القرآن الكريم / سورة فصلت / التفسير المقروء

سورة فصلت

لقاؤنا مع ثانية العرائس، عرائس القرآن السبع، لقاؤنا مع سورة فصلت، نزلت سورة فصلت كاملة بمكة، نزلت سورة فصلت تعجيزا للعرب، نزلت سورة فصلت لتبين لهم، وهم أهل الفصاحة والعربية، أن هذا القرآن من لدن حكيم عليم

حمٓ ﴿1﴾
‫‫افتتحت سورة فصلت بالحروف المقطعة (حمٓ (١)) وكما قلنا من قبل في هذه الحروف هي سر الله فلا تطلبوه وهي من المتشابهات التي لا يعلمها إلا الله وكل ما قيل في هذه الحروف؛ حم، يس‫.‬ طه، طس، كل ما قيل في هذه الحروف من معان أو تفاسير ما هو إلا استنتاج ليس له سند وليس له أصل في السنة، بل هو استنتاج من الناس، أو محاولة للفهم أو للاستدلال وحقيقتها أنها سر لا يعلمه إلا الله‫.‬‬‬‬‬
تَنزِيلٌۭ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴿2﴾ كِتَـٰبٌۭ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا لِّقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ﴿3﴾ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿4﴾ وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍۢ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌۭ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌۭ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ ﴿5﴾
‫(تَنزِيلٌۭ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ (٢)) أسند التنزيل إلى الرحمن الرحيم، حين يقول الله ، تبارك وتعالى، (تَنزِيلٌۭ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ (٢)) وجاء بصفات الرحمة ليدلل على أن هذا القرآن نزل من أجل مصالح الخلق الدينية والدنيوية، فقد نزل القرآن من لدن رحمن رحيم، إذا فهو بخلقه رحيم وبخلقه رحمن ويصبح القرآن دستورا للخلائق جميعا يصلح شأنهم ويصلح ما بينهم وهو مناط المصالح دينية ودنيوية‫.‬‬
‫(تَنزِيلٌۭ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ (٢)) مبتدأ (كِتَـٰبٌۭ) خبر‫.‬‬
‫قالوا في إعرابها أمورا كثيرة لا تغير في المعنى‫.‬‬
‫(كِتَـٰبٌۭ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥ) كتاب‫:‬ خبر أو هو بدل، فصلت آياته‫:‬ بينت، فسرت، ميزت، (فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥ) ميزت لفظا بالفواصل والمقاطع، وميزت من حيث المضمون باختلاف المعاني ففيه الثواب والعقاب، الوعد والوعيد، الطاعة والمعصية، الحلال والحرام‫.‬‬
‫(فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا) قرآنا عربيا فيها المنة لأنه يسهل فهمه، ويسهل تلاوته لأنه نزل باللغة العربية التي تتكلم بها الأمة (قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا) حال (لِّقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ (٣)) يعلمون أن الله واحد، يعلمون أن هذا الكتاب منزل من الرحمن الرحيم، يعلمون العربية فيفهمونه ويتدبرون آياته، (بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا) (بشيرٌ ونذيرٌ) قراءتان، (بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا) حالان (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ) بشيرا للمؤمنين والطائعين بالثواب العميم وبالجنة والنعيم ونذيرا للكافرين والعاصين بالعذاب الأليم (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤)) أعرض أكثر الناس، أعرضوا عن القرآن ونبت قلوبهم عنه ولم يسمعوه سماع من يفهم أو سماع من ينتفع أو سماع من يتعقل الأمور، (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤)) سماع منتفع، (وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍۢ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌۭ) (وفي آذاننا وِقر)، (وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌۭ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ (٥)) نزل الكتاب من الله تبارك وتعالى، نزل من الرحمن الرحيم، إذا فالكتاب رحمة والقرآن رحمة في الدنيا والآخرة منفعة ومصلحة مبينة للناس أمور دنياهم وأمور دينهم مبينا لهم الحلال والحرام، الطاهر والنجس، الطيب والخبيث الثواب والعقاب، مبينا لهم كل ما يصلح شأنهم دنيا وأخرى ونزل باللغة العربية، نزل قرآنا عربيا لهم وبلغتهم وبلسانهم حتى يفهموه وحتى يعقلوه فأعرضوا عنه ولم يسمعوه ولم يستمعوا له استماع منتفع أو متعقل أو متدبر أو منصف وقالوا زيادة في الاستكبار والإعراض (قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍۢ) أكنة‫:‬ جمع كنان والكنان‫:‬ الغطاء، قالوا قلوبنا في أغطية وكأن القلوب قد غطيت من جميع نواصيها وهذه الأغطيه منعت القلوب من التأمل والاستبصار (وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍۢ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ) أي التوحيد، هذه القلوب غطيت بأغطية تحجبها وتمنعها من الاستبصار ومن الإيمان ومن الفهم والتعقل لما يدعوهم محمد ، صلى الله عليه وسلم، إليه ألا وهو توحيد الله ، تبارك وتعالى، والعمل لآخرتهم (وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌۭ) أو (وفي آذاننا وِقر) والوقر والوقر‫:‬ الثقل كناية عن الصم وكأنهم ادعوا أن في آذانهم صمم وطالما كانوا صما فهم لا يسمعون، (وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌۭ) الحجاب هو الساتر، الحجاب‫:‬ المانع والغريب في التعبير أنهم قالوا (وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ) ولم يقولوا "بيننا وبينك حجاب"، حين قالوا (وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ) جاءوا بلفظة "من" ليدل هذا التعبير أن الحجاب مبتدئ منهم ومنه بحيث استغرق المسافة كلها ولم يبق هناك فراغ وكأن الحجاب سميك أو عريض يبدأ منهم وينتهي به فليس هناك فراغ فهو مستغرق مستوفي لكل المسافه التي تفصل بينه وبينهم فأنى لهم أن يسمعوا، (وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌۭ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ (٥)) فاعمل لإلهك إننا عاملون لآلهتنا، فاعمل في إهلاكنا إننا عاملون في إهلاكك، فاعمل بما يقتضيه دينك فإننا عاملون بما تقتضيه أدياننا، فاعمل لآخرتك إننا عاملون لدنيانا فقد كفروا بالبعث، فيأمره الله ، تبارك وتعالى، أن يرد عليهم بالمنطق بالعقل بالحجة بالبرهان‫.‬‬‬‬‬
قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌۭ لِّلْمُشْرِكِينَ ﴿6﴾
‫(قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ) التواضع لله تبارك وتعالى، أمره بالتواضع (قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ) لست ملكا ولست ملكا ولست جبارا في الأرض ولست جنيا أنا بشر مثلكم تعقلون عني وتفهمون مني أتكلم بلسانكم حتى تفهمون عن الله ، تبارك وتعالى، (أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ) الصفة الخاصة التي تميزه عن سائر الخلائق أنه يوحى إليه، فهو من حيث الشكل ومن حيث الصورة هو بشر يتكلم بلسان الناس يأكل ويشرب ويمرض ويموت وينام ويصحو فهو بشر في كل شيء وفي جميع شأنه ولكن ميز عنهم باستعداده لتلقي الوحي من الله ، تبارك وتعالى، (يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌۭ لِّلْمُشْرِكِينَ (٦)) الدعوة الخالصة الدعوة الصادقة هل طلب مالا؟‬
‫أبدا، هل طلب جاها؟ أبد، هل طلب سلطانا؟ أبدا، هل استعلى عليهم؟ أبدا، وإنما تواضع وبين أنه لا يفترق عنهم في شيء وأنه واحد منهم وأنه بشر مثلهم يوحى إليه ويدعوهم، لا يدعوهم لنفسه ولا يدعوهم للخضوع له ولا يدعوهم لعبادته أو السجود له ولا يدعوهم لتمليكه أو لتسلطه عليهم بل يدعوهم إلى ربه وربهم، يدعوهم إلى الله الواحد الأحد (فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ) إلى الله، إذا فهو مخلص في دعوته لأنه يدعوهم إلى الله ، تبارك وتعالى، لا يدعوهم لنفسه ولا يبتغي على ذلك أجرا (فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ) توجهوا إليه بالكلية واقصدوا إليه دون انحراف أو اعوجاج، والاستقامة هي الاعتدال دون اعوجاج ودون انحراف، توجهوا إليه بالدعاء، توجهوا إليه بالعبادة توجهوا إليه بالطلب والسؤال (وَٱسْتَغْفِرُوهُ ۗ ) استغفروه من ذنوبكم واستغفروه من شرككم، إستغفروه من ضلالكم وعبادتكم للأوثان والأصنام ثم هدد وتوعد (وَوَيْلٌۭ لِّلْمُشْرِكِينَ (٦)) وكلمة "ويل" كلمة تهديد ووعيد، (وَوَيْلٌۭ لِّلْمُشْرِكِينَ (٦)) الذين أشركوا مع الله غيره من الناس أو من الحجارة أو من الأصنام أو من الملائكة أو من الكواكب فالكل مخلوق والله ، تبارك وتعالى، هو الخالق الواحد الأحد‫.
ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ ﴿7﴾
وصفهم بصفتين، بعد أن وصفهم بالإشراك خصهم بصفتين، الصفة الأولى‫:‬ عدم إتيان الزكاة، الصفة الثانية‫:‬ الكفر بالآخرة وبالبعث، المشركون لهم صفات عديدة وحين يخص من الصفات منع الزكاة دليل على أن هؤلاء لم يؤمنوا بالآخرة وعملوا للدنيا فقط والمال صنو الروح، ودليل الإيمان الأكيد هو الإنفاق الثقة بما عند الله أن نثق بأن المال في يدك وأنت مستخلف فيه وأن المانح هو الله وأن ما أنفقتم من شيء فهو مخلفه وأن خزائن الله لا تنضب‫.‬‬
‫هذه الآية حض للمسلمين على إخراج الزكاة وحث لهم على ذلك وبيان أن منع الزكاة من صفات الكفار وليست من صفات المؤمنين، والزكاة لم تكن قد فرضت بمكة، من هنا قالوا إن الزكاة مقصودة بها تزكية النفوس (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا (٩)) [سورة الشمس آية‫:‬ ٩]، (ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ) أي لا يؤتون الأفعال التي تزكي أنفسهم، وقال بعضهم بل الزكاة مقصود بها الإنفاق فقد كان أغنياء قريش يسقون الحجيج ويطعمونهم وينفقون على الفقراء فحين بعث النبي ، صلى الله عليه وسلم، واتبعه أناس قرروا عدم الإنفاق عليهم وقالوا لا تنفقوا على من آمن بمحمد فمنعوا عن فقراء المسلمين الإنفاق والطعام والبيع والتجارة وما إلى ذلك فوبخهم الله ، تبارك وتعالى، وقرعهم بشحهم، الشح الذي ينبو عنه الفضلاء والذي لا يحب أن يتصف به الفضلاء والكرماء، فها هو ربنا ، تبارك وتعالى، يقرعهم بالشح ويبين أن الشح صنو الكفر كما أن الإنفاق صنو الإيمان والإنفاق دليل على ثبات النفوس على الإيمان كقوله ، تبارك وتعالى، (وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٦٥] إذًا فالإنفاق إثبات للإيمان وتثبيت للنفس على الإيمان، و (لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٩٢] وهكذا تدل الآية على أن منع الزكاة من أشد المعاصي وهي من صفات الكفار وهي صنو لعدم الإيمان بالآخرة، والشح يبعد عن الله فالكريم قريب من الناس قريب من الله قريب من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيد من الناس بعيد من الله بعيد من الجنة قريب من النار، (ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ (٧)) وكرر الضمير لتخصيص الكفر بالآخرة بهؤلاء الذين أشركوا‫.‬ وبضدها تتميز الأشياء فبعد ما جاء ذكر هؤلاء الكفار جاء ذكر المؤمنين الأبرار يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍۢ ﴿8﴾
غير ممنون‫:‬ غير مقطوع، مننت الحبل‫:‬ قطعته، (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍۢ (٨)) غير مقطوع، (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍۢ (٨)) غير منقوص، والآية تشعر أيضا أنها نزلت في شأن أقوام أطاعوا الله ، تبارك وتعالى، حال الصحة، وأنفقوا حال الرخاء فإن أصابهم المرض وعجزوا عن الطاعة التي كانوا يؤدونها حال الصحة أو أصابهم الفقر فعجزوا عن الإنفاق كما كانوا ينفقون حال الرخاء، هؤلاء لهم من الأجر ما كان لهم حال الصحة مصداقا لقول النبي ، صلى الله عليه وسلم، في شأن صلاة الجمعة أن‫:‬ (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فَكَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ، طَوُوا الْصُّحَفَ) فقد يقتقد الملائكة فردا من الناس تعودوا على كتابته في كل جمعة وجاؤوا في جمعتنا هذه مثلا فافتقدوه فحين تنتهي الصلاه يسألوا الله ، تبارك وتعالى، يا ربنا تخلف فلان وقد كنا نجده في كل جمعة ونكتب اسمه فيقول الله ، تبارك وتعالى، يا ملائكتي حبسه العذر اكتبوا له ما كنتم تكتبون، فقيل أن هذه الآية نزلت في الزمنى والمرضى والهرمى، هؤلاء الذين عجزوا عن أداء الطاعات التي كانوا يؤدونها حال الصبا والشباب والقوة والصحة فربنا ، تبارك وتعالى، يمن عليهم ويعطيهم من الأجر مثل ما كان يكتب لهم وهم في صحتهم (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍۢ (٨)) غير مقطوع إلى أن يموت ولو عجز عن الطاعة، أجر غير منقوص يأخذ أعلى ما كان يكتب له من أجر، أولئك لهم أجر غير ممنون به عليهم، لا يمن عليهم بالأجر وإنما يعطون الأجر بغير من‫.‬‬
‫ويتوجه الكلام بالتقريع والتوبيخ لكفار مكة، يقول الله ، تبارك وتعالى، لنبيه وحبيبه المصطفى ، صلى الله عليه وسلم، آمرا له أن يقول لهم :‬‬‬
قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًۭا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿9﴾
تقريع، أنتم كفرتم، كفرتم بمن؟ كفرتم بإله موجد منشئ كان من الأزل ولم يكن شيء، خلق الأرض هذه التي لا تدرون مداها ولا مساحتها بما فيها من خيرات وبركات ونبات وأقوات وأشجار وأنهار وجبال ومخلوقات وبهائم، هذه الأرض خلقها ربنا في يومين اثنين، (خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًۭا ۚ ) أندادا جمع ند والند‫:‬ الشبيه، المثيل، النظير، ماذا خلقت الأصنام؟ ماذا خلقت الأوثان؟! ها هي الأرض خالقها هو الله الذي ندعوكم إليه فتجعلون له أندادا، والند والنظير والشبيه والمثيل لا بد وأن يكون مشابها لنده في الصفات أو في الأفعال فكيف تسوون بين الخالق والمخلوق، بين الحي والميت، بين الموجد والموجود، بين من خلقكم وما صنعتموه بأيديكم (ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٩)) الرب‫:‬ المربي، والتربية‫:‬ إيصال الشيء إلى كماله شيئا فشيئا بحسب استعداده فربنا ، تبارك وتعالى، رب العالمين، ما من شيء إلا ووجد صغيرا ضئيلا ثم كبر حتى السموات حين خلقت ليست كهيئتها الآن لأن الله ، تبارك وتعالى، يتكلم في السموات أنه بناها بأيد وإنا لموسعون فها هي تتسع وقد أثبت العلم ذلك أن المسافات تتسع والفواصل بين الكواكب والنجوم والمجرات تتسع بسرعة فوق الخيال، ما من شيء إلا ويكبر ويربى ويصل إلى الكمال، الموصل للكمال هو المربي والمربي هو الله ذلك رب العالمين‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍۢ سَوَآءًۭ لِّلسَّآئِلِينَ ﴿10﴾
‫(وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا) الجبال وجعلها ظاهرة وكان من الممكن أن يجعل الرواسي باطنة لكنه جعل الرواسي ظاهرة، (وَجَعَلَ فِيهَا) في الأرض (رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا) لتكون ظاهرة للأبصار فيحدث الاستبصار سبحان من أثبتها وثبتها بغير وتد، أيضا لتكون منافعها معرضة للطلاب فلا بأسا في استخراج المعادن، لا تجد مشقة في استخراج المعادن والمنافع من هذه الجبال ولكي ينزل عليها الثلج والبرد والأمطار فتسير الأودية أنهارا، جعلها ظاهرة نافعة (وَبَـٰرَكَ فِيهَا) بارك في الأرض، ألا ترون أن الأرض لا ينضب معينها، ألا ترون أن الماء يجري منذ خلقت إلى الآن؟ ألا ترون النبات يزهو وينمو ويحصده الإنسان ثم تعاد الكرة فإذا بالنبات يخرج، هل كلت الأرض‫:‬ هل جفت الأنهار، هل امتنعت الثمار، ما من حب تضعه في الأرض إلا وينبت ويثمر، هذه البركة هذه الخيرات التي لا تنتهي ولا تنقضي ولا تحصى، هذه الخيرات الموجودة في هذه الأرض هي بارك الله فيها (وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا) قدر الأقوات، جعل في الأرض من الأقوات ما يصلح كل شيء وما يصلح لكل شيء ففي الأرض أقوات للناس وأقوات للبهائم وأقوات للحشرات وأقوات للطيور وأقوات للوحوش وأقوات للأسماك، ما في الأرض من خلق إلا وله قوت، أيضا (وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا) جعل في كل قطر أنواع من القوت لم يجعلها في القطر الآخر فقد يشتري بعض الناس الملح بالذهب فالملح في أقطار والذهب في أقطار والقطن في أقطار والحب في أقطار، في كل قطر قوت فتحدث المنافع وتبادل التجارات ويتعارف الناس وتحدث الأسفار ويحدث التبادل في المنافع (وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا) هنا بمقدار وهنا بمقدار وكل المقادير يكمل بعضها بعضا ولا يجوع إنسان أو حيوان في الأرض مهما بقت وبقيت الأرض، (فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍۢ سَوَآءًۭ لِّلسَّآئِلِينَ (١٠)) تقدير الأقوات لم يتم في أربعة أيام وإنما تقدير الأقوات تم في يومين وكلمة (فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍۢ) أي تمام أربعة أيام خلقها في يومين وقدر فيها أقواتها في يومين فتمت المدة أربعة أيام، خلق الأرض في يومين وقدر أقواتها في يومين، لو قال ذلك لحدث الفاصل بين الأيام يومين ثم مكث مدة ثم قدر الأقوات في يومين آخرين بعد فترة من الزمان أما حين يقول (وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍۢ) أي في تمام أربعة أيام ليدلل لك أن الأيام متصلة أي تم الخلق وتقدير الأقوات في أربعة أيام‫.‬‬
‫أو (فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍۢ سَوَآءًۭ لِّلسَّآئِلِينَ (١٠))، أي في أربعة أيام سواء أربعة أيام مستوية لا تنقص ساعة ولا تزيد لحظة، أو (فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍۢ سَوَآءًۭ) فقد قرأت بثلاث قراءات "سواء‫:‬ أي هي سواء، "سواء" الأيام مستوية، سواء منصوبة على المصدرية (سَوَآءًۭ لِّلسَّآئِلِينَ (١٠)) أي هذا جواب للسائلين عن مدة الخلق، خلقت الأرض في يومين وقدرت أقواتها في يومين هذا جواب للسائلين عن مدة الخلق، أو (سَوَآءًۭ لِّلسَّآئِلِينَ (١٠)) أي أن الله ، تبارك وتعالى، قدر الأقوات في الأرض سواء للسائلين وغير السائلين فقد قدر الأقوات لمن أطاع ولمن عصى فالكل بفضله ومن فضله مرزوق (سَوَآءًۭ لِّلسَّآئِلِينَ (١٠)) والمحتاجين وسواء سأل السائل أو لم يسأل، قدر الله الأقوات للكل
ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌۭ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴿11﴾ فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍۢ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفْظًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴿12﴾
‫(ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ) استوى في اللغة‫:‬ ارتفع، علا ومنه قوله تعالى (فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٢٨]‬
‫(ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ) : قصد إلى السماء بإرادته فلا يجوز على الله ، تبارك وتعالى، الحركة والانتقال، (ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ) لم يرتفع بذاته ولم يعلو بذاته وإنما استوى إلى السماء قصد قصد إليها بإرادته (وَهِىَ دُخَانٌۭ) وهي في حالة الدخان (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا) أو (فقال لها وللأرض آتيا طوعا أو كرها)، (قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ (١١)) استوى إلى السماء وهي دخان ثم قال لها وللأرض (ٱئْتِيَا) في الوجود إذا فقد قال قبل أن توجد السموات والأرض، (ٱئْتِيَا) في الوجود فوجدتا أو قال (ٱئْتِيَا) فوجدتا ولم يتقدم القول الإيجاد ولم يتأخر عنه فأمره بين الكاف والنون، أو (ٱئْتِيَا) أو أعطيا ما خلقت فيكما من منافع فيا سماء جودي بدفء شمسك وضياء كواكبك، ويا أرض أخرجي نباتك وأظهري ماءك (ٱئْتِيَا) بما خلقت فيكما من منافع ومن أمور فهو أمر تكوين تسخير أو آتيا فلتأت كل واحدة منكما الأخرى، من المؤاتاة‫:‬ المطاوعة فالتعاون بين السماء والأرض مأمور به، أن ينزل من السماء الثلج والماء والبرد ينزل من السماء أمور ويصعد أمور، وحركة الفلك بين الأرض والنجوم والكواكب وما وجد في السماء الدنيا مرتبط ببعضه وكأن الله ، تبارك وتعالى، يأمر السموات ويأمر الأرض ليوافق كل منكما الأخرى فيما يؤثر في الأخرى وتتأثر به الأخرى، ليوافق كل منكما الأخرى في الإتيان بما أراده الله ، تبارك وتعالى، (قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ (١١)) والتقدير أو مقتضى النظم ( قالتا أتينا طائعتين) على اللفظ مثنى السماء والأرض أو مقتضى النظم على المعنى "قالتا أتينا طائعات" فهي سماوات وأراضين، لم يقل أتينا طائعات أو أتينا طائعين، قال (أَتَيْنَا طَآئِعِينَ (١١)) وكلمة "طائعين" لا تقال إلا من العقلاء، ترى أكان الخطاب للسماوات والأرض ومن فيهن من عقلاء أم أن الكلام حين جرى مجرى مخاطبة العقلاء فهناك كلام وجواب "ائتيا" إذا فهو يخاطبهم وهم يردون عليه والخطاب والاستماع والإجابة لا تكون إلا من عاقل، وحين جاء التمثيل في الخطاب والسؤال والجواب بالعقلاء لزم أن يكون الرد رد العقلاء، (فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍۢ) قضاهن‬
‫فرغ منهن، أتمهن، القضاء‫:‬ الفراغ، القضاء‫:‬ الإحكام والإتقان، (فَقَضَىٰهُنَّ) : أحكمهن، (فَقَضَىٰهُنَّ) فرغ منهن، (سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍۢ ) إذا فقد خلقت الأرض في يومين وقدرت الأقوات في يومين وخلقت السموات في يومين فاكتمل العدد ستة أيام، خلق السموات والأرض في ستة أيام وكل يوم من الأيام الستة كألف سنة مما تعدون، (وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ ) أمرها‫:‬ شأنها، أوحى‫:‬ خلق، أوحى‫:‬ أمر (وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ ) : خلق في كل سماء أهلها وما فيها من منافع من كواكب من شموس من أمور لا نعلمها (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)) [سورة النحل آية‫:‬ ٨]، أو (وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ ) أي أمر في كل سماء بما يجب أن يكون فيها ومنها فالوحي أمر والوحي خلق، (وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا) السماء الأولى، واحدة من السبع سموات والتي هي في دنيانا هذه المشرقة على الدنيا (بِمَصَـٰبِيحَ) النجوم والكواكب (وَحِفْظًۭا ۚ ) أي وحفظناها حفظا من أن تتشقق من أن تقع من أن تتصدع من أن يسترق السمع فيها الشياطين (ذَٰلِكَ) ذلك الأمر وذلك الذي يقص عليك (تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ (١٢)) ذلك الخلق والإيجاد والإنشاء وما قص علينا (تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ (١٢))، العزيز ليس له مثال، العزيز‫:‬ المنيع، العزيز‫:‬ الغالب العزيز‫:‬ القوي القاهر، العزيز‫:‬ الذي لا يمكن أن يدانيه أو يساميه أو يساويه غيره، هو الله العليم‫:‬ العالم بكل شيء وبما يصلح كل شيء‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ ورد أن موسى عليه السلام سأل الله ، تبارك وتعالى، فقال‫:‬ (يَا رَبِّ لَوْ أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ حِينَ قُلْتَ لَهُمَا" ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً" عَصَيَاكَ مَا كُنْتَ صَانِعًا بِهِمَا؟ قَالَ كُنْتُ آمُرُ دَابَّةً مِنْ دَوَابِّي فَتَبْتَلِعُهُمَا‫.‬ قَالَ: يَا رَبِّ وَأَيْنَ تِلْكَ الدَّابَّةُ؟ قَالَ: فِي مَرْجٍ مِنْ مُرُوجِي‫.‬ قَالَ: يَا رَبِّ وَأَيْنَ ذَلِكَ الْمَرْجُ؟ قَالَ عِلْمٌ مِنْ عِلْمِي).‬
‫يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًۭا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿۹﴾ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍۢ سَوَآءًۭ لِّلسَّآئِلِينَ ﴿١۰﴾ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌۭ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴿١١﴾ فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍۢ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفْظًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴿١٢﴾) ، تدل هذه الآيات على أن الله ، تبارك وتعالى، قد خلق الأرض قبل خلق السماء وفي سورة البقرة يقول الله ، تبارك وتعالى، (هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍۢ ۚ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٩] إذًا فآية البقرة أيضًا تدل على أن الأرض خلقت قبل خلق السماء، وإذا وصلنا لسورة النازعات وجدنا الله ، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُ ۚ بَنَىٰهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّىٰهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَىٰهَا (٢٩) وَٱلْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَىٰهَا (٣١) وَٱلْجِبَالَ أَرْسَىٰهَا (٣٢) مَتَـٰعًۭا لَّكُمْ وَلِأَنْعَـٰمِكُمْ (٣٣)) [سورة النازعات آية‫:‬ ٢٧- ٣٣]، تفيد الآيات أن الله ، تبارك وتعالى، قد خلق السماء أولا ثم خلق الأرض، (وَٱلْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ (٣٠)) [سورة النازعات آية‫:‬ ٣٠]، سواها جعلها مدحية، ترى أخلقت الأرض أولا أم خلقت السماء أولا؟‬
‫قالوا‫:‬ ربنا ، تبارك وتعالى، خلق أولا الدخان، دخان السماء، ثم خلق الأرض ثم استوى إلى السماء وهي دخان فخلقها وسواها ورفع سمكها ثم عاد إلى الأرض فدحاها للتوفيق بين الآيات، أول ما خلق الله خلق الماء فتنفس الماء فصعد الدخان، خلق لأرض بعد خلق الدخان ثم سوى الدخان فتكثف الدخان فأصبح سماء، ثم دحى الأرض بعد ذلك، ذاك قول، وهناك من رد عليهم وقال كيف ذلك ودحو الأرض لا بد وأن يكون قبل إرساء الجبال وقبل إخراج الأقوات وربنا يقول‫:‬( وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا) ، (ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ) فكيف يدحو الأرض بعد ذلك وقد خرجت أقواتها وقدرت أقواتها وأرسى الجبال فيها ولا بد أن يكون الدحو قبل ذلك‫.‬‬
‫فقال آخرون البعدية في الدحو بعدية الذكر وليست بعدية الخلق فقد خلقت الأرض قبل السماء ثم خلقت السماء وحين يقول ربنا ، تبارك وتعالى، (وَٱلْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ (٣٠)) [سورة النازعات آية‫:‬ ٣٠]، كلمة "بعد ذلك" ليس بعد خلق السماء فالبعدية ليست بعدية ترتيب ليست بعدية خلق ليست بعدية إيجاد بل البعدية بعدية ذكر وكأن الله ، تبارك وتعالى، يذكر لنا أنه دحى الأرض بعد ذكره للسماء من حيث الذكر فالبعدية بعدية ذكر، أما بعدية الخلق غير واردة في هذه الآية، إذا السماء بناها وحين يقول أن الأرض بعد ذلك دحاها أي والأرض أخبركم بعد ذلك أنه قد دحاها من قبل خلق السماء‫.‬‬
‫وقال أناس الآية ألفاظ عربية ونحن نفسر الآية وفق اللفظ العربي وطبقا لظاهر اللفظ هؤلاء وقعوا في التشبيه حيث قالوا‫:‬ قدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين، ثم استوى إلى السماء، انتقل لأن الاستواء‫:‬ الانتقال والإقبال، الاستواء‫:‬ العلو والارتفاع فوقعوا في التشبيه والله ليس كمثله شيء، ولا يجوز على الله الحركة أو الانتقال لأنك لو أجزت الحركة والانتقال على الله لكان معنى ذلك أنه موجود في مكان وغير موجود في المكان الآخر فإذا انتقل من مكان إلى مكان أصبح موجودا في المكان الجديد بعد أن ترك المكان القديم وهو الله لا يحويه مكان ولا يحده زمان بل كان قبل المكان وقبل الزمان وهو الآن على ما عليه كان، فالأخذ بظاهر اللفظ ممنوع لأن الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة‫.‬‬
‫وقال أقوام بل نؤول الآية، والتأويل‫:‬ التفسير مع صرف اللفظ عن ظاهره حيث يستحيل حمل اللفظ على ظاهره فهم يؤمنون بالآية ويؤولونها ويحيلون اللفظ عن ظاهره، فحين يفسرون (ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ) لا يفسرون اللفظ بظاهره فالاستواء معلوم فيقولون الاستواء‫:‬ القصد بالإرادة وليس الانتقال بالذات وحين يأتون إلى لفظ "ثم " (ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ) إذا فهناك زمان ثم استوى، قالوا "ثم" ليست للتراخي وليست لترتيب الإرادة فالإرادة أزلية وإنما لتفاوت الخلقين وهي لترتيب الذكر وليست لترتيب الإيجاد فهم يؤولون الكلام ويؤولون الآيات بمعان يحتملها اللفظ مع استحالة حمل اللفظ على ظاهره لأن الله ، تبارك وتعالى، حين يقول (ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ) إذا أخذت اللفظ على ظاهره استوى‫:‬ استولى، استوى‫:‬ استعلى، استوى‫:‬ ارتفع، استوى أقبل فيها الانتقال فيها الحركة وذاك ممنوع على الله، مستحيل على ذاته العلية فأولوا الآيات وفسروها وحملوا المعاني على ما يليق بجلاله وكماله سبحانه وتعالي، ذاك فريق‫.‬‬
‫فريق آخر قالوا‫:‬ هذه الآيات نؤمن بها ولا نفسرها ولا نؤولها نتلوها ونؤمن بها ونصدق بها ونفوض معناها إلى الله وذاك أصح ما يقال، وذاك فريق ناج استبرأ لنفسه واستبرأ لعرضه نجا ونأى بنفسه عن الكلام فيما لا يستطيعه وفيما لا يعرفه وفيما لا يحيط به، فربنا ، تبارك وتعالى، إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون وترتيب الأفعال لا يتأتى أبدا إلا إذا كان هناك ترتيب للزمان وتربص للزمان وترتيب أفكار فحين يقول (ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ) معنى ذلك أنه كان مشغولا بخلق الأرض ثم بعدما فزغ من خلق الأرض انتقل إلى خلق السماء وهنا يستحيل على الله، لأن الله ، تبارك وتعالى، عالم من الأزل قادر من الأزل مريد من الأزل لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها قادرا مع تأخر المقدورات عالما مع تأخر المعلومات، كل ما يفيد الاستقبال في القرآن فهو بحسب المأمورات وليس بحسب الآمر سبحانه وإنما المحدثات تجيء بعد أن لم تكن، أما المحدث فهو الله كان ولم يكن شيء، من هنا نقول أن الله ، تبارك وتعالى، أعلم بمراده كيف خلق الأرض وكيف خلق السماء وكيف استوى إلى السماء كما استوى على العرش، كيف استوى على العرش، حمل اللفظ على ظاهره ممنوع يؤدي إلى الخطأ وإلى الوقوع في التشبيه والله ليس كمثله شيء فإياك والتشبيه أو التحديد أو التمثيل أو التقييد ، فسبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء ولا يجوز عليه الحركة ولا يجوز عليه الانتقال ولا يحويه مكان ولا يحده زمان وقد كان قبل الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان، كيف خلق الأرض خلق السماء، أيتهن خلقت أولا، كيف كان الدخان وهل خلق الدخان ومن أي شيء خلق الدخان كل ذلك أمور لا يعلمها إلا الله والآيات تدلل على تأثير قدرته في مراده لأنهم أيضا تكلموا في كلام (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴿١١﴾) هل حدث كلام هل تكلم ربنا ، تبارك وتعالى، فعلا وخاطب السموات والأرض قائلا ائتيا طوعا أو كرها بالكلمات؟ هل خاطبها فعلا وهل ردت فعلا؟ قال بعضهم نعم خاطبها فعلا وخلق فيها الكلام وأقدرها على النطق فنطقت فقد أنطق كل شيء، حدث الكلام وحدث السؤال وحدث الجواب وربنا ، تبارك وتعالى، قادر على خلق الكلام في الجماد وإنطاقه، وقال بعضهم لم يحدث كلام أبدا، لم يحدث كلام من الله للسموات والأرض ولم تحدث إجابة باللفظ والنطق والكلام وإنما هو تمثيل لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع من غير توقف من غير افتقار لمزاولة عمل أو استخدام آلة حيث قال (ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا) ولم يقل "وإنما" وكأنه قال تمثيل لنفاذ القدرة وتمثيل للطاعة وليس المقصود الطوع والكره وليس المقصود بالآية إبراز الطوع والكره وأن السموات والأرض خيرتا بين أن تأتيا طوعا أو تأتيا كرها فاختارتا الطواعية وإبراز الطاعة وإنما المقصود إبراز القدرة من القدير الذي إذا أراد شيئا كان بغير أن يكون هناك قول يقوله وإنما هو قضاء يريده (فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍۢ ) الكلام (ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا) تمثيل لتأثير قدرته في مراده ولم يكن هناك كلام ولم يكن هناك سؤال ولم يكن هناك إجابة وإنما بيان لنا أن الله ، تبارك وتعالى، لا يقع في ملكه إلا ما يريد وهو الفعال لما يريد‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ خير ما يقال في هذه الآيات أننا نؤمن بها ونفوض العلم بها إلى الله هو أعلم بمراده، آمنا بمحكمه ومتشابهه، آمنا بالمحكم والمتشابه هو كلام الله القديم آمنا به ونفوض العلم به إلى الله ، تبارك وتعالى‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم يقول النبي ، صلى الله عليه وسلم، ( حينما خلق الله الأرض مادت، اهتزت وارتجت ولم تثبت، فخلق فيها الجبال فرست فتساءل جبريل قال يا رب خلقت الأرض فمادت فوضعت الجبال فرست فهل خلقت شيئا أقوى من الجبال؟ قال نعم خلقت الحديد، الحديد يكسر الجبال وينحتها، قال يا رب وهل خلقت شيئا أقوى من الحديد؟ قال نعم النار، تذيب الحديد، قال يا رب وهل خلقت شيئا أقوى من النار قال نعم الماء، الماء يطفئ النار، قال يا رب وهل خلقت شيئا أقوى من الماء؟ قال نعم الهواء، الريح هو الذي يأتي بالماء وبالمطر، قال يا رب وهل خلقت شيئا أقوى من الهواء؟ قال نعم عبدي المؤمن إذا أنفق نفقة بيمينه فلم تدر شماله ما أنفقت يمينه) .‬
‫أيها الأخ المسلم أنفق، أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا أنفق ينفعك ولتعلم أن النبي ، صلى الله عليه وسلم يحذرنا ويقول : (يَقُولُ الْعَبْدُ مَالِى مَالِى ، إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلاَثٌ مَا أَكَلَ فَأَفْنَى ، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى ، أَوْ أَعْطَى فَأَمْضَى وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ). الصدقة هي التي تبقى وربما صدقة تتصدق بها تدخلك الجنة (اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)، واعلم أن الصدقة تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار‫.‬‬
‫فقد اجتمع الملأ قريش يتباحثون في أمر محمد بن عبد الله ذلك الذي جاء فسفه أحلامهم وضلل آباءهم وشتم آلهتهم، اجتمعوا وقالوا أيكم أعلم بالكهانة والشعر والسحر يذهب إليه فيسمع منه ويأتينا بخبره فقال عتبة بن أبي ربيعة والله إني لأعلمكم بالكهانة والشعر والسحر ولقد سمعت كل ذلك وعلمت منه علما لا يخفى علي، وذهب عتبة بن ربيعة إلى محمد بن عبد الله ، عليه الصلاة والسلام، وقال له‫:‬ يا محمد أنت خير أم قصي بن كلاب، أنت خير أم هاشم، أنت خير أم عبد المطلب، أنت خير أم عبد الله فلم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا وتسفه أحلامنا وتذم ديننا، يا محمد إن كنت تريد سلطانا أو ملكا عقدنا إليك ألويتنا فكنت رئيسنا ما بقيت وإن كنت تريد الباءة، أي المال المهر، زوجناك بعشر بنات من قريش أيتهن شئت وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا من الجن جمعنا لك من أموالنا واجتهدنا في طلب ما نداويك به حتى نغلب فيك كل ذلك والنبي ، صلى الله عليه وسلم، ساكت ثم قال النبي ، صلى الله عليه وسلم، (أَفَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حم السَّجْدَةَ حَتَّى مَرَّ بِالسَّجْدَةِ فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعُتْبَةُ مُلْقٍ يَدَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهَا ثُمَّ قَامَ عُتْبَةُ مَا يَدْرِي مَا يَرْجِعُ بِهِ إِلَى نَادِي قَوْمِهِ فَلَمَّا رَأَوْهُ مُقْبِلًا قَالُوا‫:‬ لَقَدْ رَجَعَ إِلَيْكُمْ بِوَجْهٍ غَيْرِ مَا قَامَ مِنْ عِنْدِكُمْ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَدْ كَلَّمْتُهُ بِالَّذِي أَمَرْتُمُونِي بِهِ حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ كَلَّمَنِي بِكَلَامٍ لَا وَاللَّهِ مَا سَمِعَتْ أُذُنَايَ مِثْلَهُ قَطُّ وَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ لَهُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ فَأَطِيعُونِي الْيَوْمَ وَأعْصُونِي فِيمَا بَعْده وَاتْرُكُوا الرَّجُلَ وَاعْتَزِلُوهُ فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِتَارِكٍ مَا هُوَ عَلَيْهِ وَخَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ فَإِنْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ يَكُنْ شَرَفُهُ شَرَفَكُمْ وَعِزُّهُ عِزَّكُمْ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْهِ تَكُونُوا قَدْ كُفِيتُمُوهُ بِغَيْرِكُمْ قَالُوا‫:‬ صَبَأْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ ) وقيل بل لم يذهبوا إليه هو خرج من عند النبي ، صلى الله عليه وسلم، وذهب وعاد إليهم وحين رأوه من بعيد قالوا لقد جاء أبو الوليد بوجه غير الذي ترككم عليه، جاء عتبة بن ربيعة وقال لهم والله ما هو بالشعر وما هو بالسحر وما هو بالكهانة والله لقد سمعت من محمد كلاما لم أسمع مثله قط اسمعوا نصيحتي واحملوها علي واتركوه وشأنه فإن قتلته العرب كفيتموه وإن صار ملكا أو سلطانا كان ذلك خيرا لكم فإن ملكه ملككم وشرفه شرفكم قالوا لقد صبأت يا أبا الوليد وأوشك عتبة بن ربيعة على الإسلام لكن الله ، تبارك وتعالى، لم يرد منه ذلك فعاد إلى كفره، يقول الله ، تبارك وتعالى، بعد افتتاحية سورة فصلت وبعد بيان الخلق وبيان قدرة الله ، تبارك وتعالى، في خلق السموات والأرض وأنه لم يكن هناك شيء فقد كان الله ولم يكن شيء يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬‬
فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةًۭ مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍۢ وَثَمُودَ ﴿13﴾
‫(فَإِنْ أَعْرَضُوا۟) والكلام عن مشركي مكة أي فإن أعرضوا عن دعوتك لهم إلى الإيمان والهدى (فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةًۭ مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍۢ وَثَمُودَ (١٣)) والإنذار تخويف مع إعطاء مهلة حتى يستطيع المنذر أن يتقي ما أنذر به، (صَـٰعِقَةًۭ مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍۢ وَثَمُودَ (١٣)) (صعقة مثل صعقة عاد وثمود) قراءة عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وكانت قريش تعرف من أخبارهم وتمر في سفرها على ديارهم، ويبين القرآن لم أصيبوا بذلك فيقول‫:‬‬‬‬
إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ قَالُوا۟ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةًۭ فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ﴿14﴾
‫(إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) أي جاءتهم من كل جانب أي جاءتهم الرسل من جميع الاتجاهات ومن جميع الجوانب بالهدى بالإنذار بالتبشير بالإقناع بالمنطق بالآيات بالمعجزات أي جاءتهم من بين أيديهم ومن خلفهم، أو هو تعبير عن الكثرة كقول الله ، تبارك وتعالى، (يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًۭا مِّن كُلِّ مَكَانٍۢ ) [سورة النحل آية‫:‬ ١١٢] تعبير عن كثرة الرسل‬
‫أو (مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) أي خلفهم أي جاءت الرسل إلى آبائهم ثم جاءتهم رسلهم هود وصالح يقولون مثل ما قال الرسل من قبلهم لآبائهم، جاءتهم الرسل من بين أيديهم في الماضي ومن خلفهم في حاضرهم أو العكس‫.‬‬
‫أو جاءتهم رسلهم من بين أيديهم ومن خلفهم أي يحذرونهم من المعاصي في الدنيا ومن بال شركهم وكفرهم في الآخرة‫.‬‬
‫( أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ ) أي بألا تعبدوا إلا الله، ماذا كان رد هؤلاء القوم؟ (قَالُوا۟ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةًۭ فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ (١٤)) الكلام يفيد أنهم أقروا واعترفوا بوجود الله وأقروا واعترفوا بإرسال الرسل ولكنهم جحدوا أن يكون الرسول بشرا، كذبوا الرسل، أقروا واعترفوا بجواز بعثة الرسل وبوجود الله ، تبارك وتعالى، إذا فقد آمنوا ثم جحدوا لو شاء ربنا إذا فلهم رب قد أقروا به (لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةًۭ) اعترضوا على إرسال البشر والله ، تبارك وتعالى، يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ولو نزلت الرسل ملائكة لخلط عليهم الأمر لأن الملك إذا نزل بصورته الملائكية لا يعرفه أحد ولا يراه أحد وإن نزل على صورة بشرية ماذا يثبت أنه من الملائكة لخلط عليهم أيضا الأمر لكنهم يعارضون الرسل جحدوا واستكبارا وكفرا وقالوا (فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ (١٤)) إعلان بالكفر، ثم يبين ربنا ، تبارك وتعالى، ما أصاب هؤلاء فيقول :‬‬
فَأَمَّا عَادٌۭ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةًۭ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿15﴾ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًۭا صَرْصَرًۭا فِىٓ أَيَّامٍۢ نَّحِسَاتٍۢ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ ﴿16﴾
‫(فَأَمَّا عَادٌۭ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ) أي استكبروا على عباد الله، استكبروا على هود الرسول الذي أرسل إليهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى صراط مستقيم، استكبروا عليه واستكبروا على من آمن معه، والاستكبار أن يظن الإنسان في نفسه أكثر مما يستحق وأكثر مما هو عليه والكبر لا يكون بحق أبدا إلا لله فهو المتكبر بحق، وأما الإنسان فأوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة وقد جرى مجرى البول مرتين فأنى له أن يستكبر وبأي حق يستكبر استكبروا (وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ ) لم يخشوا عذاب الله ، تبارك وتعالى، واعتقدوا أنهم يستطيعون مقاومة العذاب، وقد قيل في شأنهم أن أطولهم كان طوله مائة ذراع وأقصرهم كان طوله ستون ذراعا وقيل أن الرجل منهم إذا خبط الأرض برجله خرقها وأنه كان يقتلع الصخرة بيده فيرفعها، قيل في شأنهم الكثير وكفى بقول القرآن عاد (ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ (٨)) [سورة الفجر آية‫:‬ ٨]، ، (وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ ) يرد الله ، تبارك وتعالى، عليهم ويقول (أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةًۭ ۖ) إذا كنت قد اغتررت بقوتك فلا بد لك أن تعلم أن هذه القوة أولا لم تكن موجودة فقد كنت نطفة ثم علقة ثم مضغة، كنت جنينا في بطن أمك خرجت تحبو، خرجت لا تسمع لا تبصر لا تعقل لا تملك غذاءك ولا تملك للضر دفعا ولا للنفع جلبا فمن أين أتتك القوة؟ إذا فقوتك مستمدة من غيرك ألا وهو الله الذي خلقك فسواك فعدلك كما وأن هذه القوة لها بداية نشأت إذ لم تكن موجودة ولها نهاية لا بد وأن تحدث إذ بعد أن يكون الإنسان قويا شديدا يصاب بالكبر وبالضعف، خلقه الله ، تبارك وتعالى، من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة، إذا فهذه القوة أولا غير دائمة لها بداية ولها نهاية، الأمر الثاني أنها مستمدة من الغير ألا وهو المانح للقدرات والقوة ألا وهو الله، أما قدرة الله، تبارك وتعالى، فهي قدرة ذاتية فهو ذات قادرة لا يستمد قدرته من سواه أو من شيء وإنما قدرة الله ، تبارك وتعالى، قدرة ذاتية لا أول لها ولا آخر لها فهو القادر من الأزل وهو القادر إلى الأبد، (أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةًۭ ۖ ) هم أصلا لم يكونوا موجودين، ما كان منهم أحد موجودا، قبل أن يكونوا موجودين أين كانوا؟ في العدم وأخرجهم الله من العدم فالخالق والمنشيء هو الأقدر لا محالة، (وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)) كانوا ينكرون الآيات وينكرون المعجزات وكانوا يكفرون بكل ما يأتيهم من آيات من الكتب المنزلية وكذلك من المعجزات، (وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)) والجحود هو الإنكار بغير سلطان‫.‬‬
‫عاقبهم ربنا ، تبارك وتعالى، وبين العقاب فقال‫:‬‬
‫( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًۭا صَرْصَرًۭا فِىٓ أَيَّامٍۢ نَّحِسَاتٍۢ ) (نحْسَات) قراءة تفسير وبيان للصاعقة، (أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةًۭ مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍۢ وَثَمُودَ (١٣)) تفسير وبيان للصاعقة التي أنذرهم بها هي الريح التي صعقتهم، (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًۭا صَرْصَرًۭا) صرصرأ‫:‬ من الصر‫:‬ شدة البرد لأن شدة البرد يجمع ظاهر الجلد وينكمش جلد الإنسان من شدة البرد فيجتمع الجلد يجتمع ظاهره فالصر هو البرد الشديد، (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًۭا صَرْصَرًۭا) وأصلها‫:‬ صررا هذه الريح الصرصرمن الصر، أيضا لها صوت مدمر عال لا يطاق من الصرير صر يصر صريرا، ومن الصرة‫:‬ الصيحة من قول الله ، تبارك وتعالى، (فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُۥ فِى صَرَّةٍۢ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌۭ (٢٩)) [سورة الذاريات آية‫:‬ ٢٩].‬
‫إذًا ففي هذه الريح ثلاث صفات‫:‬ شدة البرد، شدة الصوت، شدة الصرير هذه الريح التي سلطها ربنا ، تبارك وتعالى، عليهم (سَبْعَ لَيَالٍۢ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًۭا) [سورة الحاقة آية‫:‬ ٧]، قيل أنها بدأت يوم الأربعاء وانتهت أيضا يوم الأربعاء، وقيل أنها كانت في آخر شوال وقيل أن الله ، تبارك وتعالى، ما عذب قوما إلا وبدأ العذاب في يوم الأربعاء، أقوال يعلم الله ، تبارك وتعالى، بصحتها لكنها قيلت‫.‬ (في أيام نحسات) بالإسكان قراءة، (فِىٓ أَيَّامٍۢ نَّحِسَاتٍۢ ) قراءة والنحس ضد السعد نحس الرجل ضد سعد الرجل أي أيام مشؤومات، أيام متتابعات مهلكات فيها العذاب وفيها الشؤم، ونحس ونحس الرجل نحسا‫:‬ حدث له ما يسيئه، (لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ) العذاب المخزي، والخزي والخزاية صفة للرجل لهم، نسبت إلى العذاب مبالغة لبيان شدة العذاب وشدة وقعه عليهم، أصابهم الله ، تبارك وتعالى، بعذاب الخزي في الحياة الدنيا فأهلكهم ودمرهم وكانت الريح التي سلطت عليهم تدخل من مسام أجسادهم وتنفذ آخذة معها أمعاءهم وأحشائهم تركتهم هذه الريح كجذوع النخل الخاوية هياكل بلا أمعاء وبلا أحشاء (وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ (١٦)) عذاب مخزي مهين أشد وأنكى (وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ (١٦)) لا يجدون من يدفع عنهم العذاب في الآخرة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿17﴾ وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ﴿18﴾
ثمود هداهم الله والهداية‫:‬ الدلالة بلطف على المطلوب وهداية الله أنواع‫:‬‬
‫أولها‫:‬ هداية الفطرة التي تجعل الوليد يلتقم ثدي أمه دون علم سابق أو تجارب، والتي تجعل الفرخ ينقر بيضه فيخرج في الوقت المناسب والتي تجعل النمل يخزن طعامه وليس له كاتب أو حاسب، هذه الهداية الفطرية يشترك فيها جميع المخلوقات، تلي هذه الهداية هداية أخرى ألا وهي هداية الحواس البصر والسمع واللمس والذوق كل ذلك يدلك على المراد، فبالعين وبالنظر تعرف النافع من الضار، وبالذوق تعرف الحلو من المر وباللمس تعرف البارد من الساخن فهي هداية أخرى من فضل الله ، تبارك وتعالى، على مخلوقاته ألا وهي هداية الحواس يتفاضل فيها المخلوقات فبصر الصقور والنسور أقوى من بصر الناس، وكذلك حاسة الشم لدي الكلاب أقوى من حاسة الشم لدى الناس‫.‬ ثم بعد ذلك هناك هداية ثالثة تفضل الله واختص بها بني آدم ألا وهي هداية العقل والتي وظيفته تصحيح خطأ الحواس، فأنت بعقلك تصحح خطأ الحاسة لأنك لو نظرت من علو شاهق إلى أسفل لوجدت الناس في أحجام صغيرة لا يعقلها العقل فيصحح عقلك خطأ الحاسة ويقول لك بعد المسافة سببا في صغر أجرام الأشياء، هذا العقل الذي ميز به الإنسان هداية تدلك وظيفته لتصحيح خطأ الحواس، يأتي بعد ذلك هداية أخرى اختص الله بها الإنس والجن ألا وهي هداية الرسل الدلالة على الله وعلى وجود الله وعلى ما ينفع ويضر، وعلى الطاعة والمعصية وعلى الحلال والحرام فهي هداية أي دلالة، هي المقصودة بقوله ، تبارك وتعالى، (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ) أي دللناهم وأرسلنا إليهم رسلا وآيات ومعجزات تدلهم تهديهم إلى طريق الصواب، هناك هداية فوق ذلك هداية أخرى ألا وهي هداية الرسل والمؤمنين ومن اصطفاهم الله ، تبارك وتعالى، فهداهم أي أخذ بيدهم إلى الطريق الصحيح، (وَهَدَيْنَـٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (٨٧)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٨٧]، هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بأعلى درجات الهداية فأخذ بيدهم من الظلمات إلى النور ومن الضلالة إلى الهدى وهداهم واصطفاهم ونحن في كل صلاة وفي كل ركعة وفي كل قراءة نسأل الله ، تبارك وتعالى، أن يجعلنا منهم حيث نقول‫:‬ (ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ (٧)) [سورة الفاتحة آية‫:‬ ٦- ٧].‬
‫الهداية العليا، هداية الله ، تبارك وتعالى، بأخذ الإنسان وإخراجه من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى‫.‬‬
‫أما الهداية التي ذكرت في هذه الآية فهي مجرد الدلالة التي جاء بها الرسل (إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ١١٩]، (لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ١].‬
‫يقول الله ، تبارك وتعالى، (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ) دلهم ربنا على طريق النجاة لكنه لم يأخذ بأيديهم إليها بل تركهم واختيارهم، (فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ) استحبوا العمى على البيان، استحبوا الكفر على الإيمان باختيارهم بعد أن دلهم الله على الطريق‫.‬ (فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ) الهون من الهوان أو الهون‫:‬ المهين، الذل الخزي العار، الهوان أخذتهم الصاعقة صيحة واحدة صاحها جبريل فجعل عاليها سافلها، (بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (١٧)) من أعمال قبيحة ومن سيئات ومن كفر ومن محاربة الرسل وخاصة أنهم حين استكبروا وقالوا لمن آمن منهم (أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحًۭا مُّرْسَلٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٧٥]، وحين أقر المؤمنون بذلك قالوا‫:‬ (قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِۦ مُؤْمِنُونَ (٧٥)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٧٥]، قالوا‫:‬ (إِنَّا بِٱلَّذِىٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ (٧٦)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٧٦]، وتحدوا صالحا وقالوا له إن كنت رسولا حقا فائتنا بآية فقال أي آية؟ (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ ) [سورة الرعد آية‫:‬ ٣٨]، فأخذوه وأشاروا إلى صخرة صماء في جبل غليظ شديد وقالوا‫:‬ إن كان ربك قادرا على كل شيء وهو الذي خلقنا وهو الذي يبعثنا فسله أن يخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء حامل على وشك الوضع فسأل صالح ربه وانفلقت الصخرة وخرجت الناقة العشراء وولدت أمام أعينهم وكانت لها شرب في يوم ولهم شرب في يوم، هذه الناقة العظيمة التي خرجت أمام أعينهم ما زادتهم إلا كفرا واستكبارا (فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمْ فَسَوَّىٰهَا (١٤)) [سورة الشمس آية‫:‬ ١٤].‬
‫( وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ (١٨)) نجى الله الرسل ومن آمن بهم وهذه سنة الله ، تبارك وتعالى، (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ (٥١)) [سورة غافر آية‫:‬ ٥١]، نعم (ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)) [سورة يونس آية‫:‬ ١٠٣]، ربنا ، تبارك وتعالى، أخرج المؤمنون ثم أرسل عذابه على الكافرين (وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ (١٨)).‬
‫وينتقل الكلام لتصوير موقف في غاية الخطورة موقف يغفل الناس عنه وهو قريب منهم قريب:
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿19﴾
‫(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ) قراءة (يحشر أعداء الله) قراءة (نحشر أعداء) قراءة أعداء الله‫: الكفار، أعداء الله‫: أعداء رسله، أعداء كتبه، أعداء المؤمنين، يوم يحشر الله ، تبارك وتعالى، أعداءه الكفار إلى النار، يجمع هؤلاء جميعا كل أناس بإمامهم فهم يوزعون يساقون وينظمون ويحبس أوائلهم حتى يلحق بهم أواخرهم لا يشذ منهم شاذ ولا يند منهم ناد تسوقهم الملائكة وتجمعهم وتحشرهم إلى النار فهم يوزعون‫.
حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿20﴾
‫(حتى إذا جاؤها) ذاك هو النظم (حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا) جاء بحرف "ما" ليدلل على أن الحشر أو المجيء مرتبط بالشهادة، يقول أنس بن مالك فيما يرويه عنه الإمام مسلم‫:‬ (كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟» قَالَ قُلْنَا‫:‬ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ) ، يشهد العبد على نفسه؟ نعم (حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٢٠)) السمع معروف، الآذان، والأبصار الأعين الجلود قيل هي الجلود واللفظ على ظاهرهجلد الإنسان، وقيل بل الجلود أي الفروج وقد عبرت العرب عن الفروج بالجلود أي يشهد على الزاني فرجه وعلى الزانية فرجها أو هي الجلود على ظاهر اللفظ، (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم) إذا فالسمع يشهد والبصر يشهد والجلد يشهد‫.‬‬
‫قال بعض الناس هو نطق على الحقيقة بلسان المقال، وقال بعضهم بل ليس نطقا وإنما هو بلسان الحال حيث تظهر على الجوارج آثار المعاصي والسيئات، فإذا ظهرت آثار المعاصي والسيئات على الجوارح كان ذلك نطقا بلسان الحال، (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ) يشهد السمع كم سمعت أيها الأخ من غيبة، كم سمعت رجلا يغتاب مسلما عندك فلم تسكته ولم ترد غيبة المسلم هل تظن أنك آمن، أبدا يؤتى بك يوم القيامة ويشهد عليك سمعك بما سمع مما يكرهه الله ، تبارك وتعالى، وكذلك البصر (إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًۭا (٣٦)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٣٦].‬‬‬
وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿21﴾
بعدما شهدت عليهم الجلود ها هم يوبخون أنفسهم، يبكتون أعضاءهم (وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ ) وبنتيجة هذه الشهادة تدخل الجلود التي شهدت تدخل إلى جهنم تدخل إلى النار فكأنها نطقت لوبالها ونطقت لهلاكها، (قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ ) أنطق كل شيء؟ نعم فما في الوجود من شيء إلا وهو ناطق، إما في الدنيا بلسان الحال أو بلسان المقال، وكذلك في الآخرة ويقول الله ، تبارك وتعالى، (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ ) [سورة الإسراء آية‫: ٤٤]، إي وربي (وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)) من كلام الجلود واو العطف، (وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١))، أو هو استئناف من كلام الله ، تبارك وتعالى، أو من كلام الملائكة (وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ) وطالما هو الذي خلقكم أول مرة فلا بد من الرجوع‫.
وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًۭا مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴿22﴾ وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَىٰكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ﴿23﴾
‫(وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ) ما كنتم تستخفون، (وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ) ما كنتم تتقون، الإنسان في هذه الدنيا يختبئ خلف الجدران، يختبئ داخل الحجرات، يختبئ وراء الأبواب، يختبئ خلف الأستار فيعصي الله مخافة أن يراه الناس يختبئ من الناس ويستخفي من الناس وهو لا يدري أنه مفضوح لا محالة فالله ، تبارك وتعالى، لا يستره عن عباده شيء ، يرى ويسمع وقد‫: ( اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ، أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ فَقَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، فَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تبارك وتعالى‫: (وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًۭا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)) ، (ظَنَنتُمْ) : تيقنتم لأن الظن يأتي بمعنى اليقين لأن الله يقول (ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ (٤٦)) [سورة البقرة آية‫: ٤٦]، فهنا كذلك الظن بمعنى اليقين ولكنكم ظننتم تيقنتم أو اعتقدتم (أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًۭا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)) ، قال ذلك الرجل حين قال إن جهرنا سمع وإن أخفينا لم يسمع فظنوا أن الله يسمع البعض ولا يسمع البعض الآخر (وَذَٰلِكُمْ) أي ذلكم العذاب الخزي وذلكم الذي تذوقونه تلك شهادة الجلود والأعضاء وما إلى ذلك (وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَىٰكُمْ)، أهلككم، (فَأَصْبَحْتُم مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ (٢٣)) نعم ما منحوه في الدنيا للاستسعاد به في الدارين كان سببا في شقاوة المنزلين‫.
فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًۭى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ ﴿24﴾
‫(فَإِن يَصْبِرُوا۟) أي إن يصبروا في الدنيا على المعاصي ويستمروا على الكفر والفسوق فنهايتهم إلى النار، المثوى ثوي بالمكان أقام به مقامهم في النار محجوزة لهم جاهزة لاستقبالهم، (فَإِن يَصْبِرُوا۟) ويستمروا على ما هم من كفر وشرك ومعاص فالنار مصيرهم (وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ (٢٤)) أي وإن يسترضوا الله ، تبارك وتعالى، (وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟) أي وإن يسترضوا الله ، تعالى، ويطلبوا العتبى (فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ (٢٤)) فما هم من المجابين إلى طلبهم، أو إن يصبروا في يوم القيامة على النار فالنار مثواهم لا يفيدهم الصبر، الصبر في الدنيا مفتاح الفرج، أما الصبر في النار مفتاح الشقاء، (فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًۭى لَّهُمْ ۖ ) لا يفيدهم صبرهم (وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ (٢٤)) يعتبهم الله يطلب منهم إرضاءه بأن يعيدهم إلى الدنيا كما طلبوا (فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ (٢٤)) أي فما هم من المستجيبين المرضين لله، أو وإن يستعتبوا هم يطلبون العتبى من الله فما هم المعتبين لا يعتبهم ربهم ، تبارك وتعالى، ولا يجيز لهم العتاب، العتاب‫:‬ تذاكر الموجدة العتاب‫:‬ الإدلال، بين الصديقين عتبى وبينها أعتوبة، كلام، هذا يعاتب وذاك يعاتب، استعتبه فأعتبني‫:‬ استرضيته فأرضاني، (وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟) هم يطلبون العتبى الرجوع التوبة، وكما قال سيدنا محمد ، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى)، (وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟) يطالبون بالعتبى، (فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ (٢٤)) فما هم من المرضيين له وما هم من المجابين إلى طلبهم لا يعتبهم الله ، تبارك وتعالى، وقرئت ( وإن يُستَعْتَبوا) أي يرجعهم الله ، تبارك وتعالى، ويطلب هو منهم الرجوع إليه ( فما هم من المعتبين) فما هم من المرضين له مصداقا لقوله ، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ (٢٨)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٢٨]، (فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًۭى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ (٢٤))، مصداقا لقوله ، تبارك وتعالى، عنهم حكاية عنهم‫:‬ (سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍۢ (٢١)) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٢١].‬
‫أيها الأخ المسلم يقول النبي ، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ؛ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ قَوْمًا قَدْ أَرْدَاهُمْ سُوءُ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ).‬
‫أيها الأخ المسلم الظن ظنان ظن ينجي وظن يهلك، ظن هؤلاء ألا بعث ظن هؤلاء بالمغفرة وتوقعوها دون العمل لها خرجوا من الدنيا مفاليس خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم يقولون نحسن الظن بالله وقد كذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل، هناك ظن مهلك كظن هؤلاء (وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَىٰكُمْ) وهناك ظن منجي الظن الحسن بالله ، تبارك وتعالى، إذا تعمل من أجل ذلك، الإيمان ليس بالتمني ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، فحسن الظن بالله دافع للعبد على مداومة الطاعة واسترضاء الله، تبارك وتعالى، فأنت في وقتك هذا وفي عمرك هذا أنت في فسحة أنت في دائرة الإمهال لك أن تستغيث لك أن تطلب العتبى من الله لك أن تتوب والفسحة أمامك، أما إذا غرغر العبد قفل باب التوبة أمامه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم أحسن الظن بالله وأحسن العمل لله فمن خير ما يصاب به المرء أن يرزقه الله جليس الخير لأن من جالس جانس ومن أسوأ ما يصاب به المرء أن يرزق بجليس السوء، وكلما جلس الإنسان مع الجليس الطيب كان ذلك أحرى أن يتجه إلى الله لأن المسلم والأخ الصادق هو الذي إذا رأيته ذكرك بالله وإن ذكرت أعانك وإن نسيت ذكرك، والجليس الصالح كتاجر المسك والجليس السوء كنافخ الكير، والإنسان منا يمشي في حياته ويعتقد أنه هو الموجه لذاته ولتصرفاته في حين أنك وأنت تمشي في حياتك معك ما لا تراه، معك نفس أمارة بالسوء ومعك شيطان لا تراه (إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٢٧]، ومعك، ومعك، وللملك لمة وللشيطان لمة ومن جاءته لمة الملك فليحمد الله ومن جاءته لمة الشيطان فليستعذ بالله، هؤلاء الذين كفروا بالله وجحدوا بآياته وعصوا رسله زادهم الله ، تبارك وتعالى، ضلالا على ضلال وقال في شأنهم‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ ﴿25﴾
‫(وَقَيَّضْنَا) : هيأنا، سخرنا، أصل الكلمة من القيض، والقيض‫:‬ قشر البيض الخارجي، فحين يقول (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ) وكأن هؤلاء القرناء أحاطوا بالشخص إحاطة القيض بالبيض أين المفر؟ أين المهرب؟ (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ) إذا فقد احاطوا بهم إحاطة القيض بالبيض، (قُرَنَآءَ) القرناء‫:‬ قرناء السوء شياطين الإنس وشياطين الجن، (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ) والقرين النظير الملازم، هؤلاء القرناء من الشياطين من شياطين الإنس والجن أحاطوا بهذا العبد الذي لم يوفق للهداية أحاطوا به إحاطة القيض بالبيض، (فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) زينوا لهم المعاصي التي عملوها وزينوا لهم المعاصي التي استعدوا لعملها فهم يزينون لهم ما مضى من معاص ويهيئون لهم السبل لما هو آت من كفر وفسق وفجور، أو (فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) المعاصي والكفر والشرك في الدنيا، (وَمَا خَلْفَهُمْ) التسويف في أمر الآخرة وإنكار البعث وإنكار الحشر وإنكار الجنة والنار، أو (فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) أحاطوا بهم وزينوا لهم كل الأمور، قال بعضهم‫:‬ (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ) أحوجنا بعضهم إلى بعض من المقايضة فهما متبايعان وهما متقايضان، والمقايضة‫:‬ البدل، أحوجهم ربهم إلى بعضهم البعض فأحوج الأغنياء إلى الفقراء وأحوج الفقراء إلى الأغنياء فهؤلاء سلطوهم وزينوا لبعضهم البعض المعاصي والكفر والفجور، (فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) والزينة طبيعتها أن تقام ثم تفض وكلكم زين بيته يوما في زواج ابنته في زواج ابنه في عودته من سفر أي زينة وزينة النساء ما يضعونه من أصباغ، كل زينة طبيعتها أن توضع وتقام ثم تفض وهكذا الدنيا كلها (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةًۭ لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا (٧)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٧]، فهؤلاء زينوا لهم المعاصي وزينوا لهم الكفر، زينوا لهم الفجور، أحاطوا بهم من كل جانب، زينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم، (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ) نتيجة ذلك وجب عليهم قول الله ، تبارك وتعالى، (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)) [سورة السجدة آية‫:‬ ١٣]، وجب عليهم القول (فِىٓ أُمَمٍۢ ) في جملة أمم سبقتهم أو "في" بمعنى "مع" (فِىٓ أُمَمٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم) انتهت واندثرت كقوم عاد وقوم هود وقوم نوح وقوم صالح وقوم فرعون، (مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ (٢٥)) نعم خسروا أنفسهم وخسروا أموالهم وخسروا أهليهم وخسروا أولادهم‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ لو سافرت إلى الخارج وفتح الله عليك ودرست وتكلمت الصحف في شأنك وعدت إلى ديارك وقد جمعت من المال الكثير من الطرق الحلال وازدانت الجرائد باسمك ومجهودك وفعلك، حين تعود كيف تستقبل من أهلك ومن ولدك ومن أناسك ومن حيك وأهل دائرتك؟ بالترحاب، بالبشر، بالحبور بل الكل يتلمس الرضا منك، وإن سافر أحدهم إلى الخارج فأساء فسجن فتحدثت الصحف بفضائحه عاد ذليلا عاد بخزي وعار يتبرأ منه أبوه ويتبرأ منه ابنه وها هم الناس يتباعدون عنه، ذاك استقبال في الدنيا فما بالك باستقبال الآخرة حين تقف بين يدي ربك ، تبارك وتعالى، ويسألك ويقول لك منحتك شبابا وصحة ماذا فعلت، منحتك مالا وجاها ماذا فعلت، منحتك عمرا مديدا وأطلت في عمرك ماذا فعلت، منحتك علما ماذا فعلت؟ كيف تجيب، وإذا رأيت امرأتك ورأيت أباك وأمك ورأيت ابنك وابنتك في يوم القيامة إما أن تشفع لهم وتقول يا رب أين أبي أين أمي وأين ابنتي وأولادي فيقال لك ما عملوا مثل عملك وما استحقوا منزلتك فتقول يا رب كنت أعمل لي ولهم لا أرضى حتى ترفعهم إلى منزلتي فيقول الله‫:‬ ارفعوهم إلى منزلته، (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَـٰهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍۢ ۚ ) [سورة الطور آية‫:‬ ٢١]، جاه وأي جاه وأنت تطالب بفلان‬
‫وفلان تبحث عن إخوانك وأصدقاءك ترفع أهلك ترفع جيرانك ترفع ذريتك إلى مكانك ومقامك بل تدخل إلى النار فتكون عليك بردا وسلاما وتأخذ بأناس بأيديهم فتخرجهم من النار إلى الجنة شفيع مشفع مقام وجاه أيوازي هذا جاه الدنيا، هؤلاء الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة تلعنهم الجلود ويلعنون جلودهم، يلعنون أبناءهم وتلعنهم آباؤهم توضع الأنساب ويرفع الله ، تبارك وتعالى، نسبه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ اعمل فما زالت في الدنيا فسحة اعمل لذلك اليوم وأنت بين مخافتين بين عاجل قد مضى لا تدري ما الله صانع به وبين آجل قد بقي لا تدري ما الله قاض فيه فخذ من نفسك لنفسك ومن شبابك لهرمك خذ من غناك لفقرك خذ من صحتك لمرضك خذ من نفسك لنفسك خذ من جاك خذ من مالك خذ من شبابك خذ من فراغك لشغلك، خذ من نفسك لنفسك، وحاسب نفسك قبل أن تحاسب‫.‬‬
‫يقول النبي ، صلى الله عليه وسلم، لعائشة ، رضي الله عنها‫:‬ (مَنْ حُوسِبَ هَلَكَ) وتقول عائشة كيف ذلك يا رسول الله وربنا ، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًۭا يَسِيرًۭا (٨)) [سورة الانشقاق آية‫:‬ ٨] فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم، يا عائشة (إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ)، و (مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ ).‬
‫فقد خلق الله ، تبارك وتعالى، الإنسان وفضله على كثير من خلق تفضيلا ووهبه من الآلات والأدوات والجوارح ما يمكنه من اإستغلال ما حوله وتسخيره لمنفعته وصلاحه، ومما فضل الله ، تبارك وتعالى، به الإنسان على سائر الحيوان العقل والإدراك والحواس، ومن أشرف الحواس جميعا حاسة السمع، وحاسة السمع في إعجازها وإتقانها إن دلت على شيء فإنما تدل على قدرة الله ، تبارك وتعالى، وعظيم إحسانه، ومن الإنصاف لنفسك أن تسمع لغيرك وقد خلق الله ، تبارك وتعالى، لك لسانا واحدا وخلق لك أذنين وكأن السمع ضعف الكلام فإن تكلمت وجب أن تسمع ضعف ما تكلمت وكما قلنا من الإنصاف لنفسك أن تسمع لغيرك فسماعك لغيرك مزيد معرفة مزيد منفعة ورحم الله امرءا أهدى إليك عيوبك، وما استمع الإنسان أبدا لشيء إلا وأفاد منه حتى وإن استمع العالم لحجة الكفار استفاد من ذلك الرد عليهم، كيف يرد عليهم، من هنا كان السمع مقدما على البصر في الذكر في جميع أي القرآن‫:‬ (إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًۭا (٣٦)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٣٦]، (وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)) [سورة النحل آية‫:‬ ٧٨]، في جميع آيات القرآن قدم السمع في الذكر على البصر لشرفه ولأهميته، جاءنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، بالحق من ربه، نقل إلينا رسالته، نقل إلينا هديه وكلامه وكان من الإنصاف أن تسمع له، ليس الإنصاف له وإنما الإنصاف لنفسك أن تسمع له وتزن كلامه وتقيس وتنظر وترى حتى تهدى إلى الحق، آفة كفار مكة أنهم لم يستمعوا لمحمد ، عيه الصلاة والسلام، الأدهى من ذلك أنهم لم يستمعوا له فقطن بل الأدهى أنهم شوشوا عليه ومنعوا غيرهم من الاستماع إليه فضلوا وأضلوا وصموا آذانهم فكانوا كالصم رغم وجود الأسماع وكانوا كالعمي رغم وجود الأبصار، حرموا أنفسهم من نعمة كبرى ومن إحسان عظيم، أحسن الله إليهم إذ منحهم السمع خلقهم من نطفة أمشاج وجعل الإنسان منا سميعا بصيرا‫.‬‬
‫ينبئنا القرآن عن آفة كفار مكة وكيف جعلوا بينهم وبين النبي ، صلى الله عليه وسلم، حجابا، قالوا لأنفسهم وقال زعماؤهم للرعاع ولسفهائهم وضعفاء العقول.
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴿26﴾
قال زعماء مكة صناديد قريش للناس (لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ) منعوهم من السمع فصموا آذانهم وكان النبي ، صلى الله عليه وسلم، إذا قرأ عليهم القرآن جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم غطوا رءوسهم كما فعل قوم نوح وكما فعل الكفار في كل زمان ومكان، لم يكتفوا بعدم السماع بل أرادوا ألا يسمع غيرهم فقرروا أن يشوشوا عليه برفع الأصوات بالمكاء أي الصفير، بالتصفيق، بالكلام بصوت مرتفع، بالعيب في القرآن، يرفعون أصواتهم بكلام غير مفهوم ولا طائل وراءه اللغو من الكلام كل ما لا طائل وراءه لا ينفع لا دنيا ولا أخرى، كل كلام لا نفع يه ولا منفعة فيه لغو من الكلام، واللغو الذي لا طائل وراءه من لغي، يلغى أو من لغى، يلغو لذا قرأت بقراءتين (وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ) من لغيى، يلغى وقرأت (والغوا فيه) من لغى، يلغو بمعنى واحد‫.‬‬
‫اللغو ما لا طائل وراءه، الكلام السفيه الذي لا يفيد ولا ينفع ولا يرجى من ورائه خير، إذا فقد حرض كفار مكة حرضوا الناس على عدم السماع والتشويش أيضا على النبي ، صلى الله عليه وسلم، حتى لا يسمع كلامه وحتى لا يوعى ولا يفهم قرآنه (لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)) أي لعلكم تغلبونه في القول فترتفع أصواتكم على صوته ويرتفع كلامكم على كلامه، (وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)) لعلكم تغلبون على قراءة محمد وعلى قرآنه فلا يسمعه أحد‫.‬‬
‫فينذرهم ربنا ، تبارك وتعالى، ويهددهم ويتوعدهم فيقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿27﴾ ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا دَارُ ٱلْخُلْدِ ۖ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿28﴾
‫(فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟) إذا فقد كفروا، حين قال‫:‬ (فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟)، إذا فالذين قالوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه والذين أصموا آذانهم ولغوا في القرآن حكم عليهم بالكفر (عَذَابًۭا شَدِيدًۭا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٢٧))، (فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا) والشديد من العذاب هو ما يعم الجسد كله والشديد من العذاب هو ما لا طاقة لإنسان به، والشديد من العذاب لا يقوى عليه إلا ذو الركن الشديد ربنا ، تبارك وتعالى، العذاب الشديد العذاب الدائم الذي لا يفتر ولا يخف ولا ينقطع، (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٢٧))، أي سوف يجزيهم ربنا ، تبارك وتعالى، على أقبح أعمالهم ألا وهو الشرك وصدق من قال ليس بعد الكفر ذنب، (ذَٰلِكَ) أي ذلك العذاب وذلك التهديد (ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ) هذا الذي ذكر من العذاب الشديد ومجازاتهم على أسوأ أعمالهم، هذا الجزاء جزاء أعداء الله الذين منعوا الناس من الاستجابة لله الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن حارب الرسول فقد حارب الله، (ٱلنَّارُ ۖ ) بيان للجزاء، ما هو الجزاء؟ النار (لَهُمْ فِيهَا دَارُ ٱلْخُلْدِ ۖ ) دار المقامة، إقامة دائمة لا إنقطاع لها، (جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨)) تأكيد (يَجْحَدُونَ (٢٨)): ينكرون، الحجود‫:‬ الإنكار، الجحود‫:‬ التكذيب، الجحود‫:‬ الكفران، (جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨)) : جزاء بما كانوا ينكرونها ويكذبون بها‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ تساءلت ولا بد وقد تساءل معي الكثير كفر الكافر عمره كله، كم؟ خمسون سنة ، مائة عام، هب أنه عاش ألف عام كان فيها كافرا متجبرا متكبرا ومات على كفره يعذب على كفره ألف عام بالخلد في النار لا خروج له منها لم يعذب مدة تساوي مدة كفره؟ ولا بد قد تساءل غيري لم عوقب الكافر بالخلد في جهنم؟ والإجابة نجدها في قول الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٢٨].‬
‫إذًا فهم كفار مهما عاشوا ولو عاشوا للأبد لكفروا ولو ردوا لعادوا للكفر، من هنا كان الخلد في جهنم جزاء كفرهم ولو كفروا لمدة عام وماتوا على كفرهم‫.‬‬
‫وتنتقل الصورة ليوم القيامة، ينتقل التصوير ويأتي الكلام بصيغة الماضي عن الاستقبال‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلْأَسْفَلِينَ ﴿29﴾
‫(وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟) ماضي اللفظ لفظ ماض والكلام عن الاستقبال حيث يقولون ذلك في جهنم، (وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلْأَسْفَلِينَ (٢٩)) (ربنا أرنا) بالإسكان قراءة أرنا ، أرنا، وبتسهيل الهمز وبتسهيل الكسر أيضا باختلافها "أرنا" ثلاث قراءات كلها بمعنى واحد (ٱلَّذَيْنِ أَضَلَّانَا) مثنى إما أنهم يتكلمون عن الجنس، جنس الجن وجنس الإنس، فثنى الكلام فالكلام عن أجناس شياطين الإنس وشياطين الجن، يخاطب الكفار ربنا تبارك وتعالى، وبين الكفار وبين الله خطاب يوم القيامة وهم في النار أيضا خطاب، هذا الخطاب وإن كان فيه التوبيخ وإن كان فيه التبكيت إلا أني أعتقد والله أعلم أن فيه إلى حد ما الأنس لأن الله ، تبارك وتعالى، يحرمهم من ذلك في آخر كلامهم حين يقول لهم‫:‬ (ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١٠٨]، إذا فقد كان الكلام فيه بعض التخفيف ها هم ينادون ويقولون‫:(مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ)‬ شياطين الإنس وشياطين الجن الذين أضلوهم في الحياة الدنيا منعوهم عن الطاعة حضوهم على الكفر، (نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا)، أي في الدرك الأسفل من النار لأن النار دركات أما الجنة درجات، الجنة في علو ودركات النار في سفل فكلما نزل كلما اشتد العذاب فها هم يريدون تضعيف العذاب للمضلين لهم من شياطين الإنس والجن القرناء الذين تحدثت عنهم الآيات في هذه السورة منذ قليل (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) هم الآن في عداوة وفي بغضاء وفي كراهية لا مثيل لها، (لِيَكُونَا مِنَ ٱلْأَسْفَلِينَ (٢٩))، العذاب الأشد والدرك الأسفل من النار، الكراهية في الدنيا لها نهاية أن تصطلح مع من تكره، أن تنقلب الكراهية إلى محبة، أن تدفع السيئة بالإحسان فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، أن يموت عدوك فينتهي كرهك وينتهي حقدك أو ينتهي كرهه وحقده، أما كراهية الآخرة في جهنم فلا نهاية لها ولا تقل، في الدنيا يأتي المصلحون بين الناس فيصلحون بينهم، أما في الآخرة فلا صلاح ولا إصلاح كراهية بغضاء حقد كل ما يحظر على بالك من عواطف رذيلة ومشاعر بذيئة وسباب وإلقاء التبعة وإلقاء التهم، هل يقصدون ذلك يقصدون الشياطين من الإنس والجن أم يقصدون ب "الذين شخصين؟ (ٱلَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ)، إبليس لأنه أول من سن الكفر أول من سن العصيان أول من عصى الله في السماء ارتكب أول جريمة في السماء ألا وهي جريمة الحسد فقد حسد آدم، (ٱلَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ) يقصدون ابن آدم الأول الذي قتل أخاه لأنه أول من سن القتل، والمرء في فسحة من دينه ما لم يصب دما، طالما كان مسلما لا زال في فسحة من دينه ما لم يصب دما، ويقول النبي ، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ ذَنْبِهِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ)، هل يقصدون ذلك؟ (رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلْجِنِّ) إلا إبليس (إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ ۗ ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٥٠]، ومن الإنس، (رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ) يقصدون ذلك الذي قتل أخاه ظلما وعدوانا، لأنه أول من سن القتل، فإبليس أول من ارتكب العصيان في السماء وقابيل أول من ارتكب العصيان في الأرض، (مَنْ سَنَّ سُنَّةً سيِّئةً فَعليْهِ وِزْرُهَا ووِزْرُ مِنْ عَمِلَ بِهَا إلى يَوْمِ القِيَامَةِ).‬
‫وينتقل الكلام إلى البشرى إلى الطائعين إلى المحبين والمحبوبين إلى من رضي الله عنهم وأرضاهم، ينتقل الكلام وبضدها تتميز الأشياء فيقول الله تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴿30﴾ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىٓ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴿31﴾ نُزُلًۭا مِّنْ غَفُورٍۢ رَّحِيمٍۢ ﴿32﴾
‫(إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟) الإيمان قولا وعملا، (ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا) الموحدون أصحاب لا إله إلا الله (ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا) إقرار باللسان واعتقاد بالجنان (قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟) "ثم" لتراخي المنزلة ولتراخي الترتيب أيضا فالإقرار أولا بالقلب واللسان ثم العمل الصالح الذي يؤكد ويصدق ما وقر في القلب، لأن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل والاستقامة‫:‬ الاعتدال، الاستقامة الطاعة، الاستقامة‫:‬ السير على الطريق المستقيم، الاستقامة الاعتدال إسرارا كما اعتدلت إقرارا، الاعتدال عملا كما اعتدلت قولا، حين تقول ربي الله فذاك إقرار باللسان واعتقاد بالقلب توحد الله ، تبارك وتعالى، الاستقامة أن تعمل بذلك فلا تقول ربي الله وتقدم القرابين لغيره، فلا تقول ربي الله وتلتفت إلى غيره، فلا تقول ربي الله ويشغلك غيره، فلا تقول ربي الله وتلجأ إلى غيره، فلا تقول ربي الله وتتوكل على غيره، فلا تقول ربي الله وتبتغي الرزق من غيره، الاستقامة المداومة على الطاعة، (قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟) أي استمروا وداوموا عليها حتى ماتوا على الإسلام ماتوا على كلمة لا إله إلا الله لم يرتدوا، (ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟) استمروا على هذا القول وهذا الاعتقاد حتى ماتوا عليه حيث يبعث المرء على ما مات عليه (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ) تتنزل إذا فدوام النزول قائم لأنه لو قال (تنزل عليهم الملائكة) لفهم النزول على أنه مرة من النزول، أما كلمة (تَتَنَزَّلُ) إذا فهم ينزلون بصفة مستمرة يتعاقبون في النزول والنازل أولا غير النازل ثانيا فهم ملائكة وليس ملكا واحد، إذا فهم نازلون بصفة مستمرة ليلا ونهارا، قال بعضهم هذا التنزل عند الموت فقصروه على مرة عند الموت، وقال بعضهم بل في القبر فقصروه على القبر، وقال بعضهم بل حين البعث والنشور والقيام من القبور، وقال بعضهم البشرى في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث، و(تَتَنَزَّلُ) إذا فلا بد وأن يحدث النزول في هذه المرار الثلاث، ولكنهم مع ذلك قصروا التنزل على ثلاث مرات تبدأ بالموت، (أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟)، فقالوا‫:‬ يقولون لهم لا تخافوا من الموت فقد نزلوا عند الموت والإنسان عند الموت يأتيه الخوف والاضطراب يخاف مما هو مقبل عليه ويحزن على ما تركه من أولاد وذرية وزوجات، من لهم بعدي؟ فتنزل الملائكة عند الموت وتقول له لا تخاف من الموت فهو انتقال إلى أرحب وأوسع إلى رحمة الله، ولا تحزن على أولادك فالله خليفتك فيهم، وقالوا‫:‬ في القبر حين ينزل في القبر في ظلمة القبر، وحشة القبر، ضيق القبر الاستعداد للسؤال الذي بعده نجاح وفلاح أو رسوب وضياع حينئذ تنزل الملائكة في القبر وتقول لا تخاف من السؤال لا تخاف من ظلمة القبر فالله ينوره لك لا تخاف من ضيق القبر فالله يوسعه لك، لا تخاف من وحشة القبر فالله يؤنسك فيه ولا تحزن على ما فات من ذنوب وتقصير فقد غفر لك، وحين يقوم من قبره ويبعث الناس في هلع (وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ) [سورة الحج آية‫:‬ ٢]، والكل غارق من عرقه فغارق إلى كعبيه وغارق إلى ركبتيه وغارق إلى حقويه وغارق إلى كتفيه وغارق إلى أذنيه، في الرعب والخوف والكل قد جثا، تجثو كل أمة على الركب، في تلك اللحظة تنزل الملائكة وتقول لا تخاف ولا تحزن ويؤكدون مقالتهم بقولهم‫:‬ (نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ ) أي كما كنا قرناء لكم في الدنيا نحفظكم ونرعاكم ونحميكم ونتعاقب عليكم بأمر الله من أجل العناية والرعاية والهداية نوحي إليكم بالكلم الطيب والعمل الصالح فنحن كذلك معكم في هذا الموقف في يوم القيامة وفي الآخرة حتى ندخلكم الجنة (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىٓ أَنفُسُكُمْ) في الجنة (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)) كل ما تشتهيه النفس من اللذائذ والنعيم والنعم وما لا يخطر على بال ما تطلبون من الدعاء‫:‬ الطلب، (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)) ما تتمنون‫.‬‬
‫(نُزُلًۭا مِّنْ غَفُورٍۢ رَّحِيمٍۢ (٣٢)) ، (نُزُلًۭا) كلمة منصوبة على الحال أو هي منصوبة على المصدر أي أنزلهم الله نزلا، منصوبة على الحال ربما تكون أوقع أرجح بمعنى أن ما تطلبه في الجنة وما تشتهيه نفسك في الجنة وما تتمناه من كل شيء حتى تفرغ الأماني حتى ينتهي الطلب حتى لا تجد ما تطلبه كل ذلك ما هو إلا نزل، قرى ضيف تحية لقدومك إلى الجنة، أما ما عند الله فلا يخطر ببال، وكأن ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وكأن ما تتمناه (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)) كل ذلك ضيافة، النزل أول ما يقدم إلى الضيف فأنت إذا جاءك الضيف تقدم إليه في البداية مشروبا ساخنا أو مشروبا باردا أو قطعة من الحلوى، تلك ضيافة وقرى ونزل أول ما يقدم، أما الغذاء أو العشاء أو الطعام والمبيت وما إلى ذلك فيأتي بعد ذلك النزل، إذا فكل ما ذكر ما تشتهيه الأنفس وما تدعون كل ذلك ضيافة قرى، أما ما أعد لك فأنت لا تشتهيه ولا تعرفه ولا تطلبه ولا تتمناه لأنه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وإنما المانح هو الله الملك‫.‬‬
‫(نُزُلًۭا مِّنْ غَفُورٍۢ رَّحِيمٍۢ (٣٢)) والكلام يبين لك أنه لا عصمة لمخلوق وأن الإنسان مهما عمل من الصالحات لا بد له من التقصير والذنوب بعض الشيء لكن الله ، تبارك وتعالى، يطمئن العاصين الذين تابوا واستغفروا وعملوا الصالحات بأن هذا الذي ذكر لمن عصى من أمة محمد لأنه‫:‬ (نُزُلًۭا مِّنْ غَفُورٍۢ رَّحِيمٍۢ (٣٢)) ، إذا فقد غفر ورحم، إذا فهولاء الذين قيل لهم ذلك يستحقون المغفرة يستحقون الرحمة، ولا يغفر إلا لعاصي ولا يرحم إلا مذنب، بشرى وأي بشرى‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ هل نزول الملائكة فعلا عند الموت فقط أو عند الموت وفي القبر وعند البعث فقط كما قيل، ربما يقول البعض الآية تحتمل لفظا ونظما أن الملائكة تتنزل طوال حياة الصالح ليلا ونهارا (نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ ) هذا الكلام إذا قيل لك في القبر لا يفيد فقد انتهت الدنيا، حين يقال لك حين البعث أبشر بالجنة (نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ ) كيف يقال لك ذلك وقد انتهت الدنيا وانتهى القبر، ولكنا نعتقد، والله أعلم بمراده، أن هذه الآية تعني أن المؤمن الذي قال ربنا الله ثم استقام على الطاعة لا بد له من فرطات وما سلم إنسان من ذنب، والمعصوم من عصمه الله والكمال المطلق لله والعصمة للأنبياء، أما عامة الناس فهم متفاوتون في الذنوب ولا بد لهم من هفوات ولا بد لهم من عثرات، الله ، تبارك وتعالى، يقيل العثرات ويغفر الهفوات ويمحو السيئات، هذه الملائكة التي تتنزل، تتنزل على الناس باختلاف درجاتهم فمنهم من يراهم ومنهم من يشعر بهم ومن يبشر في الرؤى في المنام ومنهم، ومنهم، ومنهم، وقد ورد أن في زمن النبي ، صلى الله عليه وسلم، (عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطٌ إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، فَقَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ قَرِيبًا مِنْهُ، فَأَشَفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَقْرَأُ الْبَارِحَةَ، وَالْفَرَسُ مَرْبُوطَةٌ إِذْ جَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْرَأِ ابْنَ الْحُضَيْرِ، اقْرَأِ ابْنَ الْحُضَيْرِ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ , فَقَرَأْتُ فَجَالَتْ , فَسَكَتُّ فَسَكَنَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْرَأِ ابْنَ الْحُضَيْرِ» ، فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، وَكَانَ قَرِيبًا، فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا هُوَ مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ عَرَجَتْ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى لَا أَرَاهَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَتَدْرِي مَا ذَلِكَ» ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ أَتَتْ لِصَوْتِكَ , وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ).‬
‫ويأتي بعد ذلك الدرجة العالية درجة الأنبياء ودرجة العلماء ودرجة الدعاة، درجة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًۭا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴿33﴾
أيها الأخ المسلم‫:‬ هذه الآية إن كانت نزلت في أحد فقد نزلت في سيد الخلائق لا أحسن منه ولا أخير منه ولا أفضل منه ولا أحب منه، رسول الله المختار المصطفى أحب الخلائق إلى الله ، صلى الله عليه وسلم، (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًۭا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ) فكيف تصم أذنك، كيف تقول لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه وهو أحسن الكلام، هذا هو أحسن الكلام، من أحسن ممن دعا إلى الله أي من أحسن منه كلاما؟ ومن أحسن منه قولا؟ ومن أحسن منه لفظا ونظما؟ (دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ) لم يدعو لنفسه، لم يدعو لكي يتولى مركزا أو سلطانا أو جاها أو رياسة بل دعا إلى الله لم يدعوك لنفسه ولتأييده، لم يدعوك لتشجيعه لم يدعوك لنصره وإنما دعاك لنفسك دعاك إلى الله (وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا) لأن الداعي إلى الله لا بد وأن يكون قدوة فيما يدعوا إليه فإن أمرك بالصلاة كان أول المصلين وإن أمرك بالزكاة كان أول المزكين وإن أمرك بالصدق كان هو من السابقين في الصدق (وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (٣٣)) محيرة!!‬
‫أولا‫:‬ (وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (٣٣)) لم تستثن بالمشيئة، بعض الناس قال إذا سئلت قل أنا مسلم إن شاء الله، هذه الآية رد عليهم، (وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (٣٣))، فلك أن تقول أنا مسلم دون أن تقدم المشيئة، أما الإيمان شيء آخر أنا مؤمن إن شاء الله لأن الإيمان نور يقذفه الله في القلب وليس بيدك (وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (٣٣)) أيقولها فخرا؟ قالوا نعم يقولها فخرا، هل هناك فخر فوق الإسلام، هل هناك نعمة تزيد على الإسلام، هل هناك فضل يرقى فوق الإسلام‫.‬ (وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (٣٣)) يقولها افتخار فرحا بفضل الله استبشارا بنعمة الله، قالوا أيضا إن الفعل والقول والاعتقاد طالما كان بالقلب لا بد وأن يكون اللسان ترجمان لما انطوى عليه القلب فإن دعا إلى الله وعمل صالحا قال إنني من المسلمين نطق بها افتخارا، نطق بها إقرارا باللسان لأن العمل قد يكون رياء والعمل قد يكون إخلاصا فحين يقول أنا من المسلمين يقر بلسانه أن الدعاء لله والدعوة إلى الله والعمل الصالح كل ذلك لأنه من المسلمين فقد ابتغى به وجه الله (وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (٣٣)). أيها الأخ المسلم الإسلام هو الاستسلام لله، هل بيدك شيء؟ هل اخترت يوم مولدك؟ هل اخترت إسمك؟ هل اخترت أباك أو أمك؟ هل اخترت أولادك بنين أو بنات؟ هل اخترت رزقك؟ هل اخترت البيئة التي ولدت فيها؟ هل اخترت الدولة التي نشأت فيها؟ أي شيء تختار؟ لا شيء إلا أن تختار اللجوء إلى الله، أن تختار التوكل على الله أن تستسلم بالكلية لله فهو الفعال لما يريد فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عليه فإذ سبك الأحمق فسكت كان ذلك أشد عليه من رد السباب له، ما عوقب الأحمق بمثل السكوت عليه، ولذا أمر ربنا ، تبارك وتعالى، حبيبه المصطفى ، صلى الله عليه وسلم، بالصبر عند الغضب وبالحلم عند الجهل‬
‫وبالعفو عند الإساءة فقال وهو أصدق القائلين‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌۭ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌۭ ﴿34﴾ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍۢ ﴿35﴾
أيها الأخ المسلم‫:‬ في هذه الآية الكثير من الكلام ومما يعجبني من أقوال السلف الصالح فيها أنهم فسروها بالمصافحة، وحين فسروها بالمصافحة قالوا حديثا لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم، يقول فيه‫:‬ (ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا ألقيت ذنوبهما بينهما) حديث غاية في الغرابة (ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه) أي صافحه وسلم عليه مودة بينهما ليس رياء وليس لمنفعة دنيوية (إلا ألقيت ذنوبهما بينهما) وكأن الله قد غفر لهما بالمصافحة، نعم المسلم للمسلم كاليد لليد تغسل إحداهما الأخرى، وما التقى المسلمان على مودة ومحبة وإخاء إلا وبورك لهما في هذا اللقاء بغفران الذنوب وبرفع الدرجات ويكفي أنك تعرف وتسمع أن من السبعة الذين يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة حيث لا ظل إلا ظله اثنان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم روي أنه‫:‬ (زارَ رجُلٌ أخاً لَهُ في قَرْيَة ، فأَرْصَدَ الله له مَلَكَاً على مدرجته ، فقال : أيْن تُرِيدُ ، قال : أريد أخاً لِي في هَذِهِ القَرْيَة ، فقال : هل له عَلَيْكَ من نِعْمَةٍ تَرُّبُّها عَلَيْه ، قال : إني أحْبَبْتُه في الله ، قال : فإني رسُول الله إلَيْك ، بأنَّ الله قد أحَبَّك كَمَا أحْبَبْتَهُ فيه). الأخوة المحبة الصداقة‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ من أجمل الترتيب القرآني والنظم الرباني أن تأتي هذه الآية (وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) بعد قول الله ، تبارك وتعالى، عن هؤلاء الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، بعد ذكر هؤلاء الدعاة، لأن الآية نزلت في رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، لأنه أول الدعاة ونزلت في كل مؤمن يدعو إلى الله، الدعاة بصدق الدعاة بحق الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، الذين دعوا إلى الله ، تبارك وتعالى، وقيل في شأنهم (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًۭا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ)، ما أجمل أن يأتي بعدها (وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ) فيها المعاني، فيها الكلام، فيها العواطف، فيها أن الله ، تبارك وتعالى، يقلب القلوب كيف شاء، فيها أن الله ، تبارك وتعالى، يقلب العداوة إلى محبة‫.‬ أيه الأخ المسلم‫:‬ روى صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي أنه ذهب إلى الله ، صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، وفي رواية غيرك، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، (قُلْ آمَنْتُ بِاللّهِ ثم اسْتَقِمْ) وزاد الترمذي في نفس الحديث فقال سفيان لرسول الله‫:‬ يا رسول الله ما أخوف ما تخاف على (فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ هَذَا).‬
‫أيها الأخ المسلم نعم لا تستوي الحسنة ولا السيئة أبدا، لا يستوي الإيمان ولا يستوي الشرك‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم القول الطيب والعمل الصالح والاستقامة لله والأخوة في الله والتحابب في الله والكلام الطيب الذي تدفع به الكلام السيئ كان سيدنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، قدوة لنا في ذلك فما كان فاحشا ولا متفحشا وما كان سبابا قط وما كان صفاقا في الأسواق‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ ربنا ، تبارك وتعالى، يؤلف بين القلوب، ربنا ، تبارك وتعالى، هو الذي يجعل الناس يبغضونك أو يحبونك فهو الفعال لما يريد، ولذا ربنا ، تبارك وتعالى إذا أحب عبدا وضع له القبول في الأرض‫.‬‬
‫وقد روي‫:‬ (إنَّ الله إذا أحبَّ عبداً دعا جبريلَ فقال : إنِّي أحِبُّ فلاناً , فأحبه , قال : فيحبه جبريلُ , ثم ينادي في السماء , فيقول : إن الله يُحب فلاناً فأحبوه , فيحبه أهلُ السّماءِ , قال : ثم يُوضَع له القبولُ في الأرض).‬
‫والمرء بأصغريه قلبه ولسانه وإن الناس مؤاخذون بحصائد ألسنتهم وإن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أن تبلغ به ما بلغت يرفعه الله بها إلى أعلى عليين وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن أن تبلغ به ما بلغت يهوى بها إلى أسفل سافلين، والكلمة الطيبة صدقة ومن كان يؤمن بالله فليقل خيرا أو ليصمت، نعم، اللسان، وحين سأل سفيان بن عبد الله الثقفي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، كما يروي الإمام مسلم في صحيحه حين قال سفيان يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل منه أحدا بعدك وفي رواية غيرك فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، (قُلْ آمَنْتُ بِاللّهِ ثم اسْتَقِمْ) وزاد الترمذي في نفس الحديث قال سفيان‫:‬ يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ ((فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ هَذَا)، نعم اللسان، وكما قال ، صلى الله عليه وسلم، لمعاذ (وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهُمْ؟)، اللسان أصغر عضو في الإنسان ومع ذلك قد يكبه على وجهه في النار وقد يرفعه إلى أعلى عليين‫.‬‬
‫من هنا يقول الله ، تبارك وتعالى‫: (وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌۭ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌۭ (٣٤) وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍۢ (٣٥))‬ نعم لا تستوي الحسنة ولا السيئة، الحسنة‫:‬ الإيمان بالله، السيئة‫:‬ الشرك، الخطاب عام والمأمور به سيد الخلائق ، صلى الله عليه وسلم، وهو قدوة لنا وكأن الله ، تبارك وتعالى، يقول له لان يستوي ما أنت عليه من إيمان وما هم عليه من شرك، لا تستوي الحسنة ولا السيئة الحسنة‫:‬ الطاعة، السيئة‫:‬ المعصية ، الحسنة‫:‬ العفو، السيئة‫:‬ الإنتقام ، الحسنة‫:‬ الحلم، السيئة‫:‬ الجهل ، الحسنة‫:‬ العلم، السيئة‫:‬ الفحش‫.‬‬
‫(وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ) "لا" الثانية لتأكيد النفي، نفي الاستواء بين الحسنة والسيئة أي ولا تستوي الحسنة والسيئة، (ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) أي ادفع السيئة بالتي هي أحسن منها وهي الحسنة، و"أحسن" هنا ليست أفعل تفضيل وإنما هي الأحسن مطلقا، هي الحسنة، (ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) أي ادفع بالتي هي أحسن في دفعها بأحسن ما يمكن أن تدفع بها السيئة، (فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌۭ) إن فعلت ذلك ودفعت السيئة بالحسنة‬
‫تفاجأ بأن العدو اللدود تحول إلى صديق شفيق، (كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌۭ (٣٤)) مخلص قريب صديق محب خائف عليك ناصح لك أمين‫.‬‬
‫وتكلم العلماء في هذه الآية وقالوا‫:‬ إن هذه الآية تحدثنا عن المصافحة أي السلام باليد وقالوا أن المصافحة سنة عن النبي ، صلى الله عليه وسلم، ورووا عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، حديثا يقول فيه‫:‬ (ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا ألقيت ذنوبهما بينهما)، بمجرد السلام بمجرد المصافحة، ورووا أيضا أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه أن رجلا وقع فيه فقال له أبو بكر إن كنت صادقا غفر الله لي وإن كنت كاذبا فغفر الله لك، (ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) تلك أمثلة للدفع بالأحسن إذا سابك رجل فقل له إن كان ما تقوله في شأني حقا أسأل الله أن يغفر لي وإن كان ما تقوله في شأني كذبا غفر الله لك، وما عوقب الأحمق بمثل السكوت عليه والمتاركة للسفيه، متاركتك لجواب السفيه أشد عليه من السباب، أن تتركه بلا جواب ذلك أشد عليه وقعا من أن تسبه ولم يكن النبي ، صلى الله عليه وسلم، سبابا ولا لعانا ولا صخابا في الأسواق، كان قدوة في الحلم وفي دفع السيئة بالحسنة، وقالوا أن هذه الآية كانت قبل نزول آية القتال وبقي معناها في حسن المعاشرة والعفو والإعراض‫.‬‬
‫يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍۢ (٣٥)) أي هذه الخصلة الطيبة، الحسنة ودفع السيئة بالحسنة، (وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟) صبروا على الأذى صبروا على سفاهة السفيه وجهالة الجاهل (وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍۢ (٣٥)) أي ذو حظ عظيم من الخير وكمال النفس رقى بنفسه إلى مستويات الكمال وتعالى ونأى بنفسه عن مجاراة السفيه، نأىي بنفسه عن اللغو والجهالة والسباب والمشاتمة، نأى بنفسه عن كل ذلك واكتفى بالصمت عن الجواب، وقالوا الكناية ترجع إلى الجنة فليس هناك حظ أعظم من الجنة، (وَمَا يُلَقَّىٰهَآ) أي الجنة (إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍۢ (٣٥))، وكأن الذي يدفع السيئة بالحسنة جزاؤه الجنة ولا حظ أعظم من الجنة.
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌۭ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿36﴾
النزغ‫:‬ النخس أصل النزغ‫:‬ الغز بإبرة إو بخشبة للجلد إدخال إبرة أو خشبة للجلد، ذاك هو الغز هو النزغ كناية واستخدمت الكلمة مجازا عن وسوسة الشيطان لأن وسوسة الشيطان دفع للإنسان للإتيان بما لا ينبغي، والإنسان في تصرفاته مختارا إذا عقل ما يفعل أتى به على الوجه الأكمل بهدوء وحلم، أما إذا استفز الإنسان ربما يصدر منه أفعال لا تصدر منه حال الهدوء والسكون فكأن وسوسة الشيطان كالنزغ والغز والنخس تدفع الإنسان إلى الخروج عن حلمه ووقاره وسكينته فيأتي من الأفعال ما لا يرضى عنها عاقل وما لا يتفق مع الشرع، يحذر ربنا ، تبارك وتعالى، وبين لنا‫:‬ (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌۭ) في أي وقت في أي حين (فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ ) من شره، إذا فالدواء والعلاج الناجع هو الاستعاذة بالله اللجوء إلى الله لأنه هو الحامي والعاصم هو الله والموفق هو الله والساتر هو الله فاستعذ بالله لأنك لا تقوى بنفسك وإنما تقوى بالله فلا حول ولا قوة إلا بالله (فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ )، (إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ (٣٦)) لاستعاذتك ولجوءك إليه العليم بنيتك وصلاحك وتقواك ورغبتك في الابتعاد عن كل ما يغضبه، فإذا استعذت بالله صادقا لابد وأن تعاذ فقد استعذ بالله القوي الفعال لما يريد وهذه الآية تشعر أن هناك من الناس من يستعذ بالله ، تبارك وتعالى، ولا يعيذه وقد يتساءل المرء كثيرا ما استعذت بالله ، تبارك وتعالى، ووقعت فيما كنت أحذر لم ذلك وقد استعذت كالوسوسة في الصلاة وغيرها، أقول لك إن استعاذتك بالله لم تكن خالصة من قلبك ولم تكن صادقة لأن الله يعقب ويقول (إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ (٣٦)) السميع لاستعاذتك العليم بنيتك فإن كانت النية صادقة وإن كنت صادقا في قرارة نفسك ولا تود الوقوع في المعاصي أعاذك الله وأمدك بقوة من عنده (إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ (٣٦)).‬
‫ويلفت نظرنا إلى الآيات الدالة على القدرة الدالة على العلم الدالة على الإحكام والإتقان والتدبير وأنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد يقول عز من قائل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿37﴾
‫( وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ۚ ) نعم الآيات الدالة على وجوده ووحدانيته وقدرته وتدبيره تعاقب الليل والنهار،. تارة النهار يطول وتارة الليل يطول، تعاقب الليل والنهار الذي يدل على الزمن والذي يدل على أن الإنسان فان لا محالة زائل لا شك وأن الله هو الذي يقلب الليل والنهار والشمس والقمر في أفلاكها، في سيرها في ضيائها، في نفعها، في كل ما تجود به الشمس ويجود به القمر من معرفة الحساب وعدد السنين والإضاءة والأنس والدفء والتأثير في الأرض بالمؤثرات المختلفة سواء للنبات أو في الماء كتأثير القمر على مياة الأرض بالمد والجذر وما إلى ذلك، من آيات الله البينات الليل والنهار والشمس والقمر،( لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ) لأن الشمس والقمر مهما كان ما تجود به من أمور ومن منافع فالله هو النافع هو المسخر ولا فضل للشمس في ذاتها ولا فضل للقمر في ذاته وإنما الفضل لله (لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ) ، تأكيد النفي بتكرير حرف النهي (لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ) خلقهن وسخرهن، وأنشأهن أوجدهن وأودع فيهن من المنافع ما لا يعد ولا يحصى (وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)) أي إن كنتم إياه توحدون، والعبادة هنا بمعنى التوحيد والعبادة هنا بمعنى العلم بالله ، تبارك وتعالى، وبمعنى الطاعة، وهنا بعد الآية موضع سجدة على رأي بعض الفقهاء لأنها مع تمام الأمر (وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧))، والرأي الأرجح أن موضع السجدة كما رسم في المصاحف عندكم هو بعد الآية التالية والتي إذا قرأها القارئ وجب عليه السجود وإذا سمعها السامع وجب عليه السجود وإذا قرأها المصلي وجب السجود في صلاته للتلاوة، وكذلك إذا قرأها الإمام على المنبر كاملة تامة وجب عليه النزول لسجود السجدة وسجد المأمومون جميعا فرادىيقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬
فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْـَٔمُونَ ۩ ﴿38﴾
‫(فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُوا۟) أي فإن استكبروا مشركوا مكة وإن استكبر الكفار عند السجود لله ، تبارك وتعالى، (فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ) والعندية هنا ليست عندية مكان وإنما هي مكانة وتشريف، فالله ، تبارك وتعالى، لا يحويه مكان ولا يحده زمان، فقد كان قبل المكان والزمان وهو الآن على ما عليه كان، فالعندية عندية تشريف ومكانة وليست عندية مكان، فإن استكبر هؤلاء فالذين عند ربك أي من الملائكة ومن حملة العرش ومن المقربين (يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْـَٔمُونَ ۩ (٣٨)) في جميع الأوقات لا يفترون ولا يملون ولا يتبعون ولا يسأمون والسآمة‫:‬ الملالة والضجر مما يتكرر فعله، فإن الإنسان إذ كرر فعلا قد يسأم قد يضجر، أما الذين عند ربك لا يسأمون لا يملون لا يضجرون ولا يكلون من السجود أبدا فهم ساجدون وصدق الصادق المصدوق ، صلى الله عليه وسلم، حيث يشرح لنا بعد ما عرج به ويقول‫:‬ (أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أن تَئِطَّ ما فيها مَوْضِعَ قَدَمٍ إلا وفيه مَلَكٌ ساجدٌ ، أو راكع) نعم (فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْـَٔمُونَ ۩ (٣٨)) لا يملون ولا يضجرون، والسجود أعظم نعمة من الله على العباد وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وكلما ازددت خضوعا لله ، تبارك وتعالى، كلما ازددت رفعة وكلما زدت في تذللك لله ، تبارك وتعالى، كلما زادك عزة، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين‫.‬‬
‫ويلفت نظرنا أيضا إلى آية أخرى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةًۭ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ﴿39﴾
‫(وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةًۭ) خاشعة خاضعة ميتة جدبة لا حياة فيها ولا حركة استعارة من الخشوع، وهو التذلل والخضوع وكأن الأرض ذلت وخشعت وخضعت فلا حركة فيها ميتة جدبة لا نبات، (فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ (٣٩)) نعم ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء وخالق الماء هو الله، الماء لا لون له ولا طعم له ولا رائحة له ولا يمكن أن يصنعه إنسان، هذا الماء المعجز في شكله خلق منه كل حي (وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ ۖ ) [سورة االأنبياء آية‫:‬ ٣٠]، وبه حياة كل حي من إنسان ونبات وحيوان، كل حي، هذا الماء ينزل من السماء واحد والأرض هي هي ويخرج منها أشكال مختلفة وألوان وأنواع من النبات (مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنۢبِتُوا۟ شَجَرَهَآ ۗ أَءِلَـٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌۭ يَعْدِلُونَ (٦٠)) [سورة النمل آية‫:‬ ٦٠]، (فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ ) اهتزت من الاهتزاز من الحركة، تحركت وربت انتفخت، وقرأت و( ربأت) من الربيئة وهي العلو والزيادة والانتفاخ، اهتزت استبشارا بالماء وبالحياة التي وهبها الله إياها، اهتزت بحركة النبات والبذور في داخلها أو اهتزت باختلاطها بالماء وانتفخت بخروج النبات أو باستعداد النبات للخروج منها (إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا) بعد موات وقد رأيتها بعينك ميتة خاشعة جدية فإذا بها تحيا وتزهو وتزهر وتخرج من النبات أصنافا وألوانا وأزواجا شتى (إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ ) لا شك طالما أحيا هذه الأرض فهو محيي الموتي ومن قدر على ذلك، قدر على ذلك (إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ (٣٩)) نعم ، سبحانه وتعالى، قدرة الله ، تبارك وتعالى، أيها الأخ قدرة أزلية أبدية، قدرة ذاتية غير مستمدة من الخارج قدرة ذاتية أزلية وأبدية لا تزيد ولا تنقص ولا تضعف هذه القدرة كل المقدورات في قدرته سواء‫.‬‬
‫فليس في قدرة الله ، تبارك وتعالى، سهل وعسير ليس في قدرته صعب أو سهل، وليس في قدرته ما يأخذ وقتا ومالا يأخذ وقت وهو في قدرته غير محتاج لأداة، غير محتاج لآلة، غير محتاج لجارحة غير محتاج لمزاولة عمل وإنما إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون، (إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ (٣٩)).‬
‫وينتقل الكلام عن هؤلاء الذين صموا آذانهم هؤلاء الذين قالوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغو فيه لعلكم تغلبون، الجهالة والسفاهة يقول الله ، تبارك وتعالى، مهددا ومتوعدا‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًۭا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿40﴾
‫( إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ ) نعم كيف يخفوا على الله وهو خلقهم، كيف يخفوا وهو رزقهم، كيف يخفوا وهو يقلبهم بالليل وهم نيام، كيف؟!!‬
‫الإلحاد‫:‬ الميل العدول عن الاستقامة، وألحد في دين الله‫:‬ حاد عنه وانصرف ومال إلى غيره، فالإلحاد‫:‬ الميل، الإلحاد في آيات الله ، تبارك وتعالى، كما قالوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه بالمكاء والتصدية المكاء‫:‬ الصفير والتصدية، المكاء، الصفيق التصفيق، يصفقون ويصفرون ويتكلمون بكلام بصوت مرتفع، أي كلام يشوشون على النبي ، صلى الله عليه وسلم، قراءته حتى لا يسمعه أحد، أيضا الإلحاد في آيات‫:‬ الطعن في الآيات قولهم سحر قولهم شعر قولهم كهانة، الإلحاد التبديل في الآيات، الإلحاد الزيادة والنقص في الآيات، الإلحاد التغيير والتمويه والطعن والتبديل، كل ذلك يعد إلحادا فهؤلاء يهددهم ربهم ، تبارك وتعالى، ويقول‫: (إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ )‬ وطالما لا يخفى عليه شيء فهو مجاز على كل شيء‫.‬‬
‫ثم يقول الله ، تبارك وتعالى، سائلا لكل من يعقل (أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًۭا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ) سؤال ولك أن تسأل نفسك هذا السؤال أيهما خير هل يستويان؟ كما لا تستوي الحسنة ولا السيئة فكذلك لا يستويان، من يلقى في النار على وجهه خير في هذا المصير أمن يأتي آمنا يوم القيامة يوم الفزع يوم التغابن يوم الزلزلة يوم الواقعة يوم تجثو فيه الأنبياء على الركب كلهم يقول نفسي ثم نفسي، في هذا اليوم من يأتي آمنا مطمئنا لا يخاف ولا يفزع تتنزل عليه ملائكة الرحمن، تبارك وتعالى، وكما ذكر في هذه السورة لا تخف ولا تحزن نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويأتي التهديد والوعيد (ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠))، (ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ ) فعل أمر، هل يأمرهم ربنا ، تبارك وتعالى، بأن يكفروا وأن يفعلوا المعاصي؟ أبدا وإنما هذا الأمر ليس للطاعة، ليس أمر وجوبي يجب أن تطيع فيه ففي القرآن أوامر متنوعة‫:‬ أوامر على الوجوب، أوامر على الندب، أوامر على الاستحسان، أوامر أيضا للتهديد غير مقصود بها التنفيذ والأمر فيقول الله ، تبارك وتعالى‫:( ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ )‬ كما يقول‫:‬ (فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٢٩]، هل ترك لنا الخيار في هذا؟ ألا يجازي على الكفر؟ بلى يجازي، (إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)) أمر تهديدي، ويأتي الوعيد بالجزاء بقوله ، وطالما كان بصيرا بالعمل لا بد وأن يجازي عليه‫.‬‬
‫ثم يقول الله ، تبارك وتعالى، مؤكدا على ضلالة هؤلاء وعلى جهالتهم‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌۭ ﴿41﴾ لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌۭ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍۢ ﴿42﴾
‫( إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ ) الذكر‫:‬ القرآن وسمي القرآن ذكرا لأن الله يذكر بتلاوته، وسمي القرآن ذكرا لأن فيه ذكر الأحكام وبيان للحلال وللحرام، (إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ) أي بالقرآن (وَإِنَّهُۥ) أي القرآن (لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌۭ (٤١)) عزيز على الله، عزيز عند الله، عزيز‫:‬ كثير المنافع عزيز كثير المنافع عزيز ممتنع لأن العزيز هو الممتنع، العزيز الذي لا مثيل له ولا نظير، فهل هناك مثيل لكلام الله؟ فهل هناك نظير لكلام الله؟ فهو عزير لا مثيل له ولا نظير أيضا، عزيز ممتنع لا يمكن لبشر أن يأتي بمثله (لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍۢ ظَهِيرًۭا (٨٨)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٨٨]، فالعزيز الممتنع لا يأتي أحد بمثله، العزيز أيضا لا ينال فلا يمكن أن يناله إلحادهم لا يمكن أن يصل إلى القرآن تحريفهم، لا يمكن أن يبدل ولا يمكن أن يغير لأنه عزيز، والتأكيد والبيان‫:‬ (لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ ) أي لم ينزل من قلبه كتب تكذبه ولن ينزل من بعده كتب تبطله أو تنسخه‫.‬‬
‫أيضا‫:‬ (لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ ) الشيطان، الذين يلحدون في آيات الله لا يستطيعون أن يأتوا للقرآن من أي جهة، لا يستطيعون أن يطعنوا في إعجازه أو في إعرابه أو في لغته أو في نظمه أو في أخباره لا يمكن أن يأتيه التشكيك من أي جانب أو من أي جهة أو من أي نوع ولون، أيضا‫:‬ (لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ ) أي لا يكذب فيما جاء به من أخبار الماضي ولا يمكن أن يكذب فيما جاء به من أنباء المستقبل، فالقرآن فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم فلا يمكن أن يأتيه الباطل في أخباره أو فيما أخبر به عمن قبلنا ولا يمكن أن يأتيه التشكيك والباطل والتكذيب فيما أخبر به عما بعدنا (تَنزِيلٌۭ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍۢ (٤٢)) نعم إذا كان القرآن تنزيلا نزل به الروح الأمين بأمر الله ، تبارك وتعالى، على قلب سيد المرسلين إذا فهو محفوظ، هو عزيز هو كلام الله القديم القائم بذاته، هذا الكلام العزيز(تَنزِيلٌۭ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍۢ (٤٢)) هو الله، الحكيم الحميد صفتان من صفات الله ، تبارك وتعالى، ولا يعرف الله إلا الله، الحكيم من حيث اللغة تطلق على من يعلم أجل العلوم وعلى كل من يعرف أجل الأشياء بأجل العلوم‫.‬‬
‫ما هو أجل الأشياء على الإطلاق؟ هو الله، وما هو أجل العلوم على الإطلاق؟ علم الله، فالله ، تبارك وتعالى، حكيم من حيث أنه هو العالم بنفسه، فأجل الأشياء الله والعلم بالله لا يعلمه على الحقيقة إلا الله، وأجل العلوم علم الله الأزلي الذي لا يتطرق إليه زوال ولا يزيد ولا ينقص المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليها خفاء ولا شبهة، فأجل العلوم العلم الأزلي وأجل المعلومات الله ، جل وعلا، من هنا كان ربنا ، تبارك وتعالى، هو الحكيم المطلق لأنه يعلم بعلمه الأزلي كنه ذاته ، تبارك وتعالى‫.‬ كما قلنا من حيث اللغة الحكيم الذي يعرف أجل الأشياء بأجل العلوم، يعرف أشرف الأشياء بأشرف العلوم، من هنا الله ، تبارك وتعالى، هو الحكيم المطلق‫.‬‬
‫أيضا يطلق الحكيم على من يتقن صنعته، الذي يتقن دقائق الصنعة ويحكمها ويتقنها يقال له حكيم فإن كان ذلك فالله ، تبارك وتعالى، هو الحكيم المطلق الذي أحسن كل شيء خلقه (تَنزِيلٌۭ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍۢ (٤٢)) والحمد ذكر الكمال من حيث هو كمال والحميد المحمود الذي يثني عليه ويحمد، فربنا ، تبارك وتعالى، هو الحميد المطلق لأنه حمد نفسه بنفسه أزلا وحمده العباد أبدا، فهو المحمود أزلا بحمده لذاته والمحمود أبدا بحمد عباده له، إذا فالقرآن الكتاب العزيز (تَنزِيلٌۭ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍۢ (٤٢)).‬
‫ثم توجه الخطاب للنبي ، صلى الله عليه وسلم، يقول ربنا له مسريا عنه مسليا له معزيا له :‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍۢ ﴿43﴾
‫( مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ ) إن قيل عنك ساحر إن قيل عنك كاذب إن قيل عنك كاهن فقد قيل كل ذلك للأنبياء من قبلك، قالوها لإبراهيم وقيلت لموسى إن أنت إلا ساحر وقيلت لعيسى، قيلت للأنبياء قبلك (مَّا يُقَالُ لَكَ) إن كان المقصود مقالة الكفار الملحدون في الآيات، (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ) لك وللأنبياء ولأتباع الأنبياء (وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍۢ (٤٣)) للذين يسبون الأنبياء ويكذبون الأنبياء ويكفرون بما أتي به الأنبياء‫.‬‬
‫أو (مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ ) أي لست بدعا من الرسل والتوحيد من الأزل إلى الأبد ورسالة الأنبياء جميعا رسالة واحدة ألا وهي "لا إله إلا الله" فالأنبياء شرائعهم في الأصل وفي عقيدتهم واحدة ألا وهي التوحيد "كما يقول الله له في موضع آخر‫:‬ (وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ (٦٥)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٦٥]‬
‫إذًا ما يقال لك إذا كان المقصود يقال بالوحي ما يأتيه من الله، ما يأتيه من كلام القرآن، التنزيل (مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ ) والمعنى متصل أي جملة ما يقال ملخص ما قيل للرسل جميعا التبشير والإنذار، ما جاء رسول إلا وهو بشير ونذير (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌۭ (٢٤)) [سورة فاطر آية‫:‬ ٢٤]، ما يقال لك إلا أن تبشر الطائعين وأن تنذر العاصين إن عليك إلا البلاغ‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ يقول المصطفى ، صلى الله عليه وسلم، :( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْأَحْمَقُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ، وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ).‬
‫فإن الإلحاد في آيات الله والكفر بها والتعطيل لأحكامها أو العمل بمخالفتها أو التشكيك في صدقها، كل ذلك يعد إلحادا فقد أنذر الله الملحدين بوخيم العواقب وبأنهم يلقون في النار على وجوههم، (فَكُبْكِبُوا۟ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُۥنَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٩٤- ٩٥]، أيضا يرد القرآن على مزاعم مشركي مكة حيث قالوا "لو كان القرآن معجزا وأردت أن تكون معجزة فعلا لكان القرآن بلغة غير عربية وأنت لا تتكلم إلا العربية فإذا جئت بقرآن غير عربي صدقناك، تعجيز مجادلة بالباطل، يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق وإذا نزل القرآن أعجميا أنى لهم أن يعرفوا مراد الله ، تبارك وتعالى، من يترجم لهم إن نزل القرآن بلسان غير لسانهم ولذا يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٤]، فحين قالوا هذا يقول الله ، تبارك وتعالى، ردا عليهم :‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

‫(وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّۭا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّۭ وَعَرَبِىٌّۭ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًۭى وَشِفَآءٌۭ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌۭ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ (٤٤)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٤]‬
‫هم يطلبون أن يكون القرأن عجميا، والعجمي والأعجمي‫:‬ اللغة التي لا تفهم لأهل العربية، والعجمى ضد الفصاحة ولذا يقال للحيوان أعجم لأنه لا يفصح ولا يبين فالأعجمي الذي لا يتكلم باللغة العربية فصيحا كان بلسانه أو غير فصيح فالأعجمي الذي لا يتكلم باللغة العربية‫.‬‬
‫فيقول الله ، تبارك وتعالى، (وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّۭا) أي بلغة العجم بلغة غير العربية (لَّقَالُوا۟) أي مشركوا مكة (لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ) بينت وضحت حتى تفهمها (ءَا۬عْجَمِىٌّۭ وَعَرَبِىٌّۭ ۗ ) أي وتساءلوا مستهزئين قائلين أكلام وناطق عربي، كيف يكون الرسول عربيا وما أوحي إليه أعجميا، لقالوا ذلك مستهزئين، لو فرض ونزل القرآن بلغة غير اللغة العربية لاستهزأوا ولقالوا لولا فصلت آياته وتحججوا بعدم الاتباع بعدم الفهم، كيف نتبع القرآن ونحن لا نفهم ما يريد، كيف نطيع ونحن لا نفهم ما يراد منا، أيضا لاستهزءوا وقالوا ءأعجمي وعربي وقرأت بقراءات متعددة (ءاعجمي) بتسهيل الهمزة الثانية ( ءأعجمي) بنطق الهمزة الثانية، ءآعجمي بمد الهمزة الثانية‫.‬‬
‫أيضا قرأت (أعجمي) بهمزة واحدة وهذه القراءة تغير المعنى (وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّۭا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّۭ وَعَرَبِىٌّۭ ۗ ) أي لو نزلنا القرآن بلغة أعجمية لقالوا كان من الواجب أن ينزل القرآن مفصل ومجزأ بعضه باللغة العجمية يفهمه العجم وبعضه باللغة العربية يفهمه العرب، إذا فهم غير راضيين في كل الأحوال (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًۭى وَشِفَآءٌۭ ۖ ) رد عليهم رد مفحم قل القرآن بلغته العربية التنزيل من حكيم حميد هذا الكتاب العزيز هو للذين آمنوا بالله آمنوا بالغيب هدى من الضلالة إلى الحق من الظلام إلى النور (ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٥٧]، هدى إلى الصراط المستقيم، مخرجا من الضلالة مبينا ومنيرا (وَشِفَآءٌۭ ۖ ) شفاء من الشك، شفاء من الشرك، شفاء من الشقاق والنفاق، شفاء من أمراض القلوب والصدور لأن بذكر الله تطمئن القلوب، أيضا كلمة (وَشِفَآءٌۭ ۖ ) تعم ولك أن تفهم منها ما تشاء شفاء من الشرك شفاء من الأوجاع شفاء من الأسقام، إذا قرئ على الحزين هان في عينيه كل رائع وإذا قرئ على المريض ذهبت عن جسمه المواجع هو شفاء لكل شيء‫.‬‬
‫( وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌۭ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ ) الوقر، والوقر‫:‬ الصمم لأنهم تصاموا عن سماعه وتعاموا عن آياته، فهو عليهم عمى أي ذو عمى أي لا يرون الآيات فيه، لا يبصرون ما فيه، لا يسمعون له، لأنهم تصاموا ألم يقولوا‫:‬ (لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ) إذا فقد تصاموا عنه وصموا آذانهم فهو عليهم عمى وفي آذانهم وقر صمم (أُو۟لَـٰٓئِكَ) الذين كفروا والذين هم في آذانهم وقر والقرآن عليهم عمى وقرئت عمٍ (أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ (٤٤)) ربما تعني أنهم لا يسمعون والعرب تعبر عن السامع وغير السامع، فإن قالوا له أنت تسمع من قريب أي أنك تسمع وتعي وتفهم أما فلان فيسمع من بعيد كناية عن أنه لا يسمع لأنك إذا ناديت على إنسان من بعيد لا يسمع نداءك، فأولئك لا يسمعون لأنهم ينادون أي يناديهم القرآن ويناديهم محمد ، صلى الله عليه وسلم، من بعيد فلا يصل إلى أسماعهم نداؤه، ذاك معنى‫.‬‬
‫والمعنى الآخر(أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ (٤٤)) يوم القيامة حيث ألقوا في وهجة الغضب حيث أبعدوا عن رحمة الله ، تبارك وتعالى، حيث حرموا حتى من سماع كلامه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ القرآن كلام الله أفضل كلام وخير كلام وأحسن كلام، تنزيل من حكيم حميد، القرآن فيه منافع، فيه كل شيء (مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٣٨]، ما يلجأ إليه حزين إلا ويذهب حزنه، ما يلجأ إليه فقير إلا ويسد الله فقره، ما يلجأ إليه مديون إلا ويقضي الله عنه دينه، وقد روي عن أحد الصحابة الذين كانوا يتصدقون وينفقون كل أموالهم أنه سئل وقيل له عندك بنات كثير كيف لا تترك لهن شيئا قال‫:‬ لقد تركت، قالوا وما تركت؟ قال‫:‬ تركت لهم سورة الواقعة فقد علمت من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم أن سورة الواقعة أمان من الفقر، سورة يس رحمة كبرى للموتى وللمرضى ولقضاء الحوائج، القرآن كله، آية الكرسي ما نزلت من قبل محمد ، صلى الله عليه وسلم، في أي كتاب من كنز تحت العرش، آية الكرسي جلالها وفخامتها ونظمها وعظمتها ونفعها فوق كل خيال، المعوذات "قل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس، "الفاتحة" فاتحة الخير فاتحة كل شيء ما من مغلق إلا وتفتحه الفاتحة فإن أشكل عليك أمر بالفاتحة تفهم، وإن أغلق عليك موضوع بالفاتحة يفتح، إن ضاقت بك السبل بالفاتحة تفتح، فاتحة الكتاب هو كلام الله الأنس كله، إذا أردت أن تجالس أحدا ألا تريد أن تسمع كلامه وتأتنس بالحديث كيف والله هو الذي يحدثك، كيف بالأنس وأنت تجلس على مائدته؟ هو الله‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم القرآن، عليكم بالقرآن والله ما مات مسلم إلا وندم على ما فرط في حفظه من آيات القرآن، (يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِى الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا) وعدد درج الجنة آيات القرآن فكلما قرآت كلما ارتفعت، القرآن أفضل ما يمكن أن يمنح ومن أعطاه الله شيئا من القرآن وظن أن أحدا قد أوتي خيرا مما آتاه الله فقد جحد ما عظمه الله وفي رواية فقد كفر بما أنزل على محمد‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم يقول لنا أبو أمامة الباهلي صاحب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، راويا عن النبي ، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (اقْرَأُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي شَافِعًا لأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ، يُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ) ، وقال العلماء البطلة‫:‬ هم السحرة، ومعنى ذلك أنك بسورة البقرة تغلب سحرة الدنيا كما غلب موسى سحرة فرعون بعصاه، البقرة أخذها بركة وتركها حسرة وما قرأت البقرة في بيت ودخله الشيطان أبدا‫.‬‬
‫فإن الله أحاط نبيه بالعناية والرعاية وكان دائما وأبدا يسري عنه ويسليه ويذهب عنه الحزن والضيق الذي كان ينتابه بسبب كفر قومه وتكذيبهم، يقول الله ، تبارك وتعالى، له مسريا عنه ومسليا له :‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّۭا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّۭ وَعَرَبِىٌّۭ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًۭى وَشِفَآءٌۭ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌۭ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ ﴿44﴾
هم يطلبون أن يكون القرأن عجميا، والعجمي والأعجمي‫:‬ اللغة التي لا تفهم لأهل العربية، والعجمى ضد الفصاحة ولذا يقال للحيوان أعجم لأنه لا يفصح ولا يبين فالأعجمي الذي لا يتكلم باللغة العربية فصيحا كان بلسانه أو غير فصيح فالأعجمي الذي لا يتكلم باللغة العربية‫.‬‬
‫فيقول الله ، تبارك وتعالى، (وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّۭا) أي بلغة العجم بلغة غير العربية (لَّقَالُوا۟) أي مشركوا مكة (لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ) بينت وضحت حتى تفهمها (ءَا۬عْجَمِىٌّۭ وَعَرَبِىٌّۭ ۗ ) أي وتساءلوا مستهزئين قائلين أكلام وناطق عربي، كيف يكون الرسول عربيا وما أوحي إليه أعجميا، لقالوا ذلك مستهزئين، لو فرض ونزل القرآن بلغة غير اللغة العربية لاستهزأوا ولقالوا لولا فصلت آياته وتحججوا بعدم الاتباع بعدم الفهم، كيف نتبع القرآن ونحن لا نفهم ما يريد، كيف نطيع ونحن لا نفهم ما يراد منا، أيضا لاستهزءوا وقالوا ءأعجمي وعربي وقرأت بقراءات متعددة (ءاعجمي) بتسهيل الهمزة الثانية ( ءأعجمي) بنطق الهمزة الثانية، ءآعجمي بمد الهمزة الثانية‫.‬‬
‫أيضا قرأت (أعجمي) بهمزة واحدة وهذه القراءة تغير المعنى (وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّۭا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّۭ وَعَرَبِىٌّۭ ۗ ) أي لو نزلنا القرآن بلغة أعجمية لقالوا كان من الواجب أن ينزل القرآن مفصل ومجزأ بعضه باللغة العجمية يفهمه العجم وبعضه باللغة العربية يفهمه العرب، إذا فهم غير راضيين في كل الأحوال (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًۭى وَشِفَآءٌۭ ۖ ) رد عليهم رد مفحم قل القرآن بلغته العربية التنزيل من حكيم حميد هذا الكتاب العزيز هو للذين آمنوا بالله آمنوا بالغيب هدى من الضلالة إلى الحق من الظلام إلى النور (ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٥٧]، هدى إلى الصراط المستقيم، مخرجا من الضلالة مبينا ومنيرا (وَشِفَآءٌۭ ۖ ) شفاء من الشك، شفاء من الشرك، شفاء من الشقاق والنفاق، شفاء من أمراض القلوب والصدور لأن بذكر الله تطمئن القلوب، أيضا كلمة (وَشِفَآءٌۭ ۖ ) تعم ولك أن تفهم منها ما تشاء شفاء من الشرك شفاء من الأوجاع شفاء من الأسقام، إذا قرئ على الحزين هان في عينيه كل رائع وإذا قرئ على المريض ذهبت عن جسمه المواجع هو شفاء لكل شيء‫.‬‬
‫( وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌۭ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ ) الوقر، والوقر‫:‬ الصمم لأنهم تصاموا عن سماعه وتعاموا عن آياته، فهو عليهم عمى أي ذو عمى أي لا يرون الآيات فيه، لا يبصرون ما فيه، لا يسمعون له، لأنهم تصاموا ألم يقولوا‫:‬ (لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ) إذا فقد تصاموا عنه وصموا آذانهم فهو عليهم عمى وفي آذانهم وقر صمم (أُو۟لَـٰٓئِكَ) الذين كفروا والذين هم في آذانهم وقر والقرآن عليهم عمى وقرئت عمٍ (أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ (٤٤)) ربما تعني أنهم لا يسمعون والعرب تعبر عن السامع وغير السامع، فإن قالوا له أنت تسمع من قريب أي أنك تسمع وتعي وتفهم أما فلان فيسمع من بعيد كناية عن أنه لا يسمع لأنك إذا ناديت على إنسان من بعيد لا يسمع نداءك، فأولئك لا يسمعون لأنهم ينادون أي يناديهم القرآن ويناديهم محمد ، صلى الله عليه وسلم، من بعيد فلا يصل إلى أسماعهم نداؤه، ذاك معنى‫.‬‬
‫والمعنى الآخر(أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ (٤٤)) يوم القيامة حيث ألقوا في وهجة الغضب حيث أبعدوا عن رحمة الله ، تبارك وتعالى، حيث حرموا حتى من سماع كلامه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ القرآن كلام الله أفضل كلام وخير كلام وأحسن كلام، تنزيل من حكيم حميد، القرآن فيه منافع، فيه كل شيء (مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٣٨]، ما يلجأ إليه حزين إلا ويذهب حزنه، ما يلجأ إليه فقير إلا ويسد الله فقره، ما يلجأ إليه مديون إلا ويقضي الله عنه دينه، وقد روي عن أحد الصحابة الذين كانوا يتصدقون وينفقون كل أموالهم أنه سئل وقيل له عندك بنات كثير كيف لا تترك لهن شيئا قال‫:‬ لقد تركت، قالوا وما تركت؟ قال‫:‬ تركت لهم سورة الواقعة فقد علمت من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم أن سورة الواقعة أمان من الفقر، سورة يس رحمة كبرى للموتى وللمرضى ولقضاء الحوائج، القرآن كله، آية الكرسي ما نزلت من قبل محمد ، صلى الله عليه وسلم، في أي كتاب من كنز تحت العرش، آية الكرسي جلالها وفخامتها ونظمها وعظمتها ونفعها فوق كل خيال، المعوذات "قل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس، "الفاتحة" فاتحة الخير فاتحة كل شيء ما من مغلق إلا وتفتحه الفاتحة فإن أشكل عليك أمر بالفاتحة تفهم، وإن أغلق عليك موضوع بالفاتحة يفتح، إن ضاقت بك السبل بالفاتحة تفتح، فاتحة الكتاب هو كلام الله الأنس كله، إذا أردت أن تجالس أحدا ألا تريد أن تسمع كلامه وتأتنس بالحديث كيف والله هو الذي يحدثك، كيف بالأنس وأنت تجلس على مائدته؟ هو الله‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم القرآن، عليكم بالقرآن والله ما مات مسلم إلا وندم على ما فرط في حفظه من آيات القرآن، (يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِى الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا) وعدد درج الجنة آيات القرآن فكلما قرآت كلما ارتفعت، القرآن أفضل ما يمكن أن يمنح ومن أعطاه الله شيئا من القرآن وظن أن أحدا قد أوتي خيرا مما آتاه الله فقد جحد ما عظمه الله وفي رواية فقد كفر بما أنزل على محمد‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم يقول لنا أبو أمامة الباهلي صاحب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، راويا عن النبي ، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (اقْرَأُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي شَافِعًا لأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ، يُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ) ، وقال العلماء البطلة‫:‬ هم السحرة، ومعنى ذلك أنك بسورة البقرة تغلب سحرة الدنيا كما غلب موسى سحرة فرعون بعصاه، البقرة أخذها بركة وتركها حسرة وما قرأت البقرة في بيت ودخله الشيطان أبدا‫.‬‬
‫فإن الله أحاط نبيه بالعناية والرعاية وكان دائما وأبدا يسري عنه ويسليه ويذهب عنه الحزن والضيق الذي كان ينتابه بسبب كفر قومه وتكذيبهم، يقول الله ، تبارك وتعالى، له مسريا عنه ومسليا له :
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۗ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ ﴿45﴾
أي أن الله ينبئه أن موسى هو كليم الله من أولي العزم من الرسل جاءته التوراة بل نزلت عليه من السماء مكتوبة ومع ذلك اختلف قومه فيه، في موسى أو في الكتاب، فمنهم مصدق ومكذب، منهم من آمن بموسى ومنهم من كذبه، منهم من صدق التوراة ومنهم من كذبها، (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ)، التوراة، (فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۗ )، في موسى، أو (فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۗ ) في الكتاب بين مصدق ومكذب، (وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ)، كلمة سبقت من الأزل قضاء الله الأزلي بالإمهال فربنا يمهل ولا يهمل سبقت كلمة ربنا ، تبارك وتعالى، بإمهالهم إلى انتهاء آجالهم أو بإمهالهم إلى أن تقوم الساعة، يوم القيامة يوم الجزاء، الكلام عن قوم موسى والكلام أيضا عن قوم النبي ، صلى الله عليه وسلم، كفار مكة (وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ) بإمهالهم والله ، تبارك وتعالى، يعلم أن في أصلاب مكذبي مكة وفي أصلاب هؤلاء المشركين مؤمنون يوحدون الله ، تبارك وتعالى، ويرفعون رايات التوحيد في آفاق الدنيا، من أجل ذلك أمهلهم من أجل ما في أصلابهم من مؤمني أمة محمد ، صلى الله عليه وسلم، ولولا هذه الكلمة التي سبقت لدمرهم كما دمر قوم نوح ولأهلكهم كما أهلك قوم عاد وثمود (وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ) إلى أجل مسمى إلى يوم القيامة أو إلى انتهاء آجالهم أو إلى يوم قتلهم ببدر لولا هذه الكلمة (لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ ) بإهلاك المكذبين بتدميرهم (وَإِنَّهُمْ) الكلام عائد على قوم موسى وعائد أيضا على مشركي مكة، (لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ (٤٥)) وتردد وحيرة منه من بعثة النبي ، صلى الله عليه وسلم، من صدقه، وكذلك قوم موسى، أو "منه" من القرآن ومن التوراة، (مُرِيبٍۢ (٤٥)) موقع في الريبة مضطربون نتيجة شكهم، شك أوقعهم في الاضطراب والتردد والحيرة فهم لا يهتدون سبيلا‫.‬‬
‫ثم يقول الله تبارك وتعالى :‬‬‬
مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ ﴿46﴾
نعم القانون الإلهي (مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ ) لأن صلاحك يعود نفعه عليك فالله مستغن بذاته عما سواه غير محتاج لطاعة عباده فمن عمل صالحا فلنفسه نتيجة صلاحه النفع يعود عليه ويعمه (وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۗ ) ومن أساء العمل وأساء السلوك والتصرف فعليه الضرر العائد والناتج من سوء سلوكه وتصرفه لأن الله لا تنفعه الطاعات ولا تضره المعاصي فقد كان ولم يكن شيء‫.‬‬
‫(وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٤٦)) أي أن الله ، تبارك وتعالى، لا يريد ظلما للعباد والله ، تبارك وتعالى، لا يظلم الناس شيئا، وقد أشكل على بعض الناس كلمة "ظلام" وقالوا أن هذا التعبير تعبير مبالغة، ظالم وظلام، فظلام كثير وشديد الظلم، وهذا التعبير ليس تعبير مبالغة أبدا، وإنما التعبير صيغة نسب كقولك وليس صيغة مبالغة خباز لمن يخبز الخبز وتمار لبائع التمر وجزار لذلك الذي يهيئ لك اللحم وهكذا، فكلمة "ظلام" صيغة نسب وليست صيغة مبالغة أي أن الله ، تبارك وتعالى، ليس بذي ظلم أصلا للعباد لا يظلم الناس شيئا مصداقا لقوله (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا) [سورة يونس آية‫:‬ ٤٤]، ومصداقا لقوله‫:‬ (وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًۭا لِّلْعِبَادِ (٣١)) [سورة غافر آية‫:‬ ٣١]‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ كان ربنا ، تبارك وتعالى، والكون عدم ومن حكم في ملكه فما ظلم، والظلم في مفهوم العباد وفي مفهوم الناس هو أن تأخذ ما ليس لك بحق، الظلم أن تظلم غيرك بأن تنتزع منه ما هو من حقه وليس من حقك، أما إن حكمت أنت فيما تملك فما ظلمت لأنك لم تأخذ حق أحد ولم تمنع أحدا حقه، من هنا يقولون من حكم في ملكه فما ظلم، ربنا ، تبارك وتعالى، كان ولم يكن شيء ، كان الكون عدم خلق الخلق وأوجد الكائنات وخلق السموات والأرض فكل ما في الوجود سوى الله ، تبارك وتعالى، من خلقه ومن إيجاده ومن إنشائه فإذا حكم في ملكه بما شاء فما ظلم لأنه ليس هناك مالك غيره، ليس هناك من يملك، ليس هناك من يخلق، هو الله الخالق المالك المدبر فإن شاء أدخل الناس جميعا الجنة برحمته لا لأنهم يستحقون وإن شاء أدخلهم جميعا النار بعدله وهم لا يظلمون فسبحانه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون‫.‬ من هنا ينبهنا ربنا ، تبارك وتعالى، لذلك في قوله في سورة المائدة‫:‬ (قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ (١٧)) [سورة المائدة آية‫:‬ ١٧]، من يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح بغير جريمة وبغير ذنب أو يهلك أمه أو يهلك من في الأرض جميعا، من يعاتبه! من يرد أمره! من يسائله؟ من له في الأمر شيئا! هو الله فمن حكم في ملكه فما ظلم‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم الظلم ظلمات يوم القيامة كما يقول النبي ، صلى الله عليه وسلم، ويحذر ويقول‫:‬ (وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ بِعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ)، الظلم أكل أموال الناس، أكل حقوق الناس، هتك أعراض الناس، اغتياب الناس، الإيقاع بين الناس، إثارة الفتنة والبغضاء، كل ذلك ظلم لا يرضى عنه الله ، تبارك وتعالى، وقد قال ربنا ، تبارك وتعالى، في حديثه القدسي‫:‬ (يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمُ الَّذِينَ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا الَّذِي أَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلَا أُبَالِي؛ فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ لَمْ يَزِدْ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَسْأَلَتَهُ لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْبَحْرُ أَنْ يُغْمَسَ الْمِخْيَطُ غَمْسَةً وَاحِدَةً، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ)، نعم من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد‫.‬‬

‫الجُزءُ الخامس والعشرون
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍۢ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍۢ ﴿47﴾ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَظَنُّوا۟ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍۢ ﴿48﴾
‫( إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ ) سئل النبي ، صلى الله عليه وسلم، عن الساعة، سأله اليهود معجزين له، سأله الكفار، سأله مشركي مكة بل وسأله واحد من أصحابه مرة فقال‫:‬ يا رسول الله متي الساعة فأجابه قائلا ، صلى الله عليه وسلم، (ومَا أعْدَدْتَ لَهَا)؟ أي شيء أعددته أنت لقيام الساعة، هذا هو ما تشعل بالك به أن تعد نفسك لقيام الساعة لا أن تسأل عن موعدها لأن معرفة ميعادها لا يقدم ولا يؤخر في نجاتك أو هلاكك وإنما الذي يقدم ويؤخر هو العمل، يرد الله ، تبارك وتعالى، على السائلين ويقول‫:‬ (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ ) إلى الله (ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةًۭ ۗ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٨٧]، لا يعلمها نبي مقرب ولا ملك، لا مخلوق لديه علم الساعة، الله عنده علم الساعة، (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ ) أي علم وقتها ووقت قيامها كما أن له علم أشياء كثيرة منها، (وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍۢ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ ) فكما يرد إليه علم الساعة كذلك ما تخرج من ثمرات من أكمامها، قراءتان بالإفراد والجمع (وما تخرج من ثمرة ) (وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍۢ مِّنْ أَكْمَامِهَا) الأكمام‫:‬ الأوعية جمع "كمة" وجمع "كم" الوعاء الذي يخرج منه الطلع، الوعاء الذي تخرج منه الزهرة، الوعاء الذي تخرج منه الثمرة، هذا الوعاء كجنين الأم يخلق الله ، تبارك وتعالى، الثمار داخل الأوعية ويصوره فيعطيها المذاق ويعيطيها اللون ويعطيها الغذاء ويعطيها الرائحة ويعطيها النفع والفائدة كما يصوركم في الأرحام دون آلة دون جارحة دون أداة دون معاونة دون مساعدة بل إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ) أنثى الإنس أنثى الحيوان أنثى الجن أنثى الحشرات أنثىي الطيور(وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ ) بإذنه بإرادته بعلمه الأزلي السابق، متى تحمل، ولأي شيء تحمل، ومتى تضع، وأين تضع، وكيف تضع بعلمه (وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ ) وفق إرادته الأزلية وعلى مقتضى علمه الأزلي دون تبديل أو تغيير ودون تقديم أو تأخير‫.‬‬
‫(وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ) يعود الكلام عن الساعة سألوا عن الساعة علمها عند الله يخرجها كما يخرج الثمرة من أكمامها يخرجها كما يخرج الجنين من بطن أمه من العدم إلى الوجود ولكن التفكير والعمل يجب أن يكون لما هو حادث يوم الساعة، فربنا ينبئنا بما يحدث وببعض ما يحدث يوم الساعة التي تسألون وعن موعدها فيقول (أَيْنَ شُرَكَآءِى) هذا ما يجب أن تفكر فيه هل أشركت بالله هل أشركت مع الله، الشرك منه الجلي ومنه الخفي أعاذنا الله وإياكم من جليه وخفيه، يوم يناديهم يوم القيامة ينادي ربنا ، تبارك وتعالى، المشركين الذين أشركوا معه العبادة الأصنام والحجارة والأنبياء والملائكة والشياطين، ينادي أيضا الأصنام، ينادي من عبد من دونه في الأرض (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى) سؤال توبيخ سؤال تبكيت سؤال لا نتيجة له إلا الهلاك لأن الله إذا سأل عذب إذا سأل أهلك، إي وربي طالما سأل هلك المسئول وقد قال النبي ، صلى الله عليه وسلم ذلك‫:‬ ( مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ) وحين تسأله زوجه ، رضي الله عنها، وتقول له يا رسول الله‫:‬ أليس الله يقول‫:‬ (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًۭا يَسِيرًۭا (٨)) [سورة الانشقاق آية‫:‬ ٨]؟ قال‫:‬ (إنَّما ذَلِكَ العرضُ)، العرض فقط، عرض أعمال، الحساب اليسير، عرض الصحائف وعرض الأعمال فقط ( مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ) لأن السائل يريد أن يعلم والمسئول يجيب بما يعلم وربنا يعلم فلم سأل؟ هل يريد أن يعلم؟ إذا فمعنى السؤال الإهلاك ولذا حين يقول الله ، تبارك وتعالى، "فلنسألنهم " أي فلنعاقبنهم لأن من نوقش الحساب هلك، (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى) سؤال توبيخ وتبكيت آخره جهنم (قَالُوٓا۟) حيث لا ينفع أقروا حيث لا ينفع الإقرار (قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍۢ (٤٧)) تبرأوا (تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ (١٦٦)) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٦٦]، وكذلك (وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةًۭ فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا۟ مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ (١٦٧)) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٦٧]، أتى الإقرار (قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ) حيث لا ينفع الإقرار أعلمناك آذنه‫:‬ أعلمه ومنه الآذان‫:‬ الإعلام، إعلام بوقت الصلاة (قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍۢ (٤٧)) أي ما منا أحد يشهد أن لك شريك، ما منا من أحد يشهد أنهم كانوا على حق، تبرأت الأصنام ونطق كما أنطق الله كل شيء ، ونطقت الملائكة (قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَكَانُوا۟ قَوْمًۢا بُورًۭا (١٨)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ١٨] حتى المشركين يكذبون على الله يحلفون يكذبون على الله ويقولون (وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ (٢٤)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٢٣ - ٢٤]،‬
‫(وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَظَنُّوا۟ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍۢ (٤٨)) ضل‫:‬ غاب انصراف، ذهب، ضاع، كانوا يدعون الأصنام، الأوثان، كانوا يقولون نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفي، أين هم الآن؟ في النار وقودها الناس والحجارة، الحجارة التي كانوا يعبدونها أين الأصنام؟ أين الأوثان؟ أين الأوثان؟ أين عزيز الذي زعموا أنه ابن الله؟ أين المسيح الذي زعموا أنه ابن الله؟ أين كل هؤلاء كل بشأنه مشغول، (وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ۖ )، ضاع منهم وغاب عنهم ما كانوا يدعون من قبل في الدنيا (وَظَنُّوا۟ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍۢ (٤٨)) الظن يأتي بمعنى اليقين، أيقنوا أن لا مهرب ولا نجاة، وقد يأتي الظن هنا وفي هذا الموضع بالذات بمعنى أغلب الرأي أي توقعوا وغلب عليهم الاعتقاد أنهم لا مهرب لهم ولكن بقي فيهم بعض الأمل من هنا ينادون ملائكة جهنم وينادون الخزنة (ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًۭا مِّنَ ٱلْعَذَابِ (٤٩)) [سورة غافر آية‫:‬ ٤٩]، ومرة يقولون، (رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ (١٠٧)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١٠٧]، لا زال بقية من أمل من هنا قد يكون كلمة الظن‫:‬ غلب على اعتقادهم أنهم غير ناجين لكن بقي الأمل (وَظَنُّوا۟ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍۢ (٤٨))، المحيص‫:‬ المهرب، المحيص‫:‬ النجاة، حاص، يحيص، حيصا ومحيصا‫:‬ هرب هل لهم من مهرب، أين؟ (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ سَمِعُوا۟ لَهَا تَغَيُّظًۭا وَزَفِيرًۭا (١٢)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ١٢]، أين وقد قيدوا في السلاسل، المقامع من ورائهم تزجرهم ويساقون إلى جنهم أين المهرب وأين المحيص وقد أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم اعرف الله في الشدة وفي الرخاء، اعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة، اعرفه في الغنى يعرفك في الفقر، اعرفه في الصحة يعرفك في المرض وذاك حال المسلم يعرف الله ، تبارك وتعالى، ويذكر الله على كل أحواله والمسلم كخامة الزرع، النبات الطري اللين، أينما جاءت الريح كفأتها من مشرق أو مغرب تميل مع الريح ثم تعتدل ولا تصاب بشيء، أما الكافر كالأرزة، الشجرة الغليظة، إذا جاءتها الريح قصمتها وكذلك الكافر‫.‬‬
‫يقول الله ، تبارك وتعالى، منبئا عن أحوال الكفار:
لَّا يَسْـَٔمُ ٱلْإِنسَـٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٌۭ قَنُوطٌۭ ﴿49﴾
الإنسان هنا الكافر لأن المؤمن غير ذلك، المؤمن إذا أصابته الضراء صبر وإذا أصابته السراء شكر، إذا فالإنسان هنا هو الكافر هو الذي لا يسأم من دعاء الخير من طلب الخير النعمة والولد والمال والجاه والصحة والتوسع وما إلى ذلك (لَّا يَسْـَٔمُ ٱلْإِنسَـٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ) أي من طلب النعمة والجاه والمال (وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٌۭ قَنُوطٌۭ (٤٩)) الشر‫: الضر المرض الفقر الحاجة موت الأقارب وما إلى ذلك (فَيَـُٔوسٌۭ قَنُوطٌۭ (٤٩))، اليائس هو من انقطع رجاؤه من الخير، واليأس من أعمال القلوب (إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ (٨٧)) [سورة يوسف آية‫: ٨٧]، إذا فالإنسان في هذا الآية هو الكافر لا شك، هذا الذي أصابه الضر أصابه الشر أصابه المرض إذا هو يائس من روح الله قانط من رحمة الله، يئس من إجابة الدعاء لو دعا لرفع الضر وقنط من ذهاب الداء، اليأس من أعمال القلب اليأس انقطاع الرجاء والأمل من الخير، القنوط‫: أن يظهر أثر اليأس على الصورة فتجده خاشعا ذليلا منكسرا ذاك هو القنوط أشد أنواع اليأس، الذي إذا أصابه اليأس في قلبه واشتد بأسه ظهر أثر ذلك على جسده وعلى شكله وعلى صورته أصبح مكتئبا بغيضا ذاك هو القنوط ولا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون، ذاك هو الكافر لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط‫.
وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةًۭ مِّنَّا مِنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةًۭ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ ﴿50﴾
‫(وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةًۭ مِّنَّا) الذوق أصلا باللسان للتفريق بين المطعومات ولكن الذوق يعبر به أيضا عن المحسوسات كالجلد وما إلى ذلك فربنا ، تبارك وتعالى، يقول (وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةًۭ مِّنَّا مِنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ) إذا فالرحمة والنعمة من الله وليس باستحقاق لأن الله يقول (وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ) إذا هو الفعال هو الرحيم هو المنعم (وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةًۭ مِّنَّا) من فضل الله والإنسان يتقلب بين العدل وبين الفضل فما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وكل من عند الله، إذا أصابتك النعمة محض فضل من الله ليس باستحقاقك وإن أصابك الضر بمعاصيك وشؤم معاصيك، العدل، فالإنسان يتقلب في هذه الدنيا بين الفضل وبين العدل، وكل مؤمن يعلم ذلك‫.‬ أما الكافر لئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته والتعبير بالمس تعبير يدل على أن الله لطيف بعباده حتى الضر مجرد مس، وأما الرحمة فهي السابغة والنعمة الشاملة فيها الذوق، والفرق بين المس والذوق أن الذوق استشعار واستمتاع بالنعمة إذا فنعم الله لا تعد ولا تحصى وصدق ربي حيث يقول (وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍۢ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ (٣٠)) [سورة الشورى آية‫:‬ ٣٠]، فإن أخطأت وأذنبت مائة ذنب عفا الله عن تسعة وتسعين ذنبا وآخذك على ذنب واحد يعفو عن كثير‫.‬‬
‫(لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى) ليقولن الكافر النعمة التي جاءت، التوسعة، الفرج، الشفاء، الجاه (لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى) أي هذا باستحقاقي أنا أستحقه بعملي أو(لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى) أي دائم لا يزول كالذي دخل جنته وهو ظالم لنفسه فقال ما أظن أن تبيد هذه أبدا، يعتقد ذو الجاه أن جاهه دائم ويعتقد ذو المال أن ماله دائم ويأتي عليه اليوم فيقول‫:‬ (مَآ أَغْنَىٰ عَنِّى مَالِيَهْ ۜ (٢٨) هَلَكَ عَنِّى سُلْطَـٰنِيَهْ (٢٩)) [سورة الحاقة آية‫:‬ ٢٨- ٢٩]، فإن أصابته الرحمة والنعماء قال هذا لي دائم لا يزول، هذا باستحقاقي بعملي أو يقول أوتيته على علم عندي كما قالها قارون، بعملي، بكدي، بعرقي، بكفاحي، بذكائي، بعلمي، ليس هذا فقط بل ينكر البعث استمتاعا بالدنيا عبا من لذائذها وشهواتها فيقول‫:‬ (وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةًۭ) أيضا لا يعتقد في قيام الساعة (وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ) إن حدث الرد إن حدث الرجوع إذا فهو متوهم هو لا يعتقد في قيام الساعة ويفترض إذا كان قيام الساعة حق وإذا كان ما يزعمه محمد حق وأن البعث آت وأن الساعة لا ريب فيها (وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ) بالبعث (إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ ) التألي على الله يعتقد أنه كما أحسن إليه في الدنيا لا بد وأن تحسن إليه يوم القيامة، هذا فقير وهو غني فيعتقد أن غناه باستحقاقه ولا بد أن يحشر يوم القيامة غنيا ويحشر الفقير فقيرا، طالما حرم الله هذا من المال في الدنيا إذا فقد غضب عليه يحشره يوم القيامة فقيرا، يحشر العبد عبد والحر حر، وهكذا اعتقاد خاطئ جاهل سفيه (وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ ) الجنة التي يزعمونها كما يقول فيرد الله ، تبارك وتعالى، عليه ويقول‫: (فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟)‬ إذا فهؤلاء هم الكفار لأن الله فضحهم وفضح وصفهم، هذا الإنسان الذي إذا مسه الشر فيئوس قنوط لا يسأم من دعاء الخير جاءته النعمة بعد الضراء قال هذا لي ظن أن الساعة لا تقوم، ظن أن له عند الله الحسنى، هذا هو الكافر لأن الله ، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟) وطالما أنبأهم فقد آخذهم إن أخذه أليم شديد، (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ (٥٠)) كما أذاقهم النعمة في الدنيا فبطروا وكفروا وأشروا ليذيقهم يوم القيامة وهو قسم من الله ، تبارك وتعالى، أقسم بقوله‫:‬ (فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ (٥٠)).‬
‫أيها الأخ المسلم الله ، تبارك وتعالى، جعل الدنيا دار ابتلاء دار امتحان ليست دار جزاء، الآخرة هي دار الجزاء، الدنيا عمل ولا جزاء والآخرة جزاء ولا عمل، ربنا ، تبارك وتعالى، يبتلي العباد ويمتحن العباد في هذه الدنيا بالمحن، يمتحنهم بالنعم يمتحنهم بالمنع والمنح، يمتحنهم بالمسك والعطاء، ربنا يمتحن الناس بالخير وبالشر ربنا يقول‫:‬ (وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴿۳۵﴾) [سورة االأنبياء آية‫:‬ ٣٥]، إذًا فالغنى ابتلاء والفقر ابتلاء، الصحة ابتلاء والمرض ابتلاء، الجاه ابتلاء وانعدام الجاه ابتلاء، ثم الرجوع إلى الله فيحاسب ويجازي الصابرين‬
‫بصبرهم والعاصين بمعصيتهم يوم الدين يوم الجزاء يوم الفضيحة يوم التغابن يوم يرفع أناس ويخفض أناس صدق رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، حيث يقول‫:‬ (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فيما يبدوا لِلنَّاسِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ الجنة) نعم إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون‫.‬‬
‫فيأتي وصف آخر للكفار يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬
وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍۢ ﴿51﴾
وصف آخر لهؤلاء الذين أنعم الله عليهم نسوا المنعم ونسبوا النعمة لأنفسهم قالوا أوتينا هذا بعلمنا بجهدنا بعملنا بذكائنا أعرض وأطغته النعمة وصدق الصادق المصدوق حيث يقول ويدعو ويتجه إلى الله ، تبارك وتعالى، معلما إيانا (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غِنًى يُطْغِينِي، وَمِنْ فَقْرٍ يُنْسِيَنِي)، نعم (وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ) عن الله أعرض عن المنعم جاءته النعمة فأذهلته عن اليد التي امتدت بها، يد الله، جاءته النعمة فتجبر أصبح ذو جاه فظلم واستكبر، جاءه المال فبخل وشح ولم يعطي الفقراء ولم يخرج حق الفقراءعن ماله، يطغى بشبابه يطغى بصحته بجاهه بماله، (وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ) عن الطريق المستقيم أعرض عن سلوك سبيل رضوان الله أعرض عن الله (وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ) أو (وناءى) قراءة (وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ) : ابتعد، نأى، ينأى‫:‬ ابتعد بجانبه، مجاز عن نفسه وذاته وكأن الله يشبه هذا الكافر المعرض أن الله إذا أنعم عليه لم ينتبه إلى أنه ولد عاريا لا يملك شيئا أعمى وأصم وغير عاقل، فالطفل إذا ولد لا يرى ولا يسمع ولا يعقل ثم يسمع ثم يبصر ثم يعقل ثم يمشي، عدله بعد أن كان يحمل إذا به يحبو ثم يمشي من أين جئت بالمال؟ من أين جئت بالجاه من أين جئت بكل شيء ، لو أنت الذي جئت به فكن حريصا على أن تأخذه معك إن كنت صادقا في أنك أنت الذي جئت بمالك، لم لا تأخذه معك حين تموت؟ إذا فأنت لا تملكه بدليل أنك تخرج منها عاريا كما دخلت إليها‫.‬‬
‫(دُعَآءٍ عَرِيضٍۢ (٥١)) : دعاء كثير، العرب تعبر بالعرض والطول عن الكثرة ويقولون أطال في الكلام وأعرض في الدعاء (فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍۢ (٥١)) يدعو ويلجأ دعاء المضطر ويذكر الله ، تبارك وتعالى، ويدعوه آناء الليل وآناء النهار حتى يصرف عنه الشر فإذا جاءته النعمة نسي ما كان يدعو إليه من قبل‫.‬‬
‫ثم يقول الله ، تبارك وتعالى، محذرا ومهددا‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِۦ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ ﴿52﴾
‫(قُلْ أَرَءَيْتُمْ) يا معشر قريش يا من كفرتبالنيي ، صلى الله عليه وسلم، (قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِۦ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ (٥٢)) والكلام على وزن أفعالهم واعتقادهم، منذ قليل أنبأنا بالقائل (وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ) يفترض، إذا هو في شك احتمال الرجوع وعدمه، إن حدث ورجعت لي عنده الحسنى، فالكلام من هذا المدخل من هذا الباب (إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ) ، هذا هو القرآن بين أيدينا يزعم محمد بن عبد الله أنه من عند الله فأنت بين أمرين أن يكون من عند الله أو يكون ليس من عند الله، ها أنت كفرت به دون تدبر دون تأمل دون إعمال للعقل حيث وضعوا أصابعهم في آذانهم وقالوا كما أنبئنا في نفس السورة (لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٢٦] إذا فقد كفروا من غير تأمل كفروا من غير سماع فالكلام معهم افتراض إذا افترضنا أن هذا القرآن صدق وحق ما النتيجة؟ كما افترضت أن "البعث إذا حدث كانت لك الحسنى، لم لم تفترض أن القرآن قد يكون من عند الله فتسمع وتتأمل وتتدبر حتى تهدى، جاءك رجل يزعم أنه رسول أنت تعرف صدقه أنت تعرف أمانته ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله‫.‬ اسمع له وتأمل وتدبر حتى إن كفرت بعد السماع كفرت ومعك حجة إن كانت لك حجة، أما أن تكفر بغير أن تسمع فذاك هو الجهل المحض‫.‬ فربنا ، تبارك وتعالى، يقول لهم منتهى الرحمة من الله ومنتهى الاستدراج أيضا وإلزامهم الحجة أيضا (قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ) هذا الكتاب وهذا القرآن إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل منكم أيها الكافرون بهذا الكتاب وبدلا من أن يأتي بالضمير جاء بالصفة، وصفهم ووصف جدلهم وشقاقهم، بدلا من أن يقول كمقتضى الكلام فمن أضل منكم قال (مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ (٥٢)) إذا فقد وصفهم بأنهم في شقاق بعيد، جدل ومراء وتكذيب وبعد عن الحق وضلال وسفاهة وجهالة، لا إعمال للعقل ولا للبصر ولا للسمع ولا لأي شيء‫.‬‬
‫ثم يتوعد ربنا وينذر فيقول‫:‬‬‬‬‬‬
سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْـَٔافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ﴿53﴾
العلماء علماء السلف قالوا في هذه الآية‫:‬ الآيات المقصودة هي ما حدث للأمم الخالية من إهلاك وتدمير، الآفاق جمع أفق وأفق، إذا سيريهم ربنا الآيات إهلاك الأمم (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةًۢ بِمَا ظَلَمُوٓا۟ ۗ ) [سورة النمل آية‫:‬ ٥٢]، (فَتِلْكَ مَسَـٰكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنۢ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًۭا ۖ ) [سورة القصص آية‫:‬ ٥٨]،هذه هي الآيات التي يريهم ربنا إياها‫.‬‬
‫(وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ) بالمرض والهلاك والبلاء والهزيمة في بدر وفتوح المسلمين والفتوحات وما إلى ذلك، قال بعضهم هذا وقال بعضهم بل الآيات في الآفاق وفي أنفسهم هو افتتاح البلاد، انتشار الإسلام، ارتفاع راية الإسلام وفي أنفسهم بتسليط ضعفائهم على أقوىائهم وعبيدهم على أسيادهم وما إلى ذلك‫.‬‬
‫وقال بعضهم وهؤلاء أقرب إلى الصواب الآيات في الآفاق الأقطار أقطار السموات والأرض الرياح، الصواعق، المطر، الأنهار، البحار، الأشجار، الثمار، الشمس، الليل، النهار، القمر، النجوم، المجرات، الكواكب، الأفلاك، العالم الممتد المترامي الذي لا نهاية له رغم علومهم ورغم تلسكوباتهم ورغم مناظيرهم ورغم كل ما وصلوا إليه من علوم فوق الخيال علم الله أوسع وملك الله أكبر وأرحب، (وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ) علم الأجنة، علم التشريح، المعجزة الخالدة معجزة الإنسان، علماء الطب والتشريح والأجنة وكل هؤلاء العلماء الذين يبحثون في جسد الإنسان وفي جسمه يقولون بإقرارهم واعترافهم نحن لا نعرف عن أسرار هذا الجسم إلا عشرة بالمائة، وتسعون بالمائة من جسم الإنسان سر مغلق، أعمال المخ، أعمال الذاكرة كيف تأكل وتشرب من مدخل واحد فإذا خرجت الفضلات خرجت من مخرجين مخرج للأكل ومخرج للماء، أنت تأكل وتشرب من مدخل واحد من الذي فرع فأخرج هذا من ذاك المخرج وأخرج هذا من ذاك المخرج؟ هل لك سلطان على ذلك، كيف تحدث الشهوة شهوة الطعام، كيف يحدث الجوع، من أين تعلم أن المعدة قد أصبحت خاوية، من أين تعلم أن الجسد محتاج للماء، من أين تعلم أنك محتاج للملح فإذا بك تشتهي الملح من الطعام أو المالح من الأشياء، وتارة تشتهي الحلو من الأشياء، إذا فالجسم محتاج للسكر، الجسم محتاج للملح، الجسم محتاج لماء، كل ما احتاج الجسم لشيء إذا بك تشعر بشهوة لهذا الشيء، حتى الجماع فإن كنت عازبا، أيما لا امرأة لك جاءك في منامك فأخرج منك ما زاد عن حاجتك، سبحان الله، كيف بقطرتي ماء العين ما هي إلا ماء العيون قطرة ماء، قطرتين في وجهك من الماء قطرتي ماء ترى بهما ما بين السماء والأرض كل هذه الأشكال، كيف تحفظ الروائح فإذا شممت رائحة قد شحمتها من قبل عرفت أي رائحة هذه، كيف تحفظ الأسماء؟ أين تختزن المعلومات ألوف الكتب قرأت وإذا بها في ذاكرتك، بل أنت تغمض عينيك وتأتي بما شئت من خيالات أو مناظر أو أشكال أو حوادث أو أصوات أو روائح بخيالك، تأتي بها فتتخيلها واقعة وأنت مغمض العينين كيف؟ أين تذهب في منامك؟ ما هذه الأحلام ومن يأتيك بها؟ كيف تسافر هذه الأقطار والمسافات وكيف تجتمع وتلقى أناس وتتكلم وتسمع في منامك وأنت نائم!! كيف تتنفس؟ هذا النفس بغير إرادة، دقات القلب، التقلب من جنب إلى جنب، كيف يرتفع الحجاب الحاجز!! كيف تعمل الأمعاء؟! كيف تعمل المعدة وأنت تضع في المعدة وتحشر في المعدة أصناف وأصناف من الطعام بعضها يحتاج لنضجه ساعة وبعضها يحتاج النضج إلى ساعتين، أنت إذا جئت بأصناف الطعام المختلفة ووضعتها في إناء واحد على موقد واحد فسد الأكل فسد الطعام فلا بد من ترتيب حتى يصبح الطعام غضا طريا صالحا للأكل، أما في معدتك فأنت تقذف إليها بالسائل والجامد والناشف والطري والقديم والمالح والحلو كله في وقت واحد فإذا بها تفرز وتطبخ وتهضم وتحدث لكل جنس ولكل نوع ما يلائمه من عصائر هاضمة وهكذا ثم تنتقل هذه الشحنة من الغذاء إلى مكان آخر فإلى مكان ثالث وهكذا وتتشعب، وكبد ومرارة وقلب ورئة وطحال وكذا وكذا وكذا أشياء وأصناف (سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْـَٔافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ۗ ) أن الله حق، أن محمد ، صلى الله عليه وسلم، حق، أن الإسلام حق، أن التوحيد حق، أن ما أخبر به محمد ، صلى الله عليه وسلم، من ألف وأربعمائة سنة حق، فقد أخبرنا بأمور سوف تأتي من بعدنا‫.‬‬
‫(أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ (٥٣)) بلى كفى بالله شهيدا ربنا ، تبارك وتعالى، يطمئن حبيبه ويطمئن المؤمنين ويقول أليس الله ، تبارك وتعالى، بكاف؟ بلى هو كاف، كفى بالله شهيدا، شهيد على أعمالهم على كفرهم، شهيد على تكذيبهم، شهيد على عصيان العاصي فيرتدع، شهيد على كل شيء، وطالما كان شاهدا ومشاهدا وعالما وحاضرا لأن الشهيد بمعنى المشاهد والشهيد بمعنى الحاضر والشهيد بمعنى العالم، طالما كان بكل شيء عليم وبكل شيء محيط فلا بد وأن يحقق وعده‬ (سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْـَٔافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ)‬
أَلَآ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍۢ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍۢ مُّحِيطٌۢ ﴿54﴾
‫( أَلَآ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍۢ ) المرية والمرية‫:‬ الشك كلمة تنبيه جذب للأسماع وتنبيه للناس ولكن من يعقل ومن يسمع (أَلَآ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍۢ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ ۗ )، (أَلَآ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍۢ) المرية والمرية‫:‬ الشك، هم شاكون في البعث، شاكون في لقاء الله، ربنا خلق الخلق من العدم وطالما قدر على الإنشاء فهو قادر على الإعادة بعد الإفناء لكنهم لا يعلقون‫.‬‬
‫(أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍۢ مُّحِيطٌۢ (٥٤)) الإحاطة إحاطة علم، أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا، الإحاطة بالقدر فلا مهرب ولا منجى ولا نجاة (نَّحْنُ خَلَقْنَـٰهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ ۖ ) إذا فالخلق أسرى في ملكه أين المهرب أين النجاة أين أين المحيص (أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍۢ مُّحِيطٌۢ (٥٤)) محيط بعلمه وبقدرته وطالما كان محيطا بكل شيء فلن يفلت منه شيء لا يشذ عن عمله مدرك ولا يعزب عن عمله مفعول‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم جاءت كلمة "محيط" في القرآن دائما في مجال الوعيد (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٤٢]، الإحاطة في اللغة هي محاصرة المحاط به من كل جانب ثم استئصاله، فحين يقول إنه محيط يشعرك بأن ما أحاط به الله كله في قبضته، في قهره وفي قدرته إن شاء أهلكه وإن شاء أقامه وإن شاء هدمه، إن شاء عذب وإن شاء رحم، إن شاء غفر وإن شاء هدمه، إن شاء عذب وإن شاء رحم، إن شاء غفر وإن شاء آخذ‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم هؤلاء في مرية من لقاء ربهم (أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍۢ مُّحِيطٌۢ (٥٤)) أحاط بهم والله محيط بما يعملون‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم الإيمان بالله أكبر نعمة، الإيمان بالله يكفي أن تعلم أن في يوم القيامة وإذا دخل أهل الجنة الجنة ودخل أهل النار النار وبدأت الشفاعة شفاعة المصطفى المختار، صلى الله عليه وسلم، ثم شفاعة الأنبياء والأولياء والعلماء وشفاعة الصالحين من إخراج بعض العصاة من النار فإذا انتهت شفاعة الشافعين نادى الله، تبارك وتعالى، الملائكة، وقال‫:‬ يا ملائكتي (أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ)، ولا يخلد فيها إلا من سبق عليه القول الشرك والكفر‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ ينادي ربنا برحمته الواسعة في ملائكته‫:‬ يا ملائكتي (أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ ذَكَرَنِي يَوْمًا أَوْ خَافَنِي فِي مَقَامٍ).