سورة الأحزاب
مقدمة
لقاؤنا مع سورة الأحزاب، وسورة الأحزاب سورة مدينة، نزلت بالمدينة وآياتها ثلاث وسبعون آية، وسورة الأحزاب حين نزلت بالمدينة كانت تزيد في طولها عن سورة البقرة، وكان فيها آية الرجم التي رفع لفظها وبقي حكمها، سورة الأحزاب نزلت في شأن المنافقين، سورة الأحزاب نزلت تقص علينا غزوة الأحزاب وكيف نصر الله رسوله.
سورة الأحزاب نزلت لإزالة أحكام كانت موجودة في صدر الإسلام، ونزلت سورة الأحزاب لنسخ أحكام تعارفت عليها الجاهلية.
سورة الأحزاب فيها الكثير فيها التشريف للنبي، صلى الله عليه وسلم، والتشريف لأزواجه، فيها القصص وفيها الأحكام وفيها التسرية للنبي، صلى الله عليه وسلم، سورة الأحزاب افتتُحت بنداء من العليّ الأعلى للمصطفى بصفته (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ)، ونداء الله تبارك وتعالى لحبيبه، صلى الله عليه وسلم، كان دائما نداء تشريف (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ )[سورة المائدة آية: ٦٧]،( يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ) لم يناده باسمه مطلقا في القرآن، ونادى الله كثيرا من الأنبياء بأسمائهم فقال (يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ) [سورة ص آية: ٢٦]، ولم يرد في القرآن أبدا يا محمد بل ولقد حرم الله علينا أن نناديه كما ينادي بعضنا بعضا فقال (لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًۭا ۚ) [سورة النور آية: ٦٣]، رسول الله خاتم أنبياء الله وخير خلق الله على الإطلاق يقول الله له في أول سورة الأحزاب:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ﴿1﴾
وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا ﴿2﴾
وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًۭا ﴿3﴾
أيضا جاءه وفد من ثقيف وقبل أن يسلموا قالوا يا محمد نواعدك على الإسلام بعد سنة على شريطة أن تتركنا نتمتع بإلهنا سنة مناة صنم من أصنام الجاهلية كانت تعبده ثقيف حتى تأتينا الهدايا لهذا الصنم ونتمتع بها سنة وأيضا لتعلم قريش منزلتنا عندك ونواعدك على الإسلام بعد سنة، وقيل، وقيل من أسباب نزول الآيات من طلبات.
ومن ضمن ما قيل أن رسول الله حين هاجر إلى المدينة كان يطمع في إسلام اليهود لأنهم أهل كتاب وهو مذكور عندهم في التوراة وعلامات النبوة عندهم فهم أولى الناس بالإيمان وأسرع الناس إلى ذلك وطمعه في إسلام اليهود قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع جعله يهادنهم ويوادعهم ويقبل من مسيئهم ويتجاوز عن أخطائهم فنزل قول الله، تبارك وتعالى: (ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ)من أهل مكة وثقيف (وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ ۗ)من أهل المدينة (إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا)بكفرهم الذي انطوت عليه قلوبهم (حَكِيمًۭا)فيما يأمرك به وفيما يفعله بهم(وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۚ) والنبي، صلى الله عليه وسلم، هو أول من اتبع ما أوحي إليه وهو قدوة لنا في إتباع الوحي وهو أوْلى الناس وأول الناس في هذا الاتباع لكن الله، تبارك وتعالى، حين يقول له ذلك (وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۚ) يبين لنا أن هذه الآية تعتبر دليلا على عدم اتباع الآراء مهما كان مصدرها طالما وجد النص فمع وجود النص الذي هو وحي الله تنتهي الآراء ويقفل باب الاجتهاد فلا آراء ولا اجتهاد مع وجود النص (وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۚ)في هذا القرآن وفي شأن المنافقين وفي شأن الكفار ولا تتبع ما يدعوك إليه هؤلاء (وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۚ )في شأنهم وفي كل شأن أي داوم على اتباع الوحي والأمر لنا برفض جميع الاجتهادات والآراء المختلفة مع وجود النص (إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا (٢))( بِمَا تَعْمَلُونَ)(بما يعملون) قراءتان إذا ً فالإنسان محاسب على كل كبيرة وكل صغيرة (وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ) [سورة البقرة آية: ٢٨٤]، فما من شيء يفلت (إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا (٢))والخبير: العليم ببواطن الأمور وخفايا الصدور(وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ) فوِّض أمرك إليه وأوكل أمورك كلها إليه فإليه يرجع الأمر كله، إذا ً فكأن الآية تشير إلى أن الإنسان لا يخاف ولا يخشى أحدا إلا الله ولا يخاف في الحق لومة لائم وأن يعمل بما أوحى الله إلى نبيه ولا يبالي بغيرها من الآراء والاجتهادات والقوانين ويوكل أمره إلى الله فهو الحافظ وهو الغالب وهو القوي وهو القاهر وهو آخذ بناصية كل شيء، توكل على الله إذا ً فليس عليك إيمان الناس ولست مسئولا عن كفرهم إن عليك إلا البلاغ ومهما حاولت فالأمر موكول إلى الله إذا ً فمن البداية فوّض الأمور إليه وأوكل الأمور إليه (وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًۭا (٣))إذا ً من توكل على الله كفاه وأنت إذا وكلت أمرك إلى الحصيف الأريب اطمأن قلبك فما بالك وقد أوكلت الأمر إلى الله، تبارك وتعالى، الفعال لما يريد.
وتبدأ الآيات بعد ذلك في توضيح أمر غاية في الأهمية توضح الآيات بعد ذلك أن القلب وهو مضغة أو بضعة خلقها الله، تبارك وتعالى، في ابن آدم وهي مكان الروح الحيواني والنفس الإنساني هذا القلب هو محل الكفر والإيمان وهو مكان الإنابة والإصرار، وهو موضع الهدى والضلال وهو موطن الخواطر والوساوس والخطرات، وأن هذا القلب هو الأساس في محاسبة الناس يوم القيامة وأن هذا القلب لا يمكن أن يجتمع فيه كفر وإيمان مطلقا أو هدي وضلال، وأن الإنسان له قلب واحد لأن الكلام عن المنافقين يشعر أنها منزلة متوسطة بين الإيمان والكفر.
وكان بعضهم يقول لي في جوفي قلبان قلب يأمرني بالإيمان، وقلب يأمرني بالعصيان، وكانت العرب تطلق على الأريب الفصيح أنه ذو قلبين فأراد الله، تبارك وتعالى، أن يبطل كل ذلك وأن يدلل أيضا بهذا المثال على أن ما يدّعيه الإنسان بلسانه ولا يصادف الحق لا يكون، ولا يمكن أن يجتمع الحق والباطل أبدا لا في قلب ولا في قول ولا في مكان، فيقول الله، تبارك وتعالى:
مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍۢ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِۦ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَٰجَكُمُ ٱلَّـٰٓـِٔى تُظَـٰهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَـٰتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَٰهِكُمْ ۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى ٱلسَّبِيلَ ﴿4﴾
الأمر الأول أن الرجل إذا غضب من امرأته قال لها أنت علي كظهر أمي وبهذه المقالة تحرم عليه على التأبيد إذ بهذه المقالة أنت علي كظهر أمي أي شبّه امرأته وحلاله وفراشه بأمه وبحرمة أمه عليه وكأن الله يقول طالما لا يوجد في جوف رجل قلبان فلا يمكن أن تكون المرأة أما وزوجة في آن واحد كيف هي زوجك وتحل لك وفراشك ثم تقول أنت عليّ كظهر أمي فتجعلها أما لك في التحريم فلا يمكن أن تجتمع الصفتان صفة الأمومة وصفة الزوجية في امرأة كما لا يمكن أن يجتمع في جوف رجل قلبان، وكذلك في التبني كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه الرجل جسده جهده شهامته رجولته فروسيته تبناه وجعله ابنا له يرثه وعومل معاملة الأبناء في كل شيء حتى في تحريم الزواج من زوجة الابن بالتبني كتحريم الزواج من زوجة الابن صلبا، فكذلك لا يمكن أن يكون الرجل ابنا لك ودعيا لغيرك في نفس الوقت، ولا يمكن أن يكون الإنسان ابنا لأبوين في آن واحد، كما لا يمكن أن يكون للرجل قلبان في جوفه، فكذلك في هذا المثال المرأة لا يمكن أن تتصف بصفتين صفة الأم وصفة الزوجة، وكذلك الولد يدعى لأبوين أب بالنسب وأب بالسبب أب بالقرب وأب بالتبني وهذه الآية (وَمَا جَعَلَ أَزْوَٰجَكُمُ ٱلَّـٰٓـِٔى تُظَـٰهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَـٰتِكُمْ ۚ)لها أحكام وهي أحكام الظهار سوف تأتي تفصيلا إن شاء الله في سورة المجادلة إذا أحيانا الله ووصلنا إلى سورة المجادلة سوف نصل إلى هذه الأحكام أحكام الظهار والتي أبطلها القرآن، فقد كانت في الجاهلية وبقيت فترة في صدر الإسلام وظاهر رجل من امرأته فذهبت إلى رسول الله وقالت يا رسول الله لقد ظاهر مني فلان فقال ما أراه إلا أنك قد حرمت عليه قالت يا رسول الله لي منه أولاد إن تركتهم ضاعوا وإن ضممتهم جاعوا تقول وتحاور ورسول الله يقول: (مَا أرَاك إلاَّ قَدْ حَرُمْتِ عليْهِ)، فقالت: إذاً أشكو إلى الله، فنزل جبريل يقول للحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم: (قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ) [سورة المجادلة آية: ١]، وتقول عائشة، رضي الله عنها: والله لقد كنت جالسة معهم في الحجرة، والله ما سمعتها ولقد سمعها الله من فوق سبع سموات، فنزلت الآيات تحرّم الظهار وتبين أحكام الظهار وكيف يعود الرجل عن قوله إذا قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فربنا، تبارك وتعالى، يبطل هذا، هذا الحكم الذي كان في الجاهلية وبقي صدرا من الإسلام، (وَمَا جَعَلَ أَزْوَٰجَكُمُ ٱلَّـٰٓـِٔى تُظَـٰهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَـٰتِكُمْ ۚ)كيف تصبح الزوجة أما لك كما أنه لا يمكن أن يكون في جوف قلبان أيضا التبني، كان التبني معروفا في الجاهلية وبقي صدرا من الإسلام والنبي، صلى الله عليه وسلم، كان قد تبنى في الجاهلية زيد بن حارثة وابن عمر يقول والله ما كنا ندعوه ولا نعرفه إلا بزيد بن محمد حتى نزل قول الله، تبارك وتعالى، (ٱدْعُوهُمْ لِـَٔابَآئِهِمْ) [سورة الأحزاب آية: ٥] ولزيد لتبني النبي له قصة نأتي إليها إن شاء الله عند قول الله في هذه السورة (فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌۭ مِّنْهَا وَطَرًۭا) [سورة الأحزاب آية: ٣٧]، وزيد هو الصحابي الوحيد الذي ذكر اسمه في القرآن صراحة وله مواقف وقد استشهد، رضي الله عنه، في غزوة مؤتة، ونزلت الآيات تمنع هذا التبني وتمنع هذا الحكم وتنسخه (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ)والأدعياء جمع دعة والدِعْوة مصدر، الدعوة أن يَدَّعي الرجل لغير أبيه أو يُدعى لغير أبيه فنقول فلان بن فلان وهو ليس أبوه فعلا (ذَٰلِكُمْ)أي هذه الأحكام وهذه الأقوال التي تعارفتم عليها أنت علي كظهر أمي وفلان ابني يرثني وأرثه إذا ً(ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَٰهِكُمْ ۖ) فذاك القول باطل أي هذا قول باللسان فقط لا حقيقة له في الوجود(ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَٰهِكُمْ ۖ) أنت تقول ومهما قلت طالما أن هذا الكلام كلام بالأفواه دون أن يصادف حقيقة في الأعيان فهو باطل لا محالة (وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى ٱلسَّبِيلَ (٤))كلمة الحق تكلمنا فيها كثيرا، الحق يقابل الباطل والحق حقٌ في الأعيان وحق في الأذهان، حق على اللسان (وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ)إذا ً قول الله، تبارك وتعالى، هو الحق المطلق الذي إذا قيل وتُكلَّم به صادف حقيقة الأعيان وحقيقة الوجود أما قولهم فهو قول باللسان لا يصادف حقيقة في الأعيان.
الوجود أما قولهم فهو قول باللسان لا يصادف حقيقة في الأعيان(ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَٰهِكُمْ ۖ) إذا ً فهو الباطل لمقابلة القول بقول الله، تبارك وتعالى،( وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ) فما قاله الله، تبارك وتعالى، صادف الحقائق وصادف الوجود الحقيقي لما يقوله الله، تبارك وتعالى،( وَهُوَ يَهْدِى ٱلسَّبِيلَ (٤)) الهداية قلنا فيها إنها الدلالة على البغية بلطف الدلالة على المطلوب إذا ً (والله يهدي السبيل) أي وأن الله يبين لنا الطريق والسبيل هنا هو الطريق الحق في كل شيء وهو الطريق إلى الله فأنتم تقولون بأفواهكم باطلا والله يقول الحق الذي يصادف الحقيقة ويهديكم الطريق الحقيقي والسليم في كل ما تتعاملون به في هذه الدنيا.
ويأتي الحكم:
ٱدْعُوهُمْ لِـَٔابَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌۭ فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِۦ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًا ﴿5﴾
أيها الأخ المسلم: يقول النبي، صلى الله عليه وسلم، مغلظا ومهددًا: (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ) إذا ً فالادعاء كفر لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، حين يقول فالجنة عليه حرام أي أنه لا يُعرض على الجنة أبدا ويخلد في النار ذاك المتعمد، وكذلك إذا ادّعى رجل بنوة إنسان وهو يعلم أنه ليس بابنه أو ادعى رجل أنه ابنا لفلان وهو يعلم أنه ليس بابنه كل ذلك يحرم الجنة فهو كفر ويعادل الكفر.
أيها الأخ المسلم في سورة الأحزاب وفي افتتاحيتها هذه الأحكام التي نأتي لها تفصيلا حين ترد تفصيلا في السور المتتالية في القرآن، وأيضا نتكلم عن زيد حين يذكر اسم زيد في هذه السورة وهو تشريف لزيد بن حارثة.
أيها الأخ المسلم التبني في الإسلام ممنوع وأن يذهب الإنسان إلى الملاجئ ودور الأحداث وقد حرمه الله من الولد فيختر ما يشاء ويتبنى من يشاء ثم يورثه ذاك حرام يعادل الكفر، فليس هناك تبني في الإسلام أبدا ً.
أيها الأخ المسلم: إن الله تبارك وتعالى ( يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثًۭا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًۭا وَإِنَـٰثًۭا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ (٥٠)) [سورة الشورى آية: ٤٩- ٥٠]، فلا تحتال على قضاء الله ولا تحاور ولا تداور، فربنا يعلم خيرك أين وفيما فيه صلاحك حين يقضي لك بشيء فالله، تبارك وتعالى، أوْلى بالناس من أنفسهم وأعلم بمصالحهم منهم بأنفسهم فاتقوا الله وأطيعوا الله وأطيعوا رسوله وإياكم وما نهى عنه القرآن أن يحرّم الرجل امرأته.
وقد جرى على بعض ألسنة الناس في عصرنا هذا أن يحرّم امرأته ويقول أنت علي حرام كحرمة أمي ذاك هو الظهار فيه أحكام خطيرة منها:
أن يصوم شهرين متتابعين قبل أن يقترب منها، فيها أحكام كثيرة، فاتقوا الله فيما تقولون ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق، وإياكم والتبني وإياكم والادعاء لغير أبيكم وإياكم والعصيان فالله تبارك وتعالى توعد العاصي، والنبي صلى الله عليه وسلم يحذر ويقول: (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ)، فأحب شيء إلى نفس الإنسان نفسه فأنت تحب نفسك أكثر من أي شيء في الوجود ثم تحب بعد ذلك غيرك ولا تجد أبدا من يحبك أكثر من نفسك إلا الأب الحنون الصالح الذي يعرف معنى الابن ومعنى الابنة، وكذاك الأم لذا أوصى الله، تبارك وتعالى، بهما، لكن هناك من يحبك أكثر من أبيك وأمك، وهناك من يحبك أكثر من حبك لنفسك ألا وهو النبي، صلى الله عليه وسلم، وذاك ليس ادعاءً وليس حبا منا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنقول ما ليس لنا بحق وإنما هو قول الله، تبارك وتعالى، الله، تبارك وتعالى يقول:
ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَـٰتُهُمْ ۗ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفْعَلُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًۭا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًۭا ﴿6﴾
فمن الأحكام حكم غاية في الأهمية، وليت حكام اليوم ينتبهون إليه، هذا الحكم ( ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ) كَانَ الْمُؤْمِنُ إِذَا تُوُفِّيَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ: (هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟) فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: (هَلْ تَرَكَ وَفَاءً لِدَيْنِهِ) فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ. (صَلَّى عَلَيْهِ)، وَإِنْ قَالُوا: لَا، قَالَ: (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) ولا يصلي عليه وترك الصحابة يصلون عليه وحين نزلت هذه الآية ( ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ) صلى على الجميع مدينا كان أو غير مدين وقال: (أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ) نعم، هذا هو الحكم الذي حددته الآية ( ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ) وحين نقول ليت حكام اليوم ينتبهون لهذا لأن هذا الأمر الذي حدده الرسول، صلى الله عليه وسلم، ونفذه يسري عليه وعلى الأئمة من بعده الآن من مات وترك ضياعا ضاع، ضاع أولاده وضاع حاله وذهب مال الدائنين مات المدين وإذا مات المدين سقط الدين وترك الأولاد وتركت النساء دون عائل لهن، فإن ترك مالا تدخلت الحكومة والسلطات والحاكم المسلم يرث مع العصبة في مال المتوفى تحت اسم ضريبة التركات، وانظر كيف حوّرنا الأمر وعكسناه من الواجب إلى الإثم: (فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ) فكان يقضي ديون الفقراء إذا ماتوا، وقضى أبو بكر وعمر والخلفاء الراشدون من بعد النبي بذلك فكانوا يسددون ويقضون ديون المتوفين من الأمة من المسلمين الفقراء من بيت المال، فإن مات رجلا وترك مالا لا يؤخذ منه درهما كله لورثته: (أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ) هذا هو الحكم والذي يجب أن نعمل به وهو من أول الأحكام التي يجب أن تطبق إذا أردنا تطبيق الشريعة، العدل ما أمر الله به، ضريبة التركات حرام وسحت ولا تجوز مع أن الحاكم يجوز له أن يفرض من الضرائب ما يشاء أباح له العلماء ذلك ولكنه يفرض عليك وأنت حي، أما أن يرثك بعد أن تموت فذاك عصيان للآية، رفض لحكم رسول الله، رفض لحكم الله، فضريبة التركات سحت، ذاك هو أول أمر في الآية أن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
الأمر الثاني: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، يهتم بك أكثر من اهتمامك بنفسك لأن نفسك تدعوك إلى الهلاك وهو يدعوك إلى النجاة ولذا يقول، صلى الله عليه وسلم: (فَأَنَا آخِذٌ بِحُجُزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيهَا)، وفي حديث آخر رواه مسلم: (إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ)، فالنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم هو يدعوك إلى النجاة ونفسك تدعوك إلى ماذا؟ إلى الهلاك والعصيان أيضا ( ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ ) رسول الله وقال رسول وقالت نفسك أيهما أولى بالاتباع؟ قال رسول الله ( ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ ) أيضا قضى رسول الله حكم في هذا الأمر بكذا فهو أولى من حكم الناس ومن قوانينهم التي يحكمون بها فيما بينهم لأن (ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ ) حكمه أولى بالاتباع وقوله أحق بالاتباع وهو يحبك أكثر من حبك لنفسك يدعوك إلى النجاة وتدعوك نفسك إلى الهلاك ( ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ ) وفي الآية كثير مما يستشعره المحبون لرسول الله المتشوقون إليه الذين يعرفهم هو وتحدث عنهم في حياته مع أصحابه وهم جلوس وفجأة يسمعونه، يقول أحبابي، أحبابي، فقالوا يا رسول الله من هؤلاء؟ ألسنا بأحبابك؟ قال: (بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَهُمْ أَحْبَابِي) قالوا: من هؤلاء يا رسول الله؟ قال: (أُنَاسُ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يَوَدُّ الرَّجُلُ أَنْ يَرَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ)، أحبابي، أحبابي المشتاقون لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذين هم على استعداد للتضحية بأبنائهم وأموالهم ونسائهم وكل ما يملكون لقاء نظرة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: (وَأَنْ يَكُون اللَّه وَرَسُوله أَحَبّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) ( وَأَزْوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَـٰتُهُمْ ۗ) تشريفا لنساء النبي، شفقة نساء النبي، صلى الله عليه وسلم، بالأمة أشد من شفقة الأمهات بأبنائها إذاً أنزل الله نساء النبي، صلى الله عليه وسلم، منزلة الأمهات في التعظيم والإجلال والتحريم تحريم النكاح والبر والإجلال فهنَّ محرمات على رجال الأمة حرمة الأمهات(وَلَآ أَن تَنكِحُوٓا۟ أَزْوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦٓ أَبَدًا) [سورة الأحزاب آية: 53]واختلف العلماء في شأن أمهات المؤمنين هل كل من تزوجها الرسول ، صلى الله عليه وسلم، تعتبر أما للمؤمنين على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال نعم ومن قال لا بل من بقيت معه حتى توفيت وهي على ذمته، وبعضهم قال من دخل بها فمن خطبها أو عقد عليها ولم يدخل بها ثم طلقها لا يسري عليها الحكم، ومن دخل بها ثم بقيت يسري عليها الحكم طبعا، ومن دخل بها ثم طلقها يسري عليها الحكم أيضا احتراما لخلوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسترا لحياته، وأياً كانت الأقوال فأزواجه أمهاتهم من حكم لها بأنها زوجة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحرم نكاحها من بعده فهي التي ينطبق عليها الحكم، وقيل إن امرأة خطبها الرسول وتركها فتزوجت فهم عمر برجمها فقالت كيف ذلك ولم يطلق عليّ أم المؤمنين ولم يدخل بي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم يكشف لي كنفا فتركها عمر(وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفْعَلُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًۭا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًۭا (٦)) وتأتي الآية أيضا لتحدد وتقضي بحكم في مسألة التوارث.
أولا: في نسق اللفظ أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض من المؤمنين والمهاجرين وتقدير الآية أولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين أولى بعضهم ببعض ذاك هو التقدير حتى لا يفهم عكس المراد والمؤمنين في الآية هم الأنصار، والمهاجرين في الآية من هاجر من مكة إلى المدينة والكل مؤمن حين هاجر المسلمون إلى المدينة كانوا يتوارثون بعضهم فيرث المهاجرُ المهاجرَ دون قرابة ودون صلة رحم وكان يحرم على المسلم الذي لم يهاجر أن يرث المسلم المهاجر وهكذا لأن الله، تبارك وتعالى، أنزل في سورة الأنفال يقول: (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ ۚ) [سورة الأنفال آية: ٧٢]، أي لا يصح التوارث فكان المهاجر يرث من هاجر دون نظر لقرابة أو لرحم، أيضا بعد ذلك حين كثر عدد المهاجرين في المدينة وآخى النبي، صلى الله عليه وسلم، بينهم وبين الأنصار كان المهاجرون لا مال لهم فكانوا يتوارثون مع الأنصار فكان المهاجر يرث الأنصاري، فكان التوارث بالدين بين المهاجرين والأنصار فجاءت الآيات تنسخ هذه الأحكام وتقول: أن أُولى الأرحام هم أصحاب الحق في التوارث بشرط أن يكونوا من المؤمنين لأن المسلم لا يرث الكافر والكافر لا يرث المسلم أبدا، أبد، مطلقا، فمن تزوج يهودية أو نصرانية ومات لا حق لها في الميراث وإن ماتت لاحق له في الميراث لا يتوارث أهل الملتين أبدا، فهنا ربنا، تبارك وتعالى، يقول:( وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفْعَلُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًۭا ۚ) الأولياء: النصراء من ينصرك وتنصره، أو من يدعى مولى لك كالمهاجرين والأنصار(إِلَّآ أَن تَفْعَلُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًۭا ۚ) أي إحسانا في الدنيا ووصية عند الموت في حدود ثلث التركة، أما أن يرثك صاحبك وأخوك في الدين فممنوع وإنما إن كان لك أخ في الإسلام أخ في الدين وأنت تريد أن تعطيه شيئا فأحسن له في الدنيا وعند الموت لك أن توصى له أما أن يرثك فممنوع فأجاز الله تبارك وتعالى أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا إحسانا في الدنيا ووصية عند الموت، قال بعض الفقهاء(إِلَّآ أَن تَفْعَلُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًۭا ۚ) إذاً الأولياء هنا مقصود بهم الأقارب الكفار لا يحق لهم أن يرثوك ويجوز لك أن توصي لهم أن تحسن لهم في حياتك وأن توصي لهم عند مماتك، فإذا تزوج الرجل بامرأة نصرانية فلا ترثه ويجوز له أن يحسن لها حال حياته وأن يوصي لها عند مماته في حدود ما شرعه النبي، صلى الله عليه وسلم، في الوصية(وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ) أي في القرآن كما نزلت آيات المواريث في سورة النساء أو في كتاب الله في اللوح المحفوظ من الأزل(وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ) أي هذا ما قضى في كتاب الله(إِلَّآ أَن تَفْعَلُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًۭا ۚ) إما المسلمين إلى أوليائكم من المؤمنين فتحدثت بالوصية والإحسان للمسلم فقط، أو إلى أوليائكم في القرابة وفي الدم(كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًۭا (٦))،( كَانَ ذَٰلِكَ) أي هذا الحكم (فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًۭا (٦))الكتاب إما القرآن، والكتاب إما اللوح المحفوظ والمسطور: المخطوط المكتوب، والكتاب المسطور أي الذي سَطَرت فيه دونت الكلام وأثبت الكلام فيه أسطارا سطر تلو سطر فهو مسطور(كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًۭا (٦)) أي هو قضاء الله، تبارك وتعالى، وحكمه إلى الأزل، (لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلَ مِلَّتَيْنِ)، (لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ)، التوارث بأحكام الميراث بالقرابة بالصلة صلة الرحم صلة الدم صلة القربى فقط وحددها ربنا، تبارك وتعالى، في كتابه في سورة النساء بيان للمواريث وأحكام المواريث وأجاز ربنا، تبارك وتعالى، في هذه الآية الوصية للأصحاب الأصدقاء الأقارب الذين لا يرثون ونسخ التوارث بالأخوة في الإسلام أو التوارث بالهجرة والنصرة نسخ كل ذلك.
أيها الأخ المسلم سورة الأحزاب مليئة بالأحكام مليئة الدلائل مليئة بالتشريف لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، مليئة بالبيان والبرهان.
أيها الأخ المسلم الأيام تمضي والأسبوع وراء الأسبوع والجمعة بعد الجمعة وبدأنا في سورة البقرة وها نحن في سورة الأحزاب تعدينا ثلثي القرآن أيها الأخ المسلم العمر ينقضي والأيام تجري وأنت لاه عن ربك غافل عن قدرك إلى متى؟ إلى متى؟ الفرصة متاحة والوقت معك وربنا، تبارك وتعالى، يفتح أبواب توبته لكل تائب ويبسط كف رحمته للمستغفرين بالأسحار فها هو ربنا، تبارك وتعالى، ينادي: (هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَهُ)، أيها الأخ المسلم الله تبارك وتعالى يفرح بتوبة التائب، ويفرح بعودة العاصي عليك بالإنابة وعليك بالتوبة واعلم أن القلب لا يجتمع فيه كفر وإيمان وربنا، تبارك وتعالى، في شأن يوم القيامة: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌۭ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍۢ (٨٩)) [سورة الشعراء آية: ٨٨- ٨٩]، فقد بين لنا الله في سورة الأحزاب أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأن أزواجه أمهاتهم وبين أن التوارث بالقرابة وبالرحم وليس بالإسلام أو الهجرة ونسخ ما كان موجودا في بدء الإسلام، فقد كان التوارث بالإسلام ثم كان التوارث بالهجرة فأصبح التوارث بالرحم وبصلة القربى بشرط الإسلام فالمسلم لا يرث الكافر والكافر لا يرث المسلم.
ويأتي التذكير بالميثاق الغليظ فيقول الله، تبارك وتعالى:
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَـٰقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍۢ وَإِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَـٰقًا غَلِيظًۭا ﴿7﴾
لِّيَسْـَٔلَ ٱلصَّـٰدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ ۚ وَأَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًۭا ﴿8﴾
وينتقل الكلام بعد ذلك عن غزوة الأحزاب، وسميت غزوة الأحزاب لأن الكفار تحزبوا واجتمعوا على قتال محمد وأصحابه وسميت أيضا غزوة الخندق لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، حفر خندقا حول المدينة يمتن الله، تبارك وتعالى، على المسلمين فيقول:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌۭ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًۭا وَجُنُودًۭا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴿9﴾
إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ﴿10﴾
هُنَالِكَ ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا۟ زِلْزَالًۭا شَدِيدًۭا ﴿11﴾
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأولى بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا
والغبار قد غطى صدر النبي، صلى الله عليه وسلم، وقد كشفه وكان كثيف الشعر ويرتجز ويحفر وينقل مع المسلمين حتى تم حفر الخندق واعترضتهم صخرة وحين تم حفر الخندق واستوعب المسلمون تلك المكيدة وكيف حجز الخندق بينهم وبين الكفار تفاءلوا وهتف المهاجرون قائلين سلمان منا معشر المهاجرين فقالت الأنصار بل سلمان منا معشر الأنصار الكل يتفاخر ويتباهى ويطلب أن يكون سلمان منهم فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (سَلْمَانُ مِنَّا آلَ الْبَيْتِ)، فكان ذلك شرفا لسلمان وأي شرف، اعترضت صخرة الناس ولم يستطيعوا أن يكسروها فلجأوا إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم، فوضع رداءه ومسك بالفأس وقال: بسم الله، وقرأ قول الله، تبارك وتعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًۭا وَعَدْلًۭا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ (١١٥)) [سورة الأنعام آية: ١١٥]، الله أكبر، وضرب ضربة فبرق البرق من الصخرة وانكسر ثلثها، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (رُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ الشَّامِ وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ)، وكبرالثانية وقرأ: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًۭا وَعَدْلًۭا ۚ) [سورة الأنعام آية: ١١٥]، وضرب ضربة وبرق البرق فوق الصخرة وانكسرت لثلثها الثاني، وقال الرسول: (أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، رُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ بُصْرَى)، وضرب الثالثة وكبر وتلا قول الله: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًۭا وَعَدْلًۭا ۚ) [سورة الأنعام آية: ١١٥]، فتحطمت الصخرة وبرق فقال: (أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ وَإِنِّي لَأَرَى بَابَ صنَعْاَءَ)، (لَمَّا كَانَ حِين أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ عَرَضَتْ لَنَا فِي بَعْضِ الْخَنْدَقِ صَخْرَةٌ لَا تَأْخُذُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ، فَاشْتَكَيْنَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّه، فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَهَا، وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاَللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ السَّاعَةَ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ فَقَطَعَ الثُّلُثَ الْآخَرَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيت مَفَاتِيحَ فَارِسٍ، وَاَللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنِ أَبْيَضَ. ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ ؛ فَقَطَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاَللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا السَّاعَةَ ) فتفاءل المسلمون وكبروا وظل النبي، صلى الله عليه وسلم، في هذا الموقف والكفار يحاصرون المدينة زهاء شهر بضع وعشرين ليلة لم يكن بينهم حرب ولكن رمي بالنبل خفيف ورمي بالحجارة وجاء الكفار وفوجئوا بالخندق ولم يعهدوه فقالوا تلك مكيدة لم نعتدها معشر العرب واحتاروا وحاول بعض فرسانهم اجتياز الخندق منهم عمرو بن ود واجتازوا فعلا الخندق في مكان ضيق ووصلوا لمكان المسلمين، فقال عمرو بن ود هل من مبارز فخرج له علي بن طالب وقال له يا عمرو لقد سمعنا أنك عاهدت الله إنك إذا دعيت إلى إحدى خلتين قبلت إحداها فقال نعم فقال له إني اعرض عليك الإسلام وقال ليس لي به حاجة هل من مبارز فقال علي أنا فقال له يا ابن أخي أنا لا أحب أن أقتلك لما كان بيني وبين أبيك، فقال له علي بل أنا أحب أن أقتلك فاغتاظ عمرو بن ود فنزل من على فرسه وعقره كفر وكبر وتجبر عقر الفرس حتى لا يجد ما يركبه ويفر به ثابت قاتل أو مقتول عقر الفرس وترجل عنه وهجم على علي وثار النقع بينهما وانتهى بانكشاف النقع وإذا بعلي بن أبي طالب جاثم على صدر هذا الكافر يذبحه وفر الفرسان الباقون وكبّر المسلمون وظل الحال على ذلك إلى أن جاء رجل من غطفان يدعى نعيم بن مسعود جاء للنبي، صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أسلمت ولم يعلم قومي بإسلامي فمرني بما شئت، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا أَنْتَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذِّلْ عَنَّا إِنِ اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةُ)، فخرج نعيم وذهب إلى قريظة، وقال: قد علمتم ما بيني وبينكم من ود وإني لناصح لكم، جاءت قريش بخيلها ورجلها، فإن رأوا نهزةً اغتنموها، إن رأوا نصرا كان به، وإن رأوا غير ذلك عادوا إلى بلادهم وتركوكم ومحمدًا، فمن يعصمكم منه؟ وهذه دياركم فيها نساؤكم وأموالكم وأبناؤكم، أين تذهبون؟ أما هم يعودون إلى ديارهم، قالوا: وبم تنصح يا نعيم؟ قال: أنصح بأن تأخذوا من قريش بعض الرجال رهنا حتى تأمنوا على أنفسكم، وتضمنوا أن تحارب قريش من أجل رجالها، وتركهم وانصرف إلى أبي سفيان والملأ من قريش، وقال نفس المقالة: لقد علمتم مكاني منكم وكذا وكذا، وقد علمت أن اليهود ندموا على ما كان منهم من نقض العهد مع محمد، وذهبوا إليه يستسمحوه وعرضوا عليه أن يأخذوا منكم رهنا ويقدموهم له فيضرب أعناقهم، ثم ينضموا معه على من بقي منكم، فاحترسوا وانصرف، وراود أبو سفيان أصحابه ما العمل؟ فجاءوا ليلة السبت وذلك من تدبير الله، تبارك وتعالى، وأرسلوا وفدا إلى يهود قريظة، قالوا لهم: مكثنا بضعا وعشرين ليلة وهلكت الكراع وقل الزاد وإنا عازمون على قتال محمد غدا، فانزلوا معنا في الغد، فقالت اليهود: تعلمون أن غدا السبت، ونحن لا نفعل شيئا ولا نقاتل في السبت، قد علمتم ما حدث لمن اعتدى منا في السبت، ثم إنا نريد منكم رهنا حتى نضمن بقاءكم معنا في هذه الحرب، فعاد الرسل إلى أبي سفيان وقالوا: صدق نعيم، ها هم يطلبون منا رهنا، فأبوا أن يعطوهم الرهائن، وقالوا: امكثوا معنا وقاتلوا إن شئتم أو انصرفوا، وجاءت الريح الصبا، وصدق الرسول حيث قال: (نُصِرتُ بالصِّبَا، وأُهْلِكَتْ عَادٌ بالدَّبُورِ)، والغريب في هذه الريح أنها حين جاءت فهدمت بنيانهم وأطفأت نيرانهم وكفأت قدورهم وجالت الخيل بعضها في بعض بين الكفار وبين النبي، صلى الله عليه وسلم، الخندق فقط عرض الخندق، ومع ذلك الريح هناك عند الكفار وتفعل بهم الأفاعيل، والنبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه لا يشعرون بها ولا يحسونها، والمسافة عرض الخندق فقط لذا يمتن الله، تبارك وتعالى، فيقول: ويقول:( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًۭا وَجُنُودًۭا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ) أو (لم يروها) هم والجنود: الملائكة نزلت فكبّرت في أنحاء معسكر الكفار وسمعوا التكبير، فقال قائلهم: لقد بدأكم محمد بالسحر إني مرتحل وخاف، ويُذكر في هذا الموقف موقفا لحذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حيث أراد النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يعرف خبر القوم فقال: (مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرَ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ، يَشْتَرِطُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَرْجِعُ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَمَا قَامَ رَجُلٌ، ثُمَّ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَوِيًّا مِنْ اللَّيْلِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرَ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ ثُمَّ يَرْجِعُ، يَشْرِطُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجْعَةَ، أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ، فَمَا قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ مَعَ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَشِدَّةِ الْجُوعِ وَشِدَّةِ الْبَرْدِ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَكُنْ لِي بُدٌّ مِنْ الْقِيَامِ حِينَ دَعَانِي، فَقَالَ: يَا حُذَيْفَةُ فَاذْهَبْ فَادْخُلْ فِي الْقَوْمِ فَانْظُرْ مَا يَفْعَلُونَ وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنَا، قَالَ: فَذَهَبْتُ فَدَخَلْتُ فِي الْقَوْمِ، وَالرِّيحُ وَجُنُودُ اللَّهِ تَفْعَلُ مَا تَفْعَلُ، لَا تَقِرُّ لَهُمْ قِدْرٌ وَلَا نَارٌ وَلَا بِنَاءٌ، فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لِيَنْظُرْ امْرُؤٌ مَنْ جَلِيسُهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَخَذْتُ بِيَدِ الرَّجُلِ الَّذِي إِلَى جَنْبِي فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّكُمْ وَاللَّهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ، لَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَأَخْلَفَتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ بَلَغَنَا مِنْهُمْ الَّذِي نَكْرَهُ، وَلَقِينَا مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ مَا تَرَوْنَ، وَاللَّهِ مَا تَطْمَئِنُّ لَنَا قِدْرٌ وَلَا تَقُومُ لَنَا نَارٌ وَلَا يَسْتَمْسِكُ لَنَا بِنَاءٌ، فَارْتَحِلُوا فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ، ثُمَّ قَامَ إِلَى جَمَلِهِ وَهُوَ مَعْقُولٌ فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ ضَرَبَهُ فَوَثَبَ عَلَى ثَلَاثٍ، فَمَا أَطْلَقَ عِقَالَهُ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ وَلَوْلَا عَهْدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُحْدِثْ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي، وَلَوْ شِئْتُ لَقَتَلْتُهُ بِسَهْمٍ، قَالَ حُذَيْفَةُ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي مِرْطٍ لِبَعْضِ نِسَائِهِ مُرَحَّلٍ، فَلَمَّا رَآنِي أَدْخَلَنِي إِلَى رَحْلِهِ، وَطَرَحَ عَلَيَّ طَرَفَ الْمِرْطِ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ وَإِنَّهُ لَفِيهِ فَلَمَّا سَلَّمَ أَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ) وانصرفت الأحزاب بغير قتال، من هنا يمتن الله على المؤمنين فيقول(ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌۭ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًۭا وَجُنُودًۭا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)) بما تعلمون أي حفر الخندق أو بما يعملون من التحزب والمعاداة لدين الله(إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ ) غطفان جاءوا من أعلى المدينة(وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ) أهل مكة (وَإِذْ زَاغَتِ ٱلْأَبْصَـٰرُ) مالت ولم تستقر زاغت أبصار المسلمين خوفا وهلعا ورعبا لم يثبت النظر على شيء بل زاغ(وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ) قالوا بلغت القلوب الحناجر فعلا انتفخت الرئتان وصعد القلب إلى الحنجرة ولولا ضيق الحلقوم لقفز القلب خارجا من شدة الرعب، وقال بعض الناس بل هنا تمثيل لمنتهى الخوف ومنتهى الرعب يشعر الخائف، المرتعد بأن القلب يكاد يقفز فإذا بدقات القلب تحس قرب الحنجرة ومن ذاق عرف (وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ (١٠)) إذا ً فهي ظنون وليس ظنا ً واحدا ً ظن المسلمون الثابتون في عقيدتهم أنهم منتصرون لا محالة وأن الله سوف ينجز وعده، وظن المترددون الخائفون أنهم هالكون لا محالة، وظن المنافقون أن هذه هي نهاية محمد ودينه وأصحابه، وظن هؤلاء وظن هؤلاء، فاختلفت الظنون كل بحسب نيته فيقول الله، تبارك وتعالى،( وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ (١٠) هُنَالِكَ ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا۟ زِلْزَالًۭا شَدِيدًۭا (١١)) ، هنالك يشار بها للوقت ويشار بها أيضا للمكان هنا للمكان القريب هنالك للمكان البعيد هناك للمكان المتوسط (هُنَالِكَ ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ) امتحنهم الله، تبارك وتعالى، بالخوف والزلزلة (وَزُلْزِلُوا۟ زِلْزَالًۭا شَدِيدًۭا (١١))، ابتلاهم الله بهذا التحزب وبهذه الجموع والنبي، صلى الله عليه وسلم، ومن معه كانوا زهاء ثلاثة آلاف فقط والكفار اثنا عشر ألف مقاتل هؤلاء في الأمان محاصرون، وهؤلاء في الخوف محاصرون زلزلوا من أماكنهم من بيوتهم أو زلزلوا في عقائدهم أو زلزلوا في إيمانهم زلزالا شديدا هذا الابتلاء أعقبه نصر من الله، تبارك وتعالى، وأعقبته الجنة وأعقبه الفرج وأعقبه الرحمة، فقد انصرف الأحزاب بغير قتال بالريح التي سلطها الله، تبارك وتعالى، عليهم فانصرفوا وكفى الله المؤمنين القتال ونجح من نجح وسقط من سقط وظهر المنافقون على حقيقتهم وتبين لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذين صدقوا وتبين له الكاذبون.
أيها الأخ المسلم لله تبارك وتعالى أن يبتلي عباده بما يشاء وربنا، تبارك وتعالى، يقول (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ (١٥٥) ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۭ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ (١٥٦)) [سورة البقرة آية: ١٥٥- ١٥٦].
فتأتي آيات سورة الأحزاب لتفضح المنافقين يحدثنا الله عن مقالتهم وعن أسرارهم ويفضحهم لنبيه، صلى الله عليه وسلم فيقول:
وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورًۭا ﴿12﴾
وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ يَـٰٓأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُوا۟ ۚ وَيَسْتَـْٔذِنُ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌۭ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًۭا ﴿13﴾
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا۟ ٱلْفِتْنَةَ لَـَٔاتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا۟ بِهَآ إِلَّا يَسِيرًۭا ﴿14﴾
وَلَقَدْ كَانُوا۟ عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلْأَدْبَـٰرَ ۚ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْـُٔولًۭا ﴿15﴾
ثم يقول لهم الله، تبارك وتعالى، محددا ومبينا ومقررا ً:
قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ وَإِذًۭا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا ﴿16﴾
قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِى يَعْصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوٓءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةًۭ ۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا ﴿17﴾
أيها الأخ المسلم في غزوة الأحزاب الكثير من الأمور التي سوف تتضح لنا مع توالي الآيات: الصدق القوة الثبات النفاق التوبة الصادقة الإنابة إلى الله، تبارك وتعالى، النصر المبين امتحان الله وابتلاؤه للصادقين كيف يزلزل المؤمن كيف أن الله يبتلي المؤمن حتى يزلزل حتى يبلغ القلب منه الحناجر، الله، تبارك وتعالى، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وله في أمر حكمة وإن ذهلت عنها العقول.
فقد كانت غزوة الأحزاب ابتلاء ً من الله للناس ظهر الصدق وظهر الحق ونصر الله، تبارك وتعالى، رسوله والصادقين من أتباعه وأظهر نفاق المنافقين وزلزل حصون المشركين.
ويحدثنا ربنا في سورة الأحزاب عن بعض طوائف المنافقين وأنه يعلم السر وأخفى وما تحدثت به نفوسهم أظهره الله وما تكلموا به في السر أعلنه الله فيقول الله:
قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لِإِخْوَٰنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿18﴾
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا۟ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًۭا ﴿19﴾
( وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًۭا (١٩))، كان ذلك الإحباط منه أن يحبط أعمالهم ولا يثيبهم عليها فهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فأن يحبط أعمال المنافقين شيء يسير أو كان نفاقهم على الله يسير فهم لن يضروا الله شيئا.
يَحْسَبُونَ ٱلْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا۟ ۖ وَإِن يَأْتِ ٱلْأَحْزَابُ يَوَدُّوا۟ لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِى ٱلْأَعْرَابِ يَسْـَٔلُونَ عَنْ أَنۢبَآئِكُمْ ۖ وَلَوْ كَانُوا۟ فِيكُم مَّا قَـٰتَلُوٓا۟ إِلَّا قَلِيلًۭا ﴿20﴾
ويأتي العتاب للمؤمنين الذين زلزلوا وظنوا وتاب الله، تبارك وتعالى، عليهم يقول الله:
لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا ﴿21﴾
وَلَمَّا رَءَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْأَحْزَابَ قَالُوا۟ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّآ إِيمَـٰنًۭا وَتَسْلِيمًۭا ﴿22﴾
لابد أن يأتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم ويؤكدون بقولهم تمسكوا بالبأساء والضراء تزلزلوا حتى يقول الرسول متى نصر الله لأن النصر بعد الحصر لأن النصر مع الصبر وأنه لابد وان يزلزل وأن وأن حتى يستحق الجنة ثم يقولون مؤكدين (وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ ۚ ) صدق الله ورسوله (وَمَا زَادَهُمْ إِلَّآ إِيمَـٰنًۭا وَتَسْلِيمًۭا (٢٢)) ما زادهم الخوف أو الرعب أو تحزب الأحزاب أو النظر إلى كثرة العدو وقوته ما زادهم كل ذلك إلا إيمانا بالله، تبارك وتعالى، وتسليما لقضائه وقدره.
ويتكلم القرآن عن المؤمنين كما تكلم عن المنافقين فيقول الله تعالى مبشرا الصادقين:
مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌۭ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُۥ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبْدِيلًۭا ﴿23﴾
لِّيَجْزِىَ ٱللَّهُ ٱلصَّـٰدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ﴿24﴾
أيها الأخ المسلم أبواب التوبة مفتوح وربنا، تبارك وتعالى، باسط يديه يتلقى منكم الدعاء ويجيبكم عليه وقبل منكم توبتكم.
فقد نصر الله، تبارك وتعالى المؤمنين بغير قتال:
وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا۟ خَيْرًۭا ۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًۭا ﴿25﴾
من هنا يتبين لك أن الاجتهاد جائز في أمور الدين وأن النبي، صلى الله عليه وسلم، أجاز كلا الفريقين وكلا الرأيين وحاصر النبي، صلى الله عليه وسلم، قريظة إحدى وعشرين ليلة أو خمسا وعشرين ليلة فقد تحصنوا في حصونهم، حصون مشيدة غاية في المنعة والقوة وأرسل النبي، صلى الله عليه وسلم، عليا بن أبي طالب ومعه الراية فذهب عليّ وعاد للرسول وقال: يا رسول الله لا تذهب إليهم، وعرض بالكلام فقال الرسول، صلى الله عليه وسلم: ( لَعَلَّكَ سَمِعْتَ مِنْهُمْ شَتْمِي!) فقال: بلى يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (إِذَا رَأَوْنِي كَفُّوا عَنْ ذَلِكَ)، الخوف والرعب هيبة رسول الله، وذهب إليهم ونادى: (يَا إِخْوَةَ الْقُرُودِ، نَقَضْتُمُ الْعَهْدَ، أَخْزَاكُمُ اللهُ وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمْ نِقْمَتَهُ)، وحاصرهم وفي هذا الحصار أرسل زعماء بني قريظة إلى أبي لبابة أبي لبابة من الصحابة ومن الأنصار ومن الأوس ومن عمرو بن عوف بالذات وكانت قريظة حلفاء لعمرو بن عوف وللأوس أرسلوا إلى أبي لبابة وقالوا يا أبا لبابة جمعوا له النساء والصبيان وكانوا زهاء سبعمائة مقاتل، قالوا يا أبابا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ يستشيرونه فقال: نعم ثم أشار إلى حلقه أي إذا نزلتم أصابكم الذبح وهنا ندم أبو لبابة وأحس أنه قد أفشى سر رسول الله، وأنه أنبأهم إنهم إن نزلوا على حكمه قتلهم فندم وأسرع إلى المسجد ولم يعد لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وربط نفسه بسارية من سواري المسجد موجودة حتى الآن في المسجد النبوي مكتوب عليها اسطوانة أبي لبابة ربط نفسه بالاسطوانة وقال والله لا أحل نفسي حتى يطلقني رسول الله، وندم وتاب وكانت امرأته تطلقه فقط للصلاة والتوضؤ وحين نما الخبر لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال أما إنه لو أتاني لاستغفرت له وأما إن فعل ما فعل فلا أطلقه حتى يطلقه الله ونزل في شأنه قول الله تبارك وتعالى: (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)) [سورة الأنفال آية: ٢٧]، ثم تاب الله على أبي لبابة ونزل قول الله، تبارك وتعالى: (وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ (١٠٢)) [سورة التوبة آية: ١٠٢]، فأطلقه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأقسم أبو لبابة ألا يدخل أرض بني قريظة ما عاش إلى أن يموت أرضا عصى فيها الله ورسوله بهذه الإشارة قلوب وضمائر حية.
يقول الله في شأن بني قريظة: (وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا۟ خَيْرًۭا ۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًۭا (٢٥)) الأحزاب ردهم الله مغتاظين (لَمْ يَنَالُوا۟ خَيْرًۭا ۚ) ما انتصروا ولا غنموا ولا كسبوا شيئا عادوا خزايا نادمين (وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ ۚ ) بالريح وبالملائكة فلم يقاتل المسلمون (وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا) في تنفيذ أمره (عَزِيزًۭا (٢٥)) لا يغلب لا يقهر.
وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَـٰهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقًۭا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًۭا ﴿26﴾
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَـٰرَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُمْ وَأَرْضًۭا لَّمْ تَطَـُٔوهَا ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرًۭا ﴿27﴾
أيها الأخ المسلم كيف نزل هؤلاء من صياصيهم ومن حصونهم حين حاصرهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبوْا أن ينزلوا على حكمه اجتمعوا وتشاوروا وأرسلوا إلى أبي لبابة فحذرهم أبو لبابة وإن كان قال لهم انزلوا على حكم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لكنه حذرهم وأنبأهم أن الحكم معناه القتل فمكثوا في حصونهم بضعا وعشرين ليلة ثم وافقوا أخيرا على النزول على حكم رسول الله، فذهب معشر الأوس حلفاؤهم من الأنصار وهم مؤمنون سابقون ولكن الشفاعة فيهم فذهبوا إلى رسول الله، وقالوا يا رسول الله، هؤلاء حلفاؤنا وقد أكرمت ابن سلول في بني النضير فلا يكون حظنا أوكس وأبخس عندك من ابن سلول فأكرمنا فيهم فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ألا ترضَوْن أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا رضينا يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال إذا ً فسعد بن معاذ سيدا الأوس فسر الأوس أن الحاكم والقاضي في هؤلاء هو سيدهم سعد بن معاذ أرسل النبي، صلى الله عليه وسلم، في طلب سعد، أين كان سعد بن معاذ؟ كان في المسجد مضروبا عليه خيمة أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بها يعوده من قريب فقد كان ينزف أصيب بسهم في الأكحل والأكحل الشريان عرق في الذراع لا يرقأ لا يشفى وأصيب بهذا السهم في الخندق وتوقعت عائشة، رضي الله عنها، هذه الإصابة لأنها رأته يلبس درعا مقلصَّة مشمرا أكمامه فقالت ما أخشى على سعد إلا أن يصاب في ذراعيه توقعت أن يصاب في ذراعيه وقد كان سعد بن معاذ فارسا مغوارا خرج مختالا ً والاختيال في الحرب مطلوب مباح خرج يرتجز ويقول:
مَهْلا قَلِيلا تَلْحَقُ الْهَيْجَا جَمَلْ لا بَأْسَ بِالْمَوْتِ إِذَا حَانَ الأَجَلْ
وخرج فأصيب بهذا السهم وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يحبه كثيرا فأمر ألا يعود إلى بيته بل يضرب له خيمة في المسجد يعوده النبي، صلى الله عليه وسلم، من قريب فحين أمر أن يحكم فيهم أرسل إليه فجاء وحين أهلّ على الناس قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ)، احتراما له وتوقيرا فقام الناس ونزل عن حماره وقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم:ارتضينا أن تحكم في بني قريظة ،وسعد بن معاذ حين أصيب دعا ربه وقال اللهم إن كنت قد أبقيت من حرب قريش فأبقني لها فلا قوم أحب إليّ من أن أجاهدهم من هؤلاء والذين كذّبوا رسولك وأخرجوه وإن كنت يا رب لم تبق من حرب قريش شيئا فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني في بني قريظة حلفاؤه الذين نقضوا العهد حتى لا يعيَّر بهم فاستجاب الله لدعائه وإذا به يحكم فيهم فوقف سعد وقال يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يسري حكمي على من ها هنا وأشار إلى بني قريظة قال نعم فقال وعلى من ها هنا؟ وأعطى ظهره إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حياء ً وأدبا أي يسري الحكم عليك أيضا يا رسول الله، ولكنه لم يقل ذلك له في وجهه أو ينظر إليه بل قال وعلى من ها هنا وأشاح قال نعم فقال يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أحكم بأن تقتل مقاتليهم وأن تسبى نساءهم وذراريهم فكبّر الرسول، صلى الله عليه وسلم، وقال: (لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ) وفعلا نزلوا وجمعوا وقتلت المقاتلة وسبيت النساء والذراري وقسمت الغنائم ووزعت الأرض والأموال والديار وصدق الله ، (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَـٰرَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُمْ وَأَرْضًۭا لَّمْ تَطَـُٔوهَا ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرًۭا (٢٧)) [سورة الأحزاب آية: ٢٧] وهنا عاد سعد بن معاذ إلى خيمته، وكان الدم قد توقف منذ أصيب في الخندق إلى أن حكم في بني قريظة وبانتهاء الحكم بدأ الدم ينزف وبدأ الدم يسيل حتى تسرب من الخيمة ووصل إلى حجرة عائشة وقالت يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم وفجأة جاء جبريل لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال يا محمد من هذا الذي اهتز عرش الرحمن لمماته فقام النبي يجر ردائه وذهب مسرعا إلى خيمة سعد بن معاذ فوجده قد قضى نحبه فتفاءل المسلمون قالوا لقد أجيبت دعوة الرجل الصالح حيث قال فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني في بني قريظة وصُلِّي عليه ودفن سعد بن معاذ في المدينة، وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بن مُعَاذٍ) أي اهتز سكان العرش الحافون حول العرش اهتزوا فرحا وسرورا باستقبال روح سعد بن معاذ وقال النبي، صلى الله عليه وسلم في شأنه: (لَقَدْ نَزَلَ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ شَهِدُوا جِنَازَةَ سَعْدٍ، مَا وَطِئُوا الأَرْضَ قَبْلَ يَوْمَئِذٍ). نزلوا الأرض نزلوا لأول مرة منذ خلق الله السموات والأرض لشهود جنازة سعد بن معاذ.
أيها الأخ المسلم: الله الله، الصدق مع الله. أيها الأخ المسلم كل آت قريب و (كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ (١٨٥)) [سورة آل عمران آية: ١٨٥]، هؤلاء قضوا نحبهم هؤلاء صدقوا ما عاهدوا الله عليه، هؤلاء أرواحهم في حواصل طير خضر تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش تأكل من ثمار الجنة وتشرب من أنهارها.
أيها الأخ المسلم الدنيا عمرها قصير وخطرها حقير وزادها قليل وما عند الله خير وأبقى.
فقد جاء أبو بكر الصديق، رضي الله عنه وأرضاه، يستأذن على النبي، صلى الله عليه وسلم، فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم فاستأذن أبو بكر فأذن له فدخل ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له فدخل عمر فوجد النبي، صلى الله عليه وسلم، جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا فقال عمر والله لأقولن شيئا أضحك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال عمر يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لو رأيت بنت خارجة، بنت خارجة هي امرأة عمر سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم قال هن حولي كما ترى يسألنني النفقة فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها أي يخنقها، وقام عمر كذلك إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقول تسألن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما ليس عنده، فقلن والله لا نسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شيئا أبدا ً ليس عنده، واعتزل النبي، صلى الله عليه وسلم، نساءه شهرا معتكفا غاضبا، وجاء جبريل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، يخيّره بين أن يكون ملكا نبيا وعرض عليه مفاتيح خزائن الدنيا، وبين أن يكون نبيا مسكينا فاستشار النبي، صلى الله عليه وسلم، جبريل فأشار عليه باختيار المسكنة فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، بل نبيا مسكينا أجوع يوما فأصبر وأشبع يوما فأشكر ثم أُمر النبي، صلى الله عليه وسلم، بتخيير نسائه ونزل جبريل بقول الله، تبارك وتعالى:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًۭا جَمِيلًۭا ﴿28﴾
وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـٰتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًۭا ﴿29﴾
(لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعْدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَٰجٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ رَّقِيبًۭا (٥٢)) [سورة الأحزاب آية: ٥٢] فحرّم عليه طلاق أي منهن وحرّم عليه الزيادة مكافأة لهن، وبيّن الله حكم نساء النبي، صلى الله عليه وسلم، بيّن حكم نساؤه من غيرهن فقال: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا۟ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓا۟ أَزْوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦٓ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)) [سورة الأحزاب آية: ٥٣]، فأصبح لهن حكم خاص.
حين يقول الله، تبارك وتعالى، في آية التخيير (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ) قال بعض العلماء أن التخيير كان بين الدنيا وبين الآخرة وذاك رأي مرجوح، الأرجح والأصوب كما قال العلماء الراسخون أن التخيير كان بين الإمساك وبين الطلاق، فمن أرادت أن تتمتع في الدنيا طلقت، ومن أرادت أن تعيش شظف العيش مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأن ترتفع منزلتها وأن تصبر على الفقر فقد كان رسول فقيرا كثيرا ما جاع وربط الأحجار على بطنه وقالت عائشة: كان الهلال يمر والهلال يمر والهلال يمر أي ثلاثة أشهر ولا يوقد في بيت محمد نار وحين سئلت عن طعامه قالت التمر والماء (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ) كلمة "تعال" يقول الناس أنها مرادف لكلمة أقبل ولكن كلمة "تعال" لا يقولها إلا ذو الجلال والرفعة، فإذا كان الداعي صاحب مقام وصاحب رفعة يقول تعال، وإن كان متساويا مع المدعو يقول أقبل لأن صاحب المقام إذا طلب غيره وقال تعال أي ارتفع وتعالى إلى مقامي لتحدثني أو لأخبرك بما أريد ولما كان النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو صاحب المقام الرفيع على كل الخلائق قيل له في خطابه (تعالين) (أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًۭا جَمِيلًۭا (٢٨)) أمتعكن قبل الطلاق وذاك من كرم خلقه يعطيهن ما يستحقنه من نفقة ومن متعة ومن مكافأة ومن ومن ومن (فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ) أعطيكن المتعة ما تستحقه كل واحدة منكن من نفقة وغيرها (وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًۭا جَمِيلًۭا (٢٨)) التسريح الطلاق، والسراح الجميل هو الطلاق الذي ليس فيه بدعة وليس فيه ضرار، الطلاق بغير ضرار وبغير بدعة هو السراح الجميل (أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ) قرأت بالجزم أُمتعْكُنَّ وقرأت بالرفع على الاستئناف أمتِعُكُنَّ وأُسرحُكُن سراحا جميلا (وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ) أي البقاء مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في عصمته مع الصبر على شظف العيش والفقر والرضا والقناعة بما هو موجود (فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـٰتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًۭا (٢٩)) حين يقول (لِلْمُحْسِنَـٰتِ مِنكُنَّ) "من" هنا للبيان للتبيين وليست للتبعيض فكل نساء النبي، صلى الله عليه وسلم، محسنات (أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـٰتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًۭا (٢٩)) يفوق الدنيا وما فيها يكافئكن على صبركن مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
ثم يبين ربنا، تبارك وتعالى، أن الحرمات إذا تضاعفت فهتكت تضاعفت العقوبات والناس مقامات، وكلما ارتفع المقام كلما تضاعفت الحرمة، فإن هتكت تضاعفت العقوبة ولذا تجد الله، تبارك وتعالى، عاتب الأنبياء في أشياء لم يعاتب فيها غيرهم من الناس لمقامهم الرفيع، وكذلك تجد أن الحد ضوعف للحر عن العبد، فالحر له حد ضعف حد العبد في الجلد، وكذلك المحصنة يضاعف لها الحد عن البكر وهكذا، وبالتالي لما كان نساء النبي، صلى الله عليه وسلم، على الدرجة الرفيعة والمقام العالي من الحرمة، إذا هتكت هذه الحرمة كان العقاب مضاعفا لذا يقول الله، تبارك وتعالى:
يَـٰنِسَآءَ ٱلنَّبِىِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَـٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ يُضَـٰعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًۭا ﴿30﴾
تعلم أن الخيانة هنا هي خيانة في الإيمان والطاعة وليس فيما تعارف عليه الناس، (ما بغت امرأة نبي قط وإنما خانت في الإيمان والطاعة) لذا زوجات النبي، صلى الله عليه وسلم، معصومات والكلام افتراض، مجرد افتراض لو فرض جدلا ً أن حدث منهن معصية وذلك لا ولم ولن يحدث لأن الله، تبارك وتعالى، عصمهن فهن أمهات المؤمنين، لكن الله يبين الحكم لنا وللأمة أنه كلما ارتفع مقامك كلما زاد علمك بالحلال وبالحرام كلما من ّ الله عليك بالفضل كلما كانت المعصية منك أقبح والطاعة منك أعظم، فمعصية العالم غير معصية الجاهل، ومعصية الشيخ غير معصية الشاب، وهكذا فيبين ربنا، تبارك وتعالى، لنا أن الحرمات إذا تضاعفت فهتكت ضوعفت العقوبات (وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًۭا (٣٠)) أي كان ذلك العذاب المضاعف على الله يسيرا مهما كان المعذب لأن الله، تبارك وتعالى، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وقد قال في موضع آخر: (قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ ) [سورة المائدة آية: ١٧].
مضاعفة العذاب قيل فيها يضاعف لهن الحد في الدنيا فإن كان الحد مائة جلدة يضاعف لهن ويصبح الحد مائتا جلدة، وقال بعض الناس بل مضاعفة العذاب أي في الدنيا وفي الآخرة، لأن المقام الرفيع لهؤلاء النسوة إذا أُقيم الحد عليهن لا يعفي من عقوبة الآخرة مع أن الحد في الدنيا يعفي من العقوبة في الآخرة فمن سرق في الدنيا فقطعت يده لا يؤاخذ على السرقة يوم القيامة فالحد كفارة ومن جلد عن الزنا في الدنيا لا يؤاخذ عليه يوم القيامة لأن الجلد كفارة أما النساء النبي، صلى الله عليه وسلم، فلوْ أن الحد أقيم فليس بكفارة ويؤاخذ مرة أخرى تلك هي المضاعفة وقال بعضهم بل مضاعفة العذاب في الآخرة لأن الله قال بعد ذلك عن مضاعفة الأجر ومضاعفة الأجر تكون في الآخرة وعليه فإن مضاعفة العذاب تكون في الآخرة أيضا وذاك أرجح الأقوال.
الجزء الثاني والعشرون
وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتَعْمَلْ صَـٰلِحًۭا نُّؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًۭا كَرِيمًۭا ﴿31﴾
يَـٰنِسَآءَ ٱلنَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍۢ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ۚ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِۦ مَرَضٌۭ وَقُلْنَ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا ﴿32﴾
التقوى أنواع أن تتقي غضب الله أن تتقي المعاصي أن تتقي العذاب أن تتقي الشبهات أن تتقي أن يقال عنك ما ليس فيك فالتقوى أنواع والمعنى هنا إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول تقوى الكبر تقوى الاستكبار، عدم الامتناع عن الكلام والإجابة عن أسئلة الناس لأن الناس كانت تسأل نساء رسول عن أحواله وعن أحاديثه وعن أفعاله وهكذا (فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ) الخضوع في القول اللين الليونة الميوعة التكسر كما تفعل المريبات فربنا، تبارك وتعالى، ينهى النساء، نساء النبي، صلى الله عليه وسلم، عن هذا الخضوع (إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ)، حال الكلام مع الأجانب مع الرجال (فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِۦ مَرَضٌۭ) قال بعض الناس الذي في قلبه مرض المنافق وهنا لا يصح هذا المعنى لأن النفاق لا دخل له في هذه الآية والمنافقون لا دخل لهم في هذه الآية، وإنما المقصود بالذي في قلبه مرض، مرض العصيان مرض الفجور مرض التشوّف بالمعاصي والغزل والفسق أي ليس ذو قلب سليم نقي بل هو في قلبه أمراض أنواع فالكبر مرض والشح مرض والتشوف للفجور مرض والرغبة ف المعاصي من الأرض (وَقُلْنَ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا (٣٢)) القول المعروف إما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإما القول المعروف الذي لا ينكره الشرع أو العقل القول الحسن القول الطيب.
وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًۭا ﴿33﴾
قال بعض الناس من هم أهل البيت؟ قال بعض الناس مستندين إلى حديث أن أهل البيت هم علي بن أبي طالب وفاطمة بنت محمد والحسن والحسين وذاك قول الشيعة مستندين إلى حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: فِي بَيْتِي أُنْزِلَتْ (إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًۭا (٣٣)) قَالَتْ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ،صلى الله عليه وسلم، إِلَى فَاطِمَةَ وَعَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ فَقَالَ: ( هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِي). الحديث صحيح ولكنه دعاء أن يدخل هؤلاء فيما ذكرن في هذه الآية لأن الآيات من أول (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًۭا جَمِيلًۭا (٢٨)) [سورة الأحزاب آية: ٢٨]، تختص بالنساء بأزواج النبي، صلى الله عليه وسلم، فلا يصح أن تؤخذ المعاني أخذا ً.
ويأتي الأمر:
وَٱذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴿34﴾
أيضا تحمل معنى التذكير، (فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌۭ (٢١)) [سورة الغاشية آية: ٢١]، والذكرى تنفع المؤمنين وهكذا إذا فمعنى كلمة (وَٱذْكُرْنَ) أي داوِمن على تذكّر الآيات والسنة والأوامر والنواهي واذكرن الله واذكرن السنن فإن تذكّر الله سبحانه وتعالى وتذكّر الأوامر والنواهي يجعل العبد دائما وأبدا على الصراط المستقيم.
أيضا هناك معنى آخر غاية في الأهمية (وَٱذْكُرْنَ) بمعنى يجب أن تبلغن وتقول كل واحدة منكن وتذكر للناس ما نزل في بيتها من قرآن وما حدث في بيتها من أحكام، ولذا كثير من السنن أخذت من أفواه نساء النبي، صلى الله عليه وسلم، كيف كان ينام، كيف كان يقوم الليل، متى ينام ومتى يقوم، كيف كان يغتسل كيف وكيف وكيف، كثيرا من أحواله مع نسائه عرفت من نساء النبي، صلى الله عليه وسلم، بهذا الأمر، (إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)) اللطف، لطفك يا رب دعاء يدعوه الناس، اللطيف هو الذي يعلم دقائق المصالح والمنافع ثم يوصلها إلى المنتفع برفق ولين وخفاء ودقة ذاك هو اللطيف، فربنا، تبارك وتعالى، يعلم ما فيه المصلحة وما فيه المنفعة دنيا وأخرى، وهو أعلم منا بما فيه مصلحتنا ومنفعتنا، وحين أوصل إلينا كل ذلك أوصله بغاية الرفق، فما يتم من عمليات في العقل للتذكّر أو للرؤية أو لإدراك المبصرات وإدراك المسموعات، وما يتم في الجسد من عملية الهضم عمليات في المصانع تحدث أصواتا وجلبة وضوضاء أي تحويل للمادة في أي مصنع لا بد وأن تحدث ضوضاء وتترك نفايات وما إلى ذلك، وانظر إلى جسمك ذاك المصنع العجيب فيه كل شيء دون أن تدري ودون أن تشعر ودون أن تتألم تخرج الفضلات دون ألم ودون إرادة ودون تحكم، حين تشعر بالجوع حين تدرك المدركات والمبصرات حين تحتفظ بالمعلومات حين ترتب في ذهنك الأشياء كل ذلك يحدث بلطف الله فهو اللطيف الذي قسّم الأسنان إلى قواطع وطواحن، ما يطحن الطعام وما يقطع وما يقضم وما وما وجعل اللسان فيه وظائف كثيرة الكلام النطق الذوق أيضا تقليب الطعام كالمجرفة ودفعه من جانب إلى جانب وهكذا، أشياء لو تأمل فيها الإنسان لعلم أن الله هو اللطيف هو الخبير (الخبير) العليم ببواطن الأشياء فإذا أضيف العلم ببواطن الأشياء إلى العلم بظواهر الأشياء فذاك هو الخبير.
أيها الأخ المسلم: من لطف الله أن سترنا بأنواع من الستر فالجسد الخارجي ساتر لما هو في الداخل وتخيل نفسك شفافا كالزجاج هل يطيق أحد أن ينظر إليك؟ الفضلات في جسدك سترها الله ولو رؤيت لفر الناس منك، ستر أيضا أفكارك والخواطر والهواجس وما تحدثك به نفسك مستور عن الناس من لطف الله، وسترك بالليل وإن عصيته سترك وإن استغفرته قبلك، فقد جاءت امرأة من الأنصار تدعى أم عمارة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقالت يا رسول الله: ما أرى كل شيء إلا للرجال وما أرى النساء يذكرن بشيء جميع الآيات في القرآن على صيغة المذكر والأجر والثواب كثيرا ما يذكر للرجال على صيغة المذكر ومن الطبيعي أن الكلام إذا جاء في صيغة التذكير فهو لأن للرجال القوامة وإذا اجتمع أناس فيهم الرجال والنساء ذكر الخطاب تغليبا للرجال على النساء، ولكن أم عمارة لم يتضح لها هذا، وجاءت تسأل وتتساءل ما أرى كل شيء إلا للرجال جنات والحور، وما أرى النساء يذكرن بشيء فنزل جبريل توضيحا وتفهيما وإكراما لهذه المرأة يقول الله، تبارك وتعالى:
إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَـٰتِ وَٱلصَّـٰٓئِمِينَ وَٱلصَّـٰٓئِمَـٰتِ وَٱلْحَـٰفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَـٰفِظَـٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةًۭ وَأَجْرًا عَظِيمًۭا ﴿35﴾
(وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلْأَمْرُ كُلُّهُۥ) [سورة هود آية: ١٢٣]، فما عليك إلا العبادة والتوكل إذاً فالإسلام تسليم لله في قضائه وقدره، تسليم لله في أمره ونهيه، تسليم لله في أحكامه وحكمه الحكم بما أنزل الله، التسليم والاستسلام المطلق لله في كل شيء ذاك هو الإسلام الحق يلي الإسلام الإيمان والإيمان قول وعمل والإيمان يزيد وينقص يزيد الإيمان بالطاعة وينقص بالمعاصي: (لاَ يَزْنِى الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) وهكذا، (وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِيمَـٰنًۭا ۙ ) [سورة المدثر آية: ٣١]، فالإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
والإسلام شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، صيام رمضان، الحج لمن استطاع إليه سبيلا، والإيمان كما علّمنا جبريل في حديثه للنبي: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ) والإيمان درجات ولكن الإيمان يأتي بعد الإسلام من صلح إسلامه وصدقت نيته في الإسلام رزق الإيمان فأنت تأتي الإسلام وتطلب الإسلام وأنت تستسلم لله والإيمان نور يقذفه الله في قلبك فتحسه وتشعره ولذا قال الله، تبارك وتعالى: (قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ ) [سورة الحجرات آية: ١٤]، إذا الإيمان يدخل والإيمان هنا فاعل فالإيمان نور يقذفه الله في قلب العبد فيعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه (وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ) القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع فقد يسلم العبد ومع ذلك يعص وقد يؤمن العبد ومع ذلك يرتكب الكبائر لكن القنوت المداومة على الطاعة بصفة مستمرة والخضوع لله، تبارك وتعالى، (وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ) الصدق أنواع ودرجات صدق في الحديث وكلنا يعلم أن ذاك من أهم الأشياء لأن نبينا، صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا) والكذب آفة لا يرتكبها المؤمن أبدا، وحين سئل رسول الله، صلى الله عليه وسلم يا رسول الله: هل يزني المؤمن؟ قال: (قَدْ يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ). قال: يا رسول الله، هل يسرق المؤمن؟ قال: (قَدْ يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ). قال: يا نبي الله، هل يكذب المؤمن؟ قال: (لَا). ثم أتبعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذه الكلمة: (إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۖ ) [سورة النحل آية: ١0٥] وانظر إلى الخطورة في شأن الكذب، وإذا سئلت عن شيء ولا تريد أن تخبر به أخبرنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ) كنت عند فلان ولا تريد أن تقول اسكت قل كنت عند رجل من الناس، عند صديق من الأصدقاء، قل أي شيء ولكن إياك والكذب، إياك والكذب، ف (إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۖ ) [سورة النحل آية: ١0٥]، ذاك الصدق في الحديث.
أيضا هناك الصدق في العقيدة صدق مع الله الصدق في الله الصدق في الحرب وفي الطاعة وفي الدعوة إلى الله وهكذا.
أيضا هناك الصدق في الوعد إذا وعد الصدق ووفّى (مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌۭ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ۖ ) [سورة الأحزاب آية: ٢٣].
(آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا وَعْدَ أَخْلَفَ) (وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ) والصبر هو صبر على الطاعة يحتاج لصبر جلوسك هذا يحتاج لصبر، الصبر عن المعصية أن ترى الحرام فلا ترتكبه أن تزيَّن لك المعاصي فتبتعد عنها، الصبر على البلاء الصبر على الفقر الصبر على الغنى الصبر في الله الصبر عن الله الصبر مع الله، هناك أناس صبروا عن الله هناك أناس يتشوقون للقاء الله يتحرقون شوقا للموت ولولا أنهم يعلمون أن لهم آجالا وأنهم لا بد وأن ينتهوا إليها ما استقرت أرواحهم في أجسادهم لحظة فهؤلاء يصبرون على الدنيا وعلى الصبر فيها، الصبر درجات وأنواع ومقامات،( وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ) الخشوع: الخوف من الله، تبارك وتعالى، ولكن الخوف في القلب فإذا ظهر الخوف في القلب على الجوارح فذاك هو الخشوع ولذا دخل النبي، صلى الله عليه وسلم، في المسجد ورأى رجلا يصلي وفي أثناء صلاته يعبث بلحيته وهو يصلي فأشار إليه وقال: (لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ) هؤلاء الذين خافوا الله، تبارك وتعالى فخشع منهم القلب وخشعت منهم الجوارح، من خشية الجوارح مثال: أهدر النبي، صلى الله عليه وسلم، دم رجل في فتح مكة قال النبي، صلى الله عليه وسلم، إذا لقيتموه فاقتلوه فذهب الرجل واستغاث بعثمان بن عفان فأمره عثمان أن يتلثم فتلثم حتى لا يراه أحد وجاء به إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في مجلسه وقال يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أشفع لفلان فسكت النبي، صلى الله عليه وسلم، فأعاد عثمان فسكت فأعاد عثمان فسكت فأعاد عثمان وألح فقبل النبي، صلى الله عليه وسلم، شفاعته وعفا عنه وخرج الرجل فقال لأصحابه تعلمون أني أهدرت دمه وقد رأيتموه ألم يكن قادرا ً أحد منكم أن يقوم فيضرب عنقه فقال رجل منهم يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هلاً أشرت إليّ بعينك الغمز بالعين فكان رد النبي، صلى الله عليه وسلم، (لَا، إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ أَعْيُنٍ) (يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ (١٩)) [سورة غافر آية: ١٩]، أنظرتم إلى الخشوع (وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَـٰتِ) الذي يتصدق بماله التصدق زكاة فريضة وتصدق نفل أيضا (وَفِىٓ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّۭ لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ (١٩)) [سورة الذاريات آية: ١٩] الذين يطعمون الناس ويقولون (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءًۭ وَلَا شُكُورًا (٩)) [سورة الإنسان آية: ٩] المتصدق الذي يظله الله بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله جعل واحدا من سبعة (وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَى يَسَارَهُ مَا أَنْفَقَتْ يَمِينُهُ) مرة في عمره مرة، لو فعل ذلك مرة لأظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، (وَٱلصَّـٰٓئِمِينَ وَٱلصَّـٰٓئِمَـٰتِ) الصوم فرض ونفل صيام رمضان وصيام نفل الاثنين والخميس، ثلاثة أيام من كل شهر، (مَنْ صَامَ يَوْمًا فِى سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا) (لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) حين واعد الله موسى ثلاثين يوما ليعطيه التوراة أُمر بالصيام فصام ثلاثين ليلة وفي اليوم الثلاثين كاد الصيام أن ينتهي ليتلقى التوراة مكتوبة شعر من نفسه بأن رائحة فمه تغيرت وهو مقبل على الله ليتلقى التوراة أراد أن يحسمن رائحة فمه، فأخرج السواك وتسوّك فنزلت الملائكة وقالت يا موسى لقد افتقدنا ما كنا نجده من خلوف فمك لقد أضعت رائحته بالسواك الآن صم عشرة أيام أخرى قبل تلقي التوراة، (وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةًۭ وَأَتْمَمْنَـٰهَا بِعَشْرٍۢ فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ۚ ) [سورة الأعراف آية: ١٤٢]، الصيام: صيام تطوع، وصيام نفل وصيام نذر ذاك كله معنى الصيام الظاهري والجسدي هناك صيام آخر كصيام مريم، (إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًۭا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّۭا (٢٦)) [سورة مريم آية: ٢٦]، هناك صيام عن الفواحش، صيام عن الكلام البذيء، صيام عن أعراض الناس وهكذا (وَٱلْحَـٰفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَـٰفِظَـٰتِ) والفرج: العورة عن كل حرام يدخل في هذا معان كثيرة ليس الزنا فقط بل الزنا ومقدمات الزنا لأن الله، تبارك وتعالى، حين نهى عن الزنا لم يقل ولا تزنوا وإنما قال: (وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلزِّنَىٰٓ ۖ ) [سورة الإسراء آية: ٣٢]، الاقتراب مجرد الاقتراب والاقتراب من الزنا هو مقدمات الزنا من تكسر وليونة وخضوع في الكلام من النساء، من خروج النساء سافرات متبرجات عاريات كاسيات لا يدخلن الجنة ولا يشمن ريحها من تعطرهن وتبخترهن تلك كلها مقدمات لأنك إذا رأيت المرأة كذلك اشتهيتها فهي مقدمات للزنا معها أو مع غيرها وطمعت فيها كلما تزينت وكلما تعرت كلما طمع الرجال، وكلما تسترت وكلما تحشمت كلما ابتعد عنها الرجال فعلا وفكرا وكلما تعرت كلما تحدثت النفوس واقترب منها الرجال الذين في قلوبهم مرض فعلا وقولا وأيضا فكرا، فالحافظين فروجهم والحافظات بكل أنواع الحفظ والصيانة.
وما نراه الآن حدث به ولا حرج تعاون الشيطان مع أجهزة الإعلام ومع النساء والفتيات وما نراه في أجهزة الإعلام من برامج كبرنامج العالم وغيره ومنوعات أجنبية وما إلى ذلك عري فاضح تكسر تميع أمور لا ترضي الله ولا ترضي رسول الله ولا يرضى عنها المسلم، والسكوت عنها يؤاخذ عليه، فالعلماء مؤاخذون والناس مؤاخذون على سكوتهم على هذا الفسق والفجور العلني في وسائل الإعلام لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وعليه فكل العاملين من هذه الأجهزة في الإذاعة المرئية العاملين فيها والقائمين عليها كوزير الإعلام والسامحون لهم بذلك مآلهم إلى النار وبئس القرار لكن في حالتهم هذه وبقائهم على ما هم عليه من الفسق والفجور والتحريض على المعاصي وعدم العمل بشريعة الله هم مؤاخذون يوم القيامة مقذوفون في جهنم ونارها، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها ذكر الله واسمع لقول الله، تبارك وتعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)) [سورة النحل آية: ٩٠].
كل ذلك يأتي من ذكر الله، أيضا حين أمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والطاعات والأوامر والعبادات قال: (وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ ) [سورة العنكبوت آية: ٤٥].
أيها الأخ المسلم: الذاكرين الله كثيرا من هم؟ قالوا لا يكون الرجل ذاكرا لله كثيرا حتى يذكره قائما قاعدا وعلى جنبه في كل أحواله وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، كما تقول عائشة (يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) إذا دخل الخلاء قال: (اللهُمَّ إني أَعوذُ بِك مِن الخُبثِ والخَبائِث) وإذا خرج من الخلاء بعد قضاء حاجته قال: (الحمدُ للهِ الذي أذهب عني ما يؤذيني وأمسك على ما ينفعُنِي) إذا أكل قال: (بسم الله) وإذا انتهى من الأكل قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ) ويقول (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لاَ كَافِيَ لَهُ وَلاَ مُئْوِىَ) وأيضا (بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ) وإذا قام قال: (اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ) (أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ) وهكذا يذكر الله في جميع أحواله حتى في الجماع وينصح الشباب والأزواج فيقول: (مَا مِنْ أَحَدٍ لَوْ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، ثُمَّ رُزِقَ أَوْ قُضِي بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ) يأتي الولد ابن حلال طائع قانع بار بوالديه لا يضره الشيطان بكلمة أين أنتم من ذكر الله طوال النهار وطوال الليل ماذا تفعل؟ هل يصعب أن تقول الحمد لله أستغفر الله لا إله إلا الله لا حول ولا قوة إلا بالله ما شاء الله بسم الله هل يصعب عليك ذلك؟ هل يصعب عليك أن تذكر اسم الله إذا ركبت السيارة، حتى إذا ركبت سيارتك قلت: (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) لأن الله أمرنا بذلك (لِتَسْتَوُۥا۟ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا۟ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ (١٣)) [سورة الزخرف آية: ١٣]، بدلا من أن تضع المصحف في السيارة لتتجنب الحوادث وتعلق يافطة فيها ما شاء الله وما إلى ذلك إذا ركبت السيارة، حتى إذا ركبت سيارتك قلت: (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) إذا قلت ذلك أمّنت على السيارة من الحوادث وهكذا، في الاغتسال (أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ) في الوضوء في كل لحظة في كل نفَسْ، في كل حركة إذا ذكرت الله بهذا الأسلوب وبما علمنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأصبحت من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات وذاك أعلى مقام (وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ ) [سورة العنكبوت آية: ٤٥]، واسمع المقامات بالتوالي وبالتتالي وبالتدرج (أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةًۭ وَأَجْرًا عَظِيمًۭا (٣٥)) مغفرة للصغائر مغفرة لذنوبهم لأن الكمال لله والعصمة للأنبياء أما نحن معشر البشر ومعشر الناس فلنا من المعاصي الكثير ما خفي وما ظهر وعليه فالله، تبارك وتعالى، فالله يغفر لهؤلاء صغائرهم وهكذا (أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةًۭ وَأَجْرًا عَظِيمًۭا (٣٥)) وإذا قال العظيم أجر عظيم فلا يعرف عظمة الأجر إلا العظيم.
ففي يوم من الأيام خرجت امرأة من الشام بطفل لها لا يتجاوز الثمان سنين خرجت لزيارة أخواله ولم يكن هناك أمان ولم يكن هناك شرع ولم يكن هناك دين، جاهلية فيها الكفر والجحود والنكران والحقد والقتل وإذا بخيل من تهامة تغير على هذه القافلة الآمنة وتأسر من فيها ويقع هذا الغلام الصغير أسيرا ويصيبه السباء ويأخذه من سباه إلى مكة فيباع كما يباع المتاع يشتريه حكيم بن حزام بن خويلد ثم يقدمه هدية إلى عمته خديجة يهدي لها إنسانا كما تهدي المتاع أهدته خديجة بدورها لزوجها محمد بن عبد الله وتربى زيد وكان ذلك هو اسمه تربي زيد في حجر محمد، صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك قبل البعثة وبدأ الأب يبحث عن ابنه الذي أصابه السبي أصابه الحزن أصابه الكمد أصابه الغم ولم يجد ما يعبر عن حزنه سوى الشعر وكان الشعر في الجاهلية هو لغة الناس هو الخطاب هو وسيلة النشر الوحيدة فقال الرجل شعرا يشكو به همّه وحزنه وتطوف بهذا الشعر القوافل في تطوافها بين البلاد ولعل هذا الشعر يبلغ زيدا فيسمعه فيرد على أبيه ويعرف مكانه وسارت القوافل بقول ذلك الأب الحزين:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل
فو الله ما أدري وإن كنت سائلا أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل
تذكرنيه الشمس عند طلوعها وتعرض ذكراه إذا غربها أفل
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره فيا طول ما حزني عليه ويا وجل!
سأعمل نص العيس في الأرض جاهدا ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
حياتي أو تأتي علي منيتي وكل امرئ فان وإن غره الأمل
ووصل الشعر إلى مكة مع القوافل وسمعه زيد، وعلم أن أباه يبحث عنه فردَّ عليه بشعر، ووصل الشعر إلى الأب، وعرف مكان ابنه، وذهب مسرعا إلى مكة هو وأخوه، وصل الأب والعم إلى مكة وعرفا مكان زيد والتقيا بعد طول غياب، ثم ذهب الأب والعم إلى محمد بن عبد الله، وقالا له: يا ابن عبد المطلب، يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه، جئناك في ابننا عندك، فامنن علينا وأحسن إلينا فداءه، فقال: من هو؟ قالوا: زيد، قال، صلى الله عليه وسلم: فهلا غير ذلك؟ قالوا: وما هو؟ قال: ادعوه فخيّروه، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء وإن اختارني فوالله ما أنا الذي أختار على من اختارني فداء، وجيء بزيد وقال له النبي، صلى الله عليه وسلم: أتعرف هؤلاء؟ قال: نعم، هذا أبي، وهذا عمي، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: فأنا من قد عرفت ورأيت صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا ً أبدا، أنت مني مكان الأب والعم، فصرخ الأب والعم: ويحك يا زيد! أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال: نعم، هو مني الأب، وهو مني العم، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: أشهدكم أني وارث وموروث، وأخذ بيد زيد وخرج إلى الحجر وعلى ملأ من قريش، وقال: أشهد أن زيدًا ابني، أرثه ويرثني، فأصبح يدعى زيد بن محمد، وطابت نفس الأب والعم بحرية الابن وبهذا التبني وانصرفا إلى بلدهما، ودارت الأيام وبعث النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان زيد أول من آمن بالنبي، صلى الله عليه وسلم، على الإطلاق زيد، وإن كان هناك خلاف هل هو أم أبو بكر الصديق، فقيل: إن أبا بكر أول من آمن من الرجال، وزيد أول من آمن من العبيد، وعليّ أول من آمن من الصبيان، وخديجة أول من آمنت من النساء، وكلهم أول والفضل لله، تبارك وتعالى، آمن زيد ونزل قول الله، تبارك وتعالى، بعد ذلك ينهى عن التكني بغير اسم الآباء: (ٱدْعُوهُمْ لِـَٔابَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ ) [سورة الأحزاب آية: ٥]، فتغير اسم زيد من زيد بن محمد إلى زيد بن الحارثة، أصابه ذلك بشيء من الحزن، وإن كان طائعا لله، إلا أنه أحس أنه فقد الشرف والفخر بكونه ابنا لخاتم المرسلين وسيد الخلائق أجمعين، وربما أراد أن يناله من الشرف شيئا فطلب من النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يزوجه من ابنة عمته زينب بنت جحش الشريفة القرشية قديمة الإسلام قديمة الهجرة، وأراد النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يحقق رغبة زيد فقد كان أحب الناس إليه وأرسل يخطب زينب بنت جحش عليه فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش، فزيد حديث عهد بعبودية وهي شريفة قرشية، فنزل قول الله، تبارك وتعالى:
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍۢ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۭا مُّبِينًۭا ﴿36﴾
الأمر الأول: أن زيد حبّه فهو أحب الناس إليه في منزلة الابن.
والأمر الثاني: أن حلائل الأبناء تحرم على الآباء وزيد في عداد الأبناء زيد بن محمد إلى عهد قريب ذاك كان اسمه فخاف أن تعيّره العرب وأن يقع فيه المنافقون بالأذى وبالكلام وهكذا ولم يدر ما يفعل، وإذا بزيد يأتيه ويقول يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إني أريد أن أفارق صاحبتي فيقول النبي، صلى الله عليه وسلم، هل رابك منها شيء؟ فيقول زيد لا والله ما رأيت منها إلا خيرا ولكنها لشرفها تتعاظم علي فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم، اتق الله وأمسك عليك زوجك وهو يعلم أن الطلاق كائن لا محالة وأنها زوجته لا محالة ومع ذلك قال له اتق الله وأمسك عليك زوجك وأخذ زيد يراوده وكان الأمر من النبي، صلى الله عليه وسلم، بالنهي عن الطلاق نهي تنزيه وليس نهي تحريم لأن الأمر لو كان على الوجوب لأمسكها زيد رغم كرهه لها لكن الأمر كان على الندب والنهي نهي تنزيه ولم يكن على الوجوب ولأطاع زيد وما كان زيد ليعص النبي، صلى الله عليه وسلم، فطلقها ويقول النبي، صلى الله عليه وسلم، لزيد بعد انقضاء عدة زينب بعد أن نزل الأمر والعتاب لا أجد أوثق منك يا زيد فاذهب إلى زينب واذكرها علي أي أن زيد هو المطالب بأن يخطب زينب طليقته لرسول الله. ابتلاء من الله عجيب وغريب وأوامر كلها قدوة وأسوة ومنذ قليل منذ بضعة آيات يقول الله، تبارك وتعالى: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ ) [سورة الأحزاب آية: ٢١]، ويقول زيد ذهبت إليها فعظمت في نفسي ولم أقو على النظر إليها لأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذكرها فأعطيتها ظهري وقلت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يذكرك فقالت والله ما أنا بصانعة شيئا حتى أُآمر ربي وذهبت إلى مسجدها تصلي وتستخير الله ونزل جبريل يقول للنبي، صلى الله عليه وسلم، معاتبا:
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىٓ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌۭ مِّنْهَا وَطَرًۭا زَوَّجْنَـٰكَهَا لِكَىْ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌۭ فِىٓ أَزْوَٰجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْا۟ مِنْهُنَّ وَطَرًۭا ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًۭا ﴿37﴾
الأمر الأول: أن الله، تبارك وتعالى، حين عاتب الحبيب المصطفى لم يعاتبه على الإخفاء فالإخفاء في حد ذاته ليس إثما، وإنما عاتبه لأنه أخفى خشية الناس ولو أخفى فقط ما كان في ذلك حرج عليه ولا إثم من هنا يقول (وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ) أي تخفيه حال كونك خاشيا خائفا من قالة الناس.
الأمر الثاني: أن هذا العتاب وإن كان موجودا وهي أشد آية على النبي، صلى الله عليه وسلم، في القرآن حتى أن عائشة تقول لو كان محمد كاتما شيئا من الوحي لكتم قول الله (وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ ۖ ) فكانت من أشد الآيات على النبي، صلى الله عليه وسلم، ورغم ذلك العتاب نعتقد والله أعلم أن ذلك لم يكن خطأً من النبي، صلى الله عليه وسلم، أو إثما يؤاخذ عليه لأن الله، تبارك وتعالى، في هذه الآية لو لاحظتم لم يأمره بالتوبة ولم يأمره بالاستغفار، هو المعصوم، صلى الله عليه وسلم، (وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ ۖ ) إذاً فالله، تبارك وتعالى، أحق أن يخشى ولا يخشى الإنسان أحدا إلا الله لأنه هو، تبارك وتعالى، هو الرازق والمحي والمميت والنافع والضار هو الله ثم يقول الله: (فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌۭ مِّنْهَا وَطَرًۭا) الوطر: كل حاجة للمرء فيها همّة تسمى وطرا وجمعها أوطار (فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌۭ مِّنْهَا وَطَرًۭا) أي تزوجها ونكحها وملّها فقضى حاجته منها أو(فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌۭ مِّنْهَا وَطَرًۭا) كناية عن الطلاق، وهنا نلفت النظر إلى أن الله ذكر زيدا باسمه في القرآن وهو الصحابي الوحيد الذي ذكر باسمه في القرآن بل هو الرجل الوحيد المؤمن الذي ذكر في القرآن على الإطلاق غير الأنبياء فلم يذكر في القرآن إلا الأنبياء ولم يذكر من صحابة الأنبياء أحد (وَقَالَ رَجُلٌۭ مُّؤْمِنٌۭ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ) [سورة غافر آية: ٢٨]، (وَجَآءَ رَجُلٌۭ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ ) [سورة القصص آية: ٢٠] وهكذا، رجل رجل، ولم يذكر إلا زيد في قرآن يتلى في المحاريب إلى أن تقوم الساعة، بل السفرة الكرام البررة حفظة الصحف المطهرة يقرءون القرآن ويذكرون زيدا ً في الملأ الأعلى، بل هو مذكور في كلام الله القديم القائم بذاته الذي لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال والحلول في الأوراق، شرف وأي شرف لم ينله أحد لذا تقول عائشة، رضي الله عنها، والله ما بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زيدا في سرية إلا وأمره عليهم، ولو بقي زيد لاستخلفه بعده، زيد بن الحارثة أمير الجيوش وما أرسل في سرية إلا وكان أميرا عليها، فقد قتل زيد بن الحارثة، رضي الله عنه، مستشهدا ًفي غزوة مؤتة وبكى عليه النبي، صلى الله عليه وسلم، بكاءً شديدا، وقد كان أميرا للجيش، فليأخذ الراية زيد، فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، ونعاه جبريل للنبي، صلى الله عليه وسلم، في موته فخرج يبكي وعيناه تذرفان ويقول: صاحباي ومؤنساي على زيد وجعفر، (فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌۭ مِّنْهَا وَطَرًۭا زَوَّجْنَـٰكَهَا) زوجتكها قراءة أخرى الحجة والسبب والعلة لهذا الأمر في طلاق زيد لزينب ثم زواج زينب من النبي، صلى الله عليه وسلم، هناك علة هناك غرض (لِكَىْ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌۭ ) إثم أو امتناع عن التزوج من زوجات أدعيائهم أي أبنائهم بالتبني الدعيّ من ادّعى لغير أبيه فكانت العرب تستحي من الزواج بزوجات الدعيّ كما تستحي من الزواج من حلائل الأبناء صلبا فأراد الله، تبارك وتعالى، أن يقول أن هؤلاء ليسوا بأبنائكم وما جعل أدعياءكم فليس حكمهم حكم الأبناء ولا حرج من الزواج من حليلة الابن بالتبني إن طلقها ووفَت عدّتها لا بد وأن يحدث ولا بد وأن يطاع ولا بد وأن يكون، فلا حائل دون أمره أو فعله. ثم يقول الله، تبارك وتعالى، مبرئا حبيبه المصطفى من كل إثم وحرج:
مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ مِنْ حَرَجٍۢ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥ ۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَرًۭا مَّقْدُورًا ﴿38﴾
ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَـٰلَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُۥ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًۭا ﴿39﴾
تلك الآيات والتي تم زواج النبي، صلى الله عليه وسلم، بها من زينب بنت جحش، التي كانت عائشة تقول عنها ما من امرأة من نساء النبي، صلى الله عليه وسلم، كانت تساميني من حسن المنزلة عنده إلا زينب بنت جحش وكانت عائشة تتباهى وتقول لنساء النبي، صلى الله عليه وسلم، أنا التي جاء جبريل بصورتي في سرقة من حرير قطعة من حرير للنبي فكانت زينب تقول: أنا التي زوجني الله من فوق سبع سموات ما من واحدة منكن إلا زوجها أبوها أو وليّها أما أنا فقد زوجني الله من فوق سبع سموات، وكانت تقول للنبي إني لأديل عليك بثلاث لا تدل واحدة من نسائك بهنَّ زوجني الله بك وكان السفير في ذلك جبريل وجدي وجدك واحد فهي بنت عمته وكانت النساء تسأل النبي، صلى الله عليه وسلم، من أسرعنا لحوقا بك يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكل واحدة منهن تتمنى أن تلحق بالنبي، صلى الله عليه وسلم، أولا تلحق به قبل الأخريات فتبقى معه في عالم البرزخ قبل الأخريات فكان يقول أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا فتقول عائشة فكنا نتطاول في الأيدي نرى أيتنا أطول يدا فحين ماتت زينب بنت جحش وماتت في خلافة عمر وهي أول من مات من نسائه وكانت أسرعهن لحوقا به علمنا أن رسول، صلى الله عليه وسلم، كان يقصد بطول اليد النفقة والصدقة فكانت زينب بنت جحش امرأة صنّاعة تصنع وتغزل بيدها وتبيع ما صنعت وتتصدق بثمنه فكانت أكثرهن صدقة وعطاءً وحين تولى عمر الخلافة أرسل إليها عطاءها ما فرض لهن بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، فتصدقت به كاملا وقالت اللهم لا يدركني عطاء عمر بعد ذلك فماتت فصلّى عليها عمر ودفنت بالبقيع، زينب جحش من أمهات المؤمنين المقربات إلى قلب رسول، صلى الله عليه وسلم، والحديث عنها يطول، رضي الله عنها وأرضاها.
أيها الأخ المسلم خشية الله رأس الحكمة مخافة الله من خاف سلم وينبئنا النبي، صلى الله عليه وسلم، بحديث قدسي عن ربنا، تبارك وتعالى، يقول فيه (وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
فقد تزوج النبي، صلى الله عليه وسلم، من زينب بنت جحش وأولم عليها وليمة لم يولم مثلها على غيرها من نسائه ونزلت آية الحجاب بعد زواجه من زينب مباشرة فحجب النبي، صلى الله عليه وسلم، نساءه عن الأمة، وبدأ المنافقون يؤذون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالكلام يقولون ينهى محمد عن الزواج بحلائل الأنبياء وقد تزوج بحليلة ابنه وأخذوا ينشرون هذا الكلام ويذيعونه بين الناس فنزل جبريل يرد عليهم مقالتهم بقول الله:
مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍۢ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا ﴿40﴾
أيها الأخ المسلم هذا رد من الله على المنافقين أسكتهم ونريد أن نقول أن الإيذاء للرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يقتصر على حياته فقط بل استمر الإيذاء حتى بعد مماته ويؤسفنا أن نقول تنبيها أن هناك من المفسرين من أخطأ في تفسير هذه الآية ونحن نقولها تحذيرا لمن يقرأها إياكم وإياكم فالنبي، صلى الله عليه وسلم، هو المعصوم في شيبته وفي شبابه منذ خلق أدبه ربه فأحسن تأديبه، قال بعضهم للأسف أن النبي، صلى الله عليه وسلم، رأى زينب بعد أن تزوجت من زيد وذهب إلى زيد فلم يجده ووجدها وكانت متفضلة أي كانت في ثياب بيتها ولم تكن محتشمة غاية الاحتشام فوقعت في قلبه فقال سبحان مقلب القلوب والأبصار وانصرف وجاء زيد فقالت زينب لزيد ما حدث ففهم زيد أن خب زينب وقع في قلب النبي، صلى الله عليه وسلم، فذهب إليه يريد طلاقها وفسروا الآيات على ذلك وقالوا وتخفي في نفسك ما الله مبديه أي حبك لها كلام لا يستقيم ولا يقبله عقل زينب بنت جحش ابنة عمته ليست غريبة كان يراها في الجاهلية ورآها في الإسلام ورآها من قبل الحجاب للنساء من قبل نزول قول الله، تبارك وتعالى:
(يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ۚ ) [سورة الأحزاب آية: ٥٩]، فهي ليست غريبة فكيف يحدث هذا بعد هذا العمر وكيف يزوجها وكيف؟ ثم يحدث كل ذلك هذه بعض الهنَّات التي وقع فيها بعض الناس، وقال العلماء المحققون في هذا الكلام أنه إلحاد وأن من قاله يعدّ من الملاحدة ومن اعتقده فسق، وقال بعضهم بل من اعتقده كفر لأنه جحد عصمة النبي، صلى الله عليه وسلم، فالكمال المطلق لله والعصمة للأنبياء ونبينا، صلى الله عليه وسلم، معصوم والرد على هؤلاء جمعيا من واقع ما قلناه آنفا حين يقول الله (وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ) هل يظهر ربنا، تبارك وتعالى، العواطف أم يظهر القضاء والقدر؟ الأمر الثاني أن الله، تبارك وتعالى، يعاقبه على أن يخشى الناس ولا يخشى الله ولو كانت المسألة مسألة حب امرأة متزوجة لا تحل له لكان من الواجب عليه أن يخشى الناس أيضا لأن المؤمن لا يضع نفسه مواضع الشبهات ومن أخطأ لا يجب عليه أن يعلن خطيئته على العالم بل من ستره الله وجب أن يحتفظ بستر الله عليه ونبينا يقول (يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، فَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَليْهُ).
الأمر الآخر: أن الله، تبارك وتعالى يقول: (ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَـٰلَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُۥ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًۭا (٣٩)) [سورة الأحزاب آية: ٣٩]، إذا ً فهو مطالب بأن يبلغ رسالة الله ما هي رسالة الله؟ تزوج من زينب بنت جحش ثم ربنا، تبارك وتعالى يقول:
(مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ مِنْ حَرَجٍۢ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥ ۖ ) [سورة الأحزاب آية: ٣٨]، ولم يقل فيما شعر به تحرك به قلبه إذا ً ذاك أمر من الله بالزواج من هذه المرأة أمر مفروض عليه، قسمة قسمها الله وأمر أمره الله وفرض فرضه الله ولم يكن لشعوره أو قلبه دخل في هذا الأمر (مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ مِنْ حَرَجٍۢ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥ ۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلُ ۚ ) [سورة الأحزاب آية: ٣٨]، الأنبياء ما فرض لهم وما أمروا به وما قسم لهم هل الأنبياء كلهم كانوا من العاشقين؟ أحبوا وعشقوا وكان ذلك مما فرض عليهم كلام غريب.
أيضا العلة من الزواج تزوج النبي، صلى الله عليه وسلم، من بنت عمته طليقة ابنه بالتبني، طليقة زيد ابن حارثة حين تزوجها تزوجها لعلة هم يقولون هؤلاء غفر الله لنا ولهم وعفا عنا وعنهم أنه أحبها ووقعت في قلبه إذاً تزوجها من أجل الحب هذه هي العلة في قولهم في زعمهم، وربنا تبارك وتعالى، أصدق القائلين يقول معللا لهذا الزواج: ( لِكَىْ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌۭ فِىٓ أَزْوَٰجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْا۟ مِنْهُنَّ وَطَرًۭا ۚ ) [سورة الأحزاب آية: ٣٧] ها هي العلة صريحة فكيف غفل هؤلاء عن هذا الكلام.
من هنا أيها الأخ المسلم التقليد ممنوع هؤلاء الذين قالوا هذا قلدوا بعض الناس مقالات المنافقين وما إلى ذلك حين رد الله، تبارك وتعالى، عليهم (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍۢ مِّن رِّجَالِكُمْ) لم يجدوا ما يقولوه بعد ذلك إلا أن يزعموا المزاعم ويفتروا الافتراءات فقيلت في الرعيل الأول وتناقلها الناس وجاء المفسرون يقلدون ما قاله السلف غير الصالح من المنافقين، من هنا الحرص واجب وهناك أمر لا بد وأن نعرفه جيدا وهو أن الكمال المطلق لله ولا يصح وصف الله إلا وصف هو به نفسه.
أيضا أن العصمة للأنبياء ولا يصح مطلقا أن يقال عن الأنبياء قصص لم يقصه الله علينا فإنما يستمد قصص الأنبياء ممن قال (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ) [سورة يوسف آية: ٣]، وممن قال: (لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ ) [سورة يوسف آية: ١١١].
أيها الأخ المسلم لا اجتهاد مع وجود النص، النص موجود (زَوَّجْنَـٰكَهَا لِكَىْ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌۭ ) [سورة الأحزاب آية: ٣٧]، هذا هو النص ولا اجتهاد مع النص، أقول هذا تنزيها للنبي، صلى الله عليه وسلم عن مقالة السوء وعن مقالة السفهاء، وتبيينا وتوضيحا لكم فربما قرأ بعضكم بعض الكتب كالطبري مثلا وأخذ هذه المقالة واعتقد صحتها أقول خوفا عليكم وتنزيها للمصطفى، صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه رب العالمين:
(وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ (٤)) [سورة القلم آية: ٤] والذي قال في نفسه: (إِنَّ اللَّهَ أَدَّبَنِي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي).
أرجى الأمل وأرجى العمل هو الذكر، ذكر الله، تبارك وتعالى، وربنا، سبحانه وتعالى، ينبه ويقول: (إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۗ ) [سورة العنكبوت آية: ٤٥]، ثم يقول: (وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ ) [سورة العنكبوت آية: ٤٥]، أكبر من كل شيء ذكر الله، ومن رحمته سبحانه وتعالى بالعباد أن جعل هذا الذكر أمر ميسورا وجعل الأجر عليه عظيما موفورا ولا يسقط الذكر عن عبد أبدًا ما دام عقله ثابتا، طالما كان العقل ثابتا فذكر الله، تبارك وتعالى، واجب في كل الأحوال، ولذا يقول الله، تبارك وتعالى فيما يتلى علينا اليوم من سورة الأحزاب:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ ذِكْرًۭا كَثِيرًۭا ﴿41﴾
وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًا ﴿42﴾
( يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ ذِكْرًۭا كَثِيرًۭا (٤١)) وذكر الله، تبارك وتعالى، يجعلك دائما في المعيّة بل يجعلك دائما وأبدا مذكورا في الملأ الأعلى لأن الله، تبارك وتعالى، يقول في حديث قدسي: (إِنْ ذَكَرَنِيَ فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي وَحْدَهُ ذَكَرْتُهُ وَحْدِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ).
( وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًا (٤٢)) التسبيح: التنزيه وأصل كلمة التسبيح من السبح والسباحة السير بسرعة في الماء أو في الهواء والمسبّح كأنه يسارع في تنزيه الله، تبارك وتعالى، عما لا يليق بجلاله وكماله فحين تقول سبحان الله أي إسراع مني في تنزيهك يا ذا الجلال والإكرام عما لا يليق بجلالك وكمالك (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةًۭ ) البكرة أول النهار (وَأَصِيلًا (٤٢)) والأصيل آخر النهار العشي: قبل المغرب الأصيل: جمعه أُصُل وآصال (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًا (٤٢)) إما التسبيح الوارد عن النبي، صلى الله عليه وسلم، التهليل والتحميد والتكبير، وإما التسبيح بمعنى الدعاء، وإما أن التسبيح بمعنى الصلاة واختص ربنا، تبارك وتعالى، هذين الوقتين (بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًا (٤٢)) لأن في هذين الوقتين التسبيح مشهود هو الوقت الذي يتبادل فيه الملائكة أماكنهم المعقبات الحفظة ينزلون بالنهار يتسلمون من ملائكة الليل وفي آخر النهار ينزل ملائكة الليل حتى يصعد ملائكة النهار، فكلما نزلت ملائكة النهار في أول النهار اجتمعوا مع ملائكة الليل وكلما همّ ملائكة النهار في الصعود في آخر النهار لنزول ملائكة الليل اجتمعوا أيضا في آخر النهار فهذين الوقتين هما الوقتان اللذان يجتمع فيهما ملائكة الليل وملائكة النهار وحين يصعدون إلى ربهم فَيَسْأَلُهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: (كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي)؟ قَالُوا: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، ثم يقول الله، تبارك وتعالى، إنه خير من أعطى وخير من منح وخير من كافأ، فيقول:
هُوَ ٱلَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ وَمَلَـٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۚ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًۭا ﴿43﴾
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُۥ سَلَـٰمٌۭ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًۭا كَرِيمًۭا ﴿44﴾
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًۭا وَمُبَشِّرًۭا وَنَذِيرًۭا ﴿45﴾
وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِۦ وَسِرَاجًۭا مُّنِيرًۭا ﴿46﴾
وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلًۭا كَبِيرًۭا ﴿47﴾
وَلَا تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَدَعْ أَذَىٰهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًۭا ﴿48﴾
ثم يأتي بعد ذلك الخطاب بتخصيص آيات جاءت في القرآن أشكل على الناس فيها أمر: آيات العدة للمطلقة ربنا، تبارك وتعالى يقول: (وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍۢ ۚ ) [سورة البقرة آية: ٢٢٨]، ثلاثة حيضات أو ثلاث طهورات، عدة المطلقة طلاقا رجعيا وحين أشكل على الناس الأمر في الآيسة التي ارتفع عنها الحيض كبيرة السن وكذا في الصغيرة التي لم تحض بعد ما عدتهن؟ بينه القرآن وقال: (وَٱلَّـٰٓـِٔى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـٰثَةُ أَشْهُرٍۢ وَٱلَّـٰٓـِٔى لَمْ يَحِضْنَ ۚ ) [سورة الطلاق آية: ٤]، وبيّن عدة المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشرة أيام بقي أمر المطلقة غير المدخول بها إذا عقدت عليها ولم تدخل عليها ثم حدث الطلاق ألها عدة أم لا؟ فيقول الله، تبارك وتعالى:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍۢ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًۭا جَمِيلًۭا ﴿49﴾
من الأمور أيضا التي تلفت النظر في الآية (ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ) جاء بكلمة ثم لبيان أنه لا طلاق إلا بعد نكاح وبينه النبي، صلى الله عليه وسلم، بعد ذلك في حديث: (لاَ طَلاَقَ إِلاَّ بَعْدَ نِكَاحٍ)، بعد عقد أي أن الرجل إذا قال لامرأة لم يتزوجها بعد إن تزوجتك فأنت طالق لا شيء لأنه لم يتزوجها بعد ولذا قال: (إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ) إذًا لا طلاق إلا بعد النكاح كلمة نكاح أصلا تعني الوطء الجماع، رغم هذا حين وردت هذه الكلمة في القرآن لم ترد أبدا إلا بمعنى العقد فقط ولم ترد بمعنى الجماع أبدا (مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ) ليبين لك أن كلمة نكاح هنا تعني العقد وليس الوطء، في جميع القرآن كلمة نكاح تعني العقد، ولكن المعنى اللغوي للكلمة تعني الوطء، أطلق ربنا في القرآن على العقد كلمة نكاح لأن العقد وسيلة وطريق إلى الجماع فعبّر عن الغاية بالوسيلة، فإذا أراد القرآن أن يعبر عن الجماع والوطء بما عبر القرآن؟ عبّر بألفاظ معدودة ومحدودة ممّاسة ملامسة قربان تغشي إتيان ولم يرد سوى هذه الكلمات الخمس (أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ) [سورة المائدة آية: ٦] الملامسة (ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ) المماسة (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ ) [سورة البقرة آية: ٢٢٢]، القربان (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ ) [سورة البقرة آية: ٢٢٢]، الإتيان (فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًۭا فَمَرَّتْ بِهِۦ ۖ ) [سورة الأعراف آية: ١٨٩]، التغشي ، خمسة ألفاظ جاءت كناية عن الجماع، وأما الكلمة الأصلية كلمة النكاح جاءت لتدل على العقد فقط (ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍۢ تَعْتَدُّونَهَا ۖ ) أمر ملفت للنظر (فَمَا لَكُمْ) الخطاب للرجال (عَلَيْهِنَّ) على النساء (مِنْ عِدَّةٍۢ) المدة (تَعْتَدُّونَهَا ۖ ) تعدونها عليهن، أسند الأمر للرجال والعدة عدة المطلقة (وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ) [سورة البقرة آية: ٢٢٨]، هي التي تعرف متى تحيض ومتى تطهر، هي التي تقول وهي التي تصدّق فيما تقول وحرّم الله عليها أن تكتم (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىٓ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ ) [سورة البقرة آية: ٢٢٨]، إذًا هي أدرى بالعدة وانقضائها، أدرى بالحمل وعدمه، أدرى بالقرء والحيض وما إلى ذلك فالأمر مختص بها، ولكن الآية أسندت الأمر إلى الرجال (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍۢ تَعْتَدُّونَهَا ۖ ) [سورة الأحزاب آية: ٤٩]، تحصونها لبيان أن العدة وإن كانت مختصة بالمرأة فهي من حق الرجل وحده من أجله فقط، وليس من أجلها، من أجل الرجل وهو صاحبها، من هنا كان من حقه أن يعيد امرأته دون إذنها في فترة العدة في حالة الطلاق الرجعي، بل وقال بعض الأئمة إذا لمسها بيده أعيدت ولو لم ينطق بلفظ الإعادة. ومن رحمة الله، تبارك وتعالى، جعل عدة المطلقة المدخول بها في بيت زوجها لأن المطلقة مع زوجها في نفس الزوجية أدعى لحصول الألفة والمودة والصلح بينهما، أما التي طلقت قبل المسيس فلا عدة لها وبالتالي لا بقاء لها في بيت زوجها.
أيضا يبين من الآية ويظهر أن مجرد الخلوة بين الرجل والمرأة بعد العقد لا تتيح الفرصة للعدة ولا تسمح لها طالما لم يحدث المسيس، مجرد الخلوة التي يحكم بها بعض الناس طالما حدثت الخلوة بين الزوج الزوجة ولو لم يقر هو بالدخول لها الحق في العدة النفقة وما إلى ذلك فهو مرفوض لأن ظاهر الحكم في الآية يبين أن من طلق بعد النكاح قبل المسيس لا عدة لها ولا بقاء في البيت بشرط المسيس، والمسيس والمس معناه: الجماع والوطء ، (فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًۭا جَمِيلًۭا (٤٩))، (فَمَتِّعُوهُنَّ) لا متعة لغير المدخول بها، غير المدخول بها لها حكم يقول الله، تبارك وتعالى، (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةًۭ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّآ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ ۚ ) [سورة البقرة آية: ٢٣٧]، إذًا فلا متعة لها، المتعة للمدخول بها فكيف يقول هنا فمتعوهن؟ قال بعض العلماء الآية منسوخة بقوله (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) [سورة البقرة آية: ٢٣٧]، وقال بعضهم أبدا كلمة (فَمَتِّعُوهُنَّ) أي إذا لم تكونوا قد فرضتم لهن فريضة وجبت هنا المتعة، فإن كان هناك فريضة فنصف ما فرضتم وإن لم يكن هناك فريضة فمتعوهن أعطوهن المتعة (وَسَرِّحُوهُنَّ) أخرجوهن من البيوت إن كن في بيوت الأزواج (سَرَاحًۭا جَمِيلًۭا (٤٩)) وقلنا من قبل أن السراح الجميل هو الطلاق بغير ضرار وبغير منع لحق.
أيها الأخ المسلم النور كله في القرآن والسراج المنير هو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومن تمسك بكتاب الله وسنة نبيه فلا يضل ولا يزيغ أبدًا وله الأمن والأمان في الدنيا وفي الأخرى، فيجب أن تعلم أيها الأخ المسلم أن النبي، صلى الله عليه وسلم، فرض عليه من الأمور ما لم يفرض على الأمة، وحرم عليه من الأمور ما يحرم على الأمة، وأبيح وأحل له من الأمور ما لم يحل للأمة، وهي معدودة معروفة عدّها وحصرها الراسخون في العلم:
فمن الأمور المفروضة مثلا عليه ولم تفرض على الأمة السواك: لكم سنة وعليه فرض.
من الأمور المفروضة عليه: قيام الليل في أرجح الآراء وهو منسوخ بالنسبة لنا. ومن الأمور التي حرمت عليه أكل أي طعام له رائحة كريهة يحرم عليه أما نحن فنأكل ما شئنا إن أكلنا لا نأتي إلى المسجد أما هو فلا يأكلها أبدا وحين قدمت له يوما ورفضها وسئل، وسأله أبو أيوب الأنصاري قال: هل هي حرام يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لاَ تُنَاجِي)، فيحرم عليه أكل الثوم والبصل وما إلى ذلك، وهو حلُّ لنا يحرم عليه أيضا الصدقة والزكاة تحرم عليه وعلى آل بيته لا يأكل الصدقة ويأكل الهدية، أما الأمة فتحلُّ لها الصدقة ويحل عليها الزكاة إذا احتاجوا لأموال الزكاة.
من الأمور التي أبيحت له كثيرة معدودة ونضرب بها أمثلة فقط عدد الزوجات لا يصح للمسلم سوى أربع فقط في وقت واحد أما هو فبلا حدود. من الأمور التي أبيحت له الغنائم، الاستئثار بالخمس من المغنم، أيضا أن يتزوج بغير وليّ وبغير صداق وبغير شهود كما حدث مع زينب، أيضا أن تهب امرأة نفسها له خاصية وخاصة له.
أمور كثيرة أيضا لا يباح لك أن تأخذ طعام الجوعان أو شراب العطشان مهما كنت في حاجة إليه وإن أدركك الموت وهو كذلك وهو صاحب الطعام فلا يصح لك أن تأخذ منه وإلا كان غصبا، أما النبي، صلى الله عليه وسلم، إن رأى الجوعان ومعه الطعام فيه حياته ونبينا جوعان فمن حقه أن يأخذ الطعام يموت الرجل ولا يموت المصطفى، صلى الله عليه وسلم، لأن الله، تبارك وتعالى، يقول: (ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ ) [سورة الأحزاب آية: ٦]. من هنا يقول الله، تبارك وتعالى، له ميِسِّرا عليه موسعا له:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَٰجَكَ ٱلَّـٰتِىٓ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّـٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَـٰلَـٰتِكَ ٱلَّـٰتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَٱمْرَأَةًۭ مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةًۭ لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىٓ أَزْوَٰجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌۭ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ﴿50﴾
أيها الأخ المسلم يقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَرْحَمَ مَا يَكُونُ اللهُ بِالْعَبْدِ إِذَا وُضِعَ فِي حُفْرَتِهِ).
فبعد أن بيّن الله، تبارك وتعالى، لحبيبه المصطفى أصناف النساء اللاتي أحلهنّ له وما ملكت يمينه وأباح له ما لم يبح للأمة من التعدد، ومنع عليه ما لم يمنع عن الأمة فقد منع عن أن يتزوج بالمشركات أو الكتابيات أيضا شرط له شروط لم تشرط لغيره فلا يحل له أن يتزوج امرأة مؤمنة إلا إن كانت من المهاجرات معه بعد ذلك وسّع الله، تبارك وتعالى، على نبيه، صلى الله عليه وسلم ورفع عنه الحرج وقال في محكم كتابه في سورة الأحزاب:
تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُـْٔوِىٓ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ۖ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًۭا ﴿51﴾
ثم يقول الله، تبارك وتعالى، له مكافئا لأزواجه حيث اخترن الله ورسوله والدار الآخرة أيضا حين حرّم عليهن أن يتزوجن من بعده، فيقول الله ، تبارك وتعالى له:
لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعْدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَٰجٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ رَّقِيبًۭا ﴿52﴾
أما في حالة الخطبة فلا بأس أن ينظر إلى ما أبيح إلى الوجه إلى الكفين أشارت إلى هذا الحكم هذه الجملة (وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ ) يخرج هذا الاستثناء من التحريم والمنع لا يحل لك النساء أي الزوجات أما ما ملكت يمينك فيحل لك ملك اليمين، فالذي منع عنه الزواج والاستبدال فقط أما الاستمتاع بملك اليمين فلم يمنع واختلف الفقهاء أيصح أن تكون الأمة كافرة أو مشركة أو كتابية؟ أجاز البعض لإطلاق اللفظ (إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ ) ومنع البعض لأن الله، تبارك وتعالى، يقول (وَلَا تُمْسِكُوا۟ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ) [سورة الممتحنة آية: ١٠]، والأمة وإن كانت غير زوجة فإن كانت كتابية أو مشركة تنزيها لقدر النبي، صلى الله عليه وسلم، فلا يصح له أن يباشرها طالما هي ليست مسلمة أما أم المؤمنين وأمهات المؤمنين فقد علمنا من قبل ما وجب في حقهن الإسلام والهجرة والنسب وما إلى ذلك، (وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ رَّقِيبًۭا (٥٢)) خبر عام يبيّن لنا أن الله، تبارك وتعالى، إذا كان رقيبا على أحب الخلق إليه أفلا يكون رقيبا على الجميع.
وتأتي الآيات بعد ذلك لتبيّن لنا الأدب مع رسول، صلى الله عليه وسلم، ولتفرض الحجاب على نساء الأمة.
حين تزوج النبي، صلى الله عليه وسلم، بزينب ابنة جحش وعرضنا قصتها من قبل، أَوْلم عليها بوليمة لم يولم مثلها على غيرها وحين أولم عليها جاء الناس وجاءت الصحابة وطمعوا وبعد الطعام جلسوا يتسامرون ويتحدثون وزينب، رضي الله عنها، مولية وجهها شطر الحائط معطية ظهرها للناس ولم يكن الحجاب قد فرض بعد فثقلوا على النبي، صلى الله عليه وسلم، وتأذّى منهم فيروي لنا أنس بن مالك فيقول فلا أدري أأخبرت أنا أو أخبرني بأن القوم قد انصرفوا فقام النبي، صلى الله عليه وسلم، ودخل بيته فهممت بالدخول معه فأرجى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب يؤدبنا ربنا، تبارك وتعالى ويقول:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتَ ٱلنَّبِىِّ إِلَّآ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَـٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُوا۟ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنتَشِرُوا۟ وَلَا مُسْتَـْٔنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى ٱلنَّبِىَّ فَيَسْتَحْىِۦ مِنكُمْ ۖ وَٱللَّهُ لَا يَسْتَحْىِۦ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـٰعًۭا فَسْـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍۢ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا۟ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓا۟ أَزْوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦٓ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا ﴿53﴾
ثم يأتي التعليمات بالحجاب (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـٰعًۭا فَسْـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍۢ ۚ ) والمتاع ما يستمتع به من أمور الدنيا أو الدين كالمواعين وغيرها مما ينتفع به من أمور الدنيا، أما في أمور الدين فقد كان الناس يسألون نساء النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الأحكام والأحاديث وأحوال النبي، صلى الله عليه وسلم، (وَٱذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْمَةِ ۚ ) [سورة الأحزاب آية: ٣٤] فكيف يذكرن من ذلك؟ أن يسألهن الناس، فقال الله، تبارك وتعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـٰعًۭا فَسْـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍۢ ۚ ) والحجاب هنا ليس النقاب، الحجاب الحائط الحجاب المانع الذي يمنع الرؤية تماما ولا تسمع من الحجاب إلا الصوت فقط، وقيل إن آية الحجاب نزلت بعد الزواج من زينب بنت جحش بسبب مكوث الناس عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتأذِّيه وقيل نزلت أيضا بسبب أن عمر بن الخطاب كان يقول للنبي، صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البرُّ والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجببن وروى أنه مرة من المرات رأي سودة فقال يا سودة قد عرفناك وهكذا كان عمر يريد أن تنزل آية الحجاب ونزلت موافقة لرأي عمر كما قال هو في حديثه وافقت ربي في ثلاث منها آية الحجاب (ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ ) (ذَٰلِكُمْ)هذا الأمر وذاك الأمر بفرض الحجاب على أمهات المؤمنين (ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ ) أطهر للقلوب من الخواطر التي تخطر للرجال في أمر النساء أو تخطر للنساء في أمر الرجال والخواطر لا سلطان للإنسان عليها، وقد تأتيه الخواطر من الشيطان وقد رفع الله، تبارك وتعالى، عن أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، ما تحدثت به نفوسهم طالما كان حديث نفس أو خواطر، أما إذا تكلمت أو فعلت فأنت مؤاخذ، لكن الله، تبارك وتعالى، يريد أن يطهر أمهات المؤمنين حتى من الخواطر ويطهر الصحابة كذلك فقال (ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ )وهذه الجملة إذا تبينت وتأملت أن المخاطب بها أفضل الأجيال والقرون والناس بعد الأنبياء على الإطلاق، بعد الأنبياء أفضل الناس صحابة النبي، صلى الله عليه وسلم، بمقالته: (خَيْرُ الْقٌرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) فهم أفضل الناس على الإطلاق (رِجَالٌۭ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ۖ ) [سورة الأحزاب آية: ٢٣] أما أمهات المؤمنين فهن لسن كسائر النساء (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍۢ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ۚ ) [سورة الأحزاب آية: ٣٢]، قمة النساء وقمة الرجال يخاطبن بقول الله، تبارك وتعالى، فما بالك بأمرنا نحن، والآية تدل دلالة قاطعة على أن خلوة الرجل بالمرأة التي لا تحل له لا تصح مطلقا والآية تدل أيضا أنك مهما بلغت من الصلاح أعلى الدرجات إياك أن تثق في نفسك فالله المنجِّي والله العاصم إياك أن تثق في نفسك وتقول أنا أختلي بفلانة وأنا أثق في نفسي إياك، ويوسف ماثل في الأذهان (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ ۚ ) [سورة يوسف آية: ٢٤] ها هو ربنا، تبارك وتعالى، يخاطب أفضل الخلائق بعد النبيين نساءً ورجالا (ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ ) فكيف بنا والخلوة تحدث والاختلاط حادث في المدارس في روضات الأطفال وإذا برجال التربية والتعليم يصعدون بهذا الاختلاط في المدارس إلى المرحلة الابتدائية ثم إذا بهم لما سكت الناس والساكت عن الحق شيطان أخرس وانخرس العلماء وصمت أهل الحق ارتفع الاختلاط من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الإعدادية سن البلوغ سن المراهقة سن الخطر، بل أنتم ترون فتيات المدارس كيف يلبسن هذا هو الاختلاط في المرحلة الإعدادية، وتطورنا وأصبح الاختلاط في المراحل الثانوية، اختلاط بين الشباب في أخطر سن، لم يكفيهم اختلاط الجامعة فها هم أيضا يأمرون بالاختلاط في المدارس، وربنا يخاطب أطهر الخلق بعد النبيين (ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ ) ثم يهدد ربنا ويتوعد ويقول: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا۟ رَسُولَ ٱللَّهِ) بالدخول عنده بغير إذن أو بالبقاء انتظارا للطعام أو تحينا للطعام أو المكوث بعد الإطعام (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا۟ رَسُولَ ٱللَّهِ) ما كان ما يصح ما ينبغي وبهذه الآية يتبين لك أن من آذى النبي، صلى الله عليه وسلم، كفر سواء آذاه بالقول أو بالكلام أو بإيذاء أحبابه أو أصحابه فمن آذى عائشة فقد آذى النبي، صلى الله عليه وسلم، هؤلاء المتنطعون الذي يهاجمون الصحابة ويتكلمون في الفتنة الكبرى وما على ذلك (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا۟ رَسُولَ ٱللَّهِ) أبدا كبيرة من الكبائر موبقة تعادل الكفر (وَلَآ أَن تَنكِحُوٓا۟ أَزْوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦٓ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)) الزوجات اللاتي تزوج بهن النبي، صلى الله عليه وسلم، يحرم عليهن الزواج، وعليه كل امرأة تزوجها النبي، صلى الله عليه وسلم، طالما دخل بها سواء طلقها أو مات عنها لا عدة لها لأن العدة تربص حتى تحل لغيره، ثانيا لا تحل مطلقا لرجل أيا كان هذا الرجل حتى ولو طلقها النبي، صلى الله عليه وسلم، طالما دخل بها فإن بقيت ومات عنها فهي محرمة على الأمة تحريم الأم على ولدها إلى أن تقوم الساعة، أيضا هناك نقطة في غاية الأهمية النكاح، عقد النكاح ينتهي بموت الرجل وتصبح المرأة غير معقود عليها، أما نساء النبي، صلى الله عليه وسلم، فعقد النكاح باقٍ إلى يوم القيامة هن زوجاته لا يقال عنها أرملة النبي، صلى الله عليه وسلم، كما يقال عن النساء بل هي زوجته لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: (زَوْجَاتِي فِي الدُّنْيَا هُنَّ زَوْجَاتِي فِي الْآخِرَةِ)، ويقول: (كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ إِلَّا سَبَبِي ونَسَبِي)، وعليه فنساء النبي، صلى الله عليه وسلم، هم نساؤه وزوجاته حال حياته وبعد مماته لا عدة لهن ولا انتهاء لعقد النكاح بل هن في عصمته إلى أن تقوم الساعة (إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)) وطالما كان عند الله، تبارك وتعالى، عظيما فهو والشرك سواء.
أيها الأخ المسلم نساء النبي، صلى الله عليه وسلم، أمهات المؤمنين ويجب عليك أن تحب أمهات المؤمنين أكثر من حبك لأمك فالنبي، صلى الله عليه وسلم، أولى بالمؤمنين من أنفسهم إذاً فحبك للرسول يجب أن يفوق حبك لنفسك ولأبيك ولأهلك وكذا حبك لنسائه يجب أن يفوق لامرأتك ولأمك ولابنتك وهكذا. نساء النبي، صلى الله عليه وسلم قمة النساء ومنهن خديجة سيدة نساء العالمين.
أيها الأخ المسلم إياك وإيذاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إياك وتكذيب أحاديثه، إياك والبعد عن سنته إياك وإيذاء من أحبهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم لأنك إن آذيت من أحبه الرسول فكأنك آذيت الرسول، صلى الله عليه وسلم.
وبعد أن بين الله، تبارك وتعالى، هذه الأحكام في شأن الدخول عند النبي، صلى الله عليه وسلم، وفي شأن الحجاب لنسائه وبعد أن توّعد وقال (ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا۟ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓا۟ أَزْوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦٓ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)) يبين ويقول:
إِن تُبْدُوا۟ شَيْـًٔا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا ﴿54﴾
وهنا جاء أقارب النساء نساء النبي، صلى الله عليه وسلم، الآباء والأبناء والإخوان وهكذا، قالوا يا رسول الله، ونحن إذا سألناهن متاعا أو كلاما نكلمهن من وراء حجاب أيضا نحن كذلك يسألون ويتحرون لأنهم يريدون رضاء الله، تبارك وتعالى، والآية عامة والكلام عام فأسرع هؤلاء يستفتون حفاظا على دينهم وعلى رضا الله، تبارك وتعالى، فنزل الاستثناء من الله، تبارك وتعالى، يقول:
لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِىٓ ءَابَآئِهِنَّ وَلَآ أَبْنَآئِهِنَّ وَلَآ إِخْوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبْنَآءِ إِخْوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبْنَآءِ أَخَوَٰتِهِنَّ وَلَا نِسَآئِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ ۗ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدًا ﴿55﴾
وإذا بالكلام يتوجه مخصصا النساء فيقول: (وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ ۚ ) والخطاب للنساء بعدما استثنى الآباء والأعمام، إذًا معنى هذا التخصيص للنساء أن المرأة هي الواجب عليها أصلا أن تحتشم وأن تمتنع عن لقاء من يحرم لقاءه وأن تتحصن ولا تستكثر وتمتنع حيث يجب الامتناع، وأن المرأة يجب عليها أن تتقي الله فيمن تقابل وفيمن تتكلم، مع من تتكلم وفيمن تكشف له زينتها وهكذا لذا وجه الخطاب للنساء .
ويأتي التهديد الخطير وإن كان خبرا عاما إلا أنه تهديد للأمة ولنساء الأمة (وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدًا (٥٥)).
أيها الأخ المسلم: من الغريب أن بعد هذا التنبيه بعدم إيذاء النبي، صلى الله عليه وسلم، وهذه الآيات التي أشعرتنا في سورة الأحزاب برفعة قدر النبي، صلى الله عليه وسلم، يأتي بعد ذلك خبر غاية في الأهمية والغرابة وكأن الخبر يقول إذا علمتم قدر النبي، صلى الله عليه وسلم، وتنبهتم وأطعتم فزتم وإذا لم تعلموا ذلك أو لم يعلمه الخلائق فاعلموا جميعا أن الله، تبارك وتعالى، وملائكته يصلون على النبي، صلى الله عليه وسلم، (إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ ) لفتة غريبة إن الله وملائكته يصلون على النبي، صلى عليه الناس أو لم يصلوا، من بدء الخليقة بل من الأزل يصلي الله، تبارك وتعالى، وتصلي الملائكة على النبي سيد الخلائق أجمعين، فالصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، أفضل العبادات على الإطلاق، والدليل على ذلك أن الله، تبارك وتعالى، تولاها بنفسه وملائكته فقال عز من قائل:
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا ﴿56﴾
ثم يقول الله، تبارك وتعالى:
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا ﴿57﴾
أيها الأخ المسلم اتق الله في نفسك ولا تصف الله إلا بما وصف هو به نفسه ولا تدعوه إلا بأسمائه الحسنى التي ذكرها هو في كتابه والتي وردت عن نبيه، صلى الله عليه وسلم: (وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَـٰٓئِهِۦ ۚ ) [سورة الأعراف آية: ١٨٠]. أما إذاية النبي، صلى الله عليه وسلم، فتكون بالأقوال وتكون بالأفعال فأما إذايته بالأفعال فكما فعل كفار قريش معه بمكة حيث كان ساجدًا يومًا فجاءوا بسلى جذور أحشاء الجمل بعد ذبحه ووضعوها على ظهره وهو ساجد فيها النجاسة وفيها الدماء وجاءت ابنته فاطمة تزيل الأذى عن ظهره، أيضا بالأفعال حيث كسروا رباعيته السنة الرابعة في أحد وشجوا وجهه وقال، صلى الله عليه وسلم: (كيف يُفْلِح قومٌ خضَّبوا وَجْه نبيهم بالدم) فذاك من الأفعال أما الإذاية بالأقوال فهي قولهم ساحر شاعر كاهن مجنون (وَقَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًۭا (٥)) [سورة الفرقان آية: ٥]، إلى آخر ما قالوه واتهموه به.
أيضا إذاية النبي، صلى الله عليه وسلم، ما قيل في شأن زواجه من زينب ابنة جحش حيث قالوا تزوج محمد من حليلة ابنه ورد الله، تبارك وتعالى، عليهم وأيضا إذاية النبي، صلى الله عليه وسلم، بإذاية أحبابه وقد خرج يوما وخطب في الناس فقال: (مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَواللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ خَيْراً، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْراً، ومَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ مَعِي)، هذا في قصة الإفك حديث المنافقين في شأن عائشة، رضي الله عنها حيث آذى هذا الحديث النبي، صلى الله عليه وسلم، فإيذاء أحبابه إذاية له أيضا وحين آذوه في زواجه من صفية بنت حيي بن الأخطل أيضا.
في يوم من الأيام وقبل موت النبي، صلى الله عليه وسلم، استدعى أسامة بن زيد بن حارثة، حبه وابن حبه، وأمَّره على جيش، وأسامة من الموالي وأبوه من الموالي، وكان صغير السن حيث لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، فأمَّرهُ على الجيش وفيه الأصحاب أبو بكر وعمر وسعد كبار الأصحاب، وقال له: يا أسامة اذهب إلى مؤتة إلى قرية أبنى، حيث قتل أبوك، فخذ بثأره، في غزوة مؤتة كان الأمير زيد بن الحارثة، وقتل في هذه الغزوة، وأخذ الراية جعفر فقتل، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقتل، فأخذها خالد من غير إمرة ففتح الله عليه، وقد حدد النبي، صلى الله عليه وسلم، القادة الراية: (إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ) وحين بلغ النبي، صلى الله عليه وسلم، مقالة بعض الناس في إمرة أسامة خرج غاضبا وخطب وقال: (إِنْ تَطْعَنُوا فِى إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ عَلَى إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ. وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ خَلِيقًا لِلإِمَارَةِ، وَإِنَّ أَبَاهُ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيّ بَعْدَهُ)، ومات النبي، صلى الله عليه وسلم، قبل خروج الجيش، وحين تولى أبو بكر الخلافة أنفذ الجيش ونفذ أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومشى إلى جوار أسامة وأسامة راكب وهو يمشي إلى جواره يودعه ويوصيه، ويقول أسامة: يا خليفة رسول الله إما تركب وإما أنزل، فيقول أبو بكر: ما على هاتين القدمين إن يُغبَّرا في سبيل الله، لا تنزل ولا أركب، فإذاية أسامة وإذاية زيد وإذاية أحباب النبي، صلى الله عليه وسلم، إذاية له، فاتقوا الله في أصحابه وأحبابه وقد قال، صلى الله عليه وسلم: (لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَباً مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ) أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، كالنجوم البوازغ بأيهم اقتديتم اهتديتم.
أيها الأخ المسلم إياك وإياك في إذاية النبي، صلى الله عليه وسلم، بالقول أو إذاية أحبابه وأصحابه، وقد مات النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو راض عن أصحابه وقد بشرهم الله، تبارك وتعالى، في كتابه حيث قال في شأنهم: (رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ) [سورة التوبة آية: ١٠٠] وقال: (إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ ) [سورة الفتح آية: ١٠].
أيها الأخ المسلم أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا هوجموا من بعده كان هذا إذاية لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو طعن في أمور ديننا فلولاهم ما بلغنا القرآن ولولاهم ما بلغنا سنة سيد الأنام، ولولاهم ما عرفنا الصلاة ولا الصيام.
أيها الأخ المسلم إياك والخوض في شان اختلافاتهم أو حروبهم فقد أفضّوْا إلى ما قدّموه من عمل وهم الآن قد نزع الغل من صدورهم إخوانا على سرر متقابلين يقضي الله، تبارك وتعالى، في شأنهم بما شاء فإياك أن تقع في رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو في زوجاته أمهات المؤمنين أو في أصحابه واسمع لقول الله، تبارك وتعالى: (إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا (٥٧)) [سورة الأحزاب آية: ٥٧]، وإذاية الله، تبارك وتعالى، كفر وإذاية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كفر لأن اللعن هو الطرد من الرحمة وما جوزي إبليس على عدم سجوده لآدم إلا باللعن حيث قال له الله، تبارك وتعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ (٣٥)) [سورة الحجر آية: ٣٥]، فالذين يؤذون الله، تبارك وتعالى، ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ومن لعن في الدنيا فهو ملعون من الأرض والسماء من شجر والحجر والمدر ملعون من الوحش والدواب ملعون من كل شيء ومن لعن في الآخرة فتحرم عليه الجنة لأنه إذا لعن في الآخرة كان مع الملعونين وعلى رأسهم إبليس (إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا (٥٧)) اللعن ليس عذابا شديدا فقط بل مهينا فيه الإهانة وفيه الإذلال لإذايتهم لله ولرسوله وقد أجمع العلماء جميعا دون اختلاف بينهم على أن من آذى الله أو آذى رسوله بالقول أو بالفعل كفر إجماعهم على ذلك. فاتقوا الله في أنفسكم وصلوا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم وسلموا تسليما.
فقد علمنا أن إذابة الرسول، صلى الله عليه وسلم، كفر أما إذاية المؤمن والمؤمنة فهي كبيرة ويقول الله، تبارك وتعالى:
وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُوا۟ فَقَدِ ٱحْتَمَلُوا۟ بُهْتَـٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا ﴿58﴾
أما يكفيك معاصيك، أما تكفيك آثامك، أما يكفيك تقصيرك في العبادة، أما يكفيك السهو عن الذكر، أما يكفيك الغفلة عن الله، أما يكفيك السعي وراء الدنيا بكل مجهود وبكل جهد، أما يكفيك نسيانك للموت والقبر والحساب، أما يكفيك كل ذلك حتى تقع في أخيك المسلم وتؤذيه، وانظر إلى خوف الصحابة ووجلهم في إمارة عمر بن الخطاب أصبح يوما في الصباح مكتئبا واستدعى أبي بن كعب وقال يا أبي قرأت البارحة آية ففزعت منها قرأت قول الله، تبارك وتعالى: (وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُوا۟ فَقَدِ ٱحْتَمَلُوا۟ بُهْتَـٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا (٥٨)) وإني والله لأضربهم وأنهرهم وكلكم يعرف عمر كان يضرب بالدرة العصاة وما إلى ذلك وينهرهم، كان قويا في الحق فخاف مع إن ذلك كله كان في الحق فقال أبي بن كعب يا أمير المؤمنين لست منهم إنما أنت معلّم ومقوِّم هذا هو الاستثناء الوحيد إنما أنت معلّم ومقوِّم الاستثناء للمعلّم والمقوِّم كالأب لبناته وأبنائه وكالمعلم لتلامذته وكالشيخ لمريده وهكذا، إذا كان المقصود التعليم والتقويم فإذا كذب المريد على الشيخ فنهره أو آذاه بالقول إذاية لكن الإثم مرفوع عنه لأنه معلم ومقوم ذاك هو الاستثناء الوحيد.
أيها الأخ المسلم إذاية المؤمن بالأقوال كما قلنا والمؤمن أخو المؤمن لا يكذبه لا تكذب عليه فتلك إذاية لا يخذله لا يسلمه لا يحقره ويقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (بِحَسْبِ امْرئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ) معنى بحسب امرئ من الشر معنى ذلك أنك لو لم ترتكب في حياتك إثما ولا معصية، مرة حقّرت أخاك المسلم كفى هذا لإدخالك النار (بِحَسْبِ امْرئٍ مِنَ الشَّرِّ، أي يكفيه هذا الشر، أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ)، (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) إذاية المسلم بالأقوال الغيبة بالغش أيضا بالأفعال إذا بعت له سلعة فيها عيب إذاية، إذا أكلت ماله بغير حق إذاية، إذا حطمت له شيئا يملكه إذاية، إذا أهدرت ماله إذاية، إذا تلصصت عليه إذاية والرسول، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَنَافَسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا).
أيها الأخ المسلم من أكبر ما امتنَّ الله، تبارك وتعالى، على عباده يوم القيامة نزع الغل حيث قال (وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ (٤٧)) [سورة الحجر آية: ٤٧]، وتلك هي الصفة فلو نزع الغل من قلبك وصدرك في الدنيا فكأنك تعيش في الجنة وتخيل الحب بينك وبين إخوانك، بينك وبين الناس، وكلكم يعرف الأحاديث الواردة في هذا الشأن ومنها: (أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ الْمَلَكُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أَزُورُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَهُ عَلَيْكَ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: فَإِنِّي، يَعْنِي، رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ)، زيارة أخ في الله، وتعرفون العقاب يوم القيامة لبعض الناس، (يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي).
أيها الأخ المسلم التآخي والتحابب في الله يدخلك تحت ظل العرش يوم لا ظل إلا ظل العرش سبعة يظلهم الله، تبارك وتعالى، في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله منهم، (وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ).
أيها الأخ المسلم إياك والحسد إياك والحقد والبغضاء وإياك والكلام فيما لا تعلم والله، تبارك وتعالى، يقول (إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)) [سورة النحل آية: ٧٤] ويقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ") (إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)) [سورة النحل آية: ٧٤]، إياكم وإذاية المؤمنين والمؤمنات احفظوا ألسنتكم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت، هذه وصية النبي، صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ).
فقد جاء الإسلام مكرما للمرأة مطلقا لقيودها التي قيدتها بها الجاهلية رافعا لشأنها رافعا لقدرها فهي الابنة فحرّم وأد البنات وهي الأم فعدل الشرك بعقوق الأمهات، وهي الزوجة فقيد عدد الزوجات، وحض على نكاح المؤمنات كانت المرأة في الجاهلية سلعة تباع وتشترى لا حق لها في إرث ولا حق لها في كلام ولا حق لها عند زوجها بل هي أقل من الإماء فالأمة لها قيمة تباع وتشتري لها قيمة مادية، أما الزوجة والابنة والأم فما كان لهن قيمة فكان الرجل إذا مات ورث ابنه زوجات أبيه كما يرث ماله إن شاء عضلهن ومنعهن من النكاح، وإن شاء تزوجهن وإن شاء أطعمهن وإن شاء أجاعهن، لم تكن للمرأة قيمة ولا حرية ولا شيء، وجاء الإسلام فسوّى بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات فهي أمة لله كما أنه عبد لله عليها ما عليه من الفرائض وعليها ما عليه في الواجبات ولها في الإسلام ما له من حقوق وثواب وجنات، وكان مما تؤذى به نساء المؤمنين بعد الإسلام المعاكسات والمناوشات وكانت المرأة تخرج إلى الخلاء للتبرز ولم يتخذوا الكنف في البيوت فإذا خرجت المرأة تعرض لها المنافقون والذين في قلوبهم مرض وتعرض لها الشباب فلا فرق بين الحرة والأمة فكلهن في ثياب واحدة ثياب رقاق تكشف زينتهن وتصبح المرأة في الطريق كالسلعة التي تعرض على الناس من شاء اشترى ومن شاء رفض، وشكت الحرائر لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، من ذلك فقد كنَّ حريصات على ما منحهن الإسلام من كرامة وحين شكوْن له نزل جبريل بالدواء والعلاج فقال جبريل للنبي، صلى الله عليه وسلم، آمرا من لدن ربه:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ﴿59﴾
أيها الأخ المسلم الخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، ومن يطع الرسول، صلى الله عليه وسلم، فقد أطاع الله، تبارك وتعالى، والأمر من الرسول، صلى الله عليه وسلم، وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فها أنت الآن إما أنك أب أو زوج أو أخ وفي كل الأحوال فأنت مسئول عن المرأة في بيتك إن كانت أختك أو زوجك أو ابنتك فأنت مسئول أن تنفذ أمر الله، تبارك وتعالى، وأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع من استرعاك الله فيها فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته والحاكم راع ومسئول عن رعيته وليس مطلوبا من الحاكم أن يحكم امرأتك أو ابنتك أو أختك، ليس مطلوبا منه أن يحكم من استرعاك الله فيها فهو لا يراها ولكن المطلوب منه أن يسنّ القوانين التي تحرِم كشف العورة، ويسّ القوانين التي تعاقب كل مارِق عن الإسلام كل خارج عن طاعة الله، تبارك وتعالى، أيضا الحاكم مسئول عن وسائل الإعلام وما تبديه من أمور يندي لها الجبين ولا يرضي الله عنها وتخالف أمر الله أمر رسول الله، فكلكم يرى في وسائل الإعلام اجتماع الرجل و المرأة في السرير في الفراش وهو يكاد يكون عار وهي تكاد تكون عارية يتبادلان القبلات المحمومة أمام الصغار وأمام الأطفال وأمام المراهقين من الجنسين علنا في وسائل الإعلام مسئولية من إذاً؟ مسئولية الحاكم أولا ثم مسئولية من أنابهم للإشراف على هذه الأجهزة ثم مسئولية من فوضتموهم في شئون أموركم أعضاء مجلس الشعب والشورى، أما العلماء فعليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما المسئولية أمام الله، تبارك وتعالى، فهي أولا تقع على عاتق الحاكم حين يأتي به الله، تبارك وتعالى، بين يديه بلا سلطان بلا حراس بلا جاه بلا حشم ولا خدم والله سائله عما استرعاه ماذا فعل والقرآن يتلى بين أيدينا (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ۚ ) إدناء الجلباب هو إطالته حتى ينزل إلى أسفل الكعبين فلا يبدون من الجسم شيئا (ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ) تُعرف الحرة من الأمة، الأمة تباع وتشترى وقد تنظر أنت إليها فإن أعجبك منها شيء اشتريتها بمالك لتستمتع بها أما الحرة فلا ينظر إليها إلا خاطب، وإن نظر نظر إلى ما يحل النظر إليه وبإذنها كما قال بعض الفقهاء الوجه والكفين (ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ ) أقرب أن يعرفن فيعرف الناس والرجال والمنافقون والمؤذون أن هؤلاء النسوة حرائر والحرة لها قيمة لها كرامة لها عزة وضعها الإسلام لها، الحرة لا تزني الحرة لا تباع ولا تشترى الحرة للزواج فهي أم ترعى الأبناء وهي زوجة ترعى الزوج في ماله وفي عرضه أما الإماء أمر آخر من هنا يقول الله، تبارك وتعالى، ذاك في وقت نزول الآية التفرقة بين الحرة والأمة، وفي وقتنا هذا الزي الإسلامي للمرأة حصن لها وأمان أيضا (ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ ) فالمرأة المحتشمة الملتزمة بزي الإسلام حين يراها الشاب الرقيع أو غير الرقيع حين يراها الرجل في الطريق يعرف أنها مسلمة ملتزمة بأحكام الإسلام فيستحيي أن يؤذيها بالكلام أو بالإشارة أو باللمس أو بغيره، أما الأخريات العاريات الكاسيات فهؤلاء قد أبحن نفوسهن لكل ناظر وبغير ثمن يستوي في هذا ابنة الأمير وابنة الغفير، ابنة الغني وابنة الفقير عارية تعرض جسدها وتعرض فتنتها لكل ناظر بلا ثمن وكأنها تقول هل من طالب للمتعة، هكذا وضعها ويحرضها على ذلك دعاة جهنم القائمون على وسائل الإعلام وما يقال لهم فنانون وما يطلق عليهم من تسميات كاذبة نجوم وما هم بنجوم بل هو رجوم هم رجوم هم شياطين.
أيها الأخ المسلم أنت مسئول عن امرأة في بيتك سواءً كانت زوجة أو ابنة أو أخت طالما كانت في كفالتك ورعايتك سائلك الله عنها يوم القيامة بم تجيب ماذا تقول؟! لم يكن هناك قانون لم يكن هناك حكم شرعي، كان القائمون على وسائل الإعلام يحرضون ابنتي وزوجتي على ذلك دعاة التقدم والتحضر ماذا تقول أيها الرجل كن رجلا كما أراد الله لك أعطاك القوامة (ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ ) [سورة النساء آية: ٣٤] واتق الله، تبارك وتعالى، في امرأتك وابنتك وأختك اتق الله فالله سائلك عن كل عين نظرت لها وعن كل نفس اشتهتها ثم هي مسئولة أيضا فكل امرئ بما كسبت رهين (وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا (٥٩)) غفورا لما سبق قبل نزول الآية وقبل الأمر بارتداء الجلابيب وإدنائها غفورا لما سبق من الحرائر في خروجهن غير كاسيات رحيما لما يفرط منهن فقد تتزيا المرأة بالزي الشرعي الإسلامي ومع ذلك عين الفاجر تسترق النظر يرحمها الله، وكذلك قد يأتي الهواء فيكشف شيئا من قدمها أو بعض عورتها دون قصد (وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا (٥٩)) ويقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مَائِلاَتٌ مُمِيلاَتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَمْثَالِ أَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، والبخت هي النوق الجمال بعضها لها سنام مائل، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا) ويقول: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِىَ زَانِيَةٌ وَكُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ).
وتأتي الآيات في سورة الأحزاب تتهدد وتتوعد المؤذين للمؤمنين والمؤمنات والمؤذين لرسول الله، صلى الله عليه وسلم بعد أن بين الله تبارك وتعالى أن (إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا (٥٧)) [سورة الأحزاب آية: ٥٧]، وكذلك (وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُوا۟ فَقَدِ ٱحْتَمَلُوا۟ بُهْتَـٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا (٥٨)) [سورة الأحزاب آية: ٥٨] ونزلت الآية تبين للنساء ما يدفع عنهن الأذى بارتداء الزي الشرعي يهدد ربنا ويتوعد ويقول:
لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلًۭا ﴿60﴾
مَّلْعُونِينَ ۖ أَيْنَمَا ثُقِفُوٓا۟ أُخِذُوا۟ وَقُتِّلُوا۟ تَقْتِيلًۭا ﴿61﴾
سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًۭا ﴿62﴾
وقال بعض الناس بل هذه الصفات في شيء واحد المنافق هو الذي في قلبه مرض كما وصفهم ربنا، تبارك وتعالى، في سورة البقرة فقال (فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًۭا ۖ ) [سورة البقرة آية: ١٠]، وهم أيضا المرجفون فهي صفات مغايرة لشخص واحد (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) أي لنسلطنك عليهم تقتلهم وتشردهم وتنفيهم وتعاقبهم (ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلًۭا (٦٠) ) أي لا يجاورونك فيها إلا حال كونهم عدد قليل لا يبقى منهم إلا القليل، أو لا يجاورنك فيها إلا قليلا (مَّلْعُونِينَ ۖ ) منصوبة على الحال وهنا يوقف عليها وتوصل بما قبلها كأن تقول ولا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين إذا فحال كونهم مجاورين له ملعونين أيضا في جوارهم له يلعنهم الله وملائكته والمؤمنون، وأما إن وقفت كما وقف هنا يجب الوقف منصوبة على الشتم وكأن الله، تبارك وتعالى، سبّهم وأمرنا بلعنهم، واللعن الطرد من الرحمة (ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلًۭا ) (مَّلْعُونِينَ ۖ ) يبدأ الكلام وتبدأ القراءة (أَيْنَمَا ثُقِفُوٓا۟) وجدوا ثقفت بالشيء أي ظفرت به (أَيْنَمَا ثُقِفُوٓا۟ ) أينما ظفرتم بهم أينما وجدتموهم (أُخِذُوا۟ وَقُتِّلُوا۟ تَقْتِيلًۭا (٦١)).
( سُنَّةَ ٱللَّهِ) أي سن الله سنة مصدر مؤكد سنة الله هذا هو ديدن الشرائع وهذا هو ما قضاه الله في جميع الشرائع ومع كل الأنبياء أن يقتل المرجفون وأن يقتل المنافقون وهؤلاء في جميع الشرائع يجب أن يقتلوا تقييلا (سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلُ ۖ ) أي لا يستطيع أحد أن يغير أو (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًۭا (٦٢)) يبدل ما سنه الله أو أي لا يبدّل الله، تبارك وتعالى، سبحانه وتعالى ما سنه من الأزل هو لا يغيره ولا يبدله أي لا يبدلها الله أو لا يستطيع أحد أن يغير أو يبدله.
ويتكلم القرآن عن نوع من أنواع الأذى لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، والتعنت فيقول:
يَسْـَٔلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ﴿63﴾
أيها الأخ المسلم الساعة يوم القيامة وإن كانت تأتي بغتة إلا أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قد عرّفنا بأمارات الساعة فمنها أمارات صغرى ومنها أمارات كبرى، بل وعرفنا من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اليوم الذي تقوم فيه الساعة يوم الجمعة: (فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ من الجنة، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينِ يُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلاَّ الْجِنُّ وَالإِنْسُ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لاَ يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ).
أيها الأخ المسلم جاء رجل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يسأله يا رسول الله، متى الساعة والسائلون عن الساعة أصناف إما معنّت لرسول الله حتى لا يدري ما الجواب، وإما مستهزئ وإما مكذّب وإما سليم النية صادق في سؤاله وكل بحسب نيته أقول ولو أن الساعة قد عرف بعض أماراتها وعرف يوم قيامها إلا أنها حين تقوم تقوم أيضا بغتة هل نحن منتظرون لها الآن فرغم معرفتك ليوم قيامها إلا أنها تأتي بغتة كما أنها لا تقوم الساعة إلا على الكفار الذين ابتعدوا عن القرآن وابتعدوا عن الأحاديث فهم لا يعرفون أمارات الساعة ولا يعرفون ما قاله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الساعة فإذا قامت قامت على الجهلاء والسفهاء والكفار الذين لا يعرفون شيئا فهي تقوم عليهم بغتة ولا تقوم على رجل في الأرض يقول لا إله إلا الله وحين سأل الرجل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الساعة متى الساعة أجابه الرسول، صلى الله عليه وسلم، قائلا: (وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟) فقال الرجل: يا رسول الله، والله ما أعددت لها كثير صلاة، ولا كثير صيام، ولكني أحب الله ورسوله، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ)، فطالما جاء ذكر الساعة يأتي ذكر ما في هذه الساعة من أهوال أعاذنا الله وإياكم من أهوالها يقول الله، تبارك وتعالى:
إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ﴿64﴾
خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا ﴿65﴾
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَـٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولَا۠ ﴿66﴾
وَقَالُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ﴿67﴾
رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْنًۭا كَبِيرًۭا ﴿68﴾
(يوم نُقلِّبُ وجوهَهُم) (يوم تُقَلِبُ وُجُوهَهم) (يوم تَقَلَبُ وجوههُمُ) قراءات يوم تقلب النار وجوهَهُم يوم تُقلبْ وجوههم يقلبها السعير يوم نُقَلبّ والمقلب هو الله، يوم تَقَلَب أي تتقلب وجوههم في النار وتقلب وجوه هؤلاء في النار إما من ناحية إلى ناحية ومن جانب إلى جانب كما يشوى اللحم في الدنيا أو التقلب بمعنى التغير تغير الحال تشوى الوجوه وتحرق ويتساقط لحمها ويتهرأ ثم يُبنى بعد ذلك مرة تجد الوجوه زرقاء (وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍۢ زُرْقًۭا ﴿١۰٢﴾) [سورة طه آية: ١۰٢]، ومرة سود الوجوه، ومرة عليها غيرة ومرة ترهقها قترة وهكذا تتقلب الأحوال بهذه الوجوه، وحين يعبّر القرآن بالوجوه أشرف ما في الإنسان وجهه والوجه كناية عن الكل أيضا أرق ما في الإنسان الوجه مجمع الحواس ما أصاب الوجه يصيب العينين بالعمى ما أصاب الوجه يصيب الأذنين بالصمم والفم والبكم أو الخرس فالوجه مجمع الحواس وأرق ما في الإنسان وجهه فأنت تحتمل على يدك ما لا تحتمله على وجهك وتحتمل على قدمك وظهرك ما لا تحتمله على وجهك فإذا كانت الوجوه هذا حالها فكيف بالأبدان؟! (يَقُولُونَ يَـٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولَا۠ (٦٦)) التمني حيث لا يفيد التمني، الندم حيث لا ينفع الندم (يَقُولُونَ يَـٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولَا۠ (٦٦) ) وسورة الأحزاب فيها الأوامر الكثيرة ومن هذه الأوامر (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ۚ ) [سورة الأحزاب آية: ٥٩]، وهؤلاء (يَقُولُونَ يَـٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولَا۠ (٦٦))لأن من يطع الرسول فقد أطاع الله، والطاعة هنا لم تذكر هل هي الطاعة في الإيمان في الفرائض في الأوامر في النواهي الطاعة في أي شيء؟ الطاعة مطلقة (وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟ ۚ ) [سورة الحشر آية: ٧] فهم لا يقولون هذا فقط بل يقولون أيضا: (وَقَالُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا) أو (أطعنا ساداتنا) السادات جمع سادة والسادة جمع سيد فهو جمع الجمع (رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ (٦٧))من هم السادة ومن هم الكبراء؟ السادة من ملكوا العبيد والكلام ليس كلام العبيد وإنما الكلام كلام الناس في النار، الذين كفروا، الذين عصوا، إذًا السادة هنا هم الحكام الملوك (أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا) الكبير كبير القوم كشيخ القبيلة وهكذا، فسادتنا وكبراءنا تدل على الزعماء والقادة والحكام وكل من يطاع في هذه الأرض في الدنيا فهو من السادة والكبراء فإن أمر ونهي بأمر الله ونهيه نجا ونجا من أطاعه، وإن أمر ونهى بغير أمر الله ونهيه هلك وهلك من أطاعه وهاهم يقولون (رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا) يقرون بالذنب ولكن لهم غرض آخر (فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ (٦٧)) أبعدونا عن الطريق الحق أبعدونا عن الرشاد والسداد أبعدونا عن دينك ودين رسولك أبعدونا عن الجنة والرحمة (فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ (٦٧)) ما الغرض من هذا؟ هل هو إقرار فقط واعتراف وندم؟ هناك غرض آخر يقولون (رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْنًۭا كَبِيرًۭا (٦٨)) ولعنا كثيرا قراءتان إذًا هم يقرون ويعترفون بأنهم أطاعوا السادة والكبراء الحكام والعظماء والوزراء والأمراء وما إلى ذلك في معصية الله ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق لا طاعة للزوج على الزوجة في معصية الخالق فإن أمرها أن تخرج إلى الطريق كاشفة لعورتها عصته ولا تطعه ولو أدى الأمر إلى طلاقها، وكذلك الابنة مطلوب منها البر لوالديها فإن أمرها أبوها بالخروج على غير ما أمر رسول الله أطاعت رسول الله وعصت أبويها ولا إثم عليها، وإن أمر الحاكم بما لا يجب وبما ينافي أمر رسول الله يُعصى الحاكم ويطاع الرسول (رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ)عذبهم مرتين بقدر ما تعذبنا والعذاب مرتين لهؤلاء المضلين لأنهم ضلوا فاستحقوا العذاب وأضلوا فاستحقوا عذابا آخر عذاب الضلال مضاف إليه عذاب الإضلال من هنا يقولون (رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْنًۭا كَبِيرًۭا (٦٨)) أي اطردهم طردًا بعيدًا عن رحمة الله.
أيها الأخ المسلم لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وعليه فأنت مسئول عن نفسك أولا أمر ربنا ونهى وأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأمر ربه ونهى بنهيه وبيّن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الطريق في طاعة الله، تبارك وتعالى، وفي العبادات وفي كل شيء ما أخفى عنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شيئا وصدقت عائشة، رضي الله عنها، حيث تقول لو كان محمدا كاتما لشيء من الوحي لكتم قول الله، تبارك وتعالى: (وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ ۖ ) [سورة الأحزاب آية: ٣٧]، فما أخفى عنا شيء وما ترك شيئا من المصلحة إلا وبينه لنا، وما ترك شيئا من المفسدة إلا وحذرنا منه وبيّنه لنا.
أيها الأخ المسلم لا عذر لك ها هو القرآن حفظه الله، تبارك وتعالى، والحمد لله على ذلك (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ (٩)) [سورة الحجر آية: ٩]، وحفظت سنّة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، برواية أصحابه وهي موجودة بين أيدينا والأمر واضح والحلال بين والحرام بين وكل امرئ بما كسب رهين وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق إياكم واتباع الكبراء وإياكم واتباع السادة في معصية الله، تبارك وتعالى، أو في معصية رسوله، وأقول لكم وأقول لنسائكم وبناتكم إياكم وقد حذّر النبي، صلى الله عليه وسلم، من أناس يأتون في آخر الزمان وصفهم بأنهم (دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا)، وحذر من حكام في آخر الزمان تعرف منهم وتنكر يقولون ما لا يفعلون ظواهرهم تحالف بواطنهم.
أيها الأخ المسلم الدين بين الحلال بين الحرام بين ولا عاصم لك مطلقا ولا لآل بيتك إلا الدين الإسلام طاعة الله، تبارك وتعالى، العمر ينقضي والزمن يمضي وعما قليل تدلى في قبرك وبأيدي أبنائك وأحبابك وإخوانك لن يدخل أحد معك في قبرك عملك وعملك فقط وأما امرأتك فقد تتزوج من بعدك وقد تنفق ما جمعته أنت من مال على عشيق لها أو على زوج لها وكذلك أولاد يختصمون فيما بينهم على الميراث ويتقاضون في المحاكم ففز بنفسك وانج بنفسك واسمع قول الإمام علي بن طالب حين زار المقابر يوما ومعه نفر من أصحابه حيث نادى وقال يا أصحاب الغربة يا أصحاب التربة حدثونا بما ووجدتم ونحدثك بما تركتم أما أموالكم التي جمعتموها فقد قُسمَّت، وأما قصوركم التي شيدتموها فقد سكنت، وأما نساؤكم فقد نكحت وسكت وسكت أصحابه وانتظرونا فرد هو عن أهل القبور وقال والله لو أذن لأهل القبور أن يتكلموا لقالوا تزودوا فإن خير الزاد التقوى.
فقد قسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوما قسْمًا بين أصحابه فقال رجل من الأنصار إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله فبلغ ذلك النبي، صلى الله عليه وسلم، فغضب وقال: (يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَصَبَرَ)، نعم، كان الناس يؤذون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالقول والفعل والمؤذون لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، والذين هددهم الله في سورة الأحزاب والتي نحن بصددها كان منهم الكافرون وكان منهم المنافقون وكان منهم المرجفون في المدينة وكان منهم المسلمون الذين آذوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن غير عمد وعن غير قصد لجهالة بقدر النبي، صلى الله عليه وسلم، أو لجهالة بوجوب الأدب مع سيد الخلائق أجمعين عليه أفضل الصلاة وأكمل تسليم وقد أدب الله، تبارك وتعالى، أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، بأدب أصحاب الأنبياء وأمرهم ونهاهم، وإذا تتبعت القرآن لوجدت أن الله، تبارك وتعالى، ما ترك شيئا إلا ونبه إليه من حيث وجوب الأدب مع رسول، صلى الله عليه وسلم، على سبيل المثال قول الله، تبارك وتعالى، (۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ ) [سورة الحجرات آية: ١]، أي لا يصح الكلام مطلقا إلا أن يبدأ الرسول بالكلام ولا تصح الاقتراحات مطلقا إلا أن يستشير فإن استشار فعليكم المشورة، أما إذا لم يستشر أحدا فلا يصح لأحد أن يبدأه باقتراح (لَا تَرْفَعُوٓا۟ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ) [سورة الحجرات آية: ٢]، أثناء الحديث يجب أن يكون صوت الصحابي أخفض من صوت رسول الله (وَلَا تَجْهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) [سورة الحجرات آية: ٢]، (لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًۭا ۚ ) [سورة النور آية: ٦٣]، إذاً فلا يصح أن يدعى باسمه مجردا يحرم ذلك بل يدعى بالصفة يا رسول الله، أما أن تقول يا محمد فذاك سوء أدب (لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتَ ٱلنَّبِىِّ إِلَّآ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ) [سورة الأحزاب آية: ٥٣]، لا يصح أن تجلسوا عنده مستأنسين لحديث إذا سألتم أزواجه متاعا فاسألوهن من وراء حجاب (وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟ ۚ ) [سورة الحشر آية: ٧]، وهكذا تجد القرآن مليء بتأديب الصحابة مع النبي، صلى الله عليه وسلم، وتعريفهم بقدره الشريف فقد آذاه البعض عن غير قصد.
من هنا يقول الله، تبارك وتعالى، في سورة الأحزاب بعد أن أتى بذكر المؤذين لله ولرسوله والمؤذين للمؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا ورد على كل ذلك وجّه الخطاب للمؤمنين الذين آذوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن غير قصد فقال:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا۟ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا۟ ۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهًۭا ﴿69﴾
ثم يتوجه الخطاب للمؤمنين أيضا:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا ﴿70﴾
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿71﴾
( وَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا (٧٠)) القول السديد من سّدَّ يسدّ أو التسديد للسهم ليصاب به الغرض فالقول السديد أولا كلمة لا إله إلا الله أسدُّ الأقوال على الإطلاق القول السديد القول الحق القول السديد القول الصواب القول السديد ما وافق ظاهره باطنه القول السديد ما ابتغي به وجه الله، تبارك وتعالى، دون غيره القول السديد الإصلاح بين المتخاصمين القول السديد يعم جميع الخيرات القول السديد في كل شيء، إذا تكلمت وجب أن يكون الكلام موافقا لما في نيتك وما في قلبك القول السديد النصح لله ولرسوله وللمؤمنين ولأئمتهم وعامتهم وينبهنا النبي، صلى الله عليه وسلم، ويقول: (إنَّ المُستَشَارَ مُؤتَمَنٌ) أي إذا جاء أحد يستشيرك في أمر من أموره فأنت مؤتمن على أمرين أولا السر إذا لم يبح لك نشر هذا السر أيضا المستشار مؤتمن في أمر آخر هو أن تخلص له النصح وأن تتكلم تبتغي بكلامك وجه الله، وخرج رجل من السلف الصالح إلى الأسواق ثم نظر إلى الأرض وتعجب ونظر إلى السماء وتعجب فقيل له فيما يعجبك؟ قال تعجبت من الناس من كثرة ما يملون كلام كثير ونظرت إلى أعلى فتعجبت من الملائكة من أسرع ما يكتبون فأنت تتكلم وتتكلم ولا تلقي بالا للكلام والملائكة تدون عليك كل لفظ (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ (١٨)) [سورة ق آية: ١٨]، (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا لَهُ دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِى جَهَنَّمَ)، ولذا حين تعجب معاذ: أمؤاخذون نحن بما نقول يا رسول الله؟ قال: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ، أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ، إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ)، إذًا فالكبائر تجعل العبد الذي يرتكبها يدخل النار ماشيا على قدميه أما حصائد الألسنة الكلام تجعله يسحب على وجهه في النار إذًا فالكلام أخطر من الفعل إذاً ليست الكبائر وإنما حصائد الألسنة الغيبة النميمة ماذا فعل فلان ومن أين اكتسب المال الكلام خطير جدا فإن أصلحت الكلام وسمعت قول الله اتقوا الله فأنتم مؤاخذون بما تقولون (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا (٧٠)) جزاؤكم إن فعلتم ذلك (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ ).
إذًا إصلاح الأعمال إما أن يوفقك الله، تبارك وتعالى، للعمل الصالح فإصلاح العمل أن توفّق للصالحات والطاعات وأكبر كرامة التوفيق إلى الطاعة أن تطير في الهواء خير لك أم أن يوقظك الله في ساعة القبول أيهما أفضل؟ إن طرت في الهواء ومشيت على الماء لا يوضع ذلك في صحيفة حسناتك أما إذا استغفرت الله، تبارك وتعالى، في جوف الليل وصليت لله ركعتين والناس نيام كتب ذلك في صحيفتك وأثيب عليها العبد فأكبر كرامة التوفيق إلى الطاعة فأصحاب الكرامات ليس كما تسمعون عن الأولياء من أساطير بل أصحاب الكرامات هم أصحاب الطاعات (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ )يوفقكم إلى الأعمال الصالحة أو (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ)بالقبول والإثابة لأنك قد تعمل العمل ولا تدري أيقبل أم لا فإصلاح العمل أن تقبل منكم الأعمال وأن يصلح الله، تبارك وتعالى، نواياكم فيقبل منكم الأعمال (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ )إذًا مهما اتقى العبد ربه ومهما قال القول السديد لا بد له من خطايا وسقطات فالكمال المطلق لله وحده والعصمة لأنبيائه أما البشر جمعيا فمعرضون للخطأ ومن هنا يبشرنا ربنا أنه يصلح أعمالنا ويغفر ذنوبنا فيما فرط من أمرنا عن غير قصد أو عن غير عمد (وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)) ما هو الفوز العظيم؟ ربنا، تبارك وتعالى هو الذي يبشر وهو الذي يقرر أن من يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما وفي القرآن آيات تشير إلى هنا الفوز العظيم (وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًۭا (٦٩)) [سورة النساء آية: ٦٩]، الفوز العظيم لو تخليت أن الإنسان بينه وبين لقاء ربه سبع عقبات أهونها الموت أما تحب أن تتلقاك الملائكة حين موتك بالسلام؟ أليس هذا فوزًا عظيمًا، أم يتلقّى العبد سياطا وضربا وعذابا حين تضربه الملائكة (ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ (٥٠)) [سورة الأنفال آية: ٥٠]، أما تحب أن يُعرض عليك مقعدك من الجنة وأنت في قبرك تتسلى بالنظر إليه حتى تبعث إليه !! أما تحب أن تبعث يوم القيامة آمنًا حين يفزع الناس مطمئنا حين يخاف الناس؟ أما تحب أن تتلقاك الحور العين بالبشر وبالحبور؟ أما تحب أن تشرب من يد النبي، صلى الله عليه وسلم، شربة لا تظمأ بعدها أبدا؟ أما تحب أن تظل بظل العرش حيث لا ظل إلا ظل العرش والناس غارقون في عرقهم فغارق إلى كعبيه وغارق إلى ركبته وغارق إلى حقويه وغارق إلى كتفيه وغارق إلى أذنيه، أما تحب أن تفتح لك أبواب الجنة وتنادى من ملائكة الجنة هلّم إلينا هلّم إلينا يتنازعونك كل يريد أن تدخل من بابه؟ أما تحب ذلك، أما تحب أن تنظر إلى الله، تبارك وتعالى، ؟ أما تحب أن تتلقى من الله الكلام وتسمع، أما تحب أن تكون من الذين سقاهم ربهم شرابا طهورا وقال لهم إن هذا كان لكم جزاءا وكان سعيكم مشكورا؟ أما تحب ذلك؟ قارن بين هذا وبين يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون قارن هذا بمن قال له (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍۢ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًۭا فَٱسْلُكُوهُ (٣٢)) [سورة الحاقة آية: ٣٠- ٣٢]، هؤلاء الذي يقال فيهم (وَنَادَوْا۟ يَـٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ (٧٧)) [سورة الزخرف آية: ٧٧] الذين يقال لهم(قَالَ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴿١۰۸﴾) [سورة المؤمنون آية: ١۰۸] فيحرمون من سماع كلام الله، تبارك وتعالى، وذاك أكبر مصاب وأعظم مصيبة الخصام لو خاصمك صديق لك لحزنت وغضبت لو خاصمتك زوجتك امرأة من النساء خاصمتك وأعطتك ظهرها تغضب وتحزن لو خاصمك ابنك وأنت صاحب الفضل عليه ماذا يكون شعورك؟ فما بالنا بخصام رب العالمين(قَالَ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴿١۰۸﴾) [سورة المؤمنون آية: ١۰۸] آخر عهدهم بكلام الله، تبارك وتعالى، هذه الكلمة (قَالَ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴿١۰۸﴾) [سورة المؤمنون آية: ١۰۸]، مصيبة كبرى.
أيها الأخ المسلم الحلال بين والحرام بين وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار وصدق الله، تبارك وتعالى، حيث يقول( وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)) .
تختم سورة الأحزاب بآية غاية في الغرابة يقول الله، تبارك وتعالى:
إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًۭا جَهُولًۭا ﴿72﴾
لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۢا ﴿73﴾
( إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًۭا جَهُولًۭا (٧٢)) آية تدعو للتأمل وللتفكير حتى أنهم قالوا ما هي الأمانة؟ ما من شيء إلا وهو أمانة فالعين أمانة والأذن أمانة لأن الله، تبارك وتعالى، منحك العقل أم انك اشتريته؟ منحك العين أوجدتها في الطريق فاستخدمتها أم خلقت بها؟ منحك الأذن منحك اللسان والنطق وغيرك لا ينطق منحك اليد والرحل ومنحك العقل ومنحك التصرف ومنحك الفرج وكل ذلك أمانة والمال أمانة لأن الله، تبارك وتعالى، يقول (وَأَنفِقُوا۟ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ ) [سورة الحديد آية: ٧] فقد ولدت عاريا فقير لا تملك شيئا فكساك وكفاك وآواك وأعطاك إذًا فكل ذلك أمانة والأمانة من طبيعتها أنها ليست من خلقك ولا تقديرك ولا من صنعك وإنما أودعت فيك أو أودعت لديك فأنت أعطيت البصر والعقل واللسان والنطق والأذن أمانة أُعطيتها من غير مسألة ومن غير جهد كما أنها تُسترد منك كيف شاء الله وقتما يشاء فقد يُفاجأ الشخص بأنه لا يبصر استرد الله البصر أو استرد السمع أو استرد الحركة فشُلَّت الأيدي والأقدام أو سلب العقل أو سلب كل ذلك بالموت واسترد الأمانة فكل ذلك أمانة (لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ)، ونرجع إلى قول السلف فما ترك الأوائل من كلمة لقائل نستلهم منهم الصواب فقد كانوا على نور من الله، تبارك وتعالى، روى الترمذي الحكيم يقول قال رسول الله: (قَالَ اللهُ: يَا آدَمُ، إنِّي عَرَضْتُ الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَلَمْ تُطِقْهَا فَهَلْ أَنْتَ حَامِلُهَا بِمَا فِيهَا؟ قَالَ: وَمَا لِيَ فِيهَا يَا رَبِّ؟ قَالَ: إِنْ حَمَلْتَهَا أُجِرْتَ، وَإِنْ ضَيَّعْتَهَا عُذِّبْتَ، فَقَالَ: قَدْ حَمَلْتُهَا بِمَا فِيهَا، فَلَمْ يَلْبَثْ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْأُولَى وَالْعَصْرِ حَتَّى أَخْرَجَهُ الشَّيْطَانُ مِنْهَا)، ويقول عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل صاحب النعلين والوسادة صاحب القراءة: (أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ) ولكن عبد الله بن مسعود كان من القراء يقول حفظت من في رسول سبعين سورة ما نازعني فيها أحد يقول فيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لَرِجْلُ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ) ويقول فيه: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ) يقول بن مسعود ويحكي لنا: حين خلق الله، تبارك وتعالى، الأمانة مثلها صخرة ثم وضعها حيث شاء ثم دعا لها السموات والأرض والجبال وقال: إن هذه الأمانة فيها ثواب وفيها عقاب، فأشفقن وقلن: يا رب لا طاقة لنا بها، عرفوا فيها الثواب وفيها العقاب فتجنبوا ذلك وأرادوا أن يبقوا على ما هم فيه من تسخير، فالسموات والأرض والجبال مسخّرة لا طاعة ولا معصية ولا ثواب ولا عقاب، إنما تفعل ما أمرت به كالملائكة (لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)) [سورة التحريم آية: ٦]، فلا جنة لهم ولا نار ولا ثواب ولا عقاب فأشفقت السموات والأرض والجبال، وقلن: يا رب لا طاقة لنا بها، وجاء آدم من غير أن يدعى فقال للسموات والأرض والجبال: ما وقوفكم ولله، تبارك وتعالى، أن يوقف ما يشاء حيث شاء، قالوا: دعانا ربنا، تبارك وتعالى، لحمل هذه فأشفقنا منها وقلنا لا طاقة لنا بها، فحركها آدم بيده فتحركت، فقال: والله لو شئت أن أحملها لحملتها، قالوا: دونك، أي أنت وما تريد، فأخذها فحملها إلى ركبتيه ثم وضعها، وقال: والله لو شئت أن أزداد لازددت، قالوا: دونك، فحملها فأخذها فرفعها حتى حقويه، والحقوان موضع الإزار، فحملها إلى حقويه ثم وضعها، وقال: والله لو شئت أن أزداد لازددت، فحملها ورفعها حتى وضعها على عاتقيه وهم بوضعها، فقالت له السموات والأرض والجبال: مكانك، إن هذه الأمانة وفيها ثواب وفيها عقاب، وقد حملتها أنت من غير أن تدعى فهي في عنقك وأعناق ذريتك إلى يوم القيامة، إنك كنت ظلوما جهولا، (وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًۭا جَهُولًۭا (٧٢))إذاً لم يدع إلى ذلك ولم تعرض عليه إذا حدث العرض والإباء أيا كان مثال أو مجاز أو عقل أيا كان المهم أنه كان هناك عرض وهناك إباء إما على الحقيقة أو على التمثيل أو المجاز هناك عرض وهناك إباء أما الإنسان فليس هناك عرض حملها من تلقاء نفسه (إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًۭا جَهُولًۭا (٧٢)) ظلوما لنفسه ظلوما للأمانة حيث لم يرع حقها كان ظلوما جهولا بمقدار ما تحمّل وبعاقبة ما حمل جهولا بربه جهولا بنفسه وقدرته جهولا بعاقبة ما احتمل (لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ) وجاء الفقهاء وقالوا في اللام (لِّيُعَذِّبَ)لام التعليل أي حملها الإنسان ليعذب الله، تبارك وتعالى، المنافقين وقالوا بل هي لام العاقبة لأنها متعلقة ب عرضنا فهي إن كانت متعلقة ب حمل فهي للتعليل وإن كانت متعلقة ب عرضنا فهي للعاقبة أي عاقبة أمر الإنسان بعد هذا العرض أن يعذب المنافق حيث يظهر نفاقه ويعذب الكافر حيث يظهر كفره والمنافق هو الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر وقدّم المنافق على الكافر في هذه الآية لأن النفاق أشد من الكفر ولذا عقوبة المنافق أشد من عقوبة الكافر وربنا، تبارك وتعالى، يقول (إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ) [سورة النساء آية: ١٤٥]، فالنار دركات كما أن الجنة درجات والدرْج الصعود إلى أعلى والدرك الهبوط إلى أسفل (إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)) [سورة النساء آية: ١٤٥]، (لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ وَيَتُوبَ) معطوفة على منصوب والمعطوف على المنصوب منصوب يتوب منصوبة إذًا متعلقة باللام أيضا أي ليعذبَ وليتوب (وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۗ ) الذين أطاعوا الله ورسوله وقاموا بحمل الأمانة بقدر استطاعتهم كما يجب وكما ينبغي والكلام عن التوبة في هذه الآية لم يقل الله، تبارك وتعالى، ليعذب المنافقين والمنافقات والمشركين المشركات ويثيب مقابلة العذاب يعذب هذا ويثيب هذا وإنما قال يتوب إذًا مهما كنت على درجة من التقوى وحمل الأمانة كما يجب وإيمان فوق اليقين لا بد وأن لك فرطات يتوب الله، عز وجل، عليك منها فالإتيان بذكر التوبة هنا ليدل على أن الإنسان مهما عمل لن يبلغ درجة الكمال أبدًا فكلمة التوبة تشعرك بأن التقصير حادث لا محالة شئت أم أبَيْت والعاصم هم الله، تبارك وتعالى، ولذا قرأ بعضهم ويتوبُ بالرفع قطع عن الكلام واستئناف أي يتوب الله، تبارك وتعالى، عليهم في كل حال وعلى جميع الأحوال فهو التواب الرحيم (وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۢا (٧٣)) غفور حيث يغفر للمؤمنين والمؤمنات ما يفرط من أمرهم ويكفّر عنهم الصغائر واجتناب الكبائر (إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا (٣١)) [سورة النساء آية: ٣١]، (وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۢا (٧٣)) والغفر هو التغطية وكأن السيئات التي يرتكبها العبد المؤمن في الدنيا لا تظهر يوم الفضيحة الغفران غير العفو فالغفر: التغطية والعفو المحو بالكلية (وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۢا (٧٣))حيث لم يكلفنا ما لا نطيق (لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ ) [سورة البقرة آية: ٢٨٦] وقد حمل أبوك الأمانة فهي في عنقه وعنقك إلى يوم القيامة لكنك سوف تسأل عن حمل الأمانة بقدر ما أودع فيك من طاقة حيث لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، هذه الرحمة أن الله، تبارك وتعالى، لا يكلفنا ما لا نطيق بل مدة بسيطة مدة قليلة في الدنيا والعمل فيها في حدود الطاقة فمن عمل بأمر الله وانتهى بنهيه في مدة عمره فاز بالنعيم المقيم والخلد في الجنة التي عرضها السموات والأرض.
أيها الأخ المسلم (وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۢا (٧٣)) وتكلمنا عن المغفرة هناك أناس يبعثون يوم القيامة وصحائفهم بأيديهم (وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)) [سورة التكوير آية: ١٠]، إذاً فالصحف منشورة مكتوب فيها الأعمال والأفعال والأقوال الكل يراها فهناك من يقول: (هَآؤُمُ ٱقْرَءُوا۟ كِتَـٰبِيَهْ (١٩) إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)) [سورة الحاقة آية: ١٩-٢٠]، وهناك من يقول: (يَـٰلَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَـٰبِيَهْ (٢٥)) [سورة الحاقة آية: ٢٥]، فالذي يقول هاؤم اقرؤوا كتابيه هل فيه سيئات؟ لا يمكن وما منا من أحد معصوم نظرة كلمة فعل إذا فلا بد وأن هذا الكتاب الذي يباهي به ويقول هاؤم اقرؤوا كتابيه لا بد وأن يكون ناصعا فيه الصالحات فكيف يكون ذلك؟ المذنبون حين تعرض صحائفهم تنشر لهم ويراها الناس فضائح والعياذ بالله الزنا والخمر والسرقة والغيبة والنميمة كل ذلك فضائح منشورة حتى الغدر (إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنٍ) علنا أما المؤمن فيدنيه الله، تبارك وتعالى، منه لأن ربنا لا ينام ولا يسهو ولا ينسى فالبر لا يبلى والذنب لا ينسى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْعَبْدَ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وسِتْرَهُ مِنَ النَّاسِ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، أَيْ رَبِّ، وَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، أَيْ رَبِّ، فَإِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ ، قَالَ: إِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ الْيَوْمَ ، قَالَ: ثُمَّ يُعْطِي كِتَابَ حَسَنَاتِهِ)، وهناك نوع آخر لا تنشر صحائفهم بسيئاتهم ولا يدنى من الله تبارك وتعالى ولا يسأل ولا يعاتب ولا يذكر بذنوبه ويدخل الجنة مع الداخلين وحين يدخل الجنة ويطمئن ويفرح يأتيه الملك بصحيفة فيأخذها من الملك وينشرها ينظر فيها فإذا فيها جميع الذنوب والمعاصي التي ارتكبها في حياته موجودة في الصحيفة فيصفر لونه وترتعد منه الفرائص ويخاف فيقول له الملك إن الله تبارك وتعالى أمرني أن آتيك بهذه الصحيفة وأعرضها عليك فإذا رأيت لونك قد تغير أمرني أن أقول لك إن الله، تبارك وتعالى، استحيا أن يسألك عن هذه الذنوب لشيبتك.