القرآن الكريم / سورة سبأ / التفسير المقروء

سورة سبأ

فلقاؤنا مع سورة سبأ وهي سورة مكية نزلت كلها بمكة نزلت كلها بمكة إلا آية واحدة نزلت بالمدينة وهي قول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ (٦)) [سورة سبأ آية‫:‬ ٦] وهي الآية السادسة من السورة، وسورة سبأ سميت بهذا الاسم لمجيء ذكر قوم سبأ فيها والدلالات والآيات التي تدل عليها هذه القصة‫.‬‬
‫افتتحت سورة سبأ بالحمد‫:‬‬

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ﴿1﴾
‫(ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ) والحمد هو الثناء على الجميل الاختياري والحمد غير المدح، المدح‫:‬ الثناء على الجميل مطلقا مثال ذلك‫:‬ أنك تمدح في الشيء حسنه أو جماله أو قوته، أما المدح ذاك المدح كما قلنا على الجميل مطلقا فهو كل جميل تراه في شيء لا اختيار للشيء في هذا الجمال فأنت تمدح في الزهرة جمالها، تمدح في المرأة حسنها، لا فضل لها فيه، أما الحمد فهو الثناء على الجميل المفعول من المختار، فأنت تحمد الرجل على كرمه تحمده على ما منحك من معروف، ذاك هو الحمد، والحمد أعمّ من الشكر والحمد رأس الشكر، والحمد كلمة كل شاكر، والحمد تملأ الميزان، الحمد لله، والحمد لله كلمة قالها الله، تبارك وتعالى، ولم يقلها أحد يعلمنا بها كيف نحمده وكيف نناجيه فالحمد كلمة كل شاكر، والحمد تملأ الميزان، وقد تفضل الله، تبارك وتعالى، على العباد فحمد نفسه بنفسه من الأزل، لأن العبد لو حاول أن يحصي نعم الله، تبارك وتعالى، عليه ما استطاع ذلك وما اسطاع إليه سبيلا، وطالما كان المنعم هو المتفضل عليك بالنعم وجب عليك الحمد على كل نعمة، ولما كانت النعم لا تحصى إذاً فحمد العبد لربه بنفسه غير كافٍ تحمده على أي شيء على الخلْق على الإيمان على الصحة على العين على الجوارح (وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ ) [سورة النحل آية‫:‬ ١٨]، فكيف يحصي الحمد لله ولذا قال النبي، صلى الله عليه وسلم، لربه مناجيا له‫:‬ (لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ) ليس في استطاعتنا ولا مقدورنا أن نحصي الثناء الواجب لك (أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) فبفضل الله، تبارك وتعالى، على العباد أن رفع عنهم مشقة الحمد الواجب فحمد نفسه بنفسه من الأزل قبل أن يحمده الحامدون فقال الحمد لله، ونعْم الله، تبارك وتعالى، من الأزل وإلى الأبد غير معدودة ونَعْم الله، تبارك وتعالى، على العباد وعلى الخلائق سبْق إحسان وتفضل منه سبحانه وتعالى فأي فاعل لمعروف أو لجميل يبتغي من وراء ذلك شيئا، يبتغي المقابل أما ربنا، تبارك وتعالى، فحين تفضّل على الخلائق بجلائل النعم لم يكن ذلك مكافأة على شيء فعلوه ولم يكن ذلك انتظارا لشيء يفعلوه فهو المحسن والمتفضل من الأزل لأنه هو الكريم (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ) وتقرأ هكذا بالرفع والألف واللام في كلمة الحمد يقال إنها للجنس أي جنس الحمد إذاً فهو حمدٌ معروف، والحمد المعروف قد يعرفه بعض العباد وفي أغلب الأحيان لا يعرفه أحد إلا الله المستوجب للحمد فحين قال هو بنفسه (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ) إذاً فهو يعرف هذا الحمد ولا يعرف الله إلا الله، وقيل وهو الأرجح أن الألف واللام الموجود في الحمد للاستغراق ومعنى الاستغراق أنك حصرت كل ما يخطر على البال وما لا يخطر ببال من أصناف الثناء والحمد في هذه الكلمة حيث أن الله سبحانه وتعالى مستحق لجميع المحامد وهو المحمود من الأزل فكل الحمد مستغرق في هذه الكلمة فالألف واللام للاستغراق لشمول كل ما تعنيه كلمة الحمد‫.‬‬
‫(لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ) دليل على أن الله هو الخالق وهو المالك وهو المدبر وهو المتصرف، فقد يصنع الصانع شيئا ولا يملكه يبيعه ويملكه غيره أو يرثه منه غيره وقد تملك الشيء ويُغتصب وقد تملك الشيء ولم تصنعه وهكذا، أما ربنا، تبارك وتعالى، فله ما في السموات وما في الأرض خلقا وإيجادا وتدبيرا وتصريفا وتقديرا له الحمد على ذلك وله الحمد لأنه لا يشاركه في هذه الملكية أحد لأنه إذا توحّد الإله وتوّحّد المالك عرفت طريقك فالشكر له والحمد له ولا تكلَّف شكرا أو حمدا لأحد سواه ولا ينزع منك شيء أعطاك الله إياه فهو المالك لكل شيء المانح لكل شيء، فالحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض (وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ ) أيضا، فهو المستوجب للحمد دنيا وأخرى (وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ ) فهو المحمود أيضا في الآخرة حمد نفسه بنفسه من الأزل إلى الأبد وحمده الحامدون في الدنيا والآخرة حيث يقول أولو العلم وأصحاب الإيمان وأهل النجاة‫:‬ (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٤]، ويقولون‫:‬ (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٤٣]، ويقولون‫:‬ (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌۭ شَكُورٌ (٣٤)) [سورة فاطر آية‫:‬ ٣٤]، ويقولون‫:‬ (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ۖ ) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٤]، (دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌۭ ۚ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٠)) [سورة يونس آية‫:‬ ١٠].‬
‫(وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ) في فعله بأمر (ٱلْخَبِيرُ (١)) خلقه وهو الحكيم في كل أفعاله الخبير ببواطن الأشياء.
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ ﴿2﴾
‫(يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا) يعلم فقد يملك الإنسان الشيء ولا يعلم عنه شيئا وقد يمتلك الناس الأمم فتجد الملك ذو بهاء وعظمة وأحراس، ولكنه لا يعرف أخبار الرعية ولا يعرف من أمر أمته شيئا محجوبا عنها وإن علم شيئا جهل أشياء لكن الله، تبارك وتعالى، الخالق الذي له ما في السموات وما في الأرض لا تغيب عنه غائبة (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا) ليس له الملكية والخلق والإيجاد والتدبير والتصريف فقط بل العلم أيضا فكل ما يلج في الأرض يدخل في الأرض من ماء الأمطار من حب يبذره الزارع من أموات تدفن من دفائن من كنوز كل ما يلج في الأرض من حشرات من هوام من زواحف من كل شيء (وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا) من نبات من معادن من فلزات من كل شيء يخرج من الأرض فالله عالم به من الأزل (وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ) كالمطر والملائكة والكتب والأرزاق والمقادير والبركة كل ما ينزل من السماء العروج‫:‬ الصعود إلى أعلى من الملائكة أيضا من أعمال العباد (إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ ۚ ) [سورة فاطر آية‫:‬ ١٠]، فكل ما يصعد إلى السماء من أدخنة من أبخرة من أرواح من ملائكة من أعمال العباد من دعوات الصالحين من جئار المظلومين كل ذلك مرفوع إليه معلوم لديه (وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ (٢)) الرحيم للعباد الذين فرّطوا في الشكر الواجب فالحمد له في الأولى والآخرة، وطالما كان الحمد لله وكأن الآية تشعرنا بأن نقول الحمد لله، وإذا أعطي العبد الدنيا بما فيها فقال الحمد لله لكانت كلمة الحمد لله أفضل من الدنيا وما فيها، وقد أنبأنا النبي، صلى الله عليه وسلم، أن العبد إذا أُعطى كلمة الحمد فقال الحمد لله كان ذلك أفضل ما يُعطاه الإنسان في الوجود كلمة الحمد لله، لدرجة أن بعض الفقهاء فضلوا بينها وبين كلمة لا إله إلا الله فقال بعضهم الحمد لله أعلى وأجل لأن فيها التوحيد مضافا إليه الحمد (الحمد لله رب العالمين) إذا فلا إله إلا الله هو رب العالمين ففيها التوحيد وفيها الحمد، أما كلمة لا إله إلا الله ففيها التوحيد فقط‫.‬‬
‫من شدة أهمية الكلمة ومن العبء الملقى على العبد الذي رفعه الله، تبارك وتعالى، عنا حيث حمد نفسه بنفسه (يَقُولُ الْعَبْدُ: (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٢)) [سورة الفاتحة آية‫:‬ ٢] يَقُولُ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي) وقال رجل من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانه وسمعها النبي، صلى الله عليه وسلم، والتفت وقال من القائل؟ فقال أنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان أول من ينطق بهذه الكلمة فقال‫:‬ (لقد رَأَيْتُ بِضْعًا وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أول) وصعدت الملائكة بهذه الكلمة تستفتي وتسأل ربها، تبارك وتعالى، يا رب حمدك عبدك فلان بحمد لم نسمعه من قبل فكيف نكتب وبم نكتب له هذا الحمد؟ فقال الله، تبارك وتعالى‫:‬ (اكْتُبُوهَا كَمَا قَالَهَا حَتَّى يَأْتِيَنِي فَأَجْزِيَهُ بِهَا)، إذاً فلا يعرف الحمد على الحقيقة إلا الله الحمد لله الذي ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه لا يعرفه إلا الله حتى الملائكة لا تعرف ماذا تكتب مقابل هذه الكلمة من هنا يقول الله (وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ (٢)) رحيما فلم يكلفنا مالا نطيق وحمد نفسه من الأزل وعلّمنا ماذا تقول غفور لنا إذا قصّرنا في إحصاء النعم التي يجب أن تشكر ربنا عليها وهو الرحيم الغفور أيضا للعباد في الدنيا وفي الآخرة يغفر الذنب ومهما أذنب العبد ومهما فعل العبد بكلمة تمحى الجرائم التي ارتكبها أستغفر الله كلمة واحدة تمحو الجرائم والذنوب والآثام والخطايا نعم هو الرحيم الغفور ولو لم يرحمنا لعجل لنا العقوبة فأنت تُذْنب وتذنب وتذنب سنوات من عمرك وفجأة تفيق وتتوب فكيف أمهلك وكيف تركك؟ هو الرحيم وهو الرحيم الغفور‫.‬‬
‫ورغم كل ذلك تجد مقالة الكفار العجب فيما ادَّعوه واتهموا النبي، صلى الله عليه وسلم، به:
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَآ أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرُ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿3﴾
‫(وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ ۖ ) نفي لقيام الساعة هم ينفون قيامها أو يستعجلونها يستبطئونها تحذرنا بالساعة وتهددنا بالقيامة أين هي؟ لن تقوم فهم ينكرون قيامها ويستبطئون إتيانها (وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟) وهم كفار مكة (لَا تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ ۖ ) (قُلْ بَلَىٰ) أي قل يا محمد بلى أي سوف تأتيكم الساعة لا محالة وكلمة بلى تجيب على النفي السابق لتثبت المنفي حين يقولون لا تأتينا يقول بلى أي بلى تأتيكم، ثم أقسم على ذلك (وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ) قل بلى هذه هي الإجابة (وَرَبِّى) أقْسَم بالله (لَتَأْتِيَنَّكُمْ) أقسم بالله تعالى أمر أن يقسم بالله (وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ) تأكيد وترديد للإجابة السابقة كلمة بلى ترديد وتأكيد للكلمة السابقة (وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ) ثم وصف المقسوم به بما ينفي عنه العجز المقسوم به هو الله (وَرَبِّى) (عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ ۖ ) وصف للمقسوم به (قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ ۖ ) عالم الغيب علاّم بالغيب (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَآ أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرُ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ (٣)) ولا أصغَر ولا أصغرُ قراءتان، ولا أكبرَ ولا أكبرُ قراءتان، كل ذلك في كتاب مبين إذاً رد عليهم بأمر الله، تبارك وتعالى (قُلْ بَلَىٰ) أي سوف تأتيكم الساعة ثم أكد إتيان الساعة بالقسم (وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ) (عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ ۖ ) وصف لله لينفي عنه العجز طالما كان عالما بالغيب ولا يغيب عنه شيء ولو كان مثقال ذرة فهو القادر على الإتيان بالساعة وحين يقول فهو الصادق فيما يقول (لَا يَعْزُبُ) عزبَ يعزُبُ وقرئت يعْزِبُ (لا يعذِب) (ولا يعزُبُ ) قراءتان عزب‫:‬ بَعُد لا يعزب أي لا يبعد عنه ولا يغيب عنه (مِثْقَالُ ذَرَّةٍۢ) مثقال‫:‬ ميزان الذرّة كما قال الفقهاء فيما سبق من أهل السلف أنها النملة الحمراء الصغيرة جدا التي لا تكاد ترى، وقال بعضهم بل هي الهباءة في شعاع الشمس والتي لا تراها إلا إذا جاء شعاع الشمس فترى في هذا الشعاع هباءات، فالهباءة هي الذرة، وحديثا علمنا أن الذرّة شيء لا يرى يحسب فقط ولكنه لا يرى وهي أصغر الأشياء بل هناك أصغر منها فقد كان المعلوم إلى عهد قريب أن الذرة أصغر جزء في أي مادة حتى جاء عالم من علماء الغرب الذين قال الله فيهم (سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْـَٔافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ۗ ) [سورة فصلت آية‫:‬ ٥٣]، فقال إن الذرة تنقسم وتنشطر وعلى هذا الاختراع أو الاكتشاف اكتشفت القنابل الذرية فحين يقول ربنا، تبارك وتعالى‫:‬ (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَآ أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ) إذاً هناك أصغر من ذلك أصغر من الذرة والتي كانوا يعتقدون أنها أصغر شيء أصغرُ أصغرَ الرفع النصب إما العطف على مثقال أو العطف على الذرّة فإذا كانت معطوفة على مثقال فهي مرفوعة وإن كانت معطوفة على ذرة فهي منصوبة لامتناعها عن الصرف (وَلَآ أَكْبَرُ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ (٣)) مكتوبة ليست معلومة لدى الله فقط بل هي مسطورة في اللوح المحفوظ من الأزل‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
لِّيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ﴿4﴾
‫(لِّيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۚ ) اللام لام التعليل لام العلة أي (لَتَأْتِيَنَّكُمْ) أي الساعة (لِّيَجْزِىَ) إذاً فلا بد من إتيان الساعة للجزاء فجاء بلام التعليل، أيضا لبيان المبرر ومقتضى الإتيان (لِّيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۚ ) فالمقتضى الإتيان والمبرر إثابة الذين آمنوا وعملوا الصالحات (أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ (٤)) الذين آمنوا وعملوا الصالحات نود أن نلفت النظر إلى أن الله، تبارك وتعالى، حين يذكر الإيمان في كتابه العزيز لا بد وأن يقرن بالعمل الصالح فلا إيمان بغير عمل فالإيمان اعتقادا وعمل، أما الذين يقولون آمنا بالله ولا يعملون عملا صالحا فذاك هو الظن السيئ يقولون نحسن الظن بالله ولو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل ما من كلمة إيمان أتت في القرآن إلا وعقبها الله، تبارك وتعالى، بالعمل الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لأن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل والصالحات معلومة ومن رحمة الله، تبارك وتعالى، بعباده أن بيّنها لنا وما ترك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بابا من أبواب الخير إلا وفعله وشرحه قاله وفعله حتى يكون قدوة لنا في هذا (لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ) لماذا؟ لم لهم هذه المغفرة؟ ولأي شيء؟ طالما آمنوا وعملوا الصالحات فما هو الذي يغفر؟ تبين لك الآية أن العبد لا يبلغ مراتب الكمال أبدا، والكمال المطلق لله والعصمة لأنبيائه وأن العبد مهما وصل ومهما ارتفع في درجات الإيمان والأعمال الصالحة لا بد له من هنات هفوات خطرات سهو غفلة لا بد فربنا يغفر كل ذلك طالما اجتنب الكبائر وطالما أدى الطاعات كفّر الله عنه الصغائر (أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ (٤)) الرزق الكريم في الجنة فهو شيء غير الجنة، الجنة مكان والرزق شيء آخر‫:‬ الطعام الشراب الحور العين الزوجات النعيم المقيم كل ذلك رزق وأعلى درجة من درجات الرزق النظر إلى وجهه الكريم، (أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ (٤)) والرزق الكريم هو الرزق الذي لا تعب فيه ولا نصب أيضا لا منّ عليه، لأنك إذا رزقت شيئا من أحد أو أعطاك شيئا لم تتعب ولم تنصب فإذا منّ عليك بما أعطاك جرح إحساسك حتى أن الله، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبْطِلُوا۟ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلْأَذَىٰ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٦٤]، فإذا أعطيت الفقير مالاً ثم قلت له لولا مالي لهلكت لأصبح ذلك منّا منك عليه ولأبطل هذا الثواب، من هنا الرزق الكريم لا تعب فيه ولا نصب ولا مَنّ ولذا تجد العباد يدخلون الجنة برحمة الله وليس بأعمالهم حتى الأنبياء نجاهم ربنا (فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٧٢]، النجاة بالرحمة ودخول الجنة بالرحمة، والرزق في الجنة كل ذلك رحمة من الله ومع هذا تجد الناس حين يدخلون الجنة ويقولون مقرين ومعترفين (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ۖ وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٤٣]، وانظر إلى الحنان والرحمة والكمال من الله لا منّ لم يمنّ عليهم في الآخرة بما أعطاهم ذاك هو الرزق الكريم حين يجد الإنسان ما يحصل عليه في الآخرة لا يقارن ولا يقاس بما قدّم من عمل، وكل ذلك محض فضل من الله ويقروا بذلك الحمد لله الذي أورثنا الحمد لله الذي أعطانا الحمد لله الذي هدانا يقول الله، تبارك وتعالى لهم‫:‬ (بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٤٣]، فالرزق الكريم لا تعب فيه ولا نصب ولا منّ عليه والله، تبارك وتعالى، هو الحنان المنان.
وَٱلَّذِينَ سَعَوْ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌۭ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌۭ ﴿5﴾
معاجزين أو معجّزين (مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌۭ (٥)) السعي في الآيات هو إبطال الدلالات والتكذيب بالآيات سَعَوْا في الآيات بمعنى هذا كذب هذا سحر هذه أساطير الأولين اكتتبها من كتب الأولين أساطير مجنون شعر سحر، كل ذلك يسعون في الآيات أي محاولين إبطال الدلالات التي تدل على قدرة الله وعلى أن هذا هو الحق من عنده (مُعَـٰجِزِينَ) المعاجز عاجَزَه أو أعجزه عاجزه فأعجزه سابقه فسبقه وفاته، يظنون أنهم يفوتون أي يهربون من الله أي أن الله لا يدركهم ولا يقدر عليهم، (مُعَـٰجِزِينَ) مسابقين هاربين يظنون أن الفرار والهرب من الله ينجيهم وأنه لا يدركهم فهؤلاء الذين سعوا في آياتنا معاجزين وقرئت معجّزين أي بمعنى مثبَّطين المؤمنين عن إيمانهم معجزين غيرهم كلما رأوا مؤمنا قالوا له كيف؟ وكيف؟ وسَعَوْا في الآيات يبطلونها ويضربون بعضها ببعض حتى يثبطوه عن إيمانه (أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌۭ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌۭ (٥)) الرجز‫: العذاب ولكن الفرق بين العذاب والرجز الرجز أصلا هو الاهتزاز الشديد والاضطراب فكأن العذاب ليس فيه الألم فقط بل فيه الرعب وفيه الخوف الذي يزلزل القلوب وتضطرب منه الأفئدة فهؤلاء لهم عذاب من رجز أليمٌ كما قرأها أي العذاب أليم أو أليم أي الرجز أليم والرجز هو العذاب وتأتي الآية المدنية‫:
وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴿6﴾
هو الحقَّ هو الحقُّ قراءتان يرى هنا بمعنى يعلم أي يعلم الذين أتوا العلم قيل لهم هو مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام حين سمع القرآن وبشروا بالنبي، صلى الله عليه وسلم، في الإنجيل فقد عرفوا النبي، صلى الله عليه وسلم، بصفاته وأسمائه وأفعاله أو الذين أتوا العلم هم أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، ولذا الآية مدنية، وقال بعضهم الذين أتوا العلم كل مؤمن من أمة محمد دخل في هذا الوصف (وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّذ) أي هو الحق من الله، تبارك وتعالى، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ (٦)) إلى طريق صراط (ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ (٦)) وجاء بصفتين العزيز أي الذي لا يغلب ولا يغالب ولا يقهر فما أراده كان، الحميد لأنه هدى الناس إليه ببعثة الرسل وبنزول الكتب فاستحق الحمد على ذلك‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم هل أنت من هؤلاء من الذين أوتوا العلم؟ هل أنت من الذين علموا أنه الحق من الله، تبارك وتعالى، وأنه يهدي إلى صراط العزيز الحميد؟ إن كنت من هؤلاء حقا فاعرض نفسك على القرآن، أنت تريد أن تعرف مقامك عند الله ومن الناس من يفرح بمدح الناس وهذا مذموم وقد قال المصطفى، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (احْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ)، لأنه يمدحه بغير حق المحمود بحق هو الله، فإذا أردت أن تعرف هل أنت من أولياء الله حقا؟ هل أنت من الذين أوتوا العلم؟ هل أنت من الذين يعتقدون أن هذا القرآن يهدي إلى الحق وإلى صراط العزيز الحميد؟ فاعرض نفسك على القرآن وانظر في صفات هؤلاء التي جاءت في كثير من السور هل أنت منهم (لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ ﴿٢٥﴾ وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ﴿٢٦﴾) [سورة المعارج آية‫:‬ ٢٥ - ٢٦]، (وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًۭا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا ﴿٦۳﴾ وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًۭا وَقِيَـٰمًۭا (٦٤)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٦٤]، (وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغْوِ مَرُّوا۟ كِرَامًۭا (٧٢)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٧٢]، هل أنت من هؤلاء؟ أتريد أن تعرف هل رضي الله عنك أم لا؟ كلنا يريد أن يعرف ذلك الجواب بسيط والحل سهل، إذا أردت أن تعرف وتتأكد أن الله قد رضي عنك فانظر أولا هل أنت راضٍ عن الله؟ سل نفسك هذا السؤال هل أنت راضٍ عن الله؟ إذا أجبت بالإيجاب وكنت راضيا حقا عن الله والرضا عن الله عن قضائه وقدره عن رزقه قلَّ أو كثر عن وضعك في هذا البلد والمجتمع، عما رزقك من بنات أو بنين عن كل شيء، الرضا عن الله وعن أفعاله والرضا بقضائه وقدره إن كنت راضٍ عن الله حقا فثق أن الله قد رضي عنك لأن الله تبارك وتعالى يقول‫:‬ (رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ١١٩]، مرتبطة رضي هو عنهم ورضوا هم عنه، فإن كنت راضٍ عن الله فثق أن الله راضٍ عنك‫.‬‬
‫فإن إنكار الكفار بمكة لم يتوقف عند حدود الإنكار بل ازداد إلى الاستهزاء والسخرية بهذا المبعوث رحمة الله للعالمين هو يدعوهم إلى النجاة هو يدعوهم إلى الهدى إلى الكمال إلى السعادة الدنيوية والأخروية وهم يدعونه إلى النار وهم يستهزئون به، من المعلوم أن محمداً، صلى الله عليه وسلم، حين بعث بمكة عرف أمره وعرف شأنه وحذّر وأنذر وبيّن للناس أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور فليس بمكة إلا ويعرف من هو محمد بن عبد الله منهم من آمن ومنهم من كفر ولكنه معروف مشهور للجميع، فحين أرادوا أن يتحدثوا عنه جهّلوه وجعلوه كالشيء المجهول غير المعروف الذي يُدَّل عليه لأنه مجهول غير معروف فيحدثنا ربنا، تبارك وتعالى، بمقالتهم واستهزائهم فيقول:
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ﴿7﴾
وانظر إلى الاستهزاء (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ ) وكأنه غير مدلول عليه، وكأنه غير معروف وكأنه غير مشهور، مجهول النسب مجهول المكان مجهول الاسم رجل يحتاج للدلالة استهزاء وسخرية (وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ (٧)) الآية فيها تقديم وتأخير لأنك لو أخذت الآية بظاهر اللفظ لكان الإنباء بعد الممات (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) أي الإنباء يكون حين التمزيق الآية فيها تقديم وتأخير والمعنى هل ندلكم على رجل ينبئكم أنكم تبعثون إذا مزقتم كل ممزق المزق‫: الخرْق القطْع ثوب ممزوق ومزيق ومتمزق ومُمّزَّق ومزق الثوب خرقه وقطعه هم يستهزئون بالنبي، صلى الله عليه وسلم، ويقولون هل ندلكم على ذلك الذي يدّعي أنكم إذا (مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) أي قطعتم تقطيعا وتفتت أجسادكم وأصبحت ممزقه متهرئة وأصبحت ترابا أو مُزقتم كل مُمزَّق مُمزَّق تدل على المكان أي فُرَّقتم في بطون السباع وحواصل الطيور وأعماق المياه وتراب الأرض (إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ (٧)) أي تُنشئون مرة أخرى وتعودون من جديد في خلق جديد ثم يتساءلون مستكملين استهزائهم واتهامه‫:
أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۗ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلْبَعِيدِ ﴿8﴾
يتساءلون متعجبين (أَفْتَرَىٰ) الهزة همزة الاستفهام ومن أجلها حذفت همزة الوصل (أَفْتَرَىٰ) أي أأفترى السؤال هل يفتري على الله الكذب والافتراء‫:‬ أشد الكذب الافتراء‫:‬ الاختلاق من الفَرْي‫:‬ القطع وكأنه قطع الحقائق واقتطع الكذب‫:‬ اختلقه (أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا) فادّعى أن هناك قيامة وخلق جديد (أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ ) [سورة الرعد آية‫:‬ ٥]، هل هو يفتري الكذب على الله (أَم بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۗ ) أم هو مجنون اختلط عقله يهرف بما لا يعرف (أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۗ ) تساؤل بعد الاستهزاء والتجهيل (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ) تجهيل واستهزاء ثم بعد ذلك اتهام وتساؤل إما أنه مجنون وإما أنه مختلق للأكاذيب، فيرد الله، تبارك وتعالى، عن الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، مبينا أنهم رغم أنهم جعلوا القسمة أو هو قسيم بين الجنون والكذب أنهم أسوأ وأشر من ذلك فهم ليسوا بكذابين وليسوا بمجانين بل هو في ضلال بعيد تهديد ووعيد أيضا رد عليهم بأنهم أسوأ من المنزلتين لأن الكاذب ربما يعود عن كذبه يوما، ربما يتبين له الحق، والمجنون غير مكلف مرفوع عنه التكليف وقد يعقل يوما وقد يشفى، أما الذي في الضلال البعيد أنّى له العودة إلى الهداية والتسديد لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ) هؤلاء المكذبين بالقيامة وبالآخرة وبالثواب وبالعقاب وبالجنة والنار (فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلْبَعِيدِ (٨)) في العذاب والضلال البعيد والغريب في التركيب اللفظي في الآية أنه جاء بكلمة العذاب أولا ثم الضلال البعيد الضلال يؤدي إلى العذاب وليس العذاب يؤدي إلى الضلال فكان المفهوم أن يقال ( بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في الضلال والعذاب) لأن الضلال هو الوسيلة المؤدية إلى العذاب فقدم العذاب لبيان أنهم مستحقون له استحقاقا فعليا مختصون به فقدم لهم العذاب، أولئك في العذاب ثم جاء بالسبب بعد ذلك والضلال البعيد، والغريب أيضا أن البعيد صفة للضال وليس للضلال فالضلال ضلال ليس هناك ضلال قريب وليس هناك ضلال بعيد فالبعيد هنا هو الضال فأسند البعد إلى الضلال مجازا فقال‫:‬ (بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلْبَعِيدِ (٨)) لبيان أنه لا عودة لهم ليس هو البعيد الضال بل الضلال نفسه أبعد ما يتصور وأبعد ما يمكن دلالة على أن العودة إلى الهدى مستحيلة في حق هؤلاء لأنهم لم يكذّبوا فقط لأنهم لو كذّبوا فقط قد يعرفون الحق يوما ما ولكنهم جهلوا النبي، صلى الله عليه وسلم، جعلوه مجهولا يدل عليه، استهزءوا به استهزاءً اتهموه بافتراء الكذب، اتهموه بالجنون لم يعلموا عقولهم فجمعوا إلى الكفر والتكذيب إذاية النبي، صلى الله عليه وسلم، وإذاية النبي، صلى الله عليه وسلم، كما تبين لنا في سورة الأحزاب كفر وتؤدي إلى الخلد في جهنم فلإذايتهم للنبي، صلى الله عليه وسلم، استحقوا الضلال الذي أسند إليه البُعد إذاً لا مجال للرجوع‫.‬‬
‫ثم ينبههم ربنا، تبارك وتعالى، ويبين لهم إذا رأيت عدوا لك رأيت وحشا يهجم عليك ففي وسعك وإمكانك الهرب بالجري بالعدو تعدو سريعا تتسلق شجره تدخل دارا وتغلق بابها عليك، أيا كان الخطر فمنه ملجأ ومنه مهرب لأن الخطر له مكان، وأنت تستطيع أن تهرب من الخطر بالهروب من مكان الخطر فإذا كان الخطر محيط من جميع الجهات أين الملجأ أين الهرب من هنا يقول الله، تبارك وتعالى مدللا لهؤلاء الجهلاء :‬‬
أَفَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۚ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّكُلِّ عَبْدٍۢ مُّنِيبٍۢ ﴿9﴾
ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض انظر حيث شئت انظر أسفل تجد الأرض انظر يمنة انظر يسرة انظر إلى الأمام انظر إلى الخلف انظر إلى أعلى تجد أن السموات قد أحاطت بك من كل جانب وأن الأرض مهما جريت ومهما عدوت فأنت تعدو من أرض، أرض أين تذهب حتى البحار والمحيطات والمياه هي أيضا في الأرض (أَفَلَمْ يَرَوْا۟) أفلم يتعقلوا أفلم يتدبروا أنه قد أحاط بهم سبحانه وتعالى (أَفَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۚ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۚ ) بالياء في الثلاث كلمات إن يشأ يخسف يسقط، وقرئت بالنون للتعظيم (إِن نَّشَأْ) بنون التعظيم أو (إن يشأ) (نَخْسِفْ) أو يخسف (بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ) أو يسقط (عَلَيْهِمْ كِسَفًۭا) أو كسفاً (مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۚ ) الكِسْفَة قطعة كسَف جمع كسفا قطعا وهي جمع كِسْف لو نظرت إلى الأرض وإلى السموات فهي محيطه بك من كل الجهات فهل تأمن أن تنخسف الأرض فالأرض مأمورة مخلوقة لا تعصي ربها والسماء مخلوقة مأمورة لا تعصي ربها وقد قال لهما ربهما، تبارك وتعالى‫:‬ (ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ (١١)) [سورة فصلت آية‫:‬ ١١]، وعرض عليهم الأمانة فأشفقن منها وأبْوا أن يحملوها وطلبوا أن يكونوا مأمورين مسخّرين بغير تكليف وبغير اختبار، فهل يأمن الإنسان أن تنخسف به الأرض، كم خُسفت الأرض بأناس، كم فاضت البراكين وانفجرت وهدمت القرى والدور، كم حدثت زلازل فإذا بالعمارات الشاهقة والمباني الشاهقة في باطن الأرض في لحظة، كم نزل من صواعق كم كم كم (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ) آية دلالة لكل متفكر لكل عالم لكل عارف (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ) دليل دامغ وبرهان ساطع (لِّكُلِّ عَبْدٍۢ مُّنِيبٍۢ (٩)) المنيب‫:‬ الرجّاع إلى الله، تبارك وتعالى، الذي يرجع إلى الله، تبارك وتعالى، بالتوبة كلما أذنب ذنبا استغفر وأناب، وكلما ارتكب إثما عاد وتاب، المنيب الذي ينيب إلى الله دائما وأبدا ينسب إلى الله الفضل وينسب إلى نفسه العجز وكلما أذنب استغفر وتاب اختص بالذكر التائب النائب إلى الله المستغفر خص بالذكر أنه المنتفع بهذه الآيات لأنه هو الذي دائما وأبدا يذكر الله ويتفكر لأن المذنب الذي لا يتوب غافل والعاصي غافل، أما الطائع الذي إذا أذنب (إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (٢٠١)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٢٠١]، إذاً فالمنتفعون هم التائبون الراجعون إلى الله دائما وأبدا بالاستغفار والتوبة والإنابة‫.‬ (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّكُلِّ عَبْدٍۢ مُّنِيبٍۢ (٩)).‬
‫أيها الأخ المسلم إذا أذنب الرجل ذنبا شهدت عليه الأرض وشهدت عليه السماء وشهد عليه المكان ولذا نُصحنا بأن ندعو الله، تبارك وتعالى، في الأماكن التي لم نعصه فيها قطأ ادع الله في مكان لم تعصه فيه قط تجاب الدعوة، أما الأماكن التي عصيت الله فيها فدعاؤك في هذه الأماكن كيف وكيف والأماكن قد شهدت معاصيك حتى معاصي القوم السابقين حين حدثت وأهلكوا أمرنا ألا تدخل ديارهم، القوم الذين أهلكهم الله إن كان ولا بد نبهنا النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، إلا أنْ تَكُوَنوا بَاكِينَ، حَذرًا أنْ يُصِيْبًكُمْ مِثْلُ مَا أصَابَهُمْ)، سخط نزل على الأرض في هذا المكان كيف تتواجد فيه، ولذا كان النبي، صلى الله عليه وسلم، في الحج يسرع بناقته في وادي سمي وادي محسِّر حيث حبس الفيل بل حتى حين أذن له بالفتح وجاء عند هذا المكان وقفت ناقته وتعجب الناس وقالوا خلأت القصواء امتنعت وعصت وأصبحت غير ذلول فقال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (مَا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ) ويروى (أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْضَ ثَمُودَ الْحِجْرَ فَاسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا وَاعْتَجَنُوا بِهِ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا وَأَنْ يَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ)، (وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةًۭ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٥٩]، أما باقي الآبار التي شرب منها قوم ثمود منع النبي، صلى الله عليه وسلم، أصحابه أن يشربوا منها، سؤر المؤمن شفاء وسؤر الكافر داء‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم إذا أذنب العبد ذنبا تقول الأرض التي حملته حين الذنب يا رب ائذن لي أنخسف به وتقول السماء التي تظله يا رب ائذن لي أنكسف عليه فيقول الله خلُّوا بيني وبين عبدي‫.‬‬
‫لله تبارك وتعالى أن يصطفي من خلقه من يشاء وأن يؤتيه من فضله ما شاء ولقد فضل الله النبيين بعضهم على بعض فمنهم من كلم الله ومنهم من أعطاه الله تعالى الملك ومنهم من سخرت له الشياطين ومنهم من أوتي شطر الحسن وربنا، تبارك وتعالى، في سورة سبأ يبين أن محمدا، صلى الله عليه وسلم، لم يكن بدعا من الرسل يرد على كفار مكة الذين زعموا أن الساعة لا تأتيهم يرد على هؤلاء المستهزئين الذين قالوا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد يبين أن كثيرا من الرسل من قبل محمد، صلى الله عليه وسلم، آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة وحاق بمخالفتهم العقاب يقول الله تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضْلًۭا ۖ يَـٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُۥ وَٱلطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ﴿10﴾
‫(وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضْلًۭا ۖ ) وفضل الله، تبارك وتعالى، على داود هو تفضيله على سائر الناس بالنبوة والكتاب والملك والحكم والعلم، أيضا فضّله الله، تبارك وتعالى، على سائر الأنبياء بتسخير الجبال وتسخير الطير وإلانة الحديد وبتعليمه صنعة لبوس صنعة الدروع وبحسن الصوت وقد كان داود مفضلاً على سائر الناس وعلى كثير من الأنبياء بما فضّله الله، تبارك وتعالى، به محض فضل من الله ليس باستحقاق، لأن الله هو ذو الفضل العظيم وكل ما يعطيه الله، تبارك وتعالى، لأحد من خلقه فهو محض فضل لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضْلًۭا ۖ ) ويبين لنا ربنا، تبارك وتعالى، بعض هذا الفضل فيقول‫:‬ (يَـٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُۥ وَٱلطَّيْرَ ۖ ) أي أن الله أمر الجبال أن تأوّب مع داود وكذلك أمر الطير والتأويب الترجيع والنسق في الآية من حيث السياق اللفظي يدل على الفخامة ويدل على قدرة الله وعظيم سلطانه حيث خاطب الجبال والطير خطاب العقلاء، وكأن كل ذلك يستجيب إلى أمر الله في إنفاذ مشيئته فقال‫:‬ (يَـٰجِبَالُ) مخاطبا الجبال وكان التقدير في النسق ولقد آتينا داود منا فضلا تأويب الجبال والطير معه فعدل عن هذا لما سمعناه (يَـٰجِبَالُ أَوِّبِى) وكأن الله، تبارك وتعالى، آمر للجبال والجبال عاقلة تسمع وتأتمر وتنفذ تفخيما في اللفظ للدلالة على قدرة الله وكبرياء سلطانه وتأويب الجبال له معان كثيرة قال العلماء‫:‬ أن الله، تبارك وتعالى، خلق في الجبال كلاما مسموعا كما خلق كلاما مسموعا في الشجرة التي ذهب إليها موسى فسمع الكلام إذا فقد تكلمت الجبال بالتسبيح بخلق الله، تبارك وتعالى، للكلام فيها فهي تسبح فعلا بلسان المقال، وقال بعضهم بل التأويب أي الترجيع ترجيع الصوت أي صدى الجبال وطالما كان الكلام في سياق فضل الله إذاً لم يكن للجبال صدى قبل هذا الأمر وكان الإنسان إذا نادى أو تكلم بصوت عال لا ترد الجبال صداه فلم يكن هناك صدى للصوت أصلا وخُلق من ذلك اليوم من أجل داود فأصبح الصدى في الجبال يرجَّع صوت داود إذا سبّح، وقال بعضهم بل التأويب السير كل النهار فإذا سار الرجل كل النهار واستراح في الليل فذاك هو التأويب إذاً فقد أُمرت الجبال أن تسير مع داود حيث سار تتحرك وتنتقل وتسير وتأتمر بأمره تسير وتقف بأمر داود، وقال بعضهم بل التأويب أي التصريف أي تصرفي مع داود كما يتصرف داود، وقرئت‫:‬ (يا جبال أُوبي معه) من آب يؤوب أوبا رجع إذاً فهي ترجع معه في كل أحواله وتتصرف معه بكل تصريفاته، وكل ذلك وارد في معنى اللفظ بالإضافة إلى التسبيح لأن الله، تبارك وتعالى، في موضع آخر يقول عن الجبال (يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ (١٨)) [سورة ص آية‫:‬ ١٨]، إذاً فهناك تسبيح بالإضافة إلى المعاني الأخرى من السير أو الترجيع للصدى أو التصرف بتصريفه (وَٱلطَّيْرَ ۖ ) (والطيرُ) والطيرَ منصوبة عطفا على موضع الجبال والطيرُ مرفوعة عطفا على لفظ الجبال (يَـٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُۥ وَٱلطَّيْرَ ۖ ) أو (يا جبالُ أوِّبي معه الطيرَ) والطيرَ أيضا قد تكون مفعول معه وإذا كانت منصوبة لأنها مفعول معه تغير المعنى أي يا جبال أوّبي مع داود وأوِّبي كذلك مع الطير فإذا سبِّح داود أوّبت الجبال وإذا سبّحت الطيور أوّبت الجبال أوهي منصوبة كما قلنا على موضع الجبال إذاً معنى ذلك أن الله أمر الطير أيضا أن تأوّب مع داود فإما أن الطير تأوّب مع داود تسبّح بتسبيحه وتسير بسيره وتتصرف بتصرفه، وإما أن الطير تسبِّح والجبال تأوّب بتسبيح الطير، وكان داود حين أعطاه الله، تبارك وتعالى، الزبور أعطاه أيضا حسن الصوت ولم يخلق من قبل داود ولا من بعد داود من له مثل جمال صوت داود حتى أن الجبال رددت والطير حشرت فكان إذا تغنّى داود بالزبور وقفت الوحوش وهرعت وخرجت من الكهوف ومن الجبال تستمع له، وإذا بالطيور تخرج من أوكارها وتقف في الهواء مصغية لصوته حتى أن الماء الجاري إذا ترنّم داود بالزبور توقف الماء عن جريه، فضل الله وحسن الصوت هبة ومنحة من الله والصوت الجميل يسمى مزمار ويسمي مزمور ومزامير وسميت الآلة مزمار لجمال صوتها ولكن المزامير أصلا الصوت الجميل ولذا حين مر النبي، صلى الله عليه وسلم، يوما ببيت أبي موسى الأشعري وأبو موسى يقرأ القرآن يتغنى به وقف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يسمع وحين أصبح الصباح قال‫:‬ يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ وَقَفْتُ الْبَارِحَةَ أَسْمَعُ قِرَاءَتَكَ، لَقَدْ أُوتِيَ أَبُو مُوسَى مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ)، أي صوتا جميلا من أصوات داود التي منحها الله له، فقال أبو موسى والله يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لو كنت أعلم أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا، لذا أفتى جميع العلماء باستحباب التغني بالقرآن وتحسين الصوت بالقرآن دون خروج عن قواعد النحو أو عن قواعد القراءة من وقف ووصل وما إلى ذلك، (وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ (١٠))، تحتمل معنيين المعنى الأول أن داود أعطي قوة بحيث يستطيع أن يشكّل في الحديد كيف شاء دون مطرقة دون نار بيديه يشكل الحديد، إذا فالقوة في يد داود يشكّل الحديد كيف شاء بغير إحماء في نار وبغير مطرقة ولا سندان‫.‬‬
‫المعنى الآخر‫:‬ أن الله جعل الحديد في يد داود إذا مسكه كالشمع كالعجين كالطين كالصلصال فإما القوة في يد داود وإما الليونة في الحديد ألان له الحديد ليعلّمه صنعة اللبوس صنعه الدروع وسبب ذلك أن داود حين ملك بني إسرائيل أصبح ملكا عليهم كان يتخفى ويخرج في الطرقات يسأل عن نفسه، يسأل عن سيرته في الرعية فصادف ملكا من الملائكة في صورة البشر أرصده الله فحسبه داود رجلا فقال له ما قولك في هذا الملك داود؟ فقال الملك نعم العبد لولا خلَّة فيه ثغرة أو نقص فقال داود منزعجا وما هي؟ قال الملك يرتزق من بيت المال ولو كان يأكل من عمل يده لتمت فضائله فعاد داود إلى داره مسرعا منزعجا سائلا المولى عز وجل صاحب الفضل العظيم أن يعلّمه صنعة يأكل منها حتى لا يرتزق من بيت المال فعلّمه الله، تبارك وتعالى، صنعة الدروع فأول من صنع الدروع داود وهناك خطأ شائع بين الناس يقولون أن داود كان حداداً وهذا لم يحدث داود كان ملكا وكان نبيا وكان الله، تبارك وتعالى، منعما عليه بكل شيء وصنعة اللبوس لا تعني أنه كان حدادا يعمل بالنار والكير وبالمطرقة والسندان إنما أراد الله، تبارك وتعالى، أن يعلمه شيئا ينفعه وينفع الناس من بعده (وَعَلَّمْنَـٰهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍۢ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنۢ بَأْسِكُمْ ۖ فَهَلْ أَنتُمْ شَـٰكِرُونَ ﴿۸۰﴾) [سورة االأنبياء آية‫:‬ ٨٠]، إذاً فالتعليم لداود لينتفع وينتفع الناس من بعده إلى أن تقوم الساعة فعلّمه صنعة الدروع، أول من لبس الدروع داود، وأول من صنع الدرع داود.
أَنِ ٱعْمَلْ سَـٰبِغَـٰتٍۢ وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ ۖ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ﴿11﴾
‫(أَنِ ٱعْمَلْ) أن مفسرة أو أن مصدرية (ٱعْمَلْ سَـٰبِغَـٰتٍۢ) السابغات جمع سابغة والسابغات الكوامل التامات الواسعات فالثوب السابغ الثوب الكامل الواسع الفضفاض الطويل الذي يغطي كل ما وضع عليه، فالدرع السابغة الدرع الطويلة الكاملة التامة التي تحمي كل الجسم (وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ ۖ ) إذاً فهو يعلمه كيف يصنع الدروع هنا تفصيلا كما قال في سورة أخرى (وَعَلَّمْنَـٰهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍۢ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنۢ بَأْسِكُمْ ۖ ) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٨٠] والتقدير إما بمعنى التضييق والسرْد بمعنى النسج بشرط أن يكون النسج على نسق واحد فإذا كان الكلام على نسق واحد يقال سَرَدَ الرجل الكلام وسَرَدَ الحديث والسَرْد‫:‬ نسج الدروع بحيث تكون على نسق واحد وولاء واحد سطور الحلق متسقة في صف واحد فربنا، تبارك وتعالى، ينبه (وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ ۖ ) ضيّق في الحلق بحيث لا تضيق أكثر من اللازم فتضعف ولا تتسع أكثر من اللازم فلا تحمي صاحبها ولا لابسها فتدخل منها الحراب أو السهام أو النبال فالتقدير‫:‬ التضييق أو التقدير‫:‬ التدبير والتفكير واختيار الوسط بين الأمور فلا يراعي الحصانة فتثقل ولا يراعي الخفة فتضعف فالتقدير بهذا المعنى التفكير والتدبير بحيث يأتي الشيء على أكمل وجه أو التقدير بمعنى التضييق، (وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ ۖ ) وكان داود إذا أمسك الحديد وهو كتل وقِطُع فلو مسكه بكفيه وبَرَمهُ أصبح عيدانا ثم يمسك العود ويتحكم في سمك العمود ثم بعد ذلك يقطعه بيد قِطَعا ويحويها كالحلق مفتوحة ثم يدخل الحلقة في الحلقة ثم يضغط عليها فتنغلق كل ذلك بيديه إذاً فلم يكن حدادا وإنما هي معجزه لداود (وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ ) الأمر لداود وآل داود (إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ (١١)) فأجازيكم عليه والآية والأمر يشعر بأن الله، تبارك وتعالى، إذا أنعم على عبد بنعمة وجب أن يستغل هذه النعمة فيما يرضي الله فيعمل صالحا بما وفقه الله، تبارك وتعالى، من أمور ومن منح ومن عطايا‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌۭ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌۭ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُۥ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ ۖ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴿12﴾
‫(وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌۭ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌۭ ۖ ) وانتقل الكلام بعد داود إلى سليمان الذي ورث النبوة وورث الملك وملك بني إسرائيل وعمره ثلاث عشرة سنة وحين خطب في الناس حين توليه الملك وقال‫:‬ (عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَىْءٍ ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ (١٦)) [سورة النمل آية‫:‬ ١٦]، وقال‫:‬ (عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ) [سورة النمل آية‫:‬ ١٦]‬
‫كان في هذا العمر ثلاث عشر سنة والله يهب الملك لمن يشاء، ومما وهب الله لسليمان الريح (وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ) (ولسليمان الريحُ) أي الريح مسخرة مبتدأ خبره محذوف تقديره مسخّرة أو أي أعطينا لسليمان الريحَ وقرئت‫:‬ الرياح (غُدُوُّهَا شَهْرٌۭ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌۭ ۖ ) قرئت‫:‬ (غدوتها شهر) (وروحتها شهر) سليمان صنع له كرسي يجلس عليه في أسفل هذا الكرسي أَسَدان وأعلى الكرسي نسْران، فإذا همّ بالجلوس على الكرسي فرد الأسدان الأقدم كي يصعد عليها كالدَرَج للكرسي فإذا جلس بسط النسْران جناحيهما ليظلاه وكان له أربعمائة ألف كرسي تُصَّف خلفه يجلس عليها القادة وأشراف الناس ثم يجلس بعد ذلك سفْلة الناس العوام، ثم يجلس بعد ذلك أشراف الجن، ثم يجلس بعد ذلك سفْلة الجن عوام الجن الجنود، فيجلس سليمان ويجلس الجميع وتأتي الطيور وعلى كل كرسي يقف طائر فارداً جناحيه يظل الجالس على الكرسي ثم يأمر سليمان الريح فتحمل الجميع مظللين بأجنحة الطيور ويأمر الرياح فتحمله حيث شاء مسيرة شهر في الغدوة أي من الصباح إلى الزوال ومسيرة شهر في الرَوْحة أي من الزوال إلى المغرب، فإذا أراد أن يظل سائرا من الصباح إلى المغرب حملته الريح مسيرة شهرين كاملين للراكب المسرع في نهار واحد، (وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌۭ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌۭ ۖ ) مسخرة بأمره، قيل أن سبب تسخير الريح لسليمان أنه كان يحب الخيل حبا شديدا من أجل الجهاد وعرضت عليه الخيل وسابق بين الخيل حتى فاتته صلاة العصر فعقر الخيل في سبيل الله لأنها أخرته عن الصلاة فأبدله الله بالخيل ما هو أسرع الريح، أو هو معجزة وعطاء وملك الملوك إذا وهب فلا تسألن عن السبب (وَأَسَلْنَا لَهُۥ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ ۖ ) القِطْر من قَطَر يَقْطُر النحاس المذاب لم يذُب النحاس مطلقا من قبل سليمان أول من أذاب النحاس سليمان هذا معنى، المعنى الآخر أن الله فجّر عينا من معدن النحاس فأصبح النحاس يجري من هذه العين كما يجري الماء من العيون معجزة لسليمان دون إذابة ودون إسالة بنار أو بغيرها (وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ ) أي بأمر ربه وسخّر له الجن أيضا (يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ ) أي يعمل بين يدي سليمان بأمر الله بأمرهم سليمان كيف يشاء وكانت الجن التي سُخرت لسليمان منها الغوّاص الذي يأتيه بغرائب اللآليء وما حوته أعماق البحار والمحيطات، ومنه ما هو بنّاء، ومنه من يقطع الأرض في غمضه عين ومنه ومنه ومنه أصناف بل منح أيضا بعض المردة والشياطين الذي صُفِّدت، صُفِّدوا من أجل أن يعذبهم فقط (وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ (٣٨)) [سورة ص آية‫:‬ ٣٨]، (وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ (١٢)) (ومن يُزَغْ منهم) قراءة (وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا) الزيغ‫:‬ الميْل من يعص سليمان (وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا) أي عن أمرنا لهم بطاعة سليمان، إذاً من يعص سليمان مهدد بعذاب السعير، (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ (١٢)) قالوا عذاب السعير في الآخرة، وقال بعضهم بل عذاب السعير في الدنيا لأن الله، تباك وتعالى، وكّل بالعصاة منهم مَلَكا بيده سوط من نار ولا يرى فإذا عصى الجني أمر سليمان ولو في السر دون أن يراه سليمان ضربه بسوطه فأحرقه‫.‬‬‬‬
يَعْمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَـٰرِيبَ وَتَمَـٰثِيلَ وَجِفَانٍۢ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍۢ رَّاسِيَـٰتٍ ۚ ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًۭا ۚ وَقَلِيلٌۭ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ ﴿13﴾
‫(يَعْمَلُونَ لَهُۥ) ماذا يعملون؟ (يَعْمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ) إذاً فسليمان يعمل ما يشاء ويأمر بما شاء يبني ما يشاء (يَعْمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَـٰرِيبَ) المحاريب جمع محراب والمحراب المكان الشريف العالي الذي يصعد إليه بدَرَج فيطلق كلمة المحراب على مكان الصلاة لأن هذا المكان يجب أن يعظم ويرفع، ترفع منزلته فسمي محرابا لذلك يطلق أيضا المحراب على البيوت العالية والقصور المشيدة (يَعْمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَـٰرِيبَ) مساجد وأماكن للعبادة أيضا قصور وبيوت، والمحراب يسمي محراب لأنه يحارب عنه ويدافع عنه، المحراب المكان الشريف الذي يذاد عنه ويحارب من أجل حمايته (وَتَمَـٰثِيلَ) جمع تمثال والتمثال ما صُوِّر على مثل صورة حيوان أو غيره ذاك هو التمثال، يعملون له ما يشاء من تماثيل أيضا إذا فالتماثيل والتصوير كان مباحا في شرع سليمان، وقيل أن هذه التماثيل هي صور الملائكة أو صور الصالحين من بني إسرائيل وصور الأنبياء كانت توضع في دور العبادة في المساجد حتى يراها الناس فيتأسَّوا بهم في عبادتهم تشجيعا للناس تذكيرا لهم بأولي الفضل حتى يقلدهم في العبادة كان هذا مباحا في شرع سليمان (وَجِفَانٍۢ كَٱلْجَوَابِ) الجفان جمع جفنة والجفنة‫:‬ الصحفة الكبيرة الصحاف صحاف الطعام، الشياطين كانت تصنع لسليمان صحاف الطعام الجفنة الواحدة الطبق الواحد الصحفة الواحدة كان يجلس عليها ألف رجل، (وَجِفَانٍۢ كَٱلْجَوَابِ) والجواب‫:‬ جمع جابية أو جمع جوبة والجابية أحواض كبيره تملأ بالماء للسقي أحواض يصنعها الإنسان كبيرة يُجبى أي يُجمع ومنه جابي الزكاة الذي يجمع الزكاة يجبى إليه الماء في الأحواض الكبيرة، فالصحاف فالصحاف والجفان كالأحواض الكبيرة التي تُبنى من أجل تجميع مياه المطر وتخزين الماء جمع جابية أو جمع جوبة، والجوبة الحفرة العظيمة في الجبل يتجمع فيها ماء المطر فيُسقى منه الناس، إذاً فالصحاف والجفان كانت بالضخامة حتى أن الله، تبارك وتعالى، يشبهها بالجواب (وَقُدُورٍۢ رَّاسِيَـٰتٍ ۚ ) قدور جمع قدر والقدر الإناء من نحاس أو من فخار أو من غيره يُطبخ فيه الطعام، ولعظم هذه القدور وضخامة حجمها لا يمكن أن تحمل ويستحيل أن تنقل لذا قال الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَقُدُورٍۢ رَّاسِيَـٰتٍ ۚ ) قيل أنها كانت محفورة في الجبال راسية على الأثافي الحوامل منحوتة نحتا في الصخر، وقيل بل كانت من النحاس وضعتها الجن ولا يستطيع أن يصنعها إلا الجن لضخامة حجمها ولأنها لا يمكن أن تحمل أو تنقل لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَقُدُورٍۢ رَّاسِيَـٰتٍ ۚ ) ثابتات لا تنقل ولا تحمل، جيوش سليمان لا عد لها ولا حصر إنس وجن وربنا، تبارك وتعالى، يقول في موضع آخر‫:‬ (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَـٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)) [سورة النمل آية‫:‬ ١٧]، كيف يأكلون؟ ومن أين يأكلون وأية قدور تتسع لهذه وأية جفان؟ ولذا كانت الجن تصنع القدور والجفان حتى يطبخ الطعام في القدور الراسية ويؤكل الطعام في الجفان التي كالجواب فكانت الجفنة الواحدة لألف رجل (ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًۭا ۚ وَقَلِيلٌۭ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ (١٣)) (ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًۭا ۚ ) الكلام لآل داود، داود وسليمان وآل داود وآل سليمان (ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًۭا ۚ ) الشكر إذاً لا يمكن أن يكون باللسان وإلا ما قال الله، تبارك وتعالى‫:‬ (ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًۭا ۚ ) إذاً فالشكر عمل، قيل في الشكر أن حقيقة الشكر الاعتراف بالنعمة للمنعم وحمد المنعم عليها اللسان والإقرار بالجنان ثم استخدام النعمة في طاعة المنعم هذا هو الشكر، أما الكفران فهو استخدام النعمة في المعصية ولذا كم من قرية أهلكها الله، تبارك وتعالى، لأنها كفرت بنعمة الله أي استخدمت النعم في المعاصي، فالشكر الاعتراف بالنعمة للمنعم، الحمد عليها، استخدام النعمة في الطاعة طاعة المنعم ذاك هو الشكر، لذا قال الله، تبارك وتعالى‫:‬ (ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًۭا ۚ )، (وَقَلِيلٌۭ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ (١٣)) الخطاب لآل داود إذا وصل القراءة (ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًۭا ۚ وَقَلِيلٌۭ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ (١٣)) الكلام متصل والكلام لآل داود أو (ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًۭا ۚ ) وقف (وَقَلِيلٌۭ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ (١٣)) الكلام للنبي، صلى الله عليه وسلم، وللأمة ولكل من يعقل (وَقَلِيلٌۭ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ (١٣)) لأن الشكر أقل من الكفران، ولأن الطاعة أقل من العصيان (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١١٦].‬
‫أيها الأخ المسلم الشكر قول وعمل، الحمد حمد اللسان مع اعتقاد وإيمان بالقلب والجنان، أما الشكر فهو عمل الأبدان ولذا روت عائشة، رضي الله عنها وأرضاها أن النبي، صلى الله عليه وسلم، (كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا)، إذاً فالصلاة شكر والصيام شكر وجميع العبادات شكر لله، تبارك وتعالى، وعليه فالشكر عمل فإذا نظرت في نعم الله عليك الشكر على نعمة المال الاعتراف بأن الله، تبارك وتعالى، هو الرزاق الرضا بما رزقك الله، تبارك وتعالى، والحمد على هذا باللسان ثم أداء حق المال من الزكاة والصدقة ثم استخدام المال في طاعة الله، فمن رزق مالا وحمد لله على الرزق ثم استخدم المال في المعاصي ما شكر ولكنه كفر لأنه استخدم المال فيما لم يخلق له المال، ومن أعطى قوة في اليد فاستخدمها في الطاعة إعانة الضعفاء البطش بالظلمة التكسب فهو شاكر، فإن استخدام قوته البدنية في البطش بالغير ظلما وعدوانا فقد كفر، العمل شكر والعمل عبادة أيضا والنبي، صلى الله عليه وسلم، يقول‫:‬ (مَا أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ طَعَامًا خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ، وَإِنَّ نَبِيَ اللَّهِ دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدَيْهِ)، فحين علّمه الله صنعه لبوس صنع الدروع وباعها فارتزق من صنعته بدلاً من ارتزاقه من بيت المال كما أخبره الملك‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم (ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًۭا ۚ ) تبين لنا جمعيا أن الله، تبارك وتعالى، يطلب منا الاعتراف بالنعمة له الإقرار بها له وله وحده ثم الشكر عليها باللسان وكذلك بالجوارح والأبدان‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم حين يقول الله، تبارك وتعالى، (وَقَلِيلٌۭ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ (١٣)) يخاف العاقل ألا يكون من القليل ولذا كان رجل من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، يدعو ويقول اللهم اجعلني من القليل فسأله عمر ما هذه الدعوة التي تدعونها؟ فقال يا أمير المؤمنين ألم تسمع قول الله، تبارك وتعالى، (وَقَلِيلٌۭ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ (١٣)).‬
‫فقد كانت التماثيل والصور مباحة في شرع سليمان وشرع من قلبنا شرع لنا ما لم يُنسخ وقد نسخت هذه الإباحة بشرع النبي، صلى الله عليه وسلم، حيث قال النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ) وأنبأنا أن‫:‬ (الْمُصَوِّرُونَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ).‬
‫والأمر لبيانه باختصار‫:‬ أجمع العلماء على أن التماثيل للإنسان أو للحيوان أي لكل ما حلّته الحياة إذا كانت كاملة مجسّدة بوضعها الطبيعي فهي حرام قطعا ولا حجة لأحد في غير ذلك‫.‬ استثني العلماء أمورا منها إذا كانت التصاوير رقْما في ثوب لحديث النبي، صلى الله عليه وسلم، (إِلَّا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ) أي صور على الثياب التي تُلبس، واستثنى أيضا العلماء بالإجماع لعب البنات لحديث عائشة حيث دخلت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين تزوجها وكانت بنت تسع سنوات وكانت لعبها معها تلعب بها وقالوا لعب البنات سواء كانت من حلوى أو من عجين أو من قماش مهما كانت المادة المصنوع منها اللعب فهي مباحة لتدريب البنات على الأمومة فاستثنى العلماء لعب البنات وما كان رقْماً في ثوب، أما ما كان معلقا كالأستار فأباحها البعض وكرّهها البعض ولم يحرمها أحد وتأخير النبي، صلى الله عليه وسلم، للستر المعلق حيث قال لعائشة‫:‬ (أَخِّرِيهِ، فَإِنِّي إِذَا رَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا) كراهة، البعض عمّم الكراهية للكل والبعض قال لمقام النبي، صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم كذلك ما كان نقشا في بناء أو خرْطا في بناء أي طالما كان التصوير لا ظل له كأن يرسم على بناء أو يحفر أو يُنقش بالبارز فلا ظل له يباح، وقالوا بإباحة تماثيل الأشجار والأشياء التي لا تحلها الحياة، أما الحيوان بجميع أشكاله والطير والإنسان فيحرم قطعا التمثيل والتصوير بالشيء الكامل الذي له ظل ذاك متفق عليه، أما الرسم والذي يطلق عليه التصوير مجازا فإذا كان رقما في ثوب فهو مباح إذا كان في الأستار فهو بين الإباحة وبين الكراهية، أما الصور الشمسية وما إلى ذلك فهي مباحة لضرورة التعامل من بطاقات شخصية وجوازات السفر وما إلى ذلك، فهي مباحة وقد حرمت التماثيل في شريعة النبي، صلى الله عليه وسلم، لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، بعث وهم يعبدون هذه التماثيل فحُرِّمت سداً للذرائع ومخافة أن يتخذها الناس بعد ذلك كالأصنام والأوثان‫.‬‬
‫يقول الله، تبارك وتعالى، محدثنا عن سليمان حين مات يحدثنا القرآن بأمر في غاية الأهمية فيقول:
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُۥ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُوا۟ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴿14﴾
‫(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُۥ ۖ ) مِنْسَأته منْساته تأكل من سأْته بالفصل "من" للتبعيض سأته‫:‬ طرف العصا والسية والسأة طرف القوس طرفي القوس فقرئت على أنها كلمتان من سأْته، وقرئت‫:‬ منسأته وقرئت‫:‬ منسأته وقرئت‫:‬ منسائته المنسأة‫:‬ العصا سميت كذلك من النسيء والنسأ‫:‬ التأخير فإذا مسك الراعي العصا واستخدمها في تأخير الغنم والإبل حتى لا تتجاوز المرعى واستخدمها في الزجر للأغنام وللإبل ولتأخيرها فهو ينسؤها فسميت المنسأة بذلك لأنه بها تنسأ الإبل، (فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ) أو (تُبُينت الجن) (أَن لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُوا۟ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ (١٤)) القصة ببساطة أمر سليمان الجن أن يبنون له عُلِّية محراب عالي جدا غرفة من قوارير بغير أبواب فإذا وقف فيها رأي حدود ما حوله من مملكته، بُنيت له وكان يقف فيها يتعبد ويصلي وينظر إلى الجن الذين يعلمون بين يديه، وكان سليمان يستكمل بناء بيت المقدس حيث بناه داود فاستكمله سليمان، وقيل أن سليمان علم بموته وقد بقي حولا على تمام البناء فسأل الله، تبارك وتعالى، أن يُعمّي موته على الجن حتى يكملوا بناء المسجد، وقيل أن سليمان أراد من الله، تبارك وتعالى، أن يخفي موته حتى يتبين للناس أن الجن لا يعلمون الغيب لأن الجن كانت تزعم أنها تعلم الغيب وكان بعض الناس يصدقون ذلك فسأل سليمان ربه أن يُعمّي موته على الجن فيقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ) أي نفذ القضاء ونفذ الحكم بموت سليمان (مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِۦٓ) ما دل الناس والجن والجنود وآل سليمان والجميع لأنه بقي كما هو (مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِۦٓ).‬
‫(إِلَّا دَآبَّةُ ٱلْأَرْضِ) الأَرَض‫:‬ جمع أرَضَة دابة الأرَض تصنيف لنوع الدابة لأن كل ما يمشي على الأرض يسمى دابة البهيمة دابة والدنيوية‫:‬ النملة الصغيرة فدلبة الأرض أي نوع الدابة التي دلت على موت سليمان هي من فصيلة الأرض أَرَضَة وأَرَض التي تأكل الخشب أرَضَت الخشبة أرضا، أو دابة الأرْض ليس الأرض هنا بمعنى الأرض التي نمشي عليها وإنما دابة الأرض من قولهم أرضت الخشبة النملة أرضا، دابة الأرض، كما تقول أكلت أكلاً أُرِضت الخشبة أرضا فهي دويبة تأكل الخشب هي التي دلت على موت سليمان كيف؟ (تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُۥ ۖ ) العصا، أكلت طرف العصا وسليمان متكئ على العصا مات فبقي كما هو جاءت الأرضة وأمرها الله، تبارك وتعالى, بأمر الله، ولولا ذلك ما استطاعت أن نقترب من سليمان وكلكم يعرف أن النملة قالت‫:‬ (ٱدْخُلُوا۟ مَسَـٰكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)) [سورة النمل آية‫:‬ ١٨] الملك الذي أعطاه الله، تبارك وتعالى، من المُلك ما لا ينبغي لأحد من قبله ولا من بعده فأكلت الأرضة المنسأة بأمر الله وبإذنه (تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُۥ ۖ فَلَمَّا خَرَّ) وقع حيث أن العصا التي يتكئ عليها أكل طرفها فوقع سليمان على الأرض حين خر (تُبُينت الجن) أي عُلم أمرها تُبُينَّ الشيء ظهر (أَن لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ) لعلموا بموت سليمان وهم يرونه أمام أعينهم (مَا لَبِثُوا۟ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ (١٤)) هذه المدة التي كان سليمان يسخرهم فيها مما يخافون وقد مات سليمان، فكيف ظلوا في التسخير وسليمان ميّت فالآية إذا قرئت‫:‬ (تُبُينت الجن) أفادت هذا المعنى وإذا قرئت‫:‬ (تبيَّنَت الجن) أي تبينت الإنسُ أمر الجن كما قال ربنا، تبارك وتعالى، (وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ) [سورة يوسف آية‫:‬ ٨٢]، أي واسأل أهل القرية (تبيَّنَت الجن) أي تبينت الإنس أمر الجن أنهم لا يعلمون الغيب لأنهم لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهيمن‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم في هذه الآية تتبين أمورا عديدة‫:‬ أولا‫:‬ ظل سليمان واقفا على عصاه عاما كاملا كيف عُرف ذلك؟ بعد ما خرّ سليمان وتبين الأهل والناس والرعية أن سليمان قد مات جاءوا بالعصا وجاءوا بالأرضة وعلّموا علامة وتركوها تأكل في العصا يوما وليلة ثم حسبوا مقدار ما أكلت في اليوم والليلة بالقياس وبالمقارنة بما تم أكله من الخشبة حتى خر سليمان وجد أن هذا المأكول أُكل وقُرِض في سنة لأنهم لم يتبينوا متى مات، وبذا تعلم أمورا أولا‫:‬ أجساد الأنبياء لا تبلى وإلا لانتفخ كما تنتفخ الجثث ولحدث وحدث‫.‬‬
‫ثانيا‫:‬ لا تؤذى الأنبياء مطلقا من أي دابة من دواب الأرض لا في حياتهم ولا في مماتهم‫.‬‬
‫ثالثا‫:‬ الجن لم تعلم الغيب والغيب ليس كما يتعارف الناس هو المستقبل وإنما الغيب كل ما غاب عنك سواءً أكان ماضيا أم حاضرا أم مستقبلا فما خلف هذا الجدار يعتبر غيبا وما أكلته أنا بالأمس يعتبر لك غيبا فالغيب ما غاب عنك أيا كان الوقت والمستقبل والحاضر، فإذا كانت الجن لا تعرف الغيب وسليمان واقف وهم يروه مسخرين في عذاب مهين ولا يعرفون بموته أي ملك هذا؟! ألا يأكل ألا يشرب ألا يقضي حاجته، إذاً فقد كان سليمان ذو شأن عظيم حتى إذا وقف هذا الموقف سنة ألا يجرؤ مخلوق أن يقترب منه ليسأله أتريد طعاما أتريد شرابا أتريد شيئا لم تقف هكذا؟ لم يسأله أحد لا إنس ولا جن ولا طير عاما كاملا أي ملك هذا؟ سبحان الوهاب، واستغل الملك في الطاعة لا كما ترى الآن من صغار الموظفين الذين يؤتون قدرا من المسئولية كيف يتحكمون في الناس ها هو سليمان!!.‬
‫أيها الأخ المسلم إذا كانت الجن لا تعلم الغيب فمن باب أوْلى ألا يعلمه الإنسان لأن الجن يستطيع أن ينتقل من مكان إلى مكان دون أن يرى، أما الإنسان فلا يستطيع ذلك فما بالنا نذهب إلى العرّافين وإلى الدجالين ونسأل عمن سرق كذا وعمّن أفتى بكذا في شأن كذا وحدث كذا كيف وربنا، تبارك وتعالى، ينادينا من فوق سبع سموات ينبئنا ويخبرنا (تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُوا۟ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ (١٤)) فيقال الشيخ فلان له خدّام من الجن يأتوه بما يشاء من أخبار، والشيخ فلان له جن سفلي والشيخ فلان له جن علوي، كلام دجل ونصب واحتيال وأي إنسان يعتقد في هذا فهو جاهل لا محالة خارج عن طاعة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي قال‫:‬ (مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَسَأَلَهُ وَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ).‬
‫أيها الأخ المسلم دعك من هذه الأحاجي والأكاذيب والترَّهات والأباطيل لا يعلم الغيب إلا الله، وتقول عائشة، رضي الله عنها‫:‬ من زعم أن محمد يعلم ما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية ربنا يقول لسان محمد آمرا له أن يقول‫:‬ (وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٥٠]، ويقول‫:‬ (وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٨٨]، والشيخ الحقيقي والعالم والولي يعلم يرث النبوة يرث العلم إن الأنبياء لا تورّث درهما ولا دينار وإنما ورثت العلم يعلّم الناس كيف يطيعون الله كيف يتجنبون المعاصي كيف يتجنبون غضب الله، أما أن يأتيك بشيء أو يخبرك بما يكون في غد أو يقرأ لك الطالع هل هذا علم علّمه النبي، صلى الله عليه وسلم، لأصحابه الغيب حاشا وكلا‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم اتق الله في نفسك اتق الله في عقلك اتق الله في دينك إياك وإياك أن تصدق مثل هذه الترهات أو الأباطيل والأكاذيب وإياك أن تسعى لمعرفه ما في غد فقد أخفى الله عنا ما في الغد رحمة بنا ولو علمنا الغيب لهلكنا لو أنك علمت أنك تموت في الغد أتأكل؟ أتشرب؟ أتصرِّف أحولك، لو علمت أنك تمرض كيف يكون الحال؟ لو علمت أن فلان يموت كيف يكون الحال فإخفاء الغيب رحمة من الله، تبارك وتعالى، ولا يعلم الغيب إلا الله وربنا، تبارك وتعالى، يُعلم من يشاء ومن غيبه ما يشاء لحكمة لا نعلمها (فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍۢ ) [سورة الجن آية‫:‬ ٢٦- ٢٧]، كما أنبأنا النبي، صلى الله عليه وسلم، عن علامات الساعة فهي غيب، كما أنبأنا أن أحوال يوم القيامة والنار فذاك غيب أنبأنا عما يكون في آخر الزمان من أحوال الأمة ذاك غيب من إعلام الله له أما أن يعلم الغيب من نفسه فذاك مستحيل وإذا أتى إنسان الآن يدّعي أنه يعلم الغيب احثوا في وجهه التراب فذاك كاذب دجّال أما أن يرى رؤيا صادقة صالحة فذاك جائز، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (لَنْ يَبْقَى مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ، قَالُوا‫:‬ وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ)، وقال‫:‬ (فِي آخِرِ الزَّمَانِ لاَ تَكَادُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ)، فلم يبق إلا الرؤيا وذلك لبعض الناس يصطفيهم ربنا، تبارك وتعالى، فيطّلعون في الرؤيا على أشياء ليس بإرادتهم وليس باستحقاقهم وإنما هو محض فضل من الله‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ (مَا أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ بَنِى آدَمَ طَعَامًا خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ إِنَّ نَبِىَّ اللَّهِ دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدَيْهِ) والارتزاق من عمل يدك يكفّر عنك السيئات، وصدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حيث يقول‫:‬ (مَنْ بَاتَ كَالًّا مِنْ عَمَلِهِ، أي تعبا، بَاتَ مَغْفُورًا لَهُ) وأفتى العلماء أن تعلم الصنعة والحرفة لا ينقص من فضل أهل الفضل، فما من نبي إلا ورعى الغنم، وها هو داود علم صنعة اللبوس فتعلم الصنعة وتعلم الحرفة لا ينقص الفضل، وارتزاق المرء من عمل يده خير ما يرتزق منه الإنسان‫.‬‬
‫فإن الله، تبارك وتعالى، لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وقد نبّه الله داود وسليمان على عقال النعم وكيف تقيد وكيف تزاد فقال عز من قائل‫:‬ (ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًۭا ۚ وَقَلِيلٌۭ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ (١٣)) [سورة سبأ آية‫:‬ ١٣]، وقد نبهنا النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى ذلك فقال‫:‬ (قَيِّدُوا النِّعَمَ) قالوا‫:‬ يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما عقل النعم؟ قال‫:‬ (الشُّكْرُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٧] والكفر كفران كفر بالله وكفر بالنعم وحقيقة الشكر الاعتراف بالنعمة للمنعم واستخدام النعمة في إرضاء المنعم فإذا استخدمت النعمة في غير ما يرضي الله، تبارك وتعالى، فذاك كفر بالنعم وإذا نسب المنعم عليه النعمة لغير الله فذاك كفر وشرك‫.‬‬
‫ويقص الله، تبارك وتعالى، علينا قصة سبأ بعد أن قص علينا قصة داود وسليمان وكيف كانوا من الشاكرين وكيف أنعم الله، تبارك وتعالى، عليهم بما لم ينعم به على سواهم آتاهم فضلا فضلهم به على سائر الأنبياء سخّر لهم الريح وسخّر لهم الجن وسخّر لهم الطير وسخّر لهم الجبال وألان لهم الحديد وأسال لهم عين القطر وملّكّهم للدنيا بأسرها بل ملّكهم للوحوش والطيور والهوام يقص الله، تبارك وتعالى، قصة سبأ وبضدها تتميز الأشياء داود وسليمان شكروا فزادهم الله، تبارك وتعالى، وأما سبأ فكفروا فأهلكهم الله، تبارك وتعالى، وصدق ربي حيث يقول:
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍۢ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌۭ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍۢ وَشِمَالٍۢ ۖ كُلُوا۟ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥ ۚ بَلْدَةٌۭ طَيِّبَةٌۭ وَرَبٌّ غَفُورٌۭ ﴿15﴾
‫(لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍۢ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌۭ ۖ ) آية‫:‬ دلالة على قدرة الصانع المختار دلالة على أن الله، تبارك وتعالى، يرزق من يشاء بغير حساب، علامة وبرهان على وجود القادر الخالق المهيمن (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍۢ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌۭ ۖ ) هذه الآية والدلالة قيل فيها الكثير‫:‬ قيل فيها أن هذه البلاد التي طيّبها الله، تبارك وتعالى، لم يكن أهلها يزرعون ولا يحصدون بل كانت الأشجار تنبت من تلقاء نفسها بإرادة الله وكانت أشجار الفواكه والجنان تحيط ببلادهم وبأوديتهم من كل جانب عن يمين وشمال لم يكونوا يزرعون فقد كانت الثمار تنبت بقدرة الله وبإرادته ولم يكونوا يحصدون فقد كانت المرأة تمشي بالمكتل على رأسها بين الأشجار تعود وقد امتلئ المكتل بأصناف الفواكه والثمار، بغير أن تجني بيدها شيئا الأغرب من هذا أن هذه البلدة التي طيّبها الله طيّب هواءها فليس فيها حر وليس فيها قِر الأغرب من ذلك لم تكن في هذه البلاد هوام لم يعرفوا القُمَّل لم يعرفوا البعوض لم يعرفوا الحشرات لم يعرفوا القوارض لم تكن هناك عقارب ولا حيّات حتى الأغراب إذا جاءوا إليهم وحملت ثيابهم بعض الهوام بوصولهم إلى جو البلاد تموت الهوام وتموت الحشرات ولا يدخلها حشرة آية ولله في خلقه شئون (لقد كان لسبإٍ) قراءة اسم الجد الأكبر لهؤلاء القوم أطلق على القبيلة وقوم سبأ كانوا في الفترة بين عيسى عليه السلام وبين محمد، عليه الصلاة والسلام، وقد قامت ملكتهم بلقيس في عهد سليمان ببناء سد عظيم في الوادي والوادي كانت تسيل غليه مياه الأمطار من كل جانب فبنت لهم سدا وجعلت في السد ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض يحجز السد مياه الأمطار خلفه فلا تغرق الجنات فإذا أرادوا السقيا فتحوا الباب الأعلى فإن أرادوا المزيد فتحوا الباب الأسفل فإن أرادوا الزيادة فتحوا الباب الأدنى فل فإن أرادوا الزيادة فتحوا الباب الأدنى هذا السد العظيم الذي بني في عهد ملكه سبأ بقى على ما هو عليه وزاد الله لهذه البلاد طيبا فوق طيب فقد آمنت ملكهم مع سليمان ومرت الأيام وتطاول الزمن ويحكي ربنا (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍۢ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌۭ ۖ ) مسْكنهم مساكنهم مسكِنهم على وزن مسجد ثلاث قراءات، آيةٌ آيةً قراءتان (جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍۢ وَشِمَالٍۢ ۖ كُلُوا۟ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥ ۚ بَلْدَةٌۭ طَيِّبَةٌۭ وَرَبٌّ غَفُورٌۭ (١٥)) لا يقصد بكلمة (جَنَّتَانِ) العدد أي مثنى (جنة) بل عن يمين الوادي جنان جنات باتصالها وتشابك أغصانها كأنها جنة واحدة وهي جنات من فواكه مختلفة الأصناف والألوان وعن شمال الوادي جنات متشابكة ملتفة الأغصان من أنواع الثمار وكأنها جنة واحدة لذا يقول‫:‬ (جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍۢ وَشِمَالٍۢ ۖ ) (كُلُوا۟ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥ ۚ ) كما قال لداود (ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًۭا ۚ ) [سورة سبأ آية‫:‬ ١٣]، (كُلُوا۟ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ) فعل أمر إما القائل نبي من أنبيائهم أو الأنبياء والرسل الذين أرسلوا إليهم أو الأمر أمر تمكين بمعنى أنه ليس هناك قائل، وإنما المعنى أن الله، تبارك وتعالى، مكّنهم بحيث يأكلوا ما يشاءون من رزق ربهم ليس بجهدهم ولا بكسبهم والشكر واجب عليهم (وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥ ۚ ) وقلنا إن الشكر هو الإقرار والاعتراف بالنعمة للمنعم حمد المنعم على هذه النعمة استخدام هذه النعمة فيما يرضي الله‫.‬‬
‫ويستأنف الكلام فيقول الله، تبارك وتعالى، واصفا للحال‫:‬ (بَلْدَةٌۭ طَيِّبَةٌۭ وَرَبٌّ غَفُورٌۭ (١٥)) بلدة طيبة ولك أن تتخيل طيب هذه البلد من قول الله، تبارك وتعالى، (بَلْدَةٌۭ طَيِّبَةٌۭ) كل طيب يخطره على بالك موجود في هذه القرية طيب الهواء وطيب الماء وطيب الثمار والأمن والأمان من كل شيء (وَرَبٌّ غَفُورٌۭ (١٥)) إذاً فقد كان الله يغفر لهم الفرطات ويكفِّر عنهم السيئات وربنا، تبارك وتعالى، قد يبتلي العبد بالبلاء من مرض من نَصَب من نقص في الأموال من نقص في الأولاد يبتليه بالبلايا يكفِّر بها عن سيئاتهم وحين يقول‫:‬ (بَلْدَةٌۭ طَيِّبَةٌۭ وَرَبٌّ غَفُورٌۭ (١٥)) إذاً فقد غفر لهم بغير بلاء بغير أن يصيبهم بمصائب وإنما يغفر لهم بصفه مستمرة ما يفرط منهم وما يعجزوا عن أداء الشكر عليه‫.‬‬‬‬
فَأَعْرَضُوا۟ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَـٰهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍۢ وَأَثْلٍۢ وَشَىْءٍۢ مِّن سِدْرٍۢ قَلِيلٍۢ ﴿16﴾
‫(فَأَعْرَضُوا۟) أعرضوا عن الله أعرضوا عن المنعم أعرضوا عن الذي أعطاهم بغير مقابل منحهم ورزقهم وأعطاهم ما لم يعط أحدا من خلقه (فَأَعْرَضُوا۟ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ) العرِم‫:‬ اسم السد العرِم‫:‬ اسم الوادي العرِم اسم لماء أحمر سلّطه الله عليهم فهدم السد وأغرق الثمار العرِم‫:‬ من العرامة والعرامة‫:‬ الشدة والغلظة والقسوة تقول عَرَم الرجل يعرُم ويعرم عرامة فهو عارم قاسي شديد غليظ شرس فالسد كان سداً قويا لذا سمي بالعرِم فأرسلنا عليهم سيل العرم أي أرسلنا عليهم سيل السد العرم السد القوي الشديد الذي كان يحجز عنهم الماء، أو سيل العرم أي السيل الشديد العارم الذي لا يبقى ولا يذر، أو العرم‫:‬ جمع عرمة وكل ما يحجز بين شيئين يسمى عرم وعارم لأنه مجتمع من حجارة غليظة شديدة فهو جمع عرمة إذا فقد كان السد قويا شديد يحجز عنهم الماء لكن الله لا يعجزه شيء (وَبَدَّلْنَـٰهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ) الباء دائما تدخل على المتروك (وَبَدَّلْنَـٰهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ) إذاً الجنتين اللتين قال الله فيهما (جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍۢ وَشِمَالٍۢ ۖ ) دخلت عليهما الباء إذاً فقد نُسفت الجنتان، الباء استبدل الذهب بالفضة إذا فقد جعل الفضة بدل الذهب، استبدل الخير بالشر إذا جاء بالخير وترك الشر، الباء تدخل على الشيء المتروك (وَبَدَّلْنَـٰهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ) وحين يصف الجنتين تشعر أنها ليس بجنان فلم أطلق عليها لفظ جنة وهي ليست بجنة؟ للمشاكلة اللفظية وللتهكم والسخرية والاستهزاء كقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا ۖ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ٤٠]، وربنا لا يسيء مشاكلة لفظية واستهزاء (جَنَّتَيْنِ) أهما جنتان فعلا أهما جنتان؟ (جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍۢ ) أو أكُلِ خمطٍ الإضافة قراءة (وَأَثْلٍۢ وَشَىْءٍۢ مِّن سِدْرٍۢ قَلِيلٍۢ (١٦)) الخمط كل نبات فيه مرارة مر علقم لا يطاق، حتى أن اللبن إذا فسد يقال في اللبن حمُض وخمُطَ أيضا، فكل نبات له طعم فيه المرارة الشديدة يقال له خمط إذاً فقد نسف الله وأهلك الله الجنتين ذواتي الثمار الحلوة وجاء بأشجار تنبت ثمارا لا تطاق لمرارة طعمها الأثل‫:‬ الشجر الذي لا ينتج إلا الخشب لا ثمر له وبني منبر النبي، صلى الله عليه وسلم، من أثل الغابة الأثل لا نبات له ولا ثمر خشب صلد إذاً أشجار لها ثمار مرة وأشجار لا ثمار لها أصلا (وَشَىْءٍۢ مِّن سِدْرٍۢ قَلِيلٍۢ (١٦)) السدر‫:‬ النبق نبات النبق هل يسمن أو يغني من جوع النبق فقط رحمة أيضا من الله لم ينسفهم نسفا أعطاهم الفرصة للتراجع من كفرهم فأنبت لهم شجر السدر شجر النبق ورقه مفيد وثمره غذاء ولكن قليل ليس كما كانت المرأة تمشي بالمكتل فيمتلئ من غير أن تمد يدها وإنما عليهم أن يحصدوا ويتنازعوا ويقسموا فالنبات قليل لا يكفيهم‫.‬‬‬‬
ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِمَا كَفَرُوا۟ ۖ وَهَلْ نُجَـٰزِىٓ إِلَّا ٱلْكَفُورَ ﴿17﴾
‫(ذَٰلِكَ) إجابة للمتسائل (جَزَيْنَـٰهُم بِمَا كَفَرُوا۟ ۖ وَهَلْ نُجَـٰزِىٓ إِلَّا ٱلْكَفُورَ (١٧)) (وهل يجازى إلا الكفورُ ) قراءة أخرى‫.‬، إذاً فقد تبين لك أيها الأخ المسلم أن هذا الجزاء من جنس العمل أنعم الله عليهم فبطروا وأشروا وكفروا بالنعمة ولم يشكروا المنعم وطالما حدث منهم ذلك إذاً يسحب المنعم النعمة، الجزاء من جنس العمل لذا يقول الله، تبارك وتعالى‫: (جَزَيْنَـٰهُم بِمَا كَفَرُوا۟ ۖ )‬ أي كفروا بالنعمة كفروا بالمنعم لم يشكروه لأنه قال لهم كلوا من رزق ربكم واشكروا له فأعرضوا ولم يشكروا ثم يقول الله (وَهَلْ نُجَـٰزِىٓ إِلَّا ٱلْكَفُورَ (١٧)) أي هل يجازى بمثل هذا الجزاء إلا الكفور ولم يتذكر أرباب المعاصي فكأن الآية تشير إلى أن هذا الصنف من عذاب الدنيا الإهلاك التدمير التشتيت سلب النعمة لا يحدث إلا للكفور، فقد تشكر ربنا، تبارك وتعالى، على النعمة وقد تعص والحسنات يذهبن السيئات فقد تستغفر أما الكفر بالنعمة فلا جزاء له إلا إزالة النعمة (وَهَلْ نُجَـٰزِىٓ) بمثل ما حدث وبمثل ما قصصنا عليكم (إِلَّا ٱلْكَفُورَ (١٧)) الذي يكفر بنعمة الله، تبارك وتعالى‫.‬‬
‫ومع ذلك تنبهنا الآيات إلى أن الله، تبارك وتعالى، لم يقصمهم دفعة واحدة ولم ينسفهم مرة واحدة بل أخذهم بالتدرج فأبدل جنات الثمار والفواكه بجنات وأشجار لا ثمار ولها ولا فواكه أبدلهم بالراحة التعب بعد السفر بالجهد ومع ذلك رحمة الله بهم جعلت لهم القرى المباركة وجعلت لهم المنازل والقرى الظاهرة بين بلدهم وبين القرى التي بورك فيها وبدلا من الاستفغار وبدلا من حمد الله، تبارك وتعالى، على اللطف، لطف بهم فيما قضى وقدّر إما دَعَوْه فقالوا‫:‬ (فَقَالُوا۟ رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) وإما شكوْا ربهم وخبُروا عنه (فقالوا ربنا بَاعَد بين أسفارنا) فلما ظلموا أنفسهم جعلهم الله أحاديث وجعل في هذا آية لكل صبار شكور‫.‬‬
‫تبين الآيات بعد ذلك وتنبه أن إبليس له دور في ذلك وإن كان هذا الدور ليس كما يدّعيه البعض فتشرح الآيات الدور الحقيقي لإبليس لأن كثيرا من الناس ينسبون دائما وأبداً إلى الشيطان وكما يقال الشيطان شاطر وذاك فعل الشيطان وكذا وكذا وربنا، تبارك وتعالى يقول‫:‬ (إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)) [سورة النساء آية‫:‬ ٧٦]، فانتبهوا إلى الدور الحقيقي كي لا تلوموا إلا أنفسكم وهو يقول ذلك يوم القيامة إبليس‫:‬ (وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم ۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ ۖ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٢٢]. تلك خطبة إبليس يوم القيامة‫.‬‬
‫يبين لنا ربنا، تبارك وتعالى، هذا في شأن سبأ فيقول‫:‬‬‬‬‬
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا قُرًۭى ظَـٰهِرَةًۭ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ۖ سِيرُوا۟ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ﴿18﴾
الله تبارك وتعالى حين أنبت عليهم أشجار ذات ثمار مُرة وأشجار لا ثمار لها وشيء من سدر قليل أراد أن يشعرهم بالفارق بين الرزق الذي يأتيك رغداً والرزق الذي يأتيك ببعض الجهد وتجلت رحمته بهم فبارك في قرى أخرى بالشام بكثرة عددها وفيض ثمارها وأنشأ لهم بين بلدانهم وبين القرى قرى متوسطة ظاهرة على الطريق فاضطروا للسفر للحصول على الأرزاق والتجارة الكسب ببعض الجهد (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا) وهي قرى الشام باركنا فيها بكثرة عددها أو باركنا فيها بطيب ثمارها وكثرة إنتاجها (قُرًۭى ظَـٰهِرَةًۭ) إذاً فقد كانت ظاهرة على الطريق مرتفعة تعاين أيضا (قُرًۭى ظَـٰهِرَةًۭ) إذا فالقرى متقاربة إذا خرج من قرية نظر أمامه فرأى القرية الأخرى إذاً فليس في الطريق وحشة ولا تعب إذا خرج من قرية استقبلته قرية نزل منزلا واستراح فقام فارتحل استقبله منزل آخر (قُرًۭى ظَـٰهِرَةًۭ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ۖ ) أي جعلنا السير بين هذه القرى مقدّرا قليلا بسيطا إذا قيّل في قرية يبيت في قرية أخرى وكأن المسافة بين القرية والقرية لا تتعدى نصف النهار مشيا وإذا خرج من القرية وجد الأخرى في انتظاره منازل ومساكن وقرى آمنة حتى يصل إلى الشام (سِيرُوا۟ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ (١٨)) كأنه قيل لهم ذلك والأمر وكما قلت على التمكين أيضا (سِيرُوا۟ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا) نكرة لم يقل الليالي أو الأيام فإذا جاء بها نكرة (لَيَالِىَ وَأَيَّامًا) أفاد هذا قلة المسافة وعدم بعد الشُقَّة وأن السفر بسيط ومدته قليلة (ءَامِنِينَ (١٨)) لا يختلف الأمن بالليل عنه بالنهار فهو آمن إن سار نهارا وآمن إن سار ليلا رزقهم أمن الطريق (سِيرُوا۟ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ (١٨)) فالأمن مستتب ومستمر ليلا ونهارا والمدة بسيطة ومن قرية إلى قرية ويصل إلى قرى بورك فيها فيتأمل وينظر كيف كان حاله وكيف أصبح حاله، وها هي قرى قد بورك فيها وقد كنا أفضل منهم فما الذي غيّر وما الذي بدّل الله يمنع ويمنح إذا فالمنع نشأ من سبب والسبب (فَأَعْرَضُوا۟). فيفيقوا يعودوا إلى عقلهم أو إلى نفسهم يستغفروا يتوبوا بدلا من ذلك قالوا:
فَقَالُوا۟ رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَـٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍۢ ﴿19﴾
بطروا بالنعمة وأشروا كقول بني إسرائيل حين رزقهم الله بالمنّ والسلوى فقالوا‫:‬ (فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٦١]، طلبوا أصناف من الطعام ليست هي أغلى الأنواع وليست أشرف الأنواع، وطلبوا أن يزرعوا ويحصدوا ويجتهدوا بطروا وأشروا، ولذا قيل لهم‫:‬ (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ۚ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٦١]، كيف ذلك، وكقول قائل من كفار مكة‫:‬ (إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٢]، قل إن هذا هو الحق فاهدني إليه، وهؤلاء قالوا‫:‬ (رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) إذاً طلبوا أن تكون المدة طويلة وأن يكون السفر بعيدا لمَ طلبوا ذلك؟ لكي يتطاول الأغنياء على الفقراء الغني يملك الزاد ويملك الرواحل ويستطيع أن يسافر والفقير الذي لا زاد له ولا راحلة إذا طالت المسافة وبعدت الشقة كيف يرتحل فيبقى في مكانه ويزداد فقرا على فقره، طلبوا العلو وبطروا النعمة وأشروا (فَقَالُوا۟ رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) وقرئت ليس على الدعاء، قرئت على الشكاية والإخبار (فقالوا ربنا باعَدَ) (ربنا بعَّد بين أسفارنا) يشكون الله، تبارك وتعالى، أن الله، تبارك وتعالى، جعلهم يسافرون وبعَّد المسافات وهذا أمركم يحدث فهم يشكون الله ويخبِّرون عنه بما ليس بحق (قالوا ربنا باعد أو بعّد بين أسفارنا ) جعلها بعيدة، وقرئت أيضا‫:‬ (ربنا بَعُدَ بين أسفارنا) وقرئت‫:‬ (ربنا بَعُدَ بينُ أسفارنا) الفعل يسري على بيْن البيْن‫:‬ أي بعدت المسافة بعد بين البيْن هو الذي بَعُد (فَقَالُوا۟ رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ) لأن الله لا يظلم هو الغني المستغني بكل حال وإن ظلمت فأنت تظلم نفسك والمعاصي لا تضر الله شيئا لأن الله، تبارك وتعالى، لا تنفعه الطاعات ولا تضره المعاصي (فَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ) كيف جعلهم الله أحاديث؟ يتحدث بهم وسارت القوافل بأخبارهم بل وضرب بهم المثل وكلهم يعرف ذلك المثل حتى الآن حين يقول تفرقوا أيادي سبأ إذا تفرّق قوم وتشتت شملهم فأنت تمثلهم بسبأ وتقول تفرقوا أيادي سبأ صاروا أحدوثة يتحدث بهم ويُتندر ربهم (وَمَزَّقْنَـٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ ) لم يجتمع لهم شمل فرّقهم ربنا وشتتهم كل مشتت فرقهم كل تفريق فمنهم من ذهب إلى الشام ومنهم من ذهب إلى مصر ومنهم من ذهب يُمنة ومنهم من ذهب يسرة يمنة ويسرة تفرّقوا وتشتتوا (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍۢ (١٩)) آيات‫:‬ دلائل وعظات وموعظة (لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍۢ (١٩)) الصبّار‫:‬ كثير الصبر ولا تطلق كلمة صبّار إلا على الصابر عن المعاصي صبر عن المعاصي نقول صبَّار من هنا يقول الله، تبارك وتعالى (فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ) صبر عن المعاصي عن الكفر بالنعمة (شَكُورٍۢ (١٩)) يشكر الله على النعمة فإن شكرت زادك الله (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ) أي كفرتم بالنعمة (إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌۭ (٧)) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٧].‬
‫(إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍۢ (١٩))، الغريب في أمر هؤلاء القوم أن الله، تبارك وتعالى، حين جزاهم بهذا وفرقهم وشتتهم أن هذه العقوبة لا تحل أبدا بأحد إلا إذا كفر بالنعمة، إلا إذا ظلم نفسه كقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةًۢ بِمَا ظَلَمُوٓا۟ ۗ ) [سورة النمل آية‫:‬ ٥٢]، إذاً يحدثنا ربنا عن هؤلاء أنه جزاهم بما كفروا‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

‫(فَقَالُوا۟ رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَـٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍۢ (١٩) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلْـَٔاخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّۢ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌۭ (٢١)) [سورة سبأ آية‫:‬ ١٩- ٢١]‬
‫يحكي لنا تبارك وتعالى دخائل المسائل كيف تم هذا وكيف حدث هذا وكيف نتقي الزلل وكيف نتقي ما حدث لهم (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍۢ (١٩)) إذاً مهما أعطيت من نعمة فإياك إياك أن تستغل النعمة في معصية المنعم وإلا أزال النعمة عنك، وإياك إياك أن تغفل عن شكر المنعم أو تطغيك النعمة أو تنسيك النعمة إنعام المنعم‫.‬ (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍۢ (١٩)).‬
‫أيها الأخ المسلم عذاب الدنيا بالإهلاك والتدمير أبداً لا يكون إلا نتيجة للكفر بالنعمة أما المعاصي والكبائر فقد تغفر في الدنيا بالاستغفار وقد تُكفَّر ببعض البلاء وقد تغفر في الآخرة وقد يؤاخذ العبد عليها يوم القيامة، أما الكفر بالنعمة فلا بد أن يعاقب الكافر بالنعمة في الدنيا وهذا أخطر ما في الأمر أن تُسلب النعمة ووالله إن سُلبت عنه بعض النعمة وأفاق وعاد إلى الله لا بأس وداع للنعمة واستقبالا لبعض الشقاء علّ الله يغفر، أما أن يُبدَّل بالنعمة نقمة وتُصرف عنه النعمة ولا يفيق ولا يتنبه فتلك مصيبة كبرى‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم انتبه لقول الله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ ) [سورة النحل آية‫:‬ ١٨]، فالبدن والصحة والنظر والسمع والستر والمال نعم لا عدّ لها ولا حصر قيّدوا النعم بالشكر (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٧].‬
‫فقد أنبأنا الله، تبارك وتعالى، عن قوم سبأ وما فعل بهم ويبين لنا العلة في هذا التبديل (وَبَدَّلْنَـٰهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍۢ وَأَثْلٍۢ وَشَىْءٍۢ مِّن سِدْرٍۢ قَلِيلٍۢ (١٦)) [سورة سبأ آية‫:‬ ١٦]، لماذا فيقول الله تبارك وتعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿20﴾
قرئت بقراءات عديدة‫:‬ (لقد صَدَقَ عليهم إبليسُ ظنَّه) (صَدَقَ عليهم إبليسَ ظنُّه) (صَدَقَ عليهم إبليسُ ظنُّه) صَدَقَ وصَدَّق إبليسَ وإبليسُ ظنَّه وظَنُّهُ (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُۥ) أي ظن إبليس فيهم ظنَّا فصدق ظنُّه ما هو ظن إبليس‫:‬ (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ (١٦)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٦]، (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)) [سورة الحجر آية‫:‬ ٣٩]، (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ (١٧)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٧]، (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلًۭا (٦٢)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٦٢]. إذاً فقد ظن فيهم إبليس، حين أُهبط آدم وحواء قال إبليس في نفسه قدرت على الأبوين إذاً فقدرتي على الأولاد أشد وأقوى قدر على الآباء فكيف لا يقدر على الأبناء أعطاه الله، تبارك وتعالى، (وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٦٤]، أعطاه ربنا، تبارك وتعالى، قوة لكنه نبّه (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌۭ ۚ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٦٥]، يقول الله، تبارك وتعالى، مبينا الأمر في شأن سبأ (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٢٠)) "من" هنا إما للتبعيض وإما للتبيين يختلف المعنى (فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٢٠)) أي المؤمنين لم يتبعوه أصلا "من" هنا للتبيين أن الذين لم يتبعوه هم المؤمنين لكنهم كانوا قلة بالنسبة للكفار كفر أكثرهم وآمن قليلهم (وَقَلِيلٌۭ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ (١٣)) [سورة سبأ آية‫:‬ ١٣]، (إِلَّا فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٢٠)) هم لم يتبعوه وهم قليل بالنسبة لمن كفر أو (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فرقة من المؤمنين) أي إلا فرقة واحدة من فرق المؤمنين و"من" هنا تصبح للتبعيض إذاً معنى هذا أن من آمن منهم لم ينج منهم إلا المخلصون، الناس هلكى إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم، (إِلَّا فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٢٠)) لم يتبعوه ولم يكن له عليهم سلطان هؤلاء هم الذين قال الله في شأنهم (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ) [سورة الحجر آية‫:‬ ٤٢].‬
‫ثم يقول الله، تبارك وتعالى، مبينا لم حدث هذا الإتباع هل قهرهم؟ هل اتبعوه قهراً؟ هل أعطي إبليس سلطانا بحيث لا يقاومه أحد؟ كيف؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلْـَٔاخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّۢ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌۭ ﴿21﴾
‫(وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَـٰنٍ) إذاً فلم تكن له عليهم قوة قاهرة أو بطش أو تسلّط أو حجة لأن السلطان يعني القوة والسلطان يعني أيضا الحجة والبرهان ما كان له عليهم من سلطان إذاً فقد ظن إبليس أنه إذا أغواهم أجابوه وإذا أضلهم أطاعوه بغير قهر وبغير سلطان وكما يقول هو يوم القيامة (وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٢٢].‬
‫(إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلْـَٔاخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّۢ ۗ ) إذاً كان الآية تشير إلى أن الله، تبارك وتعالى، ترك إبليس يدعو الناس يغويهم يضلهم يأتيهم من بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم تركه وما أراد من الإغواء لماذا؟ ما كان له عليهم من سلطان غير أننا نريد أن (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلْـَٔاخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّۢ ۗ ) أو ربنا، تبارك وتعالى، لا يعلم وينتظر حتى يبتلي الناس بإبليس فيعلم من يتبّع ممن لا يتبّع وربنا علاّم الغيوب؟! وقد علم من الأزل ما كان وما هو كائن وما يكون إلى يوم الدين وما بعد يوم الدين إذاً (إِلَّا لِنَعْلَمَ) أي إلا لنظهر إيمان من آمن وكفر من كفر، أو إلا لكي يميز الخبيث من الطيب كما قال في سورة الأنفال (لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٧]، وقد قرئت‫:‬ (إلا لُيعُلَمَ) يظهر قرئت هكذا (وما كان له عليهم من سلطان إلا ليعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك) يُعلم يعلمه الناس يظهر للجميع المؤمن ويظهر للجميع الكافر‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم العلم علمان علم الغيب وعلم الشهادة فربنا، تبارك وتعالى عالم الغيب والشهادة عِلْم الغيب ما كان وما هو كائن علمه الله من الأزل، علم بكفر أبي جهل قبل أن يُخلق أبا جهل ذاك علم الغيب هل يتعلق بهذا العلم ويترتب عليه ثواب أو عقاب؟ أبداً (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٤٦)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٦]، فيؤتى بأبي جهل ويؤتي بأبي لهب ويدعى إلى الله يدعوه محمد، عليه الصلاة والسلام، يدعوه إلى الإسلام فيأبى فيظهر كفره ويصبح الغيب شهادة يصبح علم الغيب علم شهادة يترتب عليه الثواب ويترتب عليه العقاب وإلا لو عاقبه الله، تبارك وتعالى، بغير دعوة وبغير إظهار لكفر لقال أبو لهب؟ لِمَ تعذبني؟ لأنك سوف تكفر!! فيقول ومن يقول ذلك؟ لا يتعلق بعلم الغيب ثواب ولا عقاب ألم تسمعوا قول الله، تبارك وتعالى، من الأزل‫:‬ (تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍۢ وَتَبَّ (١)) [سورة المسد آية‫:‬ ١]، هل قيلت بعد بعثة النبي، صلى الله عليه وسلم، أم قيلت قبل خلق الناس؟ قيلت قبل خلق الناس ولم يكن هناك محمد ولا أبي جهل ولا أحد، قيلت ومع ذلك أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يدعوه فيكفر فإذا ظهر الكفر أوخذ وعوقب لذا حين يقول الله، تبارك وتعالى، (وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلْـَٔاخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّۢ ۗ ) إذا هذا العلم علم الشهادة، علم الشهادة الذي يترتب عليه الثواب والعقاب لكن الله، تبارك وتعالى، يعلم من الأزل ما كان وما يكون وما هو كائن إلى الأبد‫.‬‬
‫(وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ) إذاً فقد ترك الله، تبارك وتعالى إبليس يغوي الناس ويضل الناس منهم من يطع ومنهم من يعص ومن أطاع إبليس هلك معه (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)) [سورة ص آية‫:‬ ٨٥] ومن عصى إبليس وأطاع الله نجا ، حافظ لأعمال العباد يجازيهم عليها‫.‬ (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًۭا يَرَهُۥ (٧) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ شَرًّۭا يَرَهُۥ (٨)) [سورة الزلزلة آية‫:‬ ٧- ٨]، (وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌۭ (٢١)) حافظ على العباد أعمالهم مجازيهم عليها لا محالة يعلم من الأزل علما غيبيا ولكنه يظهر الغيب بعلم الشهادة فيصبح الإنسان مسئولا عن نفسه (كُلُّ ٱمْرِئٍۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌۭ (٢١)) [سورة الطور آية‫:‬ ٢١]، (ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًۭا (١٤)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ١٤]، لأن الكتاب في يدك أنت تقرأه لا يُقرأ عليك‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم تقول السيدة عائشة سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول (مَنْ حُوسِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهُوَ مُعَذَّبٌ) فقلت يا نبي الله فأين قول الله عز وجل‫:‬ (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًۭا يَسِيرًۭا (٨)) [سورة الانشقاق آية‫:‬ ٨]، فكيف تقول من حوسب هلك على الإطلاق فقال يا عائشة‫:‬ (لَيْسَ ذَلِكَ بِالْحِسَابِ، ذَلِكَ الْعَرْضُ، مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ) إذاً فمعنى فسوف يحاسب حسابا يسيرا تعرض عليه الأعمال فقط لا يسأل ليس هناك سين ولا جيم وليس هناك سؤال وليس هناك جواب وليس هناك عتاب وليس هناك مناقشة إنما هي عرض صحائف أعمال كفّرت السيئات وأخفيت عن الخلائق ومحيت الذنوب السيئات وإذا بها حسنات يبدل الله سيئاتهم حسنات صحائف منشورة فيها الفخار وفيها النور (يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم بُشْرَىٰكُمُ) [سورة الحديد آية‫:‬ ١٢]، سلام من الملائكة (هَآؤُمُ ٱقْرَءُوا۟ كِتَـٰبِيَهْ (١٩) إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)) [سورة الحاقة آية‫:‬ ١٩- ٢٠]، وهكذا فالحساب اليسير‫:‬ العرض يرى جهنم من بعيد (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًۭا مَّقْضِيًّۭا (٧١)) [سورة مريم آية‫:‬ ٧١].‬
‫ورود عرض من بعيد كي تشعر بنعمة الله وأما من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز إنما ذلك العرض فقط من بعيد السير على الصراط فترى جهنم فتشعر بفضل الله وتحمد الله وتقول مع القائلين (وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ۖ وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٤٣]، ثم يقول (وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ (٧٤)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٤]، إنما ذلك العرض ومن نوقش الحساب هلك نعم إذا وقف العبد بين يدي ربه فسئل لم؟ ولماذا؟ وأين؟ ومتى؟ وكيف؟ أيريد الله أن يعلم وقد علم من الأزل وكل شيء مسطور (كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًۭا (٥٨)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٥٨].‬
‫فإذا سأل هو لا يريد جواب وإنما يريد العقاب لأنه لا جواب هناك كيف تجيب وتجيب على من؟ وكيف تجيب لا يؤذن لهم فلا يعتذرون ولا يستعتبون إذا ليس هناك عتاب ولا درهم ولا دينار ولا تبرير نعم صدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ).‬
‫بعد أن قص الله علينا قصص داود وسليمان وكذلك قصص سبأ مبينا لنا أن الله قادر على كل شيء يمنح ويمنع، يخاطب النبي، صلى الله عليه وسلم، آمراً له أن يقول للمشركين الذين زعموا أن مع الله آلهة أخرى‫:‬‬
قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍۢ وَمَا لَهُۥ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍۢ ﴿22﴾
قصَّ عليهم قدرة الله كيف وهب داود وسليمان ملكاً وحكماً وعلماً كيف سخّر لهم الحديد ألان لداود الحديد كيف أسال عين القطر لسليمان كيف سخّر الجن كيف منح سبأ بلدة طيبة كيف وكيف (قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۖ ) هؤلاء الذين زعمتم أنهم آلهة ادعوهم لجلب نفع أو لدفع ضر ادعوهم فيما يهمكم من الأمور ولم ينتظر جواب بل أجاب هو عنهم لتعيّن الجواب ما هو الجواب؟ (لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ) وطالما لا يملكون شيئا فهم لا يقدرون على شيء وجاء بذكر السموات وجاء بذكر الأرض لأن الخير والشر مصدرهما الظاهري للناس السموات والأرض فمن السماء ينزل المطر ومن السماء تنزل الأرزاق ومن السماء تنزل الأقدار ومن السماء تنزل الصواعق ومن السماء تهب الرياح، وكذلك في الأرض يخرج الماء من الينابيع وتجري الأنهار والنبات واللؤلؤ من البحار والأسماك واللحم الطري وهكذا فهؤلاء لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولم ينتظر منهم إجابة لأنه ليست هناك إجابة أجاب عنهم وجاء بذكر السموات والأرض لأن الخير والشر مصدرهما الظاهري السماء أو الأرض أيضا لأنهم كانوا يعتقدون وجود آلهة في السماء وهم الملائكة ويعتقدون بوجود آلهة في الأرض وهم الأصنام والأوثان‫.‬‬
‫هؤلاء لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض (وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍۢ وَمَا لَهُۥ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍۢ (٢٢)) إذاً هم لا يملكون شيئا، أيضا ليسوا شركاء في شيء فليس لهم ملكية وليس لهم شركة (وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍۢ) فهم غير ملاّك وغير شركاء ليست لهم أنصبة يشتركون مع الواحد القهار في شيء من خلقه أو إيجاده أو تدبير أو تصريفه أو ملكه (وَمَا لَهُۥ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍۢ (٢٢)) أي وما لله، تبارك وتعالى، من هؤلاء الذين زعمتم من معين يعاونه ويظاهره يحتاج إليه في تدبير ملكه وتصريف شئون خلقه فنفى ثلاثة أشياء نفى الملكية عنهم ونفى أن يكونوا شركاء في شيء من الخلق أو الإيجاد أو التدبير أو التصريف ونفى أيضا أن يكونوا وزراء أو مستشارون أو يكونوا معاونين لله والظهير المعادن الذي يعانك على أمرك وكأنه قد لصق ظهرك بظهرك فشدّ من قوامك ومن اعتدالك‫.‬‬
‫بقي ادعاء واحد ادعاه الكفار حيث قالوا‫:‬ (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ) [سورة الزمر آية‫:‬ ٣] ادّعاء الشفاعة بقي هذا الادعاء، إذاً فقد نفى ثلاثة ادعاءات‫:‬ الملكية ثم الشركة ثم المعاونة، وجاء بذكر الشفاعة فقال:
وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُۥ ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا۟ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا۟ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ﴿23﴾
‫(وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُۥ ۚ ) (إلا لمن أُذن له) ها هو الادّعاء الرابع ادعاء الشفاعة (لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ) فبين لهم أن الشفاعة لم ينف وجود الشفاعة أصلا بل قال أن الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن أَذِن له أو إلا لمن أُذِن له قراءتان تنفع الشفاعة من أذِن الله له في أن يُشْفَع فيه، وتقبل الشفاعة لمن أَذِن الله له أن يشفع، فالكلام عن الشافع وعن المشفوع له (وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُۥ ۚ ) أن يشفع وإلا لمن أذن له أن يشفع فيه، إذاً فهناك إذنان إذن للشافع وإذن لمن يشفع فيه (حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا۟ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا۟ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ (٢٣)) هذا الجزء من الآية يفيد معان كثيرة أولا‫:‬ حين يقول (وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُۥ ۚ ) ثم يقول (حَتَّىٰٓ)، (حَتَّىٰٓ) كلمة تفيد غاية، غاية لشيء نهاية سرت على أقدامي حتى تعبت تفيد غاية لشيء فحين يقول‫:‬ (حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ) أزيل عن قلوبهم الفزع كمُرِّض أُزيل عنه المرض إذاً معنى هذا أن غاية مفهوم الكلام أن هؤلاء الشافعين في فزع شديد وفي رهبة يقف الشافع الذي أذن له في الشفاعة وطالبوا الشفاعة على وجل ورعب ورهبة وخوف وفزع شديد ينتظرون الإذن بالشفاعة لا يشفعون من تلقاء أنفسهم ولا يجترئون على الاقتراب من الحضرة بل هم في فزع ووجل شديد، هناك موقف تربّص وانتظار وترقب يفيده الكلام (حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ) إذاً فهناك موقف تربّص وانتظار فإذا أزيل الفزع (عَن قُلُوبِهِمْ) سألوا الملائكة المقربين (قَالُوا۟ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ ) (قَالُوا۟ ٱلْحَقَّ ۖ ) أي أذن لهم في الشفاعة (وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ (٢٣)) الذي لا يملك مخلوق أن يتكلم إلا بإذنه، لا ينطق مخلوق إلا بإذن الله، تبارك وتعالى، هو العلي الكبير ذاك معنى، هناك معنى آخر انتهى الكلام عند قوله، تبارك وتعالى‫:‬ (وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُۥ ۚ ) فالله يأذن للملائكة المقربين والأنبياء بالشفاعة في أناس بعينهم فإن أّذِن لهم في الشفاعة خافوا وارتعدت منهم الفرائص خشية التقصير في الإتيان بما أذن لهم به ها هو قد أذن لهم في الشفاعة هنا يحدث الفزع لأنه سوف يتقدم وسوف يشفع ماذا يقول؟ وكيف يقوله؟ وبأي أسلوب وبأي كيفية؟ فيحدث الرعب والفزع في القلوب من الإذن بالشفاعة خشية التقصير فيما أُذن له فيه، ثم يزال عن قلوبهم الفزع فيحدث الانقياد فينقادوا لله، تبارك وتعالى، ولا يشفعون لمن ارتضى، هناك أيضا معنى ثالث وهو أنكم زعمتم أن هؤلاء الأصنام الأوثان من عبدتموهم ليقربوكم إلى الله زلفى يشفعون لكم عند الله فلتعلموا أن من يملك الشفاعة ومن يؤذن لهم في الشفاعة هم الآن في فزع ورعب شديد الآن في الدنيا حتى إذا فُزِّع عن قلوبهم يوم القيامة بالإذن قاموا بالشفاعة إذاً فهؤلاء الممنوحون لهذا الفضل فضل الشفاعة هم (إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (٥٧)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٥٧] في الدنيا سواء كانوا من الأنبياء أو الأولياء أو الملائكة الفزعون الوجلون الخائفون هؤلاء هم الذين يملكون الشفاعة وليست الأصنام والأوثان والجمادات التي لا تخاف ولا تفرح ولا تطمئن ولا تأكل ولا تشرب ولا تنفع ولا تضر بل هؤلاء الذين يشفعون يوم القيامة هم الذين على فزع لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم من خشيته مشفقون، أيضا هناك معنى آخر ورد في الأحاديث النبوية يقول النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (إن الله إذا أراد أن يوحي أمراً تكلم بالوحي فأصابت السموات السبع رعدة ورجفة فخرت الملائكة جمعيا مصعوقين صعق من في السموات ومن الرعدة التي حدثت للسموات إذا تكلم الله بالوحي أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله بالوحي فهبط جبريل وكلما مر على سماء كشف عن أهلها الذين صعقوا من الفزع كشف عنهم الفزع فسألوا (قَالُوا۟ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ ) لا يخبرهم بما قاله الله من الوحي بل يقول كلمة الحق) ولذا قرئت‫:‬ (قالوا الحقُ) كما قرئت‫:‬ (قالوا الحقَ) (قالوا الحقُ) أي نقوله الحق فسبحت الملائكة جمعيا قائلين‫:‬ (قَالُوا۟ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ (٢٣))، وبين عيسى وبين محمد عليهما السلام خمسمائة وخمسون عاما ومحمد، عليه الصلاة والسلام، من أشراط الساعة والملائكة تعلم ذلك ولم يحدث وحي منذ عيسى إلى محمد، عليه الصلاة والسلام، فحين بدأ الوحي فوجئ الملائكة في السموات بالرعدة والرجفة بالسموات فظنوها الساعة وصعقوا فلما رفع جبريل رأسه وأوحى إليه بالأمر لمحمد، عليه الصلاة والسلام، نزل جبريل وأزيل الفزع عن قلوب الملائكة والملأ الأعلى وعلموا أن الحق نزل (وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَـٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ۗ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ١۰٥] الوحي على النبي، صلى الله عليه وسلم، وقيل معنى آخر (حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ) الكلام عن الكفار إذا بُعثوا وحشروا حدث الفزع الرهيب فإذا بدأ القضاء وفزِّع عن قلوب الكفار للعتاب والحساب والمؤاخذة والعقاب (قَالُوا۟) قالت الملائكة للكفار (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا۟ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ (٢٣)) أي في الدنيا سألوهم الآن وقد عاينتم الحق وكشف عنكم الغطاء (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌۭ (٢٢)) [سورة ق آية‫:‬ ٢٢] قالت الملائكة ماذا قال ربكم للكفار (قَالُوا۟ ٱلْحَقَّ ۖ ) أي قالوا قال في الدنيا الحق فاعترفوا وأقروا حين لا ينفع الاعتراف أو الإقرار، حين يقولون أيضا‫:‬ (وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ (٢٤)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٢٣ -٢٤ ] (حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ) فَزَّع فُزِع فَزَعَ أزيل الفزع وقرئت‫:‬ فُزِع فَزَّعَ أي فرّع الله عن قلوبهم فرغ عن قلوبهم أي فرغت قلوبهم من الفزع ومن الخوف ومن الرعب (قَالُوا۟ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا۟ ٱلْحَقَّ ۖ ) الحق، الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه الحق هو الله وقوله الحق (وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ (٢٣)) العلي‫:‬ العُلُو قد يحسب بالنسبة للمكان فكل ما هو مرتفع فهو عالٍِ وكل ما هو دون ذلك فهو أسفل أدنى الله لا يحده زمان ولا يحويه مكان فعلوّ الله ليس عُلُوّ مكان وعلُوّ المكانة في الرتب فالأمير أعلى في الرتبة من الخفير والملك أعلى في الرتبة من الوزير فالعلوّ قد يكون في المكانة أيضا وبالتالي فأي علو في المكان أو في المكانة فهو أمر نسبي بين العالي المرتفع وبين النازل أو الأدنى أو الأسفل والله، تبارك وتعالى، ليس كمثله شيء هو المتفرد بالواحدانية المتصف بالصمدية لا يحويه زمان ولا يحده مكان وكان قبل الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان فله العلو المطلق ليس منسوبا لشيء ليس هو أعلى من كذا لأنك إذا قلت أعلى من كذا حدث المقارنة والمقايسة والنسبة، فالله، تبارك وتعالى، هو العلي المطلق (ٱلْكَبِيرُ (٢٣)) سبحانه وتعالى أيضا الكبير المطلق ليس الكبير بالنسبة لشيء ويقال للشيخ الذي طالت مدة بقائه في الدنيا رجل كبير أي طالت المدة بالقياس للزمن فإذا كان الأزلي بلا بداية الأبدي بلا نهاية فهو الكبير المطلق‫.‬‬
‫ويأتي السؤال التالي بعد نفي الملكية والشركة والمعاونة والشفاعة يأتي السؤال البدهي‫:‬‬‬‬
قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿24﴾
‫(قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ) بقاؤكم في الدنيا مرهون بالرزق بما تأكلون وبما تشربون (قُلِ) أي قل يا محمد وسلْهم (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ) الرزق في السماء ماء المطر الرزق من السماء أيضا الشمس فالضياء رزق والدفء رزق النجوم التي تهدي في ظلمات البر والبحر أليست رزقا؟ بلى هي رزق أيضا الرياح السحاب القمر كل ذلك رزق (مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ) والأرض ماء الينابيع النبات على اختلاف ألوانه وأصنافه المعادن ما يخرج من الأرض من نفيس الجواهر وما إلى ذلك من الذي يرزقكم من السموات ومن الأرض؟ ينتظر الإجابة لا إجابة لأنهم لو قالوا الله للزمتهم الحجة ولو سكتوا للزمتهم أيضا الحجة لذا أجاب هو قائلا (قُلِ ٱللَّهُ ۖ ) إذ لا إجابة سواه (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ) هو الرزاق‫.‬‬
‫ثم بدأ في الحوار معهم بأسلوب غاية في الدقة والإعجاز القسمة والنصف في الكلام بحيث تلزم الخصم الحجة وتسكته وتخرصه، فمثال ذلك أنك تحدث إنسانا في شيء وهو يجادلك في شيء، وأنت تعلم أنك صادق وهو كاذب فإذا قلت له إنك أنت كاذب كاد جاء لك لكن إذا قلت أحدنا صادق والآخر كاذب وأنت تعلم أنك صادق وهو كاذب كان التلميح أبلغ من التصريح وطالما كانت الحجج قد سيقت من قبل (قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۖ ) (لَا يَمْلِكُونَ) (وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍۢ ).‬
‫(وَمَا لَهُۥ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍۢ (٢٢))، (وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُۥ ۚ ) [سورة سبأ آية‫:‬ ٢٣] (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ) إذاً (وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ (٢٤)) وطالما قد سيقت الحجج فقد تبين أننا على الهدى وهم على ضلال مبين (وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ (٢٤)) هذا هو المعنى المتبادر من تركيب اللفظ (وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ (٢٤)) أي أحدنا على هدى والفريق الآخر في ضلال مبين، أيضا لها معنى آخر يقال إنها على سبيل اللف أسلوب فصيح في الكلام اللف كقوله (جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)) [سورة القصص آية‫:‬ ٧٣] أي تسكنوا في الليل وتبتغوا من فضله في النهار فكأن الكلام يعني (وإنا لعلى هدى وإياكم في ضلال مبين) و "أو" بمعنى الواو على أسلوب اللف أيضا هناك لفتة في الآية الحروف والحروف لها أسرار ومعاني حين ذكر الهدى قال "على" وحين ذكر الضلال قال "في" إشعار بأن المهتد كأنه عال على منبر على ربوة على جبل يرى كل شيء ويبصر كل شيء ولا يخفى عليه شيء (على هدى) والضال في الأسفل في الظلمات وكأنه في ظلمات لا يبصر ما حوله الحروف واختيار الحروف (تَنزِيلٌۭ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍۢ (٤٢)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٢] (وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ (٢٤)) ضلال واضح ضلال بين ظاهر لا يختلف فيه اثنان (وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ (٢٤)) ويأتي أيضا بالتلميح ويأتي أيضا بالكلام بأسلوب فيه الحجة الدامغة والبالغة فيه الثقة بالنفس وبالأمان من الله وحين يقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قُل لَّا تُسْـَٔلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْـَٔلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿25﴾
نسب الإجرام لنفسه وللمؤمنين ونسب العمل للكفار وانظر اختيار الألفاظ (قُل لَّا تُسْـَٔلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا) نسب لنفسه الإجرام منتهى الثقة أي مهما فعلنا نحن من خطأ أو كنا مخطئين أو مجرمين فأنتم لا تُسألون عن هذا الإجرام ولا تحاسبون عليه ونحن أيضا لا نُسأل عما تعملون ولم يقل عما تشركون أو تجرمون أو تكفرون إذاً فالنبي، صلى الله عليه وسلم، مبلغ مبشر ومنذر إن آمنوا فلهم وإن كفروا فعليهم وهو غير مسئول عن إشراك المشركين أو كفر الكافرين أو عصيان العاصين إذا فكيف يكون الأمر‫.
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ ﴿26﴾
‫(قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا) هو القاضي الحاكم الفاصل (ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ (٢٦)) يجمع بيننا ربنا يوم القيامة ثم يفتح بينا‫:‬ يقضي ويفصل الفتاحة‫:‬ الحكم ويسمي الفتّاح‫:‬ الفاصل والقاضي في القضية المشكلة المعضلة إذا انغلقت الأمور ولم تظهر الحقائق وتعقدت القضية وخفيت الأمور والمعالم إذا قضى فيها القاضي هنا بالحق فهو الفتّاح لأنه فتح القضية، فتح المغاليق، فتح مغاليق الأمور وأظهر الخفايا وفصل بالحق (وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ (٢٦)) القاضي الحاكم الفاصل بالحق العليم بخفايا الأمور فلا تخفى عليه خافية لأن القاضي في الدنيا مهما كان عادلا بارعا دارسا قد تخفى عليه أمور حتى النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول وهو أعدل من حكم في قضية؛ (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِمَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَأَظُنُّهُ صَادِقًا فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّهَا قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَدَعْهَا) أما العليم ببواطن الأمور فمهما كان أحدهما ألحن من أخيه لا يؤثر فيه هذا اللحن لأنه يعلم النوايا والخفايا فالله، تبارك وتعالى، هو الفتّاح العليم‫.‬‬
‫ثم يسألهم بعد ذلك مبكتاً موبخا كانت الأسئلة من قبل عن الآلهة نفي عنهم الملكية نفى عنهم الشركة نفى عنهم المعاونة نفى عنهم الشفاعة ثم بيّن أن الدعوة لهم ولمصلحتهم وهو غير مسئول عن إيمانهم أو كفرهم وهم غير مسئولين عن إيمانه أو عن عمله (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ (٦)) [سورة الكافرون آية‫:‬ ٦] يأتي السؤال بعد ذلك عن الإشراك كما قالت النصارى المسيح بن الله وقالت اليهود عزير ابن الله والذين قالوا الملائكة بنات الله يأتي السؤال عن الإشراك ويقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قُلْ أَرُونِىَ ٱلَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِۦ شُرَكَآءَ ۖ كَلَّا ۚ بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿27﴾
‫(قُلْ أَرُونِىَ ٱلَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِۦ شُرَكَآءَ ۖ ) أروني إما رؤية القلب وإما رؤية البصر إذا كانت من رؤية القلب فكلمة شركاء مفعول ثالث، وإذا كانت من رؤية البصر فكلمة شركاء حال (قُلْ أَرُونِىَ ٱلَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِۦ شُرَكَآءَ ۖ ) أي أروني الصفات التي استحق بها هؤلاء أن يكونوا شركاء لله عيسى على سبيل المثال ما هي الصفات التي استحق بها أن يكون شريكا لله هل يرزق؟ هل يخلق؟ هل يدبّر؟ هل يصرِّف؟ هل ينفع؟ هل يضر؟ هل هو حي من الأزل إلى الأبد؟ هل هو عالم بالخفايا وعالم بالظواهر؟ هل هو مريد قادر؟ كيف وتزعمون أنه صلب ولم يستطع أن يدفع عن نفسه الضر؟ كيف وقد حملته امرأة؟ وجرى منها من موضع أنتم تعلمون ما هذا الموضع، ثم حملته وهدهدته بكى وتأوّه قضى الحاجة على نفسه ولم يملك أن يصرف عن نفسه الأذى كان وليدا كان صغيرا من الذي كان يغسّله من الذي كان يزيل القذى عنه أمه إذاً هو فقير محتاج إلى الأم التي ترضعه وتطعمه وتأخذ بيده حبي فأقامته على قدمين أي صفة فيه يستحق أن يكون شريكا لله؟ أي صفة في عيسى أو في عزير أو في غيره من البشر أو في الملائكة أو في الأصنام والأوثان؟ (أَرُونِىَ ٱلَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِۦ شُرَكَآءَ ۖ ) (كَلَّا ۚ ) قرأها مرتين (قُلْ أَرُونِىَ ٱلَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِۦ شُرَكَآءَ ۖ كَلَّا ۚ ) ومرة قرأ (قُلْ أَرُونِىَ ٱلَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِۦ شُرَكَآءَ ۖ ) وتقف ثم قال (كَلَّا ۚ ) إذا وصل قراءته فالمعنى أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا الإجابة فورية منه، من النبي، صلى الله عليه وسلم، بأمر الله أي ليس له شركاء لا إجابة لن يجيبوا ولن يستطيعوا الإجابة ولا حجة لهم ولا صفة تستحق بها هذه الجمادات أو البشر أي صفة يستحقون بها الشركة مع الله، تبارك وتعالى، فالإجابة من الله وفورية أنه لا إجابة لهم فتعينت الإجابة فتقرأ هكذا‫:‬ (قُلْ أَرُونِىَ ٱلَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِۦ شُرَكَآءَ ۖ كَلَّا ۚ ) أي ليس له شركاء فإن قلت وسكت إذاً فهناك إجابة محذوفة قالوا ها هي الشركاء الأصنام والأوثان فرد عليهم وقال‫:‬ (كَلَّا ۚ ) ليس لهؤلاء صفة يستحقون بها الشرك ذاك الوصل والوقف يتغير المعنى حتى بالوصل والوقف كما يتغير بالإعراب والتشكيل (بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ (٢٧)) " ﮟ " إضراب عن الكلام لكلام آخر (هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ (٢٧)) العزيز‫:‬ الغالب الذي لا يغالب القادر القوي الذي ليس له مثال الحكيم‫:‬ الذي لا تخرج أموره عن الحكمة الحكيم في كل أفعاله المستحق لصفة الألوهية المعبود الحق (هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ (٢٧)).‬
‫وينتهي الحوار أو ينتهي الجدال بإلزامهم الحجة والبرهان ثم يقول مخاطبا النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬‬‬‬‬
وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةًۭ لِّلنَّاسِ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿28﴾
‫(وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةًۭ لِّلنَّاسِ) أي للناس جميعا والكلام فيه تقديم وتأخير وذاك من بديع الكلام في اللغة العربية، التقديم والتأخير حتى يضطر السامع لإعمال الفكر والعقل اللغة العربية غنية إذاً الكلام فيه تقديم وتأخير (وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةًۭ لِّلنَّاسِ) أي إلا للناس كافة أي لجميع الناس ويمكن أن يكون الكلام على ظاهره لا تقديم ولا تأخير ويتغير المعنى (وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةًۭ لِّلنَّاسِ) أي جامعا لأن الكافَ: الجامع فإذا كانت الرسالة جامعة لهم في كافة لهم كَفَتْهُم وكفَّتهم عن الخروج من التبشير والإنذار أي وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا أي جامعا لهم جميعا في التبشير والإنذار إذ لم يخرج مخلوق من رسالة محمد، صلى الله عليه وسلك، فهي الرسالة الكافّة الرسالة الجامعة للكل تحت لوائها بشارة وإنذار، أيضا يمكن أن يكون يعني الكلام وما أرسلنا للناس إلا كافه لهم أي من كفّ: منع كفّ الثوب‫:‬ جمعه (ذاك المعنى الأول) كفّ الثوب‫:‬ ضم الطرف إلى الطرف بالخياطة، كف الثوب إذاً فقد جمع طرفي الثوب بالخياطة، أو جمعه هكذا، فالمعنى الأول‫:‬ (وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةًۭ لِّلنَّاسِ) أي جامعا للناس المعنى الثاني‫:‬ من الكفّ وهو المنع إذاً ما أرسلناك أي كاف مانع والتاء للمبالغة كما تقول علّامة ورجل علاّمة ورجل نسّابة (وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةًۭ لِّلنَّاسِ) أي مانعا منعا شديدا للناس من عبادة غير الله فأنت تبشرهم وتنذرهم من أطاع بشرته ومن عصى أنذرته (بَشِيرًۭا) للطائعين بالجنة والنعيم (وَنَذِيرًۭا) للعاصين بجنهم والعذاب الأليم (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)) فلجهلهم لا يصدقونك ولا يتبعونك (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)) أي لا يعلمون مقدار منزلتك عند الله لا يعلمون صدقك لا يعلمون ما ينتظرهم في حالة العصيان لا يعلمون خطورة الرسالة وخطورة الموقف وأن الدنيا إلى زوال وما أرسلناك يا محمد إلا للناس كافة بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون‫.‬ ومع كل ذلك ومع كل ما مضى من حجج وبراهين‫:‬‬‬‬
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿29﴾
‫(وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (٢٩)) أي الوعد بالتبشير والإنذار الموعود به من البشارة والإنذار الجنة والنار (مَتَىٰ) استعجالاً واستهزاءاً أو متى هذا اليوم الذي تقول‫: (يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ) [سورة سبأ آية‫: ٢٦] متى هذا الجمع (وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (٢٩)) والخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، ولمن آمن معه‫:
قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍۢ لَّا تَسْتَـْٔخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةًۭ وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ ﴿30﴾
‫(قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍۢ ) أي ميقات يوم موعد إما عند الموت وإما حين البعث (لَّا تَسْتَـْٔخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةًۭ وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)) فلِمَ تستعجلون هو آت لا محالة فإذا جاء الميقات والذي حدده الله، تبارك وتعالى، فلا تستقدمون عنه ولا تستأخرون عنه مقدار ساعة والساعة‫:‬ الطائفة من الزمان وليست ستون دقيقة كما نحسبها وإنما الساعة تطلق على الطائفة من الزمان ولو خمسة دقائق يطلق عليها الساعة فيه وقف (قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍۢ ) الكلام في الآية على صيغة التهديد والوعيد (قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍۢ لَّا تَسْتَـْٔخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةًۭ وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)).‬
‫أيها الأخ المسلم الأجل أجل مسمّى عند الله (وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۭ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًۭا ۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۢ بِأَىِّ أَرْضٍۢ تَمُوتُ ۚ ) [سورة لقمان آية‫:‬ ٣٤] والأجل إذا جاء لا يؤخر ولا يقدم‫:‬‬
‫وللطبيب علما يدلي به ما دام في أجل الإنسان تأخير‬
‫حتى إذا انقضت أيام مهلته حار الطبيب وخانته العقاقير‬
‫فحين بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، كان كفار مكة يسألون أهل الكتاب من اليهود وغيرهم وكانت مكة محط للقوافل وكان أهل المدينة من اليهود يذهبون إلى مكة فكان كفار مكة يسألون أهل الكتاب عن هذا الذي يزعم أنه نبي فكان أهل الكتاب في بداية الأمر يخبرونهم عن النعت بهذا النبي والصفة ويسألونهم أسئلة ليسألوه عنها فكان كفار مكة يفاجئون بانطباق النعت والصفة على محمد، عليه الصلاة والسلام، من ولد إبراهيم لا يأكل الصدقة ويأكل الهدية خاتم النبوة بين كتفيه مضروب أمور كثيرة فحين فوجئ كفار مكة بأن الكتب توافقت والأسئلة التي سُئلها محمد، عليه الصلاة والسلام، أجاب عنها بما هو متوقع من أهل الكتاب ازداد عنادهم وكفرهم فقالوا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه من كتب فينبئنا ربنا، تبارك وتعالى عنهم في سورة سبأ ويقول أن بين أن الرسالة كافّة عامة لكل الناس‫:‬‬‬‬
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَلَا بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لَوْلَآ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴿31﴾
‫(وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَلَا بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ ) أي ولا بالكتب السابقة أيضا والتي تحدثت عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وصفته ونعته رفضوا الإيمان بالقرآن وبالكتب أيضا (وَلَوْ تَرَىٰٓ) والكلام للنبي، صلى الله عليه وسلم، (وَلَوْ تَرَىٰٓ) سؤال محذوف الإجابة إجابته محذوفة ولو ترى إذ الظالمون، ولو ترى إذ المجرمون، ولو ترى إذ الكافرون، كل هؤلاء موقوفون عند ربهم للحساب مجموعون أمام الملك الوهّاب لرأيت شيئا هائلا فظيعا لا يتصوّر ولا يُتخَيّل (وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ) إذاً فهناك حوار هؤلاء يقولون ثم هؤلاء يردون عليهم القول وهكذا (يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لَوْلَآ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)) المستضعفين‫: الأتباع الذين استكبروا‫: الرؤساء فالدنيا دائما فيها التابع وفيها المتبوع في كل شيء فيقف الأتباع ويقف المتبوعون والجميع موقوف أمام الله لا فرق بن ملك ورعية أو كبير أو صغير أو أمير أو حقير أو غني أو فقير الكل موقوف في موقف الحساب (يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لَوْلَآ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)) إذاً يلقون باللوم على الرؤساء لولاكم ولولا تحريضكم ولولا أمركم ولولا خوفنا منكم (لَوْلَآ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)). وانظروا إلى كلام الرؤساء‫:
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوٓا۟ أَنَحْنُ صَدَدْنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم ۖ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ ﴿32﴾
‫(قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوٓا۟ أَنَحْنُ صَدَدْنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم ۖ ) سؤال إنكاري (أَنَحْنُ صَدَدْنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم ۖ ) واعترفوا بأنه هدى ولكنه حيث لا ينفع الاعتراف والإقرار (بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ (٣٢)) سباب وندم وحوار لو يعقله الإنسان لعلم أنه لا مَلِك إلا الله ولا نافع إلا الله ولا ضار إلا الله وهو المحيي وهو الميت وهو الرزاق ذو القوة المتين‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم في يوم القيامة يتبرأ الرؤساء من المرءوسين والمتبوعين من الأتباع ويقول الأتباع في ذلك الوقت‫:‬ (لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةًۭ فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا۟ مِنَّا ۗ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٦٧] (لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةًۭ) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٦٧] (لو) حرف امتناع امتنع عليهم العودة امتنعت عنهم وامتنعت عليهم‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم يوم القيامة سمي ذلك اليوم يوم التغابن يوم التغابن هذا من أخطر ما فيه التبرّي والعداوة والبغضاء ويود المرء يومئذ لو يفتدي من العذاب ببنيه وفصيلته التي تؤويه وبأمه وأبيه بل ومن في الأرض جمعيا ثم ينجيه الكل في عداوة الكل يلوم بعضه بعضا الكل في بغضاء وتناحر حوار غاية في السفالة والانحطاط، لا أحد يحمل عن أحد شيئا الكل يلقي باللوم والتبعة على الآخر حتى الأب مع ابنه، حتى الابن مع أبيه، يقول الابن لأبيه أضللتني لم تعلمني الصلاة لم تحدثني عن الله لم تنبهني عن يوم القيامة ماذا كنت تفعل وأنا صغير لم لم؟ ولم لم، ولم لم تفعل كذا وكذا، الزوج مع الزوجة تلومه لِمَ لم تأخذ على يدي؟ لِمَ لم تهددني؟ لِمَ لم تخاصمني وتهجرني في المضجع كما أمرك ربك حين عصيتك ولم أفعل ما تريد؟ لِمَ تركتني أخرج عارية في الطرقات لِمَ أهلكتني، حتى الإنسان مع نفسه يلوم نفسه وتلومه نفسه، (وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ ) [سورة فصلت آية‫:‬ ٢١] حتى مع الجوارح يسب الإنسان جوارحه ويعاتبها (لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ ) [سورة فصلت آية‫:‬ ٢١] فتتبرأ الجوارح من المسئولية وتقول (قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ ) [سورة فصلت آية‫:‬ ٢١].‬
‫أيها الأخ المسلم إن أردت أن تعصي الله، تبارك وتعالى، فاستتر عن الناس واستتر عن السماء واستتر عن الأرض واستتر عن عينيك وأذنك ويدك ورجلك ولسانك وجلدك إذا استطعت أن تستتر عن كل ذلك فاعص الله بما شئت هل يستطيع أحد أن يستتر عن نفسه عن جوارحه يختم الله على أفواههم ويقول‫:‬ (وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (٦٥)) [سورة يس آية‫:‬ ٦٥]، حتى الجلود تنطق حتى نفس الإنسان تلومه وتقول له ضيعتني أهلكتني أهلكك الله البعيد (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا (١٠)) [سورة الشمس آية‫:‬ ٩-١٠]، يوم التلاوم يوم التعاتب يوم التغابن يوم فظيع الكلام والأخذ والرد يرجع بعضهم إلى بعض القول ولذا لم يجاوب ربنا، تبارك وتعالى، على السؤال قال‫:‬ (وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ) ولم يجب أي لو ترى هذا اليوم لرأيت شيئا يفوق الوصف الخوف والهلع والرعب، أكل الناس كذلك؟ (ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ (٦٧) يَـٰعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٦٧ -٦٨ ]، هؤلاء هم الآمنون إذا فزع الناس المطمئنون إذا خاف الناس المتحابون في جلال الله في الدنيا المجتمعون على كلامه يظلهم الله بظل عرشه فلا تلاوم ولا تعاتب ولا إلقاء للتبعة بل هم في حبور وفي نظرة وسرور كل الناس يحشرهم يوم القيامة فردا فردا (وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْدًا (٩٥)) [سورة مريم آية‫:‬ ٩٥]، أحصاهم وعدّهم عداً المتحابون في جلال الله المجتمعون على كلامه أولياء الله (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدًّۭا (٩٦)) [سورة مريم آية‫:‬ ٩٦]، الود حين يفتقد الود ترى هؤلاء في الجحيم وفي السعير يصطرخون ويقولون‫:‬ (فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍۢ (١٠١)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ١٠٠-١٠١]، أين صداقة الدنيا؟ أين القربى؟ أين النسب؟ أين المحبة؟ أين الأخوة؟ كل ذلك يذهب ما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله قطع وانفصل ولكن الصداقة التي في الله والحب الذي هو في الله باق إلى يوم القيامة (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدًّۭا (٩٦)) [سورة مريم آية‫:‬ ٩٦]، (ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ (٦٧)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٦٧] تبقى لهم الخلة والصداقة والأخوة ويظلهم الله بظل عرشه فهم على منابر من نور يغبطهم الأنبياء ويغبطهم الشهداء من هؤلاء الذين هم على منابر من نور وما هم بأنبياء وما هم بشهداء من هؤلاء؟ هم المتحابون في جلال الله‫.‬‬
‫التلاوم الدنيا له نهاية ونهايته أن يتصالح المتلاومون أو يتقاضى المتخاصمون والتلاوم في الدنيا قد يكون سرا يعاتب الأخ أخاه، والصديق صديقه والتلاوم في الدنيا قد ينتهي بالنَصَف فينتصف المظلوم من الظالم بالتحكيم بالقضاء بارتداع الظالم عن ظلمه، والتلاوم في الدنيا أيضا قد ينتهي بالتباعد لا صلح ولا تصالح ولا ظالم ولا مظلوم فيشيح كل واحد منهما بوجهه عن الآخر فيتباعد الرجل عن عدوه وبتباعدهما تنتهي الخصومة، وقد يلجأ المظلوم إلى القاضي وإلى الحاكم وإذا لم يجد لديهما النصف لجأ إلى الله فأنصفه الله، تبارك وتعالى، في الدنيا أو أجّل له الإنصاف إلى يوم القيامة فدعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، أما التلاوم في الآخرة فليس فيه شيء من ذلك أولا التلاوم علنا وليس سرا ففيه الفضيحة، ثانيا لا يستطيع أن يتباعد المتلاومون عن بعض فهم مجموعون في مكان واحد محاطون بسور العظمة والملك والقدرة وليس هناك قضاء ولا حاكم هناك الواحد القهار، لا صلح ولا تصالح لا نصف ولا انتصاف لا تباعد ولا تجانب لا سر ولا إسرار، الفضيحة والعلانية وإظهار السوءات‫.‬‬
‫وهكذا تحدثنا آيات سورة سبأ والتي نحن بصددها وكما تبين لنا في الجمعة الماضية حيث يقول الله، تبارك وتعالى، يحدثنا عن تلاوم التابعين والمتبوعين حيث (يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لَوْلَآ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)) ألقوا عليهم الوِزْر حمّلوهم المسئولية وتخلصوا من مسئوليه كفرهم وصدّهم، وردّ عليهم الذين استكبروا الحكام الملوك الظلمة جبابرة الأرض أشراف الناس بالجاه والمال وليس بالأخلاق رد المستكبرون فقالوا مبكتين وموبخين مستفهمين استفهاما إنكاريا (أَنَحْنُ صَدَدْنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم ۖ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ (٣٢)) هم ينكرون عليهم ذلك يستفهمون هذا الاستفهام الذي ينكرون به عليهم مقالتهم وهم يقرون في استفهامهم بأن ما جاء به محمد، صلى الله عليه وسلم، هو الهدى حيث لا ينفعهم الإقرار حيث قالوا‫:‬ (أَنَحْنُ صَدَدْنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم ۖ ) ها هم يقرون بأنه هدى وقد كانوا ينكرون ذلك في الدنيا ثم أضربوا عن هذا الاستفهام الإنكاري سابين لهم مبكتين لهم مسيئين إليهم فاضحين إياهم حيث قالوا‫:‬ (بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ (٣٢)) أي أن الإجرام متأصل فيكم وما أضللنكم وما صددناكم بل أنتم صددتم من تلقاء أنفسكم للإجرام المتأصل فيكم (بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ (٣٢)).‬
‫ويعاودون الكلام وكما وصف ربنا، تبارك وتعالى، (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ) [سورة سبأ آية‫:‬ ٣١].‬
وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُۥٓ أَندَادًۭا ۚ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَجَعَلْنَا ٱلْأَغْلَـٰلَ فِىٓ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿33﴾
‫(وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ) المكر في كلام العرب‫:‬ الخديعة والاحتيال ومكر به يمكر وهو مكّار ونسب المكر إلى الليل والنهار والمكر ينسب إلى الماكر ليس إلى الليل فالليل ظرفت والنهار ظرف ونسب المكر إلى الليل والنهار لوقوع المكر فيه مبالغة في اتهامهم بأنهم لم يَدَعُوا لهم فرصة التفكير لحظة بل يمكرون بهم ويحتالون بهم ويخدعونهم آناء الليل وأطراف النهار كما تقول نهاره صائم والنهار لا يصوم وليلة قائم والليل لا يقوم ولكنها مبالغة في الكلام إذاً فهم يتهمونهم بأنهم لم يدعوا لهم فرصة لمراجعة أنفسهم (بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ) والمكر المستمر ليلا ونهارا وقرئت‫:‬ (بل مكرٌ الليلَ والنهارَ) (بل مكرُ الليلِ والنهارِ) (بل مكرَ الليلِ والنهارِ) وقرئت بمعنى آخر‫:‬ بل مكرُّ ومكرَّ بل مكرّاً بل مكرّ‘‘ الليل والنهار المكر من الكرور أي طال علينا الزمان ومرّ الليل والنهار ومرت الدنيا دون أن ندري ودون أن نفكر بل مرور الليل والنهار ونحن في هذا الصدود وأنتم في هذا الاحتيال والمكر الخديعة (إِذْ تَأْمُرُونَنَآ) ونسبوا إليهم الأمر إذاً لم يكن هناك نقاش أو جدال أو حجة أو برهان أو أخذ وعطاء في الكلام بل هو أمر المتبوع للتابع كما استخف فرعون قومه فأطاعوه، أوامر الحكام أوامر الرؤساء أوامر الظلمة أوامر الجبارين في الأرض الذين يعبدون من دون الله بطاعتهم دون طاعة الله (إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُۥٓ أَندَادًۭا ۚ ) الأنداد‫:‬ جمع الند والند والنديد الشبيه والمثيل والنظير، إذاً نسبوا إليهم أنهم أمروهم بالكفر فأطاعوهم وأمروهم أن يجعلوا لله أشباها ونظراء وقالوا المسيح بن الله عزير ابن الله الملائكة بنات الله الأصنام تشفع وتنفع وهكذا (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ) لا هروب ولا فرار لا تباعد ولا نهاية للتلاوم ولا فصل بينهم فالكل ظالم الآمر والمأمور التابع والمتبوع وحين رأَوْا العذاب وفتحت أبواب جهنم فرَأوْها وعاينوها (وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ ) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧١]، (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ) أسروا الندامة‫:‬ الندم والندم يشعر الإنسان بمنتهى الألم وموضع الندم غالبا في القلب والصدر ولكن قد يظهر الندم على أسارير الوجه وعلى تصرف الإنسان والندم لا يفيد لأن الندم يكون على أمر فات لا صلاح له، حين يقول‫:‬ (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ) تحمل معنيين لأن الكلمة من الأضداد تحمل المعنى وضده أسرُّوا:أخفوا أسرُّوا‫:‬ أظهروا والهمزة في دخولها على السر تفيد الإثبات كما تفيد السلب كما تقول أشْكيته جعلته يشكو وأشكيته أزلت شكواه، فالهمزة للإثبات والسلب إذا فكلمة (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ) أظهروها أو أسرُّوا الندامة أخفوها حتى لا يعبر بعضهم بعضا وحتى لا تكون الفضيحة الشديدة ويظهر الندم فأخفوا الندم في قلوبهم وكتموه زيادة في الإيلام لأن إظهار الندم والتأوه على ما فات قد يخفف بعض المصيبة فهؤلاء أخفوا الندم ولم يظهروه حتى لا يعبَّروا بذلك، أو أظهروا الندم أو (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ) أي ظهرت الندامة في أسارير وجوههم، ظهرت على الوجوه كما يظهر الفرح في أسارير الوجه ويظهر الحزن كذلك‫.‬‬
‫(وَجَعَلْنَا ٱلْأَغْلَـٰلَ فِىٓ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٣٣)) وفي الآية لفتة الكلام عنهم والضمائر قائمة (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ) وكان القياس (وجعلنا الأغلال في أعناقهم) فجاء بالمظهر بدلا من المضمر فقال‫:‬ (وَجَعَلْنَا ٱلْأَغْلَـٰلَ فِىٓ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ ) ولم يأت بالضمير على قياس الكلام تأكيداً على استحقاقهم للعذاب بكفرهم، أو انتهى الكلام عند قوله‫:‬ (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ) واستأنف الكلام بأنه جعل الأغلال في أعناق الكفار من كل مكان ومن كل زمان إذاً، فالكلام مختلف هؤلاء أسرُّوا الندامة وانتهى الأمر بشأنهم ثم يقول الله (وَجَعَلْنَا ٱلْأَغْلَـٰلَ فِىٓ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ ) في كل مكان وفي كل أمة وفي كل زمان إما هذا وإما ذاك، (وَجَعَلْنَا ٱلْأَغْلَـٰلَ فِىٓ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ ) والأغلال جمع غُلّ والغُل غير القيد، القيد تقيّد اليدين أو تقيّد القدمين القيد الرباط تربط به الأيدي أو الأقدام أما الغُل فهو الذي يجمع بين الأيدي والأعناق فتغل الأيدي والأعناق في غل واحد‫.‬‬
‫ويأتي السؤال الذي يحمل في طياته الإجابة (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٣٣)) نعم (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٤٦)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٦].‬
‫وتأتي التسرية والتسلية لسيد الخلائق، صلى الله عليه وسلم، فيقول الله أنت لست بدعا من الرسل إن كذّبك هؤلاء فقد كذِّبت رسل من قبلك وهكذا ديدن الكفار في كل زمان ومكان فيقول الله‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍۢ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ﴿34﴾
إذاً فهي تسليه للنبي، صلى الله عليه وسلم، لا تحزن على تكذيب قومك فقد كُذبت رسل من قبلك وما من رسول إلا وكذّبه المترفون من قومه المترفون‫:‬ أشراف الناس ذوي الجاه والمال في الدنيا والشرف في الدنيا وأهل الملأ كملأ فرعون الملأ دائما هم الذين امتلئوا بما يحتاجه الناس الذين تمتلئ قلوب الناس بالهيبة منهم، أهل الكِبْر أهل الافتخار والتفاخر أهل الغنى المطغي وقد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يتعوذ من الغنى الذي يطغي‫:‬ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غِنًى يُطْغِينِي، وَمِنْ فَقْرٍ يُنْسِيَنِي) فهؤلاء المترفون أطغاهم المال وأطغاهم الجاه، والمال والجاه إذا اجتمعا لرجل لا خلاق له لا دين له لا خُلُق له استخدم الجاه والمال في الشهوات وفي الظلم وفي تحصيل ما يمكن تحصيله من مباهج الدنيا وزخارفها فبنى القصور وركب الركائب واختال على الفقراء والناس‫:‬‬
‫(وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍۢ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ (٣٤)) [سورة سبأ آية‫:‬ ٣٤].‬
‫دون تفكير ودون مناقشة دون جدال دون نظر دون إمعان للفكر ولذا حين بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، اتبعه فقراء الناس والعبيد والإماء وحاربه أشراف مكة أهل المال والجاه والسلطان وما من نبي إلا وعومل بهذه المعاملة (قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ (٣٤)) الآية فيها الإفراد (وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍۢ مِّن نَّذِيرٍ) فقابل الجمع بالجمع (قَالَ مُتْرَفُوهَآ) جمع (إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ) للرسل جميعا (إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ (٣٤)) كفروا ولم يقتصر الأمر على الكفر ولكنهم علّلُوا هم أولا كفروا وأنكروا الرسالة وأنكروا بعثه الرسل ثم افترضوا جدلاً إن كان هناك إله وإن كان ما تقولوه حقا أيها الرسل فنحن لن نُعذَّب لأننا أكثر أمولا وأولادا‫:‬‬‬‬
وَقَالُوا۟ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَٰلًۭا وَأَوْلَـٰدًۭا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿35﴾
افتراض لو أن هناك عذاب كما تدعون فلن نعذب لسبب بسيط أننا أكثر أمولا وأولادا ولو كان الله الذي تزعمون أنه موجود لا يرضى عنا لكفرنا بكم ما منحنا المال وما رزقنا بالولد طالما كان لنا المال والجاه والولد إذاً فنحن على حق وأنتم على باطل لِمَ لمْ يمنحكم إلهكم المال لِمَ لمْ يمنحكم السلطان والجاه؟ لم جعلكم فقراء لم جعلكم محرومين (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَٰلًۭا وَأَوْلَـٰدًۭا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)) إن كان هناك عذاب، فهم أولا ينكرون العذاب ثم إن كان هناك عذاب فلن يكون من نصيبنا لأننا أكثر أمولا وأولادا دليل على أن من منح المال والولد في زعمكم يمنح لمن يحبه ولمن يرضى عنه فقد منحنا ولم يمنحكم إذا فهو يرضى عنا ولا يرضى عنكم تلك كانت حجتهم فرد الله عليهم آمرا الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، أن يبين أمرا في غاية الأهمية فقال‫:
قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿36﴾
الآية تقرر أمرا هاما وهو أن سعة الرزق أو ضيق الرزق يتعلق بمشيئة الله لا يتعلق برضا الله، تبارك وتعالى، أو بغضب الله، لا يتعلق برضا أو غضب، ولا يتعلق باستحقاق المرزوق وعدم استحقاق المحروم، وإنما الأمر متعلق بالمشيئة فقط والتي لا يعرفها إلا صاحب المشيئة (قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ) يبسط لهذا (وَيَقْدِرُ) يضيق الرزق لمن يشاء كذلك، متعلق بالمشيئة اختبار وامتحان، وليس متعلق بالاستحقاق أو الأفضلية أو بالرضا أو بالغضب (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)) لا يعلمون أن الأمر متعلق بالمشيئة ويظنون أن من أعطاه الله المال في الدنيا أو الولد فقد رضي عنه ومن حرمه من المال أو الولد فقد غضب عليه هؤلاء لا يعلمون أن الأمر متعلق بالمشيئة وليس متعلقا بالاستحقاق، فرّب فقير أشعث أغبر ذو تمرين إذا استأذن لا يؤذن له وإذا استنكح لا ينكح وإذا غاب لم يفتقد لو أقسم على الله لأبرّه، الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة والله لو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافر شربة ماء‫.‬ ثم يقرر الله أمرا في غاية الأهمية‫:‬‬‬‬‬‬‬
وَمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُم بِٱلَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰٓ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا۟ وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءَامِنُونَ ﴿37﴾
الزلفة‫:‬ القُربى، والزلفى مصدر أزلفه إزلافا إذاً فالمعنى وما أموالكم ولا أولادكم التي تزعمون أنها من أجل الرضا أو أنها تمنع عنكم العذاب أو أنها تنفعكم أو بالتي تقربكم عندنا تقريبا (إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا) المؤمن الذي يستخدم ما منحه الله، تبارك وتعالى، في رضا الله والذي يستخدم الأشياء التي خوّلها الله إياها فيما جعلت له هذا المؤمن الذي عمل صالحا آتاه الله المال فأنفقه في رضا الله وما ينفقه الرجل على نفسه صدقة طالما يكف نفسه عن السؤال وما ينفقه على عياله صدقة عمل صالح كل مال ينفق فيما يحب أن ينفق فيه المال فهو عمل صالح وكل ولد يربى على معرفة الله فهو عمل صالح وهنيئا لك إذا انتقلت إلى الدار الآخرة وخلّفت وراءك ولداً صالحا يدعو لك (إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا۟ وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءَامِنُونَ (٣٧)) الاستثناء قد يكون منقطعا وقد يكون متصلا قد يكون الاستثناء من كلمة تقربكم وبالتالي المعنى قد يكون أن من آمن وعمل صالحا يقربه إيمانه وعمله الصالح من الله، وقد يكون المعنى من آمن وعمل صالحا وكان في الدنيا من ذوي الأموال والأولاد نفعه ماله يوم القيامة ونفعه ولده يوم القيامة لأن المال يوم القيامة الذي أنفقه التقي الصالح في الدنيا في مرضاة الله موضوع يوم القيامة في ميزانه سطور في ديوانه والولد الذي رباه على طاعة الله وعلمه الصلاة والصيام دعا له وشب صالحا ونشأ في طاعة الله فأظله الله بظل عرشه شاب نشأ في طاعة الله بتربية أبيه فإن كان الولد في منزلة أعلى من منزلة أبيه رفع الأب إلى منزلة الابن ولا يظلم الابن شيئا، (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَـٰهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍۢ ۚ ) [سورة الطور آية‫:‬ ٢١]، ما أنقصناهم، إذاً فالمؤمن الذي يعمل صالحا في دنيا ينفعه ماله وينفعه ولده يوم القيامة، أما غير المؤمن فيقول‫:‬ (مَآ أَغْنَىٰ عَنِّى مَالِيَهْ ۜ ﴿٢۸﴾هَلَكَ عَنِّى سُلْطَـٰنِيَهْ (٢٩)) [سورة الحاقة آية‫:‬ ٢۸ - ٢٩].‬
‫(فَأُو۟لَـٰٓئِكَ) المؤمنون العاملون (لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا۟) (لهم جزاءً الضعف) (فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا۟ وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءَامِنُونَ (٣٧)) لهو جزاءُ الضعف لهم جزاءً الضِعفُ لهم جزاءٌ الضعفُ (لهم جزاءٌ الضعفُ) بدل (لهم جزاءُ الضعف) إضافة أي الجزاء الذي يجازونه يتضاعف الحسنة بعشر أمثالها ويزيد الله لمن يشاء (لهم جزاءً الضعف) تقديم وتأخير أي لهم الضعفُ جزاءً الضعف‫:‬ أضعاف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف بل ويضاعف الله فوق ذلك لمن يشاء يضاعف فقد تكون الحسنة بسبعة ملايين وبسبعة بلايين يضاعف الله لمن يشاء ولا يسأل عما يفعل (وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءَامِنُونَ (٣٧)) في الغُرُفة ، في الغُرْفَاتِ، في الغُرَفاتِ، في الغُرُفات قراءات وكلها واردة وصحيحة الغُرفة لأن الله في موضع آخر قال (أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٧٥]، أما الغرفة اسم جنس ليست مفرد والغرفات جمع وبالتالي فتصح القراءات، الغرفات أيها الأخوة والغرف وما أدراكم ما الغرف من در يرى باطنها من ظاهرها من زبرجد ومن ياقوت الغرفة الواحدة لا يصل إلى مداها بصر الإنسان في الدنيا، الغرفة الواحدة كأنها ماسة واحدة ياقوتة واحدة ليس فيها وصلات ليس فيها بناء أو أساس الغرفة درة مجوفة يرى ظاهرها من باطنها ولا يعلم مدى جمالها لا يعلم مدى حسنها لا يعلم مدى سعتها لا يعلم ما فيها إلا الله ويكفينا أن نسمع النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو يقول‫:‬ (أَهْلُ الْجِنَانِ يَنْظُرُونَ إِلَى أَهْلِ الْغُرَفِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا يَنْظُرُ أَهْلُ الدُّنْيَا إِلَى نُجُومِ السَّمَاءِ)، حتى الذين هم في الجنة لا يدرون عن أمر الغرف شيئا، وإنما يرونها من بعيد كما يرى أنت نجوم السماء في الدنيا فأؤلئك‫:‬ (يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةًۭ وَسَلَـٰمًا (٧٥)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٧٥] وهنا (فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا۟ وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءَامِنُونَ (٣٧)) آمنون من الحزن آمنون من الفزع حيث يفزع الناس آمنون من العذاب والأسقام والأمراض والأوجاع فليس هناك ألم ليس هناك مرض ليس هناك وجع لا يتغوطون ولا يتمخطون رشحهم أي عرقهم المسك أرأيت الورود والأزهار حين تمر في حديقة غناء بين الورود والأزهار في وقت الربيع وقت التفتح والازدهار أتشم رائحة عبير الورود أتشم أريج الأزهار هل ترى ما يخرج من الوردة أو من الزهرة؟ هل ترى شيئا؟ هذه الروائح المنبعثة منها هل ترى؟ هل تلمس؟ لا ترى ولا تلمس وإنما تشم هكذا رشح أهل الجنة والغرف رشحهم المسك‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴿38﴾
هؤلاء الذين يسعون في آياتنا معاجزين عاجزه فأعجزه‫: سابقه فأسبقه ظن أنه يفوت وأن الله لا يدركه وأن الله، تبارك وتعالى، لا يقدر عليه فسعى في آيات الله، تبارك وتعالى، محاولا إبطال البراهين والدلائل كمن قال من كفار مكة أن محمدا يحل ذبيحة نفسه ويحرم ذبيحة الله وتوحي الشياطين إليهم ليجادلوا المؤمنين بالباطل ليدحضوا به الحق هؤلاء الذين يسعون في آيات الله معاجزين في العذاب محضرون ظنوا أنهم معجزين سابقين فائتين لن يدركهم الله فيبين ربنا، تبارك وتعالى، أنهم محضرون أينما كانوا يأت بهم الله جميعا ثم يقول الله، تبارك وتعالى، مؤكدا ومنوِّعا للكلام فيقول‫:
قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥ ۚ وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ﴿39﴾
‫(قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥ ۚ ) بعض العلماء وبعض الناس ظنوا أن الآية مكررة فمنذ آيتين قال الله، تبارك وتعالى‫:‬ (قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ) [سورة سبأ آية‫:‬ ٣٦] وهنا قال‫:‬ (قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥ ۚ ) وليس في الآيات تكرير أبدا هناك (يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ) [سورة سبأ آية‫:‬ ٣٦]، الأمر متعلق باثنين هذا مبسوطٌُ له في الرزق وهذا مقدّر عليه في الرزق، فذاك غني وذاك فقير، أما هذه الآية فهي متعلقة بشخص واحد (قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥ ۚ ) له‫:‬ لهذا الذي ببسط له الرزق فيبين لنا ربنا، تبارك وتعالى، أن الغني ليس أبديا وأن الفقر ليس أزليا بل قد يغتني الإنسان ويرزقه الله، تبارك وتعالى، ويوسّع له ويبسط له في الرزق تارة ويضيّق عليه تارة، ودوام الدنيا من المحال إن أعطتك يوما أخذت منك أياما وإن أضحكتك يوما أبكتك أياما، فاتقِّ الله أيها الغني اتق الله فالمال غير مضمون ربنا يبسط تارة ويقدر عليك تارة فالآية ليس فيها تكرير، هناك يبين أن هناك أغنياء وهناك فقراء يبسط لهؤلاء ويقدر على هؤلاء يضيق على هؤلاء ويوسع على هؤلاء، أما ها هنا فيبين لك أنك إن كنت فقيرا فأمل في التوسعة فقد يوسّع ربنا لك الرزق وإن كنت غنيا فاحذر فقد يسلب ربنا منك ما منحك، ويأتي ختام الآية غريبا ملفتا للنظر (وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ (٣٩)) الختام غريب هناك قال (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)) وهنا يقول (قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥ ۚ ) ثم يقول‫:‬ (وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ (٣٩)) وكأنه يقول للغني إذا سمعت الآية وخفت ودخلك الرعب أن يمنع عنك ما أعطاك الله أو تتحول من الغنى إلى الفقر أو من البسط إلى الضيق أو من عدم الاحتياج إلى الحاجة ثق أنك إن أنفقت زادك الله وأعطاك فإن كنت تخشى الفقر من الآية (رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥ ۚ ) فإن أردت ألا يقدر عليك ويظل البسط لك وتظل الأرزاق بين يديك أنفق حيث أمرنا النبي، صلى الله عليه وسلم، وقال‫:‬ (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِي أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ)، (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا‫:‬ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا)، التلف‫:‬ يمسك فإذا بالأمراض والأسقام والأوجاع وما كان ينفقه على الفقراء أنفقه على الأطباء والدواء، (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٨٠] التلف في الأولاد لا يصلحون ولا ينجحون، التلف في البناء، التلف في الأشياء التلف في الملابس بصفة مستمرة لا بركة هناك وبصفة مستمرة ينفق فيا لا يجدي فيه الإنفاق (أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ)، (أَنْفِقْ يَا بِلالُ وَلا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلالا) (وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ ) يأتيكم بمثله ويزيد (وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ (٣٩)) هل هناك رازق غير الله؟ حاشا وكلا، لم يقول (وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ (٣٩)) ؟ لأن الناس تعتقد أن الأب يرزق أبناءه وأن صاحب المصنع يرزق عماله وأن الأرض ترزق صاحبها وهكذا، فيقول الله، تبارك وتعالى، أنه خير الرازقين لأن الرازق في الدنيا أي العاطي إذا ظهر من حيث الظاهر أنه رازق وعاط فهو العاطي بواسطة هو واسطة والعاطي هو الله وكل رازق في الدنيا مهما رزق من ماله فماله ينفذ وما عند الله باق خزائنه لا تنضب فهو خير الرازقين لأنه كلما رزق كلما زادت الخزائن وما نقصت (وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ (٣٩)) لأنه يرزق بغير مقابل ويرزق بغير نضوب ولا نفاذ لما عنده من خزائن ويرزق بغير حساب ويرزق بواسطة وبغير واسطة فالطيور لا تزرع ولا تحصد من يطعمها؟ والنمل كيف خزن طعامه وليس للنمل كاتب أو حاسب؟ هو الله (وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ (٣٩)) وحين يقول الله يبين لك ويتضح لك أمران‫:‬‬
‫الأمر الأول أن ما من نفقه ينفقها العبد على نفسه على أهله أو على عصمة نفسه أو على الاستمتاع بالمتع الحلال إلا وهي في سبيل الله إلا وهي مخلوفة أمر واحد في الإنفاق لا يخلف أبداً وهو الإنفاق في المعاصي، الإنفاق في عصيان الله أو الإنفاق في التطاول في البنيان أو الإنفاق في التفاخر والتكبر على الناس، أما الإنفاق في الحاجات الضرورية للإنسان الإنفاق للأهل للأطفال للعيال كل ذلك مخلوف عليك، وإذا احتسبت ما تنفقه في بيتك صدقة كتبت لك صدقة كما لو كنت أعطيتها لفقير ومسكين ومحتاج وأخلف الله عليك ونبينا، صلى الله عليه وسلم يقول‫:‬ (وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِيّ امْرَأَتِكَ) صدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم وصدق ربي حيث يقول‫:‬ (وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ (٣٩)).‬
‫فيقول الله مذكرنا بيوم القيامة مستحضرا لهيئة الحشر حيث جاء بصيغة المضارعة يقول الله، تبارك وتعالى:
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ أَهَـٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ﴿40﴾
‫(يحشرهم جميعا) (نحشرهم) قراءتان، (يقول) (نقول) قراءتان، (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا) التابعين والمتبوعين الكبراء ومن تبعهم (ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ أَهَـٰٓؤُلَآءِ) الموقوفون للحساب والعقاب والأغلال في أعناقهم (أَهَـٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ (٤٠)) حيث زعموا أن الملائكة بنات الله وقدموا لها القرابين، وزعموا أنها تشفع فيسأل ربنا الملائكة والملائكة أهل للخطاب فجاء بهم وسألهم وهم أشرف المعبودين في نظر الكفار، فالملائكة أشرف من الأصنام وأشرف من الأوثان وأشرف من البشر، فجاء بأشرف المعبودين في نظر الناس وأوقفهم للسؤال كما أوقف عيسى‫: (ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ ) [سورة المائدة آية‫: ١١٦]، السؤال للتبكيت وللتوبيخ لهؤلاء السفهاء الجهلاء الذين جعلوا مع الله شركاء يسأل ربنا الملائكة (أَهَـٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ (٤٠)) فترد الملائكة‫:
قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ۖ بَلْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ ۖ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ﴿41﴾
‫(قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ) إسراعاً منا في تنزيهك عما لا يليق بجلالك وكمالك لأن السبحان من السباحة والسباحة‫: السير بسرعة في الماء أو الهواء فكأن القائل‫: (سبحانك) أي يقول إسراعا مني يا رب في تنزيهك عما لا يليق بجلالك وعظيم سلطانك (أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ۖ ) ذاك هو الجواب الأول سبحانك التنزيه ثم قالوا مقرين بالعبودية (أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ۖ ) أي أنت ربنا تتولى أمرنا ونحن يا ربي نعبدك ولا نعبد سواك أنت ولينا من دونهم فلا موالاة بيننا وبينهم في الدنيا ولا موالاة في الآخرة (أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ۖ ) ثم أضربوا عن هذا الكلام وقالوا مبينين أن هؤلاء كانوا مخدوعين فقالوا‫: (بَلْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ ۖ ) لا يعبدوننا على الحقيقة (بَلْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ ۖ ) أي الشياطين والمردة لم يعبدوا الملائكة هم زعموا ذلك أنت ولينا ونحن عبيدك لا نعصيك فيما أمرتنا ثم أضربوا عن هذا الكلام وقالوا حقائق مقرين بأن هؤلاء كانوا يعبدون الشياطين فأطاعوا الشياطين فيما أمروهم (أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ (٤١)) أي أكثر هؤلاء المشركين مؤمنون بالجن أي بالشياطين وبالمردة‫:
فَٱلْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍۢ نَّفْعًۭا وَلَا ضَرًّۭا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿42﴾
‫(فَٱلْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍۢ نَّفْعًۭا وَلَا ضَرًّۭا) الكلام من الله، تبارك وتعالى، أو ممن أمرهم الله بالكلام الملائكة المقربين (لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍۢ نَّفْعًۭا وَلَا ضَرًّۭا) لأن الملك يومئذ لله (لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ (١٦)) [سورة غافر آية‫:‬ ١٦]، فإن كان البعض يملك للبعض نفعا أو ضرا في الدنيا ففي يوم القيامة لا يملك أحداً لأحدٍ شيئا (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌۭ لِّنَفْسٍۢ شَيْـًۭٔا ۖ وَٱلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍۢ لِّلَّهِ (١٩)) [سورة الانفطار آية‫:‬ ١٩].‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ يوم القيامة التلاوم وكما قلنا من قبل (ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ (٦٧)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٦٧] التلاوم في الآخرة أمر غاية في الصعوبة غاية في المشقة يفر المرء من أبيه من أمه وبنيه من صاحبته وفصيلته التي تؤويه بل ويود المجرم لو يفتدي يومئذ بمن في الأرض جمعيا ثم ينجيه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم النجاة النجاة النجاة في العمل المؤنس في القبر العمل الشفيع عند الله العمل وإن كان هناك شفاعة يشفعون لمن يأذن ربنا، تبارك وتعالى، لهم في أن يشفع فيهم فهؤلاء المشفوع فيهم استحقوا الشفاعة بالعمل، فلا يشفع النبي، صلى الله عليه وسلم، لكافر لا يمكن أن يشفع لكافر لأنه نهى عن الاستغفار للكفار في الدنيا (مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ (١١٣)) [سورة التوبة آية‫:‬ ١١٣]، وكذلك الابن لأبيه (وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍۢ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّۭ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ ) [سورة التوبة آية‫:‬ ١١٤].‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ العمل الصالح الكلمة الطيبة صدقة إماطة الأذى عن الطريق لك صدقة أن تلقى أخاك بوجه باسم لك صدقة، الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، أيها الأخ المسلم احرص على العمل الصالح كما تحرص على الدنيا أنت تحرص على جمع المال وتحرص على تربية الأولاد وتحرص على إيجاد الوظائف الملائمة لهم أو العمل الصالح لهم فاحرص لهم على ما ينفع ويبقى، احرص لأولادك على الدار الآخرة علمهم الدين علمهم الخوف من الله، ذكرهم بأيام الله‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم الله الله والله ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار فانظر لنفسك أيها تختار‫.‬ يقول الله، تبارك وتعالى:
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ قَالُوا۟ مَا هَـٰذَآ إِلَّا رَجُلٌۭ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ وَقَالُوا۟ مَا هَـٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌۭ مُّفْتَرًۭى ۚ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿43﴾
‫(وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا) إذا تليت الآيات البينات الواضحات التي لا مراء فيها ولا شك (قَالُوا۟ مَا هَـٰذَآ إِلَّا رَجُلٌۭ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ) ذاك طعن في النبي، صلى الله عليه وسلم، ما هو إلا رجل، رجل كباقي الرجال يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ولولا أنزل ملك ليكون معه نذيرا وكيف يكون رسول وهو يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وينكح النساء هو رجل كباقي الرجال ونسوا أن التفضيل بتفضيل الله وأَلاَّ فضل لأحد إلا بتفضيل الله وأنه وإن كان رجلا إلا أنه يُوحَى إليه ذاك هو الفضل الوحي (قَالُوا۟ مَا هَـٰذَآ إِلَّا رَجُلٌۭ يُرِيدُ) بكلامه وبادعائه النبوة (أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ) وبالتالي يستتبعكم تصبحون له أتباعا بما ابتدعه من شرع وبما ابتدعه من دين وبما ادّعاه من رسالة، (يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ) من الأوثان والأصنام والملائكة وما إلى ذلك فستتبعكم إلى دين جديد وتصبحون له تبعا، إذاً فهو طالب جاه طالب سلطان (وَقَالُوا۟) في القرآن (وَقَالُوا۟ مَا هَـٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌۭ مُّفْتَرًۭى ۚ) من حيث المضمون‫:‬ الآيات والتي سيقت في سورة سبأ كلنا سمعناها وتبيناها (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ) [سورة سبأ آية‫:‬ ٢٤]، هو الله الآيات التي سيقت كلها في القرآن ادّعَوْا من حيث المضمون أنها إفك، الإفك قلب الشيء قلب الحقائق الإفك‫:‬ الكذب، أشد أنواع الكذب الإفك‫:‬ الشيء المصروف عن وجهه (وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ (٥٣)) [سورة النجم آية‫:‬ ٥٣]، المقلوبة قرى لوط، أفك الشيء قلبه، فقالوا في القرآن من حيث المضمون أن الله، تبارك وتعالى، رب السموات والأرض وأنه الرازق ولا شفاعة إلا لمن ارتضى وأن هذه الأصنام ما لها من شرك وماله منهم من ظهير ولا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض في كل هذه الآيات والمعاني قالوا هذا إفك كذب مفترى مختلق جاء به واختلقه ونسبة إلى الله، إذاً فقد طعنوا في شخصه ثم طعنوا في القرآن في مضمونه، أما بالنسبة للفظ وجمال النظم وقد كانوا أهل اللغة وأساطين البيان وأرباب الشعر (إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً) كانوا كذلك فجاء القرآن بلفظ ونظم لم يعهدوه من حيث اللفظ والنظم (وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ) القرآن (إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ (٤٣)) لجمال اللفظ ولحسن النظم ولعجزهم عن الإتيان بمثله قالوا هذا سحر لا يقوى عليه إلا ساحر ولا يستطيع أن يأتي بهذا اللفظ والنظم إلا ساحر، وكلمة (لَمَّا جَآءَهُمْ) تفيد أنهم لم يعملوا العقل أو التفكير تفيد المبادأة بالتكذيب لما جاءهم الحق فورا بمجرد سماعهم للآيات قالوا‫:‬ (إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ (٤٣)) دون أن يعملوا الفكر دون أن يعملوا العقل دون أن ينصتوا ويتفهموا الكلام ويستشعروه‫.‬‬
‫ويبين ربنا، ربنا تبارك وتعالى، أنهم يقولون هذا رجما بالغيب بالظن لا دليل ولا برهان ولا حجة ولا إعمال للعقل ولا إعمال للفكر لا دليل لديهم فيقول‫:
وَمَآ ءَاتَيْنَـٰهُم مِّن كُتُبٍۢ يَدْرُسُونَهَا ۖ وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍۢ ﴿44﴾
هل عندكم كتاب؟ إيتوني بكتاب يبيح لكم عبادة الأصنام أو يقول أن الأصنام تشفع وتنفع هل لديكم كتاب آخر من الله تواجهون به كتابي الذي جئت به؟ هل لديكم كتاب من قبل منزل من السماء فيه دليل على شبهكم، فيه طعن على القرآن فيه كلام يخالف هذا الكلام فيه تأييد لعبادة الأصنام وتقليد الآباء (وَمَآ ءَاتَيْنَـٰهُم مِّن كُتُبٍۢ يَدْرُسُونَهَا ۖ ) ليس هذا فقط بل (وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍۢ (٤٤)) طالما ليس عندكم كتاب وطالما لم يأتكم رسول لا رسول يهدي إلى الحق ولا كتاب يبين، من أين جئتم بهذا الكلام (إِفْكٌۭ مُّفْتَرًۭى ۚ ) (رَجُلٌۭ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ) (إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ (٤٣)) أي دليل؟ أي برهان من كتاب أو من رسول سبق‫.‬‬
‫ثم يأتي التهديد والوعيد‫:‬‬‬‬
وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا۟ مِعْشَارَ مَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ فَكَذَّبُوا۟ رُسُلِى ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴿45﴾
‫(وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) فهو تهديد ووعيد لهم وتسرية للنبي، صلى الله عليه وسلم، فقد كذّبت الأمم من قبل وصبرت الرسل على ما كُذَِّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا، كذب الذين من قبلهم (وَمَا بَلَغُوا۟ مِعْشَارَ مَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ فَكَذَّبُوا۟ رُسُلِى ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)) الذين كذّبوا من قبلهم من قبل كفار مكة أمم وأمم كثيرة (وَمَا بَلَغُوا۟) ما بلغ كفار مكة (مِعْشَارَ مَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ) عشر ما آتيناهم الأمم السابقة من المال والجاه والقوة والسلطان والولد، كفار مكة أضعف وأقل عددا وهم في بلد لا زرع فيها ولا ضرع يعتمدون على التجارة وعلى القوافل وما إلى ذلك (وَمَا بَلَغُوا۟ مِعْشَارَ) المعشار‫:‬ العُشر وقيل بل المعشار عشر العشر ما بلغ كفار مكة عشر ما أوتوا الذين من قبلهم، وهؤلاء رغم ما أتوا من قوة كعاد وثمود أهلكهم الله ودمرهم حين كذبوا الرسل (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)) أي نكيري والنكير بمعنى الإنكار كيف كان إنكاري عليهم أنكر الله عليهم التكذيب فما فعل؟ دمرهم وأهلكهم نلك عاد وتلك ثمود وتلك قرى لوط يمرون عليها في الشتاء والصيف في تجاراتهم، (وَمَا بَلَغُوا۟ مِعْشَارَ) وقد يكون المعنى أن الذين من قبلهم ما بلغوا معشار ما آتينا كفار مكة بالعكس ما الذي أخذه كفار مكة؟ برهان وقرآن ونور ومحمد، عليه الصلاة والسلام، أي أن الله أهلك الأمم السابقة ولم يكن أعطاهم عشر ما أعطى أمة محمد من الدلائل ومن البراهين والآيات البينات الواضحات العشر ومع هذا ورغم أنهم لم يؤتوا عشر ما أوتي هؤلاء من الدلائل والبراهين وآيات تتلى آناء الليل وأطراف النهار ورسول بهم رءوف رحيم يدعو لهم ويدعوهم ويبين لهم ويجادلهم رغم هذا أهلكهم الله لأنهم كذّبوا الرسل، فكيف يأمن كفار مكة (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)) السؤال بلا جواب أنت تعرف الجواب أنت ترى قرى لوط وعاد وثمود ومن قبل ترى ماذا فعل بهم كيف كان إنكار الله عليهم أنكر عليهم بالتدمير وبالخسف (فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًۭا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ ) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٤٠].‬
‫ثم يتوجه الخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، كي يعاود الوعظ والنصح فيقول‫:‬‬‬‬‬
قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌۭ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍۢ شَدِيدٍۢ ﴿46﴾
‫(قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ ۖ ) وقْف إن وقفت، ما هي هذه الواحدة، ثانيا ما هي هذه الكلمة؟ (لا إله إلا الله) ولا نعبد إلا إياه لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فهو يدعوهم إلى الله لا يدعوهم إلى نفسه لا يدعوهم ليملكوه عليهم أو يعطوه مالا أو يعطوه جاها هو يدعوهم إلى الله (قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ ۖ ) أي أرشدكم وأنصحكم بكلمة واحدة أن تقولوا لا إله إلا الله كما قال لعمه وهو على فراشة الموت‫:‬ (يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ) كلمة (قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ ۖ ) وقف ثم يستأنف الكلام (أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ ۚ ) أي عليكم أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا، وإن وصلنا القراءة كما وصلها القارئ (قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ) المعنى أعظكم وأنصحكم بخصلة واحدة هي أن تقوموا لله، والقيام هنا ليس ضد العقود والقيام هنا أي قام بالأمر كما قال‫:‬ (وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ١٢٧] أي أن تقوموا على أمورهم، فالقيام هنا بمعنى القيام لله القيام بالأمر القيام بالتفكير القيام بإعمال العقل، أعظكم بخصلة هذه الخصلة أن تقوموا لله مخلصين في طلب الحق والحقيقة، مثنى وفرادى كل لوحده بمفرده يتفكر مع نفسه مبتغيا للحق طالبا للحقيقة أو اثنان اثنان يتحاوران ويتناقشان (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ ) والجِنَّة‫:‬ الجنون وجنَّ الشيء : غطّاه وسميت الجن جنا لأنها لا ترى وسمي المجنون كذلك لأن العقل قد غطي، الجُنّ: الغطاء والمِجنّ: الترس يتترس به المقاتل يغطي بها صدره، هو يقول‫:‬ (إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ ۚ ) وقف، تتفكروا في القرآن تتفكروا في هذا الرسول تتفكروا فيما يدعوكم إليه تتفكروا في السموات وفي الأرض ومن أين يأتيكم الرزق، تتفكروا في الآيات التي سيقت ماذا يأمركم؟ بما يأمركم؟ ماذا ينهاكم؟ ماذا يطلب؟ ماذا يريد؟ هل جربتم عليه كذبا من قبل، هل جربتم عليه كذبا قط إن كان يدع الكذب على الناس فهل يكذب على الله، هل يطلب ملكا أو مالا أو جاها؟ تفكروا ثم ينشئ القراءة (مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ ) "ما" نافية تنفي الجنون عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حيث رموه به (مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ ) أي ليس به جنون وإن وصل (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ ) القراءة تصبح "ما" استفهامية وليست نافية بمعنى تتفكروا هل بصاحبكم من جنون، إذاً التفكر في شخصية هذا الرسول كيف كان راجح العقل أنسيتم حين اختلفتم على من يضع الحجر الأسود مكانه وكادت القبائل تقتتل وتسيل الدماء فحكم بينكم برجاجة عقله فوضع الحجر في كسائه ثم حملته القبائل جمعيا كل قبيلة من طرف ثم أخذه فوضعه مكانه، رجاحة العقل هل جربتم عليه اختلاط العقل أو السفه أو الجنون؟ (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ ) استفهام هل في صاحبكم شبهة جنون، إن وصل القراءة، إن وقف القراءة فالنفي قائم ما بصاحبكم من جنة (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌۭ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍۢ شَدِيدٍۢ (٤٦)) تقرير الحق من الله (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌۭ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍۢ شَدِيدٍۢ (٤٦)) (بَيْنَ يَدَىْ) قدام قبل (عَذَابٍۢ شَدِيدٍۢ (٤٦)) لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، من علامات الساعة، وقد قال هو عن نفسه‫:‬ (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ ) وقرن بين إصبعيه إذاً فهو (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌۭ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍۢ شَدِيدٍۢ (٤٦)) عذاب يوم القيامة ليس به جنون إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد‫.‬‬
‫ثم يقول النبي، صلى الله عليه وسلم، لهم بأمر الله‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍۢ فَهُوَ لَكُمْ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌۭ ﴿47﴾
‫(قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍۢ فَهُوَ لَكُمْ ۖ ) "ما" موصولة بمعنى‫: الأجر الذي سألتكم، هذا الأجر الذي سألتكم إياه هو لكم وليس لي، هل سألهم أجرا نعم قال لهم‫: (قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًۭا (٥٧)) [سورة الفرقان آية‫: ٥٧]، فإذا كان الأجر هو أن تتخذ إلى ربك سبيلا إذاً فالأجر لك وليس لي، (قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍۢ فَهُوَ لَكُمْ ۖ ) إذا اعتبرتم أن ذلك هو الأجر المطلوب فهو لكم إذاً "ما" هنا من حيث الإعراب موصولة ويمكن أن تكون "ما" هنا نافية والمعنى (قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍۢ ) لم يحدث أنى سألكم من أجر من حيث المال أو الجاه أو الملك هل سألهم أجرا؟ أبدا وإنما دائما يقول أجري على الله، لم يحدث أني سألتكم أجرا يوما من الأيام (قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍۢ فَهُوَ لَكُمْ ۖ ) إنما الأمر أن من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه إنما الأمر أن الأجر لكم إن آمنتم وصدقتم واتبعتم وأطعتم (إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۖ ) كلمة وكلمة الأولياء والعلماء الراسخون من بعد الرسل ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يوّرّثوا درهما ولا دينار وإنما ورثوا علما، فمن ورث النبوة أي ورث علم النبوة أي ورث العلوم هذا الذي ورث بحق لا بد وأن تكون مقالته ما أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الله لا يبتغي إلا وجه الله، لا يبتغي شهرة ولا جاه ولا مال ولا سلطان ولا ارتزاق وإنما يبتغي وجه الله (وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌۭ (٤٧)) شهيد‫: حاضر ناظر يرى ويسمع لا تفوته فائتة ولا تغيب عنه غائبة شهيد عليكم وعلينا شهيد على كلامي وعلى كلامكم شهيد على دعوتي وعلى صدكم شهيد على أفعالنا وأقوالنا ثم يجازينا كل بحسب عمله‫.
قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ ﴿48﴾
‫(قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ) تحمل ثلاثة معان يقذف بالحق‫:‬ يوحي ما يشاء على من يشاء يوحي لمن يشاء بما شاء إذا ربنا، تبارك وتعالى، يقذف بالحق أي بالقرآن وبالوحي كيف شاء على من يشاء هو الذي يصطفي الرسل ويختار الأنبياء أيضا (قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ) أي يرمي الباطل بالحق فيدمغه فإذا هو زاهق، أيضا هناك معنى ثالث وهي بشرى للمسلمين (قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ) إذاً هي بشارة لأن الإسلام سوف يعمّ الأرض جميعا لأن الله يقذف بالحق إذاً فهو ينشره في كل مكان فهي بشرى لأمة النبي، صلى الله عليه وسلم، بانتشار الإسلام (عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ (٤٨)) علاّمُ علاَّمَ قراءتان الغيوب، وقرئت‫:‬ الغَيوب الغِيوب بكسر الغين وقرئت‫:‬ الغَيُوب، الغَيوب الغِيوب جمع غيب فربنا، تبارك وتعالى، علام الغيوب، إذا ما من شيء غائب إلا وربنا يعلمه، ما من شيء آت إلا وربنا يعلمه، الغيوب‫:‬ كل ما غاب وسمي غيبا ماضيا أو حاضرا أو مستقبلا كان أو يكون أو هو كائن إلا وربنا يعلمه يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء، ويسمع دبيبها على الصخرة الصماء، ربنا علام الغيوب إذا قرئت‫:‬ (علام الغيوب)، الذي اشتد اختفاؤه، وعظم خفاؤه مبالغة الغيوب مبالغة للغيب إذاً فهو علام أي ما خفي مهما كان في بطن الأسماك في أعماق المحيطات في اللآلئ في الأصداف في باطن الأرض في جوف السماء أينما كان هذا الغائب فربنا، تيارك وتعالى، يعلمه كما يعلم المشاهد‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴿49﴾
‫(قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ) أي جاء محمد بالحق أو جاء الحق‫:‬ جاء القرآن جاء الإسلام جاء الحق من الله (وَمَا يُبْدِئُ ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)) "ما" هنا أيضا قد تكون للنفي، جاء الحق، الحق من الله (وَمَا يُبْدِئُ ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)) الباطل‫:‬ الأصنام، الباطل‫:‬ ما عبدوه من دون الله الباطل‫:‬ الشيطان ما يبدئ شيئا وما يعيده لا يخلق ولا عبث ولا يرزق ولا يأتي بليل ولا يأتي بنهار ولا يبدأ ولا يعيده والله هو المبدئ المعيد يأتي بالليل والنهار والشمس والقمر بحسبان وكل في فلك يسبحون وتموت أناس وتولد أناس وهكذا، يبدئ الخلْق ثم يعيده وهكذا ترى الأرض تنبت الزرع ثم يحصد الزرع وكأن الأرض لم تنبت من قبل ثم إذا بالنبات يبدأ من جديد وهكذا تثمر الشجرة وتحصد وتجمع ثمار الشجرة وتصبح الشجرة بلا ثمار وفجأة تخرج الثمار مرة أخرى من نفس الشجرة هو المبدئ المعيد (وَمَا يُبْدِئُ ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩))، نفي وقد تكون للاستفهام والمعنى ويقف في القراءة، ما يبدئ (وَمَا يُبْدِئُ ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩))؟ دلوني ما الذي يبدؤه الباطل وما الذي يعيده؟ هذا هو الحق (جَآءَ ٱلْحَقُّ) فهل يُبدئ الباطل وهل يعيد؟ استفهام لا يحتاج لجواب لأن الجواب معلوم ومعروف (قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)) وصلا ووقفا يتغير المعنى "ما" موصولة "ما" استفهامية وهكذا ترى أن القرآن معجز حتى للعلماء يتغير الإعراب ويتغير الإعراب يتغير المعنى ولا يعلم تأويله إلا الله، ويأتي يوم القيامة بكرا لم يفض رغم كلام العلماء وشرح الشراح وكلام المفسرين، كل ما قيل شيء، والتأويل الحقيقي شيء آخر وصدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حيث يقول‫:‬ (يَأْتِي الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِكْرًا لَمْ يُفَضُّ)، نعم ما يعلم تأويله إلا الله، الراسخون في العلم يقولون آمنا به فإنما نحن نشرح ونحاول أن نبين معاني الألفاظ واختلاف الإعراب وقد يختلف المعنى بالوصل والوقف وقد يختلف المعنى أيضا باختلاف الإعراب فإن وقف أو إن وصلت يختلف المعنى‫.‬‬
‫ثم يقول حجة أخرى غاية في النصاعة‫:‬‬‬‬
قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى ۖ وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِىٓ إِلَىَّ رَبِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌۭ قَرِيبٌۭ ﴿50﴾
‫(قُلْ إِن ضَلَلْتُ) قل إن ضَلِلْتُ قراءة ضَلِل من أَضَلُّ ضَلِلْتُ ضَلَلْتُ أَضِلُّ (قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى ۖ وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِىٓ إِلَىَّ رَبِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌۭ قَرِيبٌۭ (٥٠)) يقول النبي، صلى الله عليه وسلم، لهم أمرين‫:‬‬
‫الأمر الأول أن الله يقذف بالحق ويأتي بالبرهان والدليل الساطع على وجود الله وقدرته وتصريفه وتدبيره، وضلال من ضل لا يبطل الحجة أيا كان الضال (إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى ۖ ) ولا يبطل ضلالي الحق الذي قذفه الحق سبحانه (قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ) [سورة سبأ آية‫:‬ ٤٨]، وإن ضللت فلا يبطل ضلالي الحق الذي جاء من الله تبارك وتعالى، (إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى ۖ ) أيضا معنى آخر تفيده الآية أن من ضل ضلّ بنفسه الأمّارة بالسوء ضلّ بذاته لم يضله الله بل هو ضل لأن نفسه أمّاره بالسوء (قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى ۖ ) عليّ جزاء ووزر ضلالي وهذا الضلال أنا المسئول عنه ولا أحد سواي، أما إن اهتديت فليس بنفسي وليس بذاتي وليس بعقلي وإنما بفضل الله، إن ضلّ الضال فضلاله بنفسه على نفسه وإن اهتدى المهتدي فبهدى الله وذلك هدى الله يهدي به من يشاء لذا يقول النبي، صلى الله عليه وسلم‫:‬ (قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى ۖ وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِىٓ إِلَىَّ رَبِّىٓ ۚ ) إذاً فينسب الضلال إلى العبد وينسب الهدى إلى الله (إِنَّهُۥ سَمِيعٌۭ قَرِيبٌۭ (٥٠)) سميع يسمع الله، تبارك وتعالى، كل شيء يسمع الأصوات ولا تختلف عليه اللغات وكل صوت في هذا الوجود مهما تزاحمت الأصوات ومهما اختلطت الأصوات واختلفت اللغات يسمع ربنا، تبارك وتعالى، الكل بالكل يستوي في كمال سمعه الأصوات وسمع الله، تبارك وتعالى، سمعا لا يعرفه إلا السميع لأنه حين يسمع لا يسمع بأذن لا يسمع بأصمخة وآذان وليس هناك انتقال للأصوات وإنما يسمع ربنا، تبارك وتعالى، بسمع يتكشف به كمال التفريق بين المسموعات هو السميع، وليس السمع للأصوات فقط بل حتى هواجس الضمير يسمعها الله وهي بغير صوت، وأنت حين تتكلم مع نفسك وضميرك تأتي فيه الخواطر والهواجس هل تسمعها أذناك؟ هل يسمعها أحد؟ في داخل الصدر هواجس أنت صاحبها لا تسمعها يسمعها ربنا، تبارك وتعالى، من فوق سبع سموات، يسمع هواجس الضمير ويرى خفايا الوهم والتفكير (إِنَّهُۥ سَمِيعٌۭ قَرِيبٌۭ (٥٠)) قريب من كل موجود وقرب الله، تبارك وتعالى، لا يماثل قرب الأجسام لأن ذات الله، تبارك وتعالى، لا تماثل ذوات الأجسام بل هو بائن عن خلقه بالصفات، رفيع الدرجات رب الأرضين والسموات وهو بائن عن خلقه بصفاته وكماله وجلال ذاته، وفي نفس الوقت هو أقرب إليهم من حبل الوريد، لكن القرب، قرب الله، تبارك وتعالى، منا ومن خلقه لا يماثل قرب الأجسام قرب لا يعرفه إلا القريب‫.‬‬
‫ويسأل ربنا الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، مبينا له هوْل الموقف وخطورة الأمر فيقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ فَزِعُوا۟ فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا۟ مِن مَّكَانٍۢ قَرِيبٍۢ ﴿51﴾
‫(وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ فَزِعُوا۟ فَلَا فَوْتَ) أين الإجابة (وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ فَزِعُوا۟ فَلَا فَوْتَ) ليست هناك إجابة فالإجابة معلومة أي لرأيت شيئا مهولا فظيعا لا يخطر لك ببال (وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ فَزِعُوا۟ فَلَا فَوْتَ) الفزع‫: الخوف الشديد الذي تقف منه القلوب الفزع يميت صاحبه الفزع خوف من هول غير منتظر وغير متوقع وكأنه لم ير من قبل (فَزِعُوا۟ فَلَا فَوْتَ) فلا مهرب فلا نجاة لا يفوتون الذين يسعون في آياتنا معاجزين معجّزين ظانين أنهم يفوتون الله، تبارك وتعالى، ويسبقونه ولا يدركهم ولو ترى يا محمد إذ فزع هؤلاء فلا فوت ولا مهرب ولا نجاة لأحد منهم متى يكون ذلك؟ في مواقف أعاذنا الله منها أولها الموت فبين العبد وربه سبع عقبات أهونها الموت أي فزع حين الموت فجأة والرجل يأكل والرجل يشرب والرجل يمشي، والإنسان في سعيه في معاشه في حياته وقد يكون في فراشه وإلى جوار امرأته وقد يكون في لهو في لعب في معصية حيثما كان وأينما كان فجأة يرى ملك الموت رأي العين لم نره لا نعرف شكله، هل وصفت لنا ملائكة الموت؟ هل رآها أحد؟ هل يعرف أحد أجسام هي أم أنوار أم خيالات أم أشباح؟ أتشبه الناس هل تشبه الطيور هل تشبه الوحوش؟ لا يمكن أن تشبه أحدا لأنها مخلوق خاص فلا يشبه مخلوق مخلوقا، لا تشبه الحيوانات الطيور ولا تشبه الطيور الناس ولا تشبه الناس الجن ولا تشبه الشياطين الملائكة، لله، تبارك وتعالى، أن يخلق ما يشاء ويخلق ما لا تعلمون، المفاجأة أنك ترى شيئا لم تره من قبل ولم يحظر لك على بال ولا حتى خيال أي فزع أي خوف لمن؟ لهؤلاء الذين كذّبوا وكفروا وسعوا في الآيات معاجزين، أما المؤمن فهو يرى البشرى والاطمئنان بل يقول إن نطق مرحبا بحبيب جاء على فاقه يتعجل لأن الملائكة لا تقبض روح المؤمن أبدا إلا أن تسلّم عليه أولا (سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ (٢٤)) [سورة الرعد آية‫: ٢٤] أما الآخرين والعياذ بالله (وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ فَزِعُوا۟ فَلَا فَوْتَ) ملائكة غلاظ شداد يضربون وجوههم وأدبارهم لماذا؟ يقولون لهم ذوقوا عذاب الحريق، كيف؟ فزعوا فلا فوت أين المهرب من الموت (أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ) [سورة النساء آية‫: ٧٨]، ذاك موقف، الموقف الآخر في القبر فزع القبر وما أدراك ما القبر ظلمة لا تخطر لك ببال، ظلمة أشد من الظلام حتى الظلام في الدنيا له درجات، أما ظلمة القبر فوق كل الدرجات، وسل من نزل، من نزل ودفن غيره رغم أن القبر مفتوح فكيف إذا أغلق؟ ظلمة القبر، سؤال الملكين هذا الفزع في القبر أين المهرب وقد أغلق القبر مهما اصطرخ يا بني يا امرأتي يا أهلي يا ناسي يا مالي يا جاهي يا سلطاني أتسمعون صراخه؟ نبينا، صلى الله عليه وسلم، يقول عن هؤلاء الكفار‫: إِذَا نَزَلُوا فِي الْقُبُورِ صَاحُوا صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ) إلا الإنس والجن، الكل يسمعها صرخة من هول الفزع ولا فوت أيضا حين البعث نفخ في الصور في النفخة الثانية إذا هم قيام ينظرون أي فزع هذا؟ أي فزع حين البعث للمحكمة، المحكمة الحاكم فيها قادر قهار لديه جهنم ونار، لا قبل لنار الدنيا بها أي فزع؟ أي فزع حين يرون العذاب ويرون جهنم ولا فوت في هذه المواقف لا فوت عند الموت لا فوت حين الدفن في القبر لا فوت حين البعث لا فوت حين يقال‫: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍۢ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًۭا فَٱسْلُكُوهُ (٣٢)) [سورة الحاقة آية‫: ٣٠- ٣٢]، أين الفوت؟ أين يهرب وكيف يهرب (وَأُخِذُوا۟ مِن مَّكَانٍۢ قَرِيبٍۢ (٥١)) إن كان الفزع حين الموت ربنا، تبارك وتعالى يقول‫: (فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍۢ تَنظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ (٨٥)) [سورة الواقعة آية‫: ٨٣- ٨٥]، فحين الموت أخذوا من مكان قريب حين الموت، أيضا في القبر إن أغلق القبر علينا حفرة ضاقت بمرقدنا الحفرة حفرة القبر إلا للميت ومن يدفنه ومن يدفنه أيضا يقف محنيا واقف، هذه الحفرة الضيقة إذا جاءته الملائكة تسأله في هذه الحفرة أخذ من مكان قريب، إن كان حين البعث خرجوا من باطن الأرض إلى ظاهر الأرض أخذوا من مكان قريب، وإن كان حين يعاينون جهنم والعذاب (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَـٰطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّۭا (٦٨) ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيًّۭا (٦٩)) [سورة مريم آية‫: ٦٨- ٦٩]، إذاً هنا إذا أخذوا إلى جهنم أخذوا من مكان قريب‫:
وَقَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ ﴿52﴾
‫(وَقَالُوٓا۟) حينئذ في المواقف قالوا‫:‬ (ءَامَنَّا بِهِۦ) الآن (ءَآلْـَٔـٰنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ (٩١)) [سورة يونس آية‫:‬ ٩١] كما قيل لفرعون حين عاين الغرق (حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (٩٠)) [سورة يونس آية‫:‬ ٩٠]، فقيل له آلآن حين عاينت الغرق هنا الفزع لا فوت (وَقَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِهِۦ) (وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ (٥٢)) التناوش التناؤش بالهمزة قراءتان التناوش‫:‬ التناول، التناؤش‫:‬ الأخذ من قريب أو الأخذ من بعيد حين الموت إذا جاءت الملائكة (حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَـٰلِحًۭا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّآ ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٩٩- ١٠٠]، إذا جاء أجلهم لا يستأخرون وقد هددهم في سور سبأ (وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (٢٩) قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍۢ لَّا تَسْتَـْٔخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةًۭ وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)) [سورة سبأ آية‫:‬ ٢٩- ٣٠]، لن تموت نفس حتى تستوفي أحلها فإذا جاء لا يؤخر أي آمنا بمحمد، عليه الصلاة والسلام، (ءَامَنَّا بِهِۦ) آمنا بالقرآن (ءَامَنَّا بِهِۦ) آمنّا بالله معاني والضمير يعود على كل ذلك والله أعلم بمراده (وَأَنَّىٰ لَهُمُ) (وَأَنَّىٰ) كلمة تفيد معان‫:‬ متى؟ وأين؟ (وَأَنَّىٰ) سؤال يحمل معاني ثلاثة أسئلة متى؟ وأين؟ كيف؟ (وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ (٥٢)) التناوش‫:‬ التناول الإيمان الذي يطلبونه، (وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ (٥٢)) ما هو المكان البعيد؟ هم الآن إما في القبر إذاً فهم في البرزخ بعيد بعيد عن الدنيا أمر آخر خلق آخر وجود آخر خارج المكان وخارج الزمان لا يعلمه إلا الله، وإن كان ذاك حين البعث في الآخرة انتهت الدنيا، والدنيا دار جزاء أبدا، الدنيا دار ابتلاء دار تكليف، أما في الآخرة فهي دار جزاء فإن جاءت في الآخرة وطلب الإيمان كيف يتناول الإيمان من الدنيا وهو في الآخرة.
وَقَدْ كَفَرُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ ۖ وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ ﴿53﴾
‫(وَقَدْ كَفَرُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ ۖ ) من قبل في الدنيا في دار التكليف حين طلب منهم الإيمان ولم يطلب منهم شيء عسير فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها (لا إله إلا الله) هل فيه صعوبة في هذه الكلمة؟ هل هناك صعوبة في هذه الكلمة؟ هل تكلفك هذه الكلمة شيئا؟ (لا إله إلا الله) العز كله في هذه الكلمة، الحرية كلها في الكلمة، لا إله إلا الله إذاً فلا أخاف من أحد لا إله إلا الله إذا لن يرزقني إلا الله لن يضرني إلا الله لن ينفعني إلا الله لن يميتني إلا الله لا يحييني إلا اله (لا إله إلا الله) الحرية الكاملة المطلقة في هذه الكلمة القوة المطلقة في هذه الكلمة لو قالها رجل بيقين (لا إله إلا الله) لوقفت السباع تحت قدميه تلعق نعليه (لا إله إلا الله) لو قلت هذه الكلمة أما سبع ضار قدميك ولا يصبك بأذى، كلمة فيها العز عز الدارين الغنى المطلق الحرية الكاملة (لا إله إلا الله)، (وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ (٥٣)) تذكرون في أول كلامنا في هذه الخطبة‫:‬ (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ قَالُوا۟ مَا هَـٰذَآ إِلَّا رَجُلٌۭ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ وَقَالُوا۟ مَا هَـٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌۭ مُّفْتَرًۭى ۚ ) [سورة سبأ آية‫:‬ ٤٣]، وقال أيضا‫:‬ (وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ (٤٣)) [سورة سبأ آية‫:‬ ٤٣]، حين قالوا هذا كانوا كمن يقذف بالغيب بالظن ليس لديه علم (وَمَآ ءَاتَيْنَـٰهُم مِّن كُتُبٍۢ يَدْرُسُونَهَا ۖ وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍۢ (٤٤)) [سورة سبأ آية‫:‬ ٤٤]، فها هم يقذفون بالغيب أي يتكلمون بالكلام الذي لا علم فيه لا دليل عليه لا أصل له، وأيضا حين يقذفون بالغيب يرجمون بالظن يظنون في محمد أنه كاذب يظنون فيه أنه ساحر قالوا كاذب قالوا مجنون قالوا ساحر قالوا كاهن قالوا في القرآن إفك مفترى قالوا في القرآن سحر مبين قالوا في القرآن أساطير الأولين تملى عليه بكرة وأصيلا قالوا وقالوا وقالوا، كل ما قيل في محمد، عليه الصلاة والسلام، وفي القرآن كل ذلك مجرد ظن ظنون ظنوها وبئس الظن إن يظنون إلا ظنا إذا ليس هناك علم ليس هناك رسول ليس هناك كتاب ليس هناك دليل ليس هناك برهان إذا جميع الأقوال هؤلاء كانت ظنا من هنا يقول ربنا حين كفروا به من قبل كانوا يقذفون بالغيب يرجمون بالظن من مكان بعيد عن العقل وعن التفكير يشبه ربنا حال هؤلاء الذين زعموا في محمد، صلى الله عليه وسلم، كذا وزعموا في القرآن كذا وقالوا بالظن في القرآن وفي النبي، صلى الله عليه وسلم، بغير برهان وبغير دليل وبغير حجة يشبههم بمن يمسك حجرا ويفكر أن يصيب به الشمس كيف؟ يمسك سهما ويفكر أن يرمي بهذا السهم فيصيب به النجوم كيف؟ له عدو خلف جبل لا يراه فيمسك بالسيف محاولا أن يطيح بعنقه كيف؟ يشبههم ربنا فيما قالوه في محمد وفي القرآن وما ظنوه كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد هل يدركون القرآن بكلامهم فيه أنه إفك هل يتحول الحق إلى باطل؟ إن ربي يقذف بالحق فإن ضللت أو ضلّ هو كل ضال عليه ضلاله وضلال الضال لا يبطل الحجة ولا يزيح البرهان إذاً هؤلاء كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ فِى شَكٍّۢ مُّرِيبٍۭ ﴿54﴾
‫(وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) ولم يخبرنا ربنا عن اشتهائهم ماذا يشتهون؟ يشتهون الإيمان؟ نعم قالوا آمنَّا به يشتهون النجاة من العذاب ولا فوت يشتهون الأموال والأولاد والأصدقاء حيث يصطرخون هل من شافعين (فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ ﴿١۰۰﴾ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍۢ ﴿١۰١﴾) [سورة الشعراء آية‫:‬ ١۰۰ - ١۰١]، أين الأهل أين الأصدقاء أين الأقارب أين الأبناء أين المال أين الجاه يتحاورون (يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لَوْلَآ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)) [سورة سبأ آية‫:‬ ٣١]، يرد الذين استكبروا (أَنَحْنُ صَدَدْنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم ۖ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ (٣٢)) [سورة سبأ آية‫:‬ ٣٢]، (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ ۚ ) أشياع جمع شيع وشيع جمع شيعة والشيعة‫:‬ الجماعة‫:‬ الشيع الجماعات الأشياع‫:‬ جمع الجمْع (كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم) كقوم نوح كقوم لوط وكعاد وثمود والجبارون في الأرض كل جبار في الأرض يقدم قومه كما كان يقدمهم في الدنيا يقدمهم ولكن إلى النار كما فعل بفرعون (يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ (٩٨)) [سورة هود آية‫:‬ ٩٨]، أشياعهم زملاءهم من كانوا على شاكلتهم من الأمم السابقة (إِنَّهُمْ كَانُوا۟ فِى شَكٍّۢ مُّرِيبٍۭ (٥٤)) المريب هو الشيء الذي يدعو إلى الريبة والتردد وعدم اليقين، إذاً فهؤلاء كانوا في شك شديد شك قذف في قلوبهم الريبة والارتياب في النبي، صلى الله عليه وسلم، وفي القرآن وفيما جاء في هذا القرآن حيث كانوا في هذا الشك المريب الذي لم يصل بهم إلى هدى وبسببه حيل بينهم وبين ما يشتهون‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ من الآيات التي تقشعر لها الأبدان في القرآن هذه الآية تأمل لو مرض شخص ألم تر كيف يتألم حين يحال بينه وبين شيء مما يشتهيه في الدنيا من طعام أو شراب أو حلوى أو صنف أو تدخين أو قهوة أو حركة أو نشاط يحال بينه وبين ذلك من أجل مصلحته ومنفعته كيف يكون حاله؟ كيف يكون تضرره؟ كيف يكون ألمه حين يرى الناس يركضون وهو يتحرك له بتؤدة حين يرى الناس يأكلون ويقال له ممنوع تلك إحالة حيل بينه وبين ما يشتهيه وما اشتهاه هذا المريض في الدنيا أمر مقدور عليه لأن هناك أمل أن يشفى، أمل أن يعتاد على ما هو محروم منه أمل أكبر أن يموت ويلقى في الجنة الثمار والفواكه وفيها ما تشتهي أنفسهم فهناك الأمل عند الله، أيضا تأمل وفكّر إذا حيل بين رجل وبين امرأة يحبها أو حيل بين الرجل وبين ترقية أخذها زميل له كيف يسخط وكيف يلعن كيف وقد حيل بينهم وبين ما يشتهون في يوم لا مال فيه ولا بنون لا رجعة لا أمل ليس هناك أحد إلا الله لمن الملك اليوم لله الواحد القهار لا رجعة بعد ذلك اليوم لا نقض ولا استئناف انتهى الأمر حيل بينهم وبين ما يشتهون، آية تقشعر لها الأبدان لأي متأمل ما بالك وقد حيل بينه وبين ما يشتهي النجاة لا نجاة المهرب لا مهرب الفوت لا فوت الاعتذار لا اعتذار الاستعتاب لا يستعتبون الإيمان لا إيمان العودة إلى الدنيا أبدا لقد سبق القول أنهم لا يرجعون الشفاعة لا شفيع حيل بينهم وبين ما يشتهون وأقصى ما يشعرون به من ألم وعذاب ما يحال بينهم وبين كلام الله لأن الله إذا كلمهم ائتنسوا بالكلام حتى وهم في قعر جهنم وتأتي اللحظة الفاصلة ينادون ويصطرخون ويجيبهم ربهم فجأة يقول لهم اخسئوا فيها ولا تكلمون أفظع ما يخطر على بالهم الخصام مع الله ويحال بينه وبين الكلام مع الله‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة والنار والإنسان بين مخافتين بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به وبين آجل قد بقى لا يدري ما الله قاضٍ فيه فخذ من نفسك لنفسك من شبابك لهرمك من غناك لفقرك من صحتك لمرضك خذ من نفسك لنفسك.‬