القرآن الكريم / سورة يس / التفسير المقروء

سورة يس

مقدمة‬
‫فلقاؤنا مع القلب، نعم لقاؤنا مع القلب، ولكل شيء قلب و(يس قَلْبُ الْقُرْآنِ)، سورة يس، وقيل في شأنها الكثير‫:‬ (مَنْ قَرَأَهَا نَهَارًا كُفِيَ هَمَّهُ، وَمَنْ قَرَأَهَا لَيْلًا غُفِرَ ذَنْبُهُ)، سورة يس (مَا مِنْ مَيِّتٍ يُقْرَأُ عَلَيْهِ سُورَةُ يس إِلَّا هَوَّنَ اللهُ عَلَيْهِ)، تكشف بها الكربات، تقضى بها الحاجات، تنال بها أعلى الدرجات، سورة يس من قرأها في المقابر هوّن الله على أهلها بقراءته وكان له بعدد أهلها حسنات، سورة يس أمير السور، فقلب الإنسان أمير سائر الجسد القلب أمير لسائر الجسد، وسورة يس أمير لسائر السور، وهي مشتملة على كل القرآن، سورة يس، ولولا أن أطيل عليكم لقلت فيها الكثير والكثير، ومما ورد في شأنها ما رواه ابن ماجه والترمذي والماوردي وغيرهما كثير كثير كثير، قالوا‫:‬ فيها إنها شفاء وإنها تكتب على الأوراق وتوضع في الماء فإذا شربها الإنسان كانت له شفاء من كل داء وكانت له كذا وكذا، قيل في شأنها الكثير، ومنها حديث ساقه الماوردي حيث قال‫:‬ إن النبي، صلى الله عيه وسلم، أمر وقال‫:‬ (اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ) فيها الكثير وفيها الخير وفيها البركة‫.‬‬
‫(يسٓ (١)) [سورة يس آية‫:‬ ١]‬
‫(يسٓ (١)) كيف تُقرأ وما معناها؟ قرأوها (يسٌ والقرآن الحكيم) بالوصل والإدغام على أصل اللغة العربية حيث إن النون والواو حرفان يدغمان في بعضهما (يسٌ والقرآن الحكيم) ومن قرأ هكذا قال‫:‬ هي قَسَم أقسم الله به، وقرأها بعضهم (يسَ والقرآنِ الحكيمِ ) بالفتح بالنصب مبنية على الفتح أو مفعول، أي اذكر يسَ، وقرأها بعضهم (يسِ والقرآن الحكيم) واعتبرها قسمًا أقسم الله به (وَٱلْقُرْءَانِ) واو العطف وأقسم أيضا بالقرآن فأقسم بشيئين أقسم بيس ما هو يس؟ ما هو؟ لم ندر بعد، أقسم بيس وأقسم بالقرآن الحكيم فقرأ (يسِ والقرآنِ الحكيم) أو (يسَ) أي اذكر يسَ، (والقرآن الحكيم) وكأن يس اسما لشيء، وهناك من قرأ (ياسينُ والقرآنِ الحكيم) ياسينُ إذاً فهي نداء، لمن؟ قيل لمحمد، عليه الصلاة والسلام، فهي اسم من أسمائه، وقال بعضهم بل هي بمعنى يا إنسان وأصلها يا إنسين فاختصرت يس فتقرأ يسُ، وقيل يسُ بمعنى يا سيد البشر فهي نداء يسُ يا رجل يسُ يا محمد إذاً فقراءة ياسينُ ياسينَ ياسينِ يس والقرآن الحكيم كل تلك القراءات تدل على معان مختلفة وهناك قراءة قرأها لكم القارئ اليوم حيث قال (يس والقرآن الحكيم) بالسكون، بالإسكان وهكذا حروف الهجاء في اللغة العربية يجب السكون عليها، وطالما قرأها كذلك (يس) وسكت حكمها إعرابا وقراءة ومعنى حكم (حم) وكذا (طس) وكذا (طه ) وكذا (ص) وكذا (ق) وكذا (ألم) وهكذا (يس) حكمها في هذه القراءة حكم فواتح السور ويقال فيها ما قيل في فواتح السور فقد افتتحت السور بحرف واحد ص ق (نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)) [سورة القلم آية‫:‬ ١] وافتتحت بحرفين طس طه حم يس وافتتحت بثلاثة حروف ألم والر أيضا طسم وافتتحت أيضا بأربعة حروف المر المص وافتتحت بخمسة كهيعص وحم عسق، فيس كذلك من فواتح السور لا يعلم سرها إلا الله ولكل كتاب سر وسره في القرآن فواتح السور وهي القراءة المعتمدة هنا في مصر في مصاحفكم قراءة حفص، وهذا لا ينفي أن هناك قراءات أخرى (ياسينُ ياسينَ ياسينِ) نحن لا ننفيها وقلناها لأمانة العلم، يس اسم الله قول من الأقوال، يس اسم للنبي، صلى الله عيه وسلم، يسِ حرف نداء يا سيد البسر يا إنسان، ياسينِ قَسَم أقسم الله، تبارك وتعالى، به، ومن اعتبر كلمة يس اسم من أسماء الله دخل في حكم هام، أيصح أن يسمى الإنسان بهذا الاسم؟ فيقال فلان ما اسمه اسمه يس حرمها الإمام مالك وقال‫:‬ إنه يصح للإنسان أن يسمى باسم من أسماء الله، تبارك وتعالى، فيه بعض معانيه ككريم فلان كريم عالم قادر رحيم وهكذا، هناك من أسماء الله، تبارك وتعالى، ما يشترك الإنسان في بعض معانيها، فيصح التسمِّي بها، وهناك أسماء وصفات يختص الله، تبارك وتعالى، نفسه بها فلا يصح التسمي بها مثال (الرحمن) (قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُوا۟ ٱلرَّحْمَـٰنَ ۖ أَيًّۭا مَّا تَدْعُوا۟ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ١١٠]، فلا يصح التسمِّي باسم الرحمن لكن يصح أن يسمى بكلمة رحيم، لكن الرحمن اسم مختص به الله، الله كذلك، فهل ياسين كذلك؟ يقول الإمام مالك‫:‬ إن ياسين لا يدرى معناها ولا يعلم على أي شيء يدل من الصفات، وطالما كان الأمر كذلك فربما اشتمل على صفات تختص بها الذات العلية وهنا يحرم التسمي بهذا الاسم، وقال بعضهم وكيف ذا وما الدليل على أنها اسم من أسماء الله؟ ولرفع الإشكال قالوا‫:‬ إن سميت ابنك بهذا الاسم " ياسين " وجب أن يكتب بحروف التهجي "ي ا س ي ن" ياسين بحروف التهجي، ولا يصح مطلقا أن تسميه بما يكتب يس أي ياء وسين كما تكتب في المصاحف، فإن كتبتها بحروف التهجي خرجت من الإشكال وابتعدت عن الحرمة، فاحرصوا على كتابتها بهذا الشكل بحروف التهجي "ي ا س ي ن"، أما كتابتها بحرفين فقط فهذا مختص به الاسم لله، تبارك وتعالى، أو مختص به الآية فهي آية يس في المصحف آية ما الدليل؟ وما الفارق في التهجي طالما كان النطق واحدا؟ فما الفرق وأين الدليل على ذلك؟ الدليل من القرآن تجد ربنا، تبارك وتعالى، في محكم كتابه في موضع آخر في سورة الصافات في قصة إلياس قال‫:‬ (سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٣٠] تقرأ هكذا آل ياسين، وكتبت في المصاحف ي اس ي ن آل ياسين أي آل محمد، عليه الصلاة والسلام، بعضهم قال هكذا، وبعضهم قال‫:‬ (آل ياسين) أي آل إلياس الذي نحن بصدده في سورة الصافات والتي قص الله، تبارك وتعالى، علينا (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًۭا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ (١٢٥) ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ (١٢٩) سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٢٣- ١٣٠]، إذاً "ياسين" إذا كتبت بحروف التهجي جاز أن تطلق على البشر، أما إذا كتبت بحرفين فقط فلا يصح مطلقا أن تطلق على البشر هذا في شأن افتتاحية السورة وفيها المزيد من الكلام وفي هذا قدر الكفاية‫:

يسٓ ﴿1﴾ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ ﴿2﴾ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿3﴾ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿4﴾ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴿5﴾ لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ ﴿6﴾
‫(وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ (٢)) إن كانت يس قسما فالواو هنا واو العطف (يسٓ (١)وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ (٢)) قسم معطوف على قسم، وإن كانت يس من فواتح السور التي لا نعرف معناها أو حرف نداء أو، أو، أو، فالواو هنا واو القسم ليست واو العطف (وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ (٢)) وهنا يبدأ القسم أقسم الله أ تبارك وتعالى، بالقرآن الحكيم، القرآن كتاب الله المرسل على سيد الخلائق أجمعين رحمة للعالمين، القرآن كلام الله القديم القائم بذاته والذي لا يقبل الانفصال أو الافتراق بالانتقال والحلول في الأوراق، القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، (وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ (٢)) والحكيم أي المحكم فقد قال ربنا، تبارك وتعالى‫:‬ (الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ) [سورة هود آية‫:‬ ١]، إذاً فالقرآن الحكيم أي القرآن المحكم في معناه ومبناه فلا يتطرق إليه ولا يتعرض للبطلان أو الخلل أو الاختلال، فهو محكم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا يعترض أو يتعرض للبطلان، ولا يتعرض للاختلال أ الاختلاف، محكم في نظمه، محكم في لفظه، محكم في معناه، والحكيِم هنا بمعنى المحكم، أما إذا أطلق لفظ الحكيم على الذات العلية إذاً الله العليم الحكيم فلا تعني المحكم وإنما تعني المحكم الذي يحكم كل شيء كقولك أليم بمعنى مؤلم، فحكيم بمعنى محكم، هذا إذا كانت مطلقة على الذات العلية هو العليم الحكيم أما في شأن القرآن فهي بمعنى المحكم (إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ (٣)) والخطاب توجّه للنبي، صلى الله عيه وسلم، مباشرة بعد القسم، بما أقسم الله، تبارك وتعالى؟ أقسم بكلامه أقسم ياسين لا يدري معناها فلنترك يس ونفوض الأمر فيها والعلم لله، تبارك وتعالى، أما (وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ (٢)) فذلك قسم متفق عليه قسم، فبمَ أقسم الله؟ أقسم بكلامه وفضل كلام الله، تبارك وتعالى، على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه إذاً فقد أقسم الله، تبارك وتعالى، بأفضل شيء على الإطلاق الكلام القديم كلام الله، تبارك وتعالى، القائم بذاته الذي لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال والحلول في الأوراق قسم لو تعلمون عظيم، من أعظم أو هو أعظم قسم، لا يساويه إلا القسم بالذات العلية لأن القرآن كلام الله والقسم بكلامه كالقسم به، لأنه هو كلامه، كلامه في ذاته، أقسم هذا القسم العظيم مؤكدا أن محمدا، صلى الله عليه وسلم، من المرسلين (إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ (٣))، نعم كفى بالله شهيدا، كفى بالله شهيدا، أتذكرون في سورة الرعد حدثتنا الآيات عن قريش حين قالوا للنبي، صلى الله عيه وسلم، (وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَسْتَ مُرْسَلًۭا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ (٤٣)) [سورة الرعد آية‫:‬ ٤٣]، كفى بالله شهيدا فأقسم الله، تبارك وتعالى، بكلامه (يسٓ (١) وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ (٣)) فإذا قالوا لك لست مرسلا فأنا أقول وأقسم (وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (٤))، أهمية قصوى لهذه الشخصية العظمى الكمال البشري في أجلى معانيه محمد رسول الله سيد الخلائق، أرأيتم قسماً كهذا القسم في شأن نبي من الأنبياء، أرأيتم العظمة عظمة سيد الخلق نبي الرحمة نبي الملحمة سيد البشر سيد الأنبياء سيد ولد آدم يحشر الناس على قدمه يوم القيامة (إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (٤)) معنيان‫:‬‬
‫إنك لمن المرسلين الذين أرسلوا على طريق الاستقامة، أي المرسلين على صراط مستقيم متعلق بها أي إنك لمن المرسلين الذين أرسلوا على طريق الاستقامة أي من المرسلين على صراط مستقيم أو إنك لمن المرسلين وإنك على صراط مستقيم فاللغة تحتمل المعنيين وسبحان من أنزله كذلك يجتهد فيه العلماء ويتميز به الناس ويتفاضل به المجتهدون، كل يرى فيه ما يراه إنك لمن المرسلين وإنك لعلى صراط مستقيم كما قال في موضع آخر (إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًۭى مُّسْتَقِيمٍۢ (٦٧)) [سورة الحج آية‫:‬ ٦٧]، (تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ (٥))، تنزيلُ تنزيلِ تنزيلَ ثلاث قراءات (تَنزيلُ العزيز الرحيم) أي هو هذا القرآن هو تنزيلُ العزيز الرحيم خبر لمبتدأ محذوف العلم واسع وجزى الله العلماء عنا كل خير لولاهم ما علمنا شيئا، (تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ (٥)) بدل من كلمة القرآن (وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ (٢)) تنزيلِ بدل من كلمة القرآن بالجر (تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ (٥)) أي نزّله الله تنزيلا فهي مصدر مضاف فعرِّف بالإضافة أي نزل الله هذا القرآن عليك تنزيلا‫.‬‬
‫العزيز‫:‬ المنتقم ممن خالفه الرحيم بمن أطاعه العزيز المعاقب لمن عصاه واتبع هواه، الرحيم لمن أطاع واتبّع هداه، العزيز الغالب القوي العزيز‫:‬ النادر المعدوم المثال، العزيز‫:‬ القوي القاهر الذي لا يغلب الذي لا يدرك (لِتُنذِرَ قَوْمًۭا) العلة في الإرسال (لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ (٦)) "ما" نافية والمعنى لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم أي لم يُنذر الآباء من قبل، كما قال الله، سبحانه وتعالى، في سورة سبأ وكنا معها بالأمس القريب (وَمَآ ءَاتَيْنَـٰهُم مِّن كُتُبٍۢ يَدْرُسُونَهَا ۖ وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍۢ (٤٤)) [سورة سبأ آية‫:‬ ٤٤]، إذاً لتنذر قوما آباؤهم أي لم يُنذر الآباء ولم يأتهم نذير(فَهُمْ غَـٰفِلُونَ (٦)) من أجل ذلك لكن لا يدرون شيئا ولا يعلمون شيئا فأرسلناك لتنذرهم لأن الآباء لم يأتهم من قبلك نذير للآباء حتى يخبر الآباء الأنباء بأمر النذير فيتتبعونه، وإذا قرأت في بعض كتب التفسير أن كلمة "ما" لا موضع لها من الإعراب فاعلم أنه قصد بذلك أنها نافية أو "ما" هنا بمعنى الذي ويتغير المعنى (لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ) أي لتنذر قوما الذي أنذر به آباؤهم أي فقد أنذر الآباء أي لتقول لهم وتنذرهم بالذي أنذر به الآباء من قبل و"ما" هنا بمعنى الذي وليست نافية كيف؟ قالوا إذا قصد عدم الإنذار وعدم سبق إرسال النذير (لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ) إذاً فالمقصود الآباء الأقربون كأبي طالب وعبد المطلب وهكذا، لم يأتهم نذير، وإذا قصد أنهم أنذروا (لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ) أي الذي أنذر آباؤهم الآباء الأبعدون فقد جاء إسماعيل رسولا للعرب منهم وهو جد النبي، صلى الله عيه وسلم، إذاً فقد جاءهم نذير ولكن على فترة فهم غافلون عما أنذر به الآباء الأبعدون لطول الزمان وبعد الفترة‫.‬‬‬‬
لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿7﴾
كيف؟ كان الله ولم يكن شيء، وسيبقى الله، ولا يبقى شيء، كان والكون عدم ومن حكم في ملكه فما ظلم (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٧]، (مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍۢ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ٧٩]، (قُلْ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ ) [سورة النساء آية‫:‬ ٧٨]، هو الله، (قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ ۖ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٤٩]، يقول الله، تبارك وتعالى، بعد أن بيّن الله الغرض من الإرسال‫: (لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ)‬ يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)) أي قول؟ أي قول هذا الذي حق عليهم؟ لو بحثنا في القرآن لوجدنا الله، تبارك وتعالى، يقول في موضع آخر‫:‬ (وَلَوْ شِئْنَا لَـَٔاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَىٰهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)) [سورة السجدة آية‫:‬ ١٣]، هذا هو القول الذي حق عليهم، لقد قال هو عن نفسه (وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)) [سورة السجدة آية‫:‬ ١٣]، أهي كذلك؟ أم حق القول عليهم بمعنى سبق الحكم عليهم؟ وكيف يسبق الحكم عليهم ولو يعملوا بعد؟ ولم يظهر إيمانهم من كفرهم ولم يأتهم النذير؟ ها هو يقول‫: (لِتُنذِرَ)‬ ، إذاً سوف ينذر في الآت، في المستقبل لينذر أولا، لكن الله قبل أن ينذرهم محمد، صلى الله عليه وسلم، حكم عليهم‫:‬ (لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)) ، إذاً فقد سبق في العلم الأزلي أنهم لا يؤمنون إذاً لم يكتب ربنا عليهم الكفر فرضا وجبرا، وإنما علم بعلمه الأزلي أنهم لا يؤمنون، فسطر ذلك في اللوح المحفوظ، من كفرهم ولم يأتهم النذير هاهو يقول‫: (لِتُنذِرَ)‬ إذاً سوف ينذر في المستقبل لكن الله قبل أن ينذرهم محمد حكم عليهم (لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)) إذاً فقد سبق في العلم الأزلي أنهم لا يؤمنون إذاً لم يكتب ربنا عليهم الكفر فرضا وجبرا وإنما علم بعلمه الأزلي أنهم لا يؤمنون فسطر ذلك في اللوح المحفوظ ثم أرسل إليهم النذير، لم أرسل إليهم النذير وقد علم من الأزل أنهم لا يؤمنون؟ نعم، لأنه لو أدخلهم النار بعلمه، بعلم الغيب لقالوا كما أخبرنا هو عنهم‫:‬ (وَلَوْلَآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًۭا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٤٧)) [سورة القصص آية‫:‬ ٤٧]، لكيلا يقولوا هذا أرسل إليهم النذير فينذرهم فلا يؤمنون فيصدِّق العمل العلم الأزلي، فربنا يخبرنا ويخبر حبيبه المصطفى، صلى الله عليه وسلم، ويخبر كل من يعقل أنه وإن سبق في علمه الأزلي أنهم لا يؤمنون إلا أنه أرسل إليهم النذير لينذرهم كي لا تكون لهم على الله حجة (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ١٦٥]، (لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ)، والحمد لله أن قال على أكثرهم ولم عليهم لأنه لو عليهم لضاع الكل (لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ)، إذاً فهناك القليل ربنا يجعلنا من القليل (وَقَلِيلٌۭ مَّا هُمْ ۗ ) [سورة هود آية‫:‬ ٤٠]، (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١١٦]، نسألك يا مولانا أن تعلنا من القليل الذي آمن (وَقَلِيلٌۭ مَّا هُمْ ۗ ) [سورة ص آية‫:‬ ٢٤]، (لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)) كيف؟ لماذا لا يؤمنون؟ سبق ذلك في العلم الأزلي (حَقَّ ٱلْقَوْلُ) ، (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) [سورة السجدة آية‫:‬ ١٣]، ولكن كيف لا يؤمنون والكتاب نور ومحمد، عليه الصلاة والسلام، نور والبينات واضحات كيف لا يؤمنون هؤلاء كيف؟ كيف والله في كل مكان آثاره صنعته رحمته كل شيء يدل عليه، فكيف لا يؤمن هؤلاء؟ عجب العجب في عدم إيمانهم وليس العجب في الإيمان، الإيمان سهل الإيمان فطري الإيمان مفروض الإيمان كما قالت الأعرابية البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير سماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحر ذا أمواج ألا يدل كل ذلك على العليم الخبير، البعرة تدل على البعير رأيت بعرة براز الإبل رأيت بعرة دلت على ماذا؟ على أن بعيرا مر من هنا، والأثر أثر القدم على الرمل يدل على المسير البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير سماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ألا يدل كل ذلك على العليم الخبير، فالإيمان سهل فطري الإيمان مفروض، الإيمان إذا لم يطلب كان موجودا بالفطرة بالطبيعة بمجرد التأمل بمجرد الفكر ثانية لثانية واحدة تعلم أن هناك إله، ولو لم يرسل الرسل قد لا تعلم ما هي صفاته نعم لا تعلم ما أعد لعباده من عذاب أو عقاب أو ثواب نعم لا تعلم عن الجنة أو عن النار أو عن البعث نعم لا تعلم ما هو المطلوب، لا تعلم ما هو الحرام ما هو الحلال، لا تعلم كل ذلك وهذا غير مطلوب منك أن تعلمه بالعقل بل هو مطلوب أن يعلم بالشرع والنقل، فالرسل لتعلمنا صفات الله وما أعده لعباده الطائعين وما توعّد به العاصين، والحلال والحرام والأمر والنهي، أما وجود الله فليست قضية تحتاج إلى مناقشة وجود الله لا يحتاج لمناقشة، من هنا كان العجب كل العجب في عدم إيمان هؤلاء وكثيرا ما تساءلت كيف عميت الأعين عن النور كيف؟ كيف عميت عن النور العيون؟ لله في خلقه شئون، فسمعت قول الله، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ حِجَابًۭا مَّسْتُورًۭا (٤٥)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٥]، من هنا علمت كيف عميت عن نوره العيون جعل بينه وبينهم الحجاب، وإذا وضع الحجاب فلا رؤية كيف لا يؤمنون؟ يقول الله، تبارك وتعالى، مبينا الكيفية‫:‬ (إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلًۭا فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّۭا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّۭا فَأَغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)) [سورة يس آية‫:‬ ٨-١٠].‬
‫إذاً النتيجة الحتمية بعد كل هذا (وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠))، فقد أخبرنا الله، تبارك وتعالى، في سورة يس وهي قلب القرآن أن القول قد حق على أكثر الناس فهم لا يؤمنون (لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)) وقلنا أن الحمد لله، تبارك وتعالى، أن قال‫: (عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ)‬ ولم يقل عليهم وإلا لضاع الكل وسألنا الله، تبارك وتعالى، أن يجعلنا من القليل (وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ (٤٠)) [سورة هود آية‫:‬ ٤٠]، (فَشَرِبُوا۟ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۚ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٤٩]، (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ (٨٣)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٨٣] وهكذا في كل القرآن تجد أن القليل هم الناجون، نسأل الله، تبارك وتعالى، أن يجعلنا جميعا من الناجين، وقلنا أن القول الذي حق عليهم هو إما قول الله، تبارك وتعالى، (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)) [سورة السجدة آية‫:‬ ١٣]، وإما أنه العلم الأزلي والحكم الإلهي على هؤلاء الذين استكبروا عن الحق وعموا عن الآيات فحكم الله، تبارك وتعالى، عليهم بالكفر لاستحقاقهم هذا الكفر‫.‬‬
‫وتأتي الآيات لتبين لم لا يؤمنون ولم عميت الأبصار عن نور النبي، صلى الله عيه وسلم، يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬
إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلًۭا فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ ﴿8﴾ وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّۭا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّۭا فَأَغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴿9﴾ وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿10﴾
‫(إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلًۭا) الآية فيه حذف، القيد يربط به الأيدي، الغل يجمع به الأيدي إلى الأعناق ولقد وصف على بن أبي طالب لأصحابه هذا الإقماح فجمع يديه ووضعهما تحت لحيته فارتفعت الرأس إلى أعلى وانخفض البصر إلى أسفل، الإقماح‫:‬ ارتفاع الرأس مع انخفاض البصر من قولهم أُقمحت الدابة إذا شد الراكب لجامها فرفعت رأسها عنوة وخفضت بصرها ذاك هو الإقماح، هذا الغلم الضيق الذي جمع الأيدي إلى الأعماق جعل الرأس ترتفع إلى أعلى وجعل البصر ينخفض إلى أسفل، ، أي في أعناقهم وأيديهم كقوله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ) [سورة النحل آية‫:‬ ٨١]، ولم يقل سرابيل تقيكم البرد لأن هذا يدل على ذاك فالآية فيها هذا الحذف (وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّۭا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّۭا) أي من قدامهم هناك سد ومن خلفهم هناك سد (فَأَغْشَيْنَـٰهُمْ) والغشاء‫:‬ الغطاء (فَأَغْشَيْنَـٰهُمْ) : فغطيناهم (فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)) فهم لا يبصرون طريقهم، لا يبصرون الهدى، لا يبصرون النور، والآية إما مثل ضربه الله، تبارك وتعالى، لهؤلاء الكفار مثلهم بمن غلت يديه إلى عنقه فارتفع رأسه وانخفض بصره فهو لا يستطيع أن يلتفت بعنقه يمنة أو يسرة فلا يلتفتون إلى الحق، أيضا حتى العيون انخفضت فلا تبصر ما أمامها ولا يستطيع هذا المغلول أن يلتفت حتى بعينيه ليس بعنقه فقط فيتجه إلى الحق بعنقه يميل إليه، بل حتى البصر لا يستطيع أن يتحرك ويلتفت حتى ببصره إلى الحق إذا فهم في غاية الضلالة، أيضا المثال يدل على الاستكبار حيث ارتفعت الرءوس استكبارا وعلوا في الأرض بغير الحق فهو مثال يضربه الله، تبارك وتعالى، لهؤلاء وأيضا السد الذي من أمام هؤلاء الناس هو الدنيا، (وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّۭا) الدنيا زينت لهم فأعمتهم عن الحقائق وعن الحق (وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّۭا) الآخرة عموا عن البعث وغفلوا عن الجزاء والثواب والعقاب، فالدنيا من أمامهم سد، والتكذيب بالبعث من خلفهم سد، فهم عموا عن البعث والجزاء في الآخرة، وغرهم زخرف الدنيا من أمامهم فتكالبوا عليها، فعموا عن العمل للآخرة وعموا عن الإنذار بالحق والذي جاءهم على لسان الرسول، صلى الله عيه وسلم، فهو مثال ضرب لهؤلاء (إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلًۭا فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ (٨))، (وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّۭا) غرور الدنيا، (وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّۭا) التكذيب بالبعث (فَأَغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)) وقرأت (وجعلنا من بين أيديهم سُداً ومن خلفهم سُداً) والسُد والسَد بمعنى واحد، وقيل بل السُد ما صنعه الله والسَد ما صنعه البشر (فأعشيناهم) من العشى وهو ضعف البصر حتى لا يستطيع الأعشى أن يبصر طريقه ليلا العمى الليلي من شدة ضعف البصر (فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)) لا يبصرون الهدى لا يبصرون النور، قيل هذا مثال ضرب لهؤلاء تشبيها لحالهم وبعدهم عن الحق وعمى أبصارهم عن النور، وقيل بل هو إخبار عن حالهم يوم القيامة‫:‬ (إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلًۭا فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ (٨)) ذاك يوم القيامة حيث يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (إِذِ ٱلْأَغْلَـٰلُ فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ وَٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)) [سورة غافر آية‫:‬ ٧١- ٧٢]، فالكلام عن المستقبل جاء بصيغة الماضي لإفادة التحقق والوقوع وكما قال، سبحانه وتعالى‫:‬ (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍۢ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًۭا فَٱسْلُكُوهُ (٣٢)) [سورة الحاقة آية‫:‬ ٣٠- ٣٢]، فإما الآيات ضرب للمثال عن حالهم وإما الآيات إخبار عما سوف ينالهم يوم القيامة‫.‬‬
‫(وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)) آية تكررت وجاءت في سورة البقرة وجاءت في مواضع عديدة كقوله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ) [سورة المنافقون آية‫:‬ ٦]، الغريب في الآية أنه قال‫:‬ (وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ) ولم يقل سواء عليك سواء اسم، كلمة سواء تفيد معنى الاستواء وقد ينعت به كقوله‫:‬ (تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٦٤]، أي مستوية فهي تستخدم كنعت وهي تفيد معنى الاستواء أي استوى الأمر ككفتي الميزان، استوى الأمر عليهم إن أنذرتهم بالتعذيب وخوفتهم بالعقاب والحساب لا يؤمنون، وإن تركتهم ولم تنذرهم وتركتهم في غفلتهم فهم أيضا لا يؤمنون وقال‫: (وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ)‬ ولمَ لم يقل سواء عليك، الفارق في غاية الأهمية، لو قال سواء عليك لم يكن جدوى من إنذاره وكأنه يقول له‫:‬ أنذرت أو لم تنذر لا فائدة بالنسبة لك سواء عليك أي استوى الأمر في شأنك فلمَ يأمره بالإنذار؟ (لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ (٦)) إذاً حين يقول‫:‬ (وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ) معنى هذا أنه نسب إليهم الاستواء في الإنذار وعدمه، أما النبي، صلى الله عيه وسلم، فلا يستوي الأمر بالنسبة له لأنه إن أنذر فقد أطاع الله، وإن لم ينذر فقد عصى الله، فهنا الإنذار من النبي، صلى الله عيه وسلم، يوجب له الثواب لأنه أطاعه ولم يقل سواء عليك، وهنا تفيد الآية معنى هام وهو أن الرسل إن أبلغت وأنذرت أثيبت على الإنذار والإبلاغ سواءً أفاد الإنذار أم لم يُفيد الإنذار نفع أو لم ينفع آمن الناس أو لم يؤمنوا (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ٤٨]، فإن أبلغ فهو الرسول ، له ثواب الإبلاغ وجزاء الإنذار وهذا المعنى يفيد أيضا العلماء لأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، نور يستضاء به من هنا كان الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر حين زكاهم ربنا، تبارك وتعالى، في القرآن‫:‬ (ٱلْـَٔامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ (١١٢)) [سورة التوبة آية‫:‬ ١١٢]، فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أجدى أمره وأجدى نهيه أو لم يجدي الأمر والنهي له أجره، وكذلك العلماء إذا نشروا العلم وعلّموا الناس وصنّفوا الكتب جازاهم الله، تبارك وتعالى، على جهدهم أتى الجهد بالثمار أو لم يأت لأن النتائج من فعل الله هو الفعال لما يريد ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، من هنا كانت اللفتة في التعبير (وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠))، وقلنا إذا كان الله، تبارك وتعالى، قد علم من الأزل أنهم لا يؤمنون واستوى الأمر عليهم أُنذروا أو لم ينذروا لا يؤمنون فلم أرسل النذير والرسل ينذرون ويبشرون، وجاء بكلمة الإنذار فقط ولم يأت بكلمة التبشير فالنبي، صلى الله عيه وسلم، أرسل مبشرا ونذيرا لأن الإنذار أصل وأساس ودفع الضُر أولى من جلب النفع، فالإنذار أبلغ أثرا مع الناس، الإنذار أبلغ أثرا من التبشير، لأن دفع الضُر أولى من جلب النفع، وكلمة الإنذار تدل أيضا على قرينها وهو التبشير، لم أرسل الله، تبارك وتعالى، لهم النذير وقد علم من الأزل أن الأمر مستوٍ لديهم أءنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ١٦٥]، (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٤٦)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٦]، لأنه لو أدخلهم النار بعلمه الأزلي من قبل أن يبتليهم بالدنيا ومن قبل أن يرسل إليهم رسولا لقالوا‫:‬ (رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًۭا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٤٧)) [سورة القصص آية‫:‬ ٤٧]، فأراد ربنا، تبارك وتعالى، بالإنذار مع علمه بعدم إيمانهم أن يلزمهم الحجة وأن يثيب الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، على قيامه بالإنذار.
إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍۢ وَأَجْرٍۢ كَرِيمٍ ﴿11﴾
‫(إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ) جاء التبشير مع من؟ مع من خاف، ومن خاف سلم، أي من اتبع القرآن وصدّق به وتأمَّل الآيات وعمل بما جاء فيه فأحل حلاله وحرم حرامه هذا ينفع معه الإنذار(إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ) فإن أنذرته فخاف واتبع الذكر (وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ۖ ) منتهى الرحمة واللطف والتلطف مع الطائعين ولم يقل وخشي الجبار أو خشي المنتقم كتلطف إبراهيم مع أبيه حين كان يدعوه حيث قال له‫:‬ (يَـٰٓأَبَتِ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌۭ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ) [سورة مريم آية‫:‬ ٤٥].‬
‫(وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ۖ ) أي خشي عقاب الله، تبارك وتعالى، وقد غاب عنه العذاب لم يره أرأيتم النار؟ لم تروها، فكيف تتعوذون بالله منها؟ إذاً فقد خشيتم أنتم بالغيب، لم نر النار ومع ذلك نخشاها، لم نر العقاب ومع ذلك نخشاه إذاً فنحن نخشى الله، تبارك وتعالى، بالغيب حيث غاب عنا عذابه وعقابه وغابت عنا ناره ذاك هو الخشية بالغيب، أو (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ۖ ) أي غائبا عن الناس في خلوته فمن الناس من يمثل الخشوع ويدّعي التقوى والصلاح والخوف من الله أمام الناس، فإذا خلى بنفسه سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، نعم (وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ ﴿٢۰٤﴾) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢۰٤]، فمن خشي الرحمن بالغيب أي خشي الرحمن في خلوته وهو غائب عن الخلائق (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍۢ وَأَجْرٍۢ كَرِيمٍ (١١)) رغم أنه اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب إلا أن الله يقول‫:‬ (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍۢ ) مغفرة لأي شيء؟ اتبع الذكر اتبع القرآن فأحلّ حلاله وحرّم حرامه ذاك هو المتبع اتبع سنة النبي ، صلى الله عيه وسلم، وتأسّى به وتتبع آثاره وخطواته فيغفر له، يُغفر له ماذا؟ يُغفر له الصغائر يغفر له الخطرات يغفر له الوساوس يغفر له التقصير، إذاً مهما بالغ العبد في العبادة ومهما اجتهد العبد في الطاعة لا بد له من عثرات، نعوذ بالله من العثرات ونسأله من نوره نورا ننجو به من الظلمات، إذاً فمهما اجتهد العبد مهما فعل، فهو محتاج لمغفرة الله، أتقى الناس على الإطلاق رسول الله، أخشاهم لله رسول الله، ومع ذلك يقول الله، تبارك وتعالى، له‫:‬ (إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًۭا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ ) [سورة النصر آية‫:‬ ١- ٣]، أمره بالاستغفار وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًۭا مُّبِينًۭا (١) لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) [سورة الفتح آية‫:‬ ١- ٢]، ومع ذلك أمره بالاستغفار، في كل وقت أمرنا بالاستغفار وقد قال النبي، صلى الله عيه وسلم‫:‬ (فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ) يستغفر مائة مرة فكم مرة تستغفر أنت؟ من غفر له ما تقدم وما تأخر يستغفر مائة مرة نحن على وجل وكم قدمنا من سيئات فكم مرة تستغفر؟.‬
‫أيها الأخ المسلم، الأستغفار رحمة كبرى من الله تبارك وتعالى، لأن الله تبارك وتعالى إذا استغفره العبد غفر له ويقول في محكم كتابه، وهي من أرجى الآيات في القرآن‫:‬ (إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا (٣١)) [سورة النساء آية‫:‬ ٣١]، ويقول عز من قائل‫:‬ (وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا (١١٠)) [سورة النساء آية‫:‬ ١١٠]. استغفروه وتوبوا إليه فقد بُعث القوم ورب الكعبة،‬
‫يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬
إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِىٓ إِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿12﴾
ولو تأمل الإنسان هذه الآية لفارقه النوم وما اشتهى طعاما قط وما طمع في جاه قط نعم (إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ) بُعث القوم ورب الكعبة، الله، تبارك وتعالى، أصدق القائلين يقول‫:‬ (إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ) إذاً فما من ميت إلا ومبعوث، والبعث أمره خطير لأن ما بعد البعث لا يدرى أخير هو أم شر هو، وقد بكى أحد الأصحاب وهو من المقربين لرسول الله، صلى الله عيه وسلم، وسيد من أسياد الأنصار وبكى حين فاجأه الموت وحين سئل أتبكي وأنت صاحب رسول الله، صلى الله عيه وسلم، أتبكي يا صاحب رسول الله؟ فيقول‫:‬ ولم لا أبكي وأنا لا أدري على ما أقدم على رضا أم على سخط أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار نعم (إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ) لو كان الموت نهاية البشر لسهل الأمر على الجميع، لكن الموت بداية بين العبد وبين لقاء ربه سبع عقبات أهونها الموت، فيبعث الناس ويتعارفون بينهم ويتساءلون ما لبثنا إلا ساعة (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ ) [سورة يونس آية‫:‬ ٤٥]، ملايين السنين وكأنهم لبثوا في الدنيا ساعة، فكيف بساعة تضيّع الأبد، ويبعث الناس فيتعارفون بينهم ويتساءلون ما لبثنا إلا ساعة (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّنَ ٱلنَّهَارِ) [سورة يونس آية‫:‬ ٤٥]، ملايين السنين وكأنهم لبثوا في الدنيا ساعة، فكيف بساعة تضيّع الأبد، ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار (إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ ) ما قدّموا ما عملوا (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍۢ مُّحْضَرًۭا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍۢ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٣٠]، نعم تجد ما عملت، (وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ (٤٧)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٤٧]، (وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَـٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًۭا (٤٩)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٤٩]، الله، سبحانه وتعالى، يكتب والله، تبارك وتعالى، لا يكتب بنفسه وإنما يأمر الكتبة (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ (١٨)) [سورة ق آية‫:‬ ١٨]، (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ ) من حسن ومن سوء، من طاعة ومن عصيان كلمة حرف همسه حركه حتى خائنة الأعين تكتب (يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ (١٩)) [سورة غافر آية‫:‬ ١٩]، فلو غمزت بعينك لكتبت، ولو لمزق لكتبت، إي وربي، إي وربي، وإن يك مثقال حبة من خردل هكذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ ) ، فانظر ماذا تملى على الكتبة وسائل نفسك دائما وأبدا في كل حركة وفي كل لفظ وفي كل لمحة هناك من يكتب عليك أنت تملي وهو يكتب والله يرى ويسمع ويخرج لك يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا ويقال لك (ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًۭا (١٤)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ١٤]، انظر ماذا تملي، فالكتبة لا يخطئون ومهما أسرعت في الإملاء لا يتأخرون (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ )، آثارهم‫:‬ جمع أثر والآثار قالوا الخطى، وقيل سبب نزول الآية أن قبيلة من الأنصار يقال لهم بنو سلمة أرادوا أن يتحولوا قرب المسجد وكانت مساكنهم بعيدة في المدينة فنمى ذلك إلى رسول الله، صلى الله عيه وسلم، فقال‫:‬ (يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ فَإِنَّمَا تُكْتَبُ آثَارُكُمْ)، فألزمهم مساكنهم وأمرهم بعدم التحول قرب المسجد حيث تُكتب لهم الخطى‫:‬ (بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي ظُلَمِ اللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، فقالوا‫:‬ إن الآثار هي الخطى ولا بأس بهذا القول، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وكلكم يعرف ذلك‫.‬‬
‫( وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ ) آثارهم تلفت النظر إلى قول الله، تبارك وتعالى، (يُنَبَّؤُا۟ ٱلْإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)) [سورة القيامة آية‫:‬ ١٣]، إذاً هناك أمران قدّم وأخّر وفى الآية هنا قال‫:‬ (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟) أين ما أخّروا؟ (وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ )، ويقول أيضا‫:‬ (عَلِمَتْ نَفْسٌۭ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)) [سورة الانفطار آية‫:‬ ٥]، إذاً فهناك ما يقدم وهناك ما يؤخر، أما ما يقدم فقد علمناه، (إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِىٓ إِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ (١٢)) ما قدّموا علمناه ما فعلوا وصنعوا في حياتهم من حسنات وسيئات، أما الآثار فهي ما أخّروا، ترى ما هو ذلك الذي نؤخره تؤخرونه ويكتب علينا وعبِّر عنه بقوله تارة (وَأَخَّرَتْ (٥)) [سورة الانفطار آية‫:‬ ٥]، وعُبر عنه تارة بقوله (وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ )، نعم أثرك بعد الموت وهل للإنسان بعد الموت أثر؟ نعم عِلْم علّموه كتاب صنّفوه، وقْف حبسوه، مسجد بنوه أليس هذا من آثارهم؟ أليس هذا مما أخّروه؟ كلنا يدرس ويقرأ صحيح الإمام البخاري وندرسه سويا يوم الثلاثاء من كلب أسبوع هذا أليس أثرا من آثار الإمام البخاري؟ كلنا درس الفقه على المذاهب الأربعة من اقتدى بمذهب الإمام أبي حنيفة النعمان أليس ذلك أثرا من آثاره؟ فتاوي هؤلاء الناس علمهم أقوالهم أفعالهم أليست من آثارهم؟ أليست كذلك؟ نعم هي من آثارهم، (مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا، كَانَ لَهُ أَجْرُهَا، وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لا يُنْقَصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، لا يُنْقَصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) تلك هي الآثار، تلك هي الكلمة التي يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (عَلِمَتْ نَفْسٌۭ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)) [سورة الانفطار آية‫:‬ ٥]، فهناك الآثار التي لا تمحى وقد تستمر إلى يوم القيامة، منذ متى مات الإمام الشافعي؟ منذ متى؟ والناس يتبعون مذهبه حتى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة، علمه يدرس حتى الآن، الكتب المصنّفة في العلوم في التوحيد في الفقه في الحديث في كل شيء أليست موروث؟ هذا المسجد من بنى هذا المسجد وقبره هناك؟ بناه إن كانت النية خالصة لله، تبارك وتعالى، أليس له الفضل في جلوسنا فيه الآن؟ ذاك فضل الله يؤتيه من يشاء، من وقف شيئا للعلم وعلى العلم وعلى المساجد، الصدقة الجارية التي تكتب تلك هي الآثار، وكما أن الآثار قد تكون حسنة وحسنات أيضا الآثار قد تكون سيئة وسيئات، ألا تزال تنظر بعينك إلى شاشات الإذاعات المرئية فترى الراقصة وقد ماتت منذ سنوات تهتز وتتمايل ألا تزال تراها أليس ذلك أثرا؟ ألا تزال تسمع قول من قالت وأفقنا ليتنا لا نفيق، ألا تزال تسمع قول القائل حبيبي الأسمر؟ ألا تزال تسمع قولهم؟ أليست تلك آثار لهم؟ تلك النوادي الليلية والمواخير من أنشأها وبناها ألا زالت قائمة؟ ما زالت قائمة تلك المواخير والأماكن‫.‬‬
‫الحكام الذين ماتوا لقد ولوا علينا أناسا ظلمونا ولا زالت آثار الظلم قائمة أليس ذلك من آثارهم، إذا كنت حاكما ووليت على الرعية أحدا من الناس ألست مسئولا عنه وعن ظلمه للرعية، لم كان عمر بن الخطاب يتعسس أحوال رعيته وأحوال الأمراء؟ لم عزل سعد بن أبي وقاص لمقالة رجل واحد في العراق كله سعد قال رسول الله، صلى الله عيه وسلم، أول من رمى بسهم في سبيل الله الوحيد الذي فداه رسول الله، صلى الله عيه وسلم، بأبيه وأمه فقال له (ارْمِ سَعْدُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) سعد بن أبي وقاص مستجاب الدعوة دعا له رسول الله‫:‬ (اللَّهُمَّ أَجِبْ دَعْوَتَهُ وَسَدِّدْ رَمْيَتَهُ)، سادس ستة في الإسلام لم يكن على الأرض سواهم سعد بن أبي وقاص من العشرة المبشرين بالجنة ومع ذلك فتح العراق بطل الهمدان معركة الري معارك هزيمة الفرس التي انمحت بها دولة الفرس بطلها المغوار سعد بن أبي وقاص، هو الذي بني الكوفة هو الذي بني العراق وفتحتها، عزله عمر ابن الخطاب لمقالة رجل واحد أرسل يسأل عنه في المساجد فقد كانت هي دور الاجتماعات فالكل أثنى عليه خيرا إلا رجل واحد قام وقال أما وقد ناشدتنا فإنه لا يقسم بالسوية ولا يسير بالسرية ولا يعدل في القضية ولا يحسن أن يصلي بنا فعزله عمر لأن رجلا واحدا شكاه فشكى سعد لله وقال اللهم إن كان هذا الرجل كاذبا وأنت تعلم أنه كاذب وقام رياءً وسمعه فراءى به وسمِّع به وأطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن ودارت الأيام وافتقر الرجل وكبر في السن حتى سقط حاجباه على عينيه من الكبر جاوز المائة شديد الفقر شديد الكبر يسير في شوارع الكوفة يتتبع الجواري والفتيات يغمزهن ويلمزهن وحين يسأل عن ذلك ويعاتب، يقول‫:‬ شيخ مفتون أصابته دعوة سعد، نعم وأقر عمر وهو على فراش موته وقد طعن وجعل سعد من الستة أهل الشورى وقال إن وليها سعد بعدى فذاك وإن وليها غيره فليستعن بسعد فوالله ما عزلته عن عجز ولا خيانة إذا فلم عزله؟ عزله لشكوى رجل واحد لأنه يخاف الله ولا يخاف في الله لومة لائم نعم الآثار، أيها الأخ المسلم في منتهى الخطورة لأن ما قدمته أنت من عمل لا زال في يدك ولا زال هناك فسحة من الوقت أنت الآن حي ترزق تعلم أنك بالأمس فعلت وأول أمس قلت استغفر الله الآن يغفر لك قبل أن تموت وقبل أن تغرغر تستغفر الله عما كان فيغفر لك، أما بعد الموت وما تركته بعد الموت من آثار كيف التصرف فيه؟ من هنا أقول لكم من تأمل في هذه الآية جافاه النوم، من تأمل في هذه الآية لم ينم لم يشته الطعام لم يشته الجاه، نعم آثارهم في منتهى الخطورة‫.‬‬
‫وأنتم الآن ترون الآثار حتى يومكم هذا، وها هي الإذاعات تذيع عليكم الأغاني الخليعة مات أصحابها، الأفلام مات أصحابها من خمسين عاما ومع ذلك تراه يتراقص ويحلف بالله كذبا، وترى المرأة تتمايل وتتعرى وتكشف عن فتنتها ممثلة إغراء حتى الآن وقد ماتت منها ممثلة أنتم تعرفونها ماتت بمرض السرطان ولا زالت حتى الآن أفلامها تملأ الأسواق ممثلة إغراء هذا الأثر ما الفعل فيه؟ وما العمل؟ آه، آه وآه من الآثار ما قدمنا بأيدينا نستغفر، ما تركناه وراءنا ماذا نفعل فيه أتستغفر الله وأنت في القبر؟ أينفع؟ أيجدي؟ أيها الأخ المسلم انتبه (إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ ) نفس المعنى (عَلِمَتْ نَفْسٌۭ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)) [سورة الانفطار آية‫:‬ ٥]، الآثار هي ما تتركه وراءك فانظر قبل أن تنظر إلى ما تقدمه لنفسك من عمل اليوم، انظر بعد مماتك ماذا سوف يكون؟ ماذا نُخلّفِ بعد مماتك؟ علمٌ ينتفع به؟ ولد صالح يدعو لك؟ مسجد أسس على التقوى؟ صدقة جارية؟ سُنّة حسنة؟ مقالة صدق؟ ماذا خلّفت وراءك؟ أم خلّفت وراءك رياءً ونفاقا وحضاً على الفسق والمعاصي؟ من الذي اخترع الخمر؟ من؟ من الذي اخترع المخدرات؟ من الذي يصنع الحبوب؟ من الذي يروجها؟ من الذي علم الشباب هذا التعاطي؟ تاجر وفاسق فما العمل في هؤلاء الذين كانوا يشترون منه ولم يتوبوا؟ ما العمل في هؤلاء الذين ضيعوا ثرواتهم على المخدرات ما العمل فيهم؟ دخلت البيوت فخربتها على أهلها بالوقيعة ثم تبت وقد أوقعت وطلق الرجل امرأته وضاع العيال أنت تبت فماذا تفعل فيما تركت؟ في هذه الأسرة التي خربتها وهدمت عليها جدرانها؟ هذا الشاب الذي أغريته بالفكر أنت تبت هو لم يتب لا زال يفعل ما علمته أنت، هذه الفتاة التي كنت سببا في انحرافها عن الطريق السليم والطريق السوي ثم تبت أنت وهي لا زالت تمشي حيث رسمت لها الخطى، ما العمل؟ ما العمل؟ والله لولا يرحمنا الله لهلكنا جميعا، إي وربي، إي وربي، من منّا لم يترك أثرا سيئا وأنا أولكم بكلمة، ربما بكلمة تخرب البيوت، بكلمة يضل الناس، من منا يضمن أنه بعد مماته سوف يترك الآثار الطيبة ولا يترك الآثار السيئة صدق ربي حيث يقول‫:‬ (إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ ).‬
‫(وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِىٓ إِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ (١٢)) أحصيناه عددناه كلمة الإحصاء أصلا جاءت لأن العرب لم تكن تعرف القراءة والكتابة فإذا أرادوا أن يعدوا شيئا عدوا بالحصى جاء بحفنة حصى وعدوا بها فالعد بالحصى يسمى إحصاءً لأنهم لم يكونوا يعرفون القراءة والكتابة فالإحصاء أصلا العد بالحصى ثم استُخدم بعد ذلك الإحصاء في مسألة العد الدقيق الذي لا يترك صغيرة وكبيرة إلا ودوّنها (وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ) دوّناه (فِىٓ إِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ (١٢)) الإمام ما يقتدى به الإمام‫:‬ الحجة الإمام‫:‬ الكتاب الذي لا يحدث فيه الخلل الكتاب الذي ترجع إليه الكتب الإمام‫:‬ جميع الكتب ترجع إليه وتراجع عليه، الكتاب الأصل الإمام هو الحجة القائمة الذي لا يأتيه الخلل أو الاختلال أو الاختلاف من هنا قالوا الإمام هو اللوح المحفوظ، وقالوا بل الإمام المبين هو صحائف الأعمال وقالوا بل الإمام المبين كتاب لا يعرفه إلا الله، تبارك وتعالى، (إِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ (١٢)) بيِّن واضح الدلالة‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم من تأملات الإنسان في هذه الآية أيضا نعجب أشد العجب حين نسمع أصوات الأموات وقد سجّلها البشر الضعيف (وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًۭا (٢٨)) [سورة النساء آية‫:‬ ٢٨] ألست تسمع وتشتري الشرائط من الأسواق وفيها الأغاني وفيها وفيها؟ لأناس ماتوا ولا زالت أصواتهم تسمع أنت سجلتها، لا زالت الصور موجودة، في الأفلام وفي الشرائط الفيديو وما إلى ذلك صور لأناس رحلوا عن الحياة وانتقلوا إلى الدار الآخرة لا زالت موجودة أنت سجلتها أيها الإنسان الضعيف، ترى كيف يسجل القوي القهار الخالق الجبار العلاّم كيف يسجل؟ ترى بالقلم والقرطاس؟ بالقلم يكتب؟ أتكتب الملائكة بقلم؟ أتكتب بالشفرة؟ أتكتب الملائكة بالاختزال؟ أتسجل علينا الأفعال والأقوال؟ أتسجل علينا في صحائف أم تسجل على أشرطة أم أن الهواء المحيط والغلاف الجوي بهذه الأرض ما هو إلا كاميرات تصور وجمعنا هذا منقول ولا زال موجودا وسيظل موجودا ويؤتى بنا يوم القيامة وننظر فإذا بنا قاعدون في هذا المسجد مستمعون للذكر عيانا أيكون كذلك؟ أتعاد الدنيا بواقعها وبأناسها وأنفاسهم إي وربي وربنا قادر إن أراد (وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٤٩]، لم يقل مكتوبا (وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٤٩]، وكأنه يرى نفسه مع الزانية معاقر الخمر يرى هذا رأي العين تعاد أيكون كذلك أيمكن أن نتأمل في قوله، تبارك وتعالى‫:‬ (يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَآءَ كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ ﴿١۰٤﴾) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١۰٤] فترى نفسك والدنيا تأتي معادة وترى الحركات والسكنات والأنفاس والكلمات أيمكن أن يكون كذلك أنت سجلت أيها الضعيف فكيف يسجل الله‫.‬‬
‫فكم من قرية آمنت ومتعت إلى حين، وكم من قرية أهلكت ولا صريخ ولا معين؟ وكم من قرية بوركت أرازقها وفيرة وماؤها معين، وكم من قرية أُقحطت نبتها خمط وبئرها رمل وطين، فذاك يونس أرسل إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعهم ربهم إلى حين، وتلك سبأ مزقت كل ممزق وجعلت أحاديث على مر السنين، ويقول ربنا، تبارك وتعالى‫:‬ (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍۭ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَـٰكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنۢ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًۭا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَٰرِثِينَ (٥٨)) [سورة القصص آية‫:‬ ٥٨]، وأمر نبيه، صلى الله عليه وسلم، أن ينذر قومه في سورة يس فقد بعث إليهم على فتره من الرسل فاجترءوا عليه وكذّبوه واحتالوا عليه وأخرجوه وفؤاده من خوفه عليهم محزون، عيّروه بفقره واتهموه في عقله فكيف عميت عن نوره العيون، كلا من شاء الله هداه ومن أضلّه أعماه ولله في خلقه شئون، نعم ولله في خلقه شئون‫.‬‬
‫يقول الله، تبارك وتعالى، في سورة يس آمراً نبيه، صلى الله عليه وسلم، أن يضرب الأمثال‫:‬‬‬‬
وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَـٰبَ ٱلْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ﴿13﴾ إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍۢ فَقَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ﴿14﴾ قَالُوا۟ مَآ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ﴿15﴾ قَالُوا۟ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴿16﴾ وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ﴿17﴾ قَالُوٓا۟ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا۟ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿18﴾ قَالُوا۟ طَـٰٓئِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ أَئِن ذُكِّرْتُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ مُّسْرِفُونَ ﴿19﴾
‫(وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَـٰبَ ٱلْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ (١٣)) أفاض المفسرون في هذه القرية وقالوا هي أنطاكية ويعلم الله هي قرية كم من قرية أهلكناها القرى كثيرة والقرون كثيرة هي قرية كان أهلها يعبدون الأصنام فأرسل الله، تبارك وتعالى، إليها اثنين رسولين قيل أنهما كانا من قبل عيسى بن مريم وقد أرسلهما عيسى بأمر الله فكأن المرسل هو الله وقالوا بل هم رسل أرسلوا على الابتداء، أرسل الله إلى القرية رجلين فكذبوهما ديدن الكفار في كل زمان ومكان كذبوهما دون النظر إلى موضوع الرسالة وآفة المكذبين في كل الأمم أن نظرتهم بداءة لشخص الرسول، وليس لموضوع الرسالة (فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍۢ ) (فَعَزَّزْنَا) (فعززنا ) قراءتان قوّينا وشددنا بثالث برسول ثالث يؤيد هذين الرسولين في كلامهما ويصدّق دعوتهما (فَقَالُوٓا۟) قالت الرسل لأهل القرية (إِنَّآ إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (١٤)) إذاً فهم مرسلون من قبل الله بأمر ونهي بجلال وحرام، بشريعة بدين ينقذهم من الضلال ويخرجهم من الظلمات إلى النور (قَالُوا۟ مَآ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا) هذه هي مقالة الكفار نظروا إلى شخص الرسول، ولم ينظروا إلى موضوع الرسالة (مَآ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا) تأكلون الطعام تمشون في الأسواق كما قال كفار مكة للنبي، صلى الله عيه وسلم، (مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۙ ) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٧] فما هي المزية أو الفضل أنتم بشر مثلنا مثلكم إذا فهناك كبر في الصدور (إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌۭ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ ) [سورة غافر آية‫:‬ ٥٦]، إذاً فهناك الحقد والحسد والمقارنة أنت بشر وهو بشر فلم يفضل عليك ونسى هؤلاء أن الله لا بد وأن يرسل الرسل من جنس من أرسل إليهم حتى يكلموهم بلغتهم ويفهموا عنهم ولو أنزل ملائكة لاختلط عليهم الأمر لأنهم لو نزلوا على هيئتهم ما رآهم أحد وإن نزلوا على هيئة البشر لاختلط الأمر أهم ملائكة أم هو بشر (قَالُوا۟ مَآ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَىْءٍ) ما أنزل من أمر وما أنزل من نهي ما أنزل من حلال وما أنزل من حرام ما أنزل من وحي وما أنزل من رسالة (إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)) اتهموهم بالكذب، قالت الرسل‫:‬ (قَالُوا۟ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)) استشهدوا بعلم الله صدّقتم أو كذّبتم الله، تبارك وتعالى، يعلم أنا إليكم مرسلون فقد أرسلنا بأمره وبعلمه حين استشهدوا بعلم الله، تبارك وتعالى، جرى هذا الاستشهاد مجرى القسم وكأنهم أقسموا على صدقهم (قَالُوا۟ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ (١٧)) وظيفة الرسل دائما وأبدا البلاغ (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ٤٨]، (وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ (١٧)) الواضح الظاهر البيّن الذي لا لبس فيه ولا اختلاط ولا اختلاف (قَالُوٓا۟ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ ) مقالة الكفار في كل مكان (تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ ) تشاءمنا بكم وأصل كلمة التطير أن الناس في الجاهلية كانوا إذا أقدموا على أمر جاءوا بطائر من الطيور ووضعوه أمامهم ثم أزعجوه زجروه فإن طار يمنة تيامنوا أي تفاءلوا وإن طار يسرة تشاءموا فإن طار جهة اليمين أقدموا على العمل وإن طار جهة الشمال تراجعوا وامتنعوا عن العمل فأصبح التطير استجلاب الغيب محاولة معروفه ما قُدِّر من الرزق أو النصيب أو الحظ وأصبحت كلمة التطير تطلق على الحظ الرزق المستقبل ما أخفي عنا من أمور تتعلق بنا بمستقبلنا وتطلق أيضا على التشاؤم فقالت الكفار (إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ ) أي تشاءمنا بكم لأنهم علموا أن الرسل إذا كُذبت أهلكت القرون التي كذبت (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ) [سورة مريم آية‫:‬ ٧٤] تشاءموا وتطّيروا وقيل بل أقحطت أرضهم ومنعوا المطر لسنين أو لشهور فنسبوا ذلك إلى الرسل فقالوا‫: (إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ )‬ ثم بدءوا التهديد (لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا۟) تمتنعوا عن إنذارنا وتذكيرنا واستمراركم في الدعوة إلى دينكم (لَنَرْجُمَنَّكُمْ) الرجم في القرآن يأتي بمعنى القتل، وقال بعض الناس بل يأتي بمعنى الرجم على حقيقته وهو القذف بالحجارة حتى الموت، وقالوا بل الرجم يأتي في بعض الأحيان على معنى الشتم كقول آزر لإبراهيم (لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّۭا (٤٦)) [سورة مريم آية‫:‬ ٤٦]، (لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا۟ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١٨)) بعد أم كذبوهم وكانت حجتهم في التكذيب أنهم بشر وليسوا ملائكة ولا فضل لهم عليهم تشاءموا منهم والرسل تكرم ويُتبَّرك بهم فبدلا من أن يتبركوا بهم ويكرموهم تطيروا بهم وتشاءموا وأهانوهم وكذبوهم وهددوهم بالرجم القتل الإساءة والتعذيب الأليم الصلب السلخ النشر بالمنشار، فقد كانت الناس تنشر بالمناشير وكان المؤمنون تنصب لهم الأخاديد تُضرم فيها النيران ويقال له إن كنت مؤمنا فادخل في النار فيدخل طواعية واختياراً كان وكان، وكم قصّ الله علينا هددوهم‫: (لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١٨))‬ وردّت الرسل، الرسول، لا يخاف لأن الله، تبارك وتعالى، يؤيده فما خافوا من هذا التهديد (قَالُوا۟ طَـٰٓئِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ أَئِن ذُكِّرْتُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ مُّسْرِفُونَ (١٩)) (قالوا طيركم معكم) قراءة أي شؤمكم بسبب أفعالكم وكفركم أو (طَـٰٓئِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ ) رزقكم ومستقبلكم ومصيركم لازم في أعناقكم من الأزل فقد قضى ربنا الأمور من الأزل وما قدر لا بد وأن يكون (وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُۥ فِى عُنُقِهِۦ ۖ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ١٣] فطائركم‫:‬ حظكم ورزقكم وعملكم مكتوب لكم وعليكم، أو طائركم شؤمكم وفسادا أعمالكم عليكم بسببكم وبأعمالكم (طَـٰٓئِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ ) شرط وجوابه محذوف وهو استئناف للكلام ويجوز الوقف هنا (قَالُوا۟ طَـٰٓئِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ ) وقف ويستأنف الكلام (أَئِن ذُكِّرْتُم ۚ ) وعظتم توعدتمونا بالرجم وهددتمونا بالقتل أين ذكرتم تشاءمتم وتطيرتم فالجواب محذوف وذاك تقديره تشاءمتم وتوعدتم بالرجم والتعذيب (أَئِن ذُكِّرْتُم ۚ ) فيها تسع قراءات‫:‬ أين ذُكَّرتُم ءَأَنْ ذُكَّرتم أَنْ ذُكَّرتم أءِن ذُكَّرتم، أيِنْ ذُكَّرتم، أَيْن ذُكِرتم، إن ذكَّرتم، آءن ذكَّرتم، ءَأَن ذُكِرتم، تسع قراءات، وذُكِّرتم أو ذكرتم، أئن ذكّرِتم قلنا شرط جوابه محذوف أي أين ذُكرتم وتشاءمتم وتوعدتم بالرجم المفروض إذا وعظ الإنسان أن يتعظ، إذا ذكر الإنسان أن يتذكّر، أما أن تذكّر إنسان بشر مستطير قد يأتيه أو نخوّفه وتحذره فيستكبر ويتطير ويتشاءم فتلك آفة في عقل ذاك الإنسان (أَئِن ذُكِّرْتُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ مُّسْرِفُونَ (١٩)) أضربوا عن هذا الكلام والوقف هنا جائز، (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ مُّسْرِفُونَ (١٩)) إذا أنتم متجاوزن للحد في العصيان والإفساد والتكذيب والتطير، إذاً فالأمر ليس أمر تشاؤم أو تطير أو كذب أو صدق بل أنتم قوم مسرفون متجاوزون للحد في العصيان والضلال والتطير والتشاؤم، قيل سجنوهم وقيل عذبوهم وقيل قتلوهم ولم يذكر القرآن شيئا ولكن يقول القرآن‫:‬‬‬‬
وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌۭ يَسْعَىٰ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱتَّبِعُوا۟ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿20﴾ ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًۭا وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿21﴾ وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿22﴾ ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّۢ لَّا تُغْنِ عَنِّى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْـًۭٔا وَلَا يُنقِذُونِ ﴿23﴾ إِنِّىٓ إِذًۭا لَّفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ﴿24﴾ إِنِّىٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ ﴿25﴾ قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَـٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ ﴿26﴾ بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ ﴿27﴾
‫(وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌۭ يَسْعَىٰ) ذاك رابع الرسل ثلاثة‫:‬ (إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍۢ ) [سورة يس آية‫:‬ ١٤]، (فعززنا بثالث) أما الرابع يقال له صاحب يس أو صاحب السورة، كما جاء في آل فرعون (وَجَآءَ رَجُلٌۭ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ) [سورة القصص آية‫:‬ ٢٠] إلى فرعون وإلى قومه يذكرهم فهكذا هنا جاءهم رجل قيل أنه راهب كان يعبد الله، تبارك وتعالى، في غار فحين سمع بمقدم الرسل جاء وسمع منهم وآمن بهم فأراد أن يذكّر قومه فهو ليس برسول وإنما هو من الأولياء كمؤمن آل فرعون (رَجُلٌۭ يَسْعَىٰ) يسعى في الخير متعجلا خائفا على قومه خائفا على الرسل من أذى قومه جاء يسعى (قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱتَّبِعُوا۟ ٱلْمُرْسَلِينَ) إذاً فقد صدّق وآمن وشهد لهم بالرسالة (ٱتَّبِعُوا۟ ٱلْمُرْسَلِينَ (٢٠)) وضرب علامة لا يغفل عنها عاقل أبدا علامة لصدق أي رسول في أي مكان وفي أي زمان هذه العلامة (ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًۭا وَهُم مُّهْتَدُونَ (٢١)) علامتان أول علامة لا يسألكم أجرا مالا أو جاها أو سلطان وكلنا يذكر حين راودوا النبي، صلى الله عيه وسلم، إن أردت مالا جمعنا لك مالا فكنت أغنى رجلا فينا وإن أردت سلطان ولينَّاك علينا وإن وإن وإن فقال يا عم (يَا عَمِّ وَاللهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي شِمَالِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ أَوْ أَهْلَكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ) وهكذا الرسل لا تسأل أجرا (يَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ ) [سورة هود آية‫:‬ ٥١]، (وَيَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ ) [سورة هود آية‫:‬ ٢٩] هذه علامة أساسية في الرسل وفي كل داع يدعو إلى الله على قدم الرسل لا يسأل أجرا مال أو جاه أو أو، هذه هي العلامة الأولى (ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًۭا)،( وَهُم مُّهْتَدُونَ (٢١)) إذا لا بد وأن يكون الداعي على الطريق الذي يدعو إليه ولذا قالت الرسل (وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ ) [سورة هود آية‫:‬ ٨٨] حين أمر شعيب قومه في الأموال ونهاهم عن الحرام وقالوا‫:‬ (يَـٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ (٨٧)) [سورة هود آية‫:‬ ٨٧]، قال لهم‫:‬ (وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ ) [سورة هود آية‫:‬ ٨٨]، فالرسول لا ينهاك عن شيء ويأتيه ولا يأمرك بالشيء ولا يأتيه فإن أمرك بالصلاة كان أول المصلين، أرأيت نبينا، صلى الله عليه وسلم، أرأيت حين أمرنا بالزهد كيف ضرب لنا أروع مثل، أرأيت حين أمر بكفالة الأيتام وحين ابتلي به كفل، أرأيت حين أمر بصلة الأرحام وقطعوها هم وصل‫.‬‬
‫لا بد وأن يكون الرسول قدوة، ولذت قال ربنا، تبارك وتعالى‫:‬ (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٢١]، وقال في قوم إبراهيم (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ) [سورة الممتحنة آية‫:‬ ٤]، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، لا بد وأن يكون قدوة والداعي إلى الله لا بد وأن يكون قدوة كيف آمرك بحفظ القرآن ولم أحفظ منه آية؟ كيف آمرك بقيام رمضان ولا أقوم معك؟ كيف آمرك بالإحسان ولا آتيه؟ فتلك علامتان غاية في الأهمية (ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًۭا وَهُم مُّهْتَدُونَ (٢١)).‬
‫ثم بدأ في الإرشاد بأسلوب يجب أن يتنبه له كل داع إلى الله كل آمر بالمعروف وناه عن المنكر الأسلوب في الوعظ والإرشاد غاية في التلطف والإشارة والاستدلال وانظر واسمع وتأمل (وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)) تكلم عن نفسه وكأنه يعظ نفسه ويتكلم عن نفسه وهو يريد السامعين وهو يريد قومه والآية فيها لفتة غريبة نسب الفطرة إلى نفسه فقال‫:‬(وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى) ثم قال‫:(وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢))‬ فنسب البعث إليهم منتهى التلطف لأن الفطرة والخلق والإيجاد نعمة عليهم توجب الشكر والبعث وعيد يقتضي الزجر فكأن نسبة الفضل ونعمة الإيجاد إلى نفسه أظهر شكرا ونسبة البعث والإعادة إليهم أبلغ أثرا فقال‫:‬(وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)) ، وكأن الإيجاد نعمة توجب الشكر، والبعث وعيد يقتضي الزجر تلطف في الإشارة والدعوة (ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً) أصنام كما تعبدون (إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّۢ لَّا تُغْنِ عَنِّى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْـًۭٔا وَلَا يُنقِذُونِ (٢٣) إِنِّىٓ إِذًۭا لَّفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ (٢٤)) نعم إن فعلت ذلك واتخذت آلهة من دون الله لا تضر ولا تنفع لا تبصر ولا تسمع إذاً فذاك غاية في الضلالة وتلف العقل (إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّۢ لَّا تُغْنِ عَنِّى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْـًۭٔا وَلَا يُنقِذُونِ (٢٣)) لا يشفعون عند الله ولا يمنعون عني ما يصيبني ولا يستطيعون أن ينصروني أو يمنعونني أو ينقذوني من أي شيء أراده الله لي (إِنِّىٓ إِذًۭا لَّفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ (٢٤)) أي إني إذا فعلت ذلك إني إذاً لفي ضلال مبين‫.‬‬
‫(إِنِّىٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ (٢٥)) تلطف في الإرشاد والوعظ وكأنه يحدث نفسه وكأنه يتكلم عن نفسه كأنه يعظ نفسه منتهى التلطف في الإرشاد والوعظ (إِنِّىٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ (٢٥)) الخطاب لكفار القرية فاسمعون أي فاسمعوا إيماني واسمعوا لي وأطيعوا فإنما أرشدكم إلى سعادتكم وخير الدارين، أو الكلام للرسل (إِنِّىٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ) أيها الرسل فاسمعوا إيماني واشهدوا لي بالإيمان فهو يطلب شهادة الرسل له (قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَـٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ (٢٦)) كيف قيل؟ ومتى قيل؟ وهل دخلها فعلا؟ يقول المفسرون‫:‬ إن الرجل حين أظهر إيمانه ودعا قومه بهذا التلطف قتلوه، وقالوا بل رجموه، وقالوا بل جاءوا به وحفروا له فوضعوه فيها وجاءوا بالمنشار فأقاموه على رأسه فنشروه نصفين فوالله ما أخرجت روحه إلا في الجنة (قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ ۖ ) قيل لمن؟ حذف المقول له للعلم به لأن الغرض بيان النهاية والأجر حصل على أجر الشهداء خرجت روحه إلى الجنة رأسا (وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٦٩]، وصدق رسول الله، صلى الله عيه وسلم، حيث يقول‫:‬ إن الله تبارك وتعالى جعل (أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَطَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ). فقد نصحهم ذلك الرجل وجاءهم يسعى من أقصى المدينة وبين لهم ووضّح لهم (ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًۭا وَهُم مُّهْتَدُونَ (٢١))، ودلل على كلامه دلل على صدق الرسل ودلل على صدق الرسالة في كلمات أما التدليل على صدق الرسل فبقوله (ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًۭا وَهُم مُّهْتَدُونَ (٢١)) فذاك دليل على صدق الرسل ودلل على صدق الرساله بقوله (وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى) إذاً فالخالق هو المعبود الحق الذي أنشأني من العدم هل أصنامكم تفعل ذلك؟ هل الملائكة تفعل ذلك؟ هل البشر يفعل ذلك من هو الذي يخلق؟ هو الله إذا فهو المعبود الحق الذي أنشأني وأوجدني وفطرني من العدم (وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى) إذاً فهو المستحق للعبادة لأنه صاحبي هو صاحب الصنعة التي صنعها هو صاحب الشيء الذي أظهره وأوجده وأبرزه من العدم هو صاحبه لأنه خالقه إذاً فهو السيد ونحن العبيد، فذاك دليل على صدق الرسل أنهم يدعوكم لعبادة الذي فطركم وإليه ترجعون لأن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة بعد الإفناء وعيد بالبعث وطالما أوجدك وخلقك إذا فقد أوجدك وخلقك لغاية ولغرض وطالما خلقك لغاية ولغرض كما قال، سبحانه وتعالى‫:‬ (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثًۭا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١١٥]، هل يُعقل؟ هل يخلق الإنسان عبثاً؟ لا يمكن إذاً فطالما خلقك لغاية لا بد وأن يستعيدك ليسألك عن تلك الغاية أديت الغرض أم لم تؤدِ الغرض (وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)) إذاً فهو الخالق وهو المبدئ والمعيد إذاً فهو المعبود الحق أيضا في الدنيا وفي حياتك هو النافع وهو الضار يرسل المطر يرسل السحاب بشراً بين يدي رحمته ينبت الأشجار والأزهار، يجري الأنهار وهكذا دللَّ على هذا بقوله‫: (ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّۢ لَّا تُغْنِ عَنِّى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْـًۭٔا وَلَا يُنقِذُونِ (٢٣))‬ جاء بكلمة "الرحمن" ليدلل أنه وإن جاء بالضر فمن خلال الرحمة وتصبح البلية نعمة خفية لأنها آتية من الرحمن، حين قال ذلك ودلل على صدق الرسل، ثم دلل على أحقية الرسالة وأنها حق وحقيقة رجموه قتلوه (قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ ۖ ) قال بعض العلماء مات شهيدا فدخلت روحه الجنة خرجت من جسده إلى الجنة رأسا لا سؤال في قبر ولا استفسار من ربك؟ وما دينك؟ لأن الشهداء لا تسال في قبورهم، وقال بعضهم بل هي وعد من الله له (قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ ۖ ) أي بشرى له بدخول الجنة حين البعث (قَالَ يَـٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ (٢٦)) عجبا يريد أن يعلم قومه بما جري له بحسن مآله وعظيم ثوابه (يَـٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ (٢٦)) أنهم على الباطل وأني كنت على الحق ليت قومي يعلمون بعاقبة الإيمان وعاقبة الكفر (يَـٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ (٢٦)) وكأنه يذكّرهم بعد مماته وصدق من قال وعظ قومه حيا وميتا منتهى التلّطف على ديدن الأولياء دائما وأبدا، الحلم عن أهل الجهالة الوعظ والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة، ها هو يعظ قومه بعد ما قتلوه كانوا يرمون عليه الحجارة ويرحمونه وهو يقول‫:‬ اللهم اغفر لقومي اللهم اهد قومي دعاهم حيا وميتا ليت قومي يعلمون (بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ (٢٧)) أي بما أحدث لي من مغفرة وكيف كرَّمني (وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ (٢٧)) وقيل هنا "ما" استفهامية وكأنه يقول‫:‬ يا ليت قومي يعلمون بأي شيء غفر لي ربي، غفر لي باتباع الرسل فيتبعوا الرسل حتى يغفر لهم كما غفر لي "ما" إما موصولة وإما استفهامية، (وجعلني من المكرّمين) قراءة، أو (وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ (٢٧)).‬

‫الجُزءُ الثالث والعشرون‬
وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِن جُندٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ﴿28﴾
ويقول الله، تبارك وتعالى، معقَّبا على القصة‫:(وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِن جُندٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ (٢٨))‬ حين قتلوه وانتهى أمره اشتد غضب الله عليهم فأهلكهم وحين أهلكهم لم يحتج ربنا إلى إرسال الجنود والجيوش (وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنۢ بَعْدِهِۦ) من بعد إهلاكه من بعد موته من بعد انتقاله إلينا من بعد دخوله الجنة إن كان شهيدا ودخلت روحه الجنة فورا (وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ (٢٨)) ما صح في حكمتنا أن ننزل وما حصل في قضائنا أن ننزل عليهم لسنا محتاجين لإنزال الجنود والجيوش، أو (وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنۢ بَعْدِهِۦ) و"ما" ليست نافية هنا بل هي معطوفة على الكل أي وما حدث وأنزلناه على الأقوام السابقة من حجارة وطير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل أو ريح أو أمطار شديدة أو أو (وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِن جُندٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ (٢٨)).‬
‫إذا فكيف أهلكهم‫:‬‬‬‬‬
إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَإِذَا هُمْ خَـٰمِدُونَ ﴿29﴾
لم يحتج في إهلاكهم لجنود أو جيوش الأمر صيحة واحدة صاحها جبريل (إن كانت إلا صيحةٌ) قراءة (إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةًۭ) كان تنصب الخبر وترفع المبتدأ كما يقولون أو (كان) هنا تامة ومعنى ذلك أن الأمر لم يكن إلا صيحة واحدة صاحها جبريل عليهم (فَإِذَا هُمْ خَـٰمِدُونَ (٢٩)) انتهى، شبههم برماد النار تشبيه غريب أرأيت النار في استعارها ولهيبها كيف تتصاعد ويتصاعد دخانها وأذاها فشبههم ربهم بالنار حال حياتهم استكبار وعلو وأذى وإحراق جبروت وفجأة بصيحة أصبحوا كالرماد ورماد النار كالهشيم لا تماسك له ولا قوة له ولا وجود له بل يُذرى ويُذرَّى تذروه الرياح لذا يقول الله، تبارك وتعالى، بهذه الصيحة أصبحوا خامدين (فَإِذَا هُمْ خَـٰمِدُونَ (٢٩)) كما تخمد النار‫.‬‬‬‬
يَـٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿30﴾ أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿31﴾ وَإِن كُلٌّۭ لَّمَّا جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴿32﴾
‫( يَـٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ ۚ ) (يا حسرة على العباد) قراءة وممن قرأ بها ابن هرمز المدفون هنا بالإسكندرية الأعرج (يا حسرةَ العبادِ) قراءة (يَـٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ ۚ ) وقف الحسرة في الأصل ما يلحق الإنسان من الندم فيصبح حسيراً الحسير كسِيف البال منقطع الحيلة انتهى أمره الحسير انقطعت حيلته انقطع ماله وقوته وذهب شبابه لا معين له ولا نصير، الحسير الكسير لا قوة ولا حول ولا مال ولا جاه ولا شيء ذاك هو الحسير من الحسْر انقطع عنه الأسباب قطعت عنه جميع الأسباب ذاك هو الحسير يحدث ذاك من شدة الندم (يَـٰحَسْرَةً) نداء منصوبة على النداء نكرة منادى على الحسرة كأنهم حين حدث لهم ذلك ينادون على الحسرة يا حسرة هذا أوانك فتعالي كما يقوا النادم يا ويلتى أي يا هلاكي قد آن أوانك فتعالى كما يقول النادم‫:‬ يا ويلتي، أي يا هلاكي قد آن أوانك فتعالى (يَـٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ ۚ ) إذا هم ينادون على الحسرة، أو (يَـٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ ۚ ) من المنادي؟ الملائكة الصالحون المؤمنون يتحسرون عليهم، أو ربنا يبيّن لنا ربنا، تبارك وتعالى، أن هؤلاء القوم أصبحوا في موقف من يُتحسَّر عليه فيقال في شأنه يا حسرتى على العباد، وقال بعض العلماء أن القائل الرجل المؤمن الذي قتلوه تحسَّر على قومه، وقالوا بل القائل الرسل حين رأوهم قتلوا الرجل الذي جاء يسعى يدعوهم تحسَّروا عليهم فخرجت الرسل من القرية لأن الله إذا أراد أن يدمِّر القرية نجّى الرسل (فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ (١١٠)) [سورة يوسف آية‫:‬ ١١٠] فخرجت الرسل ناجون فتحسروا على أهل القرية حين قتلوا الرجل وعلموا أن العذاب مصيبهم لا محالة فقالوا يا حسرة على العباد، وقيل بل القائل القوم الذين أهلكوا حين قتلوا الرجل وتوعدتهم الرسل ورأوا العذاب قادما قالوا‫:‬ (يَـٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ ۚ ) عباد الله الرسل الذين جاءونا فقتلناهم وكذّبناهم (يَـٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ ۚ ) وقف وانتهى الكلام يستأنف الكلام (مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ (٣٠)) بشر كاذب ساحر كاهن مجنون ديدن الكفار الذين أهلكهم الله قرون اندثرت (أَلَمْ يَرَوْا۟) ألم يعلموا ألم يستنتجوا ألم يعقلوا (كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)) (إنهم إليهم لا يرجعون) قراءة (أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ) كم؟!! أين الآباء وأين الأجداد؟ أين الإسكندر الذي بنى هذه المدينة؟ أين البطالمة والبطالسة؟ أين الرومان وأين الفرس، أين الدولة الأموية أين الدولة العباسية والدولة الأيوبية والدولة الفاطمية، أين الفراعين وأهرامهم ما زالت شاهدة على وجودهم في فترة ما أين وأين كم أهلكنا قبلهم من قرون لا عد لها ولا حصر (أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)) ألا تستنتج من ذلك وتعلم أن الله الذي أوجدك سوف يأخذك كما أخذ من قبلك وها هم ذهبوا هل عاد منهم أحد؟ أرأيتم قارون قام يسعى من قبره؟ أرأيتم أحدا ممن أهلك ممن كان قبلنا جاءنا أو خرج من قبره؟ أين ذهبوا؟ أين مضُوا؟ إلى أين ومن الذي أخذهم ومن الذي أماتهم؟ ومن الذي أهلكهم؟ أليست تلك عبرة؟ ألست صائرا إلى ما صاروا إليه؟ ألم نصلي جنازة هنا في كل جمعة لا تخلو جمعة إلا بصلاة جنازة ألسنا صائرون إلى ما صاروا إليه؟ صاروا إلى ماذا وصاروا إلى أين؟ هذه وحدها آية كافية لذا قال الله، تبارك وتعالى، خاتما قصة القوم (أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)) إذاً لا بد ولهم الرجوع يوما ما حين يعود الكل ويرجع الكل (وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْدًا (٩٥)) [سورة مريم آية‫:‬ ٩٥] (أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ) وقف (أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)) استئناف للكلام لبيان أن من مات لا يرجع حتى يبعث يوم القيامة، لا رجوع، كل نفس ذائقة الموت ولا رجوع وحين يقول الكافر ساعة الموت‫:‬ (رَبِّ ٱرْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَـٰلِحًۭا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ ) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٩٩ - ١٠٠] يقال له (كَلَّآ ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١٠٠]، (وَإِن كُلٌّۭ لَّمَّا جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)) (وإن كلٌ لَمَا جميع لدينا مُحضرون) لَماَ بالتخفيف قراءة (وَإِن كُلٌّۭ لَّمَّا جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)) نعم الكل محضر‫:‬ (يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْدًۭا (٨٥) وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًۭا (٨٦) لَّا يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًۭا (٨٧)) [سورة مريم آية‫:‬ ٨٥ - ٨٧] العهد ذاك العهد الذي بينك وبين الله هو كلمة لا إله إلا الله هي النجاة حبل النجاة لا إله إلا الله ذاك هو حبل النجاة‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم ذهب معاذ بن جبل إلى أنس بن مالك وقال يا أنس لقد أخبرني رسول الله، صلى الله عيه وسلم، فقال‫:‬ ( مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُخْلِصًا دَخَلَ الْجَنَّةَ)، فأسرع أنس إلى رسول الله، صلى الله عيه وسلم، فقال‫:‬ يا رسول الله، يقول معاذ‫:‬ إنك تقول‫:‬ (مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُخْلِصًا دَخَلَ الْجَنَّةَ)، فقال النبي، صلى الله عيه وسلم‫:‬ (صَدَقَ مُعَاذٌ، صَدَقَ مُعَاذٌ، صَدَقَ مُعَاذٌ).‬
‫أيها الأخ المسلم حبل النجاة لا إله إلا الله عليها قامت السموات والأرض لهذه الكلمة من أجلها أرسلت الرسل من أجلها أنزلت الكتب، التكذيب بها دمر القرون (أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِن كُلٌّۭ لَّمَّا جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)) الإحضار‫:‬ والإحضار عند الله ملك الملوك ليس كالإحضار في الدنيا أرأيت نفسك وقد طرق بابك ليلا وجاءك رجلان يستدعيانك إلى، رجال الدنيا وحكام الدنيا ورجال السلطة، الذين تذهب سلطتهم بالموت والمرض فإذا بك تساق ليلا إلى سلطة كيف وأنت تساق إلى ملك الملوك (وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّعَهَا سَآئِقٌۭ وَشَهِيدٌۭ (٢١)) [سورة ق آية‫:‬ ٢١]، نعم ما من عبد إلا ويساق إلى الله هناك المكرمين كصاحب هؤلاء الناس (قَالَ يَـٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ (٢٧)) يكرم ويرفع قدره ويسعى نوره وتجده يمشي آمنا مطمئنا إذا فزع الناس (نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ ۖ ) [سورة التحريم آية‫:‬ ٨]، أحطنا بالنور كله من كل جانب ومن كل زمان وهناك من يقال له‫:‬ (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍۢ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًۭا فَٱسْلُكُوهُ (٣٢)) [سورة الحاقة آية‫:‬ ٣٠- ٣٢]، نعم يحشر المتقين إلى الرحمن ووفدا ويساق المجرمين إلى جهنم ورداً هناك فارق، هناك فارق‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم لا إله إلا الله كلمة نسأل الله، تبارك وتعالى، أن يحيينا عليها وأن يميتنا عليها وأن يبعثنا عليها آمين‫.‬‬
‫حفل القرآن الكريم بالآيات الدالة على وجود الخالق القادر المهيمن المدبر الذي بيده مقاليد الأمور وكل سورة في القرآن الكريم حجة قائمة لا تدع مجالا لجحود كافر أو إنكار ملحد فالآيات في الأرض وفي السماء وفي أنفسنا وفي كل شيء وكل سورة شاهدة على صدق النبي، صلى الله عيه وسلم، ذلك الأميّ الذي لم يقرأ ولم يكتب ومع ذلك ساق من الآيات ما زال العلم يكتشف أسرارها حتى الآن وفي سورة يس يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬
وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ ٱلْأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّۭا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴿33﴾ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّـٰتٍۢ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَـٰبٍۢ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ ﴿34﴾ لِيَأْكُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴿35﴾ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴿36﴾
‫(وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ) علامة دليل فاضح برهان ساطع (وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ ٱلْأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا) (الميّتة) قراءة (أَحْيَيْنَـٰهَا) نعم حيت الأرض بالنبات بعد أن كانت جُرُزا بعد أن كانت الأرض يابسة جافة إذا بها تهتز وإذا بها تنبت الأخضر والأصفر والأحمر والأزرق والألوان المختلفة والطعوم المختلفة (ٱلْأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا) وإذا كان الله، تبارك وتعالى، قد أحيا الأرض وهي في الأصل ميتة فإحياء الموتى وهم في الأصل أحياء أسهل، وإن كان الله، تبارك وتعالى، ليس في قدرته سهل وعسير بل الكل في قدرته سواء فها هي الأرض ميْتة أحياها الله (وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّۭا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)) والحب هنا أنواع وأصناف وأجناس ترك الله، تبارك وتعالى، لنا الفرصة لنتأمل ونحاول الإحصاء فلا نستطيع، لا نستطيع أن نحصي أنواع الحب والتي أساس طعام الناس ولذا قُدِّم الحب في الذكر وجاء نكره ليفيد أن ذاك هو معظم مطعوم الناس (وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّـٰتٍۢ) أي بساتين (وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّـٰتٍۢ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَـٰبٍۢ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ (٣٤)) من نخيل أنواع مختلفة من النخل أحصى منها بعض العلماء في المدينة المنورة وحدها ثلاثمائة وستين صنفا من النخيل (وأعناب) أصناف وأنواع أزواج (وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ (٣٤)) (وفَجَرْنا) قراءتان بمعنى واحد العيون التي انفجرت من الأرض دون جهد من إنسان إذا بالماء العذب يخرج من الأرض يسقي الزرع ويسقي الناس بغير جهد وبغير مسألة من أين؟! وجزء من الأرض يُخرج وجزء من الأرض تخرج منه العيون وجزء من الأرض تخرج منه المعادن وجزء من الأرض تخرج منه الزيوت (وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦ) (من ثُمْرِه) (من ثُمُرِهِ) الضمير في ثُمُرِهِ عائد على الجنات (جَنَّـٰتٍۢ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَـٰبٍۢ) أي من ثمر النخيل والأعناب أو عائد على العيون (وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ (٣٤)) أي ليأكلوا من الثمر التي تنبته مياه العيون، أو الضمير عائد على الذات العلية لأن الله، تبارك وتعالى، هو الذي خلق الثمر (لِيَأْكُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ ) (وما عملت) بغير هاء قراءة أي وكذلك يأكلون مما عملته أيديهم من غرس غرسوه بأنفسهم أو من أصناف استخرجوها فالحب يطحن ويتحول إلى الدقيق ويُخبر وهكذا، وكذلك أصناف الخضروات وغيرها منه العصير ومنه الشراب ومنه المطبوخ ومنه المعجون وما عملته أيدي الناس مما أخرجه الله لهم وما عملت أيديهم، أو (لِيَأْكُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ ) "ما" هنا نافية أي يأكلوا من هذا الثمر الذي أخرجه الله، تبارك وتعالى، لهم ولم تعمله أيديهم (أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (٦٣) ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ (٦٤)) [سورة الواقعة آية‫:‬ ٦٣- ٦٤]، فإما "ما" الذي عملته أيديهم، وإما ما بمعنى لم تعمله أيديهم فالإنسان لم يعمل الحب ولم يعمل التمر ولم يعمل العنب بل الله، تبارك وتعالى، أخرجه وما عملته أيديهم (أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)) السؤال فيه الإنكار إنكار على ترك الشكر ولكن يوحي بالأمر بالشكر لأنه جاء إنكار على ترك الشكر إذاً فهو أمر بالشكر (أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)) إذاً فقد أمر ربنا، تبارك وتعالى، الناس أن يشكروه على نعمائه فلولا الطعام ما بقى الإنسان والطعام الذي به القوام أخرجه الله، تبارك وتعالى، ولم تعمله أيدينا (أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)).‬
‫وجاء التنزيه (سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)) نزه الله، تبارك وتعالى، نفسه عن مقالة الكفار والكلام يشعر بالتعجب فالإنسان إذا تعجب من شيء قال سبحان الله فالله، تبارك وتعالى، يشعرنا بالتعجب التعجب من فعل الكفار الذين أشركوا مع الله غيره وعبدوا الأصنام التي لا تنفع ولا تضر مع رؤيتهم لهذه النعم المتعددة وإقرارهم بأن الله، تبارك وتعالى، هو الموجد لها، أو هو أمر لنا بالتسبيح والتنزيه (سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا) ففيه تقدير الأمر أي أمر لنا بالتسبيح والتنزيه (سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا) الأصناف كلها والأنواع والألوان (مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ) الأرض واحدة والماء واحد نزل من السماء أو نبع من العيون أو جرت به الأنهار الماء واحد والأرض واحدة والأصناف والأزواج والألوان خرجت من الأرض بفعل الخالق الديان (وَمِنْ أَنفُسِهِمْ) من أنفسهم كذلك خلق من الأزواج والأصناف الأولاد والبنات الألوان المختلفة الأبيض والأحمر والأسود ألوان وأجناس وأصناف من نفس واحدة (وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)) إذاً فهناك مخلوقات لا يعلمها الإنسان خلقها الله، تبارك وتعالى، أزوجا وأصنافاً لا يعلمها الإنسان ولم يجعل الله له سبيلا إلى معرفتها إلى يوم القيامة لأن الله، تبارك وتعالى، يقول‫:‬‬
‫( سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)) ولا يعلمون إلى أن تقوم الساعة أصناف وأزواج خلقها الله، تبارك وتعالى، هو العالم بها‫.‬‬‬‬‬
وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ﴿37﴾ وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴿38﴾ وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ ﴿39﴾ لَا ٱلشَّمْسُ يَنۢبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ وَكُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ ﴿40﴾
‫(وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ) علامة أخرى ودليل على وجود الخالق القادر المهيمن الذي لا يغفل ولا ينام (وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ (٣٧)) والآية رغم أقوال العلماء فيها غاية في الدقة الآية فيها استعارة السلخ‫:‬ إخراج الشيء من الشيء فيظهر المسلوخ كسلخ الجلد عن الذبيحة فتظهر الذبيحة وتخرج إخراج الشيء عن الشيء، هذا التعبير وهذه الاستعارة عن إتيان الليل وذهاب النهار، قال فيها العلماء أن ذاك معناه أن الله، تبارك وتعالى، ينزع الضياء من الليل فإذا هو ليل على أصله ومعنى ذلك أن الأصل الظلام والنور عارض (وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ) وكأن النهار غطاء فإذا نزع ظهر المسلوخ ألا وهو الليل (فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ (٣٧)) أي داخلون في الظلمة والظلام أصبحنا‫:‬ دخلنا في الصباح أظْهرنا‫:‬ دخلنا في الظهر أمْسيْنا‫:‬ دخلنا في المساء أي داخلون في الظلمة والظلام بمعنى أن الظلام لا يأتي دفعة واحدة بل إذا سلخ النهار إذا بالليل يأتي تدريجيا (فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ (٣٧)) داخلون في الظلام شيئا فشيئا، منتهى الدقة في التعبير، الغريب في الأمر أن بعض الناس وكأن الله قد أنار بصيرته قال من قبل أن يقول علماء الضوئيات‫:‬ إن الآية تشعر بأن النور ما هو إلا الضياء في خلال الهواء فإذا نزع الضياء من الهواء عاد الكون إلى الظلام وذاك يقوله علماء اليوم إن الضياء لا بد له من وسيط ألا وهو الهواء وبغير الهواء لا يكون هناك ضياء، (وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا ۚ ) أيضا هذه آية قال العلماء (وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى) أي من المشرق للمغرب (لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا ۚ ) لمكان تصل إليه هو نهاية جريها هذا المكان إما هو الغروب من الشروق إلى الغروب كاستقرار المسافر في مكان يصل إليه، وإما (وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا ۚ ) أي لمطلع أو لمغرب جديد فالشمس تطلع يوميا من مطلع وتغرب من مغرب لا تعود إليه حتى يمر العام فللشمس ثلاثمائة وستون مطلعا وثلاثمائة وستون مغربا، إذا أشرقت اليوم من ها هنا لا بد وأن تنحرف في الغد عن هذا المطلع فللشمس مشارق ومغارب هكذا أثبت العلم الآن، لا تخرج الشمس من نفس المشرق بل هي ثلاثمائة وستون مشرقا وثلاثمائة وستون مغربا، لا تعود إليها إلا بعد حولان الحول ومرور السنة الشمسية، إذا فالمستقر هو المشرق والمغرب الذي لا تعود إليه إلا بعد سنة (تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا ۚ ) ذاك هو المستقر، وقال بعضهم بل (تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا ۚ ) هو نهاية العالم وخراب الدنيا فهي لا تزال تشرق وتغرب حتى ينتهي العالم، والأغرب من كل ذلك قراءة قرأها أحد الأصحاب قال (والشمس تجري لا مُستَقرَ لها) عبد الله بن مسعود وكأنه يشعرنا بقراءته أن الشمس تجري بصفة مستمرة ليلا ونهارا لا استقرار لها فهي جارية طوال الزمان، والآن يخبرنا العلماء، علماء الدنيا وعلماء الفلك أن الشمس لا تشرق ولا تغرب، وإنما هو دوران الأرض والشمس تجري بسرعة لا تخطر على بال وهي تسحب معها الأرض والمجموعة الشمسية بالكامل ودوران الأرض بانحراف في مدارها على الشمس هو الذي يغيّر المطالع والمغارب وإنما الشمس تجري آخذة الأرض والقمر والمجموعة بالكامل معها في خط مستقيم لا يدرى متى وأين تصل وإلى ماذا تصل ولكن الاتجاه حسب فإذا هو في اتجاه النجم القطبي الذي هو مركز السماء، إذا فهي تجري وكأن القراءة قراءة بصيرة (والشمس تجري لا مستقر لها) ذلك الجريان وذلك الاستقرار الذي سوف تصل إليه يوما ما (ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ (٣٨)) الغالب بقدرته على كل مقدور المحيط علمه بكل معلوم، ومن غريب أن يقول أبو ذر الغفاري فيما يرويه عنه مسلم في صحيحه‫:‬ إنه سأل النبي، صلى الله عيه وسلم، أين تذهب الشمس يا رسول الله، صلى الله عيه وسلم؟ فقال‫:‬ (فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ)، وتتم الرواية ويتمها البخاري ويقول فيها النبي، صلى الله عيه وسلم، لأبي ذر‫:‬ (أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَسْتَأْذِنَ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلَ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنَ فَلَا يُؤْذَنَ لَهَا، يُقَالُ لَهَا‫:‬ ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا)، وتلك أكبر علامات الساعة حيث لا ينفع نفسٌ إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا (وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ (٣٨)) آية كونية وعلوم أنّى لأميّ أن يأتي بهذه الآيات‫.‬ (وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ (٣٩)) (كالعِرْجَوْن القديم) (كالعِرْجُون القديم) قراءات، القمر قدّرناه منازل والقمر لا يقدر منازل وإنما يقدر لسيره منازل فالكلام والقمر قدّرنا له منازل كقول (وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ) [سورة يوسف آية‫:‬ ٨٢]، أي واسأل أهل القرية (وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ) قدّرنا سيره أو قدّرنا له منازل (حَتَّىٰ عَادَ) رجع (كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ (٣٩)) الشمراخ جريد النخل الذي تعلق فيه السباطة سباطة التمر هذا الشمراخ يقال له الشمروخ العرجون من الانعراج الميل إذا ترك مدة اصفر وجف واستقوس فيشبّه ربنا القمر في آخر منازله بهذا العرجون القديم البالي الذي مضى عليه مدة فاصفر واستقوس وأصبح صلبا وتقوّس كالهلال (وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ) حسبوا المنازل فوجدوها ثمانية وعشرين منزلا للقمر الشمس لها ثلاثمائة وستون منزلا وكذا القمر يدور في شهر له ثمانية وعشرون منزلا يشرق كل يوم من مكان لا يعود إليه أبدا حتى ينتهي الشهر ويغرب في مكان والمتتبع للقمر كل ليلة يجد المكان قد تحوّل ثمانية وعشرون منزلا حتى إذا أتمها استتر المحاق لا يرى، يتناقص من الجهة التي لا ترى الشمس، استتر بعد ثمانية وعشرين منزلا ثم خرج هلالاً من مطلعه الذي طلع منه في بداية الشهر الماضي من نفس المطلع نفس المنازل ثمانية وعشرون منزلا،(وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ (٣٩)) لذا تجد القمر هلالاً ثم يتكامل حتى يصبح بدرا كاملا ثم يتناقص من الجهة التي لا ترى الشمس حتى يعود كالعرجون القديم (لَا ٱلشَّمْسُ يَنۢبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ وَكُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ (٤٠)) الذين قالوا أن الشمس تجري من المشرق إلى المغرب وتتحرك قالوا أي لا تدرك القمر في سيره وسرعة سيره لأن القمر أسرع في السير حيث تراه في السماء أسرع من الشمس فهي لا تدركه لسرعته، ومن قائل لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر أي تغلبه فتطمس نوره، ومن قائل لا ينبغي لها أن تدرك القمر أي تمحو أثره أو تمحو منافعه، ومن قائل أي لا تصل إلى سلطانه فللشمس سلطان وللقمر سلطان ولكل منهما سلطان لا يجتمعان ولا يطغى أحدهما على الآخر حتى يجتمعا يوم القيامة (وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ (٩)) [سورة القيامة آية‫:‬ ٩] هنا وهنا فقط تقوم الساعة (وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ ) أي أن الليل يعقب النهار قال بعضهم قد تكون دليلا على أن النهار خلق قبل الليل وذاك مرجوح هذا الرأي لأن المعلوم أن الأصل هو الليل والنهار عارض وعليه (وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ ) قالوا هي عكس للآية (لَا ٱلشَّمْسُ يَنۢبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ ) كأنه يقول‫:‬ ولا القمر سابق الشمس وجاء بالليل والنهار ليدل على النيَّران اللذان هما السبب في وجود الليل والنهار، أو هما من آيات وعلامات الليل والنهار (وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ ) الليل له وقته والنهار له وقته فإذا جمع الشمس والقمر فلا ليل ولا نهار (وَكُلٌّۭ) أي وكلهم جاء بالتنوين عوضا عن الإضافة (وَكُلٌّۭ) أي الشمس والقمر أو الشموس والأقمار والكواكب والنجوم (وَكُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ (٤٠)) ولم يقل (تسبح) قال (يَسْبَحُونَ (٤٠)) وكلمة (يَسْبَحُونَ (٤٠)) تعبير عن عاقل، عن العاقل، غير العاقل يقال تسبح الأسماك تسبح الأفلاك أما قوله‫: (وَكُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ (٤٠))‬ عاملهم معاملة العاقل أهما كذلك؟ أهما يأتمران بأمر المولى عز وجل؟ أهما يعرفان أين يشرقان وأين يغربان أم أن الله أجراهما مجرى العاقل لأن فعلهما فعل العاقل الطائع العابد الذي لا ينحرف عن أمر الله، تبارك وتعالى‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم الآيات في القرآن وفي كل سورة إذا تأملت فيها آمنت بوجود الله، تبارك وتعالى، الأزلي القائم بذاته المستغني بذاته عما سواه المدبِّر المهيمن المُصرِّف لذا لم تكن للكفار حجة ولله الحجة البالغة لم تكن لهم حجة بعد هذه الآيات لا حجة لكافر لا حجة لمنكر ينكر نبوة النبي، صلى الله عيه وسلم، أو ينكر الألوهية أو يجحد بوجود الله، تبارك وتعالى‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ أبواب السماء مفتوحة وأبواب التوبة مفتوحة والله، تبارك وتعالى يفرح بتوبة العبد‫.‬‬
‫الكثير من الآيات أشكلت على العلماء وصدق ربي، تبارك وتعالى، حيث يقول‫:‬ (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٧] ومن الآيات التي أُشكلت على العلماء قول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬
وَءَايَةٌۭ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ﴿41﴾
الخطاب لأهل مكة (وَءَايَةٌۭ لَّهُمْ) علامة ودليل إنذار نعمة تستحق الشكر (حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ) الذرية‫:‬ الأبناء والأحفاد (فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ (٤١)) فكيف يخاطبهم عن حمل ذريتهم وهم المحمولون، فالذرية لم تأت بعد فقالوا في هذا‫: (وَءَايَةٌۭ لَّهُمْ)‬ الضمير لأهل مكة آية لأهل مكة (أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ) ذرية القرون الخالية (فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ (٤١)) فالضميران مختلفان يستقيم المعنى، وقال بعضهم‫:‬ بل الخطاب لأهل مكة والضميران لهم (وَءَايَةٌۭ لَّهُمْ) لأهل مكة (أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ) أولادهم (فِى ٱلْفُلْكِ) حيث أرسلوهم في التجارات المختلفة وانتظروهم وسارت الذرية في التجارة وعادت بالأموال، ومن قائل أبدا الكلام عن سفينة نوح ويصبح المعنى (وَءَايَةٌۭ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ) أي آباءهم والآباء قد يطلق عليهم الذرية لأن منهم ذرأ الله البنين والبنات، ومن قائل أيضا هي سفينة نوح والآباء والأجداد الذين كانوا مع نوح حملوا وفي أصلابهم الذرية التي تناسلت بعد ذلك فحمْل الآباء والذريات في الأصلاب حمل للذرية (حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ (٤١)) المشحون‫:‬ المملوء الممتلئ تماما وتلك آية أيضا غريبة وعلامة على وجود المهيمن الذي سنَّ السَنن في الخلق وجعل لكل شيء مما خلقه سنة وصفات لا يتجاوزها ولا يتعداها وما على الإنسان إلا أن يكتشف خفايا وكوامن صفات الشيء أو المادة، فلولا اكتشاف نظرية الطفو ما صنعت السفن وما مخرت البحار، فالله، تبارك وتعالى، جعل في الماء سُنَّة أن يحمل بقواعد وقوانين معينة ما يوضع على سطحه، وإلا فكيف مخرت هذه السفن العظام المصنوعة من حديد ولو ألقيت بقطعة من حديد في البحر لغرقت فكيف تطفو هذه السفن العابرة للمحيطات كيف وقد صنعت من حديد وأخشاب ومواد، سنّة أوجدها الله، تبارك وتعالى، في مياه البحر أو في مياه الأنهار نظرية اكتشفت بها صنعت السفن فهي آية، آية يراها الأولون أنها نعمة فقد حملتهم من مكان إلى مكان وسارت بالتجارة، وآية يراها الآخرون من الناس الذين يصلون بعد ذلك بالعلوم إلى هذه الدقة في صفات الأشياء والموجودات التي أودعها الله، تبارك وتعالى فيها‫:‬‬‬‬
وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِۦ مَا يَرْكَبُونَ ﴿42﴾ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ ﴿43﴾ إِلَّا رَحْمَةًۭ مِّنَّا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ ﴿44﴾
‫(وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِۦ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)) المِثْل الإبل فهي سفائن الصحراء قيل ذلك، وقالوا (مِّن مِّثْلِهِۦ) من مثل سفينة نوح ما يركبون الآن إلى أن تقوم الساعة لا زالت السُنّة في المياه موجودة نظرية الطفو (وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ) نعم يُبطل ربنا السُنَّة، هذه السنة يبطلها ربنا فتغرق الأشياء (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ) الصريخ أي المُصرِخ المغيث المعين إذا استصرخت جاء إليك فأنقذك وأعانك فلا صريخ لهم (وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ (٤٣)) نعم وكلكم يعلم ويرى وتحدثنا الأخبار والأنباء مرارا وتكرارا عن غرق السفن الكبيرة المحملَّة بريح عاصف أو بأمواج عاتية أو بغير سبب، حتى ما اكتشفوه واخترعوه وأنشئوه من غواصات نوويه تسبح تحت الماء إذا أراد الله، تبارك وتعالى، إغراقها غرقت (ِلَّا رَحْمَةًۭ مِّنَّا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ (٤٤)) أي ما شاء الله أن ينجيه فعادت السفن إلى قواعدها وعادت البواخر إلى موانيها ولم يُغرقها الله، تبارك وتعالى، فتلك لرحمته لرحمة من الله، تبارك وتعالى، ولتمتيعهم إلى حين إلى انتهاء آجالهم ولعلهم يتذكرون، أي لا يغرقهم الله، تبارك وتعالى، من أجل الرحمة فقط فينجيهم برحمته ولرحمته (ِلَّا رَحْمَةًۭ مِّنَّا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ (٤٤)) إلى حين انتهاء الآجال‫.‬‬
‫قال بعض العلماء في هذه الآية أيضا أن سنّة الله، تبارك وتعالى، في خلقه قد جرت من قديم الأزل على تدمير القرون والقرى وإهلاك الأمم التي كذّبت رسلها، وما من أمة كفرت إلا أهلكت وما من أمة كذبت إلا دُمرت، إلا أمة محمد المثل الإبل ربنا، تبارك وتعالى، استثناها من هذه السنن فقال عز من قائل‫:‬ (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٣] أي يستغفر منهم البعض المؤمنون بهم يرحم الناس، نعم أمة محمد قضى الله، تبارك وتعالى، من الأزل أنها مهما كفرت ومهما كذّبت لا يعاجلهم الله بالعقوبة بل يمهلهم إلى يوم القيامة فأمنت أمة محمد، عليه الصلاة والسلام، من الخسّف والتدمير والإهلاك كما فعل بالقرون الماضية رحمة ومتاعاً إلى حين‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم آيات وآيات دالات على قدرة القادر سبحانه وتعالى وعلى وجوده الأزلي هو الذي أنشأ من العدم ومن قدر على الإنشاء قدر على الإعادة بعد الإفناء وآية لنا الأرض كيف كانت ميْتة فأحياها الله والنبات يخرج ينمو ويزهو ثم يحصد وتعود الأرض إلى ما كانت عليه وهكذا الناس قرون وراء قرون، قرون اندثرت وقرون نشأت وقرية وراءه قرية، وأناس حضروا هنا قبلكم ومضوا وذهبوا إلى الأرض إلى التراب وأصبحوا أثرا بعد عين، وسوف تذهبون ويأتي آخرون، وهكذا فسبحان من له الدوام على الدوام‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم الله الله، الله الله، فاعلم أنك بين مخافتين بين عاجل قد مضى لا تدري ما الله صانع به، وبين آجل قد بقي لا تدري ما الله قاض فيه، فخذ من نفسك لنفسك، خذ من شبابك لهرمك، ومن صحتك لمرضك ومن غناك لفقرك ومن فراغك لشغلك، خذ من نفسك لنفسك ومن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها‫.‬‬
‫من أعظم القربات النصيحة، ومن أعظم المهلكات الصد عنها وصم الأذن عن استماعها، وما من نبي بعثه الله، تبارك وتعالى، إلا وكان ناصحا لأمته وها هو هود يقول لقومه‫:‬ (وَأَنَا۠ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٦٨]، ونوح يقول لقومه‫:‬ (وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٦٢]، وصالح حين يئس من قومه‫:‬ (لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَـٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِينَ (٧٩)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٧٩]، والدين النصيحة كما يقول نبينا، صلى الله عليه وسلم، وأنصح الناس للناس هم الرسل والأنبياء، يليهم بعد ذلك العلماء وقد بعث الله، تبارك وتعالى، محمدا، صلى الله عليه وسلم، فهدى الناس من الضلالة إلى الهدى ومن الكفر إلى الإيمان فاستجاب له من استجاب فحيى بالحق من كان ميتا ومات بالباطل من كان حيا‫.‬‬
‫وتحكي لنا الآيات من سورة يس كيف كانت النصيحة وكيف كان رد كفار مكة، الجدل وصم الأذن عن الحق والعمى عن الهدى والاستكبار يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُوا۟ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿45﴾
نصيحة الرسل ونصيحة النبي، صلى الله عيه وسلم، (ٱتَّقُوا۟ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ) ما بين أيديكم الوقائع التي خلت كيف أهلك الله، تبارك وتعالى، القرون الأولى كيف كانت عاد كيف كانت ثمود كيف كانت قرى لوط (ٱتَّقُوا۟ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ) ما حدث وأنتم تمرون على القرى في أسفاركم (وَمَا خَلْفَكُمْ) من عذاب الآخرة وما يتوعدكم الله به في حالة تكذيبكم أو عذاب الدنيا الأمراض والأسقام والقحط (وَمَا خَلْفَكُمْ) عذاب الآخرة (مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ) ما مضى من الذنوب (وَمَا خَلْفَكُمْ) ما هو آت من الذنوب (مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ) ما مضى من العمر (وَمَا خَلْفَكُمْ) ما بقي من الأجل (مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ) السماء (وَمَا خَلْفَكُمْ) الأرض لأن الله، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (أَفَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۚ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۚ ) [سورة سبأ آية‫:‬ ٩] (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُوا۟) والتقوى أن تحذر ما تخاف أن تتقي تحفظ نفسك وتقيها شر المهالك وتقيها الوقوع فيما قد حذرت منه (ٱتَّقُوا۟ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)) ترجون رحمة الله، لأن العبد إذا أطاع الله، تبارك وتعالى، كان راجيا لرحمته خاف من عذابه فاجتنب النواهي وأتى بالطاعات فرَجى رحمة الله (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)) والجواب محذوف الرد‫:‬ إذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون حُذف الجواب تقديره أعرضوا، ودل على هذا التقدير الآية التالية‫:‬‬
وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴿46﴾
تمرنوا على الإعراض وتمرّسوا على الكفر والاستكبار وما تأتيهم من آية من آيات القرآن الدالة على وجود الواحد الأحد القهار، أو ما نأتيهم من آية معجزات للأنبياء ومعجزات للنبي، صلى الله عيه وسلم، (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ) دلالة قولية أو دلالة فعلية أو دلالة من الخوارق والمعجزات إلا كانوا عنا معرضين هكذا ديدن الكفار في كل مكان (وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿١۰٥﴾) [سورة يوسف آية‫:‬ ١۰٥].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿47﴾
الجدل بالباطل استخدام الحق في تزييف الحقائق صدقوا في القول وكذبوا في الاحتجاج، المؤمنون يقولون أنفقوا مما رزقكم الله إذاً فالرازق هو الله أنفقوا مما رزقكم الله على المحاويج على الفقراء كما أمر ربنا، تبارك وتعالى، فقد جعل أرزاق الفقراء في أموال الأغنياء (أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ) يرد الكفار (قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ) أنتم تقولون أنفقوا مما رزقكم الله إذاً فالله، تبارك وتعالى، هو الرزاق طالما لم يرزق هؤلاء وهو إن يشأ يرزقهم وإن يشأ يمنعهم طالما لم يشأ إن يرزقهم وحرمهم فكيف نرزقهم نحن؟ المقالة صادقة نطعم من لو يشاء الله أطعمه؟ نعم لو شاء الله لأطعم الناس جمعيا لكنهم غفلوا في احتجاجهم وكذبوا في الاحتجاج بهذا كما كذب أسلافهم حيث قالوا‫:‬ (لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٤٨] نعم لو شاء الله ما أشركوا المقالة مقاله صدق لكن الاحتجاج بها في تزييف الحقائق وإعلاء الباطل ذاك هو الكذب صدقوا في القول وكذبوا في الاحتجاج (أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ) طالما حرمهم الله فنحن أحق بذلك منه هو حرمهم ولو شاء رزقهم فكيف نرزقهم أنعصيه ونرزق من لو يشاء أطعمه مجادلة استخدموا الكلام الذي قاله المؤمنون كلام الحق (أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ) غفل هؤلاء عن أن الله، تبارك وتعالى، إذا رزقك مالا ثم جعل في هذا المال حقا للغير فكأنه سلبه منك ولم يصبح حقا لك وإنما أنت مؤتمن عليه فأنت في أموالك حق للسائل والمحروم وفي أموالك حق وهو الزكاة بنسب معينة حددها الشرع طالما حددت هذه النسب وأصبحت حقا للفقير والمسكين والسائل والمحروم أصبحت أنت غير مالك لذلك وإنما أنت مؤتمن عليه وأصبح ما في يدك ملك لغيرك، وكأن الله جعل الرزق للفقراء بأسباب منها إنفاق الأغنياء عليهم ابتلى الله، تبارك وتعالى، الأغنياء بما فرض في أموالهم من حق للفقراء وابتلى الفقراء بما حرمهم من رزق وجعله في أيدي الأغنياء يبتلي الأغنياء أيشكرون ويبتلي الفقراء أيصبرون (قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ (٤٧))، (إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ (٤٧)) من قول الكفار يقولون للمؤمنين الذين أنار الله بصائرهم وتكلموا بالحق يتهمونهم بالضلال إن أنتم إلا في ضلال بين حيث تأمروننا أن نرزق من حرمهم الله، أو الوقف هنا (قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ) وقف (إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ (٤٧)) رد المؤمنون عليهم حين قالوا ذلك كيف نرزق من حرمه الله فقال المؤمنون لهم‫:‬ (إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ (٤٧)) ضلال بعيد في ضلاَلَه وفي ظلمات الكفر والفسق والجهالة لا فائدة منكم ترجى ولا أمل فيكم، أو هي من قول الله، تبارك وتعالى، حكاية عن قول الله، تبارك وتعالى، لهم‫:‬‬‬‬
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿48﴾
بعد أن جادلوا وكذّبوا (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُوا۟ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)) والقول عائد على تلك الآية إذا قيل لهم ذلك قالوا متى هذا الوعد إن كنتم صادقين أي البعث والقيامة والحساب والرحمة التي تمنوننا بها والعقاب الذي تخوفوننا به متى هذا الوعد؟ (وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (٤٨)) حددوا الموعد في يوم كذا في سنة كذا في شهر كذا في ساعة كذا متى وأين (وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (٤٨)) يرد الله، تبارك وتعالى، مهوِّنا شأن البعث وأن الله مستغنٍ عن الأسباب الله، تبارك وتعالى، خلق الأسباب وخلق المسببات بغير أسباب كما خلق عيسى من غير أب وخلق آدم من غير أب ومن غير أم، وخلق حواء من غير أم، وخلق الناس من أب وأم خلق آدم من غير أب ومن غير أم بلا أسباب كن فيكون، وخلق حواء من آدم وكأنها من أب وليست من أم ولا أم لها وخلق عيسى من غير أب فكذا أمر الساعة بغير أسباب فيقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬
مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ﴿49﴾ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةًۭ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ﴿50﴾
‫(وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)) يختصمون في أسواقهم وفي أعمالهم وفي مزارعهم وفي بيوتهم يتخاصمون ويتجادلون في أمور الدنيا غافلون عن الساعة فإذا هي تأتي بغتة وفجأة (مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ) تلك النفخة الأولى نفخة إسرافيل بها يموت كل حي ولا يبقى إلا الله، (مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ) بلا أسباب صيحة يصيحها إسرافيل نفخة في القرن نحن نؤمن به ونفوّض العلم به إلى الله نفخة واحدة صيحة واحدة (تَأْخُذُهُمْ) تأخذهم من الحياة إلى الموت من الدنيا إلى الآخرة بلا أسباب فجأة (وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)) يختصمون أو (وهم يخَصَّمون) بالفتح فتح الياء والخاء قراءة ( وهم يخصمون) بكسر الياء والخاء قراءة ( وهم يَخْصِمون) قراءة، يَخْصِمون من خَصَمهُ إذا جادله وهم يتجادلون (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةًۭ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)) لا يستطيع أحدهم أن يوصي غيره بالتقوى أو يأمره بالمعروف أو ينهاه عن المنكر أو لا يستطيعون توصية الوصية في المال والأهل وهكذا أو لا يستطيعون توصية يوصي بعضهم بعضا بشيء فجأة (وَلَآ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)) ولا إلى بيوتهم يرجعون يؤخذ كل واحد منهم في مكانه بلا حراك ولا حركة فجأة صيحة واحدة لدرجة أن النبي، صلى الله عيه وسلم، يصف لنا ذلك فيقول‫:‬ (وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أَحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا).‬‬‬‬‬
وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ﴿51﴾ قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴿52﴾ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴿53﴾
‫(وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ) النفخة الثانية فهما نفختان النفخة وهي الأولى ويموت بها كل حي ويبقى الله والنفخة الثانية يحيى بها كل ميت والنافخ واحد إسرافيل والقرن المنفوخ فيه واحد وبين النفختين أربعون سنة (وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ) النفخة الثانية (فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلْأَجْدَاثِ) (من الأجداف ) بالفاء أو الثاء قراءتان الأجداث‫:‬ القبور جمع جدث القبر (إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (٥١)) "ينسلون" يخرجون ولذا سمي الولد نَسْلاً لأنه يخرج من بطن أمه لأنه ينسل يخرج من بطن أمه، ينسلون يخرجون سراعا مسرعين من النسلان في المشي‫:‬ الإسراع في المشي (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ سِرَاعًۭا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍۢ يُوفِضُونَ (٤٣) خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ) [سورة المعارج آية‫:‬ ٤٣ - ٤٤].‬
‫يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (٥١)) خرجوا من القبور بنفخة تهوين لأمر البعث نفخة واحدة إذا الكل من القبور خارج مسرع مُلبي النداء للوقوف بين يدي الله الديان (قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ ) حين خرجوا من القبور وفوجئوا بالبعث (قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا) (قالوا يا ويلتنا) (يَـٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ ) وقف (هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ (٥٢)) قراءات وفيها السكتة الخفيفة (مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَـٰذَا) إذا كنت تقرأ بقراءة حفص مع مد المنفصل، أما إذا قصرت المنفصل فالوقف مع أخذ النفس وقف تام، أو هذا صفة للمرقد (مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَـٰذَا) السؤال من الذي بعثنا؟ من الذي أخرجنا من هذه النومة وهذه القبور وكيف خرجنا ومن الذي أخرجنا، أو يا ويلنا يا مصيبتنا التي حلّت بنا من هذا البعث إذا قرأت (يا ويلنا مِنْ بَعْثِنا) رد عليهم المؤمنون (قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ (٥٢)) هذا البعث هو ما وعد به الرحمن وصدق المرسلون في إنذاركم وإخباركم عن هذا البعث، أو هم ردوا على أنفسهم (هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ (٥٢)) بلا وقف بوصل حتى يتصل الكلام هم القائلون (هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ (٥٢)) إذاً فقد أقّرُّوا حين لا ينفع الإقرار هم المتسائلون وهم الذين ردوا على أنفسهم من بعثنا من مرقدنا هذا فتنبهوا وقالوا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون الذين جاءونا ونبهونا وأنذرونا وحذرونا فكذبناهم واتهمناهم بالكذب صدقوا فأقروا وآمنوا واعترفوا حيث لا ينفع الإقرار ولا ينفع الندم (قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ (٥٢)) رد عليهم فهو خبر محذوف المبتدأ خبر لمحذوف، أو هو مبتدأ محذوف الخبر أي هذا ما وعد الرحمن، أو وعد الرحمن بالبعث أو هذا وعد الرحمن وهكذا، (هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ (٥٢)) أي وعد الرحمن ببعثكم وصدق المرسلون فيما أنذروكم به‫.‬‬
‫(إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ) صيحةٌ واحدةٌ قراءة كما قرأت في أول السورة صيحةٌ صيحةً واحدةً على اعتبار إن "كان" تامة وليست ناقصة (فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)) أي فعلة ما هي إلا صيحة واحدة ليس هناك احتياج لأسباب كالتي نراها في الدنيا النبات يأخذ مدة حتى ينمو والأرض تأخذ وقتا حتى يخرج الزرع وتحيا والجنين يأخذ فترة حتى يكتمل النمو في رحم أمه ثم يخرج أما القيامة والبعث فما هي إلا صيحة واحدة بلا أسباب نفخة في الصور نفخة واحدة فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون فهي صيحة تهوينا لأمر البعث تصويرا للموعود وتمكينا له في النفوس وقد يتساءل متسائل هؤلاء في قبورهم معذبون في قبورهم كقول الله، تبارك وتعالى، في شأن فرعون (ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّۭا وَعَشِيًّۭا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ (٤٦)) [سورة غافر آية‫:‬ ٤٦]، حين كانوا يعذبون في قبورهم لم قالوا حين البعث (مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ ) وقرأت (من أهبّنا) (ومن هبّنا) كما هبّ النائم من نومته (من أهبّنا) إذاً فقد كانوا نياما ولو كانوا معذبين في قبورهم ما قالوا من بعثنا من مرقدنا لأنهم يشعرون بالتعذيب في القبر الجواب سهل يسير‫:‬ في النفخة الأولى يموت كل حي كما قلنا، ويرفع العذاب عن أهل القبور فيهجعون هجعة وينامون نومة المدة بين النفختين أربعون سنة من هنا حين تنفخ النفخة الثانية يقومون من نومهم من هجعتهم المؤقتة التي هجعوها بالنفخة الأولى من هنا يتساءلون من بعثنا من مرقدنا ذاك جواب، الجواب الآخر أنهم حين عذّبوا في قبورهم كانوا كالنائم يرى كابوسا أو أحلاما مزعجة فهو نوع من أنواع العذاب فإذا عاينوا جهنم وعذاب الآخرة والمحشر كان عذاب القبر كالنوم بالمقارنة بعذاب الآخرة من هنا كان التساؤل (مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ ) يقول الله، تبارك وتعالى، واصفا للبعث‫:‬ إنه لا يحتاج فيه لأسباب وأنه إذا أراد شيئا فإنما يقول له‫:‬ كن، فيكون فتكفي صيحة واحدة يصيحها ملك من ملائكة الله التي لا تعد ولا تحصى (فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)) محضرون للسؤال والمؤاخذة للثواب أو العقاب‫.‬‬‬‬‬
فَٱلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿54﴾
حكاية لما يقال لهم في ذلك اليوم حين يقومون من الأجداث بصيحة واحدة إذا هم جميعٌ لدينا محضرون يقال لهم حينئذ (فَٱلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا)، حكاية لما يقال، يقال لهم في ذلك اليوم نفس المقالة التي ترددت في الآيات والسور الأخرى كما قلنا يقال لهم (فَٱلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا)، لا يوضع عليها أوزار لم ترتكبها ولا يحمل من أوزارها شيء ولا تحرم من ثواب عمل عملته ولا يضاف إليها ذنب لم تعمله (فَٱلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا)، وكما قال الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ ﴿٤۷﴾) [سورة االأنبياء آية‫:‬ ٤٧]، (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)) فمن عذب فقد عذب بذنبه ومن أثيب فقد أثيب بإحسانه‫.‬ أيها الأخ المسلم يقول حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله، صلى الله عيه وسلم، مبينا لنا أنواع الناس وأنواع القلوب، يقول‫:‬ (القلوب أربعة قلب أغلف وذلك قلب الكافر، على قوبهم أكنة أغطية مغلف عليه غلاف، يمنع من دخول النور والهدى، وقلب مصفح وذلك قلب المنافق، وقلب أجرد، نظيف ليس عليه شيء لا غلاف ولا هو مصفح، فيه سراج يزهر، سراج مضيء بصفة مستمرة، وذلك قلب المؤمن، فيه نور نور مستمر نور من الله، تبارك وتعالى، وقلب فيه إيمان ونفاق ذاك القلب الرابع مثل الإيمان كشجرة طيبة يمدها ماء طيب وريح طيب، ومثل النفاق كشجرة خبيثة يمدها القيح والصديد فأيهما غلب غلب، غلب).‬
‫أيها الأخ المسلم أي القلوب قلبك هل قلب المؤمن الأجرد الذي فيه سراج يزهر ذاك القلب الذي تفتح للإيمان واليقين واستمع للآيات فاعتبر بها واستمع للقرآن فأحل حلاله حرّم حرامه وأيقن أنه من قريب واقفٌ بين يدي الرب، تبارك وتعالى، سائله الله، تبارك وتعالى، عما استرعاه وعما استخلفه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم عما قريب تنفخ النفخة وإذا الناس يتعجبون من بعثنا من مرقدنا وكأنهم البثوا غير ساعة، أيها الأخ المسلم اتق الله في نفسك واتق الله في أهلك واتق الله في دينك واسمع قول النبي، صلى الله عيه وسلم، (الدِّينُ النَّصيحَةُ) قالوا لمن يا رسول الله، صلى الله عيه وسلم، قال‫:‬ (للهِ ولكتابِهِ ولرسُوله ولأئمَّةِ المسلمينَ وعامَّتهمْ).‬
‫حين تقوم الساعة ينادي المنادي أين عبادي الدين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب فيقومون كأنما وجوههم البدر والكوكب الدري ركبانا على نُجُبٍ من نور، النُجُب جمع نجيب والنجيب الركوبة الفارهة الفخمة، أزمَّتها من ياقوت تطير بهم على رءوس الخلائق حتى يقوموا بين يدي العرش فيقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ السلام على عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب أنا اصطفيتكم وأنا اجتبتكم وأنا اخترتكم اذهبوا فادخلوا الجنة بغير حساب فلا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون فيمرون على الصراط كالبرق الخاطف فتفتح لهم أبوبها ثم إن الخلق في المحشر موقوفون يقول بعضهم لبعض‫:‬ يا قوم أين فلان وأين فلان وذاك حين سأل بعضهم بعضا يتساءلون أين فلان وفلان فينادي المنادي‫.‬‬‬‬‬‬
إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍۢ فَـٰكِهُونَ ﴿55﴾ هُمْ وَأَزْوَٰجُهُمْ فِى ظِلَـٰلٍ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ﴿56﴾ لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ﴿57﴾
ينادي المنادي (إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍۢ فَـٰكِهُونَ (٥٥)) (في شُغْلٍ فاكهين) ذلك هو الرد عليهم دخلوا وفاروا وفتحت الأبواب وجازوا على الصراط وهؤلاء موقوفون في المحشر محبوسون بأعمالهم يتساءلون عن أقاربهم عن أبنائهم الصالحين عن آبائهم من الأولياء والعلماء كل يبحث عمن يشفع له، عمن يستغيث به أين فلان، أين فلان، أين فلان، وكأنهم يستغيثون فهم محبوسون في المحشر موقوفون، فينادي المنادي من قِبل الله، تبارك وتعالى، أنتم محبوسون بأعمالكم لا صريخ ولا مغيث إن أصحاب الجنة الذين تسألون عنهم هم اليوم عنكم في شغل فاكهون (هُمْ وَأَزْوَٰجُهُمْ فِى ظِلَـٰلٍ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ (٥٦)).‬
‫يقول الله، تبارك وتعالى، في سورة يس‫: (إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَٱلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤))‬ ، (إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍۢ) ( في شغل) ( في شغل ) ( في شغل) ( في شغل) (فَـٰكِهُونَ (٥٥))،(هُمْ وَأَزْوَٰجُهُمْ فِى ظِلَـٰلٍ) (في ظلل) (عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ (٥٦)). ذلك هو النداء حين يتساءل أهل المحشر وأهل الموقف عن هؤلاء يرد عليهم هم مشغولون عنكم غير ملتفتين إليكم وإن كنتم أبناءهم أو آباءهم أو إخوانهم فلا أخوة ولا قرابة ولا نسب وإنما رفع نسب الله ووضعت الأنساب (إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍۢ) (شُغُلٍ أو شَغَلٍ أو شَغْلٍ) نكرة مبهمة ما هو الشغل؟ أفاض وخاض العلماء في وصف هذا الشغل وكل ما وصف به العلماء هذا الشغل شيء وحقيقة الشُغل شيء آخر، شُغل لا يعلمه إلا الشاغل ألا وهو الله شغلهم بأي شيء؟ بالحور بالكواعب الأتراب بالفاكهة بالقصور بالنعيم بالرضا بالنور بالنظر إليه بالنظر إليهم بأي شيء؟ شغل نكرة مبهمة تعظيم وتفخيم لشغل لا يعلمه إلا الله المنعم المتفضِل (فِى شُغُلٍۢ فَـٰكِهُونَ (٥٥)) فَكِهَ الرجل‫:‬ تنعّم وتلذذ، فاكِهْ: ذو فاكهة الفكاهة الكلام الطيب والمزاح الجميل هؤلاء فاكهون أو فكهون متنعمون متلذذون لديهم ما يشتهون فهم في فرح في سرور في نعيم في حبور في ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر(هُمْ وَأَزْوَٰجُهُمْ) وعطف الأزواج على كلمة "هم" ليبين أنهم مشتركون في كل شيء في الشغل في الفكاهة في الاتكاء على السرر والأرائك، فيما يدعونه ويطلبونه في كل شيء هم وأزواجهم (فِى ظِلَـٰلٍ) جمع ظِل (في ظُلُلٍ) جمع ظُلة (عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ (٥٦)) الأرائك‫:‬ جمع أريكة والأريكة‫:‬ السرير إذا زُين وهُئ ومُهِدَ ووُطِيءَ (عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ (٥٦)) متكئون ليبيّن لا تعب ولا نصب ولا ازدحام ولا نوم ولا غفلة فهم متمتعون فليس هناك ليل ولا نهار بل ظل دائم فهم لا ينامون ولا يتغوّطون ولا يتعبون لا تعب لا نصب لا نوم ولا يقظة بل هم في يقظة دائمة في ظل ممدود على الأرائك هم وأزواجهم متكئون (لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ) في الجنة (وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧)) أي فاكهة؟ والله ما في الجنة من دنياكم إلا الأسماء أفيها رمان كرمان الدنيا؟ أفيها عنب كعنب الدنيا؟ أفيها نخل كنخل الدنيا؟ لا والله وإنما هي أسماء، وما في الجنة من دنياكم إلا الأسماء فقط (وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَـٰبِهًۭا ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٥] وحين يرونه قالوا‫:‬ (هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٥] أبداً والله حتى ثمار الجنة إذا قطفتها مرة وأكلتها ثم قطفنها ثانية والله إن الطعم متغير نفس الشجرة نفس الثمرة إي وربي، إي وربي لا تمل وإن أحدكم ليحتضن الحور الحوراء سبعين عاما والله لا يملها ولا تمله كلما أتاها وجدها بكرا امرأة جديدة شيء جديد لم يرها من قبل تغيرت وسبحان القادر على كل شيء الصانع، وانظر إلى أنواع الثمار وأنواع الفاكهة وأنواع المخلوقات وأنواع الجمال في الدنيا حتى إذا تكلمت مع الحوراء سمعت صوتا لم تسمعه أذناك في الدنيا الصوت الجميل الذي إذا سمعته ألهاك عن كل شيء فإذا صادفتها مرة وتكلمت معها مرة أخرى لوجدت الصوت متغيرا (إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءًۭ (٣٥)) [سورة الواقعة آية‫:‬ ٣٥] إذاً فهي تُنشأ في كل مرة (فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)) [سورة الواقعة آية‫:‬ ٣٦]، وإذا جعلها الله بكرا هل تفض البكر؟ أبداً كلما فضضتها عادت بكرا كما كانت حتى يصدق القول (فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)) [سورة الواقعة آية‫:‬ ٣٦]، أي أبكارا على الدوام وإلا لو فضت مرة ولم تعد بكرا ما قيل في شأنها (فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)) [سورة الواقعة آية‫:‬ ٣٦] أبكارا شغل لا يعلمه إلا الله، أفاض العلماء فيه في هذا الشغل شغلنا الله به جميعا‫.‬‬
‫(لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧)) يدّعون من الدعاء افتعال من الدعاء أي كلما دعا أحدهم بشيء أجيب إلى مطلبه وحصل على ما يريد (وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧)) ما يشتهون، ما يطلبون، ما يسألون، ما يدعون الله به، أو (وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧)) أي لهم ما يدّعيه كل واحد فإذا ادّعى إنسان منهم شيئا وقال هذا لي فهو له ليس كدعوى الدنيا إذا ادّعيت شيئا في الدنيا أنك ادعيت ملكية هذا المسجد عليك أن تثبت وقد يظهر لك شريك أو منافس أو غير ذلك، أما هناك ما تدعيه لنفسك فهو لك، فإذا رأيت قصرا جديدا لم تسكنه من قبل فإذا رأيت القصر وقلت هذا القصر لي انتهى هو لك دون منافس دون منازع.
سَلَـٰمٌۭ قَوْلًۭا مِّن رَّبٍّۢ رَّحِيمٍۢ ﴿58﴾
‫(سَلَـٰمٌۭ قَوْلًۭا مِّن رَّبٍّۢ رَّحِيمٍۢ (٥٨)) "سِلْم" قراءة أي مسلم لا تنازع ولا شجار ولا ادّعاء فهو مسلّم لك بالسلام وبالسلم بغير نزاع (لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧))، (سَلَـٰمٌۭ قَوْلًۭا مِّن رَّبٍّۢ رَّحِيمٍۢ (٥٨)) أي يقول الله، تبارك وتعالى، لهم ذلك قولا أو (وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧)) قولا ما ادعوه وما طلبوه أعطاهم الله، تبارك وتعالى، كل ذلك بقوله (كن فيكون) أو هو وعد من الله وعدهم وقاله لهم (ولهم ما يدعون سلام) (ولهم ما يدعون سلاماً من رب رحيم) قراءات بمعان (سلاما) بالنصب على الحال حال كونهم يطلبون ويأخذون ما يطلبونه في سلمٍ دون نزاع ذلك ما يقوله الله، تبارك وتعالى، أو (سلاما قولا من رب رحيم) فذاك نعت لما يدّعونه، أو (لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَـٰمٌۭ) بدل من "ما" لهم ما يدعون ما هو الذي يدعونه؟ سلام، سلام من؟ وأي سلام هذا الذي يطلبونه (وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَـٰمٌۭ) أي كأنهم طلبوا سلاما خاصا ما هو السلام الذي طلبه هؤلاء في الجنة لهم فيها فاكهة ولهم سلام يدّعونه يطلبونه أهو كذلك؟ إن كان كذلك فقد أخبرنا جرير بن عبد الله البجلي الصحابي الجليل الذي قال ما حجبني رسول الله، صلى الله عيه وسلم، ولا رآنى إلا ضحك منذ أسلمت جرير بن عبد الله البجلي أسلم قبل انتقال النبي، صلى الله عيه وسلم، إلى الرفيق الأعلى بأيام أربعين أو ثمانين يوما جرير بن عبد الله البجلي من اليمن الذي هدم ذي الخلصة جرير يقول‫:‬ بينا، أي بينما، أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب، تبارك وتعالى، قد اطلع عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة وذلك قوله‫:‬ (سَلَـٰمٌۭ قَوْلًۭا مِّن رَّبٍّۢ رَّحِيمٍۢ (٥٨)) فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركاته عليهم في ديارهم (لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧))، (سَلَـٰمٌۭ قَوْلًۭا مِّن رَّبٍّۢ رَّحِيمٍۢ (٥٨)) أي يقوله الله قولا، أو قاله الله قولا، قولا من رب رحيم فهي إما الأشياء يطلبونها فيؤتون بها، وإما ما يدّعونه لأنفسهم يأخذونه بلا نزاع وبلا منازعة، سِلمٌ وإما سلام لهم فيها فاكهة ولهم ما يدّعون سلام أي ولهم أيضا سلام، وإما يدّعون السلام يطلبون سلام الله عليهم فيسلم الله عليهم ويطّلع عليهم وينظر إليهم وينظرون إليه (لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَـٰمٌۭ) هو السلام سبحانه وتعالى ومنه السلام ولا يعلم ما أعد لهؤلاء إلا الله (لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧))، (سَلَـٰمٌۭ قَوْلًۭا مِّن رَّبٍّۢ رَّحِيمٍۢ (٥٨)) تدخلون الجنة برحمة الله تقتسمونها بأعمالكم فما حصُل عليه هؤلاء من دخول الجنة فبرحمة الله وما فازوا به من نعيم فذاك بأعمالهم اقتسموا الجنان‫.‬‬‬‬‬‬‬‬
وَٱمْتَـٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ﴿59﴾
مقالة تقال لهم الناس حين يحشرون يحشر برهم وفاجرهم ويحشر الأمم جاثية على الركب وحين يؤذن بالفصل لابد وأن يتفرق الناس كل بحسب عمله (وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍۢ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)) [سورة الروم آية‫:‬ ١٤]، كما قال الله في سورة الروم فكذلك يقال (وَٱمْتَـٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ (٥٩)) أي تميزوا انماز وامتاز وتميّز‫:‬ انفصل أي تميّز المجرم من المؤمن انفصل المجرم عن المؤمن يُمزوا انعزلوا عن المؤمنين لهم موقف خاص بهم أو امتازوا أي انعزلوا عن كل خير عن كلام الله وعن النظر إلى الله وعن النُجُب من نور التي يركبها المؤمنون وعن الجوز على الصراط كالبرق الخاطف، امتازوا عن كل خير، انفصلوا عن كل خير فهم في السلاسل يسحبون، أو (وَٱمْتَـٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ (٥٩)) أي تتميز الفرق فاليهود فرقة الذين قالوا عزير ابن الله/ والنصارى الذين قالوا المسيح ابن الله والمجوس وعبدة النار وعبدة الأوثان، (وَٱمْتَـٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ (٥٩)) أي انعزلوا وتميزوا وتفرقوا كل فرقة تدعى إلى إلهها وإلى صنمها وإلى وثنها إلى ما عبدته من دون الله، فالتمييز ليس بين المؤمنين والمجرمين وليس التمييز الانعزال عن كل خير بل التمييز بينهم وبين بعضهم، أو كل هذه المعاني واردة وكلها صحيح وقد تجتمع كل هذه المعاني فيتميزون عن المؤمنين (يَوْمَئِذٍۢ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)) [سورة الروم آية‫:‬ ١٤]، يتميز عن بعض وكل فرقة تدعى إلى إلهها وتتميز وتحشر كل فئة من المجرمين مع إمامهم الذي أضلّهم كما يحشر فرعون مع قومه يقدم فأوردهم النار، ويتميزون عن كل خير فيحرمون من كل خير من الشفاعة ومن ومن ومن، أيضا هناك معنى آخر في جهنم لكل فرقة مكان في جهنم لهم دار في جهنم إذا دخلوها أغلق بابها فلا يفتح فلا يرون أحدا ولا يراهم أحد قال هذا العلماء أيضا أن في جهنم دور وأماكن توصد فيها الأبواب فإذا بهم في عزلة لا يرون أحدا ولا يراهم أحد وإذا غلقت عليهم الأبواب فلن تفتح أبدا‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم ها هي سورة يس تصف لنا بإعجاز موقف يوم القيامة تصوره لنا وكأننا تشاهده رأْي العين استحضار للصورة تمكين للأمر في النفوس تصوير بليغ لهذه المواقف والجنة والنار لا ثالث لهما فما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، فانظر لنفسك أيهما تختار الأمان (إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍۢ فَـٰكِهُونَ (٥٥))، أم يقال والعياذ بالله (وَٱمْتَـٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ (٥٩)) الستر أم الفضيحة، السلام أم العقاب، الأمان أم الخوف والانزعاج‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم ما بقى من الدنيا إلا قليل وربنا يصف لنا ويقول‫:‬ (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّنَ ٱلنَّهَارِ) [سورة يونس آية‫:‬ ٤٥] الدنيا والقبر والبرزخ ساعة من النهار‫.‬‬
‫أيه الأخ المسلم كم ودعنا من أناس وكم تركنا من أناس كم وكم وعما قليل نترك نحن الناس ولا نجد إلا أعمالنا‬
‫حفرة في الأرض ضاقت بمرقدنا‬
‫وظلمة تطفئ شمس دنيتنا‬
‫يهال التراب بأيدي أحبتنا‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم المال والولد والبنون زينة الحياة الدنيا ولكنها لا تنفع ولا تشفع ولا ينفع إلا العمل، أنت تزين بيتك وتنور بيتك وتفرش بيتك بالأثاث والرياش وما إلى ذلك هل ذهبت إلى قبرك ففرشته؟ هل ذهبت إلى قبرك فنورته فقد نصب الله، تبارك وتعالى، لعباده حججا عقلية وساق إليهم حججا سمعية آمرةً بعبادته زاجرة عن عبادة غيره وجعل سبحانه وتعالى عبادة غيره عبادة للشيطان لأنه أي الشيطان هو الآمر بها والمزيّن لها، وجعل طاعة الشيطان عباده للشيطان لأن مفهوم العبادة أساسه الطاعة، وقد ساق الله، تبارك وتعالى، الحجج الكثيرة في سورة يس ما لا يدع مجالا لكفر كافر وما لا يدع مجالا لحجة منكر يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا۟ ٱلشَّيْطَـٰنَ ۖ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ﴿60﴾ وَأَنِ ٱعْبُدُونِى ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ ﴿61﴾
وعهد الله، تبارك وتعالى، يعني الوصية أي ألم أوصيكم، وقد يعني العهد أيضا ما نصبه الله من حجج عقلية فأينما تنظر لا بد وأن تعلم بالعقل المجرد أن هذا الوجود له موجد وله خالق مدبر مهيمن مسيطر يدبر الأمور ويصرفها، وإلا كيف جرت الشمس وكيف جرى القمر كيف سبحت النجوم في الفضاء وهي غير معلقة كيف ارتفعت السماء بغير عمد كيف نصبت الجبال بغير وتد وكيف وكيف، حججا عقلية نصبها الله، تبارك وتعالى، لعباده وساق إليهم حججا سمعية على ألسنة الرسل حيث خاطب الرسل أقوامهم ونبهوهم وأنذروهم ونصحوهم ولفتوا الأنظار إلى الخلْق وإلى الوجود وإلى بقاء الوجود (قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٌۭ كَمَا يَقُولُونَ إِذًۭا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًۭا (٤٢)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٢]، فهذا الاستقرار في الكون وهذا الانتظام في الوجود وهذه الطاعة العمياء للموجودات كالأرض حيث تنبت بغير إرادة الإنسان والأنهار كيف تجري والبحار كيف لم تنضب والشموس والكواكب والأفلاك والأمطار كيف وكيف وكيف، ساق الله، تبارك وتعالى، ذلك كله لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا۟ ٱلشَّيْطَـٰنَ ۖ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ (٦٠)) (ألم عهِد إليكم) ذاك هو العهد الوصية على ألسنة الرسل، الحجج العقلية الموجودة في كل مكان، والتعليل لعدم عبادة الشيطان تعليل واضح (إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ (٦٠)) فكيف تعبد عدوك وكيف تطيع من يريد هلاكك كيف؟ (إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ (٦٠) وَأَنِ ٱعْبُدُونِى ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ (٦١)) أي عبادة الله، تبارك وتعالى، صراط مستقيم وجاءت نكرة للتفخيم والتعظيم بيانا للعهد لا تعبدوا الشيطان وأن اعبدوني لأن الله، تبارك وتعالى، هو المستوجب للحمد المستحق للعبادة حيث هو الموجد هو الخالق هو المبدئ وهو المعيد (إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ (٦٠)) ذاك هو الشيطان وعداوته ظاهرة بيّنه لكل ذي عقل ولكل ذي رأي ومن عبد عدوه وأطاع عدوه كان غافلا جاهلا ضالا عن السبيل القويم، أما عبادة الله، تبارك وتعالى، فذاك هو الصراط القويم المستقيم الحق الواضح البين (وَأَنِ ٱعْبُدُونِى ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ (٦١)) ثم دلل الله، تبارك وتعالى، على عداوة الشيطان فقال‫:‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّۭا كَثِيرًا ۖ أَفَلَمْ تَكُونُوا۟ تَعْقِلُونَ ﴿62﴾
‫(وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ) غوى وأغواهم وأضلّهم عن السوي والطريق السليم وكلنا يرى في الأمم السابقة كيف كانت نهايتهم وكيف كان مصيرهم (أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّۭا كَثِيرًا ۖ ) الجِبلِّ: الخليقة والجِبِلّة‫:‬ الخليقة جبل الله الخلق خلقهم والجبل‫:‬ الخلق وقد قرأت بقراءات كلها تؤدي إلى نفس المعنى (جُبْلاً كثيرا ) (جُبُّلاً كثيرا) (جِبْلاً كثيرا) (جَبْلاً كثيرا) (جيلا كثيرا) والجيل‫:‬ المدة من الزمان والجماعة من الناس والكثير الذي لا يعلمه إلا الله فلم يحدد ربنا، تبارك وتعالى، العدد ولكنه قال (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّۭا كَثِيرًا ۖ ) خليقة وجماعات وخلقا كثيرا والكثير لا يعلمه إلا الله تلك دلالة على عداوة الشيطان لذا ختم الآية بقوله‫:‬ (أَفَلَمْ تَكُونُوا۟ تَعْقِلُونَ (٦٢)) لو عقل الإنسان ونظر لرأى مدى عداوة الشيطان، الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر الشيطان يريد أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء يريد أن يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة يلهي العبد عن النعم فلا يشكر يُضخم له المصائب فلا يصبر، الشيطان يبعد العبد عن كل ما هو جميل عن كل ما هو خير حتى يوقع العداوة بين الأب وابنه وبين الرجل وامرأته ذاك هو الشيطان عدو واضح ظاهر العدواة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴿63﴾ ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿64﴾ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿65﴾ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴿66﴾ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مُضِيًّۭا وَلَا يَرْجِعُونَ ﴿67﴾
‫(هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)) الكلام خرج مخرج التصوير والإحضار وكأن الكلام يقال ونحن شهود حاضرون لهذا الموقف انتقل بعد المخاطبة (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّۭا كَثِيرًا ۖ أَفَلَمْ تَكُونُوا۟ تَعْقِلُونَ (٦٢) هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ) إذاً فكأن الكلام من البداية (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ) كأن الكلام من بدايته مما يقال للكفار يوم القيامة تقريعا لهم وإلزاما للحجة، إذا فهذا الكلام (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا۟ ٱلشَّيْطَـٰنَ ۖ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ (٦٠) وَأَنِ ٱعْبُدُونِى ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّۭا كَثِيرًا ۖ أَفَلَمْ تَكُونُوا۟ تَعْقِلُونَ (٦٢)) هذا الكلام لا بد وأن يكون تقريعا لأصحاب جهنم يوم القيامة، فهو خطاب لهم سوف يتم في يوم القيامة، ولذا يقول أبو هريرة، رضي الله عنه‫:‬ (إذا كان يوم القيامة جمع الله، تبارك وتعالى، الإنس والجن والأولين والآخرين في صعيد واحد ثم أشرف، أي اطلّع وخرج وبرز، ثم أشرف عنق من النار على الخلائق فأحاط بهم، خرج لسان من اللهب عنق يشبه عنق البعير لسان من جهنم من اللهب خرج منها، فأحاط بالخلائق جميعا ثم ينادي المنادي (هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)) فحينئذ تجثو الأمم على ركبها وتضع كل ذات حمل حملها وتذهل كل مرضعة عما أرضعت وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، نعم تلك مقالة تقال يوم القيامة إذا أشرف العنق من النار على الخلائق وأحاط بهم وجثت الأمم (وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍۢ جَاثِيَةًۭ ۚ كُلُّ أُمَّةٍۢ تُدْعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)) [سورة الجاثية آية‫:‬ ٢٨]، إي وربي حتى الرسل تجثو على الركب وقد يسأل سائل كيف وقد أمّنهم الله في الدنيا كيف وقد بشرهم الله في الدنيا كيف تخاف الرسل وكيف يقول كل واحد منهم نفسي ثم نفسي ويفر من أمته كيف؟ يقال لهذا السائل من فزع يومئذ ومن إشراف هذا العنق الذي خرج وأحاط بالخلائق ينسى كل مؤمَّن أمانه وينسى كل إنسان نفسه حتى تذهل كل مرضعة عما أرضعت كيف يفر المرء من أبيه وأمه وأخيه وصاحبته وبنيه كيف؟ هنا ينسى الرسل الأمان ينسى الرسل ما بشرهم الله به وأمّنهم، الكل في وجل تجثو الأمم وتجثو الرسل على الركب (هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)) التي أوعدهم بها الله، تبارك وتعالى، على ألسنة الرسل (ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ) جاء موعدكم جاء اليوم الذي كنتم تستعجلونه (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥ ۚ ) [سورة الحج آية‫:‬ ٤٧] صدق الله وعده وجاء العذاب وأشرفت جهنم وجيء يومئذ بجهنم جيء بها ورآها الخلائق (ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ) والصِلَى والصَلْي وصَلاَه شواه (ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)).‬
‫ويبدأ الحساب ومن غريب أن القرآن يحكي لنا أن الكفار يكذبون على الله يوم القيامة كما يكذبون عليكم في الدنيا (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًۭا فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ (١٨)) [سورة المجادلة آية‫:‬ ١٨] يقول أحدهم‫:‬ والله ربنا ما كنا مشركين، يحلفون بالله له في هذا الموقف والله ربنا ما كنا مشركين ويؤتى بالصحف وتظهر الأعمال، (وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٤٩]، ومع ذلك الجدال والكذب والادعاء حتى أن أنس بن مالك، رضي الله عنه، يحكي لنا فيما يرويه عنه الإمام مسلم في صحيحه يقول‫:‬ (كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَضَحِكَ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ قَالَ: قُلْنَا‫:‬ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنْ الظُّلْمِ، قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ).‬
‫يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (٦٥)) ولو لاحظتم لوجدتم في الآية التعبير بالكلام للأيدي وبالشهادة وللأرجل فنسب الكلام للأيدي ونسب الشهادة للأرجل لأن الحاضر إذا تكلم عن غيره فكلامه شهادة وكلام الفاعل على نفسه إقرار، ولما كانت الأيدي هي التي تكتسب وترتكب وتفعل فهي فاعلة نطقت وتكلمت وأقرت بما فعلت، ولما كانت الأرجل حاضرة شاهدة شهدت على العبد بأفعاله لذا يقول‫:‬ (ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (٦٥)).‬
‫ثم يقول الله، تبارك وتعالى، مبينا أمرين، الأمر الأول منتهى اللطف الرحمة الواسعة والإمهال والحلْم، أيضا يبين ربنا، تبارك وتعالى، القدرة على المؤاخذة الفورية والعقوبة الشديدة فيقول‫:‬ (وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مُضِيًّۭا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)) نعم لو شاء الله لطمس على الأعين الطمس المحو المسح الطميس من الناس والمطموس‫:‬ الأعمى الذي ليس بين جفنيه شق الأعين مسدودة ليس هناك شق في العيون ذاك هو الطميس والمطموس ومن طمس الأثر محو الأثر فربنا يقول‫:‬ (وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ) أعميناهم وأذهبنا البصر منهم فوراً (فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ) الصراط‫:‬ الطريق فتبادروا إلى الطريق إذا كان الإنسان سائرا في طريقه أو سائقا لسيارته أو راكبا وهو يبصر وفجأة اظلمت الدنيا في عينيه فجأة وبلا مقدمات فجأة طمست الأعين ماذا يفعل وهو في الطريق لا بد من حدوث الارتباك ويتخبط الناس في بعضهم ويحدث الهرج ويحدث المرج ويتبادروا إلى الطريق وينكفئ الإنسان على وجهه وهكذا إذا كان أناس في مسير في جماعة وإذا بالأعين قد عميت فجأة يتخبط الناس في بعض ويحدث ما تتخيل وما تتصور فيقول الله، تبارك وتعالى، مهددا مبينا أيضا الحلْم بالإمهال والرحمة بالتأجيل‫:‬ (وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مُضِيًّۭا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)) كيف يبصرون الطريق وكيف يعرفون الرجوع إلى بيوتهم أو لاستكمال سفرهم أو استكمال طريقهم وقد مُسحت الأعين من يأتيهم بأعين غير أعينهم، من يفتح لهم الأعين مرة أخرى من يأتيهم بالبصر الذي أذهبه الله، أي أن الله، تبارك وتعالى، قادر على أن يفعل ذلك لكنه لم يفعل رحمة بالخلائق إمهالا لهم ولعل العاصي يتوب، ويقول عبد الله بن سلام، رضي الله عنه‫:‬ إن هذا الأمر في يوم القيامة وقد يعني الكلام هذا أيضا التهديد في الدنيا، أو هو مما يحدث لهم يوم القيامة يقول عبد الله بن سلام، رضي الله عنه‫:‬ إذا كان يوم القيامة ومد الصراط والصراط جسر ممدود على حافتي جهنم أدق من الشعر وأحد من السيف عن يمينه وشماله كلاليب كالخطاطيف تخرج من النار وتخطف الناس من الصراط توقعهم في قعر جهنم فمن الناس من يمر مر البرق الخاطف ومن الناس من يمر مر الريح ومن الناس من يمر مر الراكب المسرع ومن ومن ومنهم فمُسلَّم ناج مُسلَّم وهناك مخدوش ناج ولكنه خدش ومنهم من هو مكردس في النار فإذا كان يوم القيامة ومد الصراط نادى المناد ليقم محمد، صلى الله عليه وسلم، وأمته فيقومون برهم وفاجرهم يتبعونه، يتبعون النبي، صلى الله عيه وسلم، يتبعونه ليجوزوا الصراط فإذا صاروا عليه على الصراط طمس الله أعين فجارهم فمن أين يبصرون الصراط ويجوزونه، (وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ (٦٦)) فالكلام عن الدنيا والكلام أيضا عن يوم القيامة (وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مُضِيًّۭا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)) (مَضياً) قراءات المسخ‫:‬ تحويل الخلقة إلى حجر أو جماد أو بهيمة وقد مسخت أمم قردة وخنازير فربنا، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ) ولو شاء الله، تبارك وتعالى، وهم في مكانهم يباشرون معصيتهم يصبحون أحجارا يفقدون الحراك حجر جماد كما هم على أوضاعهم ويأتي الناس ويحملونهم وينظر إليهم الخلائق أليس الله بقادر؟ بلى قادر وهو يقول‫:‬ (وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ) في وضعهم وفي مكانهم وهم يباشرون المعاصي يجترئون على القوي القهار يغفلون عن المنعم المتفضل الرزاق (وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ) لا يستطيعون حراكا لأن مسخ جمادا أو حجرا أو بهيمة كيف يقبل وكيف يدبر (فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مُضِيًّۭا) أي ذهابا واستمرارا واستكمالا لما هم فيه من المعاصي أو تحركا للأمام ولا رجوعا لحالتهم التي كانوا عليها من حسن الخلقة (ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ (٧)) [سورة الانفطار آية‫:‬ ٧]، لا يستطيعون الرجوع إلى الخلقة المعتدلة المعتدلة التي خلقك الله، تبارك وتعالى، عليها، ولا يستطيعون الرجوع إلى أهلهم أو إلى بيوتهم‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم كلما عصيت الله، تبارك وتعالى، تذكر أن الله، تبارك وتعالى، قادر على أن يمسخك في مكانتك وقد فعل ومسخ القردة والخنازير عصاة من بني إسرائيل كم من أمة مسخت‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴿68﴾
وانظر لمن يمر وطال عمره كيف انتكس نكست الشيء أنكسُهُ قلبته على رأسه فانتكس كيف يبدل الله، تبارك وتعالى، بالقوة ضعفا وبالشباب هرما وبالكمال نقصا وبالقوة عجزا كيف كلما طال عمر الإنسان أصبحت زيادته في نقص ونقصه في زيادة وانتكس وقعت الأسنان وأصبح كالطفل الذي لم تخرج أسنانه بعد وضَعُف منه البصر وضعف منه السمع ووهن منه العظم وضعفت القوى حتى الشهوات لا يعقلها ولا يدريها ولا يشعرها شهوة البطن وشهوة الفرج وانحنى وبدأ يسير على ثلاث وإن طال عمره سار على أربع وحبى كما يحبو الطفل أليس ذلك بقادر على المسخ؟ بلى قادر ذلك دليل (وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)) أيها الأخ المسلم اتق الله في نفسك، اتق الله في نفسك وسارع بالتوبة وسارع بالاستغفار فالله، تبارك وتعالى، ما يزال غفورا رحيما يحب العفو ويأمر بالعفو هيا إليه وتب إليه‫.‬‬
‫فإن الكتابة والقراءة أمر مطلوب ومستحب وأن يكون الإنسان جاهلا بالقراءة والكتابة فذاك نقص فيه وكذا قرض الشِعْر والتمكن من ذلك ميزة وعلو في اللغة وفي الفكر حيث تجود القريحة بالمعاني والتصور والخيال بديع الكلام وإن من الشعر لحكمة وعدم قرض الشعر يعتبر إلى حدٍ ما نقص في فن اللغة، أما الأمر بالنسبة للنبي، صلى الله عيه وسلم، فقد كان عدم معرفته باللغة من حيث قرض الشعر فضيلة وعدم معرفته للقراءة والكتابة فضيلة، فهي له فضيلة ولنا عيب ونقيصة، ولذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍۢ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ ) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٤٨] هذا ليس عيبا في القراءة والكتابة ولا يعيب المرء أن يكون قارئا كاتبا فعدم المعرفة بالقراءة والكتابة للفرد العادي نقيصة وللمصطفى، صلى الله عليه وسلم فضيلة وكذلك الشعر ليس عيبا في الشعر أن النبي، صلى الله عيه وسلم، لا يقوله وإنما هو فضيلة للنبي، صلى الله عيه وسلم، وحتى لا يرتاب المبطلون، لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍۢ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًۭا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ (٤٨)) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٤٨]، قد يقرأ ويكتب ويعرف القراءة والكتابة نقل عن غيره كذلك الشعر يقول الله، تبارك وتعالى، مبينا تلك المزية والفضيلة للنبي، صلى الله عيه وسلم‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنۢبَغِى لَهُۥٓ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ وَقُرْءَانٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿69﴾ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّۭا وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿70﴾
عاش النبي، صلى الله عيه وسلم، أربعين سنة قبل البعثة في قومه ما قرض الشعْر مدة وما درى وما علم عن قوافيه وأوزانه وأنواعه شيئا أربعون سنة لا يقرض الشعر، فلما نزل القرآن وقال بعضهم هو شعر وهو شاعر هم ردوا على أنفسهم ومنهم عتبة بن ربيعة قال لهم وهو من صناديد قريش والله لو قلتم شاعرا لكذّبكم العرب جميعا فإنهم يعرفون الشعر أوزانه وأنواعه وما هو بالشعر لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنۢبَغِى لَهُۥٓ ۚ ) وما يستطيع حتى لو أراد هو أن يقرض شعرا لن يستطيع لم يمكن لم يمكنه الله، تبارك وتعالى، من القراءة ولم يمكنه من الكتابة ولم يمكنه من قرض الشعر فضيلة له وحجة على الكفار وكي لا يرتاب المبطلون (إِنْ هُوَ) القرآن (إِلَّا ذِكْرٌۭ وَقُرْءَانٌۭ مُّبِينٌۭ (٦٩)) ليس سحرا وليس شعرا بل هو ذكر يذكركم بالله هو ذكر لله هو كلام لو قاله الإنسان وتلاه بعقيده لأصبح ذكرا لله هو ذكر لما هو آت وما هو ماض والأمم السابقة ذكر وتذكير إنذار وبشارة (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ وَقُرْءَانٌۭ مُّبِينٌۭ (٦٩)) أي قرآن كلام يتلى ويقرأ واضح بين (لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّۭا وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ (٧٠)) (لتنذر) لتنذر يا محمد إن كانت القراءة بالتاء، (لِّيُنذِرَ) ليُنذر الله، تبارك وتعالى، لينذر محمد، صلى الله عليه وسلم، لينذر القرآن (مَن كَانَ حَيًّۭا) من هو الحي من الناس؟ العاقل العالم المؤمن لأن الله، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّۭا وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ (٧٠)) المقابلة اللفظية يحق القول أي تجب كلمة العذاب على المصرِّين على الكفر الذين ماتوا عليه إذا فهذه المقابلة اللفظية تعني أن من كان حيا هو المؤمن مصداقا لقوله، تبارك وتعالى‫:‬ (أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٢٢]، إذاً فالإيمان حياة القلوب والكفر موات للقلوب فالحي من الناس العاقل الفهم الفطن المؤمن العارف بربه والميت من الأحياء هو الكافر الجاحد للألوهية ولوجود الله، تبارك وتعالى‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم لقد بعث الله، تبارك وتعالى، محمدا، صلى الله عليه وسلم، فهدى الناس من الضلالة إلى الهدى ومن الكفر إلى الإيمان فاستجاب له من استجاب فحيى بالحق من كان ميتا ومات بالباطل من كان حيا ثم خلت النبوة وجاءت الخلافة الرشيدة على منهاجها ومضت الخلافة، وجاء الملك العضوض، كل تملّك وتملك وعض على ملكه وغفل الملوك عن المَلِك الحق فحكموا بشرعهم وغفلوا عن شرع الله، تبارك وتعالى، القرآن دين ودنيا الشرع دين ودنيا فقد تولانا الله، تبارك وتعالى، في كتابه الكريم من المهد إلى اللحد بل من قبل ذلك وبعد ذلك حيث تولاك وأنت في بطن أمك بل وأنت في صلب أبيك فقص عليك (فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِن مَّآءٍۢ دَافِقٍۢ (٦)) [سورة الطارق آية‫:‬ ٥- ٦]، في الأصلاب بل من البداية‫.‬‬
‫(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٧٢]، وتولاك ورعاك وأقامك وعدلك وأفهمك وحدّثك وكلمك وعهد إليك ووصاك دين لك كيف وكيف كيف الأكل وكيف المشارب كيف الحلال وكيف الحرام العلاقات بين الأب والابن بين الرجل وامرأته جعل لكم سكنا من أنفسكم الزواج والطلاق والمعاملات والتجارة والربا والحلال والحرام وما أحله وما أباحه وما حرمه وما منعه المحظورات والممنوعات والمبيحات ثم تولاك وحدثك وكلمك عن الموت (وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ ۖ ) [سورة ق آية‫:‬ ١٩] وبين لك من الذي يتوفاك بالليل ومن الذي يتوفاك حين الموت شرح لك كل شيء حتى الموت ثم السؤال في القبر ثم ما بعد القبر وحياة البرزخ ثم بين لنا يوم القيامة والصراط إذا مد وأقيمت الموازين (فَٱلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)) [سورة يس آية‫:‬ ٥٤]، ثم بيّن كيف يتفرقون ويتميزون (وَٱمْتَـٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ (٥٩)) [سورة يس آية‫:‬ ٥٩]، فريق في الجنة وفريق في السعير، ذاك هو القرآن، فكيف تبتغي الهدى في غيره كيف تبتغي الحكمة في غيره؟ كيف تشرِّع لنفسك وأنت ناقص وقد شرّع لك الكامل؟ كيف تشرِّع لنفسك وأنت مصنوع وقد شرع لك الصانع، والصانع أدري بصنعته؟ كيف تبتغي الأحكام من فلاسفة الدنيا ومدَّعي الحكمة ومدَّعي العلم كيف تفاضل وتحكم بين الناس بشريعة وضعتها الأيدي والعقول بالهوى والغرض وتترك شرع الله كفى أن الله، تبارك وتعالى، هو المحاسب يوم القيامة بغض النظر عن الشرائع والمقارنة بين شرع الله وشرع الناس لا تقارن وإن كانت المقارنة ممنوعة ذاك شرع الله الخالق العالم وذاك شرع الناقص المصنوع الجاهل المتبع للهوى بدليل أن الناس لم يتفقوا على شريعة ولا شرع ولا أحكام فأحكام الدول الشيوعية تخالف أحكام الدول الرأسمالية في كل شيء وكل دولة بحسب نظامها، وكل دولة بحسب هوى رئيسها، لم يتفق الناس على شيء إذا فهم في خلاف والخلاف هو الباطل أما الله، تبارك وتعالى، فقد شرع شرعا واحد للناس الحق المطلق، ومع كل ذلك أما يكفيك أنه يوفقك يوم القيامة ويسألك كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته كفى بهذا دافعا لطاعة الله وللحكم بما أنزل الله‫.‬‬
‫من أعظم الأخطاء وأجّلها أن تقاس قدرات الله، تبارك وتعالى، على قدرة البشر وأن يحكم على الله، تبارك وتعالى، في قدرته أو في علمه أو إرادته بما يحكم به على البشر، فكما أن الله، تبارك وتعالى، ليس كمثله شيء فهو كذلك ليس في مثل قدرته قدرة وليس لمثل علمه علم وقياس قدرة الله، تبارك وتعالى، على قدرة البشر خطأ ووقع فيه الجاهلون ووقع فيه المشركون وربنا، تبارك وتعالى، يسوق من الآيات ما يدلل على أنه الواحد القادر القهار وأن ما يصنعه الله لا يصنعه أحد من خلقه وبقليل من التفكر أو التأمل يتضح لك أن الموجودات والتي كانت لم تكن أوجدها الموجود الأزلي الحق بإرادته، سبحانه وتعالى، حيث شاء وكيف شاء وفي هذه السورة سور يس والتي نحن بصددها يضرب الله، تبارك وتعالى، الأمثال ويسوق الحجج ويسوق البراهين حتى لا تكون للمشركين حجة يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَـٰمًۭا فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ ﴿71﴾ وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴿72﴾ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ وَمَشَارِبُ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴿73﴾
الأنعام ضرب الله، تبارك وتعالى، بها المثل لأن الأنعام منافعها عظيمة ولا يستغني عنها إنسان أيا كان فالإنسان لا يستغني عن اللبن ولا يستغني عن اللحم ولا يستغني عن العمل في الحقل ولا يستغني عن الصوف أو الوبر أو الأشعار كل ذلك موجود في الأنعام فربنا، تبارك وتعالى، ينبه ويلفت نظر هؤلاء المنكرين الجاحدين (أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَـٰمًۭا فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ (٧١)) ذكْر الأيدي في هذه الآية استعارة يقصد بها المبالغة في الاختصاص والتفرد بالإحداث فالله، تبارك وتعالى، غير محتاج لجارحة وغير محتاج لأداة في خلق الأشياء أو في إحداثها وصنعها ولكنه ذكر الأيدي ليبين أنه لا خالق لهذه الأنعام إلا الله فهو المختص بالإيجاد المتفرد بالإحداث (أَوَلَمْ يَرَوْا۟) والرؤية هنا ليست رؤية النظر بقدر ما هي رؤية القلب ورؤية العلم (أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَـٰمًۭا فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ (٧١)) مالكون لها مسيطرون عليها متملكون لها بتمليك الله، تبارك وتعالى، لأن الناس لم يصنعوا هذه الأشياء بل وجدوها ولو رجعت إلى قديم التاريخ لوجدت أن هذه الأشياء لم تكن مستأنسة فاستأنسها الإنسان أو كانت مستأنسة ووجدها الإنسان فتملكها واستولى عليها فأطاعت وانقادت هذه الأنعام التي خلقها لهم فهم لها مالكون (وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ) جعلنها وصيّرناها منقادة مطيعة مذلّلة فتجد الطفل الصغير يقود الجمل الكبير كيف شاء يبركه ويقيمه ويسير به وكذلك البقر والجاموس مع عِظَم الحجم تجد الأطفال الصغار تحلبها فتسلم لها الضرع وتعطيها من اللبن بغير امتناع وإذا بها تربط في الأدوات الزراعية وتسير وتسمع وتطيع منقادة بغير امتناع بغير تراخ بغير توقف بغير اعتراض مذللة كيف؟ من الذي أمرها بذلك وطوعها لذلك؟ هو الله (وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ) رُكُوبُوهم رَكُوبَتُهُم الرّكوب والرُكُوب كالحلوب ورَكوبَتُهُم كالحلوبة (فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ) يركبون عليها كالبغال والحمير والجمال والجياد (وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)) من لحمها (وَلَهُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ وَمَشَارِبُ ۖ ) لهم منافع عديدة من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين الثياب الكساء ساتر العورة الخيام الغزل منافع حتى في العظام حتى في العروق في كل شيء منافع جعل ربنا، تبارك وتعالى، في هذه الأنعام منافع جمة لهم فيها منافع كثيرة (أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)) أفلا يشكرون الله، تبارك وتعالى، على هذه النعم التي صنعها لنا وخلقها لنا وما كان لنا أن نخلقها أو نصنعها وما كان لنا أن نذللها أو نطوّعها لنا إلا بأمر الله، تبارك وتعالى، ورغم ذلك ورغم هذه النعم ورغم هذه الرؤية ورغم هذا الكلام‫:‬‬‬‬‬‬
وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةًۭ لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ﴿74﴾ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌۭ مُّحْضَرُونَ ﴿75﴾
‫(وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةًۭ) رغم كل هذا اتخذوا من دون الله آلهة والآلهة الأصنام والأوثان (لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ (٧٤)) رجاء أن تنصرهم هذه الآلهه ورجاء أن تشفع لهم وفي الواقع هذه الآلهه وهذه الأصنام لا تستطيع النصر (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌۭ مُّحْضَرُونَ (٧٥)) اتخذوها آلهة رجاء النصر طلبوا من عندها النصر وهي لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع ولا تخلق ولا تصنع، ومع ذلك اتخذوها آلهة رجاء النصر من عندها ورجاء الشفاعة ورجاء قضاء الأمور والمصالح فقدموا لها القرابين وأنشئوا لها العبادات والطاعات والمواسم وما إلى ذلك في حين أن هذه الآلهة لا تستطيع نصر أنفسها أصلا فكيف تنصرهم (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ) لم يقل ولا تستطيع قال لا يستطيعون والكلام عن العاقل أنزلها منزلة العاقل لأن الناس اعتبروا الأصنام عاقلة تنفع وتضر فأنزلها في الكلام منزلة العاقل فقال (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌۭ مُّحْضَرُونَ (٧٥)) وهم من هم؟ العبدة الذين عبدوا الأصنام جند محضرون للأصنام يذبُّون عنها ويدافعون عنها ويحرسونها ويتضررون بإيذائها ويدافعون عنها فكأنهم جنود تحرس وتحمي هذه الآلهة مع أنها لا تستطيع أن تنصرهم العبدة الجهلة الكفار كأنهم جنود محضرة تحمي وتحرس وتقدم القرابين للأصنام وتدافع عنها أو "وهم" الأصنام الآلهة لا يستطيعون نصرهم "وهم" الأصنام "لهم" للكفار وللعبدة (جُندٌۭ مُّحْضَرُونَ (٧٥)) محضرون يوم القيامة حيث تصبح الأصنام والآلهة آلات تعذيب للكفار نار وقودها الناس والحجارة، الحجارة التي عبدوها في الدنيا تدخل معهم جهنم يعذبون بها فهم أي الآلهة والأصنام والأوثان جنود محضرة يوم القيامة يسومون الكفار سوء العذاب‫.‬‬‬‬‬‬
فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿76﴾
‫(فَلَا يَحْزُنكَ) (فلا يُحزِنك) قراءتان من حَزَنَهُ أو أحُزَنَهُ (فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ) وقف لازم هاهنا (فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ) في الله، تبارك وتعالى، في وصفه بالعجز لا يحزنك قولهم عن الله أنه لا يحيي الموتى لا يحزنك قولهم عن الله أنه له شركاء ولا يحزنك قولهم في شأنك أنك ساحر أو أنك كاهن أو أنك مجنون أو أو لا يحزنك قولهم بما لا يليق في الله وربما لا يجب فيك (إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)) وطالما كان الله، تبارك وتعالى، يعلم إسرارهم وعلانيتهم فلا بد مجازيهم على ذلك فهي تسلية للنبي، صلى الله عيه وسلم، لا تحزن لمقالتهم في شأنك وفي الله لأننا نعلم ما يقولونه علنا وما يقولونه سرا وسوف يؤاخذون عليه نعذبهم به يوم القيامة فهي تسلية للنبي، صلى الله عيه وسلم، ووعد بالانتقام من أعدائه الذين قالوا فيه ما قالوا والذين قالوا في الله ما يجب ومالا يليق ويتكلم‫.‬ بعد ذلك القرآن في هذه السورة عن كافر جاء للنبي، صلى الله عيه وسلم، واختلفوا في اسمه جاءه بعظام باليه وأخذها بيده وقال له أتزعم يا محمد أن ربك يحيي هذه العظام بعد ما رمّت فقال نعم يحييها ويبعثك ويحييك ويدخلك النار وقد قتل كافرا هذا الرجل أبي بن خلف فذرّها وقال لو ذرّيتها في الهواء أقادر على جمعها فنزل قول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬
أَوَلَمْ يَرَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿77﴾ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًۭا وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ ۖ قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌۭ ﴿78﴾ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴿79﴾
نزلت الآيات في شأن هذا الرجل وكما قلنا من قبل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فهي نزلت في سبب خاص بمقالة خاصة لكافر ما ولكن الآية عامة في كل من يزعم أن الله، تبارك وتعالى، لا يحي الموتى وفي كل من يزعم أن الله، تبارك وتعالى، غير قادر على البعث والنشور يجيب الله، تبارك وتعالى، على الإنسان السائل هذا الكافر كأنه يقول‫:‬ الجواب من نفسك هذا الإنسان الذي سأل ألم ينظر إلى بدء خلقه مما خلق (أَوَلَمْ يَرَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍۢ) النطفة‫:‬ القطرة الماء المهين‫:‬ نطفة الرجل النطفة من نَطَفَت القربة تنطف أو نَطَفَ الماء قَطَر قطْر إذا سقط إذا تفاطرت المياه من القربة قطرة أو من الصنبور قطْرة قطْرة فنقول نطفت والنطفة‫:‬ القطرة هذا الإنسان خلق من نطفة وانظر إلى النطفة ما هي وكيف هي؟ ماء مهين لا حياة فيه رطب لزج قد يتقذر منه الإنسان لا تسمع لا تبصر لا تتحرك لا تعقل لا شيء تلك بداية الخلق أنت نسيت هذا وها أنت تسأل وتضرب المثل لله وتقول كيف يحيى العظام وهي رميم النطفة رطبة وقد تشعر بأن فيها الحياة للزوجتها ورطوبتها وحرارتها أما العظام فجامدة يابسة لا تشعر بوجود حياة من هنا ضرب الكافر مثلا للعظام وضرب الله، تبارك وتعالى، له المثل بالنطفة ويبين ربنا، تبارك وتعالى، أنه القادر على إيجاد الضد من الضد فيقول هذا الذي ضرب المثل نسي خلقه بعد أن خلق من نطفة إذا هو خصيم مبين (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًۭا وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ ۖ قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌۭ (٧٨)) هو خصيم مبين يخاصم الله، تبارك وتعالى، شديد الخصومة والمجادلة (مُّبِينٌۭ (٧٧)) موضّح لحجج واهية يأتي بالباطل ليدحض به الحق واضح في خصومته مبين في عداوته بعد أن كان نطفة مذِرة إذا هو خصيم مبين كيف؟ انظر في نفسك والجواب من نفسك كيف تحولت أنت من نطفة إلى كيان قائم مستقل يتكلم ويخاصم ويجادل ويوضح ويبين الحجة ناطق تسمع وتبصر وتجادل وتخاصم كيف وصلت لهذا؟ (أَوَلَمْ يَرَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ (٧٧)) وقد تحمل الآية معنى آخر خلق من نطفة لا تتحرك لا تتكلم لا تسمع لا شيء قطرة كالماء إذا هو بعد فترة من الزمن مِنْطيق ذو منطق مجادل يجادل ويخاصم ويعمل ويبيع ويشتري ويتكلم ويذهب ويجيء ويحكم ويأمر ويتصرف ويفعل خصيم قادر على الخصام والجدال مع غيره مبين منطيق موضح لما في نفسه فهناك من المخلوقات ما لا يستطيع أن توضح ما في نفسها كالكلب مثلا العصفور البهائم كيف توضح أما الإنسان فهو مبين يستطيع أن يبين ويعبر عن مكنون نفسه كنت نطفة لا تبصر ولا تسمع ولا تعقل لا شيء لم تكن شيئا مذكورا فإذا بك مجادل مخاصم محارب مدافع عامل صانع زارع توضح عن نفسك وتعبر عما في داخلك من أين كل ذلك؟ كيف؟ فالجواب من نفسك أيها السائل المتردد (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًۭا) المثل‫:‬ الشيء العجيب الذي يضرب به المثل ويتعجب منه (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًۭا وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ ۖ ) كيف تنسى نفسك كيف تنسى أنه أنشأك من العدم (قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌۭ (٧٨)) رمّ العظم فهو رميم بالى بَلىَ ويقول الله، تبارك وتعالى‫: (قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۖ )‬ الآية فيها دليلان الدليل الأول‫:‬ القياس والقياس مسموح به فالآية دليل على صحة القياس حيث قاس الله إعادة الإنشاء بالابتداء فقال‫:‬ (قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۖ ) فذاك هو القياس إذا قد أذن لنا بالقياس في استنباط الأحكام ذاك الدليل الأول على صحة القياس هناك دليل آخر أن العظام فيها حياة وتنجس بالموت لأن الله قال (يُحْيِيهَا) إذا فقد كانت ميتة يحييها إذاً يدخل فيها الحياة إذا فعظام الإنسان والعظم عموما فيها الحياة وليست الحياة في الشعر أو الجلد أو اللحم فقط بل أيضا العظام فيها حياة فإذا كانت فيها الحياة نجست بالموت (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)) أنشأها أول مرة من العدم لم يكن هناك شيء فخلق الله العظام من لا شيء هل هذا أسهل أم إعادتها ومادتها موجودة أسهل ها هي العظام موجودة كل ما هناك أنها بليت ورمت لكن أصل المادة موجود فإعادة المادة وأصلها موجود أيسر وأسهل في قياس عقول البشر من إيجاد المادة من العدم فالذي قدر على الإنشاء من العدم قادر على الإعادة من المادة التي بليت ورمّت من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)) خلق وعلم بأحوال الخلق من قبل أن يخلقوا وجميع أجزاء وتفصيلات المخلوقات والموجودات والمحدثات يعلمها الله من الأزل فإن غرق إنسان في بحار وأكلته الأسماك وتفرق جسده في بطون السمك أو في حواصل الطيور أو في بطون السباع أو دفن وتشتت أشلاء جسده وذُرِّي في الهواء أليس الذي أنشأه قادر على أن يجمعه من هنا يقول‫:‬ (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)) يعلم أماكن وتفصيلات المرئيات في هذه المخلوقات والموجودات لأنها في ملكه ولم تخرج خارج ملكه فهي في ملكه الذي أنشأه وأوجده وقدّر فيه الأمور من الأزل فمهما تشتت وذُرّيت في كل مكان يعلم أماكنها وتفصيلاتها ويأتي بها حيث شاء وكيف شاء وقتما شاء فهو بكل خلق عليم والتأمل في آية النطفة مطلوب ونحن نختصر ونترك وندع المجال لك في التأمل وأنت تعلم أن النطفة ماء لزج وإذا دخلت في الرحم والتحمت ببويضة المرأة أصبحت علقه أصبحت مضغة والمضغ كقطعة اللحم الممضوغ لحم فقط فمن أين جاء العظم؟ من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ يعيده ويحييها الذي أنشأها أول مرة وأنت تعلم أن المرأة إذا أسقطت حبلها وجدت أن السقط كتل من الدم المتجمد مضغة ليس فيها عظم فمن أين أتى هذا العظم؟ وكيف؟ فإعادة العظم بعد ما رمّ وبعث الحياة فيه أسهل وأيسر في قياسكم من إيجاد العظم من لا شيء وإن أوجد العظم من اللحم من المضغة من كتلة الدم فالأسهل أن يوجد العظم من تراب العظم نفسه (قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)).‬‬‬‬
ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلْأَخْضَرِ نَارًۭا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ﴿80﴾ أَوَلَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ ﴿81﴾ إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ﴿82﴾ فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿83﴾
‫(ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلْأَخْضَرِ نَارًۭا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)) لم يكن العرب لم يكونوا يعرفون الكبريت إيقاد النار في الأزمنة الغابرة كان من النبات وكان هناك شجر يسمى المَرخ والعفار كان يأخذ من هذه عود ومن هذه عود يأتي بالعفار ويحك عليه بالمرخ وهي أغصان طرية خضراء تقتر ماءً فإذا حكها خرج منها الشرار فأوقد النار فربنا، تبارك وتعالى، يذكرهم بما يفعلوه ويستخدموه في حياتهم (ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلْأَخْضَرِ نَارًۭا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)) كيف؟ الشجر أخضر طري رطب فيه الماء كيف ينشأ منه الإيقاد والنار واللهب وما إلى ذلك؟ إذاً فهو القادر على خلق الأشياء من ضدها يخرج الضد يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي الأشياء من أضدادها ذاك معنى قاله المفسرون، وإن رجعنا إلى كلام العلماء علماء العلوم الدنيوية نجدهم يقولون إن الفحم المستخرج من الأرض والذي هو أساس الوقود في العصور الماضية كلها أصل هذا الفحم شجر أخضر تيبس فتحول الشجر الأخضر إلى فحم، وكل الفحم الموجود في الدنيا أصله نبات ولذا يسمونه فحم نباتي، فهو أشجار قديمة دفنت ومضت عليها العصور فتفحمت وتحولت إلى الفحم فكيف تحول الشجر الأخضر إلى النار؟ الله، تبارك وتعالى، قادر على كل شيء يخرج الأشياء من ضدها ويبدئ ويعيد (ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلْأَخْضَرِ نَارًۭا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)).‬
‫ثم يلفت النظر إلى الضخامة والعِظم في الإيجاد (أَوَلَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ) على ضخامتها وعظمها وكل ما فيها والكواكب السيارة والنجوم والأفلاك والشموس والأقمار (بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ ) مثل هؤلاء الكفار المنكرين، خلق الإنسان أكبر أم خلق السموات والأرض أكبر ربنا، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)) [سورة غافر آية‫:‬ ٥٧]، فالذي خلق السموات والأرض أليس هذا بقادر على أن يخلق مثل هؤلاء الكفار المنكرين؟ لم يتركهم ليجيبوا بل أجاب هو، سبحانه وتعالى، حيث لا إجابة سواها حيث قال‫: (بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ (٨١))‬ لأن "بلى" لأن كلمة بلى إجابة على السؤال إذا قدم بصيغة النفي (أَوَلَيْسَ)، (بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ (٨١)) (بلى وهو الخالق العليم) قراءتان (بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ (٨١)) الخلاّق لأن الله، تبارك وتعالى، خلق وخلق من الأزل ولا زال يخلق وسوف يخلق (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)) [سورة النحل آية‫:‬ ٨]، فهو قادر على أن يخلق مثل هؤلاء المنكرين الجاحدين ويعيدهم بعد الفناء كما بدأهم من غير مادة من غير شيء (إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (٨٢)) أي إنما شأنه (إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا) إذا أراد إحداث شيء أو إيجاد شيء أو تغيير شيء (أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (٨٢)) أمر لمأمور بالوجود فيوجد بعد أن لم يكن موجودا، سبحانه وتعالى، أمره بين الكاف والنون الله، تبارك وتعالى، ليس محتاجا لأداة وليس محتاجا لجارحة وليس محتاجا لمادة وليس محتاجا لمزاولة عمل، وإنما هو إذا أراد شيئا فإنما أمره كلمة كن فيكون (فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)) (وإليه تَرجعون) (وإليه يرجعون) نعم إليه المرجع والمآب‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم عد إلى الله وتب إليه وتأمل في خلقه، واعلم أنك موقوف بين يدي ربك مسئول عن عملك، سائلك عما استخلفك فيه واسترعاك، فتب إلى الله وارجع إليه‫.‬‬
‫واعلم أيها المسلم أن الله، تبارك وتعالى، لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها قادرا مع تأخر المقدورات عالما مع تأخر المعلومات، وكل ما يقتضي الاستقبال في قوله
، تبارك وتعالى‫:‬ (إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (٨٢)) فهو بحسب المأمورات إذ المحدثات تجيء بعد إن لم تكن وربنا يوجد المحدثات ويوجد الموجودات بإرادته وهو مريد من الأزل والمعنى الذي تقتضيه كلمة كن قائم بالذات العليا من الأزل والآية (إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (٨٢)) (كن فيكونَ) فيكونُ مرفوعة على الاستئناف ومع ذلك أن الأشياء وتوجد بعد الأمر يقول كن ويكون الوجود بعد القول فإذا قال للشيء كن كان، الوجود متأخر عن الأمر، فيكونَ بالنصب معطوفة على يقول، وهنا يصبح الوجود ملازم للأمر لا يتقدم عن الأمر ولا يتأخر عنه وعليه لا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر ولا يكون الشيء موجودا إلا وهو مأمور بالوجود والسؤال قول الله، تبارك وتعالى، كن للشيء إن كانت المقولة قبل الوجود حال العدم فكيف يخاطب عدما؟ وكيف يأمر وليس هناك مأمور؟ لم يوجد بعد، لم يكم فكيف يأمر بغير مأمور، يقول‫:‬ لماذا؟ كيف ولم يكن موجود، وإذا كان الأمر للشيء بعد الوجود فكيف يقول لموجود كن وهو موجود فتلك حال لا يصح فيها الخطاب، سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء آية معجزة إما أن الأمر كن فيكون لموجودات وليست معدومات والآية غير خاصة بالإنشاء من العدم، وإنما هي خاصة بمخاطبة الموجودات كقوله، تبارك وتعالى، لعصاة بني إسرائيل‫:‬ (كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ (٦٥)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٦٥]، إذا فقوله للشيء إن أراده أن يقول له إذا فالشيء موجود وتصبح الآية غير مختصة بالإنشاء من العدم وإنما هي تكوين لأشياء موجودة وتحويل كقوله لبني إسرائيل‫:‬ (كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ (٦٥)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٦٥]، (إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (٨٢)) قد وقد الأشياء قبل أن تكن كائنة في علم الله، تبارك وتعالى، متصورة لديه فهي وإن لم تكن موجودة معدومة في الوجود إلا أنها كائنة في علمه فصح أن يخاطبها في علمه ويأمرها بالخروج من العدم إلى الوجود وهنا تصح المقولة حيث يقول للشيء المعلوم الكائن في علمه كن فيخرج من العدم إلى الوجود، ويصبح السؤال هل يقول ربنا، تبارك وتعالى، قالوا نعم قدّر الأشياء وإيجاد الأشياء وإيجاد المحدثات بكلمة كن فهو يقول فعلا كن فيكون والأمر بين الكاف والنون لا يتقدم الوجود الأمر ولا يتأخر عنه فلا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر، ولا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر ولا يكون موجودا إلا وهو مأمور بالوجود، إذاً فكأن القول كن والإيجاد من العدم إلى الوجود في غير وفت كن لا تتقدم الوجود والوجود لا يتقدم كن، كن لا تتأخر عن الوجود والوجود لا يتأخر عن كن، بل كن والوجود في وقت واحد هذا معنى لا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر ولا يكون موجودا إلا وهو مأمور بالوجود، وقدّر الأشياء وخلق الأشياء وإيجاد الأشياء بكلمة كن فعلا، وقالوا بل هو لا يقول كن وإنما هو إنفاذ لقضائه جل وعز، فالله، تبارك وتعالى، إذا قدّر وأراد للمحدثات والموجودات أن توجد وأن تحدث وأن تخلق إذا أراد ذلك وجدت وكانت وحدثت وخلقت وخرجت من العدم إلى الوجود من غير أن يقول كن مجرد الإرادة، إرادة الله، تبارك وتعالى، في إيجاد توجد الموجودات بغير احتياج لقوله كن فلا قول هناك ولكن هو تشبيه وتمثيل حين يقول كن فيكون يشبّه لنا يمثل لنا أثّر قدرته في إرادته كأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع أو توقف أو تراخي وبغير افتقار إلى مزاولة عمل أو لاحتياج آلة أو أداة فهو تمثيل نفاذ قدرته في إرادته بأمر المطاع للمطيع لحصول أو في حصول المأمور من غير تراخي من غير امتناع فهو تمثيل لنا تقريب إلى عقولنا كأنه إذا أراد شيئا قال له كن فكان بلا تراخ بلا امتناع بلا توقف، دون توقف وليس هناك كن وليس هناك قول وإنما هي قضاء أراده الله وإرادة نفذت وتحققت والأمر ما هو إلا تشبيه وتمثيل لتقريب الأمور إلى أفهامنا (إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (٨٢)) كيف؟ ليس كمثله شيء وعليه فليس كفعله شيء وليس كعلمه علم وليس كقدرته قدرة وليس كإيجاده إيجاد هو الله هل يقول كن؟ هل يأمر بالمعلوم ليكون موجودا؟ هل الأمر بين الكاف والنون؟ هل الأمر قبل الإيجاد والإيجاد متراخ عن الأمر؟ الله، تبارك وتعالى، لم يزل آمرا للمعدومات بالوجود بشرط وجودها آمرا من الأزل للمعدومات بالوجود بالشروط التي توجد بها قادر مع تأخر المقدورات عالم مع تأخر المعلومات خالق مع تأخر المخلوقات والمعنى الذي تقتضيه كلمة كن قائم بذاته من الأزل هو الله أما الإنشاء من العدم فأمر آخر والآية تتعلق بالأوامر للموجودات فعلا هل هو تشبيه هل هو خبر عام من الله، تبارك وتعالى، لجميع خلقه في شأن إحداث المحدثات وإيجاد الموجودات أنه إذا أراد إحداث شيء أو أراد إيجاد شيء أو إنشاء شيء من العدم فإنما الأمر لا يخرج عن نفاذ الإرادة ونفاذ القدرة بغير احتياج لأداة أو لآلة أو لجارحة أو افتقار لمزاولة عمل أو جهد أو تعب أو نصب وصدق ربي حيث يقول‫:‬ (وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍۢ (٣٨)) [سورة ق آية‫:‬ ٣٨]، سبحانه وتعالى، هو الله، (فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)) السبحان التنزيه من السباحة السير بسرعة في الماء أو الهواء وكأننا نسارع في تنزيه الله عما لا يليق بجلاله وكماله هو ربنا ينزه نفسه أيضا كلمة سبحان تفيد التعجب فسبحان الله هي تنزيه لله تبارك وتعالى عما يفتريه المفترون ويقوله الجاحدون وينسبون له العجز والتقصير تنزيه لله، تبارك وتعالى، عن كل ذلك وتعجب من مقالتهم وسؤالهم من يحيى العظام وهي رميم مع ما يروه من قدرة الله، تبارك وتعالى، في الإنشاء المتجدد فكل يوم فيه خلق جديد فيه إنشاء جديد فيه نبت يظهر ونبت يموت وأناس تولد وأناس تموت في كل يوم، (فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)) فسبحان من بيده ملكوت لكل شيء مفاتيح كل شيء ملكوت الملك فيه صيغة الزيادة والمبالغة كرهيون وجبروت ورحموت والملكوت المفاتح والملكوت الملك والملكوت ما ظهر وما بطن من الأشياء والموجودات بيده ملكوت كل شيء لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)) إذاً فنحن لا بد راجعون إلى الذي أنشأنا أول مرة موقوفون بين يديه سائلنا، سبحانه وتعالى، عما قدمت أيدينا فهل أعددنا أنفسنا لهذا اللقاء؟ هل أعددنا أنفسنا لهذا الاستدعاء؟ ترى أين ومتى يكون الاستدعاء ولا تدري نفس ماذا تكسب غدا ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ترى أين ومتى يكون الاستدعاء؟ وكيف يكون الاستدعاء وكيف يكون حالنا حين الاستدعاء؟ وأنت تأكل وأنت تشرب، وأنت نائم وأنت يقظان وأنت تلهو وأنت تلعبن وأنت تصلي وأنت تعصي فجأة، فجأة تستدعى إذا أخذك لم يفلتك، أين ومتى وكيف يتم هذا الاستدعاء وكيف يكون حالك حين الاستدعاء؟ مكشوف العورة مفضوح عار عاص في سريرك على الطريق من يكون بجوارك ليلقنك الشهادة أو يشمت فيك أو يفضحك أو يداريك من؟ هل أعددت نفسك لهذا اليوم ولهذه اللحظة؟ أبدا، أبدأ ولا والله إلا أن نرجو رحمة الله.