القرآن الكريم / سورة ص / التفسير المقروء

سورة ص

مقدمة‬
‫لقاؤنا مع (صٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ ﴿١﴾)، سورة ص سورة مكية، وسورة ص والتي نزلت بمكة افتتحت بحرف من الحروف المقطعة بحرف واحد كسورة ق وسورة ن ونعلم جميعا أن من السور ما افتتح بحرف واحد ومنها ما افتتح بحرفين "حم" "طس" "يس" "طه"، ومنها ما افتتح بثلاثة حروف "الم" "الر" "طسم"، ومنها ما افتتح بأربعة حروف "المص" "المر" ومنها ما افتتح بخمسة حروف "كهيعص" "حم عسق"، وتكلمنا عن هذه الحروف من قبل، سبع وعشرون سورة افتتحت بهذه الحروف وعددها أربعة عشر حرفا، هذه الحروف والتي اختص الله ، تبارك وتعالى، نفسه بعلمها قيل فيها الكثير وقلنا أقوال العلماء فيها‫.‬‬‬‬

صٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ ﴿1﴾
في هذه السورة قرئت‫:‬ (صٓ ۚ ) بقراءات تغيرت بسببها المعاني فمنهم من قال (صادِ والقرآن ذي الذكر) بالكسر وصاد من الصدى، وصاد، يصاد‫:‬ عارض ومنه الصدى لأنه يعرض الصوت في المكان الخالي يردد الصوت ويراجعه فكأنه يعرضه مرة أخرى وبالتالي منها قول الله ، تبارك وتعالى، (أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ (٥) فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ (٦)) [سورة عبس آية‫:‬ ٥- ٦] تعرض له، ومعنى كلمة، صادِ، إذا قرئت كذلك، فهي أمر للنبي ، صلى الله عليه وسلم، يا محمد اعرض نفسك على القرآن، عارض القرآن بعملك فاتبع أمره وانته عن نهيه، إذاً فهي أمر للنبي، صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قرأها (صاد) منصوبة بنزع حرف الجر أو الحرف الخافض وعلى أنها قسم أي وصاد‫.‬‬
‫ومنهم من قال (صاد) أي اتل واقرأ القرآن، ومنهم من قال (صاد) أي صاد محمد قلوب الخلائق فآمنوا به، ومنهم من قرأها (صادُ) وقرأ كذلك (قاف) (نون) بالضم لأنه على البناء، ومنهم من قرأها (صادٍ والقرآن ذي الذكر) واعتبرها قسم وتكلموا في "ص" كما تكلموا في الحروف الأخرى أنها اسم للسورة اسم من أسماء الله ، تبارك وتعالى، أقسم به، ص بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين بين نفخة الصعق ونفخة البعث، وقيل بل بحر كان عليه عرش الرحمن، وقيل "ص" حرف يعني الصمد، قيل هو اسم للسورة، قيل فيه الكثير وأحسن ما يقال في هذا الحرف أنه سر الله فلا تطلبوه، من المتشابهات التي استأثر الله ، تبارك وتعالى، نفسه بعلمها ولذا فأصح القراءات، وإن كانت كلها صحيحة، أرجحها قراءتنا وقراءة حفص (صٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ (١))، بالمد والسكون، وهنا (وَٱلْقُرْءَانِ) الواو إما واو العطف وإما واو القسم فإن كانت (ص) قسم تصبح الواو واو العطف، قسم معطوف على قسم، كأن الله ، تبارك وتعالى، أقسم بأمرين أقسم ب"ص" وأقسم بالقرآن، أو هي (ص) فقط ولا نعلمها أكانت قسما أم لا وليست بقسم (والقرآن) الواو ليست واو العطف إنما هي واو القسم بدلا من الباء كما تقول "والله" بدلا من "بالله"‬
‫(صٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ (١)) أقسم الله ، تبارك وتعالى، بالقرآن للتنبيه على شرفه ورفعة شأنه وعظيم قدره، (وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ (١)): ذي العظة والموعظة والتذكر، ذي الذكر‫:‬ ذي الشهرة، ذي الذكر‫:‬ ذي الشرف لأن من آمن به كان له الشرف في الدنيا والآخرة من قوله ، تبارك وتعالى، (لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَـٰبًۭا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١٠]، أي فيه شرفكم ورفعة شأنكم، (ذِى ٱلذِّكْرِ (١)): ذي البيان فيه بيان ما نهى وما أمر ذي الذكر‫:‬ فيه أسماء الله ، تبارك وتعالى، وتمجيده وتسبيحه‫.‬‬
‫(وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ (١)) قسم أين جوابه؟ لكل قسم جواب أين جواب القسم هنا؟ قالوا جواب القسم (ص) وكأن القسم "والقرآن ذي الذكر ص " أقسم على ص، جواب القسم (ص)، فما هي ص؟ قالوا تعني الحق وكأن الله ، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ ص والقرآن ذي الذكر حقا والله صدقا، والقرآن كأن جواب القسم تقدم، وقالوا بل جواب القسم محذوف تقديره "والقرآن ذي الذكر إنك لصادق إنك لرسول الله أو والقرآن ذي الذكر الجواب متأخر (بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى عِزَّةٍۢ وَشِقَاقٍۢ ﴿٢﴾) هذا هو جواب القسم، أقسم الله ، تبارك وتعالى، على أنهم في عزة وشقاق كقوله (قٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌۭ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ (٢)) [سورة ق آية‫:‬ ١- ٢] فكأن جواب القسم‫:‬‬‬‬
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى عِزَّةٍۢ وَشِقَاقٍۢ ﴿2﴾
وقرئت‫:‬ (بل الذين كفروا في غرة وشقاق ) غرة‫:‬ غفلة لفظة "بل" تفيد نفي أمر سبق وإثبات أمر آخر، فما هو الذي نفته لفظة "بل"؟ (بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟) أي أن الأمر كذا وليس كذا، ما هو الذي ليس كذا؟ أي يا محمد لم يكفر بك هؤلاء الناس لأنهم يعتقدون في كذبك اعتقادا راسخا أو يكذبوك أو يتهموك وإنما الأمر أنهم في عزة وشقاق، في تمنع واستكبار عن الحق ومخالفة لأمر الله، (بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟) أي أن التقدير والقرآن ذي الذكر لم يكفر بك من كفر بك عن جهل بأمرك أو تكذيب لك لم يكفر من كفر بالقرآن لخلل وجده فيه أو لتقصير وجده فيه أو لبرهان لديهم وإنما الأمر أنهم في امتناع وتمنع واستكبار عن الحق ومخالفة لله ، تبارك وتعالى، ولرسوله، العزة في كلام العرب‫:‬ الغلبة والقهر وتكلمنا في آخر سورة الصافات (سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٨٠]، وقلنا أن العزة هنا ليست صفة الذات "العزيز" وإنما العزة التي يتعاز بها الخلائق الغلبة والقهر، عزة‫:‬ غلبة وقهر من قولهم، العرب يقولون‫:‬ "من عز بز" أي من غلب سلب، فالعزة الغلبة والقهر والاستكبار، إذا الذين كفروا في عزة في استكبار وامتناع كقوله ، تبارك وتعالى، (أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ ۚ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٠٦]، (بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى عِزَّةٍۢ) في محاولة للغلبة والقهر والاستكبار عن الحق (وَشِقَاقٍۢ ﴿٢﴾) شقاق مخالفة لأن الشقاق معناه أن المخالف دخل في شق غير شق الآخر فكأن كل منهما في شق غير شق الآخر، فالشقاق أن تذهب في شق غير شق من تخالف، فهم في عزة في استكبار وامتناع عن الحق وشقاق مخالفة ذهبوا في شق آخر غير شق الحق‫.‬ ويأتي التهديد والوعيد‫:‬‬‬‬
كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ فَنَادَوا۟ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍۢ ﴿3﴾
‫(كَمْ) وكلمة تفيد التكثير، كثيرا من القرون كثيرا من القرى لا يحصيها إلا الله (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ ) القرن‫:‬ أهل زمان واحد، المقترنون في مكان وزمان واحد يسمى هؤلاء قرن لأنهم اقترنوا واجتمعوا في مكان واحد (فَنَادَوا۟ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍۢ (٣)) النداء رفع الصوت، حين جاءهم الهلاك وجاءهم العذاب رفعوا أصواتهم وجأروا إلى الله بالتوبة بالاستغفار بالندم بالإيمان حيث لا ينفع الإيمان حين نزل بهم العذاب كما قال فرعون حين أدركه الغرق (آمنت) فقيل له‫:‬ آلآن لا ينفع، لا ينفع الإيمان حين يغرغر المرء أو يأتيه العذاب‫.‬ فنادوا حين نزل بهم العذاب وصرخوا واستغاثوا وتابوا وعادوا (وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍۢ (٣)) وليس في ذلك الوقت مهرب ولا منجى ولا ملجأ ولا فرار، لا ينفع الإيمان إذا نزل العذاب، (وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍۢ (٣)) لات‫:‬ بمعنى ليس "لا" زيدت التاء تأكيدا كما زيدت على "ثم" و"رب" (ثمت) و(ربت) وهكذا (حِينَ) الحين وقت بلوغ الشيء وحصوله وتعني الفترة من الزمان وتعني بلوغ الوقت الذي يحصل فيه الأمر‫.‬‬
‫( وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍۢ (٣)) الفرار وجمعه "مناوص" ناص، ينوص‫:‬ فر وزاغ ويصبح المعنى‫:‬ فنادوا وليس حين نداءهم حين الفرار، وليس وقت هذا التوبة وليس وقت هذا الاستغفار وقت القبول ولا ينفعهم حينئذ إيمان ولا استغفار ولا عودة‫.‬‬
‫وقرئت‫:‬ (ولات حينُ، ولات حينَ، ولات حينِ مناص) وقيل في الوقف، في حالة فراغ النفس، إذا وقفت على (ولات) وقفوا وقالوا‫:‬ ولات، ولات، وقالوا‫:‬ ولاه، بالهاء، كالسكت واعتبروا أن التاء مزيدة وأصلها "لا" فتوقف على الهاء، وقالوا (ولا تحين مناص) وتضاف التاء إلى حين وذاك رسم قديم وقيل إنه في رسم المصحف الإمام وذاك ليس بصحيح، وأصح الوقوف (ولات) ثم تقول (وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍۢ (٣)) وليس حينئذ وقت الفرار أو الهرب أو النجاة لأن الله إذا أخذ لم يفلت‫.‬‬‬‬
وَعَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌۭ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا سَـٰحِرٌۭ كَذَّابٌ ﴿4﴾ أَجَعَلَ ٱلْـَٔالِهَةَ إِلَـٰهًۭا وَٰحِدًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌۭ ﴿5﴾
‫(وَعَجِبُوٓا۟) الكلام عن كفار مكة بعد ما هددهم وأتاهم بذكر الأولين كيف أهلكهم وكيف نادوا وكيف تابوا وكيف جأروا ولم ينفعهم حينئذ، عاد إليهم والكلام معطوف على قوله‫:‬ (بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى عِزَّةٍۢ وَشِقَاقٍۢ ﴿٢﴾) (وَعَجِبُوٓا۟) والكلام معترض (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم) التهديد معترض‫.‬‬
‫(وَعَجِبُوٓا۟) عجب كفار مكة (أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌۭ مِّنْهُمْ ۖ ) مبعث العجب لديهم أن النبي الذي أرسل إليهم لينذرهم بشر منهم، من أوسطهم نسبا فكان ذلك مصدر العجب (وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا سَـٰحِرٌۭ كَذَّابٌ (٤)) الصياغة في الكلام تلفت النظر، الكلام بالضمائر "عجبوا " ضمير الواو ضمير الجماعة، (وَعَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌۭ مِّنْهُمْ ۖ ) السياق (وقالوا هذا ساحر كذاب) طالما جاء بالضمير عجبوا وقالوا وذهبوا وانصرفوا وهكذا فقال‫:‬ (وَعَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌۭ مِّنْهُمْ ۖ ) ثم جاء بالظاهر محل الضمير وقال‫:‬ (وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ) هم هم، هم الذين عجبوا وهم الذين قالوا هنا جاء بالضمير فقال‫:‬ (وَعَجِبُوٓا۟) وهنا قال‫:‬ (وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ) جاء بالظاهر ليدل على أمور‫:‬ أولا شدة الغضب عليهم، تخصيصهم بالغضب، أيضا بيان أن سبب قولهم عن النبي ، صلى الله عليه وسلم، أنه ساحر وأنه كذاب هو الكفر وليس البرهان أو الدليل أيضا ليدلل على أن مجرد المقالة اتهام النبي ، صلى الله عليه وسلم، بالسحر وتكذيبه واتهامه بالكذب ذاك هو الكفر بعينه‫.‬ (وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا) إشارة للنبي ، صلى الله عليه وسلم، (سَـٰحِرٌۭ كَذَّابٌ (٤)) يأتي بالكلام المموه يخدع به الناس، كلام القرآن سحر يسحر به قلوب الناس وعقولهم، يفرق بين الأب وابنه وبين الرجل وزوجه، كذاب في ادعائه النبوة، ادعى لنفسه شيئا ليس له‫.‬‬
‫والكلام عن كفار مكة لا ينتهي وعما فعلوه بالنبي ، صلى الله عليه وسلم، ، وقد روي أن كفار مكة ذهبوا إلى أبي طالب في بداية البعثة وقالوا يا أبا طالب أنت فينا كذا وكذا كف عنا ابن أخيك أو قيل أنه مرض فجاءوا يعودوه وجاء النبي ، صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو طالب يا ابن أخي هؤلاء قومك جاءوا يسألونك السواء أي النصف والوسط فلا تمل عليهم كل الميل، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم‫:‬ ماذا يسألون؟ قال‫:‬ يا ابن أخي ارفضهم وارفض آلهتهم وهم يدعوك ويدعوا إلهك أي لا تذكر آلهتهم بسوء دعهم يعبدون ما يعبدون ولا تتعرض لهم ولا لآلهتهم وهم كذلك يدعونك ويتركونك أنت وإلهك، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم‫:‬ وإن أعطيتهم ذلك؟ ووجه الكلام إليهم، أتعطوني ما أريد؟ قالوا وما تريد؟ ( إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُونَها تَدِينُ لَهُمْ بَهَا العَرَبُ، وَتُؤَدِّي لَهُمْ بِهَا العَجَمُ الجِزْيَةَ)، فَفَرِحُوا لِكَلِمَتِهِ، فَقَالَ القَوْمُ: وَمَا هِيَ وَأَبِيكَ لَنُعْطِيَنَّكَهَا وَعَشراً. قَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم‫:‬ ( لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ )، فَقَامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ أَثْوَابَهُمْ) وبدأوا يحرضون بعضهم على الاجتماع والتحزب والصبر على الآلهة ورفض ما يدعيه محمد‫.‬‬
‫ولذا يشير ربنا، تبارك وتعالى، إلى هذا الحادث فيقول (وَعَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌۭ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا سَـٰحِرٌۭ كَذَّابٌ (٤)) وجاء بمقالتهم فقالوا‫:‬ (أَجَعَلَ ٱلْـَٔالِهَةَ إِلَـٰهًۭا وَٰحِدًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌۭ (٥)) [سورة ص آية‫:‬ ٥]، وقرئت "إن هذا الشيء عجّاب" العجيب‫:‬ العجب والعجاب ما زاد عن حد العجب، والعجّاب مبالغة في العجب (أَجَعَلَ ٱلْـَٔالِهَةَ إِلَـٰهًۭا وَٰحِدًا ۖ ) وانظر إلى سفاهتهم وسفاهة أحلامهم، اعتادوا أن الرجل الواحد لا يستطيع أن يشرف على الشيء الكثير فكيف يسع هذا لملك بسعته والناس والمخلوقات، كيف يسع كل ذلك إله واحد، لا بد أن يكون هناك إله للخير وإله للزرع وإله للبحر وإله للمطر وهكذا فتعجبوا من وجود إله واحد يسع كل هذا الملك ويسيطر على كل هذا الملك‫.‬‬‬‬‬
وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُوا۟ وَٱصْبِرُوا۟ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌۭ يُرَادُ ﴿6﴾ مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلْـَٔاخِرَةِ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا ٱخْتِلَـٰقٌ ﴿7﴾ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا ۚ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ مِّن ذِكْرِى ۖ بَل لَّمَّا يَذُوقُوا۟ عَذَابِ ﴿8﴾ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ ﴿9﴾ أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَـٰبِ ﴿10﴾ جُندٌۭ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌۭ مِّنَ ٱلْأَحْزَابِ ﴿11﴾
‫(وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلَأُ مِنْهُمْ) الملأ‫:‬ الأشراف امتلأوا بما يحتاج إليه الناس أو امتلأت قلوب الناس منهم رهبة، أو امتلأت أعين الناس بفخامتهم وزهوهم، الملأ أشراف الناس انطلقوا من عند أبي طالب (وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُوا۟) أي بأن امشوا قالوا للعوام امشوا، والمشي هنا بمعنى التجمع، مشت المرأة‫:‬ كثرت ولادتها ومنه الماشية‫:‬ الغنم الكثير (أَنِ ٱمْشُوا۟) أي اثبتوا وتجمعوا واجتمعوا (وَٱصْبِرُوا۟ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمْ ۖ ) مهما قيل ومهما كاد محمد لكم ومهما قال في شأنها وحقر اصبروا عليها، اصبروا على دينكم ودين آبائكم، اصبروا على آلهتكم (إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌۭ يُرَادُ (٦)) هذا الذي جاء به محمد شيء يراد، يراد بنا شرا، يراد إنزالنا من النعم والخير يسلب عنا ما نحن فيه من خير من بشؤم كفره بآلهتنا، أو ما جاء به محمد للسلطة والرياسة وجمع الناس على كلمة واحدة وأن يتزعمنا فهذا شيء يريده كل الناس، السلطة والرياسة، (إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌۭ يُرَادُ (٦)) أمر يسعى إليه الناس فأراد أن يسعى للرياسة فادعى النبوة، أو تحطيم الأصنام وتسفيه الأصنام وتسفيه الأحلام هذا شيء يراد بكم وبآلهتكم فاصبروا و تمسكوا بدينكم واجتمعوا على ذلك‫.‬‬
‫(مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلْـَٔاخِرَةِ) ملة الآباء التي وجدناهم عليها‫.‬‬
‫(مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلْـَٔاخِرَةِ) آخر الملل وهي ملة النصرانية والنصارى يثلثون، الأب والابن والروح القدس، لا يوحدون، أو ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة أي ما بشرنا أهل الكتاب بأن آخر الملل أو النبي المرتقب يأتي بالتوحيد (إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا ٱخْتِلَـٰقٌ (٧)) اختلقه وكذبه واخترصه، تكذيب هؤلاء يكذبونه ويدعون أنه يكذب ويختلق من عنده ويوحد ربنا ، تبارك وتعالى، ويجعل الآلهة إلها واحدا، وظهر الحسد وظهر الحقد (أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا ۚ ) إذا فالمسألة مسألة حسد وكل ما ساقوه من حجج‫:‬ (أَجَعَلَ ٱلْـَٔالِهَةَ إِلَـٰهًۭا وَٰحِدًا ۖ ) كل ذلك لا دليل عليه ولا برهان ولا استقامة وإنما الأمر أمر الحسد (أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا ۚ ) نطقوا بالكلمة التي تدل على أن كفرهم بالنبي ، صلى الله عليه وسلم، لم يكن له مبرر إلا الحسد، هذه مقالتهم تشهد عليهم (أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا ۚ ) اختص هو بالوحي ونزل عليه القرآن من بيننا كما قالوا من قبل‫:‬ (وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٣١]، احتقروا شأنه وحقدوا عليه وحسدوه لم هو يختص بذلك الفضل؟ لم هو يوحى إليه؟ لم هذا بالذات من بيننا؟ فقير يتيم لم هو؟ حسدا وحقدا فجاءوا بالكلمة التي دللت على ذلك وبينت أن الكفر كان سببه الحسد، أول جريمة وقعت في السماء الحسد، وأول جريمة وقعت في الأرض الحسد، (الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ) ، المؤمن لا يحسد أبدا، المؤمن يعلم أن الله ، تبارك وتعالى، يفعل ما يشاء ويهب لمن يشاء ما يشاء، أول جريمة حدثت في السماء الحسد حين قيل لإبليس اسجد لآدم قال أنا خير منه، حسده، وأول جريمة وقعت في الأرض حين تقدم ابني آدم بقربان فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك حسد أول جريمة وقعت في السماء الحسد، وأول جريمة وقعت في الأرض، الحسد أساس كل المصائب، الحسود في غم وفي نكد ما عاش لا يشبع ولا ينفع ولا يفلح، ها هم حسدوا وقالوا‫:‬ (أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا ۚ ) فيرد الله ، تبارك وتعالى، ويقول (بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ مِّن ذِكْرِى ۖ ) أي أن الأمر يا محمد ليس كما يدعونه من أنك كاذب أو أنك ساحر بل أنت معلوم لديهم أنك صدوق إنما هم في شك من هذا الوحي، من وحيي وقرآني وكلامي، ليس الشك فيك وفي صدقك وإنما الشك في كلامي، منتهى التسلية للنبي ، صلى الله عليه وسلم، منتهى الحنان الرباني على سيد الخلائق وكأنه يقول لا تحزن هم لا يكذبونك أنت بل يكذبون بكلامي أنا منتهى الحنان (بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ مِّن ذِكْرِى ۖ ) من وحيي (بَل لَّمَّا يَذُوقُوا۟ عَذَابِ ﴿۸﴾)، "لما بمعنى "لم" وتزاد الميم كقوله (عَمَّا قَلِيلٍۢ ) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٤٠]، وكقوله (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ) [سورة النساء آية‫:‬ ١٥٥]، وهنا أيضا (بَل لَّمَّا يَذُوقُوا۟ عَذَابِ ﴿۸﴾) أي لم يذوقوا عذابي بعد وقرئت‫:‬ "عذابي" بإثبات الياء، قرأها يعقوب ، (بَل لَّمَّا يَذُوقُوا۟ عَذَابِ ﴿۸﴾) أي أنهم لو ذاقوا عذابي على الشرك لزال عنهم الشك ولكن لا ينفعهم حينئذ الإيمان، غرهم طول الإمهال وربنا يمهل ولا يهمل، غرهم طول الإمهال، لم يذوقوا عذاب الله ، تبارك وتعالى، واجترأوا عليك وكذبوك وأهانوك واتهموك وكذبوا الله ، تبارك وتعالى، وادعوا له الشريكة والولد وادعوا أن الملائكة بنات الله، نسبوا لله البنات ونسبوا لأنفسهم البنين اجترأوا وأمهلهم وغرهم طول الإمهال‫.‬‬
‫(أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ (٩)) ، وكلمة "أم" إذا جاءت بكلام متصل تفيد التقريع والتوبيخ لأنها جاءت بكلام يتصل بما سبقها من كلام (أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ (٩)) ، جاء بصفتين لم يقل القهار، لم يقل الملك لم يقل صفة من صفاته واسما من أسمائه الحسنى، اختص العزة والوهب فقال‫:‬ (رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ (٩))، ليدلل أن الله ، تبارك وتعالى، هو العزيز الغالب، والعزيز هنا صفة ذات وليس صفة فعل العزيز‫:‬ الغالب الذي لا يغلب أمره نافذ لا يرد له قضاء لا مثيل له لا ند له لا ضد له، الصمد الغالب العزيز ينفذ أمره فإن أراد بك الخير وأعطاك ومنحك النبوة لم تمنع ولن يمنعها عنك مانع لأنها من العزيز الوهاب الذي يهب ما يشاء لمن يشاء، من هنا قال‫:‬ (أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ (٩)).‬
‫(مُّلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ ) جاء بالترشيح بعد التعميم فرحمة الله ، تبارك وتعالى، وسعت كل شيء، لفت نظرهم إلى المحسوس، المحسوس، ملك السموات والأرض، أجسام مقدرة أجسام مصورة فالشمس جسم والقمر جسم والأرض جسم والناس أجسام والنبات أجسام (مُّلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ ) شيء مجسد محسوس يرى بالعين، فإذا لم تكن عندهم خزائن الرحمة وذاك أمر شامل أمر عام فهل لهم أمر في تدبير الأجسام والأجساد والأجرام التي ترى رأي العين؟ إذا لم يكن لهم تصريف فيما يرونه بأعينهم من أجساد وأجرام وأجسام كالشمس والقمر والنجوم كل في فلك يسبحون، ليس لهم تصريف في هذا الملك الذي يرى بالعين المجسد المصور فكيف يكون لهم ملك الخزائن التي لا تدرى ولا تعلم ولا ترى ولا تحصى ولا تعد، (مُّلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ ) أروني ماذا تستطيعون من تصريف هذا الملك المحسوس المجسم المصور (فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَـٰبِ ﴿١۰﴾) وكأن الكلام جواب، إن كان لهم شيئا من هذا الملك أروني (فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَـٰبِ ﴿١۰﴾) رقى، يرقى‫:‬ صعد، رقى، يرقي من الرقية أن تقرأ القرآن على المريض مثلا، (فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَـٰبِ ﴿١۰﴾) الأمر هنا فعل أمر ولكنه أمر توبيخ وتعجيز، أمر الله، تبارك وتعالى، هؤلاء (فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَـٰبِ ﴿١۰﴾) أمرهم أمر تعجيز‫:‬ (فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَـٰبِ ﴿١۰﴾)، الأسباب جمع سبب، والسبب أصلا الواسطة السبب‫:‬ الحبل، السبب كل ما يتوصل به إلى المطلوب يسمى سبب، فالسلم سبب للصعود والحبل سبب كي تقوم به الناقة أو تفعل به شيئا، فكل ما يكون واسطة للوصول إلى شيء يسمى سببا (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُۥ مَا يَغِيظُ (١٥)) [سورة الحج آية‫:‬ ١٥]، فكذلك يقول الله ، تبارك وتعالى، (فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَـٰبِ ﴿١۰﴾) أي فليتخذوا الأسباب والوسائط والوسائل التي توصلهم لما يريدون من منع النبوة عنك يا محمد، (فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَـٰبِ ﴿١۰﴾)، فليتخذوا الأسباب والوسائل والوسائط حتى يعطوا النبوة لمن يشاؤون ولمن اختصوه، وقيل الأسباب هي الموصلة إلى السموات كالمعراج الذي عرج بالنبي ، صلى الله عليه وسلم، به عليه، وقيل بل الأسباب أسباب السماوات، وقيل الأسباب السماوات نفسها لأنها أسباب لما يحدث في الأرض من أرزاق ومن، ومن، ومن، (فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَـٰبِ ﴿١۰﴾) أمر توبيخ وأمر تعجيز (فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَـٰبِ ﴿١۰﴾)، في أسباب السماوات يصعدوا ويستولوا على العرش ويصعدوا إليه، ويستولوا على عرش الرحمن ويديروا الملك ويمنحوا النبوة لمن يشاءوا‫.‬‬
‫وتأتي التسرية والتسلية للنبي ، صلى الله عليه وسلم، والتطمين والتبشير (جُندٌۭ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌۭ مِّنَ ٱلْأَحْزَابِ ﴿١١﴾) "جند" خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هم" هم جند أي هؤلاء كفار مكة الذين كذبوك والذين فعلوا كذا وكذا ما هم إلا جند كلمة "ما" تفيد التقليل، للتقليل من شأنهم كأن تقول أكلت شيئا ما، أي شيئا قليلا، كسبت شيئا ما، إذا "ما" للتقليل فالكلام (جُندٌۭ مَّا) تقليل أي هم جند قليل من الأحزاب الذين تحزبوا على الأنبياء مهزومون عما قليل، (جُندٌۭ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌۭ مِّنَ ٱلْأَحْزَابِ ﴿١١﴾) الأحزاب جمع حزب، والأحزاب الذين تحزبوا، وقد تحزب الكفار على النبي ، صلى الله عليه وسلم، في بدر فهزمهم الله، وتحزبوا عليه في غزوة الأحزاب، في غزوة الخندق، فهزمهم ربنا ، تبارك وتعالى، وأيضا في الفتح هزموا وكأن المعنى هؤلاء يا محمد جند قليل متحزبون عليك مهزومون عما قليل، (هُنَالِكَ) إشارة إلى بدر، (هُنَالِكَ) إشارة إلى الخندق، (هُنَالِكَ) إشارة إلى الفتح، وأرجح ما قيل من أقوال في هذا الشأن الأحزاب هنا كل من كفر برسول في أي زمان ومكان، الذين تحزبوا على الأنبياء كقوم فرعون وقوم لوط وقوم مدين وقوم شعيب وقوم صالح وقوم نوح، كل هؤلاء تحزبوا على أنبيائهم فهؤلاء كفار مكة ما هم إلا جند من الجنود الذين تحزبوا على الأنبياء من لدن آدم وكلهم هزم وهؤلاء مهزوم كذلك، (جُندٌۭ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌۭ مِّنَ ٱلْأَحْزَابِ ﴿١١﴾) أي جند من الأحزاب مهزوم هنالك، والكلام فيه تقديم وفيه تأخير، هم جند من الأحزاب مهزوم هنالك، إذا ارتقوا في الأسباب فلن يستطيعوا فهم مهزومون، أو هنالك حيث يحين الأمر بهزمهم، والهزم أصلا غمز الشيء اليابس حتى يتكسر، هزم الجيش‫:‬ تكسر، الهزم أصلا تكسير الشيء اليابس، لو دققت عليه وغمزت فيه حتى كسرته يقال هزمته، (جُندٌۭ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌۭ مِّنَ ٱلْأَحْزَابِ ﴿١١﴾) إذا هؤلاء جند من الأحزاب الذين تحزبوا على الأنبياء من قبلك وهم مهزومون لا محالة‫.‬‬
‫نعم أيها الأخ المسلم ربنا ، تبارك وتعالى، ينصر الحق ويهزم الباطل (وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًۭا ﴿۸١﴾) [سورة الإسراء آية : ۸١]،أيها الأخ المسلم دولة الظلم ساعة، ودولة العدل إلى أن تقوم الساعة‫.‬‬
‫فبعد أن بين الله ، تبارك وتعالى، أن كفار مكة ما هم إلى فئة قليلة جند قليل من جنود كثيرة على توالي الأمم ومر العصور تحزبوا على أنبيائهم فهزموا، هزمهم الله ، تبارك وتعالى، ونصر أنبيائه (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ (٥١)) [سورة غافر آية‫:‬ ٥١]، تبين لنا آيات السورة طرفا من هؤلاء الذين أهلكوا والذين جاء ذكرهم في أول السورة‫:‬ (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ فَنَادَوا۟ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍۢ (٣)) [سورة ص آية‫:‬ ٣]، ثم أشار إليهم في قوله (جُندٌۭ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌۭ مِّنَ ٱلْأَحْزَابِ ﴿١١﴾). وها هو التفصيل‫:‬‬‬‬‬
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ وَعَادٌۭ وَفِرْعَوْنُ ذُو ٱلْأَوْتَادِ ﴿12﴾ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍۢ وَأَصْحَـٰبُ لْـَٔيْكَةِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْأَحْزَابُ ﴿13﴾ إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ﴿14﴾
إذًا فالقول الراجح في تفسير الأحزاب هم الذين تحزبوا على الأنبياء من قبل يؤكده هذه الآية (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْأَحْزَابُ (١٣)) كما تقول ذلك هو الرجل أي هؤلاء هم الذين يطلق عليهم كلمة الأحزاب، وذاك أيضا مصداقا لقول مؤمن آل فرعون (وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَـٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ ٱلْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًۭا لِّلْعِبَادِ (٣١)) [سورة غافر آية‫:‬ ٣٠ - ٣١]. جاء بالتفصيل فقال‫:‬ (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ ) وكلنا نعلم قصة نوح وماذا حدث وكيف كانت السفينة آية (وَلَقَد تَّرَكْنَـٰهَآ ءَايَةًۭ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍۢ (١٥)) [سورة القمر آية‫:‬ ١٥] كيف حمله ربنا ، تبارك وتعالى، على ذات ألواح ودسر، نعم (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ ) فماذا كان عقابهم؟ ماذا كانت نهايتهم؟ أغرقهم الله، بل بسبب كفرهم وشؤم عصيانهم دمر من لا ذنب له فدمرت الأشجار ودمرت وأغرقت الثمار بل ودمرت الحيوانات والبهائم والطيور، ولذا قيل أن العبد إذا عصى لعنه ما على الأرض حتى الهوام تلعنه، لأن بعصيان العبد وبعصيان الخلائق وبشؤم هذا العصيان قد يصيب الله ، تبارك وتعالى، الأرض وما عليها، عصى نوح قومه، حين أغرق الله، تبارك وتعالى، الأرض وما عليها غرقت الأسود ودمرت الفهود هل كفروا بنوح؟ لم يحمل معه إلا زوجين اثنين من كل صنف (قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ) [سورة هود آية‫:‬ ٤٠]، وأين باقي الأزواج؟ وأين باقي الطيور؟ أين باقي الوحوش؟ أين؟ وأين؟ دمرهم الله بشؤم عصيانهم وكفرهم‬
‫(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ وَعَادٌۭ)، (إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ (٧) ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ (٨)) [سورة الفجر آية‫:‬ ٧- ٨]، الذين كانوا يتخذون مصانع لعلهم يخلدون وإذا بطشوا بطشوا جبارين، عاد ماذا كانت نهايتهم؟ تمرون عليهم وترون مساكنهم (وَفِرْعَوْنُ ذُو ٱلْأَوْتَادِ (١٢)) الأوتاد جمع وتد أو وتد، والوتد ما تشد به حبال البيت من الشعر والبيت من الجلد، الوتد يطلق على القوة لأن به تقوى البيوت (وَفِرْعَوْنُ ذُو ٱلْأَوْتَادِ (١٢)) ذو المباني الشاهقة ذو الأوتاد‫:‬ ذو الجنود الكثيرة الذين يقوون ملكه ويشدون أزره، وقالوا بل ذو الأوتاد لأن فرعون بالذات كان إذا غضب على أحد من الناس نصب أربعة أوتاد في الأرض وشبحه أي صلبه على الأرض وربط اليدين والرجلين كل بوتد على الأرض في الشمس على الرمال وسلط عليه الحيات والعقارب حتى يموت فكان يعذب بالأوتاد، أقوال قيلت في الأوتاد أنها كناية عن الملك، عن القوة، عن البطش، عن الجبروت، عن التعذيب بالأوتاد، عن كثرة الجنود، كل ذلك قيل، ويلفت النظر في عصرنا هذا أهرامات الجيزة شكلها شكل الأوتاد وقد بنى هذه الأهرامات التي ينظر إليها ويتعجب منها الناس حتى يومنا هذا كيف بنيت كيف جمعت كيف حملت الصخور؟ كيف لصقت؟ كيف وكيف وكيف، ويأتي العلماء من كل مكان بالأجهزة الحديثة المختلفة يحاولون معرفة أسرار هذه المباني، لو نظرت إلى الهرم لوجدته كالوتد‫.‬‬
‫(وَثَمُودُ) ثمود كانت لهم الثمار وكانت لهم الأنهار وكانت لهم الجبال يتخذون منها البيوت (وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا فَـٰرِهِينَ (١٤٩)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ١٤٩]، (وَقَوْمُ لُوطٍۢ ) كيف زلزلت بهم الأرض، كيف جاء جبريل فحمل القري ، وكانت سبع قرى، بجناح واحد وله ستمائة جناح وصعد بها إلى السماوات العلي حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب ثم قال لها (وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ (٥٣) فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ (٥٤)) [سورة النجم آية‫:‬ ٥٣- ٥٤]، (وَأَصْحَـٰبُ لْـَٔيْكَةِ ۚ ) "وأصحاب ليكة" قراءة، الأيكة‫:‬ الغيضة، الأيكة‫:‬ الشجر الملتف المتكاتف العظيم ذي الورق الكبير الذي تداخل بعضه في بعض فكثرت الثمار وظللت الأرض، أصحاب الأيكة هم قوم مدين وقد جاء ذكرهم في سورة الشعراء (كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ لْـَٔيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ١٧٦-١٧٧] فعلم إن أصحاب الأيكة هم قوم مدين، هم قوم شعيب، (وَأَصْحَـٰبُ لْـَٔيْكَةِ ۚ ) الغيضة، الشجر الملتف والحدائق الغناء وقرئ (وأصحاب ليكة) بغير همز ليكة اسم للبلد (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْأَحْزَابُ ﴿١۳﴾) أي هؤلاء هم الأحزاب الذين تحزبوا على الأنبياء في كل زمان ومكان‫.‬‬
‫(إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ﴿١٤﴾) قرئت‫:‬ "عقابي" كما قرئت هناك " فكيف كان عذابي" بالياء، (إِن كُلٌّ) أي "ما كل" إلا كذب الرسل، وبهم الأمر ليبين أن الكل كذب بأسلوب يختلف عن أسلوب الآخر، أو هم جميعا كذب بوسائل عديدة (فَحَقَّ): فوجب، (فَحَقَّ): ثبت، (فَحَقَّ): حدث أي حق عليهم عقابي الذي عاقبتهم به في الدنيا فأهلكتهم وهم ينتظرون عقابهم في الآخرة‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم الحسد من الكبائر، قد يحسد الإنسان وهو يعلم وقد يحسد الإنسان وهو لا يعلم، أما من يحسد وهو يعلم فهناك الدواء وصفه لنا النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال للحاسدين (أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ إِنْ رَأَى نِعْمَةً عَلَى أَخِيهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ)، فإذا ابتليت بالحسد وكنت ممن يحسد الناس فعليك أن تدعوا لكل رجل ترى عليه نعمة "اللهم زده اللهم بارك له" فإن دعوت له وقاك الله شر الحسد في قلبك حتى لا تؤكل حسناتك فالحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وإن كنت تحسد وأنت لا تدري فكذلك عليك بالدعاء حتى تبرأ من هذا الداء إذا كنت لا تدري أنك مصاب به، أيضًا هناك علاج للمحسود، إن حسد العبد وشعر أنه محسود والحسد موجود أصابه ضر أصابه كذا أصابه كذا فعلاجه وصف لنا أيضا من النبي، صلى الله عليه وسلم، أن تأتي بالحاسد ويغسل أطرافه وتأتي بالماء الذي غسل به أطرافه وكأنه يتوضأ توضؤه أو يغسل أطرافه وتأتي بهذا الماء الناتج أو النازل من أطراف الحاسد ترش بها المحسود يبرأ فورا، ذاك علاج الحسد وصفه النبي، صلى الله عليه وسلم، فإن كان الحاسد من المؤمنين بالله، تبارك وتعالى، الطائعين لرسوله واتهمته بذلك توضأ لك لأنه لا يريد أن يضر أحدا، وإن كان غير ذلك كيف تقول له وكيف توضؤه وكيف وكيف؟ لك أن تحتال على ذلك ولو أن تدعوه إلى طعام وتقفل صنبور المياه ثم تأتيه بطست وبإداوة فيغسل أطرافه في الطست لأن الماء منقطع ثم تأخذ الماء وتستخدمه في رش المحسود لك ذلك أن تصل إلى ما تريد بالحيلة طالما ليس فيها ضرر لأحد‫.‬ اللهم إنا نسألك وقاية من الحسد‫.‬‬
‫فقد بينت الآيات من سورة ص كيف كان استقبال الكفار بمكة لمبعث النبي، صلى الله عليه وسلم، كيف اتهموه بالسحر وكيف اتهموه بالكذب وهم في ذلك مقلدون لآبائهم وهم أيضا في ذلك جند من الجنود الذين تحزبوا ضد الأنبياء في كل عصر وأوان وأن هؤلاء الجند مهزومون لا محالة كما هزم من قبلهم، كذلك ضرب الله، تبارك وتعالى، مثلا بهؤلاء الجنود قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب، نعم كلهم كذب الرسل وكلهم جادل الرسل وكلهم حارب الرسل فكان عاقبتهم الوبال (إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ﴿١٤﴾).‬
‫ويتوجه التهديد إلى كفار مكة فيقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬
وَمَا يَنظُرُ هَـٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍۢ ﴿15﴾ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ ﴿16﴾
‫(وَمَا يَنظُرُ)، ما ينتظر ينظر‫:‬ ينظر وينتظر بمعنى واحد، وجاء في قوله، تبارك وتعالى، حكاية عن يوم القيامة حيث يقول المنافقون للمؤمنين‫:‬ (ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ) [سورة الحديد آية‫:‬ ١٣]، أي انتظرونا،‬
‫(وَمَا يَنظُرُ هَـٰٓؤُلَآءِ) أي ما ينتظر هؤلاء (إِلَّا صَيْحَةًۭ) صيحة تصاح، (صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ)، نفخة واحدة هي نفخة الصعق، هي النفخة الأولى ما ينتظر هؤلاء الإشارة إلى كفار مكة، أو الإشارة إلى الجند والأحزاب من كل الأمم الأحياء منهم والأموات، أيضا من يتدينون بدينهم، حين تأتي الصيحة ما ينتظر كل هؤلاء إلا صيحة واحدة، هذه الصيحة الواحدة (مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍۢ (١٥)) وقرئت‫:‬ (ما لها من فُواق) بالضم مصداقا لقوله ، تبارك وتعالى‫:‬ (مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةًۭ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)) [سورة يس آية‫:‬ ٤٩- ٥٠]، في سورة يس، الفواق‫:‬ الفترة بين الحلبتين تحلب الناقة مدة ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم ترضع مرة أخرى، هذه الفترة بين الحلبتين التي تترك فيها الناقة للاستراحة وكي يتجمع اللبن في الضرع مرة أخرى كي يرضعها الفصيل تدر ثم تحلب هذه الفترة بين الحلبتين تسمى الفواق، أيضا اللبن الذي يتجمع في هذه الفترة في الضرع يسمى الفيق، والسحاب المتجمع في السماء الذي يمطر ساعة بعد ساعة ليس مستمرا يسمى الأفاويق، من هنا نعرف أن كلمة (صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍۢ (١٥)) تعني ما لها من انتظار، ما لها من راحة، ما لها من تقطع أو تردد بل هي صيحة واحدة ممتدة‫.‬‬
‫ليس فيها تقطع ولا انقطاع ليس فيها إفاقة، لأن قراءة فواق بالضم وفواق تغير المعنى عند بعض النحاة في العربية فيقولون الفواق‫:‬ التردد والتكرار أما الفواق فهو الانتظار، والمغشي عليه والمريض يغشى عليه ثم يفيق ساعة ثم يغشى عليه ويفيق ساعة فهؤلاء لا فواق لهم في هذه الصيحة بل تأخذهم بغتة وفجأة وهي صيحة طويلة ممتدة تزلزل الجبال وتهدم المباني وتزلزل القلوب ولا يعلم شدتها إلا الله، (وَمَا يَنظُرُ هَـٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍۢ (١٥)) وهذا التهديد الخطير وخطابهم بما يعرفون من لغة ومن كلمات كقوله فواق لم يأت بالمطلوب بل أتى بضده فاستهزأوا وسخروا وقالوا‫:‬ (رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ (١٦)) القط‫:‬ النصيب، الحظ، القسمة من قولهم قط الشيء‫:‬ قطعه قط الشيء‫:‬ قطعه كالقسم من القسمة إذا قسمت بين الناس كل واحد يأخذ قسما حظا، فإذا قط الشيء أخذ كل منهم قطا لأن النصيب والحظ مقتطع من شيء آخر، فإذا قسمت الشيء على أناس قطعت وكل قطعة لأحد من الناس فالقطعة مقتطعة فالنصيب مقتطع من غيره، من هنا قالوا للنصيب وللحظ الذي يصادف كل إنسان القط فهم يطلبون ما قسم لهم يطلبون حظهم يطلبون نصيبهم‬
‫من العذاب (وَقَالُوا۟ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ (١٦)) أي إن كنت تدعي يا محمد أن هناك عذابا ينتظرنا فهلم وأت بالعذاب وأت بنصيبنا في العذاب في هذه الدنيا قبل يوم الحساب استهزاء وسخرية وجهالة لا يعرفون مداها ولا مغبتها‫.‬‬
‫وقيل أنهم يقصدون بالقط الكتاب (فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ (٧)) [سورة الانشقاق آية‫:‬ ٧] (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًۭا يَسِيرًۭا (٨)) [سورة الانشقاق آية‫:‬ ٨]‬
‫وعن قوله (وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهْرِهِۦ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا۟ ثُبُورًۭا (١١)) [سورة الانشقاق آية‫:‬ ١٠- ١١]، والقط أيضا يطلق على الكتاب الذي فيه الجائزة والحظ والنصيب، ما يقتطع للشخص، فطلبوا أن يؤتوا كتبهم في هذه الحياه، أو طلبوا أن يروا نصيبهم من الجنة إن أطاعوا ونصيبهم من النار إن كفروا (وَقَالُوا۟ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ (١٦)) وربنا ، تبارك وتعالى، حليم ستار وربنا ، تبارك وتعالى، لا يستعجل ولا يحمله الغضب على العجلة، الإنسان منا إن استفز أو استعجل أو غضب يحمله الغضب على الرعونة يحمله الغضب على التعجل، أما ربنا ، تبارك وتعالى، فتعالى علوا كبيرا عن ذلك فحين قالوا‫:‬ (رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ (١٦)) لم يرد عليهم ولو يعاجلهم بالعقوبة ولم يعجل‬
‫لهم العذاب بل قال لحبيبه المصطفى ، صلى الله عليه وسلم، معلما إياه مرشدا له‫:‬‬‬‬‬
ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ﴿17﴾ إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلْجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ ﴿18﴾ وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةًۭ ۖ كُلٌّۭ لَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ ﴿19﴾ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُۥ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ﴿20﴾
‫(ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ) قيل أن الآية منسوخة بآية السيف وهو قول مرجوح لأن الصبر مطلوب في كل زمان ومكان، (ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ) أي يعلمه الصبر والأناة ولا يستفز ولا يتعجل كما قال له في موضع آخر في آخر سورة الروم (وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)) [سورة الروم آية‫:‬ ٦٠].‬
‫(ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ) ثم يسليه بقصص الأنبياء من قبل ويضرب المثل بنبي ذي مقام عظيم، أشد الناس سلطانا في الأرض على مر التاريخ، داود، أعظمهم سلطانا في الأرض وملكا داود، فيذكره به ويسليه بقصته ويبين من خلال القصة أن الأنبياء المقربون إن ارتكبوا الهنات خروا وسجدوا واستغفروا وتابوا وأشفقوا، فإن كان هؤلاء يشفقون من الصغائر أو الهنات والخواطر فكيف بهؤلاء لا يشفقون على أنفسهم وقد ارتكبوا أكبر الكبائر؟ فهي تذكرة لهم وتهديد وتنبيه وتسلية للنبي ، صلى الله عليه وسلم، (ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ (١٧)) داود نبي من أنبياء بني إسرائيل من سلالة إسحق، داود كان ملكا وكان نبيا، داود أعظم الناس سلطانا في الأرض منحه الله ، تبارك وتعالى، ملكا وسلطانا لا يقارن (ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ ) القوة تأيد الشيء‫:‬ تقوى، التأييد‫:‬ التقوية، ورجل أيد‫:‬ قوي، وأيدته وتأيد الرجل فهو أيد‫:‬ قوي شديد، فتأييد الشيء تقويته : (ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ ) ذا القوة، صاحب القوة، القوة في ماذا؟ في العبادة في الدين، في التقوى، في معرفة الله ، تبارك وتعالى، فقد كان داود يصوم يوما ويفطر يوما وذاك أفضل الصيام، وكان يقوم نصف الليل وكان لا يفر إذا لاقى وكان يجاهد في سبيل الله (إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ (١٧)) بما تدل على أن القوة هنا المقصد منها القوة في عبادة الله وفي طاعة الله، لأنه يقول‫:‬ (إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ (١٧)) فالأواب‫:‬ الرجاع آب، يأوب.أوبا‫:‬ رجع، الأواب الذي إذا ذكر ذنبه استغفر وتاب وندم ولا ينسى الذنب أبدا، الأواب‫:‬ إن أذنب وتاب واستغفر لا يبرح ذهنه أبدا ذاك الذنب وإنما دائما يتذكر ذنبه ويستغفر له، الأواب‫:‬ الرجاع في طاعة الله، دائما طائعا لله، دائما مستغفر لله، دائما يتوب إلى الله ، تبارك وتعالى، من كل شيء وصدق النبي ، صلى الله عليه وسلم، حين يعلمنا ويقول‫:‬ (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ، فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ )، نبينا سيد الخلائق المعصوم يستغفر مائة مرة في اليوم والليلة فكم مرة نحتاجها نحن‫.‬‬
‫(إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلْجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ (١٨) وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةًۭ ۖ كُلٌّۭ لَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُۥ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ (٢٠)) اختصارا للقصة وقد جاءت القصة في سورة سبأ، وجاء التفصيل عما منحه الله ، تبارك وتعالى، لداود في مواضع أخرى وهنا مختصرة يقول الله ، تبارك وتعالى، (إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلْجِبَالَ مَعَهُۥ) الجبال مسخرة، قيل هذا التسخير أن الجبال كانت تأتمر بأمره قد جاء التفسير في سورة سبأ فيما قلناه من قبل حتى أنه كان يأمرها بالمسير فتسير معه أينما سار، وكذلك الطير كانت مسخره لتظلل جنوده، تقف الطيور صافات ملتصقة أجنحتها تظلل الجيش، وقيل التسخير أنها تأتمر بأمره في التسبيح والعبادة فإذا سبح أوبت معه، رددت التسبيح معه، وكان داود يفهم منطق الجبال وقد رزق الله ، تبارك وتعالى، الجبال منطقا وصوتا وكلاما، التسبيح إما تسبيح حال بالطاعة، وإما تسبيح مقال، والرأي الراجح أن التسبيح تسبيح مقال وإلا ما كان فيه معجزة فهي تنطق وتسبح وتردد مزامير داود، وقد أعطي داود من الصوت أجمله وما من مخلوق خلق من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة له مثل جمال صوت داود حتى أنه كان إذا ناجى ربه وقرأ المزامير وقفت الطيور ورددت الجبال ورددت الطيور وتوقفت الوحوش وسكن الكون كله يستمع لداود، (إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلْجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ (١٨)) القياس في اللغة "سخرنا الجبال معه مسبحات " فجاء بالفعل المضارع "يسبحن " جاء به في موضع الحال ليفيد أن هذا التسبيح مستمر ليس مرة بل هو بصفة مستمرة يتم تسبيح الجبال مع داود، أيضا يأتي الفعل المضارع كي يستحضر الهيئة والحالة فيتأملها الرجل المتفكر في القرآن، لاستحضار الهيئة واستحضار الحالة يأتي بالفعل المضارع عن شيء مضى (يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ (١٨)) العشي‫:‬ الوقت بعد العصر يطلق على هذا الوقت العشي حتى صلاة العشاء أو حتى غروب الشمس ذاك هو العشي، أما الإشراق فالوقت بعد طلوع الشمس وابيضاض ضوئها، تقول "شرقت الشمس" طلعت و "أشرقت " اشتد ضوؤها وابيض نورها، والإشراق‫:‬ وقت الضحى وليس وقت طلوع الشمس، وقت طلوع الشمس، الشروق، أما وقت الضحى بعد الابيضاض بعد الإضاءة فهو الإشراق، (يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ (١٨)) لذا قيل عن صلاة الضحى أنها صلاة الأوابين لأنها صلاة داود، وقد جاء في الترمذي عن أنس بن مالك أن النبي ، صلى الله عليه وسلم، قال‫:‬ (مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا مِنْ ذَهَبٍ فِي الجَنَّةِ)، وقد روي مسلم في صحيحه عن أبي ذر الغفاري، رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي ، صلى الله عليه وسلم، قال‫:‬ (يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةُ، السلامى المفصل وكل إنسان له ثلاثمائة وستون مفصلا، بِكُل تَسْبِيحَة صَدَقَة، وكل تَحْمِيدَة وكل تَهْلِيلَة صَدَقَة، وكل تَكْبِيرَة صَدَقَة، وَأمر بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَة، وَنهي عَن الْمُنكر صَدَقَة، ويجزئ من ذَلِك رَكْعَتَانِ يركعهما من الضُّحَى )، ويروي الإمام البخاري عن أبي هريره، رضي الله عنه، يقول‫:‬ قال النبي ، صلى الله عليه وسلم، أو هو يقول عن نفسه‫:‬ (أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلاَثٍ لاَ أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: «صَوْمِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلاَةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ)، من هنا قالوا إن الإشراق المقصود بها في الآية صلاة الضحى، صلاة الأوابين‫.‬‬
‫(وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةًۭ ۖ) الطير مجموعة وكأن الله ، تبارك وتعالى، حشرها وجمعها، الطير، كل أنواع الطير مجموعة لداود إذا سبح وذكر الله إذا بالطيور جميعا تترك أرزاقها وتترك أفراخها وتترك عشوشها وتحشر لداود، الطير محشورة (كُلٌّۭ لَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ (١٩)) رجاع يسبحون معه ويرددون كلامه فإن قال سبحان الله قال الكل سبحان الله (كُلٌّۭ لَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ (١٩)) لداود، أو (كُلٌّۭ لَّهُۥٓ) لله ، تبارك وتعالى،، داود والجبال والطيور ، (كُلٌّۭ لَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ (١٩)) رجاع ثم تنتقل الآيات إلى قصة حدثت مع داود يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬
‫سائلا سؤال تعجيب وتشويق لا يبتغي الإجابة فيقول لحبيبه المصطفى‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ ﴿21﴾ إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فَٱحْكُم بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ ﴿22﴾
‫(وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ (٢١)) وهذا السؤال يأتي بعد الكلام عن داود وعن وصف ما أعطاه الله له في إيجاز واختصار الجبال يسبحن بالعشي والإشراق، الطير محشورة كل له أواب، (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُۥ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ (٢٠)) شد الملك‫:‬ التقوية، وقرئت‫:‬ (وشدّدنا ملكه) شددنا ملكه‫:‬ قويناه بالنصر، بكثرة الجنود، بإلقاء الرعب في قلوب الأعداء (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُۥ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ (٢٠)) النبوة، الحكمة‫:‬ إتقان العمل، الحكمة‫:‬ العلم بكتاب الله، الحكمة‫:‬ المعرفة بالفقه (وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ (٢٠)) القول الفصل‫:‬ التمييز بين الحق والباطل، القول الفصل‫:‬ معرفة الحق من الباطل، القول الفصل‫:‬ الفصل في القضاء وفي الخصومات حتى يرضى الظالم والمظلوم، فصل الخطاب‫:‬ الكلام القليل ذو المعنى الكثير كما وصف النبي، صلى الله عليه وسلم، في كلامه (كَلَامُهُ فَصْلٌ لَيْسَ هَدْرًا وَلَا نَذْرًا)، فصل الخطاب المعاني الكثيرة في الكلام القليل ما قل و دل الكلام الذي ليس فيه اختصار مخل أو طول ممل‫.‬‬
‫تلك كانت معالم ما أوتيه داود من الحكمة وفصل الخطاب وشد الملك وتسبيح الجبال والطير محشورة، ملك لا يمنحه إلا الوهاب، سبحانه وتعالى‫.‬ والسؤال سؤال التعجيب وسؤال التشويق (وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ) طبعا لم يأت النبي ، صلى الله عليه وسلم، هذا النبأ إنما ينبئه الله ، تبارك وتعالى، والسؤال لا يحتاج لجواب لأن الله يعلم ولكن السؤال تشويق وتعجيب، (وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ (٢١)) الخصم‫:‬ الخصوم المتخاصمون، "الخصم" كلمة تطلق على المفرد المذكر المؤنث الجمع (نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ) خبر الخصم (إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ (٢١)) تسوروا‫:‬ تسلقوا تسور أي تسلق السور، المحراب‫:‬ مكان العبادة، أشرف ما في الدار أشرف ما في المساجد يطلق عليه المحراب، وسمي المحراب محرابا لأن المتعبد فيه يحارب هواه ويحارب شيطانه من أجل الله‫.‬‬
‫(إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ ) فزع منهم لأنهم دخلوا من غير باب دخلوا من غير استئذان، تسلقوا السور ونزلوا عليه في يوم عبادته، وكان داود يقسم الأيام ويقسم الدهر أربعة أجزاء‫:‬ يوم للعبادة والخلوة، يوم لتذكير بني إسرائيل ووعظهم، يوم للحكم وفصل القضاء، يوم لأزواجه وأولاده وأهله وأشغاله، ففي يوم خلوته إذا بهؤلاء يتسلقون الأسوار ويهبطون عليه‬
‫دون المرور على الأحراس والحجاب ففزع منهم، وهل يجوز الخوف على الأنبياء المؤيدون بنصر الله؟ نعم يجوز عليهم الخوف وقد خاف إبراهيم حين قدم الطعام للأضياف (فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةًۭ ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ) [سورة هود آية‫:‬ ٧٠]، وخاف لوط (وَقَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ۖ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٣٣]، وخاف موسى وهارون (قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَآ ۖ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ (٤٦)) [سورة طه آية‫:‬ ٤٥- ٤٦].‬
‫فالخوف جائز على الأنبياء والمقربين لأنهم بشر، من هنا خاف داود وفزع وظن أنهم يريدون به شرا فلما فزع (قَالُوا۟ لَا تَخَفْ ۖ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ ) أمنوه (خَصْمَانِ) أي نحن خصمان متخاصمون في قضية (بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ ) البغي‫:‬ الظلم البغي في الأصل تجاوز الحد والخروج عن الواجب، ومنه بغت المرأة إذا أتت الفاحشة لأنها خرجت عن الواجب وتجاوزت الحدود (بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ ): ظلم بعضنا بعضا (فَٱحْكُم بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ) بالعدل (ولا تشاطط)، أو (وَلَا تُشْطِطْ) قراءات أي ولا تبتعد ولا تجر علينا، الجور‫:‬ الشطط، مجاوزة القدر في كل شيء، يقولون شطت الدار، تشط،‬
‫تشط، شطا وشطوطا‫:‬ بعدت، وأشط في القضية‫:‬ جار فيها، ظلم، فالشطط‫:‬ البعد، مجاوزة القدر في كل شيء فهؤلاء الخصوم يطلبون من داود أن يحكم بينهم بالعدل ولا يجر ولا يمل على أحدهم (وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ ﴿٢٢﴾) الطريق المستوي الوسط العدل الذي ليس فيه ميل ولا جور‫.‬‬‬‬
إِنَّ هَـٰذَآ أَخِى لَهُۥ تِسْعٌۭ وَتِسْعُونَ نَعْجَةًۭ وَلِىَ نَعْجَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ ﴿23﴾
‫(إِنَّ هَـٰذَآ أَخِى) يقول أحدهم الذي تكلم أولا‫:‬ (هَـٰذَآ أَخِى) أي صاحبي أو أخي في الدين أو في العشيرة كما يقول المفسرون‫:‬ (إِنَّ هَـٰذَآ أَخِى لَهُۥ تِسْعٌۭ وَتِسْعُونَ نَعْجَةًۭ)، النعجة‫:‬ الإناث من الضأن، الأنثى من الضأن، (وَلِىَ نَعْجَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا)، أي دعني أكفلها لك، أو انزل لي عنها حتى أكفلها، أو اكفلنيها أي أعطنيها واجعلها من نصيبي وكفلي لأن الكفل هو النصيب، إذا فقد طلب نعجة صاحبه ليضمها إلى نعاجه يأخذها لنفسه، (وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ (٢٣)) (وعازني في الخطاب) عزني‫:‬ غلبني وقلنا أن العزة اسم بمعنى الغلبة والقهر حين قلنا (سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٨٠]، وأن العزة في هذه الآية لا يقصد بها صفة الذات‫:‬ العزيز وأنها يقصد بها العزة التي خلقها الله يتعاز بها الناس، الغلبة والقوة والقهر، فها هو يقول عزني أو عازني غالبني في الخطاب بالحجة ولم أستطع أن أرد عليه ولم أستطع أن أجادل معه، غلبني ببيانه أو غلبني بسلطانه فنطق داود وقال‫:
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَقَلِيلٌۭ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًۭا وَأَنَابَ ۩ ﴿24﴾ فَغَفَرْنَا لَهُۥ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ ﴿25﴾
قال له داود (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ۖ )، تسع وتسعون نعجة وتطمع في نعجة واحدة، أنت تملك تسعا وتسعين نعجة وهو يملك نعجة واحده فكيف تطلبها منه، ذاك هو الظلم البين (وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَقَلِيلٌۭ مَّا هُمْ ۗ ) أي أن هذا أمر معهود في الخلطاء‫:‬ الشركاء خلطوا مالهم، خلط ماله بمال شريكه فهم خلطاء أي شركاء اختلط مالهم ، (وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ) يظلم بعضهم بعضا و يتجاوز حدوده ويأخذ ما ليس له (إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ) أي الخلطاء المؤمنون الذين آمنوا بربهم وعرفوا قدره وعرفوا البعث والقيامة والحساب (وَقَلِيلٌۭ مَّا هُمْ ۗ ) أي وهم قليل‫.‬‬
‫(وَقَلِيلٌۭ مَّا هُمْ ۗ ) "ما" هنا يقول البعض أنها مزيدة "ما " هنا تفيد التعجب من قلة المؤمنين، تفيد القلة (وَقَلِيلٌۭ مَّا هُمْ ۗ ) أي هم في منتهى القلة (وَقَلِيلٌۭ مَّا هُمْ ۗ ) تفيد المبالغة في القلة وليست مزيدة، وقد سمع عمر بن الخطاب رجل يدعو ويقول اللهم اجعلني من عبادك القليل فقال عمر ما هذا الدعاء؟ قال‫:‬ أذكر قول الله ، تبارك وتعالى، (إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَقَلِيلٌۭ مَّا هُمْ ۗ ) فقال عمر‫:‬ كل الناس أفقه منك يا عمر، تواضعا لله ، تبارك وتعالى، الناس تتدبر وتتأمل‫.‬‬
‫(وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ) ، (وظن داود أنما فتّنّاه)، (وظن داود أنما فَتَنَاه) فتناه أي الخصمان فتناه أضلاه، فتناه‫:‬ امتحناه، فتناه‫:‬ شدة الابتلاء والامتحان، (وَظَنَّ دَاوُۥدُ) الظن يطلق على اليقين لكل ما يعاين فحين أرى الشيء وأقول "أظن" إذا أنا متيقن (ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ (٤٦)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٤٦] أولئك متيقنون فيطلق الظن بمعنى اليقين (وَظَنَّ) أي تيقن، (وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ) امتحناه وابتليناه بهذه القصة فماذا فعل داود؟ استغفر وتاب وسجد سجدة لو سجدها مسلم بالنية التي نواها داود غفرت له ذنوبه جميعا، وقد روي أن رجلا جاء للنبي ، صلى الله عليه وسلم، وقال له‫:‬ يا رسول الله‫:‬ (إِنِّي رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ، فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، كَأَنِّي أُصَلِّي إِلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ، فَقَرَأْتُ السَّجْدَةَ فَسَجَدْتُ، فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ: «اللَّهُمَّ احْطُطْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاكْتُبْ لِي بِهَا أَجْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلِ الشَّجَرَةِ) ، وقال العلماء‫:‬ إن العبد إذا سجد في سورة ص لسجدتها بنية الاستغفار والتوبة كما فعل داود خر راكعا واستغفر خاضعا لربه معترفا بذنبه تائبا من خطيئته تاب الله عليه لأن الله ، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (فَغَفَرْنَا لَهُۥ ذَٰلِكَ ۖ )، (فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ) الاستغفار‫:‬ طلب المغفرة، والمغفرة من الغفر، والغفر الستر، كأن العبد يطلب من الله ، تبارك وتعالى، أن يستر ذنوبه عن الكتبة والحفظة والشهود وعن جوارحه فيأتي يوم القيامة وليس عليه شاهد بذنب‬
‫(فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًۭا) أشكلت على العلماء‫:‬‬
‫(وَخَرَّ) لا تكون في الركوع أبدا لأن الركوع انحناء أما "خر" يعني سجد ولذلك قالوا راكعا أي ساجدا عبر عن السجود بالركوع، وأحسن ما قيل في هذا أنه كان راكعا فسجد، أو يعني راكعا بمعنى حال كونه راكعا خر أي سجد راكعا سجد وهو راكع كان راكعا فسجد، أو خر راكعا أي سجد مصليا لأن الركعة الصلاة والركوع الصلاة إذا فقد قام يصلي ساجدا مستغفرا، وهذه الآية قرأها النبي ، صلى الله عليه وسلم، وإذا قرئت وأنت تسمع القارئ عليك السجود وكذا إذا قرأها الإمام على المنبر سجد وسجد المصلون‫.‬‬
‫(وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًۭا وَأَنَابَ ۩ (٢٤)) وبعد أن سجد داود خاضعا لربه معترفا بذنبه تائبا من خطيئته تاب الله، تبارك وتعالى، عليه وأنبأنا بذلك فقال‫:‬ (فَغَفَرْنَا لَهُۥ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ (٢٥))، (فَغَفَرْنَا لَهُۥ ذَٰلِكَ ۖ ) أي ذلك الذنب ليس هذا فقط بل له عند الله، تبارك وتعالى، (لَزُلْفَىٰ) زلفى‫:‬ قربى، قرب من الله يوم القيامة، (وَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ (٢٥)) المآب‫:‬ المرجع والمآل، الجنة والدرجات العالية والقرب من الله ، تبارك وتعالى، والرضا والرضوان‫.‬‬
‫تقرأ بالوصل والوقف (فَغَفَرْنَا لَهُۥ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ (٢٥))، وتقرأ (فَغَفَرْنَا لَهُۥ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ (٢٥)) وأيضا قد تقرأ (فَغَفَرْنَا لَهُۥ) (ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ (٢٥)) كقوله، تبارك وتعالى‫:‬ (هَـٰذَا ذِكْرٌۭ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ (٤٩)) [سورة ص آية‫:‬ ٤٩]، أي الأمر ذلك .‬
‫أيها الأخ المسلم داود نبي من أنبياء الله ، تبارك وتعالى، ذو فضل عظيم هاديا مهديا قدوة للصالحين في كل مكان وزمان، داود حين ظن وتيقن أن الله قد ابتلاه وامتحنه بصغيرة أو بهمة أو بذنب اعتقده كذلك استغفر وقيل أنه ظل ساجدا أربعين يوما لا يقوم إلا لصلاة الفريضة وبكى حتى نبت العشب من دموعه، داود قيل في شأنه افتراءات وكذب نعوذ بالله ، تبارك وتعالى، من أن نقول ما لا نعلم‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم من استغفر غفر له، وقد روي عن النبي ، صلى الله عليه وسلم، (إِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي بَنِي آدَمَ مَا دَامَتْ الْأَرْوَاحُ فِيهِمْ فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَبِعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَبْرَحُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي).‬
‫فيا أيها الأخ المسلم إن الله ، تبارك وتعالى، غفار الذنوب ستار العيوب والكمال المطلق لله ، تبارك وتعالى، والعصمة لأنبيائه (وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا (١١٠)) [سورة النساء آية‫:‬ ١١٠]‬
‫وحسنات الأبرار سيئات المقربين ويجب على المسلم أن يعتقد في الأنبياء العصمة وأنهم لا يرتكبون أبدا ما يرتكبه الناس، وأن الأنبياء وما ذكر عنهم في قصصهم من هنات هي ليست معاص أو ذنوبا وإنما حسنات الأبرار سيئات للمقربين‫.‬‬
‫الله ، تبارك وتعالى، يقص هذا القصص علينا في بعض الهنات عن الأنبياء أو ما عاتبهم الله عليها معلما إيانا أن الكمال المطلق لله وأن البشر لولا عصمة الله يخطئ وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، إذا هذه القصة التي قصت علينا لو تأملنا فيها لوجدنا أن العبرة تسلية للنبي ، صلى الله عليه وسلم، ، أيضا أن هذا النبي المقرب الذي أعطاه الله ، تبارك وتعالى، ما أعطاه حين اعتقد أنه قصر أو أخطأ خر ساجدا واستغفر وتاب إلى الله ، تبارك وتعالى، فغفر له‫.‬‬
‫الغريب في الأمر أنك إذا اطلعت على كتب التفسير في هذه الآيات لوجدت عجبا وأعوذ بالله ، تبارك وتعالى، من قولة الإفك ومن ظلمة الشك، الأنبياء معصومون ونحن نقول أقوال العلماء من باب أمانة العلم وكي لا يقرأ أحدكم كتابا ويقول لم نسمع منك كذا أو لم لم تقل كذا؟ أيضا أصحح بعض ما أعتقد أنه مخالف للصواب، غفر الله لي ولكم‫.‬‬
‫قالوا في القصة من تسور المحراب ملكان وليسوا من الإنس، جاءت الملائكة لداود في صورة البشر تعلمه وتنبهه لخطأ وقع فيه، أما الخطأ فهو أنه كان لداود قائدا يدعى "أوريا" يغزو في سبيل الله، داود في محرابه يتعبد فوقعت عليه حمامة من ذهب جميلة ما رأى منظرها قط فهم يمسكها فاندرجت طارت قليلا فلحقها، لم تيئسه من نفسها تطير ويتبعها تطير ويتبعها حتى وصلت للكوة في المحراب، الكوة‫:‬ الفتحة النافذة، فصعد ليمسكها فنظر فإذا بامرأة تغتسل عريانة فأعجبته ونظر إليها حتى شبع من النظر فأحست المرأة فسترت نفسها بشعرها فازداد إعجابا بها، هذه هي زوجة أوريا القائد، فأرسل إلى قائد الجيوش أن قدم أوريا في حملة التابوت وكانوا يستنصرون بالتابوت، يحملون التابوت يستنصرون به ، التابوت الذي جاء ذكره (ءَايَةَ مُلْكِهِۦٓ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٤٨] حملة التابوت كان عليهم أن يتقدموا إما النصر وإما القتل لا يرجع أبدا، فقدمه كي يقتل فقدم أوريا فقتل فترملت امرأته الجميلة فتزوجها داود بعدما وفت العدة وأنجب منها سليمان، فجاء الملكان ينبهانه وقالوا‫:‬ (إِنَّ هَـٰذَآ أَخِى لَهُۥ تِسْعٌۭ وَتِسْعُونَ نَعْجَةًۭ) والنعجة كناية عن المرأة وقد كان لداود تسع وتسعون زوجة وأوريا لم تكن له سوى زوجة واحدة تلك التي أنجبت سليمان‫.‬ فجاءت الملائكة تنبهه لك تسع وتسعون زوجة وتطمع في زوجة رجل آخر تضمها إلى نسائك فترسل به إلى الحرب حتى يقتل فتنبه واستغفر، ذاك قول المفسرين وللأسف الشديد ينسب بعضهم هذه المقالة لبعض الصحابة كابن عباس المفترى عليه، فكثير من الأحاديث الموضوعة يقال قال ابن عباس، قال ابن عباس، قال بعضهم يريد أن يخفف الوضع بل هو قال للرجل حين رآها وأعجب بجمالها انزل لي عنها مستندا لقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا) انزل لي عنها فيشيرون إلى قصة داود مع أوريا (فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا)، داود أعجب بالمرأة فقال له طلقها كي أتزوجها، فطلقها الرجل وحين أراد داود أن يتزوجها أو تزوجها فعلا جاءت الملائكة تنبهه للقصة، وقالوا أن ذاك ليس عيبا واستدلوا بدلالة غريبة قالوا حين آخى النبي ، صلى الله عليه وسلم، بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، جاء عبد الرحمن بن عوف من مكة وليس معه مال وسعد بن الربيع كان من أغنياء الأنصار قال لعبد الرحمن بن عوف ولي زوجتان أيتهن أعجبتك نزلت لك عنها وطلقتها حتى إذا وفت عدتها تزوجتها يا عبد الرحمن فقال بارك الله لك في مالك وفي زوجتيك، فقالوا ما يصح عرضه ابتداء يصح طلبه، وذاك قول بعيد عن الصواب بعيد عن الشرع، أيصح لرجل إن أعجب بامرأة متزوجة أن يذهب إلى زوجها ويقول طلقها لي، هل يصح ذلك ورسول الله ، صلى الله عليه وسلم، يقول‫:‬ (وَلَا يَخْطُبِ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا يَبِيعُ عَلَى بَيْعِهِ)، نبينا يقول ذلك، (وَلَا يَخْطُبِ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ)، إن خطبت المرأة لرجل لم تتزوجه بعد لا يصح لمسلم أن يخطبها، حتى يتركها الخاطب الأول من نفسه دون كلام فكيف يقولون ذلك‫.‬‬
‫وقال بعضهم بل الأمر ليس كذلك بل هو اشتهاها ونظر إليها نظرة الشهوة فقط، وقال بعضهم أنه ذهب إلى قبر أوريا بعد ما قتل وقال سامحني يا أوريا فقد قذفت بك إلى الحرب لتقتل قال بل قذفت بي إلى الجنة، أقوال عن هذه القصة وعن المرأة وكيف، وكيف، ولذا علي بن أبي طالب قال يوما من حدث بحديث داود كما يقص القصاص جلدته مائة وستين جلدة لأن حد القذف ثمانين جلدة حد القذف إذا قذف الرجل رجلا أو امرأة جلد ثمانين جلدة، أما حد قذف الأنبياء مضاعف حدين‫.‬‬
‫قال القصاص ذلك وكتبت هذه الكتابات في بعض نسخ التوراة والإسرائيليات وتلقفها المفسرون، وقديما قال أشياخنا إذا أخطأ العالم كلمة لا أدري أصيبت مقاتله وكأنه قتل نفسه، إذا لم كيف يقول لا أدري، هذا في الفقه والفتوى والحلال والحرام، أما في الكلام عن القرآن والتفسير فبعض الناس يحبون الأحاديث والأقاصيص والحكايات والتسلية فيأتون بالكتب السابقة كتب أهل الكتاب التي قال الله فيها (يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٤١] وقال‫:‬ (يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٧٩]‬
‫يأتون بهذه الكتب التي تسمى الإسرائيليات ويأتون بالقصص منها ويضيفون القرآن موجود هل في القصة ذكر لامرأة؟ هل في القصة ذكر لهذا الحديث نهائيا؟ في أي موضع في القرآن هل جاء ذكر زواج داود من امرأة رجل آخر؟ وكذا حديث رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، بين أيدينا وقص علينا قصة موسى والخضر وقص علينا قصة يونس وقص علينا قصة أيوب وكيف حلف ليجلدن امرأته وكيف، وكيف قص كثيرا من القصص فلم أغفل هذا؟ هل قص النبي ، صلى الله عليه وسلم، علينا قصة داود بهذا المعنى؟ هل وردت في الصحيح؟ هل وردت في كتب الأحاديث؟ هل وردت في الكتب خارج الصحيح؟ من أين أتوا بهذه القصص؟ من أين أتوا بهذه القصة؟ عجبا، ونرد عليهم بفضل الله ، تبارك وتعالى، فنقول بتوفيق الله‫:‬‬
‫أولا‫:‬ إذا كان المتسورون للمحراب ملائكة فقد ارتكبوا أخطاءً عديدة‫:‬ أولا دخلوا بغير استئذان والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون‫.‬‬
‫ثانيا‫:‬ كذبوا والملائكة لا تكذب حين تقول الملائكة خصمان بغى بعضنا على بعض تأليف لم يحدث لي تسع وتسعون نعجة وله نعجة كذب، إذا فالقصة كذب، إذاً فقد كذبت الملائكة وكيف تكذب الملائكة؟! كيف؟ هل تعرف ماذا يردون على ذلك؟ يقولون الملائكة تقول افترض قدر أننا خصمان، من أين هذا التقدير؟ ومن أين أتيت بهذا الكلام (إِنَّ هَـٰذَآ أَخِى لَهُۥ تِسْعٌۭ وَتِسْعُونَ نَعْجَةًۭ) من أين تأتي بكلمة افترض لو أن جاءك خصمان كذا وكذا‫.‬‬
‫أيضا يقدم ربنا، تبارك وتعالى، القصة بقوله (وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ﴿١۷﴾ إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلْجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ ﴿١۸﴾ وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةًۭ ۖ كُلٌّۭ لَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ ﴿١۹﴾ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُۥ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ﴿٢۰﴾) هذا داود فكيف يفعل ذلك؟ أتفعله أنت إذا كنت تقيا أو صالحا أو مسلما؟ أيفعله أحد منا؟ لو فعله عالم من العلماء أو متعلم وذهب ورأى امرأة أعجبته ففعل ذلك وساق زوجها للقتل حتى يتزوجها هل هذا فعل مسلم؟ هل هذا فعل صالح؟ هل هذا فعل عالم؟ فكيف يكون من أفعال الأنبياء؟ ولكن هكذا اليهود قتلة الأنبياء طعنوا فيهم وقتلوهم وكذبوهم وسبوهم في حياتهم ومن بعد مماتهم أيضا، ولكن نحن نقلدهم ونأتي بالعجيب من القصص نستهوي بها الناس ونستجمع به الناس شهرة وحبا للظهور وحبا أن يجتمع الناس علينا ونحكي القصص والناس تحب القصص تحب التسلية تحب الأحاديث طبيعة الناس في كل مكان كيف يكون هذا من أخلاق النبي؟‬
‫الحجة الدامغة بخلاف ما قلت اسمع بعد ذكر القصة:
يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ ﴿26﴾
‫(يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ) هل يجعل مثل هذا الرجل الذي يفعل ذلك خليفة، أيمكن ذلك؟ واسمع (
‫(يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم) إذا المسألة مسألة حكم المسألة مسألة قضاء المسألة مسألة هوى، أين الخطأ في القصة؟ الخطأ منتهى الظهور والوضوح، (إِنَّ هَـٰذَآ أَخِى لَهُۥ تِسْعٌۭ وَتِسْعُونَ نَعْجَةًۭ وَلِىَ نَعْجَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ ﴿٢۳﴾)، ذاك قول رجل خصم فنطق داود (لَقَدْ ظَلَمَكَ) [سورة ص آية‫:‬ ٢٤]، من أين لك داود أنه ظلمه؟ هل سمعت الطرف الآخر؟ هل تكلم الرجل الآخر؟ هل قص القرآن علينا ماذا قال؟ تعجل داود في الحكم، من هنا (فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ) أشفق على الرجل ضعيف الحجة وضعيف البيان والبرهان فقير له نعجة واحدة، الشفقة والهوى لهذا الضعيف المسكين الذي عزه الآخر في الخطاب وغلبه، وحين أشفق عليه اتبع هواه فحكم للفقير وربنا ، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًۭا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ١٣٥]، وضوح أوضح من الشمس في رابعة النهار، ولو سأل داود الآخر لك تسع وتسعون نعجة تطلب منه نعجته ماذا تقول؟ لقال يا نبي الله أنا صاحب مائة نعجة وهو لا يملك شيئا وقد سرقها مني فجئته بالحسنى وقلت له هذه نعجتي رد إلي نعجتي فسبقني إليك واشتكى وضربني وبكى، ماذا يكون الحكم؟ أو يا نبي الله إن هذا أخي ابن أمي وأبي جهدت وعملت وشقيت حتى جمعت مالي وهو لم يعمل وتكاسل وما له إلا نعجة واحدة وأنا لي تسع وتسعون نعجة، يخرج بها كل يوم إلى المرعى فيضحى في الشمس ويشقى في الصحراء فطلبت منه أن يضمها إلى نعاجي ترعى مع نعاجي تجد ذكرا تحمل منه قد تكثر أكفيه مؤنة الرعي أساعده في شأنها، فظلمني واشتكى كان يمكن أن تكون له حجة فلم لم يسمع داود للطرف الآخر تلك هي البلية، ولذلك حين سارع ونطق بالحكم (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ۖ ) قبل أن ينتهي من كلامه تنبه (وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ) وجاء التوجيه الإلهي بعد ذلك (إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ (٢٦)).‬
‫أيها الأخ المسلم تبرئة الأنبياء والعلماء والصحابة والصالحين مما يقال في شأنهم من انتقاص لقدرهم، يجب عليك أن تفعل ذلك، وأن تؤمن بأن الكمال لله والعصمة لأنبيائه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم كل ما يقال في هذا الشأن افتراء وكذب لا حقيقة فيه، إفك في غير وشك محله ولا سند له ولا نص فيه ولا يصح فيه الاجتهاد ولا يصح فيه النقل من كتب الإسرائيليين أو التوراة أو كتب الأولين وإنما يصح في القرآن ما ورد عن النبي ، صلى الله عليه وسلم، أو ورد في القرآن نفسه وهذه القصة لم ترد في القرآن ولم ترد في حديث سيد الأنام والقصة واضحة حكم بين اثنين قص علينا رأي خصم ولم يقص رأي الخصم الآخر، تلك هي الفتنة والابتلاء، وقيل أن سبب هذا الابتلاء كما نعتقد والله أعلم أن داود حينما استخلف قال لقومه، لبني إسرائيل، والله لأعدلن بينكم ولأحكمن بينكم بالحق ولم يقل إن شاء الله فابتلي بهذه الخصومة فتنبه فسجد واستغفر، يقول النبي ، صلى الله عليه وسلم‫:‬ ( إِذَا أَتَاكَ الْخَصْمَانِ فَسَمِعْتَ أَحَدَهُمَا فَلَا تَقْضِيَنَّ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ).‬
‫فإن الله يصطفي من خلقه ما يشاء لما يشاء، وقد اصطفى الله ، تبارك وتعالى، رسله وأنبيائه وجعلهم نماذجا للكمالات البشرية قدوة يقتدى بها العباد، ربنا ، تبارك وتعالى، ليس كمثله شيء فلزم أن يكون هناك واسطة بين الله وبين العباد يهيئه الله ، تبارك وتعالى، تهيئة خاصة يصطفيه ويخلقه كيف شاء لما يشاء فيربيه وينميه ويصطفيه ويجعله لسانا لله ، تبارك وتعالى، في الأرض ترجمانا بين الله وبين خلقه، والأنبياء والمرسلون المصطفون الأخيار حدثنا القرآن عنهم وأنهم يحدثون عن الله، يعرفون بالله، فالكتب السماوية تعلمنا بما لا يصل إليه العقل، وهم أيضا نماذج للكمالات البشرية في أعلى مجالاتها ولا بد أن يكون الأنبياء على درجة من العصمة التي عصمهم الله بها تجعلهم قدوة في أفعالهم وأعمالهم وأسوة في أحوالهم‫.‬ وما من نبي أخطأ وإنما كل ما قص علينا في القرآن من أمور هي بيان بأن الكمال المطلق لله وحده والعصمة للأنبياء ليس بذواتهم، وإنما بحفوف العناية والرعاية بهم، وفي لحظات يكل الله ، تبارك وتعالى، نبيا من أنبيائه لنفسه‫.‬‬
‫لحظة فيتصرف بجهده وعقله فيبين لك ويتضح لنا الفرق بين العصمة والعناية والرعاية وبين أن يوكل الإنسان لنفسه مهما كان على درجة من المقام، من هنا كان دعاء النبي ، صلى الله عليه وسلم،: (فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ) وقصص الأنبياء الذي ورد في القرآن يعلم من القرآن ويعلم من حديث سيد الأنام ، صلى الله عليه وسلم، وكل ما ورد من قصص عن الأنبياء في كتب سابقة كالتوراة أو كتب ألفت ألفها أناس طالما لا تستند إلى حديث رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، ولا تستند إلى ما يحتمله الكلام في القرآن فهي محض خيال وزور على من قالها وزور على من يعتقدها أيضا فاعتقاد الخطأ في الأنبياء خروج عن الملة وإيذاء الأنبياء أحياءً وأمواتا خروج عن الملة، وربنا يحذر ويقول‫:‬ (إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا (٥٧)) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٥٧]، فاعتبر إيذاء النبي ، صلى الله عليه وسلم، كفر معرض للعنة الله ، تبارك وتعالى‫.‬ وقد تكلمنا في الجمعة الماضية عن داود ونحن بصدد تفسير سورة ص وقلنا ما قاله الناس وما نسبوه إلى بعض الأصحاب كابن عباس وبرأناه عليه وعلى نبينا أفضل صلاة وأكمل تسليم مما قيل وسقنا الدلائل على ذلك‫.‬‬
‫ونقول اليوم بتوفيق الله، تبارك وتعالى، وبفضله يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿۸٤﴾ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿۸٥﴾ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًۭا ۚ وَكُلًّۭا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿۸٦﴾وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوَٰنِهِمْ ۖ وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ وَهَدَيْنَـٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿۸۷﴾ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿۸۸﴾ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰٓؤُلَآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًۭا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ ﴿۸۹﴾ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ ﴿۹۰﴾) [سورة الأنعام آية‫:‬ ۸٤ - ۹۰]، وتلاحظ أن داود جاء في المقدمة رغم أنه في الزمن من بعد موسى بكثير‫.‬‬
‫إذا أمر النبي ، صلى الله عليه وسلم، أن يقتدي بهدي الأنبياء من قبله ومنهم داود فكيف يؤمر سيد الخلائق أن يقتدي بنبي أخطأ مثل هذه الخطيئة المفتراة يقدم رجلا في الحرب يقتل كي يفوز بامرأته بعد مماته، أيؤمر نبينا بالاقتداء به بنص القرآن (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٩٠]، أي اقتد يا محمد…ربنا ، تبارك وتعالى، حينما يحدثنا عن موسى ويقول‫:‬ (وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى ﴿٤١﴾) [سورة طه آية‫:‬ ٤١]، ويقول‫:‬ (وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ (٣٩)) [سورة طه آية‫:‬ ٣٩]، داود يقول الله ، تبارك وتعالى، في شأنه‫:‬ (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضْلًۭا ۖ يَـٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُۥ وَٱلطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ (١٠)) [سورة سبأ آية‫:‬ ١٠]، داود في سورة ص حين جاء ذكره في سورة ص وافترى الناس وحملوا الآيات ما لم تحتمل افتتح الكلام بقوله ، تبارك وتعالى‫:‬ (ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ) [سورة ص آية‫:‬ ١٧]، إذا فهو يسليه ويأمره بالاقتداء بداود ويقص عليه قصص داود ويشرف داود فينسبه إليه إلى الذات العلية (وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا) إذا فقد نسبه إليه تشريفا له ورفعه لقدره (دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ ) [سورة ص آية‫:‬ ١٧] القوة الصفة التي وصف بها إبراهيم‫:‬ (إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى) [سورة ص آية‫:‬ ٤٥]، في نفس السورة في آخرها في سورة ص (وَٱذْكُرْ عِبَـٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَـٰرِ (٤٥)) [سورة ص آية‫:‬ ٤٥]‬
‫وصف بنفس الصفة التي وصف بها إبراهيم خليل الرحمن إنه أواب‫:‬ رجاع إلى الله ذاكر الله ، تبارك وتعالى، تواب إلى الله، وكيف يسخر له الجبال تردد معه التسبيح وقد ارتكب تلك الخطيئة الشنعاء التي زعموها (ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلْجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ (١٨) وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةًۭ ۖ كُلٌّۭ لَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُۥ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ (٢٠)) [سورة ص آية‫:‬ ١٧- ٢٠]‬
‫هل من الحكمة التي يمنحها الله ، تبارك وتعالى، للمصطفين الأخيار (وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ۗ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٦٩]، هل من الحكمة أن ينظر داود إلى امرأة عريانة ويشتهيها ويفكر ويخطط كيف يفوز بها فيبعث بزوجها إلى ساحة الوغى ويقدمه حتى يقتل‫:‬ هل ذلك من الحكمة؟ هل هذا من فصل الخطاب، العدل في القضاء؟‬
‫ثم تأتي الآيات بعد ذلك (وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ ﴿٢١﴾) كيف يطلق كلمة "خصم" على ملائكة؟ كيف زعموا أن المتسورين للمحراب ملائكة الرحمن جاءوا يعلمون داود ويؤدبونه وينبهونه لما وقع فيه من خطأ، هل يسمى الملائكة خصم؟ وهل تكذب ملائكة الله يقول أحدهم‫:‬ (إِنَّ هَـٰذَآ أَخِى لَهُۥ تِسْعٌۭ وَتِسْعُونَ نَعْجَةًۭ وَلِىَ نَعْجَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ ﴿٢۳﴾) قصة مؤلفة يؤلفها الملائكة هذا كذب، والكذب كذب، وكلكم يعرف حديث رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، الذي حدثنا به عن إبراهيم حين تذهب إليه الناس يوم القيامة (فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ)، فهل تكذب الملائكة وتؤلف قصة، وخصمان بغى بعضنا على بعض، أيضا يبين لك ويتضح من الآيات أن أحد الخصوم تكلم ولم يتكلم الآخر بمجرد الانتهاء من دعواه (فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ ﴿٢۳﴾) نطق داود (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ۖ ) هذا الابتلاء أصح ما قيل فيه أن داود حين تولى الملك ربنا ، تبارك وتعالى، يحكي لنا قصة توليه الملك فيقول‫:‬ (وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٥١]، كان من المؤمنين الذين تبعوا النبي من بني إسرائيل ولم يشربوا من النهر ولم يغترفوا منها غرفة ولم يقولوا سوى (وَلَمَّا بَرَزُوا۟ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ ۗ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٥٠- ٢٥١ ]، هذا هو داود، وتأتي بعد ذلك الدلائل تترى، يقول الله ، تبارك وتعالى، فيما قرئ علينا اليوم‫:‬ (يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ ﴿٢٦﴾) ذاك هو التوجيه الإلهي بعد التوبة وبعد الغفران، ذاك هو التوجيه‫:‬ (جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ): أي ملكناك الأرض تحكم فيها بأمرنا أو جعلناك خليفة تخلف من سبقك من الأنبياء والمرسلين فتحكم بشرع الله (فَٱحْكُم) إذا التوجيه هنا خاص بالحكم ليس بالزواج ليس بالطمع، كان من الممكن أن يقول له لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به‬
‫أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا، كان من الممكن أن يأتي التوجيه مناسبا للقصة المزعومة وإنما التوجيه جاء بسبب الحكم (فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ) بالعدل بشريعة الله وهو أمر أُمر به جميع الأنبياء كما قال ربنا للمصطفى ، صلى الله عليه وسلم، (لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًۭا (١٠٥)) [سورة النساء آية‫:‬ ١٠٥]، (وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ) إذا خطيئة داود إن جاز لنا أن نسميها خطيئة هي أنه حكم بعد أن سمع واحدا من الخصوم ولم يسمع من الآخر ذاك هو الهوى مالت نفسه، الهوى‫:‬ ميل النفس، مالت نفسه للضعيف أشفق على الفقير فمال إليه بنفسه وهواه فحكم له، أو حكم على الآخر وسارع بالحكم، فالهوى هنا لا شك تعني الخطأ في التسرع في الحكم دون التثبت بالأدلة والبيان من هنا يقول (فاحكم بالحق) الدلائل التي نصبها الله ، تبارك وتعالى، والبينات كي يصل الحاكم فيها إلى الحق، والآية تفيد أنه لا يصح ولا يجوز للحاكم مطلقا أن يحكم بما علم أي بعلمه الخاص عن الخصوم، لا يصح، ولذا جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب وهو في خلافته فقالت يا أمير المؤمنين احكم لي على فلان بكذا،‬
‫فإنك تعلم ما لي عنده فقال عمر‫:‬ إن أردت أن أشهد لك فنعم وأما الحكم فلا تأتي ويأتي الآخر وكل يبين حجته اليمين على من أنكر والبينة على من ادعى، النبي ، صلى الله عليه وسلم، الصادق المصدوق الصدوق خير الخلائق أجمعين ( عَنْ خُزَيْمَةَ: أَنَّهُ مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيٌّ يَجْحَدُ بَيْعَهُ، فَقَالَ خُزَيْمَةَ: أَشْهَدُ لَقَدْ بِعْتَهُ) أما بعلمه فلا يصح، فالهوى ميل النفس لصالحك أو لأحد الخصوم لقرابة أو لفقر أو لضعف، ذاك هو الهوى، ولذا فلنعد إلى القرآن والقرآن يفسر بعضه بعضا، نجد ربنا ، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٤٩]، أرأيتم الهوى ضد الحكم بالحق، أيضا يقول الله ، تبارك وتعالى، موجها لنا جميعا (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًۭا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ ۚ وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا (١٣٥)) [سورة النساء آية‫:‬ ١٣٥] الأمر الذي يدعوك للحكم له أو عليه غنيا وأنت تأخذ منه أو فقيرا فتشفق عليه الله أولى بهما لست أنت لا تشفق على الضعيف الله أرحم به منك (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًۭا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ ۚ) [سورة النساء آية‫:‬ ١٣٥] أرأيتم كلمة الهوى حين تأتي حين يتعلق الحكم تعني اتباع هوى النفس وميل النفس نحو الفقير أو الغني أو الضعيف أو القريب أو ذي السلطان قد تهوى أن تحكم لذي سلطان رجاء نفع يصلك أو تحكم للفقير إشفاقا عليه أو للقريب أو للصديق ها هو عمر رفض أن يحكم لأنه يعلم أن ذاك أخذ مال هذه هو يعلم ذلك فلا يستطيع أن يحكم بعلمه وإنما يحكم بالأدلة والشواهد والبينات وقول الشهود واليمين وهكذا، إذا فالهوى هنا يدل دلالة قاطعة على أن العتاب كان في أن داود حكم بغير أن يسمع للخصم الآخر أشفق عليه لفقره أو لضعفه حيث اتضح من القصة في كلامه أمران‫.‬ الأمر الأول أنه فقير هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة إذاً فهو فقير، أيضا هو ضعيف حيث قال وعزني في الخطاب غلبني إذاً فهو فقير وضعيف من هنا مال إليه داود وسارع في الحكم ولو سأل الخصم الآخر ربما أجاب بحجة أو بأخرى‫.‬‬
‫(فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ) إذا القضية تتعلق بحكم وبقضاء‬
‫(فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ )، عن طريق الله ، تبارك وتعالى، عن العدل، عن الشرائع، عما نصبه الله ، تبارك وتعالى، من أمور يتوصل بها إلى معرفة الحق والباطل (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ) بالحكم بالهوى بعدم اتباع الحق باتباع الهوى (لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ ﴿٢٦﴾).‬
‫نسوا يوم الحساب، لا يمكن لامرئ أن ينسى يوم الحساب وإنما كأنه قد نساه لأنه لم يعمل حسابه، (بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ ﴿٢٦﴾)، بما لم يؤمنوا بيوم الحساب، فالكافر بالبعث كأنه نسي يوم الحساب لأنه أنكره وكفر به ونسي العهد الأزلي حيث‫:‬ (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٧٢] أو نسوا يوم الحساب بفسقهم وفجورهم فكأنهم قد نسوه‫.‬‬
‫ثم يقول الله ، تبارك وتعالى، مبينا أنه وضع الميزان وأقام السموات والأرض من أجل كلمة الحق فيقول:
وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلًۭا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ ﴿27﴾
‫(وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلًۭا ۚ ) باطلا أي من أجل الباطل، باطلا بمعنى مبطلين عابثين كقوله‫:‬ (وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ (٣٨)) [سورة الدخان آية‫:‬ ٣٨]، (وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلًۭا ۚ ) أي من أجل الباطل أو عابثين مبطلين، أو لأجل الحكم بالباطل بل خلقناهما للحق وخلقناهما للدلالة على القدرة ولكي يبتلى الناس وتقوم كلمة الحق بإذن الله (ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ ) الظن بمعنى المظنون أي ذلك مظنونهم، ذلك ظن الذين كفروا أن الله ، تبارك وتعالى، خلق السموات والأرض باطلا وأن لا حساب ولا عقاب ولا بعث ولا جزاء فذلك مظنونهم أن الخلق لم يكن لحكمة وأن الخلق لم يقم بالحق وللحق (فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ (٢٧)) ويل لهم لأنهم حين فجروا وكفروا وكفروا بالبعث اعتقدوا أن الله ، تبارك وتعالى، لم يخلق السموات والأرض بالحق بل هي مخلوقة من نفسها أو خلقت عبثا أو خلقت باطلا ولا جزاء ولا حساب، (فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ (٢٧)) وقلنا في كلمة "ويل" أنها تهديد ووعيد، وقال بعضهم أن كلمة "ويل" اسم لواد في جهنم والأرجح أنها كلمة تهديد ووعيد‫.‬ ويأتي السؤال الاستفهامي لإنكار التسوية بين المؤمن والكافر فيقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬
أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ ﴿28﴾
سؤال (أَمْ نَجْعَلُ) أي أنجعل، "أم" منقطعة فهي سؤال للإنكار لإنكار التساوي، تجد في الدنيا مؤمن وكافر، ومصلح ومفسد، وتقي وعصي وتجد في الدنيا أن التفاضل بين الفريقين لا تقتضيه الحكمة ولا يقتضيه عدل فتجد أن التقي قد يكون فقيرا مهضوم الحق ضعيفا، قد تجده مريضا عليلا، وقد تجد العصي غنيا منعما مصححا يمشي مصححا، خلي البال هانئا عيشه النعماء واللين تجد العصاة والفجار يحيون في هذه الدنيا حياة الترف والبذخ والهناء والاطمئنان، تجد الملك قد أعطى للظلمة تجد كل ذلك فكيف يتم ذلك ويصبح التقي كالعصي والولي كالشيطان والمؤمن كالكافر والتقي كالفاجر؟ هناك حياة أخرى ومكان آخر يتم فيه التفاضل الحق والحكم بالعدل، لا بد فالآية دليل على البعث ودليل على وجود حياة أخروية يقضي الله ، تبارك وتعالى، فيها بين العباد وتوضع الأمور في نصابها، من هنا جاء السؤال (أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ) هل يعقل ذلك؟ أنت ترى في الدنيا كثيرا من الناس وصلوا إلى كل ما يتمناه كل إنسان من الغنى والستر والصحة والأولاد والنعيم والقصور وما إلى ذلك، وتجده في غاية الانحطاط ويموت وتشيع جنازته والناس تهتف باسمه وتقول في شأنه وما إلى ذلك وتعلق صوره وتبنى له التماثيل ويمجد وهو ظالم وربنا حرم الظلم على نفسه كيف ذلك؟ وتجد التقي يبتلى في نفسه في أولاده في صحته يألم ويمرض ولا يبالى به، إذا استنكح لا ينكح وإذا استأذن لا يؤبه له، فقير يطوي أحشاؤه من الجوع كيف ذلك؟ لا بد وأن هناك جزاء، الدنيا دار عمل وليست دار جزاء، والآخرة دار جزاء ولا عمل من هنا يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ (٢٨)) كيف؟ لا يمكن أن تتم التسوية وربنا ، تبارك وتعالى، هو الحكم العدل‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ الحكم بما أنزل الله وظيفة الحكام وهي أمانة في أعناقهم يسألون عنها يوم القيامة، الحكم بما أنزل الله أمان للناس في الأرض، الله ، تبارك وتعالى، أدرى بصنعته وأعلم بخلقه وشرع لهم ما يصلح شأنهم في الدنيا وفي الآخرة فمن أعرض عن شرع الله واتبع‬
‫هواه انطبق عليه قول الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ ﴿٢٦﴾) تختتم قصة داود بقول الله ، تبارك وتعالى، لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌۭ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ ﴿29﴾
الكتاب هنا هو القرآن (لِّيَدَّبَّرُوٓا۟)،(لتدبروا)، (ليتدبروا) قراءات ثلاث‫.‬ التدبر‫:‬ فهم معاني القرآن ومن قال ذلك أوجب على المسلم أن يفهم معاني القرآن ماعدا المتشابهات من الآيات التي لا يعلمها إلا الله، أما الحلال والحرام والأمر والنهي والفرائض وما إلى ذلك فهي ليست عسيرة وليست صعبة على الفهم، يقولون أن هذه الآية تفيد وجوب، أي فريضة، وجوب تعلم معاني القرآن، وقال بعضهم (لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ) بمعنى يتبعوه ويعملوا بما جاء فيه، وطبعا كي تتبع معاني القرآن أو تتبع آيات القرآن وتتبع الأوامر في القرآن لا بد وأن تعلم ما هي تلك الأوامر إذا فهذا القول أيضا يؤدي إلى القول الأول أن التدبر معناه تفهم معاني القرآن، وقالوا أيضا التدبر يعني‬
‫القراءة بالترتيل لأن الهز قراءة القرآن كالشعر أو الهز كهز الشعر أو بسرعة بحيث لا يتسنى للقارئ أو السامع أن يتدبر المعاني ويتأمل فيها فهي ممنوعة وليست من السنة وربنا يقول‫:‬ (وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا (٤)) [سورة المزمل آية‫:‬ ٤]، فقالوا التدبر الترتيل على مهل حتى يعي القارئ ما يقول ويعي السامع ما يسمع (كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌۭ) القرآن مبارك والبركة كما قلنا ثبوت الخير ونماؤه، والقرآن كلام الله القديم القائم بذاته، القرآن مبارك في كل شيء من تبعه هدي إلى صراط مستقيم ومن ابتغي الهدى في غيره أضله الله، كتاب ثابت دائم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه حكم ما بينكم ونبأ ما قبلكم وخير ما بعدكم ذاك هو القرآن، قول الفصل ليس بالهزل (لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ (٢٩)) أولو الألباب‫:‬ أصحاب الألباب، والألباب جمع لب واللب‫:‬ العقل، العقل السليم يسمى لبا‫.‬‬
‫يتذكر أولوا الألباب تحمل معنيين، المعنى الأول أن دوام قراءة القرآن واستماع القرآن يذكر أصحاب العقول السليمة والمؤمنين إذا ألهتهم دنياهم شغلهم العمل في الدنيا، شغلتهم الأولاد والأموال والتجارات والأعمال، قراءة القرآن تذكرهم مصداقا لقوله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٥٥)) [سورة الذاريات آية‫:‬ ٥٥]‬
‫المعنى الآخر‫:‬ أن أولوا الألباب أصحاب العقول السليمة وأصحاب النهى هؤلاء منحهم الله ، تبارك وتعالى، فطرة سليمة وألهمهم التقوى وألهمهم رشدهم فإذا قرئ عليهم القرآن تذكروا ما هو مركوز في ألبابهم من الأزل، تذكروا ما ركز في فطرتهم من الإيمان بالله ، تبارك وتعالى‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم انتهت قصة داود في سورة ص ويبدأ الكلام بعد ذلك عن سليمان وقد نال سليمان من الأذى ما نال داود من الأذى ولسوف ترى أن هؤلاء الذين آذوا الأنبياء في حياتهم وفي مماتهم قد أعد الله ، تبارك وتعالى، لهم ما يستحقون من خزي وعار‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم تاب داود إلى الله وأناب فغفر له وأعطي فوق ما كان يطلب حيث قال ربنا، تبارك وتعالى‫:‬ (وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ (٢٥)) [سورة ص آية‫:‬ ٢٥].‬
‫(يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا۟ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا۟ ۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهًۭا (٦٩)) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٦٩] وقد دأبت يهود قاتلهم الله وأخزاهم على إذاية الأنبياء، آذوا موسى في حياته في أكثر من موقف آذوه في خلقته وقالوا إنه فيه مرض كذا أو تشوه خلقي كذا وأنه آدر فاغتسل عريانا فرأوه فبرأه الله مما قالوا، اتهموه بقتل هارون أخيه، اتهموه بأمور عديدة وجادلوه وآذوه في الحياة وبعد الممات، آذوا عيسى واتهموا أمه بل وحاولوا قتله وحاولوا صلبه لولا أن شبه لهم، قتلوا يحيى وقتلوا زكريا وآذوا داود وافتروا عليه القصص كقصة زوجة قائده وآذوا سليمان، آذوا الأنبياء جميعا وإيذاء الأنبياء إيذاء لله ، تبارك وتعالى، ألم تسمع قول الله ، تبارك وتعالى، (مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ ) [سورة النساء آية‫:‬ ٨٠]‬
‫ألم تسمع قول الله ، تبارك وتعالى، (إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا (٥٧)) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٥٧]‬
‫تبرئة الأنبياء والاعتقاد في كمالهم البشري ، ليس الكمال المطلق، فالكمال المطلق لله، بل الكمالات في الأنبياء كمالات بشرية أي أرقى ما يمكن أن يصل إليه بشر بحسب استعداده ذاك ما يوصل ربنا ، تبارك وتعالى، الأنبياء إليه الأنبياء قدوة (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٢١] بل يقول لنبينا ، صلى الله عليه وسلم، ولنا (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ) [سورة الممتحنة آية‫:‬ ٤]‬
‫ويقول لحبيبه المصطفى‫:‬ (وَكُلًّۭا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ ) [سورة هود آية‫:‬ ١٢٠]، ليس ما نشككك فيهم أو في عصمتهم (نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ ) [سورة هود آية‫:‬ ١٢٠]، فإن كانت القصص خطايا أتثبت الفؤاد أم تشكك الإنسان يقول النبي ، صلى الله عليه وسلم، عن الكمال البشري (كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ) إذا فهناك كمال بشري، الكمال المطلق لله، أما الكمال البشري فهو ما يصطفي ربنا ، تبارك وتعالى، به عباده ويمنحهم من عنايته ورعايته كما قال لموسى (وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى (٤١)) [سورة طه آية‫:‬ ٤١] وكما قال له (وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ (٣٩)) [سورة طه آية‫:‬ ٣٩] ، ربنا ، تبارك وتعالى، يمنحهم من الهداية والرعاية والعناية والوحي ما يوصلهم إلى منتهى الكمال البشري كي يكونوا قدوة للناس، فأي طعن في الأنبياء وأي إيذاء للأنبياء يعرض صاحبه لعذاب لا قبل له به فهو يعادل الكفر لأنك إذا اعتقدت في الأنبياء الخطيئة والتقصير والعصيان معنى ذلك أن الله ، تبارك وتعالى، في اصطفائه قد أخطأ، حاشا وكلا، كيف يصطفي ربنا ، تبارك وتعالى، ظالما؟ كيف يصطفيه فيخطئ ويعصي ويظلم ويرتكب الخطايا؟ كيف؟ تلك مقالة الكفار (أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا ۚ ) [سورة ص آية‫:‬ ٨] تلك مقالة الكفار اعترضوا على اصطفاء الله ، تبارك وتعالى، (وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٣١] فإياك إياك أن تعترض على الأنبياء، إذا كان الاعتراض على الناس حتى على العصاة منهم ممنوع، زنى رجل على عهد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، وأقيم عليه الحد فأخذ بعض الأصحاب يسبونه فقيل لهم (فَلَا تَسُبُّوا أَخَاكُمْ، وَاحْمَدُوا اللهَ الَّذِي عَافَاكُمْ) ، فإن رأيت مسلما على معصية فاستره ولا تفضحه، إن رأيته على معصية فانصحه إن تمكنت من ذلك، إن رأيته على معصية فاحمد الله ، تبارك وتعالى، ولا تعب عليه فيعافيه الله ويبتليك، الله عافاك، الله عصمك لولا عصمة الله ما نجا منا أحد المعصوم من عصمه الله‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم إياك والغيبة إياك وإيذاء خلق الله ، تبارك وتعالى،، داود وكما سمعنا مقالة السفهاء إن كان حدث منه ما حدث، الكلام عنه وإفشاء هذا الكلام وإفشاء القصة أليست غيبة؟ أليست مما يؤذيه؟ ربنا ، تبارك وتعالى، لم يخبرنا في الآيات عن ماهية الخطأ (وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ) هل قال ربنا، تبارك وتعالى، ما هي هذه الفتنة؟ هل أخبرنا عن الابتلاء؟ نحن نستنبط من القرآن من الكلام من الآيات ما يحتمله الكلام كما قلنا من قبل، فإفشاء القصة وإفشاء الكلام في القصة غيبة وإيذاء وفضيحة ونحن مأمورون بالستر فما بالكم ولم تحدث هذه القصة أصلا، محض افتراء، إي وربي محض افتراء، حاشا وكلا أن يخطئ الأنبياء الذين اصطفاهم الله ، تبارك وتعالى، وقال في محكم كتابه وهو أصدق القائلين (ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًۭا وَمِنَ ٱلنَّاسِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌۭ (٧٥)) [سورة الحج آية‫:‬ ٧٥]، يسمع ويرى ويعلم من يصطفيه وهو القادر، أنت قد تخطئ في اصطفائك للصديق لأنك لا تصنعه ولا تشكله ولا تملك أن تغيره، أما الله ، تبارك وتعالى، فهو الخالق هو الصانع فإذا أراد أن يصطفي صنعة يصنعها كيف شاء فهو القادر على أن يقول للشيء كن فيكون، أما أنت فقد تخطئ في اصطفائك لأنك لا تقدر أن تغير ولا تقدر أن تصنع ولا تقدر أن تخلق فتصادق وتفاجأ بأن الصديق ليس على مستوى ما كنت تطلب، أما الله، تبارك وتعالى، هو الخالق خلق الحلو والمر وخلق النافع والضار، هو يصطفي هو يخلق، طالما قدر من الأزل أن موسى نبيا وأن داود نبيا وقدر ذلك من الأزل فلا بد أنه حين خلقهم وصنعهم، صنعهم كما يشاء في منتهى الكمالات البشرية‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم إياك وإياك، إياك وإياك أن تقع في أعراض الناس‫.‬ ولذا قرر علي بن أبي طالب أن يجلد الواقعين في قصة داود المتحدثين بهذا مائة وستين جلدة حد القذف على الأنبياء‫.‬‬
‫إذا اتهمك رجل بما اتهم به داود في الحكم الإسلامي جلد ثمانين جلدة إذا لم يأت بالشهود ضرب ثمانين جلدة حد القذف إذا اتهمك بهذا، فما بالك وقد اتهموا الأنبياء‫.‬‬
‫قص الله ، تبارك وتعالى، علينا قصة داود وتأتي الآيات وتبين أن سليمان، عليه السلام، ورث داود في نبوته وملكه، وقد كان سليمان هبة ومنة من الله ، تبارك وتعالى، لداود فيقول الله ، تبارك وتعالى:
وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ﴿30﴾
‫(وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ ۚ ) إذا فالولد هبة والله ، تبارك وتعالى، يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، ويصبح النسل والولد والذرية منحة ومنة ومحض فضل من الله ، تبارك وتعالى، (نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ ) ذاك وصف وصف به سليمان والواصف هو الله ، تبارك وتعالى، (نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ ) لم يمدحه الناس ولم يمدح هو نفسه بل مدحه الله ، تبارك وتعالى، فقال في شأنه (نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ ) أي نعم العبد سليمان (إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ (٣٠)) تعليل لوصفه نعم العبد، (إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ (٣٠)) آب، يأوب‫:‬ رجع أواب‫:‬ رجاع إلى الله تواب إن الله ، تبارك وتعالى، يحب التوابين ويحب المتطهرين وقد كان المعصوم ، صلى الله عليه وسلم، يستغفر في اليوم والليلة مائة مرة، فربنا تبارك وتعالى، يحب الأوابين ويحب التوابين، أواب‫:‬ رجاع إلى الله تواب دائما وأبدا يرجع الفضل إلى الله ذاكرا لله ، تبارك وتعالى، آناء الليل وأطراف النهار، وتأتي تقص طرفا من شأن سليمان فيقول الله ، تبارك وتعالى:
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ ﴿31﴾ فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ ﴿32﴾ رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ ﴿33﴾
‫(إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ) العشي‫:‬ الوقت من بعد العصر حتى غروب الشمس، عرض على سليمان في هذا الوقت (ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ (٣١)) الصافنات‫:‬ جمع صافن، والصفون في الخيل صفة تدل على كرمها وعلو أصلها، الصفون أن يقف الجواد على ثلاثة قوائم فقط، لا يقف على أربع أبدا، يقف على ثلاثة ويثني الرابعة ويضعها على طرف السنبك على طرف الحافر وكأنه يختال بذلك مرة اليمنى ومرة اليسرى ولكنه لا يقف على أربع أبدا، دائما يقف على ثلاثة أرجل ثلاثة قوائم فقط ويثني الرابعة على طرف سنبكها على طرف حافرها ذاك هو الصفون الوقوف، الصافن من الخيل يطلق على الذكر والأنثى‬
‫(إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ (٣١)) والجياد جمع جواد، والجواد يطلق على الذكر والأنثى أيضا من الخيل كالفرس سمي فرسا لأنه يفترس الأرض بجريه وكأنه يلتهمها بيديه فكذلك الجواد في الذكر وفي الأنثى يطلق على المذكر والمؤنث لأنه يجود بالركض والسرعة كما يجود الرجل بالخير والمال فيسمى رجل جوادا لأنه يجود بالمال وبالخير فيسمى جوادا وكذلك الفرس والخيل إذا جاد بالركض سمي جوادا ، وإذا أردت أن تتكلم عن الرجل قلت هو جواد وهم قوم أجواد وجود، أما الجواد من الخيل فهي أجياد وأجاويد وأجاود، (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ (٣١)) التي تجود بالركض السريعة الأصيلة، حين عرضت عليه الخيل الصافنات الجياد ألهته عن ورد كان له، أو ألهته عن صلاة حان وقتها (فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ (٣٢)) الخير‫:‬ الخيل والعرب تعاقب بين الراء واللام في الكلام فتقول عن الخيل خير كما تقول انهملت العين وانهمرت العين وتقول ختلت وخترت أي خدعت فتعاقب بين الراء واللام فتقول عن الخيل خيرا، أيضا يسمى الخيل بالخير لما فيها من منافع ولأن النبي صلي الله عليه وسلم قال في شأنها‫:‬ (الْخَيْرُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِي الْخَيْلِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) أو (الخَيْلُ معقودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيَامةِ)، فتسمى الخيل خيرا، (إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ) أحببت هنا بمعنى آثرت، آثرت حب الخيل و "حب " هنا مفعول أي أنه يحب الجهاد في سبيل الله ويحب الإعداد للغزو أكثر من أن يجلس في محرابه يقرأ أو يذكر أو يصلي وكأن الصلاة كانت صلاة نافلة، وهو مفضل عنده الغزو والجهاد أشد من العبادة وكلها عبادات وإنما فضل له وحبب إليه الجهاد فهو يحدث عن شأنه ويقول‫:‬ (أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى) عن الورد أو عن الصلاة‫.‬‬
‫"أحببت" تعني معنى آخر، أحب البعير‫:‬ برك وأبطأ في سيره وقعد، وكأنه يقول أحببت أي قعدت عن ذكر ربي، و"حب" هنا تصبح مفعولا له أحببت هنا من الحب (أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ) أحببت من القعود والإيثار آثرت الجهاد وحب الخيل والغزو في سبيل الله عن الأوراد والصلوات وما إلى ذلك أو قعدت عن ذكر ربي وألهاني عرض الخيول أمامي‫.‬‬
‫(حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ (٣٢)) توارت التواري‫:‬ الاستتار، حتى توارت‫:‬ حتى استترت بالليل فحجبها، (بِٱلْحِجَابِ (٣٢)) الحجاب‫:‬ الأفق حيث لا ترى بعد ذلك، أو الحجاب‬
‫الليل لأنه يستر ويحجب الرؤية أو الحجاب‫:‬ الجدران، جدران إسطبلات الخيول، فحين عرضت وسوبق بينها أدخلت بعد ذلك في أماكنها‫.‬‬
‫(أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ (٣٢)) لم يذكر الذي توارى، أشكلت على الناس (رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ (٣٢)) قالوا الخيل، فهي مذكورة‫:‬ (أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ) أي الخيل (بِٱلْحِجَابِ (٣٢))، توارت الخيل ذهبت إلى أقصى مسافة للسبق فاحتجبت عن نظره أو حجبتها الجدران أو حجبها الليل أي جاء الليل لأن العرض بدأ بالعشي ذاك معنى، والمعنى الآخر (حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ (٣٢)) الشمس، ورد بعض الناس وقالوا كيف يأتي بذكر الشمس هنا إضمارا ولم تأت من قبل، أين ذكر الشمس حتى يأتي الإضمار في شأنها؟ هناك في اللغة كناية عن غير مذكور وجاءت في القرآن كقول الله ، تبارك وتعالى، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٤٥]، ظهر ماذا؟ ظهر الأرض تفهم، كناية عن غير مذكور، رغم أن الأرض التي لم يأت ذكرها، أيضا قال تعالى‫:‬ (فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ (٨٣)) [سورة الواقعة آية‫:‬ ٨٣]، ما هي التي بلغت الحلقوم؟ لم يأت ذكر للروح أو النفس في الآيات السابقة وإنما أنت تفهم أن المقصود النفس، وقوله أيضا (إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍۢ كَٱلْقَصْرِ ﴿۳٢﴾ كَأَنَّهُۥ جِمَـٰلَتٌۭ صُفْرٌۭ (٣٣)) [سورة المرسلات آية‫:‬ ٣٣]‬
‫ما هي التي ترمي بشرر؟ النار لم يأت لها ذكر أيضا في الآيات السابقة، إذا ففي القرآن وفي اللغة كناية عن غير مذكور ومع هذا جاء ذكر الشمس عرضا في قوله (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ) العشي‫:‬ وقت العصر، الوقت بعد العصر إذا كلمة "العشي" توحي للسامع بوجود الشمس فإذا قال (حَتَّىٰ تَوَارَتْ) يصبح المقصود الشمس وتصبح الكناية عن غير مذكور فالمقصود بكلمة (تَوَارَتْ) إما الخيل وإما الشمس قلنا كل ذلك حتى نستوعب ما هو آت‫.‬‬
‫(رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ ) يردوا ماذا عليه؟ ردوها‫:‬ الشمس، غربت الشمس وفاتته الصلاة وأراد أن يصلي الصلاة في وقتها فقال ردوها فعادت الشمس مرة أخرى فأدرك صلاته، معجزة لسليمان، أو ردوها الخيل، الصافنات الجياد بعدما توارت بالحجاب ووصلت إلى منتهى السباق أمر بإعادتها (فَطَفِقَ) أخذ وبدأ (مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ) (بالساق)، (بالسؤوق) قراءات، المسح يحمل معنيين، المسح‫:‬ نفض الغبار، المسح‫:‬ الربت بحنان وعناية ورعاية للخيل، والمسح أيضا الضرب بالسيف القتل القطع طفق سليمان مسحا بالسؤوق والأعناق ترى هل كان ينفض التراب عنها ويربت عليها حبا فيها من قوله (أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ) أم أنه ذبحها لأنها ألهته عن الصلاة؟ أقوال‫.‬‬
‫قالوا‫:‬ ذبح الخيل في شريعة سليمان مباح وكانت تؤكل فذبحها ليس انتقاما منها وإنما عقوبة لنفسه لأنه أحبها وشغلته عن ذكر الله فتخلص منها رغم الحب الشديد لهذه الخيول فذبحها قربى وقربانا لله وتصدق بلحمها، وقال بعضهم كيف يفعل ذلك سليمان وذاك إيذاء ولا نعلم أن ذاك شريعته أو كان مباحا في شريعته لا بد أن المسح ربت وعناية ورعاية تدل على الحب للخيل ويعلم الناس كيف تعامل الخيل، وقد روي عن النبي ، صلى الله عليه وسلم، أنه قام يوما من نومه فقال‫:‬ (إِنِّي عُوتِبْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ) وروي ، صلى الله عليه وسلم، أنه كان يعتني بالخيل، إذا فهي عناية طفق مسحا بالسؤوق والأعناق لأن الذبح لا يكون في الساق الذبح في العنق، قالوا بل عرقبها حتى لا تفر تقع فيسهل عليه ذبحها، تلك أقوال، (رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ ) الخيل (رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ ) الشمس، (فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ ﴿۳۳﴾) وقالوا أن هذه الخيل خرجت لسليمان من البحر ذوات أجنحة عشرون، مائتان، ألفا من الأفراس عشرون ألفا أقوال لا تستند إلى شيء، لم تخرج من البحر ليس لها أجنحة، ليست من الذهب، كل ذلك أقاصيص وحكاوي توجد في بعض الكتب لا أصل لها ولا سند وإنما هي صافنات جياد كما وصفها ربنا ، تبارك وتعالى‫.‬‬
‫أما رد الشمس فقد تكون معجزة لسليمان عليه السلام ولا حرج على فضل الله ولكن الأرجح أن الرد كان للخيل (رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا) ولو كان الرد للشمس ربما كان القول ردوها علي فقام إلى صلاته حيث ردت الشمس لكن قال‫:‬ (رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا) وكأن الكلام الأرجح أن الرد كان للخيل وليس للشمس، أما توارت بالحجاب فهي للشمس ذاك هو الأرجح.
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًۭا ثُمَّ أَنَابَ ﴿34﴾
‫(وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ) الفتنة‫:‬ الابتلاء (كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٣٥]‬
‫ربنا ، تبارك وتعالى، ابتلى سليمان ولله أن يبتلي الأنبياء بما شاء لأن الأنبياء قدوة في سلوكهم أسوة في أحوالهم فربنا ، تبارك وتعالى، يبتلي من يشاء بما يشاء (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ) ابتليناه (وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًۭا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)) أناب‫:‬ رجع إلى الله ، تبارك وتعالى، (وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ) الكرسي‫:‬ كرسي عرشه، الكرسي الذي يجلس عليه لفصل القضاء أو للخطاب للناس، ألقى ربنا على الكرسي جسدا (ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)) سليمان عاد إلى الله وتاب، أي فتنة وأي بلية؟ واسمع وكما تم الافتراء على أبيه من قبل داود عليه السلام تم الافتراء عليه أيضا ويؤسفني أن هذه الافتراءات في كتب التفسير وقالها بعض المفسرين نقلا عن كتب سابقة من أقاصيص اليهود ومن كتب التوراة المزيفة وما إلى ذلك حبا في تسلية الناس قالوا الفتنة في سليمان والجسد‫:‬ سليمان احتجب عن الرعية ثلاثة أيام فعوتب في ذلك وقيل له يا سليمان ملكناك كي تقضي بين الناس بالعدل وتنصف المظلوم وليس لكي تحتجب عن الناس، قالوا بل جاءه خصمان ، كما قالوا في شأن أبيه، خصم يمت بصلة القرابة لامرأته المحبوبة "جرادة" وخصم آخر، فبالهوى أراد أن يقضي لأقارب زوجته ثم تنبه فقضى بالحق، وقالوا بل في يوم من الأيام جاءه شيطان مارد وأطلقوا عليه اسم صخر وقال له سليمان أريد أن تخبرني كيف تضلون الناس، سليمان يسأل الشيطان كيف تضلون الناس، فقال الشيطان أعطني خاتمك وأنا أخبرك وكان ملك سليمان في خاتمه، أقاصيص كألف ليلة وليلة، فخلع سليمان خاتمه وكان فيه ملكه وأعطاه للشيطان فلبسه الشيطان وأصبح سليمان بغير ملك وجلس صخر على الكرسي وقضى في الرعية أربعين يوما واختلفوا هل كان يقضي في أهل سليمان أيضا، في نسائه وجواريه وإمائه، قال بعضهم لا، وقال بعضهم بل كان يقضي فيهن ويأتيهن يجامع نساء سليمان ولكي يخففوها فقال بعضهم، ونسب القول لابن عباس المفترى عليه كان يأتيهن في حيضهن وسليمان في هذه الأيام ، والمدة أربعين يوما، يتكفف الناس ويقول أنا سليمان فيكذبوه حتى وجد الخاتم في بطن سمكة، قالوا من الآراء وما كتب في كتب التفسير أمر سليمان ألا يتزوج إلا من بنات بني إسرائيل فتزوج من غيرهن فابتلي لذلك بفقد ملكه، قالوا بل لأنه عذب الخيل وعرقبها وذبحها فعذب بترك ملكه أو بسلب ملكه أربعة عشر يوما، قالوا بل أتى بعض نسائه في فترة الحيض فسلب منه الملك فترة حتى تاب وأناب، كلمات كلها لا يقبلها العقل ولا يصح فيها النقل تأليف بغير سلف بغير سند، الأدهى من ذلك قالوا وتلك رواية مشهورة ومكتوبة في كثير من الكتب قالوا غزا سليمان في البحر جزيرة من الجزر تسمى صيدون وقتل الملك وسبى ابنة الملك وكانت غاية في الجمال والحسن فوقع حبها في قلب سليمان شغلته عن كل شيء أراد منها الإسلام فأبت وقالت اقتلني ولا أسلم فتزوجها على إشراكها ثم إن دمعها لم يرقأ، لا يرقأ لها دمع وتنظر إليه شذرا ولا تكلمه إلا نذرا وأراد أن يستعطفها سليمان فأمرته أن يصنع لها تمثالا يشبه إلى حد كبير أباها فأمر الشياطين فصنعت لها تمثالا يشبه الأب الذي قتله سليمان فكانت تنظر إليه في الصباح وفي المساء ثم بدأت تسجد له ويسجد له معها جواريها وعبد الصنم في بيت سليمان أربعين ليلة وسليمان لا يدري فأخبره وزيره آصف بذلك فغضب غضبا شديدا وكسر الصنم وحرقه وذراه في البحر وخرج إلى الفلاة يبكي ويتوب ويستغفر وكانت لسليمان جارية أم ولد تسمى الأمينة كان إذا دخل الخلاء للطهارة خلع الخاتم وأعطاه للأمينة حتى لا يدخل بالخاتم إلى الخلاء وكان نقشه لا إله إلا الله محمد رسول الله، هكذا يقولون، أعطاه الخاتم الذي فيه ملكه فجاء الشيطان صخر متمثلا بصورة سليمان وراح للأمينة وطلب منها الخاتم فأعطته إياه فلبس الخاتم وأصبح حائزا على ملك سليمان مسخرا للريح والشياطين، خرج سليمان من الطهارة يطلب الخاتم، تغيرت هيئته غير الشيطان هيئة سليمان، فلم تعرفه وطردته فأخذ يتكفف الناس ويعمل على شاطئ البحر ينقل السمك، الأسماك للصيادين يحملها ويأخذ أجرا عليها أربعين يوما وصخر ذاك الشيطان يجلس على كرسي سليمان يقضي في ملكه وفي أهله وفي رعيته أربعين يوما المدة التي عبدت زوجة سليمان فيها الصنم وفجأة أخذ سليمان سمكة وشقها فإذا بها الخاتم فلبسه فعاد الملك له فذهب إلى صخر الذي أطلق الله عليه جسدا (وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًۭا) أي الشيطان لأنه يتمثل بسليمان وما هو بسليمان فكأنه جسد بلا روح، تحوير وتحميل الكلام أكثر مما يحتمل ذهب إلى هذا الشيطان صخر ومسكه وجاء بصخرة فنقرها ووضعه فيها ثم سد عليه الصخرة وحزمها بالحديد والرصاص وختمها بخاتمه ثم ألقاها في البحر وقال إن هذا حبس لصخر إلى أن تقوم الساعة، تلك هي القصة باختصار والتي وردت في كثير من الكتب عن فقد سليمان لملكه وتحكم الشيطان صخر وأحاديث وروايات كثيرة لا يتسع المجال لذكرها ذكرنا ذلك اختصارا كي نبرئ سيدنا سليمان من هذه الافتراءات وكما برأنا سيدنا داود قبل ذلك في خطبتين ماضيتين ها نحن نبرئ سليمان مما افتري عليه ونقول الحق بتوفيق الله واسمع الحق، الحق أبلج والباطل لجلج، روايات وروايات ولم يتفقوا على شيء، من ضمن الروايات أن الذي حل محله وزيره، حل محله وزيره آصف واسمع الحق روى الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحهما قال النبي ، صلى الله عليه وسلم، (قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَام لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، أي مولود لم يكتمل، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ) تلك هي القصة الحقيقية (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًۭا ثُمَّ أَنَابَ ﴿۳٤﴾) الفتنة كانت في أنه قال‫:‬ (لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) وتذكرون أن الله ، تبارك وتعالى، يعلمنا ويذكرنا ويعلم النبي ، صلى الله عليه وسلم، فيقول له‫:‬ (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌۭ ذَٰلِكَ غَدًا ﴿٢۳﴾ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًۭا (٢٤)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٢٤]‬
‫ها هي القصة ببساطة شديدة من قول النبي ، صلى الله عليه وسلم، الصادق الصدوق يحكي لنا عن الجسد الذي ألقي على كرسي سليمان أن المرأة التي جاءت بشق الرجل جاءت القابلة بهذا السقط بشق الرجل فألقته على كرسي سليمان فتنبه أن التسعين لم تحمل منهن واحدة والتي حملت جاءت بمولود ناقص فتنبه لقوله لأطوفن بغير تقديم للمشيئة فاستغفر وتاب، فقط لا أكثر ولا أقل، أما أن يفقد الملك أربعين ليلة، أما أن يعبد الصنم في بيته أربعين ليله، أما أن الملك في الخاتم وفقده للخاتم فقده للملك أمر لم يقل به أحد.الملك لصاحب الملك، الملك لله، ربنا ، تبارك وتعالى، سخر له الريح أعطاه بمقالة فقط، كما أمر الجبال أوبي مع داود والطير محشورة بغير خاتم أما خاتم سليمان فذاك أمر مزعوم لا أصل له ولا سند له والأنبياء كما قلنا معصومون من الصغائر مبرأون من الخواطر وإن ما جيء بشأن العتاب وما إلى ذلك كما قلنا من قبل حسنات الأبرار سيئات للمقربين، لم يقل إن شاء الله، نسي ذلك فابتلي وامتحن بهذا، كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ).‬‬‬
قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًۭا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ ﴿35﴾ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ﴿36﴾ وَٱلشَّيَـٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍۢ وَغَوَّاصٍۢ ﴿37﴾ وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ ﴿38﴾ هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ﴿39﴾ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ ﴿40﴾
‫(قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى) قدم الاستغفار وذاك تعليم وتنبيه إذا أردت أن تسأل الله شيئا فقدم لسؤالك شيئا، ها هو يقدم الاستغفار قبل الاستيهاب، يطلب أن يهب له ربه ملكا فقدم الاستغفار (قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًۭا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ ) لا ينبغي لأحد من بعدي أن يسأل مثله ممكن، وبالتالي لم يمنع وهب الملك ولم يمنع الإجابة، ما طلب منع الإجابة وإنما طلب منع السؤال يعني يسأل ربه ألا يجعل أحدا يسأل نفس السؤال حتى تكون خاصية لسليمان أي لا ينبغي لأحد من بعدي أن يسأله، أو (لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ ) أي لا يكون له لفضله وشرفه أو لنبوته ورسالته، قد يكون ابتلاء وقد يكون فتنة وقد يكون لظالم أو لجبار لكن لا يكون مثل هذا الملك لنبي أو لرسول أو لمقرب، أو لا ينبغي لأحد من بعدي على الإطلاق لا يمنح أحد مثل هذا الملك، هل سليمان يطلب الدنيا والدنيا مذمومة محتقرة ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، النبي المقرب يطلب الدنيا؟ كيف يطلبها سليمان؟ سليمان لم يطلب الدنيا من أجل الدنيا، سليمان طلب الدنيا من أجل الله، نوح طلب إهلاك الدنيا في سبيل الله (لَا تَذَرْ عَلَى ٱلْأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)) [سورة نوح آية‫:‬ ٢٦] فأجيب، وسليمان طلب الدنيا في سبيل الله فأجيب كي تقام الشريعة ويقوم الحق وينتصف الناس ولا يبقى ظالم ولا يبقى كافر وتوضع الناس في منازلها ويحكم بقضاء الله وشرع الله، ويصبح كل الناس في الأرض عباد زهاد فطلب الدنيا هنا وطلب الملك من أجل الله لا من أجل نفسه لأن الأنبياء هم المثل والقدوة في الزهد فكيف يطلب الدنيا، فهي خصوصية لسليمان أراد أن يختص بشيء يدل على محله وكرامته وقربه من الله، ولكل نبي محل ومقام ولكل نبي خصوصية فأراد سليمان أن تكون خصوصيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، ولذا النبي ، صلى الله عليه وسلم، يخبرنا أنه كان يصلي بالليل فقام وقال‫:‬ (إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ رَبِّ (وَهَبْ لِى مُلْكًۭا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ ) فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا) ، في البخاري في الصحاح؟ لم أطلقه النبي، صلى الله عليه وسلم؟ حتى لا يقدح في خصوصية سيدنا سليمان، إذا فالملك خصوصية لسليمان لبيان محل الكرامة والمقام من الله ، تبارك وتعالى، (وَهَبْ لِى مُلْكًۭا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ (٣٥)) فأعطاه الله ، تبارك وتعالى، وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ) قالوا تسخير الريح لأنه ذبح الخيل قربى لله وكانت الخيل تحمله فأعطاه الله بدلا منها ريحا تحمله في اليوم مسيرة ما كانت تحمله الخيل في شهرين (غُدُوُّهَا شَهْرٌۭ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌۭ ۖ ) [سورة سبأ آية‫:‬ ١٢] بسرعة الخيل التي ذبحها في سبيل الله، ذاك قول، القول الآخر أن هذا الوهب لهذا الملك لا علاقة له بالخيل فلم يكن هناك عرقبة ولا ذبح ، (فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ) (فسخرنا له الرياح) قراءة أخرى سخرنا الرياح تقاد بأمره مطاعة له، والريح في القرآن العاصف والرياح في القرآن البشرى وكأن الله ، تبارك وتعالى، ينبئنا أن الريح المدمرة العاصفة العاتية الشديدة بأمر سليمان تتحول إلى الليونة والطراوة والرخاوة والسخاء فتجود بالمطر حيث أراد سليمان (فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ) لتحمله أيضا (رُخَآءً) من الرخاوة والليونة والجود والمطر (حَيْثُ أَصَابَ ﴿۳٦﴾) حيث أراد، تقول العرب أصاب الصواب وأخطأ الجواب أي أراد الصواب فأخطأ الجواب، أصاب أصاب‫:‬ أراد،.وأصاب من إصابة السهم مقصده وغايته (حَيْثُ أَصَابَ ﴿۳٦﴾) حيث أراد أو حيث قصد‫.‬ والشياطين سخرها له كذلك‫:‬ (وَٱلشَّيَـٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍۢ وَغَوَّاصٍۢ ﴿۳۷﴾) وقد تكلمنا عن هذا في سورة الأنبياء من قبل وأن الله ، تبارك وتعالى، سخر له الشياطين تفعل بأمره ما يشاء، أول من استخرج له اللؤلؤ سليمان، أول من عرف أن في أعماق البحار والمحيطات لآلئ وجواهر سليمان، استخرج له كل ذلك بمعرفة الغواصين من الشياطين‫.‬‬
‫(وَٱلشَّيَـٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍۢ ) يبنون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات وتكلمنا فيها من قبل، يعملون له ما يشاء ويبنون له ما يشاء (وَغَوَّاصٍۢ ﴿۳۷﴾) والغواصون يأتون له بغرائب اللآلئ والجواهر وما إلى ذلك (وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ ﴿۳۸﴾) مجموعون في الأغلال وهؤلاء هم الكفار منهم قيدوا بالسلاسل والأغلال يعذبهم سليمان كيف شاء، من آمن منهم أطلقه ومن بقي على كفره قيده‫.‬‬
‫(هَـٰذَا عَطَآؤُنَا) أي هذا العطاء عطاء الله ، تبارك وتعالى، ليس لاستحقاق من سليمان وإنما ملك الملوك إذا وهب فلا تسألن عن السبب، هذا عطاؤنا لا بجهد سليمان ولا باستحقاق سليمان وإنما بإرادة الله ومنه وفضله (فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ﴿۳۹﴾) المن‫:‬ العطاء، المسك‫:‬ عدم العطاء، (فَٱمْنُنْ) أي أعط ما شئت لمن شئت وأمسك ولا تعطي من شئت أيما شئت (بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ﴿۳۹﴾) منا عليك أي أنت غير محاسب، والغريب أن ما من عبد إلا وعليه تبعة في كل منه منها الله عليه إلا سليمان وربنا ، تبارك وتعالى، يقول (ثُمَّ لَتُسْـَٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ (٨)) [سورة التكاثر آية‫:‬ ٨]‬
‫(فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ النَّعِيمُ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظِلٌّ بَارِدٌ، وَرُطَبٌ طَيِّبٌ، وَمَاءٌ بَارِدٌ )، الماء البارد، فما من نعمة إلا وفيها تبعة يسألك الله ، تبارك وتعالى، ماذا فعلت فيها، ما عدا سليمان لا يسأل لأن الله ، تبارك وتعالى، قال له (هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ﴿۳۹﴾) إذا لن يحاسب على عطائه أو مسكه، وقالوا (بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ﴿۳۹﴾) أي بغير حساب منك إن أعطيت لا تخشى نفاذ الخزائن، فإن أعطيت أو أمسكت فملكك لا ينفد يا سليمان طالما كنت موجودا حيا فأنفق أو أمسك تصرف كيف شئت بغير حساب منك، لا تحسب خشية النفاذ، وقالوا الأمر يتعلق بالشياطين (فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ) أطلق منهم من آمن وأمسك منهم من كفر أو أطلق وأمسك ما شئت، ومن الغريب أن هناك تفسير يقول (فَٱمْنُنْ) من منى يمني عن المني أي أن الله ، تبارك وتعالى، منح سليمان ما شاء من أزواج وجوار وقال له جامع ما شئت وأمسك ما شئت كما قال للنبي ، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُـْٔوِىٓ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ۖ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ۚ ) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٥١]، فقالوا (فَٱمْنُنْ) فعل أمر من منى يمني‫.‬‬
‫والرأي الأرجح كما قلنا من المن من المنة من العطاء (فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ﴿۳۹﴾) وليس ذلك فقط بل يقول له الله ، تبارك وتعالى، (وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ ﴿٤۰﴾) بعد كل ذلك من عطايا ومنح ومواهب وملك في الدنيا ولا حساب عليه ربنا ، تبارك وتعالى، يقول وفوق كل ذلك له عندنا في الآخرة المقام العصمة، القرب من الله ، تبارك وتعالى، الزلفى‫:‬ القرب (وَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ ﴿٤۰﴾) الجنة وأعلى الدرجات في الجنان‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ الأنبياء معصومون وكما قلنا من قبل لا يصح إلا الصحيح والحق أبلج والباطل لجلج فإياك من أقوال بعض المفسرين وإياك والغريب من القصص والأخبار ولا تثق إلا فيما جاء في الصحيح كالبخاري ومسلم من أقوال سيد المرسلين ، صلى الله عليه وسلم، والقرآن يفسر بعضه بعضا ولا تحمل الألفاظ ما لا تحتمل ودائما وأبدا تحسن الظن بالأنبياء فهم القدوة وهم الأسوة‫.‬‬
‫وصف ملك سليمان عليه السلام بأوصاف عديدة، أوصاف غريبة ولا حرج على فضل الله ، تبارك وتعالى،، كما وصف الكرسي كذلك بالنسور التي كانت تقف على رأس سليمان والأسود التي كانت تقف عند الدرج الذي يصعد عليه سليمان وأن هذه الأسود والنسور كله يتحرك في حركة ميكانيكية وأنها صنعت له ولا يدرى مصير هذا الكرسي، وصف ملكه وخير وصف لهذا الملك أن الله ، تبارك وتعالى، وهب له ما لم يهب لأحد من بعده، خير وصف ما وصف في القرآن‫:‬ (وَٱلشَّيَـٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍۢ وَغَوَّاصٍۢ ﴿۳۷﴾)، (يَعْمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَـٰرِيبَ وَتَمَـٰثِيلَ وَجِفَانٍۢ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍۢ رَّاسِيَـٰتٍ ۚ ) [سورة سبأ آية‫:‬ ١٣]، (ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ﴿۳٦﴾)، (وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌۭ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌۭ ۖ ) [سورة سبأ آية‫:‬ ١٢]، ورث من داود كذلك بعض ملك داود كصنعة اللبوس فقد ألان ربنا الحديد لداود، (وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ (١٠)) [سورة سبأ آية‫:‬ ١٠] وهكذا ملك سليمان كان ملكا لم يحدث من بعد سليمان ولن يحدث إلى أن تقوم الساعة ويعنينا في هذا الشأن أن نقص قصة وردت عن سليمان‬
‫قالوا كان له من البيوت ألف بيت أسفلها حديد وأعلاها قوارير وكأنها مكونة من طبقات وكانت الرياح تحمله، المهم في القصة أنه كان محمولا يوما بالريح طائرا في الهواء وكان في الأرض حراثا، فلاح، يحرث أرضه فنظر ورأى سليمان محمولا بعرشه وكانت جيوش سليمان تحمل بالريح الجيوش من الإنس والجن والطيور تظلها، ملك سبحان العاطي الوهاب، فحين نظر الحراث إلى أعلى قال‫:‬ لقد أوتي آل داود ملكا عظيما فحملت الريح كلمات الرجل أوصلتها إلى أذن سليمان وهو في السحاب فنزل وذهب للرجل وقال‫:‬ لقد سمعت مقالتك وإني مشيت إليك حتى أقول لك‫:‬ لا تتمنى ما لا تقدر عليه ولتسبيحة متقبلة عند الله منك لخير مما أوتي آل داود، فقال الرجل لسليمان أذهب الله همك كما أذهبت همي، تعجبني هذه القصة لأنها تبين وتدلل أن الإنسان لا يصح مطلقا له أن يتمنى ما لا يضمن مغبته ولا يتمنى ما لا يضمن عاقبته وإن من العباد من يصلح له الفقر ولو أغناه الله لفسد حاله وإن من العباد من يصلح له الغنى ولو أفقره الله لفسد حاله، هكذا في كل شيء من العباد من يصلح له الصحة ولو أمرضه الله لفسد حاله ومن العباد من يصلح له المرض ولو صححه الله لطغى وتجبر وفسد حاله، فإن حرمت من شيء فاعلم أن الله ذوى عنك ما لا خير فيه، ولا بد أن تثق بحكمة العليم الخبير، لا بد أن تثق أن الله ، تبارك وتعالى، حكيم وهو أخبر نفسه فقال‫:‬ (وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢١٦] فلا تتمنى أبدا ما لا تقدر عليه ولا تتمنى ما لا تضمن تصرفك فيه وما لا تضمن نفسك، الجهاد في سبيل الله خير الأمور، لقاء العدو فتضرب وتضرب فتقتل وتقتل، خير شيء ومع هذا تسمع لنبينا ، صلى الله عليه وسلم، يقول‫:‬ (لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ) ، لم ذلك؟ لأنك إذا تمنيت لقاء العدو فأجابك الله وبرقت السيوف وطارت الرقاب هل تضمن نفسك تثبت أم تفر؟ هل تضمن الخوف في نفسك كيف شأنه، من هنا يقول‫:‬ (لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ)، وفي بدر تمنوا العير وأبى الله إلا أن يكون النفير (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٧]، إذا فالله، تبارك وتعالى، الفعال لما يريد ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، فحملانك للهموم جنون ما قدر من الأزل لا بد وأن يكون، فإذا سألت الله ، تبارك وتعالى، فسله الخير حيث كان وصدق رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، وبر بنا حيث علمنا كيف نسأل فقال‫:‬ ( اللهُمَّ خِرْ لِي وَاخْتَرْ لِي واختر لي الخير كله وأرضني به" وعلمنا صلاة الاستخارة أيضا حتى لا نقدم على عمل إلا وقد استخرنا الله فيه، وكما يقول الصحابة (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقِرَانِ).‬
‫أيها الأخ المسلم أفضل ما تتمناه رضا الله ، تبارك وتعالى، إذا أردت أن تطلب وتحدد وتعين ما تطلب فسل الله الآخرة، سل الله كما قال نبينا ، صلى الله عليه وسلم، (سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ) بالتحديد العفو والعافية ذاك ما تحدده في مطلبك العفو والعافية،‬
‫أما أمور الدنيا فإياك أن تحدد فالله يعلم وأنتم لا تعلمون‫.‬‬
‫إن الناس محتاجون في حياتهم الدنيا إلى أمرين‫:‬ الأمر الأول هو معرفة الله ، تبارك وتعالى، والأمر الثاني هو القدوة التي يقتدون بها ويتأسون بها، أما الأمر الأول وهو معرفة الله ، تبارك وتعالى، فقد تكفل الله بها، فبه عرفوه أرسل الرسل وأنزل الكتب بين فيها كل شيء وعرف الناس بربهم ومصيرهم ومآلهم‫.‬‬
‫وأما الأمر الثاني فقد اصطفى الله ، تبارك وتعالى، من عباده رسلا وأنبياء اصطفاهم وأدبهم وعلمهم وفقههم وجعلهم قدوة لعباده الطيبين الصالحين في كل مكان وزمان، وقد أمر نبينا ، صلى الله عليه وسلم، وهو خير قدوة لنا أن يتأسى بالأنبياء من قبله وكل ما حزنه أمر أو أحزنه فعل قومه ذكره الله ، تبارك وتعالى، بمن سبقه من الأنبياء وقال له في محكم كتابه (وَكُلًّۭا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ ) [سورة هود آية‫:‬ ١٢٠]، وكلما حزنه أمر وضاق صدره يأمره ربنا ، تبارك وتعالى، بالصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل (فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ) [سورة الأحقاف آية‫:‬ ٣٥]، وفي سورة ص كذلك أمره بالصبر وقال له (ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ (١٧)) [سورة ص آية‫:‬ ١٧]‬
‫وتمضي الآيات في سورة ص تذكر النبي ، صلى الله عليه وسلم، بالأنبياء من قبله وتحضه على الاقتداء بهم في صبرهم على أذى قومهم وفي صبرهم على الابتلاء والله ، تبارك وتعالى، يبتلي عباده بما شاء، يبتليهم بالرخاء تارة ويبتليهم بالشدة تارة يبتليهم بالصحة تارة ويبتليهم بالعافية تارة له أن يبتلي عباده بما شاء وكيف شاء فإن صبروا فالفصل لله وإن قنطوا فالوزر عليهم، يقول الله ، تبارك وتعالى، للنبي ، صلى الله عليه وسلم، بعدما قص عليه قصة سليمان الذي أنعم الله ، تبارك وتعالى، عليه بملك لا ينبغي لأحد من بعده، يقص عليه قصة أيوب، وأيوب ابتلي بالشر وابتلي بالشدة وابتلي بالبلاء، وسليمان ابتلي بالملك وابتلي بالغنى والعز والرخاء، سليمان ملك ابن ملك ونبي ابن نبي ورث ملك أبيه وأضيف إليه من الملك ما شاء الله أن يمنحه ثم قال له‫:‬ (هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ﴿۳۹﴾)، ورغم التباين والتفاوت في أنواع الابتلاء يقول الله في شأن سليمان (وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ﴿۳۰﴾) ويقول في أيوب أيضا‫:‬ (إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًۭا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ (٤٤)) [سورة ص آية‫:‬ ٤٤] إذا فالشكر على الرخاء والصبر على البلاء جناحان للمؤمن يطير بهما للوصول إلى مرضاة ربه ويستوي الشكر على الرخاء مع الصبر على البلاء فلا فضل لهذا على ذاك، فها هو سليمان ابتلي بالرخاء فوصف (نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ (٤٤)) وها هو أيوب ابتلي بالشدة والبلاء وقيل في شأنه (نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ (٤٤)) [سورة ص آية‫:‬ ٤٤] والله ، تبارك وتعالى، أعلم بخلقه وأدرى بعباده من صلح له أن يبتلى بالغنى أغناه ومن صلح له أن يبتلى بالفقر أفقره ولو عكس ما صلحت الأمور فربما يستطيع العبد أن يصبر على الشدة ولا يستطيع أن يصبر على الرخاء، يطغى، فيبتليه ربنا بالشدة التي هي أهون عليه وهو أقدر عليها، وربما العبد لا يقوى على الشدائد فيبتليه ربنا بالرخاء والغنى فهو أصلح له وهو أقدر عليه، يقول الله ، تبارك وتعالى:
وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍۢ وَعَذَابٍ ﴿41﴾
‫(مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍۢ ) قرئت بأربع قراءات‬ (بِنُصْبٍۢ)
‫( بنصب) ، (بنصب)، (بنصب)، النصب‫:‬ الشدة والبلاء النصب‫:‬ التعب والإعياء، وقد ابتلي أيوب بهذا كله بالشدة وبالتعب وبالمرض وبالإعياء والفقر (وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍۢ وَعَذَابٍ (٤١)) هل الشيطان يمس الإنسان بذلك؟ وهل للشيطان قدرة على ذلك؟ هذه الآية دعت المفسرين إلى الخيال والتخيل والكلام بما ليس لهم به علم فجاءوا بالأقاصيص وكما أوذي داود وسليمان وغيرهما أوذي أيوب باختراع القصص في شأنه فقالوا ابتلي أيوب بذلك لأنه جاءه مظلوم ينتصر به فلم ينصره، ليس هذا من خلق الأنبياء، وقالوا بل دعا قومه لطعام فجاء معهم فقير فلم يأذن له، وقالوا بل كان له غنم في أرض ملك وكان يغزو فداهم الملك ولم يغزوه حفاظا على غنمه في أرض هذا الملك، صفات لا يتصف بها الصالحون أبدا فما بالنا بالأنبياء، الأدهى من ذلك شطح بهم الخيال واتبعوا أقوال الإسرائيليين في إسرائيلياتهم فقالوا رزق أيوب بالمال وكثرة الأهل والغنى والنبوة وكان للشيطان مقعد يقعد به كل أسبوع مرة في السماء السابعة وغفلوا عن قول الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًۭا مَّدْحُورًۭا ۖ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٨]، وقوله‫:‬ (فَٱهْبِطْ مِنْهَا) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٣]، فكيف يكون له مقعد في السموات السابعة وكيف يصعد ويرقى بين الأنبياء وقالوا الشيطان حينما صعد سأله ربه أو سئل أقدرت على عبدي أيوب في شيء؟ فقال كيف أقدر عليه يا رب وقد ابتليته بالغنى والمال والعافية، ولو ابتليته بالفقر والمرض لحال عن حاله وكف عن طاعتك، فقال له ربنا ، تبارك وتعالى، اذهب فقد سلطتك على أهله وماله فنزل إبليس اللعين وصور نفسه في صورة نار شديدة فأحرق ماله وهدم قصره على عياله، ثم دخل أو نفث فيه فابتلي جسده بالمرض والبلاء والآفة هذا الذي فعله إبليس بأيوب وأهله وأولاده، من أجل ذلك يقول أيوب (مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍۢ وَعَذَابٍ (٤١)) واتهموا امرأته كذلك لم يضربها، ولما حلف أن يضربها مائة جلدة قالوا أنها حين ابتلي أيوب بالمرض تمثل لها الشيطان في صورة ملك على أبهى وأجمل صوره وقال لها إنه إله الأرض وأنه هو الذي ابتلى أيوب ولو سجد له أيوب سجدة واحدة لشفاه فوافقت وذهبت تخبر أيوب بذلك فنهرها وقال هذا الشيطان وحلف ليضربها إن عوفي، وقالوا بل جاءها الشيطان وقال إنه مس أيوب بالضر وهو على استعداد أن يشفيه على أن يذبح له ذبيحة ويقدمها قربانا له، الشيطان إبليس، ووافقت كذلك لتخبر زوجها، وقالوا بل جاءته برزق أكثر مما كانت تأتيه كل يوم فشك فيها وظن فيها الخيانة، وقالوا بل كان لها ذؤابتان، شعرها طويل ضفرته ضفيرتين، ذؤابتين، فباعت شعرها، باعت الذؤابتين، وجاءت برغيفين وكان هو يستعين بهذا الشعر بالذؤابتين حتى يقوم، يأخذهما فيتسند عليهما ويقوم، فحين باعت الذؤابتين برغيفين حلف ليضربنها، قالوا هذا وذاك وأقوال متضاربة لم تتفق الأقوال على شيء، ويروي لنا الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس، رضي الله عنهما، يقول منبها للتابعين، وقد عمر بن عباس وحضره التابعون، ينبههم حيث وجدهم يسألون أهل الكتاب عن قصص الأنبياء لم يرد التفصيل في قصة أيوب (مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍۢ وَعَذَابٍ (٤١)) ما هو كيف هو؟ أرادوا التفصيلات فبدأوا يسألون أهل الكتاب عن قصص الأنبياء في كتبهم فقال ابن عباس‫:‬ كما يرويه الإمام البخاري في صحيحه عنه‫:‬ يا معشر المسلمين تسألون أهل الكتاب وكتاب الله الذي أنزل على نبيكم أحدث الأخبار بالله، آخر الكتب، تقرأونه محضا لم يشب، خالصا لم يختلط، لم يختلط فيه شيء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لم يحرف ولم يدخل فيه ما ليس منه، وقد حدثكم، أي كتاب الله، أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله وغيروها وكتبوا بأيديهم الكتب فقالوا هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، فلا والله ما رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم، هم لا يسألوننا عن الذي أنزل علينا فكيف نسألهم نحن وكتابنا أحدث الكتب وأحدث الأخبار بالله، وكتابنا يحدثنا أنهم غيروا وبدلوا وكتبوا الكتاب بأيديهم وقالوا هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، فنهي ابن عباس للناس منذ زمن بعيد منذ زمن الصحابة والتابعين ورغم ذلك نجد أن المفسرين حتى يومنا هذا يتصيدون هذه الأقاصيص والأخبار‫.‬‬
‫وكتاب الله ، تبارك وتعالى، ذكر لنا قصة أيوب في موضعين في آيتين، آية في سورة الأنبياء يقول الله ، تبارك وتعالى، فيها (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ (٨٣)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٨٣]‬
‫وآية أخرى في سورة ص والتي نحن بصددها يقول الله فيها‫:‬ (وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍۢ وَعَذَابٍ ﴿٤١﴾) آيتان فكيف نبتغي الهدى في غير كتاب الله، أما النبي ، صلى الله عليه وسلم، فلم يصح عنه أنه ذكر أيوب، بحرف واحد إلا في حديث واحد قال فيه‫:‬ (بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، سرب جماعة كثيرة من جراد من الذهب الخالص، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ أغناه الله ورد إليه أهله ، قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لاَ غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ)، هذا هو ما جاءنا عن أيوب فيما صح عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، من حديث وهذا ما جاءنا في القرآن فلم نبتغي القصص من الإسرائيليات التي لا تعطي الفكر إلا خيالا ولا تزيد الفؤاد إلا خبالا، طعن في الأنبياء وحط من قدرهم وهم القدوة والأسوة المبلغون عن ربهم وكما قلنا إن الناس محتاجون في حياتهم الدنيا إلى أمرين‫:‬ المعرفة بالله والقدوة والأمرين لا يتحصلان ولا يتأتيان إلا بالأنبياء، فإذا تم الطعن في الأنبياء تم الشك في قدوتهم أيضا تم الشك فيما جاء عن ربهم منهم، ذاك ديدن اليهود في كل مكان وزمان‫.‬‬
‫ونعود للآية التي أشكلت عليهم (مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍۢ وَعَذَابٍ ﴿٤١﴾) واعلم أن الله ، تبارك وتعالى، خلق الخلق وقدره وخلق الشر وقدره، خلق الناس وأعمالهم وحركاتهم وقدراتهم كذلك، فما في الوجود من إيمان أو كفر، شكر أو نقصان، طاعة أو عصيان إلا والله ، تبارك وتعالى، قدرها وخلقها، هو خلق الخير وهو خلق الشر، خلق الملائكة وخلق الشياطين هو خلق إبليس، خلق الطاعة وخلق المعصية، خلق النفع وخلق الضر، هو الخالق لكل ذلك النحل وعسله والنمل ودأبه والعنكبوت ونسجه والقمر وفلكه والإنسان وعمله من خلق الله وإيجاده (وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)) [سورة الصافات آية‫:‬ ٩٦] ولكن أدبنا الله ، تبارك وتعالى، لأننا إذا ذكرنا الشر لا نذكر الشر منسوبا إلى الله أبدا وإن كان من خلقه، فلا يأتي ذكر الشر مقرونا بالله أبدا، ولذا كان نبينا ، صلى الله عليه وسلم، في دعائه يقول مناجيا ربه‫:‬ (وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) تأدبا مع الله، وقد تأدب إبراهيم مع ربه فقال‫:‬ (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٨٠]، رغم أنه قال‫:‬ (وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ (٧٩)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٧٩]، (وَٱلَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٨١]، لكنه حين جاء بسيرة المرض قال‫:‬ (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٨٠] ومن الذي أمرضك يا إبراهيم؟!، سيدنا أبو بكر في مرض موته جاء أصحابه يعودونه فقالوا له يا أبا بكر ألا نأتي لك بطبيب يعودك قال‫:‬ قد عادني ونظر إلي فقالوا له‫:‬ فماذا قال لك؟ قال‫:‬ قال لي إني فعال لما أريد، وعمر كذلك حين قيل له ألا نأتي لك بطبيب قال‫:‬ الطبيب أمرضني، كذلك فتى موسى حينما قص علينا ربنا قصتهما وسار موسى وقال‫:‬ (لَآ أَبْرَحُ حَتَّىٰٓ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًۭا (٦٠)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٦٠]‬
‫وحين نسي حوتهما وسأل فتاه آتنا غداءنا (قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُۥ ۚ ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٦٣] فنسب النسيان إلى الشيطان كما نسب أيوب المرض إلى الشيطان (مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍۢ وَعَذَابٍ ﴿٤١﴾) متأدبا مع الله فلا له يصح أن يقول يارب مسستني بالضر أو مسستني بالبلاء، مرة جهل الأمر ولم ينسب الضر لأحد فقال‫:‬‬
‫(مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ (٨٣)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٨٣]، وكأن الضر من الله لكنه لم يأت تصريحا فقال‫:‬ (مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ (٨٣)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٨٣]، وهنا يقول (مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍۢ وَعَذَابٍ ﴿٤١﴾) كما قال فتى موسى (وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُۥ ۚ ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٦٣] وكما قال إبراهيم (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٨٠] هذا هو ما ي الأمر أدب مع الله لا أكثر ولا أقل، وإن تعمدنا وأصررنا على أخذ اللفظ بظاهره، لو افترضنا ذلك، فالمعنى مس الشيطان هو وسوسته، أن يقنطه من رحمة الله، أن ييئسه من الشفاء، ألا يجعله راجيا رجاءً خالصا بل يجعله يائسا قانطا، ييئسه بالوسوسة وربنا ، تبارك وتعالى، عبر عن الوسوسة بالمس في موضع آخر حيث قال‫:‬ (إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (٢٠١)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٢٠١] فإن تمسكنا بظاهر اللفظ فالمس الوسوسة وإن أعملنا عقولنا في المعنى باستنتاج المعاني من الآيات الأخر فهو أدب تأدبنا به وتأدب به الأنبياء ألا بنسب الشر ذكرا إلى الله وإنما ينسب له خلقا فهو الخالق لكل شيء فقد كان الله ولم يكن شيء، من أين أتى الضر ومن أين أتى الشر ومن أين أتت الشياطين؟ كان الله ولم يكن شيء وكل ما في الوجود سوى الله من خلق الله وإيجاده‬
‫(وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ) ، (إني مسني الشيطان)، قراءة، (بِنُصْبٍۢ وَعَذَابٍ ﴿٤١﴾) هذا ما ورد وعلينا أن نمسك بما جاء في القرآن والسنة ولا نبتغي في غيرهما جوابا لسؤال وخاصة كتب السابقين التي حرفت وقد جاء في موطأ مالك‫:‬ (وَقَدْ غَضِبَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين رَأَى مَعَ عُمَر صَحِيفَة فِيهَا شَيْء مِنْ التَّوْرَاة، وَقَالَ: لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اِتِّبَاعِي) لأنه لن يجد فيها حقا سوف يجد باطلا:
ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌۭ وَشَرَابٌۭ ﴿42﴾
استجاب له ربه فقال له‫:‬ (ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ ) الركض بالرجل‫:‬ التحريك، الخبط، ركض الدابة‫:‬ خبطها برجله حتى تسرع في مشيها، ركض الدابة فركضت أسرعت، (ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ ) : اخبط الأرض واضرب الأرض برجلك (ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌۢ) أي قيل له اركض برجلك فركض الأرض برجله فنبع منها الماء فقيل له (هَـٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌۭ وَشَرَابٌۭ (٤٢)) المغتسل الماء الذي يغسل به، المغتسل أيضا الموضع الذي يغتسل الإنسان فيه، فحين ركض الأرض برجله نبع الماء باردا من الأرض على غير العادة (هَـٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌۭ وَشَرَابٌۭ (٤٢))، فاغتسل فبرأ ظاهر بدنه ثم شرب فبرأ باطن بدنه، وقد يستفيد منها الأطباء في أن الأمراض الظاهرة الجلدية والتي تصيب الجلد من بثور وخلافه لا بد لها من علاج من أمرين‫:‬ علاج ظاهري بالغسول وعلاج باطني بالدواء ولا يعالج مثل هذه الأمراض بالظاهر فقط بالدهانات وغيرها لا بد من الأمرين، قد يستفيد الأطباء من هذه الآية في هذا الأمر‫.‬‬
‫(هَـٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌۭ وَشَرَابٌۭ (٤٢)) قيل نبعت عينان عين يغتسل منها وعين يشرب منها وقيل بل هي عين واحدة، وقيل عينان‫:‬ باردة للشراب وحارة للغسل والمعنى لا يحتمله الكلام (هَـٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌۭ وَشَرَابٌۭ (٤٢)) فهو ماء واحد عين واحدة‫.‬‬
‫أيوب دعا الله وتوكل عليه فأجابه وهذا يؤكد كذب ما ادعته الناس من أن الشيطان فعل كذا وإلا ما استجاب له الله، بمجرد اللجوء إلى الله أجابه الله (هَـٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌۭ وَشَرَابٌۭ (٤٢)).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةًۭ مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ﴿43﴾
‫(وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ) قيل أن الأهل تفرقوا عنه حين ابتلي بالمرض وخافوا العدوى وابتعد الجميع عنه، حتى أنهم ابتعدوا عن زوجته خشية العدوى، وقيل بل أهلكهم الله وماتوا جميعا فأحياهم الله له، والأقرب إلى الصواب أنهم ابتعدوا عنه لمرضه وخشية العدوى وهكذا الناس في كل زمان يقتربون من الإنسان إذا كان في حال صحة ورخاء فإذا تقلب الزمان عليه تقلب الناس عليه وانفضوا عنه (وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ) بارك الله في نسله وذريته (رَحْمَةًۭ مِّنَّا) رحمة به أي رحمناه بذلك (وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ (٤٣)) جمع لب، اللب العقل المحض الصلب (وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ (٤٣)) العقول النيرة يتذكرون قصة أيوب ويعلمون أن النصر مع الصبر وأن الفرج آت لا محالة وأن اللجوء إلى الله هو الملجأ والملاذ ولا ملجأ من الله إلا إليه ولا يسوق الخير إلا الله ولا يصرف السوء إلا الله فقصة أيوب ذكرى للناس أن الصبر مآله الفرج‫.‬‬
‫وقيل أن انتظار الفرج عبادة، وقيل لن يغلب عسر يسرين أبدا لأن الله ، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًۭا ﴿٦﴾) [سورة الشرح آية‫:‬ ٥ -‬ ٦]، العسر معرف بالألف واللام وكرر مرتين (فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٥﴾) نكرة (إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًۭا ﴿٦﴾) نكرة و"يسر" نكرة فطالما عرف العسر فمهما كرر فما جاء في الآية الثانية هو ما جاء في الآية الأولى لأنه معرف بالألف واللام، أما كلمة "يسر" جاءت نكرة فكلما تكررت إذا فاليسر الثاني غير اليسر الأول من هنا قيل لن يغلب عسر يسرين لأن الآية فيها عسر واحد ويسران‫.‬‬
‫(وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ﴿٤۳﴾) أن النصر مع الصبر وأن الصبر مفتاح الفرج وأن الإنسان إذا لجأ لجأ إلى الله (فَإِذَا سَأَلْتَ فَسَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ).‬‬‬
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًۭا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًۭا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ ﴿44﴾
ذاك وصف الله له ومثل هذا الإنسان لا يسلط عليه الشيطان والله، تبارك وتعالى قادر على أن يمرض ويهلك ويشفي ويفعل ما يشاء ليس محتاجا للشيطان حتى يسلطه على نبي من أنبيائه وربنا، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌۭ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًۭا (٦٥)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٦٥]، هو الذي توكل بهم وبأمرهم‫.‬‬
‫(وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًۭا) الضغث‫:‬ الحزمة من القش أو من شماريخ النخل أو من الحشيش وغيره من النبات (فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ ) حنث، يحنث في يمينه‫:‬ لم يبر بها، لم ينفذها، إذا فربنا ، تبارك وتعالى، يأمره بالوفاء باليمين ولكن خفف الأمر، أيوب تأخرت عنه امرأته في حاجة أرسلها في طلبها أبطأت عليه فحلف أن يضربها مائة جلدة أو مائة ضربة إن عافاه الله وذاك رأي أقرب إلى الصواب، والأقرب منه إلى الصواب قيل أيضا أنها كانت تقول له دائما وأبدا‫:‬ يا أيوب أنت نبي من أنبياء الله كيف يفعل بك ذلك؟ كيف يبتليك ربك؟ كيف؟ وكيف؟ وكيف؟ وحين تقول له ذلك وكأنها تساعد الشيطان في وسوسته حتى يقنط أو ييأس، فحلف ليضربها مائة ضربة، ربنا ، تبارك وتعالى، أراد أن يخفف عن المرأة، إذاً لا يمكن أن تكون هذه المرأة قد أتت من الأفعال ما تستحق عليه أن تضرب مائة جلدة ولو كان إنفاذا ليمينه لو خانت ما خفف عنها العذاب ولو وافقت على السجود للشيطان كما ادعى الكذابون ما خفف عنها العذاب، كل ما ادعوه على امرأة أيوب كذب وبهتان، ربنا ، تبارك وتعالى، يخفف عنها العذاب إذا هي من القانتات، إذا هي من الصالحات بدلا من أين يضربها مائة ضربة أمره أن يضربها ضربة واحدة بمائة عود وكأنه ضربها مائة ضربة تخفيف من الله، لمَ يخفف عنها؟ لا بد أنها من القانتات لا بد وأنها من الصالحات (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًۭا) أي حذمة مكونة من مائة عود (فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ ) فاضربها ضربة واحدة فكأنك قد ضربتها مائة ضربة وتبر بيمينك ولا تحنث (إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًۭا ۚ ) صابرا على البلاء (نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ ) نعم العبد أيوب (إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ (٤٤)) رجاع إلى الله ، تبارك وتعالى، بالتوبة وبالاستغفار وبالطاعة وما إلى ذلك، استدل العلماء بهذه الآية على أمرين‫:‬‬
‫الأمر الأول‫:‬ أن اليمين إذا حلف إنسان أن يضرب أحدا عبدا مائة ضربة جاز له يضربه ضربة واحدة بمائة عصا‫.‬‬
‫وقالوا لا بل هي خصوصية لأيوب، وقالوا‫:‬ لا بل هي عامة للناس ولكن لا تصح في الحدود مطلقا (فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍۢ ۖ ) [سورة النور آية‫:‬ ٢]، فلا يصح في الحدود أن تجمع مائة سوط وتضرب بها مرة واحدة وكأنك جلدته مائة لا تصح في الحدود باتفاق الأئمة وإنما تصح في التأديب وقالوا إن أيوب حين حلف أن يضرب امرأته مائة ضربة تجاوز حد التأديب، وتأديب المرأة، الزوجة، بضربها ضربا غير مبرح كما أمر النبي ، صلى الله عليه وسلم، ويتجنب الوجه، لا يصح الضرب على الوجه أبدا، فحين حلف أن يضربها مائة ضربة تجاوز حد التأديب فأمره ربنا ، تبارك وتعالى، بالتخفيف‫.‬‬
‫أيضا أمر آخر (فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ ) فلم يكن في شريعة أيوب كفارة اليمين، حلف ليضربنها فلم لا يكفر عن يمينه كما قال لنا ربنا (فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٨٩] إلى آخرها‬
‫وكما قال النبي ، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (إِنِّي وَاللَّهِ لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ كَفَّرْتُ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) فاستنتجوا أمرين أو أحد أمرين‫:‬ الأمر الأول لم يكن في شريعة أيوب كفارة إذا حلف الإنسان‬
‫إما أن يبر، إما البر وإما الحنث لا كفارة، وقالوا ربما كان في شريعته الكفارة ولكنه لم يحلف ولكن نذرن نذر ليضربنها إن شفي فهو وفاء نذر وليس بر يمين والنذر لا كفارة له فإذا انذر الإنسان شيئا لا بد وأن يأتي بنذره فلا كفارة له (وَلْيُوفُوا۟ نُذُورَهُمْ) [سورة الحج آية‫:‬ ٢٩].‬
‫(إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِرًۭا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ ﴿٤٤﴾) هذا ما جاءنا عن قصة أيوب وامرأته، وحين يأمر ربنا ، تبارك وتعالى، نبيه ، صلى الله عليه وسلم، أن يصبر وأن يذكر أيوب وأن يذكر قصة أيوب وأن يتأسى به وأن يقتدي به ثم يعقب القصة بوصفه (نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ ﴿٤٤﴾) يدل على أن الأنبياء معصومون بعصمة الله ، تبارك وتعالى، لهم وأنهم هم المبلغون عن ربهم المعرفون الناس عن مصيرهم ومآلهم وعن أوامر ربهم وهم القدوة وهم الأسوة‫.‬‬
‫وتمضي بنا الآيات تذكر لنا أولي العزم من الرسل أصحاب الرسالات الكبرى القدوة والأسوة في كل مكان وزمان وتذكر الآيات نبينا ، صلى الله عليه وسلم، بآبائه وأجداده من الأنبياء ومن سبقه منهم تسلية له وتطمينا له وتصبيرا له فيقول الله ، تبارك وتعالى،
وَٱذْكُرْ عِبَـٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَـٰرِ ﴿45﴾ إِنَّآ أَخْلَصْنَـٰهُم بِخَالِصَةٍۢ ذِكْرَى ٱلدَّارِ ﴿46﴾
(أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَـٰرِ (٤٥)) (أولي الأيد) بغير ياء (أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى) بياء قراءتان‫.‬ (أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَـٰرِ (٤٥)) الأيدي‫:‬ القوة، كما قلنا (وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ ) [سورة ص آية‫:‬ ١٧]، (أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى): القوة في الطاعة القوة في الدين، أو الأيدي بمعنى النعم أي أصحاب النعم التي أنعم الله عليهم بها من اصطفاء للرسالة والنبوة ورفعة للشأن وذكر حسن وما إلى ذلك، أو الأيدي بمعنى الإنعام فقد كانوا محسنين أحسنوا إلى الناس فهدوهم إلى سواء السبيل وهكذا قدموا الإحسان للناس والأيادي البيضاء (وَٱلْأَبْصَـٰرِ (٤٥)) لا شك أنها هي البصائر في الدين أي في العلم، والأيدي والأبصار قد تكون كناية عن العبادة والأفعال وعن العلوم والأفهام، فالأيدي هي التي تفعل وهي أهم جارحه في الإنسان تكتسب، فعبر بالأيدي عن أعمالهم الصالحة وطاعتهم لربهم وعبر بالأبصار عن علو شأن علومهم ومعرفتهم بالله ، تبارك وتعالى، (وَٱذْكُرْ عِبَـٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَـٰرِ (٤٥)) القوة في الطاعة والعلم في الدين، البصيرة في العلوم والدين (إِنَّآ أَخْلَصْنَـٰهُم بِخَالِصَةٍۢ ذِكْرَى ٱلدَّارِ (٤٦)) بخالصةَ ذكرى الدار بالإضافة، أو (بِخَالِصَةٍۢ ذِكْرَى ٱلدَّارِ (٤٦))، وقرئت‫:‬ (واذكر عبدنا إبراهيم وإسحق ويعقوب) عبدنا إبراهيم تشريفا له ثم إسحق ويعقوب عطف أو (وَٱذْكُرْ عِبَـٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ) بدل من قوله (عِبَـٰدَنَآ).‬
‫(إِنَّآ أَخْلَصْنَـٰهُم بِخَالِصَةٍۢ ذِكْرَى ٱلدَّارِ (٤٦)) إذا فقد أخلصهم الله ، تبارك وتعالى، واصطفاهم وجعلهم خالصين له بخالصة هذه الخالصة الصفة التي خلصتهم لله وخلصتهم من أدران الدنيا وجعلتهم زاهدين فيها، هذه الخالصة هي تذكر الدار، الدار قالوا الدار الدنيا فقد زهدوا فيها وابتعدوا عن زخرفها وبهرجها، وقالوا‫:‬ بل الدار الآخرة، والقول الأرجح والأصح أن كلمة الدار مطلقة لم يقل ذكر الدار الدنيا أو دار الآخرة، الدار فقط، إطلاق كلمة الدار تعني الآخرة لا محالة لأن الدنيا ليست بدار لأن الدنيا زائلة فهي عارضة وإلى زوال فكيف يطلق عليها كلمة دار وإنما الدار (تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّۭا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًۭا ۚ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)) [سورة القصص آية‫:‬ ٨٣] فكلمة الدار المطلقة هي الآخرة لأن هي الخلود أما الدنيا فهي عارض، إذا فقد أخلصهم ربنا ، تبارك وتعالى، بخالصة ذكرى الدار إذا كانت بالإضافة أي بخلوصهم وإخلاصهم في تذكر الدار الآخرة أو بخالصة هي ذكرى الدار أي تذكرهم للدار الآخرة، نعم تذكر الدار الآخرة هو الملاذ هو حبل النجاة لأنك إذا علمت أنك ميت عملت لما بعد الموت، (أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكِ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَعِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ) ويقول نبينا ، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (مَنْ أَرَادَ وَاعِظًا فَالْمَوْتُ يَكْفِيهِ)، نعم الموت يكفيه ولو رأيت صديقا لك أو قريبا لك وهو يدلى في قبره في حفرة ضيقة مظلمة قد امتلأت بالعظام والرميم وامتلأت بما لا يعلمه إلا الله فقد ترى فيها الحشرات تسعى، وإذا رأيت مكفنا مربوطا لا يملك لنفسه حراكا ولا نفعا ولا ضرا ويدلى بأيدي أقرب الناس إليه ثم يسد عليه قبره ويهال عليه التراب وعلمت أن هذا مصيرك لا محالة، ماذا أنت فاعل ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، والأدهى من ذلك أن مدة مكث العبد في قبره غير معلومة ولكن لا شك أنها طويلة مديدة فقد مر على الدنيا مئات الملايين من السنين أين من ذهبوا؟ ماذا يفعلون في قبورهم وماذا يفعل بهم؟ ولو تخيلت نفسك عشت مائة عام وملكت الدنيا بما فيها ثم مت بعد ذلك لحظة في القبر تساوي الدنيا بما فيها، وإذا أردت أن تجرب ذلك فاذهب إلى القبور ليلا وامكث على ظهر الأرض ليس في باطنها ساعة من زمان جرب نفسك واذهب إلى المقابر ليلا بل عليك بالمرور إلى جوارها فقط وانتظر بنفسك ساعة بغير رفيق بغير صديق بغير أنيس، ألا تولي مدبرا؟ فكيف بك وقد دليت في قربك وحيدا وانصرف الكل عنك؟ ومتى يكون ذلك؟ (وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۭ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًۭا ۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۢ بِأَىِّ أَرْضٍۢ تَمُوتُ ۚ ) [سورة لقمان آية‫:‬ ٣٤]. وقد اصطفى الله ، تبارك وتعالى، عبادا له وجعلهم رسلا وأنبياء وأخلصهم له فكانوا قدوة لعباده الطائعين في كل مكان وزمان‫.‬ وتلك الخالصة التي أخلص الله ، تبارك وتعالى، بها المخلصين هي تذكرهم للدار الآخرة، وكلما تذكر العبد أنه واقف بين ربه يوما ما مسئول عما قدمت يداه عمل لحساب ذلك اليوم عمله وأعد له زاده، وكلما غفل الإنسان عن الموت أو عن القبر أو عن الحساب أو عن الدار الآخرة كلما جرفه تيار الدنيا، وكلما استعبده نير الشهوات وكلما أصبح مطموسا على عينيه مساقا وراء الشيطان ينزل به كل المهالك، لذا حين يذكر ربنا ، تبارك وتعالى، حبيبه المصطفى ، صلى الله عليه وسلم، ويأمره بالصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ويذكر له قصصهم ويقول له‫:‬ (وَٱذْكُرْ عِبَـٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَـٰرِ (٤٥)) أصحاب القوة في الدين أصحاب البصائر أصحاب العلوم الشريفة هؤلاء الذين صلحت أعمالهم وشرفت فهومهم فعرفوا عن الله وعرفوا الناس بالله، ذكروا الله وذكروا الناس بالله وخير الناس من تعلم العلم وعلمه، وخير البشر هم الرسل لأنهم أصحاب النعم، أنعم الله عليهم ثم ساقوا هم النعم إلى عباد الله فذكروهم بالله،‬ (وَٱذْكُرْ عِبَـٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَـٰرِ (٤٥) إِنَّآ أَخْلَصْنَـٰهُم بِخَالِصَةٍۢ ذِكْرَى ٱلدَّارِ (٤٦))
وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلْأَخْيَارِ ﴿47﴾
‫(وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلْأَخْيَارِ (٤٧)) المصطفين‫: جمع مصطفى، والمصطفى‫: المختار من بين جنسه الذي اصطفاه صاحب الاصطفاء، والمصطفي هنا هو الله ، تبارك وتعالى، اصطفاهم من بني البشر فخلقهم على ما أراد، الأخيار‫: جمع خير أو خير فهؤلاء يصفهم ربنا ، تبارك وتعالى، بأنهم من دون البشر هم خير البشر وهم الذين اصطفاهم الله ، تبارك وتعالى، ويثني بالذكر على غيرهم فيقول‫:
وَٱذْكُرْ إِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّۭ مِّنَ ٱلْأَخْيَارِ ﴿48﴾
‫(وَٱذْكُرْ إِسْمَـٰعِيلَ) إسماعيل هو جد النبي ، صلى الله عليه وسلم، وهو رسول العرب وهو الذي بنى البيت الحرام مع أبيه وهو الذي رفع معه القواعد، إسماعيل هو الذبيح على أرجح الأقوال والله أعلم، إسماعيل فجرت زمزم من أجله، يذكره ربنا ، تبارك وتعالى، بإسماعيل أيضا (وَٱلْيَسَعَ) نبي من أنبياء بني إسرائيل وجاء ذكره في سورة الأنعام وإن كانت أخباره قليلة ومختلف فيه، (وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ ) أيضا نبي من أنبياء بني إسرائيل واختلف في نبوته أهو نبي أم هو عبد صالح وجاء ذكره في سورة الأنبياء وتكلمنا عنه هناك والرأي الأرجح أنه من الأنبياء (وَكُلٌّۭ) أي وكلهم التنوين هذا عوضا عن الإضافة، عن إضافة الضمير، أي وكلهم (مِّنَ ٱلْأَخْيَارِ (٤٨)).
هَـٰذَا ذِكْرٌۭ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ ﴿49﴾
بعد ما انتهى من ذكر الأنبياء وقصصهم وتوصية النبي ، صلى الله عليه وسلم، باتباع نهجهم يقول الله ، تبارك وتعالى، (هَـٰذَا ذِكْرٌۭ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ (٤٩)) هذه موعظة، ممكن (هَـٰذَا ذِكْرٌۭ ۚ ) هذا شرف لهؤلاء الأنبياء وعلو شأن أن يحدثنا ربنا ، تبارك وتعالى، عنهم مادحا لهم جاعلا لهم قدوة وأسوة لخير الخلق أجمعين، أي شرف هذا!! وأي رفعة شأن هذا أن يمدح العبد بلسان خالقه!! أي شرف هذا أي فضل هذا!! أن يذكر العبد ويمدح بمعرفة الخالق الخالق هو المادح (نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ ) [سورة ص آية‫: ٣٠] مدح (هَـٰذَا ذِكْرٌۭ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ (٤٩)) أي شرف!! (هَـٰذَا ذِكْرٌۭ ۚ ) أي هذا تشريف لهم وعلو لشأنهم وشرف لهم في الدنيا وأيضا في الآخرة‫: (هَـٰذَا ذِكْرٌۭ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ (٤٩)) لهم ولمن سار على نهجهم ولذا لم يقل الله ، تبارك وتعالى، (وإن لهم ) بل قال (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ) إذا فللمتقين من الأنبياء الذين أتى ذكرهم ومن سار على نهجهم من الصالحين أيضا (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ (٤٩)). المآب‫: المرجع، أحسن مرجع أصلح مرجع أرجى مرجع يتمنى الإنسان أن يرجع إليه (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ (٤٩)) عطف بيان ليبين ما هو حسن المآب‫:
جَنَّـٰتِ عَدْنٍۢ مُّفَتَّحَةًۭ لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ ﴿50﴾ مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَـٰكِهَةٍۢ كَثِيرَةٍۢ وَشَرَابٍۢ ﴿51﴾ وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ ﴿52﴾ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ﴿53﴾ إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ﴿54﴾
‫(جَنَّـٰتِ عَدْنٍۢ ) وما أدراك ما جنات عدن، عدن بالمكان‫:‬ أقام به، جنات عدن إذا هي جنات الإقامة وإذا كانت جنات الإقامة فلا خروج منها (وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)) [سورة الحجر آية‫:‬ ٤٨] لا نصب فيها ولا تعب جنات الإقامة الدائمة، (مُّفَتَّحَةًۭ لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ (٥٠))، (مُّفَتَّحَةًۭ) حال‫.‬‬
‫وقال‫:‬ (مُّفَتَّحَةًۭ) ولم يقل "مفتوحة" لأنه لو قال مفتوحة لهم الأبواب لفهمنا من ذلك أن الأبواب مفتوحة كأبواب المسجد هذا مثلا أما قول (مُّفَتَّحَةًۭ) تعني أنها تفتح لهم بالأمر لذا قال بعض العلماء من السلف أن أبواب الجنة تخاطب فيقال لها‫:‬ افتحي فتفتح، لذا قال‫:‬ (مُّفَتَّحَةًۭ لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ (٥٠)) فقال تفتح بقول الملائكة، أو تفتح بقول المتقين، هم يقولون لأبواب الجنة افتحي فتفتح لهم (مُّفَتَّحَةًۭ لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ (٥٠)) أي مفتحة لهم الأبواب منها أو مفتحة لهم أبوابها، وقرئت‫:‬ (مفتحةٌ ) بالرفع‫.‬‬
‫(مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا) حال، حال كونهم متكئين إذا لا عمل ولا نصب ولا سعي على الأرزاق ولا تعب ولا مرض ولا نوم لأن الاتكاء هو أن يستند الإنسان في جلسته على مرفقه ويجلس في استرخاء تام، فجلسة الاسترخاء التام وجلسة الاتكاء على المرفق، لا يجلس هذه الجلسة إلا المتنعمون خليو البال المستمتع بوقته وبصحته وبكل ما عنده فهو متكئ، فربنا ، تبارك وتعالى، يصف حالهم في الجنة، ليسوا في نصب ليسوا في عبادة وإنما متكئين فيها، منتهى الراحة منتهى التلذذ والتنعم والتفكه (يَدْعُونَ فِيهَا بِفَـٰكِهَةٍۢ كَثِيرَةٍۢ وَشَرَابٍۢ (٥١)) أي يطلبون ما يشاءون، فاكهة كثيرة لا عد لها ولا حصر ولا نهاية لا لأصنافها ولا لطعومها ولا لألوانها حتى أن الصنف الواحد من الفاكهة إذا جيء به إليك أو إذا اشتهيته فأكلت منه مرة ثم أكلت منه مرة ثانية كل مرة تختلف، حين يؤتى به يقال أوتينا هذا من قبل (وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَـٰبِهًۭا ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٥] لقد رزقنا هذا من قبل نفس الشكل ولكن ليس بنفس الطعم، ولو أنه أكل الثمار، ثمار الفاكهة، صنف من الفاكهة، كل ثمرة تختلف عن الثمرة التي تليها من نفس الفاكهة طعوم لا تتكرر ألوان لا تتكرر أصناف لا تنتهي لذا عبر عنها ربنا ، تبارك وتعالى، بقوله (بِفَـٰكِهَةٍۢ كَثِيرَةٍۢ وَشَرَابٍۢ (٥١)) ولم يعرفنا ما هو الشراب وما أدراك ما هو الشراب الذي أعده الله، أنت تعد الشراب لنفسك، والناس يعدون الشراب من أصناف الفاكهة من أصناف المسكرات، من أصناف الألبان من كل صنف، فإذا كان الذي يعد الشراب هو الله ألم تسمع قوله‫:‬ (وَسَقَىٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًۭا طَهُورًا (٢١)) [سورة الإنسان آية‫:‬ ٢١] هو الذي أعده، هو الذي خلقه وأعده لهم (يَدْعُونَ فِيهَا بِفَـٰكِهَةٍۢ كَثِيرَةٍۢ وَشَرَابٍۢ (٥١)) وليس هذا فقط بل (وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)) ويدهشني كلمة (وَعِندَهُمْ) قد جرت العادة في الدنيا أن الإنسان يسعى وراء المرأة فيرسل الخطاب ويبحث عن ذات النسب أو ذات الجاه أو ذات المال أو ذات الدين فهو باحث أبدا عن شريكة حياته، حتى لو كان راغبا في الحرام فهو أيضا باحث ساعي وراءها هذا حال الدنيا أن يسعى الإنسان وراء نصفه الآخر حلالا كان أو حراما، يبحث، ويبحث، وقد يجد وقد لا يجد، وهنا ربنا ، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَعِندَهُمْ) إذا لا سعي ولا بحث ولا استقصاء ولا مجهود ولا صداق ولا شيء من هذا كله بل هن هناك، بل هن هناك، هن الآن في الانتظار خلقن فعلا وهن الآن في الانتظار، كل في انتظار صاحبها تهفو إليه وتتمناه ولم تقع عينها منذ خلقت على شخص سواه فهو الوحيد في عقلها وقلبها وعينها لم تر غيره ولن تر غيره لذا يقول الله ، تبارك وتعالى، (وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ) قصرن أطرافهن‫:‬ الأعين، الطرف‫:‬ العين، (قَـٰصِرَٰتُ) قصر الشيء قصر نفسه على كذا‫:‬ حبس نفسه على كذا، فهؤلاء قصرن نظرهن إذا فليس في نظرها سوى زوجها، (قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ) على أزواجهن لم يرين ولم ولن ترى واحدة منهن رجلا منذ خلقت إلى ما لا نهاية فذاك خلود (أَتْرَابٌ (٥٢)) جمع ترب لدات متساويات في الحسن ليس هناك جميلة وصبيحة وقبيحة، ليس هناك صغيرة وكبيرة شابة وعجوز طويلة وقصيرة بل هن أتراب متساويات في الحسن في السن في الجمال في الرونق في البهاء في روعة الثياب في كل شيء وأصل كلمة أتراب من التراب تطلق على متساويات السن لأنهن حين ولدن لمسن التراب في وقت واحد فالإنسان حين يولد وينزل من بطن أمه يلتقي جسده بالتراب‫.‬ فأتراب من التراب لأنهن مسسن التراب في وقت واحد، أتراب ذوات سن واحدة، الوصف هنا عن الحور العين (وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)) ليس معنى هذا أن الشبه واحد، كلهن في شبه واحد يختلط عليك الأمر، بل الواحدة منهن كلما تراها ولو تراها بعد ساعة واحدة لرأيتها متغيرة في كل شيء، دخلت عليها وبنيت بها ثم عن إليك أن تراها بعد ساعة إذا هي بكر وكأنك لم تأتها من قبل، وإذا بالشكل متغير كأنك تراها لأول مرة الشكل واللون والصوت وكل ما يخطر على بالك مما يشتهى في النساء جمال الصوت، حسن المعشر، حسن التبعل، الحب، والرغبة كل ما يخطر لك على بال والله وما لا يخطر لك على بال والله لو أن واحدة منهن نزلت إلى الدنيا لمات نساء الدنيا كمدا وما نظر رجل إلى امرأة قط، يكفي أن تسمع أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، يقول‫:‬ ( لَوْ اطَّلَعَتْ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا) ، كيف تكون؟! كيف يكون شكلها؟ وكيف يكون صوتها؟ كيف لو غنت؟ كيف لو اختالت؟ كيف لو مشت؟ كيف لو ضحكت؟ كيف لو حنت عليك؟ كيف لو هدهدتك؟ كيف؟ وكيف؟ وكيف؟ سبحان من أعدها، سبحان من خلقها وهيأها وزينها وجملها لعباده (قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)) وربنا يمن ويقول‫:‬ (هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ﴿٥۳﴾) والواعد صادق قادر أن يفي بما وعد صادق فيما وعد أو (هذا ما يوعدون) قرئت بالياء وإن كانت ليست في مصاحفكم وإنما هي أقرب إلى الصواب (هذا ما يوعدون) لأن الله ، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ ﴿٤۹﴾ جَنَّـٰتِ عَدْنٍۢ مُّفَتَّحَةًۭ لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ ﴿٥۰﴾ مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَـٰكِهَةٍۢ كَثِيرَةٍۢ وَشَرَابٍۢ ﴿٥١﴾ وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ ﴿٥٢﴾ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ﴿٥۳﴾)، وقراءتنا قراءة حفص (هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ) وكأن الخطاب انتقل، الكلام عن الغائب المتقين لهم كذا ولهم كذا ولهم كذا ثم توجه بالكلام إلينا وكأنها بشرى ونحن نتمسك بذلك (هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ) والخطاب لأمة محمد عليه الصلاة والسلام، الخطاب لنا نحن نعقل ونسمع ونعي ونصدق ونتمسك بهذه القراءة لأنها موجهة إلينا، ويأتي التأكيد بعد ذلك ويوم الحساب لأن يوم الحساب معبر وعلة لتوصل للجزاء الموعود (هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ (٥٤)) إذا هو الرازق هو الخالق هو الذي أعد كل ذلك، هو الذي رتب كل ذلك، هو الذي هيأ كل ذلك واعتبره رزقا، إذا هو بغير عمل، إذا هو بغير اكتساب، إذا هو بغير جهد، لأن الماء النازل من السماء لا جهد للبشر فيه سماه ربنا رزقا، (وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقًۭا ۚ ) [سورة غافر آية‫:‬ ١٣]، الرزق يطلق على الماء النازل من السماء، والرزق لا جهد للإنسان فيه (وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)) [سورة الذاريات آية‫:‬ ٢٢].‬
‫(إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ (٥٤)) تأكيد لقوله ، تبارك وتعالى، (عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍۢ (١٠٨)) [سورة هود آية‫:‬ ١٠٨]، ولقوله ، تبارك وتعالى، (فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍۢ (٦)) [سورة التين آية‫:‬ ٦]‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
هَـٰذَا ۚ وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٍۢ ﴿55﴾ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ﴿56﴾ هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌۭ وَغَسَّاقٌۭ ﴿57﴾ وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِۦٓ أَزْوَٰجٌ ﴿58﴾
‫(هَـٰذَا ۚ ) أي الأمر هذا وتقرأ (هَـٰذَا ۚ ) وتقف، هذا ما أعد للمتقين أو هذا ما قص في شأنهم أي الأمر هذا (وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٍۢ (٥٥)) بالمقابل وبضدها تتميز الأشياء، جاء ذكر المتقين وما أعد لهم لا بد وأن يأتي ذكر الطاغين وما أعد لهم، (وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٍۢ (٥٥)) الطاغين من الطغيان، والطغيان‫:‬ تجاوز الحدود، هؤلاء الذين كذبوا الرسل، كفروا بالله ، تبارك وتعالى،، نسبوا له الشريك والولد (وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٍۢ (٥٥)) سوء منقلب، مآب‫:‬ المرجع، (لَشَرَّ مَـَٔابٍۢ (٥٥)): سوء منقلب، (مَـَٔابٍۢ (٥٥)) مرجع كما قلنا (لَشَرَّ مَـَٔابٍۢ (٥٥)) أسوأ ما يتخيل (لَشَرَّ مَـَٔابٍۢ (٥٥)) ما هو ذلك الشر؟ ما هو البيان؟ البيان يأتي عطف بيان في الكلام (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ (٥٦)) جهنم هل هناك شر مآب أكثر من هذا؟ (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا) يذوقون حرها، (يَصْلَوْنَهَا): يدخلوها صلي النار‫:‬ يصلاها، صلى وصليا‫:‬ يذوق حرها وصلى الشيء، صلى اللحم، يصليه‫:‬ يشويه فهؤلاء لهم شر مآب جهنم يصلونها (فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ (٥٦)) المهاد‫:‬ الفراش، المهاد‫:‬ ما يمهد ويوطأ للصبي، المهاد يطلق في اللغة أصلا على الفراش الهين اللين، ويطلق المهد ويقال هذا طفل في المهد (وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٤٦]، المهد فراش الصبي حديث الولادة، ودائما الفراش الذي يعد للصبي حديث الولادة لا بد وأن يكون فراشا لينا هينا طريا ناعما لرقة جلد الوليد، فحين يقول الله ، تبارك وتعالى، عن جهنم لهم (فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ (٥٦)) منتهى السخرية لأن المهاد الفراش اللين فكيف يقال عن جهنم ذلك، منتهى السخرية كقوله بشر العاصين بكذا والبشرى لا تكون إلا بالشيء الطيب، أيضا يدل اللفظ على أنهم هم الذين أعدوا لأنفسهم ذلك ما أجبرهم أحد وما كان لأحد عليهم من سلطان، إذا هم مهدوا لأنفسهم هذا الفراش، هم مهدوا لأنفسهم هذا المكان (هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌۭ وَغَسَّاقٌۭ (٥٧)) الكلام فيه تقديم وتأخير والتقدير‫:‬ هذا حميم وغساق فليذوقوه، الكلام فيه تقديم وتأخير من أجل بديع الكلام وحسن التصوير لبيان شدة الألم الذي سوف يصابون به، (هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ) يذوقوا ماذا؟ وكأنك تسأل حين تسمع ما هو ذاك؟ حميم وغساق وهذا لا يذاق وإنما يتجرع الإنسان لا يذوق إلا الحلو لأن ذاك الذوق باختيارك إذا أردت أن تذوق شيئا فأنت تختاره وأنت تذوق ما فيه حلاوة، (هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ) وتنتبه فإذا هو يقول (حَمِيمٌۭ وَغَسَّاقٌۭ (٥٧)) الحميم‫:‬ ما بلغ شدة النهاية في الحرارة ولذا سميت الحمى لارتفاع درجة حرارة المريض فالحميم الماء أو كل شيء بلغ النهاية في الحرارة (حَمِيمٌۭ وَغَسَّاقٌۭ (٥٧)) وقرئت‫:‬ "غساق" بغير تشديد (وَغَسَّاقٌۭ (٥٧)) أصل الكلمة غسق، يغسق، غسقا، الجرح، إذا سال الصديد من الجرح يقال غسق الجرح أي سال منه الصديد، وغسقت العين إذا رمدت وسال منها الماء الأصفر، ليست الدموع، ذاك معنى الصديد الذي يسيل من الجرح، معنى آخر حين تقول‫:‬ غسق الليل‫:‬ اشتدت برودته، ليل غاسق‫:‬ ليل بارد، أيضا الغسق‫:‬ أول الليل وغسق الليل‫:‬ اشتدت ظلمته كذلك، فالكلمة تعني ثلاثة أشياء‫:‬ البرد، أيضا الظلمة، أيضا الصديد السائل من الجروح، من هنا اختلف المفسرون في معنى الكلمة فبعضهم قال‫:‬ الحميم‫:‬ الماء المغلي والغساق الصديد النازل وعصارة أهل النار أجسادهم تهرأت وساحت وسال منها الدم والصديد والقيح ذاك هو الغساق، ومن قائل أن الحميم والغساق أضداد، الحميم‫:‬ ما يحرق بحره والغساق ما يحرق ببرده، ألا ترى في القطب الجنوبي والقطب الشمالي أقطاب الأرض وأماكن التجمد لو الإنسان وقف في مكان متجمد تجمد فالبرد الشديد يحرق أيضا وإذا نزل البرد على المزروعات والخضروات تحرق في أرضها ولا يستطيع أن يحصدها الزراع، إذا فمرة يقال أن الغساق هو الصديد ومرة يقال أن الغساق الزمهرير فيحرقهم ببرده كما يحرقهم الحميم بحره، ومرة يقال أن الغساق‫:‬ الظلام، إذا فالكلمة تعني أنهم يشربون من الصديد الذي هو غاية في البرودة غاية في السواد غاية في النتن، ويروي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ، صلى الله عليه وسلم، قال‫:‬ ( لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهَرَاقُ فِي الدُّنْيَا لَأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيَا) دلوا واحدا من غساق يهراق في الدنيا أنتن جميع الناس والمخلوقات في الدنيا بالكامل، ذاك شرابهم‫.‬‬
‫(وأخر من شكله أزواج) قراءة أخرى (وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِۦٓ أَزْوَٰجٌ (٥٨))، من أصناف العذاب ألوان، "وآخر" عذاب آخر من شكل الحميم والغساق، وكما أن أهل الجنة ينعمون بالأشكال التي يحسبون أنها واحدة في الفواكه فإذا بها متغيرة في الطعم في كل شيء، في اللذة فكذلك هؤلاء يذوقون فيها حميم وغساق ولهم أيضا عذاب آخر من شكله، من نوعه، من صنفه، من جنسه أزواج، أصناف مختلفة من العذاب لم تذكر قال فيها العلماء كثير حيات وعقارب وكذا وكذا والله أعلم، وانظر في الدنيا حولك تجد البشاعة في كثير من المخلوقات كالقردة مثلا وتجد الخوف والرعب في أصناف كالحيات مثلا والعقارب التي لا تراها وتزحف في صمت وتؤدي إلى الموت، الأسود والنمور الحشرات أصناف بشعة وكأن الله ، تبارك وتعالى، خلقها ليري الناس أن من قدر على هذا قادر على أن يخلق ما وصف لنا (وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِۦٓ أَزْوَٰجٌ (٥٨)) حيوانات وحشرات وأشكال وألوان وأصناف وأجناس من العذاب لا تخطر لأحد ببال‫.‬‬‬‬‬
هَـٰذَا فَوْجٌۭ مُّقْتَحِمٌۭ مَّعَكُمْ ۖ لَا مَرْحَبًۢا بِهِمْ ۚ إِنَّهُمْ صَالُوا۟ ٱلنَّارِ ﴿59﴾ قَالُوا۟ بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًۢا بِكُمْ ۖ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ۖ فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ ﴿60﴾
الحوار وما أدراك ما الحوار، حوار المتقين معلوم متكئين على السرر متقابلين، حوارهم معروف ومعلوم، أما هؤلاء فلهم حوار عجيب (هَـٰذَا فَوْجٌۭ) جماعة كثيرة (مُّقْتَحِمٌۭ مَّعَكُمْ ۖ ) الاقتحام‫:‬ الدخول بعنف في الشدائد، قحم، يقحم، قحوما في الأمر‫:‬ دخل فيه برعونة واندفاع، والتعبير هذا مجموعة كبيرة (هَـٰذَا فَوْجٌۭ مُّقْتَحِمٌۭ مَّعَكُمْ ۖ ) كيف يقتحم الإنسان النار؟ كيف؟ والاقتحام هو الدخول بسرعة، برعونة، بشدة، كيف يقتحمون النار، المفروض أنهم لا يقتحموها بل يتراجعون عنها حتى لو أمروا بالدخول يدخلوا متكاسلين كالمساق إلى غرفة الإعدام مثلا، فكيف يقتحم النار؟ كيف يقذفون بأنفسهم فيها؟ نعم لأنهم يدخلون مكرهين هم لا يدخلون بإرادتهم بل من خلفهم (مَّقَـٰمِعُ مِنْ حَدِيدٍۢ (٢١)) [سورة الحج آية‫:‬ ٢١]، فإن التفسير أن هذا الاقتحام ليس بإرادتهم ولا بأنفسهم بل هم مقتحمون، هم مدفوعون غيرهم يدفعهم للاقتحام، وكيف يقتحموها؟ لا بد وأن وراءهم ما يعتقدون أنه أسوأ، كما إذا شبت النار في بيت ولم يجد صاحب البيت منفذا قفز من النافذة، من عاشر دور، هذا القفز يؤدي إلى الهلاك لكن شدة ما يراه جعلته كالهارب من الرمضاء أو المستغيث من الرمضاء بالنار فكذلك هؤلاء، (فَوْجٌۭ مُّقْتَحِمٌۭ) تصوير غريب (مُّقْتَحِمٌۭ مَّعَكُمْ ۖ ) إذا الكلام لأهل النار (لَا مَرْحَبًۢا بِهِمْ ۚ ) دعاء بعدم السعة، بالضيق، لأنك تقول مرحبا أي صادفت رحبا والرحب‫:‬ السعة، ورحبة الدار‫:‬ سعة الدار، الصالة، رحبة المسجد‫:‬ حوش المسجد فالرحب‫:‬ السعة فهؤلاء يدعى عليهم لا مرحبا بهم أو وصف لحالهم فهو صفة أو هو حال أي يقال لهم، الإعراب يختلف ويختلف المعنى،‬
‫(فَوْجٌۭ مُّقْتَحِمٌۭ مَّعَكُمْ ۖ ) الكلام لمن؟ لمن دخل أولا، من الذي دخل أولا في جهنم؟ الزعماء، زعماء الكفر، ملوك الطغيان، جبابرة الفساد كما قيل عن فرعون (يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ) [سورة هود آية‫:‬ ٩٨] إذًا فهو يدخل النار أولا، فهؤلاء الداخلين أولا يقال لهم (فَوْجٌۭ مُّقْتَحِمٌۭ مَّعَكُمْ ۖ لَا مَرْحَبًۢا بِهِمْ ۚ ) لم يجدوا متسعا لهم فالمكان ضيق (وَإِذَآ أُلْقُوا۟ مِنْهَا مَكَانًۭا ضَيِّقًۭا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا۟ هُنَالِكَ ثُبُورًۭا (١٣)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ١٣]، القرآن يفسر بعضه بعضا لا اختلاف فيه فهنا يقال (لَا مَرْحَبًۢا بِهِمْ ۚ ) إذا ليس هنالك ترحيب، إما هذا حالهم، وإما من مقالة الكفار كبار الزعماء حين علموا أن الأتباع جاءتهم داخلة معهم قالوا‫:‬ (لَا مَرْحَبًۢا بِهِمْ ۚ إِنَّهُمْ صَالُوا۟ ٱلنَّارِ (٥٩)) سوف يصلون النار ويدخلونها أيضا، يرد الأتباع الضعفاء حين سمعوا ذلك (قَالُوا۟ بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًۢا بِكُمْ ۖ ) تلاعن وتسابب وتقاذف وكره وبغضاء، فرق بين الأخوة، إخوانا على سرر متقابلين لا يعطي أحدهم ظهره للآخر وهؤلاء يتشاتمون ويتلاعنون (قَالُوا۟ بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًۢا بِكُمْ ۖ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ۖ فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ (٦٠)) ألقوا عليهم بالتبعة، ألقوا عليهم باللوم ودعوا عليهم بالضيق وشدة العذاب لأنهم ساقوهم إلى هذا العذاب وزينوا لهم الكفر، زينوا لهم العصيان، زينوا لهم الكفر بالرسل، زينوا لهم المعاصي هيأوا لهم الشهوات، قدروا لهم الجوائز، أعطوهم من مال الدنيا من أجل المعاصي (أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ۖ فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ (٦٠)) وبدأ الدعاء واللجوء إلى الله لا بالنجاة ولكن بالهلاك‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قَالُوا۟ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَابًۭا ضِعْفًۭا فِى ٱلنَّارِ ﴿61﴾
وانظر ليس هناك تراحم بل تباغض وتدابر وعداوة فظيعة (مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَابًۭا ضِعْفًۭا فِى ٱلنَّارِ (٦١)) عذابا بضلاله وعذابا بإضلاله، ذاك هو الدعاء وذاك هو التلاعن وتلك هي المقارنة بين النعيم وبين الجحيم، بين الأخوة (ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ (٦٧)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٦٧]، بين التحابب (إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ (٤٧)) [سورة الحجر آية‫:‬ ٤٧]، بين النعيم، قاصرات الطرف، فاكهة كثيرة، شراب، رضوان من الله ، تبارك وتعالى، وبين الجحيم، الفارق بين ذلك وبين الجحيم، الفارق أيها الأخ المسلم شنيع وفظيع ولكن أنت مخير في سلوك أي طريقين فانظر لنفسك أي الطريقين تختار؟ وأي المصيرين ترغب؟ واعمل لذلك‫.‬ واعلم أنك مسئول عن ذلك‫.‬ فالعاقل والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، الدنيا دار عمل ليست دار جزاء، والآخرة دار جزاء ليس فيها عمل‫.‬‬
‫ربنا ، تبارك وتعالى، يصف لنا الحالين وبضدها تتميز الأشياء وكل من يعقل لا بد وأن يختار لنفسه السلامة، ويدعو الله، تبارك وتعالى، ويسأله السلامة، هؤلاء في حوارهم يتلاعنون يتباغضون يتدابرون، (مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَابًۭا ضِعْفًۭا فِى ٱلنَّارِ (٦١)).‬
‫ثم يأتي بعد أن لاموا أنفسهم لام بعضهم بعضا يأتي اللوم كل واحد يلوم نفسه بعدما لام صاحبه التلاوم بينهم وبين بعض أولا لام بعضهم بعضا ثم بدأوا يلومون أنفسهم فقالوا‫:‬‬‬‬‬‬‬
وَقَالُوا۟ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًۭا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلْأَشْرَارِ ﴿62﴾ أَتَّخَذْنَـٰهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلْأَبْصَـٰرُ ﴿63﴾ إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّۭ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ ﴿64﴾
‫(وَقَالُوا۟ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًۭا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلْأَشْرَارِ (٦٢)) يبحث أبو جهل في النار عن بلال ويبحث عن صهيب ويبحث عن سلمان ويبحث عن عمار بن ياسر ويبحث عن هؤلاء المستضعفين الذين كان ينظر إليهم شذرا ولا يكلمهم ولا حتى نذرا، يحتقروهم وسألوا محمدا ، صلى الله عليه وسلم، أن يصرفهم عنه حتى يجلسوا إليه فهم يتأففون منهم، عبيد، من قذارة ثيابهم من فقرهم، حين سألوه ذلك كثيرا وكاد أن يجعل لهم طمعا في إسلامهم نهاه ربه (وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٥٢] نهاه ربه، فها هم في النار المشركون الصناديد، الكفار، العظماء الأغنياء ذوو السلطة والجاه في الدنيا الجبابرة من كل مكان الذين استعبدوا الناس واسترهبوهم كفرعون وهامان وقارون وغيره من الجبابرة حتى في عصرنا هذا الجبابرة موجودون في كل مكان وزمان يحتقرون الناس، ها هم يتساءلون‫:‬ (مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًۭا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَـٰهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلْأَبْصَـٰرُ (٦٣)) سؤال توبيخ لأنفسهم أنهم اتخذوا هؤلاء الناس في الدنيا هزؤا، سخروا منهم كما سخر قوم نوح من نوح (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ ) [سورة هود آية‫:‬ ٣٨]، كم سخروا؟‬
‫فها هم يلومون أنفسهم ويتساءلون سؤال توبيخ وتبكيت (أَتَّخَذْنَـٰهُمْ)، أتخذناهم حذفت ألف الوصل لوجود همزة الاستفهام (أَتَّخَذْنَـٰهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلْأَبْصَـٰرُ (٦٣)) في الدنيا فاحتقرناهم وأغفلنا أبصارنا عنهم ولم ننظر إليهم وأشحنا بوجوهنا عنهم، والمعنى قد يعني (أَتَّخَذْنَـٰهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلْأَبْصَـٰرُ (٦٣)) أي هم معنا في النار ولكن لا نراهم، يؤملون أن يكون معهم بلال وصهيب وعمار ومصعب بن عمير، زاغت مالت عنهم الأبصار في جهنم فلا نراهم كيف يكونوا في الفردوس ونحن هنا حيرة وتردد وسؤال‬
‫وقرئت‫:‬ (ما لنا لا نري رجالا كنا نعدهم من الأشرار * اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار) قرئت كذلك بالوصل وبغير همز بهمزة الوصل كأنهم يقولون‫:‬ الأشرار اتخذناهم سخريا أي الذين اتخذناهم سخريا في الدنيا "أم" بمعنى "بل" بل زاغت عنهم الأبصار، بل نحن كنا عميا حتى لا نرى النور في وجوههم والصدق في كلامهم لاموا أنفسهم أن زاغت أبصارهم عن الحق وعن النور في وجوه الطائعين الصالحين وعن الصدق في كلامهم‬
‫وقرئت‫:‬ (اتخذناهم سخريا) بالضم، سخريا‫:‬ الهزؤ سخريا‫:‬ التسخير القهر، أن تجعله يعمل لك قهرا وبغير أجر كما سخر الأسياد العبيد‫.‬‬
‫(إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّۭ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ (٦٤)) نعم حقا تخاصم أهل النار، حق كما ذكر لنا الحق، سبحانه وتعالي، يقول الله ، تبارك وتعالى، بعد ما حكى لنا عنهم ما سوف يقولون وذاك في أمر المستقبل، يحدثنا ربنا عنهم يقول الله ، تبارك وتعالى، (إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّۭ) أي ما قص عليكم من حوار أهل النار ومن تلاومهم وتباغضهم هذا الذي قص هو الحق لا بد وأن يحدث، لا بد وأن يقال، لا بد وأن يكون ذاك هو الحال حقا وجب وثبت‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم تلك كانت سورة ص، فيها التذكير فيها الكلام عن مشركي مكة، سورة مكية فيها كل شيء عن مكة، فيها ذكر الأنبياء فيها قصص الأنبياء وتختم السورة بالغاية وبالنهاية‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٌۭ ۖ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿65﴾ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّـٰرُ ﴿66﴾
الهدف الغاية هو الله، ذاك هو الهدف تلك هي الغاية والرسل واسطة، سبب منذر ينذر ويحذر، أيها الأخ المسلم محمد بن عبد الله، عليه أفضل صلوات وأكمل تسليم، هو سيد الخلق هو خاتم الرسل هو نبينا وشفيعنا هو إمامنا وقدوتنا، هو نفسه يتكلم عن نفسه أنه منذر ينذر ويخوف ويحذر، هل أخذت حذرك؟ هل أجدى معك الإنذار، سل نفسك هذا السؤال هل أخذت حذرك؟ هل أجدى معك إنذار النبي ، صلى الله عليه وسلم، سيد الخلق سل نفسك هذا السؤال وأجب فإن وجدت خيرا فاحمد الله وإن وجدت غير ذلك فلا تلومن إلا نفسك وسل الله واضرع إليه يقوي في رضاه ضعفك‫.‬‬
‫فغاية الرسل واحدة، غايتهم واحدة وهدفهم واحد‫:‬ تعريف الناس بربهم، إنذار الناس من عقوبة الله ، تبارك وتعالى، على عصيانه وما من رسول إلا وقد بعث نذير لقومه من هنا يقول الله ، تبارك وتعالى، لحبيبه المصطفى ، صلى الله عليه وسلم، في سورة ص والتي نحن بصددها‫:‬ (قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٌۭ ۖ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّـٰرُ (٦٦)) نعم منذر، الإنذار تخويف لكن هذا التخويف يعطي مهلة حتى تستطيع أن تحذر وتحترس وتحترز مما أنذرت به، من هنا كانت الرسل تنذر والإنسان في مهلة، مهلة الحياة مهلة العمر فهو في مهلة، في دائرة الإمهال وليس الإهمال فربنا يمهل ولا يهمل، من هنا أنذر النبي ، صلى الله عليه وسلم، أهل مكة وأنذر الناس، أرسل بشيرا ونذيرا للناس كافه فهو يقول‫:‬ (قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٌۭ ۖ ) تلك وظيفة النبي ، صلى الله عليه وسلم،: الإنذار يخوفهم عقوبة الله ، تبارك وتعالى، (وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ (٦٥)) إذا فهو داع إلى الله داع إلى الوحدانية وإلى التوحيد وإلى المعرفة بالله ، تبارك وتعالى، الواحد ليس له شريك، ليس له ولد، ليس له صاحبة، ليس له معاون هو الواحد الأحد القهار، كل الموجودات في قبضته مقهورون بقدرته، ما من إله إلا الله الواحد القهار، التعريف بالله ، تبارك وتعالى، واضح والدليل على التوحيد قائم (رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) لا شريك له، لا شريك له، (رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) لم يدعي أحد من الناس على مر العصور والدهور أنه خلق السماء أو أنه يتحكم في دوران الأرض أو أنه خلق الأرض أو خلق السماء أو خلق شيئا، ربنا رب السموات والأرض وما بينهما مالكهما، خالقهما وإليه أمرهما (ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّـٰرُ (٦٦)) صفتان تؤكدان على أمر هام وهو أن الله ، تبارك وتعالى، وعد وأوعد، فيهما التهديد فيهما الوعيد، فيهما الوعد أيضا (ٱلْعَزِيزُ) : المنيع الغالب لا مثل له ولا ضد، هذا العزيز إذا أراد أن يعاقب فلا راد لعقوبته، لا مانع لما أراد، لا عاصم لأحد من دون الله ، تبارك وتعالى، ذاك هو العزيز، فكأن الصفة تهدد وتتوعد، (ٱلْغَفَّـٰرُ (٦٦)) الستار لذنوب عباده، إذا فهو يغفر ويعاقب، فالصفتان تبينان أن الله ، تبارك وتعالى، سوف يغفر ذنوب الصالحين يستر عيوبهم وسوف يعاقب العاصين وهو في عقوبته للعاصين لا مانع ولا غالب له‫.‬ ثم يقول له مرة أخرى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قُلْ هُوَ نَبَؤٌا۟ عَظِيمٌ ﴿67﴾ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴿68﴾
‫(نَبَؤٌا۟ عَظِيمٌ (٦٧)) ما هو النبأ العظيم؟ النبأ العظيم القرآن فيه منفعة عامة وفيه أمرنا وأمر من سبقنا وخبر ما بعدنا وحكم ما بيننا، (نَبَؤٌا۟ عَظِيمٌ (٦٧) أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)) غافلون، أعرضتم عن القرآن وعن استماعه رغم أنه نبأ عظيم عن ربكم ، تبارك وتعالى، أو (قُلْ هُوَ نَبَؤٌا۟ عَظِيمٌ (٦٧)) ما أنذرتكم به، ما خوفتكم به، ما أنبأتكم عنه من أن الله ، تبارك وتعالى، أعد يوما للجزاء وأعد يوما للحساب (هُوَ نَبَؤٌا۟ عَظِيمٌ (٦٧)) هو يوم القيامة حين تقام الموازين مصداقا لقوله ، تبارك وتعالى، (عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ (١) عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ (٢)) [سورة النبأ آية‫:‬ ١- ٢] عن يوم القيامة الذي هم فيه مختلفون (قُلْ هُوَ نَبَؤٌا۟ عَظِيمٌ (٦٧)) الذي أنبائكم به وحذرتكم إياه هو نبأ عظيم يوم القيامة يوم الحساب يوم إقامة الميزان‫.‬‬
‫أو (قُلْ هُوَ نَبَؤٌا۟ عَظِيمٌ (٦٧)) ما هو آت ما سوف أخبركم به مما يدل على نبوتي وصدقي إذ لا يمكن لي أن أعلم بهذا إلا عن طريق الوحي (قُلْ هُوَ نَبَؤٌا۟ عَظِيمٌ (٦٧) أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍۭ بِٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)) ذاك هو النبأ العظيم، إما عن ما مضى من كلام (وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿٦٥﴾) ذاك هو النبأ العظيم، النبأ العظيم أنه يحذرهم غضب وعقوبة رب السموات والأرض العزيز الغفار، أو هو نبأ عظيم الذي سوف أخبركم به وهو ما حدث في بدء الخلق‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬
مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍۭ بِٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴿69﴾ إِن يُوحَىٰٓ إِلَىَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ ﴿70﴾
الملأ الأعلى‫:‬ الملائكة، ما كان لمحمد ، صلى الله عليه وسلم، من علم وما كان شاهدا وما كان حاضرا إذ يختصم الملأ الأعلى وهم الملائكة، هم الملأ الأعلى الأشراف في محل الكرامة، يختصمون في ماذا؟ يختصمون في شأن آدم حيث قال لهم ربهم إنه جاعل في الأرض خليفة فقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء فهناك اختصام في شأن آدم وفي شأن خلق آدم وفي شأن جعل آدم خليفة، ذاك هو الخصام المشار إليه، (مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍۭ بِٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِن يُوحَىٰٓ إِلَىَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ (٧٠))، "إنما أنا نذير مبين" (أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ (٧٠)) لأنما أنا نذير مبين (إنما) بمعنى القول الحكاية، يوحى أي يقال لي إنما أي لا يوحى إلى محمد ، صلى الله عليه وسلم، إلا أمرا واحد وهو الإنذار، يوحى إليه بالإنذار وما كان له علم بالملإ الأعلى، إذا فما سوف ينبئنا به لا شك أنه قد ورد إليه عن طريق الوحي وهو لا شك دليل على نبوته ، صلى الله عليه وسلم، وعلى صدقه لأنه لم يقرأ في الكتب السابقة ولم يعرف عن قصة آدم ولم يعرف عن أمر إبليس بالسجود ورفضه ذلك‫.‬ كل هذه الأمور لم تكن عنده ولم يكن له بها علم ولم يقرأ عنها في كتب سابقة فمن أين أتته؟ لا بد وأنها عن طريق الوحي (أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ (٧٠)) نذير‫:‬ منذر، مبين‫:‬ بين واضح، الدليل معي على صدقي‫.‬‬‬‬‬‬‬
إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى خَـٰلِقٌۢ بَشَرًۭا مِّن طِينٍۢ ﴿71﴾ فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِينَ ﴿72﴾ فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿73﴾ إِلَّآ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿74﴾
‫(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ) وجاءت القصة، ومن الغريب أن تختم سورة "ص" بقصة أدم وكأن الله ، تبارك وتعالى، يشعرنا ويهدد كفار مكة إياكم، استكبر إبليس على السجود لآدم فناله من اللعن ما ناله فإن استكبرتم يا كفار مكة على محمد ، صلى الله عليه وسلم، نالكم ما نال إبليس من اللعن، وكأن القصة تشعرهم بذلك احترسوا واحترزوا فها هي قصة من استكبر قصة من عصى، كيف حدث له وماذا ناله من عقاب حتى تحترسوا وتحترزوا لأنهم استكبروا على محمد، صلى الله عليه وسلم، وقالوا (وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٣١]‬
‫(أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا (٤١)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٤١] استكبروا عليه فيقول الله ، تبارك وتعالى، مختصرا القصة وقد جاءت تفصيلا قبل ذلك في سورة البقرة وفي سورة الأعراف‫.‬‬
‫(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى خَـٰلِقٌۢ بَشَرًۭا مِّن طِينٍۢ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِينَ (٧٢)) مختصرة، في البقرة قال لهم (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٣٠] ثم قالوا كيف ذلك قال أعلم ما لا تعلمون ثم علم آدم الأسماء كلها وبين لهم أن في آدم من الاختصاصات والتخصيص والعلوم والتهيئة ما تؤهله لخلافة الأرض وهم محرومون من هذا التخصيص، ليس لهم ما لآدم من صفات، بين ذلك ثم أمرهم بعد ذلك بالسجود حين سألهم عن الأسماء فلم يعرفوها (قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ (٣٢)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٣٢]‬
‫فأمر آدم أنبئهم يا آدم فلما أنبأهم علموا أن الله حق وأن ما أراده الله ، تبارك وتعالى، كائن وأن آدم مستحق للخلافة‫.‬‬
‫هنا تأتي القصة مختصرة (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى خَـٰلِقٌۢ بَشَرًۭا مِّن طِينٍۢ (٧١)) من مادة الطين‫.‬ وقلنا من قبل أن آدم خلق من التراب، خلق من الطين، من حمأ مسنون، من صلصال كالفخار، كل هذه التسميات ما هي تسميات إلا لأطوار، أطوار خلق آدم، التراب‫:‬ مادة التراب، من ماء‫:‬ إذا اختلط الماء بالتراب أصبح طينا فإذا ترك قليلا أصبح كالحمأ المسنون أنتن إلى حد ما، ثم بعد ذلك إذا جف من حرارة الشمس أصبح كالفخار وهكذا، (فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِينَ (٧٢)) عدلت خلقته وجعلته متساويا مستويا قائما، أتممت خلقه وأكملته وعدلته (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى) نسب الروح إلى الذات العلية تشريفا للروح وتشريفا لآدم أي الروح التي بأمري وليس لأحد فيها شأن أو أمر، وقد تنسب الأشياء إلى الله ، تبارك وتعالى، تشريفا وتعظيما لقدر الأشياء كما نسبت الناقة، صالح يقول لقومه (وَيَـٰقَوْمِ هَـٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ) [سورة هود آية‫:‬ ٦٤] هل هي ناقة الله وبقية النوق نوق الناس! خلق النوق جميعا لكن الناقة، ناقة صالح لتشريفها وتعظيم قدرها نسبت إلى الله ، تبارك وتعالى، وإن كان خالقا لكل الأشياء، كما نسب البيت أيضا لله حيث قال (وَطَهِّرْ بَيْتِىَ) [سورة الحج آية‫:‬ ٢٦] كما نسبت المساجد أيضا (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ) [سورة التوبة آية‫:‬ ١٨] ونسبت الروح أيضا إليه حيث قال‫:‬ (فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا) [سورة مريم آية‫:‬ ١٧]، فكذلك هنا يقول الله ، تبارك وتعالى، (فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى) إذا الروح هنا نسبتها إلى الله ، تبارك وتعالى، نسبة تشريف أي الروح التي هي من أمر الله ، تبارك وتعالى، (فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِينَ (٧٢)) خروا له ساجدين، السجود لآدم ليس سجود عبادة لآدم سجود تعظيم تبجيل واحترام وتوقير كما سجد إخوة يوسف ليوسف (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًۭا ۖ ) [سورة يوسف آية‫:‬ ١٠٠]، السجود طاعة لله، ولله ، تبارك وتعالى، أن يأمر بما يشاء، جعل آدم قبلة للملائكة والسجود لله وليس لآدم فأنت تسجد في اتجاه القبلة، أنت تقف وتتجه إلى الكعبة وتسجد للكعبة أي لاتجاه الكعبة، فالسجود من حيث الاتجاه والوجهة إلى الكعبة ومن حيث الحقيقة السجود لله فكذلك سجود الملائكة لآدم أي لاتجاه آدم وكأن آدم جعل قبله للملائكة والمسجود له بحق هو الله، فإما هذا وإما أن السجود كما قلنا سجود تعظيم أو تبجيل وهو طاعة لله ولله أن يأمر بما يشاء‬
‫(فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣)) لم يتخلف منهم أحد سجد الملائكة كلهم بعدما سألهم ربنا عن الأسماء ثم سأل آدم ثم أنبأهم آدم وأنتم تعلمون القصة من سورة البقرة‫.‬‬
‫(إِلَّآ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ (٧٤)) هل إبليس كان من الملائكة؟ ذاك قول مرجوح، إبليس من الجن كما يقول الله ، تبارك وتعالى، (إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ ۗ ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٥٠]، هنا الكلام للملائكة والكلام على التغليب كما يخاطب الإنسان أناسا فيهم الرجال وفيهم النساء وفيهم الأطفال فإذا خاطب الجمع خاطبهم بلغة التذكير، فإن قال يا أيها الرجال شمل الخطاب كل الحاضرين، قال الرجال تغليبا للحاضرين، فحين يقول الله ، تبارك وتعالى، "للملائكة تغليبا للحاضرين وإن كان فيمن حضر بعض الجن، (إِلَّآ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ) أعطى لنفسه ما ليس لها من حق، اعتقد في نفسه أفضلية ليست لها، الاستكبار دائما وأبدا في المخلوقين بغير حق، الاستكبار بحق في حالة واحدة إذا كان المستكبر هو المتكبر، سبحانه وتعالى، هو الله المتكبر بحق وأي مخلوق يتكبر فهو متكبر بغير حق لأن الله ، تبارك وتعالى، هو المتكبر (ٱسْتَكْبَرَ) استعظم الأمر واستعظم نفسه في نفسه (وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ (٧٤)) أي وصار من الكافرين أو كان في علم الله أذلا من الكافرين، وجاء السؤال من الله ، تبارك وتعالى، (مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قَالَ يَـٰٓإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ ﴿75﴾
‫(مَا مَنَعَكَ) ما منعك‫:‬ ما صدك، (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ) ما حال بينك وبين السجود (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ۖ ) هل خلق الله ، تبارك وتعالى، آدم بيده؟ اليد هنا قالوا هي كناية عن القدرة، عن قدرة الله ، تبارك وتعالى، خلقت بيدي أي بقدرتي، قالوا أن اليد هنا بمعنى أن الله ، تبارك وتعالى، خلقه بغير واسطة أو معاونة، (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ۖ ) قالوا اليد في القرآن صفة من صفات الله ، تبارك وتعالى، (يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ ) [سورة الفتح آية‫:‬ ١٠] ولا تعني أي شيء، هو ، تبارك وتعالى، وصف نفسه بهذا فهي صفة من صفات الله، وقالوا بل كلمة اليد هنا معناها تشريف آدم ورفع قدر آدم (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ۖ ) خاطب الناس بما عهدوه، فالرئيس من الناس زعيم القبيلة، زعيم القوم، الملك في الأرض كل شيء يصنع له، يسقى ويطعم ويلبس وهكذا، فإن أراد الملك أن يصنع شيئا بيده فلا بد أن ذاك المصنوع أو المفعول بيد الملك ذو شأن عظيم لأن الملك لا يأتي بيده ولا يفعل بيده إلا ما هو ذو شأن عظيم فخاطبهم على قدر عقولهم فقال‫:‬ (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ۖ ) تشريفا وتعظيما لقدر آدم‫.‬ وقالوا أن ذكر اليد تعني بغير واسطة، هي صفة من صفات الله ، تبارك وتعالى، اليد تعني القدرة، تعني لمجرد التشريف، وقرئت‫:‬ (بيدي) بالإفراد وقرئت‫:‬ (بيدي) بالتثنية، نسب الخلق لله والله خالق لكل شيء بقدرته، كل المخلوقات خلقت بقدرة الله ، تبارك وتعالى، وكل الممكنات في قدرته سواء فخلق أمه كخلق إنسان وخلق نمله كخلق كافة الأكوان، كن فيكون، إذا معنى كلمة (خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ۖ ) المقصود بها التشريف‬
‫(أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ (٧٥)) السؤال أستكبرت؟ هل تكبرت بغير حق أم كنت من العالين أي أم كنت من الذين علوا واستحقوا التفوق؟ هل أنت حين امتنعت عن السجود امتنعت لأنك تكبرت بغير حق وتعاظمت؟ أم أنك فعلا من الذين علوا، من أصحاب العلو والتفوق فلا يجوز ذلك السجود، ذاك معنى، المعنى الآخر أستكبرت الآن أم كنت من العالين أم كنت من المتكبرين أصلا ولم يظهر هذا الكبر إلا الآن بالأمر، حين أمر بالسجود ظهر الكبر وهو فيه من الأصل أستكبرت الآن أن تلك الصفة فيك من الأزل منذ خلقت يا إبليس؟.‬
‫وقرئت‫:‬ (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت)، بهمزة الوصل بغير سؤال، أم كنت من العالين) أي منعك من السجود لما خلقت بيدي استكبارك، أم بمعنى بل، بل كنت من العالين كقول الله ، تبارك وتعالى، (أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ ) [سورة هود آية‫:‬ ١٣] أي بل يقولون افتراه، إذا الله ، تبارك وتعالى، يقول له أن المانع من سجودك هو استكبارك أم أن الأمر أنك أيضا أو أصلا من العالين من المستكبرين عن الحق عن أمر الله ، تبارك وتعالى، وجاء رد إبليس غير المتوقع قال إبليس في رده‫:‬ (قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ ۖ ) معللا لعدم السجود معللا الاستكبار أو العصيان ودلل على الخيرية بعنصر الخلق (خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ (٧٦)) تلك كانت الإجابة ومن الغريب لو تأملت لوجدت أن آدم حين أكل من الشجرة (وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ (١٢١)) [سورة طه آية‫:‬ ١٢١]، سأله ربه أيضا وقال يا آدم لم أكلت من هذه الشجرة (وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٢٢]، نفس السؤال حين رد آدم قال ظلمت نفسي ذاك كان رده لم يبرر، لم يعلل ولم يبرر هي كلمة واحدة (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ (٢٣)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٢٣]، لم أكلت؟ أخطأت، لم عصيت؟ أخطأت، وإذا لم تدركني برحمتك هلكت، ذاك كان رد آدم فتداركه الله بالرحمة، ترى لو رد إبليس حين سئل (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ (٧٥)) ترى لو رد إبليس ظلمت نفسي وجهلت أمري وعصيت وإن لم تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين، لو رد هذا الرد أكان يرحم؟ أخطأ إبليس، أخطأ في الإجابة علل وربنا ، تبارك وتعالى، لا يحتاج لتعليل من هنا كان الحديث (مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ) ربنا يعلم فحين يسأل لا يحتاج إلى تعليل لأنه يعلم ما انطوت عليه النفوس، السائل حين لا يعلم ويسألك لم تأخرت بالأمس فأنت تبرر لأنه لا يعلم الغيب، أما الله فهو العالم بما كان وما هو كائن إلى يوم الدين‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ ﴿76﴾ قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌۭ ﴿77﴾ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴿78﴾
أخطأ إبليس في البداية أنه علل (خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ (٧٦)) فكانت الإجابة (قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌۭ (٧٧))، (قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا) : من الجنة، (فَٱخْرُجْ مِنْهَا) من السموات، (فَٱخْرُجْ مِنْهَا) من الصورة الجميلة الملائكية التي كان عليها، (فَإِنَّكَ رَجِيمٌۭ (٧٧)) أي مرجوم، كقتيل أي مقتول، مرجوم بالشهب والشياطين ممنوع من الصعود أو التسمع إلى الملأ الأعلى، حرم من الملأ الأعلى، حرم من المكان الأشرف والأعلى، (فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌۭ (٧٧)) وذاك ليس عقوبة على عصيانه وإنما ذاك من أجل استكباره لأن الملأ الأعلى ليس فيه مكان لمتكبر بل هو مكان للخاشعين القانتين، لأن الله ، تبارك وتعالى، بين لنا ذلك في موضع آخر حيث قال‫: (فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ (١٣)) [سورة الأعراف آية‫: ١٣]، ليس هذا المكان مكان الكبر بل مكان الخشوع والقنوت والطاعة لله، ما من موضع قدم إلا فيه ملك راكع أو ساجد لله، من هنا كان خروج إبليس مرجوم بسبب استكباره، أما العصيان فله عقوبة أخرى يوم القيامة في دار الجزاء، والدنيا ليست دار جزاء بل الدنيا دار عمل من هنا قال الله ، تبارك وتعالى، (فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌۭ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ (٧٨)) الغريب أن الله وقت حدود وغاية اللعن بيوم الدين (إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ (٧٨)) أي إلى يوم القيامة فهل بعد يوم القيامة لا يلعن إبليس، بل يرحم، ينتهي اللعن بيوم القيامة؟ ملفتة للنظر!! (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ (٧٨)) أي إلى غاية يوم الدين حيث يتوقف اللعن؟ نعم يتوقف اللعن في يوم الحساب لأن في يوم الحساب ليس هناك لعن بل تحقيق اللعن، بإدخاله جهنم ينتهي اللعن، اللعن‫: الطرد من الرحمة فهو مطرود لا يقبل له توبة ولا يقبل له استغفار مطرود من الرحمة ملعون على كل لسان إلى يوم القيامة يتحقق اللعن، فغاية اللعن يوم القيامة حيث في يوم القيامة يحدث الجزاء، يوم القيامة يوم الجزاء يبدأ الجزاء وينتهي العمل فهو غاية اللعن (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ (٧٨)) هنا لم يتدارك إبليس أمره أو نفسه، وكل لنفسه فسأل‫:
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿79﴾ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ﴿80﴾ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴿81﴾
‫(قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)) سؤال وربنا ، تبارك وتعالى، هو المجيب، فسأل فأجيب، لم يسأل المغفرة لم يسأل الرحمة سأل ألا يموت الآن (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩))، الكبر والاستكبار قاتل، أول من سن الكبر في الدنيا إبليس يحمل وزر كل متكبر إلى أن تقوم الساعة، (وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَام سُنَّة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وِزْرهَا وَوِزْر مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة)، (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ) أخرني إلى يوم يبعثون إلى النفخة الثانية، إذا طلب ألا يذوق الموت، ألا يموت أبدا، وأن ينظر إلى يوم يبعث الخلائق فأجابه الله ، تبارك وتعالى، لكن إلى يوم الوقت المعلوم (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ (٨٠)) كما طلبت (إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ (٨١)) إلى النفخة الأولى حيث يصعق إبليس ويموت مع من يموت (كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٨٥]، الوقت المعلوم يوم انقضاء الدنيا يوم النفخة الأولى يموت إبليس كما يموت الناس ويموت كل ما هو موجود ويصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فأخره ربه، هنا للمرة الثالثة يقول إبليس وبئس ما قال‫:‬‬
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿82﴾ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿83﴾
منتهى الكبر المتأصل، منتهى الإصرار على العصيان والكفر، منتهى الحقد والحسد على آدم، لم يتراجع أتيحت له فرص حين سئل، حين أتيح له أن يطلب فطلب التأخير، بعد كل ذلك ها هو يتحدى ويقسم بعزة الله الذي عصاه (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)) لأضلنهم، أحرضهم على المعاصي، أزين لهم في الدنيا وقد علم الملعون أنه لا تأثير ولا سلطان له على مخلوق إلا بالوسوسة، وبوسوسته يضل من سبق عليه الضلال فالضالون لو لم يوسوس لهم إبليس لضلوا أيضا، إي وربي، إي وربي، فما هو إلا عمل كتب عليه ليذوق به بئس العذاب (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ (٨٣)) وقرئت‫:‬ (المخلصين)، المخلصين‫:‬ أخلصتهم لطاعتك، أخلصتهم لرضوانك ومرادك، أو المخلصين‫:‬ المخلصين في عبادتك وطاعتك واتباع أمرك واجتناب نهيك‫.‬‬
‫قال الله ، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ ﴿84﴾ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿85﴾
‫(قَالَ فَٱلْحَقُّ) الله، تبارك وتعالى، يقول (قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ (٨٤))، (قَالَ فَٱلْحَقُّ) أي فأنا الحق أو (فَٱلْحَقُّ) أي فالحق لأملأن جهنم، أي الحق أن أملأ جهنم، ذاك هو الحق، (قَالَ فَٱلْحَقُّ) أي الحق قسمي ويميني (وَٱلْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)) أي قولي الحق وقرئت‫:‬ (قال فالحق ) بالنصب أي فاتبعوا الحق، النصب على الإغراء أو استمعوا الحق أو فالحق أي أقسم الله ، تبارك وتعالى، بذاته فنصبت على القسم لحذف حرف القسم، بالله، فإن حذفت الباء قلت الله لتفعلن (فالحق ) أي أقسم بالحق لأملأن جهنم (وَٱلْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)) جملة اعتراضية بين القسم والمقسوم عليه، القسم‫:‬ الحق، المقسوم عليه‫:‬ (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) لأملأن جهنم، (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ) منك يا إبليس ومن جنسك وذريتك وأتباعك (وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)) من بني آدم أجمعين‫.‬‬
‫وتختم السورة بالأمر الإلهي للنبي صلي الله عليه وسلم‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍۢ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ ﴿86﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ ﴿87﴾ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعْدَ حِينٍۭ ﴿88﴾
‫(قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ) على القرآن (قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ) على الإنذار (قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ) على هذا الهدى والإنباء والإخبار، (قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍۢ ) إن كنتم تعقلون هل سألتكم أجرا على ذلك؟ أبدا، (وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)) المتصنعين بما لست له أهلا، فلا أتقول القرآن ولا أدعي النبوة ولا أتخرص بما ليس لي به علم ولا أصف نفسي بما لست موصوفا به، التكلف‫:‬ التصنع (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ (٨٧)) حقيقة القرآن ذكر للعالمين لكل الناس وللإنس وللجن (إِنْ هُوَ) أي وهذا القرآن وهذا الوحي ذكر وموعظة وتذكير وإنذار‫.‬‬
‫ويأتي التهديد والوعيد (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعْدَ حِينٍۭ (٨٨)) أي لتعلمن حقيقته وصدقه وحقيقة أمره (بَعْدَ حِينٍۭ (٨٨)) بعد الموت (بَعْدَ حِينٍۭ (٨٨)) يوم القيامة (بَعْدَ حِينٍۭ (٨٨)) بظهور الإسلام (بَعْدَ حِينٍۭ (٨٨)) بقتل صناديد قريش في بدر، الحين‫:‬ الفترة من الزمان بغير نهاية بغير غاية، قد يطلق الحين على الفترة المعينة من الزمان (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُۥ) أي نبأ هذا القرآن وصدقه بعد حين‫.‬‬
‫وختمت سورة ص بهذا الوعيد وبهذا التهديد وختمت بالدليل على نبوة النبي ، صلى الله عليه وسلم، وعلى صدقه حيث أخبرنا بما لم نشاهد ولم نعلم ولم يكن هو حاضرا، أخبرنا بنبأ الملأ الأعلى إذ يختصمون وأنبأنا بصفات التوحيد وأنبأنا بصفات الله ، تبارك وتعالى، العزيز الغفار رب السموات والأرض وما بينهما القهار، أنبأنا بكل ذلك وحذرنا وأتاح لنا الفرصة أن نراجع أنفسنا‫.‬‬
‫إن القياس أمر مسموح به ولكن بشروطه، والقياس هو مصدر من مصادر التشريع، لكن القياس إذا كان خطأ أودى بصاحبه ولم يؤدي إلى النتيجة المرجوة‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم الفضل كله لله، والله ، تبارك وتعالى، يمنح من فضله ما يشاء لما يشاء وليس هناك فضل لشيء مطلقا، وليس هناك فضل لذوات الأشياء وإنما الله ، تبارك وتعالى، يفضل ما يشاء على ما يشاء ويهب من فضله ما يشاء لمن يشاء والله ذو الفضل العظيم، وإذا تأملنا في قصة إبليس لوجدنا أن إبليس قاس فأخطأ القياس حيث قال‫: (قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ ﴿١٢﴾)‬ [ سورة الأعراف آية : ١٢] قاس العناصر عنصر النار وعنصر الطين قاس فأخطأ القياس، فضل النار على الطين باعتبار العنصر، عنصر النار القوة النار تدمر، النار تصعد النار تتأجج، النار تنتشر، النار تعلو، أما الطين فلا يتأجج ولا يلتهب ولا يشعل شيئا ولا يضر ولا يزيد وإنما هو يهبط ينزل إلى أسفل، فقاس العنصرين أخطأ القياس واعتبر الأفضلية بالعنصر، العنصرين‫: (خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ ﴿١٢﴾)‬ [ سورة الأعراف آية : ١٢] وغفل إبليس عن أمور، أولا غفل إبليس عن إن الفضل ليس في العناصر وأن العناصر متجانسة وإنما الفضل بتفضيل من يملك ذلك، هو الله الذي يفضل ما شاء على ما يشاء، غفل إبليس عن الفاعل، هذه النار، وهذا هو الطين ذاك عنصر وذاك عنصر نظر لي العنصرين وغفل عن الفاعل الخالق الذي خلق النار وخلق الطين وخلق إبليس من النار وخلق آدم من الطين، إذا فالفاعل هو الله ولا فضل لنار على الطين في شيء ولا بشيء، تلك أول ما غفل عنه إبليس‫.‬‬
‫أيضا غفل إبليس عن الصورة، وظر إل العنصر باعتبار العنصر غفل ع الفاعل ثم غفل عن الصورة حين خلق الله ، تبارك وتعالى، إبليس خلقه من مارج من نار قال له.كن، فكان، حين خلق آدم قال‫:‬ خلقت بيدي فنسب الخلق لنفسه وقال‫:‬ (فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى) [سورة الحجر آية : ٢۹] فغفل عن الصورة، عن التصوير، عن الإحياء بالنفخ بأمر الله من روح هي من أمر الله ، تبارك وتعالى، فذاك التصوير غفل عنه إبليس‫.‬‬
‫أيضا غفل إبليس عن الغاية، ما هي الغاية في عنصر الطين الذي استكبر عليه إبليس؟ (إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٣٠]، تلك هي الغاية أن يملك آدم الأرض وما عليها، أن يتملك التصريف فيها بأمر الله، أن يؤهل لعمارتها وتصريف الأمور فيها فعلم الأسماء التي جهلتها الملائكة، غفل إبليس عن كل ذلك، عن الفاعل سبحانه وتعالى الذي يختار ما يشاء (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ۗ ) [سورة القصص آية‫:‬ ٦٨]، غفل عن الصورة كيف تصور آدم وكيف نفخ فيه من روح الله (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى) [سورة الحجر آية : ٢۹] كيف شرف آدم ورفع قدره بقول الله ، تبارك وتعالى، (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ۖ ) كأنه تخصيص لآدم دون باقي المخلوقات، غفل عن الغاية والهدف، غفل أيضا إبليس عن أن الله ، تبارك وتعالى، له أن يأمر بما شاء وأن السجود لآدم طاعة لله ، تبارك وتعالى، والسجود لآدم ما هو إلا تنفيذ لأمر الله ، تبارك وتعالى، وأن آدم من خلقه وإبليس من خلقه ولله ، تبارك وتعالى، أن يسخر خلقه لخلقه كيف شاء، ألم يسخر لنا الأنعام؟ ألم يسخر لنا الخيل والبغال والحمير لنركبها؟ ألم يسخر لنا النحل يسعى ويأتي لنا بالعسل؟ ألم يسخر لنا الأرض؟ (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مِّنْهُ ۚ ) [سورة الجاثية آية‫:‬ ١٣]، لله ، تبارك وتعالى، أن يفضل ما شاء على ما يشاء‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم الكبر صفة سنها إبليس ولا تؤدي بصاحبها إلا إلى الصغار يوم القيامة، حيث ينبئنا نبينا ، صلى الله عليه وسلم، فيقول (يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، النمل الصغير المحطم الذي تحطمه الأقدام، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ) ويقول النبي ، صلى الله عليه وسلم، (مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللهُ) وما ازداد عبد بتواضعه إلا رفعة‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم الله ، تبارك وتعالى، هو المتكبر بحق ولذا ورد في الحديث القدسي قول الله ، تبارك وتعالى، (الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، والْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَصَمْتُهُ)، أيها الأخ المسلم كن من الموطئين كنفا، من أحاسن الناس أخلاقا، فهؤلاء هم أقرب الناس من النبي ، صلى الله عليه وسلم، يوم القيامة‫:‬ (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي؟»، قَالُوا‫:‬ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا الْمُوَطَّئُونَ أكْنَافُهُمْ، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ). التواضع صفة طيبة، التواضع صفة الصالحين الكبر صفة العاصين المتجبرين الذين يحشرون يوم القيامة كهشيم الذر.