القرآن الكريم / سورة فاطر / التفسير المقروء

سورة فاطر

لقاؤنا مع سورة فاطر، وسورة فاطر افتتحت بالحمد كسورة سبأ‫:

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِىٓ أَجْنِحَةٍۢ مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۚ يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿1﴾
الحمد لله، والحمد لله كلمة كل شاكر، الحمد لله حمدا حمد الله نفسه من الأزل، والحمد لله تملأ الميزان والحمد لله انطوت على التوحيد وانطوت على الثناء على الله، تبارك وتعالى، بما هو أهله ويقال في كلمة الحمد ما قيل في افتتاحية سورة سبأ فقد تفضل سبحانه وتعالى فأنعم على الخلق بهذه الكلمة وحمد نفسه من الأزل من قبل أن يحمده الحامدون (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) فطر السموات والأرض‫:‬ خلقهما ابتدعهما ابتدأهما على غير مثال، والفطر‫:‬ الشق وانفطر الشيء‫:‬ تشقق وكأن الله، تبارك وتعالى، شق العدم فأخرج منه السموات والأرض، والفَطْر أيضا الابتداء والاختراع ويقول ابن عباس، رضي الله عنهما‫:‬ (ما كنت أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما‫:‬ أنا فطرتها، أي أنا بدأتها)، فالفطر أيضا الابتداء الاختراع، فالله، تبارك وتعالى، فاطر السموات والأرض ابتدعهما على غير مثال يحتذى اخترعها أنشأهما من العدم، (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) فاطر وفطر قراءات ويصح في فاطر الرفع والنصب والجر (فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) والكلام عن السموات والأرض يعني العوالم كلها السموات والأرض إذاً هو كل ما دون الله، تبارك وتعالى، إذاً فهو خالق ومبتدع الملك والملكوت (جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِىٓ أَجْنِحَةٍۢ ) جعل (جاعلِ) (جاعلُ جَعَل الملائكة رسلا أولي أجنحة) جعل ، سبحانه وتعالى، الملائكة أولي أجنحة أصحاب أجنحة وجعلهم رسلا للأنبياء بالوحي ينزلون بالوحي من الله أيضا ينزلون بالإلهام على العلماء والأولياء وينزلون بالرؤيا الصادقة الصالحة، أيضا ينزلون على العباد بالرحمة أو بالنعمة فهم رسل الله، تبارك وتعالى، إلى خلقه من الأنبياء والصالحين وعموم الخلائق أجمعين أولي أجنحة‫:‬ أصحاب أجنحة أولو‫:‬ جمع ذو (مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۚ ) اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة لكل ملك جناحان في كل جانب، أو ثلاثة في كل جانب، أو أربعة في كل جانب، مثنى وثلاث ورباع، وهي كلمات غير مصروفة والعدد لا يفيد الحصر فلا يقصد بالعدد الحصر، كما قيل في الزواج من النساء (فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۖ ) [سورة النساء آية‫:‬ ٣]، هذا العدد هنا لا يفيد الحصر وإنما هو مثال لإرادة الله، تبارك وتعالى، ولمشيئته لذا بيّنها بعد ذلك بقوله‫:‬ (يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ۚ ) إذاً فالعدد ومفهوم العدد غير مراد، وإنما هو مثال‫:‬ جعل الملائكة أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، والدليل على ذلك أن النبي، صلى الله عليه وسلم، حدثنا أنه رأى جبريل ليلة عُرِج به إلى السموات العلى، وله ستمائة جناح، بل وقال له جبريل‫:‬ يا محمد لو رأيت إسرافيل لرأيت له اثني عشر ألف جناح، جناح منهم بالمشرق وجناح منهم بالمغرب، يحمل عرش الرحمن على كاهله، وإنه ليتضاءل لعظمة الله حتى يصبح أو حتى يعود كالوَصَع، العصفور الصغير وما يحمل عرش ربك إلا عظمته (يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ۚ ) استئناف لبيان أن زيادة عدد الأجنحة في الملائكة متعلق بمشيئة الله وليس متعلق بذوات الملائكة، ليس لذواتهم وإنما يزيد كيف شاء طبقا لمشيئته وإرادته، أيضا حين يقول‫:‬ (يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ۚ ) في كل خلْق يدخل فيها جمال الوجه، حسن الصوت، قوة البدن، طول القامة، رجاحة العقل، سلاسة اللسان، حصافة الرأي، العلم، الحكمة، النبوة، الأعمال، الطاعة في كل شيء يدخل تحت هذه الآية (يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ۚ) كما زاد الله، تبارك وتعالى، نبيا من الأنبياء أو ملكا من الملوك بسطة في العلم والجسم (يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ۚ ) يزيد في كل خلْق ما يشاء فالناس تتساوى في النطق لكن يتفاضلون في المنطق في لباقة التكلم في جمال الصوت كل ما زاد فتلك زيادة من الله، تبارك وتعالى، (إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ (١)) فكل الممكنات في قدرته سواء ليس هناك صعب أو سهل أو يسير أو عسير أو ذاك يأخذ وقتا وذا لا يأخذ وقتا وذا لا يأخذ وقتا وإنما كل الممكنات في قدرته سواء كن فيكون فخلق نملة كإيجاد أمه وخلْق إنسان كإيجاد كافة الأكوان (إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ (١)).‬
‫بيّن الله أنه خالق وموجد الملك والملكوت يزيد وينقص يمنح ويمنع في الخلق ما يشاء فهو على كل شيء قدير ثم يبين لنا أن ما أراده الله كان ولا راد لمشيئته‫:‬‬‬‬
مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍۢ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿2﴾
‫( مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍۢ ) جاءت الرحمة نكره ليبين لك أن كل ما يأتي للإنسان من نعمة من صحة من هدى من مال من بنين من توفيق من كل شيء فهو رحمة فالرسل رحمة (وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةًۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ (١٠٧)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١٠٧]، والكتب السماوية رحمة والتوفيق إلى الطاعة رحمة والصحة رحمة وهكذا (مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍۢ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ ) ما كان لك سوف يأتيك (وَمَا يُمْسِكْ ) ولم يبين ما الذي يمسكه لذا قال‫:‬ (وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ) في الرحمة قال‫:‬ (مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍۢ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ (٢)) وهنا قال‫:‬ (وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُۥ) ولم يقل لها إذاً فالكلام ليس عن الرحمة فقط بل على الرحمة وغيرها عن الرحمة والنقمة عن الرضا والغضب عن المنح والمنع لذا قال‫:‬ (وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ (٢)) العزيز‫:‬ الغالب على أمره لا يُغالب القاهر فوق عباده، الحكيم جميع أمور الله بحكمة ولحكمة جميع الأفعال جميع أفعال الله بعلم وإتقان في الآيتين بيّن الله أمرين‫:‬‬
‫الأمر الأول‫:‬ أنه الموجد والخالق للملك والملكوت أيضا في الآية الثانية بيّن أنه المدبر والمتصرف في الأمور وأن الأمور تجري بالمقادير يفتح من رحمته ما يشاء ويمسك ما يشاء، والآية تشعر أن رحمة الله، تبارك وتعالى، سبقت الغضب لأنه تكلم عن الرحمة أولاً بعد أن بيّن ذلك هو المالك هو الخالق هو الموجد هو المدبر هو المتصرف هو المهيمن هو المانح وهو المانع قال‫:‬‬‬‬‬
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴿3﴾
‫( يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ ) اذكروا نعمة الله الخلْق والإيجاد والعطاء والتدبير والتصريف (ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ ) احفظوها، داوموا على شكرها حتى تبقى، اعرفوا حق موليها وأنه المعبود الحق وأن طاعة الله، تبارك وتعالى، واجبة (ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ ) بالشكر بالطاعة بعبادة الله وحده فهو الموجد وهو المانح وهو المعطي وهو الرحيم ويأتي السؤال‫:‬ (هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۚ ) غيرَ غيُر غيرِ، ثلاث قراءات، (هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۚ ) أين هو أين من يرزقنا من السماء والأرض بيّن الله، تبارك وتعالى، أنه الموجد المدبر المالك لكل شيء المانح لكل شيء المانع فهل هناك غيره لا خالق إلا الله، هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض، والآية تشعر أن ما من شيء في الوجود إلا وأوجده الرب المعبود، ولذا سُئل الحسن من خلق الشر؟ فقال سبحان الله هل من خالق غير الله خلق الخير وقدّره وخلق الشر وقدّره طوبى لمن خلق الله له الخير وقدّره له وويل لمن قدّر له الشر وأجرى الشر على يديه (هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۚ ) لا إله إلا هو الجواب الأزلي الأبدي الحق (لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (٣)) السؤال للمشركين وللكفار الذين ضلوا عن التوحيد (فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (٣)) أنى ومتى وكيف، سؤال (فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (٣)) من الأفك والأفك‫:‬ صرف الشيء عن وجهه (فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (٣)) أين وأنّى تصرفون عن الله وعن معرفة الله وعن معرفة التوحيد أو تؤفكون من الإفك‫:‬ الكذب، (فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (٣)) أي من أين أتاكم التكذيب بوحدانية الله بعد ما تبين لكم أنه الخالق والموجد والمدبر والمصرِّف والخالق ويتوجه الخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، مسرِّيا عنه مسليا له:
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ﴿4﴾
‫(وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌۭ) وإن يكذبوك يا محمد فقد كُذبت رسل قبلك، رسل نكرة للتفخيم والتعظيم ولإيجاد التأسي بهم في الصبر على تكذيب الأقوام (فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌۭ) فقد كُذبت رسل كثيرة فعليك أن تتأسى بهم في الصبر على التكذيب فلست بدعا من الرسل (وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ (٤)) ( وإلى الله تَرجع الأمور) قراءة مستندة إلى قول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ (٥٣)) [سورة الشورى آية‫:‬ ٥٣]، إذاً طالما كانت الأمور إلى الله راجعة فهو يجازي المحسن على إحسانه ويجازي المسيء على إساءته فإن صبرت جازاك على صبرك وعلى التبليغ يا محمد والحطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، يجازيهم أيضا على تكذيبهم وعلى ادعاءاتهم الباطلة‫.‬‬
‫ثم يتوجه الخطاب إلى الناس جمعيا إلى كل من يعقل ومن هو أهل الخطاب‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴿5﴾
‫( يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ ۖ ) وعد الله بالبعث بالحساب بالثواب بالعقاب، ذاك وعد الله (إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ ۖ ) أي واقع لا محالة مصادف للحقيقة دون تبديل أو تغيير لا خلف فيه فالله، تبارك وتعالى، لا يخلف الميعاد (وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ (٥)) (الغُرور) قراءة، لا تغرنكم الحياة الدنيا ومن غرته الحياة الدنيا هو من كانت الدنيا أكبر همّه فعمل لها واستمتع بها وبلذائذها ولذاتها حتى فوجئ ولا عمل له فيقول حينئذ (يَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى (٢٤)) [سورة الفجر آية‫:‬ ٢٤]، لا تغرنكم الحياة الدنيا لأن وعد الله حق يوم البعث يوم الحساب يوم الثواب ويوم العقاب والدنيا دار عمل لا دار جزاء () الغَرور‫:‬ الشيطان أو الغُرور جمع غَر أو هو مصدر والغَرور بالله هو الذي يعمل بالمعاصي ويصر عليها ويتمنى على الله الأماني‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّۭ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُوا۟ حِزْبَهُۥ لِيَكُونُوا۟ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ ﴿6﴾
‫(إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّۭ) وقد تبين لنا ذلك بأمور عديدة أولها‫:‬ أنه رفض السجود لآدم، ثانيا‫:‬ أخرج آدم من الجنة، ثالثا‫:‬ توعّد وقال‫:‬ (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ (١٦)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٦]، وقال‫:‬ (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ (٤٠)) [سورة الحجر آية‫:‬ ٣٩- ٤٠]‬
‫وقال‫:‬ (ثُمَّ لَـَٔاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٧]، وقال‫:‬ (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلًۭا (٦٢)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٦٢]، تبينت عداوة إبليس من الأزل تبينت، وأخبرنا الله، تبارك وتعالى، عن ذلك وعداوة إبليس لنا من قبل أن نوجد ومن قبل أن نخلق تبينت بخلق آدم وبأمره بالسجود له وأخبرنا الله، تبارك وتعالى، الصادق (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًۭا (١٢٢)) [سورة النساء آية‫:‬ ١٢٢]، لا أحد وقال‫:‬ (إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّۭ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ ) داوموا على عداوته، خالفوه ولا تطيعوا أمره وإياكم، لأنه عدو لا تتخذوه صديقا لكم ولذا كان أحد الناس يعظ متعلما يقول له إياك إياك وإلا تصبح كذابا تسب إبليس في العلانية وقد صادقته في السر جهنم وبئس المصير نار لظى نزاعة للشوى وصدق القائل حيث يقول عجبت لمن عصى المحسن بعد معرفته بإحسانه وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته، ها قد عرفتم المحسن ألا وهو الله فكيف تعصون المحسن المنعم؟ وكيف تطيعون العدو؟ (إِنَّمَا يَدْعُوا۟ حِزْبَهُۥ لِيَكُونُوا۟ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ (٦)) ثم يبين الله حال الموافقة والمخالفة فيقول‫:‬‬‬‬‬‬
ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌۭ كَبِيرٌ ﴿7﴾
‫( ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۖ ).
‫(ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟) قد تكون في موضع النصب أو خفض أو رفع طبقا لتعلقها بقوله تعالى‫:‬ (إِنَّمَا يَدْعُوا۟ حِزْبَهُۥ لِيَكُونُوا۟ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ (٦)) حزبَه منصوبة أصحابِ مجرورة ليكونوا الواو في محل رفع إذاً (فالذين كفروا) بيان لأصحاب السعير، أو بيان لحزب الشيطان، أو بيان لمن كتب عليهم الشفاء، أو هي في موضع رفع بالابتداء وهو استئناف للكلام لا علاقة له بما مضى، بل هو بيان من الله، تبارك تعالى، يبيّن حال الموافقة حال المخالفة حال الطاعة حال العصيان، (ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۖ )، وحين يقول ربنا، تبارك وتعالى، شديد لا تتخيل هذه الشدة لأن المعذِب هنا والآمر بالعذاب القوي الجبار (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌۭ كَبِيرٌ (٧)) أجر كبير ألا وهو الجنة أجر كبير ألا وهو النعيم والسلامة والأمن والأمان، والمغفرة تشعر الإنسان أنه لا يوجد معصوم قط وأن الإنسان يحتاج لمغفرة الله مهما اجتنب الكبائر والصغائر حتى الخطرات والوساوس لا بد له من مغفرة الله لأن التقصير حاصل لا محالة ويقول الله، تبارك وتعالى، للحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنًۭا ۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿8﴾
‫( أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنًۭا ۖ ) أمر غاية في الغرابة وغاية في الخطورة والوبال على صاحبه، أن يعتقد الإنسان أنه على صواب وهو على خطأ، أولئك هم الأخسرون أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا فيقول الله، تبارك وتعالى، لحبيبه المصطفى والكلام فيه تقديم وتأخير أفمن زُين له سوء عمله فرآه حسنا، ذهب نفسك عليهم حسرات كيف؟ إن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فالكلام فيه تقديم وتأخير، أو هذا إذا كانت القراءة فيها وصل (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنًۭا ۖ ) وقف وهنا الخبر محذوف (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنًۭا ۖ ) كمن هدي إلى صراط مستقيم فهي مقارنة والجواب مقدَّرٌ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فهو على ضلال مبين ويعتقد أنه على هدى يأتي بالسيئات ويعتقد أنها حسنات وهكذا أفمن زُين له سوء عمله فرآه حسنا كمن لم يُزين له سوء عمله كمن عرف الحق واتبعه ثم إن الأمر مرجعه إلى الله (فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۖ ) إذاً عليك البلاغ فقط (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٧٢]، (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ٤٨] وعليه (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ ۚ ) ويصبح الكلام ليس فيه تقديم ولا تأخير وقرئت‫:‬ (فلا تُذهبِ نفسك عليهم حسرات) كما قرئت‫:‬ (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ ۚ ) في الآية كلمة حسرات جمع لمَ قال حسرات ولم يقل حسرة (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ ۚ ) والحسرة‫:‬ الندم الشديد والأسى والأسف جاء بحسرات جمع لتعليم أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان كثيرا ما يغتم وأن الغم والاغتمام كان كثيرا متعددا ولم يكن لمرة واحدة ولذا تكررت المعاني في القرآن فقال له‫:‬ (لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ (٣)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٣]، وقال‫:‬ (فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٦] باخع‫:‬ أي قاتل وقال‫:‬ (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ ۚ ) كثير من هذه المعاني جاءت في القرآن الكريم بألفاظ متعددة لتدل على أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان كثيرا ما يغتم من أجل قومه، أيضا تبين كثرة مساويهم وكثرة إساءاتهم أساؤوا كثيرا وسيئاتهم كثيرة وأفعالهم كثيرة مما يدعوه إلى الاغتمام والاهتمام بأمرهم فنهاه الله، تبارك وتعالى، عن ذلك نهيْا فيه اللطف (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ ۚ ) كأنك قاتل نفسك عليهم ومن أجلهم الأمر لله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وليس عليك هداهم وإنما الأمر لله، تبارك وتعالى، إن عليك إلا البلاغ (إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)) فيجازيهم على سيئاتهم، يجازيهم على أعمالهم، ويجازيك على صبرك وعلى قيامك بالإبلاغ‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ لا بد للإنسان أن يقيس أعماله على القرآن والسنة حتى لا يضل وإذا حاسب الإنسان نفسه وأرجع الأمور إلى كتاب الله وسنّة نبيه، عليه الصلاة والسلام، تبين له الحق، أما إذا أرجع الأمور إلى عقله وفكره ورأيه قد يتبع الهوى والهوى يعمي ويصم‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ هذه الآية (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنًۭا ۖ ) تُشعر بأن الواجب على الإنسان أن يرى العمل ويرى القول ويقيس هذه الأعمال، هذه الأقوال على كتاب الله، على سنة نبيه، فإن توافقت حمد الله وإن اختلفت استغفر الله، فتلفت آيات سورة فاطر بعد ذلك النظر إلى قدرة الله، تبارك وتعالى، وإلى تصريفه للأمور وإلى رحمته الواسعة السابغة يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬
وَٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابًۭا فَسُقْنَـٰهُ إِلَىٰ بَلَدٍۢ مَّيِّتٍۢ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ﴿9﴾
‫(وَٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ) من الذي أرسل الرياح؟ هو الله، قدرة إرادة تصريف تدبير، شيء تراه أعيننا دائما وأبدا الرياح (والله الذي أرسل الريح) قراءة (َفَتُثِيرُ) تسوق وتجمّع (سَحَابًۭا) والآية يلفت النظر في الصياغة أمران‫:‬ الأمر الأول‫:‬ هذا الفعل مضارع بين أفعال ماضية (وَٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ)،(فَتُثِيرُ) أرسل فسقناه فأحيينا مضارع بين أفعال ماضية، إذاً قد يكون المراد من هذا التلوين في الخطاب استحضار الصورة وكأنها حادثة ونراها وكأنك تنظر إلى السماء الآن وتجد أن السحاب قطع وكسف ضعيفة وخفيفة ومتفرقة، وإذا رأيت ونظرت لرأيت عجبا إذا بهذه القطع تسير في اتجاهات متعددة وتتجمع وتتكاثف وتتوحد وكأنها موكول بها أمرا أو هي في مهمة من الذي يسوق ذلك ويدبّر هذا؟ فالفعل المضارع لاستحضار الصورة، أيضا الفعل المضارع هذا بين الأفعال الماضية التي سبقته ولحقته ليبين أن الأمر في استمرار إلى أن تقوم الساعة لم يرسلها فقط مرة واحده وأثارت السحاب وسقط المطر أبدا الأمر فيه الاستمرار به هو الذي يثير السحاب بصفته مستمرة بأمره (وَٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابًۭا) لم يقل فتسوقه ولم يقل فيسوقه الله الذي يرسل الرياح، لوّن الخطاب من الغيبة فقال‫: (فَسُقْنَـٰهُ)‬ بعد أن قال‫: (وَٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ)‬ لم يقل فساقه إلى بلد ميت فأحيا بل قال‫:(فَسُقْنَـٰهُ)‬ لإفادة الاختصاص أن الله، تبارك وتعالى، هو الأوحد الذي يفعل ذلك (فَسُقْنَـٰهُ) إفادة التلوين في الخطاب هذا من أجل هذا المعنى بعد أن كان الكلام (وَٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ) تكلم بنفسه عن نفسه فقال‫:‬ لإفادة الاختصاص في التصريف والتدبير‫.‬‬
‫(هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَىْءٍۢ ۚ ) [سورة الروم آية‫:‬ ٤٠]، (وَٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ) من أين أتت؟ نحن نرى الريح ونرى أثرها لكن من أين هي، وغلاف الأرض منذ خلقت هو نفس الغلاف فمن أين تأتي الرياح؟ من أين؟ وكيف تسير؟ وفي اتجاهات محددة ولغرض معين، إما الرحمة وإما العذاب، إما لتجميع السحاب، إما لإنزال المطر إما لإحياء الأرض وإما للتدمير والخسف، من أين تأتي الرياح؟ من الذي أنشأها أصلا، هو الله، هو الله (وَٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ) أتى بها من حيث أراد، وجهها إلى حيث أراد أرسل الرياح (فَتُثِيرُ) بأمره (سَحَابًۭا فَسُقْنَـٰهُ إِلَىٰ بَلَدٍۢ ) كما أراد الله تمطر هنا ولا تمطر هناك وتمطر هنا مرة ولا تمطر هنا مرة وهكذا (فَسُقْنَـٰهُ إِلَىٰ بَلَدٍۢ مَّيِّتٍۢ ) أو (ميْت) بمعنى واحد (فَأَحْيَيْنَا) لأن الله هو المحيي (فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ (٩)) أما مررت يوما على أرض قد أُمحلت ومررت بنفس الأرض مرة ثانية فإذا هي قد أنبتت وأينعت وأزهرت نفس الأرض تنبت ويحصد نباتها وتصبح كأن لم ينبت فيها شيء، وفجأة تخرج البراعم الخضراء وإذا بالأشجار المورقة والثمار أماتها وأحياها يُبدئ الخلق ويعيده، هكذا الأرض يرسل الرياح تثير السحاب، السحاب يسقط المطر فتحيى الأرض بعد موتها أرأيتم ذلك؟ (كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ (٩)) كذلك بعث الإنسان بعد الموت كما أن الأرض كانت حية مزهرة منبتة مثمرة فماتت بالحصاد أو بالرياح أو بالعواصف ثم إذا بها تحيى مرة أخرى كذلك الإنسان عاش ومشى على الأرض ثم مات فكذلك النشور أي كما أحيى الله، تبارك وتعالى، الأرض وأنتم ترون هذه الآية دائما وأبدا فكذلك هو القادر على إحياء الموتى وعلى بعث الناس من قبورهم، ومن قدر على الابتداء قدر على الإعادة بعد الإفناء، وطالما هو فاطر السموات والأرض وأوجدهما من غير مادة أوجدهما من العدم وابتدأهما وقدر على ذلك إذا فهو قادر على الإعادة كذلك، إذاً هذه الآية في خلق الله يراها الإنسان دائما وأبدا لا بد وأن تذكره بأن كما أحيا الله، تبارك وتعالى، الأرض كذلك النشور‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم إما هو مثل ضُرب لنا وللمتفكرين في آيات الله وخلقه العالمين بالله هكذا يحيي الموتى، وإما إن الأمر على الحقيقة كما أحيا الأرض يحيى الناس أحيا الأرض بماذا؟ بالماء الذي نزل من السماء، وكذلك إذا أراد الله، تبارك وتعالى، النشور والبعث للناس جميعا نزل من تحت العرش ماء، من هذا الماء تنبت الأجساد وتخرج من الأرض كخروج النبات (كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ (٩)).‬
‫ثم يأتي السؤال الذي نطمع جميعا في أن نبلغ إجابته‫:‬‬‬‬‬
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ ۚ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۖ وَمَكْرُ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴿10﴾
‫(مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ) من منكم يريد العزة التي لا ذل معها؟ كلنا يريد ذلك، ها هو المصطفى، صلى الله عليه وسلم، ينادي فينا ويقول‫:‬ (فَمن أَرَادَ عز الدَّاريْنِ فليطع الْعَزِيز) من اعتز بغير الله ذل وجعل ذله على يد من اعتز به ومن اعتز بالله أعزه الله‫.‬ وقد حدثنا ربنا عن قوم يبتغون العزة عند سواه وأنبأنا، سبحانه وتعالى، أن العزة جميعا يقول الله‫:‬ (مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ) من كان يريد العزة أي يريد ان يعرف لمن العزة من كان يريد أن يعرف لمن هي؟ هي لله، العزة التي لا ذل معها العزة كلها لله (فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ ) كقول الله، تبارك وتعالى، في سورة يونس (وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ ) [سورة يونس آية‫:‬ ٦٥]، فهو خبر لأن العزة لله وأن الله هو العزيز إذاً فهو إقناط للناس لأن العزة لا تنبغي إلا لله وهنا تصبح ألف ولام العزة للعهد عند العالمين بربهم العارفين له سبحانه وبما يجب له من ذلك إذاً فألف لام الموجودة في العزة هي للعهد إذاً فالعزة المعهودة التي يعرفها العالمون بالله هي لله (فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ ) ذاك معنى، هناك معنى آخر ألف لام هنا في كلمة العزة ليست للعهد بل هي للاستغراق ومعنى ذلك أن السؤال من يريد العزة من يريد أن يُعز في الدارين من يطلب العزة التي لا ذل معها هلم نريكم من أين تنال ومن أين تستحق وكيف تصلون إلى البُغية وإلى العزة (مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ) أي من يطلب العزة أن يعز أن يصبح عزيزا في الدارين أن يعزه الله (مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ ) إذاً فهو المعز وهو المذل، وقد أخبرنا ربنا، تبارك وتعالى، عن هؤلاء الذين اعتزوا بالأصنام فقال‫:‬ (وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةًۭ لِّيَكُونُوا۟ لَهُمْ عِزًّۭا (٨١)) [سورة مريم آية‫:‬ ٨١].‬
‫وحدثنا عن قوم آخرين لم يبتغوا العزة عند الأصنام ولكن ابتغوا العزة عند الكفار وعند الناس عند الرؤساء والوجهاء فقال (ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا (١٣٩)) [سورة النساء آية‫:‬ ١٣٩]، إذاً فها هنا يبين ربنا تيارك وتعالى، الطريق (مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ) ها هي (فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ ) يبين لهم أصحاب الأقدار أصحاب الهمم من أين تنال العزة من أين تستحق؟ من الله العزيز من أعزه الله (إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ) وكأن الطريق إلى ابتغاء العزة وطلب العزة الكلم الطيب والعمل الصالح، (مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ) ها هو مكان العزة لله العزة إذا أردت العزة فاعلم أن الطريق إليها الكلم الطيب والعمل الصالح (إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ) وانتهى الكلام وقف تام (إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ) وقرئت‫:‬ (إليه يُصعد الكلام الطيب) الكلام عَرضَ الكلام لا يُتصور أن يصعد أو ينزل، الكلام لا يُتصور أن يكون له صعود أو نزول فالكلام ليس جسم ليس مادة تصعد وتنزل فكيف يصعد الكلام؟ إذاً هو مجاز عن القبول ضرب مثلا بصعوده لقبوله، إذاً فإليه يصعد الكلم الطيب مجاز عن رضا الله عن الكلم الطيب وعن القبول، أما الكلام نفسه فلا يصعد ولا ينزل فكيف يصعد وكيف ينزل، أو (إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ) تصعد الصحائف المسطور فيها الكلام الطيب إلى عليين، كتاب الأبرار في عليين، أو يصعد الكلم الطيب ترفعه الملائكة تصعد به إلى الله، أو يصعد الكلم الطيب إلى المحل الذي ليس لأحد غير الله فيه حكم، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ) وقف تام، والكلام الطيب هنا كل كلمة طيبة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله التسبيح التحميد التهليل ذكر الله الأمر بالمعروف النهي عن المنكر (وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ ۚ ) ابتداء كلام أي والعمل الصالح يرفعه الله إلى محل القبول إلى محل الرضا، أو والعمل الصالح يرفع صاحبه (يَرْفَعُهُۥ ۚ ) الهاء لله المُصعِد للكلام وللعمل (وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ ۚ ) الله أو العمل الصالح يرفع صاحبه أو تصل القراءة (إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ ۚ ) إذاً فالعمل الصالح يرفع الكلام الطيب، أو الكلام الطيب يرفع العمل الصالح، تحتمل هذه المعاني جميعا، وسبحان الله جميع هذه المعاني واردة واسمع وانظر إلى الإعجاز في اختيار الكلمات الاختيار الرباني والتعبير الإلهي، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ ۚ ) إما أن الكلام هو السبب في صعود العمل، وإما أن العمل هو السبب في رفع الكلام واللغة تحتمل ذلك إذا وصلت القراءة‫.‬‬
‫هناك كلام لا يصعد إلا بعمل، وهناك عمل لا ينفع إلا بكلام، إذا كان الكلم الطيب هو التوحيد هو لا إله إلا الله إذاً فهي التي ترفع العمل لأن العمل لا يُقبل إلا من مؤمن لو أن الكافر الذي عبد الأصنام تصدق وفعل وفعل وفعل من العمل الصالح أيُرفع؟ لا يمكن لا بد من الإيمان، إذاً الكلم الطيب هو الذي يرفع العمل الصالح إن كان المقصود بالكلم الطيب كلمة لا إله إلا الله، وإن كان المقصود بالكلم الطيب ليس التوحيد وإنما الكلام الطيب الذكر التسبيح قول العبد سوف أعمل وسوف أعمل سوف أصلي سوف أصوم سوف أحج وسوف وسوف، فهذا الكلام لا ينفع إلا بعمل لأن الإيمان قول وعمل وليس الإيمان بالتمني ما وقر في القلب وصدّقه العمل، قال سأتصدق سأحج سأفعل كذا ولم يفعل سبح الله ولم يصلي قال سبحان الله ومع ذلك لم يصلي إذاً فلا بد للكلم الطيب من عمل صالح يؤكده ويرفعه وهنا يصبح العمل الصالح يرفع الكلام الطيب‫.‬ وقد ورد في الأثر وفي الخبر أن الله لا يقبل قولا بلا عمل ولا يقبل قولا وعملا إلا بنية، ولا يقبل قولا وعملا ونية إلا بإصابة السُنّة‫.‬ وتسمع القرآن كثيرا يقولون ما لا يفعلون‫:‬ (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)) [سورة الصف آية‫:‬ ٢]، ويقول‫:‬ (يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٦٧]، إذاً فالقول مهما كان طيبا لا بد أن يصدّقه العمل، فإذا كان القول الطيب والكلم الطيب غير كلمة التوحيد فالعمل الصالح شرط لقبول الكلام الطيب شرط لرفع الكلام، وإذا كان الكلام الطيب هو كلمة التوحيد فهي شرط لقبول العمل‫.‬‬
‫وهكذا تجد الصياغة في كلمات ومع ذلك تحتمل معانٍ متعددة هو الله (وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ) يفعلون السيئات والأعمال القبيحة مقابلة للكلام الطيب والعمل الصالح وبضدها تتميز الأشياء (وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ) أصحاب الرياء الذين لهم كلام طيب وليس لديهم عمل صالح كلام بغير عمل والمقابلة أيضا للمعاني (وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ) أصحاب الشرك لأن الكلم الطيب إن كان المقصود به التوحيد فالذين يمكرون السيئات هم المشركون (وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ) الذين مكروا بالنبي، صلى الله عليه وسلم، ودبروا له واحدة من ثلاث (لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ (٣٠)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٠]، هؤلاء الذين يمكرون السيئات (لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۖ وَمَكْرُ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)) يفسد يهلك، بارت السلعة كسدت، هلكت، (وَمَكْرُ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)) والمكر العمل على سبيل الاحتيال والخديعة، كل عمل يعمل بأسلوب الاحتيال والخديعة فهو مكر وهؤلاء خدعوا واحتالوا واجتمعوا في دار الندوة يحتالون ويمكرون بالنبي، صلى الله عليه وسلم، (وَمَكْرُ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)) يبطل ويفسد ولا يأتي بثماره‫.‬‬
‫وتتجه الآيات لإثبات القدرة والوحدانية لله، تبارك وتعالى:
وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَٰجًۭا ۚ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍۢ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ ﴿11﴾
‫( وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍۢ ) أي خلق أصلكم من تراب وهو آدم (ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ) النطفة‫:‬ المنيّ، النطفة‫:‬ الماء الصافي، النطفة‫:‬ الماء الذي يتقاطر، نطفت القربة قطرت فإذا كان الماء ينزل على سبيل السيلان والتقاطر نقطة نقطة نقطتين نقطتين يقال نطفة ونطاف ونُطف نطفت القربة قطرتن فالتعبير غاية في الدقة لتشبيه المنيّ بكيفية نزول الماء المتقاطر بالقربة (ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَٰجًۭا ۚ ) ذكوراً وإناثا تتزوجون وتتزاوجون ونتيجة الزواج الحمّل (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ ) الأصل هو خلقكم من تراب ألا يعلم من خلق؟ بلى يعلم ثم خلقكم من نطفة أطوار ثم جعلكم أزواجا (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ ) لأنه الخالق، أصلاً خلقك وما يأتي من طريقك ومن طريق التزوج خلْق فلا بد أن يكون عالما به من الأزل (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ ) معلوم لديه من الأزل وبإرادته وبقدرته (وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍۢ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِۦٓ) ولا يُنقص من عُمُره ولا يَنقص من عمْرِه قراءة (وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍۢ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ (١١)) أيضا الآية تحمل الكثير من المعاني كيف يُعمَّر المعمّر وكيف يُنقص من عمره (وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍۢ ) مفهومة‫:‬ طال بقاؤه في الدنيا عمّر سنينا تجاوز السبعين والثمانين والتسعين ما يعمّر هذا المعمّر إلا ويعلم الله، تبارك وتعالى، ذلك ومسطور لديه في كتاب وبإرادته (وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِۦٓ) الهاء تعود على المعّمر؟ أيطول عمره تارة وينقص تارة، أم (وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِۦٓ) الهاء لشخص آخر المنقوص عمره كما تقول معي درهما ونصفه أي ونصف درهم آخر، فالهاء على الآخر أي المنقوص عمره إذاً فمن طال عمره في كتاب ومن قصر ففي كتاب شخص آخر، أم أن الشخص هو هو، وإذا كان الشخص هو هو إذاً فعمره مكتوب صحيفة ويكتب كل يوم وكل ساعة نقص من عمره يوم نقص من عمره ساعة نقص من عمره شهر، كأن تقول بقى من الزمن كذا (وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِۦٓ) إذاً يكتب لكل إنسان عمره ثم يكتب في هذه الصحيفة أو في كتاب آخر كل ساعة نقص من عمره زمن لأنه يقول‫:‬ (وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍۢ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِۦٓ) من عمر المعمّر (إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ ۚ ) معنى، أو هذا معمّر وهذا غير معمّر قد، أو أن الإنسان له أجلان أجل مكتوب وأجل مشروط فلان يُعمّر ستين عاماً فإن برّ أبويه زيد في عمره عشرا وإن عق والديه نقص من عمره عشرا، فلان يعمّر سبعين عاما فإن وصل رحمه عمّر عشرا وإن لم يصل رحمه انتقص من عمره عشرين، (وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍۢ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِۦٓ) إذاً هناك زيادة ونقصان في عمر الشخص الواحد، (يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ (٣٩)) [سورة الرعد آية‫:‬ ٣٩]، وهذا مصداقا لقول النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رزقِهِ، تتسع الأرزاق، وَأَنْ يُنْسَأ لَهُ فِي أثَرِه، يؤجل له في أجله في عمره يؤجل بدل من أن يموت العام القادم يؤجل خمسة أعوام عليه أن يصل رحمه حتى يؤجل له في العمر، فَلْيَصِلْ رَحِمَه)، إذاً فقالوا قد يكتب الله، تبارك وتعالى، فلان إن صلى وصام، إن حج البيت الحرام عاش سبعين عاما وإن لم يفعل قصف عمره ومات في سن الأربعين قد تحمل الآية هذه المعاني والله أعلم بمراده (وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍۢ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ ۚ ) مكتوب، أو في كتاب اللوح المحفوظ، أو الكتاب كناية عن علم الله الأزلي (إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ ۚ ) أي إلا في علم الله الأزلي (إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ (١١)) سهل الزيادة والنقصان؟ نعم، الكتابة؟ نعم المحو والإثبات؟ نعم، كل ذلك على الله يسير‫.‬‬‬‬
وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌۭ فُرَاتٌۭ سَآئِغٌۭ شَرَابُهُۥ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌۭ ۖ وَمِن كُلٍّۢ تَأْكُلُونَ لَحْمًۭا طَرِيًّۭا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةًۭ تَلْبَسُونَهَا ۖ وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿12﴾
‫(وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ) وتأتي الآيات ليتأمل الإنسان أهي آيات قدرة لنتأمل في قدرة الله أم هو كلام يقصد به التشبيه بهذه الأشياء وبظاهر الأحوال لترى الفارق بين الكافر والمؤمن أهو هذا المقصود أم هي الآيات على ظاهرها (وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌۭ فُرَاتٌۭ سَآئِغٌۭ شَرَابُهُۥ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌۭ ۖ ) العذب‫:‬ الحلو فرات الذي يقطع العطش يفرت العطش يكسره ويقطعه من الفرت وهو القطع، إذاً فالماء العذب الحلو يقطع العطش يفرت العطش يكسره ويقطعه من الفرت وهو القطع إذا فالماء العذب الحلو يقطع العطش أي يرويك ومذهب عنك العطش (عَذْبٌۭ فُرَاتٌۭ سَآئِغٌۭ) (سيِّغ) قراءة، السائغ سهل الانحدار لا تجد منه غصّة إذا شربت سهل انحداره في المريء إلى جوفك (وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌۭ ۖ ) وهذا مَلِح قراءة (وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌۭ ۖ ) أجاج من أجيج النار أجج النهار تلهّب النار وسمي الماء المالح أجاج لأنه يؤجج العطش كلما شربت منه ازددت عطشا لا يرويك أبداً هذا ماء وهذا ماء هذا مخلوق وهذا مخلوق والماء يختلط تصب الأنهار في البحار وتختلط البحار بالمحيطات ومع ذلك جعل ربنا بينهما برزخا وحجرا محجورا لا يتحول الملح إلى عذب ولا يتحول العذب إلى ملح أبداً (وَمِن كُلٍّۢ ) من كلا البحرين (تَأْكُلُونَ لَحْمًۭا طَرِيًّۭا) والغريب أن الله، تبارك وتعالى، أطلق كلمة طري على صنف واحد من اللحم فقط ألا وهو لحم البحار وفعلا لن تجد أبداً لحما أطرى من الأسماك ومن المطعومات في البحار هو فعلا أطرى شيء من اللحوم في الدنيا هذا الذي وصف بأنه لحم طري (وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةًۭ تَلْبَسُونَهَا ۖ ) اللبس كل بحسبه قد يلبس الثوب قد يلبس الخاتم وقد يلبس القلادة وقد يلبس السوار فاللبس بحسبه، وقيل أن الحرير لبسه كافتراشه، إذاً فاللبس يمكن أن يطلق على الافتراش أيضا فاللبس يُطلق على كل ما يستخدم كل بحسبه (وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةًۭ) اللآلئ والأصداف (تَلْبَسُونَهَا ۖ ) والحلية تستخرج من الملح على الخصوص (وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ) المواخر من المخر الشق تمخر السفينة البحر مخرا تمخَر وتمخُر مخرا ومخورا والمخر الشق، فسميت السفن والفلك مواخر لأنها تشق الماء بمقدمها (لِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ) بالتجارة والانتقال من مكان إلى مكان‫.‬ (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)) "لعل" كلمة ترجي وجاء في مواقع (قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ (١٠)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٠] وجاء في مواضع (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٥٢]، كلمة لعل ترجي لم جاء بحرف الترجي هنا؟ لأن مقتضى ظاهر الأحوال أن تشكر الله، جاء بكلمة الترجي لأن ظاهر الحال يقتضي الشكر ألا ترى نفسك وأنت تشرب الماء العذب هذه العذوبة من أين أتت؟ هذا الرِيّ من أين حصل؟ أن ترى السفن وأن ترى البضائع تأتيك من كل مكان أن ترى نفسك تنتقل من بلاد إلى بلاد كل ذلك ألا يقتضي هذا شكر الله من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)).‬
‫فمن الأمور التي تلاحظ دائما وأبدا طول الليل وقصر النهار ثم قصر الليل وطول النهار وأنت الآن في شهر لو نظرت لوجدت أن الفجر على وقت وكل يوم يتراجع وقت الفجر ولو نظرت إلى غروب الشمس لوجدت أن وقت الغروب كل يوم يتأخر، يتأخر، يتأخر، إذاً فقد يأخذ الليل جزء من النهار وقد يأخذ النهار جزء من الليل فتارة يطول الليل وتارة يقصر الليل وتارة يطول النهار وتارة يقصر النهار من الذي فعل ذلك؟ ولمَ كل ذلك؟ هو الله، هو الله، الأرض هي الأرض والليل هو الليل والنهار هو النهار والشمس هي الشمس فكيف يطول الليل وكيف يطول النهار ومن الذي يفعل ذلك؟ يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬
يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ۚ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴿13﴾
‫(يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ) هو سبحانه، الإيلاج‫:‬ الإدخال (يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ) يدخل الليل في النهار فيصبح النهار ليلا أو يصبح الليل نهارا فيدخل النهار في الليل، وليبين لك الأصل والعلة وكيف يتم ذلك وما السبب وربنا رب الأسباب يقول‫:‬ (وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ) إذاً فالليل والنهار، أساس هذا الليل وأساس هذا النهار الشمس، دورة الشمس ودورة القمر فيقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ أنه رب الأسباب وأنه خلق الأسباب وخلق المسببات وأن الأمور تجري بحكمة (يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ) والسبب في كل ذلك أيضا مسخّر (وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ ) الأجل المسمى نهاية النهار بالنسبة للشمس ونهاية الشهر بالنسبة للقمر ألا ترى الهلال ودورات الهلال من التمام إلى المحاق وتقلّب الشهور والشمس والأيام والسنين، كل يجري لأجل مسمى إما الأجل الشهري للقمر والسنوي للشمس أو السنة القمرية والسنة الشمسية، وإما الأجل المسمى هو انتهاء الدنيا (إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ (٢)) [سورة التكوير آية‫:‬ ١- ٢]، (وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ (٩)) [سورة القيامة آية‫:‬ ٩]، (ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ) الفعّال لكل ذلك وما قُص عليكم في هذه السورة سورة فاطر من الآيات البحران وما يستوي البحران والفلك التي تجري وما تستخرجون من حلية ومن لحم طري ولا يستوي الليل والنهار وهكذا الفعال لكل ذلك والمدبر (ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ) والتعبير غاية في الجمال والحنان (ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ) إذاً هو إله يتصرف كيف يشاء ويدبر ما يشاء ويصنع ما يشاء ولا حيلة لنا فإذا أضاف إلى الكلام (رَبُّكُمْ) اطمأننت وعرفت أن الله لا يختار إلا الخير لماذا؟ كلمة رب أصلا من التربية ما هي التربية؟ هي إيصال الشيء إلى كماله شيئا فشيئا بحسب استعداده، فأنت تربي زهرة تنّميها شيئا فشيئا حتى تبلغ منتهى الكمال، تربى ولدك من الطفولة شيئا فشيئا حتى يبلغ الرجولة، التربية أن توصل الشيء إلى الكمال شيئا فشيئا بحسب استعداده، إذا التربية حنان التربية رعاية التربية عناية التربية اختيار الأصلح لما تربيه أي شيء تربيه تختار له الأصلح، تتولاه بالعناية والرعاية والكفاية إذاً المربي هو الرب الأعلى هو الله ربانا ونحن نطفة ربانا ونحن مضغة ربانا ونحن علقة ربانا ونحن أجنة في بطون أمهاتنا ربانا حين أخرجنا إلى الدنيا لا نسمع ولا نعقل ولا نبصر فجعل لنا السمع والبصر والعقول والأفئدة، ربانا وغذانا ونمّانا وأقامنا بعد أن كنا نحبو ونسعى، هو الرب فحين يقول‫:‬ (ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ) فاطمئن أن الإله هو الرب الذي لا يختار إلا الخير ولا يصنع لك إلا ما يصلح شأنك (ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ۚ ) الأب يربي ابنه لكنه قد لا يملك، ويبكي الطفل، يبكي الطفل من أجل الطعام يشتهيه أو من أجل لباس يرتديه ولا يملك الأب أن يعطيه وهكذا، أما ربنا المربي لنا له الملك مهما تطلب فعند الله خزائنه لا يعجزه شيء إن لزمك الشفاء فعند الله الدواء، كل شيء عند الله، أما المربي من الناس فقد لا يملك يمرض الولد ولا يجد الطبيب وإن وجد الطبيب لا يجد الدواء وإن وجد الدواء لا يحدث الشفاء، أما ربنا رب السموات والأرض له الملك فاطمئنوا أيها الناس اطمئنوا فالمربي هو الله له الملك لا يعجزه شيء (وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ) الأصنام والأوثان الملائكة الأنبياء البشر الذين تعبدونهم من دون الله (مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (١٣)) ما هو القطمير؟ أتدرون ما هو القطمير؟ التمرة فيها النواة، النواة ملفوفة بقشرة رقيقة بيضاء تفصل بين التمرة وبين النواة، هذه القشرة الرقيقة التي تلف النواة تسمى قطمير، (وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (١٣))، بدليل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا۟ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا۟ مَا ٱسْتَجَابُوا۟ لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ ﴿14﴾
‫(إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا۟ دُعَآءَكُمْ) نادِ ما شئت على هبل ومناة نادي ما شئت على الملائكة نادي على الأنبياء نادي كيف شئت (إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا۟ دُعَآءَكُمْ) ولا يجيبوكم لأنها جمادات لا تسمع ولا تنطق ولا تبصر (وَلَوْ سَمِعُوا۟) لو افترضنا أنهم سمعوا افتراض (مَا ٱسْتَجَابُوا۟ لَكُمْ ۖ ) لأنه ليس كل سامع ناطقا فقد يسمع ولا ينطق كالجن كالحيوانات قد يسمع ولا ينطق والجمادات، أو يسمع وينطق ولكن لا ينفع ولا يضر ولا يعطي لا يمنع ولا يمنح (إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا۟ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا۟ مَا ٱسْتَجَابُوا۟ لَكُمْ ۖ ) تحمل معنى آخر لو أن الله خلق في هذه الأصنام سمعا وبصرا ونطقا وعقلا فدعاهم الناس فأجابوا لقالوا تبرأنا منكم، لا يوافقوكم لو سمعوا ما استجابوا لكم في هذا الكفر ولكانوا أطوع لله منكم (وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ ) يكفرون لأن الأصنام والأوثان يخلق ربنا فيها الحياة فتنطق وتقول ما كانوا إيانا يعبدون (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ أَهَـٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ۖ بَلْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ ۖ ) [سورة سبأ آية‫:‬ ٤٠- ٤١]، الشياطين، إذاً يوم القيامة يكفرون بشرككم عيسى بن مريم حين يسأله ربنا، تبارك وتعالى، (ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ ۚ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ١١٦]، (وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ (١٤)) لا يخبرك بالخبر أي مخبر إلا والأخبر منه والخبير هو الذي يصدق خبره (وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ (١٤)) والخبير الذي يعلم خفايا الأمور، (وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ (١٤)) الخبير المطلق هو الله وهو ينبئنا بأحوال هؤلاء (وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ) يوم آت لا محالة (يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ ) من الذي ينبئ الخبر اليقين؟ الخبير (وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ (١٤)) إذاً فلا تسمع لغيره لأن الله هو الذي خلق وهو العالم بما خلق وهو الخبير بما خلق (وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ (١٤)) هو الله، تبارك وتعالى، الصادق الخبير بخلقه‫.‬‬
‫ويأتي النداء، النداء الغريب والذي يحتاج إلى لقاء آخر‫:‬‬
‫(يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ (١٥)) [سورة فاطر آية‫:‬ ١٥]، ومن الغريب أنه عرف الجنس الفقراء نعم فالغِنَي الحق هو أن يكون الغني غني عن الشيء وليس غنيا بالشيء وقد تعارف الناس على إطلاق لفظ الغني على صاحب المال، والفقير على المحروم من المال والأصل في الكلام هو الافتقار والاحتياج لأي شيء فقد يفتقر الإنسان للمعين فهو فقير لمن يعينه، قد يفتقر إلى النصير قد يفتقر الجندي في معركته إلى السلاح، فالفقير هو المفتقر للشيء المحتاج للشيء، وأما الغني فهو المستغني عن الشيء، وكلما كان الإنسان محتاجا كلما كان فقيرا، ويزداد الفقر ويقل الفقر بحسب احتياج الإنسان، والإنسان ضعيف وخلق كذلك ويقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍۢ) [سورة الروم آية‫:‬ ٥٤]، ويقول عز من قائل‫:‬ (يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًۭا (٢٨)) [سورة النساء آية‫:‬ ٢٨]، من هنا نجد أن الله، تبارك وتعالى، يخاطب الناس في سورة فاطر والتي نحن بصددها فيقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ﴿15﴾
‫(ٱلْفُقَرَآءُ) معرّفة بالألف واللام وقياس الكلام أنتم فقراء إلى الله لو قال أنتم فقراء إلى الله لكنتم بعض الفقراء فأنتم فقراء وغيركم فقراء كذلك، والعوالم فيها المخلوقات العديدة والكثيرة (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)) [سورة النحل آية‫:‬ ٨] والكل مفتقر إلى الله في جوده وفي بقائه فَلِم عرف الفقراء هنا؟ عرف الفقراء وكأن الخطاب يقول يا أيها الناس لشدة افتقاركم إلى الله ولشدة ضعفكم ولشدة احتياجكم في جميع أحوالكم وحركاتكم وسكناتكم وبقائكم ووجودكم إلى الله كأنكم أنتم الفقراء دون سواكم، وأصبح فقر الغير إلى فقر الناس لا يقارن ولا يقاس، وكأن الحيوانات مفتقرة وفقيرة وكل الجمادات كذلك والشمس والقمر حتى السماء (إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٤١]، إذا فالسموات مفتقرة إلى من يمسكها فالكل مفتقر إلى الله أنتم فقراء فقال‫:‬ (أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ) وكأن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي اشتد فقره وافتقاره واحتياجه إلى الله في كل شيء نعم فربما النبات يحتاج إلى الله وهو مفتقر إلى الله في نموه في خروجه من الأرض في ازدهاره لكن النبات إذا حصد انتهت حياته وانتهى وجوده وانتهى افتقاره، أما الإنسان فهو مفتقر مذ خلق مفتقر إلى الله ولا نهاية له حتى الموت ليس نهاية فهو مفتقر في قبره إلى الملهم حتى يجيبك ما يجب على الملائكة، مفتقر في قبره إلى المؤنس في البعث والحشر والنشر مفتقر إلى الله (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ) هل هناك شيء يستغني فيه الإنسان عن الله؟ فكر، فكر، كل منا يفكر بعقله في الطعام في الشراب في النفس في حركة الأمعاء في دقات القلب في ارتفاع الحجاب الحاجز وانخفاضه، في السمع في البصر في النطق واللسان، في الأسنان، في الشعر، في النوم واليقظة في الحركة والسكون، أي شيء أنت غير محتاج فيه إلى الله؟ أي شيء؟ أي شيء؟ لا شيء، فعلا نحن الفقراء إلى الله (وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ (١٥)) الغني مقابلة لكلمة الفقراء أنتم فقراء، أنتم مفتقرون إلى الله، تبارك وتعالى، في جميع أحوالكم أما الله، تبارك وتعالى، فهو المستغني بذاته عما سواه هو الغني ليس بمعنى الغني أنه يملك المال أو يملك خزائن أو عنده الكثير، الغني بمعنى المستغني عن كل ما سواه هو الغني أي مستغن عن كل شيء مستغنٍ بذاته عما سواه (هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ (١٥)) لفظة الحميد في الآية تلفت النظر فقراء وغني مقابلة لفظية (أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ (١٥)) الحميد لفظة تلفت النظر لماذا؟ الغني من الناس في عرفنا من كان ذا مال فأصحاب المال والأغنياء وأصحاب الضياع والجاه في الدنيا مالهم وغناهم وما يملكون لأنفسهم قد ينفعون بعض الناس بغناهم وقد لا ينفعون أحدا هو غني ويملك المال ويستمتع به الفقير إلى جواره لا يشعر به ولا يراه ولا يحس ولا ينتفع الفقراء بغنى هذا الغني فهو غني قالوا عليه ذلك، أما الغني الحق فهو الذي ينفع بغناه خلقه، فالله، تبارك وتعالى، الغني النافع خلقه بغناه وعليه استحق منهم الحمد لذا قال‫:‬ (ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ (١٥)) لأنه الغني المنعم المتفضل الجواد على خلقه وليس كل غني جواداً أو منعما فإذا كان الغني جواداً ومنعما استحق الحمد ممن أنعم عليه من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ (١٥)) المستحق للحمد لأنه أغناكم بغناه وأعانكم وأعطاكم ونفعكم بغناه‫.‬‬
‫ثم يقول الله، تبارك وتعالى، مبينا القدرة والعزة والاستغناء الحق‫:‬‬
إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ ﴿16﴾ وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍۢ ﴿17﴾
هو الغني غير محتاج إلى خلقه، غير محتاج لشيء وعليه إن شاء أذهبكم أفناكم أهلككم، تشرق الشمس فلا تجد ذو نفس لا إنس ولا جن ولا دابة ولا حيوان ولا شيء (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) من يحاسبه؟ من يقول له لم فعلت ذلك؟ من يلومه؟ من يمنعه؟ هو الله (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ (١٦)) أطوع منكم لله أليس الله بقادر أن يخلق الطائعين؟ بلى فقد خلق الملائكة، (لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)) [سورة التحريم آية‫:‬ ٦] وهو الذي اصطفى الأنبياء وعلّمهم، والأولياء ورباهم، فإن شاء أذهب الناس جميعا بكن، ويكون خلق جديد طائع لله، أطوع منكم لله وأصلح وأتقى وأعلم، (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ (١٦)) من أنتم؟ ماذا تشكلون لله؟ من أنتم بالأرض التي أنتم عليها؟ ماذا تساوي في هذا الفضاء الواسع وهذا الكون الممتد (وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ (١٦)) أناس (وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ (١٦)) أو فقد يذهب العوالم كلها ويأتي بعالم جديد سموات وشمس وقمر وأناس وملائكة وجن عالم جديد ويهلك من في السموات ومن في الأرض بكن ويأت بعالم جديد (وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍۢ (١٧)) إي وربي، إي وربي، إي وربي (وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍۢ (١٧)) بمتعذر أو متعسِّر، وما ذلك بمتعذر ولا متعسِّر، فقد كان الله ولم يكن شيء‫.‬‬
‫ثم يبين ربنا، تبارك وتعالى، العدل المطلق فيقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌۭ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰٓ ۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِۦ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ﴿18﴾
‫(وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ) الوزارة‫:‬ الحاملة التي تحمل الأوزار والأوزار‫:‬ الأثقال وقد تطلق على الذنوب والمعاصي لأن الذنوب والمعاصي أثقل من أوزار الدنيا، فسميت الذنوب أوزار لثقلها ومن حمل ذنوب على ظهره ما استقام ظهره أبدا لا بد وأن ينحني من ثقل الأوزار (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ) إذاً لا تحمل نفس ذنب نفس أخرى، أيضا كما نفى عنها أن تحمل ذنب غيرها نفى أن يحمل عنها ذنبها، قال‫:‬ (وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌۭ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰٓ ۗ ) فنفي أن يُحمل على النفس ذنب غيرها ونفى أيضا أن يحمل ذنبها على غيرها (وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌۭ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰٓ ۗ ) المثقلة‫:‬ النفس التي أثقلتها الأوزار والأثقال فإن هذه النفس المثقلة إن تدع مثقلة أي إن تدع نفس مثقلة إلى حملها، الحِمل ما يوضع على الظهر، الحَمل حمل المرأة، ما يوجد في بطن المرأة يسمى حَمل، أما الحِمل فهو ما يحمل على الظهر، (وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌۭ) هنا نفى عنها أن يُحمل عنها ويحمل غيرها ذنبها وفي الشطر الأول (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ) لا تحمل حاملة ذنب أخرى فنفى عن النفس البشرية أن يحمل ذنبها أو تحمل بذنب غيرها (وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰٓ ۗ ) وصدق الله، تبارك وتعالى، حيث يقول‫:‬( يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿۳٤﴾ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ ﴿۳۵﴾ وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ ﴿۳٦﴾ لِكُلِّ ٱمْرِئٍۢ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍۢ شَأْنٌۭ يُغْنِيهِ ﴿۳۷﴾) [سورة عبس آية‫:‬ ٣٤ ٣٧].‬
‫وقد قيل أن الأم تلقى ولدها يوم القيامة فتناديه وتعرفه (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ ) [سورة يونس آية‫:‬ ٤٥] هناك تعارف يعرفون بعضهم بعضا، تنادي الأم ولدها وتقول‫:‬ يا ولدي ألم يكن بطني لك وعاء، ألم يكن ثديي لك سقاء، ألم يكن حجري لك وطاءً فيقول‫:‬ بلى يا أماه، فتقول‫:‬ يا ولدي أثقلتني ذنوبي فاحمل عني منها ذنبا واحدا، فيقول‫:‬ إليك عني يا أماه فإني بذنبي عنك مشغول، نعم يفر المرء من أخيه ومن أمه وأبيه (إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ ) إذاً الإنذار لا ينفع إلا الخائفين الذين يخافون من الله، تبارك وتعالى، ويخافون عقابه يخافون العذاب وقد غابوا عن العذاب أو قد غاب العذاب عنهم (يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ) أي يخشون عقاب ربهم وهم غائبين عن هذا العقاب والعقاب غائب عنهم لم يروه هل رأيتم النار؟ لم تروها ومع ذلك نحن نخاف من النار، إذاً فنحن نخشى بالغيب، هل رأيتم عذاب الجبار؟ أبدا لكنا نخاف عذاب الله إذا نحن نخاف بالغيب لأننا نخاف ما لم نره هؤلاء ينتفعون بالإنذار (يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ) أو هم غائبون عن الناس في خلواتهم حيث لا يراهم أحد يخافون من الله ويبكون يخرون للأذقان يبكون خشوعا وخوفا ووجلا هؤلاء هم المنتفعون بإنذارك يا محمد والخطاب له (وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ ) وجاء بالصلاة واختصها بالذكر لأن الصلاة عماد الدين، ولأن الصلاة هي التي تذكرك بربك في اليوم خمس مرات، صيام يذكرك كل عام، أما الخمس صلوات فتذكرك كل يوم بل خمس مرات في اليوم تذكرك بالله، فأنت دائما وأبدا متذكّر، لله هؤلاء الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة (وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِۦ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ (١٨)) (ومن ازّكّى فإنما يتزكى لنفسه) (وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِۦ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ (١٨)) قراءة من تطهّر من دنس المعاصي، من تطهّر من دنس العصيان، فإنما يتطهر لنفسه فإن نفع ذلك عائد عليه، وجاء بهذه الجملة الاعتراضية (إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِۦ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ (١٨)) وجاء بجملة معترضة في الوسط (وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِۦ ۚ ) لتأكيد خشية هؤلاء، لأن الخشية والصلاة من جملة التزكي فجاء بهذا للتأكيد على حالهم ولمدحهم (وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ (١٨)).‬
‫إذاً فإلى الله المرجع فيثيب الطائعين ويعاقب العاصين (وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ (١٨)) لا إلى غيره (وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ (١٨)) تفيد الحصر تفيد حصر المصير والمرجع كله إليه لأنه لم يقل المصير إلى الله بل قال إلى الله إذاً وليس إلى غيره حصر الاتجاه كله في البعث والرجوع والمصير إلى الله‫.‬‬
‫وتبدأ الأمثال أمثال غاية في البساطة من حيث الشكل وغاية في العمق من حيث المعنى، الناس مؤمن وكافر الناس عالم وجاهل الناس عاقل وغيره عاقل، في الآخرة جنة ونار يأتي التشبيه وتأتي الأمثال‫:‬ (وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا ٱلْعَـٰلِمُونَ (٤٣)) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٤٣]، واسمع يقول الله، تبارك وتعالى:
وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ﴿19﴾ وَلَا ٱلظُّلُمَـٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ ﴿20﴾ وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلْحَرُورُ ﴿21﴾ وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَحْيَآءُ وَلَا ٱلْأَمْوَٰتُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍۢ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ ﴿22﴾
‫(وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ (١٩)) وتأمل أنت هل يستوي الأعمى والبصير الأعمى مثال للصنم، البصير هو الله السميع البصير، الأعمى‫:‬ الكافر، البصير‫:‬ المؤمن، البصير يبصر كل شيء لأنه على هدى من ربه، والكافر في ظلمات ليس بخارج منها، والذي في الظلمات لا يرى شيئا فهل يستوي الأعمى والبصير والظلمات والنور؟ لا تستوي (وَلَا ٱلظُّلُمَـٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ (٢٠)) الظلمات‫:‬ الجهالة الضلالة، النور‫:‬ الهدى، فهل تستوي الظلمات والنور؟ والظل والحرور طبعا قياس الكلام كذلك (وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ (١٩)) والظلمات والنور والظل والحرور والأموات والأحياء، جاء ربنا بكلمة "لا" (وَلَا ٱلظُّلُمَـٰتُ) ثم جاء بها أيضا في الشطرين، (وَلَا ٱلنُّورُ (٢٠) وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلْحَرُورُ (٢١)) لزيادة التأكيد في عدم الاستواء بعض الناس المفسرين يكتب في كلمة "لا" أنها زائدة وليس هناك زيادة في القرآن، وإنما هي جاءت لتأكيد عدم الاستواء بين الشطرين (وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلْحَرُورُ (٢١)) الظل‫:‬ الجنة (وَظِلٍّۢ مَّمْدُودٍۢ (٣٠) وَمَآءٍۢ مَّسْكُوبٍۢ (٣١) وَفَـٰكِهَةٍۢ كَثِيرَةٍۢ (٣٢) لَّا مَقْطُوعَةٍۢ وَلَا مَمْنُوعَةٍۢ (٣٣)) [سورة الواقعة آية‫:‬ ٣٠- ٣٣]، والحرور‫:‬ جهنم (إِنَّهَا لَظَىٰ (١٥) نَزَّاعَةًۭ لِّلشَّوَىٰ (١٦)) [سورة المعارج آية‫:‬ ١٥- ١٦]، جهنم السعير (ٱنطَلِقُوٓا۟ إِلَىٰ ظِلٍّۢ ذِى ثَلَـٰثِ شُعَبٍۢ (٣٠) لَّا ظَلِيلٍۢ وَلَا يُغْنِى مِنَ ٱللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍۢ كَٱلْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُۥ جِمَـٰلَتٌۭ صُفْرٌۭ (٣٣)) [سورة المرسلات آية‫:‬ ٣٠- ٣٣]، وبالتالي يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلْحَرُورُ (٢١)) الظل أنتم في الظل، والحرور‫:‬ شدة الحر وقيل السموم بالنهار والحرور بالليل وقيل الحرور ليلا ونهارا، والسموم لا يكون إلا ليلا على الخصوص اختلافات في تسمية السموم والحرور، الحرور من الحر، الحرور شدة الحر هل يستوي الظل مع الحر؟ كذلك لا تستوي الجنة مع النار (وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَحْيَآءُ وَلَا ٱلْأَمْوَٰتُ ۚ ) الأحياء‫:‬ العقلاء العلماء بالله، الأموات‫:‬ السفهاء الجهلاء بالله ذاك هو التشبيه (إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ ۖ ) يُسمع إسماع الانتفاع والهدى، النبي، صلى الله عليه وسلم، عليه الإبلاغ أما أن يدخل البلاغ في قلب العبد فينشرح صدره للإسلام فتلك من شأن الله، وبإرادة الله، (إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ ۖ ) محمد، عليه الصلاة والسلام، يبلّغ وينذر فقط، أما أن يهدي ليست له، أما أن يسمع سماع اعتبار فليس له (وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍۢ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ (٢٢)) (بمسمعِ) (أو بمسمعٍ) قراءتان وقال في موضع آخر (أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍۢ مِّنْهَا ۚ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٢٢]، فالمهدي والذي هداه الله هو الحي هو العاقل هو الذي يسمع هو الذي يبصر، والضال هو الميت ميت الأحياء، تراه يمشي بين الناس ولكنه ميت الأحياء، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍۢ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ (٢٢)) أي الذين ماتت قلوبهم بالكفر‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ ﴿23﴾ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا ۚ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌۭ ﴿24﴾
‫(إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)) حدّد وخصّص وحصر إن أنت إلا نذير تنذرهم بعد هذا البيان والتبيين (إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)) ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ثم يؤكد ربنا، تبارك وتعالى، هذا الإرسال فيقول‫:‬ (إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا ۚ) أرسلنا بالحق أرسلناك محقين، أرسلنك بالحق أرسلناك محقا، أرسلناك بالحق أرسلناك إرسالا مصحوبا بالحق، أو أرسلناك بالحق أي أرسلناك بالحق أي أرسلناك بشيرا بالوعد الحق ونذيرا بالوعيد الحق تقديم وتأخير، أرسلناك بالحق بشيرا للطائعين بالجنة نذيرا للعاصين والكافرين بالنار (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌۭ (٢٤)) ما من أمة من الأمم عصر من العصور أناس اجتمعوا في مكان إلا ومضى فيها نذير من الله، والنذير هنا مقصود به الرسل أو الأنبياء، أيضا حين يقول نذير فقط تفيد النذير والبشير لأن الرسل دائما وأبدا تقترن النذارة بالبشارة فكل رسول هو نذير وبشير، فاكتفى بذكر النذير للدلالة على أنه نذير وبشير، وذكرت من قبل في الآية السابقة إلا أنه اختص النذارة بالذكر لأنها المقصود الأعظم من الرسالات لإنذار الناس، المقصود الأعظم من الرسالات هو إنذار الناس من غضب الله، هو تحذير الناس من عذاب الله وعقاب الله هذا هو المقصود الأصلي، ثم بعد ذلك تبشير من يطيع، إذاً فالبداية إنذار ولذا حين أمر النبي بالإبلاغ صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: (يَا صَبَاحَاهْ)، فَقَالُوا‫:‬ مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا‫:‬ مُحَمَّدٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: (يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ)، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: (أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟) قَالُوا‫:‬ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ: (فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)، فالبداية والمقصود من الرسالات الإنذار ينذر، فمن أطاع وخاف وابتعد عما أنذر به بشر بالجنة من هنا يقول‫:‬ (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌۭ (٢٤)).‬
‫ثم يسرِّي عن الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم فيقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ ﴿25﴾ ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴿26﴾
‫(وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) لست بدعا من الرسل لست أول من يكذب كل الرسل كذبوا وصبروا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا فعليك بالاقتداء بهم (فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) بغير عذر فقد جاءهم البينات والزبر والكتاب المنير، البينات‫:‬ المعجزات كناقة ثمود وعصا موسى إلى آخر البينات والمعجزات التي جاءت مع الرسل، والزبر‫:‬ قلنا جمع زبور والزبور بمعنى المزبور أي المكتوب الصحف كصحف إبراهيم يطلق عليها الزبور وكزبور داود (وَبِٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ (٢٥)) كالتوراة والإنجيل البين الواضح المنير، كذبت جميع الأمم وكذبت كل الرسل، فإن كذبوك هؤلاء فقد كذب من قبلك جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير (ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)) آه من أخذة الله (أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۖ ) وإذا أخذ ربنا الظالم لم يفلته (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)) ( فكيف كان نكيري) بالياء وصلا ووقفا، أو بالياء وصلا فقط، ووقفا تحذف، أو هي محذوفة وصا ووقفا المنير (ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)) أخذتهم أين هم؟ أين عاد؟ أين ثمود؟ أين فرعون؟ أين الملوك؟ أين الولاة؟ أين الجبارون؟ أين متوسطو الأعمار منكم حضروا في بلدنا هذا ثلاثة حكام ملك وزعيمان أين هم؟ أين الملك الذي حكم هذه البلاد وكان يطلق عليه الملك الصالح أين هو؟ أين من جاء عنوة وانتزع الملك بيده وتسلط على الناس بجبروته ولقب بالزعيم الخالد والملهم أين هو؟ وأين من جاء خلفه وجدّد الثورة وصحح وفعل وفعل وقال وقال وكان آه من كلمة كان، كان، أين هو وأين هم؟ أفضوْا إلى ما قدموا من عمل، نحن نضرب الأمثال ولا نقصد الإساءة لأحد، ولا ندري أهم في جنة أم في نار ولكنا نلفت الأنظار، أنهم كانوا ملء الأعين والأسماع، وكنا نقف ونحن أطفال ننتظر مرور جلالة الملك في سيارته الفارهة ونصفق ونفرح برؤيته وننشد الأناشيد في عيد ميلاده وفي عيد جلوسه، سبحانك يا الله سبحان الدائم نضرب الأمثال كي تعي وكي تفهم ربنا يقول‫:‬ (وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)) كيف كان إنكاري، النكير‫:‬ الإنكار إذا أنكرت على شخص شيئا فقد تنكر بالنظر وقد تنكر بالكلام وقد تنكر بالقلب فإن أنكرت بالأخذ والعقوبة فذاك هو النكير، فإن أنكرت بالفعل وعاقبت يسمى ذلك نكيرن من هنا يتساءل ربنا ويسأل والسؤال محذوف الجواب ولك أن تعلم وتتخيل ما قص عليك وما تراه في سفرك في الأمصار (ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)).‬
‫أيها الأخ المسلم‫.‬. يقول النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ)، ولم نر خرابا في البيوت إلا بسبب الظلم، ولم نر في القرآن سببا للتخريب والتدمير كالظلم حيث يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةًۢ بِمَا ظَلَمُوٓا۟ ۗ ) [سورة النمل آية‫:‬ ٥٢]‬
‫فقال العلماء لا تُخرب البيوت إلا بالظلم فاتقوا الظلم، اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، فيا أيها الأخوة والأحباب حنان الله، تبارك وتعالى، لا ينتهي ولا ينقضي، وحلمه فوق الخيال آيات وبينات ومواعظ ولفت للنظر وقصص وأمثال وتذكير وإعادة تذكير ومجادلة وأخذ ورد وعطاء وسؤال وجواب وتفنيد للحجج حجج الكفار وإرسال الحجج والبينات وهكذا‫.‬‬
‫وانظر كيف يلفت نظرنا ربنا، تبارك وتعالى، في سورة فاطر فيقول بعد أن بيّن عدم الاستواء بين الأضداد، المؤمن والكافر، الأعمى والبصير، الجنة والنار، الظل والحرور، الهدى والضلال، الظلام والنور، العلم بالله والجهل به، الأحياء والأموات، أمثال وأمثال وأمثال وتحذير، يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍۢ مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهَا ۚ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌۢ بِيضٌۭ وَحُمْرٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌۭ ﴿27﴾
‫( أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ) الرؤية هنا رؤية القلب وليست رؤية العين العلم، بالعلم، لأن الخطاب هنا للأعمى والبصير في الدنيا، الخطاب لكل من يرى ومن لا يرى الخطاب مقصود به الرؤية العلمية (فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍۢ مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهَا ۚ ) بلى رأينا ماذا فعل في هذا الماء الماء (أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ) واحد والأرض واحدة ومن حيث الطعم ألوان من حيث الشكل ألوان من حيث الصنف ألوان من حيث النفع والضر ألوان، فالألوان الأنواع والأجناس ليس الألوان هي الأحمر والأخضر والأصفر فقط، وإنما كما نقول ومن حيث الطعم ألوان، فالألوان أي التلون أي التنوع ماء واحد والمصدر واحد والأرض واحدة يخرج منها التفاح والطماطم والبرسيم والصبر والقمح والخشخاش المخدر يخرج من الماء، والسموم النواقع تخرج من نفس الأرض وبنفس الماء، الأحمر والأخضر والأصفر والأزرق جميع الألوان، حتى في الثمرة الواحدة تجد في البطيخ القشرة خضراء والثمرة حمراء واللب، واللبة سوداء سبحانك يا رب، سبحانك يا رب هي هي ثمرة واحدة فيها ثلاث ألوان ثم تجد نفس هذا الصنف من الطعام البطيخ المكور والمستطيل والصغير والكبير والحلو وغير الحلو، والحمراء والبيضاء والصفراء وأسماء وأسماء وأسماء، صنف واحد وقس على ذلك في كل ما يخرج من الأرض (فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍۢ مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهَا ۚ ) تأمل نفس الماء ونفس الأرض الأمر ليس صدفة وإنما هو إله مدبِّر مهيمن صانع خالق يرعى كل شيء ويقول للشيء كن فيكون وليس لقدرته حدود، نبات على مستوى الأرض كالقرع والكرنب مثلا كالقثاء مثلا نبات سامق والنخل باسقات طلعها نضيد تحتاج أن تصعد إليها لتأتي بثمارها وهناك ثمر تنحني لكي تلتقطه، وثمر يقوم على ساقه وثمر بغير ساق، وثمر تعرِّش أنت له العنب تعرِّش أنت له حتى يتسلق عليه سبحانك (وَمِنَ ٱلْجِبَالِ) إذا لم تر الثمار ولم تر الزرع فانظر إلى الجبال فإما أنت أهل حضر وإما أنت أهل بادية، فإما في الحضر ترى الثمار وإما في البادية ترى الجبال انظر إلى الجبال (وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌۢ بِيضٌۭ) (ومن الجبال جُدَدٌ جُدُد جَدَدٌ) ثلاث قراءات، الجُدَد جمع جُدَة الجُدَة‫:‬ القطعة في الشيء من لون مغاير فإذا نظرت في الجبال وجدت طرقا وقطعا في الجبال ممتدة غاية في البياض مخالفة للون الجبل كيف؟ ولم؟ ومن الذي رسمها؟ من الذي خططها؟ أرأيت الحمار الوحشي؟ أرأيت كيف خُطط؟ أرأيت، أرأيت الدواب في ألوانها؟ أرأيت الطاووس أنظرت إلى ريشه هل تأملت الألوان؟ هل تأملت في العصفور في الصوت؟ في اللون؟ في الريش؟ هل تأملت في الأسماك وفي ألوانها وفي أشكالها هل تأملت؟ هذه الآية تبين وتقول‫:‬ (وَمِنَ ٱلْجِبَالِ) كما في الثمرات مختلفا ألوانها (وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌۢ بِيضٌۭ وَحُمْرٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌۭ (٢٧)) كذلك حُمر في الجبل؟! أحمر، أحمر فعلا (وَحُمْرٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا) رأينا كل ذلك بأعيننا أي ليست حمراء فقط وإنما في جميع درجات الأحمر، الأحمر القاني والأحمر الفاقع والأحمر الخفيف وهكذا درجات جدد وبيض درجات الأبيض ودرجات الأحمر (وَغَرَابِيبُ سُودٌۭ (٢٧)) الآية تقديم وتأخير هي سود غرابيب فقدّم وأخّر لمراعاة النسق في الآيات، أيضا للتأكيد على شدة السواد شدة سواد الجبل الأسود والغربيب الأسود الفطيس الأسود الشديد شديد السواد يقال أسود غربيب هناك من الجبال ما يشتد سوادها عن سواد هذه العمائم، أسود من الليل في الجبال مختلفة (وَغَرَابِيبُ سُودٌۭ (٢٧)) والألوان من حيث الألوان الأبيض والأحمر والأسود، أيضا من حيث النوع فهناك الجبال الجيرية وهناك الجبال الحديدية وهناك الجبال التي تخرج المنجنيز وهناك الجبال الفسفورية وهناك الجبال البركانية فمختلف ألوانها كذلك‫.‬ لأنه تكلم عن اللن فقال أبيض وأحمر وأسود تكلم عن اللون فيحين يؤكد ويكرر (مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا) أي أيضا مختلف أنواعها كالثمار فمنها ما يخرج الحديد ومنها ما يخرج البراكين ومنا ما يخرج كذا وكذا وكذا‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴿28﴾
‫(وَمِنَ ٱلنَّاسِ) سبحانك! (وَمِنَ ٱلنَّاسِ) أيضا مختلف ألوانه وانظر حولك أسمر أبيض أسود بني قمحي فاقع البياض، ألوان وألوان (وَمِنَ ٱلنَّاسِ) ألوان كذلك في الشكل وأيضا في النوع فمنهم الوليَ الذي تلوذ به في الدنيا، ومنهم العصيّ الذي تتعلم منه الشياطين، نعم لله في خلقه شئون ألوان صادق وكاذب ومنافق وأمين ومخادع وغشاش وقاتل ومجرم وعطوف وحنون وقاس وغليظ وبار وعاق أشد اختلافا من الحيوانات أشد اختلافا من الثمار (وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَ ۗ ) أرأيت الهرة؟ أرأيت الأسد؟ أرأيت العصفور في جماله وجمال صوته وبراءته وسذاجته لا يدافع عن نفسه أبدا، فالعصفور فليس له سلاح ليس له شوكة ليس له ناب لا يعض ولا يضرب ولا يدافع عن نفسه منتهى السلامة، منتهى السلامة، سلم وأمان عصفور مخلوق ضعيف رقيق في كل شيء، أرأيت الحية؟ أسمعت فحيحها؟ أرأيت العقرب الأعمى الذي يلدغ بغير مناسبة بلا ذنب لم تأت إلى جواره ولم تؤذه إذا صادفك سمك قتلك بلا ذنب وبلا جريرة عدوان مطلق في البداية يبتدئ بالعدوان كالكلب العقور، من الحيوانات الأمين كالكلب، والخائن كالقطة، والسالب الخاطف قاطع الطريق كالحدأة والغراب، تقطع الطريق تسلب، تنزل الحدأة والمرأة تسير على رأسها حمل تنزل الحدأة تخطفه من على رأسها في الريف قطعة لحم مثلا، سلب وخطف وقطع طريق ومن الحيوانات العصفور والهرة والدجاجة والكتكوت، ومنها السبع والذئب والحية والعقرب سبحانك!! سبحانك!! سبحانك!! كيف نعد (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)) [سورة النحل آية‫:‬ ٨]، ها وقد علمنا ذلك فكيف بما لا نعلم من هنا يختم ربنا الآية ويقول‫:‬ (إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟ ۗ ) نعم العلماء بالله هم الناس أشد خشية لله، ولذا أشد الناس خشية في أمة محمد هو رسول الله وقد قالها بنفسه حيث قال‫:‬ (إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي)، وكلما اقترب العبد من الله كلما ازداد خشية وأشد المخلوقات خشية حملة العرش (وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِۦ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِۦ) [سورة الرعد آية‫:‬ ١٣]، أشد اقترابا أشد خشية، وكلما ازددت علما بالله ازددت خوفا من الله، أما الجاهل فلا يخاف كالطفل الصغير إذا رأى العقرب الطفل يحبو وراء عقرب ماذا يفعل الطفل؟ يأخذه بيده ويضعه في فمه أليس كذلك؟ الطفل يحبو كلما يجد شيئا في الأرض يأخذه إلى فمه يأكله فإن رأى عقربا يأخذه إلى فمه أيضا أليس كذلك؟ لأنه جاهل غير عالم لا يعرف خطورة هذا العقرب فإذا كبر وعرف خطورة هذا العقرب فرآه هب صارخا وفر فزعا أليس كذلك؟ إذاً (إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟ ۗ ) ويقول النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ)، و(فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ سَبْعُونَ دَرَجَةً مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) (إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟ ۗ ).‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ الآية التالية مهمة وغاية في الأهمية وخاصة في شهرنا هذا حيث يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ يَرْجُونَ تِجَـٰرَةًۭ لَّن تَبُورَ (٢٩)) لن تبور لن تكسد لأن الله‫:‬ (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ غَفُورٌۭ شَكُورٌۭ (٣٠)).‬
‫أيها الأخ المسلم تأمل في هذه الآيات عليك بتلاوة كتاب الله فشهرنا هذا هو شهر القرآن، هو شهر القيام ليس الصيام فقط بل هو شهر الصيام وشهر القرآن وشهر التلاوة وشهر الإنفاق، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أجود ما يكون في رمضان حيث يعارضه جبريل القرآن‫.‬ أيها الأخ مضى ربع الشهر عليك بتلاوة القرآن في شهر القرآن واتق الله في نفسك فقد يكون رمضان هذا آخر رمضان لك في عمرك رمضان أوله مغفرة أوسطه رحمة آخره عتق من النار‫.‬‬
‫فكلما ازداد العبد علما بالله كلما ازداد خشية ولذا قال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي) وفي سورة فاطر بين الله، تبارك وتعالى، دلائل قدرته وعظيم حكمته حيث أنزل من السماء ماءً فأخرج به ثمرات مختلفا ألوانها، ألوانها من حيث اللون الأحمر والأخضر والأصفر والأبيض، ألوانها من حيث الطعم الحلو والمر والسم والدواء والشفاء، ألوانها من حيث المنافع، ألوانها من حيث الحجم والشكل، ألوانها من حيث الاختلاف والصنف واحد، ومن الصنف الواحد في المدينة المنورة سبعين صنفا من التمر فقط ألوان، وكذلك الجبال غرابيب سود وحمر وبيضاء نواصع والدواب والأنعام من الدواب وحوش كاسرات ومنها ركائب ومنافع، والطيور حاملات رسائل ومنها فواسق ونوازع ألوان، ومن الناس كذلك منهم أهل للمعروف ومنهم من في الشر ضالع ألوان (كُلُّكُمْ لِآدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ) ومع ذلك وليّ تلوذ الدنيا به، وعصيّ تتعلم منه الشياطين نبي لم يجد مؤمنا في عصره وولي نشر في الأرض اليقين‬
‫لله في خلقه شئون ألوان في الثمار وألوان في الأرض وألوان في الجبال ألوان في الناس ألوان في الدواب، سبحانه هو الواحد القهار ولذا ختم ربنا، تبارك وتعالى، هذه الآية بقوله‫:‬ (إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟ ۗ ) المتفكرون المتأملون الذين لا يمرون على الأشياء هملاً أو غافلون، بل هم يتدبرون ويتفكرون كيف وأين ومتى وهكذا، لأن ما من شيء إلا ويدل على الله، إي وربي ضر أو نفع، إيمان أو كفر، طاعة أو عصيان، جمال أو قبح، ما من شيء إلا ويدل على الصانع المختار (إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟ ۗ ) ويعلل هذه الخشية بقوله، تبارك وتعالى‫:‬ (إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)) إذاً فهو معاقب للمتمادي في طغيانه تائب على من امتنع عن عصيانه عزيز‫:‬ قوي غالب قاهر يعاقب العاصي والطاغي، غفور لمن تاب وأناب ومن علم أن الله، تبارك وتعالى، قادر على أن يأخذ بالذنب وعلى أن يعفو عن الذنب خشي الله وعلم أنه حق أن يُخشى لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)) كالعلة للخشية أي تعليل لسبب الخشية أنهم علموا أن الله، تبارك وتعالى، يؤاخذ على الذنب ويعاقب على الذنب وأنه، سبحانه وتعالى، يعفو ويغفر ويصفح، فإذا كان قادرا على العذاب قادرا على العفو والمغفرة لمن تاب فهو أحق أن يخشى‫.‬‬
‫ثم يقول الله مادحاً لأناس يقرءون كتاب الله وكأن القراءة أصبحت سمة لهم علامة فهم مداومون على التلاوة مداومون على القراءة والتأمل والتدبر في القرآن فكأنهم هم القراء فجاءت الآية في شأن القراء الذين عشقوا القرآن وأصبحت بينهم وبين القرآن علاقة لا تنفصم لمداومة القراءة والتأمل فقال عز من قائل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ يَرْجُونَ تِجَـٰرَةًۭ لَّن تَبُورَ ﴿29﴾ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ غَفُورٌۭ شَكُورٌۭ ﴿30﴾
‫(إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ) فهم مداومون على تلاوته لم يتلوه مرة في حياتهم أو في عمرهم أو كلما عنّ إليهم شيء، بل هم مداومون على التلاوة متعاهدون لهذا القرآن مؤتنسون بكلام الملك الديان (يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ) التلاوة أولاً مداومون على التلاوة هم أهل القرآن هم جيران الله جيرانه، حيث ينادي يوم القيامة ربنا، تبارك وتعالى، ويقول لملائكته ويقول‫:‬ أين جيراني وتقول الملائكة يا رب من هذا الذي ينبغي له أن يجاورك فيقول الله، تبارك وتعالى، أين قراء القرآن؟ أين عُمّار المساجد؟ هؤلاء هم جيران الله، وإذا كان تالياً لكتاب الله فلا بد وأن يكون محافظا على الصلوات في أوقاتها لأنه يتلو القرآن في خارج الصلاة وفي داخل الصلاة والقرآن يذكره دائما وأبدا بالله فهو مقيم للصلاة وإذا تلا القرآن وداوم على تلاوته وحافظ على الصلوات لا بد وينفق مما أعطاه الله لأنه يعلم أن ما عندنا ينفذ وما عند الله باق (وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ ) [سورة سبأ آية‫:‬ ٣٩]، فهو يقرأها في القرآن دائما حتى ترسبت في نفسه واقتنعت بها كل جوارحه (وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ (٣٩)) [سورة سبأ آية‫:‬ ٣٩]، لذا فهم ينفقون سرا وعلانية لا يبالون حين ينفقون رآهم الناس أو لم يروهم هم ينفقون جاءت سرا جاءت علانية حيثما اتفق أو السر في صدقة التطوع لأنه أفضل والعلانية في الصدقة المفروضة لأنه أفضل، لأنك إذا أخرجت الزكاة علانية شجعت غيرك على القيام بهذه الفريضة، أما النفل والتطوع فكلما كان في السر كان ذاك أفضل، وكذلك في الصلوات يستحب أن يصلى الفرض علنا ويجهر به ويُؤذَّن له حتى يقتدي الناس، أما التطوع والقيام بالليل وما إلى ذلك بينك وبين الله في السر زيادة في الإخلاص وهكذا في كل الأعمال (ۭ يَرْجُونَ تِجَـٰرَةًۭ لَّن تَبُورَ (٢٩)) وكأنهم يتاجرون، ولكنهم يتاجرون مع من لا تنفد خزائنه، يتاجرون مع من لا يخشى الإفلاس، يتاجرون مع الصادق فيما وعد الذي يوفي بما وعد ولذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (ۭ يَرْجُونَ تِجَـٰرَةًۭ لَّن تَبُورَ (٢٩)) لن تكسد ليس فيها خسارة، ليس فيها هلاك، ليس فيها بطلان أعمالهم هذه تجارة لها مقابل وكل تجارة لها مقابل، فهذه التجارة مقابلها حاصل لا محالة لن يكسد لن تبور، والدليل على ذلك‫:‬ (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ ۚ ) إذاً هي لن تبور لأن الله القادر الملك المهيمن المالك لكل شيء رب الملك والملكوت ذو العزة والجبروت هو الذي سوف يعطيهم أجورهم إذاً تجارته لن تبور (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ ۚ ) ما هو ذلك الفضل الزيادة؟ (وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ ۚ ) جاءت هذه الآيات والوعد في مكان آخر عن المساجد وعمار المساجد، الآية هنا عن أهل القرآن، (وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ ۚ ) في أهل القرآن (ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ) انظر نفس الكلام والوعد جاء لمن‫:‬ (فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ ﴿۳٦﴾ رِجَالٌۭ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌۭ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًۭا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ ﴿۳۷﴾ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ﴿۳۸﴾) [سورة النور آية‫:‬ ٣٦- ٣٧ - ٣٨]، أرأيتم في عُمّار المساجد نفس الكلام نفس الزيادة، (وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۗ ) [سورة النور آية‫:‬ ٣٨]، وكذلك في أصحاب القرآن‫.‬‬
‫ما وصل إليه العلماء بالبحث والتأمل عن هذه الزيادة في الفضل قالوا هي الشفاعة فهم الشافعون لأقربائهم وأحبابهم وجيرانهم يوم القيامة، فهم الحاصلون على الأجر ثم يزيدهم الله من فضله فيمنحهم حق الشفاعة فيشفعوا لمن ارتضى، ذاك هو الفضل تلك هي الزيادة، أتدرون ما معنى ذلك؟ الجاه أليس الناس يحبون الجاه في الدنيا، الجاه في الدنيا‫:‬ أن تكون مسموع الكلمة، إذا توسط لك إنسان وطلب منك شيئا فذهبت إلى الحاكم أو الملك أو المحافظ أو الرئيس أيا كان فإذا بك تستقبل ويجاب طلبك، أطلب له مثلا وظيفة، تعطى له الوظيفة، أطلب لفلان كذا، أطلب لأناس كذا، إذاً أنت صاحب جاه والناس تلجأ إليك تطلب منك الخدمات، تطلب منك العون فإذا بك قادر على إعطاء هذا وبذل الجاه للناس، هذا الجاه في الدنيا أنتم تعرفوه فما بالكم بالجاه يوم القيامة؟ ما بالكم بالوجاهة في الدنيا؟ ما بالكم بالوجاهة عند الله (وَجِيهًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٤٥]، ما هو الوجيه في الدنيا والآخرة؟ الوجاهة الجاه والسلطان هل تتخيل هذا أن يكون الناس في فزع ورعب وأن تكون أنت آمنا مطمئنا هل تتخيل أن ينادي عليك الناس الذين عرفوك في الدنيا منهم من أحبك ومنهم من أبغضك منهم من نفعك ومنهم من ضرك منهم من آذاك ومنهم من اغتابك منهم ومنهم ومنهم من صبرت عليه ومنهم من احتملته ومنهم من نفعته ومن من لم ينفع ومنهم ومنهم كل هؤلاء يرونك في جاهك يوم القيامة فيلجئون إليك يا فلان اشفع لنا علّ الله ينجينا فتشفع، قال العلماء هذا هو الفضل الزائد (إِنَّهُۥ غَفُورٌۭ شَكُورٌۭ (٣٠)) غفور لفرطاتهم وهذا يبين لك أن الذين يتلون كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، وأن الذين يقيمون الصلاة وينفقون سرا وعلانية رغم كل ذلك لن يخلو عبد من ذنب لن يخلو عبد من تفريط، فالعصمة للأنبياء الكمال المطلق لله والعصمة للأنبياء الكمال المطلق لله والعصمة للأنبياء لذا يقول الله (إِنَّهُۥ غَفُورٌۭ شَكُورٌۭ (٣٠)) لما يفرط من أمرهم لفرطاتهم لصغائرهم لبعض ذنوبهم لخواطرهم ووساوس شياطينهم شكور لأن الله، تبارك وتعالى، يشكر العمل القليل بالثواب الجزيل فهو الشكور كلفك عملا قليلا خمس صلوات في اليوم والليلة في أربع وعشرين ساعة الخمس صلوات مهما أتقنت الصلاة لن تزيد الخمس صلوات عن ساعة لو كنت من القانتين الخاشعين ساعة في أربع وعشرين ساعة، شهر شهر في اثنا عشر شهر، شهر واحد تصوم وصيامك سويعات ليس كل اليوم بضع ساعات، تحج مرة في عمرك، الزكاة ربع العشر مبلغ قليل يسير صغير نادر في كم سنة تفعل هذه الأفعال القليلة من سن تكليفك حتى سن موتك وأعمار الأمة بين الستين والسبعين ومع ذلك تستحق على هذا تستحق على هذا‫:‬ (جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَلُؤْلُؤًۭا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌۭ (٣٣)) [سورة فاطر آية‫:‬ ٣٣]، (جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًۭا مِّن سُندُسٍۢ وَإِسْتَبْرَقٍۢ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ ۚ نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًۭا (٣١)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٣١]، ولمدة كم؟ كم عام؟ عبدت الله هذه العبادات القليلة اليسيرة خمسين عاما مائه عام إذا بك تُنعَّم وإلى الأبد بلا نهاية (عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍۢ (١٠٨)) [سورة هود آية‫:‬ ١٠٨] غير مقطوع ولا ممنوع (خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍۢ (١٠٨)) [سورة هود آية‫:‬ ١٠٨]، عطاء، عطاء (إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ (٥٤)) [سورة ص آية‫:‬ ٥٤]، إذاً صدق ربي حيث يقول‫: (إِنَّهُۥ غَفُورٌۭ شَكُورٌۭ (٣٠))‬ الشكور الذي يجازي بالكثير على العمل القليل‫.‬‬
‫ويحدثنا ربنا، تبارك وتعالى، عن القرآن فيقول والخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، سيد الخلائق أجمعين:
وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرٌۢ بَصِيرٌۭ ﴿31﴾
‫(وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ) "من" للبيان إذاً فالكتاب جنس الكتاب ولأن القرآن هو مأخوذ من الكتاب الأزلي فكتب الله، تبارك وتعالى، واحدة أو الكتاب هو القرآن أو "من" للتبعيض أي من جنس الكتاب الأزلي الذي منه التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وما إلى ذلك (هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ ) الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه الحق‫:‬ (مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ ) الصدق أي ما جاء في القرآن لا يخالف ما جاء في الكتب السماوية السابقة ما جاء في التوراة ما جاء في الإنجيل في صحف إبراهيم في الزبور كل ما جاء في الكتب السابقة جاء في القرآن فهو مصدق لما جاء في الكتب السابقة ليس بدعا من الكتب (إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرٌۢ بَصِيرٌۭ (٣١)) والخبير‫:‬ العليم ببواطن الأمور والبصير الذي يرى خفايا الوهم والتفكير يرى كل شيء من هنا يقول الله، تبارك وتعالى، للحبيب المصطفى (إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرٌۢ بَصِيرٌۭ (٣١)) وكأنه يقول للمكذبين لو علمنا من أحوال محمد، صلى الله عليه وسلم، ما ينافي النبوة ما أوحينا إليه هذا الكتاب لأن الله بعباده خبير بصير وحين اتهموه في عقله ورموه بالكذب والبهتان والسحر تارة والكهانة تارة والغش تارة والكذب تارة اتهموه بكل ذلك، فربنا يرد ويقول إنه بعباده خبير بصير ولو كان يعلم في محمد ما ينافي أحوال النبوة وأخلاق المرسلين ما أوحى إليه الكتاب العظيم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬
ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌۭ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ﴿32﴾ جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَلُؤْلُؤًۭا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌۭ ﴿33﴾ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌۭ شَكُورٌ ﴿34﴾ ٱلَّذِىٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌۭ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌۭ ﴿35﴾
الكلام يترجم ما مضى، الكلام كأنه المضمون أو النتاج (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٢٩]، (وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٣١]، الكلام عن القرآن والكلام عن القراء القرآن وأهله القرآن وأحبابه القرآن ومن أوحى إليه القرآن ثم من تفضّل الله عليهم فأورثهم القرآن (ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ ) الاصطفاء مشتق من الصفو والصفو الذي لا كدر فيه ولا شيء فيه ولا شبهات فذاك هو الصفو الصافي بلا كدر، وأصل الكلمة اصطفونا قلبت التاء طاء لقرب مخرجها من الصاد وقلبت الواو ياء أصبحت اصطفينا من الصفو، وكأنك حين تصطفي الشيء تصطفي منه الصافي الخالص النقي (ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ ) وأُشكلت الآية على العلماء، أشكلت تماما وقيل فيها أقوال زادت عن ثلاثين قولا في هذه الآية لماذا؟ ربنا يقول (أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ) الكتاب جنس الكتاب، الكتاب القرآن، فإن كان الكتاب جنس الكتاب فالكلام عن الأمم كلها، وإن كان الكتاب القرآن فالكلام عن علماء أمة محمد الصحابة والتابعين والعلماء إلى يوم الدين، الأرجح أن الكلام عن القرآن (أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ) أي القرآن ورّثناه وجاءت بصيغة الماضي للتحقيق (أَوْرَثْنَا) وهناك أناس يرثون القرآن لم يولدوا بعد ونزل القرآن قبل أن نرث نحن القرآن وقيل عنا أورثنا الكتاب إذا فالكلام عن القرآن (ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ ) الاصطفاء‫:‬ الاختيار الاجتباء صفو الخلائق صفوة الناس هل هم الأنبياء ثم الكلام بعد ذلك عن أتباعهم؟ أم الكلام عن الصفوة من أمة محمد عليه الصلاة والسلام؟ (ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ ) وجاء الإشكال (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌۭ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ ) كيف يكون ظالما وقد اصطفاه الله وهل يصطفي ربنا الظلمة؟ أرأيتم القرآن معجز والقرآن غالب من هنا قالوا‫:‬ الظالم الكافر وإذاً فهو لا يدخل في كلمة اصطفينا هؤلاء المصطفون من هؤلاء العباد عباد ظلموا أنفسهم فكفروا بما ورثوه، والاصطفاء علة للورث أم أن الميراث علة الاصطفاء؟ الاصطفاء هو أصل وبعد ذلك يأتي الميراث نتيجة للاصطفاء إذاً فقد اصطفى ربنا، تبارك وتعالى، العباد وأورثهم الكتاب فمنهم من ظلم نفسه فلم يعمل بالكتاب كفر به، ومنهم مقتصد عمل به بعضا شيئا ما فتساوت حسناته وسيئاته، أو عمل به إلى حد ما فنجا، ( وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ) ذاك العامل والعالم (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ ) لمن؟ فقالوا (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ (٣٢)) عائدة على الورث (ثُمَّ أَوْرَثْنَا) (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ (٣٢)) أي ورّث الله الكتاب فذاك هو الفضل الكبير الميراث وقالوا‫: (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ (٣٢))‬ أي الاصطفاء (ٱصْطَفَيْنَا) فالاصطفاء فضل كبير، وقالوا‫:‬ (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ (٣٢)) السبق في الخيرات (جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ ) (جنَّةَ عدن) (جناتِ عدن) قراءات (جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَلُؤْلُؤًۭا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌۭ (٣٣)) [سورة فاطر آية‫:‬ ٣٣] (يُدخولونها ويُحلون) من الداخلون إلى جنات عدن؟ من؟ قالوا‫:‬ الداخلون السابقون بالخيرات فقط والضمير عائد على أقرب مذكور (وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ ) ذلك السبق ذلك‫:‬ (هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا) أي السابقون بالخيرات هم الداخلون، ذاك رأي، وقال بعضهم‫:‬ الداخلون المقتصدون والسابقون (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌۭ) ذاك خارج كافر فاسق ظالم لنفسه مشرك لم يؤمن بالله ولا بكتاب الله (وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌۭ) عمل لدنياه وعمل لأخراه يتغمده الله برحمته، والمقتصد الذي ابتعد عن الميل ولم يَمِلْ إذا فهو من أهل الجنة (وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ) والسابق بالخيرات كذلك يدخلها فالمقتصد والسابق يدخلونها، وقالوا الثلاثة داخلون الجنة الظالم والمقتصد والسابق كيف؟ قالوا قالت عائشة رضي الله عنها السابق من أسلم قبل الهجرة، والمقتصد من أسلم بعد الهجرة، والظالم من أسلم بالسيف، وكلهم مغفور لهم ذاك رأي، وقالوا‫:‬ الظالم هو مرتكب الصغيرة يتلوا القرآن ولا يعمل به، المقتصد يتلوا القرآن ويعمل به، السابق يتلو القرآن ويعمل به ويعلّمه، قالوا الظالم الجاهل المقتصد المتعلم السابق العالم والذي يعلّم، الظالم من عمل لدنياه المقتصد من عمل لدنياه وأخراه السابق من عمل لأخراه، الظالم من عبد الله من أجل الدنيا المقتصد من عبد الله من أجل الآخر السابق من عبد الله من أجل وجهه الكريم كلام وكلام كثير وآراء كلها يحتملها الكلام وما استراحت له النفس أن عمر بن الخطاب قرأ الآية وروى أنه قال ورفع كلامه للنبي فقال سابقنا سابق ومقتصدنا ناجٍ وظالمنا مغفور له وقالوا ونسبوا المقالة لرسول الله أنه تلا الآية (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌۭ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ (٣٢)) وقال‫:‬ (السَّابِقُونَ بِالْخَيْرَاتِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَالْمُقْتَصِدُونَ أَيْضًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَكِنَّهُمْ يُحَاسَبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَمَّا الظَّالِمُوَن فَيُحْبَسُونَ فِي الْمَوْقِفِ وَيُسْأَلُونَ وَيَتْعَبُونَ، يَخَافُونَ وَيَفْزَعُونَ ثُمَّ يَنْجُونَ فَيَقُولُونَ: (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌۭ شَكُورٌ (٣٤))، فذاك ما نستريح له والله أعلم بمراده وحسن الظن بالله مطلوب، وقال بعض الناس‫:‬ بل الآية شبيهة بآية أخرى وحكموا عليها بحكمهم على الآية الأخرى فقالوا‫:‬ (وَكُنتُمْ أَزْوَٰجًۭا ثَلَـٰثَةًۭ (٧) فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ (٩) وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ (١٠) أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ (١١)) [سورة الواقعة آية‫:‬ ٧- ١١]، فالظالم أصحاب المشئمة، والمقتصد أصحاب الميمنة، والسابق بالخيرات‫:‬ (وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ (١٠) أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ (١١)) [سورة الواقعة آية‫:‬ ١٠- ١١]، آراء واجتهادات وأذن الله للعلماء بهذا الاختلاف لأنه ساق الكلام محتملا لمعانٍ كثيرة من حيث الإعراب ومن حيث القراء ومن حيث التركيب اللفظي ومن حيث التقديم والتأخير كل ذلك لتتفاضل الأمة من اجتهد فأخطأ فله أجر ومن اجتهد فأصاب فله أجران تتفاضل الأمة في الاجتهاد والاستنباط والتفكير وهكذا، إذاً الآيات ليست آيات تكليف حتى إذا اختلفنا فيه عبد أحدنا صحيحا وعبد الآخر خطأ هي آيات تحدثنا عن أمور غيبيات وسمعيات لا تؤثر في العبادة والعقيدة والأمر والنهي، من هنا يحدث في مثل هذه الآيات التشابه، هي المتشابهات التي يعمل فيها العلماء عقولهم (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا) (جناتُ عدن) (جناتِ عدن) (جنةَ عدن) قراءات، حتى في القراءة قالوا جنةَ عدن مفرد إذا الداخلون السابقون فقط، الذين قالوا السابقون هم الداخلون قرءوا جنةُ عدن، والقائلون أن الثلاثة أصناف داخلون قالوا (جناتُ عدن) جنات كثيرة للثلاثة أصناف سابقنا سابق مقتصدنا بحاسب حسابا يسيرا ظالمنا مغفور له أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، بخير ولن يرضى نبينا، صلى الله عليه وسلم، وواحد من أمته في النار لا بد وأن يشفع يحد له حدا فيشفع ثم يحد له حدا فيشفع وهكذا تتفاوت المدد بتفاوت العقوبات بتفاوت الذنوب، حتى يشفع في آخر رجل من أمته ولن يخلد واحد من أمة محمد في النار (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰٓ (٥)) [سورة الضحى آية‫:‬ ٥].‬
‫جنات عدن‫:‬ جنات الإقامة جنات عدن لا يعرفها إلا الله، واسمع وكما سمعنا ونبينا، صلى الله عليه وسلم، يروي‫:‬ (خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، كلمة عدن يفسرها العلماء‫:‬ الإقامة عَدَن بالمكان أي أقام فهي جنة الإقامة ما تعني الإقامة؟ والله لا يعلمها إلا الله جنة عدن، واسمع‫:‬ (خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ وَغَرَسَ أَشْجَارَهَا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهَا‫:‬ تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ: (قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ (١)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١]). فلا يعرف الفضل إلا ذووه ربنا، تبارك وتعالى، ذو الفضل العظيم ما هو ذلك الفضل؟ ما هذه الزيادة ويزيدهم من فضله؟ الله الله، أرأيتم السموات والأرض؟ أرأيتم النجوم؟ أرأيتم الشموس؟ أرأيتم الكواكب؟ أرأيتم الزهور؟ أرأيتم الروائح الجميلة؟ أرأيتم المناظر الجميلة؟ أرأيتم كل ذلك؟ كل ذلك دنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، أرأيتم القصور؟ الحرير والديباج الأساور والذهب واللؤلؤ المجوهرات والتحف وما يباع ببلايين الجنيهات والدولارات وما إلى ذلك أرأيتم كل ذلك؟ كل ذلك من الدنيا التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة فكيف أساور الجنة؟ كيف هي؟ الصائغ ربنا من صاغها؟ من هيأهأ؟ من صممها؟ ربنا كيف هي؟ وكيف يكون ذهب الجنة أهو مثل ذهب الدنيا وكيف يكون اللؤلؤ؟ واللؤلؤ في الدنيا مستخرج من الأصداف من أعماق البحار فيا ترى لولؤ ولؤلؤ ولولو الجنة من أين هو؟ من أين؟ (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ) "من" الأولى للتبعيض فكلنا يُحلى بعض الأساور نوعها ذهب (مِن ذَهَبٍۢ) للتبيين (وَلُؤْلُؤًۭا ۖ ) اللؤلؤ ينال فيه (لؤلؤ) (لؤلو) (لولو) قراءات اللؤلؤ‫:‬ لؤلؤ الجنة كيف هو وقد سمعنا أن الغرف في الجنة من اللؤلؤ لؤلؤة واحدة هي غرفة، غرفة مكونة من لؤلؤة واحدة مجوفة يرى ظاهرها من باطنها كيف هي؟ وكيف الأساور وكيف تلبس وكيف شكلها وكيف بريقها وكيف ذهبها؟ أهي مرصعة باللولو؟ أهي ذهب أم هي لؤلؤ؟ أهي ذهب يشبه اللؤلؤ؟ في الجنة أسماء لا نعرف إلا الأسماء كقوله، تبارك وتعالى‫:‬ (قَوَارِيرَا۟ مِن فِضَّةٍۢ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًۭا (١٦)) [سورة الإنسان آية‫:‬ ١٦]، القوارير في اللغة‫:‬ الزجاج الشفاف تلك هي القوارير كصرح سليمان (قَالَ إِنَّهُۥ صَرْحٌۭ مُّمَرَّدٌۭ مِّن قَوَارِيرَ ۗ ) [سورة النمل آية‫:‬ ٤٤]، شفاف ولذا حسبته لجة، ماء، شفافية لزجاج تلك القوارير، أرأيتم الفضة الشفافة؟ هل هناك فضة شفاف؟ أبداً يستحيل لا يمكن كيف تكون الفضة شفافة وهي معدن ربنا يحدثنا عن فضة القوارير في الجنة فيقول أن الفضة الأكواب من فضة شفافة كيف؟ هل تعقلها؟ هل تعقلها؟ حقا في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فعلا، (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَلُؤْلُؤًۭا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌۭ (٣٣)) [سورة فاطر آية‫:‬ ٣٣]، أهو كحرير الدنيا تغزله دودة القز؟ أهو كذلك؟ هل في الجنة مغازل، أما علمتم أن شجر الجنة إذا أثمر أثمر ثيابا كما أثمر الفاكهة يخرج الثوب من الشجرة، إي وربي شجر الجنة يطرح ثيابا ليس هناك من يخيط أو يفصل أو يقص الثوب أو يغزل بل هي نابتة من أشجارها كيف؟ كيف؟ لباسهم فيها حرير أي حرير هذا؟ (وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ) ، أدعو الله أن نقولها جميعا ونكون من هؤلاء جميعا بحق هذا الشهر العظيم وبحق هذا اليوم المبارك (وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ)، أجمل كلمة أحلى كلمة أفضل كلمة أرقى كلمة (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ) أول كلام الناس وآخر كلام الناس إذا بعثوا قالوا الحمد لله (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٥٢]، إذاً فحين البعث الحمد لله، (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٤٣]، حين نقف ونرى (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٤٣]، وإذا رأينا الجنة (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ۖ ) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٤]، وهنا نقول‫:‬ (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌۭ شَكُورٌ (٣٤)) وإذا دخلنا الجنة دعوانا فيها سبحانك اللهم وتحيتنا بيننا وبين بعض وبيننا وبين الملائكة ويحيينا ربنا تحيتهم فيها سلام وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‫.‬‬
‫(وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ) ، أجمل كلمة مريحة مطمئنة جرب أن تقولها في الضيق في الشدة في المرض في الصبر في الرضا والغضب في الغني والفقر جرب كلمة الحمد في أي وقت خاليا مع الله ما ألذها وما أطعمها، (وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ)، كلمة والله والله والله الدنيا بما فيها لا تساوي كلمة الحمد لله لو أعطى الله رجلا كلمة الحمد لله لقد أعطاه أفضل ما في الدنيا الحمد لله إي وربي أفضل من الدنيا وما فيها، فالحمد لله الذي جعلنا نقول الحمد لله فحمدنا محتاج لحمد وشكر محتاج لشكر إي وربي (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ) (الذي أذهب عنا الحُزن) قراءتان (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌۭ شَكُورٌ (٣٤)) غفور للفرطات شكور أي يجازي بالكثير على العمل القليل ومنذ قليل قال عن الذين يتلون كتاب الله ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور الإشارة هنا لابد وأن تنتبه (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌۭ شَكُورٌ (٣٤) ٱلَّذِىٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ) إقامة دائمة لا خروج ولا إخلاء ولا هدد ولا زلازل ولا إشعاعات ولا مفاعلات ولا أمراض ولا أحزان ولا أسقام، ولا رئاسات ولا تحكمات ولا رقابات ولا مؤاخذات ولا أي شيء إلا النعيم (أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِۦ) ليس بعملنا ليس باستحقاقنا بل من فضله، لأن الله لا يجب علي شيء مهما عبدت وصمت وقمت هل يجب على الله أن يدخلك الجنة؟ من يوجب عليه؟ من؟ من يفرض عليه؟ من؟ (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌۭ شَكُورٌ (٣٤) ٱلَّذِىٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌۭ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌۭ (٣٥)) لا يجب عليه شيء من هنا نقول‫:‬ النَصَب‫:‬ التعب، اللغوب‫:‬ الإعياء والكلالة، إذا كل الرجل أو أعيا فذاك هو اللغوب، الإعياء، أن تنتهي القوة أن يتهاوى الإنسان من شدة التعب، استنفد جميع قواه ففي الجنة‫:‬ (لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌۭ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌۭ (٣٥)).‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ الجنة لها ثمانية أبواب، النار لها سبعة أبواب، الجنة درجات والنار دركات، الجنة هي النعيم المقيم وهي مخلوقة وهي موجودة وأصحابها معلومون وفيها الحور تنتظر أهلها إي وربي، وقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا‫:‬ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرْتُ، غَيْرَةَ عُمَرَ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا)، إذاً فهي موجودة، والقصر موجود وهم في شوق إليكم، تخيل زوجات الجنة والحور العين (قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ) [سورة الرحمن آية‫:‬ ٥٦]، قاصرات الطرف معناها‫:‬ لم تقع عينها على رجل منذ خلقت وستكون أنت أول وآخر رجل تقع عينها عليك، كيف تحبك؟ كيف هي تنتظرك؟ كيف هي في شوق إليك؟ أتضيّع هذا بالضالاّت المضلاّت العاريات الكاسيات إذا اقتربت منها فاحت منها الروائح الكريهة هل يساوي ذاك هذا؟ لو اطلّعت واحدة من الحور العين على أهل الدنيا والله لأضاءت ما بين السماء والأرض، أيها الأخ المسلم أنت في شهر مبارك أوله مغفرة وأوسطه ورحمة وآخره عتق من النار لله فيه في كل ليلة سبعين ألف عتيق من النار أنت في شهر تصفد فيه الشياطين وتغلق فيه أبواب جهنم وتفتح فيه أبواب الجنان، أنت في شهر الركعة فيه بألف ركعة فيما سواه أنت في شهر كله خير كله بركة شهر القرآن شهر الرحمة شهر التراحم شهر الصلة شهر المعروف شهر آخره عيد توزع فيه الجوائز من الله، الله، تبارك وتعالى، هو الذي يوزع عليكم الجوائز اغتنموا الفرص والجئوا إلى الله وربما يكون هذا الشهر آخر شهر لنا في عمرنا ولا نرى رمضان بعد الآن ربما يكون كذلك فاغتنموا الفرصة‫:‬ (إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ).‬
‫فقد ذكر الله، تبارك وتعالى، أحوال أهل الجنة ومقالتهم كيف دخلوا كيف حلوا أساور من ذهب وفضة ولؤلؤا كيف ألبسوا الحرير كيف حمدوا الله، تبارك وتعالى، الذي أذهب عنهم الحزن كيف قالوا‫:(ٱلَّذِىٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌۭ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌۭ (٣٥))‬ الحمد لله أحوال النعيم وأهل النعيم، وأصحاب النعيم‫.‬‬
‫ثم يأتي ذكر أصحاب الجحيم وأهل العذاب الأليم وتقول الآيات في سوره فاطر مخبرة عن أحوالهم:
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا۟ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍۢ ﴿36﴾ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا۟ فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ﴿37﴾
‫(لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا۟) (لا يقضى عليهم فيموتون) قراءتان (كَذَٰلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍۢ (٣٦)) (كذلك يُجزَى كل كفور) (كذلك يُجازَى كل كفور) قراءات وكأنها مخصصة لهم، هم أصحابها هم ملاّكها أو هي قد ملكتهم فهم لها وهي لهم، (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ) والكفر‫:‬ الجحود إخفاء النعمة، الكفر‫:‬ إنكار الوحدانية، الكفر‫:‬ إنكار الوجود الإلهي الكفر عمى الأعين وعمى البصائر الكفر أن يرى الإنسان السماء ولا يدري من رفعها الكفر أن يرى الأرض ولا يعلم من دحاها الكفر أن يأكل ويشرب ولا يدري كيف دخل الطعام وكيف خرج، الكفر أن يرى الحق والنور ومع ذلك يبقى في الظلام ويستمرئ الفجور، الكفر أن يرى الشمس ويدّعي أن الدنيا ظلام ذاك هو الكفر إذا نظرت حولك في أي شيء والله والله لرأيت الله، أرأيته في صنعته، أرأيت النمل كيف خزن طعامه، هل في النمل كاتب أو حاسب؟ الفرخ كيف نقر البيض وخرج في الوقت المناسب؟ قبل ذلك لا يصح، بعد ذلك يموت، كيف خرج ومن أخبره، من قال للفرخ في البيض الآن انقر فخرج في الوقت المناسب، ، الوليد يخرج من بطن أمه غارقا في الماء يستخرج الطبيب الماء من رئتيه فإذا به يتنفس يوضع على صدر أمه يلتقم ثديها دون علم سابق أو تجارب كيف؟ كيف؟ هو الله الأنعام ذُللت وجادت بألبانها لكل حالب (مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍۢ وَدَمٍۢ لَّبَنًا خَالِصًۭا سَآئِغًۭا لِّلشَّـٰرِبِينَ (٦٦)) [سورة النحل آية‫:‬ ٦٦] ها هو ربنا يخبرنا عن المادة الأساسية والمواد الأولية لصناعة اللبن الفرث وكلكم يعلم الفرث روث البهائم والدم ها هو الدم موجود وها هو الروث موجود مصانع الدنيا تخرج منه اللبن، أرأيت النحل كيف رشف رحيق الزهور فأخرج الشفاء مشارب مختلف ألوانه عسل عسل كيف؟ الكفر‫:‬ الجحود من هنا استحق الكفار أن يقول الله فيهم‫:‬ (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا۟) أي لا يحكم عليهم بالموت مرة أخرى فقد ماتوا ثم بعثوا وتركت لهم الفرصة وأنذروا (فلا يُقض عليهم فيموتون) قراءة (وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ ) كل عذاب في الدنيا لا بد وأن يتفاوت شدة وخفة حتى الصداع يشتد ويخفت، ألم المغص ألم الحمى أي ألم أي وجع أي شدة في الدنيا تقوى ساعة وتخفت ساعة، وإذا اشتد الألم في الدنيا يغشى عليك، يغشى عليك، إذا أصيب رجل في حادث وكانت الصدمة قوية ولم يمت يغشى عليه رحمة فلا يشعر بالألم، فإذا استيقظ وجد نفسه في دار الاستشفاء وقد أجريت الإجراءات اللازمة والإسعافات وما إلى ذلك إذا زاد الألم يغشى على الإنسان لأن قوة التحمل قوة محدودة فمن رحمة الله يفقد الإنسان وعيه فلا يشعر بالألم هناك المسكنات وهناك المخدرات وهناك وهناك، أما في نار جهنم فلا يخفف عنهم من عذابها فليس هناك موت وليس هناك إغماء أو فقد للوعي ودرجة حرارة جهنم لا تخفت أبدا (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًۭا (٩٧)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٩٧]، درجة الحرارة لا تقل والألم لا يقل وليس هناك مسكنات وليس هناك مخدرات وليس هناك إغماء وليس هناك موت وليس هناك أمل حتى الأمل مفقود‫.‬‬
‫(كَذَٰلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍۢ (٣٦)) المتحدث هو الله أو (كَذَٰلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍۢ (٣٦)) أو (كذلك يُجزى أو يُجازى كلُ كفور) بمثل هذا العذاب (كَذَٰلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍۢ (٣٦))، والكفور‫:‬ الزائد في كفره المبالغ في كفره‫.‬‬
‫ثم يحدثنا ربنا، تبارك وتعالى، عن مقالتهم وعن حالهم فيقول‫:(وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا)‬ الاصطراخ افتعال من الصراخ، الصراخ‫:‬ الصوت العالي عبر به عن الاستغاثة فهم يستغيثون بالصوت العالي أعلى ما عندهم من صوت، استغاثة فيها الصريخ من شدة الألم، (رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ ) أي يخاطبون الله، تبارك وتعالى، وينادون (ربنا) وقد كان الله، تبارك وتعالى، في الدنيا سميع قريب (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٨٦] فغفلوا عنه وتركوه ونسوه وحين وجدوا أنفسهم في نار جهنم لا يُقضى عليهم فيموتوا ولا يُخفف عنهم من عذابها، ينادونه من مكان بعيد يصطرخون فيها (رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ ) إذاً فقد اعترفوا أن أعمالهم لم تكن صالحة (رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ ) إذاً فقد اعترفوا بأنهم عملوا غير صالح وأن الله، تبارك وتعالى، كان يأمرهم على لسان الرسل بالأعمال الصالحة طلبوا الخروج والعودة إلى الدنيا (أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ ) وقالوا في كلمة صالح هنا هي كلمة لا إله إلا الله التي لم يقولوها كلمة عليها قامت السموات والأرض من أجلها أقيم الحساب والميزان ونشر الديوان وخلقت جهنم وخلقت الجنان لا إله إلا الله كلمة (أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا) ويأتيهم الرد فيه التوبيخ والتيئيس والتقريع من الله تبارك وتعالى، (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا۟ فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ (٣٧)) هذا الكلام (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ ) يقول النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى عَبْدٍ أَحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ) فقالوا أن هذا الكلام لمن بلغوا سن الستين لا عذر لهم وهؤلاء يخاطبون يوم القيامة بهذه المقالة (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ ) هؤلاء من بلغوا الستين استنادا إلى هذا الحديث‫:‬ (لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى عَبْدٍ أَحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ) وخاصة أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال‫:‬ (أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ، إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ)، فإذا بلغت سن الستين بلغت سن الموت، سن الموت في أمة محمد ستين، القليل والنادر الذي يتجاوز السبعين، هكذا قال النبي، صلى الله عليه وسلم، من هنا (لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى عَبْدٍ أَحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ)، أيضا قال بعضهم‫:‬ بل هو الأربعون وليس سن الستين، لأن الله، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًۭا تَرْضَىٰهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىٓ ۖ إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (١٥)) [سورة الأحقاف آية‫:‬ ١٥]، فالإعذار سن الأربعين (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم) فطالما عُمر إلى سن الأربعين فهو مخاطب بهذه الآية إذا لم يدرك نفسه ويتب إلى الله ويعمل صالحا يخاطب بهذا، وقال الإمام مالك، رضي الله عنه‫:‬ لقد أدركت أهل العلم في بلدنا يطلبون الدنيا والعلم ويخالطون الناس حتى يأتي على أحدهم أربعون سنة، فإن أتى عليهم الأربعون اعتزلوا الناس وعملوا للقيامة وانتظروا الموت، هكذا يقول الإمام مالك عن أهل العلم الذين أدركهم وهم التابعون وقال بعضهم بل العمر هنا المذكور(أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم) هو من سن العشرين إلى سن الستين، وقال بعضهم بل العمر هنا هو من سن التكليف إلى أي سن طالما أن الإنسان في وقت يعقل فيه وهو مكلف يرى السماء ويرى الأرض مكلف يسمع ويعقل وجاءه النذير (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا۟ فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ (٣٧)) هذا بالنسبة للعمر سن الستين سن الأربعين ابتداء من سن التكليف وأعذر الله، تبارك وتعالى، إلى من تأخر أجله، سن الستين ماذا بعد ذلك؟ شهوات انتهت بالكامل في سن الستين انتظار الموت إلى آخره من هنا قال العلماء النذير (وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ ) ما هو النذير؟ النذير‫:‬ محمد، عليه الصلاة والسلام (إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًۭا وَمُبَشِّرًۭا وَنَذِيرًۭا (٤٥)) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٤٥]، قالوا‫:‬ النذير القرآن هو النذير جاءكم القرآن، وقال بعضهم‫:‬ بل النذير العقل لأن تمام العقل يميز المرء به السوء وبين الحسن بين الحسنات وبين السيئات ولو أعمل عقله لوصل إلى الصواب ولهدي إلى طريق الرشاد، وقال بعضهم‫:‬ بل النذير الشيب لأن الإنسان إذا شاب شعره ونظر إلى شيبته علم أن الصبا قد زال، وأن مدة اللهو واللعب قد انقضت، وهذا الشيب نذير بالموت والرحيل، فقالوا أي حتى بلغتم من الستين أو سن الأربعين (وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ ) أي الشيب، والشيب في المرء نذير للموت والرحيل، طالما شاب المرء وشاب شعره إذاً فهي علامة على الكبر وعلى النهاية، وقال بعضهم أيضا النذير أيضا موت الأهل موت الأقارب موت الأصحاب والخلان، أين أباك أين أمك أين فلان أين فلان؟ أين من كان يخطب على هذا المنبر من قبلي أين هو؟ أين ذهب أين راح أين أبي أين إخواني في الله أين وأين وأين فقالوا‫: (وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ )‬ موت الأقارب والأهل والأصحاب لأنه كلما مات أحد تذكرت أنك به لاحق، بل النعش المحمول على الأكتاف يمشي وكأنه يخاطب من يحمله فيقول له‫:‬‬
‫انظر إليّ بعين عقلك أنا المهيأ لنقلك‬
‫أنا سرير المنايا كم سار مثلي بمثلك‬
‫كأنه يقول ذلك، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (فَذُوقُوا۟) أو تقول الملائكة بأمره أو خزنة جهنم (فَذُوقُوا۟ فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ (٣٧)) ليس لهم ناصر يدفع عنهم العذاب أو يمنع عنهم العذاب أو يخفف عنهم لأنهم جاءهم النذير وعمروا وقد بالغ في الإعذار من الله، تبارك وتعالى، وقديما قالوا من أنذر فقد أعذر أو أعذر من أنذر أي بلّغ ثم يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنَّ ٱللَّهَ عَـٰلِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴿38﴾
الآية كثيرا ما لفتت نظري في موضعها هنا من حيث المعنى الظاهري (إِنَّ ٱللَّهَ عَـٰلِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ ) إذاً فهو العالم بكل شيء لا يخفى عليه شيء لا تخفى عليه خافية وكأن الله يقول إن الله، تبارك وتعالى، العالم بكل شيء والدليل على ذلك والتعليل (إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ (٣٨)) فإذا علم بمضمرات الصدور كان بما ظهر أعلم كل ما غاب في الأرض وكل ما غاب في السموات يعلمه الله (إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ (٣٨)) يسمع هواجس الضمير وهي ليست بصوت ويرى خفايا الوهم والتفكير وهي ليست بصورة (إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ (٣٨)) كثيرا ما لفتت نظري الآية هنا واستشعرت أن الله، تبارك وتعالى، يقول لمن تسائله نفسه هؤلاء عصوا ربهم عمرا خمسين ستين مائة من السنين كفروا، وهؤلاء أطاعوا قليلا كيف أطاع هؤلاء وكيف كفر هؤلاء؟ وكيف نُعِّم هؤلاء إلى الأبد، وكيف عُذِب هؤلاء إلى الأبد لا يُقضى عليهم فيموتوا إلى متى؟ بغير نهاية؟ أليس لذلك نهاية؟ وكأن الإنسان إذا أشفق أو شعر بالإشفاق قليلا يرد الله، تبارك وتعالى، عليه ويقول‫:‬ (إِنَّ ٱللَّهَ عَـٰلِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ (٣٨)) أي هو أعلم بأحوال عباده هو أعلم بأحوالهم، هو أعلم بما خفي في صدورهم فقد ترى الرجل فيعجبك كلامه ويعجبك منطقه ويعجبك خلقه ويعجبك سلوكه وهو من أهل النار، (إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ (٣٨)) أنت لا تعلم (وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢١٦]، وصدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حيث يقول‫:‬ (إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا )، ويقول أيضا عليه الصلاة والسلام‫:‬ (إِنَّ الْمَرْءَ أَوِ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَإِنَّهُ لِمَنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَإِنَّهُ لِمَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)، (وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢١٦]، وكلما تحيّر الإنسان في شأن القضاء والقدر رجع إلى هذه الآية (إِنَّ ٱللَّهَ عَـٰلِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ (٣٨)) ، (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌۭ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ ۖ ) [سورة النجم آية‫:‬ ٣٢]، هو أعلم‫.‬‬
‫ومن هنا الله، تبارك وتعالى، أعلم بمن اتقى وهو أعلم بمن يستحق العذاب (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٤٦)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٦].‬
‫فإن الله، تبارك وتعالى، حين خاطب ملائكته وقال لهم‫:‬ (إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٣٠]، قالوا‫:‬ (قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٣٠]، أي كأنهم يقولون يا ربنا نحن نسأل للتعلم وليس للاعتراض ولا تخلو أفعالك من الحكمة فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك أي سبحانك سبحانك ما أعظم شانك لا تخلو أفعالك عن حكمة ولكنا نسأل لم تجعل خليفة في الأرض للإفساد وسفك الدماء، ذاك كان السؤال سؤال مهذب سؤال متعلم يطلب العلم هل أجابهم ربنا، تبارك وتعالى؟ أبدا، أبدا، هل بين لهم العلة والحكمة؟ أبدا، ماذا قال الله لهم؟ قال‫:‬ (إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٣٠]، إذاً فليست هناك إجابة (قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٣٠] سبحانك سبحانك، جعل هذا الإنسان خليفة في الأرض رغم ما فيه من ضعف قاله ربنا، تبارك وتعالى، في القرآن حيث قال‫:‬ (ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍۢ ) [سورة الروم آية‫:‬ ٥٤]، وقال، سبحانه وتعالى‫:‬ (وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًۭا (٢٨)) [سورة النساء آية‫:‬ ٢٨]، حكمة يعلمها الله‫.‬‬
‫وتأتي الآيات في سورة فاطر بعد بيان حال أهل الجنة وبيان أهل النار، حال المؤمنين الذين ورثوا الكتاب وسبقوا بالخيرات، وحال الكفار الذين ارتكبوا السيئات وسعّوْا وراء الشهوات وختم بيان الأحوال والحالين فريق في الجنة وفريق في السعير بأن الله، تبارك وتعالى، هو العالم عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور ثم يقول الله، تبارك وتعالى:
هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُۥ ۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًۭا ۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًۭا ﴿39﴾
‫(هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ ) سبحانك، وكأن الله، تبارك وتعالى، يذكرنا ببداية الخلق قال العلماء خلائف في الأرض جمع خليفة والخلفاء جمع خليف إذاً فالله، تبارك وتعالى، جعل الإنسان خليفة في الأرض مكنّه منها وجعل له فيها المعايش (وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ ۗ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٠]، (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ (٢٠)) [سورة الحجر آية‫:‬ ٢٠] كذلك، إذاً فالله، تبارك وتعالى، قد مكّن الإنسان من القوى المختلفة في الأرض وسخرها له بل وترك له الفرصة في اكتشافها، هيّأ له الوسائل والأسباب، فاكتشف القوة الكهربائية وسخّرها للإضاءة ولتسيير الماكينات والآلات والمعدات والمصانع والسيارات وما إلى ذلك، اكتشف الوقود الموجود في باطن الأرض، أنواع من الوقود في باطن الأرض الشجر الأخضر جعل من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون، الفحم الشجر، الخشب ثم بعد ذلك الوقود السائل في باطن الأرض البترول، ثم بعد ذلك وقود من نوع غريب الوقود الذري وقود غريب، قوى المغناطيسية أو قوى الجاذبية سُخرت واكتُشفت الرياح، كل شيء أصبح مكتشفا فتمكن الإنسان من الأرض وسُخرت وذُللت وصدق ربي (جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًۭا) [سورة الملك آية‫:‬ ١٥]‬
‫هل امتنعت الأرض؟ ذُللت كما ذُللت الأنعام لكل حالب ذللت الأرض، أردت الكهرباء أعطتك، أردت المعادن أعطتك، أردت البترول أعطتك، حفرت من أجل الماء أعطتك، ما من شيء في الأرض تريده إلا وتعطيك، سبحان من ذللها، إياك أن تعتقد أن ذلك بجهدك أو بعقلك بل بتذليل الله لها هو الذي ذللها وطوّعها إي وربي، إي وربي، كما ذلل الأنعام لكل حالب وإلا كان يمكن للأرض أن تعصيك وسوف تأتي الآيات لتدلل على ما أقول في سورة فاطر حين يقول ربنا، تبارك وتعالى‫:‬ (إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٤١]، نعم هو الذي جعلكم خلائف في الأرض مكنّهم فيها كما قال للملائكة‫:‬ (إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٣٠] إذاً أنت مسيطر على الأرض متمكن منها من أجل الحكمة ومن أجل الخير ومن أجل الصلاح ومن أجل العبادة ومن أجل التقوي ومن أجل استغلال خيرات الأرض فيما يعود بالنفع على الإنسان دنيا وأخرى، لكنك لم تفعل ذلك لذا إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها بأنفسهم لا بتذليل الله لها كفروا غفلوا عن الحكمة وأن الله ذللها (جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًۭا) [سورة الملك آية‫:‬ ١٥]، وطوّعها لنا ولو لم يطوّعها الله، تبارك وتعالى، لعصت إي وربي، وهنا يقول وهنا يقول ظن أهلها والظن لا يغني من الحق شيئا (وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَـٰدِرُونَ عَلَيْهَآ) [سورة يونس آية‫:‬ ٢٤]، هنا وهنا فقط (أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًۭا) [سورة يونس آية‫:‬ ٢٤] أمرنا بماذا؟ يا من ذُللت لأمري رفعت عنك الأمر فتصرفي كيف شئت ماذا يحدث؟ رفع عنها التذليل أتاها أمرنا ليلا أو نهارا (فَجَعَلْنَـٰهَا حَصِيدًۭا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ ) [سورة يونس آية‫:‬ ٢٤]‬
‫استردت الأرض كل ما أعطته للإنسان، استردت الكنوز واستردت الزروع واستردت الثمار واستردت البحار والأنهار واستردت الجواهر واللآليء، واستردت كل ما أخرجته من باطنها للإنسان هنا يقول الله‫:‬ (فَجَعَلْنَـٰهَا حَصِيدًۭا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ ) [سورة يونس آية‫:‬ ٢٤]، هناك معنى آخر للخلائف الخلف بعد الخلف قرن بعد قرن، جئت أنا هنا كان رجل يخطب قبلي رحمه الله يدعى محمد وقبل محمد هذا كان هناك رجل آخر يدعى علي عقل وقبل علي عقل كان ثم قبل ذلك لم يكن المسجد شيئا مذكورا أليس كذلك؟ بعدي أنا سيصعد ورجل ويقول كان هنا رجل يدعى كذا إذاً فقد جعلكم خلائف في الأرض، يخلف بعضكم بعضا الخَلَف بعد السَلَف فإذا رأيت ذلك وجب عليك أن تتعظ ولو دامت لغيرك ما آلت إليك، ها هو المنبر منذ صنع باق والناس تزول يصعده واحد ثم ينصرف ويرحل ويأتي غيره والجامع باق والناس تزول (هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ) ألا يذكركم بأن لكم يوما تزولون فيه ويأتي آخرون فيحلون محلكم، (هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ) إذاً لا بد من التذكّر سواء على المعنى الأول حين مكّنك الله في الأرض واستعمركم فيها، أو على المعنى الثاني أنك خلفت من قبلك والعاقل من اتعظ بغيره وصدق الذي جاء بأبنائه حين موته وقال اعمل لهذا اليوم يا بني واذكر به وبموت أبيك موتك اذكر موتك لأني كما أموت سوف تموت ويأتي عليك نفس اليوم‫:‬ (فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُۥ ۖ ) النتيجة الحتمية والمنطقية من كفر فعليه كفره، كان الله ولم يكن شيء هل يحتاج ربنا، تبارك وتعالى، لصلاتك؟ هل هو محتاج الآن لهذا المجلس؟ هل ربنا يحتاج لهذه الحشود التي تسمع أو تصلي؟ هل يحتاج لركوعك أو سجودك؟ فكيف قبل أن توجد أنت؟ كيف كان الله؟ هو الله المستغني بذاته عمن سواه؟ هو الله إذاً فمن كفر فعليه كفره ولكن نتيجة الكفر التي يتحمل هو جزاءها وعقابها هناك أمران‫:‬ يقتضيها الكفر أمران غاية في الخطورة (فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُۥ ۖ ) إذاً فعليه جزاء كفره وعليه عقوبة كفره، وهكذا ولكن انتبه (وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًۭا ۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًۭا (٣٩)) إذاً فقد اقتضى الكفر وأدى إلى أمرين الأمر الأول‫:‬ المقت وهو شدة الغضب شدة البغضاء شدة الكراهية إذاً اقتضى كفر الكافر مقت الله أشد الغضب وأشد البغضاء‫.‬‬
‫أيضا أدى كفر الكافر إلى أمر آخر وهو الخسارة خسارة الدنيا والآخرة (خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ (١٥)) [سورة الزمر آية‫:‬ ١٥]، خسروا أنفسهم خسروا أصحابهم خسروا أهلهم خسروا رضا الله خسروا الجنة خسروا كل شيء، فهم في النار لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها من هنا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُۥ ۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًۭا ۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًۭا (٣٩)) ، ويأتي السؤال لهؤلاء الكفار‫:‬‬‬‬‬
قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌۭ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰبًۭا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍۢ مِّنْهُ ۚ بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّـٰلِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ﴿40﴾
‫(قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ) عيسى عزيز الملائكة الأصنام الأوثان (أَرُونِى) أروني وأخبروني (مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ) أي جزء في الأرض خلقه الشركاء أي جزء قل هذا هو الجزء الذي خلقه عيسى هذا هو الجزء الذي موسى أو عزير؟ أي جزء من الأرض خلقه هؤلاء؟ طالما لم يخلق إذاً فهو ليس إلها كيف تقولون أن عيسى إله أروني ماذا خلق من الأرض؟ خلق شجرة؟ خلق نملة؟ خلق بعوضة؟ نملة، نملة، هل تستطيع علماء الدنيا بمصانع الدنيا أن يخلقوا نملة أروني ماذا خلقوا من الأرض (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌۭ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ) هل هناك شرك في السموات لهم (أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰبًۭا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍۢ مِّنْهُ ۚ ) من هم؟ هم تعودوا على الشركاء على الأصنام والذين ادعوا الألوهية كما قال فرعون‫:‬ (فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ (٢٤)) [سورة النازعات آية‫:‬ ٢٤]، وهم أيضا تعودوا على الذين أشركوا هل عندكم كتاب يقول أن عيسى ابن الله؟ هل هناك كتاب يقول أن عزيز ابن الله؟ هل هناك كتاب نزل من الله يقول أن الملائكة بنات الله؟ هل هناك كتاب أو سلطان يقول أن الأصنام تشفع (بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّـٰلِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)) تلك كانت الأسئلة انتفت الحجج، هل لهم شيء في السموات شركة، هل خلقوا شيئا في الأرض؟ هل هناك كتاب سماوي واحد أي كتاب يقول إن الأصنام آلهة أو أن الملائكة بنات الله أو أن عيسى هو ابن الله أو هو ثالث ثلاثة أو عزير ابن الله هل هناك كتب بهذا الشأن؟ انتفت الحجج، إذاً فما هو الحق وما هو الأمر؟ يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ كذب وادعاء يعد الظالمون بعضهم أي الرؤساء الأتباع، الأسلاف يعدون الأخلاف الشياطين يعدون من اتبعوهم الظالمون يعد بعضهم بعضا غرورا كذبا وادعاءا هؤلاء يشفعون كالكهنة في الكنائس يستدرجون الناس للاعتراف يأتي الرجل للكنيسة ويعترف يا أبت فعلت كذا وزنيت وفعلت يقول يغفر الله لك ويأخذ منه قرشين أو ثلاثة مبلغا من المال واسطة عند الله واقف على باب الجنة يفتح ويغلق كيف شاء ولذا يقول الله تبارك وتعالى‫:‬ (إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ) [سورة التوبة آية‫:‬ ٣٤]، إي وربي، أي اعتراف من هذا؟!! وأين الله وكيف لا يسمعك ربنا ويسمع هذا القسيس هل هذا إله الذي لا يسمعك فتضطر أن تذهب إلى بشر مثلك وإنسان مثلك حتى تقول له فعلت وفعلت فيعطيك صكوك الغفران وكانوا يبيعون الأرض في الجنان إي ربي، يبيعوها بالنقود ذاك معلوم عندهم، إذاً ليس هناك شرك وإنما وعود كاذبة غرور كذلك كهنة المعابد كهنة بوذا، وإذا ذهبت إلى المعابد في الهند والصين وهذه البلاد التي تعبد الأبقار تعبد البقر، وهناك أناس يعبدون فرج المرأة هو إلههم، وبلاد تعبد القرود، وبلاد تعبد القطط، وكان الإنسان كفورا نعم هؤلاء جميعا هم أهل جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ليست لهم حجة ليس لشركائهم في السموات ليس لهم شيء في الأرض خلقوه ما عندهم من كتب ولا سلطان ولا حجة ولا برهان (بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّـٰلِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)) [سورة فاطر آية‫:‬ ٤٠]، من هنا يحدث التبري يوم القيامة قال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا‫:‬ (يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لَوْلَآ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)) [سورة سبأ آية‫:‬ ٣١]‬
‫يرد المستكبرون (أَنَحْنُ صَدَدْنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم ۖ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ (٣٢)) [سورة سبأ آية‫:‬ ٣٢]، وكل تلك الآيات جاء في سورة سبأ وفاطر‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم الجأ إلى الله هو الله إي وربي كل ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل هو الله ولا إله إلا الله والعمر يجري والعمر ينقضي وليس بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار‫.‬‬
‫فقد بين الله، تبارك وتعالى، للسفهاء من أهل مكة وأيضا للسفهاء في كل وزمان ومكان أن الله، تبارك وتعالى، هو الذي خلق السماوات والأرض المنفرد بالخلق وسألهم وألزمهم الحجة (أَرَءَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ) أي جزء من الأرض خلقوه أخبروني لا بد للإله من خلق يخلقه وإلا كيف يكون إلها لا بد للإله أن يكون خالقا وإلا فإله لمن؟ وإله على من؟ إذا لم يخلق فأين الملك فكيف يكون ملكا بغير ملك؟ كيف يكون إلها بغير خلق؟ أروني آلهتكم وشركاءكم ماذا خلقوا في الأرض فإذا لم يكن في الأرض لهم شيء خلقوه فهل لهم شركة في السماوات؟ (أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰبًۭا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍۢ مِّنْهُ ۚ ) كتاب من الكتب السماوية يدل على أن هؤلاء آلهة أم يعطيكم الحق والبرهان أن تعبدوهم من دون الله قطع عليهم الحجج‫.‬‬
‫ثم قال وبين‫:‬‬(بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّـٰلِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠))
‫إذاً فالمسألة مسألة غرور مسألة كذب مسألة انتفاع ينتفع الرؤساء من الأتباع وينتفع علية القوم من السفلة أناس يستغلون أناسا استغلال منفعة كهنة معابد وأصنام وقرابين تقدم وما إلى ذلك يحدث الانتفاع وإلى يومنا هذا ولو حتى تحت ظلال الإسلام‫.‬‬
‫ثم يقول الله، تبارك وتعالى, مبينا أمرا في غاية الأهمية أن الإيجاد من صفات الألوهية هناك صفة أخرى غاية في الأهمية وهو الإبقاء على الموجود فقد توجد الشيء ولا تستطيع أن تبقى عليه، أما أن توجد الشيء من عدم ثم يتعلق بقاء الشيء بالموجد تلك هي الألوهية فالله، تبارك وتعالى، هو الخالق الموجد كل شيء أوجده الله من العدم ولا شركة لأحد في ذلك وألزمهم الحجة والبرهان، ما الذي يبقي الأشياء على ما هي عليه؟ السموات مرفوعة بغير عمد والأرض مبسوطة والجبال والزروع والأمطار والشمس والقمر والأنهار كل شيء كما هو باق ما الذي يبقيه؟ لذا يقول الله، تبارك وتعالى:
إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًۭا ﴿41﴾
‫( إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ ) إذاً فالإبقاء أيضا من صفات الألوهية الإبقاء على الشيء فليس له شركة في السماوات ولا في الأرض ولا في الخلق ولا برهان بذلك والدليل على هذا أيضا الإبقاء هو الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، هل يمكن لأحد أن يزيل السموات والأرض؟ هل يمكن لآلهتكم أن تحرك الشمس عن مدارها؟ هل يمكن لآلهتكم أن تبدل للقمر فلكا؟ من الذي يمسك السموات والأرض؟ من المهيمن المسيطر لكل شيء؟ هو الله يمسك السموات والأرض أن تزولا (وَلَئِن زَالَتَآ) إن حدث الزوال يوم القيامة (إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ (١)) [سورة الانفطار آية‫:‬ ١]، (إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ (١)) [سورة الانشقاق آية‫:‬ ١]، (وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ (٢)) [سورة الانفطار آية‫:‬ ٢]، (وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)) [سورة التكوير آية‫:‬ ٦]، (وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)) [سورة الانفطار آية‫:‬ ٤]، الزوال لا بد وحادث لأن لكل حادث لا بد له من زوال وكل بداية لا بد لها من نهاية الله فقط بغير بداية وبغير نهاية (وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ )، من بعد زوالهما أو من بعد الله، تبارك وتعالى، (وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ )، من بعده من بعد الله، من بعده من بعد الزوال من الذي يمسك السموات والأرض إذا أزالهما الله؟ هو الماسك لهما الآن وإن أراد لهما الزوال فليس هناك من يستطيع أن يمنع هذا الزوال؟ ذاك معنى في الآية، هناك معنى آخر لا بد وأن ننتبه إليه فالآيات بحور مليئة باللآليء لكل من أراد أن يستخرج المعنى الآخر للآية قالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى المسيح بن الله وقالت العرب الملائكة بنات الله وقال كفار قريش الأصنام شفعاء لنا عند الله هذه المقالات سمعت من الذي سمع هذه المقالات؟ الملائكة الخلائق؟ السموات الأرض؟ ومخلوقات الله، تبارك وتعالى، كلها يسبح بحمده ويقرّ له بالوحدانية إلا الإنس والجن فيهم العصاة ما سوى ذلك في الملك والملكوت مقر لله بالألوهية (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٤]، حين قال للسموات والأرض‫:‬ (ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ (١١)) [سورة فصلت آية‫:‬ ١١] من هذه المقالات تزلزلت الجبال وتحركت الوحوش والهوام في جحورها قلقا من المقالة والسموات والكواكب والنجوم وكاد الكون أن ينهدم نعم (وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَدًۭا ﴿۸۸﴾ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـًٔا إِدًّۭا ﴿۸۹﴾ تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلْأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدًّا ﴿۹۰﴾ أَن دَعَوْا۟ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدًۭا ﴿۹١﴾) [سورة مريم آية‫:‬ ٨٨‫:‬ ٩١]، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى، بعد أن بيّن شركهم وبيّن أن لا حجة لهم (أَرُونِىَ ٱلَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِۦ شُرَكَآءَ ۖ ) [سورة سبأ آية‫:‬ ٢٧]، بيّن أن هذا الشرك كاد أن يدمر العالم وأن تنفطر السموات وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً من تلقاء ذاتها رعبا من المقالة كادت السموات تنشق وكادت الأرض تنهدّ وكادت الجبال تنسف فأمسكها الله (إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ ) من مقالتكم أيها الجهلاء أيها السفهاء (وَلَئِن زَالَتَآ) بمقالتكم (إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ ) من هنا تُختم الآية يقول الله، تبارك وتعالى، مدللا على ذلك (إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًۭا (٤١)) حليما لم يعاجل بالعقوبة على هذه المقالة بل ترككم علكم تتوبون وأرسل إليكم الرسل وأرسل إليكم الكتب ويضرب القرآن والآيات مثلا على ذلك كيف كان الله، تبارك وتعالى، حليما وكيف تركهم ليبين لهم كذبهم‫.‬‬
‫قريش سمعت عن اليهود عن النصارى وأنهم كانوا يقتلون أنبياءهم ويكذبون أنبياءهم وقد بعثوا منهم، فأنبياء بني إسرائيل منهم، فقالوا كيف ذلك لعن الله تلك الأمم يكذبون أنبياءهم وهم منهم والله لئن بعث نبيا منا لنتبعنه ولنؤمنن به ولننصرنه ولنقفن وراءه لا نكذبه أبدا أقسموا بذلك العرب فيقول الله، تبارك وتعالى، عنهم‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌۭ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلْأُمَمِ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌۭ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ﴿42﴾ ٱسْتِكْبَارًۭا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَكْرَ ٱلسَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِۦ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًۭا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا ﴿43﴾
‫( وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌۭ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلْأُمَمِ ۖ ) اليهود أو النصارى فلا يكذبوا النبي الذي بعث منهم (فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌۭ) محمد، عليه الصلاة والسلام النذير ما زادهم مجيئه (مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢)) تباعدا وتباغضا وهربا من الدين والتوحيد (مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢)) وليس هذا فقط بل استكبارا في الأرض كبر (وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٣١]، ما هذا اليتيم الذي يدّعي أنه أفضل منا وأنه يوحي إليه يتيم من أوسط قريش ليس غنيا بل فقيرا يتيما، لِمَ هذا ولمَ لمْ يكن من بني فلان أو بني فلان استكبروا، الكبر‫:‬ العلوّ في الأرض (وَمَكْرَ ٱلسَّيِّئِ ۚ ) أي مكروا الفعل والعمل السيئ المكر‫:‬ الخديعة المكر‫:‬ التدبير والخيانة والخديعة والاحتيال مكروا بمحمد، عليه الصلاة والسلام ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه ويمكرون ويمكر الله‫.‬‬
‫حاصره الأراذل في الظلام مسلحا من كل قبيلة صارم في يد فارع‬
‫خرج المعصوم على الأعادي مكبّراً يحثو التراب على الرءوس بلا ممانع‬
‫مكروا مكّر السيئ ويقول الله‫:‬ (وَلَا يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِۦ ۚ )، أي ولا يحيط الإحاقة الإحاطة الكاملة الفرق بين الإحاطة والإحاقة أن الإحاطة قد تكون من الأجناب فقط أما الإحاقة فهي إحاطة كاملة من كل الجهات (وَلَا يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِۦ ۚ ) المكر السيئ الفعل السيئ والخديعة والاحتيال النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول‫:‬ (الخَدِيعَةُ فِي النَّارِ) بل وفي التوراة من كلام التوراة تجد مكتوبا فيها "من حفر لأخيه حفرة وقع فيها" وفي أمثال العرب قديما يقولون من حفر لأخيه كُبا وقع فيه مُنكبا وكذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَا يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِۦ ۚ ) أي بمن مكر أي الماكر المحتال المخادع مهما خدع واحتال ومكر فسوف يعود وبال المكر والخداع عليه لا محالة، واعلم أيها الأخ المسلم ثلاث من كن فيه كنّ عليه فاحترس المكر السيئ بدليل قول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَا يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِۦ ۚ ) والأمر الثاني‫:‬ نقض العهود، أن تعاهد ولا تفي أن تتفق وبعد ذلك لا تنفذ الاتفاق نقض العهود بكل صوره، يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۖ ) [سورة الفتح آية‫:‬ ١٠].‬
‫الأمر الثالث‫:‬ الظلم والبغي، عقوبة الظلم خطيرة والظلم يخرب البيوت ولا تخرب البيوت إلا بالظلم (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةًۢ بِمَا ظَلَمُوٓا۟ ۗ ) [سورة النمل آية‫:‬ ٥٢]، الظلم أيضا والبغي أيضا يعود على صاحبه واسمع لقول الله، تبارك وتعالى، وهو يقول‫:‬ (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ ) [سورة يونس آية‫:‬ ٢٣].‬
‫أيها الأخ المسلم يقول الله، تبارك وتعالى، في مكرهم‫:‬ (وَلَا يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِۦ ۚ ) ثم يهددهم (فَهَلْ يَنظُرُونَ) أي ينتظرون (إِلَّا سُنَّتَ ٱلْأَوَّلِينَ ۚ ) ، السُنَّة‫:‬ الطريقة هل ينظرون إلا ما حدث مع الأولين الذين يمرون عليهم في تجاراتهم إلى الشام واليمن والعراق عاد وثمود وأصحاب الأيكة وقوم لوط (فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًۭا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣))، السُنّة مرة تنسب إلى القوم ومرة تنسب إلى الله كالأجل (إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ ) [سورة نوح آية‫:‬ ٤]، (إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ) [سورة يونس آية‫:‬ ٤٩]، مرة ينسب إلى الله ومرة ينسب إلى القوم لأنه متعلق بالجانبين وكذلك السُنّة (سُنَّةَ ٱللَّهِ) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٣٨]، (سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٧٧]، وهكذا (فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًۭا ۖ ) أي أن يبدّل الله، تبارك وتعالى، طريقته ما هي طريقة الله مع الأقوام السابقة؟ أن يدمرهم وأن يهلكهم وأن ينجي رسله والذين آمنوا (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٤۷﴾) [سورة الروم آية‫:‬ ٤۷]، (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)) أي لن يحيق المكر السيئ إلا بأهله لن يحوّل إلى غير أهله ولن يحوّل العذاب من المستحقين إلى غير المستحقين‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم انتبه لنفسك واتق الله، تبارك وتعالى، واعلم أن من زرع حصد‫.‬‬
‫فيا أيها الأخ المسلم، بعد أن نبههم الله، تبارك وتعالى، وقال‫:‬ (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًۭا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)) يدلل على ذلك ويشهدهم على أنفسهم وعلى أن هذا القول الحق فيقول:
أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةًۭ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُۥ مِن شَىْءٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمًۭا قَدِيرًۭا ﴿44﴾
نعم كانوا أشد منهم قوة فالعرب ضعفاء ليس لديهم مصانع وليس لديهم مزارع أناس يعيشون في الخيام حول البيت المعمور يتبركون به ينتظرون القوافل في مسيرها يبيعون ويشترون يتاجرون وأغلب تجارتهم كانت في أمرين محرّمين‫:‬ الخمر والبغاء هكذا كانوا حفاة عراة يعيشون في الخيام لا يجدون ما يستظلون به وهكذا أين هم من عاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد أين هم ومن قيل لهم‫:‬ (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةًۭ تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ١٢٨- ١٢٩]، أين هم من الذين قيل لهم أتبنون بكل ربع آية تعبثون أين هم من الذين قيل لهم‫:‬ (أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَـٰهُنَآ ءَامِنِينَ (١٤٦) فِى جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ (١٤٧) وَزُرُوعٍۢ وَنَخْلٍۢ طَلْعُهَا هَضِيمٌۭ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا فَـٰرِهِينَ (١٤٩)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ١٤٦- ١٤٩]‬
‫أين هم؟ يمرون عليهم في تجاراتهم إلى اليمن وإلى الشام وإلى العراق ويرون بأعينهم آثار خرائب ديارهم وقصورهم فيقول الله (أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) التدليل على أن سُنَّة الله هي سُنّة الله لن تجد لها تبديلا ولن تجد لها تحويلا هكذا حاق المكر السيئ بأهله من قديم فكذلك أنتم أيها المكذبون المضللون كانوا أقوى منكم، وأشد منكم قوة وآثارا في الأرض ومع ذلك دمروا (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُۥ مِن شَىْءٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ ) يستحيل كيف يعجزه وقد خلقه هو الصانع هو الخالق هو الموجد من العدم ومن قدر على الإنشاء قدر على الإفناء، الإفناء أسهل من الإنشاء لا شك فمن قدر على الإنشاء ألا يقدر على الإفناء؟ (إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمًۭا قَدِيرًۭا (٤٤)) عليما بخلقه فقد خلقهم بيده بكلمة كن قديرا عليهم فكيف يعجزه شيء يعجزه‫:‬ أي يفوته أعجزه وعاجزه فأعجزه سابقه فسبقه لا يمكن أن يسبقه شيء ولا يمكن أن يختفي منه شيء يختبئ منه شيء أو يهرب منه شيء أين المهرب؟ أين الفرار؟ إلى أين؟ إلى الأرض هو ربها إلى السماء هو إلهها إلى أين؟ أين وقد ربط الكون كله بأمره حار فيه العلماء يسمونه الجاذبية والتجاذب قوانين لا تستطيع الأرض أن تنفك عن الشمس لا تملك فكاكا الأرض والقمر لا يملك فكاكا عن الأرض وأنت لا تملك فكاكا عن الأرض مهما صعدت إذا تركت جذبتك الأرض إلى نفسها ألا ترى ذلك مهما ارتفعت إلى الهواء، مهما ارتفعت إلى الفضاء ثم لا بد وأن تنزل تمسكك الأرض حتى الهواء الغلاف الجوي الهواء ممسوك بالأرض وإلا لذهب الهواء والغلاف الجوي في الفضاء كيف مسكت الأرض هواءها؟ أرأيت الأرض في دورانها كيف تمسّكت بكل ثابت وسائب والأفلاك في دورانها تعلقت بنجم ثاقب هو الله ما كان يعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض (إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمًۭا قَدِيرًۭا (٤٤)) يعلم كل شيء فأين المهرب؟ أين الملجأ؟ أين المخبأ؟ والله لا ملجأ من الله إلا إليه والله هو يجير ولا يجار عليه‫.‬‬
‫ثم تختم سورة فاطر بآية فيها التخويف وفيها أيضا الحنان فيها الرحمة أيضا واسمع لربك يقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرًۢا ﴿45﴾
‫(وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟) (لو) إذاً هو يملك أن يؤاخذ الناس بما كسبوا فورا ولو أخذهم بما كسبوا أي لو عاجلهم (مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ ) ما ترك على ظهر الأرض شيء يدب قال العلماء الكلام مقصود به الإنسان أي إنسان، وقال بعضهم أبدا الإنسان والجان لأن الإنس والجن عقلاء مكلفون (يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٣٠]، تبين لنا أن الجن مكلف والإنس مكلف المخلوقات الوحيدة المكلفة في الوجود كله الإنس والجن وما سوى ذلك كلٌ مسخّر لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون إذاً الكلام (وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ) المقصود بكلمة الدابة إنس وجن فمقصود بكلمة دابة أيضا جن دل عليه قوله‫:‬ (وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ) ولو يؤاخذ أيضا الجن، قال بعضهم‫:‬ أبدا ليس المعنى كذلك المؤاخذة مؤاخذة الناس والكلام عن الناس واسمع (وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ) نحن الناس بما كسبوا من ذنوب فوراً لم يؤجلها (مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ ) لِمَ لمْ يقل من إنسان؟ لِمَ قال من دابة؟ إذاً دخل في كلمة الدابة الإنس والجن والطير والوحش والحشرات والهوام والزواحف كل ما يدب على الأرض دخل في كلمة (مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ ) إذاً فمعنى ذلك أن الناس إذا عصَوْا ربهم وآخذهم هلكت الوحوش هلكت الطيور هلكت الأسماك هلكت الدواب بذنوب بني آدم هل يمكن هذا؟ كيف؟ نعم قالوا ممكن وقد حدث (فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍۢ مُّنْهَمِرٍۢ ﴿١١﴾ وَفَجَّرْنَا ٱلْأَرْضَ عُيُونًۭا فَٱلْتَقَى ٱلْمَآءُ عَلَىٰٓ أَمْرٍۢ قَدْ قُدِرَ ﴿١٢﴾ وَحَمَلْنَـٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَٰحٍۢ وَدُسُرٍۢ ﴿١۳﴾ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءًۭ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴿١٤﴾) [سورة القمر آية‫:‬ ١١‫:‬ ١٤]‬
‫من نجا في السفينة؟ نوح ومن؟ ومن آمن معه (وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ (٤٠)) [سورة هود آية‫:‬ ٤٠]، ومن الوحوش والحيوانات النافعة من كل زوجين اثنين أين الباقي؟ لم أغرقت؟ ماذا حدث لباقي الطيور والوحوش والبهائم ماذا حدث؟ أغرقت، أغرقت، لم أغرقت؟ بعصيان الناس (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا۟ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓا۟ إِلَّا فَاجِرًۭا كَفَّارًۭا (٢٧)) [سورة نوح آية‫:‬ ٢٧]‬
‫انظر من هنا قال العلماء في قول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (أُو۟لَـٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ (١٥٩)) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٥٩]، قالوا اللاعنون حشرات الأرض ودواب الأرض القطط والكلاب والفئران والصراصير والذباب والنمل والأسود والوحوش هؤلاء هم اللاعنون يلعنون العصاة من الناس لأن بعصيان الناس يحدث الجدب والقحط ويمتنع المطر وتقل الأرزاق فيؤثر ذلك على الوحوش حتى على الحشرات في جحورها فحين تعلم الحشرات والوحوش والطيور أن الرزق قل لغضب الله على الخلائق وأن البركات امتنعت بعصيان الخلائق لعنت الناس، ومن هنا قالوا أن عصيان ابن آدم قد يدمر كل شيء ما ترك على ظهرها من دابة (وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۖ ) أجل مسمى يوم القيامة أو إلى موتهم أو الأجل المكتوب في اللوح المحفوظ (فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرًۢا (٤٥)) يعلم المحسن من المسيء فيجازي كلا بعمله‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم ربنا، تبارك وتعالى، يبين لنا أن الرزق قد يقل بالمعصية وأن الرزق قد يوسع بالطاعة (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٦٦]، أيضا‫:‬ (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٩٦]، إذاً فبركات السماء وبركات الأرض تأتي بالطاعة وصدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حيث يقول‫:‬ (إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ)، فربما الإنسان بالذنوب يحرم من الرزق أو تقل البركة تحدث الأمراض في زوجته وفي أولاده وتحدث الآفات في زراعته تحدث الخسارة في تجارته تقل البركة حتى في الثياب يأتي بالثوب يلبسه لبسة أو لبستين وإذا ينشبك في شيء فيمتزع لمِ، يأتي لابنه بالحذاء بعد يومين خرج النعل لمَ وهكذا، وهناك أناس يبارك لهم في الرزق وفي الطعام وفي اللباس وفي صحة الأولاد وفي كل شيء البركة من الله، تبارك وتعالى، والطاعة أساس، الطاعة هي مفتاح رضوان الله، تبارك وتعالى، أيها الأخ المسلم من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم أنت في أيام مفترجة، أيها الأخ المسلم اصطلح مع ربك إن لربك في دهرك نفحات تعرض لها يوم الجمعة شهر رمضان العيد وقفة عرفات أيام ربنا، تبارك وتعالى، من رحمته لم يعاجل بالعقوبة ولم يؤاخذنا بما كسبنا (وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۖ ) لعل العاصي يتوب، فتح لنا أبوبا توبته، فتح لنا أبواب رحمته والتائب من الذنب كمن لا ذنب له وحين أخطأ إبليس ولم يسجد وحدث ما حدث من حوار (إِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي بَنِي آدَمَ مَا دَامَتِ الْأَرْوَاحُ فِيهِمْ فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَبِعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَبْرَحُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي).