سورة يس
مقدمة
فلقاؤنا مع القلب، نعم لقاؤنا مع القلب، ولكل شيء قلب و(يس قَلْبُ الْقُرْآنِ)، سورة يس، وقيل في شأنها الكثير: (مَنْ قَرَأَهَا نَهَارًا كُفِيَ هَمَّهُ، وَمَنْ قَرَأَهَا لَيْلًا غُفِرَ ذَنْبُهُ)، سورة يس (مَا مِنْ مَيِّتٍ يُقْرَأُ عَلَيْهِ سُورَةُ يس إِلَّا هَوَّنَ اللهُ عَلَيْهِ)، تكشف بها الكربات، تقضى بها الحاجات، تنال بها أعلى الدرجات، سورة يس من قرأها في المقابر هوّن الله على أهلها بقراءته وكان له بعدد أهلها حسنات، سورة يس أمير السور، فقلب الإنسان أمير سائر الجسد القلب أمير لسائر الجسد، وسورة يس أمير لسائر السور، وهي مشتملة على كل القرآن، سورة يس، ولولا أن أطيل عليكم لقلت فيها الكثير والكثير، ومما ورد في شأنها ما رواه ابن ماجه والترمذي والماوردي وغيرهما كثير كثير كثير، قالوا: فيها إنها شفاء وإنها تكتب على الأوراق وتوضع في الماء فإذا شربها الإنسان كانت له شفاء من كل داء وكانت له كذا وكذا، قيل في شأنها الكثير، ومنها حديث ساقه الماوردي حيث قال: إن النبي، صلى الله عيه وسلم، أمر وقال: (اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ) فيها الكثير وفيها الخير وفيها البركة.
(يسٓ (١)) [سورة يس آية: ١]
(يسٓ (١)) كيف تُقرأ وما معناها؟ قرأوها (يسٌ والقرآن الحكيم) بالوصل والإدغام على أصل اللغة العربية حيث إن النون والواو حرفان يدغمان في بعضهما (يسٌ والقرآن الحكيم) ومن قرأ هكذا قال: هي قَسَم أقسم الله به، وقرأها بعضهم (يسَ والقرآنِ الحكيمِ ) بالفتح بالنصب مبنية على الفتح أو مفعول، أي اذكر يسَ، وقرأها بعضهم (يسِ والقرآن الحكيم) واعتبرها قسمًا أقسم الله به (وَٱلْقُرْءَانِ) واو العطف وأقسم أيضا بالقرآن فأقسم بشيئين أقسم بيس ما هو يس؟ ما هو؟ لم ندر بعد، أقسم بيس وأقسم بالقرآن الحكيم فقرأ (يسِ والقرآنِ الحكيم) أو (يسَ) أي اذكر يسَ، (والقرآن الحكيم) وكأن يس اسما لشيء، وهناك من قرأ (ياسينُ والقرآنِ الحكيم) ياسينُ إذاً فهي نداء، لمن؟ قيل لمحمد، عليه الصلاة والسلام، فهي اسم من أسمائه، وقال بعضهم بل هي بمعنى يا إنسان وأصلها يا إنسين فاختصرت يس فتقرأ يسُ، وقيل يسُ بمعنى يا سيد البشر فهي نداء يسُ يا رجل يسُ يا محمد إذاً فقراءة ياسينُ ياسينَ ياسينِ يس والقرآن الحكيم كل تلك القراءات تدل على معان مختلفة وهناك قراءة قرأها لكم القارئ اليوم حيث قال (يس والقرآن الحكيم) بالسكون، بالإسكان وهكذا حروف الهجاء في اللغة العربية يجب السكون عليها، وطالما قرأها كذلك (يس) وسكت حكمها إعرابا وقراءة ومعنى حكم (حم) وكذا (طس) وكذا (طه ) وكذا (ص) وكذا (ق) وكذا (ألم) وهكذا (يس) حكمها في هذه القراءة حكم فواتح السور ويقال فيها ما قيل في فواتح السور فقد افتتحت السور بحرف واحد ص ق (نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)) [سورة القلم آية: ١] وافتتحت بحرفين طس طه حم يس وافتتحت بثلاثة حروف ألم والر أيضا طسم وافتتحت أيضا بأربعة حروف المر المص وافتتحت بخمسة كهيعص وحم عسق، فيس كذلك من فواتح السور لا يعلم سرها إلا الله ولكل كتاب سر وسره في القرآن فواتح السور وهي القراءة المعتمدة هنا في مصر في مصاحفكم قراءة حفص، وهذا لا ينفي أن هناك قراءات أخرى (ياسينُ ياسينَ ياسينِ) نحن لا ننفيها وقلناها لأمانة العلم، يس اسم الله قول من الأقوال، يس اسم للنبي، صلى الله عيه وسلم، يسِ حرف نداء يا سيد البسر يا إنسان، ياسينِ قَسَم أقسم الله، تبارك وتعالى، به، ومن اعتبر كلمة يس اسم من أسماء الله دخل في حكم هام، أيصح أن يسمى الإنسان بهذا الاسم؟ فيقال فلان ما اسمه اسمه يس حرمها الإمام مالك وقال: إنه يصح للإنسان أن يسمى باسم من أسماء الله، تبارك وتعالى، فيه بعض معانيه ككريم فلان كريم عالم قادر رحيم وهكذا، هناك من أسماء الله، تبارك وتعالى، ما يشترك الإنسان في بعض معانيها، فيصح التسمِّي بها، وهناك أسماء وصفات يختص الله، تبارك وتعالى، نفسه بها فلا يصح التسمي بها مثال (الرحمن) (قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُوا۟ ٱلرَّحْمَـٰنَ ۖ أَيًّۭا مَّا تَدْعُوا۟ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ ) [سورة الإسراء آية: ١١٠]، فلا يصح التسمِّي باسم الرحمن لكن يصح أن يسمى بكلمة رحيم، لكن الرحمن اسم مختص به الله، الله كذلك، فهل ياسين كذلك؟ يقول الإمام مالك: إن ياسين لا يدرى معناها ولا يعلم على أي شيء يدل من الصفات، وطالما كان الأمر كذلك فربما اشتمل على صفات تختص بها الذات العلية وهنا يحرم التسمي بهذا الاسم، وقال بعضهم وكيف ذا وما الدليل على أنها اسم من أسماء الله؟ ولرفع الإشكال قالوا: إن سميت ابنك بهذا الاسم " ياسين " وجب أن يكتب بحروف التهجي "ي ا س ي ن" ياسين بحروف التهجي، ولا يصح مطلقا أن تسميه بما يكتب يس أي ياء وسين كما تكتب في المصاحف، فإن كتبتها بحروف التهجي خرجت من الإشكال وابتعدت عن الحرمة، فاحرصوا على كتابتها بهذا الشكل بحروف التهجي "ي ا س ي ن"، أما كتابتها بحرفين فقط فهذا مختص به الاسم لله، تبارك وتعالى، أو مختص به الآية فهي آية يس في المصحف آية ما الدليل؟ وما الفارق في التهجي طالما كان النطق واحدا؟ فما الفرق وأين الدليل على ذلك؟ الدليل من القرآن تجد ربنا، تبارك وتعالى، في محكم كتابه في موضع آخر في سورة الصافات في قصة إلياس قال: (سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)) [سورة الصافات آية: ١٣٠] تقرأ هكذا آل ياسين، وكتبت في المصاحف ي اس ي ن آل ياسين أي آل محمد، عليه الصلاة والسلام، بعضهم قال هكذا، وبعضهم قال: (آل ياسين) أي آل إلياس الذي نحن بصدده في سورة الصافات والتي قص الله، تبارك وتعالى، علينا (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًۭا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ (١٢٥) ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ (١٢٩) سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)) [سورة الصافات آية: ١٢٣- ١٣٠]، إذاً "ياسين" إذا كتبت بحروف التهجي جاز أن تطلق على البشر، أما إذا كتبت بحرفين فقط فلا يصح مطلقا أن تطلق على البشر هذا في شأن افتتاحية السورة وفيها المزيد من الكلام وفي هذا قدر الكفاية:
يسٓ ﴿1﴾
وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ ﴿2﴾
إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿3﴾
عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿4﴾
تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴿5﴾
لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ ﴿6﴾
إنك لمن المرسلين الذين أرسلوا على طريق الاستقامة، أي المرسلين على صراط مستقيم متعلق بها أي إنك لمن المرسلين الذين أرسلوا على طريق الاستقامة أي من المرسلين على صراط مستقيم أو إنك لمن المرسلين وإنك على صراط مستقيم فاللغة تحتمل المعنيين وسبحان من أنزله كذلك يجتهد فيه العلماء ويتميز به الناس ويتفاضل به المجتهدون، كل يرى فيه ما يراه إنك لمن المرسلين وإنك لعلى صراط مستقيم كما قال في موضع آخر (إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًۭى مُّسْتَقِيمٍۢ (٦٧)) [سورة الحج آية: ٦٧]، (تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ (٥))، تنزيلُ تنزيلِ تنزيلَ ثلاث قراءات (تَنزيلُ العزيز الرحيم) أي هو هذا القرآن هو تنزيلُ العزيز الرحيم خبر لمبتدأ محذوف العلم واسع وجزى الله العلماء عنا كل خير لولاهم ما علمنا شيئا، (تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ (٥)) بدل من كلمة القرآن (وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ (٢)) تنزيلِ بدل من كلمة القرآن بالجر (تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ (٥)) أي نزّله الله تنزيلا فهي مصدر مضاف فعرِّف بالإضافة أي نزل الله هذا القرآن عليك تنزيلا.
العزيز: المنتقم ممن خالفه الرحيم بمن أطاعه العزيز المعاقب لمن عصاه واتبع هواه، الرحيم لمن أطاع واتبّع هداه، العزيز الغالب القوي العزيز: النادر المعدوم المثال، العزيز: القوي القاهر الذي لا يغلب الذي لا يدرك (لِتُنذِرَ قَوْمًۭا) العلة في الإرسال (لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ (٦)) "ما" نافية والمعنى لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم أي لم يُنذر الآباء من قبل، كما قال الله، سبحانه وتعالى، في سورة سبأ وكنا معها بالأمس القريب (وَمَآ ءَاتَيْنَـٰهُم مِّن كُتُبٍۢ يَدْرُسُونَهَا ۖ وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍۢ (٤٤)) [سورة سبأ آية: ٤٤]، إذاً لتنذر قوما آباؤهم أي لم يُنذر الآباء ولم يأتهم نذير(فَهُمْ غَـٰفِلُونَ (٦)) من أجل ذلك لكن لا يدرون شيئا ولا يعلمون شيئا فأرسلناك لتنذرهم لأن الآباء لم يأتهم من قبلك نذير للآباء حتى يخبر الآباء الأنباء بأمر النذير فيتتبعونه، وإذا قرأت في بعض كتب التفسير أن كلمة "ما" لا موضع لها من الإعراب فاعلم أنه قصد بذلك أنها نافية أو "ما" هنا بمعنى الذي ويتغير المعنى (لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ) أي لتنذر قوما الذي أنذر به آباؤهم أي فقد أنذر الآباء أي لتقول لهم وتنذرهم بالذي أنذر به الآباء من قبل و"ما" هنا بمعنى الذي وليست نافية كيف؟ قالوا إذا قصد عدم الإنذار وعدم سبق إرسال النذير (لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ) إذاً فالمقصود الآباء الأقربون كأبي طالب وعبد المطلب وهكذا، لم يأتهم نذير، وإذا قصد أنهم أنذروا (لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ) أي الذي أنذر آباؤهم الآباء الأبعدون فقد جاء إسماعيل رسولا للعرب منهم وهو جد النبي، صلى الله عيه وسلم، إذاً فقد جاءهم نذير ولكن على فترة فهم غافلون عما أنذر به الآباء الأبعدون لطول الزمان وبعد الفترة.
لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿7﴾
إذاً النتيجة الحتمية بعد كل هذا (وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠))، فقد أخبرنا الله، تبارك وتعالى، في سورة يس وهي قلب القرآن أن القول قد حق على أكثر الناس فهم لا يؤمنون (لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)) وقلنا أن الحمد لله، تبارك وتعالى، أن قال: (عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ) ولم يقل عليهم وإلا لضاع الكل وسألنا الله، تبارك وتعالى، أن يجعلنا من القليل (وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ (٤٠)) [سورة هود آية: ٤٠]، (فَشَرِبُوا۟ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۚ ) [سورة البقرة آية: ٢٤٩]، (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ (٨٣)) [سورة البقرة آية: ٨٣] وهكذا في كل القرآن تجد أن القليل هم الناجون، نسأل الله، تبارك وتعالى، أن يجعلنا جميعا من الناجين، وقلنا أن القول الذي حق عليهم هو إما قول الله، تبارك وتعالى، (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)) [سورة السجدة آية: ١٣]، وإما أنه العلم الأزلي والحكم الإلهي على هؤلاء الذين استكبروا عن الحق وعموا عن الآيات فحكم الله، تبارك وتعالى، عليهم بالكفر لاستحقاقهم هذا الكفر.
وتأتي الآيات لتبين لم لا يؤمنون ولم عميت الأبصار عن نور النبي، صلى الله عيه وسلم، يقول الله، تبارك وتعالى:
إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلًۭا فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ ﴿8﴾
وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّۭا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّۭا فَأَغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴿9﴾
وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿10﴾
(وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)) آية تكررت وجاءت في سورة البقرة وجاءت في مواضع عديدة كقوله، تبارك وتعالى: (وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ) [سورة المنافقون آية: ٦]، الغريب في الآية أنه قال: (وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ) ولم يقل سواء عليك سواء اسم، كلمة سواء تفيد معنى الاستواء وقد ينعت به كقوله: (تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ) [سورة آل عمران آية: ٦٤]، أي مستوية فهي تستخدم كنعت وهي تفيد معنى الاستواء أي استوى الأمر ككفتي الميزان، استوى الأمر عليهم إن أنذرتهم بالتعذيب وخوفتهم بالعقاب والحساب لا يؤمنون، وإن تركتهم ولم تنذرهم وتركتهم في غفلتهم فهم أيضا لا يؤمنون وقال: (وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ) ولمَ لم يقل سواء عليك، الفارق في غاية الأهمية، لو قال سواء عليك لم يكن جدوى من إنذاره وكأنه يقول له: أنذرت أو لم تنذر لا فائدة بالنسبة لك سواء عليك أي استوى الأمر في شأنك فلمَ يأمره بالإنذار؟ (لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ (٦)) إذاً حين يقول: (وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ) معنى هذا أنه نسب إليهم الاستواء في الإنذار وعدمه، أما النبي، صلى الله عيه وسلم، فلا يستوي الأمر بالنسبة له لأنه إن أنذر فقد أطاع الله، وإن لم ينذر فقد عصى الله، فهنا الإنذار من النبي، صلى الله عيه وسلم، يوجب له الثواب لأنه أطاعه ولم يقل سواء عليك، وهنا تفيد الآية معنى هام وهو أن الرسل إن أبلغت وأنذرت أثيبت على الإنذار والإبلاغ سواءً أفاد الإنذار أم لم يُفيد الإنذار نفع أو لم ينفع آمن الناس أو لم يؤمنوا (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ ) [سورة الشورى آية: ٤٨]، فإن أبلغ فهو الرسول ، له ثواب الإبلاغ وجزاء الإنذار وهذا المعنى يفيد أيضا العلماء لأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، نور يستضاء به من هنا كان الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر حين زكاهم ربنا، تبارك وتعالى، في القرآن: (ٱلْـَٔامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ (١١٢)) [سورة التوبة آية: ١١٢]، فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أجدى أمره وأجدى نهيه أو لم يجدي الأمر والنهي له أجره، وكذلك العلماء إذا نشروا العلم وعلّموا الناس وصنّفوا الكتب جازاهم الله، تبارك وتعالى، على جهدهم أتى الجهد بالثمار أو لم يأت لأن النتائج من فعل الله هو الفعال لما يريد ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، من هنا كانت اللفتة في التعبير (وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠))، وقلنا إذا كان الله، تبارك وتعالى، قد علم من الأزل أنهم لا يؤمنون واستوى الأمر عليهم أُنذروا أو لم ينذروا لا يؤمنون فلم أرسل النذير والرسل ينذرون ويبشرون، وجاء بكلمة الإنذار فقط ولم يأت بكلمة التبشير فالنبي، صلى الله عيه وسلم، أرسل مبشرا ونذيرا لأن الإنذار أصل وأساس ودفع الضُر أولى من جلب النفع، فالإنذار أبلغ أثرا مع الناس، الإنذار أبلغ أثرا من التبشير، لأن دفع الضُر أولى من جلب النفع، وكلمة الإنذار تدل أيضا على قرينها وهو التبشير، لم أرسل الله، تبارك وتعالى، لهم النذير وقد علم من الأزل أن الأمر مستوٍ لديهم أءنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ۚ ) [سورة النساء آية: ١٦٥]، (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٤٦)) [سورة فصلت آية: ٤٦]، لأنه لو أدخلهم النار بعلمه الأزلي من قبل أن يبتليهم بالدنيا ومن قبل أن يرسل إليهم رسولا لقالوا: (رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًۭا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٤٧)) [سورة القصص آية: ٤٧]، فأراد ربنا، تبارك وتعالى، بالإنذار مع علمه بعدم إيمانهم أن يلزمهم الحجة وأن يثيب الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، على قيامه بالإنذار.
إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍۢ وَأَجْرٍۢ كَرِيمٍ ﴿11﴾
(وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ۖ ) أي خشي عقاب الله، تبارك وتعالى، وقد غاب عنه العذاب لم يره أرأيتم النار؟ لم تروها، فكيف تتعوذون بالله منها؟ إذاً فقد خشيتم أنتم بالغيب، لم نر النار ومع ذلك نخشاها، لم نر العقاب ومع ذلك نخشاه إذاً فنحن نخشى الله، تبارك وتعالى، بالغيب حيث غاب عنا عذابه وعقابه وغابت عنا ناره ذاك هو الخشية بالغيب، أو (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ۖ ) أي غائبا عن الناس في خلوته فمن الناس من يمثل الخشوع ويدّعي التقوى والصلاح والخوف من الله أمام الناس، فإذا خلى بنفسه سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، نعم (وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ ﴿٢۰٤﴾) [سورة البقرة آية: ٢۰٤]، فمن خشي الرحمن بالغيب أي خشي الرحمن في خلوته وهو غائب عن الخلائق (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍۢ وَأَجْرٍۢ كَرِيمٍ (١١)) رغم أنه اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب إلا أن الله يقول: (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍۢ ) مغفرة لأي شيء؟ اتبع الذكر اتبع القرآن فأحلّ حلاله وحرّم حرامه ذاك هو المتبع اتبع سنة النبي ، صلى الله عيه وسلم، وتأسّى به وتتبع آثاره وخطواته فيغفر له، يُغفر له ماذا؟ يُغفر له الصغائر يغفر له الخطرات يغفر له الوساوس يغفر له التقصير، إذاً مهما بالغ العبد في العبادة ومهما اجتهد العبد في الطاعة لا بد له من عثرات، نعوذ بالله من العثرات ونسأله من نوره نورا ننجو به من الظلمات، إذاً فمهما اجتهد العبد مهما فعل، فهو محتاج لمغفرة الله، أتقى الناس على الإطلاق رسول الله، أخشاهم لله رسول الله، ومع ذلك يقول الله، تبارك وتعالى، له: (إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًۭا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ ) [سورة النصر آية: ١- ٣]، أمره بالاستغفار وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًۭا مُّبِينًۭا (١) لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) [سورة الفتح آية: ١- ٢]، ومع ذلك أمره بالاستغفار، في كل وقت أمرنا بالاستغفار وقد قال النبي، صلى الله عيه وسلم: (فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ) يستغفر مائة مرة فكم مرة تستغفر أنت؟ من غفر له ما تقدم وما تأخر يستغفر مائة مرة نحن على وجل وكم قدمنا من سيئات فكم مرة تستغفر؟.
أيها الأخ المسلم، الأستغفار رحمة كبرى من الله تبارك وتعالى، لأن الله تبارك وتعالى إذا استغفره العبد غفر له ويقول في محكم كتابه، وهي من أرجى الآيات في القرآن: (إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا (٣١)) [سورة النساء آية: ٣١]، ويقول عز من قائل: (وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا (١١٠)) [سورة النساء آية: ١١٠]. استغفروه وتوبوا إليه فقد بُعث القوم ورب الكعبة،
يقول الله، تبارك وتعالى:
إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِىٓ إِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿12﴾
( وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ ) آثارهم تلفت النظر إلى قول الله، تبارك وتعالى، (يُنَبَّؤُا۟ ٱلْإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)) [سورة القيامة آية: ١٣]، إذاً هناك أمران قدّم وأخّر وفى الآية هنا قال: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟) أين ما أخّروا؟ (وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ )، ويقول أيضا: (عَلِمَتْ نَفْسٌۭ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)) [سورة الانفطار آية: ٥]، إذاً فهناك ما يقدم وهناك ما يؤخر، أما ما يقدم فقد علمناه، (إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِىٓ إِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ (١٢)) ما قدّموا علمناه ما فعلوا وصنعوا في حياتهم من حسنات وسيئات، أما الآثار فهي ما أخّروا، ترى ما هو ذلك الذي نؤخره تؤخرونه ويكتب علينا وعبِّر عنه بقوله تارة (وَأَخَّرَتْ (٥)) [سورة الانفطار آية: ٥]، وعُبر عنه تارة بقوله (وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ )، نعم أثرك بعد الموت وهل للإنسان بعد الموت أثر؟ نعم عِلْم علّموه كتاب صنّفوه، وقْف حبسوه، مسجد بنوه أليس هذا من آثارهم؟ أليس هذا مما أخّروه؟ كلنا يدرس ويقرأ صحيح الإمام البخاري وندرسه سويا يوم الثلاثاء من كلب أسبوع هذا أليس أثرا من آثار الإمام البخاري؟ كلنا درس الفقه على المذاهب الأربعة من اقتدى بمذهب الإمام أبي حنيفة النعمان أليس ذلك أثرا من آثاره؟ فتاوي هؤلاء الناس علمهم أقوالهم أفعالهم أليست من آثارهم؟ أليست كذلك؟ نعم هي من آثارهم، (مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا، كَانَ لَهُ أَجْرُهَا، وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لا يُنْقَصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، لا يُنْقَصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) تلك هي الآثار، تلك هي الكلمة التي يقول الله، تبارك وتعالى: (عَلِمَتْ نَفْسٌۭ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)) [سورة الانفطار آية: ٥]، فهناك الآثار التي لا تمحى وقد تستمر إلى يوم القيامة، منذ متى مات الإمام الشافعي؟ منذ متى؟ والناس يتبعون مذهبه حتى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة، علمه يدرس حتى الآن، الكتب المصنّفة في العلوم في التوحيد في الفقه في الحديث في كل شيء أليست موروث؟ هذا المسجد من بنى هذا المسجد وقبره هناك؟ بناه إن كانت النية خالصة لله، تبارك وتعالى، أليس له الفضل في جلوسنا فيه الآن؟ ذاك فضل الله يؤتيه من يشاء، من وقف شيئا للعلم وعلى العلم وعلى المساجد، الصدقة الجارية التي تكتب تلك هي الآثار، وكما أن الآثار قد تكون حسنة وحسنات أيضا الآثار قد تكون سيئة وسيئات، ألا تزال تنظر بعينك إلى شاشات الإذاعات المرئية فترى الراقصة وقد ماتت منذ سنوات تهتز وتتمايل ألا تزال تراها أليس ذلك أثرا؟ ألا تزال تسمع قول من قالت وأفقنا ليتنا لا نفيق، ألا تزال تسمع قول القائل حبيبي الأسمر؟ ألا تزال تسمع قولهم؟ أليست تلك آثار لهم؟ تلك النوادي الليلية والمواخير من أنشأها وبناها ألا زالت قائمة؟ ما زالت قائمة تلك المواخير والأماكن.
الحكام الذين ماتوا لقد ولوا علينا أناسا ظلمونا ولا زالت آثار الظلم قائمة أليس ذلك من آثارهم، إذا كنت حاكما ووليت على الرعية أحدا من الناس ألست مسئولا عنه وعن ظلمه للرعية، لم كان عمر بن الخطاب يتعسس أحوال رعيته وأحوال الأمراء؟ لم عزل سعد بن أبي وقاص لمقالة رجل واحد في العراق كله سعد قال رسول الله، صلى الله عيه وسلم، أول من رمى بسهم في سبيل الله الوحيد الذي فداه رسول الله، صلى الله عيه وسلم، بأبيه وأمه فقال له (ارْمِ سَعْدُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) سعد بن أبي وقاص مستجاب الدعوة دعا له رسول الله: (اللَّهُمَّ أَجِبْ دَعْوَتَهُ وَسَدِّدْ رَمْيَتَهُ)، سادس ستة في الإسلام لم يكن على الأرض سواهم سعد بن أبي وقاص من العشرة المبشرين بالجنة ومع ذلك فتح العراق بطل الهمدان معركة الري معارك هزيمة الفرس التي انمحت بها دولة الفرس بطلها المغوار سعد بن أبي وقاص، هو الذي بني الكوفة هو الذي بني العراق وفتحتها، عزله عمر ابن الخطاب لمقالة رجل واحد أرسل يسأل عنه في المساجد فقد كانت هي دور الاجتماعات فالكل أثنى عليه خيرا إلا رجل واحد قام وقال أما وقد ناشدتنا فإنه لا يقسم بالسوية ولا يسير بالسرية ولا يعدل في القضية ولا يحسن أن يصلي بنا فعزله عمر لأن رجلا واحدا شكاه فشكى سعد لله وقال اللهم إن كان هذا الرجل كاذبا وأنت تعلم أنه كاذب وقام رياءً وسمعه فراءى به وسمِّع به وأطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن ودارت الأيام وافتقر الرجل وكبر في السن حتى سقط حاجباه على عينيه من الكبر جاوز المائة شديد الفقر شديد الكبر يسير في شوارع الكوفة يتتبع الجواري والفتيات يغمزهن ويلمزهن وحين يسأل عن ذلك ويعاتب، يقول: شيخ مفتون أصابته دعوة سعد، نعم وأقر عمر وهو على فراش موته وقد طعن وجعل سعد من الستة أهل الشورى وقال إن وليها سعد بعدى فذاك وإن وليها غيره فليستعن بسعد فوالله ما عزلته عن عجز ولا خيانة إذا فلم عزله؟ عزله لشكوى رجل واحد لأنه يخاف الله ولا يخاف في الله لومة لائم نعم الآثار، أيها الأخ المسلم في منتهى الخطورة لأن ما قدمته أنت من عمل لا زال في يدك ولا زال هناك فسحة من الوقت أنت الآن حي ترزق تعلم أنك بالأمس فعلت وأول أمس قلت استغفر الله الآن يغفر لك قبل أن تموت وقبل أن تغرغر تستغفر الله عما كان فيغفر لك، أما بعد الموت وما تركته بعد الموت من آثار كيف التصرف فيه؟ من هنا أقول لكم من تأمل في هذه الآية جافاه النوم، من تأمل في هذه الآية لم ينم لم يشته الطعام لم يشته الجاه، نعم آثارهم في منتهى الخطورة.
وأنتم الآن ترون الآثار حتى يومكم هذا، وها هي الإذاعات تذيع عليكم الأغاني الخليعة مات أصحابها، الأفلام مات أصحابها من خمسين عاما ومع ذلك تراه يتراقص ويحلف بالله كذبا، وترى المرأة تتمايل وتتعرى وتكشف عن فتنتها ممثلة إغراء حتى الآن وقد ماتت منها ممثلة أنتم تعرفونها ماتت بمرض السرطان ولا زالت حتى الآن أفلامها تملأ الأسواق ممثلة إغراء هذا الأثر ما الفعل فيه؟ وما العمل؟ آه، آه وآه من الآثار ما قدمنا بأيدينا نستغفر، ما تركناه وراءنا ماذا نفعل فيه أتستغفر الله وأنت في القبر؟ أينفع؟ أيجدي؟ أيها الأخ المسلم انتبه (إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ ) نفس المعنى (عَلِمَتْ نَفْسٌۭ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)) [سورة الانفطار آية: ٥]، الآثار هي ما تتركه وراءك فانظر قبل أن تنظر إلى ما تقدمه لنفسك من عمل اليوم، انظر بعد مماتك ماذا سوف يكون؟ ماذا نُخلّفِ بعد مماتك؟ علمٌ ينتفع به؟ ولد صالح يدعو لك؟ مسجد أسس على التقوى؟ صدقة جارية؟ سُنّة حسنة؟ مقالة صدق؟ ماذا خلّفت وراءك؟ أم خلّفت وراءك رياءً ونفاقا وحضاً على الفسق والمعاصي؟ من الذي اخترع الخمر؟ من؟ من الذي اخترع المخدرات؟ من الذي يصنع الحبوب؟ من الذي يروجها؟ من الذي علم الشباب هذا التعاطي؟ تاجر وفاسق فما العمل في هؤلاء الذين كانوا يشترون منه ولم يتوبوا؟ ما العمل في هؤلاء الذين ضيعوا ثرواتهم على المخدرات ما العمل فيهم؟ دخلت البيوت فخربتها على أهلها بالوقيعة ثم تبت وقد أوقعت وطلق الرجل امرأته وضاع العيال أنت تبت فماذا تفعل فيما تركت؟ في هذه الأسرة التي خربتها وهدمت عليها جدرانها؟ هذا الشاب الذي أغريته بالفكر أنت تبت هو لم يتب لا زال يفعل ما علمته أنت، هذه الفتاة التي كنت سببا في انحرافها عن الطريق السليم والطريق السوي ثم تبت أنت وهي لا زالت تمشي حيث رسمت لها الخطى، ما العمل؟ ما العمل؟ والله لولا يرحمنا الله لهلكنا جميعا، إي وربي، إي وربي، من منّا لم يترك أثرا سيئا وأنا أولكم بكلمة، ربما بكلمة تخرب البيوت، بكلمة يضل الناس، من منا يضمن أنه بعد مماته سوف يترك الآثار الطيبة ولا يترك الآثار السيئة صدق ربي حيث يقول: (إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ ).
(وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِىٓ إِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ (١٢)) أحصيناه عددناه كلمة الإحصاء أصلا جاءت لأن العرب لم تكن تعرف القراءة والكتابة فإذا أرادوا أن يعدوا شيئا عدوا بالحصى جاء بحفنة حصى وعدوا بها فالعد بالحصى يسمى إحصاءً لأنهم لم يكونوا يعرفون القراءة والكتابة فالإحصاء أصلا العد بالحصى ثم استُخدم بعد ذلك الإحصاء في مسألة العد الدقيق الذي لا يترك صغيرة وكبيرة إلا ودوّنها (وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ) دوّناه (فِىٓ إِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ (١٢)) الإمام ما يقتدى به الإمام: الحجة الإمام: الكتاب الذي لا يحدث فيه الخلل الكتاب الذي ترجع إليه الكتب الإمام: جميع الكتب ترجع إليه وتراجع عليه، الكتاب الأصل الإمام هو الحجة القائمة الذي لا يأتيه الخلل أو الاختلال أو الاختلاف من هنا قالوا الإمام هو اللوح المحفوظ، وقالوا بل الإمام المبين هو صحائف الأعمال وقالوا بل الإمام المبين كتاب لا يعرفه إلا الله، تبارك وتعالى، (إِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ (١٢)) بيِّن واضح الدلالة.
أيها الأخ المسلم من تأملات الإنسان في هذه الآية أيضا نعجب أشد العجب حين نسمع أصوات الأموات وقد سجّلها البشر الضعيف (وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًۭا (٢٨)) [سورة النساء آية: ٢٨] ألست تسمع وتشتري الشرائط من الأسواق وفيها الأغاني وفيها وفيها؟ لأناس ماتوا ولا زالت أصواتهم تسمع أنت سجلتها، لا زالت الصور موجودة، في الأفلام وفي الشرائط الفيديو وما إلى ذلك صور لأناس رحلوا عن الحياة وانتقلوا إلى الدار الآخرة لا زالت موجودة أنت سجلتها أيها الإنسان الضعيف، ترى كيف يسجل القوي القهار الخالق الجبار العلاّم كيف يسجل؟ ترى بالقلم والقرطاس؟ بالقلم يكتب؟ أتكتب الملائكة بقلم؟ أتكتب بالشفرة؟ أتكتب الملائكة بالاختزال؟ أتسجل علينا الأفعال والأقوال؟ أتسجل علينا في صحائف أم تسجل على أشرطة أم أن الهواء المحيط والغلاف الجوي بهذه الأرض ما هو إلا كاميرات تصور وجمعنا هذا منقول ولا زال موجودا وسيظل موجودا ويؤتى بنا يوم القيامة وننظر فإذا بنا قاعدون في هذا المسجد مستمعون للذكر عيانا أيكون كذلك؟ أتعاد الدنيا بواقعها وبأناسها وأنفاسهم إي وربي وربنا قادر إن أراد (وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ ) [سورة الكهف آية: ٤٩]، لم يقل مكتوبا (وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ ) [سورة الكهف آية: ٤٩]، وكأنه يرى نفسه مع الزانية معاقر الخمر يرى هذا رأي العين تعاد أيكون كذلك أيمكن أن نتأمل في قوله، تبارك وتعالى: (يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَآءَ كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ ﴿١۰٤﴾) [سورة الأنبياء آية: ١۰٤] فترى نفسك والدنيا تأتي معادة وترى الحركات والسكنات والأنفاس والكلمات أيمكن أن يكون كذلك أنت سجلت أيها الضعيف فكيف يسجل الله.
فكم من قرية آمنت ومتعت إلى حين، وكم من قرية أهلكت ولا صريخ ولا معين؟ وكم من قرية بوركت أرازقها وفيرة وماؤها معين، وكم من قرية أُقحطت نبتها خمط وبئرها رمل وطين، فذاك يونس أرسل إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعهم ربهم إلى حين، وتلك سبأ مزقت كل ممزق وجعلت أحاديث على مر السنين، ويقول ربنا، تبارك وتعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍۭ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَـٰكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنۢ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًۭا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَٰرِثِينَ (٥٨)) [سورة القصص آية: ٥٨]، وأمر نبيه، صلى الله عليه وسلم، أن ينذر قومه في سورة يس فقد بعث إليهم على فتره من الرسل فاجترءوا عليه وكذّبوه واحتالوا عليه وأخرجوه وفؤاده من خوفه عليهم محزون، عيّروه بفقره واتهموه في عقله فكيف عميت عن نوره العيون، كلا من شاء الله هداه ومن أضلّه أعماه ولله في خلقه شئون، نعم ولله في خلقه شئون.
يقول الله، تبارك وتعالى، في سورة يس آمراً نبيه، صلى الله عليه وسلم، أن يضرب الأمثال:
وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَـٰبَ ٱلْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ﴿13﴾
إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍۢ فَقَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ﴿14﴾
قَالُوا۟ مَآ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ﴿15﴾
قَالُوا۟ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴿16﴾
وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ﴿17﴾
قَالُوٓا۟ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا۟ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿18﴾
قَالُوا۟ طَـٰٓئِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ أَئِن ذُكِّرْتُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ مُّسْرِفُونَ ﴿19﴾
وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌۭ يَسْعَىٰ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱتَّبِعُوا۟ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿20﴾
ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًۭا وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿21﴾
وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿22﴾
ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّۢ لَّا تُغْنِ عَنِّى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْـًۭٔا وَلَا يُنقِذُونِ ﴿23﴾
إِنِّىٓ إِذًۭا لَّفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ﴿24﴾
إِنِّىٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ ﴿25﴾
قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَـٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ ﴿26﴾
بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ ﴿27﴾
لا بد وأن يكون الرسول قدوة، ولذت قال ربنا، تبارك وتعالى: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ) [سورة الأحزاب آية: ٢١]، وقال في قوم إبراهيم (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ) [سورة الممتحنة آية: ٤]، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، لا بد وأن يكون قدوة والداعي إلى الله لا بد وأن يكون قدوة كيف آمرك بحفظ القرآن ولم أحفظ منه آية؟ كيف آمرك بقيام رمضان ولا أقوم معك؟ كيف آمرك بالإحسان ولا آتيه؟ فتلك علامتان غاية في الأهمية (ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًۭا وَهُم مُّهْتَدُونَ (٢١)).
ثم بدأ في الإرشاد بأسلوب يجب أن يتنبه له كل داع إلى الله كل آمر بالمعروف وناه عن المنكر الأسلوب في الوعظ والإرشاد غاية في التلطف والإشارة والاستدلال وانظر واسمع وتأمل (وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)) تكلم عن نفسه وكأنه يعظ نفسه ويتكلم عن نفسه وهو يريد السامعين وهو يريد قومه والآية فيها لفتة غريبة نسب الفطرة إلى نفسه فقال:(وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى) ثم قال:(وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)) فنسب البعث إليهم منتهى التلطف لأن الفطرة والخلق والإيجاد نعمة عليهم توجب الشكر والبعث وعيد يقتضي الزجر فكأن نسبة الفضل ونعمة الإيجاد إلى نفسه أظهر شكرا ونسبة البعث والإعادة إليهم أبلغ أثرا فقال:(وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)) ، وكأن الإيجاد نعمة توجب الشكر، والبعث وعيد يقتضي الزجر تلطف في الإشارة والدعوة (ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً) أصنام كما تعبدون (إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّۢ لَّا تُغْنِ عَنِّى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْـًۭٔا وَلَا يُنقِذُونِ (٢٣) إِنِّىٓ إِذًۭا لَّفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ (٢٤)) نعم إن فعلت ذلك واتخذت آلهة من دون الله لا تضر ولا تنفع لا تبصر ولا تسمع إذاً فذاك غاية في الضلالة وتلف العقل (إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّۢ لَّا تُغْنِ عَنِّى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْـًۭٔا وَلَا يُنقِذُونِ (٢٣)) لا يشفعون عند الله ولا يمنعون عني ما يصيبني ولا يستطيعون أن ينصروني أو يمنعونني أو ينقذوني من أي شيء أراده الله لي (إِنِّىٓ إِذًۭا لَّفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ (٢٤)) أي إني إذا فعلت ذلك إني إذاً لفي ضلال مبين.
(إِنِّىٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ (٢٥)) تلطف في الإرشاد والوعظ وكأنه يحدث نفسه وكأنه يتكلم عن نفسه كأنه يعظ نفسه منتهى التلطف في الإرشاد والوعظ (إِنِّىٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ (٢٥)) الخطاب لكفار القرية فاسمعون أي فاسمعوا إيماني واسمعوا لي وأطيعوا فإنما أرشدكم إلى سعادتكم وخير الدارين، أو الكلام للرسل (إِنِّىٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ) أيها الرسل فاسمعوا إيماني واشهدوا لي بالإيمان فهو يطلب شهادة الرسل له (قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَـٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ (٢٦)) كيف قيل؟ ومتى قيل؟ وهل دخلها فعلا؟ يقول المفسرون: إن الرجل حين أظهر إيمانه ودعا قومه بهذا التلطف قتلوه، وقالوا بل رجموه، وقالوا بل جاءوا به وحفروا له فوضعوه فيها وجاءوا بالمنشار فأقاموه على رأسه فنشروه نصفين فوالله ما أخرجت روحه إلا في الجنة (قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ ۖ ) قيل لمن؟ حذف المقول له للعلم به لأن الغرض بيان النهاية والأجر حصل على أجر الشهداء خرجت روحه إلى الجنة رأسا (وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)) [سورة آل عمران آية: ١٦٩]، وصدق رسول الله، صلى الله عيه وسلم، حيث يقول: إن الله تبارك وتعالى جعل (أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَطَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ). فقد نصحهم ذلك الرجل وجاءهم يسعى من أقصى المدينة وبين لهم ووضّح لهم (ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًۭا وَهُم مُّهْتَدُونَ (٢١))، ودلل على كلامه دلل على صدق الرسل ودلل على صدق الرسالة في كلمات أما التدليل على صدق الرسل فبقوله (ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًۭا وَهُم مُّهْتَدُونَ (٢١)) فذاك دليل على صدق الرسل ودلل على صدق الرساله بقوله (وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى) إذاً فالخالق هو المعبود الحق الذي أنشأني من العدم هل أصنامكم تفعل ذلك؟ هل الملائكة تفعل ذلك؟ هل البشر يفعل ذلك من هو الذي يخلق؟ هو الله إذا فهو المعبود الحق الذي أنشأني وأوجدني وفطرني من العدم (وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى) إذاً فهو المستحق للعبادة لأنه صاحبي هو صاحب الصنعة التي صنعها هو صاحب الشيء الذي أظهره وأوجده وأبرزه من العدم هو صاحبه لأنه خالقه إذاً فهو السيد ونحن العبيد، فذاك دليل على صدق الرسل أنهم يدعوكم لعبادة الذي فطركم وإليه ترجعون لأن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة بعد الإفناء وعيد بالبعث وطالما أوجدك وخلقك إذا فقد أوجدك وخلقك لغاية ولغرض وطالما خلقك لغاية ولغرض كما قال، سبحانه وتعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثًۭا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)) [سورة المؤمنون آية: ١١٥]، هل يُعقل؟ هل يخلق الإنسان عبثاً؟ لا يمكن إذاً فطالما خلقك لغاية لا بد وأن يستعيدك ليسألك عن تلك الغاية أديت الغرض أم لم تؤدِ الغرض (وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)) إذاً فهو الخالق وهو المبدئ والمعيد إذاً فهو المعبود الحق أيضا في الدنيا وفي حياتك هو النافع وهو الضار يرسل المطر يرسل السحاب بشراً بين يدي رحمته ينبت الأشجار والأزهار، يجري الأنهار وهكذا دللَّ على هذا بقوله: (ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّۢ لَّا تُغْنِ عَنِّى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْـًۭٔا وَلَا يُنقِذُونِ (٢٣)) جاء بكلمة "الرحمن" ليدلل أنه وإن جاء بالضر فمن خلال الرحمة وتصبح البلية نعمة خفية لأنها آتية من الرحمن، حين قال ذلك ودلل على صدق الرسل، ثم دلل على أحقية الرسالة وأنها حق وحقيقة رجموه قتلوه (قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ ۖ ) قال بعض العلماء مات شهيدا فدخلت روحه الجنة خرجت من جسده إلى الجنة رأسا لا سؤال في قبر ولا استفسار من ربك؟ وما دينك؟ لأن الشهداء لا تسال في قبورهم، وقال بعضهم بل هي وعد من الله له (قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ ۖ ) أي بشرى له بدخول الجنة حين البعث (قَالَ يَـٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ (٢٦)) عجبا يريد أن يعلم قومه بما جري له بحسن مآله وعظيم ثوابه (يَـٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ (٢٦)) أنهم على الباطل وأني كنت على الحق ليت قومي يعلمون بعاقبة الإيمان وعاقبة الكفر (يَـٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ (٢٦)) وكأنه يذكّرهم بعد مماته وصدق من قال وعظ قومه حيا وميتا منتهى التلّطف على ديدن الأولياء دائما وأبدا، الحلم عن أهل الجهالة الوعظ والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة، ها هو يعظ قومه بعد ما قتلوه كانوا يرمون عليه الحجارة ويرحمونه وهو يقول: اللهم اغفر لقومي اللهم اهد قومي دعاهم حيا وميتا ليت قومي يعلمون (بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ (٢٧)) أي بما أحدث لي من مغفرة وكيف كرَّمني (وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ (٢٧)) وقيل هنا "ما" استفهامية وكأنه يقول: يا ليت قومي يعلمون بأي شيء غفر لي ربي، غفر لي باتباع الرسل فيتبعوا الرسل حتى يغفر لهم كما غفر لي "ما" إما موصولة وإما استفهامية، (وجعلني من المكرّمين) قراءة، أو (وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ (٢٧)).
الجُزءُ الثالث والعشرون
وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِن جُندٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ﴿28﴾
إذا فكيف أهلكهم:
إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَإِذَا هُمْ خَـٰمِدُونَ ﴿29﴾
يَـٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿30﴾
أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿31﴾
وَإِن كُلٌّۭ لَّمَّا جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴿32﴾
أيها الأخ المسلم ذهب معاذ بن جبل إلى أنس بن مالك وقال يا أنس لقد أخبرني رسول الله، صلى الله عيه وسلم، فقال: ( مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُخْلِصًا دَخَلَ الْجَنَّةَ)، فأسرع أنس إلى رسول الله، صلى الله عيه وسلم، فقال: يا رسول الله، يقول معاذ: إنك تقول: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُخْلِصًا دَخَلَ الْجَنَّةَ)، فقال النبي، صلى الله عيه وسلم: (صَدَقَ مُعَاذٌ، صَدَقَ مُعَاذٌ، صَدَقَ مُعَاذٌ).
أيها الأخ المسلم حبل النجاة لا إله إلا الله عليها قامت السموات والأرض لهذه الكلمة من أجلها أرسلت الرسل من أجلها أنزلت الكتب، التكذيب بها دمر القرون (أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِن كُلٌّۭ لَّمَّا جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)) الإحضار: والإحضار عند الله ملك الملوك ليس كالإحضار في الدنيا أرأيت نفسك وقد طرق بابك ليلا وجاءك رجلان يستدعيانك إلى، رجال الدنيا وحكام الدنيا ورجال السلطة، الذين تذهب سلطتهم بالموت والمرض فإذا بك تساق ليلا إلى سلطة كيف وأنت تساق إلى ملك الملوك (وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّعَهَا سَآئِقٌۭ وَشَهِيدٌۭ (٢١)) [سورة ق آية: ٢١]، نعم ما من عبد إلا ويساق إلى الله هناك المكرمين كصاحب هؤلاء الناس (قَالَ يَـٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ (٢٧)) يكرم ويرفع قدره ويسعى نوره وتجده يمشي آمنا مطمئنا إذا فزع الناس (نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ ۖ ) [سورة التحريم آية: ٨]، أحطنا بالنور كله من كل جانب ومن كل زمان وهناك من يقال له: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍۢ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًۭا فَٱسْلُكُوهُ (٣٢)) [سورة الحاقة آية: ٣٠- ٣٢]، نعم يحشر المتقين إلى الرحمن ووفدا ويساق المجرمين إلى جهنم ورداً هناك فارق، هناك فارق.
أيها الأخ المسلم لا إله إلا الله كلمة نسأل الله، تبارك وتعالى، أن يحيينا عليها وأن يميتنا عليها وأن يبعثنا عليها آمين.
حفل القرآن الكريم بالآيات الدالة على وجود الخالق القادر المهيمن المدبر الذي بيده مقاليد الأمور وكل سورة في القرآن الكريم حجة قائمة لا تدع مجالا لجحود كافر أو إنكار ملحد فالآيات في الأرض وفي السماء وفي أنفسنا وفي كل شيء وكل سورة شاهدة على صدق النبي، صلى الله عيه وسلم، ذلك الأميّ الذي لم يقرأ ولم يكتب ومع ذلك ساق من الآيات ما زال العلم يكتشف أسرارها حتى الآن وفي سورة يس يقول الله، تبارك وتعالى:
وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ ٱلْأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّۭا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴿33﴾
وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّـٰتٍۢ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَـٰبٍۢ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ ﴿34﴾
لِيَأْكُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴿35﴾
سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴿36﴾
وجاء التنزيه (سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)) نزه الله، تبارك وتعالى، نفسه عن مقالة الكفار والكلام يشعر بالتعجب فالإنسان إذا تعجب من شيء قال سبحان الله فالله، تبارك وتعالى، يشعرنا بالتعجب التعجب من فعل الكفار الذين أشركوا مع الله غيره وعبدوا الأصنام التي لا تنفع ولا تضر مع رؤيتهم لهذه النعم المتعددة وإقرارهم بأن الله، تبارك وتعالى، هو الموجد لها، أو هو أمر لنا بالتسبيح والتنزيه (سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا) ففيه تقدير الأمر أي أمر لنا بالتسبيح والتنزيه (سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا) الأصناف كلها والأنواع والألوان (مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ) الأرض واحدة والماء واحد نزل من السماء أو نبع من العيون أو جرت به الأنهار الماء واحد والأرض واحدة والأصناف والأزواج والألوان خرجت من الأرض بفعل الخالق الديان (وَمِنْ أَنفُسِهِمْ) من أنفسهم كذلك خلق من الأزواج والأصناف الأولاد والبنات الألوان المختلفة الأبيض والأحمر والأسود ألوان وأجناس وأصناف من نفس واحدة (وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)) إذاً فهناك مخلوقات لا يعلمها الإنسان خلقها الله، تبارك وتعالى، أزوجا وأصنافاً لا يعلمها الإنسان ولم يجعل الله له سبيلا إلى معرفتها إلى يوم القيامة لأن الله، تبارك وتعالى، يقول:
( سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)) ولا يعلمون إلى أن تقوم الساعة أصناف وأزواج خلقها الله، تبارك وتعالى، هو العالم بها.
وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ﴿37﴾
وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴿38﴾
وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ ﴿39﴾
لَا ٱلشَّمْسُ يَنۢبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ وَكُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ ﴿40﴾
أيها الأخ المسلم الآيات في القرآن وفي كل سورة إذا تأملت فيها آمنت بوجود الله، تبارك وتعالى، الأزلي القائم بذاته المستغني بذاته عما سواه المدبِّر المهيمن المُصرِّف لذا لم تكن للكفار حجة ولله الحجة البالغة لم تكن لهم حجة بعد هذه الآيات لا حجة لكافر لا حجة لمنكر ينكر نبوة النبي، صلى الله عيه وسلم، أو ينكر الألوهية أو يجحد بوجود الله، تبارك وتعالى.
أيها الأخ المسلم: أبواب السماء مفتوحة وأبواب التوبة مفتوحة والله، تبارك وتعالى يفرح بتوبة العبد.
الكثير من الآيات أشكلت على العلماء وصدق ربي، تبارك وتعالى، حيث يقول: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ ) [سورة آل عمران آية: ٧] ومن الآيات التي أُشكلت على العلماء قول الله، تبارك وتعالى:
وَءَايَةٌۭ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ﴿41﴾
وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِۦ مَا يَرْكَبُونَ ﴿42﴾
وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ ﴿43﴾
إِلَّا رَحْمَةًۭ مِّنَّا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ ﴿44﴾
قال بعض العلماء في هذه الآية أيضا أن سنّة الله، تبارك وتعالى، في خلقه قد جرت من قديم الأزل على تدمير القرون والقرى وإهلاك الأمم التي كذّبت رسلها، وما من أمة كفرت إلا أهلكت وما من أمة كذبت إلا دُمرت، إلا أمة محمد المثل الإبل ربنا، تبارك وتعالى، استثناها من هذه السنن فقال عز من قائل: (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) [سورة الأنفال آية: ٣٣] أي يستغفر منهم البعض المؤمنون بهم يرحم الناس، نعم أمة محمد قضى الله، تبارك وتعالى، من الأزل أنها مهما كفرت ومهما كذّبت لا يعاجلهم الله بالعقوبة بل يمهلهم إلى يوم القيامة فأمنت أمة محمد، عليه الصلاة والسلام، من الخسّف والتدمير والإهلاك كما فعل بالقرون الماضية رحمة ومتاعاً إلى حين.
أيها الأخ المسلم آيات وآيات دالات على قدرة القادر سبحانه وتعالى وعلى وجوده الأزلي هو الذي أنشأ من العدم ومن قدر على الإنشاء قدر على الإعادة بعد الإفناء وآية لنا الأرض كيف كانت ميْتة فأحياها الله والنبات يخرج ينمو ويزهو ثم يحصد وتعود الأرض إلى ما كانت عليه وهكذا الناس قرون وراء قرون، قرون اندثرت وقرون نشأت وقرية وراءه قرية، وأناس حضروا هنا قبلكم ومضوا وذهبوا إلى الأرض إلى التراب وأصبحوا أثرا بعد عين، وسوف تذهبون ويأتي آخرون، وهكذا فسبحان من له الدوام على الدوام.
أيها الأخ المسلم الله الله، الله الله، فاعلم أنك بين مخافتين بين عاجل قد مضى لا تدري ما الله صانع به، وبين آجل قد بقي لا تدري ما الله قاض فيه، فخذ من نفسك لنفسك، خذ من شبابك لهرمك، ومن صحتك لمرضك ومن غناك لفقرك ومن فراغك لشغلك، خذ من نفسك لنفسك ومن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها.
من أعظم القربات النصيحة، ومن أعظم المهلكات الصد عنها وصم الأذن عن استماعها، وما من نبي بعثه الله، تبارك وتعالى، إلا وكان ناصحا لأمته وها هو هود يقول لقومه: (وَأَنَا۠ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)) [سورة الأعراف آية: ٦٨]، ونوح يقول لقومه: (وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)) [سورة الأعراف آية: ٦٢]، وصالح حين يئس من قومه: (لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَـٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِينَ (٧٩)) [سورة الأعراف آية: ٧٩]، والدين النصيحة كما يقول نبينا، صلى الله عليه وسلم، وأنصح الناس للناس هم الرسل والأنبياء، يليهم بعد ذلك العلماء وقد بعث الله، تبارك وتعالى، محمدا، صلى الله عليه وسلم، فهدى الناس من الضلالة إلى الهدى ومن الكفر إلى الإيمان فاستجاب له من استجاب فحيى بالحق من كان ميتا ومات بالباطل من كان حيا.
وتحكي لنا الآيات من سورة يس كيف كانت النصيحة وكيف كان رد كفار مكة، الجدل وصم الأذن عن الحق والعمى عن الهدى والاستكبار يقول الله، تبارك وتعالى:
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُوا۟ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿45﴾
وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴿46﴾
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿47﴾
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿48﴾
مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ﴿49﴾
فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةًۭ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ﴿50﴾
وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ﴿51﴾
قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴿52﴾
إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴿53﴾
يقول الله، تبارك وتعالى: (وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (٥١)) خرجوا من القبور بنفخة تهوين لأمر البعث نفخة واحدة إذا الكل من القبور خارج مسرع مُلبي النداء للوقوف بين يدي الله الديان (قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ ) حين خرجوا من القبور وفوجئوا بالبعث (قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا) (قالوا يا ويلتنا) (يَـٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ ) وقف (هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ (٥٢)) قراءات وفيها السكتة الخفيفة (مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَـٰذَا) إذا كنت تقرأ بقراءة حفص مع مد المنفصل، أما إذا قصرت المنفصل فالوقف مع أخذ النفس وقف تام، أو هذا صفة للمرقد (مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَـٰذَا) السؤال من الذي بعثنا؟ من الذي أخرجنا من هذه النومة وهذه القبور وكيف خرجنا ومن الذي أخرجنا، أو يا ويلنا يا مصيبتنا التي حلّت بنا من هذا البعث إذا قرأت (يا ويلنا مِنْ بَعْثِنا) رد عليهم المؤمنون (قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ (٥٢)) هذا البعث هو ما وعد به الرحمن وصدق المرسلون في إنذاركم وإخباركم عن هذا البعث، أو هم ردوا على أنفسهم (هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ (٥٢)) بلا وقف بوصل حتى يتصل الكلام هم القائلون (هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ (٥٢)) إذاً فقد أقّرُّوا حين لا ينفع الإقرار هم المتسائلون وهم الذين ردوا على أنفسهم من بعثنا من مرقدنا هذا فتنبهوا وقالوا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون الذين جاءونا ونبهونا وأنذرونا وحذرونا فكذبناهم واتهمناهم بالكذب صدقوا فأقروا وآمنوا واعترفوا حيث لا ينفع الإقرار ولا ينفع الندم (قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ (٥٢)) رد عليهم فهو خبر محذوف المبتدأ خبر لمحذوف، أو هو مبتدأ محذوف الخبر أي هذا ما وعد الرحمن، أو وعد الرحمن بالبعث أو هذا وعد الرحمن وهكذا، (هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ (٥٢)) أي وعد الرحمن ببعثكم وصدق المرسلون فيما أنذروكم به.
(إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ) صيحةٌ واحدةٌ قراءة كما قرأت في أول السورة صيحةٌ صيحةً واحدةً على اعتبار إن "كان" تامة وليست ناقصة (فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)) أي فعلة ما هي إلا صيحة واحدة ليس هناك احتياج لأسباب كالتي نراها في الدنيا النبات يأخذ مدة حتى ينمو والأرض تأخذ وقتا حتى يخرج الزرع وتحيا والجنين يأخذ فترة حتى يكتمل النمو في رحم أمه ثم يخرج أما القيامة والبعث فما هي إلا صيحة واحدة بلا أسباب نفخة في الصور نفخة واحدة فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون فهي صيحة تهوينا لأمر البعث تصويرا للموعود وتمكينا له في النفوس وقد يتساءل متسائل هؤلاء في قبورهم معذبون في قبورهم كقول الله، تبارك وتعالى، في شأن فرعون (ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّۭا وَعَشِيًّۭا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ (٤٦)) [سورة غافر آية: ٤٦]، حين كانوا يعذبون في قبورهم لم قالوا حين البعث (مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ ) وقرأت (من أهبّنا) (ومن هبّنا) كما هبّ النائم من نومته (من أهبّنا) إذاً فقد كانوا نياما ولو كانوا معذبين في قبورهم ما قالوا من بعثنا من مرقدنا لأنهم يشعرون بالتعذيب في القبر الجواب سهل يسير: في النفخة الأولى يموت كل حي كما قلنا، ويرفع العذاب عن أهل القبور فيهجعون هجعة وينامون نومة المدة بين النفختين أربعون سنة من هنا حين تنفخ النفخة الثانية يقومون من نومهم من هجعتهم المؤقتة التي هجعوها بالنفخة الأولى من هنا يتساءلون من بعثنا من مرقدنا ذاك جواب، الجواب الآخر أنهم حين عذّبوا في قبورهم كانوا كالنائم يرى كابوسا أو أحلاما مزعجة فهو نوع من أنواع العذاب فإذا عاينوا جهنم وعذاب الآخرة والمحشر كان عذاب القبر كالنوم بالمقارنة بعذاب الآخرة من هنا كان التساؤل (مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ ) يقول الله، تبارك وتعالى، واصفا للبعث: إنه لا يحتاج فيه لأسباب وأنه إذا أراد شيئا فإنما يقول له: كن، فيكون فتكفي صيحة واحدة يصيحها ملك من ملائكة الله التي لا تعد ولا تحصى (فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)) محضرون للسؤال والمؤاخذة للثواب أو العقاب.
فَٱلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿54﴾
أيها الأخ المسلم أي القلوب قلبك هل قلب المؤمن الأجرد الذي فيه سراج يزهر ذاك القلب الذي تفتح للإيمان واليقين واستمع للآيات فاعتبر بها واستمع للقرآن فأحل حلاله حرّم حرامه وأيقن أنه من قريب واقفٌ بين يدي الرب، تبارك وتعالى، سائله الله، تبارك وتعالى، عما استرعاه وعما استخلفه.
أيها الأخ المسلم عما قريب تنفخ النفخة وإذا الناس يتعجبون من بعثنا من مرقدنا وكأنهم البثوا غير ساعة، أيها الأخ المسلم اتق الله في نفسك واتق الله في أهلك واتق الله في دينك واسمع قول النبي، صلى الله عيه وسلم، (الدِّينُ النَّصيحَةُ) قالوا لمن يا رسول الله، صلى الله عيه وسلم، قال: (للهِ ولكتابِهِ ولرسُوله ولأئمَّةِ المسلمينَ وعامَّتهمْ).
حين تقوم الساعة ينادي المنادي أين عبادي الدين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب فيقومون كأنما وجوههم البدر والكوكب الدري ركبانا على نُجُبٍ من نور، النُجُب جمع نجيب والنجيب الركوبة الفارهة الفخمة، أزمَّتها من ياقوت تطير بهم على رءوس الخلائق حتى يقوموا بين يدي العرش فيقول الله، تبارك وتعالى: السلام على عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب أنا اصطفيتكم وأنا اجتبتكم وأنا اخترتكم اذهبوا فادخلوا الجنة بغير حساب فلا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون فيمرون على الصراط كالبرق الخاطف فتفتح لهم أبوبها ثم إن الخلق في المحشر موقوفون يقول بعضهم لبعض: يا قوم أين فلان وأين فلان وذاك حين سأل بعضهم بعضا يتساءلون أين فلان وفلان فينادي المنادي.
إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍۢ فَـٰكِهُونَ ﴿55﴾
هُمْ وَأَزْوَٰجُهُمْ فِى ظِلَـٰلٍ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ﴿56﴾
لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ﴿57﴾
يقول الله، تبارك وتعالى، في سورة يس: (إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَٱلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)) ، (إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍۢ) ( في شغل) ( في شغل ) ( في شغل) ( في شغل) (فَـٰكِهُونَ (٥٥))،(هُمْ وَأَزْوَٰجُهُمْ فِى ظِلَـٰلٍ) (في ظلل) (عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ (٥٦)). ذلك هو النداء حين يتساءل أهل المحشر وأهل الموقف عن هؤلاء يرد عليهم هم مشغولون عنكم غير ملتفتين إليكم وإن كنتم أبناءهم أو آباءهم أو إخوانهم فلا أخوة ولا قرابة ولا نسب وإنما رفع نسب الله ووضعت الأنساب (إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍۢ) (شُغُلٍ أو شَغَلٍ أو شَغْلٍ) نكرة مبهمة ما هو الشغل؟ أفاض وخاض العلماء في وصف هذا الشغل وكل ما وصف به العلماء هذا الشغل شيء وحقيقة الشُغل شيء آخر، شُغل لا يعلمه إلا الشاغل ألا وهو الله شغلهم بأي شيء؟ بالحور بالكواعب الأتراب بالفاكهة بالقصور بالنعيم بالرضا بالنور بالنظر إليه بالنظر إليهم بأي شيء؟ شغل نكرة مبهمة تعظيم وتفخيم لشغل لا يعلمه إلا الله المنعم المتفضِل (فِى شُغُلٍۢ فَـٰكِهُونَ (٥٥)) فَكِهَ الرجل: تنعّم وتلذذ، فاكِهْ: ذو فاكهة الفكاهة الكلام الطيب والمزاح الجميل هؤلاء فاكهون أو فكهون متنعمون متلذذون لديهم ما يشتهون فهم في فرح في سرور في نعيم في حبور في ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر(هُمْ وَأَزْوَٰجُهُمْ) وعطف الأزواج على كلمة "هم" ليبين أنهم مشتركون في كل شيء في الشغل في الفكاهة في الاتكاء على السرر والأرائك، فيما يدعونه ويطلبونه في كل شيء هم وأزواجهم (فِى ظِلَـٰلٍ) جمع ظِل (في ظُلُلٍ) جمع ظُلة (عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ (٥٦)) الأرائك: جمع أريكة والأريكة: السرير إذا زُين وهُئ ومُهِدَ ووُطِيءَ (عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ (٥٦)) متكئون ليبيّن لا تعب ولا نصب ولا ازدحام ولا نوم ولا غفلة فهم متمتعون فليس هناك ليل ولا نهار بل ظل دائم فهم لا ينامون ولا يتغوّطون ولا يتعبون لا تعب لا نصب لا نوم ولا يقظة بل هم في يقظة دائمة في ظل ممدود على الأرائك هم وأزواجهم متكئون (لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ) في الجنة (وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧)) أي فاكهة؟ والله ما في الجنة من دنياكم إلا الأسماء أفيها رمان كرمان الدنيا؟ أفيها عنب كعنب الدنيا؟ أفيها نخل كنخل الدنيا؟ لا والله وإنما هي أسماء، وما في الجنة من دنياكم إلا الأسماء فقط (وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَـٰبِهًۭا ۖ ) [سورة البقرة آية: ٢٥] وحين يرونه قالوا: (هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ ) [سورة البقرة آية: ٢٥] أبداً والله حتى ثمار الجنة إذا قطفتها مرة وأكلتها ثم قطفنها ثانية والله إن الطعم متغير نفس الشجرة نفس الثمرة إي وربي، إي وربي لا تمل وإن أحدكم ليحتضن الحور الحوراء سبعين عاما والله لا يملها ولا تمله كلما أتاها وجدها بكرا امرأة جديدة شيء جديد لم يرها من قبل تغيرت وسبحان القادر على كل شيء الصانع، وانظر إلى أنواع الثمار وأنواع الفاكهة وأنواع المخلوقات وأنواع الجمال في الدنيا حتى إذا تكلمت مع الحوراء سمعت صوتا لم تسمعه أذناك في الدنيا الصوت الجميل الذي إذا سمعته ألهاك عن كل شيء فإذا صادفتها مرة وتكلمت معها مرة أخرى لوجدت الصوت متغيرا (إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءًۭ (٣٥)) [سورة الواقعة آية: ٣٥] إذاً فهي تُنشأ في كل مرة (فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)) [سورة الواقعة آية: ٣٦]، وإذا جعلها الله بكرا هل تفض البكر؟ أبداً كلما فضضتها عادت بكرا كما كانت حتى يصدق القول (فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)) [سورة الواقعة آية: ٣٦]، أي أبكارا على الدوام وإلا لو فضت مرة ولم تعد بكرا ما قيل في شأنها (فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)) [سورة الواقعة آية: ٣٦] أبكارا شغل لا يعلمه إلا الله، أفاض العلماء فيه في هذا الشغل شغلنا الله به جميعا.
(لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧)) يدّعون من الدعاء افتعال من الدعاء أي كلما دعا أحدهم بشيء أجيب إلى مطلبه وحصل على ما يريد (وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧)) ما يشتهون، ما يطلبون، ما يسألون، ما يدعون الله به، أو (وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧)) أي لهم ما يدّعيه كل واحد فإذا ادّعى إنسان منهم شيئا وقال هذا لي فهو له ليس كدعوى الدنيا إذا ادّعيت شيئا في الدنيا أنك ادعيت ملكية هذا المسجد عليك أن تثبت وقد يظهر لك شريك أو منافس أو غير ذلك، أما هناك ما تدعيه لنفسك فهو لك، فإذا رأيت قصرا جديدا لم تسكنه من قبل فإذا رأيت القصر وقلت هذا القصر لي انتهى هو لك دون منافس دون منازع.
سَلَـٰمٌۭ قَوْلًۭا مِّن رَّبٍّۢ رَّحِيمٍۢ ﴿58﴾
وَٱمْتَـٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ﴿59﴾
أيها الأخ المسلم ها هي سورة يس تصف لنا بإعجاز موقف يوم القيامة تصوره لنا وكأننا تشاهده رأْي العين استحضار للصورة تمكين للأمر في النفوس تصوير بليغ لهذه المواقف والجنة والنار لا ثالث لهما فما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، فانظر لنفسك أيهما تختار الأمان (إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍۢ فَـٰكِهُونَ (٥٥))، أم يقال والعياذ بالله (وَٱمْتَـٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ (٥٩)) الستر أم الفضيحة، السلام أم العقاب، الأمان أم الخوف والانزعاج.
أيها الأخ المسلم ما بقى من الدنيا إلا قليل وربنا يصف لنا ويقول: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّنَ ٱلنَّهَارِ) [سورة يونس آية: ٤٥] الدنيا والقبر والبرزخ ساعة من النهار.
أيه الأخ المسلم كم ودعنا من أناس وكم تركنا من أناس كم وكم وعما قليل نترك نحن الناس ولا نجد إلا أعمالنا
حفرة في الأرض ضاقت بمرقدنا
وظلمة تطفئ شمس دنيتنا
يهال التراب بأيدي أحبتنا.
أيها الأخ المسلم المال والولد والبنون زينة الحياة الدنيا ولكنها لا تنفع ولا تشفع ولا ينفع إلا العمل، أنت تزين بيتك وتنور بيتك وتفرش بيتك بالأثاث والرياش وما إلى ذلك هل ذهبت إلى قبرك ففرشته؟ هل ذهبت إلى قبرك فنورته فقد نصب الله، تبارك وتعالى، لعباده حججا عقلية وساق إليهم حججا سمعية آمرةً بعبادته زاجرة عن عبادة غيره وجعل سبحانه وتعالى عبادة غيره عبادة للشيطان لأنه أي الشيطان هو الآمر بها والمزيّن لها، وجعل طاعة الشيطان عباده للشيطان لأن مفهوم العبادة أساسه الطاعة، وقد ساق الله، تبارك وتعالى، الحجج الكثيرة في سورة يس ما لا يدع مجالا لكفر كافر وما لا يدع مجالا لحجة منكر يقول الله، تبارك وتعالى:
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا۟ ٱلشَّيْطَـٰنَ ۖ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ﴿60﴾
وَأَنِ ٱعْبُدُونِى ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ ﴿61﴾
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّۭا كَثِيرًا ۖ أَفَلَمْ تَكُونُوا۟ تَعْقِلُونَ ﴿62﴾
هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴿63﴾
ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿64﴾
ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿65﴾
وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴿66﴾
وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مُضِيًّۭا وَلَا يَرْجِعُونَ ﴿67﴾
ويبدأ الحساب ومن غريب أن القرآن يحكي لنا أن الكفار يكذبون على الله يوم القيامة كما يكذبون عليكم في الدنيا (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًۭا فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ (١٨)) [سورة المجادلة آية: ١٨] يقول أحدهم: والله ربنا ما كنا مشركين، يحلفون بالله له في هذا الموقف والله ربنا ما كنا مشركين ويؤتى بالصحف وتظهر الأعمال، (وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ ) [سورة الكهف آية: ٤٩]، ومع ذلك الجدال والكذب والادعاء حتى أن أنس بن مالك، رضي الله عنه، يحكي لنا فيما يرويه عنه الإمام مسلم في صحيحه يقول: (كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَضَحِكَ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنْ الظُّلْمِ، قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ).
يقول الله، تبارك وتعالى: (ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (٦٥)) ولو لاحظتم لوجدتم في الآية التعبير بالكلام للأيدي وبالشهادة وللأرجل فنسب الكلام للأيدي ونسب الشهادة للأرجل لأن الحاضر إذا تكلم عن غيره فكلامه شهادة وكلام الفاعل على نفسه إقرار، ولما كانت الأيدي هي التي تكتسب وترتكب وتفعل فهي فاعلة نطقت وتكلمت وأقرت بما فعلت، ولما كانت الأرجل حاضرة شاهدة شهدت على العبد بأفعاله لذا يقول: (ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (٦٥)).
ثم يقول الله، تبارك وتعالى، مبينا أمرين، الأمر الأول منتهى اللطف الرحمة الواسعة والإمهال والحلْم، أيضا يبين ربنا، تبارك وتعالى، القدرة على المؤاخذة الفورية والعقوبة الشديدة فيقول: (وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مُضِيًّۭا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)) نعم لو شاء الله لطمس على الأعين الطمس المحو المسح الطميس من الناس والمطموس: الأعمى الذي ليس بين جفنيه شق الأعين مسدودة ليس هناك شق في العيون ذاك هو الطميس والمطموس ومن طمس الأثر محو الأثر فربنا يقول: (وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ) أعميناهم وأذهبنا البصر منهم فوراً (فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ) الصراط: الطريق فتبادروا إلى الطريق إذا كان الإنسان سائرا في طريقه أو سائقا لسيارته أو راكبا وهو يبصر وفجأة اظلمت الدنيا في عينيه فجأة وبلا مقدمات فجأة طمست الأعين ماذا يفعل وهو في الطريق لا بد من حدوث الارتباك ويتخبط الناس في بعضهم ويحدث الهرج ويحدث المرج ويتبادروا إلى الطريق وينكفئ الإنسان على وجهه وهكذا إذا كان أناس في مسير في جماعة وإذا بالأعين قد عميت فجأة يتخبط الناس في بعض ويحدث ما تتخيل وما تتصور فيقول الله، تبارك وتعالى، مهددا مبينا أيضا الحلْم بالإمهال والرحمة بالتأجيل: (وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مُضِيًّۭا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)) كيف يبصرون الطريق وكيف يعرفون الرجوع إلى بيوتهم أو لاستكمال سفرهم أو استكمال طريقهم وقد مُسحت الأعين من يأتيهم بأعين غير أعينهم، من يفتح لهم الأعين مرة أخرى من يأتيهم بالبصر الذي أذهبه الله، أي أن الله، تبارك وتعالى، قادر على أن يفعل ذلك لكنه لم يفعل رحمة بالخلائق إمهالا لهم ولعل العاصي يتوب، ويقول عبد الله بن سلام، رضي الله عنه: إن هذا الأمر في يوم القيامة وقد يعني الكلام هذا أيضا التهديد في الدنيا، أو هو مما يحدث لهم يوم القيامة يقول عبد الله بن سلام، رضي الله عنه: إذا كان يوم القيامة ومد الصراط والصراط جسر ممدود على حافتي جهنم أدق من الشعر وأحد من السيف عن يمينه وشماله كلاليب كالخطاطيف تخرج من النار وتخطف الناس من الصراط توقعهم في قعر جهنم فمن الناس من يمر مر البرق الخاطف ومن الناس من يمر مر الريح ومن الناس من يمر مر الراكب المسرع ومن ومن ومنهم فمُسلَّم ناج مُسلَّم وهناك مخدوش ناج ولكنه خدش ومنهم من هو مكردس في النار فإذا كان يوم القيامة ومد الصراط نادى المناد ليقم محمد، صلى الله عليه وسلم، وأمته فيقومون برهم وفاجرهم يتبعونه، يتبعون النبي، صلى الله عيه وسلم، يتبعونه ليجوزوا الصراط فإذا صاروا عليه على الصراط طمس الله أعين فجارهم فمن أين يبصرون الصراط ويجوزونه، (وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ (٦٦)) فالكلام عن الدنيا والكلام أيضا عن يوم القيامة (وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مُضِيًّۭا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)) (مَضياً) قراءات المسخ: تحويل الخلقة إلى حجر أو جماد أو بهيمة وقد مسخت أمم قردة وخنازير فربنا، تبارك وتعالى، يقول: (وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ) ولو شاء الله، تبارك وتعالى، وهم في مكانهم يباشرون معصيتهم يصبحون أحجارا يفقدون الحراك حجر جماد كما هم على أوضاعهم ويأتي الناس ويحملونهم وينظر إليهم الخلائق أليس الله بقادر؟ بلى قادر وهو يقول: (وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ) في وضعهم وفي مكانهم وهم يباشرون المعاصي يجترئون على القوي القهار يغفلون عن المنعم المتفضل الرزاق (وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ) لا يستطيعون حراكا لأن مسخ جمادا أو حجرا أو بهيمة كيف يقبل وكيف يدبر (فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مُضِيًّۭا) أي ذهابا واستمرارا واستكمالا لما هم فيه من المعاصي أو تحركا للأمام ولا رجوعا لحالتهم التي كانوا عليها من حسن الخلقة (ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ (٧)) [سورة الانفطار آية: ٧]، لا يستطيعون الرجوع إلى الخلقة المعتدلة المعتدلة التي خلقك الله، تبارك وتعالى، عليها، ولا يستطيعون الرجوع إلى أهلهم أو إلى بيوتهم.
أيها الأخ المسلم كلما عصيت الله، تبارك وتعالى، تذكر أن الله، تبارك وتعالى، قادر على أن يمسخك في مكانتك وقد فعل ومسخ القردة والخنازير عصاة من بني إسرائيل كم من أمة مسخت.
وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴿68﴾
فإن الكتابة والقراءة أمر مطلوب ومستحب وأن يكون الإنسان جاهلا بالقراءة والكتابة فذاك نقص فيه وكذا قرض الشِعْر والتمكن من ذلك ميزة وعلو في اللغة وفي الفكر حيث تجود القريحة بالمعاني والتصور والخيال بديع الكلام وإن من الشعر لحكمة وعدم قرض الشعر يعتبر إلى حدٍ ما نقص في فن اللغة، أما الأمر بالنسبة للنبي، صلى الله عيه وسلم، فقد كان عدم معرفته باللغة من حيث قرض الشعر فضيلة وعدم معرفته للقراءة والكتابة فضيلة، فهي له فضيلة ولنا عيب ونقيصة، ولذا يقول الله، تبارك وتعالى: (وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍۢ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ ) [سورة العنكبوت آية: ٤٨] هذا ليس عيبا في القراءة والكتابة ولا يعيب المرء أن يكون قارئا كاتبا فعدم المعرفة بالقراءة والكتابة للفرد العادي نقيصة وللمصطفى، صلى الله عليه وسلم فضيلة وكذلك الشعر ليس عيبا في الشعر أن النبي، صلى الله عيه وسلم، لا يقوله وإنما هو فضيلة للنبي، صلى الله عيه وسلم، وحتى لا يرتاب المبطلون، لذا يقول الله، تبارك وتعالى: (وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍۢ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًۭا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ (٤٨)) [سورة العنكبوت آية: ٤٨]، قد يقرأ ويكتب ويعرف القراءة والكتابة نقل عن غيره كذلك الشعر يقول الله، تبارك وتعالى، مبينا تلك المزية والفضيلة للنبي، صلى الله عيه وسلم:
وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنۢبَغِى لَهُۥٓ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ وَقُرْءَانٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿69﴾
لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّۭا وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿70﴾
أيها الأخ المسلم لقد بعث الله، تبارك وتعالى، محمدا، صلى الله عليه وسلم، فهدى الناس من الضلالة إلى الهدى ومن الكفر إلى الإيمان فاستجاب له من استجاب فحيى بالحق من كان ميتا ومات بالباطل من كان حيا ثم خلت النبوة وجاءت الخلافة الرشيدة على منهاجها ومضت الخلافة، وجاء الملك العضوض، كل تملّك وتملك وعض على ملكه وغفل الملوك عن المَلِك الحق فحكموا بشرعهم وغفلوا عن شرع الله، تبارك وتعالى، القرآن دين ودنيا الشرع دين ودنيا فقد تولانا الله، تبارك وتعالى، في كتابه الكريم من المهد إلى اللحد بل من قبل ذلك وبعد ذلك حيث تولاك وأنت في بطن أمك بل وأنت في صلب أبيك فقص عليك (فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِن مَّآءٍۢ دَافِقٍۢ (٦)) [سورة الطارق آية: ٥- ٦]، في الأصلاب بل من البداية.
(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [سورة الأعراف آية: ١٧٢]، وتولاك ورعاك وأقامك وعدلك وأفهمك وحدّثك وكلمك وعهد إليك ووصاك دين لك كيف وكيف كيف الأكل وكيف المشارب كيف الحلال وكيف الحرام العلاقات بين الأب والابن بين الرجل وامرأته جعل لكم سكنا من أنفسكم الزواج والطلاق والمعاملات والتجارة والربا والحلال والحرام وما أحله وما أباحه وما حرمه وما منعه المحظورات والممنوعات والمبيحات ثم تولاك وحدثك وكلمك عن الموت (وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ ۖ ) [سورة ق آية: ١٩] وبين لك من الذي يتوفاك بالليل ومن الذي يتوفاك حين الموت شرح لك كل شيء حتى الموت ثم السؤال في القبر ثم ما بعد القبر وحياة البرزخ ثم بين لنا يوم القيامة والصراط إذا مد وأقيمت الموازين (فَٱلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)) [سورة يس آية: ٥٤]، ثم بيّن كيف يتفرقون ويتميزون (وَٱمْتَـٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ (٥٩)) [سورة يس آية: ٥٩]، فريق في الجنة وفريق في السعير، ذاك هو القرآن، فكيف تبتغي الهدى في غيره كيف تبتغي الحكمة في غيره؟ كيف تشرِّع لنفسك وأنت ناقص وقد شرّع لك الكامل؟ كيف تشرِّع لنفسك وأنت مصنوع وقد شرع لك الصانع، والصانع أدري بصنعته؟ كيف تبتغي الأحكام من فلاسفة الدنيا ومدَّعي الحكمة ومدَّعي العلم كيف تفاضل وتحكم بين الناس بشريعة وضعتها الأيدي والعقول بالهوى والغرض وتترك شرع الله كفى أن الله، تبارك وتعالى، هو المحاسب يوم القيامة بغض النظر عن الشرائع والمقارنة بين شرع الله وشرع الناس لا تقارن وإن كانت المقارنة ممنوعة ذاك شرع الله الخالق العالم وذاك شرع الناقص المصنوع الجاهل المتبع للهوى بدليل أن الناس لم يتفقوا على شريعة ولا شرع ولا أحكام فأحكام الدول الشيوعية تخالف أحكام الدول الرأسمالية في كل شيء وكل دولة بحسب نظامها، وكل دولة بحسب هوى رئيسها، لم يتفق الناس على شيء إذا فهم في خلاف والخلاف هو الباطل أما الله، تبارك وتعالى، فقد شرع شرعا واحد للناس الحق المطلق، ومع كل ذلك أما يكفيك أنه يوفقك يوم القيامة ويسألك كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته كفى بهذا دافعا لطاعة الله وللحكم بما أنزل الله.
من أعظم الأخطاء وأجّلها أن تقاس قدرات الله، تبارك وتعالى، على قدرة البشر وأن يحكم على الله، تبارك وتعالى، في قدرته أو في علمه أو إرادته بما يحكم به على البشر، فكما أن الله، تبارك وتعالى، ليس كمثله شيء فهو كذلك ليس في مثل قدرته قدرة وليس لمثل علمه علم وقياس قدرة الله، تبارك وتعالى، على قدرة البشر خطأ ووقع فيه الجاهلون ووقع فيه المشركون وربنا، تبارك وتعالى، يسوق من الآيات ما يدلل على أنه الواحد القادر القهار وأن ما يصنعه الله لا يصنعه أحد من خلقه وبقليل من التفكر أو التأمل يتضح لك أن الموجودات والتي كانت لم تكن أوجدها الموجود الأزلي الحق بإرادته، سبحانه وتعالى، حيث شاء وكيف شاء وفي هذه السورة سور يس والتي نحن بصددها يضرب الله، تبارك وتعالى، الأمثال ويسوق الحجج ويسوق البراهين حتى لا تكون للمشركين حجة يقول الله، تبارك وتعالى:
أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَـٰمًۭا فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ ﴿71﴾
وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴿72﴾
وَلَهُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ وَمَشَارِبُ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴿73﴾
وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةًۭ لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ﴿74﴾
لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌۭ مُّحْضَرُونَ ﴿75﴾
فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿76﴾
أَوَلَمْ يَرَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿77﴾
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًۭا وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ ۖ قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌۭ ﴿78﴾
قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴿79﴾
ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلْأَخْضَرِ نَارًۭا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ﴿80﴾
أَوَلَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ ﴿81﴾
إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ﴿82﴾
فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿83﴾
ثم يلفت النظر إلى الضخامة والعِظم في الإيجاد (أَوَلَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ) على ضخامتها وعظمها وكل ما فيها والكواكب السيارة والنجوم والأفلاك والشموس والأقمار (بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ ) مثل هؤلاء الكفار المنكرين، خلق الإنسان أكبر أم خلق السموات والأرض أكبر ربنا، تبارك وتعالى، يقول: (لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)) [سورة غافر آية: ٥٧]، فالذي خلق السموات والأرض أليس هذا بقادر على أن يخلق مثل هؤلاء الكفار المنكرين؟ لم يتركهم ليجيبوا بل أجاب هو، سبحانه وتعالى، حيث لا إجابة سواها حيث قال: (بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ (٨١)) لأن "بلى" لأن كلمة بلى إجابة على السؤال إذا قدم بصيغة النفي (أَوَلَيْسَ)، (بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ (٨١)) (بلى وهو الخالق العليم) قراءتان (بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ (٨١)) الخلاّق لأن الله، تبارك وتعالى، خلق وخلق من الأزل ولا زال يخلق وسوف يخلق (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)) [سورة النحل آية: ٨]، فهو قادر على أن يخلق مثل هؤلاء المنكرين الجاحدين ويعيدهم بعد الفناء كما بدأهم من غير مادة من غير شيء (إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (٨٢)) أي إنما شأنه (إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا) إذا أراد إحداث شيء أو إيجاد شيء أو تغيير شيء (أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (٨٢)) أمر لمأمور بالوجود فيوجد بعد أن لم يكن موجودا، سبحانه وتعالى، أمره بين الكاف والنون الله، تبارك وتعالى، ليس محتاجا لأداة وليس محتاجا لجارحة وليس محتاجا لمادة وليس محتاجا لمزاولة عمل، وإنما هو إذا أراد شيئا فإنما أمره كلمة كن فيكون (فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)) (وإليه تَرجعون) (وإليه يرجعون) نعم إليه المرجع والمآب.
أيها الأخ المسلم عد إلى الله وتب إليه وتأمل في خلقه، واعلم أنك موقوف بين يدي ربك مسئول عن عملك، سائلك عما استخلفك فيه واسترعاك، فتب إلى الله وارجع إليه.
واعلم أيها المسلم أن الله، تبارك وتعالى، لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها قادرا مع تأخر المقدورات عالما مع تأخر المعلومات، وكل ما يقتضي الاستقبال في قوله
، تبارك وتعالى: (إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (٨٢)) فهو بحسب المأمورات إذ المحدثات تجيء بعد إن لم تكن وربنا يوجد المحدثات ويوجد الموجودات بإرادته وهو مريد من الأزل والمعنى الذي تقتضيه كلمة كن قائم بالذات العليا من الأزل والآية (إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (٨٢)) (كن فيكونَ) فيكونُ مرفوعة على الاستئناف ومع ذلك أن الأشياء وتوجد بعد الأمر يقول كن ويكون الوجود بعد القول فإذا قال للشيء كن كان، الوجود متأخر عن الأمر، فيكونَ بالنصب معطوفة على يقول، وهنا يصبح الوجود ملازم للأمر لا يتقدم عن الأمر ولا يتأخر عنه وعليه لا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر ولا يكون الشيء موجودا إلا وهو مأمور بالوجود والسؤال قول الله، تبارك وتعالى، كن للشيء إن كانت المقولة قبل الوجود حال العدم فكيف يخاطب عدما؟ وكيف يأمر وليس هناك مأمور؟ لم يوجد بعد، لم يكم فكيف يأمر بغير مأمور، يقول: لماذا؟ كيف ولم يكن موجود، وإذا كان الأمر للشيء بعد الوجود فكيف يقول لموجود كن وهو موجود فتلك حال لا يصح فيها الخطاب، سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء آية معجزة إما أن الأمر كن فيكون لموجودات وليست معدومات والآية غير خاصة بالإنشاء من العدم، وإنما هي خاصة بمخاطبة الموجودات كقوله، تبارك وتعالى، لعصاة بني إسرائيل: (كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ (٦٥)) [سورة البقرة آية: ٦٥]، إذا فقوله للشيء إن أراده أن يقول له إذا فالشيء موجود وتصبح الآية غير مختصة بالإنشاء من العدم وإنما هي تكوين لأشياء موجودة وتحويل كقوله لبني إسرائيل: (كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ (٦٥)) [سورة البقرة آية: ٦٥]، (إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (٨٢)) قد وقد الأشياء قبل أن تكن كائنة في علم الله، تبارك وتعالى، متصورة لديه فهي وإن لم تكن موجودة معدومة في الوجود إلا أنها كائنة في علمه فصح أن يخاطبها في علمه ويأمرها بالخروج من العدم إلى الوجود وهنا تصح المقولة حيث يقول للشيء المعلوم الكائن في علمه كن فيخرج من العدم إلى الوجود، ويصبح السؤال هل يقول ربنا، تبارك وتعالى، قالوا نعم قدّر الأشياء وإيجاد الأشياء وإيجاد المحدثات بكلمة كن فهو يقول فعلا كن فيكون والأمر بين الكاف والنون لا يتقدم الوجود الأمر ولا يتأخر عنه فلا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر، ولا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر ولا يكون موجودا إلا وهو مأمور بالوجود، إذاً فكأن القول كن والإيجاد من العدم إلى الوجود في غير وفت كن لا تتقدم الوجود والوجود لا يتقدم كن، كن لا تتأخر عن الوجود والوجود لا يتأخر عن كن، بل كن والوجود في وقت واحد هذا معنى لا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر ولا يكون موجودا إلا وهو مأمور بالوجود، وقدّر الأشياء وخلق الأشياء وإيجاد الأشياء بكلمة كن فعلا، وقالوا بل هو لا يقول كن وإنما هو إنفاذ لقضائه جل وعز، فالله، تبارك وتعالى، إذا قدّر وأراد للمحدثات والموجودات أن توجد وأن تحدث وأن تخلق إذا أراد ذلك وجدت وكانت وحدثت وخلقت وخرجت من العدم إلى الوجود من غير أن يقول كن مجرد الإرادة، إرادة الله، تبارك وتعالى، في إيجاد توجد الموجودات بغير احتياج لقوله كن فلا قول هناك ولكن هو تشبيه وتمثيل حين يقول كن فيكون يشبّه لنا يمثل لنا أثّر قدرته في إرادته كأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع أو توقف أو تراخي وبغير افتقار إلى مزاولة عمل أو لاحتياج آلة أو أداة فهو تمثيل نفاذ قدرته في إرادته بأمر المطاع للمطيع لحصول أو في حصول المأمور من غير تراخي من غير امتناع فهو تمثيل لنا تقريب إلى عقولنا كأنه إذا أراد شيئا قال له كن فكان بلا تراخ بلا امتناع بلا توقف، دون توقف وليس هناك كن وليس هناك قول وإنما هي قضاء أراده الله وإرادة نفذت وتحققت والأمر ما هو إلا تشبيه وتمثيل لتقريب الأمور إلى أفهامنا (إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (٨٢)) كيف؟ ليس كمثله شيء وعليه فليس كفعله شيء وليس كعلمه علم وليس كقدرته قدرة وليس كإيجاده إيجاد هو الله هل يقول كن؟ هل يأمر بالمعلوم ليكون موجودا؟ هل الأمر بين الكاف والنون؟ هل الأمر قبل الإيجاد والإيجاد متراخ عن الأمر؟ الله، تبارك وتعالى، لم يزل آمرا للمعدومات بالوجود بشرط وجودها آمرا من الأزل للمعدومات بالوجود بالشروط التي توجد بها قادر مع تأخر المقدورات عالم مع تأخر المعلومات خالق مع تأخر المخلوقات والمعنى الذي تقتضيه كلمة كن قائم بذاته من الأزل هو الله أما الإنشاء من العدم فأمر آخر والآية تتعلق بالأوامر للموجودات فعلا هل هو تشبيه هل هو خبر عام من الله، تبارك وتعالى، لجميع خلقه في شأن إحداث المحدثات وإيجاد الموجودات أنه إذا أراد إحداث شيء أو أراد إيجاد شيء أو إنشاء شيء من العدم فإنما الأمر لا يخرج عن نفاذ الإرادة ونفاذ القدرة بغير احتياج لأداة أو لآلة أو لجارحة أو افتقار لمزاولة عمل أو جهد أو تعب أو نصب وصدق ربي حيث يقول: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍۢ (٣٨)) [سورة ق آية: ٣٨]، سبحانه وتعالى، هو الله، (فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)) السبحان التنزيه من السباحة السير بسرعة في الماء أو الهواء وكأننا نسارع في تنزيه الله عما لا يليق بجلاله وكماله هو ربنا ينزه نفسه أيضا كلمة سبحان تفيد التعجب فسبحان الله هي تنزيه لله تبارك وتعالى عما يفتريه المفترون ويقوله الجاحدون وينسبون له العجز والتقصير تنزيه لله، تبارك وتعالى، عن كل ذلك وتعجب من مقالتهم وسؤالهم من يحيى العظام وهي رميم مع ما يروه من قدرة الله، تبارك وتعالى، في الإنشاء المتجدد فكل يوم فيه خلق جديد فيه إنشاء جديد فيه نبت يظهر ونبت يموت وأناس تولد وأناس تموت في كل يوم، (فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)) فسبحان من بيده ملكوت لكل شيء مفاتيح كل شيء ملكوت الملك فيه صيغة الزيادة والمبالغة كرهيون وجبروت ورحموت والملكوت المفاتح والملكوت الملك والملكوت ما ظهر وما بطن من الأشياء والموجودات بيده ملكوت كل شيء لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)) إذاً فنحن لا بد راجعون إلى الذي أنشأنا أول مرة موقوفون بين يديه سائلنا، سبحانه وتعالى، عما قدمت أيدينا فهل أعددنا أنفسنا لهذا اللقاء؟ هل أعددنا أنفسنا لهذا الاستدعاء؟ ترى أين ومتى يكون الاستدعاء ولا تدري نفس ماذا تكسب غدا ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ترى أين ومتى يكون الاستدعاء؟ وكيف يكون الاستدعاء وكيف يكون حالنا حين الاستدعاء؟ وأنت تأكل وأنت تشرب، وأنت نائم وأنت يقظان وأنت تلهو وأنت تلعبن وأنت تصلي وأنت تعصي فجأة، فجأة تستدعى إذا أخذك لم يفلتك، أين ومتى وكيف يتم هذا الاستدعاء وكيف يكون حالك حين الاستدعاء؟ مكشوف العورة مفضوح عار عاص في سريرك على الطريق من يكون بجوارك ليلقنك الشهادة أو يشمت فيك أو يفضحك أو يداريك من؟ هل أعددت نفسك لهذا اليوم ولهذه اللحظة؟ أبدا، أبدأ ولا والله إلا أن نرجو رحمة الله.