القرآن الكريم / سورة الزمر / التفسير المقروء

سورة الزمر

مقدمة‬
‫لقاؤنا مع سورة الزمر، وسورة الزمر تسمى أيضا سورة الغرف، وسورة الزمر أو سورة الغرف مكية ما عدا سبع آيات منها من قوله ، تبارك وتعالى‫:‬ (قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (٥٣)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٥٣]، وقد قال أحد الصالحين في شأن هذه السورة‫:‬ من أحب أن يعرف قضاء الله في خلقه فليقرأ سورة الغرف، في هذه السورة بيان للعقيدة وشرح لها، وفي السورة أيضا بيان لقضاء الله ، تبارك وتعالى، الأزلي الذي لا راد له‫.‬‬
‫افتتحت السورة بأمرين غاية في الأهمية‫:‬ أولهما أن الكتاب الذي بين أيدينا نزل من الله ، تبارك وتعالى، الأمر الثاني أن هذا الكتاب نزل بالحق ولإحقاق الحق يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴿1﴾ إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًۭا لَّهُ ٱلدِّينَ ﴿2﴾
‫(تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ (١)) أي أن هذا الكتاب قد نزل من الله ، تبارك وتعالى، تبارك وتعالى، وسمي القرآنا كتابا باعتبار ما سيكون وهي علامة من علامات النبوة وعلامة من علامات صدق النبي ، صلى الله عليه وسلم، فلم يكن كتابا حين نزلت هذه السورة ولم يجمع بعد بين دفتين وسماه الله ، تبارك وتعالى، كتابا، (تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ (١)) العزيز‫:‬ الغالب على أمرة المنيع ليس له مثيل الحكيم‫:‬ الذي خلق كل شيء بحكمة ولحكمة، والحكمة‫:‬ الإصابة في القول والعمل، الحكمة‫:‬ الإتقان، الحكمة معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، أفضل الأشياء على الإطلاق الله ، تبارك وتعالى، وأفضل العلوم العلم بالله، فالله ، تبارك وتعالى، هو الحكيم لأنه العالم بذاته وصفاته من الأزل (فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًۭا لَّهُ ٱلدِّينَ (٢)).‬
‫الأمر الثاني أن الكتاب نزل بالحق، بالصدق‫.‬ نزل لإثبات الحق، نزل لتثبيت الحق وإظهاره، نزل لإزهاق الباطل، الحق‫:‬ الصدق، الحق‫:‬ الثابت، الحق‫:‬ الواجب‫.‬ (إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًۭا لَّهُ ٱلدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ ) الأمر من الله، تبارك وتعالى، للنبي ، صلى الله عليه وسلم، هذه الآية دليل على أن النية واجبة في جميع الأعمال، وقد علمنا من قبل أن الحساب على أساس النوايا (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) وليس الحساب على أساس ظواهر الأعمال وإنما الحساب على أساس ما وقر في القلب، النية أساس كل الأعمال بدءا من الوضوء، هذه الآية دليل على ذلك لأن الله ، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًۭا لَّهُ ٱلدِّينَ (٢)) العبادة‫:‬ الطاعة، والعبادة لها مظاهر ولله ، تبارك وتعالى، أن يتعبد خلقه بما شاء ويفرض على خلقه ما يشاء فيأمر وينهى ليميز الطائع من العاصي (فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ) أطع الله ، تبارك وتعالى، وتوجه إليه بالعبادة كما أمر (مُخْلِصًۭا لَّهُ ٱلدِّينَ (٢)) والإخلاص لا يكون إلا في القلب فذاك دليل على النية، (مُخْلِصًۭا لَّهُ ٱلدِّينَ (٢)) أي مخلصا له العبادة مخلصا له الطاعة متوجها إلى الله ، تبارك وتعالى، بعملك مبتغيا به وجه الله وليس سواه لا بد أن يكون العمل خالصا لوجه الله ، تبارك وتعالى، بريئا من الشرك خالصا من النفاق (مُخْلِصًۭا لَّهُ ٱلدِّينَ (٢)) أي خلص العمل لله ليس لأحد سواه فيه شيء، كل العمل يتوجه به إلى الله يبتغي به مرضاته‫.‬‬‬‬
أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌۭ كَفَّارٌۭ ﴿3﴾
‫(أَلَا) كلمة تنبيه، لتنبيه السامعين (أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ ) لأنه الواحد المنفرد بالوحدانية والمتصف بالصمدية العالم بذوات الصدور، فإن أخلصت العمل علمه وإن أخلصت النية علم بذلك فهو يعلم ما تنطوي عليه الصدور من النوايا الحسنة أو النوايا السيئة‫.‬‬
‫(أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ ) الدين بمعنى العبادة، الدين أيضا بمعنى التوجه إلى الله ، تبارك وتعالى، بكل الكلية لأنه هو المستوجب للعبادة المستحق للعبادة، وقد روي أن رجلا جاء النبي ، صلى الله عليه وسلم، فقال‫:‬ يا رسول الله إني أتصدق بالشيء وأصنع الشيء أبتغي وجه‬
‫الله وثناء الناس فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : (إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مَا شُورِكَ فِيهِ)، فهذا الرجل يسأل عن عمل يعمله يبتغي وجه الله حقا ولكن إلى جوار ذلك يبتغي مديح الناس وثتاء الناس عليه فقد شارك مع الله ثناء الناس، من هنا نبه النبي ، صلى الله عليه وسلم، وقال (إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مَا شُورِكَ فِيهِ) نعم فالله ، تبارك وتعالى، أغنى الأغنياء عن الشرك‫.‬ (وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ ).‬
‫(وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ) الكلام عن الكفار على اختلاف أنواعهم وأجناسهم، الكفار الذين أشركوا مع الله غيره، فمن آمن أن فرعون هو ربهم الأعلى كما قال لهم، ومن آمن أن عزير هو ابن الله ومن اعتقد أن المسيح ابن الله ومن اعتقد أن الملائكة بنات الله، ومن اعتقد أن الأصنام تنفع أو تشفع كل أولئك يشملهم قول الله ، تبارك وتعالى، (وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ) يتولون أمورهم، يتوجهون إليهم بالعبادة وبالتقرب وبالقرابين وبالدعاء وما إلى ذلك (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ)، ( ما نعبدكم إلا لتقربونا إلى الله زلفى) أي قالوا ذلك للأصنام وللأوثان ولمن اتخذوهم آلهة قراءة، والقراءة الأخرى التي نقرأها والتي قرأها القارئ (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ) حكاية عن قولهم، الزلفى‫:‬ القربى أي ليقربونا إلى الله تقريبا أي يقربونا إلى الله ، تبارك وتعالى، تقريبا، وقربة، هؤلاء الناس إذا سئلوا من خلق السموات والأرض قالوا‫:‬ الله، (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ ) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٦٣]، (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ ) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٦١] فهم يقرون بأن الله ، تبارك وتعالى، هو الخالق لكل شيء، فإذا سئلوا إذا فلم تعبدون غيره ولم تقربون القرابين للأصنام وغيرها ولم تزعموا أن الملائكة بنات الله وأن المسيح ابن الله وأن عزير ابن الله وهكذا قالوا نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى فاتخذوهم وسيلة للتقرب إلى الله ، تبارك وتعالى، واتخذوهم شفاعة وواسطة يقربوهم إلى الله، ذلك ردهم‫.‬‬
‫(إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ ) إذا فالله، تبارك وتعالى، سوف يحكم في يوم العدل في يوم القيامة في يوم التغابن في يوم الفزع يحكم بين جميع هذه الفرق فيما هم فيه يختلفون لأنهم مختلفون غير مجمعين على شيء فمنهم من زعم أن عيسى ابن الله، منهم من زعم أن عزير ابن الله، منهم من زعم أن الملائكة بنات الله منهم من زعم أن هبل ومناة والأصنام والأوثان يقربوا إلى الله ، تبارك وتعالى، تبارك وتعالى، كل هؤلاء بالإضافة إلى الأضداد ألا وهم الصالحون الطيبون الأتقياء يحكم الله ، تبارك وتعالى، بين جميع هذه الفرق يوم القيامة فيثيب الطائع ويجازي ويعاقب العاصي‫.‬‬
‫(إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌۭ كَفَّارٌۭ (٣)) قرار أزلي يبين القضاء الأزلي، من حقت عليه الشقاوة لن يهديه أحد من بعد الله، من حقت عليه كلمة الكفر ومن حق عليه كلمة العذاب لن يستطيع مخلوق أن ينجيه ولو اجتمعت الرسل والمقربون والملائكة وحملة العرش لن يهديه أحد (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ ﴿١۹﴾)، والكلام موجه لسيد الخلائق صاحب الشفاعة العظمى والحوض الأوفى (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌۭ كَفَّارٌۭ (٣)) أي أن الله ، تبارك وتعالى، قضى أن يحرم الكاذب الذي كذب على الله وكفر بالله وزعم له الشريكة والولد وزعم له الابن وزعم له البنات وزعم أن الأصنام تشفع، هؤلاء كذبوا على الله والكذب على الناس ليس كالكذب على الله، هؤلاء كذبوا على الله وافتروا وكفروا بالله ، تبارك وتعالى، ولم يعرفوا لله قدره فنسبوا إليه ما لا ينبغي، لذا يقول الله ، تبارك وتعالى، أن هؤلاء الذين سبق في علمه أنهم يكفرون ويكذبون ويفترون على الله الكذب ويزعمون له الشريكة والصاحبة والولد، هؤلاء سبق في علمه أنهم يكفرون لن يهديهم إلى سواء السبيل، ولذا مهما قرئ عليه من القرآن زادهم القرأن نفورا، ومهما تليت عليهم الآيات ومهما خوفوا ما زادهم ذلك إلا طغيانا كبيرا، حتى أن الله ، تبارك وتعالى، أجاب على التساؤلات التي قد يسألها الإنسان في نفسه، هذا القرآن هذا النور، النبي ، صلى الله عليه وسلم، نور مبين كيف عميت عن نوره العيون؟! فيقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬‬
‫(وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ حِجَابًۭا مَّسْتُورًۭا (٤٥)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٥]‬
‫(إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوٓا۟ إِذًا أَبَدًۭا (٥٧)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٥٧] لأن الله ، تبارك وتعالى، قضى من الأزل‬ (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌۭ كَفَّارٌۭ (٣))
‫وتأتي الأدلة الدامغة لكل ذي عقل وبصر يقول الله ، تبارك وتعالى:
لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًۭا لَّٱصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿4﴾
الكلام محال، علق المحال على المحال وذاك جائز في المنطق وفي الأخذ والرد بالحجة والبرهان (لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًۭا) أن يتخذ ولدا ليس بمعنى أن يكون له ولد كما زعموا، وإنما أن يتخذ ولدا بمعنى أن يسمي أحدا من خلقه باسم الولد، لو أراد أن يطلق هذا الاسم، اسم الولد على أحد لاصطفى هو ما يشاء أو من يشاء من خلقه لا ما تصطفون أنتم، لا ما تختارون أنتم، أنتم زعمتم أن عيسى هو ابن الله من أين لكم ذلك؟ فرضتم على الله ذلك أنتم تفرضون وتختارون لله والله يخلق ما يشاء ويختار، فلو افترضنا جدلا، وذاك فرض محال، لو افترضنا أن الله ، تبارك وتعالى، أراد أن يطلق اسم الولد على أحد من الناس أو من الخلق لاختار هو لا ما يختاره الناس له لأنه أدرى بخلقه وأعلم بهم فلو افترضنا أن الله أراد أن يتخذ هذا المخلوق ويسميه ولدا (لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًۭا لَّٱصْطَفَىٰ) لاختار (لَّٱصْطَفَىٰ) الصفوة (لَّٱصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ ) ثم ينفي الفرض المحال ويبين أن الفرض معلق على محال فهو محال (سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿٤﴾) سبحانه تنزيه إسراع في التنزيه، نزه إنفسه بنفسه وعلمنا كيف ننزهه عما لا يليق بجلاله وكماله، سبحانه، ثم عرفنا بذاته العلية الشريفة فقال‫:‬ (هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿٤﴾) وجاء بصفتين‫:‬ الوحدانية والقهارية، أما صفة الوحدانية فهي تنفي المجانسة والمثلية، فطالما كان هو الواحد إذا فلا ند له، طالما هو الصمد إذا فلا ضد له طالما هو الفرد إذا فلا ند له، فالمثلية والتجانس التي يقتضيها الولد منفية، لأنه لو كان له ولد لكان مثيلا له لأن الولد صنو أبيه الولد من جنس الوالد، فإذا كان الوالد إنسانا لا بد وأن يكون الولد إنسانا، وإذا كان الوالد حيوانا لا بد وأن يكون الولد حيوانا وهكذا، فالمثلية والتجانس بين الوالد والولد ضرورية حقيقة قائمة فيما نراه ونشاهده، فإذا كان لله ولدا لا بد وأن يكون الولد متجانسا متماثلا مع الوالد، ولما كان الله ، تبارك وتعالى، هو الواحد الفرد الصمد فمن أين تأتي المثلية ومن أين يأتي التجانس إذا فمحال أن يكون له ولد، محال بالعقل قبل القلب، محال أن يكون له ولد لتنافي المثلية والجنسية حيث هو الله الواحد، وصفات الألوهية في لفظ الله صفات هامة لا تجتمع إلا في الله، تبارك وتعالى‫:‬ الدوام والأزلية والسمع والبصر والحياء والقدرة والإرادة، صفات لا بد وأن يتصف بها الإله فهو واجب الوجود وليس في الوجود واجبين أبدا وإنما الواجب واحد هو الله، (هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿٤﴾) القهار لا بد وأن يكون كل ما سواه مقهورين في قبضته، لا بد وأن يكون هو الغالب لا بد وأن يفعل ما يريد، لا بد وأن يفرض إرادته على كل شيء، القهار الذي يقهر أعداءه، القهار الذي لا يستطيع أحد أن ينتصر عليه أو أن يغلبه أو أن يكون ندا له، القهارية تستلزم الأزلية لأن معنى القهار أنه لا يغلب أبدا وطالما لا يغلب إذا لا يموت، طالما لا يغلب إذا لا‬
‫يضعف، طالما لا يغلب إذا لا ينهزم، فالقهارية المطلقة لله لأنه هو القهار المطلق .إذا فهو الأزلي المطلق الدائم بغير زوال، وطالما أن الله ، تبارك وتعالى، غير زائل فلم يحتاج الولد؟ وكلنا يعلم أن الإنسان منا يحتاج الولد كي يرثه، كي يتمم مسيرته، كي يرث جهده وماله، كي يرث عمله، كي يعاونه في كبره في شيخوخته، يفلح الأرض شاب قوي، يكبر سنه تضعف قوته يلن عظمه، يريد الولد يعاونه ويرثه، فالقهار المطلق كيف يريد الولد وهو القهار المطلق، من هنا يرد الله ، تبارك وتعالى، عليهم ويقول سبحانه (سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱللَّهُ) المتصف بصفات الألوهية المنفرد بالوحدانية والمتصف بالصمدية واحد لا مثل له، فرد لا ند له، صمد لا ضد له، (هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿٤﴾) فمن أين يأتي الولد والمثلية منتفية والجنسية منتفية والزوال غير وارد فهو القهار الأبدي الأزلي، فمن أين يأتي الولد ولم يأتي الولد، (سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿٤﴾).‬
‫ويدلل ربنا ، تبارك وتعالى، بعد ذلك بخلقه بعد أن دلل بصفاته فيقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيْلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّـٰرُ ﴿5﴾
‫(خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ ) هل خلقها غيره؟ هو الذي خلق السموات والأرض بالحق بالعدل بالصواب ليس هزلا ولا لعبا (وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ (٣٨)) [سورة الدخان آية‫:‬ ٣٨] بالحق (يُكَوِّرُ ٱلَّيْلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ ۖ ) الزوال، كل شيء يزول، يغير ولا يتغير، يحول ولا يتحول وكل بداية ولها نهاية وهو القائم بذاته من الأزل إلى الأبد، الآية (خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ ) قبل أن تكون كان الله ولم يكن شيء (يُكَوِّرُ ٱلَّيْلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ) الآية قال فيها العلماء أقوال‫:‬ قالوا (يُكَوِّرُ ٱلَّيْلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ) بمعنى (يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًۭا) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٥٤]، كما قال في موضع آخر أي يأتي النهار على الليل فيزيله ويأتي الليل على النهار فيزيله، أو (يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ) [سورة فاطر آية‫:‬ ١٣]، كما قال في موضع آخر‫:‬ إذا الأيام تتوالى يطول النهار ويقصر الليل ثم يطول الليل ويقصر النهار، فيدخل طائفة من النهار في الليل وتدخل طائفة من الليل في النهار فذاك يقصر تارة وذاك يطول تارة وهكذا، ذاك معنى يكور، والتكوير في اللغة العربية أصلا لف الشيء على الشيء فقالوا كلف اللباس الملبوس فإذا لبس إنسان شيئا لف لباسه عليه فهو مكور للباس، وقالوا أكوار العمامة، العمامة التي يلبسها العلماء فيها أكوار دوائر يدور ويكور القماش على رأسه فتلك تسمى أكوار العمامة، والتكوير لف الشيء على الشيء فقالوا إذا يكور الليل على النهار بمعنى يخفي الليل بالنهار ويخفي النهار بالليل أو يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، والآية قال فيها بعض المحدثين أن الآية دليل على كروية الأرض، وذاك أمر لم يكن معلوما لدى الناس في عصر النبوة فمن أين أتى النبي ، صلى الله عليه وسلم، هذا التعبير الذي يفيد أن الأرض كروية لأنك إذا كورت شيئا على شيء لا بد أن الشيء الذي كورت عليه من حيث الشكل كالكرة وإلا لا يصح التكوير، فلو جئت بعمود أو جئت بشيء مسطح لا يصح التكوير عليه وإنما أكوار العمامة تحدث لأن الرأس مستديرة وهكذا فقد تكون الآية دلالة على كروية الأرض والله أعلم بمراده، (وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّى ۗ ) سخرهما‫:‬ أمرهما فأطاعا وها هي الشمس وها هو القمر منذ آلاف بل منذ ملايين السنين بحسبان وصدق الخالق القائل‫:‬ (ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍۢ (٥)) [سورة الرحمن آية‫:‬ ٥] لا تتقدم عن موعدها، ولا يتأخر القمر عن موعده أبدا، بل حتى إن علماء الدنيا من مراجعتهم ومراقبتهم للظواهر حددوا مواعيد الشروق والغروب لسنوات قادمة، وأنت ترى النتيجة بين يديك تحدثك عن الشروق والغروب في آخر العام منذ أول يوم كيف علموا بذلك؟ المراقبة المستمرة والتأكد من أن الشمس والقمر مسخرين وبحسبان (كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّى ۗ ) الأجل المسمى إما مواعيد الشروق والغروب والسنة الشمسية وللشمس كما قلنا ثلاثمائة وستين منزلا وللقمر ثمانية وعشرين منزلا، إما الكلام عن المنازل، الدورة القمرية والدورة الشمسية، ذاك هو الأجل المسمى النهاية المعلومة والذي علمها الله وسماها، وإما الأجل المسمى هو نهاية الدنيا حيث يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ (٩)) [سورة القيامة آية‫:‬ ٩]‬
‫(إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ (٢)) [سورة التكوير آية‫:‬ ١- ٢]‬
‫(أَلَا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّـٰرُ (٥)) (ألا ) أيضا تنبيه آخر لصفتين من صفات الله ، تبارك وتعالى، هما أساس الثواب والعقاب (أَلَا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّـٰرُ (٥)) العزيز‫:‬ المنيع ليس له مثيل، الغالب الذي ينفذ إرادته وقتما يشاء وكيفما شاء، العزيز الذي إذا أراد عقاب أحد من الناس فلا راد لعقابه، الغفار‫:‬ الستار لذنوب عباده‫.‬‬
‫وبعد أن نبه الله ، تبارك وتعالى، ودلل بخلق السموات والأرض وتسخير الشمس والقمر وتقلب الليل والنهر وأن الحال لا يدوم وأن ما له بداية لا بد وأن تكون له نهاية وأن الإنسان لا بد وأن يعمل ليوم نهايته ويعلم أن الله ، تبارك وتعالى، عزيز غفار يثبت ويعاقب ويجازي ويحكم بالعدل ويحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون في يوم القيامة وأن الدين لا بد وأن يكون خالصا لله ، تبارك وتعالى، فله الدين الخالص، يكلمنا عن أنفسنا ونشأتنا فيقول:
خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍۢ ۚ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ خَلْقًۭا مِّنۢ بَعْدِ خَلْقٍۢ فِى ظُلُمَـٰتٍۢ ثَلَـٰثٍۢ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ﴿6﴾
آيات ودلائل تترى، (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ) تأمل إنسان واحد، خلق آدم، رجل واحد وانظر إلى تعداد الأكوان وتعداد الناس الآن ومنذ متى وكم منهم مات وانقضى وكم منهم سوف يولد لا يحصره حاصر لا يحسبه حاسب لا يعده عاد، أعداد البشر وأعداد الخلائق منذ آدم وإلى أن تقوم الساعة فائق الحصر فائق عن العدد من نفس واحدة، كيف؟ ألا تنتهي هذه النفس ألا تنضب؟ ألا ينضب معينها؟ مهما أخذت من أي شيء لا بد وأن ينتهي، لو نزحت البئر لا بد وأن ينقضي وينتهي ماؤه، أما آدم فمنذ خلق إلى أن تقوم الساعة لا ينقضي نسله وكله كان موجودا من الأزل في صلب آدم فكيف اتسع صلب آدم لكل هذه الخلائق والأناسي؟ تأمل في كلمة (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ) كيف اتسع صلبه لكل هؤلاء (ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) حتى يتوالدا وخلق آدم من غير أب ومن غير أم، وإن جاز لنا أن نقول إنه خلق حواء من أب حيث أن الأصل آدم لأنه خلقها منه فكذلك ضرب المثل بعيسى من غير أب، فهو خالق من غير أداة من غير أسباب، هو غني مستغن عن الأداة والجارحة والمادة وما إلى ذلك فتأمل، (وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍۢ ۚ )، الأنعام ثمانية أزواج من الإبل اثنين ومن البقر اثنين ومن الضأن اثنين ومن المعز اثنين، ثمانية أزواج، والإبل المذكر زوج والأنثى زوج فهما زوجان‫.‬ والبقر كذلك الذكر والأنثى زوجان، فمن الأنعام ثمانية أزواج لأن الزوج يطلق على الذكر ويطلق على الأنثى مفردة، لم قال أنزل؟ وهل نزلت الأنعام من السماء؟ قال بعض أهل الظاهر الذين يأخذون الألفاظ بظاهرها نعم خلق الله ، تبارك وتعالى، الحديد في الجنة وحين أهبط آدم أنزل معه الحديد وقال‫:‬ (وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌۭ شَدِيدٌۭ) [سورة الحديد آية‫:‬ ٢٥]، وقالوا خلق الأنعام في الجنة أيضا وأنزلها وذلك قول مرجوح طبعا، وإنما كلمة "أنزل" تعني خلق وأعطى، أيضا كلمة "أنزل" تعني أن ما نراه الآن في الأرض مما خولنا الله إياه ومما أعطانا ومنحنا إياه بأسباب نازلة من السماء، فالأنعام تكونت من النبات، لولا النبات ما عاشت الأنعام والنبات تكون من الماء، والماء نزل من السماء فهو على سبيل التدريج، ذاك رأي، رأي آخر أن كلمة "أنزل " تعني أن الأشياء التي خلقها الله ، تبارك وتعالى، لكم خلقت بالأمر النازل من السماء النازل من الله "كن فيكون" (وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ)، أي خلقها بأمره النازل من السماء، تأمل تأمل (يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ خَلْقًۭا مِّنۢ بَعْدِ خَلْقٍۢ فِى ظُلُمَـٰتٍۢ ثَلَـٰثٍۢ ۚ ) في الآية خلقا من بعد خلق، نطفة، علقة، مضغة، عظام، لحم، ثم أنشأناه خلقا آخر، حين يولد شيء جديد لم يكن يتنفس في بطن أمه بل كان غارقا في مياه المشيمة والرئتان ممتلئتان بالسوائل لا يتنفس كيف ينبض قلبه؟ كيف يحيا؟ كيف يغذى؟ ثم إذا نزل من بطن أمه وشفط الماء من رئتيه إذا به يتنفس الهواء، ولو أخذته من بطن أمه ووضعته في الماء لمات غريقا كيف وقد كان غريقا منذ لحظة، قال بعضهم‫:‬ (يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ خَلْقًۭا مِّنۢ بَعْدِ خَلْقٍۢ فِى ظُلُمَـٰتٍۢ ثَلَـٰثٍۢ ۚ ) خلقك في صلب أبيك بل أنت مخلوق في صلب آدم النفس الواحدة ثم إذا بك تنزل من صلب آدم إلى صلب ابنه وهكذا من صلب إلى صلب إلى صلب إلى رحم الأم فقد خلقت في صلب الأب ثم في رحم الأم أطوار والظلمات الثلاث‫:‬ ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة المغلف بها الجنين فهي ظلمات ثلاث‫.‬‬
‫وقال بعض علماء الأجنة‫:‬ إن الجنين مغلف بثلاثة أغشية؛ غشاء مانع للماء فلا تختلط سوائل الرحم بالجنين داخل المشيمة وغشاء مانع للهواء فلا يدخل إليه الهواء وغشاء مانع للضوء فلا يدخل إليه ضوء ولا نور فهي ثلاثة أغشية كل غشاء مانع لشيء فهي ثلاث ظلمات ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة‫.‬ وكأن الله ، تبارك وتعالى، ينبه ويقول أنه القادر الخالق بغير أداة وبغير جارحة ولا تحجب رؤيته الظلمات والأستار فها أنت في الظلام الدامس هو يصورك ويشق عينيك ويشق أذنيك ويشق الفم ويهيئ اللسان ويضع منابت الأسنان ثم يجري الدم في العروق ويخلق المعدة والأمعاء والأعصاب والعضلات والمخ وما إلى ذلك ، والسمع والبصر والقلب كل ذلك يدبره ويخلقه ولا تحجب رؤيته الظلمة، ظلمات ثلاث فهو يسويك في الظلام يراك حيث تكون، هل سمعتم؟ هل وعيتم؟ هل تنبهتم؟ (ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ (٦)) أين تصرفون عن الإيمان إلى الكفر، أنى، متى وكيف وإلى أين تصرفون عن هذا ويصرفكم كفركم وضلالكم عن الله الذي تراه في كل شيء، إي وربي فالله تبارك وتعالى يرى في كل شيء، إذا نظرت إلى نفسك رأيت الله، وإذا نظرت إلى الأرض رأيت الله، إذا نظرت إلى السماء رأيت الله وإذا نظرت إلى الجنين رأيت الله وإذا عرفت نفسك عرفت الله‫.‬ هو الواحد هو القهار هو العزيز هو الغفار هو الله ولا يعرف الله إلا الله‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ بعد أن بينت الآيات قضاء الله ، تبارك وتعالى، في عباده، بعد أن بينت الآيات أن لله ، تبارك وتعالى، الدين الخالص وأن الكتاب نزل بالحق وللحق ولإحقاق الحق، وبعد أن بينت الآيات أن الذين اتخذوا من دون الله أولياء لا سند لهم ولا دليل لهم وأن ما ادعوه مخالف للعقل والمنطق فالمثلية والتجانس التي تقتضي الولادة منفية عن الله ، تبارك وتعالى، فليس له مثيل، أيضا الدوام، دوام الله ، تبارك وتعالى، إلى الأبد من الأزل ينفي أن يحتاج هذا الدائم القهار لولد يعاونه أو يرثه، بعد أن دللت الآيات عن قدرة الله ، تبارك وتعالى، وتحكمه وخلقه للسموات والأرض وتسخيره للشمس والقمر وتقليبه لليل والنهار، بعد أن لفتت الآيات أنظار الناس والخلائق أجمعين إلى سر الخلق وقدرة الله ، تبارك وتعالى، في التكوين والتشكيل والتصوير في ظلمات ثلاث في باطن الأرحام، من الذي‬
‫غذاه؟ من الذي رعاه؟ من الذي رباه؟ من الذي أخرجه إلى الدنيا فسواه؟ هو الله، يقول الله ، تبارك وتعالى، بعد ذلك‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا۟ يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴿7﴾
‫(إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ ۖ ) إن تكفروا فلا يرضى لعباده الكفر وهو أيضا غني عنكم فالكلام شرط وجوابه (إِن تَكْفُرُوا۟) شرط (فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ ۖ ) جواب الشرط، (وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ ۖ ) إذا معنى ذلك أن الله ، تبارك وتعالى، لا تنفعه الطاعات ولا تضره المعاصي ولا يزيد في ملكه إيمان مؤمن ولا ينقص من ملكه كفر كافر، (إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ ۖ ) أي غني عن عبادتكم، غني عن إيمانكم مستغن بذاته عما سواه فقد كان ولم يكن شيء (وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ ۖ ) ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، أو ولا يرضى لعباده عموما الخلائق المؤمن والكافر لا يرضى لهم الكفر لرحمته بهم لأن الكفر يضرهم ويسيء مآلهم ويعرضهم للغضب والعذاب فهو لا يرضى لهم الكفر ومن الآية يتبين لك أمر هام أن الإرادة غير الرضا فقد يريد ربنا ولا يرضى، قد يريد وقوع الشيء ولا يرضى وقوعه، الإرادة تسبق الفعل، والرضا يتأخر عن الفعل‫.‬ فالإرادة غير الرضا، فربنا ، تبارك وتعالى، أراد من أبي جهل الكفر لكنه لم يرضى عن ذلك لأنه لو لم يرد الكفر ما كفر كافر فكيف يقع في ملكه ما لا يريد، لا يقع في ملكه إلا ما يريد، إذا معنى ذلك أن الله ، تبارك وتعالى، سمح وأذن وأراد للمعاصي أن تقع وللكفر أن يقع وللباطل أن يظهر في بعض الأحوال لكنه لا يرضى عن ذلك ولكنه سمح بوقوع كل ذلك في ملكه حتى يجازي هؤلاء على أعمالهم قراءة بإشباع الضمة (وَإِن تَشْكُرُوا۟ يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ ) بإسكان الهاء، (وَإِن تَشْكُرُوا۟ يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ ) كما قرأها باختلاس الضمة .‬
‫(۟يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ )، إذا يرضى لكم الشكر ومعنى الرضا هنا الثواب الثناء (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٧] معنى رضا الله ، تبارك وتعالى، عن شكر الشاكرين أنه يثيبهم على شكرهم ويثني عليهم ويجازيهم بأحسن الجزاء‬
‫(وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ) لا بد وأن تعلم ذلك، الوازرة‫:‬ الحاملة، والوزر الحمل، وهؤلاء الكفار يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون، فمهما دعا الوازر أي الحامل للوزر غيره كي يحمل عنه وزره لن يستجيب له حتى أن الأم تنادي ولدها يوم القيامة‫:‬ يا بني ألم يكن بطني لك وعاء، ألم يكن حجري لك وطاء، ألم يكن ثديي لك غذاء فيقول بلى يا أمي، فتقول يا بني فاحمل عني شيئا مما أحمل فيقول إليك عني فإني بشأني عن شأنك مشغول، كل امرئ بشأنه مشغول (ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ (٧)) لا بد، منه بدأنا وإليه نعود لم نكن فخلقنا وبين لنا وأنزل لنا القرآن وأرسل لنا الرسول الكريم وشرح لنا وبين لنا ودلل لنا ورحمنا ورزقنا وأعطانا (وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ ) [سورة النحل آية‫:‬ ١٨] ولا بد من النهاية، نهاية الناس أمام أعينكم ترون كل يوم من يموت ومن تحمل وأنت تشيع الجنازة والنعش يقول لك‫:‬ انظر إلى بعين عقلك أنا المهيأ لنقلك أنا سرير المنايا كم سار مثلي بمثلك، أسمعته يقول ذلك ؟ أوعيت ذلك؟ أوعيت أن المشيعين هم أموات يشيعون ميتا وأن الدور آت لا محالة (ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ ) فيدخل الطائعين الجنة ويدخل العاصين النار لأن إنباء الله لنا بما نعمل معناه أن يجازي على ما علم (فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ ) هل الإعلام فقط؟ إنما الإنباء والإعلام معناه المجازاة، (إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ (٧)) بالنوايا وقد بدأت السورة (أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ ) وبدأت السورة بقوله عز وجل (فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًۭا لَّهُ ٱلدِّينَ ﴿٢﴾) إذا إن الله عليم بذات الصدور معنى ذلك أن الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى‫.‬ أيها الأخ المسلم يقول المصطفى ، صلى الله عليه وسلم، مبينا لنا قضاء الله ، تبارك وتعالى، الأزلي في خلقه فيقول‫:‬ (إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا) والعبرة بخواتيم الأعمال، وخواتيم الأعمال مرهونة بسبق القضاء الأزلي فالعبرة من حيث الظاهر بالخاتمة ومن حيث الحق والباطن والحقيقة بالسابقة (إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴿١۰١﴾) [سورة االأنبياء آية‫:‬ ١٠١].‬
‫إن المعروف لا يجدي إلا مع أهله كما أن النبت الطيب لا يخرج إلا في أرضه والعبد التقي الذي يعرف الله ، تبارك وتعالى، ويؤمن به إذا مسته البأساء صبر وإذا جاءته السراء شكر، والعبد في كل أحواله يتقلب بين الفضل والعدل فإن أصابنا الخير فبفضل الله، وإن أصابنا الضر فبعدل الله وما ربك بظلام للعبيد ويقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍۢ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ (٣٠)) [سورة الشورى آية‫:‬ ٣٠]‬
‫لكن الكافر إذا أصابه الخير نسبه لنفسه وجهده أو نسب المطر للأنواء والنجم والكوكب، وإن أصابه الضر ضل ما كان يدعو إليه ولجأ إلى الله ، تبارك وتعالى، موحدا له فإذا كشف الله ضره نسي ما كان يدعوا إليه من قبل، لذا يقول الله ، تبارك وتعالى، في سورة الزمر‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ضُرٌّۭ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعْمَةًۭ مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوٓا۟ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًۭا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ ﴿8﴾
الإنسان في هذه الآية هو الكافر، سياق الكلام في الآي يدل على أن المقصود بالإنسان هنا هو الإنسن الكافر، (وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ) أي الكافر (ضُرٌّۭ) شدة فقر بلاء مرض، إذا مسه ضر، ولم ينسب ربنا ، تبارك وتعالى، الضر لنفسه ولم يقل إذا مسه ضر منا بل قال‫:‬ (وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ضُرٌّۭ) وفاعل الضر غير مذكور ليبين لك أن ما أصابك من ضر فبشؤم معصيتك وبسوء عملك (دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيْهِ) راجعا إليه موحدا له مستغيثا به، نسي الأصنام والأنداد ونسي جهده وما كان يدعوا إليه، نسي ما كان يقرب إليه القرابين وعلم أن الله هو النافع وهو الضار وأنه لا يسوق الخير إلا الله وأنه لا يكشف السوء إلا الله فلجأ إليه ودعاه مخبتا منيبا مطيعا تائبا راجعا مقرا بوحدانية الله وبقدرته‫.‬‬
‫(ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعْمَةًۭ مِّنْهُ) وهنا نسب ربنا النعمة إليه ونسب الفضل إليه فلا يسوق الفضل إلا الله، ومعنى ذلك أن ما أصابك من خير فبفضل الله ليس باستحقاقك أبدا، بل هو سبق فضل من الله، وإن أصاب الإنسان ضر فلمعصيته وبذنبه وبسوء عمله بل يعفو ربنا عن الكثير ولا يؤاخذ إلا على القليل (إِذَا خَوَّلَهُۥ) ملكه، خولك الله الشيء‫:‬ ملكك إياه، وخول الرجل‫:‬ خدمه وحشمه، والخائل‫:‬ الخادم، فإذا خوله‫:‬ ملكه وأعطاه (نِعْمَةًۭ مِّنْهُ) من فضل الله ، تبارك وتعالى، (نَسِىَ) أي نسي الكافر (مَا كَانَ يَدْعُوٓا۟ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ) أي نسي الله الذي كان يدعوه ونسي الضر الذي كشفه عنه الله ونسي الدعاء والإنابة والإخبات والرجوع نسي كل ذلك حين أصابته النعمة وانكشف عنه الضر (نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوٓا۟ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ)، لم ينسي فقط بل (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًۭا) جمع ند، والند‫:‬ المثل والنظير، (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًۭا) كالأصنام كالأوثان كالبشر (ليَضِلّ عن سبيله) قراءة أي يضل هو نتيجة جعله أندادا لله أو (لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ) أي ليضل غيره كسدنة الأصنام وكهنة المعابد والدجالون في كل زمان ومكان الذين يكشفون السوء عن الناس بالدجل وبالقرابين وبمؤاخاة أو مخاواة الجن وما إلى ذلك، كل هؤلاء إذا جعلوا أندادا لله في كشف الضر انطبقت الآيات على فاعل ذلك، يقول الله ، تبارك وتعالى، لهؤلاء (قُلْ) أي قل لهم يا محمد من كان هذا شأنه (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ (٨)) الكلام يدل على أمرين‫:‬ الأمر أولا أمر تهديد، هو أمر من الله، هل يأمر ربنا الكافر أن يكفر؟ هل يأمر الكافر بأن يتمتع بكفره؟ إذا فهذا الأمر ليس أمر للطاعة وإنما هو أمر تهديد ووعيد كما يقول ربنا ، تبارك وتعالى‫:‬ (ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٠] تهديد، من هنا يهدد ربنا ، تبارك وتعالى، ويقول (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ) أمر تهديد فيه إشارة أن الكفر نوع من التشهي تشتهيه النفس فيه لذة الكبر والاستكبار، فيه لذة الدجل وإضلال الناس فيه الانتفاع من وراء هذا الكفر، من هنا يقول الله الله ، تبارك وتعالى، (تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ ) إشارة إلى أن الكفر نوع من التشهي لا سند له ولا دليل له، أيضا إشارة إلى أن الكافر يتمتع في الدنيا قليلا لأن الدنيا عمرها قصير (تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ )، إذا فليس له الحق في التمتع بنعيم الآخرة (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ (٨)) رتب الكلام على هذا، رتب على هذا التمتع والأمر التهديدي بالتمتع القليل وأن الدنيا عمرها قصير، رتب على ذلك الحرمان من نعيم الآخرة ومن الرحمة حيث قال مؤكدا‫:‬ (إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ (٨)) وبضدها تتميز الأشياء، هذا فريق من الناس، فريق آخر يقول الله ، تبارك وتعالى، فيه‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًۭا وَقَآئِمًۭا يَحْذَرُ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ ﴿9﴾
‫(أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ) أي أذلك الذي ذكر شأنه خير أمن هو قانت؟ القنوت‫:‬ لزوم الطاعة مع الخضوع، والقنوت يأتي في أحوال كثيرة كالصلاة، والقنوت في الصلاة إطالة الركوع وإطالة القيام والاطمئنان في السجود وطول القراءة، وكانت الصحابة وكان العلماء من بعدهم ، رضي الله عنهم أجمعين، إذا قاموا إلى الصلاة لم يعبثوا بشيء وغضوا أبصارهم وخضعوا وأطالوا قراءة القرآن ولم يذكروا شيئا من أمور الدنيا في صلاتهم إلا ناسين، إذا نسي تشده الدنيا لحظة ثم يتذكر، القنوت في الصلاة والتزين لله ، تبارك وتعالى، وقد ( روى نافع حيث قال‫:‬ أمرني ابن عمر بالصلاة فقال‫:‬ قم فصل فقمت أصلي وعلي ثوب خلق أي قديم، بالي، فدعاني فقال‫:‬ أرأيت لو وجهتك في حاجة أكنت تمضي هكذا؟ قلت‫:‬ كنت أتزين فقال ابن عمر‫:‬ فالله ، تبارك وتعالى، أحق أن تتزين له) . حتى ذاك لم يغفلوا عنه، أخذ الزينة عند الصلاة أن تلبس أحسن ثيابك وأنظفها (أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ) ساعات الليل أو في أول الليل ووسط الليل وآخر الليل، الأناء جمع إنا‫:‬ الساعة قانت طائع خاضع، مصل قائم لله يناجيه بكلامه وتتملق إليه بإحسانه (ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًۭا وَقَآئِمًۭا يَحْذَرُ ٱلْـَٔاخِرَةَ) يخاف عذاب الله (وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ ) يرجو النعيم يرجو الجنة يرجو المغفرة‬ (يَحْذَرُ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ )
‫إذا فلم يسوي ربنا ، تبارك وتعالى، بين القانت الطائع القائم بالليل وبين هذا الذي إذا مسه الضر لجأ إلى الله فإن جاءته النعمة وانكشف الضر نسي الله، وقرأت أيضا (أمن هو قانت) على النداء بمعنى يا من هو قانت كما يقول للعبد من لا يصلي ولا يصوم يدخل النار، يا من يصلي ويصوم أبشر بالجنة فكأن القراءة تعني النداء ينادي ربنا ، تبارك وتعالى، على القانتين (أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ) أي يا من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما تحذر الآخرة وترجو رحمة ربك أبشر بإجابة ما طلبت، أو على السؤال أيضا (أمن هو قانت) أي أمن هو طائع قائم يصلي خير أمن لا يصلي ولا يقنت ولا يدعو الله ، تبارك وتعالى، ولا يلجأ إليه إلا في الشدة، وفي هذه الآية يقول ابن عباس ، رضي الله عنه، من أحب أن يهون عليه الوقوف يوم القيامة فليره الله في ظلمة الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، ثم يقول الله ، تبارك وتعالى، (قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ ) هل يستوي العالم وغير العالم؟ وكأن الله ، تبارك وتعالى، بين لنا أن القوة العملية بالعبادة وعدمها لا يستوي الناس فيها ثم أيضا لا يستوون في القوة العلمية، وكما لا يستوي الناس في العمل لا يستوي الناس أيضا في العلم تشريفا لقدر العلم ورفعة لشأن العلماء، ففضل العالم على العابد كفضل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، على سائر الأمة وما بين العالم والعابد كما بين السماء والأرض من درجات، فالله ، تبارك وتعالى، يبين فضل العلم، والعالم لا يكون عالما إلا إذا انتفع بعلمه فعمل به، فإذا لم ينتفع بعلمه ولم يعمل به كان كمن لا يعلم سواءً، ، (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ) (إنما يذكر ) (أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ (٩)): أولوا العقول السليمة أصحاب النهي أصحاب العقول السليمة التي عرفت طريقها إلى الله ، تبارك وتعالى، وميزت بين الحق والباطل‫.‬‬
‫ويتوجه النداء من الله ، تبارك وتعالى، على لسان نبيه ، صلى الله عليه وسلم، آمر الله أن يقول لعباده الطائعين .‬‬‬‬‬‬
قُلْ يَـٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌۭ ۗ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ﴿10﴾
‫(قُلْ يَـٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ ) إذا الخطاب للمؤمن والمؤمن يتقي الله ، تبارك وتعالى،بالبعد عن المعاصي وبالبعد عن كل ما يغضب الله ، تبارك وتعالى، والبعد عن كل ما يسخطه (ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ ) واظبوا على التقوى وداوموا عليها (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌۭ ۗ ) للذين أحسنوا حسنة في الدنيا أي لهم حسنة في الدنيا وحسنة الدنيا كما قالوا الصحة، العافية، الثناء الحسن، الظفر، الغنيمة لهم في الدنيا حسنة ولهم في الآخرة الثواب العظيم، أو (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا) أي كما كانوا محسنين في هذه الدنيا في حياتهم حسنة يوم القيامة رضوان الله ، تبارك وتعالى، وثواب الله .‬
‫(وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ ) تعني‫:‬ رزق الله واسع للطائعين، وقد نبهنا ، صلى الله عليه وسلم، أن‫:‬ (الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ)، بالذنوب يحرم من الرزق، وباتباع نهج النبي ، صلى الله عليه وسلم، واتباع سنته تتسع الأرزاق، بالطاعة ترزق، (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ ) [سورة الطلاق آية‫:‬ ٣]، نعم، يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ ) إذا فرزق الله واسع فابتغ عند الله الرزق واعبده واشكره إليه ترجعون، أو أرض الله واسعة الجنة عرضها السموات والأرض وقد يطلق على الجنة كلمة أرض كما قال الله ، تبارك وتعالى، (وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ (٧٤)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٤]‬
‫(وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ ) جنة الله عرضها السموات والأرض‫.‬‬
‫أو (وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ ) حث وأمر بالهجرة لمن لا يستطيع أن يعبد الله قانتا مخلصا له الدين في أرضه، في أرض الكفر، وربنا ، تبارك وتعالى، يحذر المسلمين الأوائل الذين امتنع بعضهم عن الهجرة فيقول‫:‬ (إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ٩٧]‬
‫إذًا فذاك أمر بالهجرة إذا لم يستطع الإنسان أن يعبد الله ، تبارك وتعالى، آمنا مطمئنا قانتا مخلصا دينه لله فعليه أن يهاجر لأن أرض الله واسعة‫.‬‬
‫(إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍۢ (١٠)) نعم الصابرون على الطاعة، الصابرون عن المعصية، الصابرون في البأساء وفي الضراء، الصابرون على البلاء، الصابرون في كل الأحوال يوفى الصابرون أجرهم، (بِغَيْرِ حِسَابٍۢ (١٠)) بغير تقدير، (بِغَيْرِ حِسَابٍۢ (١٠)) من الحساب لا يستطيع الحاسب أن يحسب، (بِغَيْرِ حِسَابٍۢ (١٠)) أي يزاد لهم الثواب لأن العبد إذا أعطي الأجر على قدر العمل كان ذلك بالحساب، فإذا زيد الثواب عن العمل كان ثوابا بغير حساب، أيضا (يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍۢ (١٠)) بغير حساب منهم بغير توقع، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهناك معنى آخر أن الآية تختص بمن صبر في الدنيا على البلاء، ويقول النبي ، صلى الله عليه وسلم، حيث يروي عنه أنس‫:‬ (تُنْصَبُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُؤْتَى بِأَهْلِ الصَّلَاةِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهُمْ بِالْمَوَازِينِ، وَيُؤْتَى بِأَهْلِ الْبَلَاءِ، وَلَا يُنْصَبُ لَهُمْ مِيزَانٌ، وَيُنْشَرُ لَهُمْ دِيوَانٌ فَيُصَبُّ عَلَيْهِمُ الْأَجْرُ صَبًّا بِغَيْرِ حِسَابٍ حَتَّى يَتَمَنَّى أَهْلُ الْعَافِيَةِ أَنَّهُ كَانَتْ تُقْرَضُ بِالْمَقَارِيضِ أَجْسَادُهُمْ مِمَّا فِيهِ أَهْلُ الْبَلَاءِ مِنَ الْفَضْلِ)، وقد روي أن‫:‬ (يُنَادِي مُنَادٍ: أَيْنَ الصَّابرُونَ؟ لِيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ قَبْلَ الْحِسَابِ. فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ، فَتَلْقَاهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَيَقُولُونَ: إِلَى أَيْنَ يَا بني آدم؟ فيقولون‫:‬ إِلَى الْجَنَّةِ. فَيَقُولُونَ: قَبْلَ الْحِسَابِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُونَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الصَّابِرُونَ (سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ (٢٤)) [سورة الرعد آية‫:‬ ٢٤])‬
‫(إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍۢ (١٠)).‬
‫ثم يأتي الأمر للنبي ، صلى الله عليه وسلم، لإبلاغ الناس:
قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصًۭا لَّهُ ٱلدِّينَ ﴿11﴾ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴿12﴾ قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ﴿13﴾
إذًا فقد أمر النبي ، صلى الله عليه وسلم، أن يبين للناس أنه قدوة وأنه أسوة فقد أمره الله ، تبارك وتعالى، أن يكون مقدما على الناس دنيا وأخرى فيعبد الله مخلصا له الدين خالصا من الشرك والرياء والنفاق (قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصًۭا لَّهُ ٱلدِّينَ (١١)) كما قال سبحانه وتعإلى في أول السورة (أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ ) فقد أمر النبي ، صلى الله عليه وسلم، أن يكون قدوة في هذا، (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ (١٢)) فهو أول المسلمين في أمته وقد ترك الأصنام ولم يسجد لصنم وتحنث في غار حراء من قبل البعثة فكان أول المسلمين من أمته ومن قريش ومن الناس كافة، (قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ (١٣)) عظيم لعظم ما فيه من العذاب ومن الثواب ومن الهول ومن الكروب، لم قال النبي ، صلى الله عليه وسلم، ذلك؟ لأن مشركي مكة راودوه وحاولوا أن يردوه لعبادة آلهتهم فقالوا له يوما اعبد إلهك يوما واعبد آلهتنا يوما ونحن نعبد إلهك معك وأنت تعبد آلهتنا معنا فيقول النبي ، صلى الله عليه وسلم، رادا عليهم بأمر الله ، تبارك وتعالى، (قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ (١٣)) أي إن عصيت ربي في الإخلاص ولم أخلص له العبادة أو مالت نفسي أو ملت إلى شرككم أو أصنامكم عذاب يوم عظيم ونسب العظم لليوم لهول ما يحدث فيه ثم يقول‫:
قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًۭا لَّهُۥ دِينِى ﴿14﴾ فَٱعْبُدُوا۟ مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِۦ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ﴿15﴾ لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌۭ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌۭ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ ۚ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ﴿16﴾
‫(قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًۭا لَّهُۥ دِينِى (١٤)) إذا فقد أمر أولا أن يخبرهم أن الله أمره أن يخلص العبادة والدين لله، ثم ها هو يؤكد أنه أطاع الأمر ونفذه ولا يعبد إلا الله (قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًۭا لَّهُۥ دِينِى (١٤) فَٱعْبُدُوا۟ مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِۦ ۗ ) تهديد ووعيد أيضا قطع لأطماعهم، طمعوا في أن يفتنوه عن دينه، طمعوا في أن يميل إليهم فلقطع أطماعهم وتيئيسهم، قال المصطفى ، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًۭا لَّهُۥ دِينِى (١٤))، (فَٱعْبُدُوا۟) أنتم ، (فَٱعْبُدُوا۟ مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِۦ ۗ ) هل يأمر ربنا ، تبارك وتعالى، الكفار أن يعبدوا الأصنام ! ذاك أمر والأوامر في القرآن أنواع أمر تهديد، أمر توبيخ، أمر يجب ويجب مفروض كأقم الصلاة مثلا، أمر على الندب، أمر على الاستحسان كقوله (فَكُلُوا۟ مِنْهَا) [سورة الحج آية‫:‬ ٢٨]، أمر بالأكل من الهدي ولحوم الأضاحي فإذا لم تأكل هل عصيت ربك؟ فالأوامر أنواع يجب على الإنسان أن يتأمل فيها، ها هنا الأمر (ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ (١٥)) أمر تهديد ووعيد (فَٱعْبُدُوا۟ مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِۦ ۗ ) الخاسرين حقا الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة بإدخالها جهنم فخسروها، أما الأهل في الدنيا أضلوهم، أضل الأب ابناءه وأضل الرجل زوجه وأضل أبناءه، فإذا أضلهم وساروا معه في الضلال دخلوا معه في جهنم فخسرهم كما خسر نفسه وإذا لم يطعه أحد وأطاع الأبناء دخل الأبناء الجنة فخسرهم أيضا لأنه هو في النار وأهله في الجنة لا يراهم ولا يجتمع بهم فهو خاسر على كل الأحوال، قالوا أيضا ما من عبد وما من مخلوق طائع أو عاص إلا وله مكان في الجنة وله زوج من الحور العين في الجنة فإن دخل النار بعمله وبكفره حرم من أهله في الجنة وحرم من مكانه في الجنة وورث أهله ومكانه في الجنة الوارثون (أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ (١٠) ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ (١١)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١٠- ١١]،‬
‫(أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ (١٥)) البين الخسران الواضح، الخسران الذي ليس بعده خسران، ويصف ربنا ، تبارك وتعالى، أحوالهم في جهنم فيقول (لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌۭ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌۭ ۚ ) سمى ما تحتهم ظللا لأن ما تحتهم من الظلل أو من النار يظل أقواما أخرين فالنار دركات أسفل كلما تنزل تنزل إلى الدرك (إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ) [سورة النساء آية‫:‬ ١٤٥]، والجنة درجات، صعود، فالنار هبوط والجنة صعود، فأهل النار من فوقهم نار فهي ظلل تظلهم ومن تحتهم نار تظل من هم تحتهم أيضا، فهؤلاء من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل إذا فقد أحاطت النار بهم من كل مكان وكأنهم وقفوا في النار وكلما اشتد لهب النار خرجوا وعلوا مع اللهيب وأوشكوا أن يقفزوا خارج النار فإذا بالخزنة تردهم بالمقامع من حديد (كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ (٢٢)) [سورة الحج آية‫:‬ ٢٢]، هؤلاء لهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل‫.‬‬
‫(ذَٰلِكَ) أي ذلك الوصف وذلك الإخبار (ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ ۚ ) أهل التقوى أهل النهى أهل العقول السليمة، (ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ ۚ ) أولياءه (يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ (١٦)).‬
‫بعد أن بين الله ، تبارك وتعالى، أحوال أهل الجحيم بين الله ، تبارك وتعالى، أحوال أهل النعيم فقال:
وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿17﴾ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ ﴿18﴾
‫(وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ) الطاغوت اسم عربي مشتق من الطغيان، والطغيان‫:‬ تجاوز كل حد ويطلق كلمة "الطاغوت" على الجمع وتطلق أيضا على المؤنث والطاغوت كل رأس في الضلال، كل مضل زعيما في الإضلال مقدما على قومه في العصيان يطلق عليه هذا اللفظ وغالبا ما يطلق لفظ "الطاغوت" على الشيطان .‬
‫(وَأَنَابُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ) رجعوا إلى الله ووحدوا الله ، تبارك وتعالى، تابوا إليه، هؤلاء الذين أنابوا إلى الله (لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧)) لهم البشرى في الدنيا على ألسنة الرسل ها هو النبي ، صلى الله عليه وسلم، يبشرنا بآيات القرآن يحدثنا عن النعيم وعن الجنة، عن الغفران، عن الرحمة، عن الحور العين فلهم البشرى على ألسنة الرسل، أيضا لهم البشرى حين الموت حيث تأتيهم ملائكة الموت بالبشرى، يبشروهم حين الموت، لأن العبد حين الموت يعرف مكانه ومقامه حين الموت فإذا كان من المتقين الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم، (لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ ۚ ) يستمعون القرآن ويستمعون غير القرآن فيتبعون القرآن، يستمعون الكلام الحسن ويستمعون الكلام القبيح فيتحدثوا بالحسن من الكلام ولا يتحدثوا بالقبيح من الكلام، يستمعون القرآن ويستمعون لحديث سيد الأنام فيتبعون أحسنه‫.‬‬
‫(أَحْسَنَهُۥٓ ۚ ) أي أحسن القرآن وأحسن الحديث أي المحكم، المحكمات من الآيات، يتبعوا المحكمات من الآيات ويؤمنوا بالمتشابهات فهم يتبعون أحسنه، أو يستمعون القرآن فيجدوا في القرآن عزائم ويجدوا في القرآن رخص فيتبعون العزائم ويذرون الرخص هؤلاء الذين يستمعون القرآن فيتبعون أحسنه (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ (١٨))، (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ ۖ ) إذا فالآية تدل على أن الهدى من الله ومن يهد الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له، إذا فإن كنت على هدى فالهادي لك هو الله، وإن كنت على تقى فإن الملهم لك هو الله، وكل عمل صالح تأتيه فالمقدر لك ذلك هو الله، إذا فالله ، تبارك وتعالى، هو الهادي ولن يستطيع مخلوق أن يهدي مخلوقا أبدا حتى الرسل يقول الله ، تبارك وتعالى، لسيد الخلائق (إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ) [سورة القصص آية‫:‬ ٥٦]، (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ ۖ ) إلى طريقه وإلى رضوانه وإلى طاعته (وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ (١٨)) أصحاب العقول، أصحاب النهى أصحاب العقول السليمة الذين ميزوا بين الحق وبين الباطل لأن الإنسان إذا فقد التمييز فقد المعرفة وإذا فقد المعرفة ضل طريقه دنيا وأخرى، أما هؤلاء الذين تحدثنا عنهم الآيات إذا استمعوا القول ميزوا بين الطيب والخبيث ميزوا بين الأحسن والحسن، ميزوا بين الأفضل والفاضل، فاتبعوا أفضل الكلام وأحسن الكلام وأعلى الأمور‫.‬‬
‫هؤلاء أصحاب التمييز أصحاب العقول السليمة أولئك هو أولو الألباب‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ ﴿19﴾
آيات تدل على قضاء الله تبارك وتعالى، أيضا (أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌۭ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ (٢٢)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٢٢]، وتشبه الآيات الحياة الدنيا بالأرض، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَسَلَكَهُۥ يَنَـٰبِيعَ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًۭا مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥ) [سورة الزمر آية‫:‬ ٢١]، وتبين الآيات أحوال الزرع لم يكن ثم خرج فإذا به مخضرا فإذا به مصفرا فإذا به حطاما هكذا الدنيا وهكذا كل شيء وكل ما كان له بداية لا بد وأن يكون له نهاية، والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، لا شك أن العبد ميت، لا شك في هذا وليس منا أحد مخلد، فإذا كان الإنسان واثقا من موته فلم لا يعمل لما بعد الموت لم لا يستعد لما بعد الموت؟‬
‫أيها الأخ المسلم الصلاة بالليل والناس نيام من أعظم القربات لأن هذه الصلاة فيها القنوت لله ، تبارك وتعالى، ليس فيها شبهة رياء أو نفاق فلا أحد يراك ولا أحد يسمعك إلا الله ، تبارك وتعالى، أيها الأخ المسلم لله ، تبارك وتعالى عباد لا يهجعون من الليل إلا قليلا يقومون الليل يصلون ويقرأون القرآن وينادون الله بكلامه ويتملقوا إليه بإحسانه أملهم أن يعطيهم الله ، تبارك وتعالى، لذة النظر إلى وجهه الكريم، وإذا وضعت أعمالهم في الموازين لم تتسع لها الموازين حتى أن السماوات والأرض لو وضعت في موازين أعمالهم لاستقلها الله ، تبارك وتعالى، لهم اعتبرها قليلة في حقهم، هؤلاء أيضا يقول فيهم نبي من أنبياء الله ، تبارك وتعالى، أوحى الله ، تبارك وتعالى، إليه فقال‫:‬ إن لي عبادا أحبهم ويحبونني وأنظر إليهم وينظرون إلي وأشتاق إليهم ويشتاقون إلي إذا حذوت طريقهم أحببتك وإن عدلت عن ذلك مقتك، فقال يا رب وما علاماتهم، ما علاماتهم حتى يسلك سلوكهم وينهج نهجهم، قال‫:‬ يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي غنمه، إذا فهم يتتبعون الظلال مواقيت الصلاة إذا أشرقت الشمس جاء الظهر جاء العصر غربت الشمس تعرف المواقيت بطول الظل إذا فهم يتتبعون مواقيت الصلاة لا شاغل لهم إلا أداء الصلاة في وقتها، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها، يتشوقون إلى الغروب يستعجلونه يشتاقون إليه كما تشتاق الطيور إلى الأوكار والعشوش، فإذا جنهم الليل، سترهم غطاهم، واختلط الظلام نصبوا إلي أقدامهم وفرشوا إلي جباههم ونادوني بكلامي وتملقوا إلي بإحساني فهم بين صارخ وباك وبين متأوه وشاك بعيني ما يتحملون من أجلي وبسمعي ما يشتاقون من حبي فأول ما أعطيهم أن أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم والثاني لو وضعت السماوات السبع والأراضين السبع في موازينهم لاستقللتها لهم والثالث أني أقبل عليهم بوجهي ترى من أقبلت عليه بوجهي أيعلم أحد ما أريد أن أعطيه) نعم ثلاث أمور ينال هؤلاء الساجدون القائمون آناء الليل يحذرون الآخرة ويرجون رحمة ربهم ثلاثة أمور‫:‬ نور الله في قلوبهم فإن تحدثوا عن الله تحدث الله عنهم هم يحدثون الناس عن الله في الأرض وهو يحدث الملأ الأعلى عنهم في السماء‫.‬‬
‫الأمر الثاني أن يوم القيامة الموازين لا تتسع لأعمالهم حتى السماوات السبع والأراضين السبع لو وضعت في ميزان هؤلاء كانت قليلة بالنسبة لهم فلا ميزان لهم ولا ديوان، الثالث أن الله ، تبارك وتعالى، إذا حشرهم يوم القيامة أقبل عليهم بوجهه وتركنا نتأمل ونتفكر ترى ماذا تعتقد وماذا تظن من أقبل الله عليه بوجهه هل يعلم مخلوق ما يريد الله أن يعطيه حتى المقربون من الملائكة‫.‬.‬
‫أيها الأخ المسلم تقوى الله في السر وفي العلن، تقوى الله أن تتقي الغضب وأن تتقي السخط، تقوى الله ألا يشغل قلبك إلا الله، تقوى الله أن تعلم أن الله ، تبارك وتعالى، هو الله، هو الله بجميع صفات الألوهية النافع الضار السميع البصير‫.‬‬
‫كان النبي ، صلى الله عليه وسلم، حريصا على إيمان قومه وأهله وعشيرته وكان مشفقا عليهم من عذاب الله ، تبارك وتعالى، وجد في ذلك واجتهد كثيرا وكان أسيفا عليهم حزينا لتكذيبهم حتى أن الله ، تبارك وتعالى، قال له (فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٦]‬
‫وقال له جل تعالى (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ ۚ ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٨] وكأنه ، صلى الله عليه وسلم، كاد يموت حسرة على قومه من حزنه عليهم دعا واجتهد في دعوته وأراد لهم النجاة لأنه يعلم ما لا يعلمون ويرى ما لا يرون، وفي سورة الزمر والتي نحن بصددها يقول الله ، تبارك وتعالى، له‫:‬ (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ (١٩)) آية لو تأملت فيها لأشفقت كيف تحملها النبي ، صلى الله عليه وسلم، الله ، تبارك وتعالى، يأمره بدعوة أهله وعشيرته ويقول له (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ (٢١٤)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٢١٤]، ها هو يدعوهم ويصبر على الأذى ويحتمل منهم ما لا يحتمله بشر ثم يقول الله ، تبارك وتعالى، هؤلاء حقت عليهم كلمة العذاب، سبق القضاء الأزلي بأنهم من أصحاب النار فكيف أنت تنقذهم من النار، ماذا تفعل؟ هل ينفصل عن دعوته؟ هل ييأس؟ هل يمتنع عن دعائهم، هل يكف عن دعوة أبي جهل أو أبي لهب وقد سمع الله يقول‫:‬ (تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍۢ وَتَبَّ (١)) [سورة المسد آية‫:‬ ١]‬
‫ظل يدعو وما اعتزل، ظل يدعو مشفقا عليهم آملا في نجاتهم لكن الله ، تبارك وتعالى، يبين أن من سبقت له السعادة فهو السعيد والسعيد في بطن أمه ومن كتبت عليه الشقاوة فهو الشقي والشقي في بطن أمه، فيقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ) أزلا هو من أهل النار مكتوب لها (أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ (١٩)) ومن الغريب أن التعبير يشعر بأن من كتب عليه كلمة العذاب كأنه واقع في النار لا محالة وكأنه دخلها لأن الله ، تبارك وتعالى، يقول له (أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ (١٩)) وكأنهم دخلوها وكأنهم فيها لأن الحق واقع والقضاء نافذ.
لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌۭ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌۭ مَّبْنِيَّةٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ ﴿20﴾
بعد أن بين الله ، تبارك وتعالى، في آية سابقة مصير أهل النار وأن لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل بين أن المتقين لهم غرف من فوقها غرف، إذا فالجنة درجات صاعدة والنار دركات، (غُرَفٌۭ مَّبْنِيَّةٌۭ) إذا فمعنى هذا أن هذه الغرف دائمة لا تزول لأن العرب اعتادوا أن ينصبوا خياما وبيوتا من شعر وبيوتا من وبر ينزل ويرتحل غير مستقر ولا يستقر إلا أهل الحضر، فالتعبير بكلمة مبنية تدل على أنها ثابتة دائمة لا زوال لها ولا تحول عنها، (لَهُمْ غُرَفٌۭ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌۭ مَّبْنِيَّةٌۭ) إذا فهو صعود ودرجات وقصور لا يعرف مدى ارتفاعها وجلالها إلا الله ، تبارك وتعالى، (تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ ) تجري من تحت هذه الغرف والقصور الأنهار (تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ ) تجري أمامها، أمور لا تخطر على عقل بشر كيف تجري الأنهار من تحت الغرف؟ أهي عائمة؟ وإن كانت عائمة كيف تكون مبنية؟! الجنة من صنع الله هو الذي جعل فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ ۖ ) أي أن الله وعدهم ذلك وعدا، منصوبة على المصدر، لأن الله ، تبارك وتعالى، يقول لهم غرف، كأن ذلك هو الشرط "لهم غرف وعد الله" أي وعدهم بهذه الغرف المبنية‫.‬‬
‫(لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ (٢٠)) لأن خلف الميعاد نقص، أنت قد تعطي ميعادا وتخلف ذلك لنقص فيك فأنت لا تضمن الصحة لا تضمن الوقت لا تضمن اليقظه فقد تنام ويأخذك النوم وقد تنسى وقد لا تتمكن من الوفاء بالوعد لأنك قاصر ناقص، لكن الله ، تبارك وتعالى، لا يخلف الميعاد لأنه الفعال لما يريد ولا تأخذه سنة ولا نوم‫.‬‬
‫وتنتقل الآيات بضرب مثل تراه أعيننا‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَسَلَكَهُۥ يَنَـٰبِيعَ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًۭا مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّۭا ثُمَّ يَجْعَلُهُۥ حُطَـٰمًا ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ﴿21﴾
كل ماء في الأرض فمن السماء نزل، ما من ماء في الأرض إلا وقد نزل من السماء (أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَسَلَكَهُۥ) أدخله (يَنَـٰبِيعَ) جمع ينبوع (فِى ٱلْأَرْضِ) إذا فكلمة ينابيع تحمل معنيين‫:‬ المعنى الأول أنه منابع في الأرض مخزون وتحمل معنى التفجر من الينابيع، نبع الماء‫:‬ خرج، والمنبع‫:‬ مصادر الماء داخل الأرض، وتلفت النظر هذه الآية أن الله ، تبارك وتعالى، حفظ لنا الماء في الأرض فما تغير وما تكدر وإذا خرج من الأرض خرج عذبا سائغا شرابه، وأنت لو حفظت الماء لتغير وتكدر، وكلنا يشاهد ذلك ويراه لو جئت بماء ووضعته في كوب وتركت هذا الماء في هذا الكوب أو في زجاجة يوما أو بعض يوم لرأيت الماء قد تكدر وتغير، يتغير لونه ويصبح ماء آسنا والبرك خير شاهد على ذلك والمستنقعات كذلك، أما الله ، تبارك وتعالى، فحين سلك الماء ينابيع في الأرض حفظه فيها فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين‫.‬‬
‫(ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًۭا مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥ) أصناف مختلفة، مئات الألوف من الأصناف حتى في النوع الواحد تتعدد أصنافه كالبرتقال مثلا أصناف، كالتمر مثلا أصناف وأنواع لا عد لها ولا حصر، والحلو والمر واللاذع والسهل والصعب والأخضر والأحمر والأصفر ألوان أصناف أنواع مختلف في الطعم والنفع والرائحة واللون، من ماء واحد ومن أرض واحدة (ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًۭا مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥ) بنفس الماء، (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّۭا) يهيج‫:‬ ييبس، هاج النبات‫:‬ يبس ويطلق على يبس النبات هياجا لأن النبات إذا يبس أوشك أن يثور ويخرج من الأرض، ولذا يقال هاج الرجل هياجا‫:‬ اشتد غضبه وخرج منه الغضب، نفث غضبه، فكذلك النبات هياج النبات معناه اليبس والجفاف، إذا فهو على وشك أن ينزع وأن يخرج وأن يثور وأن ينفجر من الأرض، (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّۭا) لونا آخر يابسا (ثُمَّ يَجْعَلُهُۥ حُطَـٰمًا ۚ ) متفتتا متكسرا، تحطم العود‫:‬ تفتت وتكسر وكذلك النبات يخرج زرعا مختلفا ألوانه ثم إذا به يشتد ثم إذا به يصلب، ييبس، ثم يتغير لونه فيصفر ثم إذا به حطام متفتت متكسر، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ) تذكر وتذكير (لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ (٢١)) لأصحاب العقول الواعية، التذكر في هذه الآية كأن الله ، تبارك وتعالى، أراد أن يبين لنا أمورا‫:‬ الأمر الأول أن الدنيا لا دوام لها وأن الدنيا حكمها كحكم هذا الزرع تتغير بعد البهجة وبعد السرور وبعد اللهو، وانظر لنفسك في طفولتك كيف كنت لاهيا، وانظر لنفسك في شبابك كيف كنت طائشا كيف كنت متمتعا بحياتك ترى كل شيء جميلا ثم إذا بالسن يتقدم ويتغير طعم الأشياء ولا تجد اللذة التي كنت تجدها في شبابك لا في الطعام ولا في أي شيء، وإذا بأصحابك يرحلون عنك، وإذا بالدنيا تتغير ويتقلب الزمن، فكذلك كما ضرب المثل بالزرع فكذلك الدنيا فإياك أن تغتر ببهجتها وإياك أن تركن إلى زينتها وزخرفها فهي كالنبات يجعله حطاما، أيضا يبين ربنا ، تبارك وتعالى، لنا أن من قدر على الإعادة قدر على الإنشاء ومن قدر على الإنشاء قدر على الإعادة بعد الإفناء، فها هو الزرع الأرض، ميتة، والماء ينزل ثم ينبت الزرع ويتغير في اللون وفي الحال ثم ينتهي ويصبح حطاما ثم يعود دورة أخرى وإذا بالأرض تخرج النبات مرة أخرى ويدور دورته، إذا فالله ، تبارك وتعالى، يبدئ ويعيد وإذا كان هو يبدئ ويعيد فلا شك أن البعث حق آت لا محالة، الأمر الآخر الذي تأمل فيه العلماء في الآية إذ هي معترضة بين قوله ، تبارك وتعالى، (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ) ثم بعد الآية يقول‫:‬ (أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ) الكلام في الآيات عن أهل الهدى وعن أهل الضلال، عن أهل السعادة وعن أهل الشقاوة، فما علاقة الماء والزرع بكل ذلك؟ علاقته التذكير بأن الله هو المبدئ المعيد وبأن الساعة آيتة لا ريب فيها وأن الدنيا غرور وأن بهجتها لا تدوم وأن زخرفها زائل لا محالة، أيضا كأن الله ، تبارك وتعالى، يشير إلى أن القرآن الذي نزل من السماء كالماء الذي نزل من السماء، سلك الماء ينابيع في الأرض وكذلك سلك القرآن في قلوب العباد، فكما خرج الزرع مختلفا ألوانه من الأرض بسبب الماء خرج الإيمان والعمل الصالح من قلوب العباد كما خرج الزرع بالقرآن، القرآن تحيا به القلوب كما أن الأرض تحيا بالماء، حيت القلوب بالقرآن فخرج من القلوب الكلم الطيب والعمل الصالح كالزروع ولكنها مختلفة ولذا تفاضل الناس في الإيمان أيضا فمنهم من يزيد إيمانه ويصبح كالزروع المثمرة المظلة، ومنهم من ينقص إيمانه ويضعف، تتفاوت الأديان نتيجة تقبل القلوب للقرآن الداخل فيها كما تتقبل الأرض الماء الداخل فيها، فالآية أيضا قد تشعر بهذا كأنها مثل للقرآن حين نزل فدخل في قلوب العباد فتفاوتت أعمالهم وتفاوتت درجات إيمانهم كما تفاوت الزرع في أحواله‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌۭ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ﴿22﴾
هذه الآية لم تفت على الصحابة بل سألوا عنها، يروي لنا ابن مسعود فيقول (تَلَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: (أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ) فَقُلْنَا‫:‬ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ انْشِرَاحُ صَدْرِهِ؟ قَالَ: (إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْشَرَحَ وَانْفَسَحَ) فَقُلْنَا‫:‬ فَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالتَّأَهُّبِ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ) نعم الإنابة إلى دار الخلود ما هي؟ هي الانغماس في أعمال البر لأن الدنيا مزرعة للآخرة فينغمس العبد في أعمال البر والصالحات حتى يهيئ لنفسه دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور‫:‬ عدم الركون إلى الدنيا وعدم الاطمئنان بها وعدم السعي فيها السعي الحثيث الذي يلهي عن ذكر الله، عدم الاطمئنان إليها ذاك هو التجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله هو أن يكون العبد دائما وأبدا على حذر، قد يأتيه الموت في أي لحظة فيترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، يترك حتى الأمور المشتبهات مخافة أن يقع في الحرام، هو دائما وأبدا ينتظر الموت، فكما قال أبو بكر رضي الله عنه‫:‬‬
‫كل امرئ مصبح في أهله والموت أقرب من شراك نعله‫.‬‬
‫(أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ) أيشرح الصدر قبل الإسلام أم يشرح بعده؟ قولان‫:‬ فمن قائل أن الصدر يشرح يستعد ينفتح يخلق الله ، تبارك وتعالى، في النفس قبولا للإسلام فينفتح الصدر فيدخل فيه نور الإيمان، ومن قائل إن العبد إذا أسلم انشرح صدره واطمئن وفرح بهدى الله ، تبارك وتعالى ، فرح برحمته (قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟) [سورة يونس آية‫:‬ ٥٨]، طريق الهداية، عرف الحق فاتبعه، (فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ ) وكأن النور مطية له يسري به نور الله ، تبارك وتعالى، أنى ذهب وأنى راح فهو قد وقاه الله ، تبارك وتعالى، شر الذلل، شر الظلمات ظلمات الشك، ظلمات الشرك، ظلمات الشقاق، ظلمات النفاق، (فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ )، من تحت أقدامه النور فلا يقع ولا يتعثر ولا يتعطل بل هو على نور من ربه، قد عرف الطريق إلى الله ، تبارك وتعالى، وإلى رضوانه، (فَوَيْلٌۭ) إذا فالكلام فيه حذف تقديره‫:‬ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه كمن هو غير ذلك كمن لم يشرح صدره للإسلام أو كمن هو قاس القلب (فَوَيْلٌۭ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ (٢٢)) تهديد ووعيد شديد، قسوة القلب، القلب القاسي‫:‬ القلب الصلب الذي لا يلين ولا يرق، وقسوة القلب علامة من علامات غضب الله ، تبارك وتعالى، على العبد ولذا يحدثنا نبينا ، صلى الله عليه وسلم، بحديث قدسي فيقول، قال الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ عِنْدَ ذِي رَحْمَةٍ؛ فَإِنَّ فِيهِمْ رَحْمَتَهُ , وَإِيَّاكُمْ وَالْقَاسِيَةَ قُلُوبُهُمْ , فَإِنَّ فِيهِمْ سَخْطَتَهُ)‬
‫(فَوَيْلٌۭ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ )، إذا فكلما ذكر الله ، تبارك وتعالى، اشمأزت قلوبهم وابتعدوا عن الإسلام وزاد كفرهم وزاد طغيانهم (فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَـٰنًۭا كَبِيرًۭا (٦٠)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٦٠]‬
‫هؤلاء القاسية قلوبهم من ذكر الله أي بسبب ذكر الله، فإذا ذكر الله ، تبارك وتعالى، إذا هم ينفرون ويتباعدون، يتلى عليهم القرآن فيزيدهم ضلالا على ضلال ويزيدهم كفرا على كفر، هؤلاء قست قلوبهم من ذكر الله من أجل الذكر، وقيل "من" بمعنى "عن" أي عن ذكر الله أي تباعدوا بقسوة قلوبهم عن الهدى وعن القرآن، (أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ (٢٢)) ضلال يراه الناظر، ضلال واضح لا يخفى على عاقل فأنت تستطيع أن ترى ضلال هؤلاء بسهولة وبيسر لأنهم على ضلال مبين واضح هؤلاء الذين قست قلوبهم‫.‬‬
‫ثم يقول الله ، تبارك وتعالى:
ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًۭا مُّتَشَـٰبِهًۭا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ ﴿23﴾
‫(ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ) من بضع آيات كنا نتلو في نفس السورة قول الله ، تبارك وتعالى، (فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ ۚ ) [سورة الزمر آية‫:‬ ١٧- ١٨] ها هو أحسن القول، ها هو أحسن الحديث، (ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ) إذا فالذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه هؤلاء الأرجح في المعاني التي قلناها من قبل هي أن أحسن الحديث هو كتاب الله، وسمي القرآن حديثا رغم أنه قديم أزلي ليس من الإحداث أنه محدث بل هو قديم أزلي قدم الله ، تبارك وتعالى، سمي حديثا لأن الحديث ما يحدث به المحدث، ولأن النبي ، صلى الله عليه وسلم، حدث به أصحابه وقومه فسمي حديثا من الحديث وليس من الحدوث فهو غير حادث بل هو قائم في ذات الله العلية من الأزل ولذا قال الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (٨١)) [سورة الواقعة آية‫:‬ ٨١]‬
‫، (أَفَمِنْ هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩)) [سورة النجم آية‫:‬ ٥٩]‬
‫، (فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤)) [سورة القلم آية‫:‬ ٤٤]، جاء بكلمة الحديث تعبيرا عن القرآن في أكثر من موضع‫.‬‬
‫(ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًۭا) القرآن (مُّتَشَـٰبِهًۭا) نعم تشابهت آياته في الحسن وتشابهت ألفاظه في جمال النظم وتشابه في قوته وإحكامه فهو متشابه، تجد أن عظمة سورة البقرة وجلالها وقوتها وقوة نظمها هي عظمة سورة الكوثر وقوة نظمها، فهو متشابه في الحكمة وجلال المعنى وجمال اللفظ وحسن النظم (كِتَـٰبًۭا مُّتَشَـٰبِهًۭا) لا تجد فيه عال وواط حسن وغير حسن، نظم جيد ونظم غير جيد بل هو متشابه في الإحكام وفي الحسن وفي كل شيء (مَّثَانِىَ) تحمل معنيين‫:‬ إما من التثنية فهو يثنى بالتلاوة فأنت تقرأه في كل صلاة وفي كل وقت وحين لا تمل أبدا، أيضا‬
‫ثنيت فيه قصص الأنبياء فهي تتكرر يتكرر القصص في القرآن وتتكرر الأوامر الأوامر متكررة حتى لا يمل الإنسان السامع أو القارئ وكذا حتى يواظب العبد على التذكر، "مثاني" من التكرير، أو مثاني من الثناء لأن القرآن يثنى عليه وما من سامع له منصف إلا وقد أثنى على جماله وجلاله وحسن نظمه فهو مثاني أي مثنى عليه، أو أيضا من الثناء لأن فيه الثناء على الله ، تبارك وتعالى، وذكر صفاته العظمى وأسمائه الحسنى فهو مثاني لأن فيه الثناء على الله،‬ (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ )
‫تقشعر الجلود، الاقشعرار‫:‬ انقباض الجلد وكلكم رأى ذلك في نفسه في حالة الخوف الشديد، إذا خاف العبد خوفا شديدا انقبض منه الجلد وتكرمش وتيبس ذاك هو الاقشعرار، تقشعر من القرآن من سماعه، شدة الخوف من الله والخشية تجعل الجلود تقشعر، لذا يقول النبي ، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (إذا اقْشَعَرَّ جِلْدُ الْعَبْدِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّه عَلَى النَّارِ) ويقول ، صلى الله عليه وسلم، (إِذَا اقْشَعَرَّ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى تَحَاتَّتَ، تساقطت، عَنْهُ خَطَايَاهُ، كَمَا يَتَحَاتُّ مِنَ الشَّجَرَةِ وَرَقُهَا) أرأيت الشجرة البالية التي يبست كيف يتساقط ورقها فكذلك المؤمن إذا اقشعر جلد المؤمن من خوف الله ، تبارك وتعالى، سقطت منه الخطايا كما يسقط ورق الشجر ن الشجر البالي، هؤلاء تقشعر جلودهم من ذكر الله، من قراءة القرآن، من سماعه، وقد قال أحد العارفين‫:‬ والله إني لأعرف متى يستجاب لي، قالوا‫:‬ كيف تعرف متى يستجاب لك دعاءك؟ قال‫:‬ إذا اقشعر مني الجلد وتملكني الخوف وفاضت العين علمت أن الله استجاب لي (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ) بعد الخوف وبعد الخشية يأتي الرجاء لأنك تسمع في القرآن (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ) فتخاف وتخشع ويقشعر منك الجلد ثم تسمع قول الله ، تبارك وتعالى، (لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌۭ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌۭ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ ۚ ) فتطمئن فتسكن، فالعبد يتقلب بين الخوف وبين الرجاء، إذا سمع آيات التهديد والوعيد خاف، وإذا سمع آيات الرجاء والرحمة اطمئن وسكن (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ) تنفرج وتلين وترق منهم القلوب قال‫:‬ (إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ) جاء بكلمة "إلى" ولم يقل "بذكر الله" (إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ) ليشعرك بأمور، الأمر الأول أن استماع آيات الرحمة والتبشير تجعل العبد كأنه يسكن إلى الله، كأنه يطمئن إلى الله، كأنه يلجأ إلى رحمة الله فجاء بكلمة "إلى" تلين جلودهم وقلوبهم (إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ) كأن الإنسان قد انجذب إلى آيات الرحمة وانجذب إلى رضوان الله وانجذب إلى الحنان الرباني، إذا به يسكن ويطمئن اطمئنان الوليد إلى صدر أمه، (إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ) إطلاق اللفظ مطلق غير مقيد وذكر الله ، تبارك وتعالى، فيه آيات تهديد وفيه آيات رحمة فحين أطلق وقال‫:‬ (إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ ) دل على أن رحمته سبقت غضبه وأن الأصل الرحمة، لأن الاطمئنان إلى ذكر الله وكأن ذكر الله ، تبارك وتعالى، كله رحمة، إذا فالأصل‫:‬ الرحمة، الغالب‫:‬ الرحمة، رحمته سبقت غضبه‫.‬‬
‫(ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ )، (ذَٰلِكَ) إشارة لماذا؟ إما إشارة للقرآن (ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ) ذلك الحديث وذلك الكتاب المتشابه المثاني، ذلك القرآن هدى الله يهدي به من يشاء ويضل به أيضا من يشاء، أو (ذَٰلِكَ) إشارة إلى المشاعر التي وصفت في شأن المؤمن اقشعرار الجلد، الخشية، الخوف، الوجل ثم الرجاء، الاطمئنان، السكون إلى الله، هذه المشاعر والتقلب بين الخوف والرجاء ذلك رزق الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، أن يكون العبد مستشعرا لمعاني القرآن ساكنا مطمئنا إلى آيات الرحمة خائفا وجلا من آيات الوعيد، (ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ )، إذا فالله ، تبارك وتعالى، هو الهادي هو الفعال لما يريد،‬
‫(وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ (٢٣)) وكأن الله ، تبارك وتعالى، يقول لحبيبه المصطفى ، صلى الله عليه وسلم، أن الكلام سبق وأن الكلمة حقت، فمن حقت له السعادة فذاك هو السعيد ومن وجبت عليه الشقاوة فذلك هو الشقي (إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ ) [سورة القصص آية‫:‬ ٥٦]‬
‫(إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ٤٨]‬
‫والآية فيها لفتة (أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ ) أسند الشرح شرح الصدر الذي فيه القلب إلى نفسه جل وعلا (شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ) إذا فالشارح للصدور هو الله، وحين تكلم عن قسوة القلب أسند القسوة إليهم ولم يسندها إلى نفسه، (أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ) فاعل، هو الله (صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌۭ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم) أسند القسوة إليهم والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، هنا في هذه الآية أسند الشرح إلى نفسه وأسند القسوة إليهم ليبين لك مدى الفارق بين الاستجابة لله ، تبارك وتعالى، والتباعد عن الله، وأن الاستجابة إلى الله بفضل الله وأن التباعد بشؤم المعاصي وبقسوة القلوب لأن الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها، استشعار المؤمن، يقشعر منه الجلد خوفا، ثم يطمئن منه القلب أملا، خوف ورجاء‫.‬ يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬‬
أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَقِيلَ لِلظَّـٰلِمِينَ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴿24﴾
العبد إذا خاف شيئا أو هاجمه شيء أول ما يحرص على حمايته هو الوجه، إذا سمعت صوتا مرعبا غطيت وجهك، وإذا فوجئت بنار أو بشرار أو بشيء أو بحجارة جاءتك من حيث لا تدري إذا بك تدافع وتدفع عن نفسك بيديك وتتقي بيديك مخافة أن يصيب وجهك شيء، أليس كذلك؟ فالوجه أشرف ما في الإنسان، الوجه مجتمع الحواس فيه البصر وفيه السمع وفيه الكلام وفيه الشم مجتمع الحواس فيه العقل، فالعبد دائما وأبدا يغطي وجهه إذا خاف شيئا يتقي بيديه وبكل شيء حتى لا يصيب وجهه قذى أو أذى، يصف ربنا ، تبارك وتعالى، لنا أهل النار يتقون العذاب بوجوههم وليس بأيديهم، كيف ذلك؟ هل يمكن هذا؟ إذا قذفك إنسان بحجر أتتقي بوجهك أم بيديك؟ تصد الحجر بالوجه أم باليد؟ إذا اشتعلت النار في بيتك تدفع النار عنك بوجهك أم تدفع النار عنك بالأيدي؟ أين أيدي هؤلاء كيف يتقون النار بوجوههم؟ كيف؟ أين الأيدي منهم وأين الأرجل؟ في الأغلال مقيدة، قيدت الأيدي إلى الأعناق فهم مقمحون، جمع الغل بين اليد والعنق وبالأقدام في السلاسل (فِى سِلْسِلَةٍۢ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًۭا فَٱسْلُكُوهُ (٣٢)) [سورة الحاقة آية‫:‬ ٣٢]، جمعت الأيدي مع الاعناق جمعت مع الأرجل سلاسل وأغلال فبم يتقي؟ أي شيء في جسده حر الحركة؟‬
‫الوجه، فتخيل كيف يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة!! وصف غريب وصف في منتهى البشاعة منتهى الخطورة (أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ) ولم يأت بالرد لكي تتأمل "كمن هو آمن يوم القيامة، كمن هو في نضرة وحبور (وُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍۢ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌۭ (٢٣)) [سورة القيامة آية‫:‬ ٢٢- ٢٣]، كتلك الوجوه التي يتقى بها (أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ) تمهيد لقوله‫:‬ (وَقِيلَ لِلظَّـٰلِمِينَ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤)) سياق الكلام أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل لهم لهؤلاء فجاء بالمظهر مكان المضمر (وَقِيلَ لِلظَّـٰلِمِينَ) ليبين أن ما أصابهم كان بسبب ظلمهم، (وَقِيلَ لِلظَّـٰلِمِينَ) إذا الذين يتقون بوجوههم سوء العذاب هم الظلمة، قيل لهم (وَقِيلَ لِلظَّـٰلِمِينَ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤)) ما كسبتم من معاصي ومن أموال حرام ومن مظالم ومن كفر وشرك وشقاق ونفاق (ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤)) وهم ليس بدعا في ذلك‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿25﴾ فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْىَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ﴿26﴾
‫(كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) عاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون وقوم نوح أمم (فَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥)) نعم من حيث لا يتوقع، أسوأ العذاب ما يأتيك من حيث مأمنك، من حيث لا تتوقع، فيه الرعب فيه الفزع، فيه الفجأة، هؤلاء أصابهم العذاب في الدنيا من حيث لا يتوقعون من مأمنهم أتاهم ربنا من المأمن، من حيث يأمنون كيف يكون الفزع الخوف المفاجأة‫.‬‬
‫(فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْىَ) الذل (فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ) بالخسف، بالتدمير، بالسبي، بالقتل، بالمسخن كما مسخ عصاة بني إسرائيل قرده وخنازير، بالتدمير بالأسر كما حدث مع بني قريظة وبني النضير أذاقهم الله الذل والهوان في الحياة الدنيا (وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ ) لأنه دائم، عذاب الدنيا موقوت بالدنيا مرهون بالوقت، أما عذاب الآخرة فلا وقت له ليس مرهونا بوقت لأنه ليس هناك ليل أو نهار، لا يوم ولا شهر ولا سنة لا يموتون ولا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها، وكلما نضجت منهم الجلود بدلوا جلودا غير جلودهم فعذاب الآخرة لا بد يكون أكبر، أشد، أصدق، دائم، لا يزول (لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ (٢٦)) لو كانوا من أهل العلم، من أهل الفهم، من أهل التذكر والتأمل لعلموا أن الدنيا إلى زوال وأن العبد لا بد إلى نهاية وأنه بين مخافتين، وأن العمر ينقضي والموت آت لا محالة والبعث آت لا محالة والحساب آت لا محالة‫.‬‬
‫ويضرب الله ، تعالى، مثل غاية في الأهمية، ضرب الله مثلا للعبد الموحد والعبد المشرك واسمع يقول الله ، تبارك وتعالى :
وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍۢ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿27﴾ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍۢ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿28﴾
‫(وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍۢ ) كل مثل يحتاجون إليه مصداقا لقوله ، تبارك وتعالى، (مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٣٨] ضرب لكم كل مثل تحتاجون إليه في الدنيا أو في الدين (لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍۢ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)) لا اختلاف فيه لا خلل ولا تضاد ولا تفاوت، (غَيْرَ ذِى عِوَجٍۢ ) ليس فيه اعوجاج بل هو مستقيم، كتاب كله متزن ليس فيه اعوجاج وليس فيه خلل وليس فيه اختلاف وليس فيه تضاد، (قُرْءَانًا عَرَبِيًّا) يقرأ ويسمع ويكتب باللغة العربية، بلغتك وبلغتنا بألسنتنا‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا رَّجُلًۭا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَـٰكِسُونَ وَرَجُلًۭا سَلَمًۭا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿29﴾
‫(رجلا سِلما) ، (رجلا سَلما)، ( رجلا سالما لرجل) قراءات‬
‫المشرك ادعى آلهة مناة واللات والعزى والملائكة وملك الريح وملك الحرب وإله الحب وإله كذا كما فعل الرومان وغيرهم آلهة متعددة، إذا فهو مطالب بأن يرضي هذه الآلهة جميعها يضرب ربنا ، تبارك وتعالى، مثلا برجل يملك مجموعة من الناس مجموعة متشاكسة وليس متآلفة، شكس الرجل يشكس فهو شكس‫:‬ سيء الخلق، فهؤلاء الشركاء خمسة ، عشرة ليسوا متفقين وإنما هم مختلفون متنافرون متحاربون متضادون متباعدون متشاكسون يملكون رجلا واحدا هذا يأمره اذهب هنا وهذا يأمره يقول بل اذهب هناك هذا يقول‫:‬ اذهب هنا وذاك يقول لا بل اذهب هناك وذاك يقول اجلس يسمع كلام من؟ يرضي من؟ هم متشاكسون فكيف يرضي الجميع فهو متردد متحير تعب تعس ومهما فعل لا يطيق ولا يحتمل ولا يقوى وإن فعل لا يرضي لأنه إن أرضى أحدهم أغضب الآخر، ذاك هو المشرك عدد آلته، أما الموحد فمثله مثل العبد عبد لرجل صالح هو سالم له سلما له أي مسلم لا شركاء فيه لا يملكه إلا واحد فقط طيب الأخلاق صالح أقل شيء من العمل يرضيه، والعبد مكلف بإرضاء رجل واحد سيد واحد، شخص واحد مكلف بغرضاء شخص واحد ذاك مثله مثل الموحد، (ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا رَّجُلًۭا فِيهِ شُرَكَآءُ) يملكونه (مُتَشَـٰكِسُونَ وَرَجُلًۭا سَلَمًۭا لِّرَجُلٍ) خالصا له (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ ) هل يستوي الحال، وانظر إلى التعقيب من الله ، تبارك وتعالى، (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ ) نعم الحمد لله وتجده يقول لنا (وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًۭا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌۭ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِىٌّۭ مِّنَ ٱلذُّلِّ ۖ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ١١١]، نعم الحمد لله، الحمد لله لأنه واحد، الحمد لله لأن رضاء الله سهل يسير، الحمد لله لأننا لا نعبد إلا إلها واحدا، الحمد لله لأننا لا نرضي إلا إلها واحدا، الحمد لله لأنه برحمته السابغة كلفنا بالقليل ووعدنا بالجزاء الوفير، نعم الحمد لله (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)) لا يعلمون ذلك فيشركون ويبتعدون عن التوحيد ويكفرون ولا يؤمنون‫.‬‬
‫وينعى إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم، نفسه وينعى إليكم نفوسكم‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنَّكَ مَيِّتٌۭ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ﴿30﴾ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴿31﴾
الميت من سوف يموت والميت من مات فعلا، الأرض الميتة أخرج منها حبا ونباتا فهي ميتة ماتت فعلا، فالميت المائت فعلا والميت من سوف يموت من كتب عليه الموت (إِنَّكَ مَيِّتٌۭ) الكلام للنبي ، صلى الله عليه وسلم، أي إنك سوف تموت وقرأت (إنك مائت) أي سوف تموت لا محالة (وَإِنَّهُم) كذلك كلنا مائتون، نعم، لم نعى ربنا ، تبارك وتعالى، لحبيبه نفسه؟ لم جاء بهذه الآية ونعاه ونعانا؟ لأمور، أولا‫:‬ أن يذكرنا بالآخرة وأن يحثنا على العمل لها وأن نوطن أنفسنا على الموت إذا هو آت لا ريب فيه، أيضا لكي لا يختلف الناس من أمة محمد ، عليه الصلاة والسلام، في شأن موته فيختلفون كما اختلف من قبلهم فزعموا أمورا بعيدة عن الحق فالآية تحدد المصير (إِنَّكَ مَيِّتٌۭ)، ولذلك حين مات النبي ، صلى الله عليه وسلم، خرج عمر على الناس يقول من تحدث بأن محمدا قد مات ضربت عنقه والله ما مات وإنما ذهب للقاء ربه وسوف يعود فيقطع أعناق رجال وألسنة رجال زعموا أنه مات، هول الصدمة، ولم يثبت ولم يسكن حتى خرج أبو بكر وقال‫:‬ على رسلك يا عمر ألم تسمع قول الله ، تبارك وتعالى، (إِنَّكَ مَيِّتٌۭ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (٣٠)) فجلس عمر، إذا فالآية كي لا نختلف في شأن موت النبي ، صلى الله عليه وسلم، (إِنَّكَ مَيِّتٌۭ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (٣٠)) أيضا ليبين لنا أمرا خامسا بعد أن بين لنا بالنعي أن الموت آت، نحذر الآخرة، يحثنا على العمل، لا نختلف على النبي أو في شأن النبي ، صلى الله عليه وسلم، ونعلم أنه ميت لا محالة أمر خامس غاية في الأهمية أن الله ، تبارك وتعالى، سوى بين الخلائق جميعا في الموت رغم تفاضلهم في غيره، أفضل الخلائق ميت، استوى النبي ، صلى الله عليه وسلم، مع الجميع في أمر الموت (كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٨٥]، رغم التفاضل في غيره هو سيد البشر، هو سيد الخلائق، هو سيد ولد آدم، ومع ذلك سوى الله بينه وبين العباد في أمر واحد هو الموت، أما الله ، تبارك وتعالى، فهو الوحيد الذي لا يموت (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)) يختصم الناس بين يدي رب العباد المؤمنون والكافرون، الظالمون والمظلومون، يختصم الناس فيقضي بينهم الحكم العدل لمن الحكم اليوم ولمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم، نعم‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ الاختصام يوم القيامة!! يسأل النبي ، صلى الله عليه وسلم، أصحابة فيقول‫:‬ (أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا‫:‬ الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ قَالَ: «فَإِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَصِيَامٍ، قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْضَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)، نعم أيها المسلم خفف ظهرك فإن العقبة كؤود وأحسن العمل فإن الناقد بصير .‬
‫فقد قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، محذرا (إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) الكذب على النبي ، صلى الله عليه وسلم يؤدي إلى الخلود في النار( َمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)، إذا كان ذلك جزاء الكذب على النبي ، صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون جزاء الكذب على الله، وربنا ، تبارك وتعالى، يقول في سورة الزمر والتي نحن بصددها‫.‬‬

‫الجُزءُ الرابع والعشرون‬
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُۥٓ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًۭى لِّلْكَـٰفِرِينَ ﴿32﴾
‫(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُۥٓ ۚ ) سؤال لا جواب له فالجواب معلوم (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ)؟ لا أحد أظلم من هذا، (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ) فزعم له الشريك فزعم له الولد فزعم له الشفعاء، حدد وتألى على الله واختار لله ، تبارك وتعالى، حتى إنهم اختارو الله ما يكرهون واختاروا لأنفسهم ما يشتهون فزعموا لله البنات وزعموا لأنفسهم البنين‫.‬‬
‫(وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُۥٓ ۚ ) الصدق هو القرآن، الصدق كلام الله ، تبارك وتعالى، الصدق رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، جاء به من لدن ربه ، تبارك وتعالى، ويأتي السؤال التقريري (أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًۭى لِّلْكَـٰفِرِينَ (٣٢)) مثوى‫:‬ المقام، ثوى بالمكان‫:‬ أقام به، ثوى، يثوي، ثويا‫:‬ أقام به، إذا فجهنم هي دار المقامة بالنسبة‬
‫لهم هم فيها خلود ولا موت، وهذا السؤال يقرر واقع أن هذا الجزاء، نظير الكذب على الله ، تبارك وتعالى، والتكذيب بالصدق الذي جاء‫.‬‬
‫وبضدها تتميز الأشياء فيقول الله ، تبارك وتعالى:
وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ ﴿33﴾ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿34﴾ لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿35﴾
‫(وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ) جبريل (وَصَدَّقَ بِهِۦٓ ۙ ) محمد ، صلى الله عليه وسلم، (وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ) محمد ، صلى الله عليه وسلم،‬( وَصَدَّقَ بِهِۦٓ ۙ )
‫أبو بكر أول من أسلم (وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ) محمد ، صلى الله عليه وسلم، (وَصَدَّقَ بِهِۦٓ ۙ ) المؤمنون (وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ) كل من دعا إلى الله في أي زمان وفي أي مكان (وَصَدَّقَ بِهِۦٓ ۙ )، كل من تبع هدى الله في كل زمان وفي كل مكان، فالآية تحتمل العموم وذاك أرجح في تفسيرها، وقرأت ( والذي جاء بالصدق وصَدَقَ به ) أي صدق الناس به، صدق الناس فأخبرهم بما نزل دون إخفاء شيء أو تحريف شيء، أو صدق به أي كان صادقا حيث أن القرآن معجز فمن سمعه صدق به من قاله فهو صادق أي صدق بالقرآن، أيضا صدق به تعني أنه ، صلى الله عليه وسلم، صدق قومه، هو صادق ودليل صدقه هذا القرآن المعجز، صدق به أيضا أي صدق في طاعة الله ، تبارك وتعالى، وصدق في اتباعه (وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ ۙ ) عموم تشمل كل داع إلى الله وكل مجيب ومستجيب (أُو۟لَـٰٓئِكَ) تأكيد لمعنى العموم (أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ (٣٣)) الذين اتقوا الله ، تبارك وتعالى، واتقوا غضبه وسخطه (لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ) لهم ما يشاءون دون تحديد وأجمع المفسرون أن الآية تختص بالآخرة وأن هؤلاء لهم ما يشاءون في الجنة وكلمة (عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ) بمعنى ما يطلبونه من الله ، تبارك وتعالى، يأخذونه دون تراخ فالله ، تبارك وتعالى، هو مالك الملك دنيا وأخرى، ؤ دون تحديد، لأن الله ، تبارك وتعالى، غير محدود وما عند الله غير محدود فلهم ما يشاءون أي شيء شاءه هذا الرجل الذي حكم عليه أنه من المتقين لهم ما يشاؤون عند ربهم، (ذَٰلِكَ) ذلك الوعد (جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ (٣٤)) حسن الثواب في الدنيا وجزيل الثواب في الآخرة (لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟) إذا فأشد الأعمال سوءا ارتكبها هؤلاء جهلا أو خطأ أو نسيانا أو عمدا وتابوا عنها، أسوأ الأعمال يكفرها الله فالأقل سوءا أولى بالتكفير فإذا كان الله ، تبارك وتعالى، يعدهم بتكفير أسوأ أعمالهم إذا فما قل في السوء مكفر لا محالة، فتلك بشرى أن الله ، تبارك وتعالى، يكفر جميع الذنوب والآثام، وقرأت ( ليكفر الله عنهم أسواء الذي عملوا) جمع سوء أي جميع السيئات إذا فالتفكير أولا لجميع السيئات (وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٣٥)) عظمت أو قلت وحين الجزاء على الأعمال، الأعمال تتفاوت في الحسن كما أن السيئات تتفاوت في القبح فهو مكفر أقبح الأعمال وبالتالي كل قبيح مكفر، أما في الأعمال المتفاوتة فحين الجزاء يأتي ربنا ، تبارك وتعالى، بأحسن الأعمال ويجازي صاحبه على جميع أعماله بنفس الأجر على مستوى أحسن الأعمال، فإذا عمل العبد أعمالا صالحة تفاوتت في الحسن فكان الجزاء على أعلى وأعظم وأرقى عمل هو كذا جوزي بهذا الجزاء على جميع الأعمال الصالحة وإن قلت وإن صغرت وإن تضاءلت يجزيهم ربهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون‫.‬‬
‫ويأتي سؤال، سؤال نتيجة لكلام حدث، خوف المشركون النبي ، صلى الله عليه وسلم، بالأصنام وهددوه وقالوا لئن لم تنته عن سب آلهتنا لتخبلنك أو لتصيبنك يسوء وذاك ديدن الكفار وقد خوفوا إبراهيم عليه السلام من قبل فرد عليهم قائلا‫:‬ (وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٨١] وخوفوا هود وقالوا‫:‬ (إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍۢ ۗ ) [سورة هود آية‫:‬ ٥٤]‬
‫فيقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ ﴿36﴾ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍۢ ذِى ٱنتِقَامٍۢ ﴿37﴾
‫(أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ ) سؤال دخل على نفي، هم زعموه (أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ ) لإثبات وتقرير أن الله ، تبارك وتعالى، هو الكافي لعباده في كل مكان وزمان، وقرأت (أليس الله بكاف عباده)، (عَبْدَهُۥ ۖ ) النبي ، صلى الله عليه وسلم، أو (عَبْدَهُۥ ۖ ) اسم جنس كل العباد، (أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ ) عبده الذي اتقاه وعبده ووحده وأطاعه ولذا قرأت عباده لتشمل العموم (وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ ۚ ) رغم هذا يخوفونك يا محمد بالذين من دونه أي بالذين من دون الله الأصنام والأحجار والأوثان التي لا تتكلم ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع (وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ (٣٦)) من يضلله ربنا ، تبارك وتعالى، فيغفل عن كفاية الله ، تبارك وتعالى، لخلقه ويعتقد في أن الأصنام تضر وتنفع ويخوف بها ذاك في ضلال مبين (وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ (٣٦)) يهديه إلى سبيل الرشاد حيث غفل عن كفاية الله ، تبارك وتعالى، وقد كفانا ربنا ، تبارك وتعالى، ونحن نطفة ونحن مضغة كفانا وغذانا وأنشأنا وأنمانا أليس الله بكاف عبده؟ بلى هو الكافي‫.‬‬
‫(وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّ ۗ ) طالما رزق الله ، تبارك وتعالى، عبدا هداية فما له من مضل، مهما خوفوه ومهما هددوه ومهما تكلموا وزعموا وقالوا واجتمعوا (وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍۢ ذِى ٱنتِقَامٍۢ (٣٧)) بلى هو العزيز الغالب القوي المنيع الذي لا يغلب ولا يقهر ذو انتقام من أعدائه فينتقم منهم في الدنيا وفي الآخرة، ويمهلهم إن شاء، (أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍۢ ذِى ٱنتِقَامٍۢ (٣٧)).‬
‫ويتوجه الكلام للنبي ، صلى الله عليه وسلم، فيقول له‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِۦ ۚ قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ﴿38﴾
‫(وَلَئِن سَأَلْتَهُم) أي ولئن سألتهم يا محمد سأل الكفار والمشركين (مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ) سؤال واضح وبسيط من خلق السماوات والأرض؟ (لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ ) إذا فهم مقرون بأن الخالق هو الله، هم مقرون بأن الله ، تبارك وتعالى، هو خالق السموات والأرض، فإن كان هذا الإقرار صادرا منهم إذا فكيف يخوفونه بالذين من دونه، تضارب وتخبط وضلال، (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ ) قل طالما أقررتم بأن الخالق هو الله إذا فهو المالك إذا فهو النافع، إذا فهو الضار، إذا فهو المانع، إذا فهو المانح (قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ) الأصنام والأوثان وغيرهم (إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِۦ ۚ ) وترك الجواب لأنهم سكتوا ولم يجيبوا، حين سألهم من خلق السموات والأرض قالوا الله، فأعاد السؤال لو أرادني الله بضر بلاء، مرض، فقر، إذاية من أي نوع هل الأصنام تكشف هذا الضر؟ هل من خوفتموني بهم يكشفون الضر؟ وإن أرادني برحمة، نفع، مال، صحة، عافية، أي نوع من أنواع المنافع في الدنيا (أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ) هل تملك الأصنام أن تمنع عني العطاء الرباني الرحمة فسكتوا فقال‫:‬ (قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ ۖ ) الإجابة الكافية الشافية‬ (حَسْبِىَ ٱللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨))
‫(هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرِّهِۦٓ) ( هل هن كاشفاتٌ ضَرَّهُ )، (أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِۦ ۚ )، (هل هن ممسكاتٌ رحمتَه) قراءتان، فحين سكتوا أمره ربنا ، تبارك وتعالى، أن يقول حسبي الله أي هو الكافي، هو كافيني في كل شيء حسبي الله يكفيني ربنا ، تبارك وتعالى، الذي خلق السموات والأرض وأقررتم بذلك، وطالما خلق السموات والأرض إذا فهو المالك فإذا كان المالك فإن أراد شيئا أنفذه وإن أراد بعبد ضرا أصابه وإن أراد به خيرا أصابه ولا يملك أحد أن يمنع قضاء الله ، تبارك وتعالى، تضارب وتخبط وهكذا المشرك والضال والكافر في ضلال مبين‫.‬‬
‫( قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)) يعتمد المعتمدون، من أراد أن يعتمد على أحد فليعتمد على الغني يعتمد على القوي يعتمد على الله الذي إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون‫.‬‬‬‬‬‬‬‬
قُلْ يَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَـٰمِلٌۭ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿39﴾ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌ ﴿40﴾
‫(قُلْ يَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ) "على مكاناتكم" قراءة أخرى‬
‫(ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ) اسم مكان استعير للحال أي اعملوا بقدر جهدكم وبقدر ما أنتم عليه من قوة، من تجمع، من تحزب، من مال من سلطان، على ما أنتم عليه من حال اعملوا ما شئتم واجتمعوا وتجمعوا وتحزبوا وابذلوا كل جهد (إِنِّى عَـٰمِلٌۭ ۖ ) أي عامل على مكانتي (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩)) تهديد ووعيد أولا، ثانيا إشعار بأن حال النبي ، صلى الله عليه وسلم، ليس متوقفا بل هو على استمرار ممدود من الله ، تبارك وتعالى، بالقوة والنصرة، إني عامل إذا فليس هناك توقف بل هناك ترقي وعطاء واستمرار في الإمداد بالقوة والنصرة فسوف تعلمون في القريب العاجل (مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ) الخزي‫:‬ الذل، الهوان وقد ذلوا وأذلهم الله ببدر بالقتل والأسر، أصيبوا بالهوان والخزي والعار، (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ) يوم القيامة (عَذَابٌۭ مُّقِيمٌ (٤٠)) دائم لا ينقطع ولا يقضى عليهم في فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها‫.‬‬
‫ويأتي الفيض الرباني من الله ، تبارك وتعالى، مبينا أن الله، تبارك وتعالى، أنزل على الناس وشرح لهم ما وصى به المرسلين رحمة وأمانا، نور وبرهان وقرآن يتلى، بالخير قد أمر، عن الشرور نهانا فيقول الله ، تبارك وتعالى:
إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴿41﴾
‫(إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ لِلنَّاسِ) إذا فهذا الكتاب الذي بين أيدينا هو لنا، هو للناس ينبئهم بالخيرات ويحذرهم من السيئات، هذا القرآن فيه كل شيء من المنافع الدنيوية والأخروية من تبعه هدى إلى صراط مستقيم ورشد، هذا القرآن كلام الله ، تبارك وتعالى، نزل لمنفعة الناس ولمصلحة الناس دنيا وأخرى (إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ ۖ ) متلبسا بالحق بالصدق (فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ ) لأن الله ، تبارك وتعالى، لا تضره المعاصي ولا تنفعه الطاعات، فإن أطعت فلنفسك وإن اهتديت فلنفسك، فالحاصل من الخيرات أنت المحصل لها، أما الله فقد كان ولم يكن شيء فهو الغني بذاته عمن سواه (وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ ) من ضل وانحرف عن الطريق وبعد وغاب عن الهوى وعن الهداية فإنما يضل على نفسه (وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (٤١)) الكلام للنبي ، صلى الله عليه وسلم، أي لست متوكلا بأمورهم ولا تستطيع أن تجبرهم على الهدى ولا تستطيع أن تهديهم رغم أنوفهم‫.‬‬
‫(إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ ) [سورة القصص آية‫:‬ ٥٦]‬
‫وتأتي آية لا بد وأن يتفكر فيها كل مؤمن كل عاقل، آية تدل دلالة قاطعة على أن الله لا يموت، تدل دلالة قاطعة على وجود الله المهيمن يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿42﴾
نعم آيات، القبض والإمساك والإرسال، آيات، علامات، دلالات على وجود الواحد القاهر المهيمن (ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ) بالموت، يتوفاها‫:‬ يقبضها، يأخذها، توفى الشيء أخذه وافيا غير منقوص (ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) فجأة وبلا مقدمات وتعددت الأسباب والموت واحد، فجأة كيف مات؟ قبض الله نفسه، أخذها توفاها، هناك نوع آخر من الموت، الموت الأصغر أخو الموت‫:‬ النوم والله يقول (وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ۖ ) أي وكذلك يتوفى الأنفس النائمة في منامها، التي لم تمت ولكنها نامت يتوفى أيضا نفوسها، إذا فهناك موتان موت نهائي تقبض فيه النفس عن التصرف ظاهرا وباطنا وهناك موت موقوت مؤقت وهو النوم فقبض فيه النفس أيضا عن التصرف ظاهرا ويبقى تصرفها باطنا فيتنفس ويتحرك ولكنه لا يدرك ولا يعقل ولا يميز، يقبض الله ، تبارك وتعالى، النفس في الموت كما يقبضها في النوم ولذا يقول النبي ، صلى الله عليه وسلم، (كَمَا تَنَامُونَ فَكَذَلِكَ تَمُوتُونَ وَكَمَا تُوقَظُونَ فَكَذَلِكَ تُبْعَثُونَ).‬
‫(فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ)، الذي كتب عليه الموت، أو( فيمسك التي ، قُضي عليها الموتُ) قراءتان يمسكها ولا يرسلها إلى الجسد، خرجت ولن تعود إلى يوم القيامة، (وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ) التي قبضها عن النائم ولم يكتب عليها الموت فيرسلها إليه حين يريد إيقاظه (وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّى ۚ ) يقبضها قتنام ثم يرسلها إليك فتستيقظ ثم يقبضها فتنام وهكذا إلى أن يحين الأجل فيقبضها ولا يرسلها، (وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّى ۚ ) وقت محدود معلوم نهاية الأجل ، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ) القبض والإرسال (لَـَٔايَـٰتٍۢ) دلالات علامات (لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)) يعملون عقولهم في الآيات الدالة على وجود الله ، تبارك وتعالى‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ الموت صنو النوم ولو تأملت نفسك حين تنام أين تذهب وكيف تفقد الإدراك وكيف تفقد التمييز وأنت لا تستطيع أن تقاوم النوم بل يأتيك النوم رغم أنفك ولا بد وأن تنام وإذا بقي العبد مستيقظا فترة مات، لا بد من النوم وإذا نام ذهبت به الأحلام مذاهب، سافر وعاد والتقى بفلان وفلان وأكل وشرب وتكلم وحدث منه أمور عديدة، كيف ذلك؟ وأين تم ذلك؟ ومهما مضى عليه في النوم من مدة ساعة، ساعات لا يمكنه التمييزأبدا حين يستيقظ، لا يمكنه التمييز مطلقا أو إدراك الزمن الذي مضى عليه وهو نائم إلا أن ينظر في ساعته أو إلى الشمس أو إلى الضوء، لكن إذا لم ينظر وإذا كان نائما في ظلام واستيقظ لا يمكن أن يدري كم مضى عليه، ساعة ساعتان ، ثلاث ساعات لا يمكن، أين ذهب الإدراك؟ أنت تنام ومع ذلك لا تسمع والأذن مفتوحة لم تغلق ولم تضع أنت فيها سدادة، الحس موجود والعقل موجود ومع ذلك يغيب عنك الإدراك ويغيب عنك الحس ويغيب عنك السمع، والغريب أنك في نومك تتقلب دون إرادة منك بل برحمة الله، لأنك لو بقيت وأنت نائم على جنب واحد لتألم الجنب ولعطب ولذا حين أنام الله ، تبارك وتعالى، أهل الكهف لم يتركهم على حالهم بل قال‫:‬ (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ۖ ) [سورة الكهف آية‫:‬ ١٨] وكلنا يعرف ما يسمى بقرحة الفراش، إذا مرض العبد ونام فترة طويلة في فراشه دون تقلب أو دون قيام أصيب جسده بالقرح، يسموها قرحة الفراش، فأنت تتقلب في نومك دون إرادة، بل إذا اشتدت برودة الجو إذا بك تمد يدك وتسحب الغطاء وتغطي نفسك دون شعور وتستيقظ وإذا بالغطاء عليك، من وضعه؟ أنت وضعته، كيف وأنت لا تعقل؟ الأحلام ما هي؟ كيف ترى وعيناك مغمضتان؟ كيف تتكلم بغير لسان؟ وكيف تسمع بغير آذان؟ كيف يحدث ذلك وأنت في نومك؟ كيف؟ هو الله (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)).‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ في الكون وفي الأرض وفي السماء وفي نفسك آيات (وَفِى ٱلْأَرْضِ ءَايَـٰتٌۭ لِّلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)) [سورة الذاريات آية‫:‬ ٢٠- ٢١]، نعم في كل شيء إذا تأملت وتفكرت وأعملت عقلك قليلا لوجدت الله ، تبارك وتعالى، هو الله المتصرف المدبر المهيمن الخالق الرازق‫.‬‬
‫فقد تحير العلماء خاضوا في هذه الآية (ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ۖ ) فقالوا ما هي النفس؟ وهل النفس هي الروح أم أن النفس شيء والروح شيء آخر؟ وانقسم العلماء إلى فريقين‫:‬ فريق قال إن النفس هي الروح عبر عنها مرة بالنفس وعبر عنها مرة بالروح‫.‬‬
‫وقال فريق آخر بل النفس شيء والروح شيء آخر وقالوا‫:‬ إن النفس هي محل الفعل والتمييز والروح هي محل النفس والحركة وأن الميت تقبض روحه ونفسه، وأما النائم فتقبض نفسه فقط وتبقى روحه فيظل يتنفس ويتحرك في نومه، أما الميت فإذا قبضت عنه النفس والروح فقد العقل والتمييز بفقد النفس وفقد النفس والحركة بفقد الروح وقالوا‫:‬ إن بين النفس وبين الروح ما يشبه شعاع الشمس، وقال آخرون بل الروح والنفس شيء واحد والروح والنفس التي هي شيء واحد جسم لطيف متشابك مع الأجساد وأنه إذا خرج حال النوم كان كخيوط الغزل، قبة الغزل مجموعة الخيوط الملفوفة، هكذا الروح فإن خرجت حال النوم خرجت وإذا بها تصعد تصعد تصعد كما يفك خيط الغزل وتبقى الصلة بالجسد وكأن أول طرف الخيط بالجسد وآخر الطرف حيث يشاء الله ، تبارك وتعالى، حيث يتوفى الأنفس في النوم، فإذا أراد الله ، تبارك وتعالى، أن يرد الروح إلى العبد إذا بالجسد يسحب الخيط ويكوره كما كان حتى يدخل جميعه في الجسد فيستيقظ ويعود إليه العقل والإدراك والتمييز، كل ذلك كلام مستنتج مستنبط والله ، تبارك وتعالى، أعلم، والقائلون بأن الروح هي النفس استدلوا بأحاديث عبر النبي ، صلى الله عليه وسلم، مرة فيها بالروح ومرة بالنفس ورووا حديثا عن أم سلمة أم المؤمنين ، رضي الله عنها، تقول فيه‫:‬ (دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، أي انفتحت عيناه بالموت، فَأَغْمَضَهُ، النبي ، صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ) فعبر عن الذي يخرج من الجسد حال الموت بكلمة الروح، ومرة أخرى يروي أبو هريرة عن النبي ، صلى الله عليه وسلم، أنه قال‫:‬ ( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ شَخُصَ بَصَرُهُ ". قَالُوا‫:‬ بَلَى‫.‬ قَالَ: " فَذَلِكَ حَتَّى يَتْبَعَ بَصَرُهُ نَفْسَهُ) وأمرنا أن نغمض عين الميت وقال‫:‬ (فَأَغْمِضُوا الْبَصَرَ ، فَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ)، شخوص البصر حال الموت لأن العبد الذي يموت يرى روحه وهي خارجة من جسده ولأول مرة يكتشف الروح، لأول مرة يكتشف النفس، لأول مرة يكتشف سر الحياة والموت، فحين يفاجأ بها خرجت يتبعها بصره ، هذه الشخصة لبصر الميت اتباع للروح كيف خرجت؟ أين تذهب؟ ومن الذاهب بها، لذا قالوا إن التعبير مرة بالروح، مرة بالنفس وساقوا أيضا حديثا شهيرا حين‫:‬ (عَرَّسَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِلاَلاً أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلاَةِ، فَرَقَدَ بِلاَلٌ وَرَقَدُوا، حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ وَقَدْ فَزِعُوا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ أَنْ يَرْكَبُوا، حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ، فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ أَنْ يَنْزِلُوا، وَأَنْ يَتَوَضَّؤُوا، وَأَمَرَ بِلاَلاً أَنْ يُنَادِيَ بِالصَّلاَةِ، أَوْ يُقِيمَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا) ، إذا فها هو التعبير مرة بالنفس ومرة بالروح، من هنا يقول العلماء بعضهم الذين قالوا إن الروح هي النفس أن النبي ، صلى الله عليه وسلم، عبر مرة بالروح وعبر مرة بالنفس إذا فالروح هي النفس وليس شيئان منفصلان والله ، تبارك وتعالى، أعلم‬
‫وربنا ، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا (٨٥)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٨٥]، وإن كان في الآية قول يقول إن الروح هو جبريل إلا أن هناك أقوال أخرى تقول أن الروح في هذه الآية هي المتعلق بالجسد والذي به حياته، يقول النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ الْمَيِّتَ تَحْضُرُهُ الْمَلاَئِكَةُ، حين الموت، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ ، قَالُوا : اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ ، كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ ، اخْرُجِي حَمِيدَةً ، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ ، وَرَيْحَانٍ ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ ، قَالَ : فَلاَ يَزَالُ يُقَالُ ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ ، ثُمَّ يُعْرَجَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ)، عبر هنا عن النفس، وفي مكان آخر (يعرج ملكان بالروح إلى السماء) ، مرة النفس ومرة الروح، وقد أوصانا النبي ، صلى الله عليه وسلم، إذا أردنا أن ننام أن نضطجع على الشق الأيمن وتقول كما كان يقول ، عليه الصلاة والسلام‫:‬ (بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْت جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ ، فَإِنْ أَمْسَكْت نَفْسِي فَارْحَمْهَا ، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَك الصَّالِحِينَ).‬
‫أيها الأخ المسلم النفس ربنا ، تبارك وتعالى، يقول فيها‫:‬ (وَنَفْسٍۢ وَمَا سَوَّىٰهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا (١٠)) [سورة الشمس آية‫:‬ ٧- ١٠].‬
‫أيها الأخ المسلم تأمل في نفسك حين تنام وتذكر بنومك يوم موتك‫:‬‬
‫حفرة في الأرض ضاقت بمرقدنا وظلمة تطفئ شمس دنيانا‬
‫يهال التراب بأيدي أحبتنا وخفق النعال على الأديم يغشانا‬
‫تذكر بنومك موتك، وقد كان النبي ، صلى الله عليه وسلم، (وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) في كل مرة يستيقظ فيها النبي ، صلى الله عليه وسلم يقول‫:‬ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)، وعليه إذا واظبت أنت على ذلك تذكرت الموت دائما وأبدا كلما استيقظت تذكرت أنك يوما تنام ولا تستيقظ وفجأة تحمل يحملك الغير بل ويهال عليك التراب بأيدي أبناءك وأقرب الناس إليك، وفجأة يتحول الكل عنك وفجأة في ظلمة لا يعلمها إلا من شاهدها ملكان يجلسانك ويسألانك‫:‬ من ربك، فجأة دون معين، دون نصير، دون أحد، من ربك؟ ما دينك؟ ماذا كنت تقول في ذلك الرجل؟ يقصدان به محمدا ، صلى الله عليه وسلم،‬
‫فمن كانت الأولى جل مطلبه صار ولم يجد للجواب لسانا‬
‫ومن كانت الأخرى له سعيا نطق بالتوحيد فصاحة وبيانا‫.‬‬
‫فإن في الموت عبرة وإن في الموت آية وتعلق الأرواح بالأبدان من الأمور المعجزة وقد حار الناس فيها وفي شأن هذا الروح كيف هو ومم هو، حاروا في أمره وحاروا في أمر تعلقه بالبدن كيف يتعلق الروح بالبدن وكيف ينفصل الروح عن البدن، لا يرى ولا يحس ولا يعرف كنهه (وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا (٨٥)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٨٥]، هذه الروح التي بها حياة الأبدان تنفصل عن أبدانها حال الموت إلى غير رجعة حتى يأذن الله ، تبارك وتعالى، حين البعث فيعود الروح إلى جسده دون خطأ دون تراخ، (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌۭ يَنظُرُونَ (٦٨)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٦٨]، هذه الروح دائمة لا تفنى بفناء الجسد كيف تدوم وبما بقاؤها بأي شيء قوام هذه الروح وبأي شيء تبقى ولا تفنى ويفنى الجسد وتبقى هي ويعتريها الشقاء ويعتريها السعادة فهناك سعداء وهناك أشقياء والقبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار والأغرب من كل ذلك أن هذه الروح تنفصل عن الجسد حال النوم ولكن انفصالها عن الجسد حال النوم يختلف عن انفصالها حال الموت، حال الموت ينتهي البدن ويفقد الحركة والنفس وكل شيء، أما في حال النوم فالجسد يبقى، وتبقى أجهزة الجسد تعمل، المعدة تعمل والدورة الدموية تعمل ودقات القلب مستمرة والتنفس مستمر ولكن الإدراك والتمييز انعدم، ثم إذا بالإنسان حال اليقظة يوقظ ولا يستيقظ من تلقاء نفسه بل يوقظ فإذا هو قد قام دون أن يدري كم لبث من الوقت نائما، آية، معجزة تدل على وجود الله الواحد القهار الحي الدائم الذي لا يسهو ولا ينام وهي آية في كل الناس وفي كل المخلوقات، والكل فيها سواء، يحدثنا القرآن عن هذه الآية مبينا أن الفاعل لذلك هو الله (ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)). ثم يقول:
أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ ۚ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَمْلِكُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَعْقِلُونَ ﴿43﴾ قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعًۭا ۖ لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿44﴾
‫(أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ ۚ ) "أم" هنا بمعنى "بل" (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٤٢﴾) فلم يتفكروا بل اتخذوا من دون الله شفعاء، رغم هذا التنبيه وهذه الآية المعجزة التي هي متكررة في الناس جميعا في كل يوم تتكرر تنام وتستيقظ وتنام وتستيقظ وتشيع الأحباب والأصحاب إلى مثواهم الأخير ومع ذلك (أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ ۚ ): وسطاء وأصل الكلمة من الشفع والشفع‫:‬ الزوج والوتر‫:‬ الفرد وسمي الشافع شافعا لأنك إذا شفع فيك كنت واحدا فجاء من ينضم إليك ويضم صوته إلى صوتك ويرجو لك فأصبحت به اثنان زوجا، من هنا سميت الشفاعة شفاعة لأن الشافع ينضم للمشفوع فيه فإذا هو بعد أن كان وحيدا له ظهر يسانده، له آخر يؤيده ويرجوا له ويتوسط له، هؤلاء رغم هذه الآيات المعجزات (أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ ۚ ) الأوثان والأصنام وكما قالوا وحدثنا بمقالتهم في أول السورة قالوا عن هؤلاء الأصنام (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ)، اتخذوا من دون الله شفعاء، (قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَمْلِكُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)) اتخذتموهم شفعاء واخترتم وفرضتم على الله من يشفع، فرضتم أنتم عليه وانتم اخترتم له ولم يختر هل بل أنتم الذين اخترتم الأصنام والأوثان كي يشفعوا لكم حين اخترتم ألم تعملوا عقولكم، إذا اختار الإنسان شفيعا اختار المقرب إلى من يشفع عنده، إذا أردت أن يشفع لك أحد لدى الحاكم أحسنت الاختيار اخترت عاقلا حكيما مقربا من الحاكم يسمع الحاكم له يستطيع أن يدخل عليه يعرف كيف يتكلم يعرف كيف يتقدم بالشفاعة يحبك ويحب مصلحتك ذاك هو اختيارك يشفع لك عند الحاكم، هؤلاء اختاروا من يشفع لهم عند الله، اختاروا من لا يملك ولا يعقل، لا يبصر لا يسمع لا يتكلم وهي أحجار لا تنفع ولا تضر تستوي مع أحجار الأرض لا فضل لها على شيء فيحدثنا ربنا ، تبارك وتعالى، عن هؤلاء الذين اتخذوا من دونه شفعاء ويأمر حبيبه المصطفى ، صلى الله عليه وسلم، أن يجادلهم وأن يسألهم (قُلْ) أي قل لهم يا محمد تختاروا شفعاء (أَوَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَمْلِكُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)) أي لا يملكون شيئا من الشفاعة ولا يعقلون لا تسمع ولا تبصر، جمادات كيف تشفع كيف تفهم كيف تعرف كيف تتكلم، (أَوَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَمْلِكُونَ شَيْـًۭٔا) من الشفاعة (وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣))، (قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعًۭا ۖ ) إذا فالله ، تبارك وتعالى، هو الذي يختار الشفعاء ويأذن لهم في الشفاعة، أيضا يأذن لهم فيمن يشفعون له لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى (مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٥٥]، إذا فالله ، تبارك وتعالى، له الشفاعة جميعا هو يأذن لأناس لرفعة مقامهم وشأنهم عنده لرضوانه عليهم فيمنحهم من فضله فيأذن لهم أن يكونوا شفعاء ثم يحدد لهم الذين يشفعون فيهم لأنهم‫:‬ ( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِۦ مُشْفِقُونَ ﴿٢۸﴾) [سورة االأنبياء آية‫:‬ ٢٨]، (قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعًۭا ۖ لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ) نعم له الشفاعة جميعا لأن له ملك السموات والأرض هو المالك وهو الملك هو الخالق وهو الحاكم وهو الحكم (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)) يوم القيامة حيث الملك أيضا لله، حيث الحكم أيضا لله وحيث الشفاعة جميعا لله‫.‬‬
‫ويحدثنا القرآن عن أحوال هؤلاء الذين لا يتفكرون ولا يعقلون، يحدثنا عن قلوبهم التي اسودت من كثرة الران عليها يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿45﴾
‫(وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ) أمامهم وقيل لهم لا إله إلا الله أو حدثوا بشأن التوحيد وبصفات الله العليا اشمأزت منهم القلوب واشمئزاز القلب أن يمتلئ القلب غما حتى ينقبض أديم الوجه، والاستبشار أن يمتلئ القلب سرورا حتى يظهر أثر ذلك على بشرة الوجه، وجاءت الكلمات تبين التفاوت البالغ الغاية في هؤلاء كيف إذا ذكر الله ، تبارك وتعالى، انقبضت قلوبهم ونفرت واستكبرت (وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ) الأصنام والأوثان لفرط جهالاتهم (إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)) يمتلئ قلوبهم بالسرور، تنفرج منهم الأسارير، يظهر أثر السرور على بشرة وجههم وكأن الإنسان إذا سمع هذا يئس منهم ويئس من إيمانهم ويئس من عقلهم لا يعقلون لا يتفكرون لا يتأملون بعد كل هذا الكلام، (وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)) إذا فإذا رأيت ذلك فالجأ إلى الله هو خير ملتجأ، لذا ألجأ الله نبيه ، صلى الله عليه وسلم، إلى ذاته العلية فقال له‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ عَـٰلِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿46﴾
إذا يئس وإذا قنط من إيمانهم ورأى هؤلاء الناس لا يبصرون ولا يسمعون ولا يعقلون هم كالأنعام بل هم أضل أن يلتجئ إلى الله يطلب الفصل والقضاء الحق من الله ، تبارك وتعالى، (قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) الخالق على غير مثال، الفطر‫:‬ الإنشاء من العدم (عَـٰلِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ) لأنه خلق ويعلم ما خلق، يعلم الغيب ويعلم الشهادة، يعلم ما ظهر ويعلم ما خفي‫.‬‬
‫كل المعلومات في علمه سواء (أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)) لأن هؤلاء الناس لا يجدي معهم منطق، لا يجدي معهم قرآن معجز، لا تجدي معهم الآيات، الآيات تترى السموات والأرض، الزرع، والماء الذي نزل فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا، الله يتوفى الأنفس حين موتها، مع كل هذه الآيات تترى إذا ذكر الله وحده اشمأزوا واشمأزت قلوبهم وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون، واتخذوا من دون الله شفعاء فاللجوء إلى الله ، تبارك وتعالى،‬ (قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ عَـٰلِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦))
‫وقد سئلت السيده عائشة، رضي الله عنها، بما يفتتح النبي ، صلى الله عليه وسلم، صلاته إذا قام من الليل فقالت‫:‬ (كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: «اللهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، نعم (قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ عَـٰلِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)) وقد قيل إن من قرأ هذه الآية ثم دعا الله ، تبارك وتعالى، لا يرد له دعاء‫.‬‬
‫يبين ربنا ، تبارك وتعالى، نتيجة الحكم وما قد يتعرض له الناس بعد حكم الحكم الخبير‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا۟ يَحْتَسِبُونَ ﴿47﴾ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿48﴾
علق النجاة يوم القيامة على المحال وما علق على المحال فهو محال، لو استطاع الإنسان أن يفتدي نفسه من عذاب يوم القيامة لافتدى نفسه، بم يفتدي الظالم نفسه؟ يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟) للذين أشركوا، الظلم‫:‬ الشرك، الظلم‫:‬ الكفر، (إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌۭ (١٣)) [سورة لقمان آية‫:‬ ١٣]، (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟) يوم القيامة عند الحكم (مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا) ملك الدنيا جميعا، ملك الأرض بكل ما حملت الأرض من جبال وأنهار وبحار وقصور وكنوز، هب أنك ملكت الأرض جميعا بما فيها وبما عليها، (وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ) أيضا مضاعف (لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ) وطالما أن يوم القيامة ليس فيه ملك إلا ملك الله وليس فيه مالك إلا المالك، سبحانه وتعالى، (لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ (١٦)) [سورة غافر آية‫:‬ ١٦]، لا درهم ولا دينار ولا قصور ولا زروع ولا نخيل بل عادت الأرض كما بدأت جرداء قاحلة منبسطة (لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًۭا وَلَآ أَمْتًۭا (١٠٧)) [سورة طه آية‫:‬ ١٠٧]،‬
‫لا ارتفاع ولا جبال ولا بحار ولا محيطات بل هي مسطحة (لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًۭا وَلَآ أَمْتًۭا (١٠٧)) [سورة طه آية‫:‬ ١٠٧]، من أين يأتي، فلو فرضنا المستحيل أن يملك لو ملك لافتدى، وطالما أن لا يملك إذا فلن يفتدي وكأن الآية إقناط من النجاة لهؤلاء، تيئيس كامل لأنه فرض لهم المستحيل فكيف ينجو الإنسان وهو لا يملك أن ينجو إلا أن يفتدي نفسه وبما يفتدي نفسه؟ فعلق المحال على المحال، إقناط للكفار من النجاة ومن الخلوص يأس كامل، (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ )، وأنت الآن تستطيع أن تفتدي نفسك، أنت الآن تملك وتستطيع أن تنفق وتستطيع أن تفتدي نفسك، هل يمكن الإنسان أن يفتدي نفسه في الدنيا؟ نعم يمكن له ذلك ونبينا ، صلى الله عليه وسلم، يقول‫:‬ (اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) نصف بلحة تنجيك، ويحدثنا أن (وَإِنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا تُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ) ، إذا فالإنسان يستطيع أن يفتدي نفسه في الدنيا لأنه يملك، بالقليل يستطيع أن يفدي نفسه في الدنيا لأنه يملك، بالقليل يستطيع أن يفدي نفسه أما في الآخرة فلو ملك، ولن يملك (وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا۟ يَحْتَسِبُونَ (٤٧)) آية لو تأملت فيها لخشع قلبك واقشعر جلدك المفاجأة لدرجة أن كثيرا من الصالحين كانوا يبكون من هذه الآية لأن الله ، تبارك وتعالى، يقول‫: (وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ)‬ ظهر لهم (مَا لَمْ يَكُونُوا۟ يَحْتَسِبُونَ (٤٧)) ما لم يكونوا يتوقعون، والآية مقابلة لقوله ، تبارك وتعالى، في شأن الصالحين المتقين (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌۭ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍۢ ) [سورة السجدة آية‫:‬ ١٧]، إذًا فالمفاجأة حادثة للجميع، أما المتقون فمفاجأتهم أنهم يمنحون ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أما الأخرين والعياذ بالله فأيضا يظهر لهم ما لا يتوقعون (وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا۟ يَحْتَسِبُونَ (٤٧)) قال فيها العلماء عملوا أعمالا ظنوا أنها حسنات فإذا بها يوم القيامة سيئات الذين خسروا أنفسهم هؤلاء الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا، يحسبون في الدنيا أنهم يحسنون صنعا فإذا بهم يوم القيامة ما ينتظروه من حسنات إذا هو في ميزان السيئات (وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا۟ يَحْتَسِبُونَ (٤٧))، ما لم يكونوا يتوقعون فإذا بحسناتهم في كفة السيئات، قال بعضهم ظنوا أنهم قد يغفر لهم عملوا من الأعمال ما لم يتوقعوا ضررها فإذا بها موبقة ماحقة تؤدي به إلى الهلاك، كالكلمة يتكلم الرجل بالكلمة من سخط الله يهوي بها أسفل سافلين والرجل يتكلم بالكلمة يضحك بها إخوانه يهوي بها في النار سبعين خريفا (دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا، قطة ليس إنسانا، ليس آدميا، ليست مسلما أو وليا بل قطة، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تُرَمِّمُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا) ، أعمال بسيطة صغيرة‫.‬‬
‫كلمه قالها يوما ما، تصرفا تصرفه، فعل شيئا لا يظن أن هذا الشيء موبق أو ماحق فإذا به يفاجأ يوم القيامة بأن هذا الشيء الذي استصغره في الدنيا كان سببا في هلاكه (وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا۟ يَحْتَسِبُونَ (٤٧))،‬
‫وقال بعضهم هذه الآية أيضا في هؤلاء الذين يؤجلون التوبة يرتكب المعاصي ويعتقد أنه سوف يتوب ويأمل في طول العمر كما يعدهم الشيطان ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، يعدهم بالمغفرة ويمنيهم بطول العمر فيرتكب الإنسان المعاصي والمظالم ويحتمل من المظالم ما لم تحتمله الجبال كالحكام الظلمة وولاة الأمور الفسقة يحتمل من المظالم ما لا تحتمله الجبال ويظن أنه سوف يتوب أو سوف يعود فيفاجئه الموت قبل التوبة‫.‬‬
‫(وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ (٤٨)) إذا بالأعمال السيئة تنشر على رءوس الخلائق، الفضائح يوم الفضيحة، سترنا الله وإياكم دنيا وأخرى ، يوم الفضيحة إذا بالعبد تنشر سيئاته على الملأ (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟)، من هؤلاء الذين أكلوا أموال الناس والذين أكلوا مال المسلمين بغير حق من غل في الغنائم، هؤلاء الذين نهبوا المال العام، مال الأمة، مال المسلمين فارتشوا واغتنوا من الرشوة ومن التدليس ومن الفساد وأكلوا من مال الدولة وهربوا بأموالهم إلى الخارج وعاشوا عيشة الملوك والأمراء بأموال الشعب، بأموال الناس، بأموال المسلمين، كل هؤلاء يفضحون على رءوس الخلائق، وقد حدثنا النبي ، صلى الله عليه وسلم، أن الرجل يأتي يوم القيامة وقد حمل على ظهره بما غله في الدنيا، (لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ فَيَقُولُ: أَغِثْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) ، يأتوا وقد حملوا ما غلوا على ظهورهم يوم القيامة، ونبينا ، صلى الله عليه وسلم، يوصي أبا ذر ويقول‫:‬ ( خفف ظهرك فإن العقبة كؤود) نعم صراط جهنم أدق من الفتيل كيف يجوزون الصراط وقد حملوا ما لا تحتمله الجبال، كل ما غلوه، نعم (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟).‬
‫كذلك الغادر من غدر ولم يفي بما وعد، هؤلاء الغادرون (يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ) فضيحة (وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ (٤٨)) حاق بهم‫:‬ أحاط بهم ما كانوا به يستهزئون كانوا يستهزئون بالنار، وبجهنم وحين يقول الله ، تبارك وتعالى، (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)) [سورة المدثر آية‫:‬ ٣٠] يقول أحد صناديدهم‫:‬ أنا أكفيكم ثمانية عشر، تجبر، كبر، استكبار، جهل، أي شيء تعرف هذا الكلام الذي قيل من هؤلاء الصناديد وهؤلاء الكفار لا يعقلون كالأنعام؟ لا والله، الأنعام أفضل الأنعام تسبح الأنعام تطيع الله ، تبارك وتعالى، هؤلاء أحاط بهم ما كانوا به يستهزئون، كما يقول الله ، تبارك وتعالى، (أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍۢ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٢٩]‬
‫ويحدثنا القرآن عن الإنسان ما أكفره (قُتِلَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُۥ (١٧)) [سورة عبس آية‫:‬ ١٧]، (إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌۭ (٦٦)) [سورة الحج آية‫:‬ ٦٦]، (وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًۭا جَهُولًۭا (٧٢)) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٧٢].‬
‫يحدثنا القرآن عن الإنسان فيقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬‬
فَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ضُرٌّۭ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَـٰهُ نِعْمَةًۭ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍۭ ۚ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌۭ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿49﴾ قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿50﴾ فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ ۚ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ هَـٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ﴿51﴾ أَوَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ﴿52﴾
‫(فَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ضُرٌّۭ دَعَانَا) أي دعا الله، توجه إلى الله (ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَـٰهُ نِعْمَةًۭ مِّنَّا) خولناه كما قلنا من قبل‫:‬ ملكناه وأعطيناه (قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍۭ ۚ ) كفر، حال الشدة يقول يا رب، حال البلاء يلجأ إلى الله وينسى كل شيء، فإذا بسط الله له الرزق وجاءه الرخاء وانكشف عنه البلاء لا يقول الحمد لله أو نجاني الله إنما يقول أوتيته على علم، والغريب في الآية أنها بدأت بحرف العطف الفاء (فَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ضُرٌّۭ) إذا فالآية معطوفة والكلام معطوف على قوله ، تبارك وتعالى، (وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥))، (ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَـٰهُ نِعْمَةًۭ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍۭ ۚ ) والكلام (قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ عَـٰلِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا)، (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ (٤٨)) هذا‫:‬ الكلام معترض بين الجملتين لتأكيد الخسران المبين لهؤلاء وليبين لك شدة الجهالة إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم فإن أصابتهم الشدة وأصابهم البلاء لجأوا لمن اشمأزت قلوبهم من ذكره ونسوا من استبشرت قلوبهم لذكره، جهالة، كفر (ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَـٰهُ نِعْمَةًۭ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍۭ ۚ ) أي على علم عندي بوجود المكاسب، بعقلي بخبرتي، ليس مثلي أحد، بكسبي بسعيي، أو أوتيته على علم عندي أي علم من الله لأني مستحق لذلك، أو يقول طالما أنعم الله علي في الدنيا فأنا قريب منه وسوف ينعم على في الآخرة، نحن الأغنياء في الدنيا ونحن لا بد وأن نكون الأغنياء أيضا في الآخرة ولو كان الله يحب هؤلاء الذين تبعوا محمدا لأعطوهم من الدنيا ولكنه حرمهم، هكذا قالوا، اعتبروا أن الإنعام عليهم في الدنيا علامة رضا، ، أي علم من الله، تبارك وتعالى، بأني أستحق، علم مني بوجوه الكسب، وتحصيل المنافع، على علم بأني مستحق لذلك، كنت أعلم أني سوف أحصل على هذا كل هذا تحتمله كلمة (قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍۭ ۚ )، (بَلْ هِىَ فِتْنَةٌۭ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩))، (بل هو فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون)، ( قد قاله الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) ، قراءة، (قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (٥٠))، أي الكلمة (قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍۭ ۚ ) هم قالوها وقالها الذين من قبلهم ألم يقل ذلك قارون؟ بلي قال قارون ذلك حينما قيل له اتق الله وأنفق وأحسن كما أحسن الله إليك قال (قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ ۚ ) [سورة القصص آية‫:‬ ٧٨]، وحين خرج على الناس في زينته خسف الله به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين نعم (قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (٥٠))،‬
‫أين كنوز قارون؟ أين الحرس؟ أين الخدم والحشم؟ أين الأموال والضياع؟ فجأة خسف به وبداره الأرض وبكنوزه التي كان العشرة من الرجال لا يستطيعون حمل مفاتيحها فما بالك بالكنوز نفسها، (قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (٥٠)) لم ينفعهم المال، لم ينفعهم الجاه، لم ينفعهم السلطان، أين الحكام أين الأباطرة؟ أين الملوك الذين حكموكم ورأيتموهم رأي العين؟ أين فرعون؟ أين الرؤساء الذين تعبت أيديكم من التصفيق لهم؟ أين الرؤساء الذين تعبت الحناجر من الهتاف لهم؟ أين الزعماء الخالدون؟ أين هم؟ أين ما كنتم تزعمون أنكم تفدونهم بالروح وبالدم؟ باروح بالدم نفديك يا فلان، لم يفد أحد أحدا، أين الحرس؟ وأين القصور؟ أين العز وأين الجاه؟ ما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ ۚ ) الغريب في الآية أن الله ، تبارك وتعالى، يسمى الجزاء سيئة أي فأصابهم جزاء ما كسبوا، هل ربنا ، تبارك وتعالى، يفعل السيئات؟ حاشا وكلا، لكن اللفظ مشاكلة لفظية، أصابهم سيئات ما كسبوا كأن الجزاء سيء سوء أعمالهم، وكأن أعمالهم خلت من كل خير، جميع أعمالهم سيئات، ربنا ، تبارك وتعالى، حين يجازي المؤمن يجازيه عن حسناته جميعا وأعماله الطيبة بأفضل ما كان يعمل يجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون، أما هؤلاء فلا حسنة لهم أصابهم سيئات ما كسبوا (وَٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ هَـٰٓؤُلَآءِ) من هؤلاء الكفار من أمة محمد، عليه الصلاة والسلام، (سَيُصِيبُهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟) أيضا كما أصاب من كان قبلهم (وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (٥١)) المعجز الذي تعجز عن اللحاق به، المعجز من يفوتك، أعجزك فلان‫:‬ سبقك ولم تلحق به، فاتك وفات منك وأعجزك اللحاق به فهل هناك من يعجز الله ، تبارك وتعالى؟ هل هناك من هارب؟ أين تهرب؟ ما أنت بمعجز، ولو شئت الهرب أين وكيف؟ ألم تر أن الناس قد أسروا حتى وهم أحياء، (نَّحْنُ خَلَقْنَـٰهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ ۖ ) [سورة الإنسان آية‫:‬ ٢٨]‬
‫هل أنت مأسور؟ هل أنت أسير؟ أفي يديك القيود؟ أفي قدميك الأغلال؟ أبدا ومع ذلك أنت أسير بغير قيد، أسير ماذا؟ أسير جاذبية الأرض هل يستطيع أحد أن يخرج من الأرض يتخلص من جاذبيتها؟ أبدا فنحن أسرى مشدودو الوثاق، أنت أسير الأرض، أسير بدنك، أسير هذا الجسد لا تستطيع أن تتخلص من جسدك ولا تستطيع أن تخرج روحك إذا شئت، أسير العمر أسير الرزق، أسير المكان والزمان، أنت أسير والآسر هو الله فأين تهرب، أين المهرب وصدق رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، حين لجأ إلى الله وعلمنا اللجوء إليه وقال (لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ) ولذا استعاذ به منه وقال‫:‬ (أَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أَبْلُغُ مِدْحَتَكَ، وَلَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) ، نعم لا ملجأ من الله إلا إليه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ ما في يدك فالله أعطاك وما ذوي عنك فالله منعك، والعاقل يعلم أن الله ، تبارك وتعالى، يختار الخير لعباده فما زوي عنك لا خير لك فيه وما أعطاه الله إياك فاعلم أنها فتنة امتحان، هؤلاء حين بسط لهم الرزق دعوا الله حين الشدة فلما خولهم النعمة قالوا‫:‬ (إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍۭ ۚ )، ربنا ، تبارك وتعالى، يرد عليهم ويقول (بَلْ هِىَ فِتْنَةٌۭ) أو "بل هو" قراءة أخرى إذا معنى ذلك أن المال فتنة والجاه فتنة والصحة فتنة والمسكن الواسع فتنة، كل ما يمنح للإنسان من زينة الدنيا وزخرفها فتنة حتى الزوجة حتى الولد (إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ ۚ ) [سورة التغابن آية‫:‬ ١٥]‬
‫ربنا يقول ذلك المانح هو العاطي الخالق، فإن أعطاك الشيء ثم قال لك هذا الشيء فتنة ابتلاء إذا فهو صادق، ما معنى الفتنة؟ أصل كلمة الفتنة يعرفها الصواغ إذا جئت بالذهب والفضة الخام وأردت أن تنقيه من الشوائب أدخلته النار حتى تذوب الشوائب ويخلص لك‬
‫الذهب هذه العملية عملية حرق الذهب بالنار حتى تذوب الشوائب ويصير الذهب خالصا، تسمى فتنة، فتن الذهب‫:‬ أذابه حتى يتخلص من الشوائب، إذا معنى ذلك أن الله ، تبارك وتعالى، يريد للمعادن النفيسة من الناس أن تخلص وتصبح مخلصة لله خالصة لله، يصبح العبد من المخلصين ومن المخلصين بالفتنة بالامتحان بالاختبار كما يختبر الذهب وكما تختبر الفضة، من هنا وجب على العبد أن يعلم أن الله ، تبارك وتعالى، هو الذي يبسط الرزق وهو الذي يقبض الرزق، هو الذي يبسط ويقدريضيق، يمنع ويمنح وحين يمنع ليس ذلك عن سخط وحين يعطي ليس ذلك عن رضا وإنما هو الفعال لما يريد لذا يقول الله ، تبارك وتعالى، (وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴿٣٥﴾) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٣٥]‬
‫امتحان يبتلي الفقير بالفقر أيصبر ويبتلي الغني بالغني أيشكر، يبتلي الصحيح بالصحة أيطيع أيستغل البدن في الطاعة، يبتلي المريض بالمرض أيلجأ إليه وهكذا إذا فهي فتنة ولذا يبين نبينا ، صلى الله عليه وسلم، أمرا غآية في الخطورة يقول‫:‬ ( إذا رأيت الله ينعم على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أن ذلك منه إستدراج) نعم (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ (٤٥)) [سورة القلم آية‫:‬ ٤٤- ٤٥] فيعطيهم المال يعطيهم الجاه امتحان وكلما أعطاهم كلما زاد السؤال كلما زاد الحساب، كلما زادت الخطايا كلما توقع الهلاك (بَلْ هِىَ فِتْنَةٌۭ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩))،‬
‫(أَوَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟)، أولم يعلموا ماذا؟ (أَوَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٢﴾) آمنت بالله، آمنا بالله، نعم القوم المؤمنون هم المنتفعون بهذا الكلام، المؤمن له عقل وله وجدان أضاء الله صدره وقد قرأنا منذ قليل، (فَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ ) فالمؤمن شرح صدره دخله النور عرف الحق واتبعه لذا هذه الآيات لا تفيد إلا المؤمن الذي شرح صدره ولا تفيد الكافر الذي إذا ذكر الله وحده أمامه اشمأزت قلوبهم، لا تفيدهم هذه الآيات ولا تنفع معهم ولا تشفع، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ) هذا الذي قيل وفي هذه الآيات (لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٢﴾) دلائل نور للبصائر و () هم المنتفعون، هؤلاء هم أصحاب العقول أولوا الألباب، (فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿١۷﴾ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ ﴿١۸﴾).‬
‫السورة سور القرآن من القرآن دائما وأبدا يأت جميعها كاملة يكمل بعضها بعضا هي من قول الله ، تبارك وتعالى، مرتبطة ارتباط وثيق يكمل بعضها بعضا، التأمل في السورة كما لو كانت شيئا واحدا متكامل مجتمع الكلام يؤيد بعضه بعضا آيات للمؤمن آيات لأولي الألباب آيات لمن شرح الله صدره للإسلام، آيات لهؤلاء الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم هؤلاء الذين اقشعرت أبدانهم وجلودهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، ذكرت آيات العذاب فخافوا وذكرت آيات الرحمة فاطمأنوا وسكنوا لجأوا إلى الله‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم الرازق هو الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر هل علمت ذلك؟ إن علمت ذلك إياك أن تنسب الفضل لنفسك، إياك أن تقول أوتيته على علم عندي، إياك أن تعتقد أنك طبيب ماهر لا يوجد أحد مثلك، إياك أن تعتقد أنك صانع ماهر أو أو، أو صنعت ثروتك بيدك وبكدك، وكثير منا يخطئ ويقول ويفعل ذلك ويضع السبابة على جبهته ويعصرها كما يعصر العرق ويقول جئت به أو بهذا المال بكدي وعرقي، أبدا والله رب مرزوق بغير تعب ورب كادح بغير رزق، كم يولد الجنين يجد أن الدنيا قد دانت له مولود تدين الدنيا له ومولود في زوايا المهملين، يولد وفي يده ملعقة من ذهب ولد لرجل غني ولد لملك ولد لكذا ولد لكذا، والآخر ولد أسفل السرير ليس هناك مكان حجرة ضاقت بالأنفاس ليس بالأجساد، ضاقت غرفتهم بأنفاسهم وليس بأجسادهم، من الذي فعل ذلك؟ هو الله، إياك والاعتراض على حالك أو على حال غيرك هو الله لو شاء لأغناهم جميعا ولو شاء لأفقرهم جميعا هو الله، والله ما في هذه الأرض من كنوز تكفي المخلوقات إلى أبد الآبدين ومثلهم معهم ما كان الله لينسى أحدا، ولكنه جعل في أموال الأغنياء حظ الفقراء اختبر هؤلاء وهؤلاء فإن كنت غنيا فثق أن في مالك حق للفقير إن أعطيته حقه والله ما صار فقيرا نعم ربنا، تبارك وتعالى، ما ضيق على أحد لضيق ذات يده أو لأن خزائنه نضبت ولكنه ابتلى الأغنياء بالفقراء وجعل في أموال الأغنياء نصيبا للفقراء فإن أعطى الأغنياء نصيب الفقراء للفقراء صار الكل سواء، لكن المال فتنة نعم بل هو فتنة (إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ ۚ ) [سورة التغابن آية‫:‬ ١٥].‬
‫أيها الأخ المسلم الآن وقد علمت أن ما خولك الله من مال من جاه من صحة من ولد كل ذلك اختبار امتحان ماذا أنت فاعل فيه، واعلم أن الله، عز وجل سيسألك ليس بينك وبينه ترجمان أعطيتك كذا درهم درهم إي وربي أنت تنفق ولا تحسب ولكن الله يحسبها عليك، يقول النبي ، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (لاَ تَزُولُ قَدَمَا الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ، عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: عَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ، وَعَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ كَيْفَ عَمِلَ فِيهِ).‬
‫ارتكب رجل جريمة شنعاء، ارتكبها من أجل المال، ذاك الرجل هو وحشي الحبشي حيث أغرته هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان أن يقتل حمزة بن عبد المطلب ووعدته بالحرية، ووعدته بتزويجه من أحلى جواريها وأجملهن ووعدته بكثير من المال وتربص وحشي بسيد الشهداء، تربص به في غزوة أحد وكان جل همه أن يصل إليه وكان أشهر من رمى بحربة وأراد الله ، تبارك وتعالى، أن يصطفي حمزة فمكن وحشي منه وقذفه بحربته وقتل حمزة، قتل حمزة وجاءت هند وشقت صدره وأخرجت كبده وحاولت أن تأكلها فلم تستسيغها فلفظتها، وقد قال النبي ، صلى الله عليه وسلم، : ( والذي نفسي بيده لو دخل شيء من كبد حمزه في جوفها ما مستها النار قط) ، وحزن النبي، صلى الله عليه وسلم، حزنا شديدا على حمزة وقرر أن يثأر له بالتمثيل بسبعين منهم من المشركين إن أظهره الله عليهم ونزل الأمر من العلي الأعلى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّـٰبِرِينَ (١٢٦)) [سورة النحل آية‫:‬ ١٢٦]، ثم أمره بالأعلى والمقام الأسمى فقال له‫:‬ (وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ ) [سورة النحل آية‫:‬ ١٢٧]، وكتم النبي ، صلى الله عليه وسلم، حزنه ودارت الأيام واستيقظ وحشي من غفلته وأراد الله، تبارك وتعالى، به خيرا فحدثته نفسه بالإسلام ولكنه كان يائسا من رحمة الله كيف يغفر له وقد قتل عم النبي ، صلى الله عليه وسلم، وصنوه، تحدثه نفسه بالإسلام ويسترجع في خاطره جريمته الشنعاء فيزداد يأسا على يأس فحدث بأن الله ، تبارك وتعالى، يغفر الذنوب وأن الإسلام يجب ما قبله وقرئ عليه قول الله ، تبارك وتعالى، (وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًۭا ﴿٦۸﴾ يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِۦ مُهَانًا ﴿٦۹﴾ إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍۢ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ﴿۷۰﴾) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٦٨ -‬ ٧٠] تليت عليه الآيات فقال في الآية ِشرط حيث قال الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (وَعَمِلَ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٧٠] وذاك شرط لا أضمنه وما يدريني أن أعمل من الصالحات أو أقوى على ذلك في الآية شرط، فتوقف عن الإسلام فنزل قول الله ، تبارك وتعالى، (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ٤٨]، فتليت عليه فقال في الآية استثناء حيث قال الله ، تبارك وتعالى، (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ٤٨]، وما يدريني أن أكون أنا ممن يشاء أن يغفر لهم فتوقف فنزل قول الله ، تبارك وتعالى، بأرجى آية في القرآن بلا شرط وبلا استثناء حيث يقول الله ، تبارك وتعالى، تبارك وتعالى:
قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿53﴾
بلا شرط وبلا استثناء وبلا أي توقف، دعوة واضحة صريحةه من لدن أرحم الراحمين، ربنا ، تبارك وتعالى، يفتح الأبواب أبواب رحمته ومغفرته يبشر بها العباد الذين استيقظت ضمائرهم الذين أرادوا أن يعودوا ويرجعوا إلى حظيرة الرضوان، يفتح لهم الأبواب مهما عملوا من ذنوب ومهما ارتكبوا من كبائر ولو بلغت ذنوبهم عنان السماء ولو ملأت ذنوبهم قراب الأرض يبشرهم ربهم ، تبارك وتعالى، والآية وإن كان قد قيل فيها أنها نزلت في شأن وحشي حيث أسلم بعد نزولها وقال‫:‬ الآن، الآن فأسلم حيث لم يجد شرطا ولم يجد استثناء، قيل أيضا أن هناك من المسلمين الذين كانوا بمكة أرادوا الهجرة ولم يتمكنوا كالوليد بن الوليد وعياش ابن أبي ربيعة وقد كان النبي ، صلى الله عليه وسلم، يدعو لهما‫:‬ (اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ) ، لم يتمكنوا من الهجرة وقد كانا واعدا عمر بن الخطاب للهجرة معه وفتنهم صناديد قريش ففتنوا وظنوا ألا توبة لهم فنزلت الآية تبشرهم، وقيل أيضا أن هناك بعض الكفار أرادوا أن يسلموا وقالوا كيف نسلم وكيف وكيف ومحمد يزعم أن من قتل النفس أو أشرك أو زنى أو عبد الأصنام يخلد في عذاب جهنم فكيف نسلم وكيف نهاجر وهو يتوعدنا بذلك وقد قتلنا النفس وارتكبنا جريمة الزنا وأشركنا بالله فخافوا فنزلت تطمئنهم، ومهما كان سبب نزول الآية فكما قلنا من قبل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإن كانت الآية نزلت لسبب أو لأسباب فهي ليست خاصة بهذه الأسباب بل هي عامة لكل من حدثته نفسه بالتوبة ولكل من خاف من ذنوبه وخشي ألا تغفر، هذه الآية لكل الناس ولكن في الآية لفتات غريبة‫:‬ اللفتة الأولى في الآية أن الله ، تبارك وتعالى، حين نادى هو ينادي على من؟ على العصاه، ينادي على الكفار، ينادي على هؤلاء الذين أسرفوا على أنفسهم ارتكبوا من الشرور ومن الذنوب ومن المعاصي ما تجاوز الحد، إسراف، أكثروا من الذنوب وأكثروا من المعاصي وأكثروا من كل شيء يغضب الله ، تبارك وتعالى، حين يناديهم كان التقدير للنداء بحسب عقولنا القاصرة يا أيها العصاة، يا أيها المذنبون، يا من أذنب ويا من عصى لكن النداء استفتح بكلمة كلها حنان كلها رحمة كلها أمل حيث يقول الله ، تبارك وتعالى، (يَـٰعِبَادِىَ) وهم لم يتوبوا بعد، وهم في غمرة المعاصي والذنوب يناديهم بقوله (يَـٰعِبَادِىَ) ونسبهم إليه تشريفا لهم وتطمينا وأملا في أن الله ، تبارك وتعالى، قد فتح الأبواب على مصراعيها لكل من أراد أن يقبل إليه (يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ) لفتة أخرى أن الذنوب والمعاصي والكبائر، الإسراف في الشرور لا يضر إلا صاحبه لأن الله ، تبارك وتعالى، متعال لا تضره المعاصي ولا تصعد إليه الأعمال السيئة ولا ترتفع إلى الملكوت والملأ الأعلى، دعاوى المشركين بإشراكهم وبوصفهم لله بغير ما لا يليق فالله ، تبارك وتعالى، لا تضره المعاصي ولا تنفعه الطاعات فهو المستغني بذاته عمن سواه، من هنا يتبين أن الذنوب والمعاصي والإسراف في الشرور كل ذلك لا يؤثر في ملك الله ولا يضر الله وإنما يضر صاحبه ويعود وباله عل مرتكبه فيقول أسرفوا على أنفسهم (لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ ) القنوط شدة اليأس، (لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ ) إذا فالكلام يشعر بأن هناك أمران‫:‬ مغفرة أولا وتفضل ثانيا لأن الرحمة تشمل الغفران وتشمل التفضل والإنعام لا تقنطوا من رحمة الله، ثم يأتي بالتأكيد الذي يفيد الاختصاص (إِنَّ ٱللَّهَ) وجاء بلفظ الجلالة وكان التقدير في الكلام حسب اللغة العربية (لا تقنطوا من رحمة الله إنه يغفر) أي يأتي بالضمير ولكنه أتى بلفظ الجلالة (إِنَّ ٱللَّهَ) وقال ليفيد أن الله ، تبارك وتعالى، هو المختص بالغفران وأنه لا يمكن لمخلوق أن يشاركه في ذلك لبيان الاختصاص لله ، تبارك وتعالى، (إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ ) بلا استثناء، وإن كان العلماء قالوا‫:‬ هذا الإطلاق مقيد بقوله ، تبارك وتعالى، (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ) [سورة النساء آية‫:‬ ٤٨]، وقالوا بل يغفر الإشراك إذا أسلم العبد حتى المسلم إذا ارتد ثم عاد لإسلامه غفر له والآية التي تقول (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ) [سورة النساء آية‫:‬ ٤٨] تختص بمن يمت وهو كافر فهو في فسحة من دينه حتى يغرغر فإن تاب قبل أن يغرغر وآمن غفر له‬ (إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ )
‫(إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ ) تأكيد آخر يبين أن الله ، تبارك وتعالى، يغفر ويرحم، يغفر الذنوب ثم يتفضل بعد ذلك فيبدل السيئات حسنات وينعم ويتفضل بلا حساب، (إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿٥۳﴾) مزيد تأكيد ومزيد اختصاص وبيان أن الله ، تبارك وتعالى، بعد المغفرة يتفضل بإحسانه ويجود بإنعامه‬
‫ثم يأتي الأمر بالإنابة إلى الله، بالتوبة، بالرجوع إليه طالما فتح لك الباب وغفرت ذنوبك جميعها وتفضل الله ، تبارك وتعالى، فأدخلك في رحمته عليك أن ترجع إليه وتلجأ إليه وتتوب إليه توبة نصوحا وتتبع أوامره فيقول:
وَأَنِيبُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا۟ لَهُۥ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ﴿54﴾
‫(وَأَنِيبُوٓا۟) ارجعوا، الرجوع إلى الله بالتوبة، الرجوع إلى الله بالاستغفار، الرجوع إلى الله بالطاعة، (وَأَسْلِمُوا۟ لَهُۥ) استسلام بالكلية لقضاء الله ، تبارك وتعالى، الإيمان بقضائه وقدره خيره وشره حلوه ومره، أن تستسلم لله بالكلية، (وَأَسْلِمُوا۟ لَهُۥ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ) في الدنيا (ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (٥٤)) ثم لا تجدون من ينصركم كما حدث لقارون حين خسف به وبداره الأرض (فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٍۢ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ (٨١)) [سورة القصص آية‫:‬ ٨١]، وكما فعل بصاحب الجنة التي دخلها وقال‫:‬ (قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِۦٓ أَبَدًۭا (٣٥)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٣٥] وحين أحيط بثمره وأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية (وَيَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّىٓ أَحَدًۭا (٤٢) وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٌۭ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا (٤٣)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٤٢- ٤٣]، نعم من هنا يأتي التحذير في هذه الآية (وَأَنِيبُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا۟ لَهُۥ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (٥٤)).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَٱتَّبِعُوٓا۟ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةًۭ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿55﴾
فجاءة الموت (وَٱتَّبِعُوٓا۟ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم) أحسن ما أنزل كل ما نزل من الله فهو حسن فما هو الأحسن؟ قالوا الله ، تبارك وتعالى، أنزل التوراة والإنجيل والزبور وأنزل القرآن، القرآن أحسن ما أنزل أحسن ما أنزل خاتم الكتب المهيمن عليها لا يتبدل ولا يستطيع أحد أن يدخل فيه ما ليس منه أو يخرج منه ما فيه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه محفوظ إلى يوم الدين فهو أحسن ما أنزل، وقالوا أحسن ما أنزل الآيات المحكمات في القرآن فعليك أن تتبع المحكمات وتؤمن بالمتشابهات‫.‬‬
‫قالوا أحسن ما أنزل الناسخ دون المنسوخ ففي القرآن ناسخ ومنسوخ فالأمر باتباع الأحسن أي الناسخ الباقي حكمه، وقالوا بل في القرآن عزائم ورخص فمن العزائم أن يصوم الإنسان حتى لو في السفر والرخص أن يفطر الإنسان في رمضان لو كان على سفر فأحسن ما أنزل العزائم فهم يصومون حتى في السفر، وقال بعضهم القرآن فيه أمر ونهي أحسن ما أنزل الأوامر الطاعات فعليكم باتباع الأوامر التي تأمركم بالطاعة دون ما نهيتم عنه (وَٱتَّبِعُوٓا۟ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ)، وقيل أحسن ما أنزل ما أنزله الله ، تبارك وتعالى، وخير كقوله (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّـٰبِرِينَ (١٢٦)) [سورة النحل آية‫:‬ ١٢٦]، فأنت مخير بين القصاص وبين العفو، الأحسن أن تعفو (وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٤٠)) [سورة الشورى آية‫:‬ ٤٠]، إذًا ذاك هو الأحسن، وقد أمر النبي ، صلى الله عليه وسلم، بالأحسن فقيل له (وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ ) [سورة النحل آية‫:‬ ١٢٧]، وأمر بالعفو حيث قيل له (خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ (١٩٩)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٩٩]،‬
‫ذاك هو أحسن ما أنزل (وَٱتَّبِعُوٓا۟ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةًۭ) الموت، القيامة، البعث، عذاب القبر، الحساب كل ذلك يأتي بغته يفاجأ الإنسان أن العمر قد انقضى وقد يكون على معصية، وقد يكون في أبهى صوره كما كان قارون وقد، وقد، وقد يكون في علو وتجبر وتكبر كفرعون حين اجتاز البحر وراء موسى فأطبق عليه، يأتي بغتة، وقد كان النبي ، صلى الله عليه وسلم، يستعيذ بالله ، تبارك وتعالى، من موت الفجاءة (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ"يَتَعَوَّذُ مِنْ مَوْتِ الْفَجْأَةِ) من هنا يحذر ربنا ، تبارك وتعالى، ويأمر (وَٱتَّبِعُوٓا۟ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةًۭ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)) أي وأنتم لا تشعرون بمجيء العذاب‫.‬‬
‫تلك ثلاث آيات فتح الله بها باب التوبة باب الرحمة باب المغفرة لكل مرتكب للمعاصي والشرور مهما بلغت وذاك مصداق للحديث القدسي ( عَبْدِي، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي فَإِنِّي سَأَغْفِرُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ، وَلَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا لَمْ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً). آية الرحمة أرجى آية في القرآن الأمل كله في رحمة الله ثم الأمر بالاستسلام بالكلية لله والإيمان بقضائه وقدره والرجوع إليه والإنابة والتوبة ثم الأمر باتباعه ، باتباع القرآن، واتباع الأوامر واتباع النبي ، صلى الله عليه وسلم، واتباع النهج النبوي الكريم حذر الناس بأمرين، أنذروا بأمرين وحذروا من أمرين‫:‬ عذاب الدنيا الذي لا يمنعه أحد وعذاب الآخرة الذي يأتي يأتي بغتة بالموت والسؤال، سؤال الملكين في القبر وما يستتبع ذلك من أمور لا يعلمها إلا الله، ثم يقول الله ، تبارك وتعالى، وكأنه يدلل على كل ذلك ويحذر ويبين فيقول‫:‬‬‬‬‬‬
أَن تَقُولَ نَفْسٌۭ يَـٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ ﴿56﴾ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿57﴾ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةًۭ فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿58﴾
‫(أَن تَقُولَ نَفْسٌۭ) أي أننا نأمركم بذلك بالتوبة نعطيكم الأمل نفتح أبواب الرحمة ونأمركم باتباع أحسن ما أنزل إليكم ونأمركم بالرجوع والإنابة لئلا وكراهة أن تقول نفس ونكر كلمة "نفس " لأنها نفوس معينة التي تقول هذا، نفوس الكافر الذي فاتته الفرصة لئلا تقول نفس‫:‬ (ۭيَـٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةًۭ فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ (٥٨)) ثلاثة أقوال إما الأقوال الثلاثة تقولها نفس واحدة على الترتيب تبتدئ بالحسرة حيث لا تنفع الحسرة، الندم حيث لا ينفع الندم، بداية الحسرة، التحسر على ما فات ثم التعلل بعدم الهداية (لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِى) ثم تمني الرجوع حيث لا رجوع ثلاثة أقوال على الترتيب‫:‬ يتحسر أولا ثم يتعلل بأنه لو هدي لكان كذا وكذا، يتعلل كلمة حق أريد بها الباطل ثم يتمنى الرجعة والرجوع (كَلَّآ ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١٠٠]، حيث قالوا‫:‬ (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ (١٧)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١٧]، أو ثلاثة أصناف من الناس‫:‬ صنف يتحسر وصنف يتعلل وصنف يترجى فهم ثلاثة أصناف‫:‬ الصنف الأول‫:‬ نفس تقول يا حسرتى الندم الشديد ينادي على حسرته أي هذا وقتك وأوان مجيئك الندم (يَـٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ) قصرت، التفريط‫:‬ التضييع‫:‬ (عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ) في طاعة الله، في ذكر الله، في رضوان الله لأن الله ، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ) [سورة النساء آية‫:‬ ٣٦]‬
‫إذًا فالجنب هنا معناه القرب، الصاحب بالجنب أي الصاحب الذي يأتي إلى جنبك ويجاورك في طريق في سفر، في مكان، في سكن، (وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ) القريب فكذلك يقول‫:‬ (عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ) أي في قرب الله أي بعدت وقصرت في العمل الذي يقربني من الله، أيضا تقول العرب على كل سبب‫:‬ جنب، السبب الموصل للشيء يسمونه جنبا فقوله (عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ) أي على ما فرطت في السبب الذي يوصلني إلى رضا الله تلك الحسرة‬
‫تلك المقالة (وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ (٥٦)) لم يكتف بالتفريط لم يكتف بالعصيان لم يكتف بعدم الطاعة (وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ (٥٦)) بل كان أيضا من المستهزئين بأولياء الله من المستهزئين والسأخرىن برسل الله من السأخرىن بالطائعين، (وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ (٥٦)) ضم إلى عصيانه وعدم طاعته السخرية من أهل الطاعة أولياء الله ، تبارك وتعالى، (إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ كَانُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا۟ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)) [سورة المطففين آية‫:‬ ٢٩- ٣٠]، وهكذا فإذا بالمتقين (عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ (٣٦)) [سورة المطففين آية‫:‬ ٣٥- ٣٦] فهذا الذي يتحسر يتحسر على ذلك‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم يوم القيامة فيه حسرات والحسرات أنواع، ذاك نوع من الحسرات وهو أعلى نوع من الحسرة الذي يتحسر على ما فرط في جنب الله فهو من الهالكين لأنه يقول‫:‬ (يَـٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ (٥٦)) ذاك أعلى درجات الحسرة والندم حيث لا ينفع الندم، وهناك أنواع من الحسرات كثيرة منها يتحسر صاحب المال في الدنيا حيث يرى ماله في ميزان غيره عمل فيه بطاعة الله فارتفع مقامه فأصبح له أجر وعلى صاحب المال وزر كيف ذلك؟‬
‫الرجل يسعى في الدنيا حثيثا ويتنافس ويجمع الأموال ولا يتصدق ويأتي الوارث فيعمل بهذا المال في طاعة الله فيصبح المال في ميزانه وصاحب المال عليه وزر، أليست هذه حسرة؟ بلى حسرة، نوع آخر من الحسرة أن يكون الرجل ذو شأن وذو جاه وذو مال وله خادم وله عبد أو عبيد يأمر فيهم وينهى ويتعاظم عليهم وهم طائعون حوله خدم وحشم ويفاجأ بأن الخادم أو العبد أعلى منزلة عند الله منه فإذا العبد أعلى منزلة منه! حسرة، خادم كان يلبسه الحذاء، كان يهيئ له فراشه وكان يأتيه بطعامه وكان يأمر فيه وينهى فإذا هو في الدرجة العلى حسرة، أن يكون الرجل في الدنيا مبصرا قويا ويرى الأعمى في الدنيا قد يعطف عليه وقد لا ويأتي يوم القيامة فإذا بأعمى الدنيا بصيرا وإذا هو قد عمي في الآخرة (وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ (١٢٤)) [سورة طه آية‫:‬ ١٢٤]، أليست حسرة، ما من إنسان إلا ويتحسر حتى الطائعين لأنك ما من مجلس تجلسه أو مضجعا تضجعه أو ممشى تمشيه لا تذكر فيه الله إلا ويكون عليك حسرة يوم القيامة لم لم تذكر؟ لم لم تفعل، مجلس تجلسه مضجعا تضجعه أو ممشى تمشيه دون ذكر دون استغفار دون تفكر في الله لا بد أن يكون عليك يوم القيامة حمل عبء تسأل عنه ولذا علمنا النبي ، صلى الله عليه وسلم، إذا غفلنا ونحن في مجلس عن ذكر الله كمجالس الدنيا ومجالس السمر إذا قمنا من المجلس علينا أن نتذكر ونقول (سُبْحَانَك اللَهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِليْكَ) يجبر النقص الذي حدث، فالدنيا مزرعة وما من عبد في يوم القيامة إلا ويتحسر حتى المتقين يتحسرون حين يرون المقامات العلى للأبرار يتحسرون على الأوقات التي ضاعت دون ذكر لله‫.‬‬
‫(أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِى) إما نفس النفس وإما نفس أخرى (أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ (٥٧)) كلمة حق، فعلا لو أن الله هداه لكان من المتقين، كلمة حق هل تقبل؟ أبدا لأنها أريد بها الباطل كقول المشركين (سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٤٨]، نعم لو شاء الله ما أشركوا كلمة حق أرادوا بها الباطل وكقول بعضهم إذا أصابتهم حسنة (يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ٧٨]، يستهزئون بالنبي ، صلى الله عليه وسلم، ويتشاءمون به فيرد الله ، تبارك وتعالى، ويقول‫:‬ (قُلْ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ ) [سورة النساء آية‫:‬ ٧٨] هو الخالق للنفع والضر، هو الخالق للإيمان والكفر، قالوا كلمة حق أرادوا بها الباطل، كيف أرادوا بها الباطل؟ حين يقول الرجل (لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِى) ذلك أي ما هداني الله الآية تحمل معنى النفي (لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ (٥٧)) إذا معنى ذلك أن يلقي بالتبعة على الله، يلقي باللوم على الله، يحمل ربنا ، تبارك وتعالى، وزر كفره ويدعي أن الله ما هداه ولو هداه لكان من المتقين، نعم لكنك لم تكن على إستعداد للهدآية لم تفتح قلبك لها لم تفتح صدرك للإسلام لم تفتح أذنيك لسماع كلام الله وربنا يقول (وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ (٦)) [سورة التوبة آية‫:‬ ٦] حتى في زمن الحرب أجره حتى يسمع كلام الله لكنك لم تفتح أذنيك وقال كلمة حق أراد بها الباطل (لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ (٥٧)).‬
‫(أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةًۭ فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿٥۸﴾)، نفس النفس أو نفس ثالثه تقول حين تري العذاب ترى جهنم وقد فقحت أبوابها أو القبر وسؤال الملكين أو المقامع وعذاب القبر تقول حين ترى العذاب (لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةًۭ)، رجعة إلى الدنيا، (حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴿۹۹﴾ لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَـٰلِحًۭا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١۰۰﴾) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٩٩ -‬ ١٠٠] يقول ذلك، (فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿٥۸﴾) [سورة الزمر آية‫:‬ ٥٨]، المتقنين للعمل القائمين بالطاعة على أكمل الوجوه، الإحسان أفضل الأعمال، الإحسان أن تحسن العمل،‬(لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةًۭ فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿٥۸﴾)
‫فيرد الله ، تبارك وتعالى، عليهم من الآن حتى يعلموا ما سوف يكون.
بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَـٰتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿59﴾
‫( بَلَىٰ) إجابة لنفي حيث يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٧٢]، فكلمة "نعم" إجابة لسؤال ليس فيه نفي، هنا يقول الله ، تبارك وتعالى، (بَلَىٰ) ولم يأتي في الكلام السابق نفي، إذا معنى كلمة النفس (لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِى) معنى هذه الكلمة أنه ينفي هدى الله وكأنه يقول‫:‬ ما هداني لا ذنب لي لا وزر علي لأنه هو الذي لم يهدني فيرد الله ، تبارك وتعالى، عليه فيقول‫:‬ (بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَـٰتِى) أي مهدت لك السبيل ونصبت الدلائل شمس تشرق وتغرب آلاف ملايين السنين دون تراخ دون تغيير، قمر يبزغ بحار وأنهار وثمار وأشجار وخلق وموت وحياة واستيقاظ ونوم، آيات ودلائل نصبت لك الدلائل، جاءتك آياتي في نفسك وفي كل شيء، (وَفِى ٱلْأَرْضِ ءَايَـٰتٌۭ لِّلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)) [سورة الذاريات آية‫:‬ ٢٠- ٢١]، القلب كيف يدق، النفس كيف تأخذ نفسك؟ هل تأخذه برغبتك؟ هل تشعر حتى بالنفس كيف يدخل وكيف يخرج مجرى الدم، مجرى البول والبراز، الأكل والصرف وما إلى ذلك، آيات ودلائل، الآيات التي نزل بها محمد ، صلى الله عليه وسلم، جاءه بها جبريل آيات تلو الآيات (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٤٢] (ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا )، (ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ ) [سورة الرعد آية‫:‬ ٢٦] آيات ودلائل قرآنية نصبت في الكون وفي أنفسكم، (بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَـٰتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ (٥٩))، لا حجة لك، هذا الذي يقول لو أن الله هداني هذا الذي يقول لو أن لي كرة، هذا الذي يقول يا حسرتى رد على هؤلاء جاءتك الآيات فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين، إذا كذب بالآيات قالوا في محمد، عليه الصلاة والسلام، ساحر بل شاعر بل هو مجنون بل أقاويل وأساطير اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا، (فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ) لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم وكلما رأوه استهزأوا به وأشاروا وقالوا أهذا الذي بعث الله رسولا كذبوا واستكبروا وكانوا من الكافرين‫.‬‬
‫وينتقل الحديث إلى يوم القيامة، ويوم القيامة وتقشعر الجلود وتخشع القلوب لتذكر ذلك اليوم، يوم لا يخطر على بال، ولو تأملت أوصاف اليوم ما نمت، ما أكلت ما شربت ما جامعت النساء ما سعيت على الرزق لكن من رحمة الله ، تبارك وتعالى، أن الإنسان ينسى، ينسى للحظات حتى يحيى ويمشي ويسعى على رزقه وهكذا‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًۭى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ ﴿60﴾ وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿61﴾
‫(وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ۚ ) علامة فضيحة، مصيبة، فضيحة ما من أحد يراه إلا ويعرف أنه من أعداء الله وأن مصيره إلى جهنم، كيف كذبوا على الله؟ كذبوا عليه فقالوا لله الولد، كذبوا عليه فقالوا الملائكة بنات الله كذبوا عليه فجعلوا له الشركاء، كذبوا عليه فقالوا الأصنام تشفع وتنفع، (تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ۚ ) تراهم سود الوجوه، وقد وصفت وجوه هؤلاء بأوصاف عديدة (وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍۢ زُرْقًۭا (١٠٢)) [سورة طه آية‫:‬ ١٠٢]، زرق (وجوههم مسودة)، (وَوُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌۭ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١)) [سورة عبس آية‫:‬ ٤٠-٤١] أصناف وألوان من الظلام والظلمة والسواد، صنوف وألوان وأنواع من كل ما هو مكروه، تراهم وجوههم مسودة، (أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًۭى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)) سؤال لكنه سؤال يقرر، سؤال لا يحتاج لجواب، سؤال تقريري (أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًۭى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)) المثوى‫:‬ المقام، ثوى بالمكان يثوي بالمكان، مثوى‫:‬ مقام مكان إقامة دائمة‫.‬ (أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًۭى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠))؟ بلى‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم من أراد جليسا وأنيسا فالقرآن يكفيه ومن أراد واعظا فالموت يكفيه ومن أراد ناصرا وهاديا فالله يكفيه، ومن لم يرض بكل ذلك فالنار تكفيه (أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًۭى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)).‬
‫ففي يوم القيامة حسرات وفي يوم القيامة مفاجأت وفي يوم القيامة مواقف وفي يوم القيامة أماكن وفي يوم القيامة أحوال وأحوال يمشي الإنسان في مواقف القيامة وفي أحوال القيامة ويفاجأ بالرعب وإذا بأحد يمشي إلى جواره يقول له لا ترع لا ترع فلست أنت المعني به ولست أنت المراد به وينتقل إلى مكان آخر أو وهو في وقوفه تتغير الأحوال وتتبدل من قبض للأرض من رج للسموات من نداء من العلي الأعلى من تفتحة أبواب جهنم من سماع لتغيظها (سَمِعُوا۟ لَهَا تَغَيُّظًۭا وَزَفِيرًۭا (١٢)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ١٢]، من، ومن، ومن، من سلاسل من قيود من مقامع رعب فزع هلع ترى كل أمة جاثية، إي وربي، على الركب بما فيهم الأنبياء والرسل حتى الرسل تجثو الرسل على الركب ينسى الرسول منهم ما بشر به في الدنيا ينسي يطير من الناس العقلل، الكل من هول الموقف مكروب، الآمن هو محمد ، عليه الصلاة والسلام، هو الآمن لأنه الشافع ولولاه ما نصب الميزان وما نشر الديوان هو الوحيد الآمن حتى يستطيع الناس أن يذهبوا إليه ويقولوا اشفع لنا يقول أنا لها أنا لها حتى يقوي على الاقتراب من العرش والسجود لأن الجميع خائف وجل تراه تحت العرش ساجدا والخوف في نفوس الجمع يصول الرسل نوح، إبراهيم، آدم الكل نفسي ثم نفسي على الركب بين يدي الملك، ملك الملوك، ففي ذلك الموقف وفي هذه الحالة يمشي الإنسان في رعب يقف في وجل في خوف لا يدري ما الله قاض في شأنه، فكلما ارتعدت منه الفرائض إذا بهذا الجار يقول له‫:‬ لا ترع لا ترع لست أنت المراد بذلك ولست أنت المعني به، وهكذا تتكرر مواقف الرعب والفزع ويتكرر الأمل والتطمين والتهدئة من هذا الجار، من هذا الجار؟ يتعجب الرجل ويسأل ما أحسنك من أنت يرحمك الله؟ فيقول‫:‬ أما تعرفني أنا عملك الصالح حملتني على ثقلي فوالله لأحملنك اليوم ولأدافعن عنك اليوم، يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)) (وينجي الله الذين اتقوا بمفازاتهم) قراءة أخرى، نعم ينجيهم ربنا ، تبارك وتعالى، بمفازتهم المفازة من الفوز، الفوز‫:‬ الفلاح، الفوز‫:‬ بلوغ البغية الحصول على ما تريد، ينجيهم ربنا بمفازتهم أي بأعمالهم الصالحة، ذاك الجار الذي يقول لك في كل موطن من مواطن الرعب والهلع لا ترع لا ترع لست أنت المراد بذلك ولست أنت المعني بذلك، نعم العمل الصالح حملته أنت على ثقله فالطاعات ثقيلة والعمل الصالح ثقيل، أن تجلس لتقرأ القرآن بالساعات وغيرك يلهو في النوادي، أن تجلس تصلي وتذكر الله وغيرك يلهو مع وسائل الإعلام ويتتبع المسلسلات وما إلى ذلك، أن تحج وتتحمل من المشقة والنفقة، أن تصوم رمضان وتتحمل الجوع والعطش، أن تري المفاتن، أن ترى الزينة وتغض البصر عن كل ذلك متجها بالكلية إلى الله، نعم صدق العمل الصالح حين يقول حملتني على ثقلي وأنا اليوم أحملك، نعم (وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟) اتقوا الشرك، اتقوا المعاصي، اتقوا الكفر، اتقوا النفاق والشقاق والأعمال السيئة ينجيهم ربهم بمفازتهم أي بفوزهم، كيف فازوا؟ بالأعمال الصالحة (لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)) الرعب، الخوف الهلع، هم آمنون إذا خاف الناس، هم فرحون مستبشرون إذا حزن الناس، نعم لا يمسهم السوء، هؤلاء‫:‬ (إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴿١۰١﴾ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ وَهُمْ فِى مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَـٰلِدُونَ ﴿١۰٢﴾) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١٠١- ١٠٢]، ينجيهم الله، تبارك وتعالى بمفازتهم، (لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)) لأنهم لا يتحسرون، لا يقولون يا حسرتى على ما فرطت، لا يقولون لو أن الله هداني لكنت من المتقين، لا يقولون لو أن لي كرة، لا يحزنون على ما فات ولا يخافون مما هو آت، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لا خوف عليهم مما هو آت ولا يحزنون على فات‫.‬ هؤلاء ينجيهم ربهم بمفازتهم، (لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)).‬
‫أيها الأخ المسلم أين أنت؟ فريق في الجنة وفريق في السعير، وجوه مسودة ووجوه نضرة (وُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍۢ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌۭ (٢٣) وَوُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍۭ بَاسِرَةٌۭ (٢٤) تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌۭ (٢٥)) [سورة القيامة آية‫:‬ ٢٢- ٢٥] أين أنت؟ ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، هل هناك دار ثالثة؟ هل هناك أمل في دنيا أخرى؟ هل هناك ملحق أو استثناء؟ أبدا فجأة تفاجأ بملائكة القبض سلم نفسك إما سلام عليكم طبتم، اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في جسد طيب، اخرجي وأبشري، سلام عليكم طبتم أو أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون، ذاك أو ذاك ليس هناك حل ثالث وليس هناك مقام ثالث، إما وإما أين أنت سل نفسك هذا السؤال وإياك أن تخدع نفسك فقد خاب من دساها وأفلح من زكاها، إياك واحذر أن تخدع نفسك اعرض نفسك على القرآن، القرآن مرآة ترى فيها نفسك في الحاضر وفي المستقبل، أتريد أن تكون من أصحاب البصائر؟ أتريد أن تكون ذو بصيرة؟ أتريد أن تكون على نور؟ اعرض نفسك على القرآن أنت في الدنيا تقف وتتزين وتتزي باللبس ثم تقف أمام المرآة تنظر إلى نفسك هل أنت معدل؟ هل هناك عيب هل هناك كذا وكذا في المرآة، مرآتك الحقيقية هي القرآن اعرض نفسك عليه، هل أنت من الذين لا يهجعون من الليل إلا قليلا؟ هل أنت من الذين في أموالهم حق للسائل والمحروم؟ هل أنت من الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما؟ هل أنت من الآخذين بالعفو والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؟ هل أنت من هؤلاء الذين آمنوا بالله ورضوا بقضائه؟ هل أنت من هؤلاء؟ اعرض نفسك، هل إذا سمعت القرآن اقشعرت منك الجلود وخشعت منك القلوب وإذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا يسجدون ويبكون؟ هل أنت من هؤلاء؟ هل أنت من هؤلاء الذين إذا تليت عليهم الآيات اقشعرت جلودهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله؟ هل خائف من الله، من القبر؟ هل أنت راج؟ هل أنت على استعداد الآن أن تصعد روحك إلى بارئها؟ هل لو جاءك ملك الموت وخيرك هلم أتقول مرحبا بزائر جاء على فاقة؟ مرحبا بحبيب جاء على انتظار هل أنت محب للقاء الله؟ هل أنت على استعداد الآن؟ أجب نفسك بنفسك من قبل أن يقال لك اقرأ كتابك كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا، الكتاب موجود الآن اقرأه الآن قبل أن تقرأه هناك حيث لا ينفع درهم ولا دينار اقرأه الآن واعرض نفسك على القرآن تجد نفسك في أي الفريقين أنت، فإذا وجدت نفسك في فريق خاسر فأدرك نفسك واستمع‫:‬‬ ( يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿٥۳﴾)
‫إن الله ، تبارك وتعالى، خالق كل شيء فكل ما في الكون سواه لا محدث له إلا الله، خلق الناس وأعمالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم، وخلق قدراتهم وأنشأ حركاتهم فالعنكبوت ونسجه والنحل وعسله والنمل ودأبه والقمر وفلكه والإنسان وعمله من صنع بديع الأرض والسماوات، والله ، تبارك وتعالى، يدبر الأمر ولا يحدث في الوجود حادث ولا يحدث في الوجود حركة أو سكون، نفع أو ضر، خير أو شر، إيمان أو كفر، شكر أو نكران، كفر أو إيمان، زيادة أو نقصان، طاعة أو عصيان إلا وفق إرادته ومشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الله ، تبارك وتعالى، خلق الخلق ومن عليهم بالإيجاد ومن عليهم بالتكاليف والطاعات ولو شاء ما كان في الأرض ولا السماوات وله سبحانه وتعالى يكلفهم ما لا يطيقون ويحملهم بما لا يستطيعون ويختار لهم ما لا يرتضون ويوقع بهم في الدنيا من الألم والعذاب وكذلك يوقع بهم في الآخرة ما يشاء من عقاب دون جرم سابق أو ثواب لاحق إذ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فقد كان والكون عدم ومن حكم في ملكه فما ظلم يقول الله ، تبارك وتعالى، في سورة الزمر والتي نحن بصددها‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌۭ ﴿62﴾ لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ﴿63﴾
‫(ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ ۖ ) نعم الله خالق كل شيء، كل ما في الكون سواه لا محدث له إلا الله.كل شيء إيمان، كفر، نفع، ضر، شكر، نكران، زيادة، نقصان، حياة، موت، وجود، عدم، الله ، تبارك وتعالى، خلقكم وخلق أعمالكم الله خالق كل شيء (وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌۭ (٦٢)) حفيظ، قائم، مدبر، حافظ، يعلم، يرى ويسمع، آخذ بنواصي الخلق كل شيء بيده، لذا يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ ) والمقاليد‫:‬ جمع مقليد أو مقلاد، المقاليد يعبر بها عن المفاتيح والمقاليد يعبر بها عن الخزائن، المقاليد يعبر بها عن الانصياع والطاعة (لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ ) كناية عن قدرته وإحاطته بكل شيء لأن من يملك الخزائن ويملك مفاتيح الخزائن لا يستطيع أن يحصل على ما فيها إلا من ملك المفاتيح، الله ، تبارك وتعالى، له مقاليد السموات والأرض، مفاتيح الخزائن، كل ما في السموات والأرض بيده يسير وفق إرادته ومشيئته‫.‬‬
‫(وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ (٦٣)) كفروا بآيات الله‫:‬ دلائل وحدانيته وقدرته، ما نصبه ، تبارك وتعالى، من الدلائل على وجوده ونفاذ مشيئته‫.‬ الآيات‫:‬ آيات القرآن، الآيات‫:‬ المعجزات، الآيات‫:‬ الدلائل، (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ (٦٣)) خصص الخسران بهم، وشطر الآية متصل بقوله ، تبارك وتعالى، (وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦١﴾ ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌۭ ﴿٦٢﴾ لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ﴿٦۳﴾) إذا فكأن الله ، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ "وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون" وما بينهما اعتراض للدلالة على أمور‫:‬ أولها أن الله ، تبارك وتعالى، هو المهيمن على أفعال العباد (ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌۭ ﴿٦٢﴾ لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ ) اعتراض بين قوله (وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟) وبين قوله (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ (٦٣))، أيضا تغير النظم (وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟) وهنا لم يقل ويعذب الذين كفروا أو يهلك الذين كفروا أو يدمر الذين كفروا، بل قال (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ (٦٣)) تغير النظم للإشعار بأن نجاة المتقين محض فضل من الله (وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟) إذا فالنجاة بفضل الله، والخسران بشؤم أعمالهم (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ (٦٣)) تغير النظم لإشعارك بأنك إذا نجوت فبفضل الله وليس باستحقاقك وإذا هلك الآخر فبشؤم عمله وما ربك بظلام للعبيد، أيضا يتضح من النظم للآيات التصريح بالوعد والتعريض بالوعيد حيث صرح بالوعد فقال‫:‬ (وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦١﴾) وعرض بالوعيد فقال‫:‬ (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ (٦٣)) تعريض للدلالة على أن الرحمة سبقت الغضب وأن الأصل الرحمة وأن النجاة بفضل الله ، تبارك وتعالى، وأن هؤلاء الذين خسروا خسروا أنفسهم وخسروا الثواب وخسروا النعيم إذا فهناك من فاز وكسب، كسب الثواب وكسب النعيم وكسب الرضوان بفضل الله ، تبارك وتعالى، والله ، تبارك وتعالى، خالق كل شيء فمن خلق للسعادة هيء لعمل أهل السعادة ومن خلق للشقاوة هيء لعمل أهل الشقاوة‫.‬‬
‫ثم يأمر حبيبه ، صلى الله عليه وسلم، أن يقول للكفار لصناديد قريش الذين قالوا له وراودوه يا محمد اعبد آلهتنا يوما ونعبد إلهك يوما استلم آلهتنا مرة ونحن ندعك وندع أصحابك، راودوه أرادوا أن يفتنوه فيأمره ربنا ، تبارك وتعالى، أن يقول:
قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُوٓنِّىٓ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ ﴿64﴾
‫( تأمروني) (تأمرونني) (قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُوٓنِّىٓ) (قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُوٓنِّىٓ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ (٦٤)) قراءات، يسألهم بعد هذه الدلائل‫:‬ (وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟)، (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ (٦٣))،. (ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌۭ (٦٢))، (لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ ) بعد هذه الدلائل التي نصبها الله ، تبارك وتعالى، لعباده يعقل أن تأمروني وأن أطيعكم في عبادة غير الله (تَأْمُرُوٓنِّىٓ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ (٦٤)) وصفهم بالجهل، والجهل صفة لا يتصف بها إلا الكافر ولا يصح مطلقا وصف المسلم بالجهل فذاك سباب وسباب المسلم فسوق، عدم العلم يسمى عدم علم أو نقص علم، أما الجهل فهو الجزم بأمر غير واقع بمعنى الأمور ونسبة الأشياء إلى بعضها يطلق عليها أحكام، فالحكم إذا كان مجزوما به كأن تقول الشمس طالعة حكمت بأن الشمس طالعة وجزمت بذلك، فإذا كان الحكم مجزوما به وأقمت عليه الدليل كأن تقول انظر ها هي الشمس فذاك العلم، فالعلم الجزم بحكم قد أقيم عليه الدليل‫.‬‬
‫فإن جزمت بحكم ولم تستطيع أن تقيم عليه الدليل وكان هذا الحكم واقعا مطابقا للواقع فذاك تقليد مثال ذلك الله ، تبارك وتعالى، خالق كل شيء، حكم، وجزمت بذلك أن الله خالق كل شيء واستطعت بوصفك من العلماء أن تقيم الدليل على ذلك فأنت عالم وما تقوله علم، وجاء ابنك الصغير فقال لإخوانه الله خالق كل شيء وجزم بذلك وحين سئل عن الدليل لم يستطع أن يأتي بالدليل في هذه الحالة ما يقوله الصبي يسمى تقليد كتقليد المجتهدين في أحكام الفقه‫.‬‬
‫فإن جاء الكفار وقالوا الله ثالث ثلاثة وحكموا بذلك وجزموا وهذا أمر غير واقع وغير مقام عليه دليل فذاك يسمى جهل لذا سمي فالجهل أن تحكم وتجزم بوقوع أمر ليس واقعا ذاك هو الجهل لذا سمي الكفار جهلاء وجاهلون لأنهم جزموا بشفاعة الأصنام وجزموا بعدم البعث وجزموا بأن الله ثالث ثلاثة ذاك الجزم بأمر غير واقع هو الذي يسمى الجهل، أما إذا كان الأمر غير واقع فأنت بين أمور ثلاثة‫:‬ بين الظن والشك والوهم‫.‬‬
‫الظن استواء الأمرين، هو فلان أظنه فأنت لا تجزم بأنه هو ولا تجزم بأنه ليس هو، وعدم الجزم واستواء الطرفين من الجزم وعدم الجزم يسمى ظنا‫.‬‬
‫أما الشك الاستواء مثلا أشك أنه فلان، بين بين لا أستطيع الجزم بل ترجح أنه فلان فذاك الشك‫.‬‬
‫أما الوهم رجحت عدم الجزم تتوهم أنه فلان ولكن الجزم مرجوح‫.‬‬
‫فالظن استواء الأمر والشك رجحت الحكم والوهم رجحت عدم الجزم‬
‫ولذا إذا قيل للرجل هو عالم فهو عالم يعلم ويحكم بحقيقة الأشياء الواقعة ويقيم عليها الدليل، فإذا كان يحكم بوقوع الأشياء الواقعة فعلا ويجزم بذلك لكنه لا يستطيع أن يقيم الدليل فهو مقلد للعلماء، أما إذا جزم بأمر غير واقع فذاك هو الجهل، من هنا يقول الله ، تبارك وتعالى، (قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُوٓنِّىٓ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ (٦٤)) لأنهم جزموا بألوهية الأصنام وجزموا بشفاعة الأوثان وذاك أمر غير واقع وذاك محض جهل‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ﴿65﴾ بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿66﴾
الآية والخطاب موجه لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم، قيل الخطاب للنبي ، صلى الله عليه وسلم، والمراد الأمة لأنه لا يمكن لنبي أن يشرك وقد علم الله ، تبارك وتعالى، من الأزل أنه لا يقع من محمد ، صلى الله عليه وسلم، شرك، إذا فالآية على سبيل الفرض المحض (لَئِنْ) افتراض.والغرض من هذا الافتراض تهييج الرسل، حثهم على الاستمرار على التوحيد والدفاع عن راية التوحيد وعن الحق، إقناط الكفار يقنطوا من جذب الرسل إلى دينهم، إقناط من إضلال الرسل‫.‬‬
‫أيضا إشعار بالحكم على الأمة لأن من أشرك حبط عمله ولكن ذلك مقيد بموته على الكفر (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢١٧] أما إن إرتد وعاد فذاك أمر آخر، (وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) الحبوط‫:‬ الهلاك، الحبوط‫:‬ الخسران، الحبوط‫:‬ الضياع، أصل الكلمة إذا استحلت الناقة المرعى أو البهيمة فأكلت وظلت تأكل حتى انتفخت وماتت يقال حبطت الناقة فالحبوط الهلاك والخسران من هنا يقول الله ، تبارك وتعالى، (وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ (٦٥) بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ (٦٦)) أي بل الله فوحد، بل الله فأطع، بل الله فاجعل عبادتك متجهة إليه (وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ (٦٦)) لنعمة التي أسبغها عليك من الاصطفاء من الاختيار من الهدآية من الإنعام، ثم يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦ وَٱلْأَرْضُ جَمِيعًۭا قَبْضَتُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌۢ بِيَمِينِهِۦ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿67﴾
وقرئت (وما قدَّروا الله حق قدره)، (وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦ) أي وما عظموه حق عظمته من قولك فلان عظيم القدر، (وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦ) أي وما عظموه حق عظمته إذ زعموا الشركاء، زعموا له الشريكة والولد، زعموا أن الأصنام تشفع، زعموا أن الله غير قادر على البعث وهكذا، ويدلل ربنا ، تبارك وتعالى، على قدرته فيقول (وَٱلْأَرْضُ جَمِيعًۭا قَبْضَتُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌۢ بِيَمِينِهِۦ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)) القبضة‫:‬ المرة من القبض، قبض ثم قبض ثم قبض‫:‬ أخذ الشيء بكفه، فالقبضة المرة من القبض، عبر بها هما عن المقدار المقبوض بالكف (وَٱلْأَرْضُ جَمِيعًۭا قَبْضَتُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌۢ بِيَمِينِهِۦ ۚ ) والكلام على سبيل التمثيل والتخييل فقط دون اعتبار للقبضة أو اليمين حقيقة أو مجازا، فالكلام على سبيل التمثيل والتخييل ليبين لك أن الكل خاضع لقدرة الله ، تبارك وتعالى، مقهور في قبضته خاضع لإرادته تمثيل وتخييل، أيضا قد يعني القبض والطي‫:‬ الفناء، (وَٱلْأَرْضُ جَمِيعًۭا قَبْضَتُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ) أي فانية مدمرة هالكة زائلة والسموات كذلك مطويات بيمينه أزالها من قولك طوى عنا هذا الأمر‫:‬ مضى وجاء غيره، فالطي والقبض كناية عن التخريب والإهلاك ليدلل ربنا ، تبارك وتعالى، على أن هذه الأشياء‫:‬ الأرض جميعها أي الأراضون السبع والسماوات السبع مع عظمها، في أنظارنا أجرام عظيمة ومخلوقات فوق الخيال وفوق الأوهام، رغم هذا العظم في الأجرام فالله ، تبارك وتعالى، قادر على أن يخربها في لحظة وأن تخريب العالم ليس عليه بعزيز فالأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، ولكي لا تتوهم التشبيه فليس كمثله شيء ولتنزيهه عن الجارحة، عن اليد واليمين والقبضة، يقول (سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)).‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ قد أخبرنا النبي ، صلى الله عليه وسلم، أن الله ، تبارك وتعالى، يقبض الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم ينادي ويقول‫:‬ أن الملك أين ملوك الأرض، وقد سألت عائشة النبي ، صلى الله عليه وسلم، فقالت يا رسول االله يقول الله ، تبارك وتعالى، (وَٱلْأَرْضُ جَمِيعًۭا قَبْضَتُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌۢ بِيَمِينِهِۦ ۚ ) قالت قلت فأين الناس يومئذ يا رسول الله فقال‫:‬ (إنَّ هذَا الشَّيْءَ ما سألَنِي عَنْهُ أحَدٌ، قال‫:‬ عَلى الصِّراطِ يا عائِشَةُ).‬
‫أيها الأخ المسلم (وَٱلْأَرْضُ جَمِيعًۭا قَبْضَتُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌۢ بِيَمِينِهِۦ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)) اتق الله وقدر الله حق قدره واعلم أن الله ، تبارك وتعالى، كان من الأزل ولم يكن شيء وسيبقى ولا يبقى شيء، وقد كان الكون عدم ومن حكم في ملكه فما ظلم‫.‬‬
‫في يوم القيامة إذا أراد الله ، تبارك وتعالى، للساعة أن تقوم أمر ملك الصور فنفخ، هناك نفختان‫:‬ نفخة للصعق ونفخة للبعث يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌۭ يَنظُرُونَ ﴿68﴾
والصور كما قلنا من قبل آلة يعلم الله ، تبارك وتعالى، شكلها ومداها ينفخ فيها والنافخ هو إسرافيل عليه السلام (وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ) صعق من في السموات والأرض خر الجميع أمواتا أو مغشيا عليهم، (إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ) هناك استثناء قال العلماء المستثنون هم جبريل ميكائيل إسرافيل ملك الموت، قال بعضهم‫:‬ حملة العرش ورضوان خازن الجنان ومالك خازم النار، قال بعضهم الحيات والعقارب والمخلوقات الموجودة في جهنم لتعذيب أهلها، قال بعضهم المستثنى الحور العين، وقالوا المستثنى من مات قبل النفخة الأموات على مر الزمان لا يموتون مرة أخرى ولا يصعقون، وإنما الصعق يصيب الأحياء في ذلك الوقت، وأفضل ما يقال في هذا الشأن أن الله ، تبارك وتعالى، لم يبين لنا من هم المستثنون (فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ) هو أعلم بهم والكلام لا يؤدي إلى نتيجة فلا دليل عليه بدليل أن النبي ، صلى الله عليه وسلم، قال‫:‬ (لاَ تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَأَجِدُ مُوسَى مُمْسِكًا بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَمَا أَدْرِي‫:‬ أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي؟ أَمْ كَانَ مِمَّنِ استثناهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) فإذا كان النبي ، صلى الله عليه وسلم، لا يدري أكان موسى فيمن استثنى الله أم كان فيمن صعق فأفاق قبله فهل يدري أحد، إذا فدع الأمر لله (وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ) ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن‫.‬‬
‫وهذه النفخة حين تحدث تحدث فجأة والناس في غفلة ولا تقوم الساعة إلا على الكفار ولا تقوم القيامة وفي الأرض رجل يقول لا إله إلا الله لأن قبل هذا النفخ وقبل هذه النفخة إن كان في الأرض مسلم أو مؤمن هبت ريح بأمر الله ، تبارك وتعالى، فمرت على الأرض جميعها فقبضت أرواح المؤمنين فيها ولا تبقي في الأرض إلا كفارا فاجرا، هؤلاء تقوم عليهم الساعة والرجلان يتبايعان والثوب منشور بينهما لا هذا قبض ثمنه ولا هذا قبض ثوبه، ينفخ في الصور وتقوم الساعة والرجل يليط حوضه أي يجهز حوض الماء لسقي الأغنام، تقوم الساعة وبعض الناس نيام وتقوم الساعة وبعض الناس أيقاظ، (أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًۭا) [سورة يونس آية‫:‬ ٢٤]، (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ) النفخة الثانية وما بين النفختين لا يعلم مداه إلا الله سنة، ألف سنة، خمسين ألف سنة، قرون، لحظات يعلم الله وإن كان قد ورد لفظ بين النفختين أربعون، أربعون يوما، أربعون ساعة، أربعون قرنا، أربعون دهرا يعلم الله، (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌۭ يَنظُرُونَ (٦٨)) فإذا نفخ فيه مرة أخرى إذا الخلائق جميعا قائمون خرجوا من قبورهم جمعهم الله ، تبارك وتعالى، كما خلقهم أول مرة وارتدت الأرواح إلى الأجساد والله ، تبارك وتعالى، بقدرته يجمع الأشلاء، ذرات التراب، بلايين وبلايين الموتى مضت عليهم بلايين السنين وتتفرقوا وتمزقوا واختلطت أجسادهم بتراب الأرض واختلطت بالمعادن واختلطت بالأشياء وبالأحجار وبالأشجار، وجعل ربنا الأرض كفاتا أحياء وأمواتا، بكلمة "كن" تتجمع هذه الذرات لا تخطئ ذرة جسدها، لا تخطئ ذرة مكانها فإذا بالأجساد قد تجمعت واكتملت وإذا بالأرواح قد أمرت فدخلت كل روح في جسد صاحبها دون خطأ ودون تردد وإذا الكل قيام (يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٦)) [سورة المطففين آية‫:‬ ٦]، (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌۭ يَنظُرُونَ (٦٨)) يقلبون أبصارهم في الجوانب متحيرين مترددين خائفين وجلين، أو (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌۭ يَنظُرُونَ (٦٨)) أي ينتظرون ما يفعل بهم‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم في ذاك اليوم، يوم القضاء، يوم الفصل يذهل الناس عن كل شيء (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌۭ (٢)) [سورة الحج آية‫:‬ ٢]‬
‫في ذلك اليوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه، نعم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه، تصور في ذلك اليوم كيف يقول الناس كلهم نفسي ثم نفسي، حتي الرسل أرحم الخلائق بالخلائق، الرسل أرحم الناس من وضع الله فيهم رحمته وخلقهم برحمته ولرحمته ورحم بهم الناس فدلهم عليه بهم أرحم الناس الرسل، في ذلك اليوم إذا بالرسل يقولون نفسي ثم نفسي يومئذ لا تسمع إلا همسا والهمس همس الرسل وهمس الرسل كلمتان يا رب سلم، سلم يا رب ذاك همس الرسل والناس وقوف، حشر، الأرض ازدحمت بالناس الأحياء وأنت ترى كيف يكون الزحام في الحج في الرجم وهكذا ازدحمت بالأحياء وتخيل أن الأرض مدت وحشر الناس جميعا أنت وآبائك وأجدادك منذ الخليقة أتسعهم الأرض؟ كيف يكون الزحام وليس فيها عإلى وواطي بل جعل الأرض مستوية (لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًۭا وَلَآ أَمْتًۭا (١٠٧)) [سورة طه آية‫:‬ ١٠٧]، لأن الجبال سيرت، هذه الأرض الممدودة يحشر فيها الخلائق جميعا من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة كيف يكون الزحام؟ كيف يكون العرق، وليس الناس فقط هم الذين يحشرون بل يحشر الوحوش وتصور كم من الوحوش خلقت الوحوش العظيمة التي انقرضت والتي كشفت عنها الحفريات، النمل العقارب الحيات القوارض البهائم الأنعام القطط والكلاب، الأسود والنمور والفهود، الذباب والبعوض كل ما خلقه الله يحشر في الأرض حتى الأسماك والحيتان في يوم لا ليل فيه تقترب الشمس من الرءوس وأي شمس؟ ليست هذه الشمس لأن الله يتكلم عن شمسنا ويقول (إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ (٢)) [سورة التكوير آية‫:‬ ١- ٢] أي شمس؟ شمس جديدة لا يعلمها ولا يعلم عظمها إلا الله حتى أن النبي ، صلى الله عليه وسلم، يصف الناس ويقول‫:‬ (يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ فَيَقُولُ النَّاسُ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ عَلَيْكُمْ بِآدَمَ فَيَأْتُونَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَيَقُولُونَ لَهُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ آدَمُ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ عِيسَى إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتِمُ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي ثُمَّ يُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ) ،‬
‫تراه تحت العرش ساجدا والخوف في نفوس الجمع يصول‬
‫سل يا محمد ما بدا لك فمن قبل المسألة أجاب المسئول‬
‫قرب وقربي حب وزلفى وبحمده لربه يتحقق المأمول،‬
‫يحمد ربنا ، تبارك وتعالى، بمحامد لم يحمد بها قبل فيناديه ربه ، تبارك وتعالى، (يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ).‬
‫قام الناس لرب العالمين بعد النفخة الثانية، قاموا ينظرون يقبلون أبصارهم في جميع الإتجاهات خائفين وجلين مترددين حائرين متحيرين ينتظرون ما يفعل لهم ولا ينقذهم من هذا الموقف الذي يتمنى كل واحد فيه أن ينتهي ولو إلى النار، هذا الموقف الفظيع الذي يجعل الأنبياء تجثو على الركب ويجعل الرسل والمقربين يهمسون همسا يا رب سلم سلم يا رب‫.‬ ينتهي كل ذلك بشفاعة المختار ، صلى الله عليه وسلم،( فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي ثُمَّ يُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ ) ويبدأ القضاء ويبدأ الحساب وأول ما يقضي يقضي لأمة محمد عليه الصلاة السلام فنحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، أمة محمد عليه الصلاة والسلام آخر الأمم وجودا في هذه الدنيا وأول الأمم دخولا إلى الجنة يوم القيامة، في ذلك اليوم، يوم القيامة، طوله خمسون ألف سنة هل يشعر المؤمن بهذا؟ أبدا والله بل تمر السنون خمسون ألف سنة على المؤمن في وقت يساوي أداء فريضة واحدة كان يؤديها في الدنيا، إي وربي خمسون ألف سنة تمر على المؤمن في وقت يساوي أداء فريضة كان يؤديها في الدنيا، يوم كله نهار لا ليل معه، فكيف يضاء وقد انكدرت النجوم وجمع الشمس والقمر وخسف القمر وبدلت الأرض غير الأرض والسماوات، يقول الله ، تبارك وتعالى، مبينا ذلك:
وَأَشْرَقَتِ ٱلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ وَجِا۟ىٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿69﴾
‫(وَأَشْرَقَتِ ٱلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) نعم أشرقت الأرض بنور ربها، الله ، تبارك وتعالى، نور السموات والأرض وهو النور ونور الله ، تبارك وتعالى، غير محسوس غير مجسد غير مجسم لا أول له ولا آخر له فليس كمثله شيء، (وَأَشْرَقَتِ ٱلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) أي أن الله ، تبارك وتعالى، خلق لها نورا خاصا يضيئها ونسبة النور إلى الله نسبة الملك للمالك لأن نور الله ، تبارك وتعالى، لا يضيء كما يضيء نور الدنيا فنور الله لا يعرفه إلا الله ليس كمثله شيء بل بين الله وبين عباده سبعون ألف حجاب من نور وحين يقول (وَأَشْرَقَتِ) أي أضاءت لأن قولك شرقت الشمس‫:‬ طلعت، أشرقت الشمس‫:‬ أضاءت، وكلمة أشرقت هنا تعني أضاءت، أضاءت الأرض بنور ربها نسبة ملك لمالك أي بنور خلقه الله ، تبارك وتعالى، خصيصا لذلك اليوم، (وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ) الكتاب‫:‬ اللوح المحفوظ، الكتاب‫:‬ الجزاء الحساب، الميزان، الكتاب‫:‬ صحائف الأعمال، نشرت الدواوين فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله وحامل لكتابه وراء ظهره (وَجِا۟ىٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ) حشر الأنبياء في مقام السؤال في مقام الشهادة على أممهم، (كُلُّ أُمَّةٍۢ تُدْعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا) [سورة الجاثية آية‫:‬ ٢٨]، ويأتي نبي الأمة ويقف بين يدي رب العالمين يسأل بسؤال واحد ماذا أجابك قومك؟ بم أجبت؟ فيسأل الأنبياء عن أممهم ويشهدون عليهم، (وَٱلشُّهَدَآءِ) الشهداء الذين استشهدوا في سبيل الله في كل زمان وفي كل مكان كانوا أحياء عند ربهم يرزقون، جيء بهم أيضا يشهدون لمن حارب في سبيل الله ويشهدون على من حارب أولياء الله، (وَٱلشُّهَدَآءِ) أيضا أمة محمد عليه الصلاة والسلام يشهدون على الأمم السابقة رغم أنهم لم يعاصروهم ولكنهم شهود عدول يشهدون على الأمم السابقة مصداقا لقوله ، تبارك وتعالى، (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٤٣] ، (وَٱلشُّهَدَآءِ): الملائكة الحفظة الكتبة الذين يدونون على الناس أعمالهم وأقوالهم مصداقا لقوله ، تبارك وتعالى، (وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّعَهَا سَآئِقٌۭ وَشَهِيدٌۭ (٢١)) [سورة ق آية‫:‬ ٢١] سائق يسوقها وشهيد يشهد عليها‫.‬‬
‫(وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ) نعم قضي بين الناس بالحق قضي بينهم بالعدل الإلهي، قضي بينهم بالحق، (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)) لا يظلمون أي لا يزاد في حسناتهم، لا يزاد في سيئاتهم لا ينقص من حسناتهم، لا يزاد في عقابهم ولا ينقص من ثوابهم، (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩))، أعمالهم توفى بالعدل وإن كان مثقال حبة من خردل أتى الله بها وكفى بالله حسيبا‫.‬‬
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿70﴾
‫(وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ) أخذت حقها وافيا كاملا غير منقوص من الثواب أو من العقاب (وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)) أي أن الله ، تبارك وتعالى، أعلم بما كانوا يفعلون في الدنيا فهو في غير حاجة لكتاب وهو غير محتاج لشهيد وهو غير محتاج لدليل والكتب والصحائف والشهود لإلزامهم الحجة، والله ، تبارك وتعالى، أعلم بما كانوا يفعلون غير محتاج لصحائف أو لكتب أو لتسجيلات لأنه يعلم السر وأخفى إذا ففائدة الكتب فائدة الشهود فائدة الصحائف أن تلزم العبد الحجة‫. (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)) ويأتي بيان التوفية كيف يكون فيقول الله ، تبارك وتعالى:
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿71﴾ قِيلَ ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ﴿72﴾
‫(وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ ) السوق‫:‬ الدفع.كيف يساقون؟ يساقون بمقامع من حديد تسوقهم الزبانية وملائكة العذاب يساقون في مهانة وفي ذل، في خزي وفي عار فقد فضحوا على رءوس الخلائق ونشرت صحائفهم السيئة وأعمالهم القبيحة يوم الفضيحة، (وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ ) : جمع زمرة والزمرة‫:‬ الجماعة وأصل اللفظ مشتق من الزمر والزمر‫:‬ الصوت بالفم أو بمزمار أو بغيره، فالزمر الصوت لأن الجماعة لا يخلو عنها الصوت إذا مشى الناس جماعة لا بد وأن يكون لهم صوت إما صوت حديث أو صوت أقدام أو، أو، هؤلاء يساقون ولهم صوت استغاثة (وَنَادَوْا۟ يَـٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ ) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٧٧]، صوت استغاثة (رَبِّ ٱرْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَـٰلِحًۭا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ ) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٩٩- ١٠٠]‬
‫صوت بكاء صوت عويل صوت المقامع مقامع من حديد، صوت للسياط هناك صوت لأن التعبير زمرا دل على وجود صوت لهذه الجماعة، (وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ ) جماعات بحسب مقامهم في الشر من الناس من في الشر ضالع وشرور الناس تتفاوت، أقدامهم في الشر والكفر والإفساد والحقد تتفاوت، ولذا يقدمون زمرا بحسب مقامهم في الشر كما يقدم فرعون قومه يوم القيامة، (حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا) و (حَتَّىٰٓ) نهاية لبداية، البداية السوق بالخزي وبالعار وبالفضيحة وبالألم وبالعذاب وبالمقامع وبالسياط وبالسلاسل فإذا وصلوا إلى جهنم (فُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا) وكأن أبواب جهنم مغلقة فإذا وصل الكفار إليها فتحت فجأة يا للهول يا للرعب يا للمفاجأة، فجأة يفتح الباب، (حتى إذا جاؤها فتَّحت أبوابها) قراءة إذا هناك مفاجأة مروعة مرعبة أن يفتح الباب وهي سبعة أبواب (لِّكُلِّ بَابٍۢ مِّنْهُمْ جُزْءٌۭ مَّقْسُومٌ (٤٤)) [سورة الحجر آية‫:‬ ٤٤]، لكل باب من أبواب جهنم السبعة جزء من أصحابها وأهلها مقسوم لا بد وأن يدخلوا منه، فتحت الأبواب وإذا بالهول والروع والخوف والرعب والحيات والعقارب وما لا يخطر على بال وإن أردت أن تتخيل فانظر إلى كل رعب في الدنيا، صوت الرعد، بريق البرق، فحيح الحية، زئير الأسد، سم العقرب الأوجاع والأسقام والآلام التي لا علاج لها، تخيل كل رعب في الدنيا وقس كيف يكون رعب الآخرة، رعب الدنيا قد يصاحبه الأمل في النهاية، الأمل في الشفاء، الأمل في النجاة، الأمل في الموت، الأمل في الله أما رعب يوم القيامة فلا يصاحبه أمل لأنه لا نهاية له، ولا إله إلا الله والله قد حكم ووفيت كل نفس ما عملت وسيق الذين كفروا، قضاء مبرم أي رعب أي خوف، أي هلع أو خوف أي عذاب؟ (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ) التقريع التوبيخ التأنيب الذي لا يعقبه اعتذار فكل تقريع في الدنيا أو توبيخ في الدنيا مهما آلم صاحبه قد يصرف عن نفسه ذاك بالاعتذار، فإن اعتذر وإن استعتب وإن عوتب وإن عتب ذهب اللوم والتقريع لكن هؤلاء يوم القيامة لا يؤذن لهم فيعتذرون ولا هم يستعتبون، إذا طعم التقريع وطعم التوبيخ لا طاقة لمخلوق به، (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ) وتخيل خزنة النار خلقهم الله ، تبارك وتعالى، للنار، خلقهم من أجل تعذيب أهلها، ترى كيف شكلهم؟ كيف حجمهم؟ كيف لونهم؟ كيف ويقول الله في وصفهم غلاظ شداد، كيف شكلهم مرعب مخيف غليظ، رؤية الخازن تكفي لانخلاع القلوب، هؤلاء الخزنة يقرعونهم ويوبخونهم ويسألونهم سؤال تقريع وتوبيخ (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ) أي من جنسكم يتكلمون بلسانكم لأن الله ، تبارك وتعالى، يقول (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٤] رحمة، (يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ رَبِّكُمْ) الآيات التي نزلت في الكتب السماوية المختلفة نعرف منها الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن نعرف منها صحائف، صحف إبراهيم وهناك ما لا نعرفه لأن الله ، تبارك وتعالى، قص علينا بعض الرسل ولم يقصص كل الرسل، (وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ ) يخوفونكم، يحذرونكم وقد كانت هناك فسحة من الوقت، عمرك في الدنيا فسحة لك وفرصة أنذرك أعطاك مهلة كي تعمل قبل الموت‬ (وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ )
‫هذا الحساب هذا العقاب هذا اليوم الذي فيه جنة أو نار، ردوا معترفين على أنفسهم (قَالُوا۟ بَلَىٰ) أي جاءتنا الرسل وتلت علينا الكتب وأنذرتنا لقاء يومنا هذا (قَالُوا۟ بَلَىٰ) لأن كلمة "بلى" إجابة لسؤال فيه النفي (أَلَمْ يَأْتِكُمْ)، (وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ (٧١)) والآية فيها أمران، الأمر الأول أنه جاء بالظاهر مكان المضمر هم يتكلمون (قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ) المفروض أن يقولوا "علينا" لأنهم يتكلمون فيأتون بالضمير فجاء بالمظهر فقال‫:‬ (قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿۷١﴾) ليفيد أن هذا الموقف يختص به الكافرون فقط، نعم لأن الله ، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَلَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا لَقِيتُكَ عَلَى الأَرْضِ مَغْفِرَةً مَا لَمْ تُشْرِكْ بِي). ذاك الأمر الأول أنه جاء بالظاهر مكان المضمر، الأمر الثاني (حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ) هل خلقوا للنار وحقت عليهم كلمة العذاب بالذات؟ محتمل أنهم خلقوا للنار أو (حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ) هي قول الله ، تبارك وتعالى، (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)) [سورة هود آية‫:‬ ١١٩]، تلك هي كلمة العذاب التي حقت على الكافرين، وقد يكون المعنى أن الله ، تبارك وتعالى، خلق خلقا للجنة وخلق خلقا للنار ولا يبإلى إذ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وقد ورد عن النبي ، صلى الله عليه وسلم، أنه قال‫:‬ (إنَّ اللَّه بتارَكَ وتعَالَى إذا خَلقَ العبْدَ للجنَّةِ استعملَهُ بعملِ أهْلِ الجنَّةِ حتَّى يمُوتَ على عملٍ مِنْ أعْمالِ أهْلِ الجنَّةِ فيدخله الله الجنَّة، وإذا خلق اللَّهُ العبدَ للنَّارِ استعملهُ بعملِ أهْلِ النَّارِ حتَّى يمُوتَ على عملِ أهلِ النَّارِ، فيدخلهُ اللَّهُ النَّار).‬
‫وأتاهم الجواب بعد الإقرار وبعد الاعتراف بأن الرسل جاءتهم وتلت عليهم وأنذرتهم وحذرتهم بعد الإقرار والاعتراف جاءهم الجواب (قِيلَ ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ﴿۷٢﴾) والغريب في الآية أن القائل مبهم، من الذي قال (قِيلَ ٱدْخُلُوٓا۟) هل هو الله؟ هو الملائكة؟ هل هو مالك خازن النار؟ أبهم القائل لتهويل ما يقال لتهويل ما يحدث لأن القائل إذا أبهم ذهب منك الخيال كل مذهب للرعب والعذاب وما ينتظرهم، (قِيلَ ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ ) حكم عليهم بالخلود لأنهم ماتوا على الكفر ماتوا على الشرك ولا يخلد في النار إلا مشرك وكافر (فَبِئْسَ مَثْوَى) مقام ومستقر، ثوى بالمكان‫:‬ أقام به، ثوى به ثويا إذا فهي دار مقامة خالدين فيها (فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ﴿۷٢﴾) دليل على أنهم تكبروا عن الحق واستكبروا عن التواضع لله وكان الكبر سببا رئيسيا لدخولهم النار ولا ينفي هذا أن دخولهم النار كان بسبب أن كلمة العذاب حقت عليهم حيث قالوا حقت كلمة العذاب على الكافرين إذا دخولهم لأن الكلمة قد حقت عليهم أزلا وبسبب هذه الكلمة حدثت الشرور منهم والكبر والاستكبار بغير حق‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم موقف لا بد وأن تعمل له موقف لا بد وأن تتفكر فيه موقف ليس كمثله مواقف موقف النهاية موقف لا بد وأن يحدث موقف يحدثنا به خالق الموقف والحاكم فيه والقاضي فيه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم استعد فأنت لا تدري بأي أرض تموت ولا تدري في أي ساعة تموت اتق الله وعد إلى الله، عد إلى الله فلا زالت أبوب التوبة مفتوحة‫.‬‬
‫فبضدها تتميز الأشياء يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ ﴿73﴾
أسأل الله، تبارك وتعالى، أن يجعلنا جميعا منهم‫.‬‬
‫(وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ ) نفس اللفظ، نفس التعبير، اللفظ واحد وشتان بين المراد بهذا وذاك، هناك (وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ )، سيقوا سوق الأسارى، سيقوا سوق المجرمين سيقوا سوق المعذبين المغضوب عليهم، أما الذين اتقوا فلم يساقوا هم بل سيقت مراكبهم فهؤلاء لا يدخلون الجنة ماشين، هؤلاء لا يسعون على أقدامهم بل هم قد ركبوا المراكب التي خلقها الله لهم فركبوها معززين مكرمين فسيقت مراكبهم دوابهم، ما خلق الله لهم يركبونه ركوب العزيز المكرم ، هؤلاء تساق مراكبهم في كرامة في عزة في عظمة مقام لا يعلوه مقام (إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ ) أيضا جماعات جماعات (يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْدًۭا (٨٥)) [سورة مريم آية‫:‬ ٨٥]، جماعات، النبي وأصحابه، الشيخ وأتباعه، المعلم وتلاميذه، الإمام‬
‫والمأمومين، رواد المساجد أحباب الله، الأولياء جيرانه وأحبابه ذكروه في الدنيا وذكرهم في الملأ الأعلى هؤلاء تساق مراكبهم في عزة وكرامة وخيلاء، (وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ ) هؤلاء السابقون السابقون ثم يأتي بعدهم أصحاب اليمين (فَسَلَـٰمٌۭ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ (٩١)) [سورة الواقعة آية‫:‬ ٩١]، زمرا زمرا، جماعات جماعات إلى الجنة، أتدرون ما الجنة؟ أتدرون ما هي الجنة؟ أهي جنة واحدة؟ لا والله بل هي جنات منها‫:‬ جنة عدن(لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جُنَّةَ عَدْنٍ خَلَقَ فِيهَا مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ثُمَّ قَالَ لَهَا‫:‬ تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ).‬
‫(وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا) واو وأي واو هناك‫:‬ (وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا) وهنا يقول‫:‬ (وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا) واو وأي واو هي واو عطف كما يقول النحويون عطف على ماذا؟ على محذوف وهو جواب "إذا" إذا لها جواب‫:‬ إذا أكلت شبعت، إذا ركبت استرحت، إذا ذاكرت نجحت، إذا اتقيت فزت، هنا أين الجواب؟ حذف الجواب أي جواب، أين الجواب؟ وكيف تقدر جوابا لمحذوف حذفه الله، هل تقول حتى إذا جاءوها فرحوا، محتمل حتى إذا جاءوها سعدوا، محتمل، حتى إذا جاءوها دخلوا، محتمل‫.‬ حتى إذا جاءوها رأوا ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، محتمل‫.‬ حتى إذا جاءوها نالوا من الرضا والرضوان والروح والريحان ما لا يخطر على قلب بشر، الجواب محذوف يعلمه القائل، سبحانه وتعإلى، واو وأي واو، أيضا حتى إذا جاءوها حدث كذا وكذا (وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا) إذا تفيد الواو أن الأبواب كانت مفتوحة قبل أن يصلوا إليها فحين جاءوها رأوها مفتحة وصدق ربي حيث يقول‫:‬ (جَنَّـٰتِ عَدْنٍۢ مُّفَتَّحَةًۭ لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ (٥٠)) [سورة ص آية‫:‬ ٥٠]‬
‫لا خوف ولا فزع ولا انتظار لأنك إذا وقفت على الباب منتظرا لا تدري أيفتح أم لا ومتى يفتح والانتظار فيه ملل، أما إذا جئت فإذا بالباب مفتوح هنيئا لك، (حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا) إذا فقد فتحت قبل أن يأتوها قبل أن يصلوا إليها وشتان بين أن يقف أهل النار على الباب وهو مغلق وإذا به يفتح فجأة وإذا باللهيب يخرج وإذ بالسعير (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ سَمِعُوا۟ لَهَا تَغَيُّظًۭا وَزَفِيرًۭا (١٢)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ١٢]، وشتان بين أن يدخل أهل الجنة ويسيرون إلى طريقها وإذا بالأبواب مفتحة يأتيهم ريحها على مسيرة كذا وكذا وكذا من الأعوام، هم يشمون ريحها من بعيد إذ بالروح والريحان يأتيهم من الأبواب المفتحة (وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ (٧٣)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٣]، واو وأي واو الواو هنا دلت على أمر في غاية الأهمية والغرابة للنار سبعة أبواب كما قال ربنا ، تبارك وتعالى، (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَٰبٍۢ لِّكُلِّ بَابٍۢ مِّنْهُمْ جُزْءٌۭ مَّقْسُومٌ (٤٤)) [سورة الحجر آية‫:‬ ٤٤]، فترى كم باب في الجنة؟ كم من الأبواب في الجنة؟ جاءت الواو واو وأي واو لتدل على أن الأبواب ثمانية (وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا ) إذا أبواب الجنة ثمانية وكيف تدل الواو على العدد واسمع (سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌۭ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌۭ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًۢا بِٱلْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌۭ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٢٢] جاءت الواو عند الثمانية، فالعرب حين تعد تقول ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة وثمانية يأتون بالواو عند الثمانية واسمع (ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ ٱلْحَـٰمِدُونَ ٱلسَّـٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ ٱلْـَٔامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ) [سورة التوبة آية‫:‬ ١١٢]، ثمانية، واسمع (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍۢ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًۭا) [سورة الحاقة آية‫:‬ ٧]، واسمع (عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًۭا مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍۢ مُّؤْمِنَـٰتٍۢ قَـٰنِتَـٰتٍۢ تَـٰٓئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍۢ سَـٰٓئِحَـٰتٍۢ ثَيِّبَـٰتٍۢ وَأَبْكَارًۭا (٥)) [سورة التحريم آية‫:‬ ٥]، هي واو الثمانية، (حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٣] إذًا فأبواب الجنة ثمانية، (حتى إذا جاؤها وفتَّحت أبوابها) (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ (٧٣)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٣]‬
‫وشتان بين القولين، هناك قال لهم خزنتها (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ) تقريع وتوبيخ وهنا تهنئة وإسعاد وتبشير ونعيم، صوت زبانية جهنم في قولهم (أَلَمْ يَأْتِكُمْ) كيف هو؟ أسمعتم فحيح الحية؟ أسمعتم زئير الأسد؟ أسمعتم عواء الكلب؟ أسمعتم الأصوات البشعة؟ أسمعتم الأصوات الجميلة؟ أسمعتم تغريد البلابل وزقزقة العصافير؟‬
‫أسمعتم صوت المزمار؟ أسمعتم صوت داود الذي كانت الطيور تحشر له؟ أسمعتم الأصوات الجميلة؟ ترى أي صوت هذا وأي جمال هذا الذي ينادي ويقول‫:‬ (سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ ﴿۷۳﴾)، دعاء لدخول الجنة، يدعونك لدخولها بصوت، أي صوت؟ أي جمال وأي رحمة وأي بشرى وأي استمتاع، (سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ) بأي شيء طاب هؤلاء الناس؟ طبتم بالعمل الصالح في الدنيا طبتم بذكر الله في الدنيا، طبتم بالطاعة في الدنيا، أو كما قيل أن على أبواب الجنة شجرة لا يعلم عظمها وجمالها وجلالها إلا الله ينبع من ساقها عينان عين يشرب منها أهل الجنة قبل الدخول فتطهر أجوافهم واسمع (وَسَقَىٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًۭا طَهُورًا (٢١)) [سورة الإنسان آية‫:‬ ٢١]، وعين يغتسلون منها فتطهر أبشارهم، من هنا تقول له ملائكة الجنة‫:‬ (طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ ﴿۷۳﴾)، أو كما قال النبي ، صلى الله عليه وسلم، : (يخلص المُؤْمنُونَ مِنَ النَّار فيحبسون عَلَى قنطرة بين الْجَنَّة والنَّار، فيقتص لبعضهم مِنْ بعض مظالم كانت بَيْنَهُمْ في الدُّنْيَا، حتي إِذَا هذِّبوا ونقوا أذن لَهُمْ في دخول الْجَنَّة، فوالذي نفسي بيده، لأحدهم أهدى لمنزله في الْجَنَّة مِنْ منزله الّذِي كَانَ في الدُّنْيَا، )، أتعرف معنى هذا أن العبد إذا دخل الجنة، متى ما دخل، يعرف قصره ويذهب إليه بنفسه لا يتوه ولا يضل ولا يبعد عنه فهو أدرى بمكان منزله في الجنة منه بمكان منزله في الدنيا، كلنا في الدنيا، كلنا يعرف منزله في الدنيا حق المعرفة، والله معرفتنا بمنازلنا في الجنة أقوى وأشد من معرفتنا بمنازلنا في الدنيا هكذا يقول الصادق المصدوق، (فوالذي نفسي بيده، لأحدهم أهدى لمنزله في الْجَنَّة مِنْ منزله الّذِي كَانَ في الدُّنْيَا).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ ﴿74﴾
‫(وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ) حيث وعدنا بالجنة ووعدنا بالنجاة (وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٦١]، من هنا قالوا‫:‬ (وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ) لأن الملائكة قالت لهم أول أمر قالت لهم‫:‬ سلام عليكم إذا سلامة من الآفات سلامة من الموت سلامة من العيوب سلامة من كل ما يسوء، سلامة من كل خوف وفزع، (طِبْتُمْ) طهرتم ونقيتم وزكيتم (فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ ﴿۷۳﴾) حكم بالخلود (وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ۖ ) الأرض، أي أرض؟ قيلت على سبيل الاستعارة لأن كل مكان تستقر عليه يسمى أرضا فكأنهم عبروا عن المكان الذي استقروا فيه في الجنة بكلمة أو الأرض التي كانت للكفار فضيعوها بسوء أعمالهم فورثها الوارثون (أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ (١٠) ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ (١١)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١٠- ١١].‬
‫أيضًا التعبير بكلمة (وَأَوْرَثَنَا) تفيد أنهم مكنوا في الجنة تمكين الوارث يتصرفون فيها كيف شاؤا، هل ينازع أحد أحد في ميراثه أينازعه أحد؟ أينازع أحد أحدا في ميراثه؟ فكذلك قالوا (لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌۭ (٣٥)) [سورة ق آية‫:‬ ٣٥]، (فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ (٧٤)) إما هم قالوها وإما قالتها الملائكة وإما هو نداء من العلي الأعلى، (فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ (٧٤)) الذين عملوا في الدنيا من أجل ذلك اليوم، عملوا في الدنيا من أجل الآخرة، كانت الدنيا عندهم حرثا للآخرة، (فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ (٧٤)) فنعم أجر الآخرة، وانتهى القضاء وحين ينتهي القضاء ويدخل أهل النار النار ويدخل أهل الجنة الجنة يقول الله ، تبارك وتعالى، لحبيبه المصطفى مبينا له النهآية‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَتَرَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿75﴾
في الآية أمور‫:‬ (وَتَرَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ) الحفوف‫:‬ الدوران حول حواف الشيء، الأشياء لها حواف فإذا دار الشخص حول الحواف فهو وهم حافون ولا يصح أن تقول حاف لأنه‬
‫لا مفر له "حافون" التقدير أو القياس أن يقال "حافون حول" لكنه يقول (مِنْ حَوْلِ) "من" مزيدة لماذا؟ أولا للتأكيد، ثانيا‫:‬ ابتداء الحقوف، ثالثا‫:‬ والله أعلم، أن العرش لا يحيط به أحد ولا يحيط به حافون أو غير‫.‬‬
‫(حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ ) تسبيح تلذذ تسبيح تنعم، تسبيح عباده وليس تسبيح تكليف فقد دخل أهل الجنة الجنة ودخل أهل النار النار وانتهى القضاء وليس بعد ذلك إلا النعيم للطائعين والجحيم للكافرين، إذا فتسبيح الملائكة في ذلك اليوم وذاك الموقف هو التنعيم والتلذذ بهذا التسبيح‬
‫(وَقُضِىَ بَيْنَهُم) بين الناس هؤلاء دخلوا الجنة وأولئك دخلوا النار بين الملائكة بأن أنزل كل تلك في مقامة حسب التفاضل الذي فضلهم الله به (وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ) أنزلوا منازلهم طبقا لتفاضلهم (وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٧٥)) هل قال ذلك المؤمنون؟ نعم يقولون‬
‫(ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٤٣]‬
‫( ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٤]‬
‫وهكذا، هل يقول الملائكة ذلك؟ نعم يسبحون بحمد ربهم، هل يقول ذلك الله؟ لقد حمد نفسه بنفسه من الأزل وبدأ الخلق بالحمد وأنهى الخلق بالحق فقال، جل‬
‫وتعالى‫:‬ (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١]، فبدأ الخلق بالحق، وأنهى الخلق بالحق فقيل‬‬ (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٧٥))‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬