سورة الصافات

مقدمة‬
‫لقاؤنا مع سورة الصافات، وسورة الصافات مكية نزلت بمكة، وحين نزل النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى أهل مكة بالنور المبين جاءهم بكلمة عليها قامت السموات والأرض وبها صلح أمر الدنيا والآخرة (لا إله إلا الله) وحين جاءهم بهذه الكلمة تعجبوا وسخروا واستهزأوا وقالوا‫:‬ (أَجَعَلَ ٱلْـَٔالِهَةَ إِلَـٰهًۭا وَٰحِدًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌۭ (٥)) [سورة ص آية‫:‬ ٥].‬
‫وينبئنا ربنا، تبارك وتعالى، فيقول‫:‬ (وَعَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌۭ مِّنْهُمْ ۖ ) [سورة ص آية‫:‬ ٤]، حين تعجبوا من وحدانية الإله وقالوا أن هذا الملك الواسع كيف يسعه فرد واحد نزلت سورة الصافات بالقسم‫:‬‬

وَٱلصَّـٰٓفَّـٰتِ صَفًّۭا ﴿1﴾ فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْرًۭا ﴿2﴾ فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْرًا ﴿3﴾ إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌۭ ﴿4﴾ رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَـٰرِقِ ﴿5﴾
أقسم الله، تبارك وتعالى، بأشياء اختلف العلماء في تفسيرها، والقسم في القرآن فائدته تعظيم المقسم به وتأكيد المقسم عليه، الصافات‫:‬ أصلا من الصف، والصف ترتيب الجمع في خط واحد، الصافات جمع الجمع (وَٱلصَّـٰٓفَّـٰتِ صَفًّۭا (١))، قيل هم الملائكة الذين اصطفوا اصطفاف العبيد لمليكهم منتظرين أوامره فيهم، وقالوا الملائكة تصف أجنحتها، وقالوا بل هي الطير (أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـٰٓفَّـٰتٍۢ) [سورة الملك آية‫:‬ ١٩] وقالوا بل هي جموع الطائعين الذين اصطفوا في العبادة واصطفوا في الصلاة، وقيل بل هي جموع الغزاة اصطفوا للقتال ولإعلاء كلمة الله، وقيل بل هي الأجرام التي خلقها الله، تبارك وتعالى، فاصطفت مأمورة‫.‬‬
‫(فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْرًۭا (٢)) الزجر‫:‬ السوق والتنظيم والترتيب لمن تسوقه، (فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْرًۭا (٢)) قالوا الملائكة تزجر الشياطين، قالوا الملائكة تلهم الناس الطائعين بالبعد عن المعاصي فللملك لمة وللشيطان لمة، وقالوا بل هم جموع الطائعين والعلماء والعباد يزجرون الناس عن المعاصي يبينون لهم طريق الهدى ويحذرونهم من طريق الردى، وقالوا بل هم الغزاة يزجرون العدو أو يزجرون الخيل لتصطف للجهاد، وقالوا بل هم الملائكة يزجرون السحب فيسيروها حيث أمر الله، وقيل بل يزجرون الكواكب السيارة فتسير في مدارها الذي قدره لله‫.‬‬
‫(فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْرًا (٣)) قالوا جبريل حيث تلى القرآن على النبي ، صلى الله عليه وسلم، وعبر عنه بصيغة الجمع لعظمته في الملأ الأعلى، وقالوا بل هم الملائكة المكرمون بأيديهم صحف مطهرة يتلون آيات الله، قالوا بل هم العباد الزهاد هم العلماء يتلون آيات الله آناء الليل وأطراف النهار يفسرونها ويعلمون الناس الخير، وقالوا بل (فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْرًا (٣)) هي آيات القرآن الكريم فهي تتلى على الناس تذكرهم بالآخرة وتذكرهم بالله، تبارك وتعالى، أقوال، وأقوال والله أعلم بمراده‫.‬‬
‫وقالوا‫:‬ أن العطف لتغاير الذوات وقالوا إن العطف لتغير الصفات وقالوا الفاء لترتيب الرتبة بل لترتيب الوجود بل لترتيب المعاني، واختلفوا وأجاز الله، تبارك وتعالى، لهم الاجتهاد من أصاب له أجران ومن أخطأ له أجر ولا يعلم تأويله إلا الله، وجواب القسم (إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌۭ (٤)) المتفرد بالوحدانية سبحانه وتعالى لا يشابه الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام ليس كمثله شيء هو الفرد الأحد والدليل على ذلك، على أن (إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌۭ (٤))، (رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَـٰرِقِ (٥)) دليل الوحدانية أن الله، تبارك وتعالى، هو رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق، واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لأنه طالما كانت هناك مشارق فلا بد وأن تكون هناك مغارب، والمشارق أدعى للتأمل لأن الكواكب إذا أشرقت رأتها العيون، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى، لنا تأملوا في السموات وفي الأرض من خلقها؟! من أوجدها؟! إذا كان الله، تبارك وتعالى، قد خلقها وأوجدها فمن نظمها وسيرها وهي على وتيرة واحدة منذ خلقت إلى الآن لا اختلاف فيها ولا تناقض، المشارق معلومة محسوبة لسنوات بل يمكن أن تحسبها لقرون لانتظامها، من الذي نظمها؟ هذا الانتظام في السموات والأرض والكواكب والشموس وما بينها، وما بين السموات والأرض يدخل فيه العباد والبهائم والنبات والحشرات والحيوان بل وأفعال العباد كذلك مخلوقة، كل ذلك منتظم دليل على وحدانية المدبر (إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌۭ (٤) رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) استئناف أو خبر بعد خبر أو بدل من كلمة "واحد" الواحد الذي هو رب السموات والأرض، والرب أصلا من التربية‫.‬‬
‫والتربية هي إيصال الشيء إلى كماله بحسب استعداده شيئا فشيئا، فهو رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق صاحبها خالقها مدبرها مصرفها‫.‬‬
إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ ﴿6﴾ وَحِفْظًۭا مِّن كُلِّ شَيْطَـٰنٍۢ مَّارِدٍۢ ﴿7﴾ لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍۢ ﴿8﴾ دُحُورًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ وَاصِبٌ ﴿9﴾ إِلَّا مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ ثَاقِبٌۭ ﴿10﴾
‫(إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ (٦)) "بزينةِ الكواكب" "بزينةٍ الكواكبَ" السماء الدنيا‫:‬ القربى، الأدنى‫:‬ القريب، الأبعد‫:‬ البعيد، السماء الدنيا هي أقرب السموات إلينا تلك هي السماء الأولى السماء الدنيا القريبة، زين الله السماء الدنيا بزينة الكواكب أو بزينة الكواكب أو بزينة الكواكب بالإضافة، إذا فقد زين السماء بالكواكب أو زين الكواكب أو زين السماء بزينة هي الكواكب، الكواكب التي تراها مضيئة بالليل ولولاها لأظلمت الدنيا، وأنت لا تعتقد أنها تضيء أو تنير الكون ولكن في يوم فيه الغمام شديد أو في اليوم المطير تجد أن الظلام حالك وفي اليوم الصافي تجد أن السماء بهذه الزينة تضيء ويعرف ذلك المسافرون بالبحار والمسافرون في الصحراء يجدوا أن الأنس كله بهذه النجوم تؤنس وتطمئن وتنير، وهي زينة زين الله، تبارك وتعالى، السماء بزينة الكواكب‫.‬‬
‫(وَحِفْظًۭا مِّن كُلِّ شَيْطَـٰنٍۢ مَّارِدٍۢ (٧)) حفظها أيضا من الشياطين المردة، والمارد‫:‬ المتجرد من كل خير، والفتى الأمرد من لا شعر في جسده من لا شعر في لحيته، ومادة الكلمة التمرد تفيد معنى التجرد فالمارد العاتي الذي تجرد من كل حب للخير تجرد للشر فقط فهو العاتي الشيطان المريد والمارد المتمرد ومتجرد على الشر، (وَحِفْظًۭا) أي هذه الكواكب منها ما هو حافظ للسماء الدنيا من كل شيطان مارد (لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰ) (لا يسمعون إلى الملإ الأعلى) قراءتان أي أن هذه الكواكب تحفظ السماء من أن يستمع إلى الملإ الأعلى فيها، والملأ الأعلى هم الملائكة (لَّا يَسَّمَّعُونَ) أي لا يتسمعون إلى الملإ الأعلى، وجاء بكلمة "إلى" ولم يقل يسمعون للملإ الأعلى ليفيد أن استماعهم فيه محاولة الإنصات وأن هذا أمر لا يمكن أن يحدث، مجرد الاستماع لا يسمعون إلى الملإ الأعلى (وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍۢ (٨)) يقذفون من كل جانب بالشهب التي سخرها الله، تبارك وتعالى، لحرقهم ومنعهم من الاستماع، يقذفون من كل جانب من جوانب السماء‫.‬‬
‫(دُحُورًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ وَاصِبٌ (٩)) دحورا أو (دَحورا)، مدحورين مطرودين خاسئين لا يستطيعون السمع لأنه إذا حاول المارد أن يستمع إلى الملإ الأعلى وذهب وتلصص للاستماع جاءه الشهاب من حيث لا يدري ولا يحتسب من كل جانب من جميع الجوانب فاحترق فلا يستمع، قالوا إما أن يحترق ويموت وقالوا إما أنه يعذب بهذا الاحتراق ولكنه لا يموت ويعود مره أخرى بدليل أنهم يعودون دائما ويقذفون من كل جانب ولو كان محاول الاستماع احترق ما عاد غيره، يقذفون من كل جانب (دُحُورًۭا ۖ ) مدحورين مطرودين خاسئين (وَلَهُمْ عَذَابٌۭ وَاصِبٌ (٩)) ويجوز الوقف على كلمة (دُحُورًۭا ۖ ) سواء قرئت‫:‬ دحورا أو دحورا (وَلَهُمْ عَذَابٌۭ وَاصِبٌ (٩)) أي غير هذا العذاب وغير هذا القذف وغير هذا الإحراق، لهم عذاب آخر وهو عذاب الآخرة، : دائم، وصب، يصب‫:‬ دام وثبت ومنه قول الله، تبارك وتعالى، (وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا ۚ ) [سورة النحل آية‫:‬ ٥٢] أي دائما ثابتا، (وَلَهُمْ عَذَابٌۭ وَاصِبٌ (٩)) عذاب دائم مؤلم موجع وهو عذاب الآخرة غير عذاب الدنيا (إِلَّا مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ) (إلا من خطف) ، (إلا من خطف) (ٱلْخَطْفَةَ) (فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ ثَاقِبٌۭ (١٠)) ، (إِلَّا مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ) الخطف‫:‬ الاختلاس والأخذ بسرعة وهذه الخطفة التي يخطف أولا، فيما هو غير الوحي، لا يمكن أن تكون الخطفة أو الاختلاس مما يوحى به إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، أو إلى الأنبياء عموما لأن الله، تبارك وتعالى، قال في شأنهم (إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٢١٢]، إذا فهم لا يسمعون الوحي أصلا، أما فيما سوى الوحي من أمور يتكلم فيها الملأ الأعلى، أمور تحدث في الدنيا مقادير الأرزاق آجال العباد، ما يحدث في هذه الدنيا قد يتكلم فيها الملائكة قبل أن تقدر أو قبل أن تنزل إلى السماء الدنيا فيخطف هذا المارد الخطف، ولكن قبل النبي، صلى الله عليه وسلم، كان المارد والشيطان إذا خطف الخطفة نزل بها ونجى من الشهب ونزل بها إلى الكاهن فيعطيها له فيضيف عليها مائة كذبة ويحدث بها الناس فيصادف كلامه واقعا فيسأله الناس ويصدقونه فكانت الكهانة منتشرة قبل النبوة كما قال نبينا، صلى الله عليه وسلم، وكما قالت الجن عن نفسها (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَـٰعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلْـَٔانَ يَجِدْ لَهُۥ شِهَابًۭا رَّصَدًۭا (٩)) [سورة الجن آية‫:‬ ٩]، فبعد بعثة النبي، صلى الله عليه وسلم، أصبح الخاطف للخطفة لا يمكن أن ينزل بها لأنه (إِلَّا مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ ثَاقِبٌۭ (١٠)) إذا خطفها أتبعه شهاب ثاقب، تبعه ولحقه ولا بد أن يدركه من هنا يقول‫:‬ (فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ ثَاقِبٌۭ (١٠)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٠]، ثاقب‫:‬ الشهاب المضيء الكتلة من النور والنار، والشهب‫:‬ النيران المتوهجة، الشهاب الثاقب الذي يثقب الجو بضوئه وكأنه يثقب الفضاء بضيائه وناره وكأنه يثقب المختطف أيضا فيفتته فإذا خطف الخطفة أتبعه شهاب ثاقب‫.‬‬
‫تلك كانت مقدمة سورة الصافات القسم بهذه الأشياء العظيمة والتي لا يعرف عظمتها إلا الله لأنه أقسم بها‫:‬ الصافات، الزاجرات، التاليات‫.‬ أقسم على وحدانية الإله سبحانه وتعالى ودلل على ذلك بأنه رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق‫.‬ هذا الانتظام إن دل على شيء يدل على وحدانية الخالق والمدبر، ثم هذه الزينة في السماء تبين لنا أن النجوم خلقت للزينة وخلقت رجوما للشياطين وخلقت أيضا لتهدي الناس في ظلمات البر والبحر وليس لها وظيفة أخرى، والذين يقرأون الطالع ويعتقدون أن النجوم تتحكم في مصائر الناس ويحسبون ميلاد الإنسان بالبروج ومواقع النجوم ويقدرون له حظه وما استقبل من أمره كل ذلك كهانة نهى الله عنها وكذب ودجل، فلا وظيفة للنجوم مطلقا إلا ثلاثة أشياء‫:‬ زينة، رجوما للشياطين، هداية الناس في ظلمات البر والبحر وما سوى ذلك ادعاء وكذب لا أصل له‫.‬‬
‫وبعد ذلك يقول الله، تبارك وتعالى، لحبيبه المصطفى، صلى الله عليه وسلم:
فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ۚ إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍۢ لَّازِبٍۭ ﴿11﴾
‫(فَٱسْتَفْتِهِمْ) سلهم سؤال من يطلب الفتيا، سؤال من يريد العلم ومن يطلب أن يتعلم (فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ۚ ) أي الأشياء أصعب في الخلق وأعظم في الحجم وأشد في القوة وأبقى في الوجود الناس أم من ذكر لك آنفا السموات والأرض وما بينهما والمشارق والمغارب والنجوم، والرجوم والكواكب والشياطين والمردة الذي يستطيع الواحد منهم أن يصعد إلى السماء الدنيا في طرفة عين فإذا بالشهاب يأتيه من كل جانب، أهم أشد خلقا أم كل ذلك تأمل (إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍۢ لَّازِبٍۭ (١١)) إن كنت قد غفلت عن خلقك فاعلم أنك خلقت من طين، والطين يداس بالنعال والطين خليط من الماء والتراب، والماء سائل مائع والتراب يذر، تذروه الرياح (إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍۢ لَّازِبٍۭ (١١)) لازب‫: لاصق أو لازق لزب، يلزب‫: لصق، والفرق بين اللاصق واللازق أن اللاصق لصق بعضه ببعض واللازق لزق بغيره، : (خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍۢ لَّازِبٍۭ (١١)) ملتصق متماسك، تماسك الماء والتراب فيه وإذا أنت جئت بالماء والتراب وصنعت طينا لا يكون لازبا، وانظر إلى أعضائك هل انفصل الإصبع عن اليد؟ هل سقطت الأذن من الوجه؟ هل التوى الأنف؟ هل وأنت تسير تركت قدمك وقد انفصلت هل تساقطت الأعضاء، (خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍۢ لَّازِبٍۭ (١١)) التصق بعضه ببعض وتماسك وهو طين وتراب‫.
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴿12﴾ وَإِذَا ذُكِّرُوا۟ لَا يَذْكُرُونَ ﴿13﴾
‫(بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)) بل عجبت يا محمد من إنكارهم البعث بعد كل هذه الأدلة، عجبت من إنكارهم لوحدانية الله، تبارك وتعالى، بعد كل هذه الآيات التي يرونها في الأرض وفي السماء، عجبت من تكذيبهم لك، عجبت من إنكارهم للبعث عجبت من هذه الآيات البينات التي نزلت عليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)) الواو للحال، لحال كونهم في سخرية مستهزئين بك وبكلامك وبآيات القرآن وبالبعث والنشور، أو (بَلْ عَجِبْتَ) وانتهى الكلام واستأنف فقال‫:‬ (وَيَسْخَرُونَ (١٢)) أنت في عجب من هذه الآيات الدالة الواضحة على وحدانية الله وهم يسخرون من ذلك بدلا من أن يؤمنوا ويتيقنوا ويرجعوا إلى الله ويسخرون ويستهزئون (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)) وقرئت من أهل الكوفة وعلى رأسهم بن مسعود ( بل عجبتُ) بالضم وحيرت القراءة العلماء (عجبتُ) الكلام من الله والعجب لا يكون إلا ممن لا يعلم، والله يعلم فكيف يعجب؟ كيف يقول ( بل عجبتُ) ؟ قالوا‫:‬ إن نسبة العجب إلى الله، تبارك وتعالى، كنسبة الاستهزاء ونسبة المكر فربنا يقول‫:‬ (ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٥]، أي يعاقبهم على استهزائهم، (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ ) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٠]، أي يفعل بهم ما يوازي مكرهم، فالعجب هنا معناه أنه يعاقبهم على هذا العجب الذي يتعجبوه، أو سخطه وغضبه عليهم يدعو للتعجب، أو (بل عجبتُ) أي عظم تكذيبهم عندي وعظم عذابهم لدي كما نسب إلى الله الضحك (لَقَدْ عَجِبَ اللهُ، أَوْ ضَحِكَ اللهُ) أي رضي عنكما (وَإِذَا ذُكِّرُوا۟ لَا يَذْكُرُونَ (١٣)) إذا ذكرهم النبي، صلى الله عليه وسلم، وتلى عليهم الآيات لا يذكرون ولا يتعظون، إذا وعظوا لا يوعظون وإذا ذكروا لا يذكرون‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَإِذَا رَأَوْا۟ ءَايَةًۭ يَسْتَسْخِرُونَ ﴿14﴾ وَقَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌ ﴿15﴾ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴿16﴾ أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ ﴿17﴾ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَٰخِرُونَ ﴿18﴾ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ﴿19﴾
‫(وَإِذَا رَأَوْا۟ ءَايَةًۭ) معجزة أو دليل (يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)) استسخر وسخر بمعنى واحد‫:‬ سخر منه استهزأ به أو هم يستخرون يستدعي بعضهم بعضا ليسخروا سويا، يحرضون بعضهم بعضا على السخرية، يطلب من غيره أن يسخر كما يسخر هو يعني لا يكتفي بأن يسخر هو بل يطلب من غيره أيضا أن يسخر‫.‬‬
‫(وَقَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌ (١٥)) وقد علموا الفارق بين السحر وبين المعجزة ومع ذلك يستكبرون ويجادلون ويسخرون ويستهزئون ويقولون إن هذا إلا سحر مبين على كلام الله، تبارك وتعالى، على القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، على هذه الآيات التي عجزوا أن يأتوا بسورة من مثلها عجزوا عنها ومع ذلك يسخرون ويقولون إن هذا إلا سحر مبين بل وكذبوا أيضا بالبعث وأنكروه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ الكافر ليس جاهلا بالله أو لا يعلم أو لا يتيقن أو في شك من وجود الإله، أبدا الكافر منكر مستكبر جاحد يخفي الحقائق ويجادل بالباطل يدحض به الحق، علة الكافر أمر واحد أنه لا يقبل ولا يرضى أن يحاسب على ما فعل، يريد أن يفعل ما شاء، هل الاعتراض على الحساب على فعل الخير؟ أبدا لأن للخير ثواب، إذا فالكافر يريد أن يعيث في الأرض فسادا وأن يسلب ويسرق ويزني ويظلم ثم لا يحاسب كيف لا يحاسب؟ بأن ينكر البعث يخادع نفسه (يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٩]، نعم يخدع نفسه، ومن أخطر الأمور أن يصاب الإنسان بفقد التمييز أو يبتلى الإنسان بالمكابرة والاستكبار عن الحق، فما من كافر على هذه الأرض إلا وهو مقر في دخيلة نفسه بوجود الله، منهم من يسميه الطبيعة ومنهم من يقول هكذا وجدت الأشياء، وهكذا أوجدتها الطبيعة، ومنهم من يقر (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ ) [سورة لقمان آية‫:‬ ٢٥]، فما من كافر إلا وهو عالم في دخيلة نفسه بوجود الإله القوة المسيطرة الموجدة المدبرة إلا أن الأصل في هذا الكفر أمور‫:‬ أولها إنكار البعث حتى لا يكون هناك حساب وعقاب (وَقَالُوا۟ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ ۚ ) [سورة الجاثية آية‫:‬ ٢٤].‬
‫الأمر الثاني‫:‬ الحسد لمن بعث نبيا، كيف يكون نبيا ولم يؤت سعة من المال كما قالت بنو إسرائيل وكما قال كفار مكة (وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٣١]‬
‫فهو حسد وحقد فيكذبوا الرسل ويكذبوا الأنبياء وينكروا البعث استكبارا وقد أنبأنا الله بهذا فقال‫:‬‬
‫(إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌۭ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ ) [سورة غافر آية‫:‬ ٥٦]، تحدثنا الآيات من سورة الصافات عن هؤلاء الكافرين من أهل مكة (وَقَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌ (١٥)) ويضربوا الأمثال (أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦)) إنكار للبعث أساس الكفر، أءذا متنا وتحولنا بعد الموت إلى التراب والعظام، لأن الإنسان إذا مات ومرت عليه الدهور يتحول إلى عظام رميمة وإلى تراب، أءذا متنا وتحولنا إلى التراب والعظام أءنا لمبعوثون نقوم بعد ذلك خلقا جديدا تعود الأجساد إلى طبيعتها وهيئتها وخلقتها ويتشكل التراب وتتشكل العظام وغفلوا عن قول الله، تبارك وتعالى، (إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍۢ لَّازِبٍۭ (١١)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١١]، أجزاء التراب مع الماء والتصقت بعضها ببعض، فكذلك إذا تحول الجسد إلى تراب مرة ثانية وإلى عظام هشة أمكن لله، تبارك وتعالى، الذي قدر على الإنشاء أن يعيدها بعد الإفناء فتلتصق وتتلاحم وتتجمع وتعود كما كانت، وإعادة الخلق أهون من ابتدائه وإن كان الله ليس لديه يسير وعسير ولكن من حيث تفكير الخلائق‬
‫(أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ (١٧)) (أو آباؤنا الأولون) بإسكان الواو على الترديد، نبعث نحن أو كذلك يبعث آباؤنا، أو كما قرأها (أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ (١٧)) الواو واو العطف (أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ (١٧)) فأدخل همزة الاستفهام الإنكارية على واو العطف، أءنا لمبعوثون أو آباؤنا الأقدمون مضت عليهم السنون والدهور والقرون وتحولوا إلى التراب وإلى الرماد وإلى العظام الهشة الرميمة، هل يبعثوا كما نبعث، (قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَٰخِرُونَ (١٨)) الإجابة مختصرة واضحة مؤكدة قل لهم يا محمد نعم تبعثون أنتم وآباؤكم الأولون ولكن تبعثون أذلاء صاغرين، (دَٰخِرُونَ (١٨)) داخرون‫:‬ مقهورون صاغرون أذلاء مجبورون على ذلك لا يملك أحدا منكم أن يمتنع كيف؟ (فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ (١٩)) الزجرة‫:‬ السوق، ويزجر الراعي غنمه يصيح بها فيجمعها إذن فهي صيحة، صيحة فيها الأمر فيها الزجر فإذا كل من في القبور خرجوا بمجرد الصيحة وهي النفخة الثانية (فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ) صيحة فيها الزجر فيها الأمر‬
‫فيها التجميع (فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ (١٩)) فجأة كن فيكون غير محتاج لأسباب، ومهما تفرقت الأجساد وتمزقت الأعضاء وتبددت الأشياء إذا قال الله "كن" تجمعت من أقاصي الأرض حتى، وإن كان الإنسان في بطون السباع أو حواصل الطير أو في أعماق الأرض أو المحيطات أو في الأجواء العليا أينما كان الملك ملكه والخلق خلقه وهو بكل خلق عليم، هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون ينظرون إلى البعث، ينظر بعضهم إلى بعض، ينظرون إلى النار التي حشرت معهم (فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ (١٩)) أي ينتظرون ما يفعل بهم، إما ينظرون بأعينهم إلى البعث الذي كانوا يكذبون به كيف حدث وكيف تم بكلمة وبصيحة، أو ينتظرون ما يفعل بهم، وألم الانتظار أبشع من وقوع المنتظر:
وَقَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ﴿20﴾ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ﴿21﴾
‫(وَقَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ (٢٠)) هم الذين قالوا يا ويلنا يستدعون الويل‫:‬ الهلاك والألم والعذاب، وكأن هذا اليوم وهذا الأوان أوان الويل فها هم يستدعون الويل ويطلبونه لأنفسهم بأنفسهم، هم الذين قالوا لأنفسهم (وَقَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ (٢٠)) الدين أي هذا يوم الجزاء، الدين بمعنى الجزاء، هذا يوم الدين (هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ (٢١)) إما قال بعضهم لبعض هذا، وإما قال لهم المؤمنون ذلك، وإما قالت الملائكة هذا لهم‫:‬ (هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ (٢١)) الفصل‫:‬ القضاء لأنه يفصل بين الحق والباطل، الفصل‫:‬ يفصل بين المؤمن والكافر يتميز المؤمن عن الكافر (وَٱمْتَـٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ (٥٩)) [سورة يس آية‫:‬ ٥٩]، (يَوْمَئِذٍۢ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)) [سورة الروم آية‫:‬ ١٤]،‬( هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ (٢١)) ‫، (يَوْمًۭا يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَٰنَ شِيبًا (١٧)) [سورة المزمل آية‫:‬ ١٧].‬
‫ويأتي النداء من العلى الأعلى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ﴿22﴾ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ ﴿23﴾ وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ ﴿24﴾ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ﴿25﴾ بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ﴿26﴾
‫(ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟) ، نداء لا عصيان فيه، نداء يسمعه الخلائق جميعا، نداء وأمر لملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وحين ينادي ربنا، تبارك وتعالى، بهذا النداء (ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ (٢٢) مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ (٢٤))، حينئذ تأتي‬
‫الملائكة بالسلاسل ويقيد العصاة الجبابرة بسلاسل، السلسلة ذرعها سبعون ذراعا ويقيدون فيها بالأيدي مقحمة أعناقهم، الأيدي إلى الأعناق بل ويقيدون أيضا من أقدامهم يسحبون بالسلاسل هم وأزواجهم، أصنافهم، الزناة مع الزناة، عبدة الأصنام مع عبدة الأصنام، شراب الخمر مع شراب الخمر، السراق مع السراق، الجبابرة والحكام الظلمة مع إخوانهم من الحكام والظلمة مقرنين أيضا مع قرنائهم من الشياطين، هو وشيطانه، هو وقرينه، هو وامرأته التي عاونته وعاونها على الكفر وكانت معه يسحبون بالسلاسل على وجوههم وتأتي جهنم وربنا يقول لملائكته اهدوهم إلى صراط الجحيم، دلوهم على الطريق إلى جهنم‬ (وَقِفُوهُمْ ۖ )
‫في الموقف واحبسوهم (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ (٢٤)) مسئولون عن كفرهم، عن عملهم، عن فسقهم، سؤال لا نهاية له إلا جهنم، وطالما سأل ربنا عاقب، الناجي من الناس من لا يسأل فقط، إي وربي، ومن نوقش الحساب هلك هكذا قال المصطفى، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ) قالت أم المؤمنين يا رسول الله كيف تقول هذا وربنا يقول (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًۭا يَسِيرًۭا (٨)) [سورة الانشقاق آية‫:‬ ٨]، قال يا عائشة إنما ذلك هو العرض، الحساب اليسير هو عرض الأعمال الصحائف (هَآؤُمُ ٱقْرَءُوا۟ كِتَـٰبِيَهْ (١٩) إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِى عِيشَةٍۢ رَّاضِيَةٍۢ (٢١)) [سورة الحاقة آية‫:‬ ١٩ - ٢١]،‬
‫لا سؤال ولا جواب عرض فقط، يعرض أعماله الطيبة على الخلائق وقد يرى هو جهنم من بعيد (إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١٠١]، (ومَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ)، هكذا قال النبي، صلى الله عليه وسلم، (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ (٢٤)) إذا فهم هالكون لأن الله، تبارك وتعالى، يعلم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة وإذا سأل إذاً هو يطلب الإجابة، السائل إذا سأل يسأل عن ما لا يعلم فتجيبه فيعلم ما لم يكن يعلم وربنا يعلم فلم يسأل؟ إذاً إن كان هناك سؤال فهو تقريع توبيخ تهديد إعداد للعقاب، إذا فهو سؤال يؤدي للعقاب ومن نوقش الحساب هلك، لذا يقول في هؤلاء‫:‬ (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ (٢٤)) في القيامة مواقف والقيامة ساعات ويوم القيامة يطول على الناس بخمسين ألف سنة مما يعدون مواقف ومواقف ونداءات، نداء من الملائكة ونداء من الناس ونداء من العلى الأعلى، من النداءات التي نطمع فيها جميعا نداء الله، تبارك وتعالى‫:‬ (يَـٰعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٦٨].‬
‫ومن النداءات التي نعوذ بوجه الكريم منها نداءه‫:‬ (ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ (٢٢) مِن دُونِ ٱللَّهِ)، نعم مواقف ومواقف ونداءات ونداءات وليس بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، الدنيا عمرها قصير وزادها قليل وخطرها حقير، ساعة يوم يبعثهم ربنا، تبارك وتعالى، يتساءلون ويتعارفون كأن لم يلبثوا إلا ساعة خمسون ألف سنة موقف، كم عمرك في الدنيا يا مسكين؟ خمسون سنة تعقل فيها، مرحلة الطفولة لا تعقل ولا تتذكر ولا تخطر على البال، الإنسان يعقل بعد ما يشب عن الطوق بعدما يكلف، فكم العمر؟ خمسون، حتى لو عمرت تسعين عاما منهم عشر سنوات لا تعقل ومنهم سنوات الشيخوخة لا تعقل أيضا ترد إلى أرذل العمر، وتنقضي عنك الشهوات وتتفرق عنك الأصحاب والخلان فسنوات العمر سنوات الشهوة سنوات الاستمتاع كم؟! الموقف للسؤال خمسون ألف سنة، نعم الدنيا ساعة‫.‬‬
‫ينبئنا ربنا، تبارك وتعالى، في سورة الصافات بهذا النداء لأولئك الذين قالوا حين سمعوا القرآن (وَقَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌ (١٥) أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ (١٧)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٥ - ١٧]، نعم يبعثون وهم داخرون يتنادمون ويتساءلون ويتخاصمون يقولون هذا يوم الدين ويقال لهم هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون، ويأتي النداء من العلى الأعلى لملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ (٢٢) مِن دُونِ ٱللَّهِ) الذين ظلموا، المشركون المجرمون، الكفار (إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌۭ (١٣)) [سورة لقمان آية‫:‬ ١٣]، (ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ) نساءهم الاتي كن معهم على الكفر في الدنيا، أزواجهم‫:‬ قرناءهم من الشياطين أزواجهم‫:‬ أشباههم فالزاني مع الزاني والسارق مع السارق وعابد الصنم مع عابد الصنم، يحشرون مع أشباههم أزواجهم‫:‬ أشباههم أشكالهم (وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ (٢٢) مِن دُونِ ٱللَّهِ) أيضا فتحشر معهم الأصنام والأوثان والعجول وهكذا كل من عبد شيئا حشر المعبود له، والآية عامة ولكن خصصت بقول الله، تبارك وتعالى، (إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١٠١]‬
‫لأن هناك من عبد عيسى ابن مريم أيحشر معه هناك من عبد عزير أيحشر معهم، إذا فهؤلاء مخصوصون لا ينطبق عليهم ذلك القول (ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ (٢٢) مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ (٢٣)) الهداية‫:‬ الدلالة بلطف، هداه الطريق‫:‬ هداه إلى الطريق دله إليه،‬
‫والتعبير بكلمة (فَٱهْدُوهُمْ) فيه النكاية فيه التوبيخ فيه القريع لأن هذا ليس بالهدى وليس بطريق الهدى وليس بالدلالة بلطف بل هم يساقون بالعنف مقرنين في الأصفاد (فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ (٢٣)) الصراط‫:‬ الطريق، إلى طريق الجحيم وجهنم لها أسماء كثيرة، وهي دركات، والدرك ما ينزل إلى أسفل والدرج ما يصعد إلى أعلى فهي دركات وأنواع لظى والجحيم وكذا وكذا أسماء وردت كلها في القرآن، (وَقِفُوهُمْ ۖ ) احبسوهم، وقف الدابة‫:‬ حبسها، الوقف‫:‬ الحبس، فربنا يقول قفوهم بعد أن جمعوهم وقيدوهم في السلاسل وجمعوا القرناء والأشباه والأزواج والأصنام كل ذلك مجموع جماعات جماعات، بعد الحشر والجمع والسوق إلى طريق جهنم قفوهم (وَقِفُوهُمْ ۖ ) الحبس للسؤال (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ (٢٤)) (وقفوهم أنهم مسئولون) قراءة تعني احبسوهم لأنهم مسئولون عن أعمالهم عن الشرك عن الظلم عن الفعل والقول عن الصد عن سبيل الله، أو (وَقِفُوهُمْ ۖ ) احبسوهم (إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ (٢٤)) ويجوز الوقف هنا (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ (٢٤)) وقلنا أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال‫:‬ (مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ) والسؤال من أي سائل إما أن يكون للعلم بشيء غير معلوم، وإما أن يكون السؤال للعتاب أو التقريع أو التوبيخ، وربنا، تبارك وتعالى، علام الغيوب فسؤاله ليس من أجل العلم بل سؤاله من أجل إنزال الحجة والتقريع والتوبيخ كي تحق عليهم كلمة العذاب (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ (٢٤)).‬
‫ويأتي التقريع والتوبيخ من الملائكة أو من أهل الشفاعة، من أهل العلم من أهل التقوى الناجون أو من الله، تبارك وتعالى، (مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)) أي ما لكم لا تتناصرون وحذفت إحدى التاءين تخفيفا، ما لكم لا تتناصرون‫:‬ أي ينصر بعضكم بعضا، كنتم تتناصرون في الدنيا وتتحزبون في الدنيا وتجتمعون على كلمة الكفر وتحاربون من أجل إعلاء راية الباطل، ها أنتم الآن موقوفون للحساب محبوسون للسؤال ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا، ما لكم لا تتناصرون؟ (بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)) نعم لا ينصر أحدهم أحدا (بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)) منقادون، ألقوا بأيديهم انقطعت عنهم الحيل لا نسب لا صديق لا شفيع لا والد ولا ولد، لا أحد ينفع أحد، هم اليوم مستسلمون:
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ ﴿27﴾ قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ ﴿28﴾ قَالُوا۟ بَل لَّمْ تَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ﴿29﴾ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍۭ ۖ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًۭا طَـٰغِينَ ﴿30﴾ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ ۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ﴿31﴾ فَأَغْوَيْنَـٰكُمْ إِنَّا كُنَّا غَـٰوِينَ ﴿32﴾ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍۢ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴿33﴾ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ ﴿34﴾
‫(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ (٢٧)) الأتباع والمتبوعين، الضالون والمضلون، شياطين الإنس وشياطين الجن، هم مقرنين في الأصفاد حشروا وأزواجهم وأشباههم فأقبل بعضهم على بعض يتخاصمون، السؤال سؤال تخاصم سؤال ليس فيه العتاب، سؤال فيه الشدة وفيه اللوم وفيه السباب وفيه كل ما هو قبيح، إلقاء التبعة اللوم (قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ (٢٨)) القائل هنا الضعفاء، القائل هنا الأتباع، القائل هنا الشياطين من الإنس يقال لشياطين الجن يقال للقرناء، يقال لرؤساء الكفر يقال للمتبوعين في الإضلال، يقول الضعفاء للذين استكبروا (قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ (٢٨)) اليمين في اللغة يعني الخير والعرب كانت تتفاءل بما يأتي عن اليمين‬
‫ويسمونه السامح، (تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ (٢٨)) أي تأتوننا من جهة الخير والدين فتصدوننا عنه وتقفون حائلا بيننا وبين الهدى (تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ (٢٨)) اليمين يستعمل أيضا في اللغة بمعنى الدين تأتوننا عن طريق الدين تتمسكون بدين الآباء والأجداد وتصدوننا عن دين الله، اليمين هو الخير، أيضا اليمين تعني القوة من قول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًۢا بِٱلْيَمِينِ (٩٣)) [سورة الصافات آية‫:‬ ٩٣]، أي بالقوة لأن يمين الرجل أقوى من شماله، (تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ (٢٨)) (تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ (٢٨)) أي تأتوننا بالقوة والقهر والتسلط والسلطان وتأمروننا بالكفر قهرا وقصرا، (تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ (٢٨)) أيضا اليمين في اللغة الحلف، وكفارة اليمين معلومة فاليمين الحلف، (تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ (٢٨)) أي عن طريق الحلف المستمر والتأكيد بالأيمان أن محمدا على ضلال وأنكم على هدى‫.‬‬
‫(قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ (٢٨)) تحمل كل هذه المعاني عن طريق الخير، عن طريق الدين، عن طريق التسلط والقهر والقوة، عن طريق الحلف بالأيمان المغلظة‫.‬‬
‫ويأتي الرد مذهل، ردود، ردود مذهلة، رد المتبوعون الرؤساء في الكفر أو الشياطين القرناء الذين أضلوا شياطين الإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا‬
‫ردوا فقالوا‫:‬ (قَالُوا۟ بَل لَّمْ تَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ (٢٩)) أول رد، أول الردود لم تكن مؤمنا فصددناك عن الإيمان وسقناك إلى الكفر بل أنت أصلا على الكفر، (وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍۭ ۖ ) نفوا مقالة (كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ (٢٨)) بمعنى القهر والسلطان لأن المضل لا سلطان له على من يضله وإنما هو يدعوه حتى الشيطان لا سلطان له على العباد ولم يجعل الله، تبارك وتعالى، للشيطان على الناس سبيل وهو يخطب يوم القيامة وهو أول الخطباء من الضالين يقول‫:‬ (وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم ۖ ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٢٢].‬
‫فهؤلاء أيضا يقولون كما يقول كبيرهم إبليس (وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍۭ ۖ ) هل قيدناكم بالقيود؟ هل جلدناكم بالسياط؟ وإن، وإن، ما هو محل الإيمان؟ القلب فإن أخذت أو شردت أو حبست وقيدت وجلدت أيصل الجالد أو المعذب إلى قلبك؟ لا يمكن، يصل إلى لسانك، يمكن لك أن تكفر باللسان ويطمئن قلبك بالإيمان ويعفو الله عنك (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ) [سورة النحل آية‫:‬ ١٠٦]، إذا فلا يمكن أن يكون هناك قصر أو قهر على الإضلال والكفر أبدا، لا يمكن، يستحيل‫.‬ وها هي المقالة تؤكد ذلك والإيمان محله القلب، مهما شردت أو قيدت أو قطعت منك الأوصال يمكن لك أن تكفر بلسانك وتؤمن بقلبك وتلك رحمة كبري من الله لأمة محمد عليه الصلاة والسلام، وقد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، متكئا على برد له في ظل الكعبة قبل الهجرة في وقت التعذيب وجاءه خباب وقال‫:‬ يا رسول الله ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا؟ فقام النبي، صلى الله عليه وسلم، من اتكائه جلس محمرا وجهه غضب من مقالة خباب وقال‫:‬ (وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ فَتُجْعَلُ الْمَنَاشِيرُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُفَرَّقُ بِفِرْقَتَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَحَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ)، فالإيمان محله القلب من هنا يقول هؤلاء المضلون لهؤلاء المستغيثين (وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍۭ ۖ ) الرد الثاني‫.‬‬
‫الرد الثالث (بَلْ كُنتُمْ قَوْمًۭا طَـٰغِينَ (٣٠)) والطغيان‫:‬ تجاوز الحد‬
‫طغى الماء‫:‬ فاض على جوانب النهر وأغرق الأرض (بَلْ كُنتُمْ قَوْمًۭا طَـٰغِينَ (٣٠)) من الطغيان، متجاوزين للحد في الكفر والفسوق والعصيان ثلاثة ردود (بَل لَّمْ تَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ (٢٩))، (وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍۭ ۖ )، (بَلْ كُنتُمْ قَوْمًۭا طَـٰغِينَ (٣٠)) واسمع‫:‬ (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ ۖ ) حق على الجميع قول الله، تبارك وتعالى، (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)) [سورة السجدة آية‫:‬ ١٣]، قضاء الله نافذ، ها هم مستسلمون، ها هم الآن يسلمون بقضاء الله وقد كانوا في الدنيا يدعون إلى الإيمان بقضائه وقدره خيره وشره حلوه ومره فرفضوا وكفروا وقالوا نحن نصنع ونفعل، أفعالنا وأعمالنا (قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ ۚ ) [سورة القصص آية‫:‬ ٧٨]، ها هم يقرون حيث لا ينفع الإقرار (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ ۖ ) الجميع (إِنَّا لَذَآئِقُونَ (٣١)) ذائق العذاب، الجزاء‬
‫بقية الردود ولا زالت ردودهم تترى (فَأَغْوَيْنَـٰكُمْ إِنَّا كُنَّا غَـٰوِينَ (٣٢)) الاعتراف اعترفوا بأنهم كانوا على الغواية وأنهم ضلوا وأن الضلال مكتوب عليهم وأنهم أرادوا أن يدعوهم إلى الضلال والغواية حتى يشتركوا جميعا في الغواية، وثق أيها الأخ المسلم‫:‬ ما من عاص يدعو غيره إلى معصية إلا وهو يكرهه‬
‫ويحسده ويحقد عليه يريد أن يجرجره إلى المهالك إلى المهاوي، شارب الدخان إذا دعاك إلى شربه كاره لك غير حب غير ناصح، شارب المخدر إذا دعاك إليه أو قدمه لك هدية كاره لك، مقدم الخمر مقدم النساء مقدمو العصيان ضلال منك الضلال، أرادوا التساوي، في قلوبهم حسد في قلوبهم حقد يوم الذين كفروا لو أن الجميع كفار من هنا قالوا‫:‬ (فَأَغْوَيْنَـٰكُمْ إِنَّا كُنَّا غَـٰوِينَ (٣٢)) الغواية ضد الهدى الغواية دعوة إلى الضلال، الغواية الإصرار على دعوة الغير إلى الغي إلى طريق الفساد (فَأَغْوَيْنَـٰكُمْ إِنَّا كُنَّا غَـٰوِينَ (٣٢)) أردنا أن نشترك في الغواية، لذا نجد العاصي يحسد الطائع يحسده ولا يقوى على تقليده فيريد أن يسحبه إلا الضلال والغواية (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍۢ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)) كما اشتركوا في الضلال في الدنيا واشتركوا في الغواية في الدنيا فهم اليوم في العذاب مشتركون، والغريب أن الاشتراك عموما في الحزن بالذات وفي المآسي والمصائب يخفف الألم، وأنت إذا ذهبت إلى مريض محموم أول كلمة تقولها له لتخفف عنه " هذا المرض منتشر بين الناس" إذا قلت له إن هذا المرض منتشر بين الناس خف عنه الوقع والألم، كل المصائب إذا حدثت واشترك فيها الناس خفف الاشتراك عنهم، الاشتراك في الجوع يخفف، الاشتراك في الفقر يخفف، أن ترى الناس كلهم أصحاء وأنت وحدك مريضا يشتد الألم، كل الناس أغنياء وأنت وحدك فقير‬
‫تتألم، فالاشتراك في الألم والاشتراك في المصائب يخفف عن الجميع إلا الاشتراك في عذاب جهنم، ولذا يقول الله، تبارك وتعالى، في موضع آخر (وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٣٩].‬
‫لن ينفعكم الاشتراك في العذاب كما ينفعكم الاشتراك في العذاب في الدنيا فيخفف عنكم في الآخرة لا يمكن أن يخفف الاشتراك العذاب‫.‬‬
‫(إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ (٣٤)) كذلك الفعل وكذلك التعذيب نفعل بالمجرمين، والمجرمون في القرآن هم الكفار، (إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ (٣٤)) لأن الإجرام أخطر الأشياء والإجرام ليس أخطر منه إذا كان هو بمعنى الكفر (إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ ﴿۷٤﴾ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴿۷٥﴾ وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا۟ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿۷٦﴾) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٧٤ - ٧٦].‬
‫المجرمون إذا جاء ذكرهم في القرآن فهم المشركون والكفار‫.‬‬‬‬
إِنَّهُمْ كَانُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴿35﴾ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓا۟ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍۢ مَّجْنُونٍۭ ﴿36﴾ بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿37﴾ إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا۟ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَلِيمِ ﴿38﴾ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿39﴾ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿40﴾
‫(إِنَّهُمْ كَانُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)) تفسير لكلمة المجرمين من هم؟ الذين إذا قيل لهم لا إله إلا الله، وحدوا الله ، تبارك وتعالى، يستكبرون عن ذلك، يرفضون، أو قيل لهم أنه لا إله إلا الله قيل لهم أن الله واحد يستكبرون (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓا۟ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍۢ مَّجْنُونٍۭ (٣٦)) لم يناقشوا العقيدة، لم يناقشوا الوحدانية (لَّوْ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٌۭ كَمَا يَقُولُونَ إِذًۭا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًۭا (٤٢)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٢]، لحدث الصراع، لو كان الإله إلهين لحدث الصراع، هل هناك صراع في الوجود في الكون؟ أرأيتم الشمس يوما لا تطلع؟ أرأيتم القمر قد دمر؟ أرأيتم النجوم قد تقاذفت؟ أرأيتم الأرض قد توقفت؟ هل هناك صراع أم هناك استقرار وانتظام؟ لم يناقشوا العقيدة، لم يناقشوا المقولة، لم يناقشوا القائل المدعي للنبوة، لم يبحثوا في صدقه وفيما يقول بل قالوا أنحن نترك الآلهة التي توارثنا عبادتها عن الآباء لشاعر مجنون، سبوه، أراد بهم الهدى وأراد بهم خيرا فسبوه وعارضوه واتهموه بالشعر وبالجنان (أَئِنَّا لَتَارِكُوٓا۟ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍۢ مَّجْنُونٍۭ (٣٦)) فيرد الله، تبارك وتعالى، عليهم (بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ (٣٧)) جاء بالحق الذي هو لا إله إلا الله، الحق الواقع الحق الواجب، الحق الثابت، الحق ضد الضلال، الحق‬
‫ضد الباطل، الحق له معالم كثيرة وتكلمنا عنها فيما سبق في شرحنا لقوله تبارك وتعالى‫:‬ (ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ) [سورة لقمان آية‫:‬ ٣٠]، (بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ) بالقول الثابت الواجب الواقع الصادق "لا إله إلا الله" (وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ (٣٧)) لم يأت بشيء جديد فما من رسول وما من نبي إلا وقال لا إله إلا الله،‬
‫(إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا۟ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَلِيمِ (٣٨)) "إنكم لذائقون" حذفت النون تخفيفا (وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)) وما ربك بظلام للعبيد، الجزاء من جنس العمل، (إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ (٤٠)) هؤلاء لهم وضع خاص مستثنون من ذلك هؤلاء العباد المخلصين والمخلصين لهم وضع خاص‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم البر لا يبلى والذنب لا ينسى والدين لا يموت اصنع ما شئت فإنك مجزي به وكما تدين تدان، فالجزاء من جنس العمل وكما تدين تدان (وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ (٤٠)) والاستثناء متصل أو منقطع، إذا كان الكلام (وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)) الكلام للخلائق جميعا لا يجزى الناس إلا بما عملوا فإن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر إلا عباد الله المخلصين فالاستثناء هنا متصل أي إلا عباد الله المخلصين لهم جزاء الضعف بما عملوا لهم جزاء خاص، أو الاستثناء منقطع إذا كان الكلام لهؤلاء الكفار‬
‫والمشركين (وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ رِزْقٌۭ مَّعْلُومٌۭ (٤١)) (إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ (٤٠)) الذين أخلصهم الله، تبارك وتعالى، لعبادته واصطفاهم لنفسه فرزقهم العناية والهداية والرعاية وأعطاهم في الدنيا الولاية، هؤلاء مخلصين أخلصهم الله، وإن كانت القراءة (إلا عباد الله المخلصِين )، فأولئك الذين أخلصوا دينهم لله وأخلصوا العبادة لله فهم مخلصون في عبادتهم وفي تقواهم (أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ رِزْقٌۭ مَّعْلُومٌۭ (٤١)) المعلوم معناه أن الله يعلمه وإن كنا نحن لا نعلمه، الرزق المعلوم الرزق المضمون، لو كان الرزق مجهولا لم يكن مضمونا قد، وقد، فإذا كان معلوما معنى ذلك أنه غير مقطوع غير ممنوع على الله مضمون، رزق معلوم ولك أن تتخيل في كلمة "معلوم" دائم عظيم لا نهاية له ولا نفاذ، غير مقطوعة ولا مجذوذة، رزق معلوم مقدر ومعلوم ليس فيه الخوف من الغد فالإنسان يجهل رزق ولا يدرى بما يأتي به الغد، ومهما كان غنيا وذا أملاك قد يصاب بضائقة مالية أو بمصيبة أو بآفة ويذهب رزقه، أما إن كان الرزق معلوما فذاك لا يصيبه آفة لا ينقطع ولا يمنع بل هو دائم ومضمون‬
‫(فَوَٰكِهُ ۖ وَهُم مُّكْرَمُونَ (٤٢)) "فواكه" والوقف هنا جميل يدعو للتأمل، رزق معلوم فواكه، ما هي الفواكه؟ الفواكه جمع فاكهة، والفاكهة‫:‬ الثمار الحلوة التي تؤكل للتلذذ للتنعم وليس للتغذي أو القوت، وليس كل الناس تأكل الفواكه وإنما يأكلها الغني وليست كل الفواكه بل هناك فاكهة للفقير وهناك فاكهة لا يقدر عليها إلا الغني، وليس منا أحد يتغذى بالفاكهة وإنما نتغذى بالخضروات وباللحوم وبالخبز وبالحبوب وما إلى ذلك، أما الفواكه فهي للتحلية للتلذذ للتنعم، فحين يقول فواكه ولم يذكرها إذاً فهي فواكه من كل نوع يخطر على البال ولا يخطر على البال‫.‬‬
‫الأمر الثاني‫:‬ أنك في الجنة لا تمرض ولا تهلك ولا تصيبك الآفة ولا يتحلل جسدك ولا تموت فيك الخلايا ولا تحتاج للقوت ولا تحتاج للغذاء إذا فالأكل في الجنة لا للبقاء والعيش وحفظ الجسد وإنما للتنعم فقط، (فواكه) كلمة واحدة تعني فوق ما نقول بآلاف المرات، (رِزْقٌۭ مَّعْلُومٌۭ (٤١) فَوَٰكِهُ ۖ ) إذاً كما قلنا لا تحلل ولا فضلات ولا احتياج للغذاء ولا جوع لأن الإنسان إذا جاع لا يأكل فاكهة وإنما يأكل لحما أو حبا أو خضروات، الفواكه للتلذذ فحين يقول‬ (أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ رِزْقٌۭ مَّعْلُومٌۭ (٤١))
‫( فَوَٰكِهُ ۖ ) وأحب الوقف هنا، كي تعلم أن الرزق فواكه‫.‬‬
‫ثم أنشأ واستأنف وقال (وَهُم مُّكْرَمُونَ (٤٢)) ولك أن تتخيل معنى الإكرام إذا كان المكرم هو الكريم، إذا جاءك ضيف فأكرمته إكرامك للضيف بحسب سعة الرزق ماذا تقدم له؟ كلما كنت غنيا متسع الأرزاق كلما توسع العطاء فإذا كان المكرم هو الكريم الذي لا تنفد خزائنه فكيف يكون الإكرام، أيضا (فَوَٰكِهُ ۖ وَهُم مُّكْرَمُونَ (٤٢)) إذاً يأخذوها بغير سؤال لأنه إذا سأل ليس فيها الإكرام فيها الحاجة، والاحتياج والافتقار والتذلل، إذا سألت، وإذا تعبت كذلك في تحصيل الفواكه فأنت غير مكرم، (وَهُم مُّكْرَمُونَ (٤٢)) إكرام فوق الخيال أيضا، فما يحصلون عليه من التلذذ والتنعم بغير سؤال وبغير تذلل وبغير احتياج وبغير تعب وبغير نصب، (فَوَٰكِهُ ۖ وَهُم مُّكْرَمُونَ (٤٢)) أين هم؟ الآخرون كانوا محبوسون قفوهم في الحبس أما هؤلاء أين؟‬‬
أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ رِزْقٌۭ مَّعْلُومٌۭ ﴿41﴾ فَوَٰكِهُ ۖ وَهُم مُّكْرَمُونَ ﴿42﴾ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴿43﴾ عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ ﴿44﴾ يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍۢ مِّن مَّعِينٍۭ ﴿45﴾ بَيْضَآءَ لَذَّةٍۢ لِّلشَّـٰرِبِينَ ﴿46﴾ لَا فِيهَا غَوْلٌۭ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴿47﴾ وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌۭ ﴿48﴾ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌۭ مَّكْنُونٌۭ ﴿49﴾
أولئك في جنات النعيم، كلمة "جنات" تعني أن هذه الجنان ليس فيها إلا النعيم فقط لا مرض ولا حزن ولا وصب ولا نصب ولا ضوضاء ولا صراع ولا خوف ولا وجل ولا إشفاق ولا عرق ولا قضاء للحاجة ولا تول ولا تغوط ليس فيها إلا النعيم فقط نعيم خالص، لذا سميت جنات النعيم، والجنات ثمانية، (فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ (٤٣)) وليدلل لك على أن الجنة لا تعب فيها ولا وصب ولا نصب ولا مشي ولا عدو ولا هرولة ولا جري ولا انحناء ولا قيام ولا صعود ولا نزول يقول (فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ (٤٣) عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ (٤٤)) أي نعيم هذا، وأي خيال هذا؟ السرر‫:‬ جمع سرير لم يقل على سرر فقط بل قال (عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ (٤٤)) معني ذلك أنك لا يمكن ويستحيل أن تنظر إلى قفا أحد في الجنة ولا يمكن أن ينظر أحد إلى ظهرك أبدا، الوجه للوجه، الحب والألفة‬
‫والأنس والتودد والتحابب والتآنس والتراحم ليس هناك تدابر ولا تباغض، لا حسد ولا حقد (عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ (٤٤)) ولذا قول العلماء لا يمكن أن يكون هذا إلا إذ كان السرير دائري ويدور حيث تدور فإذا كنت كذلك دارت الأسرة كي تواجهك فإذا كنا جالسا على سريرك جالسا وأردت أن تدور فدرت لا بد وأن يدور سرير الآخر حتى يواجهك ولا تنظر إلى ظهره أبدا، وقالوا في السرائر وفي السرر أنها مكللة بالدر والياقوت والسرير طوله من الجابية إلى صنعاء أميال وأميال ولك أن تقول ما شئت والله ومهما قلت ومهما زدت ومهما بالغت لن تصل إلى ذرة من النعيم إي وربي وصدق الصدوق الصادق حيث يقول‫:‬ (وَفِيهَا مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) فمهما قلت هؤلاء في جنات النعيم على سرر متقابلين (يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍۢ مِّن مَّعِينٍۭ (٤٥)) هم لا يسعون إليها لا يطلبوها، هم لا يسألون هم مكرمون حتى السؤال والطلب ممنوع، مجرد الاشتهاء، (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٧١]، بل (يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍۢ ) الكأس‫:‬ الإناء فيه الخمر، العرب تسمي الإناء إناء وقدح ولا تقول كأس أبدا إلا إذا كان القدح فيه خمر، كالهودج إذا كان فيه امرأة اسمه‬
‫ظعينة ويقال هودج إذا كان فيه امرأة وكذلك الخوان لا يقال عليه مائدة إلا إذا كان عليه طعام، (أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ) [سورة المائدة آية‫:‬ ١١٤]، فكذلك الكأس إناء فيه خمر (يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍۢ مِّن مَّعِينٍۭ (٤٥) بَيْضَآءَ لَذَّةٍۢ لِّلشَّـٰرِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌۭ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ (٤٧)) (ينزفون) قراءة‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ خمر الدنيا فيها أربع خصال بغض النظر عن التحريم، فيها أربع خصال‫:‬‬
‫السكر‫:‬ ذهاب العقل الصداع، القيء، البول‫.‬ إذا شرب خمرا من خمر الدنيا سكر وذهب عقله وإذا زاد قاء وأخرج ما في بطنه وإذا نام استيقظ والصداع لا يطاق أيضا يشعر بالرغبة في التبول الكثير والمستمر وقد يبول على نفسه إذا كان السكر بينا، تلك خصال أربع في خمر الدنيا، فما هي الخصال في خمر الآخرة؟ ترى ما هي خصال خمر الآخرة؟ وصفت خصالها في الآيات التالية أهم ما فيها أنك لا تسكر، وقديما كنت أتساءل لذة الخمر في السكر خمر الدنيا، فكيف تكون خمر الآخرة لذيذة ولا سكر فيها؟ إذاً فهي كالعصير شربتها أم لم تشربها لا يؤثر ذلك فيك فلمَ لا تسكر خمر الآخرة؟ فوجدت شيوخي يقولون أنك إذا سكرت ضاعت عنك لذة النعيم فلم تستشعرها، غاب عقلك فكيف تميز وكيف تستشعر لذة النعيم، أما إذا حدث الانتشاء بغير ذهاب للعقل ميزت النعيم وتلذذت به، وللعلماء أقوال وأقوال‫.‬‬
‫فإن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر‫.‬‬
‫وكل ما ذكر في القرآن من أوصاف الجنة وما فيها ومن أوصاف النعيم وحال المخلصين كل ذلك يقرب إلى الأفهام ذلك المقام والله، تبارك وتعالى، عنده فوق ذلك وما وراء ذلك مما لا تدركه العقول ولا تصل إليه الأفهام‫.‬‬
‫وفي سورة الصافات والتي نحن بصددها يبشر الله، تبارك وتعالى، عباده المخلصين ويبين أن لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الفرقان آمنون‫.‬‬
‫وكل الناس يجزون ما كانوا يعملون إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم، بين الله، تبارك وتعالى، في كلمات أمورا عديدة بين أن هذا الرزق غير مقطوع ولا مجذوذ، غير ممنوع، رزق معلوم، إذا فهو مضمون "فواكه" معنى ذلك أنهم غير محتاجين للغذاء في الجنة فأجسادهم خالدة لا يعتريها الفناء ولا تتعرض للآفة ولا تحتاج للغذاء أو القوت فهم متفكهون يتلذذون بالفواكه وكلنا يعلم أن الفاكهة ليست بغذاء وإنما هي لذة تؤكل للتلذذ والتفكه والتنعم وهم مكرمون، لهم فوق ذلك‬
‫وما وراء ذلك، وهذا الذي يرزقون منه بغير سؤال بغير تعب، بغير نصب بغير وصب، وهم الذي يكرمهم هو الله، تبارك وتعالى، وإذا كان الكريم هو الذي يكرمهم فكيف يكون الإكرام، هؤلاء في جنات النعيم، ليس فيها إلا النعيم وكأنها خصصت لذلك، ليس فيها إلا النعيم والنعيم المحض وهم على سرر متقابلين ليبين لك أنه ليس في الجنة غيبة وليس في الجنة نميمة وليس في الجنة تدابر أو تحاسد أو تحاقد بل هم متقابلين ينظر بعضهم إلى بعض ومهما دار بسريره دارت الأسرة حتى يلتقي بوجهه مع جاره فلا ينظر أحدهم إلى ظهر أحد، ليس هناك غيبة ليس هناك اعتراض، ليس هناك تحاسد الكل في تحابب نزع الله ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍۢ مِّن مَّعِينٍۭ (٤٥)) الكأس‫:‬ الإناء فيه خمر والعرب لا تطلق كلمة "كأس" إلا على القدح أو الإناء إذا كان فيه خمر، أما إذا لم يكن فيه خمر فهو إناء وهو قدح فإذا كان فيه الخمر فهو الكأس (يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍۢ مِّن مَّعِينٍۭ (٤٥)) من معين أي من ماء ظاهر للعيون يجري، فهي أنهار تجري لا تنفد ولا تنضب، أو هو من العيون يتفجر، عام الماء‫:‬ خرج من العيون، عام الماء‫:‬ جرى على ظهر الأرض وظهر للعيون فهم يسقون من كأس معين فهي لا تنضب، ويبين لك أن هذا الكأس فيه جميع أنواع الأشربة كما أن فيها الخمر من كأس من معين (بَيْضَآءَ لَذَّةٍۢ لِّلشَّـٰرِبِينَ (٤٦)) صفتان للخمر أو هما صفتان للكأس، بيضاء لذه للشاربين، إذا فيها اللذة وفيها التلذذ وفيها التنعم، (لَا فِيهَا غَوْلٌۭ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ (٤٧)) من غاله يغوله‫:‬ أفسده في خفية والغيلة‫:‬ القتل في خفاء في حيلة، واغتاله‫:‬ أفسده في خفاء، فالغول هو إفساد الشيء في خفاء (لَا فِيهَا غَوْلٌۭ) إذا ليس فيها مرض وليس فيها وجع للبطن ليس فيها صداع ليس فيها إتلاف للبدن، ليس فيها إتلاف للجسد، ليس فيها غول، لا تضر العقول ولا تضر الأجساد (وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ (٤٧)) من قولهم نزف الشارب‫:‬ ذهب عقله، (وَلَا هُمْ عَنْهَا) "عن" هنا بمعنى الباء أي ولا هم بسببها تذهب عقولهم، إذا فقد امتنع عليهم السكر‫.‬‬
‫وقرئت‫:‬ (ولا هم عنها ينزفون) من أنزف الشارب‫:‬ أنفد شرابه أو أنفد عقله، ومادة الكلمة تفيد النفاد، ومنها نزف المطعون ونزف أي خرج منه الدم وسال حتى مات إذا فهم إذا شربوا من هذه الكأس لا يجدوا فيها غولا‬
‫ولا هم عنها ينزفون، ومن الغريب أن خمر الدنيا فيها أربع خصال‫:‬ فيها الصداع، فيها السكر، فيها القيء، فيها البول، فيها أربع خصال لا يمكن أن تخلو منها خمر ما الخمور‫:‬ الصداع، السكر، القيء، البول، ربنا، تبارك وتعالى، ينفي عن خمر الآخرة هذه الخصال لا فيها غول، إذا ليس فيها صداع وليس فيها وجع بطن وليس فيها قيء وليس فيها بول، ليس فيها جميع هذه الصفات المفسدة، أيضا ينفي عنهم السكر، قد يسأل سائل لذة الخمر في السكر في الانتشاء فكيف تكون خمرا ولا سكر فيها أجيب على هذا السؤال بأنه لو سكر في الجنة وذهب منه العقل أو بعض العقل لامتنع عليه التلذذ بنعيم الجنة، فكيف يتلذذ بنعيم الجنة وقد ذهب عقله أو طار نصف عقله، إذاً فانتفاء السكر عنهم للإحساس بالنعيم‫.‬‬
‫ومهما قيل في هذه الخمر، خمر الآخرة، لن نصل إلى كنهها لأن الجنة كما قلنا فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ويقول ابن عباس رضي الله عنهما‫:‬"والله ما في الجنة من دنياكم إلا الأسماء" فيها نخل ورمان، فيها فواكه، فيها خمر فيها أنهار من عسل، أنهار من لبن، أنهار من خمر، أسماء فقط أما حقائق الأشياء فلا يعلمها إلا الله ونعلمها جميعا بفضل الله حين نذوقها ومن ذاق عرف (وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌۭ (٤٨)) اكتمال اللذة واكتمال النعيم بالأنس في الجنة بالحور العين، مهما وصفت الحور لن تبلغ بوصفك حقيقة أمرهن ويكفي أن تسمع النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول لك (وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا) كيف ذلك؟ إذا فكيف توصف؟ (وَعِندَهُمْ) عند أهل الجنة هؤلاء المخلصين الذين هم على سرر متقابلين يطاف عليهم بكأس من معين، أيضا (وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌۭ (٤٨)) (قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌۭ (٤٨)) : قصرن نظرهن على أزواجهن فهي لم تر أحدا من قبل ولن تري أحدا إلا صاحبها والتي كتبت له وقد تكون هي الآن تعرفه وتعرف صورته وتنتظره فإذا وصل إليها تلقته بالترحاب وبالاشتياق فلم تقع عينها على رجل أبدا قبله ولن تقع على رجل بعده إذا فهو كل شيء بالنسبة لها (قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌۭ (٤٨)) جمع عيناء والعيناء واسعة العين في جمال في سحر واحورار، شدة بياض العين مع شدة سواد إنسانها، جمال العين وحسن العين نجل العيون، نجلاء، عينان هؤلاء‬
‫قاصرات الطرف عين (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌۭ مَّكْنُونٌۭ (٤٩)) صفات لا شك هي تقريب للأذهان، ما هو البيض المكنون؟ البيض بيض النعام مكنه النعامة بريشها تحميه من الغبار ومن التراب ومن الأعين، فهؤلاء الحور العين شبهن بالبيض في أنهن محفوظات مكنونات من كل شيء كما تكن النعام بيضها من الغبار والتراب والأعين، أيضا لم تمسسه الأيدي، البيض المكنون - لم تمسسه مصداقا لقوله تعالى (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌۭ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّۭ (٥٦)) [سورة الرحمن آية‫:‬ ٥٦]، أيضا البيض المكنون لا يكسر إذا فهن عذارى كالبيض الذي لم يكسر، أيضا هن كالبيض في اللون والصفاء حتى أن النبي، صلى الله عليه وسلم، حدثنا في بعض الصفات أن المرأة منهن (يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الْحُسْنِ)، إذا فهي في لون البيض من حيث الصفاء والبياض المشوب بصفرة خفيفة وهو أجمل ألوان النساء في العالم لون محبب لدى الجميع البياض المشوب بصفرة خفيفة واحمرار خفيف‫.‬ ذاك لون بيض النعام تلك الصفات تقرب الحقائق إلى الأذهان وهن وراء ذلك ومهما تخيلت فلا يمكن أن تصل بعقلك إلى صفة‬ ‫الحور العين.
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ ﴿50﴾ قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌۭ ﴿51﴾ يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ ﴿52﴾ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ﴿53﴾ قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ ﴿54﴾ فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴿55﴾ قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ﴿56﴾ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ ﴿57﴾ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴿58﴾ إِلَّا مَوْتَتَنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿59﴾ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴿60﴾ لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ ﴿61﴾
‫(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ (٥٠)) وهم على السرر، وهم في لذة النعيم، وهم يطاف عليهم بالكأس وعندهم قاصرات الطرف، تخيل جلسات الأمان والسعادة والالتذاذ والاطمئنان وعدم الخوف من النهاية، عدم الخوف من المرض، عدم الخوف من الانقطاع، دوام لنعيم، هم في أثناء ذلك يأتنسون بالحديث يتسامرون ويتحدثون ويتذكرون أحوالهم في الدنيا ويذكرون بعضهم بعضا تذكر حين كنا في مسجد كذا، تذكر حين حججنا عام كذا، تذكر كذا وتذكر كذا، يأتنسون ويتحدثون فيما كان وما جرى لهم في الدنيا وكيف نجاهم الله، تبارك وتعالى، فهم مؤتنسون على الشراب (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ (٥٠)) يتسامرون (قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ) أحدهم يقول لإخوانه (إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌۭ (٥١)) يتذكر أنه في الدنيا كان له صديق ملازم جليس أو هو يتحدث عن قرينه من الجن عن شيطانه (إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌۭ (٥١) يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ (٥٢)) يسألني ويستهزئ بي في الدنيا ويقول هل أنت ممن يصدق بالبعث والنشور والجزاء وأن إذا متنا (أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)) ذاك كان يحدثني بهذا الحديث في الدنيا (يقول أءنك لمن المصّدّقين) المتصدقين بأموالهم رجاء ثواب الآخرة قراءة، (أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ (٥٢)) الذين يصدقون بيوم الدين (أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)) أي لمجزيون بأعمالنا (لَمَدِينُونَ (٥٣)) من الدين وهو الجزاء، هل لو متنا وكنا ترابا وعظاما عدنا وبعثنا ونشرنا من أجل الجزاء أتصدق بذلك أتعتقد ذلك أتعقل ذلك كيف وكيف وكيف؟.‬
‫(قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ (٥٤)) نفس القائل المتحدث أراد أن يرى هذا القرين أين هو وكيف صارت به الأحوال وأين مكانه وأين مقامه فهو يقول لإخوانه الذين يحدثهم هل أنتم مطلعون إليه وتنظرون والسؤال ليس سؤال وإنما هو جاء في صيغة السؤال ويعني الأمر كقول الله، تبارك وتعالى، في شأن المنع‫.‬‬
‫عن الخمر (فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (٩١)) [سورة المائدة آية‫:‬ ٩١]، جاء بصيغة السؤال وهو يعني الأمر إما أنه يحدث إخوانه وإما أنه يسأل الملائكة يطلب منهم أن يطلعوه، ولذا قرئت‫:‬ (هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ (٥٤)) (هل أنتم مطلعون) أي مقلبون، (هل أنتم مطلعوني) أي جاعلوني أطلع (فأطلع) قراءة (فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ (٥٥)) لهم ما تشتهي الأنفس أراد أن يطلع على هذا القرين ويرى حاله فكشف عنه الغطاء واطلع على القرين، والله لولا أن الله عرفه إياه ما عرفه وما ميزه فقد تغير، تغيرت منه الألوان وتغيرت منهم الأشكال حشروا زرقا اسودوا واحتمشوا وتهرأت منهم اللحوم وتهشمت منهم الأعضاء فكيف عرفه؟ لولا أن الله عرفه ما عرفه (فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ (٥٥)) في وسط الجحيم وسمي الوسط سواء لاستواء المسافة بينه وبين الأجناب (قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ (٥٦)) حين رأى مصيره ورأى كيف هو في وسط الجحيم ونظر لنفسه في الأمان في السعادة في اللذة في النعيم أقسم بالله، تبارك وتعالى، قائلا لهذا القرين لقد‬
‫كدت أن تردين، الردى‫:‬ الهلاك أي أوشكت أن تهلكني بكلامك (وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ (٥٧)) لولا نعمة الله، تبارك وتعالى، أن ثبتني على الإيمان وعصمني من الزيغ والشرك والأهواء وثبتني على إسلامي ولم يجعل مجالا كلامك أو سلطانا لكلامك علي، لولا نعمة ربي لكنت من المحضرين معك في هذا المكان، وكلمة "أحضر " لا تستخدم على الإطلاق إلا في الشر فهؤلاء المحضرون في جهنم، ثم يسأله على التوبيخ، كما سأله في الدنيا ها هو يعيد عليه سؤاله على سبيل التوبيخ والتقريع (َأَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)) ألم تكن تقول كذلك ألم يكن هذا قولك فهو يعيد عليه السؤال أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى أي موتة الدنيا وما نحن بمعذبين بمسئولين عن أعمالنا أو مجزيين عليها‫.‬‬
‫(إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ (٦٠)) هو يقول الناجي، أو الملائكة ترد عليه وعلى الحوار، أو لله تبارك وتعالى ينادي في أهل الجنة ويخبرنا نحن أهل الدنيا (إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ (٦١)) لمثل هذا المقام، لمثل هذا النعيم‬
‫لمثل هذا الاطمئنان والأمان لمثل هذا فليعمل العاملون، إذا فالعمل لمثل هذه للآخرة للنعيم للسلامة للنجاة من النار، للأمان وليس للدنيا ولجمع المال فالإنسان مهما جمع من مال تاركه لورثته ومهما عاش مصيره إلى القبر ومهما بن تاركه لغيره، زاد الدنيا قليل وخطرها حقير وعمرها قصير وصدق ربي حيث يقول‫:‬‬ (لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ (٦١))
‫أيها الأخ المسلم نحن في أيام عمل ليست أيام لهو وأيام لعب أيام عمل، أيام يتعرض فيها العامل لنفحات الله، تبارك وتعالى‫.‬‬
‫وبضدها تتميز الأشياء، ذكر الله، تبارك وتعالى، لنا أحوال أهل النعيم، جعلنا الله منهم جميعا، ذكرها لنا ببعض الصفات ولك أن تتخيل فيها ما شيء ت وفوق ما شيء ت ووراء ما شئت ولن تصل إلى ما أعد لهؤلاء‫.‬‬
‫تبدأ الآيات في بيان الضد بضدها تتميز الأشياء:
أَذَٰلِكَ خَيْرٌۭ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ﴿62﴾ إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةًۭ لِّلظَّـٰلِمِينَ ﴿63﴾ إِنَّهَا شَجَرَةٌۭ تَخْرُجُ فِىٓ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ ﴿64﴾ طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ ﴿65﴾ فَإِنَّهُمْ لَـَٔاكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ﴿66﴾ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًۭا مِّنْ حَمِيمٍۢ ﴿67﴾ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى ٱلْجَحِيمِ ﴿68﴾
‫(أَذَٰلِكَ خَيْرٌۭ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ (٦٢)) ما يعد للنازل من ضيافة‬
‫كذلك المسافرين في طريقهم إذا نزلوا بنزل نزلوا للتزود ببعض الطعام ببعض الشراب فذاك هو النزل أول ما يقدم للنازل (أَذَٰلِكَ خَيْرٌۭ نُّزُلًا) إذن فما وصف لنا آنفا من كأس معين وفواكه وقاصرات الطرف عين كل ذلك ما هو إلا نزل، أما الإقامة وما أعد في دار المقامة فشيء آخر، كلمة كما قلنا في شأن كلمة فواكه في الجمعة الماضية، كذلك هنا كلمة كلمة تجعل الإنسان يتأمل ويتعجب ولا حرج على فضل الله، كل ما وصف من كأس معين و و و كل ذلك ما هو إلا نزل، إذا جاءك الضيف أول شيء تقدمه له كوب من الشراب المثلج أو فنجان من القهوة أو فنجان ن الشاي أو قليل من الحلوى ثم يعد له الطعام فإن أقام فوراء ذلك إقامة ودوام، فكل ما وصف ما هو إلا نزل لأهل الجنة، فما بالك بعد ذلك إذا انتهى وقت النزل وجاء وقت الدوام والإقامة والنعيم هذا الذي وصف لكم أم شجرة الزقوم، إذاً شجرة الزقوم نزل لأهل الجحيم، شجرة الزقوم، الزقوم‫:‬ من التزقم‫.‬ والتزقم البلع بشدة الجهد لشدة كراهة ونتن المبلوع، إذا جئت بإنسان وجئت له بالصبر أو بالقذى أو النجاسة وأجبرته على أن يأكل منها كيف يكون البلع؟! ذاك هو التزقم، فسميت شجرة الزقوم كي تتخيل كيف يبلع أهل النار طلعها وثمرها، هي نزل لأهل الجحيم، كما أن نزل أهل النعيم ما ذكر من كأس‬
‫معين وقاصرات الطرف عين وما إلى ذلك (إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا) أي الشجرة (فِتْنَةًۭ لِّلظَّـٰلِمِينَ (٦٣)). فتنة‫:‬ عذاب أو الفتنة‫:‬ الابتلاء حين تليت الآية وسمعها أهل مكة قالوا انظروا إلى محمد يتكلم عن شجرة في النار كيف تكون هناك شجرة في النار والنار تحرق الشجر ولم يعلموا أن الله، تبارك وتعالى، يخلق ما يشاء وكما خلق في النار القيود التي لا تنصهر بالنار والسلاسل وخزنة جهنم القائمون عليها بيدهم مقامع من حديد، كل ذلك مهيأ لجهنم لا تؤثر فيه النار فكذلك الشجر، فيقول الله، تبارك وتعالى، (إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةًۭ لِّلظَّـٰلِمِينَ (٦٣)) المشركين حتى يستهزئوا بها ويكذبوك فإن جاءوا رأوها رأي العين وتزقموها، جعلناها فتنة ابتلاء وعذاب، جعلنا فتنة للظالمين المشركين (إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌۭ (١٣)) [سورة لقمان آية‫:‬ ١٣]، (إِنَّهَا شَجَرَةٌۭ تَخْرُجُ فِىٓ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ (٦٤)) إذا فجذورها في قعر جهنم، إي وربي صدق الله شجرة وتنبت في جهنم ولا تحترق، ترى كيف هي؟ أعاذنا الله وإياكم منها (طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ (٦٥)) طلعها ثمرها سمي طلعا لأنه يطلع منها (كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ (٦٥)) لم نر الشيطان ولم نعرف رأس الشيطان كيف هو ولكن جرت عادة الناس على التخيل لكل هول ورعب وقبح بالشياطين كما جرت ي العادة على التخيل لكل حسن وكمال وجمال وجلال بالملك وذلك كقول النسوة صواحب يوسف حيث رأينه فأكبرنه وقطعن أيديهن‬
‫(وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌۭ كَرِيمٌۭ (٣١)) [سورة يوسف آية‫:‬ ٣١]‬
‫هل رأين الملك؟ لم شبهوه بالملك؟ جرت العادة تشبيه فائق الحسن والجلال والجمال بالملك وتشبيه فائق القبح والهول والبشاعة بالشيطان، فربنا، تبارك وتعالى، يصف طلع الشجرة فيقول‫:‬ (طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ (٦٥)) للدلالة على منتهى القبح، على منتهى الخبث فالشيطان خبيث، دلالة على الخبث والقبح والنجاسة والنتانة والهول والرعب وكل ما تتخيله (فَإِنَّهُمْ لَـَٔاكِلُونَ مِنْهَا) وكأنه قسم (فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ (٦٦)) ترى يملأون بطونهم من هذا الطلع القبيح النتن الفظيع عن جوع لا يشبعون ومن جوعهم يأكلون ويتزقمون حتى يملأوا البطون أم أنهم يجبرون على ذلك يجبرون على ملئ البطون (فَإِنَّهُمْ لَـَٔاكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ (٦٦))، (ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًۭا مِّنْ حَمِيمٍۢ (٦٧))،‬
‫بعد أن يملأوا بطونهم من هذه الشجرة فذاك طعامهم‬
‫(لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍۢ (٦) لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِن جُوعٍۢ (٧)) [سورة الغاشية آية‫:‬ ٦- ٧]، فيأكلون حتى يملأون البطون ويجبرون على ذلك فيتزقمون بعد ما يملأوا البطون (لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًۭا) الشوب‫:‬ الخلط، المزج، (لَشَوْبًۭا مِّنْ حَمِيمٍۢ (٦٧))، الحميم‫:‬ السائل المنصهر، الماء الذي بلغ غاية الغاية في الحرارة ومهما تخيلت من حرارة في الدنيا كالنحاس المنصهر ودرجات الحرارة التي لا تتخيل لصهر الحديد والنحاس وما إلى ذلك فالحميم في جهنم أقوى وأشد من ذلك لأن نار الدنيا استجارت من نار الآخرة، فتخيل هذا الحميم الذي يقطع أمعاءهم بمجرد أن يقدم لهم الحميم قبل أن يتناولوه وقبل أن تلمسه الشفاه إي وربي تشوى منه الوجوه فتتهرأ لحومها وتتساقط، يشوى الوجه من دخانه ومن حرارته.الحميم‫:‬ الماء المغلي المنصهر المختلط والممزوج بصديد أهل النار فهم إذا احترقوا فيها سال منهم القبح والصديد والخبث فاختلط بهذا الماء ، ذاك شرابهم بعدما يملأوا البطون من شجرة الزقوم‫.‬‬
‫(ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى ٱلْجَحِيمِ (٦٨)) بعد ذلك يعودون ويرجعون إلى الجحيم، والتجحم أشد التفحم وأشد العذاب، قال العلماء هل شجرة الزقوم التي هي أصلها في الجحيم وفي قعر جهنم يأكلون منها ويتزقمونها أين؟ والشراب الشوب من الحميم أين؟ ربنا يقول‫:‬ (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى ٱلْجَحِيمِ (٦٨)) فقالوا قبل أن يدخل أهل النار النار ذاك نزلهم على أبواب جهنم يأكلون من شجرة الزقوم الثابتة في قعر جهنم ثم لهم عليها شوبان حميم ثم يدخلون بعد ذلك إلى الجحيم، وقال بعضهم أبدا بل الجحيم وشجرة الزقوم في جهنم في أطرافها مصداقا لقول الله، تبارك وتعالى:
‫(هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍۢ (٤٤)) [سورة الرحمن آية‫:‬ ٤٣- ٤٤]، فهم يترددون بين جهنم ودركات جهنم وبين الشجرة ليأكلون ليملأون منها البطون ثم يؤتى أحدهم يستغيثون فيغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، فهكذا يستصرخون ويستغيثون ويقتلهم العطش، وحين يستغيثون يغاثوا بماء الحميم فهم يترددون بين الزقوم والحميم والجحيم ذلك ديدنهم وذلك وذلك دأبهم إلى متى؟ إلى غير نهاية لأن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة وأهل النار إذا دخلوا النار‫.‬‬
‫جيء بالموت على هيئة كبش ووضع بين الجنة والنار ثم أمر به فذبح ونادى المنادي من قبل العلي الأعلى يا أهل الجنة خلود فلا موت يا أهل النار خلود فلا موت، كيف يكون هناك موت وقد ذبح الموت نفسه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ ﴿69﴾ فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴿70﴾ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿71﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ﴿72﴾ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ ﴿73﴾ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿74﴾
‫(إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ (٦٩)) يبين لك ربنا، تبارك وتعالى، أن هؤلاء استحقوا، لم يعملوا عقولهم، ألفوا‫:‬ صادفوا، صادفوا آباءهم ضالين، وجودهم على الضلالة يعبدون الأصنام يبتعدون عن سنة سيد الأنام يبتعدون عن سنة الأنبياء عموما وجدوا آباءهم ضالين (فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)) "على إثرهم " قراءة، يهرع‫:‬ يستحث، يسرع في رعدة، أهرع وهرع‫:‬ جرى وأسرع في رعدة واضطراب وكأن غيره يسوقه إذا فقد اتبعوا، الآباء والأجداد في الضلال دون إعمال للعقل، دون تروي دون تفكر لأن الله يصف ذلك فيقول (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ (٦٩)) فهم على آثارهم في الضلال يتبعون خطواتهم ويتبعون أقدامهم وأثرهم يسرعون ويستحثون وكأن أحدا يجري وراءهم ويستحثون ويزعجهم بسوط أو بسيف أو بما إلى ذلك، إذا فلم يعملوا العقل نهائيا قلدوا الآباء وذاك آفة التقليد التي منعها الإسلام وطلب منا إعمال العقول، هؤلاء ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلْأَوَّلِينَ (٧١)) والخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، يقول له لا يحزنك فعل أهل مكة أو تكذيبهم أو اتباعهم للآباء ويقولون أنترك آلهتنا‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓا۟ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍۢ مَّجْنُونٍۭ (٣٦)) [سورة الصافات آية‫:‬ ٣٦]‬
‫كما قص علينا في نفس السورة، فربنا يسلي نبيه، صلى الله عليه وسلم، ويقول‫:‬ (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلْأَوَّلِينَ (٧١)) قبل أهل مكة (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ (٧٢)) إذا ضلوا لأنهم اتبعوا الآباء والأجداد (فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)) لم يعملوا عقولهم فهؤلاء ليس بدعا من الخلق ضل قبلهم أكثر الأولين وأرسلنا فيهم منذرين كما أرسلناك في أهل مكة منذرا، فانظر وأخبرهم واجعلهم ينظرون (فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ (٧٣)) أين قوم عاد؟ أين قوم هود؟ أين قوم نوح؟ أين، وأين وأين؟ (إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ (٧٤)) استثناء من قوله تبارك وتعالى (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلْأَوَّلِينَ (٧١))، أو هو استثناء من قوله‫:‬ (فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ (٧٤)) أخلصهم الله لم يضلوا مع من ضل، استمعوا للنذير أو نجاهم الله، تبارك وتعالى، من عاقبة المنذرين حيث نجى الرسل ومن آمنوا معهم وهكذا الله، تبارك وتعالى، ينجي دائما وأبدا المؤمنين، ينجيهم في الدنيا وينجيهم في الآخرة (فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ (٧٤)).‬
‫من أعظم الآفات آفة التقليد الأعمى، وقد أنكر القرآن على الكفار تقليدهم للآباء والأجداد دون إعمال للعقل أو الفكر وقد بين الله، تبارك وتعالى، تلك الآفة والتي أصيب بها مشركو مكة في أكثر من موضع حيث يقول عز من قائل‫:‬ (بَلْ قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ (٢٢)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٢٢]، والأمة أي الدين، ويبين ربنا، تبارك وتعالى، أن ذلك هو ديدن الكفار في كل مكان فيقول‫:‬‬
‫(وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍۢ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ (٢٣)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٢٣]‬
‫وفي سورة الصافات بين الله، تبارك وتعالى، مصير أهل طاعته ومصير أهل نقمته، وبضدها تتميز الأشياء، وبين العلة والآفة التي أصيب بها مشركو مكة وكانت سببا في مصيرهم المؤلم والمؤسف أنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون، وكذلك ديدن الكفار في كل القرون فيقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلْأَوَّلِينَ (٧١)) ويبين أنهم ليس لهم عذر في ضلالهم، هؤلاء الذين ضلوا ضل قبلهم أكثر الأولين ولا عذر لهم (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ (٧٢)) إذا فلا عذر لهم في هذا الضلال فلقد أرسلنا فيهم منذرين، ثم يهدد ويتوعد‬
‫(فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ (٧٤)) [سورة الصافات آية‫:‬ ٧٣- ٧٤]‬
‫(عباد الله المخلِصين) هؤلاء نجاهم الله، تبارك وتعالى، من آفة التقليد وهداهم لى صراطه المستقيم‫.‬‬
‫ثم شرع في التفصيل بعد الإجمال، أجمل بقوله (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ (٧٢))، وجاء بالتفصيل بعد الإجمال وقص علينا من قصص الأنبياء وكيف كانت أحوالهم مع أقوالهم، وبدأ بأول الأنبياء والمرسلين من بعد آدم عليه السلام وهو سيدنا نوح، ونوح من أهل العزم من الرسل، وكل الناس من ذرية نوح بعد أن أهلك الطوفان كل ما على الأرض يقول الله تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬
وَلَقَدْ نَادَىٰنَا نُوحٌۭ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ ﴿75﴾ وَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ﴿76﴾ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلْبَاقِينَ ﴿77﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ﴿78﴾ سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍۢ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿79﴾ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿80﴾ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿81﴾ ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ﴿82﴾
‫(وَلَقَدْ نَادَىٰنَا نُوحٌۭ) والنداء هنا بمعنى الاستغاثة، استغاث نوح بربه، تبارك وتعالى، بعد أن علم أنه لا أمل فقد أوحى الله، تبارك وتعالى، إليه قائلا‫:‬ (لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ (٣٦)) [سورة هود آية‫:‬ ٣٦]، فعلم نوح أن من آمن فقد آمن وبعد‬
‫ذلك لن يؤمن موجود، بل علم من قول الله، تبارك وتعالى، أن الموجودين لن يلدوا إلا فاجرا كفارا، لأن الله، تبارك وتعالى، قال‫:‬ (لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ) [سورة هود آية‫:‬ ٣٦]، إذا فقد أغلق باب الإيمان، من هنا دعا نوح فقال‫:‬ (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى ٱلْأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا۟ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓا۟ إِلَّا فَاجِرًۭا كَفَّارًۭا (٢٧)) [سورة نوح آية‫:‬ ٢٦ - ٢٧]، علم نوح ذلك من الوحي (وَلَقَدْ نَادَىٰنَا نُوحٌۭ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ (٧٥)) أي أجبناه أحسن إجابة ونجيناه ومن آمن معه وأهلكنا الكفار (وَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ (٧٦)) أهله هنا هم أهل طاعة الله هم أهل الإيمان ليس أهله بمعنى الذرية والزوجة والولد والأقارب، وإنما آل الأنبياء هم أهل الطاعة هم الذين آمنوا بهم وصدقوهم واتبعوهم، فنجيناه وأهله من الكرب العظيم من أذى الكفار ومن الغرق والإغراق (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلْبَاقِينَ (٧٧)) حين ركب نوح السفينة أخذ معه من آمن، كان عدد المؤمنين ثمانين رجلا وامرأة، ثمانين فقط، وحين استوت بهم السفينة على الجودي وأغرق الكفار ونجا نوح ومن معه يروى أن كل من معه مات ماعدا الأولاد، أولاده وأزواج أولاده من المؤمنين، من هنا جميع الذرية من ولد نوح، يقول الله، تبارك وتعالى، (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُۥ) ذرية نوح (هُمُ ٱلْبَاقِينَ (٧٧)) إذا من نجا من غير ذريته نجا ولكنه لم ينجب ومات قبل الإنجاب وانعدمت الذرية إلا من نوح‫.‬‬
‫ذاك رأي، وهناك رأي آخر يقول (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلْبَاقِينَ (٧٧)) ذرية نوح وذرية بعضا ممن معه لأن الله، تبارك وتعالى، يقول في سورة الإسراء (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٣]، ويقول‫:‬ (ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍۢ مِّنَّا وَبَرَكَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ ) [سورة هود آية‫:‬ ٤٨]‬
‫فهما رأيان والله، تبارك وتعالى، أعلم (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ (٧٨)) وتركنا عليه‫:‬ أبقينا عليه، أو (تركنا عليه في الآخرين سلاما) إذا فنوح محبوب من الكافة، ما من أمة إلا وذكر نوح فيها الثناء الجميل والثناء الحسن، ما من أمة إلا وتصدق بنوح، ما كذبت أمة بنوح (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ (٧٨) سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍۢ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ (٧٩)) إذا فقد ترك الله، تبارك وتعالى، عليه هذه التحية، ما من أمه إلا وتسلم عليه وتثني عليه ثناءً حسنا، أو الله، تبارك وتعالى، هو الذي حياه بهذه التحية وأبقاها عليه إلى يوم القيامة‬
‫(سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍۢ) أي سلام منا عليه أو سلامة له من الذكر السيء، أو (ٱلْـَٔاخِرِينَ (٧٨)) هنا بمعنى أمة محمد، عليه الصلاة والسلام، فنحن نؤمن بنوح وأيضا تعني (ٱلْـَٔاخِرِينَ (٧٨)) الأنبياء فما من نبي بعث بعد نوح إلا وأمر أن يقتدي به وربنا، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًۭا) [سورة الشورى آية‫:‬ ١٣]، إذا فما من نبي إلا وأمر بالاقتداء بنوح‫.‬‬
‫(إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ (٨٠)) إذا فجزاء الله، تبارك وتعالى، للمحسنين في كل مكان وفي كل زمان كمثل هذا الجزاء النجاة في الدنيا والعصمة في الدنيا والفوز في الآخرة، ثم التعليل لإحسانه بقوله (إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ (٨١)).‬
‫والإيمان هو الهدف، والإيمان الوسيلة لرضاء الله، تبارك وتعالى، والإيمان هو النجاة‫.‬‬
‫(ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ (٨٢)) " ثم " هنا لا تفيد التراخي، "ثم" في اللغة عموما تفيد التراخي وهنا لا تفيد التراخي وإنما تفيد تعدد النعم أي ثم أخبركم أني قد أغرقت الآخرين لأن الإغراق ثم في البداية قبل إنجاء نوح ومن معه إذا فهي لا تفيد التراخي وإنما تفيد تعدد النعمالتي أنعم الله، تبارك وتعالى عليهم.
وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبْرَٰهِيمَ ﴿83﴾ إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍ ﴿84﴾ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴿85﴾ أَئِفْكًا ءَالِهَةًۭ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ﴿86﴾ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿87﴾ فَنَظَرَ نَظْرَةًۭ فِى ٱلنُّجُومِ ﴿88﴾ فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌۭ ﴿89﴾ فَتَوَلَّوْا۟ عَنْهُ مُدْبِرِينَ ﴿90﴾ فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴿91﴾ مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ ﴿92﴾ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًۢا بِٱلْيَمِينِ ﴿93﴾ فَأَقْبَلُوٓا۟ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴿94﴾ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴿95﴾ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴿96﴾ قَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ لَهُۥ بُنْيَـٰنًۭا فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ ﴿97﴾ فَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًۭا فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلْأَسْفَلِينَ ﴿98﴾
‫(وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبْرَٰهِيمَ (٨٣)) من شيعته‫:‬ من الذين يشيعونه من شيعته‫:‬ على شريعته، على منهاجه، على سنته، على دينه، والشيعة‫:‬ الأعوان، وأصل الكلمة من الشياع والشياع‫:‬ الحطب الصغار يوضع مع الحطب الكبار حتى يستوقد إذا أردت إيقاد النار وجئت بالحطب الكبار جئت بحطب صغار يسمى الشياع لأنه سريع الاشتعال فإذا اشتعل الحطب الصغير اشتعل به الحطب الكبير، فيسمى الحطب الصغار شياعا، من هنا كلمة "المشايعة" بمعنى المعاونة، والأشياع‫:‬ الأعوان‫.‬‬
‫(وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبْرَٰهِيمَ (٨٣)) على دينه وسلوكه ومنهاجه (إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍ (٨٤)) كيف يجيء إبراهيم إلى ربه؟ وكيف يجيء بقلبه؟ (إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍ (٨٤)) التعبير يفيد أن إبراهيم توجه إلى الله، تبارك وتعالى، بالتوحيد الخالص وأخلص قلبه ودينه لله وتفرغ بالكلية لله ولم يشغل قلبه إلا الله ولم يحبب في الدنيا سوى الله حتى أنه هم بذبح ابنه ووحيده من أجل مرضاة الله فكأن القلب، قلب إبراهيم جاء به إبراهيم يقدمه إلى الله هدية (إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍ (٨٤)) والقلب السليم الخالص من الأغيار، القلب السليم الذي لا يشغله إلا الله، القلب السليم‫:‬ السليم من الآفات، آفات القلوب، كالحقد والحسد والغيرة والظن السيئ وما إلى ذلك، القلب السليم‫:‬ السليم من الشرك الظاهري أو الشرك الجلي والشرك الخفي، القلب السليم الموحد الخالص لله، وقالوا القلب السليم الحزين لأن العرب تطلق كلمة "سليم" على اللديغ الذي لدغته عقرب أو حية تفاؤلا بالسلامة وكأنه جاء ربه بقلب حزين لما فعله قومه (إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍ (٨٤)) الخالص وذاك المعنى أرجح، الخالص من كل شيء لا يحب إلا الله‬
‫ولا يذكر إلا الله ولا ينشغل إلا بالله مخلص خلوص كامل (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥)) تساؤل إبراهيم، والقصة هنا مختصرة إلى حد ما وقد جاءت بالتفصيل في سورة الأنبياء جادلهم بالحجة تكلم معهم بالمنطق استخدم اللسان في المحاجة بالمنطق والبرهان، هنا يسألهم (مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا ءَالِهَةًۭ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)) الإفك‫:‬ أشد أنواع الكذب، الإفك الكلام الذي لا يثبت ويضطرب، الإفك قلب الحقائق‬
‫(وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ (٥٣)) [سورة النجم آية‫:‬ ٥٣]، المنقلبة، وائتفكت بهم الأرض‫:‬ تزلزلت، فهو يقول لهم (أَئِفْكًا ءَالِهَةًۭ) "آلهة" بدل من كلمة "إفك" و"إفك" هنا مفعول به، (أَئِفْكًا ءَالِهَةًۭ) كأن الآلهة التي عبدوها في نفسها إفك مبين، هي نفس الآلهة إفك (أَئِفْكًا ءَالِهَةًۭ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)) تريدون بعبادتكم، تريدون بطاعتكم، تريدون بالقرابين التي تقدمونها هذه الآلهة والأصنام التي هي إفك في نفسها، أو كلمة "إفك " حال والمعنى آلهة دون الله تريدون آفكين حال كونكم آفكين كاذبين مضطربين مبتعدين عن الحق‫.‬‬
‫(فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٨٧)) وكأنها كقول الله، تبارك وتعالى، (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ (٦)) [سورة الانفطار آية‫:‬ ٦]‬
‫هو يقول لهم (فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٨٧)) أي كيف أمنتم عذابه وكيف أمنتم عقابه فعبدتم من دونه أصناما وأوثانا لا تسمع ولا تتكلم ولا تنفع ولا تضر، أو (فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٨٧)) هذا الذي خلق العالمين والذي هو مسيطر على الخلق وعلى الملكوت، خلق وقدر ودبر وصرف، قدر الأمور، بيده الموت والحياة، بيده الرزق بيده ملكوت كل شيء ، فما ظنكم بهذا الإله الذي هو رب العالمين وكل ما في الكون من صنعه من خلقه من إيجاده من تقديره وتدبيره كيف تركتموه وعدلتم عنه إلى هذه الأصنام، ما ظنكم برب العالمين‫.‬‬
‫(فَنَظَرَ نَظْرَةًۭ فِى ٱلنُّجُومِ (٨٨)) كما قلنا الآيات جاءت باختصار وقد سبق التفصيل في سورة الأنبياء ناقشهم تكلم معهم بالحجة بالبرهان ولم يكتف بذلك بل عزم على الفعل وهو موطن نفسه على مقاساة المكروه في سبيل الذب عن الدين ولم يكتفي بالنصح ولم يكتف بالمحاجة ولم يكتف بالقول وإنما أراد أن يصدق القول بالعمل وأراد أن يجاهد في سبيل الله مهما حدث له وهيأ نفسه ودبر وخطط، وكان لهم عيد يخرجون إليه جميعا‬
‫فدعوه للخروج وأراد هو ألا يخرج وقد عزم على أن يكيد أصنامهم وعزم على أن يسفه أحلامهم وأن يلزمهم الحجة فأراد أن يتعلل ويتحجج ويعتذر عن الخروج حتى يتفرغ لما عزم عليه من أمر فادعى المرض وكانوا يخشون العدوى وكانوا يتعاملون مع النجوم ويعتقدون أن للنجوم تأثيرا على البشر فكانوا يقرأون في علم النجوم وكان أغلبهم منجمين من هنا نظر نظرة في النجوم (فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌۭ (٨٩) فَتَوَلَّوْا۟ عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)) نظر نظرة في النجوم على منهاجهم على سلوكهم على طريقتهم، نظر في النجوم نفسها أو نظر في علم النجوم أو في كتبهم عن النجوم ثم ادعى المرض حتى يتركوه ولا يخرج معهم، وحين علموا بمرضه خافوا من العدوى ففروا منه وتولوا عنه مدبرين مسرعين، ذاك قول، قول آخر يقول نظر في النجوم أي أعمل الفكر والرأي كيف يكيد لأصنامهم والناس تعبر عن النظر في الفكر والرأي يقول نجم له رأي كذا، نجم له كذا وكذا في الرأي والفكر فكأن "نظر في النجوم" تعني أنه نظر في نفسه وفكر كيف وكيف، هذا‬
‫معني نظر في النجوم فتوصل إلى ادعاء المرض ولم ينظر إلى النجوم التي في السماء أو إلى علم النجوم وإنما نجم له أن يفعل كذا أي عن له كذا أو رأي في نفسه كذا، وقول آخر يقول‫:‬ (فنظر في النجوم) أي فيما نجم من الأشياء في الشجر في الحجر والمدر والشمس والقمر، كل تلك الأشياء نجمت أي ظهرت كما تقول نجم له كذا‫:‬ ظهر له رأي كذا، فكذلك نظر في النجوم أي فيما نجم من أشياء وظهر وخلق ووجد الشجر والحجر والشمس والكواكب والقمر فوجد أنها تتغير، رأى كوكبا قال هذا ربي فوجده قد أفل ثم نظر في القمر ووجده أفل ونظر إلى الشمس فوجدها قد غربت ونظر إلى الأشياء والشجر ووجد أن الشجر يحيا ويموت فعلم أن الأشياء تتغير وأنه كالأشياء لا بد وأن يتغير والمغير هو الله وعليه طالما يتغير بتغير الأشياء فلا بد لهم من السقم بعد الصحة والهرم بعد الصغر وهكذا (فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌۭ (٨٩)) أي مشارف سوف أصل إلى السقم إلى المرض لأن دوام الصحة من المستحيل ذاك، رأي آخر وهناك رأي أيضا يقول (إِنِّى سَقِيمٌۭ (٨٩)) بمعني مشرف على الموت والإشراف على الموت قد يكون بعد ساعة وقد يكون بعد سنة وقد يكون بعد خمسين سنة (إِنَّكَ مَيِّتٌۭ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (٣٠)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٣٠]‬
‫هكذا قال الله، تبارك وتعالى، لحبيبه المصطفى، هل يعني ذلك أنه ميت الآن أو ميت بعد يوم أو بعد ساعة، ميت يوما ما، (فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌۭ (٨٩)) باعتبار ما سوف يكون حيث يؤدي السقم إلى الموت، كل ذلك معاريض من الكلام، ويقول النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬‬
‫(إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ) أي لا تكذب ولكن عرض بالكلام كما قال‫:‬ (قَالَ بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا۟ يَنطِقُونَ (٦٣)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٦٣]، تعريض بالكلام (فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌۭ (٨٩)) وذاك كلام ليس بالكذب كما تقول "أنا ميت" أي ميت لا محالة‫.‬‬
‫(فَتَوَلَّوْا۟ عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)) تركوه وانصرفوا مسرعين (فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمْ) راغ‫:‬ مال، (فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمْ) راغ إلى آلهتهم‫:‬ مال إليهم في خفية وعلى طريق الحيلة، راغ، يروغ، روغا ورغانا‫:‬ مال بحيلة كما يروغ الثعلب، الدوران واللف والميل بحيلة وفي الخفاء، راغ إلى آلهتهم في خفية ذهب إليها على‬
‫سبيل الحيلة والخفية (فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١)) وجد الأصنام والأوثان أعدادا وأشكالا وأنواعا وأحجاما وقد وضع الناس أمامهم الطعام والقرابين حتى يأكلوها بعد العودة من العيد، تحصل البركة في الطعام، إما قدموا الطعام للسدنة وحماة الأصنام الجند المحضرون، وإما وضعوا الطعام لأنفسهم ليأكلوه بعد العودة فجاء ففوجئ بالطعام فخاطب الآلهة بصيغة من يعقل لأنهم عبدوها واعتبروها تنفع وتضر وتعقل فقال‫:‬ (أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١)) ولم يسمع جوابا فقال‫:‬ (مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًۢا بِٱلْيَمِينِ (٩٣)) "راغ عليهم " قال "راغ إلى آلهتهم" هنا قال "راغ عليهم" عدي الفعل ب"على" ليفيد الاستعلاء وكأنه استعلى عليهم بقوته وتوحيده وثقته بالله، هم يسجدون لها هم يتذللون لها، أما هو فقد استعلى عليها فقال (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًۢا بِٱلْيَمِينِ (٩٣)) خص اليمين بالذكر لأن اليمين أقوى من الشمال موضع القوة، أو (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًۢا بِٱلْيَمِينِ (٩٣)) أي بالقوة واليمين تعني القوة، كما قلنا في خطبة سابقة، (قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ (٢٨)) [سورة الصافات آية‫:‬ ٢٨]، أو (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًۢا بِٱلْيَمِينِ (٩٣)) أي بالعدل الإلهي لأن كلمة "اليمين" تعني العدل والله، تبارك وتعالى يقول‫:‬ (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ (٤٥)) [سورة الحاقة آية‫:‬ ٤٤- ٤٥]،بالعدل واليمين تعني العدل، أو اليمين تعني الحلف (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًۢا بِٱلْيَمِينِ (٩٣)) أي بسبب اليمين التي أقسمها حيث قال‫:‬ (وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا۟ مُدْبِرِينَ (٥٧)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٥٧]، أقسم بالله والتاء للقسم تلحق بلفظ الجلالة فقط‫.‬، (فَأَقْبَلُوٓا۟ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)) يسرعون، من المعلوم أن الله قد قص علينا تفصيلا في سورة الأنبياء أنهم جاءوا فوجدوا الآلهة قد كسرت جعلها جذاذا وترك الكبير وعلق الفأس بعنقه وقالوا‫:‬ من فعل هذا بآلهتنا، (قَالُوا۟ سَمِعْنَا فَتًۭى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبْرَٰهِيمُ (٦٠) قَالُوا۟ فَأْتُوا۟ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ﴿٦١﴾) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٦٠ - ٦١]، ثم سألوه‫:‬ (قَالُوٓا۟ ءَأَنتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا۟ يَنطِقُونَ (٦٣)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٦٢- ٦٣]، حتى يلزمهم الحجة، رجعوا إلى أنفسهم قالوا إنكم أنتم الظالمون، أوشكوا على الإيمان، أوشك العقل أن يصل بهم إلى بر النجاة ثم نكسوا على رءوسهم خوفا على السلطة والجاه والمال انقلبوا مرة أخري للكفر قد علمت ما هؤلاء ينطقون فتأفف وقال (أُفٍّۢ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ ) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٦٧]، كل ذلك جاء من قبل ومختصر‫.‬‬
‫هنا يقول الله ، تبارك وتعالى‫:‬ (فَأَقْبَلُوٓا۟ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)) يسرعون، قرئت‫:‬ يزفون يصيرون إلى الزفيف، والزفيف‫:‬ الإسراع، (يُزَفِّون) : يزف بعضهم بعضا يحضوا على الإسراع، (يَزِفُّونَ (٩٤)) : (يَزِفون) وزف يزف‫:‬ أسرع، (يُزِفون) من زفاه‫:‬ قرئت كذلك من حداه سار أمامه كحادي الإبل الذي يغني أمام القافلة حتى تسرع الإبل في سيرها، أو (يرفون) من رفيف النعام‫:‬ العدو والركض، المشي والطيران، ست قراءات‫.‬‬
‫(قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)) النحت‫:‬ النجر والبري، هم نحتوها بأنفسهم صنعوها بأيديهم، جاءوا بكتل الأحجار ثم جاءوا بالأدوات وأخذوا يشكلون الحجر ويبعدون الزوائد وينحتون وينجرون ويبرون الأحجار حتى يشكلوا منها صنما ذا هيئة فقال (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)) أي صنعتم أنتم هذه الآلهة بأنفسكم فكيف تصنعونها بأيديكم ثم تعبدوها، (وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)) وهذه الآية تمسك بها أهل السنة وقالوا إن الله، تبارك وتعالى، خلق الخلق وأفعالهم فالنحل وعسله والنمل ودأبه والعنكبوت ونسجه والقمر وفلكه والإنسان وعمله من خلق الله‫.‬‬
‫، تبارك وتعالى، وتقديره، وقالوا أن الأفعال من خلق الله وتقديره وهي في نفس الوقت من كسب العبد وتدبيره، ومن هنا يؤاخذ الإنسان بما كسب رغم أن الفعل من خلق الله، (خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)) هم عملوا الأصنام مصنوعة من الحجارة، من الذي خلق الحجارة؟ الله، نحتوها بأدوات من الذي خلق الأدوات ومادة الأدوات؟ الله، من الذي خلق لهم العقل الذي يفكر كيف يصنع الأدوات؟ الله، من الذي أعطاهم القدرة، العضلات والأعصاب والجوارح والأيدي والأعين حتى يستخدموها في الصنع؟ الله، إذا فالله خلقكم وما تعملون، وعليه فأعمال العباد من خلق الله فما موجود إلا ومن صنع الله، تبارك وتعالى، حتى وإن صنعت أنت بيدك هو من صنع الله لأنه صنع لك اليد وسخر لك الجارحة وهيأ لك الأداة وأوجد لك المادة ففعلت وصنعت، فأنت تصنع السيارة ولكن الله خلقك وفقك لصنعها فهو الخالق، لكن العمل رغم أن الله، تبارك وتعالى، هو الخالق له إلا إنك مكتسب له مؤاخذ عليه (مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٤٦)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٦].‬
‫فقد ألزم إبراهيم قومه الحجة وبين لهم سفاهة أحلامهم وتفاهة أفعالهم وأنهم عبدوا أصناما نحتوها بأيديهم لا تضر ولا تنفع ولا تتكلم ولا تسمع، ألزمهم الحجة ولكن الكفر تأصل في قلوبهم، وحينما ألزمهم الحجة لم يعودوا عن غيهم وإنما أصروا واستكبروا وبدأوا في التفكير في البطش به، ديدن كل جبار كل مستكبر إذا لزمته الحجة لا يرتدع بل يصر على ما هو فيه ويبدأ بالبطش، فكروا وقدروا (قَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ لَهُۥ بُنْيَـٰنًۭا فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ (٩٧)) الجحيم الألف واللام تدل على الكناية بدلا من الإضافة، ألقوة في الجحيم أي في جحيم ذلك البنيان، بنوا له بنيانا صرح طوله ثمانون ذراعا عرضه أربعون ذراعا، جمعوا له الحطب شهرا يجمعون الحطب حتى يملأوه أوقدوا فيه النيران، لم يستطع أحد أن يقترب من النار حتى الطيور على البعد الشاهق كانت تحترق من اللهب ففكروا كيف يقذفوه في النار فصنعوا له آلة المنجنيق والتي تشبه المقلاع والمدفع يربطوه ثم يقذفوه فيطير في الهواء ويقع في وسط النار (قَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ لَهُۥ بُنْيَـٰنًۭا فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ (٩٧)) أي في جحيم هذا البنيان من الجحمة‬
‫وهي شدة استعار النار وهي شدة التوقد، (قَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ لَهُۥ بُنْيَـٰنًۭا فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ (٩٧)) وتجهزوا لذلك شهرا يوقدون في هذه النار وجهزوا المنجنيق وقيدوه ووضعوه وتجهزوا لإطلاقه فضجت السموات والأرض ومن فيهن ضجة واحدة إلا الثقلين، الإنس والجن، كل من السموات والأرض والمخلوقات ضجت ضجة واحدة "ربنا إبراهيم ليس في الأرض أحد يعبدك غيره يحرق فيك فأذن لنا في نصرته فقال الله، تبارك وتعالى، إن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه، ونزل خزان الماء، الملائكة التي بأيديها الماء الذي ينزل من السماء، وقد فتحوه من قبل على قوم نوح (فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍۢ مُّنْهَمِرٍۢ (١١)) [سورة القمر آية‫:‬ ١١].‬
‫نزل خزان الماء إلى إبراهيم يا إبراهيم إن شئت أطفأنا النار بالماء قال‫:‬ لا حاجة لي بكم، فنزل ملك الهواء قال يا إبراهيم إن شئت طيرت النار، قال‫:‬ لا حاجة لي بك، وهموا بقذفه وهو في الهواء جاءه جبريل قال يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال‫:‬ أما لك فلا فقال جبريل فاسأل ربك، فقال إبراهيم‫:‬ حسبي من سؤالي علمه بحالي ثم رفع رأسه إلى السماء وقال‫:‬ اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس أحد يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل فجاء النداء من العلي الأعلى الأمر (يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًۭا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ (٦٩)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٦٩]، وقال ربنا، تبارك وتعالى‫:‬ (بَرْدًۭا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ (٦٩)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٦٩]، ولو لم يقل سلاما لكان بردها أشد عليه من حرها، بردا وسلاما حتى لا يؤذيه البرد،‬
‫ولو لم يقل "على إبراهيم" ما أوقدت نار إلى يوم الدين لانطفأت جميع النيران إلى يوم القيامة وإنما خصص فقال (بردا وسلاما على إبراهيم ) ولم تصيبه النار بشيء إلا أنها فكت وثاقه، سبعة أيام كاملة هو في النار لا يستطيع أن يقترب منها أحد من الناس، وبعد سبعة أيام خمدت النار فجاءوا فوجدوه في وسطها يصلي، وأمر الله، تبارك وتعالى، الحطب كل عود من شجرة عد إلى شجرك وأينع وأثمر، عاد كل حطب إلى شجره وكف الناس عنه ولم يجرؤ أحد على أن يمس إبراهيم بشيء حتى روي أن النمرود الملك والذي أمر بكل ذلك حين رأى ذلك ورأى إبراهيم يصلي في وسط النار بعد سبعة أيام‬
‫قال لأقربن أربعة ألاف بقرة لإلهك يا إبراهيم كفوا عنه وإن مات كافرا إلا أنه خافوا أرهبهم الله ورأوا ما لا يخطر على بال سبعة أيام في نار لا يستطيع أن يقترب منها أحد قائم فيها يصلي، أوقف الله، تبارك وتعالى، سنة النار سنة الإحراق هو القادر على كل شيء إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون كانت بردا وسلاما على إبراهيم، ويروى أن إبراهيم قال ما وجدت تنعما كما وجدت وأنا في النار‫.‬‬
‫(فَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًۭا فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلْأَسْفَلِينَ (٩٨)) الكيد‫:‬ المكر والحيلة الكيد‫:‬ التفكير في الإضرار، أرادوا به كيدا أي إحراقا وإيذاء وإضرارا (فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلْأَسْفَلِينَ (٩٨)) المخذولين المهزومين ونصر ربنا، تبارك وتعالى، حبيبه ونبيه وخليله إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل صلاة وأكمل تسليم‫.‬‬
‫(وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ (٩٩)) والآية تدعو للتأمل أين قال إبراهيم ذلك؟ وما معني سيهدين قطع ولم يقدم المشيئة؟ (ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ (٩٩)) بت الكلام، في حين أن موسى قال‫:‬ (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ (٢٢)) [سورة القصص آية‫:‬ ٢٢]، عسى الرجاء أما إبراهيم فقال‫:‬ (إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ (٩٩)) أين يذهب إليه؟ كيف يذهب إليه؟ أين قال هذه الكلمة؟ لم بت القول وقال‫:‬ (سَيَهْدِينِ (٩٩)) هل ثقته بالله دفعته لذلك، أم أن الله عوده على ذلك لا يرد له رجاء، ولا يخيب له دعاء‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ إبراهيم أبو الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل صلاة وأتم تسليم كان سنه حين ألقي في النار ستة عشر ربيعا، ولم على الأرض مؤمن سواه‫.‬‬
‫فإن الله، تبارك وتعالى، يقول وهو أصدق القائلين‫:‬ (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ (٥١)) [سورة غافر آية‫:‬ ٥١]‬
‫ويقول عز من قائل‫:‬ (ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)) [سورة يونس آية‫:‬ ١٠٣]، وقد نجى الله، تبارك وتعالى، حبيبه وخليله ومصطفاه إبراهيم من كيد الكافرين وأصدر أمره للنار‫:‬ (يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًۭا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ (٦٩)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٦٩]، وعادوا إليه بعد سبعة أيام فوجدوه قائما يصلي في وسط النار، كفوا أيديهم عنه ونجاه الله تبارك وتعالى‫.‬‬‬‬‬‬
وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ ﴿99﴾ رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿100﴾ فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍۢ ﴿101﴾ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ﴿102﴾ فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ ﴿103﴾ وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ﴿104﴾ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿105﴾ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلَـٰٓؤُا۟ ٱلْمُبِينُ ﴿106﴾ وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍۢ ﴿107﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ﴿108﴾ سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ ﴿109﴾ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿110﴾ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿111﴾
‫(وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ (٩٩)) وبت القول، ونجد أن موسى حين خرج هربا من فرعون قال (عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ (٢٢)) [سورة القصص آية‫:‬ ٢٢]، فجاء بكلمة الترجي (عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ (٢٢)) [سورة القصص آية‫:‬ ٢٢]، أما إبراهيم فقد بت القول حيث قال (سَيَهْدِينِ (٩٩)) إما أن الله، تبارك وتعالى، قد أعلمه، وإما لفرط توكله على الله وثقته بالله، تبارك وتعالى، قال‫:‬ ولم يعلق على المشيئة، أو أن الله، تبارك وتعالى، عوده على ذلك طلباته مجابة ودعاءه مستجاب‫.‬‬
‫(وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى) قيل أنه قالها قبل إلقائه في النار وإن كان كذلك فالمعنى‫:‬ إني ذاهب إلى قضاء ربي الذي قضاه سيهدين سيخلصني من النار أو إني ذاهب إلى الموت لأن الميت يقال له ذهب إلى الله إني ذاهب إلى الموت سيهديني إلى الجنة‫.‬‬
‫وقيل بل قالها بعد أن خرج من النار قالها لقومه توبيخا لهم، أو قالها لمن آمن به، لوط وامرأته سارة امرأة إبراهيم، ترغيبا لهم، والآية أصل في الهجرة وأصل في الاعتزال، إذا لم يجد الإنسان مجالا لعبادة ربه‫.‬‬
‫وحورب في عقيديه وفي دينه صح له الهجرة أو صح له أن يعتزل الناس، فالآية أصل في ذلك‫.‬ (وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى) والذهاب ببدنه مفارقا لقومه مفارقا لبلده، أو إني ذاهب إلى ربي بعملي وبنيتي وبعبادتي فالمفارقة ليست مفارقة بالبدن وإنما مفارقة بالعمل، ثم توجه إلى الله، تبارك وتعالى، بدعاء (رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (١٠٠)) طلب الولد وطلب أن يكون صالحا وعبر عن طلبه بقوله (هَبْ لِى) وكأن الولد هبة لأن الإنسان لا يمكن أن ينجب كيف شاء أو متى شاء وإنما الله، تبارك وتعالى، يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، فالواهب هو الله، (رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (١٠٠)) طلب الولد يؤنسه في وحدته، بعينه على عبادته، يعينه على عمله واستجاب الله، تبارك وتعالى، له (فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍۢ (١٠١)) وكلمة (حَلِيمٍۢ (١٠١)) تفيد معنى أن هذا الغلام سوف يبلغ مبلغ الحلم ويكبر لأن اللفظ لا يطلق على الصغير، أو أن الله، تبارك وتعالى، سوف يرزقه الحلم‫.‬‬
‫(فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍۢ (١٠١)) إما أن يرزق الحلم في صباه، وإما أن تلك بشرى بأنه سوف يكبر ويبلغ مبلغ الرجال‬
‫ويتصف بالحلم ولم يوصف بالحلم من الأنبياء سوى إبراهيم وهذا الغلام (إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌۭ (١١٤)) [سورة التوبة آية‫:‬ ١١٤]‬
‫قالوا لعزة الحلم، الحلم عزيز قلما يوجد الحلم في إنسان ما لم يرزقه الله، تبارك وتعالى، الحلم‫.‬‬
‫(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ) ، بلغ الغلام مبلغ السعي أن يسعى مع أبيه في العبادة في الصلاة في الصيام أو في عمل الدنيا يعينه، وحين يقول‫:‬ (بَلَغَ مَعَهُ) ، أي مع أبيه ولا علاقة بمبلغه للسعي بالأب، وإنما الإشارة إلى أن الأب أرفق بالابن لا يستسعيه قبل الأوان، أيضا هو استجابة للدعوة لأنه طلب أن يوهب له هذا الغلام (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ) بلغ أن يسعى مع أبيه، في سعي أبيه دنيا ودين (قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ )، (أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ) " الكلمة فعل مضارع، لم يقل "إني رأيت " قال‫:‬ (إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ) إذا فالرؤيا تكررت والتعبير بصيغة المضارعة معناها أنه رأى أكثر من مرة وأن الرؤيا متكررة‫.‬‬
‫(إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ)، إما أنه رأى المنام هكذا وإما أنه غير ذلك، وقيل أنه في اليوم الثامن، في‬
‫ليلة الثامن من ذي الحجة رأى إبراهيم في المنام أنه أضجع ولده ليذبحه أو قيل له إن الله يأمرك أن تذبح ابنك فأصبح فروى الأمر في نفسه أمن الشيطان هذا أم من الرحمن هذا فسمي اليوم يوم التروية، وفي ليلة التاسع رأى نفس الرؤيا وقيل له يا إبراهيم الوعد فعرف أن الرؤيا من الله فسمي اليوم يوم عرفة، ثم تكررت الرؤيا في ليلة العاشر من ذي الحجة فأصبح فهم بنحر ابنه فسمي اليوم يوم النحر‫.‬‬
‫(إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ) ورؤيا الأنبياء وحي ولذا قال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءَ تَنَامُ أَعْيُنُنَا وَلَا تَنَامُ قُلُوبُنَا)، والله، تبارك وتعالى، أمر إبراهيم بهذا الأمر في الرؤيا ولم يأمره به في اليقظة لأن رؤيا الأنبياء وحي أولا‫.‬‬
‫وثانيا‫:‬ لأن سرعة استجابة إبراهيم واستجابة ابنه كذلك لهذا الأمر أدعى للكمال، سرعة الاستجابة رغم أنها رؤيا وليست وحيا في اليقظة، لو كان وحيا في اليقظة وجاءه جبريل فاستجابته أمر طبيعي، أما أن يستجيب لذلك برؤيا منامية هو وابنه كذلك يدل ذلك على علو المقام وعلو الشأن وكمال الانقياد لله تبارك وتعالى، وحين يقول لابنه‫:‬ (فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ ) وقرئت‫:‬ (فانظر ماذا تري) (فانظر ماذا ترى) لم يشاوره فيأمر ربه ولم يؤامره فيه لأن إبراهيم لا بد وأن يطيع الله، وإنما حين عرض عليه ذلك لأمور لعلها إن رأى من ابنه الجزع ثبت قدمه، وإن رأى منه الاستجابة والطاعة أمن عليه إن رأى منه الاستسلام أمن وإن رأى الجزع ثبته، كما أن معرفة الابن بأمر الذبح يوطن نفسه لذلك ويهيئ نفسه لذلك فيصبح الذبح أهون عليه من الفجاءة من أن يفاجأ به، أيضا إذا استجاب لأمر الله، تبارك وتعالى، كان ذلك أدعى لجزيل الثواب، من هنا قال له‫:‬ (فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ )، وقرئت‫:‬ (ماذا تري) (ماذا تري) ماذا ترى أي ماذا تري ربك من نفسك من استجابتك لأمره (قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ ) أي ما تؤمر به، (ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ ) استسلام بالكلية لأمر الله، تبارك وتعالى، وكان يبلغ من العمر ثلاث عشر سنة وصدق الله حيث يقول‫:‬ (فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍۢ (١٠١)). (قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ (١٠٢)) قدم المشيئة، وحين قدم المشيئة واستثنى رزقه الله، تبارك وتعالى، الصبر‫.‬‬
‫(فَلَمَّآ أَسْلَمَا) ، فلما سلما، قراءتان، (وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ (١٠٣)) تله‫:‬ صرعه، أوقعه تل، يتل‫:‬ صب، تل، يتل:سقط، وأصل كلمة "تل" ألقاه على التل.والتل‫:‬ الرمل المجتمع.واستخدمت الكلمة‫.‬‬
‫بعد ذلك توسعا في كل إلقاء وفي كل صرع، (وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ (١٠٣)) : أوقعه وأسقطه وصرعه للجبين، والجبين‫:‬ الجانب من الجبهة، والوجه له جبينان‫:‬ الجبين الأيمن والجبين الأيسر وبينها الجبهة، الجبهة في الوسط وجبين على اليمين وجبين على الشمال، تله للجبين‫:‬ ألقاه على الجبين‫.‬‬
‫(وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ ۚ ) فعلت ما أمرت به وهممت بالتنفيذ ونسخ الأمر (إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ (١٠٥)) ننجيهم من الشدائد كما نجيناك من الشدائد ورددنا إليك ابنك، كذلك ننجي كل محسن وكذلك نجزي كل محسن بالنجاة من الشدائد دنيا وأخرى (إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلَـٰٓؤُا۟ ٱلْمُبِينُ (١٠٦)) الامتحان الصعب البين صعوبته الظاهر، أو إن هذا لهو الفضل والنعمة العظيم، والبلاء يطلق على النعمة ويطلق على المحنة أيضا والفتنة، أبلاه إبلاءً: أنعم عليه ويقال بلاه، يبلوه‫:‬ اختبره وامتحنه، وأصل كلمة البلاء‫:‬ الامتحان بالخير والشر، بالنعمة أو بالمحنة ولذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ ۖ ) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٣٥] إذًا هناك بلاء بالخير أيضا‫.‬‬
‫(وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍۢ (١٠٧)) "العظيم" يطلق في اللغة على الكبير وعلى الشريف، هنا أجمع المفسرون على أن كلمة "عظيم" تعني عظيم القدر شريف القدر لأنه فداءً لنبي من الأنبياء أيضا لأنه نزل من الجنة وقيل أن هذا الفداء هو الكبش الذي قدمه هابيل قربانا لله فتقبل منه ومن أجل ذلك قتله قابيل، رفع الكبش وظل يرعى في الجنة إلى أن نزل فداءً لهذا الذبيح، (وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍۢ (١٠٧)).‬
‫وحين حدث هذا قال الشيطان في نفسه لئن لم أفتن آل إبراهيم في هذا المقام إذاً فلن أفتنهم أبدا فتمثل في صورة رجل وذهب إلى أم الغلام وقال أتدرين أين يذهب إبراهيم بابنك؟ قالت‫:‬ لا، قال‫:‬ يذهب به ليذبحه قالت هو أرأف به من أن يفعل ذلك، قال‫:‬ يزعم أن الله أمره بذلك قالت‫:‬ إن كان الله أمره بذلك فيحسن أن يطيع ربه فانصرف عنها يائسا، وذهب إلى الغلام وقال‫:‬ أتدري أين يذهب بك أبوك، قال‫:‬ لا قال‫:‬ يذهب بك ليذبحك، قال‫:‬ ولم ذلك؟ قال‫:‬ يزعم أن الله أمره، قال‫:‬ إن كان الله أمره بذلك فسمعا وطاعة لأمر الله فيئس منه، وتعرض لإبراهيم كما قيل عند الجمرات أو العقبات وقال‫:‬ يا إبراهيم لعل الشيطان جاءك في المنام وأمرك أن تذبح ابنك فتوهمت أن ذاك أمر من الله فعرفه إبراهيم فرجمه وقال إليك عني أيها اللعين، واستجاب إبراهيم لأمر ربه وأخذ الغلام وذهب به إلى المنحر أو إلى مكة في بعض الأقوال، وإذا بالغلام يقول له يا أبت اشدد رباطي حتى لا أجزع ولا أضطرب واكفف ثيابك حتى لا ينتضح عليها شيء من دمي فتراه أمي فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقي حتى يكون أهون علي، وكبني على وجهي حتى لا تنظر إلى عيني فتأخذك الشفقة بي وحتى لا أنظر إلى الشفرة فأجذع، وأقرئ أمي مني السلام، وهم إبراهيم بالذبح وأضجع الغلام وجاء بالسكين وأمر السكين على حلق الغلام فلم يقطع تحول عنق الغلام إلى نحاس وقيل بل غشي وغطي بالنحاس وقيل بل انقلبت السكين في يد إبراهيم ولم تقطع وقيل كلما قطع قطعا التأم، وقيل بل هم بالذبح فنودي من العلي الأعلى (أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ ۚ ) وقيل أن السموات والأرض ومن فيهن الكل ضج يا رب إبراهيم ليس أحد في الأرض يعبدك غيره، هذا النداء الذي تم حين ألقي في النار ثم مرة أخري عندما هم بذبح ابنه، يا رب ارحم هذا الشيخ الكبير وارأف بهذا الطفل الصغير، والله، تبارك وتعالى، أرأف بعباده من الأم بولدها فداه ربنا بذبح عظيم وهو الذي وصف الذبح وقال (وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍۢ (١٠٧)) ولا يعلم قدر العظيم إلا الله، تبارك وتعالى‫.‬‬
‫(وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ (١٠٨) سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ (١٠٩)) تركنا عليه في الأخرين، في الأمم اللاحقة تركنا عليه الثناء الجميل فما من أمة إلا وتثني على إبراهيم أحسن الثناء، وما من أمة إلا وتدعي الانتساب إليه اليهود والنصارى وجميع الأمم والملل والنحل حتى أن الله كذبهم وقال‫:‬ (مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّۭا وَلَا نَصْرَانِيًّۭا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًۭا مُّسْلِمًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (٦٧)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٦٧]‬
‫ترك عليه الثناء الجميل في كل الأمم (سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ (١٠٩)) أي سلام منا عليه، أو الأمم تسلم عليه، أو سلامة له من الآفات الدنيوية والدينية (كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ (١١٠)) كذلك الجزاء نجزي أيضا المحسنين (إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ (١١١)).
وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿112﴾ وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَـٰقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌۭ وَظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌۭ ﴿113﴾
بشره الله، تبارك وتعالى، بإسحق نبيا من الصالحين، وحين يقول نبيا من الصالحين ويذكر الصلاح بعد النبوة تشريفا لقدر إسحق وإيماءً إلى أن النبوة غايتها الصلاح، الكمال والتكميل في الفعل مطلقا (وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَـٰقَ ۚ ) باركنا‫:‬ على إبراهيم وعلى إسحق دنيا ودين، باركنا‫:‬ بكثرة الولد، باركنا‫:‬ بكثرة العمل الصالح، باركنا‫:‬ كان مباركا أينما كان، البركة‫:‬ ثبوت الخير ونماؤه من قولهم برك البعير إذا ثبت ولم يتحرك، ومنه البركة لثبات ماءها، (وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ) : أي ثبت له الخير ودام من الله، تبارك وتعالى، (وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌۭ وَظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌۭ (١١٣)) من ذرية إبراهيم ومن ذرية إسحق أو من ذرية الذبيح إن كان الذبيح إسماعيل ومن ذرية إسحق (وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ) على إبراهيم (وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ) على إسماعيل إن كان الذبيح إسماعيل فهناك خلاف‫.‬‬
‫(وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌۭ وَظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌۭ (١١٣)) تبين الآية أمرين‫:‬‬
‫الأمر الأول‫:‬ أن البنوة للنبوة لا تجدي ولا تنفع والله، تبارك وتعالى، ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، (وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا) رغم أن الله بارك عليهما لكن من الذرية محسن وظالم، إذا فلن تنفع‫.‬‬
‫الأبناء الذين ظلموا أنفسهم بنوتهم للأنبياء، فالبنوة للنبوة لا تجدي ولا تنفع‫.‬ الأمر الثاني‫:‬ أن الأبناء إذا ضلوا أو عقوا أو كفروا أو ظلموا أنفسهم لا يقدح ذلك في مقام الآباء، إبراهيم وإسحق بارك الله عليهما ورفع مقامهما ومع ذلك من ذريتهما ظلمة، ومع هذا لم تنفع الظلمة بنوتهم للأنبياء ولم يقدح في مقام الأنبياء ظلم الأبناء‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم إن الله، تبارك وتعالى، ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب ولا ينفع العبد إلا العمل الصالح والإنسان بين مخافتين بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه فعلى العبد أن يأخذ من نفسه لنفسه، من شبابه لهرمه ومن صحته لمرضه، ومن غناه لفقره، ومن فراغه لشغله، فخذ أيها الأخ من نفسك لنفسك‫.‬‬
‫فيا أيها الأخ المسلم‫:‬ اختلف العلماء في شأن الذبيح فمنهم من قال إن الذبيح إسحق ومنهم من قال أن الذبيح إسماعيل وكل ساق الأدلة على رأيه‫:‬ فالقائلون بأن الذبيح هو إسحق عليه السلام‫:‬ قالوا أن إبراهيم حين خرج من النار سالما لم يكن معه حين هاجر إلا سارة فقط، دعا وقال‫:‬ (رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍۢ (١٠١)) إذا هو إسحق.ويقول الله، تبارك وتعالى، أيضا (وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (١١٢)) وذاك بعد ذكر‫:‬ (فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍۢ (١٠١)) إذاً فالغلام الحليم هو إسحق وليس إسماعيل وقالوا إن الذبح أو محاولة الذبح حدثت بالشام حيث هاجر إبراهيم إلى الشام هو وسارة ولوط، ابن أخيه، وحين ووجهوا بأن الذبح حدث بمكة والمنحر وشهرة المنحر وما إلى ذلك قالوا إنه أخذ إسحق وذهب به إلى مكة بعد الرؤيا في غدوة طوى الله له الأرض وبعد الانتهاء من الغذاء عاد به في روحة إلى الشام فالذهاب والعودة حدثا في يوم واحد إلى مكة وإسماعيل لم يولد بعد قيل هذا‫.‬‬
‫القائلون بأن الذبيح إسماعيل قالوا‫:‬ أن الله، تبارك وتعالى، وصف إسماعيل بصفتين الصبر والصدق فقال‫:‬ (وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ (٨٥)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٨٥]، إذاً حين وصف بالصبر ذاك صبره على الأمر بالذبح، ووصفه بالصدق فقال‫:‬ (وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًۭا نَّبِيًّۭا (٥٤)) [سورة مريم آية‫:‬ ٥٤]، صادق الوعد لأنه صدق الوعد مع أبيه حيث قال‫:‬ (قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ (١٠٢)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٠٢]، فالوصف بالصدق والوصف بالصبر لإسماعيل يؤكد أنه الذبيح‫.‬ الأمر الثاني‫:‬ أن الله، تبارك وتعالى، حين بشر إبراهيم بإسحق قال (وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (١١٢)) إذا سوف يبلغ مبلغ الرجال وسوف يمنح ويوهب النبوة فكيف يأمره بذبحه وهو غلام وقد بشره أنه سوف يكون نبيا؟ إذاً لا يستقسم الأمر إذا سوف يبلغ مبلغ الرجال فكيف يصدق الرؤيا بالذبح وابنه غلام ثلاث عشر سنة، لا يمكن‫.‬‬
‫أيضا قالوا أن الله، تبارك وتعالى، حين بشره بإسحق لم يبشره بإسحق فقط بل قال‫:‬ (فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ (٧١)) [سورة هود آية‫:‬ ٧١]، إذا لا بد أن يكبر إسحق ويتزوج وينجب ويأتي بيعقوب، فإذا كانت البشرى كذلك فكيف يؤمر بذبحه وهو غلام؟ إذا فلا بد وأن يكون الذبيح إسماعيل، كما أن محاولة الذبح والأمر به تم في مكة، وروي عن ابن عباس أنه قال‫:‬ والذي نفسي بيده لقد جاء الإسلام ورأس الكبش معلق بالكعبة في الميزاب، علق إبراهيم رأس الكبش بعد ما نحره في ميزاب الكعبة وظل موجودا بعد ما يبس حتى جاء الإسلام، ومحاولة الذبح تمت في منى، إذا فلا بد أن يكون الذبيح هو إسماعيل، وروي في ذلك أخبار بأن النبي، صلى الله عليه وسلم، مدح ومدحه أحد الأصحاب بقوله يا ابن الذبيحين، إسماعيل وأبوه عبدالله، حيث نذر جده أن يذبح ابنا من أبنائه إذا بلغ العدد عشرة وهم بالذبح ثم أمر بالغداء عن طريق أخواله ففداه بمائة من الإبل، فحين يقال للنبي، صلى الله عليه وسلم، يا ابن الذبيحين إذا فلا بد أن يكون الذبيح إسماعيل وساقوا من الأدلة الكثير وهؤلاء يردوا على هؤلاء وهكذا والله، تبارك وتعالى، أعلم بمن هو الذبيح، سواء أكان الذبيح إسماعيل أو كان الذبيح إسحق، إسماعيل من عباد الله المخلصين، وإسحق من عباد الله المخلصين وهما ولدا إبراهيم والمفروض في المسلم أن يستسلم لأمر الله ويفوض العلم إلى الله فالأمر لا يعني في كثير أو قليل المسلم إن كان الذبيح إسماعيل أو كان الذبيح إسحق لأن الله، تبارك وتعالى، له أن يصطفي من خلقه من يشاء لما يشاء فنفوض العلم إلى الله، تبارك وتعالى‫.‬‬
‫وقد اختلف العلماء في هذا الشأن ولكل حجته ودليله ولكن ربنا، تبارك وتعالى، حين يقص علينا القصص يقول‫:‬ (لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ ) [سورة يوسف آية‫:‬ ١١١]، إذا فالعبرة في القصص وليس في أصحاب القصص، العبرة في القصة وليس في أصحاب القصة، ما هي العبرة في هذه القصة؟ أيا كان الذبيح ربنا، تبارك وتعالى، يأمر الأب بذبح الابن، أمر غريب، لو أعملت العقل في هذا الشأن يتوقف العقل، ربنا، تبارك وتعالى، يأمر بصلة الأرحام ولا يأمر بالفحشاء والمنكر وينهى عن القتل (وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٣٣]، فكيف يأمر ربنا، تبارك وتعالى، خليله وحبيبه بذبح ابنه أقرب الناس إليه؟ قال بعض الناس من أهل الإشارة أن إبراهيم ادعى محبة الله وأن قلبه ليس فيه إلا الله فأراد الله، تبارك وتعالى، أن يختبر هذا الحب أصحيح هو؟ فأمره بذبح ابنه فلذة الكبد وحيده إذا كان الذبيح إسماعيل لأن إسماعيل أكبر من إسحق بثلاث عشر سنة فاستجاب إبراهيم، إذا فليس في القلب إلا الله وحب الله أكبر من حبه لابنه، فحين هم بالذبح قال له الله، تبارك وتعالى، يا إبراهيم رددت إلينا قلبك فرددنا إليك ابنك فاتخذه خليلا لأنه أثبت أنه ليس في قلبه إلا الله‫.‬‬
‫أيضا من الأمور الهامة التي يجب أن نعرفها الطاعات والمعاصي لا تتعلق بذوات الأعيان وإنما الطاعة ما يتعلق به الأمر بالفعل والمعصية ما يتعلق به النهي من الفعل بمعنى أن الله تبارك وتعالى‫.‬‬
‫أمر ونهى ليميز الطائع من العاصي والعبادات الأصل فيها هي أوامر ليتبين من يطع ومن يعص ولنا عبرة في هذه القصة يجب أن نتنبه لها ونأخذها مأخذ الاعتبار إعمال العقل في أوامر الله ممنوع، وكل ما جاء في القرآن (أفلا يتذكرون )، (أفلا تعقلون)، (أفلا ينظرون) إلى آخر كل الآيات التي جاءت تحض على إعمال العقل ليست لنا، للكفار الذين كذبوا بمحمد، عليه الصلاة والسلام، وكذبوا بالله أمروا أن يعملوا عقولهم في الكون وفي الخلق من المدبر ومن المصرف ومن الخالق وما إلى ذلك، أما المسلم إن أعمل عقله فإنما يعمل عقله ليزداد إيمانا مع إيمانه ويثبت قلبه، وإعمال العقل أصلا في شدة اليقين والتثبيت بوجود الله، تبارك وتعالى، أما إعمال العقل في العبادات والأوامر والنواهي فممنوع منعا قطعيا لأن إعمال العقل في أوامر الله يضل، والدليل على ذلك لو أن إبراهيم أعمل عقله لحظة ما نفذ الأمر، نبي من أنبياء الله بل هو أبو الأنبياء يرى في المنام أنه يذبح ابنه لو أعمل عقله لقال لا يمكن كيف يبشرني ربي بغلام حليم ثم يأمرني بذبحه وماذا جنى الغلام‬
‫حتى يذبح؟ وماذا فعل حتى يقتل؟ وكيف أقتل فلذة كبدي ولو فعلت ذلك لصارت سنة ولتبعني الناس في ذلك لا يمكن أن يأمر ربنا بذلك عقلا إن الله لا يأمر بالفحشاء ولا يأمر بالمنكر فلم لم يعمل إبراهيم عقله؟ لأن الأمر من الله وإذا كان الأمر من الله فليس هناك إعمال للعقل وصدق علي بن أبي طالب حيث قال منبها لنا لو كان الدين بالعقل لكان مسح باطن الخف أولى من مسح ظاهره، في المسح على الخف نمسح ظاهر الخف ظاهر القدم لو كان بالعقل مسح الباطن لأن الباطن يتلوث من الأرض فكيف تمسح الظاهر ولا تمسح الباطن؟ إذا فالأوامر والنواهي لا تؤخذ بالعقل أبدا وإلا ضل العبد المغرب ثلاث ركعات والعشاء أربعة، لم ذلك؟ مهما أعملت عقلك، تجهر بالقراءة في صلوات الليل وتسر بالقراءة في صلوات النهار لم ذلك؟ حجر يرجم وحجر يقبل حجر يرجم في الحج وحجر يقبل لم ذلك؟ هذا حجر وهذا حجر لم ترجم هذا وتقبل هذا؟ أمر بنا بذلك، لم تطوف سبعا ولم لا تزيد، هكذا السنة، ما هو السعي ولم تسعى وتهرول وبين الصخرتين أمر بنا بذلك، وهكذا الأوامر والنواهي طالما ثبتت عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا يصح إعمال العقل فيها أبدا بدليل هذه القصة (إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ) هل يستقيم هذا مع العقل؟ هل يأمر ربنا بقتل غلام بريء لم يجن شيئا وبيد الأب إهدار لكل معاني العواطف والحنان والأبوة، إهدار لكل معاني العدل والرحمة والرأفة لا يستقيم، من هنا أراد الله، تبارك وتعالى، أن يبين لإبراهيم ويبين لنا أن أوامر الله، تبارك وتعالى، لا تخضع للجدل أو المناقشة أو الفكر أو العقل، بل هي أوامر ونواهِ تطاع وتحترم وليميز الطائع من العاصي، دون إعمال للعقل، وعليه فإعمال العقل فقط في الوجود . للكافر يعمل عقله حتى يؤمن بأن الوجود له موجد، وأن البداية لها نهاية وكما بدئ سوف ينهى (كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍۢ نُّعِيدُهُۥ ۚ ) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١۰٤]. يعمل عقله في هذا الرسول نسبه وصدقه وقوله بم يأمر عما ينهى وهكذا فإن وصل بالعقل للإيمان انتهى دور العقل، أما المسلم إن أعمل عقله فليعمل عقله في آلاء الله، في نعماء الله في الوجود في التصريف في التدبير فيزداد إيمانا ويثبت قلبه على اليقين، أما إعمال العقل ففي الأوامر والنواهي فممنوع منعا قطعيا وأي كلام يخالف ذلك محجوج ومفتقر إلى لحجة وإلى الدليل وها هو الدليل أمام أعينكم يتلى عليكم (إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ ) لم يعمل عقله حتى لو يناقش أبيه لم تذبحني بغير ذنب وبغير جريرة (قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ ) هكذا (ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ ) هذا هو الأدب، هذه هي العبرة من القصة بغض النظر عن اسم الذبيح (ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ (١٠٢)) من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (فَلَمَّآ أَسْلَمَا) وقرئت‫:‬ (فلما سلما ) وقرئت‫:‬ (فلما استسلما ) إذا الإسلام أن تسلم وجهك لله أن تستسلم لأمر الله (فَلَمَّآ أَسْلَمَا) الجواب محذوف أين الجواب لم يذكر (فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ (١٠٤)) فقدر العلماء جوابا لذلك قالوا‫:‬ (فَلَمَّآ أَسْلَمَا) ناديناه أو (فَلَمَّآ أَسْلَمَا) فديناه، وقال أحدهم الجواب (فَلَمَّآ أَسْلَمَا) كان من أمرهما ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به المقال‫.‬‬
‫بعد أن ذكر الله، تبارك وتعالى، لنا في سورة الصافات ما من به على حبيبه وخليله أبي الأنبياء إبراهيم وكيف بشره بإسحق نبيا من الصالحين بينت لنا الآيات أن النسب إلى النبوة لا ينفع وأن ضلال الأبناء لا يضر الآباء حيث قال الله، تبارك وتعالى، (وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌۭ وَظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌۭ (١١٣)) فمن ذرية الأنبياء من ظلم نفسه ولا يقدح ذلك في مقام الأنبياء‫.‬‬
‫أيضا من ذرية الأنبياء من ظلم نفسه ولم ينفعه نسبه إلى الأنبياء، فالله، تبارك وتعالى، ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، تبدأ الآيات في سورة الصافات تحكي لنا طرفا عن هؤلاء وعن هؤلاء المحسنين من ذريتهما والظالمين كذلك يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ﴿114﴾ وَنَجَّيْنَـٰهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ﴿115﴾ وَنَصَرْنَـٰهُمْ فَكَانُوا۟ هُمُ ٱلْغَـٰلِبِينَ ﴿116﴾ وَءَاتَيْنَـٰهُمَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ ﴿117﴾ وَهَدَيْنَـٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴿118﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ﴿119﴾ سَلَـٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ﴿120﴾ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿121﴾ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿122﴾
‫(وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ (١١٤)) موسى وهارون من ذرية إسحق وموسى بعث إلى إسرائيل وقصة موسى نالت حظا وفيرا في القرآن فقد قص الله، تبارك وتعالى، علينا قصة موسى في أكثر من موضع، ويأتي هنا الخبر مختصرا (مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ (١١٤)) بالنبوة، بالكرامة، بالفضل العظيم، اصطفاهما الله، تبارك وتعالى، وذكر قصة هذا الاصطفاء وكيف تم وموسى لا يزال رضيعا، كيف حمل في التابوت وكيف هدهده البحر وكيف لم يبتلعه وكيف وقع في أيدي أعدائه فسخرهم الله، تبارك وتعالى، لخدمته وإرضاعه كيف؟ وكيف؟ وكيف قال الله، تبارك وتعالى، له‫:‬ (وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى (٤١)) [سورة طه آية‫:‬ ٤١]، وكيف قال له‫:‬ (وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ (٣٩)) [سورة طه آية‫:‬ ٣٩]، فضل الله يؤتيه من يشاء‫.‬‬
‫(وَنَجَّيْنَـٰهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ (١١٥)) لم يلحقهما الرق لفرعون، أيضا نجاهما الله، تبارك وتعالى، من الغرق فقد أغرق فرعون وقومه ونجى موسى وهارون وقومه وقص علينا القرآن كيف كانت النجاة معجزة وكيف انفلق البحر فكان كل فرق كالطود العظيم وكيف أن الله، تبارك وتعالى، سخر لهم اثنا عشر طريقا وبين كل طريق وطريق ارتفع الماء وكان به طاقات حتى ينظر كل فريق‬
‫إلى الفريق المجاور فيأتنس به كيف، وكيف بضربة عصا من موسى (وَنَصَرْنَـٰهُمْ فَكَانُوا۟ هُمُ ٱلْغَـٰلِبِينَ (١١٦)) أي نصرناهم وقومهم كانوا هم الغالبين بالحجة والبرهان، وقد ألزم موسى فرعون الحجة وألقى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون وألقي السحرة ساجدين غلب موسى بالحجة أيضا انتصر حيث نجاه الله تبارك وتعالى وقومه‫.‬‬
‫(وَءَاتَيْنَـٰهُمَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ (١١٧)) التوراة نزلت على موسى مكتوبة كاملة من السماء في ألواح، معجزة من ضمن المعجزات العديدة التي منحها الله، تبارك وتعالى، لموسى، المستبين‫:‬ الواضح البين النير، استبان الشيء‫:‬ صار بينا، وتبين الشيء بنفسه وتبينه هو فكذلك أعطيناهما الكتاب المستبين الذي كان بينا واضحا لكل ذي عقل وبصر (وَهَدَيْنَـٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ (١١٨)) الطريق المعتدل الذي لا عوج فيه الذي يؤدي إلى رضا الله، تبارك وتعالى، (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ (١١٩) سَلَـٰمٌ) تركنا عليهما السلام، نعم سلمهما الله، تبارك وتعالى، من الآفات وسلمهما من الذنب بل وترك عليهما سلاما منه إلى أن تقوم الساعة، أيضا ترك عليهما الثناء الجميل‫.‬‬
‫في الأمم اللاحقة وما من أمة إلا وتثني على موسى وعلى هارون خيرا وما من أمة إلا والمؤمنون فيها يؤمنون بموسى وهارون (إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ (١٢١)) تعليل وبيان وبشرى أن الله، تبارك وتعالى، إذا اختص عبدا وجزاه بهذا الجزاء الحسن فهذا الاختصاص ليس خاص بفرد بعينه بل خاص بالصفة فكلما أحسن العبد نال جزاء المحسنين من الأنبياء والصالحين (إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ (١٢١)) أي أن كل محسن في أي زمان وفي أي مكان لا بد وأن ينجيه الله، تبارك وتعالى، في الدنيا وكذا في الآخرة‫.‬‬
‫(إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)) بيان لإحسانهما أنهما كانا من العباد المؤمنين‫.‬‬
‫وينتقل الكلام عن أمة أخرى أيضا من بني إسرائيل وكأن الكلام عن الذرية التي أخبرنا الله، تبارك وتعالى، عنها، ذرية إبراهيم وذرية إسحق (وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌۭ وَظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌۭ (١١٣)) ها هم المحسنون (إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)) فكانوا من المحسنين هم وكذلك قومهم لأن الله، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَنَجَّيْنَـٰهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ (١١٥)) ذاك مثال، يأتي مثال آخر‫:
وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿123﴾ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ ﴿124﴾ أَتَدْعُونَ بَعْلًۭا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ ﴿125﴾ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿126﴾ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴿127﴾ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿128﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ﴿129﴾ سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ ﴿130﴾ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿131﴾ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿132﴾
‫(وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ (١٢٣)) إلياس من سبط هارون، من أحفاده، هارون أخي موسى، إلياس من سبطه، إلياس اختلف المفسرون في شأنه، قال بعضهم‫:‬ هو إدريس، وقال بعضهم بل هو إلياس بن ياسين، والقول الأرجح أن إلياس غير إدريس، إلياس نبي من أنبياء بني إسرائيل، أما إدريس ففوق ذلك في الزمان‫.‬ (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ (١٢٣)) أرسل لبني إسرائيل بعدما انقضى زمن موسى وزمن هارون ومرت الأيام وتباعد الناس عن الذكر وتباعدوا عن عهد النبوة ومعجزاتها وبركاتها، بدأ الشيطان عمله وأوحى إلى شياطين الإنس وانحرفوا عن الملة تدريجيا والانحراف لا يكون فجائيا بل أي انحراف عن الملة في أي قوم وفي أي زمان يكون بالتدرج، يترك الناس السنن ويهملوها ثم بعد ذلك يجترئوا على الفرائض فيهملوها، ثم بعد ذلك يجترئوا على المعاصي فيرتكبوها، وهكذا والله، تبارك وتعالى، لا يهدي القوم المفسدين لا يهدي القوم الفاسقين ولا يصلح عمل المفسدين فتباعدوا فأبعدهم الله وإذا بهم يعبدون الأصنام بعد عهد النبوة واتخذوا لهم صنما من ذهب طوله عشرون ذراعا وله أربعة أوجه، واتخذوا له أربعمائة من السدنة يخدمون الصنم واعتبروهم أنبياء لهذا الإله‫.‬ يحكي لنا ربنا، تبارك وتعالى، عنهم (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)) ألا تتقون الله وتخافون غضبه وتخشون عذابه‫.‬‬
‫(أَتَدْعُونَ بَعْلًۭا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ (١٢٥)) "بعلا" قيل أنه اسم للصنم وقيل بل هو اسم الملك فقد عبدوه، وقيل بل هو اسم لامرأة عبدوها، وقيل بل كلمة "بعل" تعني بلغة اليمن الرب ومنه سمي الزوج بعلا لأنه رب المرأة، صاحبها، فكلمة بعل تعني ربا بلغة اليمن، (أَتَدْعُونَ بَعْلًۭا) أي أتدعون هذا الصنم تسمونه ربا وتختلقونه اختلاقا، وهؤلاء الناس كانوا في بلده بالشام تسمى "بك" ولذا سميت البلدة بعد ذلك بعلبك لأن فيها الصنم المسمى "بعلا" فأصبحت البلد منسوبة إلى الصنم وسميت "بعلبك" (أَتَدْعُونَ بَعْلًۭا وَتَذَرُونَ) تتركون وتطرحون وراءكم (وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ (١٢٥)) أي أحسن من قيل له خالق، ذاك معنى،‬
‫والمعني الآخر‫:‬ (أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ (١٢٥)) هل هناك خالق غير الله؟ وربنا، تبارك وتعالى، يقول (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۚ ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٣]، فلم يقول هنا (أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ (١٢٥)) إذاً فالمعنى إما أن يكون أحسن من دعي خالقا أو أحسن الصانعين فإن الإنسان يصنع ولا يخلق (وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ (١٢٥) ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ (١٢٦))، (الله ربكم ورب آبائكم الأولين ) قراءة أخرى بالرفع أي هو الله، الله ربكم ورب آبائكم الأولين الذي هو أحسن الخالقين أو تقرأ كما قرأها شيخنا (ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ (١٢٦))، على البدل (وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ (١٢٥) ٱللَّهَ)، (رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ (١٢٦))، وحين يقول‫:‬ (رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ) كأنه يشير إلى قدم الله، تبارك وتعالى، كان من الممكن أن يقول "ربكم ورب السموات والأرض " "ربكم ورب العالمين"، حين يقول‫:‬ (رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ (١٢٦)) يلفت النظر إلى أن هذا الذي تدعونه بعلا صنع ووجد حيث لم يكن موجودا صنعته أيديكم، إذا لم يكن موجودا وكنتم أنتم موجودون، وكان الآباء كذلك موجودين، فالله، تبارك وتعالى، ربكم ورب آبائكم الأولين القديم الذي كان ولم يكن شيء ، إذا فهو الخالق المستحق للعبادة، رغم هذه الحجة الواضحة البينة النيرة ربك ورب آبائك القديم من الأزل ليس له بداية، وجدت وكان الله موجودا، ولم تكن أنت موجودا، أما هذا الصنم فقد وجد من العدم وأنت صنعته بيدك فكيف تعبد ما تصنع، فكذبوه رغم ذلك (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)) أي محضرون في جهنم، محضرون إلى الحساب، محضرون إلى الجزاء، والإحضار، كما قلنا من قبل، إذا أطلق فهو يستخدم في الشر فقط، (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)) أي في جهنم وفي العذاب (إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ (١٢٨)) أو المخلصين، (المخلصين) الذين أخلصهم الله، تبارك وتعالى، من أدران الشرك واصطفاهم وهداهم، أو (المخلصين) الذين أخلصوا العبادة لله وتوجهوا بالتوحيد لله، تبارك وتعالى‫.‬‬
‫(وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ (١٢٩)) كما حدث مع الأنبياء من قبل (سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)) تركنا عليه أيضا السلامة والسداد والثناء الجميل في الآخرين في الأمم المتأخرة (سلام على آل ياسين)، (سلام على إل ياسين)، (سلام على ياسين)وهناك قراءة أخرى شاذة إلا أنها في مصحف ابن مسعود (سلام على إدراسين) و(سلام على إدريس) على اعتبار أن إلياس هو إدريس وهي قراءة بعيدة عن الرأي الراجح‫.‬‬
‫(سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)) إذا فاسم إلياس أيضا إل ياسين إذا فله اسمان، وقالوا‫:‬ بل زيدت الياء والنون كما زيدت في سيناء (وَشَجَرَةًۭ تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍۢ لِّلْـَٔاكِلِينَ (٢٠)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٢٠]، وقال الله مرة أخرى (وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢)) [سورة التين آية‫:‬ ١- ٢] سينين‫:‬ سيناء، وسينين‫.‬ فإلياس وإل ياسين تشبهها، وقالوا بل إل ياسين جمع "إلياس" وسمي القوم باسمه تشريفا له، فجمع إلياس على إل ياسين (سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)) أي عليه وعلى من آمن معه، وقالوا‫:‬ سلام على آل ياسين إذاً السلام على آله يعني السلام عليه أيضا ضمن الآل كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى) وأبو أوفى من ضمنهم‫.‬‬
‫(إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ (١٣١))، (إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)) نعم كذلك سلم الله، تبارك وتعالى، عليه وترك عليه في الآخرين‫.‬‬
‫ثناء جميل وبين أن هذا جزاء المحسنين في كل زمان ومكان وأن الإيمان هو الذي يؤدي إلى الإحسان أو هو من أظهر صفات الإحسان (إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ (١٣٢))، بين ربنا تبارك وتعالى أن من ذريتهما من ظلم نفسه وعبد الأصنام وها هم يدعون بعلا ويذرون أحسن الخالقين، وحين جاءهم إلياس ونبه ووعظ ها هم يكذبوه (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧))، وقد رويت كثيرا من القصص عن إلياس وإنه مرض يوما فبكى فأوحى الله، تبارك وتعالى، إليه لم تبكي يا إلياس جزعا من الموت أو حرصا على الدنيا أم خوفا من النار؟ فقال‫:‬ لا ولا شيء من هذا وعزتك وإنما جزعي كيف يحمدك الحامدون بعدي ولا أحمدك وكيف يذكرك الذاكرون بعدي ولا أذكرك وكيف يصوم الصائمون بعدي ولا أصوم وكيف يصلون ولا أصلي، فقال الله، تبارك وتعالى، يا إلياس وعزتي لأؤخرنك إلى يوم ليس لي فيه ذاكر أي إلى يوم القيامة، وقيل أن الله، تبارك وتعالى، رفعه وأبدله بثيابه نورا، كساه النور وكساه الريش يطير مع الملائكة حيث طارت إلى أن تقوم الساعة ويصوم رمضان ويشهد الموسم مع الخضر ويقولون حين الافتراق بعد كل موسم بعد الحج ما شاء الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله، ما شاء الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله، ما شاء الله ما شاء الله ما يكون من نعمة فمن الله، ما شاء الله ما شاء الله توكلت على الله حسبنا الله ونعم الوكيل، تلك من القصص التي تروى والله، تبارك وتعالى، أعلم ولم يرد في شأن هذه القصة شيء في القرآن أو في الأحاديث الصحيحة التي يقول عليها، والله، تبارك وتعالى، أن يصطفي من يشاء وأن يتفضل على من يشاء بما شاء‫.‬‬
‫وينتقل الذكر والآيات بعد ذلك إلى قوم لوط، ولوط أيضا بعث في بني إسرائيل، لوط عمه أو أبوه هو عم إبراهيم، ولوط ممن آمن مع إبراهيم ولوط هاجر أيضا بعد إبراهيم أو مع إبراهيم حين هاجر، يقول الله، تبارك وتعالى، في شأن لوط.
وَإِنَّ لُوطًۭا لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿133﴾ إِذْ نَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ أَجْمَعِينَ ﴿134﴾ إِلَّا عَجُوزًۭا فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ ﴿135﴾ ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ﴿136﴾ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ﴿137﴾ وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿138﴾
‫(وَإِنَّ لُوطًۭا لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًۭا فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ (١٣٥)) أي في الباقين في العذاب المتروكين في العذاب (ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ (١٣٦)) دمر الله، تبارك وتعالى قوم لوط بعد أن نجاه ومن آمن معه وكانت امرأة لوط فيمن عذب وفيمن هلك لأنها لم تؤمن به، ثم ربنا، تبارك وتعالى، قوم النبي، صلى الله عليه وسلم، فيقول لهم‫:‬ (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)) وكانت قرية سدوم حيث كان لوط وحيث دمر الله تعالى قومه الذين كفروا وأرسل عليهم حاصبا من السماء وقص علينا قصتهم في سورة الحجر وفي سور كثيرة كيف دمرهم الله، تبارك وتعالى، وكيف في سورة هود جاءه قومه يهرعون إليه وكيف أرادوا بضيفه سوء وكانت الأضياف ملائكة الرحمن وقالوا يا لوط لن يصلوا إليك فأسر بأهلك يذكرهم ربنا، تبارك وتعالى، بقصة لوط وينبه تمرون عليهم مصبحين داخلين في الصباح وفي الليل كذلك أفلا تعقلون، المرور عليهم في التجارة وأثناء السفر يمرون على القرى ويرون آثار التدمير في الصباح وفي الليل، رؤية هذه المناظر في الصباح لا تختلف عن رؤيتها في المساء فلم قال في الصباح ولم قال في الليل؟ (مُّصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِٱلَّيْلِ ۗ ) وكأنه ينبه أنكم ترون هذا في الذهاب وفي الإياب ألا يلتفت نظركم إلى هذا وهم كما هم منذ دمرهم الله حتى الآن، الله باق وما عداه فان (أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)) أفلا تدبرون هذا، أفلا تعقلون أن الله قائم بالقسط وبالعدل وأن الله، تبارك وتعالى، جعل الدنيا دار ابتلاء وليست دار جزاء وأن الآخرة جزاء ولا عمل‫.‬ وإذا لم يتعقل الإنسان وإذا لم يتدبر الإنسان وإذا لم يتعظ بغيره كان بعيدا عن الهدى غارقا في الضلال، العاقل من اتعظ بغيره وصدق نبينا، صلى الله عليه وسلم، حيث يقول‫:‬ (الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ).‬
‫فتمضي بنا الآيات من سورة الصافات ويأتي ذكر يونس، يونس بن متى نبي من أنبياء الله، تبارك وتعالى، ورسول من المرسلين جاءت قصته تفصيلا في سورة يونس وسميت السورة باسمه، جاءت أيضا قصته في سورة الأنبياء، وها هي تأتي مرة أخرى وسوف تأتي أيضا بعد ذلك‫.‬‬
‫يقول الله، تبارك وتعالى:
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿139﴾ إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ﴿140﴾ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ ﴿141﴾ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌۭ ﴿142﴾ فَلَوْلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ ﴿143﴾ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿144﴾ فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌۭ ﴿145﴾ وَأَنۢبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةًۭ مِّن يَقْطِينٍۢ ﴿146﴾ وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴿147﴾ فَـَٔامَنُوا۟ فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ ﴿148﴾
‫(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ (١٣٩)) قرئت بضم وقرئت بكسر النون "يونس " (إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ (١٤٠)) أبق‫:‬ هرب والعبد الآبق الهارب من سيده، وأصل مادة الكلمة أبق‫:‬ ابتعد وإن كان الاستخدام للكلمة في الهروب‫.‬‬
‫وهروب العبد بالذات من سيده وكأن يونس هرب من قومه بغير إذن من الله، من هنا سمي آبقا (إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ (١٤٠)) الفلك‫:‬ السفينة وكلمة "فلك" مذكر ومؤنث مفرد وجمع، (فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٢٨]، الفلك المشحون‫:‬ المملوء يونس كما قص علينا من قبل في القرآن بعث إلى قومه ودعاهم إلى الله، تبارك وتعالى، وكانوا في بلده تسمى "نينوى" من أعمال الموصل في العراق، بعث إليهم يونس ودعاهم إلى الله فلم يستجيبوا له فأنذرهم بعذاب الله، تبارك وتعالى، ووقت لهم وقتا ثلاثة أيام ينتظرون فيها العذاب، لم ينتظر يونس خرج وخرج مغاضبا وترك قومه وذهب بغير إذن من الله وبغير وحي حيث ركب سفينة مع الناس، وقيل بل ابتعد عنهم وانتظر فلم ير العذاب قد وقع فخشي أن يعود إليهم وقد كذب، أو كذب، أنذرهم بالعذاب ولم يقع العذاب فكيف يواجههم مرة أخرى أنذرهم ثلاثة أيام وانتظر يونس وحاول من بعيد أن يترقب نزول العذاب فلم ينزل فغضب لذلك أو خاف وكان في شريعتهم من كذب قتل فهرب خوفا، لم يدر يونس أن الناس من قومه بعدما فارقهم تدابروا وتراجعوا وخافوا ووعظ‫.‬‬
‫بعضهم بعضا وخشوا العذاب ففرقوا بين كل أم ووليدها فعلى صراخ الرضع والأطفال ومنعوا الطعام عن البهائم وعن كبار السن وخرجوا جميعا خارج بلدهم إلى الصحراء في ضجة واحدة في ضراعة إلى الله أن يكشف عنهم ويرفع عنهم العذاب وذاك يأتي في قول الله، تبارك وتعالى، في سورة يونس‫:‬ (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَـٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ (٩٨)) [سورة يونس آية‫:‬ ٩٨]‬
‫فالقرآن يفسر بعضه بعضا وقد لا ينتبه بعض المفسرين إلى الآيات، من هنا لم ينتبه يونس إلى ما حدث وخرج وكشف الله، تبارك وتعالى، العذاب عن قومه، ركب في السفينة وعرفه أهل السفينة فبجلوه وعظموه وهموا بالمسير والإبحار فلم تتحرك السفينة، كيف لا تتحرك السفينة؟ بالسفينة عبد آبق، بالسفينة عاص فقال يونس " أنا، أنا اطرحوني في الماء فأبو عليه فاتفقوا على الاستهام، القرعة، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس فكرروها مرارا وإذا بالقرعة تقع على يونس فألقوه في اليم، لم يلامس يونس الماء، إذا بحوت عظيم يقف تحت السفينة فاغرا فاه فالتقم يونس وجاء النداء من العلي‬
‫الأعلى‫:‬ أيا حوت، إنا لم نجعل لك يونس رزقا، بل جعلناك له حرزا ومسجدا، فالتقمه الحوت وسبح به، قيل أنه لبث في بطن الحوت يوما أو بعض يوم، وقيل بل ثلاثة أيام، وقيل بل سبعة، قيل عشرين يوما، قيل أربعين يوما والله أعلم بمدة لبث يونس في الحوت، مشى به الحوت حيث أمره الله ونزل به إلى الأعماق فسمع يونس تسبيح الحصى فجهر وسبح (أَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٨٧)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٨٧]‬
‫فقالت الملائكة يا رب إنا نسمع صوتا ضعيفا من أرض غريبة قال هذا عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت، فقالوا‫:‬ يا رب يونس بن متى الذي لم يكن تمر ليلة إلا ويصعد لك فيها منه عمل صالح؟ قال‫:‬ نعم هو، فتشفعوا له فأمر الحوت فألقاه بالبر سقيما كالفرخ الممعوط الذي لا ريش عليه، نزل بغير ثياب، نزل ضعيفا سقيما كالوليد الصغير حين يولد فتجلى الله عليه برحمته فأنبت عليه شجرة لا يسقط عليها الذباب ألا وهي اليقطين أظلته أكل منها وشرب حتى استرد قواه ثم يبست الشجرة فبكى يونس يبست ولم يجدها كما كانت خضراء يانعة فبكى فأوحى إليه الله‬
‫تبارك وتعالى يا يونس أتبكى على شجرة يبست ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون من قومك أردت نزول العذاب بهم حتى تكون صادقا في أعينهم فأفاق يونس فأمره الله بالعودة إلى قومه فجاءهم وحين اقترب من القرية وجد غلاما يرعى الغنم فسأله عن أخبار القوم فقال قد آمنوا بيونس وكلهم آمنوا لم يتخلف منهم أحد وهم ينتظرون عودة نبيهم فقال له‫:‬ يا غلام ارجع إليهم وقل إنك لقيت يونس بن متى قال كيف أقول ذلك ومن يشهد لي وقد علمت أن من كذب في قومي قتل، قال‫:‬ بل تشهد لك هذه البقعة من الأرض وتلك الشجرة، قال‫:‬ كيف؟ مرهما فأمرهما يونس أن يشهدا له فعاد الغلام إلى قومه وأخبرهم أنه لقي يونس فكذبوه وهموا به فقال‫:‬ أمهلوني إلى الصباح فلدي البينة فجاءوا معه إلى البقعة فاستنطقها فشهدت وجاء إلى الشجرة فاستنطقها فشهدت فعادوا جميعا فزعين وكرموا الغلام وعاد إليهم يونس وأقام فيهم شرع الله‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ (١٤٠))
‫(فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ (١٤١)) ساهم‫:‬ القرعة بالسهام،.كل من الناس يكتب اسمه على سهم من السهام ثم يلقون السهام في البحر فمن وقف سهمه وقعت عليه القرعة أو يضعون السهام في إناء ويرجوه ثم يقذفوها فما بقي سهمه، وهكذا (فَسَاهَمَ) فاقترع (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ (١٤١)) المغلوبين، هكذا في كتب التفسير المدحضين‫:‬ المغلوبين المهزومين، أصل كلمة الدحض‫:‬ الزلق في الماء أو في الطين، دحضت حجته فهي داحضة‫:‬ باطلة‫.‬ (مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ (١٤١)) وتلفت النظر تلك الكلمة وما من لفظ في القرآن إلا ولا يمكن أن يأتي لفظ آخر ليحل محله أو يؤدي المعني لأن يونس حين غلب في الاستهام ألقي في الماء وكأنه انزلق إلى الماء، من هنا قال ربنا، تبارك وتعالى‫:‬ (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ (١٤١)) (فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌۭ (١٤٢)) التقمه‫:‬ أخذه بسرعة، المليم‫:‬ أي مليم لنفسه، المليم‫:‬ من أتى فعلا يلام عليه ولو لم يلم، ألام الرجل‫:‬ أتى بالعيب أتى بفعل يعاب عليه أما الملوم‫:‬ فهو الذي يلام استحق ذلك أو لم يستحق، لذا يقول الله، تبارك وتعالى، لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم (فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍۢ (٥٤)) [سورة الذاريات آية‫:‬ ٥٤] فالملوم الذي لا يلام‫.‬‬
‫(فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌۭ (١٤٢)) عاص لربه خارج عن طاعته ولكن الأنبياء معصومة، لكن حسنات الأبرار سيئات المقربين ولو فعل رجل من الناس فعل يونس ما عوقب وما أوخذ لكن الأنبياء لعلو مقامهم ولعلو شأنهم الهنات تعتبر معاصي‫.‬‬
‫(فَلَوْلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)) من العابدين من المصلين، من الذاكرين الله كثيرا في سابق عمره، ذكر الله في الرخاء فذكره الله في البلاء، (لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)) لأصبح بطن الحوت قبرا له أو لأصبح فيه حيا يتألم ويتعذب إلى أن تقوم الساعة، وقيل‫:‬ (فَلَوْلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ (١٤٣))، أي التسبيح الذي سبحه في بطن الحوت للبث في بطنه إلى يوم يبعثون‫.‬‬
‫(فَنَبَذْنَـٰهُ) طرحناه، ألقيناه (بِٱلْعَرَآءِ) العراء‫:‬ الأرض التي لا نبت فيها ولا شجر، الأرض الفارغة من كل شجر أو بناء، (وَهُوَ سَقِيمٌۭ (١٤٥)) عليل كما قالوا كالفرخ الممعوط الذي نزل بغير ريش بمجرد الولادة ضعيف البنية رقيق البشرة سقيم‫:‬ عليل " سقيم" تجمع على سقامى وسقام وسقمى‫.‬‬
‫(وَأَنۢبَتْنَا عَلَيْهِ) عنده (وَأَنۢبَتْنَا عَلَيْهِ) له أنبتنا‫:‬ ظللنا عليه‬
‫لم تكن هناك شجرة لكن الله، تبارك وتعالى، أنبتها بقولة كن فيكون‫:‬‬
‫(شَجَرَةًۭ مِّن يَقْطِينٍۢ (١٤٦)) الكلمة مستمدة من قولهم قطن بالمكان إذ أقام به فهو قاطن، والقاطنون في مكان‫:‬ الماكثون به مقيمون فيه، يقطين لأن الشجر الذي بغير ساق والذي ينبت على الأرض ويفترش ورقه الأرض يسمى يقطين، قيل هي شجرة الدباء‫:‬ القرع واختص اليقطين لأن القرع لا يسقط عليه الذباب أبدا وهو في أرضه، (وَأَنۢبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةًۭ مِّن يَقْطِينٍۢ (١٤٦)) وروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه كان يحب الدباء ويتتبعه في الإناء، ويقول‫:‬ (هَذِهِ شَجَرَةُ أَخِي يُونُسَ).‬
‫(وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)) أعاده ربنا إلى قومه، قال بعض المفسرين هم أقوام أخر، والأرجح أنهم هم قومه لأن الله كشف عنهم عذاب الخزي (مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)) كلمة (أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)) أشكلت على المفسرين قالو (أو) بمعني (و) وقالوا "أو" بمعنى "بل" أرسلناه إلى مائة ألف بل يزيدون أي هم أزيد من مائة ألف أو مائة ألف ويزيدون عن ذلك لأن الله لا يصح في أخباره أن يكون هناك تردد (مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)) تردد، وقال بعضهم بل هو ربنا، ، تبارك وتعالى، وأبهم علينا، قالوا أبدا إنما قول‫:‬ (مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)) معناها أو يزيدون في نظر الناظر أي لو نظر إليهم الناظر لظن أنهم مائة ألف أو يزيدون على ذلك فخاطب الناس بما عهدوه أنكم إذا رأيتموهم أو نظرتم إليهم لاعتقدتم أنهم مائة ألف أو يزيدون‫.‬‬
‫وقرأ بعضهم (فأرسلناه إلى مائة ألف ويزيدون ) بالواو حتى يخرج من الإشكال، قرئت كذلك‫.‬‬
‫(فَـَٔامَنُوا۟ فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ (١٤٨)) أي إلى انتهاء مدة آجالهم أمة مؤمنة، أمة كاملة مؤمنة ليس فيها عاص وليس فيها كافر وهكذا يمن الله، تبارك وتعالى، على من يشاء (فَـَٔامَنُوا۟ فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ (١٤٨)) والحين المدة من الزمان وجاءت الحين في القرآن تعني الصباح أو المساء في قوله (فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)) [سورة الروم آية‫:‬ ١٧]، إذا هي الصباح أو المساء، وجاءت بمعنى "السنة" (كَشَجَرَةٍۢ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌۭ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ (٢٤) تُؤْتِىٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍۭ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٢٤- ٢٥]، النخلة، كل حين‫:‬ كل عام، وجاءت بمعنى أربعين سنة في قوله‫:‬ (هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ حِينٌۭ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًۭٔا مَّذْكُورًا (١)) [سورة الإنسان آية‫:‬ ١]، المدة بين خلق آدم والنفخ في روحه أربعين، وجاءت بمعنى العمر كله هنا في قوله‫:‬ (فَـَٔامَنُوا۟ فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ (١٤٨)) أي إلى نهاية آجالهم‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ في قصة يونس ثلاثة أمور أوجه النظر إليها‬
‫الأمر الأول‫:‬ أن القرعة كانت في شرع من كان قبلنا فاستهموا، وكانت القرعة أيضا في قصة مريم (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٤٤]، إذا فالاستهام والقرعة جاءت في شرع من كان قبلنا، وهي أيضا في شرعنا تجوز وقال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا) وكان‫:‬ (إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا) إذا فالقرعة جائزة شرعا، ذاك الأمر الأول‫.‬‬
‫الأمر الثاني‫:‬ أن السفينة إذا كان فيها أناس وخشوا الغرق لا يصح مطلقا الإقراع بينهم على من يلقى في الماء لأن العاصي أو الآبق أو المذنب في شريعتنا مهما فعل تقام عليه الحدود والتعزير بقدر جنايته، أما إلقاء العاصي في الماء أو في النار أو في التهلكة يحرم قطعا في شرع النبي، صلى الله عليه وسلم، إذا فذاك أمر مختص بيونس‫.‬‬
‫الأمر الثالث‫:‬ أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال‫:‬ (لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى) ، وهذا الحديث تأمل فيه أحد العلماء وانظر كيف قال وكيف استنبط منه تعلم أن الله ذو فضل عظيم‬
‫وأن علماء أمة محمد، أنبياء بني إسرائيل إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني سئل يوما هل لله جهة حاشا وكلا سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا قالوا‫:‬ وما دليلك على ذلك؟ قال‫:‬ قول النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى) قالوا‫:‬ وما الدليل في هذا الخبر؟ قال‫:‬ حين كان النبي، صلى الله عليه وسلم، على الرفرف الأخضر صاعدا حتى وصل به إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام هنالك حيث ناجاه الله، تبارك وتعالى، وكلمة لم يكن محمد، صلى الله عليه وسلم، في هذا الموطن أقرب من الله من يونس بن متى وهو في بطن الحوت حيث سبح الله في الظلمات ونادى أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فالله، تبارك وتعالى، ليس له جهة‫.‬‬
‫أمر أيضا يستنبط من هذه السورة يونس في بطن الحوت أخطأ عند الله، تبارك وتعالى، يقول الله، تبارك وتعالى، (فَلَوْلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)) إذا العمل الصالح في يوم ما في وقت ما ينجي صاحبه إن وقع إن أخطأ، من هنا يقول النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَبيئَةُ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ) عمل صالح مخبوء لا يعرفه أحد إلا الله إذا جاء يوم وتعثر أو وقع أو أخطأ أو أذنب انتشله العمل الصالح السابق‫.‬‬
‫أمر آخر أخير يقول النبي، صلى الله عليه وسلم،: (دُعَاءُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا بِهِ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، أَنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ).‬
‫لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين‫.‬‬
‫نزل في سورة الصافات أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، بسؤال المشركين عن علة إنكارهم البعث فقد أنكر مشركو مكة البعث وضموا إلى شركهم بالله، تبارك وتعالى، ضلالات أخر فقالوا أن الملائكة بنات الله وأساءوا الأدب مع الله، تبارك وتعالى، وأجازوا عليه الفناء، لذا في أول سورة الصافات يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ ۚ إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍۢ لَّازِبٍۭ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا۟ لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا۟ ءَايَةًۭ يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١١- ١٤]، وسارت بنا الآيات من سورة الصافات ترد عليهم وتدلل على قدرة الله، تبارك وتعالى، على الإعادة بعد الإفناء كما قدر على الإنشاء، وجاءت الآيات تقص قصص الرسل مع أقوامهم وكيف نجى الله، تبارك وتعالى، وسله وكيف أهلك الكافرين، وتأتي في آخر السورة مرة أخرى الآيات التي يؤمر النبي، صلى الله عليه وسلم، فيها بسؤال مشركي مكة عن ادعاءات أخرى ادعوها وميزوا أنفسهم واختاروا لأنفسهم الأعلى واختاروا لله، تبارك وتعالى، الأدنى بقول الله، تبارك وتعالى، بعد ما قص علينا أنباء المرسلين‫:‬‬‬
فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ ﴿149﴾ أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ إِنَـٰثًۭا وَهُمْ شَـٰهِدُونَ ﴿150﴾
‫(فَٱسْتَفْتِهِمْ) الأمر للنبي، صلى الله عليه وسلم، أي سلهم يا محمد واطلب منهم الفتيا (أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ (١٤٩)) أي جعلوا لله، تبارك وتعالى، الأدنى وجعلوا لأنفسهم الأعلى فكان الرجل منهم إذا رزق ببنت وأدها حية خوفا من العار يغض طرفه خازيا بين الناس يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب‫.‬ رغم ذلك جعلوا لله البنات فكيف تجعل لله ما لا ترضاه لنفسك، فاستفتهم سلهم والسؤال هنا سؤال توبيخ وتقريع (أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ (١٤٩)) هل يعقل هذا؟ الخالق المصور البارئ إن اختار لنفسه أيختار الأدنى أم يختار الأعلى (أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ إِنَـٰثًۭا وَهُمْ شَـٰهِدُونَ (١٥٠)) ادعوا أن الملائكة إناثا وهذا أمر لا يمكن أن يصل إليه العقل الصرف ولا يمكن أن يستقيم مع العقل أن الملائكة من الإناث، هذا أمر لا يعلم إلا بالمشاهدة، حتى أن المرأة من نساءكم إن ولدت لا تدري ماذا جاءت به حتى تنظر وترى أذكر هو أم أنثى فذالك أمر لا يعرف إلا بالمشاهدة من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ إِنَـٰثًۭا وَهُمْ شَـٰهِدُونَ (١٥٠)) شاهدون لخلق الملائكة، هل شاهدوا الملائكة هل تيقنوا من أنهم إناث وذاك أمر لا يعرف إلا بالإبصار والمشاهدة فكيف بتوا القول وحكموا بذلك واعتبروا أن ذاك أمر مفروغ منه أن الملائكة إناث، أنى لهم ذلك وهو أم لا يعلم إلا بالمشاهدة، هل كانوا شهود حين خلق الله الملائكة فنظروا في الملائكة فوجدوها إناثا؟ (أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ إِنَـٰثًۭا وَهُمْ شَـٰهِدُونَ (١٥٠))،‬
‫الأخطر من ذلك أنهم نسبوا إلى الله الولد فيقول الله، تبارك وتعالى‫:
أَلَآ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ﴿151﴾ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ﴿152﴾ أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَى ٱلْبَنِينَ ﴿153﴾ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿154﴾ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿155﴾ أَمْ لَكُمْ سُلْطَـٰنٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿156﴾ فَأْتُوا۟ بِكِتَـٰبِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿157﴾
‫(أَلَآ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١)) الإفك أشد الكذب، الإفك قلب الحقائق، الإفك اختلاق الأمور‫.‬‬
‫(أَلَآ) كلمة تنبيه، (أَلَآ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ) : من كذبهم وادعائهم وافترائهم (لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ (١٥٢)) ورد الله، تبارك وتعالى، عليهم (وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ (١٥٢)) هذا الادعاء بالإضافة إلى إنه إفك وكفر مبين إساءة أدب مع الله وعدم معرفة بقدر الله، تبارك وتعالى، (وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦ) [سورة الزمر آية‫:‬ ٦٧]، الولد معناه التجسيم وتعالى الله، تبارك وتعالى، أن يكون جسما مصورا أو جوهرا مقدرا‫.‬‬
‫ثانيا‫:‬ الولد معناه الفناء لأن ما له بداية لا بد وأن تكون له نهاية‫.‬‬
‫ثالثا‫:‬ الإنسان منا يحتاج للولد لمعاونته ومساعدته في أمور دنياه ومعاشه (رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (١٠٠)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٠٠]‬
‫كما دعا إبراهيم لأن الولد معاون للأب في العمل وفي اكتساب الرزق وإن كبر أعانه وساعده فأنت محتاج للولد لأنك ناقص عاجز تتعرض للهرم وتتعرض للآفة فتحتاج لمن يعاونك وتعالى الله عز وجل علوا كبيرا، رابعا يحتاج الإنسان للولد حتى يرث ماله ويرث أعماله فكأن ابهلإنسان يستمر في الحياة بعد ذلك بوجود الولد فهل يحتاج الله، تبارك وتعالى، أن يورث ملكه لأحد فجوزوا على الله الفناء، (أَلَآ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ ٱللَّهُ) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٥٢]، وحينما قالوا ذلك سئلوا من المؤمنين حين ولد الله فأين الصواحب؟ أين الصاحبة! لا بد أنه قد احتاج إلى صاحبة فزادوا في الإفك والافتراء فقالوا أن الله، تبارك وتعالى، اصطفى من الجن فتيات من ثروات الجن وجاء منهن بالملائكة‫.‬‬
‫(أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَى ٱلْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)) أنت لا تصطفى لنفسك البنات‫.‬‬
‫على البنين فكيف ترضى لله، تبارك وتعالى، ذلك؟ (أَصْطَفَى) همزة استفهام وحذفت همزة الوصل، وقرئت‫:‬ (اصطفى) بالوصل، وقرئت‫:‬ (اصطفى) على أن ذلك من قولهم وليس سؤالا من الله أو أمر من النبي، صلى الله عليه وسلم، لسؤالهم‫.‬‬
‫(أصطفى) أصطفى؟ هل يصطفي الله، تبارك وتعالى؟ والاصطفاء‫:‬ أخذ الصفوة من الشيء أنقى وأرقى ما في الشيء (أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَى ٱلْبَنِينَ (١٥٣)) وربنا، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ) [سورة النساء آية‫:‬ ٣٤]، وقد فضل الله الرجال على النساء بالخلق والإيجاد (أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَى ٱلْبَنِينَ (١٥٣)) سؤال تقريع وتوبيخ‫.‬‬
‫(مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)) كيف تحكمون بذلك وكيف تقررون ذلك (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَـٰنٌۭ مُّبِينٌۭ (١٥٦)) أم لكم حجة واضحة برهان بين حتى تقولوا هذا (فَأْتُوا۟ بِكِتَـٰبِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (١٥٧)) لأن السلطان والبرهان لا يكون إلا بكتاب نزل من الله، تبارك وتعالى، أنزله على رسول من الرسل ينبئنا فيه بما لا نعلم لأن الكتب السماوية تنبئ الناس بالغيبيات التي لا يعلموها كالجنة والنار والحشر والميزان والصراط وما إلى ذلك والملائكة‫.‬‬
‫والجن، نحن لا نرى الملائكة ولا نرى الجن ولكن نعلم بوجودهم من الكتب، ها أنتم تدعون على الله، تبارك وتعالى، هذا الادعاء فهل عندكم سلطان؟ أين هذا الكتاب الذي تستندون إليه؟ (فَأْتُوا۟ بِكِتَـٰبِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (١٥٧)).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَجَعَلُوا۟ بَيْنَهُۥ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَبًۭا ۚ وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴿158﴾ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿159﴾ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿160﴾ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴿161﴾ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ ﴿162﴾ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ ﴿163﴾
‫(وَجَعَلُوا۟ بَيْنَهُۥ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَبًۭا ۚ ) الجواب الذي أجابوا به أن الله، تبارك وتعالى، قد صاهر نساء الجن فأتى منهن بالبنات والملائكة بنات الله من ثروات الجن، من نساء الجن، وقال بعض المفسرين أن الجن هم الملائكة سموا جن لأنهم لا يرون أو سموا جن لأنهم الحرس والحفظة للجنان، والرأي الأرجح أن الجن هنا هم نساء الجن لما ورد من أخبار عن أقوالهم جعلوا بينه وبين الجنة نسبا (وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)) الجنة علمت أنهم، أي الإنس، الذين كفروا وعبدوا الجن وعبدوا الملائكة‫.‬‬
‫علموا أن الجميع محضر في العذاب كلمة "محضرون " جاءت في سورة الصافات أكثر من مرة، محضرون أين؟ لم يقل محضرون أين؟ وإنما كلمة الإحضار إذا جاءت على إطلاقها تعني الإحضار في العذاب تعني الشر مطلقا، علمت الجنة إنهم أي الإنس والجن محضرون في العذاب، هؤلاء الذين عبدوا من دون الله وأشركوا مع الله الولد والصاحبة وما إلى ذلك‫.‬‬
‫إذا كانت الجنة مقصود بها الملائكة (وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلْجِنَّةُ) أي علمت الملائكة أن هؤلاء الكفار محضرون في العذاب وتبرأوا من عبادتهم (مَا كَانُوٓا۟ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣)) [سورة القصص آية‫:‬ ٦٣]، وإن كانت الجنة مقصود بها الجن فقد علمت الجن أنهم هم والإنس محضرون‫.‬‬
‫(سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)) تنزيه من الله، تبارك وتعالى، لنفسه وقد نزه الله، تبارك وتعالى، نفسه عما لا يليق بجلاله وكماله والسبحان مصدر من السباحة والسباحة هي السير بسرعة أو المر السريع في الماء أو الهواء وكأن التسبيح إسراعا منا في تنزيه الله، تبارك وتعالى، عما لا يليق بجلاله وكماله وتنزيهه عن صفات السوء‫.‬‬
‫(إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ (١٦٠)) أو (إلا عباد الله المخلصين) استثناء من قوله (وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)) إذا فالمشركين والكفار والذين زعموا لله الولد وزعموا أن الملائكة بنات الله كل هؤلاء محضرون إلا عباد الله المخلصين فهم ناجون من هذا، استثناء من قوله‫:‬ (إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)) استثناء من الإحضار في العذاب وفي النار‫.‬‬
‫(فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ (١٦٣)) (فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١)) "ما" بمعنى "الذي" أي أنتم وما عبدتم والذين عبدتم من دون الله سواء أكانوا ملائكة أو جن أو أصنام أو أوثان أو بشر، أنتم وما عبدتم لن تستطيعوا إضلال أحد إلا من سبقت عليه كلمة الضلالة، من كان في حكم الله ضالا (مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ (١٦٢)) ما أنتم على الله بمضلين، (إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ (١٦٣)) الذي يصلى الجحيم الذي سبق في علم الله، تبارك وتعالى، أنه ضال مستحق للعذاب، وهذه الآية على أمر غاية في الأهمية‫:‬ أولا الشياطين لا يمكن لهم الإضلال أبدا ولا سلطان لهم على الإنس أبدا وإنما يضل الشيطان من سبق في علم الله أنه يضل، أما المهتدون فلا سلطان لإبليس ولا لجنوده عليهم، من هنا‬
‫يقول الله، تبارك وتعالى، في سورة أخري (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌۭ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًۭا (٦٥)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٦٤ - ٦٥]، ففي هذه الآية دليل على أن الهدى والضلال بيد الله وأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأن الشياطين لا تضل والمردة من الإنس والجن لا تضل أحدا من الناس إلا إن كان الله قد كتب عليه الضلالة، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ (١٦٣)) أصلا كتبت عليه الشقاوة أو كتبت له الشقاوة، وسبق في علم الله أنه يضل فتركه لنفسه ولا يحجبه عن الشيطان ويوكله لنفسه ولا يعصمه لأنه ضال في علم الله، (مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ (١٦٣)) وقرئت‫:‬ (صال) وهي قراءة وحيدة على حذف الواو والنون عن جمع "صالون"
وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٌۭ مَّعْلُومٌۭ ﴿164﴾ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ ﴿165﴾ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ ﴿166﴾ وَإِن كَانُوا۟ لَيَقُولُونَ ﴿167﴾ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًۭا مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿168﴾ لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿169﴾ فَكَفَرُوا۟ بِهِۦ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿170﴾
‫(وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٌۭ مَّعْلُومٌۭ (١٦٤)) هذا الكلام قيل أنه من كلام النبي، صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين لمشركي مكة نحن لنا مقام وأنتم لكم مقام يوم القيامة حيث المؤمنين في مقام الأمن وحيث المشركون في مقام الفزع، ما منا إلا له مقام معلوم يوم القيامة (وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ (١٦٥)) المصطفون في العبادة صفوف (وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ (١٦٥)) المنزهون له عن كل ما لا يليق‫.‬‬
‫وقيل بل هو من كلام الملائكة، وهذا الرأي أرجح، (وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ (١٦٥)) الصافون أجنحتنا لله، تبارك وتعالى، منتظرين الأوامر للخدمة، أو الصافون‫:‬ الصفوف في العبادة المنزه المنزهون لله، تبارك وتعالى، عما لا يليق، وأرجح الأقوال في هذه الآية أنها نزلت في السموات العلى عند سدرة المنتهى حيث عرج بالنبي، صلى الله عليه وسلم، إلى السموات العلى وكان معه جبريل، وحين رقى به من سماء إلى سماء واستقبل على كل جانب ورأى الأنبياء وسلم عليهم وصعد إلى سدرة المنتهى حيث ينتهي إليها ما ينزل من أعلى وحيث ينتهي إليها ما يصعد من أسفل وقيل سدرة المنتهى حيث‬
‫ينتهي إليها علم الملائكة المقربين لا يعلمون شيئا وراء ذلك، حين وصل النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى سدرة المنتهى وجيء بالرفرف الأخضر وجلس عليه تأخر جبريل فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم، أهنا تفارقني يا جبريل فقال جبريل بأمر الله وبوحيه (وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٌۭ مَّعْلُومٌۭ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)) ولو تقدمت خطوة يا محمد لاحترقت تقدم فأنت مدعو، نزلت هذه الآيات الثلاث في هذا الموقف وفي هذا المكان حيث رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، جبريل على صورته الملائكية له ستمائة جناح‬
‫(وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ (١٣) عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ (١٤) عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰٓ (١٥) إِذْ يَغْشَى ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ (١٦) مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ (١٧)) [سورة النجم آية‫:‬ ١٣- ١٧]، (وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٌۭ مَّعْلُومٌۭ (١٦٤)) (وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ (١٦٦))، إذا هي من قول الملائكة لهم مقام في العبادة مقام أيضا في المعرفة في العلم، وقد ورد عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه خرج إلى المسجد والصحابة في هذا المسجد، مسجد النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال لهم‫:‬ (أَلَا تَصُفُّونَ خَلْفِي كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عَنْدَ رَبِّهِمْ؟» قَالُوا‫:‬ وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عَنْدَ رَبِّهِمْ؟ قَالَ: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْمُقَدَّمَةِ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ)، هذا الحديث يؤيد أن القول قول الملائكة فيظهر من ذلك أن القول هو قول الملائكة وأنهم يصطفون صفوفا، ويروي أبو ذر الغفاري رضي الله عنه فيقول‫:‬ قال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لاَ تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، انحنت، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلاَّ عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ. لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلاَ تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ، وَلَخَرَجْتُمْ عَلَى، أَوْ إِلَى، الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ)، يقول أبو ذر بعد ما روى هذا الحديث ليتني كنت شجرة تعضد، تمنى أن يكون شجرة تعضد تقص ويؤخذ منها الحطب حتى لا يسأل يوم القيامة خوفا من هذا الحديث‫.‬‬
‫تستمر الآيات وتعود بنا إلى خطاب الكفار فيقول الله، تبارك وتعالى، (وَإِن كَانُوا۟ لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًۭا مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا۟ بِهِۦ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)) كان مشركو مكة قبيل بعثة النبي، صلى الله عليه وسلم، يأخذون على أهل الكتاب، اليهود والنصارى، أنهم انحرفوا عن كتبهم وحرفوا فيها وما أطاعوا الله حق طاعته وكانوا يدعون ويقولون لو أنا قد نزل علينا كتاب من كتب الأنبياء وجاءنا رسول من الرسل لأطعنا الله، وأخلصنا له العبادة كانوا يدعون ذلك فلما جاء النبي، صلى الله عليه وسلم، (وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ (٨٩)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٨٩]، اليهود أيضا تمنوا ذلك ومشركو مكة تمنوا ذلك قبل البعثة أن ينزل عليهم كتاب، وأن يعودا إلى دين الله، تبارك وتعالى، بكتاب منزل، فربنا، تبارك وتعالى، يكذبهم ويقولون‫:‬ (وَإِن كَانُوا۟ لَيَقُولُونَ (١٦٧)) كانوا يقولون قبل بعثتك يا محمد (لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًۭا مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ (١٦٨)) أي كتابا من كتب الأولين (لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ (١٦٩)) لأخلصنا له العبادة والطاعة، وحين جاءهم الكتاب وجاءهم الذكر المهيمن على كل الكتب كفروا به (فَكَفَرُوا۟ بِهِۦ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)) يعلمون مغبة كفرهم وعاقبة أمرهم، "وسوف" هنا لا تفيد التبعيد وإنما تفيد التهديد، وكلمة "سوف" وكلمة "لعل" وكلمة "عسى" إذا جاءت من الله، تبارك وتعالى، فهي تفيد التحقيق.
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿171﴾ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ﴿172﴾ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ ﴿173﴾
نعم سبقت كلمة الله، تبارك وتعالى، أي سبق وعده لعباده المرسلين للرسل جميعا أن الله، تبارك وتعالى، ينصرهم وأن جند الله هم الغالبون في كل زمان وفي كل مكان وصدق ربي حيث يقول في موضع آخر‫:‬ (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ (٥١)) [سورة غافر آية‫:‬ ٥١]، ويقول‫:‬ (ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)) [سورة يونس آية‫:‬ ١٠٣]، فذاك وعد الله الأزلي الصادق (سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ (١٧٢)) دنيا وأخرى (وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ (١٧٣)) من هذه الآية نرى أن الله، تبارك وتعالى، قد حقق وعده للمرسلين فلم يقتل رسول قط، أصحاب الشرائع جميعا نصرهم الله ولم يقتل منهم أحد ولم ينهزم منهم أحد، من قتل فقد كان من الأنبياء كزكريا وكيحيى أما أصحاب الشرائع فلم يقتل منهم أحد وكلهم انتصر بالحجة البالغة والبرهان وانتصروا أيضا بتدمير الله، تبارك وتعالى، لأقوالهم الذين كفروا بهم‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم النصر من عند الله (إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)) [سورة محمد آية‫:‬ ٧]، ونصر الله، تبارك وتعالى، اتباع دينه واتباع سنة نبيه وإقامة حدوده، نصر الله، تبارك وتعالى، أن يكون الله، تبارك وتعالى، أحب إليك مما سواه، نصر الله، تبارك وتعالى، أن تقوم الشرائع وأن يحكم بين الناس بما أنزل الله، تبارك وتعالى، على نبيه من الحكم الفصل والقضاء الحق لأن الله، تبارك وتعالى، أنزل القرآن على رسوله، صلى الله عليه وسلم، فاصلا بين الناس حاكما بين الناس مقررا لأمور ديننا ولأمور دنيانا من تركه أضله الله ومن اتبع هديه هداه الله‫.‬‬
‫فبعد أن بين الله، تبارك وتعالى، مقالة المشركين وبعد أن رد الله، تبارك وتعالى، عليهم وسفه أحلامهم وأتى بالبرهان الساطع والدليل الواضح على وحدانيته وقدرته ونصره لرسله يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن هؤلاء وعن سفاهاتهم وجهالاتهم فيقول عز من قائل‫:
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ ﴿174﴾ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴿175﴾ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴿176﴾ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ ﴿177﴾
‫(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ (١٧٤)) أعرض عنهم حتى حين، الحين‫:‬ القترة من الزمان وقلنا أن الحين جاءت في القرآن بمعان عديدة (فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ (١٤٨)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٤٨]، إلى حين انتهاء آجالهم في نفس السورة الصافات‫.‬‬
‫وجاءت بمعنى العام (تُؤْتِىٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍۭ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٢٥] أي كل عام، النخلة، وجاءت بمعنى الأربعين سنة (هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ حِينٌۭ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًۭٔا مَّذْكُورًا (١)) [سورة الإنسان آية‫:‬ ١] وجاءت بمعنى المساء أو الصباح في قوله (فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)) [سورة الروم آية‫:‬ ١٧]‬
‫وهنا يقول‫:‬ (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ (١٧٤)) والحين الفترة من الزمان طالت أم قصرت، يقول المفسرون الحين هنا هو انتهاء آجالهم (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ (١٧٤)) أي تولى عنهم حتى تنتهي آجالهم، وقال بعضهم بل حتى تأتي غزوة بدر حيث قتل صناديد قريش ونصر الله رسوله نصرا مؤزرا، وقال بعضهم بل الحين هنا حتى يأتي يوم الفتح حيث ترفع راية الإسلام وتنهدم الأصنام، وقال بعضهم الآية منسوخة بآية السيف (فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) [سورة التوبة آية‫:‬ ٥]، (وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)) أي أبصرهم حيث يأتي هذا الحين، سوف ترى بعينك ما أعد لهم من العذاب وسوف يروا بأعينهم ما أعد لك من الكرامة وما أعد لهم من المهانة، وجاء بتعبير الإبصار هنا ليبين أنه قريب لأنك إذا أبصرت لا تبصر إلا ما هو قريب منك‫.‬‬
‫فلتقريب الأمر ولتقريب الوعيد والزيادة في التهديد جاء بهذا التعبير (وَأَبْصِرْهُمْ) وكأن الأمر رأي العين وكأنه قريب إذا نظرت سوف ترى ما أعد لهم، "وسوف " هنا أيضا للتهديد وليست للتبعيد لأن "سوف " في كلمة الناس تفيد التسويف، هنا للتهديد (وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)).‬
‫ويأتي السؤال مرة أخري ردا على استهزائهم لأنه حين حذرهم، صلى الله عليه وسلم، وأنذرهم قالوا متى هو؟ متى هذا الذي تحذرنا منه وتنذرنا وقوعه فيقول الله تبارك تعالى‫:‬ (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)) يستعجلون العذاب جهالة من جهالتهم، جهالات عديدة إشراك بالله، جوزوا عليه الفناء، جوزوا عليه التجسد والتجسيد المصاهرة والمناسبة، الملائكة بنات الله، ولد الله، كل هذه الجهالات والتفاهات أضافوا إليها جهالة أخرى الاستعجال بالعذاب، المفروض أن يستعجل الإنسان النصر يستعجل الخير يستعجل الرخاء ولا يستعجل البلاء، فربنا، تبارك وتعالى، ينكر عليهم ويقول‫:‬ (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ (١٧٧)) الساحة‫:‬ فناء الدار الواسع، وعبر عن الساحة‬
‫وعبر بالصباح لأن العدو إذا أغار أغار ليلا وتربص مع أول ضوء، حتى في عصرنا الحديث لا يهجم طيران العدو إلا مع أول ضوء، هكذا كان ديدن الحرب إذا أراد العدو أن يغير وصل ليلا وتربص فإذا بدأ الصباح أغار فإذا انتصر نزل بساحة القوم أي بفناء دورهم وسيطر عليهم فربنا، تبارك وتعالى، يقول (فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ) أي العذاب (فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ (١٧٧)) أي فبئس الصباح صباحهم، المنذرين‫:‬ الذين أنذرهم الله، تبارك وتعالى، بالعذاب فاستهزأوا به، الذي نزل هنا العذاب حسب الآيات (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)) وقيل (فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ) الكناية هنا تعود إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ويستدل القائلون بذلك بحديث لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، روي عنه حيث روى أنس أن النبي، صلى الله عليه وسلم، حين أغار على خبير أغار عليهم ليلا وحين وصل ليلا انتظر حتى الصباح فحين خرج أهل خيبر، اليهود، بالمساحي والمكاتل وكانوا أهل زراعة، أدوات الزراعة، حين خرجوا فوجئوا بالجيش قد أحاط بهم فقالوا محمد والخميس، محمد والخميس، الخميس‫:‬ الجيش وسمي جيش النبي صلي الله عليه وسلم خميسا لأنه أول من خمس الجيوش على الإطلاق في التاريخ، جعل الجيش خمس فرق‫:‬ مقدمة وساقة وقلب وميمنة وميسرة، قالوا محمد والخميس ونزل عليهم الرعب، حين قالوا ذلك، قال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) من هنا يقولون أن الله، تبارك وتعالى، حين يقول‫:‬ (فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ (١٧٧)) أي محمد صلى الله عليه وسلم.
وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ ﴿178﴾ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴿179﴾ سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿180﴾ وَسَلَـٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿181﴾ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿182﴾
‫(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ (١٧٤)) أعرض عنهم حتى حين، الحين‫:‬ القترة من الزمان وقلنا أن الحين جاءت في القرآن بمعان عديدة (فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ (١٤٨)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٤٨]، إلى حين انتهاء آجالهم في نفس السورة الصافات‫.‬‬
‫وجاءت بمعنى العام (تُؤْتِىٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍۭ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٢٥] أي كل عام، النخلة، وجاءت بمعنى الأربعين سنة (هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ حِينٌۭ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًۭٔا مَّذْكُورًا (١)) [سورة الإنسان آية‫:‬ ١] وجاءت بمعنى المساء أو الصباح في قوله (فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)) [سورة الروم آية‫:‬ ١٧]‬
‫وهنا يقول‫:‬ (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ (١٧٤)) والحين الفترة من الزمان طالت أم قصرت، يقول المفسرون الحين هنا هو انتهاء آجالهم (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ (١٧٤)) أي تولى عنهم حتى تنتهي آجالهم، وقال بعضهم بل حتى تأتي غزوة بدر حيث قتل صناديد قريش ونصر الله رسوله نصرا مؤزرا، وقال بعضهم بل الحين هنا حتى يأتي يوم الفتح حيث ترفع راية الإسلام وتنهدم الأصنام، وقال بعضهم الآية منسوخة بآية السيف (فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) [سورة التوبة آية‫:‬ ٥]، (وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)) أي أبصرهم حيث يأتي هذا الحين، سوف ترى بعينك ما أعد لهم من العذاب وسوف يروا بأعينهم ما أعد لك من الكرامة وما أعد لهم من المهانة، وجاء بتعبير الإبصار هنا ليبين أنه قريب لأنك إذا أبصرت لا تبصر إلا ما هو قريب منك‫.‬‬
‫فلتقريب الأمر ولتقريب الوعيد والزيادة في التهديد جاء بهذا التعبير (وَأَبْصِرْهُمْ) وكأن الأمر رأي العين وكأنه قريب إذا نظرت سوف ترى ما أعد لهم، "وسوف " هنا أيضا للتهديد وليست للتبعيد لأن "سوف " في كلمة الناس تفيد التسويف، هنا للتهديد (وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)).‬
‫ويأتي السؤال مرة أخري ردا على استهزائهم لأنه حين حذرهم، صلى الله عليه وسلم، وأنذرهم قالوا متى هو؟ متى هذا الذي تحذرنا منه وتنذرنا وقوعه فيقول الله تبارك تعالى‫:‬ (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)) يستعجلون العذاب جهالة من جهالتهم، جهالات عديدة إشراك بالله، جوزوا عليه الفناء، جوزوا عليه التجسد والتجسيد المصاهرة والمناسبة، الملائكة بنات الله، ولد الله، كل هذه الجهالات والتفاهات أضافوا إليها جهالة أخرى الاستعجال بالعذاب، المفروض أن يستعجل الإنسان النصر يستعجل الخير يستعجل الرخاء ولا يستعجل البلاء، فربنا، تبارك وتعالى، ينكر عليهم ويقول‫:‬ (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ (١٧٧)) الساحة‫:‬ فناء الدار الواسع، وعبر عن الساحة‬
‫وعبر بالصباح لأن العدو إذا أغار أغار ليلا وتربص مع أول ضوء، حتى في عصرنا الحديث لا يهجم طيران العدو إلا مع أول ضوء، هكذا كان ديدن الحرب إذا أراد العدو أن يغير وصل ليلا وتربص فإذا بدأ الصباح أغار فإذا انتصر نزل بساحة القوم أي بفناء دورهم وسيطر عليهم فربنا، تبارك وتعالى، يقول (فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ) أي العذاب (فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ (١٧٧)) أي فبئس الصباح صباحهم، المنذرين‫:‬ الذين أنذرهم الله، تبارك وتعالى، بالعذاب فاستهزأوا به، الذي نزل هنا العذاب حسب الآيات (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)) وقيل (فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ) الكناية هنا تعود إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ويستدل القائلون بذلك بحديث لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، روي عنه حيث روى أنس أن النبي، صلى الله عليه وسلم، حين أغار على خبير أغار عليهم ليلا وحين وصل ليلا انتظر حتى الصباح فحين خرج أهل خيبر، اليهود، بالمساحي والمكاتل وكانوا أهل زراعة، أدوات الزراعة، حين خرجوا فوجئوا بالجيش قد أحاط بهم فقالوا محمد والخميس، محمد والخميس، الخميس‫:‬ الجيش وسمي جيش النبي صلي الله عليه وسلم خميسا لأنه أول من خمس الجيوش على الإطلاق في التاريخ، جعل الجيش خمس فرق‫:‬ مقدمة وساقة وقلب وميمنة وميسرة، قالوا محمد والخميس ونزل عليهم الرعب، حين قالوا ذلك، قال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) من هنا يقولون أن الله، تبارك وتعالى، حين يقول‫:‬ (فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ (١٧٧)) أي محمد صلى الله عليه وسلم.
‫(وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَـٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٨٢)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٧٨- ١٨٢]‬
‫(وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)) مرة أخرى تأتي الآية وليست تكرارا بل هي تأكيد بعد تأكيد وإطلاق بعد تقييد، ففي الآية الأولى يقول‫: (وَأَبْصِرْهُمْ)‬ فقيد الإبصار بهم أما في الآية التالية (وَأَبْصِرْ) مطلقة إذا فهي تأكيد بعد تأكيد وإطلاق بعد تقييد‫.‬ إذا قلت لك أبصر فلان قيدت تبصر فلان ولا تبصر غيره، أما إذا قلت أبصر فقد أطلقت البصر فهي تأكيد بعد تأكيد وإطلاق بعد تقييد‫.‬‬
‫(وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ (١٧٨)) تهديد (وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)) إذاً أبصر ما أعدلك من الكرامة وهم سوف يبصرون ذلك‫.‬ ويبصرون ما أعدلهم من العذاب والمهانة‫.‬‬
‫وقال بعضهم بل الآيات الأولى تختص بعذاب الدنيا (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ (١٧٤)) في الدنيا (وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)) ما يحل بهم من عذاب يوم بدر والأيام التالية ويوم الفتح فهي مختصة بعذاب الدنيا أما الآية الأخرى (وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍۢ (١٧٨)) حتى بعد نهاية الآجال (وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)) يوم القيامة ما أعد للمؤمنين من الكرامة وما أعد للكافرين من المهانة‫.‬‬
‫وختمت السورة بختام ما أجمله وما أكمله وما أشمله (سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَـٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٨٢)).‬
‫لو لاحظت أيها الأخ المسلم أن في قصص الأنبياء في سورة الصافات تجد أن الله، تبارك وتعالى، عقب القصة يقول‫:‬‬
‫(وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ (٧٨) سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍۢ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ (٧٩)) [سورة الصافات آية‫:‬ ٧٨- ٧٩] وكذلك : (سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ (١٠٩)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٠٩]‬
‫(سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٣٠]‬
‫السلام جاء على أصحاب الرسالات الكبرى وعلى أهل العزم من الرسل :‬
‫(سَلَـٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ (١٢٠)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٢٠]، حين قص قصة لوط لم يقل سلام على لوط في العالمين ثم جاء بقصة يونس لم يقل سلام على يونس‬
‫في العالمين، من هنا يأتي ربنا، تبارك وتعالى، بالتعميم بعد التخصيص فيقول (وَسَلَـٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ (١٨١)) منهم لوط ومنهم يونس، اختص نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس، اختصوا بالسلام في هذه السورة فجاء بالتعميم بعد التخصيص فقال سلام على المرسلين جميعا من سلم عليهم في السورة ومن لم يذكر عليهم السلام في هذه السورة‫.‬‬
‫(سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)) تنزيه لله تبارك وتعالى يعلمنا كيف ننزهه ويعلمنا كيف نسلم على رسله ويعلمنا كيف نحمده على نعمائه، والعزة صفة من صفات الله فهو العزيز، فلم قال رب العزة؟ أيصح أن نقول رب القدرة رب القوة كما يغني بعض المغنيين أغاني لا تتفق مع الشرع وعلماؤنا غافلون وأزهرنا ساكت؟ أيصح أن نقول رب القدرة رب العلم؟ أبدا الصفة الوحيدة التي جاءت هي رب العزة، العزة من صفات الذات فهناك صفات للذات وهناك صفات للأفعال، فالعزة صفة ذات هو العزيز، من هنا قال (رَبِّ ٱلْعِزَّةِ)، إذا فالعزة هنا ليست صفة الذات وإنما العزة هنا هي العزة التي يتعاز بها‫.‬‬
‫الخلائق التي خلقها الله، تبارك وتعالى،، فالعزة للرسول والعزة للمؤمنين والعزة ينصر بها الله، تبارك وتعالى، أحبابه فهو رب العزة التي يتعاز بها الناس يتفاضل بها الناس فالعزيز من أعزه الله، من هنا لا تكون كلمة العزة صفة الذات وإنما هي صفة فعل (سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ) ليبين لك العزيز من أعزه الله والذليل من أذله الله‬
‫(وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ ) [سورة الحج آية‫:‬ ١٨] وإنك إن أردت أن تكون عزيزا فعليك بحبل الله المتين، العزة لله يعز بها من يشاء، (سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)) من كذب ومن ادعاء ومن إفك‫:‬ الولادة واتخاذ البنات واصطفاء الملائكة البنات وما إلى ذلك والشريك والولد (وَسَلَـٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ (١٨١)) أمن لهم وأمان يوم الفزع الأكبر، سلامة لهم من آفات الدنيا والآخرة، سلام عليهم من الصالحين إلى أن تقوم الساعة، سلام من الله عليهم وسلام على المرسلين يعلمنا ربنا، تبارك وتعالى، كيف نسلم على المرسلين (وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٨٢)) الحمد لله على ما أنعم به علينا من إيمان ومن تقوى ومن صلاح ومن رزق ومن نعم لا نستطيع أن نحصيها (وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ ) [سورة النحل آية‫:‬ ١٨].‬
‫أيضا الحمد لله أن أرسل الرسل وأنزل الكتب حتى عرفناه وحتى علمنا بما أمر وبما نهى، والحمد لله ويشمل كل ما يخطر على بالك وما لا يخطر على بالك وقد حمد الله، تبارك وتعالى، نفسه من الأزل فقال هو عن نفسه (وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ) حمد نفسه بنفسه لأن الناس لا يستطيعون أن يحمدوا الله، تبارك وتعالى، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، ولذا روي أن رجلا من الصحابة حمد الله، تبارك وتعالى، فقال الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه فصعدت الملائكة إلى الله، تبارك وتعالى، وقالت يارب كيف نكتب له وأي ثواب نحصيه وأي حسنات نضعها في صحيفته فقد قال قولا ما سمعناه ما ندري ما نكتب فقال الله، تبارك وتعالى، اكتبوها كما قالها حتى يأتي يوم القيامة فأجازيه عليها، (وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ) لا يعرف الحمد إلا الله هو الذي حمد نفسه بنفسه ولذا في فاتحة الكتاب يقول (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٢)) [سورة الفاتحة آية‫:‬ ٢]، معلما إيانا كيف نحمد كيف نقول كيف نثني، ولو قال في فاتحة الكتاب احمدوا الله رب العالمين لكلف الناس ما لا يطيقون فكيف نحمده ونحن لا نعرف ما يستوجبه الحمد وما يستحقه الحمد ولذا كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول‫:‬ (لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ).‬
‫(وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٨٢)) والعالمين جمع عالم والعالم كل ما سوى الله، تبارك وتعالى،، والرب من التربية والتربية إيصال الشيء إلى كماله بحسب استعداده شيئا فشيئا، كل كمال في الوجود الله، تبارك وتعالى، كمله، وكل جمال في الوجود الله، تبارك وتعالى، جمله، وكل موجود في الوجود الله، تبارك وتعالى، خلقه وأوجده وأنشأه فهو رب العالمين يروي لنا الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه عن نبينا، صلى الله عليه وسلم، أنه قال‫:‬ (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى فَلْيَقُلْ عِنْدَ فُرُوغِهِ مِنْ صَلَاتِهِ: (سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَـٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٨٢)))، وقد روي أيضا أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يقولها في الصلاة قبل التسليم مباشرة، وهي من الكلمات التي تقال في نهاية المجالس، في كل مجلس من مجالس الدنيا في العمل في الزيارات في الود في صلة الرحم فإذا انتهى الإنسان من مجلس من مجالس الدنيا يجب أن يقول بعد أن يقوم‫:‬ (كَفَّارَةُ الْمَجْلِسِ إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، فَإِنْ كَانَ مَجْلِسَ ذِكْرٍ كَانَ عَلَيْهِ كَالطَّابِعِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ كَانَ مَجْلِسَ لَغْوٍ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا فِيهِ)، ويقول أيضا‫:‬ (سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَـٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٨٢)).