سورة غافر
مقدمة
لقاؤنا مع فاتحة آل حم، لقاؤنا اليوم مع ديباج القرآن، لقاؤنا اليوم مع ثمرة من ثمار القرآن ، لقاؤنا اليوم مع عروس من عرائس القرآن لقاؤنا اليوم مع سورة الطول، لقاؤنا مع سورة الؤمن، لقاؤنا مع سورة غافر.
سورة غافر سورة مكية نزلت بمكة، وهي مفتتح سبع سور بدأت بحرفين "حم" وتسمى السور السبع عرائس القرآن، وتسمى ديباج القرآن، آل حم كلهن عرائس.
سورة غافر اقتتحها الله ، تبارك وتعالى، بقوله:
حمٓ ﴿1﴾
تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴿2﴾
( حمٓ (١) تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ (٢)) ،( حمٓ (١)) مبتدأ (تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ) خبر، أو (حمٓ (١)) منفصل (تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ) مبتدأ خبره (مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ (٢))، أو (تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ) خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هذا تنزيل الكتاب"، كل ذلك من مختلف الإعراب يعني: إن هذا القرآن تنزيل من الله ، تبارك وتعالى، لا مجال للشك فيه ولا مطعن فيه وليس منقولا وليس مسطورا وإنما هو كلام الله القديم النازل بأمره جل وعلا على عبده محمد ، عليه الصلاة والسلام.
(تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ) القرآن (مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ)، جاء بصفتين يفيدان أن الله ، تبارك وتعالى، غالب على أمره عالم بأمر خلقه فأنزل الكتاب دون عائق يعوقه وحفظه دون حاقد يحرفه أو كافر يبدله، لأنه نزل من العزيز الغالب القوي الممتنع العليم بما يصلح عباده فأنزل لهم ما يصلح شأنهم.
غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴿3﴾
(غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ) والغفر: الستر، (غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ) أي ساتر الذنوب ساتر للعيوب ، كم يذنب العبد بالليل ويستره الله ، تبارك وتعالى، بالنهار، كم وكم؟ (غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ) غافر الذنوب أي ساترها غفر، يغفر من الغفر: التغطية والستر،
(وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ) وجاء بالواو بين الصفتين ولم يأت بها بعد ذلك (غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ) بلا واو ليؤكد لك أن غفر الذنوب شيء وقبول التوبة شيء آخر.
توسيع للرحمة فقد وسعت رحمته كل شيء ولكي لا يتبادر إلى ذهن القارئ لو قال "غافر الذنب قابل التوب" أن غفر الذنوب وقبول التوب شيء واحد فأراد أن يبين لك تفاوت الفعلين واختلاف الأمرين (غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ) إذا فهو يستر الذنوب ولكن ما ستر باق، فأنت إذا غطيت شيئا لا يظهر لكنه باق، (وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ) التوب مصدر تاب، يتوب، توبا أو التوب بمعنى التوبة أو التوب جمع توبة وتوب أي توبات، (وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ) إذا فهو يقبل التوبة والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، إذا فهو يغطي الذنوب يسترها فلا تظهر، يستر العيوب ، فإن تاب العبد محيت ذنوبه والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، (شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ) أي شديد عقابه أو الشديد عقابه أو مشدد عقابه على من استحق العقاب
(ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ ) الطول: السعة ، الطول: الغنى ومنه قول الله ، تبارك وتعالى، (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۚ ) [سورة النساء آية: ٢٥] أي من لم يستطع منكم سعة وغنى حتى يقدم ويدفع الصداق الكافي للحرة المؤمنة فعليه أن يلجأ لعصمة نفسه ولو بالأمة المسلمة، الطول: الغنى، الطول: السعة، الطول: الفضل والإنعام، (ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ ): ذي الإنعام ولذا يقال يا ربنا طل علينا أي أنعم وتفضل علينا، (ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ ): ذي الإنعام، ذي الفضل، ذي التفضل، (لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ ) أزلا وأبدا هو الواحد الأحد (لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ) فالكل إليه راجع يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وقد قالوا: (غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ) لمن قال لا إله إلا الله، (وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ) ممن قال لا إله إلا الله، (شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ) لمن لم يقل لا إله إلا الله، (ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ ) على من قال لا إله إلا الله، (إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ) فيجازي الموحدين ويجازي الكافرين.
وقالوا: (غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ) فضلا (وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ) وعدا (شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ) عدلا (لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ ) فردا.
والمتأمل في الآية يجد صفات رحمة وصفات عذاب أيها غلب؟ غافر الذنب وقابل التوب ذي الطول وبينها شديد العقاب، إذا فقد سبقت رحمته غضبه إذا فالأصل فيه الرحمة والغضب صفة عارضة. إذا فالمجيء بكلمة (شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ) مغمورة بصفات الرحمة بصفات الغفران يدل على منتهى رحمة الله ، تبارك وتعالى، وسعتها لكل شيء وأن الأصل هو الرحمة.
بعد ذلك وبعد هذه الافتتاحية الممتعة الملهمة المعجزة يسجل ربنا، تبارك وتعالى، على المجادلين في آيات الله الكفر فيقول:
مَا يُجَـٰدِلُ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ ﴿4﴾
(۟فَلَا يَغْرُرْكَ) فلا يغرك يا محمد والكلام له، للنبي ، صلى الله عليه وسلم، أو كما قرأها هو (فلا يغررك )، أو (فلا يغرك) (تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ (٤)) نعم أنت ترى الكافر الفاسق العربيد الجبار في الأرض يتقلب في البلاد بمعنى التجارة الرابحة بمعنى الملك السلطان الجاه الصحة ، كفر ومع ذلك يرزق ويوسع له في الرزق، ويعطى من الجاه والمال والبنين والصحة ويتقلب
في البلاد وتجارته رائجة رابحة كيف؟ فربنا ، تبارك وتعالى، يقول لا يغرك يا محمد توسعهم في التجارات وبسط الأرزاق لهم وإعطائهم ما يريدون في الدنيا فعما قريب يصيبهم ما أصاب الكفار قبلهم وربك يمهل ولا يهمل فهم مأخوذون عما قريب (مَا يُجَـٰدِلُ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ (٤)) بعد كفرهم ومجادلتهم ومع ذلك في العلم في هذا الصولجان في هذا الجاه، في هذا كذا كذا لا يغررك تقلبهم في البلاد:
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ وَٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍۭ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَـٰدَلُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴿5﴾
وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ﴿6﴾
ويبدأ الكلام في آيات تذهل تشرح الصدور نعم وتطمئن نعم ولكنها تذهل العلماء بما فيها من معان عميقة عظيمة يقول الله ، تبارك وتعالى:
ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍۢ رَّحْمَةًۭ وَعِلْمًۭا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ﴿7﴾
رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿8﴾
وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوْمَئِذٍۢ فَقَدْ رَحِمْتَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴿9﴾
هل العرش محتاج لمن يحمله؟! العرش أعظم مخلوقات الله، تبارك وتعالى، على الإطلاق، هو جسم مجسم، أعظم ما خلقه الله، تبارك وتعالى، على الإطلاق من أجسام هو العرش وكيف يحمل وترى هؤلاء الحملة كيف يحملونه وبأي شيء يحملونه، العرش وحملة العرش محمولون بقدرته مقهورون في قبضته، فالعرش لا يحمله بل العرش وحملة العرش محمولون بقدرته مقهورون في قبضته، فالعرش لا يحمله كلا وتعالى سبحانه وتعالى علوا كبيرا، وحمل العرش كناية عن القرب من رب العرش وكما خلق الله ، تبارك وتعالى، في الأرض بيتا وتعبد الناس بالطواف حوله خلق العرش وتعبد الملائكة بالحفوف حوله، (ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ) : الحافون به الذين جاء ذكرهم في آخر السورة السابقة، سورة الزمر، (وَتَرَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ) [سورة الزمر آية: ٧٥]، هؤلاء المتعبدون بالحفوف حول العرش المتعبدون بحمل العرش كناية عن حفظه وتدبيره وتقديره وهم الوسائط في إنفاذ أمر الله، هؤلاء أقرب الملائكة إلى الله وأولهم وجودا هؤلاء ماذا يفعلون؟ (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) "يسبحون" فعل وبالحمد حال لأن الأصل فيهم الحمد لله وهم يسبحون الله وينزهونه عن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان، هؤلاء الذين كفروا وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، حملة العرش والحافون بالعرش يسبحون بحمد ربهم ينزهونه متلبسين بالحمد حال كونهم
حامدين لله ، تبارك وتعالى، (وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ) وجاء بصفة الإيمان تشريفا للإيمان ولقدر المؤمنين في الأرض، وكأن من آمن بالله من الناس كمن آمن بالله من حملة العرش فقد اشتركوا في صفة الحمد وفي صفة الإيمان، وأنصح عباد الله لعباد الله ملائكة الرحمن وحملة العرش، وأغش عباد الله لعباد الله الشياطين يوحون إلى الذين كفروا ليجادلوكم، (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟) إنما المؤمنون إخوة ولو اختلفت أجناسهم، ولو اختلفت ألوانهم، والآية تشعر من ضمن ما تشعر أن المؤمن أخو المؤمن يدعو له ويشفق عليه ويستغفر له مهما اختلف الجنس أو اللون أو اللسان، فهؤلاء حملة العرش اشتركوا معكم في صفة الإيمان أترون إشفاقهم عليكم؟ أترون كيف يستغفرون لكم؟ ما أكرم المؤمن على الله نائم على فراشه وحملة العرش يستغفرون له، من الذي أمرهم بذلك أيفعلونه من تلقاء أنفسهم، أيستغفرون لنا من تلقاء أنفسهم؟ أم الموحي بذلك هو الله ما أكرم المؤمن على الله!! أرأيتم الإيمان كيف هو؟ أرأيتم أي شرف وأي عظمة وأي عز للمؤمن!! يستغفرون للذين آمنوا قائلين: ماذا يقولون حين استغفارهم (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍۢ رَّحْمَةًۭ وَعِلْمًۭا) أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء
وقدمت الرحمة على العلم لأن الرحمة هنا مقصودة بالذات فهم قاصدين الوصف بما يليق بمقام المقال فهم يستغفرون فهم يطلبون الرحمة ولذا قدموا الرحمة على العلم فقالو: (وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍۢ رَّحْمَةًۭ وَعِلْمًۭا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ (٧)) يارب، طلب من الله ، تبارك وتعالى، بالغفران للتائبين، ترى لو دعا ملك واحد من هؤلاء لجميع المؤمنين في الأرض لقبل دعاؤه فكيف وكلهم يدعون للمؤمنين وفي صوت واحد وضراعة واحدة، والله لو دعا واحد منهم لقبل دعاؤه، حملة العرش فكيف وكلهم في صوت واحد وضراع واحدة، وهم أقرب ما يكون من رب العرش لا كلام لهم ولا طلب إلا أن يغفر الله لنا، سبحانك يا رب سبحانك (فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ) طريقك طريق الهدى طريق الرضوان طريق الطاعة (وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ (٧)) واحفظهم من عذاب الجحيم إذا السؤال بالحفظ من عذاب الجحيم يدل على خطورة هذا العذاب وعلى أن الإنسان لا يحتمل.
(رَبَّنَا) ، تكرير النداء لتأكيد الدعاء والضراعة واللجوء (وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ) قراءة (جنة عدن) قراءة، جنة عدن جنة الإقامة، عدن بالمكان يعدن ويعدن: أقام إقامة لا زوال ولذا سميت المعادن في الأرض معدن لأنه مستقر في الأرض ، فجنة عدن جنة الاستقرار جنة الإقامة لا خروج منها مطلقا ولا نهاية لها (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدتَّهُمْ) (جَنَّـٰتِ عَدْنٍۢ مُّفَتَّحَةًۭ لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ (٥٠)) [سورة ص آية: ٥٠].
(وَمَن صَلَحَ) (ومن صلُح) صلح بالإيمان صلح بالطاعة (مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۚ )، (وذريتهم)، (إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ (٨))، العزيز لا راد لقضائك القوي الغالب النافذ قضاؤه الحكيم الذي لا تخلوا أوامره وأفعاله عن الحكمة، إذا فهم يدعون للمؤمن ويدعون لأولاده وآبائه ولأزواجه ولذا قال سعيد بن جبير رضي الله عنه يدخل المؤمن في جنة عدن ثم ينظر حوله ويبحث فلا يجد زوجات ولا يجد الآباء ولا يجد الأمهات ولا يجد أبناؤه أو أحفاده فيقول يا رب أين آبائي وأجدادي أين أولادي وأحفادي أين زوجاتي يا رب فيقال له ما عملوا كعملك وما استحقوا منزلتك فيقول يا رب كنت أعمل لي ولهم فيقال أدخلوهم معه، فيا لحظ المؤمن ويا لكرامته على الله ويا لرحمة الله الواسعة ويا لنعمائه السابغة ، حملة العرش الذين لا ينامون ولا يغفلون ولا يستريحون لا يملون ولا يسأمون كما وصفهم ربهم ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون آناء الليل وأطراف النهار. (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍۢ رَّحْمَةًۭ وَعِلْمًۭا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ (٧))، الوقاية الحفظ، (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ (٨)) وهذا مصداقا لقوله، تبارك وتعالى: (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [سورة الطور آية: ٢١]، في المقام في الدرجة والرضوان (وَمَآ أَلَتْنَـٰهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍۢ ۚ ) [سورة الطور آية: ٢١]، نعم.
(وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ) "قهم" الضمير عائد على على الأتباع الآباء والأزواج والذريات وانظر قد تغفل أنت عن الدعاء لابنك وملائكة الرحمن لا تغفل عن الدعاء له، قد تغفل أنت عن الدعاء لأبيك وحملة العرش لا يغفلون عن الدعاء له، (وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ) أي احفظهم من السوء ما ظهر منه وما بطن دنيا وأخرى، أو (وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ): احفظهم من الأعمال السيئة في الدنيا حتى يؤهلوا للحوق بآبائهم في الآخرة، أو (وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ) الدعاء للجميع للذين تابوا للمؤمنين الذين اتبعوا سبيل الله وكذلك آباءهم وأزواجهم وذرياتهم الذين دخلوا في مجمل الدعاء، (وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ) : احفظهم من الأعمال السيئة من المعاصي من الذنوب، وتخيل العبد المؤمن غير معصوم والعصمة للأنبياء بعصمة الله لهم، وتخيل قد يفكر المؤمن وقد يأتيه الشيطان وقد يخطط وقد يهم بالمعصية وهم في علوهم وعليائهم يقولون يا رب أنقذه مما يدبر ويخطط، (وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوْمَئِذٍۢ )، أي في الدنيا (فَقَدْ رَحِمْتَهُۥ ۚ ) في الآخرة، (وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوْمَئِذٍۢ فَقَدْ رَحِمْتَهُۥ ۚ ) "يومئذ" تعود على الدنيا والرحمة تعود على الآخرة، أو تعود يومئذ في الآخرة بالغفران والستر والرحمة، (وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ (٩))، نعم وأي فوز، هل هناك فوز فوق هذا، هل هناك فوز فوق أن تكون منالمؤمنين وأن تقبل توبتك وأن يغفر ذنبك وأن يسترعيبك وأن تدخل جنة عدن وأن يدخل معك الآباء والأجداد والأبناء والأحفاد والزوجات أي فوز(وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ (٩)) هذا أيها الأخ المؤمن هنيئا لك بكرامتك على الله أيها التائب هنيئا لك بتوبة الله عليك فالشفعاء المشفعون أقرب الخلق إلى الله، حملة العرش يشفعون لك في قبول توبتك ويسألون الله أن يغفر ذنبك، أين أنت، أين أنت؟.
وبضدها تتميز الأشياء هذا حال المؤمن دنيا محفوظ مصان يدعون له ويستغفرون له نائم على فراشه وهم لا يغفلون عن الدعوات له ذاك حال المؤمن وفي الآخرة جنات عدن هو ومن أحب هو ومن سأل وافتقد، والآخرون ماذا حالهم:
(إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلْإِيمَـٰنِ فَتَكْفُرُونَ (١٠)) [سورة غافر آية: ١٠]
وتأمل الفرق بين النداءاين (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍۢ رَّحْمَةًۭ وَعِلْمًۭا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟) [سورة غافر آية: ٧]، وهذا النداء الآخر ينادون الذين كفروا: (لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ) أي مقت الله، والمقت أشد الغضب، مقت الله لهم أشد من مقتهم أنفسهم لأنهم حين يدعون إلى الإيمان يكفرون، مقت الله في الدنيا أم مقت الله في الآخرة، قيل أن الكافر إذا أخذ كتابه بشماله وإذا عاين العذاب مقت نفسه ونادى على نفسه بالويل وبالحسرة وخاطب نفسه الأمارة بالسوء التي أهلكته ويقول لها مقتك يا نفس فترد عليه الملائكة مقت الله لك أكبر من مقتك لنفسك (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلْإِيمَـٰنِ فَتَكْفُرُونَ (١٠)) دعوة عامة من الله العلي القدير المحيي المميت الرازق الغفور الرحيم، دعوة لعباده الذين خلقهم ورزقهم وكفاهم وكساهم وآواهم، دعوة للرحمة دعوة للسعادة دعوة للغفران دعوة للجنة دعوة للرضوان ومع ذلك يأبون ويرفضون، أي مقت هذا لأنفسهم!! (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلْإِيمَـٰنِ فَتَكْفُرُونَ (١٠)) هنا أقروا واعترفوا حيث لا ينفع الندم ولا ينفع الاعتراف ولا ينفع الإقرار.
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلْإِيمَـٰنِ فَتَكْفُرُونَ ﴿10﴾
قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍۢ مِّن سَبِيلٍۢ ﴿11﴾
وقالوا: بل كان الناس في صلب آدم، خلقهم الله في صلب آدم ثم أخرجهم من صلبه فأحياهم وأوقفهم وسألهم ألست بربكم قالوا بلي فتلك حياة ثم أماتهم وأعادهم للأصلاب فتلك موتة، ثم أحياهم في الدنيا فتلك حياة ثم أماتهم في القبر فتلك موتة حياتان وموتتان والله أعلم بمراده. ونحن لا نقولها إن شاء الله ولن نقولها هم يقولوها:
(قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍۢ ) أي خروج أي وسيلة كلمة "خروج" نكرة بمعنى خلاص أي نوع من أنواع الخلاص أو النجاة، أو الهروب (مِّن سَبِيلٍۢ (١١)): من طريق كيف؟ هل إلى خروج من طريق؟ يقول بعضهم لبعض نستغيث فيغاثوا بماء كالمهل ، ينادوا يا مالك ليقض علينا ربك يقول مالك: إنكم ماكثون فيقولوا: هلم بنا نصبر لعل الصبر ينفع فقد نفع الصبر المؤمنين سلام عليكم بما صبرتم، ويمني بعضهم بعض بالصبر فيصبرون فلا يرتفع عنهم العذاب فيصرخون سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص، يقولون: (رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍۢ مِّن سَبِيلٍۢ (١١)) فيرد عليهم:
ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُۥ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِۦ تُؤْمِنُوا۟ ۚ فَٱلْحُكْمُ لِلَّهِ ٱلْعَلِىِّ ٱلْكَبِيرِ ﴿12﴾
أيها الأخ المسلم: هل سمعت افتتاحية هذه السورة؟ نعم هي عروس من عرائس القرآن السبع ، هي من ديباج القرآن ، سورة الطول سورة المؤمن سورة غافر، أيها الأخ المسلم أي الطريقين تختار ها وقد بين الله ، تبارك وتعالى، لنا حال الفريقين ما هم إلا فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير إي وربي، ما بعد الدنيا م دار إلا الجنة أو النار، هذا هو حال المؤم وذاك هو حال الكافر، وليس بينهما بين بين، أين أنت؟ تخيل وتأمل غشاق المؤمنين من الملائكة بل هم المؤمنون فليس في الملائكة مؤمن وغير مؤمن هؤلاء الذين وصفهم الله بالإيمان تشريفا للإيمان وتعظيما لشأن المؤمنين في الأرض، هل أنت مشفق على أخيك المؤمن كما أشفقت الملائكة عليك؟ هل أنت عامل بأمر الله (إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌۭ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ ) [سورة الحجرات آية: ١٠]، هل أنت مشفق على المؤمنين من أمة محمد باختلاف أجناسهم وألوانهم؟ هل أنت تدعو لهم أن تغشهم أم تخذلهم أم تخونهم أم تأكل مالهم؟ أم تهتك أعراضهم؟ أين أنت من فعل المؤمن وقد وصف ربنا أفعال المؤمنين حملة العرش؟ أين أنت؟ سل نفسك، وراجع نفسك وحاسب نفسك قبل أن تحاسب، الآن تملك التوبة، الآن تقدر على الاستغفار، الآن تستطيع أن ترد الحقوق إلى أصحابها وغدا لا درهم ولا دينار، (مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍۢ وَلَا شَفِيعٍۢ يُطَاعُ (١٨)) [سورة غافر آية: ١٨].
أيها الأخ المسلم عد إلى الله، واهنأ بصفة الإيمان واهنأ باستغفار ملائكة الرحمن، عد للإيمان عد إلى الله، تبارك وتعالى، واحمد الله، تبارك وتعالى أن قيض لنا وسخر لنا أقرب الخلائق أعظم الملائكة شأنا يستغفرون لنا آناء الليل وأطراف النهار نعم ما أكرم المؤمن على الله، نائم على فراشه وحملة العرش يستغفرون له.
فإن حجة الله ، تبارك وتعالى، بالغة فحين استغاث الكفار ونادوا قائلين: (قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍۢ مِّن سَبِيلٍۢ (١١)) [سورة غافر آية: ١١]، حين طلبوا العودة إلى الدنيا وطلبوا وسيلة للنجاة وتعهدوا وأقسموا بين يدي الله لئن عادوا ليكونن أهدى من كل الناس ويوحدوا الله، تبارك وتعالى، ولا يشركوا به ولكن الله ، تبارك وتعالى، يكذبهم ويقول: (وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ (٢٨)) [سورة الأنعام آية: ٢٨]، نعم حجة الله ، تبارك وتعالى، بالغة، حين استغاث الكفار وطلبوا الخروج (فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍۢ مِّن سَبِيلٍۢ (١١)) [سورة غافر آية: ١١]، كأن الرد قد جاءهم من لدن العلي الأعلى ليس إلى خروج من سبيل (ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُۥ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِۦ تُؤْمِنُوا۟ ۚ فَٱلْحُكْمُ لِلَّهِ ٱلْعَلِىِّ ٱلْكَبِيرِ (١٢))، (إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُۥ) كفرتم في الدنيا (وَإِن يُشْرَكْ بِهِۦ) أيضا في الدنيا حين أشرك به المشركون آمنتم بما زعمه المشركون، وقد تحتمل الآية معنى لو عدتم إلى الدنيا وأشرك بالله لآمنتم بالشرك مصداقا لقوله ، تبارك وتعالى، (وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ (٢٨)) [سورة الأنعام آية: ٢٨]، (فَٱلْحُكْمُ لِلَّهِ ٱلْعَلِىِّ ٱلْكَبِيرِ (١٢)) الذي لا يجب أن يشرك به فهو العلي المطلق الكبير المطلق المتعال عما يقوله المرجفون، وتأتي الحجج وكأن الله ، تبارك وتعالى، يبين لنا أنه لم يظلمهم وهم الذين أدوا بسوء عملهم وبكفرهم إلى ذلك المصير فيقول الله ، تبارك وتعالى:
هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقًۭا ۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ﴿13﴾
والهواء، إذن فاللازم لبقاء الإنسان في هذه الدنيا كما أراد الله له أن يكون خليفته في الأرض آيات والتي بها قوام الأديان، ورزق والذي به قوام الأبدان، لذا قرن الله ، تبارك وتعالى، نزول الآيات بنزول الرزق فقال: (هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ) الدالة على وحدانيته، الشمس والقمر، منذ متى والشمس تشرق؟ منذ متى والقمر يبزغ في مواعيد وفي أوقات لا تتغير ولا تتبدل على مدار الأعوام حتى أن العلماء رصدوها وحددوها وممكن لك أن تعرف مواعيد الشروق ومواعيد الغروب بعد عام من رصد العلماء ، هذا النسق هذا النظام سماء وأرض وجبال ووديان وبحار وأنهار وزروع وثمار وأناس تموت وأناس تولد وحياة، يرفع أقواما ويضع آخرين كل هذه الدلائل تدل على وحدانية الخالق ، سبحانه وتعالى، ونفاذ مشيئته في خلقه ، (وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقًۭا ۚ ) أسباب الرزق نازلة من السماء، بالمطر حياة الأرض ونمو النبات هل هناك رازق غير الله؟ هل هناك محيي غير الله؟ هل هناك كتاب سماوي غير الكتب التي نزلت من لدن الله، لذا يقول الله ، تبارك وتعالى، (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ (١٣)) الإنابة: العودة الرجوع: من ينيب: أي من يعود إلى الله ، تبارك وتعالى، بالإيمان ، مؤمن بالله موحدا له، والتذكر كما قال المفسرون (وَمَا يَتَذَكَّرُ) أي وما يتعظ بالآيات إلا من أناب إلى الله ورجع إليه بالإيمان بالتوحيد بالتوبة وترك الكفر وترك الشرك وترك كل ما يغضب الله، تبارك وتعالى، هذا المنيب الذي رجع إلى الله هو الذي يتعظ وتنفعه الآيات الكونية في السموات والأرض وما إلى ذلك، والآيات القرآنية أيضا تنفعه، (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ (١٣)) لكن التعبير بكلمة "يتذكر" يلفت النظر لأن التذكر معناه أن يذكر الإنسان أمرا هو كالمركوز في عقله ، التذكر معناه أن تذكر أمرا تعرفه من قبل وقد غفلت عنه لسبب ما، فحين يقول الله ، تبارك وتعالى، (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ (١٣)) كأن المؤمن الذي آمن بالله ، تبارك وتعالى، وأناب إلى الله تذكر الميثاق الأول حين أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا: بلي، كأن المؤمن يرى كل ذلك وكأن المؤمن يتذكر العهد وكأن المؤمن يتذكر الآيات الدالة على وجود الله وقدرته ووحدانيته التي هي كالمركوزة في عقله وفي قلبه قائمة منذ الأزل منذ خلق فهو يتذكرها، بالتأمل في الآيات الكونية وبالاستماع للآيات القرآنية.
فَٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ ﴿14﴾
رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلَاقِ ﴿15﴾
يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌۭ ۚ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴿16﴾
ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴿17﴾
أو الدرجات: الثواب، درجات العباد يوم القيامة وهنا (رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ) تصبح معناها رافع الدرجات فعيل بمعنى فاعل، رفيع الدرجات أي رافع درجات العباد والأولىاء يوم القيامة، رفع درجاتهم ورفع منازلهم فهو رافع لدرجات أوليائه، (ذُو ٱلْعَرْشِ) صاحب العرش، خالق العرش مالك العرش الذي لا يزول ملكه ولا سلطانه، لأن العرب تقول: سل عرش فلان: زال ملكه، فذوا العرش أي صاحب العرش أزلا وأبدا فلا يزول له سلطان ولا ملك وهو خالق العرش، والآية تسوق خبرين: أحدهما حسي والآخر عقلي: (رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ) ذاك خبر عقلي لأن الدرجات لله ، تبارك وتعالى، ليست حسية فليس له مكان يحويه وليس له زمان يحده والعرش مخلوق مجسد فهي آية حسية، العرش أكبر مخلوقات الله ، تبارك وتعالى، وقد قيل أن الكرسي والسموات والأرض أن السموات السبع والأراضين السبع بالنسبه للكرسي كحلقة في فلاة من الأرض، نسبة السموات السبع والأراضين السبع للكرسي (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ ) [سورة البقرة آية: ٢٥٥]، كحلقة في فلاة صحراء واسعة ونسبة الكرسي إلى العرش كحلقة في فلاة سبحانه وتعالى، (يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ) الروح الوحي: الروح: القرآن ، الروح: جبريل (نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ (١٩٣)) [سورة الشعراء آية: ١٩٣]
الروح: القرآن (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًۭا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ ) [سورة الشورى آية: ٥٢]
( مِنْ أَمْرِهِۦ) أي من قوله، (مِنْ أَمْرِهِۦ) : من قضائه، (مِنْ أَمْرِهِۦ) : من جبريل ، (مِنْ أَمْرِهِۦ) "من" بمعنى الباء أي بأمره أو هي ابتداء لنزول للخير ، من أمره للخير حيث نزل الوحي لخير العباد (يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِۦ) أي ينزل الوحي بأمره وبقضائه (عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ) إذا فالنبوة عطائية موهبة وعطاء، والله ، تبارك وتعالى، يختار لها من يشاء لا ما يشاءون حين قالوا: (لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)) [سورة الزخرف آية: ٣١].
(لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلَاقِ (١٥))، (لتنذر) قراءة ويصبح الخطاب ملتفت، التفت الخطاب للنبي ، صلى الله عليه وسلم، أو (لِيُنذِرَ)، كما قرأها (لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلَاقِ (١٥))، (لِيُنذِرَ): الله ، تبارك وتعالى، بالوحي ، (لِيُنذِرَ): جبريل بما يوحيه إلى نبي من الأنبياء ، (لِيُنذِرَ): من أوحي إليه، الرسول، (يَوْمَ ٱلتَّلَاقِ (١٥)): يوم القيامة حيث يلتقي الأولون والآخرون في صعيد واحد ، حيث يلتقي العابد والمعبود، حيث يلتقي الخالق والمخلوق، حيث يلتقي الإنسان وعمله، والأرواح والأجساد وأهل السماء وأهل الأرض، (يَوْمَ ٱلتَّلَاقِ (١٥)) الكل في ذلك اليوم، الإنسان وعمله الروح يلتقي بالجسد الأولون والآخرون يلتقون في صعيد واحد، أهل السموات وأهل الأراضين ، الكل في ذلك اليوم يلتقي بعضهم ببعض ، (لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلَاقِ (١٥))، يوم القيامة لأنه لا يحدث التلاق بهذه الكيفية إلا في يوم القيامة (يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ ۖ ) يوم التلاق (يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ ۖ ) ظاهرون خارجون من قبورهم ، (يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ ۖ ) لا يسترهم شيء ظاهرون لأن الأرض في ذلك اليوم قاع صفصف لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، يجعل ربنا، تبارك وتعالى، الأرض قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، فهم بارزون خارجون من قبورهم ظاهرون لله ، تبارك وتعالى، لا يسترهم شيء عن الله كما لا يسترهم شيء عن أنفسهم، عندما يقول: (يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ ۖ ) قد يخطر على بال القارئ والسامع أن بروز الجميع وتلاقي الجميع يوم القيامة قد يسير بعضهم بعض كما هو حال الدنيا إذا حشر الناس في صعيد واحد في الدنيا بعضهم يرى وبعضهم لا يرى ، بعضهم يحجب الرؤية عن غيره ولدفع هذا التوهم يقول الله ، تبارك وتعالى: (لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌۭ ۚ ) رغم أنهم بارزون جميع الخلائق والوحوش أهل السماء أهل الأرض من بدء الخليقة إلى يوم القيامة الكل بارزون لا يخفى على الله منهم شيء هم ونفوسهم هم وأعمالهم هم وضمائرهم هم وما أخفت صدورهم لا يخفى على الله منهم شيء (لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ (١٦)) السائل والمجيب هو الله، وإذا كان الأمر كذلك فالسؤال والجواب يكونان بين النفختين، بين النفخة الأولى والنفخة الثانية (وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ) [سورة الزمر آية: ٦٨] ، بعد النفخة الأولى لا يبقى أحد وكل من عليها فان ويبقى الله ، تبارك وتعالى، فيسأل لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد إذ الكل ميت وهو الحي الذي لا يموت ولا يزول، فيجيب نفسه قائلا لله الواحد القهار، وقالوا بل الله ، تبارك وتعالى، يسأل بعد إذ هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء بعد النفخة الثانية فيسأل ربنا ، تبارك وتعالى، لمن الملك اليوم فيجيب أهل المحشر جميعا مؤمنهم وكافرهم " لله الواحد القهار" مقرين بوحدانيته، المؤمن يقر تلذذا وسعادة وسرورا والكافر يقر غما وتحسرا وإقرارا وخضوعا، وقالوا بل ينادي المنادي من قبل المولى، عز وجل، وليس الله ، تبارك وتعالى، هو الذي يسأل بل هناك مناد ينادي لمن الملك اليوم فيجيب الخلائق جميعا أو يجيب أهل الجنة على الخصوص كما أقروا في الدنيا يقرون في الآخرة وكما سجدوا في الدنيا يسجدون حين يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فكذلك هم يقرون ويجيبون "لله الواحد القهار"، وأرجح الأقوال أن السائل والمجيب هو الله ، تبارك وتعالى، وإذا كان الأمر كذلك فحين يقول الله ، تبارك وتعالى، لمن الملك اليوم ومتى لم يكن الملك لله ، الملك لله دنيا وأخرى ليس اليوم فقط، ليس يوم القيامة فقط، فلم حدد السؤال لمن الملك اليوم؟ لأن في الدنيا هناك دعاوى: هناك من يزعم أنه إله كالذي حاج إبراهيم في ربه فزعم وقال أنا أحيي وأميت، وهناك من ادعى الألوهية كما وقف فرعون وقال: أنا ربكم الأعلى، لكن في يوم القيامة تسقط الدعاوى ولا أنساب بينهم يومئذ، من هنا يأتي التحديد والتخصيص لمن الملك اليوم وإن كان الملك لله ، تبارك وتعالى، ولكن هنا إذا سأل لمن الملك اليوم الكل يجيب، أو الحكاية عن ظاهر الحال وليس هناك سؤال وليس هناك جواب حيث هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء الكل محبوس في المحشر والموقف "لمن الملك اليوم" حكاية عن الحال الظاهرة، حال ظاهرة بغير سؤال وجواب، (يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌۭ ۚ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ (١٦)).
( ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۚ ) قول الله ، تبارك وتعالى، بعد الإقرار بواحدانيته وبقائه وملكه، (ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ ۚ ) بزيادة الثواب أو بزيادة عقاب أو بإنقاص ثواب، ليس هناك ظلم في ذلك اليوم ، إذن فالدنيا مليئة بالظلم ولكن دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى أن تقوم الساعة ، هناك تظالم في الدنيا لكن في يوم القيامة ليس هناك تظالم ولا ظلم فقد وقف الجميع أمام الملك العدل لا يملك أحدهم شيئا لأحد (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌۭ لِّنَفْسٍۢ شَيْـًۭٔا ۖ وَٱلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍۢ لِّلَّهِ (١٩)) [سورة الانفطار آية: ١٩]
(ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۚ ) من خير أو شر (لَا ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ (١٧)) فقد يتبادر إلى ذهن العباد حين يحاسب الله الخلائق، الأولون والآخرون في صعيد واحد حتى الوحوش تحاسب فيقتص من القرناء حين نطحت الجدعاء، حتى الوحوش يقتص ربنا ، تبارك وتعالى، من الظالم للمظلوم ثم يقال لها كوني ترابا، في ذلك اليوم حيث تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم، كل نفس تقف أمام الله، ليس بين العبد وبين الله ترجمان ولا تزول قدم ابن آدم حتى يسأل عن أربع فالكل مسئول، لا يسأل عما يفعل وكل ما عداه مسئول، متى ينتهي الحساب؟ متى ينتهي حساب الخلائق الذي لا عد لهم ولا حصر، متى؟ أيطول أم يقصر فلدفع توهم الطول ولهذا اليوم يقول الله ، تبارك وتعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ (١٧)) لا يشغله شأن عن شأن، غيره عن شأنه مشغول، أما هو فلا يشغله شأن عن شأن، ألا تراه قد رزق الخلائق جميعا في ساعة، نحن في هذه الدنيا ألوف وبلايين من الخلائق إنس وجن ووحش وطير وحشرات وهوام الكل مرزوق في ساعة واحدة وهو يرى ويسمع الكل في لحظة واحدة ، وهو يدبر الأمور كلها في ساعة واحدة، أمره بين الكاف والنون فحين يحاسب ربنا، تبارك وتعالى، العباد يحاسبهم جميعا في وقت واحد، فهو يحاسب الخلائق جميعا في وقت واحد حتى تحترس وتحترس مما خوفت منه ذاك عو الإنذار، فربنا ينذر معنى الإنذارأنه أعطانا المهلة حتى نتقي شر ما يحذرنا منه:
وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْـَٔازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍۢ وَلَا شَفِيعٍۢ يُطَاعُ ﴿18﴾
يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ ﴿19﴾
وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ﴿20﴾
هؤلاء الظالمون: (مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍۢ وَلَا شَفِيعٍۢ يُطَاعُ (١٨)) حيث يفر الناس ، يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ومن صاحبته وبنيه بل يود المجرم يومئذ لو يفتدي من العذاب بمن في الأرض جميعا ثم ينجيه، هنالك يهرب الأب من ابنه ويفر الابن من أمه والأم تصرخ يا ولدي ألم يكن حجري لك وطاء ألم يكن ثديي لك غذاء يا بني احمل عني فيقول إليك عني فإني عنك بأمري مشغول، يفر الابن من أمه، يفر الأب من ابنه، يفر الناس نعم في ذلك اليوم: (مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍۢ وَلَا شَفِيعٍۢ يُطَاعُ (١٨)).
(يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ (١٩) وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ (٢٠))، (يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ) تقديم وتأخير أي يعلم الأعين الخائنة التي خانت الأمانة ونظرت إلى ما حرم الله، أو يعلم خائنة الأعين أي خيانة العيون، وما هي خيانة العيون؟ قالوا هي استراق النظر إلى ما حرمه الله، مسارقة النظر، النظر إلى المحرمات خلسة حتى لا يراك الناس فأنت في وسطهم تغض البصر ثم تسترق النظر إلى ما حرمه الله قالوا هذا هو خيانة الأعين، وقالوا خيانة الأعين الغمز واللمز والسخرية من المسلمين ومن عباد الله ومن إخوانه (لَا يَسْخَرْ قَوْمٌۭ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًۭا مِّنْهُمْ) [سورة الحجرات آية: ١١]، (يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ (١٩)) يعلم الضمائر من هم بالمعصية أو عزم على طاعة أو كف عن محارم أو رغبة في الشهوات لو قدر عليها ، (يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ (١٩)) ليدلل ربنا، تبارك وتعالى، على أنه إذا حاسب حاسب حساب العالم، اليوم تجزى كل نفس بما كسبت حتى النظرة يحاسب عليها الإنسان.
وفي خائنة الأعين ورد حديث يساعد على فهم الآية كان هناك من الناس الذين هاجروا واتبعوا النبي ، صلى الله عليه وسلم، رجل يسمى عبد الله بن أبي السرح وكان يكتب الوحي لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد وفتن وعاد من المدينة إلى مكة وذهب إلى أهل مكة ليرضيهم ويزعم أنه كان يكتب الوحي لمحمد من تلقاء نفسه ويشكك المسلمين في الوحي والقرآن فأهدر النبي ، صلى الله عليه وسلم، دمه، وفي فتح مكة أمر النبي ، صلى الله عليه وسلم، بكف السلاح لكن من دخل بيته فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن وهكذا لكنه أباح دم أناس ثلاث على وجه التحديد منهم عبد الله بن أبي السرح الذي ارتد وكان كاتبا للوحي والذي نزل في شأنه القرآن (وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ) [سورة الأعراف آية: ١٧٥- ١٧٦ ]، أباح النبي دمه فجاء الرجل وذهب إلى عثمان وطلب منه الأمان فأراد عثمان أن يفعل معروفا فلثم الرجل حتى لا يظهر وجهه وأخذه وذهب إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم، بعدما اطمأن أهل مكة وذهب إليه ودخل عليه وهو جالس بين أصحابه والرجل ملثم وطلب عثمان الأمان لعبد الله بن أبي السرح وكشف اللثام وطلب عثمان الأمان له فصمت النبي ، صلى الله عليه وسلم، وصمت طويلا ثم قال نعم فأجاز الأمان وأمنه، وحين خرج التفت إلى أصحابه وقال: (أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْت يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ) فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله هلا أومأت إلي فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ أَعْيُنٍ).
(وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ ۖ ) إذا فكل قضاء يقضيه الله ، تبارك وتعالى، من حقه لأنه كان والكون عدم ومن حكم في ملكه فما ظلم إن شاء أدخل الناس الجنة وإن شاء أدخلهم النار، ولذا يقول الله ، تبارك وتعالى، (وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ ۖ ) فما من قضاء إلا وهو حقه لأنه الخالق المالك المدبر المهيمن العالم (والذين تدعون من دونه) قراءة (وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ ۗ ) تهكم ، هم دعوا من دون الله أصناما وأوثانا، العزىي ومناى الثالثى الأخرى وهبل وهكذا ) دعوا أصناما وأوثانا لا يقضون بشيء ولا يسمعون ولا يرون ولا يتحركون ولا يملكون نفعا ولا ضرا فهذا الكلام فيه تهكم لمن اتخذ الشركاء وتهكم لمن عبد الأصنام وسجد للأوثان (إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ (٢٠)) تأكيد لأمور:
الأمر الأول: أن الله ، تبارك وتعالى، يقضي بالحق لأنه سميع بصير، وعيد وتهديد شديد لكل الناس إن الله سميع بصير يسمع ويرى ما تفعلون وما تقولون خائنة اأعين وما تخفي الصدور، أيضا (إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ (٢٠)) بيان بأن الله ، تبارك وتعالى، الذي يرى ويسمع يقضي قضاء العالم بالظاهر والباطن ويتهكم بهؤلاء الذين اتخذوا من دونه شركاء لأنهم لا يسمعون ولا يبصرون ، (إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ (٢٠)).
إن الله ، تبارك وتعالى، لم يدع حجة لأحد، الآيات تلو الآيات، القرآن محفوظ إلى أن تقوم الساعة ، فيه من كل شيء والآيات الكونية موجودة لا تتبدل ولا تتغير المطر، الزرع والثمر والنهر والبحر والشمس والقمر (وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)) [سورة الذاريات آية: ٢١]، وكذلك الآيات القرآنية موجودة تتلى بين أظهرنا، بين أظهارنا القرآن وبين أظهرنا سنة سيد الأنام، أيضا يحذر ربنا ، تبارك وتعالى، وينذر ويقول لهؤلاء الذين اعتزوا بجمعهم واعتزوا بقوتهم وبأموالهم وتحزبوا على النبي ، صلى الله عليه وسلم، يهددهم ربنا، تبارك وتعالى، بمصير ليس بعيدا عنهم فيقول:
أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةًۭ وَءَاثَارًۭا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ ﴿21﴾
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَكَفَرُوا۟ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ قَوِىٌّۭ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴿22﴾
يقول الله ، تبارك وتعالى، لحبيبه المصطفى ، صلى الله عليه وسلم، معجبا ومحذرا لكفار قومه (أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةًۭ وَءَاثَارًۭا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ (٢١) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَكَفَرُوا۟ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ قَوِىٌّۭ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ (٢٢))
تحذير وتهديد ووعيد ، أيضا لفت النظر للقرون الماضية كيف كانت وجاء الكلام فيه إجمال ثم تترى الآيات مختارة لفئة من هؤلاء كمثال لمن تجبر في الأرض ومكر مكر السوء كيف أخذه الله وكيف كان عاقبة هؤلاء، يأتي المثال بفرعون الذي طغى في البلاد وأكثر فيها الفساد، الذي نادى في قومه مستخفا بعقولهم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ، هذا الذي بلغ من عتوه وتجبره أن نادى في القوم أنا ربكم الأعلى: يقول الله ، تبارك وتعالى:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍ ﴿23﴾
إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَقَـٰرُونَ فَقَالُوا۟ سَـٰحِرٌۭ كَذَّابٌۭ ﴿24﴾
ففرعون كان الملك كان مدعي الألوهية وهامان كان الوزير، وزير سوء، وأما قارون فرغم أنه كان من قوم موسى كان من بني إسرائيل إلا أن ماله وجاهه وسلطانه وكنوزه كل ذلك جعله يمالئ فرعون، وينافق فرعون ويعادي موسى وقومه، خرج من جلدته وانفصل عن قبيلته فضمه الله ، تبارك وتعالى، إلى هؤلاء العتاة، فرعون وهامان، حين جاءهم موسى بالبينات ، (فَقَالُوا۟ سَـٰحِرٌۭ كَذَّابٌۭ (٢٤)) تكلموا عن المعجزات واعتبروها من قبيل السحر، سحر أعيننا، واتهموه بالكذب على الله فقالوا ساحر كذاب:
فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا۟ ٱقْتُلُوٓا۟ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ وَٱسْتَحْيُوا۟ نِسَآءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ ﴿25﴾
(قَالُوا۟ ٱقْتُلُوٓا۟ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ وَٱسْتَحْيُوا۟ نِسَآءَهُمْ ۚ ) عتو تجبر فساد في الأرض ظلم، كان فرعون من قبل بعثة موسى يقتل الذكور من بني إسرائيل كلما ولدت امرأة منهم ولدا قتله مخافة أن يذهب ملكه على يد واحد من بني إسرائيل كما أخبره المنجمون ثم توقف عن القتل بعد ميلاد موسى وها هو يشير إلى إعادة القتل مرة أخرى لإرهابهم ولصدهم عن عقيدتهم ودينهم اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه (وَٱسْتَحْيُوا۟ نِسَآءَهُمْ ۚ ) أبقوا البنات للخدمة ، استحيوا نساءهم: امنحوهم الحياة وكأنه يحيي ويميت ، إمنحوهم الحياة حتى يسخرن للخدمة فيرد الله ، تبارك وتعالى، عليه وعلى غيره ممن كان على شاكلته، يقول الله ، تبارك وتعالى، (وَمَا كَيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ (٢٥)) إلا في خسران وهلاك (إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ (٢٥)) : إلا في خسران وهلاك (إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ (٢٥)) إلا في بعد وعدم توفيق وعدم وصول إلى النتيجة، ضل الشيء: غاب وانتهى، (وَمَا كَيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ (٢٥)) لأن الله ، تبارك وتعالى، شغلهم عن قتل أبناء المؤمنين بالآفات فسلط عليهم الجراد والقمل والضفادع والدم، سلطها عليهم فشغلهم كل آية تستمر أسبوعا وبين كل آية وآية مدة شهر يأخذهم ويتركهم لعلهم يرجعون أخذهم بالسنين ونقص من الثمرات كلما تأتيهم آية تزيدهم استكبار وعتوا ويقولون لموسى: (مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِۦ مِنْ ءَايَةٍۢ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)) [سورة الأعراف آية: ١٣٢]، عناد واستكبار غريب فيقول الله ، تبارك وتعالى، (وَمَا كَيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ (٢٥)).
ويفكر فرعون ولا يجد له مهربا ولا يجد له وسيلة ولا يجد له إلا أن يقتل هذا الداعي ، أن يقتل موسى ، والتعبير يأتي بأسلوب كأنه هم بالقتل فمنعه قومه وقالوا له يا فرعون إن قتلت هذا قيل إنك لم تستطع أن تواجهه وتواجه حججه قيل أنك قتلته خوفا منه ومن عقيدته أو قيل له إياك وإلا يدعو عليك ربه فيستجيب ربه فتهلك ويهلك ملكك ، وكأنهم قالوا له ذلك وكأنه استكبر فيعبر القرآن عن هذا فيقول:
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ ﴿26﴾
وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍۢ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ﴿27﴾
وَقَالَ رَجُلٌۭ مُّؤْمِنٌۭ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًۭا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًۭا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌۭ كَذَّابٌۭ ﴿28﴾
إن الله لا يهدي من هو مسرف في عناده كذاب في ادعائه مشيرا إلى فرعون. ثم يكرر ربنا النداء حرصا على قومه نصحا لهم
يَـٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ﴿29﴾
وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَـٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ ٱلْأَحْزَابِ ﴿30﴾
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًۭا لِّلْعِبَادِ ﴿31﴾
وَيَـٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ ﴿32﴾
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ ﴿33﴾
ونداء من العلي الأعلى (وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)) [سورة الأعراف آية: ٤٣]، نداءات متعددة، نداء الكفار في جهنم (يَـٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ ) [سورة الزخرف آية: ٧٧]، نداءات فسمي يوم التناد، وهناك نداء آخر حين يؤتي بالموت على هيئة كبش فيوضع بين الجنة والنار ثم يؤمر به فيذبح وينادي المنادي من قبل العلي الأعلى يا أهل الجنة خلود ولا موت يا أهل النار خلود ولا موت فقد ذبح الموت، نداء عند الميزان فإذا وزنت أعمال الكفار ورجحت السيئات نادى المنادي من قبل الله لقد شقي فلان بن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا وإذا وزنت الأعمال للمؤمنين فرجحت كفة الحسنات نادى المنادي لقد سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا نداءات (وَيَـٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ (٣٢)) وهناك قراءة أخرى قرئت بالتشديد (يوم التنادّ) بتشديد الدال من ند ، يند: فر ، يفر ، مضى على وجهه هاربا هل هناك يوم فيه هروب؟ قالوا نعم يوم ينفخ إسرافيل في الصور يوم ينفخ نفخة الفزع فإذا بالأرض كالسفينة في البحر تضربها الأمواج من كل مكان فتميد ويميد أهلها وتذهل المراضع وتضع الحوامل وتشيب الوالدان ، جينئذ يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، نعم يند الناس يفر الناس ولا مهرب كلا لا وزر ، أين المفر ، إلى ربك يومئذ المستقر، نعم إني أخاف عليكم يوم التناد، (يوم التنادّ).
(يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۗ ) تولون مدبرين يوم النفخ نفخة الفزع أو يوم القيامة حين يؤتى بهم إلى أبواب جهنم وفتحت حين جاءوها فإذا باللهيب ألسنة اللهيب تخرج وإذا بالشهيق إذا بالزفير سمعوا لها تغيظا وزفيرا، هنا يندون يفرون ولكن إلى أين؟ والسلاسل في أقدامهم يسحبون وبالمقامع يقرعون وبالملائكة الغلاظ الشداد يزجرون عودوا هذه جهنم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون، (وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ (٣٣)) من أضله الله فلا هادي يهديه لا في الدنيا ولا في يوم الفزع ولا على الصراط ولا في يوم القيامة، فما له من هاد، فما له من هاد يهديه إلى طريق الرشاد والسداد.
أيها الأخ المسلم: استمع الآن واتعظ وافهم واعمل قبل أن يقال لك واستمع يوم ينادي المناد من مكان قريب ، يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج ، استمع الآن لأن من سمع الآن لا يسمع في أخراه إلا كل طيب من الكلام تحيتهم فيها سلام فقد سلموا آذانهم في الدنيا من الإفك والزور والبهتان ومن لا يسمع الآن يحشر يوم القيامة على وجهه أعمى وحين يسأل لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى، نعم من يضلل الله فماله من هاد.
يحذرهم المؤمن ويذكرهم بالخالية وبالقرون الماضية ويبين ويدلل ثم يذكرهم بيوم التناد بيوم الفزع بيوم القيامة ثم بعد ذلك يعاتبهم ويوبخهم ويبين أمراض غاية في الخطورة ، أن القليد يجعل الأبناء في مصاف الآباء من حيث الكفر والإلحاد وأن كفر الآباء إذا قلدهم فيه الأبناء حاق بالأبناء ما يحيق بالآباء فيقول ذلك المؤمن الكيس الفطن:
وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّۢ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًۭا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌۭ مُّرْتَابٌ ﴿34﴾
ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍۢ جَبَّارٍۢ ﴿35﴾
(كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍۢ جَبَّارٍۢ (٣٥)) وقرئت بالتنوين (قلب متكبر جبار) ونسب الكبر والجبروت إلى القلب، وقرئت: (كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍۢ جَبَّارٍۢ (٣٥)) أي يطبع على قلب المتكبر، الشخص المتكبر الإنسان الجبار فيطبع الله على قلب المتكبرين، يطبع على قلوب الجبارين، أو الصفة للقلب: يطبع: يختم وإذا طبع الله على القلب أغلقه وختمه على الكفر فيه فلا يخرج منه الكفر ولا يدخل فيه الإيمان لأن الله ، تبارك وتعالى، يعذر وينذر ويرسل الرسل وينزل الكتب ويأتي بالآيات تلو الآيات ، وها هو المؤمن يناقش ويجادل بالحق وهم يجادلون بالباطل لكن الله ، تبارك وتعالى، إذا رأى من العبد استمرارا على الكفر واستكبارا عن الحق طبع على قلبه وكتبت له الشقاوة فمهما رأى من آيات لا يستجيب. (كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍۢ جَبَّارٍۢ (٣٥)) أو (كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار)، ونسب الكبر والجبروت إلى القلب لأن القلب هو موطن الكبر، لأن الله ، تبارك وتعالى، يقول (إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌۭ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ ) [سورة غافر آية: ٥٦]، إذا فالقلب موطن الإيمان ، القلب موطن التواضع لله ، القلب موطن الكفر والاستكبار أيضا، (كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍۢ جَبَّارٍۢ (٣٥)) إذا تجبر القلب وإذا استكبر طبع عليه.
أيها الأخ المسلم: ذاك مصداق لحديث لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم، يقول فيه (أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ)، نعم القلب ولذا يقول الله ، تبارك وتعالى: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌۭ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍۢ (٨٩)) [سورة الشعراء آية: ٨٨- ٨٩]، سليم من الشرك سليم من الكفر سليم من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق سليم من كل ما يغاير أمر الله ، تبارك وتعالى.
فتمضي بنا الآيات من سورة غافر تقص علينا قصة قمة الإيمان، تقص علينا قصة المؤمن، مؤمن آل فرعون، الذي كان يكتم إيمانه عن فرعون وقاية لنفسه وحرصا على إيصال النصح لقومه لأنه لو أعلن عن إيمانه من أول يوم ما استمعوا له، فكتم إيمانه وقاية لنفسه أيضا حرصا على استماع قومه لنصحه وكأنه منهم ، يجادلهم بالمنطق وبالحجة وبالبرهان، ذلك الرجل الذي آتاه الله ، تبارك وتعالى، من قوة البرهان ونصاعة البرهان ما يعد قمة من قمم الإيمان، أيضا يقص الله ، تبارك وتعالى، علينا قصة هي قمة في الكفر في الاستكبار في التكبر والتجبر، قصة فرعون، والكفر أنواع وأشد أنواع الكفر أن يجادل الكافر في آيات الله بغير سلطان للطعن فيها وللتشكيك فيها، أن يضل المرء فذاك كفر وأن يضل غيره فذلك منتهى الكبر والتجبر والاستكبار، نصح المؤمن قومه وبين لهم بالحجة والبرهان ثم حذرهم من عاقبة الذين من قبلهم وضرب لهم الأمثال بقوم نوح ، بقوم هود، بقوم صالح ، بقوم لوط، حذرهم يوم التناد، يوم القيامة، بين لهم ماذا حدث حين جاء يوسف كيف كذبوه ، كيف افترضوا الكذب فيمن يأتي من بعده.
بعد هذا البيان الناصع خاف فرعون أن يؤثر هذا الكلام في قومه، رأى نصاعة البرهان وقوة البيان، بدلا من أن يستمع لصوت الحق ، بدلا من أن يعمل عقله ، بدلا من أن يعود عن غيه بدأ يحاور ويداور بدأ ينافق ويناور بدأ في الإيهاء والتدليس والكذب على قومه، ماذا فعل فرعون بعد ذلك؟ استدعى صنوه في الكفر وشريكه في عداوة موسى، دعا هامان وقال:
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَـٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحًۭا لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَـٰبَ ﴿36﴾
أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍۢ ﴿37﴾
(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَـٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحًۭا لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَـٰبَ (٣٦)) الصرح: البناء العالي الظاهر، صرح الشيء: ظهر وصرح الشيء: أظهره، فهو يريد بناء عاليا ظاهرا على كل ما سواه من المباني، (لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَـٰبَ (٣٦)) الطرق الموصلة إلى السماء، الأسباب: الوسائل، السبب: كل ما يتوصل به إلى الشيء يسمى سببا، فها هو يريد أن يبلغ الأسباب وأبهم الأسباب (لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَـٰبَ (٣٦)) ثم أوضح ما أبهمه (أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ) وإبهام الشيء ثم إيضاح الشيء للتهويل وللتفخيم.
إذا فهو يهول على قومه ويفخم ما سوف يصنعه ، تهويل وإبهام ثم إيضاح، تفخيم لشأن هذا الصرح وشأن ما سوف يصل إليه، ترى أكان يريد رصدا للنجوم حتى يعرف منها إن كان موسى صادقا أم لا؟ أم أراد أن يطلع إلى الإله فعلا (لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَـٰبَ (٣٦) أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ) أي لعلي أبلغ الأسباب ثم أطلع بعد ذلك إلى إله موسى، وقرئت: (فأطلع إلى إله موسى ) والفرق بين الرفع والنصب يغير المعنى، "الرفع" أبلغ الأسباب ثم بعد ذلك أحاول أطلع إلى إله موسى أنظر إليه، أما إذا قرئت بالنصب كما قرأها القارئ (فَأَطَّلِعَ) فمعنى ذلك لعلي أبلغ الأسباب فأطلع فورا، أصل للاسباب وأطلع ليس فيها تراخي.
(أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًۭا ۚ ) أولا: منتهى الجهل من فرعون أن يعتقد أن الله ، تبارك وتعالى، له مكان، فقد ادعى هو الألوهية واعتبر أن الألوهية هو أن يجلس في مكان مشرف عال عن الناس مستكبرا عليهم بالمكان ينظر إليه الناس من أسفل فاعتقد أن الله ، تبارك وتعالى، له مكان في السماء فإذا صعد على الصرح وصل إليه ولم يدر أن الله ، تبارك وتعالى، كان قبل المكان والزمان، فسبحانه وتعالى، لا يحويه مكان ولا يحده زمان ، كما أنه جهل بأسباب الاستنباء، كيف يستنبئ الله ، تبارك وتعالى، أنبياءه، وما قدر الله حق قدره ، أكان جاهلا؟ أم كان عاندا عارفا بأنه يهول ويوهم قومه مستدرجا لهم كما فعل أحد كفار العصر الحديث حيث مكن الله ، تبارك وتعالى، لهم الأسباب فصعد في سفينة وطاف حول الأرض في مسافة لا تتعدى المسافة بين الأسكندرية إلى بنها أو إلى طنطا فزعم أنه بحث عن الله، تعالى، فلم يجده ، وأين هو من المسافات الشاسعة في الفضاء، فكذلك فرعون أراد أن يبلغ الأسباب، أسباب السموات، فيطلع إلى إله موسى ثم قال: (وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًۭا ۚ ) الظن يأتي بمعنى عدم ترجيح أحد طرفي الحقيقة عدم ترجيح الكذب عدم ترجيح الصدق، أكان شاكا في شأن موسى؟ أيدل هذا الظن الذي عبر عنه فرعون بأنه يشك في صدق موسى فأخذ بشكه وحكم بكفره بالشك أم أن الظن هنا بمعنى اليقين، وقد يأتي الظن بمعنى اليقين كقول الله ، تبارك وتعالى، (ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ) [سورة البقرة آية: ٤٦] أي يتيقنون (وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًۭا ۚ ) أي أنه متيقن من كذب موسى، أراد فرعون أن يثبت لقومه أنه لا يعادي موسى وإنما هو يشك في صدقه وها هو يبني الصرح حتى إذا اطلع فوجد إلها صدق موسى فإذا لم يجد إلها اندحضت حجة موسى، يقول الله ، تبارك وتعالى، (وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ)، (زين لفرعون سوءُ عمله ) كفره وإيهامه لقومه ومحاورته ومداورته، استدرج قومه استخفهم استطاع أن يكبت الإيمان الذي أوشك أن يظهر على ألسنتهم استطاع أن يستدرجهم ، زين له سوء عمله (وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۚ )
أيضا زين له الصد عن السبيل، أو وصد عن السبيل أي صده الله ، تبارك وتعالى، عن طريق النجاة أو (وصد عن السبيل) أي صد فرعون قومه عن سبيل الهدى.
(وكذلك زين)، (وكذلك زين)، (وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصدٌ عن السبيل)، (وصد عن السبيل) و(صد عن السبيل)، (وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ ﴿۳٦﴾) [سورة الزمر آية: ٣٦]، كما قال، الله تبارك وتعالى، لكن هنا ضلال فرعون ليس ضلالا فقط وإنما إضلال ومكر وخديعة وتهويل وإبهام لذا يقول الله، تبارك وتعالى، ردا عليه في هذا الكيد هذا الإبهام والتهويل: (وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍۢ (٣٧))، أي في خسران وفي ضياع وفي انقطاع وفي ضلال، (وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ)، الحيلة والمكر والإيهام والكذب والتدليس ، كل ذلك مصيره إلى التباب إلى الخسران إلى الهلاك، (وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍۢ (٣٧)).
وهنا خاف المؤمن على قومه ، خاف مؤمن آل فرعون على قوم فرعون من هذا التدليس والكذب فبدأ يعلن عن إيمانه، وبدأ يشرح ويوضح ويجاهد ويقول كلمة الحق أمام الحاكم الجائر مضحيا بنفسه في سبيل الله راغبا في هداية قومه ونصرة موسى:
وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَـٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ﴿38﴾
( يَـٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ ) أدلكم وأقودكم إلى سبيل النجاة سبيل الرشاد.
يَـٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَـٰعٌۭ وَإِنَّ ٱلْـَٔاخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَرَارِ ﴿39﴾
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةًۭ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ﴿40﴾
(فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ) أو (فأولئك يُدخَلون) (ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍۢ (٤٠)) فضلا من الله، من عمل سيئة لا يجزىي إلا بمثلها هذا هو العدل، من عمل صالحا وهو مؤمن يدخل الجنة ويرزق في الجنة بغير حساب أي لا يجازي ربنا الأعمال الصالحة بالعدل لا تساوي الثوابات الصالحات وإنما تزيد ويرفع الله الدرجات ويرفع الله المقامات فضلا منه، هؤلاء يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب، إذا بغير تقدير لأعمالهم ، بغير مساواة بين العمل الصالح وبين الثواب، بل يزيد الثواب زيادة فوق الخيال فضلا من الله، والتعبير هنا بالثواب والعقاب عن العمل وكون الإيمان حالا هو أن هذا الجزاء الواسع الذي بغير حساب بغير تقدير منك يا مؤمن وبغير حساب من الله فلا تنضب خزائنه وبغير محاسبهة بالعدل، وإنما فضل من الله واسع، كل ذلك يدل على أن الإيمان له ثواب فوق كل ما ذكر وأخفي عنا ثواب الإيمان لأن الله ، تبارك وتعالى، يتكلم عن العمل الصالح يجازى العامل الصالح بالجنة وبالرزق حال كونه مؤمن.
ترى ما جزاء الإيمان؟ لم يذكر إشعار بأن جزاء الإيمان فوق كل تعبير بالكلام.
ثم أعاد وكرر النداء محذرا:
وَيَـٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ ﴿41﴾
تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌۭ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّـٰرِ ﴿42﴾
لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُۥ دَعْوَةٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ﴿43﴾
فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ﴿44﴾
(وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّـٰرِ (٤٢)) هل أقام الدليل على ألوهية الله ، تبارك وتعالى؟ في كلامه هو نفى المعلوم ونفى الدليل ونفى العلم نقض للمعلوم وإشعار بأن الألوهية لا بد وأن يكون عليها برهان وأن الإيمان لابد وأن يكون عن إيقان فهل أثبت ذلك لله؟ نعم في قوله (وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّـٰرِ (٤٢))، (ٱلْعَزِيزِ): الغالب ، القاهر، ولكي يكون غالبا قاهرا لا بد وأن تكون له الإرادة والعلم، (ٱلْغَفَّـٰرِ (٤٢)) إذا فهو القادر على محو الذنوب، وطالما كان قادرا على رفع الذنوب فهو قادر على الانتقام وعلى التعذيب، (وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّـٰرِ (٤٢))، المستوجب للعبودية المستحق لصفات الألوهية فقد استوفت صفاته صفات الكمال من قوة وغلبة وقهر وقدرة على التعذيب وقدرة على الغفران، كل ذلك يتطلب ويستوجب العلم والإرادة وكل ذلك لا يكون إلا لله.
(لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُۥ دَعْوَةٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ (٤٣)) وصل إلى النتيجة، وصل بعد ذلك إلى النتيجة التي لا بد وأن يصل إليها العقل السليم، (لَا جَرَمَ) كلمة مكونه من "لا" و"جرم" هي كلمة واحدة مركبة تركيب"خمسة عشر" مبنية دائما وأبدا على الفتح (لَا جَرَمَ) معنى هذه الكلمة بعد التركيب معنى فعل أي حق وثبت، وجاءت كلمة لا جرم في القرآن في خمسة مواضع مركبة تركيب خمسة عشر تعنى حق وثبت، وممكن أن تكون "لا" منفصلة، "لا" النافية للجنس "وجرم" اسمها وما بعدها خبرها وجرم: قطع من الجرم: من القطع وهنا يصبح المعنى "لا جرم" أي لا قطع لدعوى عدم ألوهية هؤلاء يعني بذلك لا يأتي وقت تنقطع فيه دعوى عدم ألوهيتهم وتصبح الألوهية حقا لهؤلاء الشركاء.
(أَنَّمَا تَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُۥ دَعْوَةٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ) أي ليس له دعاء مستجاب ، إذا فلا تشفع لا في الدنيا ولا في الآخرة، أو (لَيْسَ لَهُۥ دَعْوَةٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ) أي لا يقبل له دعاء من الله ، تبارك وتعالى، أو (لَيْسَ لَهُۥ دَعْوَةٌۭ) يقام عليها الدليل بأنه إله من دون الله، هل هناك دليل على ألوهية فرعون؟ هل هناك برهان على أن فرعون مستوجب العبادة مستحق للحمد؟ هل ينفع ويضر؟ هل يحي ويميت؟ (وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ) القادر الخالق الذي أنشأنا من العدم لا بد وأن نعود إليه وقد مات من قبلنا ، الأحزاب، قوم نوح قوم هود قوم صالح قوم لوط، الذين ذكرهم بهم، هؤلاء أين ذهبوا؟ أين ذهب آباؤكم الذين ما زالوا في شك من دعوة يوسف؟ أين هم؟ لا جرم أن مردنا إلى الله (وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ (٤٣)) المسرفين في الطغيان والضلال المتجاوزون لحدود الله السفاكون للدماء والجبارون في الأرض ، هؤلاء المسرفون (هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ (٤٣)) هم أصحاب النار، إذا فقد خلقت لهم وكأنها ملكا لهم وكأنهم ملازموها لا ينفكون عنها.
(فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ (٤٤)) فقد هددوه إذا فقد توعدوه، حين يقول (فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ ۚ ) (ما) موصولة أي فستذكرون قولي هذا، أو (ما) بمعنى الذي أي فستذكرون الذي قلته لكم، سيذكر بعضكم بعضا بهذا الكلام ، سوف يأتيكم هذا الكلام في يوم ما وتعرفون أني كنت صادق (وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ ) إذا فحين أعلن عن إيمانه هموا بقتله وهددوه بذلك وتوعدوه واستعد هو لذلك حتى أنه فوض أمره إلى الله، واعتبر أن المسألة انتهت بينه وبينهم في هذه الدنيا وأن اليوم آت لا محالة يذكرون قوله ولن يكون هو موجودا هددوه توعدوه هل قتلوه؟ (وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ ) : أترك له أموري جميعها يتصرف فيها كيف شاء من حياة وإماتة ومن نصر ومن ، ومن، (إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ (٤٤)) يرى ويسمع (إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ (٤٤)) عالم بهذا الحوار بيني وبينكم ، عالم بما قلته عالم بما رددتم، عالم بكل شيء يفعل ما يريد، (إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ (٤٤)) فهل قتلوه؟ أبدا ، رغم هذا التجمع الرهيب، رغم هذه السلطة القاهرة لفرعون، رغم هذا الجبروت الذي جعله ينادي في الناس "أنا ربكم الأعلى" ، رغم الإرهاب رغم هؤلاء القوم الذين سجدوا له وعبدوه من دون الله، وما ارتفع صوت يعارض غير صوت هذا المؤمن لكن الله ، تبارك وتعالى، يؤيد بنصره من يشاء فيقول الله ، تبارك وتعالى:
فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُوا۟ ۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرْعَوْنَ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ ﴿45﴾
ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّۭا وَعَشِيًّۭا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ ﴿46﴾
أيها الأخ المسلم: عذاب القبر حق ثابت بالقرآن والسنة فإياك أن تنكر ذلك ها هو ربنا ، تبارك وتعالى، يقول: (ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّۭا وَعَشِيًّۭا ۖ ) (وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ) إذا ذاك شأن آخر، (وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ (٤٦)) يقال لهم ذلك (ادخلوا آل فرعون أشد العذاب) أي ينادي ربنا ملائكة العذاب زبانية جهنم (أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ (٤٦))، إذا كان آل فرعون، قومه، يدخلون أشد العذاب ترى أين هو؟ وأين يدخل زعيمهم في الضلال والكفر؟ ادخلوا آل فرعون قوم فرعون ادخلوا أشد العذاب، إذا فهناك أشد الأشد هنا الأشد الذي يستحقه فرعون فإذا كانوا هم يدخلون أشد العذاب فزعيمهم في الضلال والإضلال أولى بذلك (وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ (٤٦)).
أيها الأخ المسلم: حوار دار بين رجل وبين قومه، حوار دار بين مؤمن وبين كافر ، حوار في الكلام دار بين هذا المؤمن، قمه في الإيمان، وبين قمة الكفر، كلام وحدث وقصة أين هم الآن؟ أين المؤمن وأين فرعون؟ أين من تبعوا موسى وأين من تبعوا فرعون، انتهت الحياة منذ آلاف السنين ومع ذلك، منذ آاف السنين انتهت حياتهم ومع ذلك، فمنهم من هو منعم في قبره ومنهم من هو معذب في قبره وكما صدق وقال الصادق المصدوق: (الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ) وإذا كان القبر هذا تراه وهناك قبر لا تراه أو كان الرجل قد أكلته السباع أو تفرق في حواصل الطيور فمن أنشأه من العدم قادر على جمعه وخلق قبر له يعذب فيه والله ، تبارك وتعالى، فقال لما يريد.
أيها الأخ المسلم: استعاذ النبي ، صلى الله عليه وسلم، من عذاب القبر معلما إيانا سانا ذلك لنا: (أَعوذُ بِك مِن عَذاب جَهنَّم وأَعوذُ بِك مِن عَذاب القَبر، وأعوذُ بِك مِن فِتنةِ المَسِيح الدَّجال، وأَعوذُ بِك مِن فِتنةِ المَحيَا والمَمَات وأَعوذُ بِك مِن فِتنَة القَبِر).
فتنتهي قصة المؤمن مع آل فرعون ، تلك كانت قصتهم في الدنيا ويحكي لنا الله ، تبارك وتعالى، باقي القصة في الآخرة، في الدنيا عرفنا كيف كان الحوار ، كيف كان الحق والباطل ، كيف كانت حجة المؤمن ظاهرة وكيف كانت حجة فرعون واهية، ثم حكى لنا ماذا يفعلون الآن، هم الآن يعرضون على النار غدوا وعشيا ، ترى ماذا يفعلون يوم القيامة؟ يقول الله ، تبارك وتعالى:
وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِى ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًۭا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلنَّارِ ﴿47﴾
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُلٌّۭ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ ﴿48﴾
وكثيرا ما نذكر بعضنا بعض بالآيات وكأننا نسمعها لأول مرة، هؤلاء في جهنم في النار يعذبون بالنار ويستغيثون بعضهم ببعض فلا تغني عنهم استغاثتهم شيئا، هؤلاء المستكبرون يقولون: (إِنَّا كُلٌّۭ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ (٤٨))، يصبروا لعل الصبر ينفعهم فلا يغني عنهم فيقولوا: (سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍۢ (٢١)) [سورة إبراهيم آية: ٢١] يلقى عليهم الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، لون من ألوان العذاب، عذاب النار ولهيب النار والأسى والندم وكل ذلك، إذا بالجوع يهاجمهم فيتعذبون بالجوع أشد من عذابهم من النار فيستغيثون من الجوع فيغاثون بضريع لا يغني ولا يسمن من جوع يقول الله، تبارك وتعالى إن طعام هؤلاء: (مِن ضَرِيعٍۢ (٦) لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِن جُوعٍۢ (٧)) [سورة الغاشية آية: ٦- ٧]، فحين يأتيهم الضريع يأكلون ويأكلون بغير شبع، يأكلون ويأكلون بغير كفاية، يأكلوا كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم، فيستغيثون من الضريع فما أغنى عنهم وما أسمن فيغاثون بطعام ذي غصة (إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالًۭا وَجَحِيمًۭا (١٢) وَطَعَامًۭا ذَا غُصَّةٍۢ وَعَذَابًا أَلِيمًۭا (١٣)) [سورة المزمل آية: ١٢- ١٣] يغاثون بعد الضريع بطعام ذا غصة يأكلونه فيغصون به، يقف في الحلق لا يدخل ولا يخرج، فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يزيلون الغصص بالماء كما نفعل في الدنيا، إذا أكل الإنسان ووقفت اللقمة في حلقه أدرك نفسه بالماء فتزول الغصة يذكرون أنهم كانوا في الدنيا يزيلون الغصص بالماء فيستغيثون بالشراب فإذا بالكلاليب تأتي حاملة لأوعية الحميم، الكلاليب التي في جهنم الخطاطيف تأتيهم حاملة لهم أوعية الشراب فإذا هموا بها واقتربوا منها شويت منهم الوجوه (يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ ۚ ) [سورة الكهف آية: ٢٩]، آيات شويت الوجوه ورغم ذلك ورغم أن الوجوه تشوى من هذا الحميم الماء البالغ الغاية في الحرارة أو هو مهل يوافون بمهل صديد أهل النار السائل من جروحهم وقروحهم ، يؤتى بالأواني تحمل بالكلاليب يهمون فإذا وجوههم تشوى، ومع ذلك من شدة الغصة (فَشَـٰرِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ (٥٥) هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ (٥٦)) [سورة الواقعة آية: ٥٥- ٥٦] فإذا دخل الحميم في أمعائهم في أجوافهم قطع أمعاءهم قطع ما في بطونهم ولا يموتون (لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا۟ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ ) [سورة فاطر آية: ٣٦]، تقطع أمعاءهم كما قال عنهم الله ، تبارك وتعالى، في سورة محمد وكل هنا وارد في القرآن في الآيات.
تلك استغاثتهم وذاك ما يغاثون به وهنا بعد كل ذلك لا يجدوا مفرا من الاستغاثة بالزبانية، وانظر كيف يستغيث المعذب بالمعذب، يستغيثون بزبانية جهنم الذين يعذبونهم:
وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًۭا مِّنَ ٱلْعَذَابِ ﴿49﴾
قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۚ قَالُوا۟ فَٱدْعُوا۟ ۗ وَمَا دُعَـٰٓؤُا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ ﴿50﴾
يبشر الله نبيه ، صلى الله عليه وسلم، بعد أن قص عليه قصص الكفار من الأمم السابقة وضرب مثلا بفرعون وقومه كيف كان حالهم في الدنيا كيف أغرقهم ودمر ما كانوا يعرشون، كيف هم في حياة البرزخ يعرضون على النار غدوا وعشيا، كيف هم يوم تقوم الساعة يدخلون أشد العذاب كيف حالهم وهم في النار يستغيثون ولا يغاثون يأكلون الضريع تارة ويأكلون طعاما ذا غصة تارة، يغاثون بماء كالمهل يشوي الوجوه فإذا دخل إلى أجوافهم قطع أمعاءهم، صبروا فما أجدى معهم الصبر، جزعوا فما أجدى عنهم الجزع، استغاثوا بخزان النار فما أغاثوهم، طلبوا الدعاء فرفض الملائكة الدعاء فما أذن لهم فدعوا (وَمَا دُعَـٰٓؤُا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ (٥٠)).
بعد أن قص الله ، تبارك وتعالى، ذلك كله على نبيه ، صلى الله عليه وسلم، يبشره ويبشر أمته فيقول عز من قائل:
إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ ﴿51﴾
يَوْمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ﴿52﴾
(وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ (٥١)) الأشهاد: جمع شاهد كصاحب وأصحاب، أو هي جمع شهيد كشريف وأشراف، والأشهاد في يوم القيامة أربعة: الملائكة، الكتبة، الحفظة، والأنبياء حيث يشهدون على أممهم والمؤمنون حيث يشهدون كذلك والأجساد حيث يختم الله ، تبارك وتعالى، على الأفواه ، وتكلمه أيديهم وأرجلهم وتشهد جلودهم عليهم فالأشهاد أربعة.
(يَوْمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ ) إما أن يعتذرون فلا يقبل منهم اعتذار وإما أنه لا يؤذن لهم أصلا في الاعتذار لأن الله ، تبارك وتعالى، يقول في شأنهم لا يستعتبون ولا يؤذن لهم فيعتذرون.
(يوم لا تنفع الظالمين معذرتهم)، (يَوْمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ ) قراءتان بداهة من أخطر ما يصاب به هؤلاء وأبأس البؤس يحدث لهم أنهم يبدأون بالاستغاثة بالله ، تبارك وتعالى، وحين يستغيثون بالله ، تبارك وتعالى، ويقولون لله ، تبارك وتعالى، (أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ (١٠٧)) [سورة المؤمنون آية: ١٠٧] ذاك نوع من أنواع الاعتذار أو هو من قبيل الاستعتاب فإذا بالنداء يأتيهم من قبل العلي الأعلى: (قَالَ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)) [سورة المؤمنون آية: ١٠٨]، آخر عهدهم بكلام الله ، تبارك وتعالى: (قَالَ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)) [سورة المؤمنون آية: ١٠٨]، إذا فذلك يوم لا ينفع الظالمين فيه معذرتهم.
(وَلَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ (٥٢)) اللعن: الطرد من الرحمة وهذا ما حدث لإبليس حيث قال له الله ، تبارك وتعالى، (وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ (٣٥)) [سورة الحجر آية: ٣٥]، فطرده الله ، تبارك وتعالى، من الرحمة، وتخيل أن رحمة الله ، تبارك وتعالى، وسعت كل شيء فإذا لم تتسع للكافر خسر خسرانا مبينا، فاللعن الطرد، وها هم يحدد ربنا ، تبارك وتعالى، مصيرهم فيقول: (وَلَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ (٥٢)) جهنم وبئس القرار أسوأ دار يسكنها مخلوق جهنم، جهنم التي استغاثت نار الدنيا منها ، بل التي استغاثت هي من نفسها والتي يقول النبي ، صلى الله عليه وسلم، في شأنها ( لو نزلت منها قطرة على الدنيا بأسرها لدمرتها وحرقتها) ، نعم (وَلَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ (٥٢)). ومن دلالات النصر مثال يضربه الله ، تبارك وتعالى، ويقول:
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ ﴿53﴾
هُدًۭى وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ﴿54﴾
(وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ) التوراة وكل ما يهدي إلى الله (وَأَوْرَثْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ (٥٣)) بني إسرائيل الذين آمنوا بموسى واتبعوه، الكتاب: التوراة، نزلت من السماء كاملة مكتوبة ورثوها (هُدًۭى وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ (٥٤)) أي الكتاب هاديا ومذكرا التوراة الكتاب هديا ومذكرا. ويلتفت الخطاب للنبي ، صلى الله عليه وسلم، يقول الله ، تبارك وتعالى، له:
فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ ﴿55﴾
مما يستغفر في آخر حياته وقد غفر له؟ إذا فالأمر بالاستغفار ما هو إلا تعبد تعبده الله به، ففائدة هذا التعبد بالاستغفار أولا رفعة الدرجات، وثانيا أن يسن لقومه وأمته وللمؤمنين الاستغفاروإلا لو لم يستغفر النبي ، صلى الله عليه وسلم، أنى لنا أن نعرف صيغ الاستغفار؟ أنى لنا أن نعرف كيف نستغفر؟ حين يقول: (وَإِنِّى لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِى الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ) هل ارتكب مائة ذنب وإنما حين يحدثنا بذلك يحضنا على الاستغفار فهو المعصوم ولسنا بمعصومين، (وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ) أمر أمر تعبدي صرف كالصلاه لرفعة الدرجات له، صلى الله عليه وسلم، وليسن لأمته الاستغفار.
(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ (٥٥)) العشي من بعد صلاة العصر حتى غروب الشمس، الإبكار: الصباح الباكر من الفجر إلى شروق الشمس.
قال بعض الناس السورة، سورة غافر والتي نحن بصددها مكية نزلت بمكة ما عدا آيتان نزلتا بالمدينة أولهما، أول الآيتين (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ (٥٥)) نزلت بالمدينة حيث فرضت الصلوات الخمس بالمدينة وتصبح الآية مشيرة إلى صلاة الصبح وصلاة العصر، وقال بعض الناس بل الآية مكية كباقي السورة وقد كان بمكة صلاة قبل فرض الصلوات الخمس وقد صلى النبي ، صلى الله عليه وسلم، بالأنبياء في المسجد الأقصى قبل أن تفرض الصلاة وكان بمكة صلاتان صلاة بالغداة ركعتان وصلاة بالعشي ركعتان فحين يقول: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ (٥٥)) مشيرا إلى الصلاتين التي كانتا بمكة قبل فرض الصلاة.
وقال بعضهم بل الآية عامة لا تتعلق بالصلاة بمكة ولا تتعلق بالصلاة بالمدينة بل الآية عامة يأمر الله ، تبارك وتعالى، حبيبه المصطفى ، صلى الله عليه وسلم، أن يداوم على تنزيه الله ، تبارك وتعالى، من كل ما لا يليق بجلاله وكماله وأن يحمد الله ، تبارك وتعالى، في كل أوقاته، ولذا حدثتنا السيدة عائشة، رضي الله عنها، وقالت: (كَانَ النَّبِىُّ، صلى الله عليه وسلم، يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ).
(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) أي نزهه، التسبيح من السباحة والسباحة: السير بسرعة في الماء أو في الهواء، ومعنى التسبيح الإسراع بتنزيه الله عما لا يليق، إذا فسبح بحمد الله أي نزهه متلبسا بالحمد منزها لله ، تبارك وتعالى، عن كل ما لا يليق حامدا له، وكان النبي ، صلى الله عليه وسلم، دائما أبدا يتأول هذه الآية ويسبح حامدا فيقول "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ" وتأتي الآية الأخرى التي قيل أنها مكية وقيل بل هي مدنية دون باقي السورة.
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۙ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌۭ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ﴿56﴾
(إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۙ) بغير كتاب سماوي ، بغير حجة ، بغير برهان، بغير وحي بغير تأييد من الملائكة أو السماء، بالتقليد بالهوى فقط بالعناد، ويصف ربنا، تبارك وتعالى، الدافع لهم على ذلك فيقول (إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌۭ) ثم ييئسهم ويقضي عليهم فيقول (مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ ) الكبر أن يستشعر الإنسان في نفسه أنه أعظم من غيره ويرفع نفسه عن مقامها ويزكي نفسه ويصف نفسه بما لا يستحق، الكبر أن يغمط الحق ، أن يتطاول الإنسان على الناس ، الكبر ضد التواضع ، الكبر لا يكون بحق إلا للمتكبر المطلق ، هو الله لأنه لا كبير يساويه ولا كبير يدانيه فهو المتكبر بحق وكل متكبر من الناس متكبر بالباطل، (إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌۭ) لأنهم، إن كانت الآية مكية، فالكلام عن مشركي مكة قالوا كيف يبعث الله هذا الرسول الفقير اليتيم الذي لا يعرف القراءة والكتابة (وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)) [سورة الزخرف آية: ٣١]، أرادوا أن يكونوا هم أصحاب الرسالة والنبوة اعتقدوا في أنفسهم أنهم المستحقون لهذا ولذاك الفضل وأن محمدا غير مستحق، ذاك الكبر لم يوصلهم إلى شيء ، قالوا له يتبعك الفقراء والعبيد ونحن أشراف وأغنياء وزعماء لقومنا اصرف هؤلاء الفقراء والعبيد ونحن نجلس إليك، لم يقبلوا التسوية بين الناس فالناس سواسية كأسنان المشط (كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ)، لم يقبلوا ذلك أرادوا العلو والاستكبار على غيرهم من الناس أرادوا ذلك وما قبلوا أن يسوي بينهم الإسلام وبين العبيد فيسوي بين أميه بن خلف وبين بلال ، وبين عقبة بن أبي معيط وبين صهيب، رفضوا ذلك تكبروا، هذا هو الذي دفعهم للجدل في الآيات بالباطل وتكذيب النبي ، صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغوا بتكذيبهم ما يريدوه من علو الشأن، لذا يقول الله ، تبارك وتعالى، (مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ) فهل تكذيبهم للنبي ، صلى الله عليه وسلم، أوصلهم للعز؟ أوصلهم للشرف؟ أوصلهم للرياسة؟ نعم (إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌۭ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ ) وإن كانت الآية نزلت في المدينة فالكلام عن اليهود الذين تعنتوا وبدأوا يسائلون النبي ، صلى الله عليه وسلم، ويؤلفون ويخترعون له معضلات ويرسلون الناس فيسألوه ويشككوا المسلمين بالمدينة فيسألوهم ، سلوه عن الساعة ، سلوه عن كذا ، سلوه عن كذا جدل بالباطل، فالكلام عن اليهود الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم (إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌۭ)؟ ما هو ذلك الكبر؟ أنهم قالوا نحن شعب الله المختار ، أنهم قالوا نحن أحباب الله وأبناؤه ، أنهم قالوا ما ينبغي لرسول أن يبعث إلا إن كان من بني إسرائيل ، ذلك أنهم قالوا نحن ننتظر نبي آخر الزمان، ذاك هو عيسى الذي تمشي وتسير معه الأنهار ويرد إلينا ملكنا الذي ضاع، ذاك هو كبرهم ما هم ببالغيه فنبينا ، صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء وخاتم المرسلين العربي القرشي الأمي هو النبي ، صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء في صدورهم كبر ما هم ببالغيه أي لن يبلغ بهم كبرهم ما يريدون ولم يصلوا إلى هدفهم.
وقال بعض الناس سواء نزلت الآية بمكة أو نزلت بالمدينة، والخلاف في هاتين الآيتين فقط (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ ﴿٥٥﴾) وهذه الآية، (إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۙ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌۭ) قال هؤلاء بغض النظر عن نزول الآيات بمكة أو بالمدينة الآية عامة لكل من يجادل في آيات الله بغير سلطان الكلام يعمه (إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌۭ) لأن المجادلين في آيات الله بغير سلطان أتاهم موجودون إلى أن تقوم الساعة ، وحتى يومنا هذا تؤلف الكتب من كتاب الشرق وكتاب الغرب الكفار ما يطعنون به في الإسلام وفي نبي الإسلام، إذا فالآية في كل من يجادل في آيات الله بغير سلطان (إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌۭ) إذا فالنجاة من هؤلاء أن يلجأ الإنسان إلى الله ، تبارك وتعالى، فهو خير ملتجأ، استعذ بالله دليل على أن النجاة من أذى المشركين ومن جدل المجادلين هو الاستعاذة بالله وليس مجاراة هؤلاء السفهاء فيما يفعلون، هم يجادلون بالباطل فاستعذ بالله لأن مجاراتهم في هذا الجدل ممنوعة، وربنا ، تبارك وتعالى، يقول (وَلَا تُجَـٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَٰحِدٌۭ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ (٤٦)) [سورة العنكبوت آية: ٤٦]
(فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ ) من أذي المشركين بمكة ، (فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ ) من مكر اليهود بالمدينة (فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ ) من كل من كان هذا شأنه، (إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ (٥٦)) تذكرون في هذه السورة قول مؤمن آل فرعون وقول موسى وحين هدد فرعون موسى وهدد بالقتل قال موسى (وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم) [سورة غافر آية: ٢٧]، مؤكدا كا قلنا أن النجاة والسبب المؤكد للنجاة من أي شر هو الالتجاء إلى الله ، هو العياذ بالله وأن تستعيذ بالله معنى ذلك أنك تلتجأ إليه كي يمنع عنك كل أذى ويمنع عنك كل شر، هذا هو الاستعاذة، الاستعاذة والعياذ أن يعيذك الله، تبارك وتعالى أي يحميك وينجيك من كل ما تخاف (إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ (٥٦)) السميع بمكرهم البصير بأفعالهم فيجازيهم عليها، وإن كانت الآية وصف لله ، تبارك وتعالى، بأنه سميع بصير إلا أن الآية فيها تهديد وفيها وعيد حين يقول (إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ (٥٦)) إذا طالما سمع وأبصر لا بد وأن يؤاخذ لا بد وأن يحاسب لا بد وأن يعاقب، فالآية وإن كانت تصف الله ، تبارك وتعالى، بصفاته الحسنى إلا أنها تهديد لهؤلاء المجادلين (إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ (٥٦)).
ثم تساق الأدلة ، ستة أدلة على وحدانية الله ، تبارك وتعالى، وعلى قدرته وعلى نفاذ مشيئته في خلقه فيقول الله ، تبارك وتعالى:
لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿57﴾
وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَلَا ٱلْمُسِىٓءُ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَتَذَكَّرُونَ ﴿58﴾
إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌۭ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿59﴾
وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴿60﴾
وقال بعضهم بل الدعاء هنا هو الدعاء أي هو السؤال (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ) عن الالتجاء إلي ، عن الدعاء، عن السؤال، لأن الله إذا لم يسأله عبده غضب عليه، ابن آدم إذا أكثرت عليه السؤال غضب منك وتحاشاك وأشاح عنك، أما الله ، تبارك وتعالى، إذا لم تسأله غضب عليك وكلما سألت رضي الله عنك، (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ) يترفعون (عَنْ عِبَادَتِى) عن دعائي والالتجاء إلي (سَيَدْخُلُونَ) قراءة (سيُدخلون) قراءة أخرى (جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)) دخر: صغر وذل، أدخره: أذلة هؤلاء يدخلون جهنم أذلاء صاغرين.
أيها الأخ المسلم: يقول النبي ، صلى الله عليه وسلم، ( أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا للأنبياء: فضل أمة محمد لا يعدله فضل، كان الله ، تبارك وتعالى، إذا بعث النبي قال له ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة ادعوني أستجب لكم، وكان الله ، تبارك وتعالى، إذا بعث النبي قال له ما جعلت عليك في الدين من حرج وقال الله ، تبارك وتعالى، لأمة محمد ، صلى الله عليه وسلم، ما جعل عليكم في الدين من حرج، وكان الله ، تبارك وتعالى، إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه جعلت أمة محمد شهداء على الناس حيث قال ربنا ، تبارك وتعالى، (لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ) [سورة البقرة آية: ١٤٣]، ثلاثا أعطاها الله ، تبارك وتعالى، لأمة محمد لم يعطها إلا للأنبياء، ومن عجيب أن الأمم السابقة كانت تلجأ إلى الأنبياء في سؤالها لحاجتها فكانت الناس تفزع إلي النبي من الأنبياء كي يسأل لهم ما يريدون فيدعوا النبي من الأنبياء ربه لقومه ولما سأله قومه، أما في أمتنا هذه فليس بين العبد وبين الله حجاب وقد وضح نبينا ، صلى الله عليه وسلم، ذلك وقال: (لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ) ، إذا انقطع منك رباط الحذاء سل الله ، تبارك وتعالى، أن يأتيك بغيره، حتى هذا، إذا معنى ذلك أن الله ، تبارك وتعالى، ليس يدعى في الكبائر وعظائم الأمور ويغفل عنه في الصغائر بل ادع الله ، تبارك وتعالى، في العظيم من الأمور وفي الحقير من الأمور ، في كل شيء ، سله الرزق وسله الستر وسله الإيمان وسله الخاتمة بالإحسان وسله صلاح الأولاد وصلاح الأهل وسله أيضا أن تأكل وأن تشرب وأن تشبع وسله الجلباب وسله كل شيء ، حتى إذا انقطع رباط الحذاء فقل اللهم ارزقني غيره أفضل وأحسن منه (لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ، رباط، نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ).
ومن عجيب أن الأمور دائما قد تأتي مشروطة كقول الله ، تبارك وتعالى، (وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ) [سورة البقرة آية: ٢٥]، فشرط العمل الصالح، ها هنا أمرك ربك بالدعاء ووعدك الإجابة ولم يجعل بينهما شرطا فقال: (ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ ) بغير شرط، لم يشرط شيئا، ليس بين الأمر والإجابة شروط، (ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ ) مجرد الدعاء مجرد أن ترفع يديك إليه وتطلب يعطيك هكذا قال الل وصدق الله (ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ )، ادعوه وأنتم موقنون بالإجابة.
أيها الأخ المسلم: قد يتساءل بعض الناس كثيرا ما دعوت الله ، تبارك وتعالى، ولم يستجب لي ، وهذا حادث، يدعو لابنه بالنجاح فإذا بالولد قد رسب ، يدعو لابنته بالزواج فإذا بها لا تتزوج ، يدعو لنفسه بالشفاء إذ بالمرض يزداد كثيرا ما يحدث كثيرا، كيف والله ، تبارك وتعالى، يقول: (ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ ).
ولم يشرط شروطا، وإن كان بعض الناس قال: أنه من قبيل المطلق الذي قيد وقالوا: إن التقييد جاء في قول الله ، تبارك وتعالى، (فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ) [سورة الأنعام آية: ٤١]، إذا فهو من قبيل المطلق الذي قيد كقوله ، تبارك وتعالى: (وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ) [سورة البقرة آية: ٢٥] فشرط العمل الصالح لكنه في موضع آخر قال: (وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ ) [سورة يونس آية: ٢]، ولم يشرط، إذا فهو من قبيل المطلق الذي يقيد، وإن قد قالوا ذلك إلا أن النبي ، صلى الله عليه وسلم، قد أوضح لنا الأمور وليس بعد قول النبي ، صلى الله عليه وسلم، مقالة وليس بعد شرحه شرح، يبين لنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، سر الدعاء والاستجابه فيقول ، صلى الله عليه وسلم، مبينا لنا أن العبد إذا سأل الله ، تبارك وتعالى، شيئا لا بد وأن يجاب وقال لنا:(إِنَّ اللَّهَ حَيِىٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِى إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ)، بل ويقول الله ، تبارك وتعالى، (أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) [سورة النمل آية: ٦٢]، وقد يكون المضطر كافرا ومع ذلك يجيبه وضرب لنا الأمثال: حتى إذا ركبوا في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وبعد ذلك جاءتها ريح عاصف وأوشكوا على الغرق وخافوا: (دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ )[سورة يونس آية: ٢٢ -٢٣]، ألم يكن يعلم؟ بلى يعلم، ألم يكن يعلم أنهم سوف يرتدون وأنهم كاذبون؟ يعلم، لم نجاهم؟ لأنهم التجأوا وإليه واضطروا إليه ونسوا ما كانوا يدعون إليه من قبل، فدعوه موحدين مخلصين له الدين فأجابهم رغم أنه يعلم أنهم سوف يعودون إلى الكفر، لذا يقول الله ، تبارك وتعالى: (أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) [سورة النمل آية: ٦٢]، نعم من يكشف الغم والكرب، من يفصل بين المشغول والشاغل ، من يشفي المريض ، من يرعى الجنين في بطن الحوامل، من يكلأ الناس وهم نيام وهل لحمايته بدائل، هو الله، ولكن الإجابة تأتي على ثلاثة أنواع، فإذا سأل العبد الله شيئا وكان قد قدر من الأذل أن يحدث المطلوب أعطاه الله ما سأل، تلك أول أنواع الاستجابة وهي أدناها أن تجاب لما تطلب لأنك يا مسكين لا تدري أين الخير (وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ ) [سورة البقرة آية: ٢١٦] وقد تطلب من الله شيئا فيه حتفك وهلاكك، لذا كان من خير الدعاء ألا يحدد الإنسان مطلبا بل يقول: خر واختر لي واختر لي الخير كله وأرضني به، هو يعلم وأنت لا تعلم والله يعلم وأنتم لا تعلمون، فأدنى أنواع الاستجابة أن تمنح وتعطى ما سألت.
النوع الثاني: أن يصرف ربنا ، تبارك وتعالى، شرا يساوي ما طلبت من خير فلو أن عبدا سأل الله ، تبارك وتعالى، مائة دينار ولم يستجب له ربه من حيث إعطائه لا بد وأن يستجيب بأسلوب آخر يصرف عنه شر يعادل ما سأل فتجد أنه كان مكتوبا أو مقدرا عليك أن يمرض ابنك وتأتي إليه بالأطباء ويصرف له الدواء وتنفق من مالك مائة دينار حتى يسترد الولد صحته فيقدر الله ، تبارك وتعالى، من الأزل أنك إذا سألت مائة دينار لا يصاب ابنك بالمرض وإن أصيب شفي بشربة ماء، فالنوع الثاني من الاستجابة أن يصرف ربنا ، تبارك وتعالى، عن السائل شرا يساوي بل قد يزيد الخير الذي سأله ولم يعطه، ذلك هو النوع الثاني وهو أعلى من النوع الأول لأن دفع المفاسد ودفع المضار مقدم على جلب المنافع، ولذا كان هذا النوع الثاني من الاستجابة أفضل من النوع الأول من أن تعطى.
أما النوع الثالث: من الاستجابة فهي أن تسأل الله ، تبارك وتعالى، شيئا فلا يعطيك إياه ولا يصرف عنك من الشر ما يساويه ويدخر لك الدعوة ويحفظها لك وديعة حيث لا تضيع عنده الودائع، فإذا جاء يوم القيامة حيث لا درهم ولا دينار ولا منصب ولا جاه ولا زوجة ولا ولد ولا حميم ولا شفيع يطاع تقف أمام الله وتحاسب وإذا بك تكاد تهلك وإذا بكفة السيئات قد رجحت، هنا وهنا فقط يقول الله لك: اصبر لم ينته الحساب بعد فإن لك عندي دعوات مدخرة تذكر عبدي في يوم كذا سألتني كذا ولم أعطك إياه فيقول العبد: إي وربي أذكر الآن سألتك كذا ولم تعطني إياه فيقول الله: ماذا تريد بدلا منه الآن وهكذا، إي وربي، دعوة دعوة يردها الله ، تبارك وتعالى، عليك يوم القيامة ويقول لك: أنا المجيب دعوتني فما أجبتك في الدنيا واليوم أجيبك فأنا المجيب ماذا تطلب؟هنا يتمنى العبد ويرجوا أن يكون لم يستجب له الله في الدنيا قط، يتمنى الواحد منا أن جميع الدعوات التي دعاها والأسئلة التي سألها الله في الدنيا لم تكن قد أجيبت حتى يسأل بدلا منها في يوم القيامة: اقض عني هذا الدين بدل من هذه الدعوة ، شتمت وضربت هذا واغتبت هذا وأخذوا من حسناتي أعطهم بدلها ورد إلى حسناتي، نعم سألتك كذا اعطني كذا أريد قصرا في الجنة لا مثيل له ، أريد شفاعة الحبيب المختار، سألتني منصبا وجاها ولم أعطك ، أسألك الآن منصبا وجاها، إذا فلك المنصب والجاه اشفع في أهلك وأقربائك وجيرانك، هذا المنصب أم منصب الدنيا؟! الوزارة من الوزر لأن الوزير يحمل أوزارا أما الشفيع يوم القيامة يخرج أحبابه من النار ويدخلهم في الجنة بشفاعته التي أذن له الله فيها.
تلك آخر أنواع الاستجابة وهي أعلاها، والله والله والله ما دعا عبد ربه شيئا إلا واستجاب له إما في الدنيا وإما في الأخرى، ولو كان كافرا، والله لو سأل الضال ربه الهداية لهداه ، والله لو سأل الكافر ربه الإيمان لآمن ، والله لو سأل العبد ربه شيئا لأعطاه دنيا أو أخرى، ولكن الناس لا يسألون وإن سألوا سألوا التوافه من الأشياء والزائل من الأمور فتلك راقصة تسأل أن تنجح فتنجح تسأل التصفيق فيصفق لها، تطلب العمارة فتؤتاها، هل طلبت الستر هل طلبت التوبة؟ ما طلبت، هل طلب الجبار أن يرزق العدل؟ هل طلب المتكبر أن يرزق التواضع، هل طلب العاصي العصمة من الذنوب (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)).
إن الله ، تبارك وتعالى، هو المنعم المتفضل مجيب قبل الدعاء ومانح قبل السؤال. ونعم الله ، تبارك وتعالى، لا تعد ولا تحصى ، ومن النعم ما ترى ومن النعم ما يخفى ، ومن الناس ما يحجبه الشيطان عن النعمة ومن الناس من تحجبه النعمة عن المنعم ومن الناس من لا يغفل عن المنعم وإذا جاءت النعمة رأي يد المنعم ممتدة بها إليه، وربنا في سورة غافر يبين أن خزائنه لا تنضب وأن العبد ما عليه إلا السؤال وأن الله ، تبارك وتعالى، وعد بالجواب (وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ ) فما عليك إلا السؤال وهو عليه الإجابة والدليل على أن الله، تبارك وتعالى، يعطي ويمنح قبل السؤال ويجيب قبل الدعاء أن هناك من النعم ما لم نسألها وما لم نطلبها ومع ذلك فقد تفضل علينا بها من قبل أن نعرفها، وها هو في سورة غافر يبين ذلك، يبين أن النعم العديدة التي لا تعد ولا تحصى والتي قد يغفل عنها الإنسان هي من أجل النعم، يقول الله ، تبارك وتعالى:
ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴿61﴾
(إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)) حقا وصدقا فقد جعل لنا الليل وجعل لنا النهار من غير سؤال واستوى في الاستمتاع بالليل والنهار الطائع والعاصي ، (إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ)، فضل لا لا يعد ولا يحصى من غير سؤال (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١))، لا يشكرن الله ، تبارك وتعالى، على هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى، وكما قلنا من الناس من يلهيهم الشيطان ويحجبهم عن النعمة فلا يرونها، تجد أن الإنسان في نعمة وهو لا يشعر بها كالمبصر ، لا يشعر بنعمة البصر إلا إذا فقد بصره وكالصحيح لا يشعر بنعمة الصحة إلا إذا فقد صحته أو ساءت صحته، وكذلك من الناس من تأتيه النعمة فتحجبه عن المنعم فيقول: كسبت، ربحت، فعلت، عملت، قدرت ودبرت وفكرت، فإذا بالنعم ترى له وكأنه قد اكتسبها وحصلها وأوجدها فغفل بالنعمة عن المنعم المدبر الموفق هو الله.
ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴿62﴾
كَذَٰلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿63﴾
كل شيء الخير والشر ، والنفع والضر ، والإيمان والكفر ، (ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ) فما من شيء في الوجود إلا والله ، تبارك وتعالى، منشئه مبدعه موجده محدثه، حركة ، سكون ، موت ، حياة (ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ) خالق كل شيء (لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ ) الواحد الفرد الصمد لا شريك له لا مثيل له ، لا يذله ، لا ضد له (فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (٦٢)) تصرفون الإفك: الصرف والقفل، والإفك أشد الكذب لأنه قلب للحقائق، (فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (٦٢)) : أنى تصرفون عن التوحيد إلى الشرك أين تصرفون عن الله ، تبارك وتعالى، الخالق لكل شيء، الفعال لكل شيء إلى غيره من الأصنام والشركاء التي لا تصنع وإنما تصنع لا تخلق وإنما تخلق، (فَأَنَّىٰ) أين و كيف تغيبون عن هذه الحقائق، وكيف تغيب عنكم هذه الحقائق.
(كَذَٰلِكَ) أي كما صرفتم والخطاب للكفار والمشركين ، كما صرفتم عن الله وعن الحق رغم وضوح الدلائل (كَذَٰلِكَ يُؤْفَكُ) ويصرف (ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣)) ينكرون ، الجحد: الإنكار ، الجحد: التكذيب، إذا فكما صرف هؤلاء المشركين، مشركو مكة، والخطاب لهم كما صرفوا عن الحقائق الواضحة الناصعة وعن الوحدانية لله ، تبارك وتعالى، صرفوا عن كل ذلك إلى الإشراك وإلى الأصنام، كذلك في كل زمان ومكان ن يجحد بآيات الله ويكذب بها ، يصرف عن الحق إلى الباطل، ولو استمع إلى آيات الله بتعقل وإنصاف وتدبر لوصل إلى الحق، وما من عبد يتأمل ويتفكر في آيات الله ، تبارك وتعالى، الموجودة في هذا الوجود ويستمع لآيات القرآن بإنصاف، بحياد تام وبإعمال للعقل والفكر لا بد وأن يصل إلى الحق، أما أن يكذب بالآيات من قبل أن يتأملها ومن قبل أن يتدبرها ويكذب بصدق النبي ، صلى الله عليه وسلم، من قبل أن يعمل عقله يصرفه الله ، تبارك وتعالى، عن الحق لأنه انصرف بنفسه ، انصرفوا فصرف الله قلوبهم
ويأتي استدلال آخر بل استدلالات كثيرة.
ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًۭا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءًۭ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿64﴾
هُوَ ٱلْحَىُّ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۗ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿65﴾
قد راود مشركوا مكة نبي الله ، صلى الله عليه وسلم، وأرادوا منه أن يعود إلى دينهم ودين آبائهم وأرادوا منه أن يعبد ربه يوما ويعبد آلهتهم يوما ، وهكذا طلبوا منه كثيرا من هذه الطلبات ووعدوه بالاستجابة له إن هو فعل فأمره ربنا ، تبارك وتعالى، أن يرد عليهم فقال له:
قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِىَ ٱلْبَيِّنَـٰتُ مِن رَّبِّى وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿66﴾
(وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٦٦)) أن أنقاد له، أن أذل له أن أخضع له.
أيها الأخ المسلم: انظر إلى نفسك وانظر إلى حياتك وانظر إلى كل شيء حولك هل صنعت شيء؟ هل فعلت شيئا؟ لونك هل اخترته؟ هل اخترت أباك؟ هل أخترت أمك؟ هل اخترت الحي الذي ولدت فيه ونشأت فيه؟ هل اخترت العمل؟ هل اخترت الصحة؟ أصحيح أنت أم سقيم؟ أي شيء اخترت؟ عمرك، أم رزقك أم أبناءك، أردت البنين فجئت بهم وأردت البنات فجئت بهن ، اخترت أولادك؟ اخترت العدد عدد الأولاد؟ اخترت الأب؟ اخترت الأم؟ اخترت العم؟ اخترت الجيران؟ اخترت البلد الذي نشأت فيها؟ اخترت اللغة التي تتكلم بها؟ ما الذي اخترته أيها المسكين؟ لم تختر شيء ، الله يخلق ما يشاء (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)) [سورة القصص آية: ٦٨]، إذا كان الأمر كذلك فالعاقل الكيس يستسلم للفعال، لأنك إذا لم تستسلم حدث المراد شئت أم أبيت ، أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد، فإذا لم تستسلم ماذا يكون؟ تغير القضاء؟ تعدل القدر؟ تزيد في عمرك؟ ماذا تفعل؟ وماذا بيدك؟ أمر واحد أن تستسلم له ولذا علم نبينا، صلى الله عليه وسلم، أن يقول: (إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) المنقادين الأذلاء الخاضعين المستسلمين له، وكذا تجد أن الله ، تبارك وتعالى، قال له: (لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًۭا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ ) [سورة طه آية: ١٣٢]، إذا لا نسألك أن تسعى وراء رزقك وأن تكد، بل الله ، تبارك وتعالى، هو الرازق والعاقبة للتقوى ويقولها ربنا ، تبارك وتعالى، ويعلنها صريحة (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلْأَمْرُ كُلُّهُۥ) [سورة هود آية: ١٢٣]، أبعد هذا بيان؟! أبعد هذا وضوح؟ (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلْأَمْرُ كُلُّهُۥ) [سورة هود آية: ١٢٣]، إذا فماذا نفعل وماذا علينا وما هو المطلوب إذا كان الأمر منه وإليه فالأمر لازم والقضاء نازل والنتيجة صاعدة إليه يرجع الأمر كله (فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ ) [سورة هود آية: ١٢٣]، فقط اعبده وتوكل عليه أي أطع الله ، تبارك وتعالى، وأوكل إليه الأمور لأن الأمور كلها بيد الله، من هنا يقول الله ، تبارك وتعالى، لحبيبه المصطفى ، صلى الله عليه وسلم: (قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِىَ ٱلْبَيِّنَـٰتُ مِن رَّبِّى وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٦٦)) إذا كان هو رب العالمين الخالق لكل شيء الموجد لكل شيء المربي لكل شيء المنشئ لكل شيء الفعال لكل شيء لا بد وأن أستسلم له لا بد وأن أنقاد له راضيا بقضائه وقدره ذليلا متذللا خاضعا له (وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٦٦))، ذاك أمر يعقله العاقل، والمتدبر والمتأمل يعلم أنه لا مفر منه وأن ذاك هو صنع الكيس والعاقل أن يستسلم لله، الدليل على ذلك الدليل الواضح على ذلك أنه:
هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍۢ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًۭا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا۟ شُيُوخًۭا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًۭا مُّسَمًّۭى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿67﴾
هُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ﴿68﴾
فقد بينت الآيات من سورة غافر منشأ الإنسان ، بينت أن الله ، تبارك وتعالى، خلقه من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ، بينت أطوار الخلق وأن الله ، تبارك وتعالى، هو الذي أخرج الإنسان من بطن أمه وهو الذي أوصله إلى الرشد وإلى الأشد ومن الناس من يتوفى من قبل ذلك ومن الناس من يعمر وكل ذلك يبينه ربنا ، تبارك وتعالى، ويقول: (وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٦۷﴾) نعم ولعلكم تعقلون أن الله ، تبارك وتعالى، هو الفعال لما يريد ، (وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٦۷﴾) أن الله ، تبارك وتعالى، هو الموجود الأزلي الأبدي المدبر المهيمن المصرف، (وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٦۷﴾) أن الله ، تبارك وتعالى، إذا أراد شيئا كان وأنه لا يفتقر إلى مزاولة عمل ولا يفتقر إلى استخدام آلة بل كل الموجودات وكل المحدثات وكل الأشياء وكل المحدثات في إرادته وفي قدرته وفي قبضته يوجدها وينشؤها كيف شاء.
يقول الله ، تبارك وتعالى: (هُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (٦٨)) نعم بعد أن بين أطوار الخلق وأن هذا الخلق له نهاية وله أجل (وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًۭا مُّسَمًّۭى) بين أن الحياة والموت بيده وأنه هو خالق الحياة وهو خالق الموت، هو الذي يحيي ويميت وليس سواه.
(هُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ ) هو الذي يحيي ويميت وليس سواه ، هل من الأصنام من يحيي ويميت؟ هل من الأوثان من يحيي ويميت؟ هل من الناس من يحيي ويميت؟ (هُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ ) ، والله ، تبارك وتعالى، خلق الموت والحياة ليبلونا وقد علمنا أن للموت ملك وأن الدنيا بالنسبة لملك الموت كالطست بين يدي الإنسان يأخذ منه حيث شاء وقد علمنا أن الله ، تبارك وتعالى، خلق الموت وخلق ملك الموت وخلق على يديه قبض الأرواح واستلالها من الأجسام وإخراجها منها وخلق جندا يكونون معه يعملون عمله بأمره والله ، تبارك وتعالى، هو الخالق للكل الفاعل حقيقة لكل فعل ولذا يقول: (هُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ ) لأن ملك الموت خلقه الله وأجرى على يديه قبض الأرواح وخلق جندا يكونون معه ، كل ذلك بأمره وبإرادته، وقد ورد (وَنَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ رَأْسِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ ارْفُقْ بِصَاحِبِي فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَقَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ: طِبْ نَفْسًا وَقَرَّ عَيْنًا، وَاعْلَمْ أَنِّي بِكُلِّ مُؤْمِنٍ رَفِيقٌ، وَاعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنِّي لأَقْبِضُ رُوحَ ابْنِ آدَمَ فَإِذَا صَرَخَ صَارِخٌ مِنْ أَهْلِهِ قُمْتُ فِي الدَّارِ وَمَعِي رُوحُهُ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا الصَّارِخُ؟ وَاللَّهِ مَا ظَلَمْنَاهُ وَلا سَبَقْنَا أَجَلَهُ وَلا اسْتَعْجَلْنَا قَدَرَهُ، ومَالَنَا فِي قَبْضِهِ مِنْ ذَنْبٍ، فَإِنْ تَرْضَوْا بِمَا صَنَعَ اللَّهُ تُؤْجَرُوا، وَإِنْ تَحْزَنُوا وتَسْخَطُوا تَأْثَمُوا وتُؤْزَرُوا، مَا لَكُمْ عِنْدَنَا مِنْ عُتْبَى، وَإِنَّ لَنَا عِنْدَكُمْ بَعْدُ عَوْدَةً وَعَوْدَةً، فَالْحَذَرُ وَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَا مُحَمَّدُ شَعْرٌ وَلا مَدَرٌ، بَرٌّ وَلا بَحْرٌ، سَهْلٌ وَلا جَبَلٌ، إِلا أَنَا أَتَصَفَّحُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ حَتَّى لأَنَا أَعْرَفُ بِصَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ مِنْهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَقْبِضَ رُوحَ بَعُوضَةٍ مَا قَدَرْتُ )، نعم هو الذي يحيي ويميت (فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (٦٨)) والآية وإن كنا قد تكلمنا فيها من قبل في تفسير سورة يس إلا أننا نرى أن الآية تحتاج لمزيد من الشرح، حين يقول الله ، تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (٦٨)) "فإذا" جاء بالفاء بعد قوله (هُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ ) ليبين لك أن ذلك نتيجة لما سبق وأن الإحياء والإماتة وأن الإيجاد والعدم وأن الإنشاء والإعادة لا تحتاج إلى آلة أو إلى مادة أو إلى مزاولة فعل (فَإِذَا قَضَىٰٓ) أراد (أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ) لما أراده (كُن فَيَكُونُ (٦٨)) مرفوعة على الاستئناف معنى ذلك فإنما يقول له "كن" فهو يكون أو فإنه يكون كائنا بعد الأمر أو "فيكون" مرفوعة بالعطف معطوفة على قوله "يقول" "فيكون" وفي هذه الحالة يكون كائنا مع الأمر ومعنى ذلك أن قول الله ، تبارك وتعالى، "كن" لا يتقدم الوجود ولا يتأخر عنه فلا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر ولا يكون الشيء موجودا إلا وهو مأمور بالوجود فلا يتقدم الأمر الإيجاد ولا يتأخر عنه مثال ذلك أن خروج الناس من قبورهم لا يتقدم دعاء ربنا ، تبارك وتعالى، ولا يتأخر عنه مصداقا لقوله ، تبارك وتعالى، (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةًۭ مِّنَ ٱلْأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)) [سورة الروم آية: ٢٥] وبهذا يصبح قوله "كن" محمولا على حقيقته أي أن الله ، تبارك وتعالى، أجرى سنته في إيجاد الأشياء وتكوين الأشياء بأن يوجدها ويكونها بقوله "كن" أزلا، ومعنى أزلا أن المعنى الذي تقتضيه عبارة "كن" قائم بذات الله تعالى قديم من الأزل، وهنا يتبادر السؤال إذا كان قول الله ، تبارك وتعالى، "كن" محمولا على الحقيقة وأنه يقول "كن" فعلا وأن هذا القول قديم قائم بذات الله فقد قاله من الأزل يتبادر السؤال، يقول للشيء كن حال وجوده أم حال عدمه؟ (فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ) حين يقول له كن، متى يقول له في حال العدم أم في حال الوجود؟ فإذا كان في حال العدم استحال أن يأمر إلا مأمورا، كيف يأمره وهو معدوم أين المأمور طالما كان ذلك في حال العدم يستحيل أن يأمر إلا مأمورا، كما يستحيل أن يصدر الأمر إلا من آمر، فإذا كان الأمر في حال وجود الشيء فتلك حال لا يجوز فيها أن يأمر بالوجود والحدوث لأنه موجود فعلا وحادث، من هنا قال العلماء أن الآية ليست واردة في إيجاد المعدومات وإنما الآية خبر من الله ، تبارك وتعالى، عن نفاذ أمره في خلقه الموجود فعلا كما أمر في بني إسرائيل أن يكونوا قردة خاسئين حيث قال: (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ (٦٥)) [سورة البقرة آية: ٦٥]، فتحولوا من الصورة الآدمية إلى هذه الصورة الممسوخة، إذا فالآية تفيد نفاذ أمر الله في الخلق الموجود فعلا وليست واردة في إيجاد المعدومات، ذاك رأي فسر الآية على أنها أوامر لموجودات فعلا يحولها ربنا من حال إلى حال فيقول كوني كذا فتصبح كذا ولا يتقدم الأمر الوجود ولا يتأخر عنه.
وقال بعضهم بل إن الموجودات التي وجدت والتي هي موجودة والتي سوف توجد، جميع الموجودات وجميع المحدثات قبل أن تكون موجودة هي موجودة وكأئنة في علم الله الأزلي على صورتها التي وجدت أو سوف توجد عليها، فمن قبل أن يخلق السموات والأرض كانت السموات والأرض موجودة بهيئتها وزينتها وكيفيتها في علمه أزلا فصح أن يأمرها ويقول لها "كوني" ويأمرها بالخروج من العدم إلى الوجود فخرجت وكانت وحدثت على الصورة التي أرادها ، سبحانه وتعالى، من الأزل وفق علمه الأزلي وعلى مقتضى إرادته الأزلية وتحولت من حال العدم إلى حال الوجود ومن علم الغيب إلى علم الشهادة أو من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فهو ، سبحانه وتعالى، يأمر الموجودات في علمه قبل أن توجد بالخروج من العدم إلى الوجود وتصبح الآية واردة في إيجاد المعدومات إذا قضى أمرا فإنما يقول له في علمه "كن" فيكون على الصورة الموجودة في العلم الأزلي.
وقال بعضهم مقتضى الآية خبر عام من الله ، تبارك وتعالى، عن كل ما يوجده ويحدثه إذا أراد خلقه وإنشاؤه كان من غير أن يكون هناك قول يقوله وإنما هو قضاء يريده فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولا تمثيلا لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع أو توقف ومن غير افتقار لمزاولة العمل أو افتقار لوجود آلة، إذا فهو تمثيل وليس هناك قول ، لا يقول الله ، تبارك وتعالى، "كن" لشيء وإنما تمثيل لنا ليبين لنا أن نفاذ القدرة في المراد كنفاذ أمر الطائع في المطيع وليس هناك قول وليس هناك "كن" وإنما هو عبر بالقول وإن لم يكن هناك قول، وأيا كان وأيا كانت الأقوال فقد دلت الآية على أمور لا شك فيها ولا مراء:
الأول: أن الله ، تبارك وتعالى، لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها آمرا للمعدومات من الأزل أن توجد ، متى؟ وأين؟ وكيف، شروط الوجود، أمر الله، تعالى المعدومات بشرط وجودها، لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها قادرا مع تأخر المقدورات، فهو القادر من الأزل، أما المقدور يحدث حين يبلغ الأجل منتهاه حين يريد الله في الوقت الذي حدده أزلا، فهو ربنا ، تبارك وتعالى، لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها قادرا مع تأخر المقدورات عالما مع تأخر المعلومات، وكل ما في الآية يقتضي الاستقبال فيكون إذا أراد شيئا إذا قضى شيئا فيقول، إنما يقول له كن فيكون كل ما يقتضي الاستقبال في الآية فهو بحسب المأمورات إذ أن ما كتب في صلبك من ذرية لم توجد بعد لم تولد بعد لكن الله من الأزل قد أمرها بالوجود وأمر بشروط الوجود قادر على هذا الإيجاد مع تأخر المقدور ، لم يأت الموعد، عالم بما هو كائن مع تأخر المعلومات، إذ أن المحدثات تجيء بعد أن لم تكن فالغد يأتي في الغد ورمضان يأتي حين يحين موعد شهر رمضان، المحدثات تجيء بعد أن لم تكن أما الله فقد كان ولم يكن شيء، إذا فهو القادر مع تأخر المقدورات العالم مع تأخر المعلومات وقد أمر المعدومات بالوجود بشرط وجودها.
الأمر الثاني: أن كلام الله ، تبارك وتعالى، غير مخلوق لأن كلمة "كن" لو كانت مخلوقة لاحتاجت لقول ثان واحتاج القول الثاني لقول ثالث وتسلسل وكان محالا، إذا أراد شيء أو إذا قضي أمر فإنما يقول له "كن" فإذا كان الكلام مخلوق كما تخلق كلامك حيث تتكلم اليوم بما لم تتكلم به بالأمس وهكذا الكلام ينشأ ويحدث منك لكن الله ، تبارك وتعالى، كلامه قديم بذاته العلية لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال والحلول في الأوراق لأن الكلام لو كان مخلوقا لاحتاج لكلام يخلقه واحتاج الكلام الخالق للكلام لكلام آخر يخلقه وهكذا وتسلسل وكان محالا، إذا فكلام الله قديم قائم بذاته غير مخلوق.
الأمر الثالث: الذي دلت عليه الآية أن الله ، تبارك وتعالى، خالق لكل الموجودات مريد لكل الحادثات خيرها وشرها ، نفعها وضرها والدليل على ذلك أن من يرى في سلطانه شيئا يكرهه ولا يريده فلأحد شيئين إما لأنه جاهل لا يدري وإما لأنه مغلوب لا يطيق، أنت إذا كان لك سلطان أو ملك وحدث في بيتك أو في سلطانك أو في عملك ما لا تريد وما تكره ولا تريد لم لم تمنعه طالما حدث في سلطانك ما لا تريد؟ فإما إنك لا تدري وإما أنك لا تطيق المنع فأنت مغلوب، وما يحدث رغم أنفك وذاك لا يتصف به الله ، تبارك وتعالى، ولا يليق بجلاله وكمال ذاته، إذا فالله ، تبارك وتعالى، هو الخالق لكل الموجودات المحدث لكل المحدثات خيرها وشرها نفعها وضرها، ذلك كله دل عليه قول الله ، تبارك وتعالى، ، (فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (٦٨)) فالخير هو خالقه والشر هو خالقه والمعاصي في هذه الأرض أرادها من الأزل لأن الله لا يعصى قهرا ولا يعصى ولا يدري، ولو لم يرد المعاصي ما عصى على الأرض مخلوق إذا فقد أراد الكفر وأراد الإيمان وأراد الطاعة وأراد العصيان ولكنه لم يأمر بالكفر ولم يأمر بالعصيان ، أراد حدوثه ليميز الطائع من العاصي وتبلغ الحجة على العباد، والله ، تبارك وتعالى، له الحجة البالغة على عباده فتركهم وبين لهم وهداهم وأرسل الرسل بالكتب فمن أراد الطاعة يسرها له ومن أراد المعصية قدرها له والكل من الله: (قُلْ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًۭا (٧٨)) [سورة النساء آية: ٧٨]،
أيها الأخ المسلم: بعد هذا التدليل وبعد هذا البيان وبعد هذا الوضوح يقول الله ، تبارك وتعالى، معجبا لنبيه ، صلى الله عليه وسلم، ولكل من يعقل:
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ ﴿69﴾
ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِٱلْكِتَـٰبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِۦ رُسُلَنَا ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿70﴾
(بِٱلْكِتَـٰبِ) : بالقرآن إذا كانت اللام لام العهد أو بالكتاب جنس الكتاب وتشمل الآية كل مكذب في جميع العصور من كذب بكتاب موسى ومن كذب بكتاب عيسى الذين كذبوا بجنس الكتاب بكل الكتب السماوية (وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِۦ رُسُلَنَا ۖ ) الوحي ، المعجزات ، البينات ، الشرائع ، الكتب (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠)) تهديد ووعيد وله موعد وأجل ، فسوف يعلمون ، متى، متى يعلمون أنهم كانوا على الباطل؟ متى يعلمون مغبة جدالهم؟! فسوف يعلمون:
إِذِ ٱلْأَغْلَـٰلُ فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ وَٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ ﴿71﴾
فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ ﴿72﴾
ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿73﴾
مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُوا۟ مِن قَبْلُ شَيْـًۭٔا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿74﴾
ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ﴿75﴾
ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ﴿76﴾
التي زعمتموهم كفرعون؟ أين؟ وأين؟ أين؟ وأين؟، (أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا) ضلو عنا: غابوا، ضاعوا ضل الماء في اللبن: اختفى وغاب ، إذا خلط اللبن بالماء ولم يظهر الماء قيل ضل الماء في اللبن: غاب وخفي عن الناظر، (قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا) هل اختفوا عنهم وربنا يحشرهم معهم ويحشر معهم الأحجار والأصنام ، وتوقد النار بها كما توقد بهم (قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا) إذا فقد ضيع الله ، تبارك وتعالى، عقولهم وتقديرهم وأذهلهم (قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا) ثم رجعوا فقالوا: (بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُوا۟ مِن قَبْلُ شَيْـًۭٔا ۚ ) هل أنكروا الشرك؟ هل أنكروا أنهم كانوا مشركين كقوله ، تبارك وتعالى، (ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)) [سورة الأنعام آية: ٢٣]، أم أنهم اعترفوا بأن عبادتهم في الدنيا للأصنام لم تكن عبادة على الحقيقة فقد، كانوا يدعون ما لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع فقالوا: (بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُوا۟ مِن قَبْلُ شَيْـًۭٔا ۚ ) أي لم نكن ندعو على الحقيقة شيئا ينفع أو شيئا يسمع (كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَـٰفِرِينَ (٧٤)) يقول الله ، تبارك وتعالى، كذلك يضل الله الكافرين في كل مكان وزمان، يضلهم في الآخرة عن الطريق إلى النجاة ، يضلهم عن الهداية، يضلهم عن طريق الجنة والرضوان، ويتحول الكلام إلي صيغة الخطاب ، فالكلام كان عن الغائب في السلاسل يسحبون (ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ ﴿۷٢﴾)، (ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿۷۳﴾)، هم (قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُوا۟ مِن قَبْلُ شَيْـًۭٔا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَـٰفِرِينَ (٧٤)) وتحول اللفظ إلى الخطاب (ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)) حين يتحول النظم إلى الخطاب المباشر يفيد ذلك منتهى التقريع منتهى التوبيخ منتهى الإذلال منتهى المبالغة في خطورة الموقف، (ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)) هل هناك فرح بحق وفرح بغير حق؟ هل هناك فرح بحق وهناك فرح بغير حق؟ نعم الفرح في القرآن مذموم وهناك فرح واحد ممدوح حين يقول الله ، تبارك وتعالى: (قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)) [سورة يونس آية: ٥٨]، حين تكلم عن القرآن وحين كلمنا عن هذا القرآن وأنه رحمة من الله (قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟) [سورة يونس آية: ٥٨]، الفرح بالقرآن خير مما يجمعون ، الفرح بالهدى ، الفرح بالطاعة الفرح بهداية الله لك ، الفرح بكلام الله ذاك هو الفرح الممدوح في القرآن الوحيد وما سوى ذلك مذموم لأنك إذا فرحت فرحت بزائل ، إذا فرحت بالمركز فرحت بالمال فرحت بالجاه فرحت بالأولاد فرحت بأي شيء من أمور الدنيا فرحت بزائل وحين تفرح بزائل ففرحك زائل، أما حين تفرح بالباقي ففرحك باق، لذا يقول الله ، تبارك وتعالى، مقرعا (ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ) فرحوا بالجاه فرحوا بالسلطان ، استخف فرعون قومه وقال أليس لي ملك مصر، فرحوا بالمعاصي، فرحوا بالتدبير والمكر السيء، فرحوا بالغش في الميزان والمكيال، فرحو بالمكسب السريع، فرحوا بالحرام، فرحوا بغير حق، هذا العذاب الذي هم فيه والذي وصف لنا قيل لهم () الذي تذوقوه الآن ذلكم الحميم والنار وما إلى ذلك (ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥))، المرح: التوسع في الفرح، المرح البطر المرح: الأشر، كل توسع في فرح بمعصية يسمى مرحا.
(ٱدْخُلُوٓا۟) والكلام لهم مباشر،(ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)) يقال لهم ذلك ادخلوا أبواب جهنم ، ترى كيف شكلها؟ لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم لا يتعداه فالداخلون من هذا الباب غير الداخلين من هذا الباب كل يعرف بابه وإذا وصلوا إلى الأبواب وجدوها مغلقة فإن وصلوا إليها فتحت فجأة وخرج اللهيب منها وسمعوا لها تغيظا وزفيرا
(خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ ) خلود ولا موت (فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)) وتغير النظم وانتبه، حين يقول: مقتضى النظم "فبئس مدخل المتكبرين"، حين تقول: (ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ) اشرب فنعم المشرب كل فنعم المأكل، البس فنعم الملبس ، وادخل فنعم المدخل مقتضى النظم في قوله (ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ) أن يقول فبئس مدخل فغير النظم وقال (فَبِئْسَ مَثْوَى) لأن الدخول غير دائم الدخول فترة الدخول مدة تنتهي مدة الدخول، أما المثوى فهو دائم المقام الذي لا نهاية له ولا منتهى له فعبر وغير النظم (فَبِئْسَ مَثْوَى) ليبين لك أن تغيير مقتضى النظم معناه أنهم دخلوا ولكن إذا دخلوا خلدوا فهم في خلود لا نهاية له فقال: (فَبِئْسَ) أسوأ بؤس وأسوأ شدة وأسوأ ألم وأسوأ ما يتخيل (فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)) الذين تكبروا عن الحق الذين لم يتواضعوا لله، تبارك وتعالى، الذين لم يستمعوا لصوت الحق وصوت العقل وتكبروا عن الدعوة وتكبروا عن الدعوة وتكبروا عن الرسل لم يسألوا الله الهدى لم يطلبوا منه السلامة لم يتوجهوا إليه بالدعاء لم يفكروا في طاعته ، تبارك وتعالى، جادلوا واستكبروا وتوقعوا في أنفسهم أكثر ما يستحقون (إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌۭ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ ) [سورة غافر آية: ٥٦]، (فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)).
أيها الأخ المسلم: أوصاف وأوصاف وصفت ولا يعرف مداها وخطورتها إلا الله ، أنت يقشعر منك البدن لسماع أوصاف كمالية فكيف بها، (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًۭا مَّقْضِيًّۭا (٧١)) [سورة مريم آية: ٧١].
أيها الأخ المسلم: يقول أبو ذر الغفاري رضي الله عنه: أوصاني خليلي بأربع هن عندي خير من الدنيا وما فيها قال لي: (يا أبا ذر أحكم السفينة فإن البحر عميق واستكثر الزاد فإن السفر طويل وخفف ظهرك فإن العقبة كؤود وأحسن العمل فإن الناقد بصير).
فبعد أن قص الله ، تبارك وتعالى، كل ذلك هو يحذر وينذر، ولا زال في العمر بقية، ربنا ، تبارك وتعالى، يسلي حبيبه وصفيه محمدا ، صلى الله عليه وسلم، فيقول له:
فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴿77﴾
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴿78﴾
(وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ ) المعجزات من صنع الله المعجزات عطايا ومنح ، المعجزات مواهب وما كان لرسول أن يفعل أو أن يأتي بمعجزة إلا بإذن الله حتى أن موسى أعطاه الله العصا وألقاها فإذا هي حية تسعى وعلم ذلك وأدخل يده في جيبه فخرجت بيضاء من غير سوء رغم ذلك أمر بالذهاب إلى فرعون وأبلغ فرعون وقومه وتحداهم وتكلم معهم، وحين جاءوا بالسحرة قالوا إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين قال بل ألقوا، لم يؤمر بالإلقاء هم تحدوا وهو توكل، هو فوض الأمر إلى الله، قال: ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس وفعلوا ما فعلوا ووقف موسى مندهشا متحيرا أوجس في نفسه خيفة موسى وقف منتظرا للأمر رغم أن الآية في يده والعصا ملك يمينه وقد رأى ما يتحول إليه إلقاؤها رغم ذلك يقول الله ، تبارك وتعالى: (وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ ) [سورة الأعراف آية: ١١٧]، إذا ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ، حتى الآية وهي في يده لا يمكن له أن يستغلها أو يستخدمها إلا بوحي، وانظر إلى عصا موسى حين استسقاه قومه قال له ربه (ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ ) [سورة البقرة آية: ٦٠]، بركة الأمر من الله، لأن الأمر من الله إذا أطعته حدثت لك البركة وانظر إلى الأوامر في القرآن وتأمل قول الله ، تبارك وتعالى، لمريم (وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ) [سورة مريم آية: ٢٥]، أمر، وحين قال لأم موسى أرضعيه هل الإرضاع يحتاج إلى أوامر أم أنه غريزة؟ لم أمرها وقال أرضعيه؟
لأنها إذا أرضعته طاعة لله بقي لا يرضع ولا يلتقم ثدي امرأة قط (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ) [سورة القصص آية: ١٢]، حتى يرسلوا في البلاد المنادى هل من مرضع وتأتي المرضعة تلو المرضع وتعطيه ثديها فلا يقبله ، كيف عاش؟ كيف بقي هذه المدة حتى جاءت أمه؟ هذه المدة كيف بقاها بغير غذاء؟ برضعة واحدة كانت طاعة لأمر الله أرضعيه فأرضعته، وكل أم ترضع بالغريزة وليس كل إرضاع كإرضاع، فإرضاعك بالغريزة غير أن ترضعك أمك بطاعة الله، وكذلك تأمل في كل فعل تفعله كن طائعا لله حتى في الأكل كل طاعة لله حيث قال: (يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ (٣١)) [سورة الأعراف آية: ٣١] فحين تأكل تأمل وانو في قلبك أنك تأكل طاعة لله في كل شيء حاول أن تجعل أفعالك طاعة لله تحدث لك بركة الطاعة، يقول الله ، تبارك وتعالى، (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ) أمر الله بالإهلاك أمر الله بالتعذيب للمكذبين ، أمر الله بنصر الرسل (قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ (٧٨)) قضي بالحق لأن القاضي هو الله فهو يقضي بحق لأنه صاحب الحق ولأنه كان ولم يكن شيء ، كان قبل المكان والزمان وهو الآن على ما عليه كان، كان والكون عدم ومن حكم في ملكه فما ظلم، قضي بالحق لأنه حين يحكم يحكم في حقه في ملكه فيما يملكه، قضي بالحق انتصر المؤمن وهزم المبطل وهزم الكافر، نصر الله رسله وهزم المبطلين وهزم الكافرين
(وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ (٧٨)) الذين حاولو إبطال الآيات وإبطال المعجزات وإبطال التشريعات الربانية ، خسروا وأي خسران خسروا؟.
أيها الأخ المسلم: القرآن نور إي وربي وما تأمل فيه إنسان إلا وهدي إلى صراط مستقيم، وما دعا إليه إنسان إلا وهدي إلى صراط مستقيم، فيه خير ما قبلنا ونبأ ما بعدنا وحكم ما بيننا ، القرآن كلام الله القديم ، القرآن لم يجعل ليوضع في الصدور كحلية أو كزينة وإنما ليحفظ وليعمل بما جاء فيه ، لم يخلق القرآن وإنما القرآن كلام الله القديم، لم يجعل القرآن ليعلق على الجدران ويقرأ في المياتم فقط وقبل الاحتفالات أو بعدها.. لا، وإنما القرآن كتاب الله خطاب منه لك أنت من المخاطبين، ربنا يقول "يا بني آدم" ألست منهم؟ بلى أنت منهم ، "يا أيها الناس" ألست من الناس؟ بلى أنت من الناس ، "يا أيها الذين آمنوا" هل أنت من المؤمنين؟ نعم إن شاء الله، إذا فكيف تسمع كلام الله ولا تتدبر، كيف ينادي ربنا عليك ولا تجيب؟ ثم تطمع أن تدعو فيجيب، أيها الأخ المسلم استجب لله مصداقا لقول الله، تبارك وتعالى: (ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ) [سورة الأنفال آية: ٢٤]. وتأملوا في كلامه واقرأوا كتابه واعملوا بما فيه وسلوه الإصلاح لكم ولمن حولكم ولإخوانكم سلوا الإصلاح للأمة، سلوا الله، تبارك وتعالى، فهو الفعال لما يريد.
من آيات الله ، تبارك وتعالى، الدالة على كمال قدرته وعظيم رحمته خلق الأنعام، يقول الله ، تبارك وتعالى:
ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَنْعَـٰمَ لِتَرْكَبُوا۟ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿79﴾
وَلَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ وَلِتَبْلُغُوا۟ عَلَيْهَا حَاجَةًۭ فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴿80﴾
وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ فَأَىَّ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ ﴿81﴾
ثم يلفت نظر هؤلاء المكذبين ويهددهم
أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةًۭ وَءَاثَارًۭا فِى ٱلْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿82﴾
فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرِحُوا۟ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿83﴾
أو (فَرِحُوا۟ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ) عائد على الأنبياء (فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرِحُوا۟) أي فرحت الرسل بعلم الله الذي وهبهم إياه حين رأوا جهالة الكفار ، الآيات الواضحة، وأنت كمؤمن ترى الله في كل شيء وتؤمن بوجوده وبقدرته حين ترى الجاحد المنكر تفرح بفضل الله عليك وبالعلم الذي منحك إياه (فَرِحُوا۟ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ) أي فرحت الرسل بأن الله ، تبارك وتعالى، أنقذهم من الجهالة ومنحهم من العلم الذي لم يمنحه لهؤلاء الكفار، أو فرحوا الرسل أيضا بنجاتهم حيث أنبأهم الله وأعلمهم (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ (٥١)) [سورة غافر آية: ٥١]
(وَحَاقَ بِهِم) حاق بالكفار نزل بهم ووجب وثبت وأحاط (وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ (٨٣)) العذاب ، فقد استهزأوا بالعذاب حتى أن العذاب حين أتي لقوم عاد ورأوه في صورة سحاب مقبل عليهم (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًۭا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا۟ هَـٰذَا عَارِضٌۭ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌۭ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿٢٥﴾) [سورة الأحقاف آية: ٢٤ - ٢٥] جاءتهم الآفة، آفة كفرهم نتيجة شركهم ، جاءهم العذاب من حيث لم يحتسبوا ومن أنكى ما يصاب به الكافر أن يأتيه العذاب من حيث لا يحتسب من حيث لا ينتظر من حيث لا يتوقع وهكذا أصاب الله ، تبارك وتعالى، الكفار في الأمم السابقة من حيث لم يحتسبوا، أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا.
فَلَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشْرِكِينَ ﴿84﴾
فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِۦ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَـٰفِرُونَ ﴿85﴾
(سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ) مضت في كل الأمم السابقة، (وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَـٰفِرُونَ (٨٥)) وأي خسران ، ما من خسارة في الدنيا إلا وتعوض وإذا لم تعوض في الدنيا عوضك الله عنها في الآخرة لأن النبي ، صلى الله عليه وسلم، يقول: (مَا يُصيبُ المُسلمَ مِن نَصبٍ، ولا وَصبٍ، ولا هَمٍّ، ولا حَزنٍ، ولا أَذىَ، ولا غَمٍّ حَتى الشَوكَة يُشاكُها إِلا كَفرَ الله بِها مِن خَطايَاهُ)، فما من شيء يحدث في الدنيا للإنسان خسارة في المال أو في الصحة أو في البدن أو في الأولاد أو في الجاه أو في المركز أو في السلطان ، أي خسارة في الدنيا تهون لأن الله يعوضها، إما في الدنيا وإما في الآخرة للمؤمن والأمر الوحيد الذي يبكي عليه والذي يخشى منه أن يفقد العبد دينه أو أن يخسر الإنسان توكله، من هنا كان الدعاء الذي علمناه من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، (وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا) أما مصائب الدنيا فمهما عظمت تهون.
انتهت سورة غافر بفضل الله ، تبارك وتعالى، وهناك من الآيات في هذه السورة ما يذهل وما يحير وما استمع لها إنسان بعقل إلا وآمن وأيقن وهي عروس من عرائس القرآن هذه السورة العظيمة وكلام الله ، تبارك وتعالى، كله عظيم فهو كلام الله العظيم.
أيها الأخ المسلم: حين فتحت السورة ببيان عما أصاب الأمم السابقة خلصنا بنتيجة هامة وخطيرة هي أن الله ، تبارك وتعالى، حين خلق الخلق أراد منهم الإيمان باختيارهم فقد شاء جل وعلا أن يحتجب عن الخلق بنوره وأن يخفى عليهم بشدة ظهوره وشاء ربنا ، تبارك وتعالى، أن تعرفه الخلائق بالغيب لأنك لو رأيت الله لآمنت لا محالة ، لقد رأى الكفار العذاب فآمنوا فكيف لو رأوا مرسل العذاب ومجري السحاب! كيف لو رأوه هذا الإيمان إيمان اضطراري لا ينفع ولا يشفع ، ربنا ، تبارك وتعالى، حين حدثنا عن المؤمنين قال: (ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ) [سورة البقرة آية: ٣]، ذاك هو شرط الإيمان أن تؤمن على غير اضطرار أن تؤمن باختيار، أما إذا اضطر العبد للإيمان وأكره عليه فلا ثواب فيه ولا نفع يأتي من ورائه، ولذا كل مكره تسقط أفعاله ولا يحاسب عليها فإذا أكره الرجل على الطلاق مثلا لا يقع طلاقه وإن أكره على زواجه لا يقع زواجه وإن أكره على الكفر لا يعذبه الله طالما كان القلب مطمئن بالإيمان، فالإكراه في الأمور تسقط نتائجه ، وكذلك إذا اضطر الإنسان للإيمان لا ينفع منه إيمان، هذا قد حدث في الأمم السابقة فهل يتكرر حدوثه؟ من رحمة الله ، تبارك وتعالى، أنه جعل المرض والألم في الدنيا والخسارة بجميع أنواعها التي تلجئ العبد إلى الله ليست من قبيل الاضطرار ، وسع على العباد رحمته فقال المصطفى ، صلى الله عليه وسلم، وبين أن (إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) ، الروح إذا قبضت بدأ القبض من أصابع الأقدام وتسل الروح حتى تصل إلى الحنجرة إلى الحلقوم إلى البلعوم حتى لو وصلت الروح إلى هذا المكان قبل أن يغرغر إن تاب قبلت توبته رحمة من الله، فقد يمرض العبد ويقال له لا شفاء لمرضك ولا أمل في حياتك وانتظر الموت في خلال شهور فإن تاب وآمن قبل إيمانه وقبلت توبته طالما لم يغرغر، تلك رحمة كبرى من الله ، تبارك وتعالى، أبواب التوبة مفتوحة إلى أن تغلق، أو تغلق أبواب التوبة؟ نعم حين يحدث ما حدث للأمم السابقة (فَلَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا) البأس العام وليس البأس الخاص لأن العبد إذا أصيب ببأس خاص من مرض أو اعتقال أو من سجن أو من إرهاب أو من تعذيب أو من موت الخلان والأحباب والأولاد فالتجأ إلى الله فذاك بأس خاص يخصه فإن آمن قبل إيمانه، أما البأس العام هنا لا يقبل الإيمان ، هل يحدث ذلك؟ نعم يحدث في آخر الزمان، من أكبر العلامات والآيات الدالة على قرب وقوع الساعة خروج الشمس من مغربها، ها هي شمسنا تشرق من المشرق كل يوم منذ مئات وآلاف السنين سوف يأتي يوم تغرب الشمس ويفاجأ الخلائق بأن الشمس التي غربت من ها هنا إذا بها تعود من حيث غربت، هنا وهنا فقط يقفل باب التوبة ويقفل باب الإيمان بل حتى المؤمن أصلا حين تخرج الشمس من مغربها لا تقبل له صلاة ولا تقبل له صدقة انتهى الأمر ، ذاك مصداق قول الله ، تبارك وتعالى، في هذه الآية الكبرى حيث لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خير، هذه الآية يوم يأتي بعض آيات ربك ، ربنا ، تبارك وتعالى، يحذر هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ، أو تأتيهم الملائكة ، أو يأتيهم آيات الله ، أو يأتيهم بعض آيات الله، يحذر ربنا ، تبارك وتعالى، ثم يبين ويقول يوم يأتي بعض آيات الله لا ينفع في ذلك الوقت الإيمان ولا ينفع أن تكسب في إيمانك خيرا مالم تكن قد كسبته من قبل (يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَـٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَـٰنِهَا خَيْرًۭا ۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ (١٥٨)) [سورة الأنعام آية: ١٥٨].
أيها الأخ المسلم: هذه الآية وهي خروج الشمس من مغربها يتضح للخلائق جميعا أن الله هو الذي أعادنا من حيث أتت لأن الإنسان مهما بلغ من قوة ومن علم ومن سيطرة على الأرض وما فيها لا يمكن له أن يسيطر على الشمس أو يسيطر على حركة الشمس، فإذا عادت الشمس من حيث غربت فذاك دليل على أن الله موجود وهو الذي أعادها ، هنا المؤمن قد فاز بإيمانه وفاز بعلمه والكافر لا ينفعه الإيمان والمؤمن الذي لم يعمل ولم يكسب في إيمانه خيرا إن بدأ العمل لا يقبل منه العمل ، فهناك أناس قد أمنوا ولكنهم لم يعملوا الصالحات وربنا ، تبارك وتعالى، قرن الإيمان بالعمل الصالح في جميع مواضع القرآن، الذين آمنوا وعملوا الصالحات ورسولنا ، صلى الله عليه وسلم، يحذر ويقول "ليس الإيمان بالتمني ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل وإن أناسا خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم يقولون نحسن الظن بالله وقد كذبوا فلو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل
أيها الأخ المسلم: متى تخرج الشمس من مغربها؟ الله أعلم
إذًا فنحن في فسحة من الوقت وقد تخرج الشمس من مغربها في يومنا هذا وقد تخرج من مغربها في الغد وهنا لا ينفع الإيمان ولا ينفع العمل فبادر بالتوبة وأنت في صحتك وأنت في تمام عقلك ، هل تضمن دوام العقل؟ هل تضمن المال؟ هل تضمن الصحة؟ هل تضمن أن الله قد قضى بنهاية الدنيا وأخرج الشمس من مغربها؟ لا ضمان ، الضمان الوحيد هو الالتجاء إلى الله الضمان الوحيد أن تعود إلى الله واعلم أن الله ، تبارك وتعالى، يفرح بتوبة العبد، إذا رأيت رجلا على سفر ومعه ناقة واحدة عليها كل زاده وطعامة وشرابه وكل ما يمتلك قد وضعه على هذه الناقة فأخذته سنة من النوم وغفى فاستيقظ في وسط الصحراء فلم يجد الناقة ثم فجأه إذا بالناقة تظهر أمامه بين يديه أي فرح يفرحه لله ، تبارك وتعالى، أفرح بتوبة العبد من هذا العبد الذي ضلت ناقته ثم جاءته تسعى، هكذا وصف لنا النبي ، صلى الله عليه وسلم، فرح الله ، تبارك وتعالى، بتوبة عبده (قَالَ لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ ) فانتهز الفرصة وتب إلى الله واسأله أن يرضى عنك رضاء لا سخط بعده وسله أن يختم لك بالإحسان وأن يرزقك اليقين والإيمان.