأن يقيم عليهم الحاكم الحدود وأن يضرب الحاكم على أيديهم وأن يردعهم ويعاقبهم حتى لا يستشري الظلم وحتى لا ينتشر الفجور وحتى لا يعم البغي وحتى ولا يستضعف الناس هؤلاء عليهم سبيل في الدنيا بالحدود وبإقامة شرع الله وبعدل الحاكم وعليهم أيضا السبيل في الآخرة بسؤال الله وبالعقاب الذي أعد لهم في الآخرة (إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ) في مال أو في عرض أو في شيء (وَيَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۚ ) العلو والفساد ونشر المعاصي وإفشاء الذنوب والآثام والفجور هؤلاء الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض يفسدون في الأرض بعد إصلاحها يبغون فيها الفساد يريدون فيها العلو يريدون فيها انتشار المعاصي وخفض الحق ورفع الباطل والتدليس والتزوير وإيهام الناس بأمور ليست مما أمر الله بها بل هم يغيرون في الأسماء وفي الألفاظ كما ترون في دنيانا هذه من تسمية الأسماء بغير أسماءها فالعري والفجور والتعري والفتنة وإثارة الغرائز تسمى فنا بل ويثاب فاعلها ويحصل على الجوائز وإن مرض عولج على حساب الدولة من أموال الناس فتسمية الأمور بغير أسمائها وعدم الضرب على أيدي الظلمة الباغون في الأرض كل ذلك مما يرد تحت هذه الآية (إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۚ ) البغي في الأرض بغير الحق الإفساد بعد الإصلاح إهدار الحدود عدم إقامة شرع الله نشر المعاصي تزيين الفجور والإثم هؤلاء عليهم سبيل (أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (٤٢)) وجيع يعدهم ربهم، تبارك وتعالى، بالانتقام ويعد لهم من العذاب ما لا يخطر لهم ببال‫.‬‬
‫ثم يقول الله، تبارك وتعالى، بعد ذلك‫:‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ﴿43﴾
‫(وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ) صبر على الأذى وغفر للمسيء (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ) صبر على الإيذاء وصبر على الإساءة وصبر على ما يلقاه فالقابض على دينه كالقابض على جمرة من نار (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ) غفر للناس وغفر للمسيئين إليه (إِنَّ ذَٰلِكَ) هذا الوصف وهذا الفعل وهذه الخصلة (لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ (٤٣)) أي عزائم الله التي أمر وأوصى بها، أو (إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ (٤٣)) أي عزائم الأخلاق التي وفق لها من صبر وغفر وفق لعزائم الأمور أي وفق للأصلح والأفضل‫.‬ أيها الأخ المسلم تلك كانت صفات وصف الله، تبارك وتعالى، بها عباده الذين منّ عليهم في الدنيا بالطاعة ومنّ عليهم في الآخرة بالأجر الجزيل، صفات هو خالقها وهو مانحها فلا يزكي النفوس إلا الله ولا يهدي لأحسن الأخلاق إلا الله تلك مكارم الأخلاق الله، هو حددها وهو أوجدها وهو الرازق لها من هنا كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يسأل الله، تبارك وتعالى، دائما ويقول‫:‬ (وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ).‬
‫ربنا، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَإِذَا مَا غَضِبُوا۟ هُمْ يَغْفِرُونَ ﴿۳۷﴾) فمدح الغافرين لذنوب الآخرين ولإساءاتهم والكاظمين الغيظ ثم قال‫:‬ (وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴿۳۹﴾) فمدح الآخذين بحقوقهم المنتصرين لأنفسهم ثم قال‫:‬ (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ ) فمدح العفو والصفح، وقال‫:‬ (وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا ۖ ) فأباح المعاقبة وأباح الانتصار، ثم قال‫:‬ (وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ﴿٤١﴾) أهو أمر بالانتصار أم إباحة؟ ذاك في سياق المدح، هذا الكلام في معرض المديح إذا فمن انتصر بعد ظلمه ممدوح مثنى عليه من الله ثم قال ربنا، تبارك وتعالى‫: ‫(وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ (٤٣))‬ فبأي الأمور نأخذ بالصبر؟ أم بالعفو؟ أم بالغضب؟ أم بالغفران أم بالانتصار أم بالمعاقبة أم بمقابلة السيئة بالسيئة أم بالعفو أم بالصفح، بأي الأمور نأخذ؟ أهي أصناف من الناس كلهم مثنى عليهم أم هي ظروف وأحوال لأن الكلام يبدو فيه لأول وهلة التعارض أو التضارب لغير التأمل، أما المتأمل فيجد أن الأمر لا يخرج عن حالتين إما هم أصناف من الناس وإما هي أحوال فأما التقسيم من حيث الأصناف فمن الناس من يترك أجره على الله ويعفو ويصفح ويغفر ويصبر ويتجنب إساءة الناس ولا يحتك بهم أو يفعل ما يجعلهم يسيئون إليه فيزهد فيما في أيديهم فيحبه الناس ولا يتصارع معهم على زاد الدنيا الحقير فهذا المجتنب للتصارع والتفاخر والتكاثر النائي بنفسه عن التفاهات المتباعد عن مجالس المعاصي والسوء والغيبة والنميمة الحافظ للسانه وكيانه قلما يصيبه ظلم وقلما تقع عليه الإساءة فهذا الصنف من الناس إن حدث ووقعت عليه الإساءة أو بغي عليه أو ظلم عفا وأصلح وهو مثنى عليه ممدوح في القرآن منح من عزم الأمور ما وفق به إلى خير الأمور‫.‬ والصنف الآخر هو الذي تحتم عليه الظروف أن يحتك بالخلائق وأن يخالط الناس شرارهم وخيارهم فهو مخالط لهم محتك بهم لا تسمح له الظروف بالتنائي والتباعد والانفراد فهذا الذي حتمت عليه الظروف أن يحتك ويختلط لا بد وأن يكون ذو عزة نفس لا بد وأن ينتصر لنفسه لا يرضى بالضيم ولا يرضى بالظلم فإذا أصيب ببغي انتصر لنفسه حتى لا يجترئ عليه أصحاب البغي والعدوان وحتى لا يذل وحتى لا يجترئ عليه الفساق وحتى لا تصبح شيمة المؤمن الضعة والضعف والهوان فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف هذا الذي ينتصر لنفسه ولا يتجاوز الحدود التي رسمها الله، تبارك وتعالى، له، السيئة بالسيئة دون تجاوز هذا الذي ينتصر لنفسه ممدوح أيضا ومثنى عليه حتى لا يجترئ الفساق على المسلمين والمؤمنين والطائعين ويعلم الفاجر أنه إن أصاب مسلما بسيئة أصيب بمثلها وساءه ما ساء به غيره فيرتدع ويمتنع ويعلو المعروف ويزهق المنكر فهو صنف من الناس، أو هي أحوال وأوقات وذاك رأي أرجح ففي وقت يجب عليك الانتصار وفي وقت يباح لك الانتصار وفي وقت يندب لك العفو وفي وقت يستحب لك الصفح فإن كان الباغي الظالم كافرا وجب الانتصار وتحتم المعاقبة ومقابلة السيئة بالسيئة هذا في قوله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴿۳۹﴾) قوة المؤمن كما أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا كما أذن للنبي، صلى الله عليه وسلم، وأذن لأصحابه أن ينتصروا ممن بغى عليهم بل كانوا يرتجزون ويقولون‫:‬‬
‫إن الأولى بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا‬
‫نعم هي حالة فإن كان الظالم كافرا تحتم الانتصار وهذا هو المقصود بقوله (وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴿۳۹﴾) فأنت مطالب كمسلم ونحن كأمة مؤمنة مسلمة مطالبين جميعا برفع الظلم والانتقام ممن بغى علينا حتى لا نستضعف ونستذل وتسلب منا الثغور وتقتطع منا الأراضي وتسلب منا الأوطان ونضعف ونجد أنفسنا أكلة سهلة للأعداء لأعداء الله ولأعداء الدين هنا يجب الانتصار والتقاعس عن الانتصار مذموم غير مطلوب (وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا ۖ ) أيضا سواء كان المسيء مسلما أو كافرا لأن الله، تبارك وتعالى، يقول لنبيه، صلى الله عليه وسلم، حين وقف على حمزة وقد مثل بجسده وتوعد لئن أمكنه الله ليمثلنَّ بسبعين رجلا منهم فينزل إليه جبريل يقول له‫:‬ (وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّـٰبِرِينَ (١٢٦)) [سورة النحل آية‫:‬ ١٢٦]، لأن الله لا يحب تجاوز الحدود ولا يحب الظلم (إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿٤۰﴾) فجزاء سيئةٍ سيئة مثلها تعاقب بمثل ما عوقبت به سواء كان الظالم كافرا أو مسلما، إذا فهي حالة يمدح فيها الانتصار والانتقام، أما إن كان الظالم مسلما فالانتصار منه مباح وهو أيضا ينقسم‫:‬‬
‫فمن المسلمين ما يكثر ظلمه ويعتاد على البغي فمثل هذا الانتصار منه أولى وأفضل، وهؤلاء المنتصرون من المسلمين الظالمين الباغين المعتادين على ظلم الناس وأكل حقوقهم والإساءة إليهم في هؤلاء يقول الله ، تبارك وتعالى، في شأنهم في الآيات‫:‬ (وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ﴿٤١﴾) فهم المنتصرون بعد ظلمهم من هؤلاء الذين اعتادوا على الظلم من المسلمين (مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ﴿٤١﴾) ما عليهم من عتاب نَسَق الآية مختلف وكأن الانتصار هنا مباح وانظر إلى السياق (وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴿۳۹﴾) وانظر إلى صياغة الآية الأخرى (وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ﴿٤١﴾) فإن كان المسلم غير معتاد على الظلم غير قاصد للإساءة وإنما فلتة زلّة عن غير عمد عن غير قصد هنا (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ﴿٤۳﴾) إذا فهي أحوال وظروف (وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴿۳۹﴾) حتم للانتصار الظالم الكافر الباغي (وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ﴿٤١﴾) إباحة للانتصار من المسلم، (وَإِذَا مَا غَضِبُوا۟ هُمْ يَغْفِرُونَ ﴿۳۷﴾) يغفرون لغير القاصدين كما ورد عن علي بن أبي حيث جاءته الجارية بماء أراده فاترا فجاءته به حارا شديد الحرارة فحين صبت الماء على يديه آذته إيذاء شديدا فغضبت فخافت الجارية فقالت والكاظمين الغيظ يا أمير المؤمنين فقال كظمت غيظي قالت والعافين عن الناس قال عفوت عنك قالت والله يحب المحسنين قال أنت حرة فأحسن إليها، (وَإِذَا مَا غَضِبُوا۟ هُمْ يَغْفِرُونَ ﴿۳۷﴾) غضب لكن من غضب منه لم يقصد الإساءة ولم يتعمدها يغفر ويصفح أيضا (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ ) العفو هنا والإصلاح هنا بين المسلمين بين المتخاصمين من أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، تواهبوا وتصافحوا وليعفو كل منكم عن أخيه حتى لا يأتي يوم القيامة وله عنده مظلمة وكما قال نبينا، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ). أيضا إن كان المسلم والأخ قد أخطأ أو أساء عن غير عمد أو جاء يستغفرك ويستسمحك جاء معتذرا مقرا بذنبه فالناس ليسوا سواء إنسان يظلم متعمد إنسان يسيء وهو قاصد معتاد على ذلك إنسان يسيء عن غير قصد عن غير عمد لكنه لا يقر بخطئه ولا يعتذر عنه وهناك آخر تفلت منه الفلتة فإن تنبه جاءك معتذرا مستسمحا هؤلاء المعتذرون المستسحمون الخاطئون عن غير قصد وعن غير عمد (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ﴿٤۳﴾). فهي أحوال وظروف مع اختلاف الكلام عن اختلاف الناس الظالمين الباغين إن كان كافرا أو كان مسلما إن كان فاسقا اعتاد على الظلم والبغي من المسلمين يجب ردعه، أو إن كان يخطئ عن غير عمد عن غير قصد من هنا يتبين لك أن المسلم والمؤمن يجب أن يتنبه للأحوال والظروف ولا يكن جامدا متصلبا بل عليه أن يكون لينا أيضا هيّنا يتأقلم مع الظروف مع الأحوال كخامة الزرع أينما جاءتها الريح كفأتها‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم يبقى في الآيات ايضا بعض الأمور منها التحليل ومعنى التحليل أن تحلل وتحل صاحبك من خطئه إن جاءك معتذرا بعض العلماء لم يوافق على ذلك وقال لا أحلل ما حرمه الله فلا يسامح ولا يؤاخذ عن المال أو العرض إن أخذ ماله أو هتك عرضه بالغيبة بالسباب بالفسوق لا يحلل ظالما ويدع أمره إلى الله ولا يوجب التحليل ولا يرى ولا يأخذ به ومن الناس من أوجب التحليل في كل الأحوال (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ﴿٤۳﴾) المسامحة والعفو والصفح أولى وأفضل وأحسن (أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۗ ) [سورة النور آية‫:‬ ٢٢]، وهناك رأي ثالث توسط وقال ما يتعلق بالمال يستحب فيه التحليل إن كان من أخذ مالك مغلوب غير قادر على السداد مقهور فتحليل هذا الظالم بأكل مالك جائز أو مطلوب لأنه غلب لا يقصد فيجب التحليل كأن تكون قد أسلفته مالا ثم جاءته ضائقة أو جائحة فمن أين يأتيك بمالك من أين؟ هنا يجب عليك أن تحلله من ماله (فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌۭ لَّهُۥ ۚ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٤٥]، أما فيما يتعلق بالعرض من غيبة ونميمة وما إلى ذلك فقال في هذا لا يصح التحليل لأنه قد اغتاب أو نمّ وارتكب من الحرام فلا يصح أن تحلله من مظلمته اختلاف في آراء العلماء ذك هو الأمر الأول، ثلاثة آراء التحليل في كل شيء، عدم التحليل في أي شيء، التحليل فيما يتعلق بالأموال والأبدان كالإصابة والجرح، وعدم التحليل فيما يتعلق بالعرض‫.‬‬
‫أمر آخر إذا ظلمك ظالم فأخذ مالك ولم تستطع أن تسترد مالك لك ثواب ما احتبس من مالك طالما كنت حيا فإن مت انتقل الثواب إلى الورثة، لهم ثواب ما احتبس من مالك المورث فإن مات الورثة انتقل الثواب إلى ورثة الورثة، وهكذا إلى أن تقوم الساعة‫.‬‬
‫أيضا لو مات الظالم قبل المظلوم آكل المال لو مات ولم يترك مالا يوفّى دين المظلوم أو مال المظلوم المسلوب لا ينتقل الإثم إلى الورثة رحمة من الله أو ترك مالا ولم يدر الوارث بأن مورثه كان ظالما في ماله المال موجود لكن الوارث لا يدري ولا يعلم لا ينتقل الإثم إليه، أما إذا علم الوارث بأن في هذا المال الموروث حق للغير فإن أداه ارتفع عنه الإثم أما في ارتفاعه عن الميت متروك أمره إلى الله فإن لم يؤد الحق انتقل الإثم إليه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم أمور وأمور في الآيات يراها المتأمل ويراها الفقهاء وأهم ما نراه هو أن المسلم يجب عليه أن يعفو عن أخيه المسلم إن كان غير قاصد، إن كان غير عامد‫:‬‬
‫فإن كنت في كل الأمور معاتبا صديقك لن تلق الذي لا تعاتبه‬
‫فعش واحدا أو صلْ أخاك فإنه مقارف ذنبا مرة ومجانبه‬
‫فالعفو مطلوب والصفح مطلوب والتحليل مطلوب حلل الناس من مظالمهم قبلك حتى يحللك الله مما ظلمت به غيرك‫.‬‬
‫أيضا المسلم مطالب أن يكون عزيزا في داره أن يكون قويا في وطنه فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين لا يجب على المسلم أن يرضى بالضيم أو يرضى بالذل أو أن يجترئ عليه الفجار والفساق فمن عرف بالفجور والوقاحة في الجمهور والإيذاء للصغير وللكبير وجب على المسلم أن يردعه وأن ينتصر منه وألا يعفو عنه حتى لا ينتشر الفجور وحتى ولا يستضعف المؤمنون وإن كان الظالم أو الباغي كافرا عدوا لله ولرسوله وجب على المؤمن أن يدافع عن نفسه وعن ماله وعن عرضه فمن مات دون ماله فهو شهيد ومن مات دون عرضه فهو شهيد ومن مات دون أرضه فهو شهيد‫.‬ المسلم والمؤمن متكافلون متساوون في الحقوق‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم إياك والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة إياك وأكل أموال الناس فإن الذين يأكلون أموال الناس الباطل هؤلاء كأنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا، إياك ومال اليتيم إياك وأعراض الناس إياك والغيبة وإياك والنميمة مالك ومال الناس دع الخلق للخالق إن بغى عليك ظالم فانتصر منه وإن أخطأ معك مسلم فالعفو مطلوب والصفح مطلوب والإصلاح مطلوب، (وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌۭ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌۭ (٣٤)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٣٤]، هذا في شأن المسلمين غير العامدين الذين إذا أخطئوا، أخطئوا عن غير عمد عن غير قصد أيها الأخ المسلم يروي لنا نبينا، صلى الله عليه وسلم، في حديث له عن جبريل عن رب العزة (يُنَادِي يومَ القيامة مناد من بُطنان العرش‫:‬ يا أمّة أحمد، إنّ الله تعالى يقول‫:‬ أمَّا ما كان لي قِبلَكُمُ فقد وهبتهُ لكم، وبقيت التباعات، التظالم بين الناس، فَتواهبُوها، وادخلوا الجنة).‬
‫يقول الله تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِىٍّۢ مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَتَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّۢ مِّن سَبِيلٍۢ ﴿44﴾
‫(وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِىٍّۢ مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ ) نعم الله، تبارك وتعالى، هو الهادي إلى سواء السبيل والله ، تبارك وتعالى، هو الذي خلق الخلق ومكن التمييز في قلوب البشر وجعل الوسائل للاتصال به من خلال أنبيائه ورسله فهو سبحانه وتعالى أدرى بصنعته وأعلم بخلقه كما أنه صاحب الملك والملكوت وأنت حين تتواجد في مكان لا تعرفه لا يدلك على المداخل والمخارج إلا صاحب المكان فلو أنك دخلت بيتا أو بناء أو أي مكان لأول مرة في حياتك لا يمكن لك أن تعرف كيف تدخل وكيف تخرج وكيف تصل إلا أن يدلك صاحب المكان على الوسائل والطرق للدخول والخروج فإذا كان الله، تبارك وتعالى، قد خلق الملك والملكوت وهو الصانع المبدع وخلقنا للعبادة وللطاعة وما كان الخلق والإيجاد واجبا عليه وما جعل التكاليف والطاعات لنفع يحصل لديه ولكنه، تبارك وتعالى، أراد خيرا بنا وأراد أن يدلنا على الطريق إليه فما لم يكن الدال على الطريق هو صاحب الطريق فمن يدل ومن يهدي لذا كان الله، تبارك وتعالى، هو الهادي إلى سواء السبيل ومن يهدي الله فلا مضل له ومن يضلله الله فلا هادي له من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِىٍّۢ مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ ) أي ليس له ولي يتولى أمره أو يهديه سواء السبيل ليس له ناصر ولا معين من بعد الله من سوى الله يدل ومن سوى الله يهدي وأنت إذا هديت فلا بد لك من قلب واع خالق القلب هو الله ولا بد لك من سمع يسمع ويفهم ويعي واهب السمع هو الله ولا بد لك من بصر يتأمل ويتدبر وواهب البصر هو الله ومن الناس من لهم أعين لا يبصرون بها رغم انفتاحها ورغم رؤيتهم للأشياء إلا أن التمييز والإدراك ومحله القلب تفضلٌ من الله، تبارك وتعالى، (وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِىٍّۢ مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَتَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّۢ مِّن سَبِيلٍۢ (٤٤)) وينقلنا الكلام فجأة إلى وصف أحوال المشركين والظلم هو الشرك (إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌۭ (١٣)) [سورة لقمان آية‫:‬ ١٣]، هؤلاء الذين ضلوا السبيل هؤلاء الذين لم يعرفوا الطريق إلى الله ضلوا رغم ما أنزل من قرآن وبيان وحجة وبرهان ففي هذه السورة في سورة الشورى يبين ربنا، تبارك وتعالى، الآيات والدلائل على وجوده وعلى صدق نبيه، صلى الله عليه وسلم، فما سألهم من أجر إلا المودة في القربى فإن ضلوا عن كل ذلك حالهم حين يرون العذاب، (وَتَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّۢ مِّن سَبِيلٍۢ (٤٤)) متى يرون العذاب يرى الظالمون العذاب إما حال الموت وإما عند القبر وإما في يوم القيامة فيبين لنا ربنا، تبارك وتعالى، أنهم حينئذ يتمنون العودة إلى الدنيا حتى يكونوا من الطائعين المهتدين ويبحثون عن سبيل وعن طريق للرجعة وما لهم من رجوع (وَتَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ) لما رأوا العذاب فعل ماض وهم لم يروه بعد وكأن الله عبّر بالماضي عن المستقبل لإفادة التحقيق وأن رؤيتهم للعذاب حق وصدق واقعة لا محالة وكأنهم قد رأوه فعلا (لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّۢ مِّن سَبِيلٍۢ (٤٤)) هل هناك طريق أو وسيلة تعيدنا إلى الدنيا فنطيع ولا نعصي ونعبد ولا نفسق‫.‬‬‬‬‬‬‬‬
وَتَرَىٰهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّۢ ۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِى عَذَابٍۢ مُّقِيمٍۢ ﴿45﴾ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ ﴿46﴾
‫(وَتَرَىٰهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا) والخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، ولكل من يعقل تراهم يعرضون عليها أنت الضمير ولم يرد ذكر لجهنم أو للنار لأن الله يقول (لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ) مذكر وهنا يقول يعرضون عليها أنّث والكلام مفهوم لأن العذاب هو عذاب النار وهو عذاب جهنم (يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ) الخشوع الانكسار الخشوع التواضع ولذا قال (خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ) وليس من التذلل لأن التذلل بإرادتك أن تتذلل لله وأن تتواضع لله ومن تواضع لله رفعه أما هؤلاء أصابهم الذل وحلّ بهم الهوان ليس بإرادتهم وليس الخشوع هو الانتصار والتواضع لله وإنما الخشوع هنا ذلة وهوان وانكسار ناشئ من ذلهم الذي أصابهم بإرادة الله، تبارك وتعالى، وبشؤم أعمالهم (يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّۢ ۗ ) الطرف العين وتسمى طرفا (يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّۢ ۗ ) قالوا من شدة هول العذاب يخافون أن ينظروا إليه فتنكسر جفونهم ويسترقون النظر إلى العذاب ولا يستطيع الواحد منهم أن يرفع بصره رفعا أو أن يتأمل وينظر بكل عينيه إلى العذاب من هول ما يراه فيسرق النظر ويخفض جفونه ليرى باستراق النظر، أو قيل لذلهم وانكسارهم قد نكست رءوسهم وحين تنكس الرءوس وتخفض إلى أسفل لا يستطيع الإنسان أن ينظر بملء عينيه فهم ينظرون من طرف خفي لانتكاس رءوسهم لانخفاضها من الذل والهوان، وقال بعضهم بل هم يحشرون عميا فكيف ينظرون بأعينهم النظر بعين القلب وليس بالأعين والأبصار لأنهم يحشرون عميا وعين القلب طرف خفي هذا العرض متى يحدث؟ (وَتَرَىٰهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّۢ ۗ ) هل هو عين القلب؟ هل هو بصرهم ولكنهم نكسوا رءوسهم من الذل والعار والفضيحة؟ هل هم يسترقون النظر من هول ما يرون والإنسان لا ينظر بملء عينيه إلا إلى ما يسر وإلى ما يشرح صدره أما المناظر المفظعة والمفزعة فلا يمكن للإنسان أن ينظر إليها بملء عينيه كل هذه المعاني واردة وحادثة وحاصلة، والعرض يحدث في يوم القيامة وربنا، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْكَـٰفِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)) [سورة الكهف آية‫:‬ ١٠٠]، أيضا يحدث هذا العرض في القبر وربنا، تبارك وتعالى، حين قص علينا مآل فرعون ومصير هؤلاء المشركين الجبارين في الأرض قال في شأنهم‫:‬ (ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّۭا وَعَشِيًّۭا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ (٤٦)) [سورة غافر آية‫:‬ ٤٦]، إذا فهم يعرضون على النار في قبورهم قد أنبأنا نبينا، صلى الله عليه وسلم، أن أرواحهم وضعت في أجواف طير سود تغدو وتروح على النار فهم يعرضون على النار مرتين في اليوم وقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ أن العبد إذا مات وأنزل إلى قبره وانتهى السؤال من ربك وما دينك وماذا كنت تقول في ذلك الرجل (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنَ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنَ النَّارِ ) إذا فقد يكون هذا العرض في القبر والكلام عن أحوالهم في قبورهم إلى أن تقوم الساعة (وَتَرَىٰهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا) في قبورهم خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي إما في القبر وإما في يوم القيامة، (وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ ) هل قالوا فعلا أم سوف يقولون والكلام جاء في صيغة الماضي لإفادة التحقيق والوقوع قالوا في الدنيا أو قالوها في الآخرة أو يقولون ذلك في الدنيا وفي الآخرة إن الخاسرين بحق والخسران الحقيقي هو خسران الأهل هو خسران النفس (ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ ) يوم القيامة متعلق بالخسران ظرف لخسروا أي خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، أو متعلق بالقول فهو ظرف للقول وقال الذين آمنوا يوم القيامة إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم والقول يوم القيامة يجوز ذلك، ويجوز (وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ ) أي أن الخسران حدث في يوم القيامة، أو أن المقالة حدثت في يوم القيامة فكلمة يوم القيامة ظرف إما متعلق بالقول وإما متعلق بالخسران كيف خسروا أنفسهم وأهليهم خسروا أنفسهم بأن أدخلوها النار وحرموا من نعيم الغفار، وخسروا أهليهم الأهل الزوجة والأولاد والذرية فإن كان الأهل من أهل النار فقد خسروهم لأنهم لا ينتفعون بهم في النار فهم في العذاب مشتركون وإن كان الأهل في الجنة فقد حيل بينهم وبين أهلهم فهم قد خسروهم فعلا لأن الكافر أو الظالم أو المشرك إذا أدخل النار فإن أدخل أهله معه فلا نفع فيهم وكيف ينفع أهل النار، وإن كان الأهل في الجنة فقد حيل بينه وبين أهله وبين أولاده وأحبابه فقد خسرهم (خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ ) وقد يكون الأهل هنا هم أهل المؤمن في الجنة فما من رجل يدخل الجنة بل أدنى الناس منزلة في الجنة من يزوجه الله، تبارك وتعالى، باثنتين وسبعين زوجة من الحور العين وله مثلهن من الميراث فما من مخلوق من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإن دخل الجنة فقد دخلها وفاز وحماه الله، تبارك وتعالى، من منزله في النار وإن دخل النار فقد خسر منزله في الجنة بما فيه من قصور ونعيم وجنان وأنهار وحور عين هنا تتسع النار على أهلها وتتسع الجنة على أهلها لأن النار لن يدخلها الطائعون والجنة لن يدخلها المشركون والكافرون، من هنا تصبح المنازل كثيرة في النار ومنازل في الجنة لا أصحاب لها، أما منازل النار (وَأَمَّا النَّارُ فَيُلْقَوْنَ فِيهَا وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ قَطْ قَطْ قَطْ) والحديث لا يقصد العضو لأن الله منزه عن الشبيه والمثيل ليس بجسم مقدَّر أو محدود ولا بجوهر وإنما ليس كمثله شيء فالكلام كناية عن إذلال النار التي قالت هل من مزيد لأنك إذا أردت إذلال إنسان وضعت الإنسان تحت قدمك فكأن الله، تبارك وتعالى، أراد أن يذل النار كناية عن إذلالها فسكتت وقالت حسبي حسبي وانكمشت على أهلها وضاقت عليهم كما يقول الله، تبارك وتعالى، (وَإِذَآ أُلْقُوا۟ مِنْهَا مَكَانًۭا ضَيِّقًۭا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا۟ هُنَالِكَ ثُبُورًۭا (١٣)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ١٣]، وأما الجنة التي اتسعت على أهلها وأصبحت فيها المنازل خالية يرثها المؤمنون (أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ (١٠) ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ (١١)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١٠- ١١]، فتقسّم منازل الكفار والمشركين على أهل الجنة وكلنا يعلم أن أهل الجنة بالنسبة لأهل النار كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض فأهل النار كثير وأهل الجنة قليل فالميراث عظيم من هنا يبين لنا نبينا، صلى الله عليه وسلم، أن أدنى الناس منزلة في الجنة من يزوجه الله باثنتي وسبعين زوجة من الحور العين وله مثلها من ميراثه الذين يرثه في الجنة من هؤلاء الأهل الذين خسرهم أهل النار خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ويصبح المقصود بكلمة الأهل هم الحور العين والأزواج من الجنة، (أَلَآ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِى عَذَابٍۢ مُّقِيمٍۢ (٤٥)) عذاب دائم لا ينقطع الظالمين المشركين الكفار(وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ ﴿٤٦﴾) الولي‫:‬ الناصر الولي المعين الولي الذي يتولى أمورك كما لو كان يتولى أمر نفسه هؤلاء ليس لهم أولياء ليس لهم شفعاء ليس لهم مدافع ليس لهم معين ليس لهم ناصر لأن المعين والناصر والولي هو الله وقد تخلوا عن الله وأعرضوا عنه فكيف يتولاهم (وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۗ ) أي ينصرونهم من عذابه يمنعون عنهم العذاب أو يمنعون عنهم العقاب (وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ ﴿٤٦﴾) وبدأ الكلام بالإضلال وختم الكلام بالإضلال وبين النتيجة (وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِىٍّۢ مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ ) فليس له ولي يهديه في الدنيا إلى طريق الله إلى رضوانه إلى نعيمه وكذلك (وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ ﴿٤٦﴾) طريق إلى النجاة من عذاب الآخرة، إذا فالضال في الدنيا لن يجد من يهديه ولن يجد من يأخذ بيده وهو أيضا في الآخرة لن يجد طريقا إلى النجاة ولن يجد طريقا إلى الهدى ولن يجد طريقا إلى رفع العذاب‫.‬‬
‫وبعد هذا التحذير وبعد هذا البيان ينادي ربنا، تبارك وتعالى، العباد فيقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍۢ يَوْمَئِذٍۢ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍۢ ﴿47﴾
‫(ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ ) أي أجيبوه بالطاعة وقد تبين لنا العرض وكيف يعرضون على النار وكيف يعرضون على العذاب وكيف تعرض عليهم وماذا يقولون هل إلى مرد من سبيل ليس لهم ولي ليس لهم نصير ما لهم من سبيل يحذرنا ربنا، تبارك وتعالى، من يوم القيامة (ٱسْتَجِيبُوا۟) أي أجيبوا الله إلى الإيمان والطاعة (مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ) يوم القيامة (يَوْمٌۭ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ ) أي لا رد له ولا رجوع فيه بعد أن حكم الله به فإذا قامت الساعة وجاء يوم القيامة فلا يرد الله أبدا (لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ) أي لا يرد من قِبل الله فقد قضى وحكم ولا يرجع في حكمه ولا يعود في قضائه، أو من قبل أن يأتي يوم من الله لا مرد له أي أن الآتي باليوم هو الله والآمر باليوم هو الله ولا يرد ذلك اليوم وليس هناك مخلوق يقدر على رده، (مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍۢ يَوْمَئِذٍۢ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍۢ (٤٧)) ما لكم من ملجإٍ تلجأون إليه مكان يحميكم من السخط أو مكان يحميكم من العقاب والغضب لا ملجأ في ذلك اليوم، (وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍۢ (٤٧)) وكلمة نكير تعني أي لا تستطيعون في ذلك اليوم أن تنكروا المعاصي والذنوب والآثام (وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍۢ (٤٧)) أي نكران لا يمكن لكم أن تنكروا معاصيكم وأفعالكم القبيحة لأن اليد تتكلم والقدم تشهد والجلود تنطق فقد سطرت الذنوب والمعاصي في الصحائف وكذا يختم على أفواههم وتتكلم الأيدي وتشهد الأرجل فلا يمكن للكافر أو المشرك أو العاصي لا يمكن له أن ينكر ذنوبه وأفعاله القبيحة، أيضا كلمة نكير تفيد معنى آخر وهو الإنكار فالنكير والإنكار تغيير المنكر (وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍۢ (٤٧)) أي ما لكم من أحد ينكر العذاب معنى ينكر العذاب أن ينكر أن تعذبوا إنكار العذاب معناه‫: دفع العذاب وتغيير العذاب (وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍۢ (٤٧)) أي من أحد ينكر تعذيبنا إياكم يغيره أو يدفعه أو حتى يعترض بالكلام‫.
فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ كَفُورٌۭ ﴿48﴾
بعد كل هذا، بعد كل ذلك التحذير يأتي الخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، مواسيا له مسريا عنه (فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ ) إن أعرضوا عن هذا التحذير وعن هذا الإنذار وعن هذه الدعوة للاستجابة استجيبوا لربكم إن أعرضوا عن الإيمان وأعرضوا عن الطاعة وأعرضوا عن التصديق فما أرسلناك عليهم حافظا لأعمالهم محاسبا لهم عليها الحفيظ الذي يحفظ عليك أعمالك يحصيها عليك الحفيظ الرقيب المراقب لك الحفيظ المحاسب الحفيظ المسئول ونبينا، صلى الله عليه وسلم، ليس مسئولا عن إيمانهم أو كفرهم ولن يحاسبهم إلا الله (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ ) البلاغ والبلاغ فقط وقد بلّغ النبي، صلى الله عليه وسلم، وأدى ما عليه فقد بلّغ الرسالة وأدى الأمانة وقال له ربه (لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)) [سورة الغاشية آية‫:‬ ٢٢]، (وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (٤١)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٤١]، (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ ) وقد أدى ما عليه وأبلغه وما من مخلوق على وجه الأرض إلا وبلغته دعوة النبي، صلى الله عليه وسلم، إما مباشرة وإما عن طريق غير مباشر‫.‬‬
‫ويأتي الكلام عن وصف الإنسان وما جبل عليه الإنسان (وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ كَفُورٌۭ (٤٨)) الكلام والصياغة تدعو للتأمل (إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ)، قدمت الجملة بلفظ إذا، (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) قدمت الجملة ب إن‫:‬ الفرق بين (إذا) و (إن) والحرفان في الاستخدام يختلفان (إذا) وإن كانت ظرف زمان للمستقبل إلا أن الجملة الشرطية إذا قدمت بكلمة إذا أفادت التحقيق الوقوع كقول الله (إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ (١)) [سورة النصر آية‫:‬ ١]، إذاً فهو آتٍ لا محالة وكلمة إن تفيد الشك إن تفعل كذا يكون كذا فلا تفيد التحقيق ولا تفيد الوقوع من هنا يتبين لك أن النعمة والفضل من الله واقعه حادثة لا محالة وأنه محض فضل من الله (وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ) إذا فرحمة الله وأنعم الله واقعة حادثة لكل الناس مؤمنهم وكافرهم (إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ) إذا فقد أذيق الإنسان الرحمة الخلق رحمة الحواس نعمة الطعام ألا ترى أنه يرزقهم وهم يعصونه ألا ترى أن الله، تبارك وتعالى، لا زال يرزق العصاة والكفار ألا تراه لا زال يستر هؤلاء الذين يذنبون ويخطئون فإن تابوا تاب عليهم إذاقة الله، تبارك وتعالى، الرحمة للناس واقعة لا محالة حادثة من هنا يقول‫:‬ (إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ) ويتبين لك أن هذه الرحمة ليست عن استحقاق وإنما محض فضل من الله لذا قال‫:‬ (وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ) إذا فهي من الله وهي محض فضل ونحن لا نستحق ذلك وإنما الله، تبارك وتعالى، هو الممتن على عباده المتفضل عليهم فهو ذو الفضل العظيم، (وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ فَرِحَ بِهَا ۖ ) الفرح هنا البطر، بطر الإنسان بالنعمة فاستخدمها في غير ما أمر الله، واستخدمها في غير ما خلقت له ولو نظر الإنسان لنفسه ورأى كيف يستخدم أنعم الله، تبارك وتعالى، لاستحيا من نفسه ولاستحيا أن يلقى الله، عز وجل، وقد عصاه بنعمه فحين يعصي العبد يعصي الله بجوارحه والجوارح منّة أرأيت الأعمى ءأمنت أن تعمى؟ أرأيت المشلول ءأمنت أن تشل أرأيت القعيد ءأمنت أن تقعد؟ فكيف تعصي الله، تبارك وتعالى، بجوارح وحواس هو أعطاك إياها منّا وفضلا ورحمة كيف تعصيه بها؟ كيف؟ يعطى الإنسان مالا فإذا به يستخدم المال في عصيان الله تعطي المرأة جمالا فإذا هي تستخدم جمالها في محاربة الله وهكذا (وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ فَرِحَ بِهَا ۖ ) والفرح بالدنيا وبكل ما في الدنيا ممنوع محظور مذموم لأنه غير دائم ولأنه ابتلاء ولأنك لا تدري ما نتيجته ولأنك مسئول عنه (ثُمَّ لَتُسْـَٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ (٨)) [سورة التكاثر آية‫:‬ ٨]، فهو ابتلاء وربنا، تبارك وتعالى، يقول (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا۟ بِمَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ ) [سورة الحديد آية‫:‬ ٢٣]، يحذرنا من الحزن على ما فات فكل ما فاتك من الله سوى الله قليل وكل حظ لك سوى الله يسير‫.‬‬
‫فإن الإنسان في هذه الدنيا يتقلب بين العدل والفضل فأنت بين حالتين بين الرخاء وبين الشدة بين البلاء وبين العافية فإن كان البلاء فهو بعدل الله، تبارك وتعالى، وما ربك بظلام للعبيد وإن كان الرخاء فهو بفضل الله، تبارك وتعالى، وليس باستحقاقك من هنا قيل أن الله، تبارك وتعالى، هو الذي يرجى فضله ولا يخشى إلا عدله فإذا خفت فأنت تخاف من عدل الله لأن الله، تبارك وتعالى، لو حاسب الناس بعدله لهلكوا جميعا لأنه يقول (وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٤٥]، من دابة من إنسان من حيوان من طائر من شيء يدب على الأرض لو آخذك بالعدل وما من أحد ينجو إذا حوسب بالعدل حتى الأنبياء والرسل إن حاسبهم ربنا بالعدل هلكوا وإنما الكل يرجو الرحمة والفضل، لذا قال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ)، هذا هو العدل، العدل إذا حوسبت بالعدل وتريد أن تدخل الجنة بعملك فإن كان العدل لن يدخلك عملك الجنة إن كان بالعدل ( قَالُوا‫:‬ وَلَا أَنْتَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ مِنْهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ) من هنا لا يخشى إلا عدله لأنك إن خشيت من إنسان خشيت من ظلمه الإنسان يخاف من الظلم فإن خشيت من إنسان تخشى من الظلم ولا تخشى منه العدل أما الله يخشى عدله لأنه لا ظلم له أصلا حتى يخشى ظلمه ما هو بظلام من هنا لا يخشى منه ظلم وإنما يخشى منه العدل لأن العدل يضيع ويهلك ودخول الجنة بالفضل والهداية في الدنيا بالفضل والمن عليك بالطاعة فضل من الذي أتى بك إلى المسجد هو الله من الذي جعلك مسلما هو الله من الذي من عليك بالهداية هو الله، من الذي من عليك بالطاعة هو الله، من الذي عرفك الطريق إليه هو الله هو الذي هدانا إليه هو الذي بيّن لنا كيف نتقيه وكيف نطيعه هو الذي شرح لنا وأجرى على لسان نبيه بيان ما نهى وما أمر هو الذي دلنا على سبيل الخير وسبل الضرر، فإن كان الكل منه فأي فضل لك تحاسب عليه وتطلب عليه الأجر؟ أي فضل؟ الصحة هو المانح الهداية هو العاطي الطاعة هو الذي وفقك إليها هو الموفق فأي شيء تطلب عليه أجرا ما الذي فعلته أنت وما الذي أعطيته أنت من نفسك وأنت موجود؟ أوجدك هو وأعطاك هو وكل ما في يديك هو خولك إياه من هنا حين يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ فَرِحَ بِهَا ۖ ) غفل عن النعمة أنها من المنعم لم يعمل بها في مرضات الله فإن رزق مالا نسي أن الرازق هو الله واعتقد أنه قد اكتسبه بجهده وعرقه وإن رزق صحة وشبابا مشى مختالا بين الناس والله، تبارك وتعالى، هو الذي أطاع الشباب وأعطاه الصحة وأعطاه العافية فرح بالنعم ونسي المنعم واستغل النعم فيما يغضب المنعم وحاربه بعطائه، (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) ومعنى إن هنا أنه لا يشترط الإصابة بالبلاء فقد يعفو عن كثير أما في النعمة قال "إذا" لأن الكل منعم عليه فالكل بفضله ومن فضله مرزوق العصاة والكفار والكل هنا جاء بكلمة إن لتفيد القلة والشك وأن البلاء ليس حتما لازما (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ) وعلل الإصابة، عللها (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) إذا فالإصابة بالسيئات بما يسيء، الإصابة بالمرض الإصابة بفقد الولد الإصابة بفقد المال كل ما يصيبك من بلاء في هذه الدنيا فبما كسبت يداك وليس كل ما كسبت يداك فمنذ آيات قليلة يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍۢ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ (٣٠)) [سورة الشورى آية‫:‬ ٣٠]، فالمعفو عنه الكثير والمعاقب عليه الإنسان في الدنيا قليل، فإن كانت لك مائة من المعاصي أصبت بالبلاء على واحدة وعفا الله عن تسع وتسعين لأنه عبّر بكلمة كثير من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ كَفُورٌۭ (٤٨)) ينسى النعم ويضخم البلاء ويضخم المصيبة ويشكو الله للناس ويعترض ويقول لم؟ ولماذا وبأي شيء وماذا جنيت وماذا فعلت حتى يصيبني الله بهذا يكفر ينسى النعمة ويذكر البلية تعيش عمرك صحيحا لا تشكو تلهو وتلعب في غرور وعلو وفساد ومعاص وإذا مرضت يوما نسيت الصحة ونسيت العافية ونسيت أيام اللهو واللعب وكل منا يعد عمره كم من أيام في صحة وكم من أيام في مرض؟ كم أيام في لهو وكم من أيام في حزن؟ كم من أيام في سرور وكم من أيام في حزن؟ كم من أيام في شبع وكم من أيام في جوع كم من أيام في دفء وكم من أيام في برد لا يجد ما يستدفئ به أولا يجد ما يستر عودته كم واحسب لنفسك كي ترى نسبة النعمة إلى نسبة البلية حتى أن العارفين قالوا البلية نعمة خفية لأنها تكفر المعاصي وتكفر جزء من المعاصي وهي دلالة على العفو عن الكثير دلالة على أن الله، تبارك وتعالى، قد أراد أن يعاقبك في الدنيا حتى لا يعاقبك في الآخرة وعاقبك في الدنيا في هذه البلية على ذنب واحد فدل ذلك على أن ما عداه من ذنوب قد عفا الله عنه فالبلية نعمة لو عقلتها ولو فهمت لعملت أن البلاء محض سرّاء لأن الله، تبارك وتعالى، بالبلاء يكفر عنك السيئات ويرفع لك الدرجات وهي دلالة وعلامة على أن العقاب عنك مرفوع في الآخرة وأن ما عفا الله عنه من الذنوب كثير لا يعد ولا يحصى من هنا كانوا يفرحون بالبلايا ويخافون من النعم يخافون أن تكون حسناتهم قد عجلت لهم في الدنيا ويقال لهم يوم القيامة‫:‬ (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ) [سورة الأحقاف آية‫:‬ ٢٠].‬
‫(وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ كَفُورٌۭ (٤٨)) نعم إن الإنسان كفور الإنسان هنا جنس الإنسان وإن كان بعض العلماء قالوا إن المقصود بالإنسان هنا هو الكافر والخلاف في وصفهم أو في تحديدهم للألف واللام أداة التعريف أهي للجنس أم هي للعهد الإنسان ذاك طبعه وذاك ديدنه (فَإِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ كَفُورٌۭ ﴿٤۸﴾)، نعم (خُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ مِنْ عَجَلٍۢ ۚ ) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٣٧]، (وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًۭا جَهُولًۭا (٧٢)) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٧٢]، نعم تلك صفات الإنسان الجهل الكفر العجلة الظلم النكران تلك صفاته فمن رفع يديه إلى السماء وسأل الله، تبارك وتعالى، الهدى محا عنه صفات النقص ومنّ عليه بصفات الكمال فإذا به يتحول من الكفران إلى الإيمان ومن النكران إلى الشكر ومن الجهل إلى المعرفة والعلم ومن الضياع إلى الهدى ومن الظلام إلى النور، (ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٥٧].‬
‫أيها الأخ المسلم ذاك ديدن الإنسان وخالق الإنسان هو الله والعالم بالصنعة الصانع فإن علمت أن من صفاتك الظلم والجهل والكفر وما إلى ذلك فمن الذي يعدّل الصنعة؟ من الذي يصلح ما فيها؟ الصانع والصانع هو الله إذا فلولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا من هنا نفهم معنى قول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬
‫(ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم) [سورة الشورى آية‫:‬ ٤٧]، ونفهم معنى قول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۚ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ٢٦]، نفس الآية في نفس السورة والقرآن يفسر بعضه بعضا الاستجابة لله هي اللجوء إلى الله هل يمكن لك أن تعرف الله بغير أن يعرّفك الله صفاته؟ أبدا هل يمكن لك الطاعة بغير أن يوفقك الله إليها أبدا هل يمكنك الصبر على البلاء بغير أن يصبرك الله هل يمكنك الشكر حين الرخاء إلا أن يلهمك الله الشكر؟ إذا فالاستجابة إلى الله، تبارك وتعالى، بأن تلجأ إليه وأن ترفع إليه يديك أن تقول كما قال أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، حين علّمهم سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير هذا هو المطلوب من الإنسان، المطلوب من الإنسان شيء واحد أن يلجأ إلى الله فقط لأن الإنسان ليس بيده شيء ولا يقدر على شيء والقادر هو الله هل سأل إنسان ربه الهدى فأضله؟ هل سأل إنسان ربه الستر ففضحه أبدا (أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) [سورة النمل آية‫:‬ ٦٢]، إذاً فالناس قسمان قسم لجأ إلى الله فأخذ الله بيده وقسم أعرض عن الله فأوكله الله لنفسه (فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ ) من المعرض العبد أم الله؟ العبد هو الذي أعرض (فَإِنْ أَعْرَضُوا۟) فإن أعرض العبد عن الله أعرض الله عنه وإن لجأ العبد إلى الله تولاه الله هو نعم المولى ونعم النصير‫.‬‬
‫من هنا كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يدعو ويقول‫:‬ ( اللَّهُمَّ لَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ)، فإن توكلت على الله وألجأت أمرك إلى الله ولجأت إليه بصدق وسألت ثق أن الله معطيك ما سألت لأنه هو المجيب‫.‬‬
‫يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
لِّلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثًۭا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ﴿49﴾ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًۭا وَإِنَـٰثًۭا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ ﴿50﴾
فإن الله، تعالى، بعموم قدرته وشديد قوته يخلق الخلق ابتداء من غير شيء وبعظيم لطفه وبالغ حكمته يخلق الشيء من الشيء ليس عن حاجة أو افتقار فما كان الإيجاد واجبا عليه وما كان الخلق لنفع يحصل لديه فهو، سبحانه وتعالى، قدوس عن الحاجات سلام عن الآفات لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (لِّلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثًۭا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًۭا وَإِنَـٰثًۭا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ (٥٠)) نعم لله ملك السموات والأرض فقد كان الله ولم يكن شيء وحين خلق، خلق الخلق ابتداء من غير شيء من العدم فهو محتاج لآلة، غير محتاج لأداة غير محتاج لمادة غير محتاج لجوارح وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وهو أيضا سبحانه وتعالى يخلق الخلق من الخلق يخلق الشيء من الشيء بالأسباب والوسائل خلق آدم من تراب خلق حواء من آدم ثم جعل النسل منهما مترتبا على الوطء مهيئا بالحمل خارجا بالوضع فله أن يخلق الأشياء بغير أسباب وله أن يخلق الأشياء بأسباب ويرتب بعضها على بعض فإن كان هو موجودا ولم يكن هناك شيء فكل ما وجد بعد ذلك من إيجاده ومن خلقه لا لنفع يحصل لديه ولا لأن الخلْق واجب عليه وإنما لحكمة هو، سبحانه وتعالى، أعلم بها وكل ما هو موجود من إيجاده وطالما كان من إيجاده فهو ملكه لا شريك له (لِّلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ ) كيف شاء بسبب وبغير سبب من العدم وأيضا يخلق الشيء من الشيء فيخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، (يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثًۭا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ (٤٩)) إذاً فالولد هبة من الله ليس بجهدك وليس من صنعك بل تأتي الذرية مترتبة على اجتماع الرجل بالمرأة دون أن يقصد أو يدري ولا دخل له وإنما يقضي وطره وتقتضي وطرها وبقضاء الوطر قد يكتب الله، تبارك وتعالى، الولد وقد لا يكتبه وجنس الجنين من صنع الله، تبارك وتعالى، وبقدرته وبعلمه وحكمته ولا دخل للإنسان في جنس الجنين مهما فعل ومهما عمل وربنا، تبارك وتعالى، يرزق من يشاء إناثا لا ذكور معهن وقد يهب لمن يشاء الذكور ولا إناث معهم وقد يهب الصنفين معا ولد ثم بنت أو توائم كيف شاء وبعدد ما شاء ويلفت النظر في الآية أن الله، تبارك وتعالى، قدّم الإناث على الذكور(يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثًۭا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ (٤٩)) والرجال مقدمون على النساء والرجال قوامون على النساء وليس الذكر كالأنثى من هنا قال بعض الناس إن تقديم الإناث على الذكور في الآية يفيد أن عدد الإناث يزيد عدد الذكور لحكمة ولو أحصيت الخلق لو جدت أن عدد الإناث يزيد عن عدد الذكور في جميع الأزمان والدهور لأنهن سبب النسل ولأن للرجل أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع أيضا له الحق فيما ملكت يمينه فقدمت الإناث لأنهن سبب النسل بالحمل والوضع، وقال بعضهم بل قدم الإناث تطييبا لقلوب الرجال الذين لم يهب لهم ربهم ذكورا بل كان نسلهم من الإناث فطيب قلوبهم بتقديم الإناث على الذكور ولذا قال بعض الحكماء "إن من يمن المرأة أن تبكر بالأنثى" فقد قدم الله، تبارك وتعالى، الإناث على الذكور، وقال بعضهم بل الإناث كرب بالنسبة للعرب في جاهليتهم الأولى والآباء عموما يفضلون الذكور على الإناث ويتمنون الذكور ولا يتمنون الإناث فقدّم ربنا الإناث على الذكور ليعلم الناس أن الأمر متعلق بما يشاء وليس ما تشاء فقدم الإناث لذلك، وقال بعضهم أن تقديم الإناث على الذكور لمراعاة الفواصل فواصل الآي فمن قبل الآية التي قبل هذه الآية انتهت بقوله‫:‬ (فَإِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ كَفُورٌۭ ﴿٤۸﴾)، وأيضا ختمت الآية التالية (إِنَّهُۥ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ (٥٠))، فلمراعاة الفواصل أخّر كلمة الذكور حتى تكون الفواصل متشابهة، ويلفت النظر أيضا أن كلمة إناث جاءت بغير تعريف (يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثًۭا) وحين جاءت كلمة الذكور جاءت بالتعريف (وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ﴿٤۹﴾) بالألف واللام فقيل ذلك لأن الرجال قوامون على النساء والرجال أشرف من النساء وأعلى قدرا ومنزلة من هنا عرّفهم بسيمة التعريف رفعا لشأنهم وتكريما لهم (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ) يجمعهم (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًۭا وَإِنَـٰثًۭا ۖ ) فمن الناس من منح الإناث فقط ومنهم من منح الذكور فقط ومنهم من منح الجنسين حتى الأنبياء فقد وهب ربنا، تبارك وتعالى، لإبراهيم الذكور ولم يهب له إناثا ووهب للوط الإناث ولم يهب له الذكور ووهب لإسماعيل وإسحق الإناث والذكور وجعل عيسى ويحيى كل منهما عقيما لا نسل له، ويبتلي الله الأنبياء بما يبتلي به الأولياء والعلماء والناس عامة وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل (وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا ۚ ) العقيم الذي لا ولد له الذي لا ينجب رجل عقيم وامرأة عقيم ونساء عُقْم وعُقُم عَقُمَتْ المرأة تَعْقُمُ عُقْماً وعَقَمَت تَعْقَّمُ عَقْماً والرجال عُقَمَاء وعُقُمْ فيقال للرجل عقيم وللمرأة عقيم، أيضا يطلق اللفظ على الريح (وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ (٤١)) [سورة الذاريات آية‫:‬ ٤١] التي لا تحمل سحابا ولا تلقح شجرا بل فيها العذاب لا فائدة منها الريح العقيم، وسمي يوم القيامة يوم عقيم لأنه لا يوم بعده آخر يوم، يوم القيامة ولا يوم بعده من هنا سمي يوم القيامة بيوم عقيم (وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا ۚ ) إذاً فحين يهب الإناث ليس عن عجز وأنه لا يستطيع أن يهب الذكور وحين يهب الذكور ليس أيضا عن عجز أو عن أن خزائنه قد نضبت (وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا ۚ ) فهو القادر أن يهب له وأن يجعله منجبا (إِنَّهُۥ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ ﴿ ٥۰﴾) وهو عليم إذا فهو أدرى وهو أعلم بما يصلح لك فإن صلح لك الإناث وهبك الإناث وإن صلح لك الذكور وهب لك الذكور وإن صلح لك الجنسان وهب لك الإناث والذكور وإذا لم يكن من مصلحتك أن تنجب جعلك عقيما أو جعلها عقيم (إِنَّهُۥ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ ﴿ ٥۰﴾) إذا فوهب الإناث وهبة الذكور عن علم وعن قدرة من هنا وجب على الإنسان أن يستسلم لقضاء الله، تبارك وتعالى، وأن يرضى بما رزقه الله من البنين أو البنات ويعلم أن ذاك هبة من الله منحة رحمة فضل وأن الجنس لا فضل له وإنما الجنس لحكمة فمن صلح له ذلك أعطاه ومن صلح له هذا أعطاه‫.‬ والتحكم في جنس الجنين أمر ممنوع ولن يحدث ولن يتمكن الإنسان منه مهما بلغ من علم وتقدم، وهناك أيضا أسباب وصفها لنا النبي، صلى الله عليه وسلم، في مسألة الجنس نوع الجنين وفي مسألة الشبه فقال، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (فإذا اجتمعا فَعَلا مَنىُّ الرجل مَنيَّ المرأة أذكَرا بإذْن الله تعالى وإذا عَلاَ مَنىُّ المرأة مَنىَّ الرجلِ أنَّثا أو آنَثَا بإذن الله) وقال في حديث آخر (إِذَا عَلاَ مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ، وَإِذَا عَلاَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَعْمَامَهُ) وبدأ العلماء يفسرون الأحاديث ويؤولون المعاني والكلام وخلصوا إلى نتيجة‫:‬‬
‫هناك أربعة أحوال أن يسبق ماء الرجل ماء المرأة ويكون أكثر أن يسبق ماء المرأة ماء الرجل ويكون أكثر أن يسبق ماء الرجل ماء المرأة ويكون أقل أن يسبق ماء المرأة ماء الرجل يكون أقل فقالوا إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة وكان ماء الرجل أكثر من ماء المرأة جاء الجنين ذكرا شبيها بأعمامه وإن سبق ماء المرأة ماء الرجل وكان أكثر جاء الوليد أنثى وأشبهت أخوالها، وإن سبق ماء الرجل ماء المرأة وكان أقل من ماء المرأة جاء المولود ذكرا بالسبق بسبق ماء الرجل شبيها بأخواله بغلبة ماء المرأة، وإن سبق ماء المرأة ماء الرجل وكان أقل جاء الوليد أنثى بسبق ماء المرأة وأشبهت الأنثى الأعمام لكثرة ماء الرجل تلك أسباب ربما يأتي اليوم يتقدم فيه العلم ويصل إلى هذه النتيجة وقد يعبر بالماء عن الماء عن نطفة الرجل وعن نطفة المرأة وقد يقصد بالماء مكونات الماء من حيوانات منوية ومن بويضات للمرأة ويعني ذلك تركيب وعدد مكونات الحيوان المنوي وما يسمونه في علمهم كروموزومات هذه الأعداد في تفاوتها وتركيبها قد يكون هو المقصود به كلمة ماء إذا سبق ماء المرأة أو إذا علا أي غلب ماء الرجل وهناك نوع من الخلق لم يحدث في القرون الأولى وحدث في الجاهلية الأولى وهو ما يسمى بالخنثى لا ذكر ولا أنثى وأشكل على العلماء فقد يولد الجنين ولا يعرف جنسه وله قبل وله فرج له جهاز ذكري وجهاز أنثوي وأشكل عليهم في الميراث وكيف يعدونه وبمن يلحقونه فوصلوا إلى تحديد الجنس من حيث الحقوق من أين يبول فإن بال من عضو التذكير ألحق بالذكور وإن بال من عضو التأنيث ألحق بالإناث وإن بال منهما جمعيا نظر للكم أيهما أكثر ألحق به، وقال بعضهم بل تعد الأضلاع فأضلاع المرأة تزيد عن أضلاع الرجل بضلع وبعد الأضلاع تميز الخنثى أو يميز فيلحق بالذكور أو يلحق بالإناث ولم يذكر ربنا في الآية كلمة الخنثى ولكنها جاءت ضمن العموم حيث يقول (يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ ) فدخلت في الكلمة لعمومها‫.‬‬
‫وينتقل الكلام عن سؤال لليهود وقد سألوا كثيرا ومن ضمن ما سألوا، سألوا عن الشبه وسئل النبي، صلى الله عليه وسلم، بما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ سألوا عن الشبه، فأجابهم النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (أَمَّا الشَّبَهُ إِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ ذَهَبَ بِالشَّبَهِ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ ذَهَبَتْ بِالشَّبَهِ) أجابهم، وكأن الله، تبارك وتعالى، يقول أن العبرة ليست بالأسباب وإنما العبرة بمشيئة رب الأسباب (يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثًۭا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ﴿٤۹﴾).‬
‫أيضا كان هناك سؤال آخر تعنت من اليهود حيث قالوا للمصطفى، صلى الله عليه وسلم، لن نؤمن لك حتى تكلم الله وتنظر إليه كما كلمه موسى فنزل قول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًۭا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌۭ ﴿51﴾
فوضح الله، تبارك وتعالى، لهم وللسائلين كيفية الكلام الله، تبارك وتعالى، أثبت لنفسه الكلام فهو من صفاته الكلام حيث قال عز من قائل (وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًۭا (١٦٤)) [سورة النساء آية‫:‬ ١٦٤]، ولكن كلام الله، تبارك وتعالى، لا يشبه كلام المخلوقات لأن الله ليس كمثله شيء فكلام الله، تبارك وتعالى، ليس بصوت ولا بحرف ولا بمقاطع ولا يحتاج إلى الهواء لحدوث التموجات ولا ينتقل بموجات الهواء ولا يسمع بالآذان وليس كلام الله بحركة لسان أو انطباق الشفاه من هنا يمثل ربنا، تبارك وتعالى، كلام لخلقه بقوله‫:‬ (وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًۭا) أما الوحي فأصل الكلمة الإشارة بسرعة، الإشارة السريعة، والوحي كلام ليس بصوت وليس بحرف يدرك بالقلب بسرعة من غير صوت ومن غير حرف منه أنواع‫:‬‬
‫كالرؤى المنامية والإلهام والنفث في الروع كقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّ نَفْساً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا فاتَّقُوا اللهً، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَب) (خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ) الروع‫:‬ القلب والوجدان الروع الفزع فالنفث في الروع نوع من أنواع الوحي، (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا) بغير صوت بغير حرف بغير كلام، ككلام البشر وإنما هو إدراك في القلب إدراك سريع لمراد الله، تبارك وتعالى، ولكلامه الذي لا يشبه كلام أحد من المخلوقات (أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ) إذا فقد كلم الله موسى تكليما من وراء حجاب والكلام من وراء حجاب يعني أن المتكلم يرى المتكلم يرى من يكلمه فالله، تبارك وتعالى، يراه ولكن المخلوق الذي كلمة الله محجوب عن رؤية الله، فالحجاب على المخلوق وليس الحجاب على الله، (أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ) إذاً فقد تكلم الله مع موسى من وراء حجاب وسمع موسى الكلام ولكن كيف سمعه هذا أمر لا يعرفه إلا الله لأن كلام الله، تبارك وتعالى، لا يشبه كلام الناس (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًۭا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ )، يرسل رسولا أي يرسل ملكا إذا فهناك ثلاثة أساليب أو ثلاثة طرق لإيصال كلام الله، تبارك وتعالى، إما الوحي وهو النفث في الروع الإلهام الرؤى المنامية وإما من وراء حجاب كما حدث مع موسى ويقال كما حدث مع النبي، صلى الله عليه وسلم، ليلة عرج به إلى السماوات العلى (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًۭا) كما أرسل الملائكة للوط وحين يرسل الملائكة هنا يرى النبي الملائكة ويسمع كلامهم فقد أرسل الملائكة لإبراهيم وحدث كلام بينهم وبينه وبين امرأته أيضا (قَالَتْ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌۭ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌۭ (٧٢)) [سورة هود آية‫:‬ ٧٢]، وردوا عليها (قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌۭ مَّجِيدٌۭ (٧٣)) [سورة هود آية‫:‬ ٧٣]، إذا فكلام الرسل أي الملائكة مسموع يراهم الأنبياء ويسمعون كلامهم وقد يختلف المعنى (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا)، من خلال جبريل ويصبح الوحي مقصودا به نزول جبريل بالوحي كما وصفه النبي، صلى الله عليه وسلم، وقال‫:‬ (يَأْتِينِي أَحْيَانًا لَهُ صَلْصَلَةٌ كَصَلْصَلَةِ الْجَرَسِ فَيَنْفَصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ وَذَلِكَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ)، (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا)، من خلال جبريل، (أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ)، كما كلّم موسى وكما أمر الملائكة بالسجود لآدم فقد أمرهم وكلمهم من وراء حجاب وما رأته الملائكة وما نظرت إليه وكما خاطب آدم (وَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٣٥]، كل ذلك من وراء حجاب (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًۭا) كمحمد، عليه الصلاة والسلام، وموسى وعيسى وغيرهم من الرسل يرسل رسولا فيوحي للناس أن يبلغوا هم الوحي (إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌۭ ﴿٥١﴾)، سبحانه وتعالى، هو العلي المطلق‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم صفات الله، تبارك وتعالى، لا يعلمها إلا هو ليس كمثله وليس كصفاته صفات فحين نقول العلي نفوض العلم بحقيقة الصفة للعلي لله، أما من حيث اللفظ في اللغة العربية فالعلو علوان العلو نوعان علو في المكان وعلو في المكانة والرتبة فنقول الإمام على المنبر أعلى من الناس هذا العلو علو مكان وهذا غير مقصود مع ربنا، تبارك وتعالى، فالله، عز وجل، كان قبل الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان لا يحده زمان ولا يحويه مكان فالعلو ليس علو مكان إذا فالعلو علو الرتبة وعلو الرتبة نراه في الناس فالملك أعلى رتبة من الوزير والوزير أعلى رتبة من غيره وهكذا وكذلك في الوجود فالحي أعلى رتبة من الميت والعاقل أعلى رتبة من غير العاقل والعالم أعلى رتبة من الجاهل فالعلو في الرتبة والعلو في المكانة متفاوت وفي نظرنا وفي وجود الدنيا والناس وما نقيس به الأمور نجد أن العلو يعني أن هناك سفل وأن من تصفه بالعلو في المكان لا بد وأن هناك ما هو أعلى منه وما هو أسفل وأدنى منه وإن وصفنا العلو بالرتبة ففوق الرتب العالية رتب أعلى وتحت الرتب الدنيا رتب أدنى فهناك نسبة بين الأشياء بهذه النسبة تستطيع أن تصف العلو فلا يمكن أن تقول هذا أعلى رتبة إلا إذا كان هناك من له رتبة أدنى فتقيس النسبة بين ذا وذا فتقول هذا أعلى من هذا مع الله، تبارك وتعالى، ليس فوق الله شيء وعلو الله، تبارك وتعالى، لا يشبهه علو وعلو الله، تبارك وتعالى، لا ينسب لغيره فلا تقول هو أعلى من لأنه ليس هناك من ولم يكن هناك من بل كان الله هو العلي المطلق دون نسبة لشيء دون نسبة لأحد من خلقه هو العليّ المطلق الذي ليس فوقه علوّ وهذا العلي المطلق ما كان له أن يكلم أحدا من خلقه إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا لأنه عليّ والعلو المطلق (حَكِيمٌۭ ﴿٥١﴾) يمنع الكلام المباشر والمشافهة والمواجهة لأنه العلي المطلق فبحكمته يختار ما يشاء لما يشاء فيكلم هذا وحيا ويكلم هذا من وراء حجاب ويرسل رسولا لهذا بحكمته تتنوع أنواع اتصاله بخلقه (إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌۭ ﴿٥١﴾).‬
وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًۭا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًۭا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿52﴾ صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ ﴿53﴾
‫(وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًۭا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ ) أي وكما أوحينا إلى الأنبياء من قبلك وكما أوضحنا كيفية الكلام أوحينا إليك يا محمد والكلام للنبي، صلى الله عليه وسلم، (رُوحًۭا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ ) الروح يطلق على جبريل ويصبح الكلام يعني أرسلنا إليك جبريل بأمرنا الروح يطلق على القرآن وسمي القرآن روحا لأنه به حياة القلوب وهو كالروح للجسد، الجسد يحيا بالروح والقلب يحيا بالقرآن فسمي القرآن روحا، (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًۭا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ ) أي بأمرنا أو هي من أمرنا ولله، تبارك وتعالى، الخلق والأمر(مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ) (مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ) ما القرآن، (مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ) الكتب المنزلة، الكتاب إما المقصود به جنس الكتاب الكتب المنزلة أو المقصود به القرآن (وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ) وهنا توقف العلماء هل كان النبي، صلى الله عليه وسلم، قبل البعثة غير مؤمن ولم يمنح الإيمان إلا بعد النبوة؟ قال بعضهم نعم، وقال بعضهم المقصود بالإيمان تفاصيل الشرع وقد تأتي الكلمة عامة يراد بها الخصوص كقول الله، تبارك وتعالى، في شأن الصلاة حين صلى المسلمون لبيت المقدس فترة ثم حولت القبلة فقالوا ما حكم صلاتنا التي صليناها لبيت المقدس فنزل قول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ (١٤٣)) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٤٣]، فجاء بكلمة إيمان وقصد بها الصلاة أي ما كان الله ليضيع عليكم ثواب صلاتكم التي صليتموها إلى بيت المقدس فكلمة الإيمان قد تأتي عامة ويقصد بها خصوص فرع من فروع الإيمان من هنا قال بعض العلماء (مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ) أي تفاصيل الشرع الصلاة والزكاة والحج وكيفية الصلاة وكيفية الصيام كيفيات الإيمان أما التوحيد فقد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، موحدا منذ خلق، (مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ) كقوله، تبارك وتعالى، في موضع آخر (وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍۢ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًۭا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ (٤٨)) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٤٨]، (وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًۭا) أي جعلنا القرآن نورا والإيمان نورا وقد يأتي اللفظ مفرد رغم تعدد صفات الأفعال (وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًۭا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ ) إذا فالقرآن نور يهدي به الله، تبارك وتعالى، من يشاء من عباده (وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (٥٢)) وقرأت (وإنك لتُهدى إلى صراط مستقيم) كما قرأت أيضا (أو يرسلُ رسولا فيوحي بإذنه) بالرفع قرأت بالنصب (أو يرسلَ رسولا فيوحِىَ) قرأت بالرفع وبالنصب قراءات تتوقف على الإعراب (وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (٥٢)) طريق قويم لا اعوجاج فيه والخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، ووسيلة النبي، صلى الله عليه وسلم، في هداية الناس هو القرآن جعلناه نورا نهدي به من نشاء تكررت كلمة نهدي ونسبت الهداية لله تارة ونسبت الهداية لمحمد، صلى الله عليه وسلم، تارة فقد قال الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًۭا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ ) إذا فالهادي هو الله، (وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ) يا محمد (إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (٥٢)) إذا فالهداية مختلفة هداية الله تختلف عن هداية النبي، صلى الله عليه وسلم، هداية النبي، صلى الله عليه وسلم، دلالة يدلنا على الطريق، يبين لنا الطريق، يوضح لنا معالم الدين وشرائع الدين لكنه لا يسيطر على الناس (لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)) [سورة الغاشية آية‫:‬ ٢٢]، (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٧٢]، (إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ) [سورة القصص آية‫:‬ ٥٦]، إذا فكلمة (وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ) تعني الدلالة كما تقول لسائل عن طريق من هنا إذا سرت كذا وكذا ومشيت كذا وكذا وصلت إلى كذا كذا وهكذا فأنت تدله ولكن لا توصله ولا تحمله فهداية الأنبياء دلالة إشارة يبين، يوضح هداية الله أن يأخذك من الظلمات إلى النور أن يحملك من الضلالة إلى الإيمان (وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (٥٢) صِرَٰطِ ٱللَّهِ) الطريق الذي وضعه الله للوصول إليه وإلى رضائه تعريف للصراط المستقيم الذي هو صراط الله، (وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (٥٢) صِرَٰطِ ٱللَّهِ) ملكا فهو يملكها وخلقا فهو موجدها وعبيدا فهو المعبود الحق وتصريفا فهو المصرف للأمور وتدبيرا فهو المدبر وتقديرا فهو المقدّر ولذا قال‫:‬ (أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ (٥٣)) فعلا إلى الله تصير الأمور لأن الأمر أصلا منه والأمر لا بد وأن يرجع إليه (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلْأَمْرُ كُلُّهُۥ) [سورة هود آية‫:‬ ١٢٣]، وهو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه (أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ (٥٣)) ألا كلمة تنبيه تنبه السامع وتلفت نظره وتبين أهمية ما هو آت (أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ (٥٣)) يشعرك هذا التعبير بالوعد وبالوعيد بالوعد لأهل الطاعة بالجنة وبالمزيد وبالوعيد لأهل العصيان والكفران بالنار وبئس المصير لأن الأمور إذا صارت إليه لا بد وأن يحاسب ويعاقب ويعاتب ويثيب (أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ (٥٣)).‬
‫إن الأنبياء معصومون بعصمة الله لهم وما من نبي إلا ورزق الإيمان قبل أن يرسل أو يبعث وحين يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًۭا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ) لا بد وأن ينصرف المعنى إلى الكتاب بمعنى القرآن وبمعنى الكتب السماوية السابقة لأنه حين جاء بالقرآن جاء به من الله لم يأت به من كتاب سبق فلم تكن في جزيرة العرب كتب ولم يكن في قوم محمد، صلى الله عليه وسلم، كتاب يتهم بأنه جاء به من هذه الكتب وينصرف معنى الإيمان في الآية إلى تفاصيل العبادة وكيف نعبد وكيف نطيع ما هي الأوامر وما هي النواهي لأن الإيمان عقيدة وعمل وليس الإيمان بالتمني فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل إذا فالعمل مكمل للإيمان (مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ) تفاصيل الشرع أسلوب الطاعة طريق العبادة ولذا قال بعدها‫:‬ (صِرَٰطِ ٱللَّهِ) وقال‫:‬ (جَعَلْنَـٰهُ نُورًۭا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ) ندله بالقرآن على الطريق كيف يسير إلى الله وقد آمن الأصحاب قبل نزول القرآن ولم يكن نزل من القرآن شيء إلا قول الله، تبارك وتعالى، (ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ (١)) [سورة العلق آية‫:‬ ١]، لم تأت الصفات ولم تأت القصص ولم تأت الآيات والدلالات والبراهين وقد آمنوا ثم نزلت بعد ذلك الفرائض كالصلاة والصيام والزكاة والحج وكيفياتها ونزلت الأوامر ونزلت النواهي وعرف الناس بالقرآن الحلال من الحرام فكلمة الإيمان لا بد وأن تنصرف هنا للتفاصيل وليس الإيمان الذي هو الاعتقاد بوحدانية الله، تبارك وتعالى، وبوجوده وإنا نعتقد والله أعلم أن جميع الأنبياء ما سجد منهم واحد لصنم وما عبد منهم واحد غير الله منذ خلقوا إلى أن بعثوا بل خلقهم الله واصطفاهم لرسالته ولإبلاغ الناس وقد حماهم وعصمهم وأوجدهم على الهيئة التي لا يمكن لأقوامهم أن يتهموهم بشيء ولو أن نبيا من الأنبياء عبد غير الله قبل النبوة لعير بذلك ولو رأيت أقوال الأقوام لأنبيائهم لعلمت ذلك حيث قالوا‫:‬ (أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا) [سورة هود آية‫:‬ ٦٢]، ولو كان عابدا معهم قبل النبوة لقالوا أتنهانا أن نعبد ما كنت تعبد معنا، أتنهانا أن نعبد ما كنت تعبد لم يقلها مخلوق من الكفار أبدا ذاك دليل على أن الأنبياء جمعيا ما عبدوا إلا الله قبل البعثة وبعد البعثة وإلا لعيروا بذلك وارجع لأقوالهم جميعا، أيضا الصفات الحميدة فيهم منذ ولدوا بشهادة الكفار (أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ (٨٧)) [سورة هود آية‫:‬ ٨٧]، الكفار يقولون لشعيب (إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ (٨٧)) [سورة هود آية‫:‬ ٨٧]، يتهمون مريم ويقولون لها (يَـٰٓأُخْتَ هَـٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍۢ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّۭا (٢٨)) [سورة مريم آية‫:‬ ٢٨]، شهادتهم كانوا على أخلاق سوية ذاك دليل مقالة الكفار وكما قلنا لو أنك فعلت شيئا ثم نهيت غيرك عن الشيء، أول رد له لا بد وأن يقول كيف تنهاني وقد كنت تعمل وقد كنت تفعل الأمر الذي لم يرد في القرآن أبدا لقيت محمد، صلى الله عليه وسلم، بالصادق الأمين من قبل البعثة وكانوا يأتمنونه على أموالهم وأعراضهم كان صادقا كان أمينا كان متخلقا بأخلاق النبوة منذ نعومة أظفاره ما زنى ما شرب الخمر ما شهد محافلهم ما سجد لصنم قط بل كان يعبد الله، يعرف أن الله واحد وأن الله موجود لكن كيف يصل إليه؟! كيف يظهر العبادة والعبودية له أين الطريق أين الباب كيف فقط، أما العلم بوجود الله والمعرفة بصفات الله فقد كانت في الأنبياء من قبل البعثة‫.‬‬
‫واسمع الدليل الثاني حين كلمنا ربنا عن يحيى قال في شأنه (وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيًّۭا (١٢)) [سورة مريم آية‫:‬ ١٢] والصبي الذي لم يبلغ الحلم وحين ألقوا إخوة يوسف في البئر وهو طفل صغير لم يبلغ الحلم بعد يقول ربنا‫:‬ (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)) [سورة يوسف آية‫:‬ ١٥]، ولم يكن قد نبئ بعد ولم يكن قد بلغ بعد قبل البلوغ وهو صبي، ويقول في شأن موسى‫:‬ (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسْتَوَىٰٓ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ ) [سورة القصص آية‫:‬ ١٤] والذبيح الذي قال‫:‬ (قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ (١٠٢)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٠٢]، قدم المشيئة وكان عمرة سبع سنوات فلما بلغ معه السعي وهكذا، سليمان قال ربنا، تبارك وتعالى، في شأنه (فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ ۚ ) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٧٩]، وكان طفلا صغيرا يقضي بالأحكام يأخذ أبوه النبي الملك داود برأيه (فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ ۚ ) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٧٩]، وكان صبيا لم يبلغ الحلم بعد‫.‬‬
‫من هنا نعلم أن الأنبياء جميعا معصومون من الرذائل معصومون من الأخلاق الدنيئة معصومون من الكبائر والصغائر مؤمنون بالله الواحد الحق منذ ولدوا وكفى بقول الله، تبارك وتعالى، في شأن إبراهيم (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُۥ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَـٰلِمِينَ (٥١)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٥١]، أي من قبل النبوة (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُۥ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَـٰلِمِينَ (٥١)) [سورة االأنبياء آية‫:‬ ٥١] وحين ألقي إبراهيم في النار كان عمرة ثلاث عشر سنة‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم عصمة الأنبياء من الأمور التي يجب أن نعتقد فيها ولا يمكن لنبي أن يكذب أو يرتكب الصغائر فضلا عن الكبائر أو يسجد لغير الله كانوا وخلقوا على الإيمان وربنا يقول‫:‬ (وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى (٤١)) [سورة طه آية‫:‬ ٤١]، ويقول (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةًۭ مِّنِّى) [سورة طه آية‫:‬ ٣٩]، ويقول‫:‬ (وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ (٣٩)) [سورة طه آية‫:‬ ٣٩]، وهو رضيع، وحين ولد عيسى (قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ) [سورة مريم آية‫:‬ ٣٠]، أول ما ولد بل شهد له يحيى بمجرد ميلاده (مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٣٩]، فصدّق بعيسى منذ ولد وتكلم عيسى في المهد موحدا ربه هكذا الأنبياء‫.‬‬
‫الأمر الثاني أن الهداية من حيث المعنى اللفظي الدلالة بلطف إذا دللت إنسانا على شيء بلطف فتلك هي الهداية، فالهداية أن تدل بلطف من يسألك عن شيء والهداية أنواع‫:‬ أعلاها هداية الله وأدناها هداية الفطرة والغريزة، الهداية التي جعلت الفرخ ينقر بيضه ويخرج في الوقت المناسب الهداية التي جعلت الوليد يلتقم ثدي أمه دون علم سابق أو تجارب تلك هداية الفطرة ثم تأتي هداية الحواس بعد ذلك ثم تأتي هداية العقل ثم تأتي هداية الرسل ثم فوق كل ذلك هداية الله هو الهادي إلى سواء السبيل‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬