سورة الفرقان
لقاؤنا مع سورة الفرقان، سميت السورة بهذا الاسم لذكر الفرقان الذي نزل على خاتم الأنبياء (عليه الصلاة والسلام) وسورة الفرقان سورة مكية إلا ثلاث آيات من قوله (عز وجل): إلى قوله (عز وجل): (وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ) إلى قوله (وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا (٧٠)) [سورة الفرقان آية: ٦٨- ٧٠] نزلت الآيات الثلاث بالمدينة، والسورة كلها مكية إلا هذه الآيات الثلاثة، سورة الفرقان تعالج شئون العقيدة، تعنى بالتوحيد وبإثبات الألوهية لله (عز وجل) وبسوق الدلائل والبراهين على صدق النبي (صلى الله عليه وسلم) وعلى أن القرآن حق وأنه من عند الله (عز وجل) وتُعجِّب الآيات السامعين وتعجب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من المشركين الذين اتخذوا من الحجارة آلهة، وتسوق أباطيل الكفار وشبهاتهم وترد عليهم بالدليل الواضح والبرهان الساطع، وتبين كيف أن كفار مكة احتاروا في شأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) وقالوا فيه وقالوا فيه، ولم يتحدوا في مقالتهم بل تخبطوا خبط عشواء، وتسوق السورة أيضا بعض قصص الأمم السابقة إجمالا للعظة والاعتبار، وتسوق الأدلة والشواهد على وجود الإله الواحد القادر ذي العظمة والجلال، وتؤكد السورة على التوحيد وعلى الرسالة التي هي الواسطة بين الله وبين عباده وعلى القيامة التي هي خاتمة المطاف، وتبين كيف يتبرأ الكافر يوم القيامة ممن أضله ويندم حيث لا ينفع الندم، وتختم السورة بذكر صفات عباد الرحمن وأخلاقهم التي منحهم إياها فاستحقوا النعيم المقيم.
سورة الفرقان افتتحت بقوله (عز وجل):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا ﴿1﴾
(تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ) الفرقان:القرآن ويطلق أيضا على الكتب المنزلة لقوله (عز وجل): (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءًۭ وَذِكْرًۭا لِّلْمُتَّقِينَ (٤٨)) [سورة الأنبياء آية: ٤٨] الفرقان: القرآن أو هو كل الكتب المنزلة، لكن الأصح والأرجح أن المقصود بالكلمة القرآن، وسمي القرآن فرقانا لأنه فرق بين الحق والباطل وبين الحلال والحرام وفرّق بين المحق والمبطل والمؤمن والكافر (نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ) منتهى التشريف لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) حيث أضافه إليه (عَلَىٰ عَبْدِهِۦ) بالإضافة تشريف لسيد الخلق، والعبودية أشرف مقام على الإطلاق.
(لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا (١)) النذير المنذر والنذير الإنذار، والإنذار التخويف من الهلكة، التخويف من الهلاك مع إعطاء فرصة وفسحة للمنذر كي يحترز ويتحفظ ويحترس مما خُوف منه (لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا (١)) ليكون الفرقان (تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ) الفرقان (لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا (١)) أو (تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ) العبد الذي نزل عليه الفرقان (لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا (١)) وذاك أرجح أي ليكون النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي نزل عليه الفرقان (لِلْعَـٰلَمِينَ) الإنس والجن، والعالمين جمع عالم والعالم كل ما سوى الله (عز وجل) وقد بعث النبي (صلى الله عليه وسلم) للناس كافة كما بعث للجن أيضا كافة (لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا (١)).
ثم وصف ربنا (تبارك وتعالى) نفسه بأربع صفات من صفات الجلال:
ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًۭا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌۭ فِى ٱلْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ فَقَدَّرَهُۥ تَقْدِيرًۭا ﴿2﴾
(لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) خلقا ومِلكا وعبيدا وتقديرا وتدبيرا وتصريفا (لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًۭا) كما زعمت اليهود وكما زعمت النصارى، نفي وجود من يقوم مقامه، فالولد يقوم مقام أبيه (وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًۭا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌۭ فِى ٱلْمُلْكِ) رد على مشركي مكة والذين اتخذوا الأصنام وزعموا أنهم يقربونهم إلى الله زلفى (وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ) فهو الخالق (فَقَدَّرَهُۥ تَقْدِيرًۭا (٢)) كلمة الخلق عبارة عن إيجاد من العدم، التقدير عبارة عن تهيئة الشيء لما أريد منه من الخصائص والأفعال تهيئة بديعة بحكمته (عز وجل) وفق إرادته (وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ فَقَدَّرَهُۥ تَقْدِيرًۭا (٢)) أي أوجده بإتقان وبحكمة لما أريد منه وهيأه لما هو مراد وفقا لإرادته، عز وجل، التقدير من مقدار ومن القدَر ومن القدْر، التقدير الإنسان قدّره الله؛ الأجل الشكل الهيئة الصفات التي تهيئه للتفكر والتدبر والعقل والعلم والصناعة والتصرف، هيأ الطير قدّره أي هيئه حجما مكانا زمانا وصفا صفة حواس مواصفات تهيئة ليؤدي ما خلق من أجله، ذاك هو التقدير (وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ فَقَدَّرَهُۥ تَقْدِيرًۭا (٢)).
ويعجب ربنا (تبارك وتعالى) رسوله (صلى الله عليه وسلم) ويعجب من يعقل ويسمع:
وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةًۭ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًۭا وَلَا حَيَوٰةًۭ وَلَا نُشُورًۭا ﴿3﴾
(وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا) لا يملكون دفع ضرٍ عن أنفسهم ولا جلب نفع لأنفسهم ومن لا يملك لنفسه فكيف يملك لغيره؟!!
(وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًۭا وَلَا حَيَوٰةًۭ وَلَا نُشُورًۭا (٣)) ولا يملكون الحياة أو الممات أو البعث لأنفسهم ولا لغيرهم، لا يملكون أن يميتوا أحدا ولا أن يحيوا أحدا ولا أن يبعثوا أحدا بعد الموت، (لَّا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًۭا وَلَا حَيَوٰةًۭ وَلَا نُشُورًۭا (٣)).
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌ ٱفْتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَآءُو ظُلْمًۭا وَزُورًۭا ﴿4﴾
وَقَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًۭا ﴿5﴾
(وَقَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًۭا (٥)) أساطير: جمع أسطورة كأحدوثة أي حكايات وروايات الأولين الأقوام السابقة جاء بها وطلب أن تملى عليه فيكتتبها، يأمر بكتابتها وتُقرأ عليه في الصباح وفي المساء كل يوم حتى يحفظها ، (وَقَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا) طلب كتابتها (فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ) أصلها تملت، (تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًۭا (٥)) هذا الكلام الزور والظلم الذي جاءوا به لو أن نبينا (صلى الله عليه وسلم) أخذ هذا الكلام من أجل الكتاب فكيف يعقل أن يأخذ من العجمي لسانا عربيا؟ كيف؟! وإن كان أخذه من غيره باللغة العجمية التي لا يعرفها كيف يعبر عنها باللفظ العربي الفصيح الذي أعجز فصحاء العرب أن يأتوا بمثله؟ وإن كانت أساطير وتملى عليه لم لا تفعلون كما فعل؟ لم لا تعارضونه بباطل تأتون به؟ فكما أملي عليه ممكن أن يملى عليكم وتأتوا بمثل ما أتى، هل فعلوا؟ هل استطاعوا؟ لذا يرد الله (تبارك وتعالى) عليهم قائلا:
قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ﴿6﴾
وتسوق الآيات شبهة أخرى من شبهات المشركين:
وَقَالُوا۟ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌۭ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ﴿7﴾
أَوْ يُلْقَىٰٓ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٌۭ يَأْكُلُ مِنْهَا ۚ وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًۭا مَّسْحُورًا ﴿8﴾
(وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ) في النهاية (إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًۭا مَّسْحُورًا (٨)) رجلا مسحورا خلّط عليه فسحر فادعى الرسالة يقول الله (عز وجل):
ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَـٰلَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًۭا ﴿9﴾
تَبَارَكَ ٱلَّذِىٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًۭا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًۢا ﴿10﴾
بَلْ كَذَّبُوا۟ بِٱلسَّاعَةِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ﴿11﴾
إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ سَمِعُوا۟ لَهَا تَغَيُّظًۭا وَزَفِيرًۭا ﴿12﴾
وَإِذَآ أُلْقُوا۟ مِنْهَا مَكَانًۭا ضَيِّقًۭا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا۟ هُنَالِكَ ثُبُورًۭا ﴿13﴾
لَّا تَدْعُوا۟ ٱلْيَوْمَ ثُبُورًۭا وَٰحِدًۭا وَٱدْعُوا۟ ثُبُورًۭا كَثِيرًۭا ﴿14﴾
(وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)) السعير يقال إنه اسم من أسماء جهنم، ويقال وصف للنار التي سعرت بشدة، أعتدنا جهزنا (بَلْ كَذَّبُوا۟ بِٱلسَّاعَةِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ سَمِعُوا۟ لَهَا تَغَيُّظًۭا وَزَفِيرًۭا (١٢)) رأتهم، هل للنار عينان ترى بها؟ نعم، هل تفهم؟ نعم، هل تعقل؟ نعم، هل تتكلم؟ نعم، ذاك رأي جمهور كبير من العلماء، إذا رأتهم عرفتهم (مِّن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ) لبيان أنها تميز من بعدٍ شديد قيل على بعد خمسمائة عام، تراهم تعرفهم يخرج منها لسان من نار له عينان يشهق فيشفطهم كما يشفط البعير حب الشعير.
(إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ سَمِعُوا۟ لَهَا تَغَيُّظًۭا وَزَفِيرًۭا (١٢)) والتغيظ إظهار الغيظ الناتج من شدة الغضب الكامن في القلب، وكأن الغضب اشتد فيها، اشتد الغضب الكامن فيها حتى أنه وصل للتغيظ فأظهرت غيظها وسمعوا لها الزفير وهو خروج النفس بشدة حتى تنتفخ الأضلاع.
(وَإِذَآ أُلْقُوا۟ مِنْهَا مَكَانًۭا ضَيِّقًۭا) الضيق يدل على الكرب والروْح مع السعة، فالكرب مع الضيق والروح مع السعة، ولذا كانت الجنة واسعة عرضها السموات والأرض أما النار فتضيق على أهلها والعياذ بالله، ضيق الزبد على الرمح فلا يملكون فيها حركة (ُّقَرَّنِينَ) مكتفين أو قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالأغلال أو قرن كل منهم مع شيطانه.
(دَعَوْا۟ هُنَالِكَ ثُبُورًۭا (١٣)) الثبور: الهلاك (دَعَوْا۟ هُنَالِكَ ثُبُورًۭا (١٣)) أي هلاكا أشد من الموت، ما هو الذي أشد من الموت؟ أشد من الموت ما يُتمنى معه الموت، متى يتمنى الإنسان الموت؟ إذا كان في كرب وشدة أشد من الموت، هنا من شدة عذابهم دعوا الهلاك (دَعَوْا۟ هُنَالِكَ ثُبُورًۭا (١٣)) أي هلاكا، وانظر إلى الرد (لَّا تَدْعُوا۟ ٱلْيَوْمَ ثُبُورًۭا وَٰحِدًۭا) ثبورا واحدا ليس كافيا إذ العذاب له ألوان وله أصناف، وشدائد العذاب والتعذيب في جهنم صنوف وألوان (لَّا تَدْعُوا۟ ٱلْيَوْمَ ثُبُورًۭا وَٰحِدًۭا) لا يكفي هلاك واحد بل (وَٱدْعُوا۟ ثُبُورًۭا كَثِيرًۭا (١٤)) والثبور اسم جمع، (لَّا تَدْعُوا۟ ٱلْيَوْمَ ثُبُورًۭا وَٰحِدًۭا وَٱدْعُوا۟ ثُبُورًۭا كَثِيرًۭا (١٤)) عذاب وتلوّن أصناف العذاب، لا يموت فيستريح ولا يحيا أي ليست الحياة الطيبة أو ذات الثمر أو لها ثمرة من شدة العذاب، يتمنى أن يهلك وأن يعدم وألا يكون، فيرد عليهم بأن الهلاك الواحد لا يكفي دعو ثبورا مما رأوه وأحسوه، لم تروا بعد ما أعد لكم، كأن الرد هكذا (لَّا تَدْعُوا۟ ٱلْيَوْمَ ثُبُورًۭا وَٰحِدًۭا وَٱدْعُوا۟ ثُبُورًۭا كَثِيرًۭا (١٤)).
قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۚ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءًۭ وَمَصِيرًۭا ﴿15﴾
لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَـٰلِدِينَ ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًۭا مَّسْـُٔولًۭا ﴿16﴾
(ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۚ كَانَتْ لَهُمْ) للمتقين (جَزَآءًۭ وَمَصِيرًۭا (١٥)) جزاء أي أجرا على أعمالهم وعلى تقواهم ومصيرا يصيرون إليه.
(لَّهُمْ فِيهَا) في الجنة (مَا يَشَآءُونَ) كل ما يخطر ببال، كل ما تشتهيه النفس (خَـٰلِدِينَ ۚ) كرر كلمة الخلد للتأكيد (كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًۭا مَّسْـُٔولًۭا (١٦)) وهنا كلمة مسئول تعني، والله أعلم، أن ذاك الوعد بجنة الخلد سئل، أي سأل العباد ربهم (كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًۭا مَّسْـُٔولًۭا (١٦)) أي سأله أصحاب الجنة فقالوا: (رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ) [سورة آل عمران آية: ١٩٤] فهاهي الجنة طلبوها وسألوها فأُعطوها، أو (كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًۭا مَّسْـُٔولًۭا (١٦)) سألته الملائكة للمتقين كما حكى عنهم القرآن: (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ (٨)) [سورة غافر آية: ٨] دعاء الملائكة حملة العرش خزنة العرش هم سألوا حين سألوا الجنة أجابهم ربنا، تبارك وتعالى، لمسألتهم فأعطاها للمتقين، أو (كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًۭا مَّسْـُٔولًۭا (١٦)) يجب أن يسأل، حقيقٌ بأن يطلب، هذا الذي وصف (جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۚ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءًۭ وَمَصِيرًۭا (١٥) لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَـٰلِدِينَ ۚ) هذا الموصوف حقيق بأن يطلب وبأن يسأل.
وينتقل الكلام لتصوير موقف من مواقف القيامة يقول الله (تبارك وتعالى):
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـٰٓؤُلَآءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ ﴿17﴾
قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَكَانُوا۟ قَوْمًۢا بُورًۭا ﴿18﴾
(فَيَقُولُ) يوجه الخطاب للمعبودين من دونه تقريعا توبيخا وتبكيتا للعبدة: (ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـٰٓؤُلَآءِ) أأنتم دعوتموهم لعبادتكم هيأتم لهم ذلك وزينتم لهم ذلك (أَمْ هُمْ ضَلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ (١٧)) هم بأنفسهم مسئولون عن أنفسهم هم الذين ضلوا واختاروا الضلالة، وانظر إلى الرد (قَالُوا۟) ما عُبد من دون الله إن كان حجرا نطق كما أنطق الجلود، سبحانه وتعالى، والملائكة تنطق وتتكلم وعزير يتكلم والمسيح يتكلم (قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ) أول الإجابة سبحانك تعاليت وتعظمت وتباركت وتقدست تنزيها لك أن يعبد من دونك شيء، أو إشارة إلى نحن المسبحون نحن الصافون نحن الذي هيئنا لتسبيحك وتقديسك وتنزيهك، كيف يتسنى ويستقيم لنا أن نتخذ من دونك أولياء أو نعبد من دونك أحدا أو نشرك بك شيئا؟ فإن كان ذاك شأننا فكيف نحض غيرنا أو نحث غيرنا أو نضل غيرنا أو ندعو غيرنا لعبادة غيرك؟
(سُبْحَـٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ) كيف؟ كيف يستقيم هذا نحن نعرف قدرك نحن نسبح نحن نقدس ننزهك عن كل ما لا يليق بجلالك وكمالك هل يمكن ألا ننزهك عن كل ما لا يليق بجلالك وكمالك؟ هل يمكن أن نتخذ من دونك أولياء نعبدهم؟ فإن كان ذاك غير معقول غير متصور فإضلالنا لهؤلاء أبعد تصورا وأبعد تخيلا (سُبْحَـٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ) هاهي العلة، هاهو السبب، البطر كفران النعمة، أطلت أعمارهم ووسعت أرزاقهم وأعطيتهم الفسحة من الوقت الصحة العمر السعة، (مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ) كذلك (حَتَّىٰ نَسُوا۟ ٱلذِّكْرَ) نسوا القرآن ونسوا الدين شغلتهم الدنيا شغلتهم المتعة شغلهم عطاؤك عنك، أغفلتهم النعمة عن المنعم، أعمتهم الدنيا عن الآخرة.
(مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا۟ ٱلذِّكْرَ) نسوا الذكر نسوا الشكر نسوا القرآن نسوا العاطي وكثير من الناس، والعياذ بالله، تطغيه النعمة ومنهم من تلهيه النعمة ومنهم من يعتقد أنه مستحق للنعمة ومنهم من يعتقد أنه السبب في جلب النعمة فتعميه النعمة عن يد المنعم التي امتدت إليه بالنعمة.
(وَكَانُوا۟ قَوْمًۢا بُورًۭا (١٨)) البوار قد يعني الكساد، بارت السلعة بقيت ولم تنفق لم تجد من يشتريها، وتعني أيضا ما لا خير فيه من بارت الأرض الأرض البور لا زرع فيها لا خير فيها (وَكَانُوا۟ قَوْمًۢا بُورًۭا (١٨)) هلكى، بوراً فسدوا وهلكوا وكسدوا، (وَكَانُوا۟ قَوْمًۢا بُورًۭا (١٨)) وكلمة "بور" تطلق المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، أو هي جمع بائر، وذاك صحيح، (وَكَانُوا۟ قَوْمًۢا بُورًۭا (١٨)) وهنا يرد عليهم بعد ما ساق من عبد من دون الله، ساق الدليل البرهان على براءته وعلى أنهم مسبحون منزهون لله، عز وجل، عما لا يليق بجلاله وكماله، هذا الرد حينئذ يقول الله (تبارك وتعالى): هاهم كذبوكم بقولهم هذا وبتنزيههم وبقولهم (سُبْحَـٰنَكَ) حدث التكذيب لكم فكيف يكون الأمر؟
فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًۭا وَلَا نَصْرًۭا ۚ وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًۭا كَبِيرًۭا ﴿19﴾
(فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًۭا وَلَا نَصْرًۭا ۚ ) (فما يستطيعون صرفا)، (فَمَا تَسْتَطِيعُونَ) أنتم يا من عبدتم من دون الله عزيرا والمسيح والملائكة والأصنام لا تقدرون على صرف، تحويل ودفع العذاب عن أنفسكم، ولا تقدرون على نصر أنفسكم، و(فما يستطيعون صرفا ولا نصرا) أي ها هي الآلهة التي عبدت من دون الله لا تقوى على صرف العذاب عمن عبدوها من دون الله ولا تستطيع لهم نصرا، (فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًۭا وَلَا نَصْرًۭا ۚ ).
(وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًۭا كَبِيرًۭا (١٩)) يظلم يشرك، أي يموت على كفره، يموت على شركه، وهاهو التحذير وفتح باب الرحمة وباب الإمهال، هاهي الأدلة قد سيقت هاهي البراهين، هاهو النور الساطع بانفراده (عز وجل) بالوحدانية بألوهيته بقدرته بتصريفه وتدبيره، بما أعد لعباده الصالحين وما أعد للفاسقين، (وَمَن يَظْلِم) ويصر على شركه ويموت (وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًۭا كَبِيرًۭا (١٩)). ثم يأتي الرد على قولهم إن النبي (صلى الله عليه وسلم) يأكل الطعام:
وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۗ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍۢ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًۭا ﴿20﴾
(وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍۢ فِتْنَةً) قيل فيها كلام كثير، الفتنة الامتحان، الفتنة الاختبار، ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم! ويل للغني من الفقير وويل للفقير من الغني! ويل للصحيح من المريض وويل للمريض من الصحيح! ويل للمعافى من المبتلى وويل للمبتلى من المعافى! ويل للراعي من الرعية وويل للرعية من الراعي! هكذا قال بعض العلماء، بمعنى أن الفقير والغني، الفقير فتنة للغني والغني فتنة للفقير، لينظر هل يتخلى هذا عن البطر ويتخلى ذاك عن الضجر؟ الغني يبتلى بالفقير، هل يعطف هل يحنو عليه هل يعطيه مما رزقه الله أم يتكبر ويشيح بوجهه؟ والفقير هل يضجر؟ هل يحسد؟ هل يحقد؟ هل يرضى؟ المعافى والمبتلى؛ المعافى هل ينسى أن المبتلى فُعل فيه ما فعل بإرادة الله وحكمته، وأنه لا يستحق المعافاة بل هي فضل من الله، المبتلى هل يصبر؟ (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍۢ فِتْنَةً) فكأن الناس تمتحن بالناس، كأن الفرد يمتحن بغيره بضده، الغني بالفقير والصحيح بالمريض وهكذا.
(أَتَصْبِرُونَ ۗ ) سؤال، قيل معروف الجواب، وتقديره أتصبرون أم لا تصبرون؟ وقيل: (أَتَصْبِرُونَ ۗ) أمر، وذلك أرجح (أَتَصْبِرُونَ ۗ) بمعنى اصبروا، إذ يأتي الأمر في صيغة الاستفهام حتى يكون الأمر في غاية الأهمية كقوله في شأن تحريم الخمر: (فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (٩١)) [سورة المائدة آية: ٩١] تهديد بمعنى انتهوا، وكذلك (أَتَصْبِرُونَ ۗ) بمعنى اصبروا.
(وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًۭا (٢٠)) يعلم من يصبر ومن يضجر، من يشكر ومن يكفر، والدنيا فتنة، وكل ما في هذه الدنيا من نعيم ظاهر، وكل نعيم فيها لا محالة زائل، كل نعيم فيها ما هو إلا امتحان، ورقة أسئلة فيها أسئلة منها ما هو اختياري ومنها ما هو إجباري، كذلك الدنيا هي ورقة أسئلة ونحن في طريق مشوار لا بد وله نهاية، كراكب القطار لا بد وله محطة ينزل فيها، ذاك ينزل أولا ثم ذاك ينزل ثانيا فهي طريق وله نهاية وهو امتحان، أولادكم فتنة أي امتحان، أموالكم فتنة أي امتحان، كل ما في هذه الدنيا، الصحة، سؤال ماذا فعلت بصحتك؟ الشباب سؤال ماذا فعلت؟ ومن جار على شبابه جارت عليه شيخوخته، ماذا فعلت بشبابك؟ ماذا فعلت بعمرك؟ ماذا فعلت بمالك؟ ماذا فعلت بزوجتك؟ ماذا فعلت بأولادك؟ ماذا فعلت بصحتك؟ ماذا فعلت بجاهك وسلطانك؟ كل ما في هذه الدنيا أسئلة.
الجُزءُ التاسع عشر
تتوالى الآيات من سورة الفرقان تحكي عن تعنت مشركي مكة وتصف جهالاتهم، يقول الله (تبارك وتعالى):
وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ۗ لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّۭا كَبِيرًۭا ﴿21﴾
يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًۭا مَّحْجُورًۭا ﴿22﴾
(وَيَقُولُونَ حِجْرًۭا) وقرئت: (حُجْرًا) (مَّحْجُورًۭا (٢٢)) من القائل؟ (وَيَقُولُونَ) هناك مذكوران (يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُجْرِمِينَ) قيل: القائل الملائكة (يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ) حيث لا بشرى لهم في ذلك اليوم تقول الملائكة (حِجْرًۭا مَّحْجُورًۭا (٢٢)) أي حراما محرما عليكم البشرى وحرام عليكم الجنة حرمها عليكم، الحِجر والحُجر والحَجر المنع، حِجرا أي ممنوعا، محجورا تأكيد، أو القائل المجرمون (يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍۢ) تأكيد لكلمة يوم (لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ) أي يقول المجرمون: (حِجْرًۭا مَّحْجُورًۭا (٢٢)) المجرمون يقولون ذلك للملائكة حين قبض أرواحهم أو في يوم القيامة وكلمة (حِجْرًۭا مَّحْجُورًۭا (٢٢)) كلمة استعاذة اعتادوا عليها في الجاهلية، كان الرجل إذا رأى أو التقى بمن يخاف بطشه أو يخاف أذاه يقول له: حجرا محجورا، أي أنا عليك حرام، وكأنه يستعيذ به من نفسه، (حِجْرًۭا مَّحْجُورًۭا (٢٢)) أي إيذائي عليك حرام، أو أنا عليك حرام، فيظن المجرمون بسفاهتهم وجهالتهم أن ما كان يجدي معهم في الدنيا بينهم وبين بعض قد يجدي مع الملائكة فيقولون للملائكة حين يرونهم: (حِجْرًۭا مَّحْجُورًۭا (٢٢)) أي نحن عليكم حرام أن تؤذونا أو يكون ذلك يوم القيامة (يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًۭا مَّحْجُورًۭا (٢٢)).
ملائكة الموت حين تأتي لقبض الأرواح، إذا جاءت المؤمن جاءت في صورة طيبه وجميلة وشم هو ريحا طيبة ورأى ما يسره فاستبشر ورحب وأحب لقاء الله، ولو خير لاختار الموت، يقولون له: ربك يقرئك السلام، ويسلون نفسه، روحه، سل الشعر من العجين، بمنتهى الرحمة والراحة (فَرَوْحٌۭ وَرَيْحَانٌۭ وَجَنَّتُ نَعِيمٍۢ (٨٩)) [سورة الواقعة آية: ٨٩] ، وإذا جاءت ملائكة الموت للمجرمين جاءت في صورة مخيفة مرعبة بشعة أبشع ما يمكن أن يتخيل، وكل خيال أبعد من الواقع، جاءوا في غلظة، في شدة، في شكل مرعب مرهب، فيرتعد ويخاف وتهرب روحه، تجري الروح وتهرب وتتشعب في سائر أنحاء الجسد هربا منهم فيضربونه بالمقامع (وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ (٥٠)) [سورة الأنفال آية: ٥٠]، يقولون لهم: (أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ۖ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ) [سورة الأنعام آية: ٩٣]، شدة عنف، أما الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم.
وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُوا۟ مِنْ عَمَلٍۢ فَجَعَلْنَـٰهُ هَبَآءًۭ مَّنثُورًا ﴿23﴾
أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌۭ مُّسْتَقَرًّۭا وَأَحْسَنُ مَقِيلًۭا ﴿24﴾
قيل إن يوم القيامة يبدأ الحساب في أول النهار ولا ينتصف النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، (أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌۭ مُّسْتَقَرًّۭا وَأَحْسَنُ مَقِيلًۭا (٢٤)) والكلام رد على كلامهم: (أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌۭ مَّقَامًۭا وَأَحْسَنُ نَدِيًّۭا (٧٣)) [سورة مريم آية: ٧٣]، يأتي الوصف ليوم القيامة وإن كان موجزا بقوله (عز وجل):
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ﴿25﴾
ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ ۚ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيرًۭا ﴿26﴾
(وَنُزِّلَ) وقرئت قراءات مختلفة (وَنُزِّلَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا (٢٥)) نظيره قوله (عز وجل): (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍۢ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ (٢١٠)) [سورة البقرة آية: ٢١٠]، يأتي ربنا أي يأتي أمره يأتي عذابه، (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍۢ) أي يأتيهم أمره، يأتيهم عذابه.
(ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ ۚ) الملك الحق، الملك الثابت، الملك الواجب، الملك الدائم، إذ في ذلك اليوم يزول كل مَلِك وملكه وتبطل الدعاوى، ولا ملك على الحقيقة إلا لله أي الملك الحقيقي الدائم (وَكَانَ يَوْمًا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيرًۭا (٢٦)) شاقا صعبا شديدا، ويفهم من الآية (وَكَانَ يَوْمًا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيرًۭا (٢٦)) أنه كان على المؤمنين يسيرا، مفهوم المخالفة وتلك أمور من بلاغة القرآن وإعجازه، (وَكَانَ يَوْمًا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيرًۭا (٢٦)) إذا على من يكون يسيرا؟ على المؤمنين، كيف يكون عسيرا وكيف يكون يسيرا؟ قال النبي (صلى الله عليه وسلم) في يوم عن القيامة وعن يوم القيامة: (كَانَ مِقْدَارُهُۥ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍۢ (٤)) [سورة المعارج آية: ٤]، يوم الحساب، كم عمر الإنسان؟ كم تمتع في الدنيا؟ هب أنك وهبت عمر نوح وملك سليمان، كلٌّ إلى انقضاء، يوم الحساب خمسون ألف سنة، من هنا حين سمع ذلك أبو سعيد الخدري (رضى الله عنه) قال: يا رسول الله، ما أطول ذلك اليوم! فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا)، خمسون ألف سنة تمر على المؤمن كصلاة العصر، كصلاة المغرب، كصلاة الصبح، وهو في ظل ظليل، وهو في نعيم، وهو في أمان لا يخاف حيث يخاف الناس، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون حين يحزن الناس، (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ) و(عَنِ الْمُؤْمِنِ) روايتان (حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا).
وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلًۭا ﴿27﴾
يَـٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًۭا ﴿28﴾
لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى ۗ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِلْإِنسَـٰنِ خَذُولًۭا ﴿29﴾
(وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ) كناية عن الحسرة الشديدة والندم، والإنسان إذا تحسر عض إصبعه عض يديه سقط وجهه في يديه وهكذا، كناية عن شدة الحسرة والندم، (يَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلًۭا (٢٧)) أي يا ليتني اتبعت النبي (صلى الله عليه وسلم) وسرت معه في طريق النجاة، في طريق الله، في طريق الأمان والصدق والحق (يَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلًۭا (٢٧)) وأكثر ما يستعمل السبيل في الخير والمحبوب، وأكثر ما يستعمل الطريق في الشر، إلا أن يخصص كلمة طريق تأتي لها صفة تفيد بأنها طيبة، قيل إن عقبة بن أبي معيط أوشك على الإسلام ثم جاء أمية بن خلف أو أبي بن خلف روايات وخاصة وكان صاحبه وكان خليله وشرط عليه أن يكفر محمد وأن يفعل، قيل إن الآية نزلت في شأنهما عقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف، عقبة بن أبي معيط قتل في غزوة بدر صبرا، وأمية بن خلف قتل في أحد.
(يَـٰوَيْلَتَىٰ) (ياويلتي) قراءتان، ينادي على الهلاك كأن هذا يومك يا هلاك، تعال يا هلاك واقض عليه، كأنه يتمنى أن يكون ترابا أن يموت أن يهلك.
(يَـٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًۭا (٢٨)) أي فلان؟ الآية نزلت في أمية، لكن أي فلان، جاء بالكناية بكلمة فلان للإشعار بأن ذلك الحكم على كل من اتبع صديقه وخليله في الباطل، (يَـٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًۭا (٢٨)) الخليل من تتخلل محبته قلبك وتتخلل محبتك قلبه أو يتخلل إلى أسرارك فيعلمها وتتخلل أنت إلى أسراره فتعلمها.
(لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى ۗ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِلْإِنسَـٰنِ خَذُولًۭا (٢٩)).
(لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ) الذكر: القرآن، (عَنِ ٱلذِّكْرِ) عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأن من أسمائه "الذكر" (لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ) القرآن أو الإسلام أو محمد (صلى الله عليه وسلم) (بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى ۗ) جاء به النبي (صلى الله عليه وسلم) (وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِلْإِنسَـٰنِ خَذُولًۭا (٢٩)) وذاك من قول الله، عز وجل، قرار وإخبار ممن يعلم السر وأخفى، الشيطان يعد الإنسان ويمنيه حتى يستدرج هذا الإنسان إلى المهالك وإلى المهاوي حتى إذا وقع تبرأ منه الشيطان وخذله، والخذلان التخلي عن وعدته بالإعانة وقت الحاجة، (كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٦)) [سورة الحشر آية: ١٦] وكما فعل في المشركين في غزوة بدر حين رأى الملائكة ورأى النصر ورياح النصر قال: (إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ (٤٨)) [سورة الأنفال آية: ٤٨].
ويأتي تهديد غريب في صياغة عجيبة:
وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَـٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًۭا ﴿30﴾
قال بعض العلماء إن هذه الشكوى تكون يوم القيامة ورويت في ذلك أحاديث، وقيل إن الكلام أيضا قد ينطبق على من أتاه الله شيئا من القرآن فتركه ونسيه، قيل ذاك، لكن الآية حيث نزلت وحيث السياق تفيد أن الكلام عن هؤلاء الكفار ومشركي مكة (وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَـٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًۭا (٣٠)) شكوى، يسري عنه ربنا (تبارك وتعالى) ويعزيه فيقول له حين اشتكى:
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّۭا مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًۭا وَنَصِيرًۭا ﴿31﴾
أيها الأخ المسلم، القرآن كلام الله القديم القائم بذاته، القرآن شمس الدنيا والآخرة، القرآن نور الدنيا والآخرة، القرآن أعظم منّة ونعمة ورحمة على الإطلاق، على الإطلاق، (ٱلرَّحْمَـٰنُ (١) عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ (٢) خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ (٣)) [سورة الرحمن آية: ١- ٣] وجاء القرآن قبل خلق الإنسان لبيان مزيد شرفه وعظمته.
أيها الأخ المسلم، أين أنت من القرآن؟ هل تتوقع أن يأتي القرآن شفيعًا لك يوم القيامة وشاهدا لك أم تركته فيأتي شاهدا عليك؟ هل تنتظر أن يشكوك الرسول (صلى الله عليه وسلم) ويقول: (إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًۭا (٣٠)) فتدخل في سلك من تركوا القرآن؟ أين أنت من القرآن؟ اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، فمن تعنت المشركين واليهود كذلك قولهم: لم نزل عليه القرآن آية آية سورة سورة؟ نزل منجما نجوما أي شيئا فشيئا، لم لمْ ينزل الكتاب دفعة واحدة كما نزل على موسى وكما نزل على عيسى؟
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَـٰهُ تَرْتِيلًۭا ﴿32﴾
السؤال لم لم ينزل القرآن دفعة واحدة؟ ذاك هو السؤال، الإجابة كثير؛ منها نزلت الكتب السماوية على أنبياء تقرأ وتكتب ونزل القرآن على نبي لا يقرأ ولا يكتب فكيف ينزل عليه دفعة واحدة، لكن الله كان قادرا على أن ينزله دفعة واحدة ويضعه في قلبه ويتلوه، ولكن إذا حدث وحدثت واقعة، كيف يأتي التعليق عليها؟ إذا سألوا سؤالا متعنتا كما امتلأ القرآن بأسئلتهم كيف تنزل الإجابات بالقرآن؟ آخر كتاب سماوي ولا كتاب بعده من هنا كان لا بد أن يصلح لكل زمان ومكان.
الأمر الثاني: لو نزل القرآن على هؤلاء القوم بما كانوا فيه من بغاء وميسر وأصنام وبغي وظلم وعدوان وزنا وخمر وسرقة وقتل، لو نزل مرة واحدة بأوامر صلاة زكاة حج بر صلة رحم قوانين الميراث أوامر الحدود أحكام، لو نزل بهذه الأوامر ونزل بالنواهي لا زنا لا خمر لا ميسر لا أنصاب، لو نزل هكذا ما آمن به أحد، وهكذا قالت عائشة (رضي الله عنها) حين سئلت، لو نزل القرآن دفعة واحدة وفيه وفيه لرفضوه لكنه أخذهم بالتدريج رحمة من الله، فالمنهيات جاءت متدرجة، الخمر ديدنهم تسليتهم تجارتهم عشقهم صناعتهم: (يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌۭ كَبِيرٌۭ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ ) [سورة البقرة آية: ٢١٩] فترة فامتنع ناس وظل أناس ثم: (لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ) [سورة النساء آية: ٤٣]، فامتنع أناس آخرون، ثم نزل البيان الشافي: (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌۭ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)) [سورة المائدة آية: ٩٠].
الميراث: لم يكن هناك ميراث كان الابن الأكبر الذي حمل السلاح يرث والباقون لا يرثون ولا حقوق النساء مطلقا: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ (١٨٠)) [سورة البقرة آية: ١٨٠]، واحدة واحدة، درجة درجة ثم نزلت آيات المواريث وهكذا بالتدريج، الأمر الآخر أن هناك في القرآن ناسخا ومنسوخا ينزل الأمر فترة ثم ينسخ الحكم، والناسخ إما بالتشديد أو بالتخفيف، فإن كان بالتخفيف فهو في العمل أيسر وإن كان بالتشديد فهو في الثواب أكثر، نزل صوم عاشوراء أولا، يوم واحد واعتادوا عليه، ثم نزل شهر رمضان، تشديد، نزل في القتال الرجل يثبت أمام العشرة وإن فر دخل جهنم شدة ثم نزل التخفيف: (ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ) [سورة الأنفال آية: ٦٦]، فأصبح الرجل يقف أمام الرجلين، وهكذا هناك ناسخ وهناك منسوخ، أسئلة وإجابات، وقائع تحدث مستمرة فتنزل القرآن متدرجا متلطفا رحمة بالناس في التشريع، في نفس الوقت لإجابة الأسئلة (وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ) لو نزل القرآن قبل السؤال متى يجيء الجواب: (قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى) [سورة الإسراء آية: ٨٥]، إذا سألوا عن أهل الكهف متى تنزل الإجابة؟ سألوا عن ذي القرنين متى تنزل؟ (يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ) [سورة البقرة آية: ٢١٧] متى تنزل (يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ) [سورة البقرة آية: ١٨٩] متى تنزل؟
إذًا فالقرآن نزل للإجابة على أسئلة وللحكم والتعليق على وقائع معينة وهكذا، لذا يقول الله (تبارك وتعالى): (كَذَٰلِكَ) أي أنزلناه مفرقا منجما (كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۖ ) تعيه وتحفظه (وَرَتَّلْنَـٰهُ تَرْتِيلًۭا (٣٢)) فصلناه تفصيلا (كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ) [سورة هود آية: ١].
وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴿33﴾
والخلاصة والتهديد والوعيد الخطير:
ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُو۟لَـٰٓئِكَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضَلُّ سَبِيلًۭا ﴿34﴾
(شَرٌّۭ مَّكَانًۭا) وأيضا ليست من باب التفضيل وإنما هم في شر الأمكنة وأبشعها وأبشع المصائر (وَأَضَلُّ سَبِيلًۭا (٣٤)) أضل طريقا عن الحق وعن الهداية، الرحمة، وعن الرضوان.
وحين سمع أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) عن أولئك الذين يحشرون على وجوههم تعجبوا (ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُو۟لَـٰٓئِكَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضَلُّ سَبِيلًۭا (٣٤)) وتساءلوا: يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم؟ وكيف يحشرون على وجوههم؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَرْجُلِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ).
تسوق الآيات قصص بعض الأمم السابقة إجمالا لتحذير كفار مكة ولإنذارهم، يقول الله (تبارك وتعالى):
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَـٰرُونَ وَزِيرًۭا ﴿35﴾
فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا فَدَمَّرْنَـٰهُمْ تَدْمِيرًۭا ﴿36﴾
وَقَوْمَ نُوحٍۢ لَّمَّا كَذَّبُوا۟ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَـٰهُمْ وَجَعَلْنَـٰهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةًۭ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًۭا ﴿37﴾
وَعَادًۭا وَثَمُودَا۟ وَأَصْحَـٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونًۢا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًۭا ﴿38﴾
وَكُلًّۭا ضَرَبْنَا لَهُ ٱلْأَمْثَـٰلَ ۖ وَكُلًّۭا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًۭا ﴿39﴾
(وَقُرُونًۢا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًۭا (٣٨)) أعصار وأمصار وأمم، القرون جمع قرن، والقرن يطلق على المدة من الزمان أربعين سنة سبعين سنة مائة وعشرين سنة مائة من السنين، ويطلق على الناس الذين عاشوا في مكان واحد وزمان واحد، (وَقُرُونًۢا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًۭا (٣٨)) أي أمما كثيرة بين نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس، أي أمم بين إرسال نوح وبين إرسال صالح وبين إرسال هود وبين قصة أصحاب الرس، أمم لا يعلمهم أحد، يعلمهم ربنا (تبارك وتعالى) لم يحصرهم القرآن ولم يأت ذكرهم في القرآن.
(وَكُلًّۭا ضَرَبْنَا لَهُ ٱلْأَمْثَـٰلَ ۖ) أي لم يظلم ربنا أحد من هذه الأمم وإنما وعظ وذكر وأرسل الرسل وحذر وأنذر (وَكُلًّۭا ضَرَبْنَا لَهُ ٱلْأَمْثَـٰلَ ۖ) تذكيرا وموعظة وإنذارا، أي حكى لهم قصص الأمم السابقة وكيف يحدث للمكذبين.
(وَكُلًّۭا) أي كلا من هذه الأمم (تَبَّرْنَا تَتْبِيرًۭا (٣٩)) التتبير: التفتيت ولذا يطلق على تراب الذهب وتراب الفضّة تبر لأنه مفتت، فالتتبير التفتيت.
(وَكُلًّۭا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًۭا (٣٩)) قصص عن بعض الأمم، التحذير الإنذار جاءت مجملة ثم يتوجه الكلام لأهل مكة عنهم:
وَلَقَدْ أَتَوْا۟ عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِىٓ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ ۚ أَفَلَمْ يَكُونُوا۟ يَرَوْنَهَا ۚ بَلْ كَانُوا۟ لَا يَرْجُونَ نُشُورًۭا ﴿40﴾
( أَفَلَمْ يَكُونُوا۟ يَرَوْنَهَا ۚ ) وانظر إلى السؤال وتغير النظم والخطاب (أَفَلَمْ يَكُونُوا۟ يَرَوْنَهَا ۚ ) سؤال تعجيب سؤال إنكار لغفلتهم حيث رأوها وجاء في موضع آخر (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)) [سورة الصافات آية: ١٣٧- ١٣٨]، (أَفَلَمْ يَكُونُوا۟ يَرَوْنَهَا ۚ ) تعجيب من أمرهم وشأنهم وإنكار على غفلتهم.
ثم يأتي الجواب: (بَلْ كَانُوا۟ لَا يَرْجُونَ نُشُورًۭا (٤٠)) إذاً فالأمر أنهم رأوها ورأوا ما حل بها وسمعوا الآيات وجاءهم خبر الأولين إلا أنهم لا يؤمنون بالآخرة، لا يؤمنون بالغيب لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا لا يتوقعون أن تقوم الساعة (بَلْ كَانُوا۟ لَا يَرْجُونَ نُشُورًۭا (٤٠)) والنشور البعث، الحياة بعد الموت (بَلْ كَانُوا۟ لَا يَرْجُونَ نُشُورًۭا (٤٠)).
الأكثر من هذا ليس الإنكار فقط ليس التكذيب فقط ليس الكفر فقط ليس الغفلة عن مصير الأمم السابقة وإنما أضافوا لكل ذلك الاستهزاء والتحقير لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم):
وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ﴿41﴾
إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلَآ أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا ۚ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴿42﴾
( إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلَآ أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا ۚ ) وانظر إلى العتو والجبروت وكل صبر في القرآن ممدوح أما هذا الصبر فهو مذموم (إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا) إنه كاد وأوشك وقارب بكثرة كلامه وترديده للآيات ومحاولته وإلحاحه أن يصرفنا عن عبادة الآلهة (إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا) وسموا ذلك ضلالا تركهم للأصنام والأحجار لعبادة الواحد القهار سموه ضلالا فقالوا: (إِن كَادَ) قارب وأوشك أن يضلنا ويصرفنا عن عبادة آلهتنا (لَوْلَآ أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا ۚ ) حبسنا أنفسنا على عبادتها وتمسكنا بديننا وعبادتنا.
و (لَوْلَآ) كلمة تفيد امتناع الشيء لوجود شيء آخر، أي لولا الصبر ولولا وجود الصبر منهم وحبس أنفسهم على العبادة وتمسكهم بهذه الآلهة والأصنام لضلوا عن عبادتها وسمعوا كلام ذلك الذي يزعم أنه بعث إليهم رسولا.
وانظر إلى الرد المختصر الموجز: (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)) والتسويف هنا فيه التأكيد والإشعار بأنه (عز وجل) وإن أمهلهم لم يهملهم (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) في القريب حين يرون العذاب عذاب الآخرة أو عذاب الدنيا والقتل والتشريد (مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)) محمد الذي يدعوهم إلى عبادة الواحد الأحد أم هم الذين عبدوا الأحجار والأصنام التي لا تنفع ولا تضر.
ثم يتوجه الخطاب للحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) والآيات رغم قلة ألفاظها إلا أنها تحتوي على الكثير من المعاني، فيها التسلية له، والتعزية له، والتسرية عنه، والتيئيس من إيمان هؤلاء، فيها، واسمع وتأمل:
أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ﴿43﴾
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴿44﴾
(أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ) سؤال:(أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)) هل تستطيع أن ترده إلى جادة الحق؟ هل تستطيع أن تأتي به إلى حظيرة الإيمان؟ اتخذ هواه إلها له، تارة يعبد هذا الصنم وتارة يعبد ذاك الصنم، لا يستقر على رأي، لا رأي له ولا عقل له ولا رشد له، والهوى يهوي به في الضلالات كالهواء تارة يأتي من المشرق وتارة يأتي من المغرب لا استقرار له فذاك اتبع هواه تارة كذاك وتارة كذاك، (أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)) متوكلا بأمره تستطيع أن ترده إلى حظيرة الإيمان أو تقعنه بأن يؤمن، إن عليك إلا البلاغ لست من وظيفتك أن ترد الناس عن كفرهم (أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)) والسؤال هنا سؤال إنكاري وكأن الله يقول له: لا تحزن عليهم ولا تهتم بشأنهم، ولا تدع أمرهم يشغل بالك، (أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)).
وانظر إلى ما ذكرهم الله به وكيف وصفهم وتأمل: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ ) منتهى التييئس، تخاطب الأصم هل يسمع؟ تشير إلى الأعمى هل يرى؟ رجل ذهب عقله هل يعي؟ هل يفهم؟ هل يقدر؟ هاهو يقول لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم): هل تظن أنهم يسمعون كلامك أو يعقلون (إِنْ هُمْ إِلَّا كَٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)) ما تتلو عليهم؟ هل تحسب ذلك أو تظن ذلك؟ هم لا يسمعون سماعا ينفع ولا يعقلون، هل تظن أنهم يسمعون أو يعقلون (إِنْ هُمْ إِلَّا كَٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)) هل الأنعام تفهم؟ لو خاطبت بقرة هل تفهم ما تقول؟ هل يمكن أن تجالس بعيرا أو تتحدث معه؟ هل يمكن؟ إذًا هم كالأنعام مهما تكلمت لا يسمعون لا يفهمون لا يعقلون ثم أذلهم أكثر فقال: (بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)) إن هم إلا كالأنعام في استماعهم في نظرهم في عدم عقلهم في عدم فهمهم ولكنهم أضل من الأنعام في طريقهم (بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)) جاء بكلمة (هُمْ) مرة أخرى للتأكيد وللتخصيص (أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)).
كيف هم أضل سبيلا؟ عرفنا كيف هم كالأنعام يسمعون ما لا يفهمون ولا يعقلون، كيف يكونون أضل من الأنعام سبيلا؟ هلم ننظر إلى الأنعام هل تعرف الأنعام ربها؟ أي صاحبها هل تعرف البقرة صاحبها أم لا تعرفه؟ تعرفه، هل يعرف البعير صاحبه؟ نعم يعرفه، هل يعرف الحمار صاحبه؟ نعم، وهم لا يعرفون ربهم، هل تذهب الأنعام إلى المرعى لتحصل على النفع؟ هل تتقي الضر أم لا؟ هل تأكل ما ينفع وتتجنب ما يضر؟ أرأيت بقرة تأكل ما يضرها؟ أرأيت بعيرا يرعى في مرعى فيه السموم؟ إذا فالأنعام تعرف ما ينفعها وتعرف ما يضرها، الأنعام لو لم تعرف الحق لو لم تعرف التوحيد لو لم تعرف الصحيح، هل تعتقد في الباطل؟ أبدا هي لا تعرف الحق ولا تعتقد في الباطل، والأنعام هل تضل غيرها؟ هل تضر غيرها؟ أبداً لكن الكفار يضرون أنفسهم ويضرون غيرهم بإضلالهم ودعوتهم إلى الكفر، هل الأنعام مكلفة مطلوب منها أن تصل إلى مراتب الكمال لها عقل سخرت لها الأرض وما فيها؟ هل يطلب منها أن تصل إلى الكمال وأن ترقى بنفسها؟ أبدا، هم مطلوب منهم أن يصلوا إلى مراتب الكمال بما منحوا من حواس وعقل وتصرف في الأرض وتدبير وسخرت لهم الأرض وما فيها، لو قارنت لعلمت صدق الآية (بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)).
ثم تأتي الآيات لتسوق من الأدلة والبراهين المشاهدة المرئية ما يدل على وجود الواحد الأحد المنفرد بالوحدانية المنفرد بالتدبير والتقدير والتصريف القادر على كل شيء فقال، تبارك وتعالى:
أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنًۭا ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًۭا ﴿45﴾
ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ إِلَيْنَا قَبْضًۭا يَسِيرًۭا ﴿46﴾
(أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنًۭا) قيل في الظل هنا: هو من وقت الفجر إلى طلوع الشمس، ذاك هو وقت الظل الممدود وأطيب الأوقات وهو جو الجنة، وقيل: إن الظل قبل الزوال والفيء بعد الزوال، لأن فاء عاد أي انتقل من جهة إلى جهة، وقيل: الظل ما نسخته الشمس والفيء ما نسخ الشمس، تعبيرات وكلام لأن المترادفات في القرآن نعتقد أنها ممنوعة، بل كل لفظ له دليله، (أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ) الظل من الفجر إلى الشمس أو الظل طوال النهار، إذا أشرقت الشمس ووقع ضوؤها على الأجرام نشأ الظل أم لم ينشأ؟ وجد ثم إذا بالظل يمتد ويتقلص ويتحول من جهه إلى جهة، هذا التحويل هذا المد والقبض بل هذا البسط والقبض هذا التحويل من جهة إلى جهة أرأيت ذاك؟ أرأيت كيف فعل وكيف تم؟ (ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًۭا (٤٥))
بضدها تتميز الأشياء فلولا الشمس ما عرف الظل ولولا الظل ما عرف الحرور ولولا الظلمات ما عرف النور، بضدها تتميز الأشياء (أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنًۭا) ثابتا لا يتحرك، إذًا تحرك الظل ناشئ من تحرك الشمس، من الذي حركها بهذا التنظيم؟ ليس خبط عشواء، الظل تارة يأتي من هنا وتارة يأتي من هنا تارة يظهر وتارة لا يظهر تارة يأتينا ظل وتارة لا يأتينا ظل، بل الظل له نظام يبسط ويقبض، ودليله الشمس (أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ) من هنا يجب أن تفهم أن هناك مخصصا يخصص الأشياء، يخصص الأشياء ويختار ويدبر ويصرف ويفعل.
(ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًۭا (٤٥)) أي دليلا على وجوده، لأن الشمس إذا غابت وإذا أشرقت وإذا وجد الظل وإذا انصرف الظل علمت أن الظل شيء ومعنى، لولا الشمس هل كنا نعرف ما معنى الظل من الفجر إلى طلوع الشمس، ظل ممدود هل ممكن أن تعرف أن هذا الذي تراه يسمى ظلا؟ هل تعرف أن هذا الظل له معنى أو له وجود؟ حين طلعت الشمس وانصرف ذاك الظل رويدا تدريجيا، وحين تشرق ثم يأتي الظل من الأجرام إذا طلوع الشمس يدل على أن هناك ظلا، وأن الظل شيء ومعنى، (ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًۭا (٤٥)).
وقيل: كلمة دليل أي تابع (ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ إِلَيْنَا قَبْضًۭا يَسِيرًۭا (٤٦)) إذا كان معنى الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس جاءت الشمس تتبعه، فالدليل يتبع المدلول، فكذلك الشمس جعلها دليلا أي تتبع الظل فتنسخه شيئا فشيئا.
(ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ إِلَيْنَا قَبْضًۭا يَسِيرًۭا (٤٦)) الظل قبضه الله بطلوع الشمس، نسخه، (ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ إِلَيْنَا قَبْضًۭا يَسِيرًۭا (٤٦)) أي قبضا كان علينا يسيرا وكل أمر ربنا عليه يسير، أو (ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ إِلَيْنَا قَبْضًۭا يَسِيرًۭا (٤٦)) أي قبضا قليلا شيئا فشيئا، (ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ إِلَيْنَا قَبْضًۭا يَسِيرًۭا (٤٦)).
وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاسًۭا وَٱلنَّوْمَ سُبَاتًۭا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورًۭا ﴿47﴾
(وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاسًۭا) وانظر إلى الاستعارة اللباس ما يستر البدن وشبه الليل باللباس لأنه يستر الأشياء بظلمته (وَٱلنَّوْمَ سُبَاتًۭا) السبات يحمل معنيين سبتت وسبّتت المرأه شعرها أرسلته، فالسبات بمعنى التمدد، والتمدد أول النوم (وَٱلنَّوْمَ سُبَاتًۭا) أي تمددا يؤدي إلى النوم، أو السبت بمعنى القطع ومنه سبت اليهود (وَٱلنَّوْمَ سُبَاتًۭا) قطعا لأشغالكم وقطعا لتحرككم وقطعا لمشيكم وسعيكم في الأرض على المعايش.
(وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورًۭا (٤٧)) جعل النهار بعثا وكأن النوم أخو الموت، النشور الانطلاق والحركة بعد السكون ولذا أطلق على البعث (وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورًۭا (٤٧)) أي جعل النهار ذا نشور أي سببا لانتشاركم في الأرض وابتغائكم للمعايش والأرزاق، أمر مشاهد الليل والنهار والنوم، إذا نمت أين تذهب؟ كيف تنام؟ هل يمكن أن تمتنع عن النوم؟ هل تنام برغبتك وإرادتك؟ كيف تستيقظ؟ ولماذا تستيقظ؟ وإذا نمت هل يمكن أن تنام ولا تقوم؟ من الذي أنامك؟ من الذي أيقظك؟ من الذي جعل لك الظلمة كاللباس تسترك فتنام ولا يراك أحد وتستطيع أن تغمض عينيك في هدوء وسكينة؟ من الذي بعثك وأيقظك؟ وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث يقول كلما استيقظ: (الْحَمْدُ للهِ الذَّيِ أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ).
ثم تأتي آية تدل على وجود الله وقدرته وتصريفه للأمور مشاهدة والكل يشاهدها:
وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۚ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ طَهُورًۭا ﴿48﴾
لِّنُحْـِۧىَ بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا وَنُسْقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَـٰمًۭا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًۭا ﴿49﴾
(وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ طَهُورًۭا (٤٨)) الطهور: الطاهر والمطهر لغيره، والماء الطهور أمره غريب، وكأن الآية تدلل على وجود الله وعلى رحمته على نعمته على منته على قدرته، أيضا تشعر بأن الماء الطهور أي الطاهر في نفسه المطهر لغيره نزل لتطهروا به ظواهركم فبواطنكم أحق بالتطهير، فالماء الطهور أي الطاهر في نفسه المطهر لغيره نزل من السماء، وكل ماء نزل من السماء أو نبع من الأرض فهو طهور، أي طاهر مطهر لغيره، ماء الأنهار والبحيرات والأمطار والبحار طاهر ومطهر لغيره، الماء إذا خالطه شيء فغير إحدى صفاته الثلاث اللون الطعم الرائحة، فالماء لا لون له ولا طعم ولا رائحة له ذاك أمر معجز فإذا رأيت الماء ونظرت في الماء فقط يكفي لتعرف أن لهذا الوجود إلها، يكفي هذا الماء المكون من ذرات إحداها مشتعلة والأخرى تساعد على الاشتعال وكأن الماء نار، جعل من النار ماء (سبحانه وتعالى) الماء الطهور، المخالط للماء الطهور واحد من ثلاث يوافقه في صفتيه طاهر مطهر، ما الذي يوافق الماء في هاتين الصفتين؟ أنه طاهر مطهر لغيره، شيء واحد فقط وهو التراب، فإذا خالط الماء ترابا أو خالط التراب ماء فغيره بقي على طهوريته لأن المخالط له يحمل نفس الصفات، فإذا خالطه شيء يحمل صفة واحدة من الصفتين فغيره أفقده الصفة المخالفة، فإذا كان الماء طهورا وخالطه طاهر فقط كماء الورد كالمسك كالطيب كالزيت طاهر إذا خالط الماء أفقده الصفة التي يخالفه فيها وهي التطهير للغير، يصبح طاهرا وليس مطهرا، أما إذا خالطه شيء يخالفه في صفتيه لأنه طاهر مطهر لغيره تنجس وفقد الصفتين معا، الماء الطهور الطاهر المطهر لغيره، إذا خالطه شيء يتفق مع الصفتين لم يغير من صفتيه وإذا خالطه شيء يتفق مع صفة واحدة غيره أذهب عنه الصفة التي يخالطه فيها، فإذا خالطه شيء يختلف معه في الصفتين أذهب عنه الصفتين؛ أن يكون طاهرا ومطهرا لغيره.
(وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ طَهُورًۭا (٤٨)) يطهر أبدانكم وظواهركم، لم لا تبحثون عما يطهر البواطن وهو الإسلام والإيمان والقرآن (لِّنُحْـِۧىَ بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا وَنُسْقِيَهُۥ) و(نَسقيه) قراءات (وَنُسْقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَـٰمًۭا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًۭا (٤٩)) يا لهذه الآية! يا لهذه الآية! لولا الوقت.
(لِّنُحْـِۧىَ بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا) الميْت: الميت فعلا، الميّت: الذي سوف يموت ذاك فرق (إِنَّكَ مَيِّتٌۭ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (٣٠)) [سورة الزمر آية: ٣٠] هل كان ميتا أم أن الكلام معناه: إنك سوف تموت، الميّت من سوف يموت، الميْت من مات فعلا، فكأن الأرض ميتة فعلا وقال (مَّيْتًۭا) ولم يقل ميتة الإشارة للمكان (لِّنُحْـِۧىَ بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا) أي بلدا أي مكانا الإشارة للمكان، ميتة فعلا لا حياة فيها مطلقا فحيت بنزول الماء، إذا هو المصرف هو المدبر هو الذي أحياها.
أيضا (لِّنُحْـِۧىَ بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا وَنُسْقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَـٰمًۭا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًۭا (٤٩)) هل هناك من لا يشرب؟ (وَنُسْقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقْنَآ) كل الأنعام كل الأناسي تشرب ولا تستغني عن الماء، لم قال كثيرا؟ تأمل (لِّنُحْـِۧىَ بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا وَنُسْقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقْنَآ) البعض (أَنْعَـٰمًۭا وَأَنَاسِىَّ) الترتيب الأرض تحيا ثم تشرب الأنعام ثم يشرب الإنسان، انظر إلى الترتيب، الأرض أولا حتى تستطيع الأنعام أن تأكل ثم بعدما تأكل الأنعام وتشرب يشرب الإنسان لأن حياة الإنسان متوقفة على حياة الأنعام أولا، وحياة الأنعام متوقفة على حياة الأرض، ترتيب معجز، كلام ربنا لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
(وَنُسْقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَـٰمًۭا وَأَنَاسِىَّ) جمع إنسيّ والأصل إنسي أناسين فأزيلت النون وحلت محلها الياء (وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًۭا (٤٩)) جمع إنسان أو جمع إنسي، من الذي يشرب من مياه الأمطار؟ هل تشرب من مياه الأمطار أم تشرب من مياه النيل؟ إذا فمن يشرب من مياه الأمطار؟ هم الأناس الذين في البوادي وليسوا موجودين إلى جوار نهر أو بئر أو بحيرة أو ماء عذب، إذا فالكلام عن الذين يشربون المطر وليس كل الناس والأنعام تشرب من المطر، لذا قال: (كَثِيرًۭا (٤٩)) وانظر لم يقل كلهم ولو كان من قول البشر لفاتته هذه النقطة:
وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا۟ فَأَبَىٰٓ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًۭا ﴿50﴾
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ بَيْنَهُمْ) الكلام عن القرآن أو الكلام عن المطر فانظر إلى التصريف أولا، قيل إن المطر النازل من السماء في كل عام لا يزيد ولا ينقص أبدا وإنما إن زاد في مكان قل في مكان حسب إرادته ومشيئته، ذاك تصريف، نفس البخر الصاعد هو هو، هاهي الشمس لم تتغير حرارتها، وهاهي البحار والمحيطات لم يقل ماؤها وعملية البخر مستمرة إذا فما صعد من السحاب واحد وكمية الأمطار واحدة لكنها تارة تكثر وتارة تقل، فإن كثرت عندك فقد قلّت عند الآخرين، ذاك تصريف، التصريف الآخر: الأوقات، تارة ينزل المطر صيفا وتارة ينزل شتاء، وينزل هنا في وقت وينزل هناك في وقت آخر، تغيّر الكمية تغير الوقت، تغير نوع المطر تارة شديد تارة يهدم وتارة قليل لا يكفي، تارة وتارة تصريف الماء في الكمية في الوقت في النوع في الزمان في المكان في استعمالك للماء، تستعمل الماء في أي شيء؟ في الشرب في الوضوء في الطبخ في الغسل في الري (وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا۟) ليتذكروا نعمة الله عليهم ومنة الله (فَأَبَىٰٓ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًۭا (٥٠)).
وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍۢ نَّذِيرًۭا ﴿51﴾
فَلَا تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَجَـٰهِدْهُم بِهِۦ جِهَادًۭا كَبِيرًۭا ﴿52﴾
(وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍۢ نَّذِيرًۭا (٥١)) لك أن تفهم هذا المعنى، لم يفعل ذلك، لماذا؟ إجلالا لك وتعظيما لشأنك، فإن كان الأمر كذلك (فَلَا تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ) وهم يدعونك إلى ترك سب آلهتهم (وَجَـٰهِدْهُم بِهِۦ) بالقرآن بصبرك بإسلامك (جِهَادًۭا كَبِيرًۭا (٥٢)).
آيات وآيات ودلائل وبراهين ساطعة ومع ذلك آمن من آمن وكفر من كفر، فانظر إلى رحمة الله بك، كيف آمنت وكيف أسلمت هو الذي هداك للإسلام وهو الذي هداك للإيمان، أهؤلاء القوم كانوا لا يعرفون العربية؟ نحن لا نعرف العربية كما كانوا يعرفونها ونحن الآن حين نفكر ونتأمل ونتدبر في آيات القرآن لا نكتشف إلا القشور لضحالة علمنا وقلة فهمنا، أما هم أساطين اللغة كيف عمي عليهم كل ذلك؟ إذا هو الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
تبين الآيات وتدلل الآيات على انفراده (سبحانه وتعالى) بالخلق والإيجاد والتقدير، وتدلل على توحيده وقدرته وتصريفه للأمور، وتُعجّب من المشركين وتبين للنبي (صلى الله عليه وسلم) مقامه العالي: (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍۢ نَّذِيرًۭا (٥١)) لكن الله لم يشأ وجعله رسولا للكافة إلى أن تقوم الساعة، أمره بالصبر وأمره بالحلم وأمره بمواظبة البلاغ والجهاد فيه، وتأتي الآيات لتبين دلائل القدرة، يقول عز من قائل:
وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌۭ فُرَاتٌۭ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌۭ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًۭا وَحِجْرًۭا مَّحْجُورًۭا ﴿53﴾
مَرِجَ اختلط، (وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ) خلطهما ألا ترى العذب يصب في الملح؟ ألا ترى الأنهار تصب في البحار؟ هل بغى أحدهما على الآخر؟ هل غير أحدهما صفة الآخر؟ ألا تراهما في الأرض بينهما حواجز من الأرض (مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩)) [سورة الرحمن آية: ١٩] كما جاء في سورة الرحمن (وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌۭ) حلو (فُرَاتٌۭ) يقطع العطش، يفرت العطش يقطعه ويكسره (وَهَـٰذَا مِلْحٌ) وقرئت: (مَلِحٌ) (أُجَاجٌۭ) من الأجيج وهو تلهب النار، وسمي أجاجا لأن شربه يزيد ويؤجج الشعور بالعطش، (هَـٰذَا عَذْبٌۭ فُرَاتٌۭ) حلو المذاق يقطع العطش والآخر ملح أجاج شديد الملوحة يزيد العطش إذا شربه الإنسان.
(وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًۭا) حاجز عظيم من الأرض حتى لا يبغي أحدهما على الآخر فتستقيم حياة الناس والحيوان والنبات (وَحِجْرًۭا) الحجر: المانع (مَّحْجُورًۭا) حراما محرما، أي لا يبغي أحدهما على الآخر ويحرم هذا على ذاك، ويحرم ذاك على هذا، فلا يغير العذب صفة الملح ولا يغير الملح صفة العذب، والمراد احتفاظ كل بصفته، فلا ينقلب العذب ملحًا في مكانه ولا ينقلب الملح في مكانه عذبا، بل يحتفظ كل منهما بصفته، بينهما البرزخ الحاجز المانع الحاجز الكبير العظيم الأرض أو حاجز من قدرته (عز وجل) والحرام والمحرم وكأن العذب يقول للملح حرام عليك أن تغير صفتي، ويقول الملح للعذب: حرام عليك أن تغير صفتي، فالمراد لزوم كل منهما صفته.
ووجه الاستدلال في الآية (وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌۭ فُرَاتٌۭ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌۭ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًۭا وَحِجْرًۭا مَّحْجُورًۭا (٥٣)) اختلاف الصفة إذا كان الأمر بسبب طبيعة الأرض أو بسبب طبيعة الماء وجب الاستواء، نفس الأرض فإذا كان لطبيعة الأرض فطبيعة الأرض واحدة وإذا كان لطبيعة الماء فطبيعة الماء واحدة فإن كان لطبيعة الأرض أو لطبيعة الماء وجب الاستواء، إما أن يكون العذب والملح في صفة واحدة من العذوبة أو الملوحة وإن لم يكن كذلك فطبيعة الأرض واحدة وطبيعة الماء واحدة فلم هذا عذب ولم هذا ملح؟ إذا فلا بد من وجود القادر الحكيم الذي خص كل ماء بصفته التخصيص، هو الذي خص هذا بالعذوبة وخص هذا بالملوحة واحتفظ كل بصفته لا يغير أحدهما الآخر، قدرة وإرادة وتخصيص خص هذا بصفة العذوبة وخص هذا بصفة الملوحة، وتأتي آية أخرى ودليل واضح مشاهد:
وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَرًۭا فَجَعَلَهُۥ نَسَبًۭا وَصِهْرًۭا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًۭا ﴿54﴾
بعد بيان النعم وبعد بيان الأدلة على وجوده (عز وجل) وعلى انفراده بالملك والخلق والتدبير، تعجب أيها السامع، وربنا يعجب من فعل المشركين رغم ما سمعنا ورغم ما سيق من الأدلة ومن تعدد النعم:
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ ۗ وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرًۭا ﴿55﴾
الظهير: المعين (وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرًۭا (٥٥)) أي الكافر كان معينا للشيطان على إضلال الناس ومعصية الرحمن، والظهير أيضا قد يأتي بمعنى المظهور، المظهور المهين الذليل الذي لا قدر له ولا وزن، من قولهم ظهروا به أي طرحوه وراء ظهره ومنه قوله عز وجل: (وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ ) [سورة هود آية: ٩٢]، أي هيّنا مهينا لا قدر له ولا وزن، (وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرًۭا (٥٥)) أي ذليلا مهينا لا قيمة له ولا قدر له ولا وزن، معينا للشيطان على معصية الله (عز وجل): وقال بعضهم: (وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ) الذي عبده الصنم الذي اتخذه ربًّا (ظَهِيرًۭا (٥٥)) قويا يحمله ويضعه وينقله هو أقوى منه ومع ذلك يسجد له.
وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًۭا وَنَذِيرًۭا ﴿56﴾
قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًۭا ﴿57﴾
وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىِّ ٱلَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِۦ ۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ﴿58﴾
(وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىِّ ٱلَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِۦ ۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا (٥٨)) أمره ربنا (تبارك وتعالى) أن يفوّض الأمور إليه، والتوكل: اعتماد القلب بالكلية على الله (عز وجل) وتصيير الأمور إليه والأسباب وسائط، الأسباب وسائط أمرنا بها مع عدم الاعتماد عليها، فالرزق، وإن بدا أنه بتوسلٍ، مقدرٌ مقسوم يلائم كل مصنوع، الأسباب وسائط والأخذ بالأسباب مطلوب لكن التوكل واجب، (وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىِّ ٱلَّذِى لَا يَمُوتُ) لا تأخذه سنة ولا نوم ولا ينتهي ملكه ولا يغفل عن خلقه.
( وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِۦ ۚ ) نزهه عما لا يليق بجلاله وكماله، واحمده، أو نزهه تنزيها متلبسا بالحمد على نعمه وعلى هدايتك (ۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا (٥٨))، هو يرى ويعلم ما خفي وما ظهر، يعلم المعاصي والكفر وما تخفونه في أنفسكم، هو يجازيهم، ما عليك إلا الاعتماد على الله والتفويض له والتوكل على الله بالكلية ودع أمر هؤلاء المشركين الكفار الملحدين المنكرين، دعهم لله، هو يعلم سرهم ونجواهم ويعلم المعاصي التي يرتكبونها سرا وجهرا، والتوكل على الحي الذي لا يموت يبين أن من توكل على من يموت ضاع إذا مات من توكل عليه، فكل إنسان ميت مهما بلغ من العمر مهما بلغ من الجاه، جاهه إلى حد منته حياته منتهية، فالمتوكلون على الأحياء الذي يموتون إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم، أما من توكل على الله كفاه لأنه حي لا يموت، (وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىِّ ٱلَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِۦ ۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا (٥٨)).
ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۚ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًۭا ﴿59﴾
العرش لا يعرفه البشر إلا بالاسم فقط وقد وردت كلمة العرش في إحدى وعشرين آية وورد الاستواء على العرش في سبع آيات في القرآن، العرش ورد في إحدى وعشرين آية، والاستواء على العرش ورد في سبع آيات، العرش أعظم مخلوق على الإطلاق ولا نعرفه إلا بالاسم فقط، أما الاستواء فهو صفة للمولى (عز وجل) بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل، لاستحالة اتصافه (عز وجل) بصفات المحدثين ولوجوب تنزيهه (عز وجل) عن كل ما لا يليق، والإيمان باستوائه (عز وجل) على العرش واجب على الوجه الذي يليق بجلاله وكماله وعلى المعنى الذي أراده، مع تفويض العلم بحقيقته إلى الله (عز وجل) استواء بغير مماسة وبغير استقرار، استواء لا ينافي وصف الكبرياء، استواء يليق بجلاله وكماله، وقد يفهم كقول بعض الخلف من الأئمة والعلماء المراد: استقام الملك أو استقام ملكه واضطرد أمره ونفذ حكمه في مخلوقاته، تأويل الآية ممنوع لأنها من المتشابهات التي لا يصح الخوض في معناها، وإمرارها كما جاءت في القرآن، وكما قال الأئمة: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، الاستواء صفة من صفات الله (عز وجل) بلا كيف، أي: كيف؟ بلا سؤال عن الكيفية، وبلا انحصار فالعرش وحملته محمولون بقدرته مقهورون في قبضته، وبلا تمثيل لا تمثل به شيئا فليس كمثله شيء، ولا تشبيه لا تشبيه ولا تمثيل، لاستحالة اتصافه (سبحانه وتعالى) بصفات المحدثين، فاستواء الملوك على عروشهم أمر واستواء الله على عرشه أمر آخر، إذ يستحيل أن يتصف هو بصفات المحدثين، المحدثات المخلوقات، كما يجب تنزيه الله (عز وجل) عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله، فينزه عن التمكن والاستقرار والتحرك والانتقال والملامسة وما إلى ذلك، أما الإيمان باستوائه على العرش على الوجه الذي يليق بجلاله وكماله فهو من واجبات الإيمان ومن فرائض الإيمان نؤمن به كما ورد في الآيات، مع تفويض العلم بحقيقته لله (عز وجل).
(ٱلرَّحْمَـٰنُ) مرفوعة لأنها مبتدأ، مرفوعة لأنها خبر لمبتدأ محذوف أي هو الرحمن، مرفوعة لأنها بدل من الضمير المستكن في كلمة استوى (فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًۭا (٥٩)) قال علماء النحو: "به" بمعنى عنه، أي فاسأل عنه خبيرا، وقال آخرون وهو القول الأرجح: إن الحروف وإن جاء حرف مكان حرف لا بد لفرض ولا بد لمعنى آخر، فليس كل حرف بمعنى الحرف الآخر، الفعل السؤال، السؤال يعدى بعن ويعدى بالباء، إن عدي بعن تضمن معنى التفتيش، فأسال عن فتش يتضمن معنى التفتيش، وإن عدي بالباء يتضمن الاعتناء، (فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًۭا (٥٩)) وقلنا إن الفعل الذي يتعدى أي يتعدى إلى مفعول والفعل اللازم أي الفعل الذي يقف عند حدود الفاعل.
(فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًۭا (٥٩)) من الخبير؟ الله، فاسأل عن الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش الحي الذي لا يموت اسأل الله هو الخبير، أو اسأل عن كلمة الرحمن لأنهم كفروا بها (ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًۭا (٥٩)) أي اسأل عنه الخبير الله، أو (خَبِيرًۭا (٥٩)) جبريل، أو (فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًۭا (٥٩)) من أهل الكتاب ليخبروك من كلمة الرحمن صفة لله، عز وجل، جاء مثيلها في كتبهم لأن مشركي مكة أنكروا كلمة "الرحمن"، (ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًۭا (٥٩)) من أهل الكتاب يخبرك، أو (فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًۭا (٥٩)) جبريل، أو (فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًۭا (٥٩)) أي الله عز وجل.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُوا۟ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُوا۟ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًۭا ۩ ﴿60﴾
(أنسجد لما يأمرنا) (أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا) قراءتان، الآية هنا آية سجدة إذا تليت من متوضئ خارج الصلاة سجد لها، وإذا تليت داخل الصلاة سجد لها أيضا، وسجدة التلاوة سجدة واحدة إن كان في الصلاة خر ساجدا ثم قام واستكمل القراءة أو قام ثم ركع إن كانت القراءة قد انتهت كآخر آية مثل سورة النجم مثلا، وإذا قرأها الإمام على المنبر إن شاء نزل وسجد وسجد المصلون بعد سجوده، بعد نزوله وسجوده، وإن شاء استمر ولم يسجد، تلك آية السجدة إذا تليت على المنبر، وإن كنت جالسا تسمع وجب عليك السجود إذا سجد القارئ فإذا لم يسجد القارئ لآية سجدة لا سجود عليك، والسجود يؤتى به من قيام مع تكبيرة الإحرام ثم الهوي للسجود ثم السلام عن اليمين وعن اليسار، وخير ما يقال في السجود كما ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم): (سَجَدَ لَكَ سَوَادِي وَخَيَالِي، وَآمَنَ بِكَ فُؤَادِي، وَأَقَرَّ بِكَ لِسَانِي، وَهَأَنَذَا بَيْنَ يَدَيْكَ يَا عَظِيمُ يَا مَنْ تَغْفِرُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَاكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ)، الدعاء الوارد أو أي دعاء يدل على الخضوع والطاعة والتذلل.
ربنا يحكي عن هؤلاء المشركين أن النبي (صلى الله عليه وسلم) بعبادة الله أو بالسجود لله الرحمن الذي لا تعد نعمه ولا تحصى بدلا من السجود والطاعة ازدادوا عتو وازدادوا بعدا وكفرا وفجورا ونفورا، (وقالوا أنسجد لما يأمرنا) محمد، (أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا) يا محمد، قراءتان.
( وَزَادَهُمْ نُفُورًۭا ۩ (٦٠)) أي زادهم الأمر بالسجود نفورا عن الطاعة والإسلام والإيمان.
وتأتي آية تدلل على القدرة الفائقة للخالق (جل وعلا) فيقول الله (تبارك وتعالى):
تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًۭا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجًۭا وَقَمَرًۭا مُّنِيرًۭا ﴿61﴾
(تَبَارَكَ) تمجد وتعظم (تَبَارَكَ) كثر خيره وإحسانه ودام إنعامه (تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًۭا) هذه المنازل للكواكب السيارة؛ أولا يستفاد بها في معرفة الطرق في الصحراء وفي البحار وما إلى ذلك، الأمر الآخر أن تخصيص المنازل لهذه الكواكب السيارة، وقد كانوا يعرفونها تمام المعرفة ويستدلون بها تمام الاستدلال ويحفظون مواقعها ومنازلها في تواريخها التي لا تتغير ولا تتبدل، هذا التخصيص وهذا التحريك وهذه المدارات والانتقالات هل تحدث من تلقاء ذاتها؟ هل تفعل الأصنام ذلك؟ أو يقدر بشر على ذلك؟ (تَبَارَكَ) تعالى وتمجد وتعظم.
(تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًۭا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجًۭا) سراجا: الشمس، سُرُجا: الشموس، فشمسنا هذه واحدة من بلايين بلايين الشموس بل هي أصغر الشموس حجما على الإطلاق وأقلها ضوءا على الإطلاق، لكن القوة في ضيائها لقربها، أما الشموس الأخرى فلبعدها الشديد لا تصل إلينا حرارتها وإنما نراها كالنجوم الصغار (وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجًۭا) الشمس (وَقَمَرًۭا مُّنِيرًۭا (٦١)) والغريب السراج يضيء بذاته بزيت أو بإشعاله، أما المنير فهو الذي يأخذ الضوء من غيره ولا يضيء بذاته، كيف عرف محمد (صلى الله عليه وسلم) الأمي العربي الذي لا يقرأ ولا يكتب كيف عرف أن الشمس سراج مشتعلة وأن ضوء القمر ما هو إلا انعكاس لضوء الشمس عليه؟ كيف عرف ذلك؟ وأنّى له أن يعرف ذلك؟ وفي موضع آخر يقول الله (تبارك وتعالى): (هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءًۭ وَٱلْقَمَرَ نُورًۭا) [سورة يونس آية: ٥]، والضياء يختلف عن النور، ذاك أمر معروف، الضياء أشمل وأوسع، وتجد ذاك واضحا تمام الوضوح في قوله: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًۭا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ) [سورة البقرة آية: ١٧] لم يقل ذهب بضوئهم لأن الضوء غير النور، ذاك شأن وذاك شأن، كيف عرف النبي هذا التعبير فجاء موافقا للحقيقة؟ القمر مادة جامدة صلبة لا ينبعث منها ضياء ولا نار فيها ولا نور وإنما الضوء الذي يأتي من القمر أو النور الذي يأتي منه هو انعكاس لضوء الشمس عليه، وإذا صعدت أنت إلى القمر ونظرت إلى الأرض لوجدتها قمرا منيرا لانعكاس ضوء الشمس عليها، ألفاظ وكلمات لا توضع إلا من الحكيم الخبير الخالق، (قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍۢ ظَهِيرًۭا (٨٨)) [سورة الإسراء آية: ٨٨]، (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًۭا كَثِيرًۭا (٨٢)) [سورة النساء آية: ٨٢].
وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةًۭ لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًۭا ﴿62﴾
( لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ) يتذكر آلاء الله ونعماء وفضل الله كيف جعل النوم سباتا كيف جعل النهار نشورا؟ كيف جعل الليل لباسا؟ ينظر ويتأمل ويتذكر آيات الله ونعم الله في النهار وفي الليل فإن غفل عن ربه بالنهار فعليه أن يتذكر بالليل وإن غفل عن ربه بالليل أن يذكره بالنهار (أَوْ أَرَادَ شُكُورًۭا (٦٢)) أي أن يشكر الله (تبارك وتعالى) على نعمه وعظيم منّه وعميم إحسانه.
ذكرت الآيات تعنت المشركين وإنكارهم للقرآن وجحدهم للنبوة، ثم تأتي الآيات بعد ذلك فتذكر أحوال المؤمنين وصفاتهم وبضدها تتميز الأشياء يقول الله (تبارك وتعالى):
وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًۭا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا ﴿63﴾
وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًۭا وَقِيَـٰمًۭا ﴿64﴾
(ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًۭا) الهوْن مصدر الهيّن، والهيّن: الليّن، الرفق واللين، هل المقصود طريقة المشي لقوله (عز وجل): (وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولًۭا (٣٧)) [سورة الإسراء آية: ٣٧]، فالمقصود هيئة المشي التواضع عدم التكبر الرفق اللين، الإسراع في المشي يذهب بهاء الوجه فهم متواضعون غير متكبرون يمشون على الأرض برفق وبلين، قيل: إن وصف هيئة المشي لا تفيد رفعة قدر وإنما هو هيئة قد يمشيها الفاسق وقد يكون الطائع متعجلا في مشيه أو يمشي خطأ أو كأنه ينحط من علٍ، إذا فالمقصود بالمشي هنا المعيشة الحياة استمرار الحياة والتعامل مع الخلق لقوله، عز وجل، عن الأرض وعن العباد: (هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًۭا فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزْقِهِۦ ۖ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ (١٥)) [سورة الملك آية: ١٥]، إذاً مفهوم الآية، ويؤخذ المعنى بالمفهوم وليس بالمنطوق، أن المقصود طريقة هؤلاء العباد في عيشهم وحياتهم واختلاطهم بالناس ومعاملتهم مع الخلق في رفق ولين، سمح إذا باع سمح إذا اشترى سمح إذا قضى سمح إذا اقتضى (يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًۭا) إذا فذاك وصف لسلوكهم وحياتهم ومعيشتهم مدة حياتهم واختلاطهم بالخلق ومعاملتهم معهم.
(وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا (٦٣)) دليل على أن ذلك هو المقصود فهم في تواضعهم مع الخلائق وصدق معاملتهم مع الناس وحسن معاشرتهم للناس إن صادفهم جهل السفهاء فإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما.
(قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا (٦٣)) قيل: يقولون نفس اللفظ إذا شتمه أحد أو سبه أحد أو جهل عليه أحد لا يرد عليه إلا بكلمة واحدة (سَلَـٰمًۭا (٦٣))، وقيل ليس المقصود اللفظ (قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا (٦٣)) أي قالوا سدادا من القول يسلمون به من الإيذاء ومن الإثم، لأنه لو رد على السفيه أو الجاهل إما يأثم بالرد يتجاوز الحد أو يؤذى بتطاول الآخر عليه، (قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا (٦٣)) من القول، وقيل سلاما ليس من التسليم بل من التسلّم (قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا (٦٣)) أي تسلّما منكم ومتاركة لكم، لا خير بيننا ولا شر، أنتم في حالكم ونحن في حالنا، (قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا (٦٣)) إما اللفظ، وإما قول يدفعون به الإيذاء بالرفق واللين، وإما سدادا من القول يسلمون به من الإثم والإيذاء، وإما المقصود تسلما منكم ومتاركة لكم.
(وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًۭا وَقِيَـٰمًۭا (٦٤)) الإيجاز المعجز في هذه الآيات أنه (عز وجل) وصف سلوكهم بالنهار وسلوكهم بالليل في آيتين، أما سلوكهم بالنهار فقد وصف بقوله: (وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ) إذاً فالعبادة له وحده والتسليم له وحده والتفويض له وحده والتذلل والخضوع له ونسبهم إليه تشريفا ورفعة لقدرهم (يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًۭا) هذا هو سلوكهم في الحياة في معيشتهم في مدة بقائهم في هذه الدار (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ) لا يردون الإساءة بالإساءة، وإنما يردون الإساءة بالإحسان يتجنبون الأذي ويتجنبون الإثم ويتجنبون الإيذاء ويترفعون عن مخاطبه السفهاء، (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا (٦٣)) ذاك نهارهم، أما ليلهم فهم (يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًۭا وَقِيَـٰمًۭا (٦٤)).
بات الرجل أدركه الليل، نام أو لم ينم، كقولك أصبح كذا وبات كذا، إذا يبيتون هنا بمعنى يدركهم الليل، (يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًۭا وَقِيَـٰمًۭا (٦٤)) الصلاة، والصلاة بالليل، وخص الليل بالذكر لأن الصلاة بالليل أبعد ما تكون عن الرياء، لا أحد يراك، ولا أحد يشعر بك أو يحس بك، فخص الليل بالذكر، هل معنى ذلك أنهم يقومون الليل كله؟ هم مقامات وهم درجات وليلة تختلف عن ليلة، لذا قال ابن عباس مطمئنا للعباد: "من صلى بعد العشاء ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجدا وقائما"، لذا سنّ لنا النبي (صلى الله عليه وسلم) ركعتي الشفع والوتر وسنّ لنا قيام الليل وقام ليله (صلى الله عليه وسلم) وما صلى أكثر من ثماني ركعات لا في رمضان ولا في غيره بخلاف الشفع والوتر، إذاً فمن ركعتين إلى أكثر بيات سجودا وقياما، "من صلى بعد العشاء ركعتين أو أكثر " قول لابن عباس وليس بحديث، قول لابن عباس: "من صلى بعد العشاء ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجدا وقائما"، لذا كانت وصية النبي (صلى الله عليه وسلم) لأبي هريرة ألا ينام إلا على وتر.
( يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ ) أي مخلصين العبادة له متفرغين لذكره قائمين في صلاتهم لا يبتغون إلا وجهه (يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًۭا وَقِيَـٰمًۭا (٦٤)) سلوكهم بالنهار، سلوكهم بالليل، ذاك يومهم وليلهم، ومع ذلك انظر ماذا يقولون ويحكي عنهم:
وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴿65﴾
إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا ﴿66﴾
(إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا (٦٦)) الكلام يحتمل الحكاية ويحتمل الابتداء، بمعنى يحتمل الحكاية فهم يقولون كذلك، من قولهم، الحكاية عن قولهم: (رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا (٦٦)) ويحتمل أنها على الابتداء ربنا (تبارك وتعالى) يقول (إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا (٦٦)) وانتهى كلامهم عند تعوذهم من النار وطلبهم صرف العذاب عنهم.
(إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)) هلاكا، (غَرَامًا (٦٥)) لازما وملازما دائما غير منقطع، فلان مغرم بالشيء أو مغرم بكذا مولع به ملازم له، ولذا سمي الغريم غريمًا لملازمته، لزمه غرماؤه، فالغريم سمي غريما لأنه يلازم من له عنده حق، (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)) لازما ملازما دائما لا ينفك لا يخفف عنهم ولا يموتون ولا ينقطع العذاب، معرفتهم بذلك هي التي دعتهم للتعوذ والدعاء واللجوء والخوف والوجل والإشفاق والاستمرار على الطاعة لمعرفتهم بجهنم وما فيها (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا (٦٦)) بئس المستقر أي القرار وبئس المقام والبقاء فيها.
وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا۟ لَمْ يُسْرِفُوا۟ وَلَمْ يَقْتُرُوا۟ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًۭا ﴿67﴾
(وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًۭا (٦٧)) و (قِوامًا) القوام العدل الوسط، وخير الأمور أوساطها، كان بين الإسراف وبين التقتير أي حسنة بين سيئتين، الحسنة بين السيئتين، أواسط الأمور خير الأمور أواسطها (وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًۭا (٦٧)) لا يسرف ولا يقتر (وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًۭا (٦٧)) كان عدلا ونصفا ووسطا، قِواما: القوام: سداد الحاجة، القِوام: ما يقوم به الاستقرار والدوام أي أن الإنفاق في المباحات هو ما يسد حاجته ولذا قيل في أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) فهم المثل والقدوة: كانوا لا يلبسون الثياب للتجمل ولا يأكلون الطعام للتلذذ وكانوا يلبسون الثياب لستر العورة ويأكلون الطعام لإعطاء البدن حقه وللتقوي على الطاعة، (قِواما) ما به سد الحاجة، ما به القوام المعيشة، الاستقرار الدوام، (وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا۟ لَمْ يُسْرِفُوا۟ وَلَمْ يَقْتُرُوا۟ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًۭا (٦٧)) كل ذلك من صفات التحلي.
ويبرئهم ربنا (تبارك وتعالى) من صفات الكفار ويذكر لهم صفات التخلي:
وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًۭا ﴿68﴾
يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِۦ مُهَانًا ﴿69﴾
(وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ) أي ولا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها، لك أن تقدر هذه الكلمة حذفت ثقه بفهم السامع، (وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ) حرم الله قتلها (إِلَّا بِٱلْحَقِّ) أي لا تقتل النفوس إلا بحق وما تقتل به النفوس بحق هو: كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان أو قصاص، قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض قتل بها، ثلاث؛ زنا بعد إحصان، كفر بعد إيمان أو يقتل قصاصا، ذاك هو قتل النفوس بحق.
( وَلَا يَزْنُونَ ۚ ) والزنا معروف ومعلوم، أعاذنا الله وإياكم منه، وهو معاشرة ومجامعة من لا تحل له بملك يمين أو بعقد نكاح صحيح.
(وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًۭا (٦٨)) الأثام في لغة العرب: العقاب، (وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًۭا (٦٨)) أي يلق عقابا أو (يَلْقَ أَثَامًۭا (٦٨)) يلق جزاء إثمه.
(يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ) (يُضعّفْ له العذابُ) (نضاعِفْ له العذابَ) (يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِۦ مُهَانًا (٦٩))، وقرئت بالرفع على العطف والاستثناء (يضاعفُ له العذابُ) مضاعفة العذاب بسبب جمع الكفر مع المعصية، مضاعفة العذاب بسبب اجتماع الكفر مع المعاصي القتل والزنا وما إلى ذلك.
(وَيَخْلُدْ فِيهِۦ) في العذاب (مُهَانًا (٦٩)) ذليلا مطرواد خاسئا.
ثلاث جرائم برئ عباد الرحمن منها؛ الشرك، قتل النفس بغير حق، الزنا، وهي من الجرائم الكبيرة الفظيعة التي لا تعدلها جرائم أخرى، لذا يروى مسلم في صحيحه عن عبدالله بن مسعود (رضي الله عنه) قوله: قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: (أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ)، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ)، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَصْدِيقَهَا: (وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًۭا (٦٨) يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِۦ مُهَانًا (٦٩)).
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍۢ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ﴿70﴾
( فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍۢ ۗ ) وهنا توقف العلماء وقالوا: كيف يبدل السيئات حسنات، قال بعضهم: هذا في الدنيا، بأن يكتب ربنا (تبارك وتعالى) موضع كلمة كافر مؤمن في صحيفته وموضع عاص مطيع، وقال بعضهم: بل التبديل هو تبديل الحال فإذا بهم بعد الكفر مؤمنون وبعد العصيان طائعون وبعد الزنا لفروجهم حافظون، ذاك هو التبديل، وقال بعضهم: بل الكلام عن الآخرة، يبدل سيئاتهم حسنات بغفران السيئات، وقال بعضهم: لا يبعد عن كرم الله (عز وجل) أن تمحى السيئة ويكتب محل السيئات حسنة، لا يبعد ذاك عن كرم الله (عز وجل) وسيق حديث لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في هذا الشأن الذي قال فيه، وراوه مسلم: (إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ النَّاسِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ وَأَوَّلَ النَّاسِ دُخُولًا فِي الْجَنَّةِ) إلى آخر الحديث واستدلوا به على أن الله (تبارك وتعالى) يمحو السيئة ويثبت مكانها حسنة (فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍۢ ۗ) والدليل على ذلك قول المصطفى (صلى الله عليه وسلم): (اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ).
ويشترط للتوبة أن تكون توبة نصوحا بمعنى الندم على ما فات من عصيان والعزم على عدم العود وتغيير الحال من العصيان إلى الطاعة وإن عاد العبد إلى الذنب مرة أخرى ثم تاب تاب الله عليه وإن عاد ثم استغفر ربه تاب الله عليه، ولا يأس من رحمة الله أبدا، وإنما يشترط أن تكون التوبة صادقة، لذا يقول الله (تبارك وتعالى): (إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍۢ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ) ولا يزال، أزلا وأبدا (وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا (٧٠)) كان الله ولا يزال أزلا وأبدا لم يزل ولا يزال يغفر ويرحم، الاستثناء هنا عامل فيما سبق، لا يقتلون، لا يدعون مع الله إلها آخر، لا يزنون، من تاب عن كل ذلك غفر له، لكن ابن عباس، وتذكرون أن تكلمنا عن رأيه في تفسير سورة النساء، يقول في هذه الآية: الاستثناء عامل في الجملة الأولى: (لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ) وعامل في الجملة الآخرة: (وَلَا يَزْنُونَ ۚ) غير عامل في الجملة المتوسطة وهي: (وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ) ومن رأي ابن عباس أن قتل النفس بغير حق لا توبة له، وقال: "أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة"، فهو يقول ومن سار على نهجه وقال بقوله: إن الاستثناء غير عامل فيمن قتل، فمن قتل ثم تاب لا يتوب الله عليه، كيف وربنا (تبارك وتعالى) يقول: (وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا (١١٠)) [سورة النساء آية: ١١٠]، (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ ) [سورة النساء آية: ١١٦]، ذاك رأي جمهور من العلماء والكثير من الصحابة: (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ) لكل من تاب حتى الشرك يغفر إن آمن المشرك وعاد عن شركه، ولكن ابن عباس يقول: كيف يتوب؟ لكي يتوب لا بد وأن يتوب الله عليه فلا يوفق للتوبة "أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة" ويستدل بقوله (عز وجل): (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَـٰلِدًۭا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًۭا (٩٣)) [سورة النساء آية: ٩٣] ولم يأت باستثناء، ذاك قول، يعلم الله (تبارك وتعالى) أين الحقيقة أو أين الحق؟
وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًۭا ﴿71﴾
القول الآخر: أن الآيات في الكل (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا) يشترط للتوبة أن تكون صادقة خالصة لذا قال: "متابا" (فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًۭا (٧١)) هذا التأكيد بالمصدر يدل على أن التوبة يجب أن تكون خالصة لله صادقة فإن كانت التوبة خالصة وصادقة لله فإن الله يتوب عليه حقا.
وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغْوِ مَرُّوا۟ كِرَامًۭا ﴿72﴾
(وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغْوِ مَرُّوا۟ كِرَامًۭا (٧٢)) والمقابلة والمقارنة بين الكلمات تشعر بأن الزور هنا يقصد به الكذب ولا يقصد به شهادة الزور، يقصد به مجالس الباطل، لقوله: (وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغْوِ) اللغو: كل ساقط من القول، اللغو ما لا طائل من ورائه من قول أو فعل، اللغو المعاصي، اللغو: الكلام الباطل، اللغو الغناء المفسد الرقص الأفعال التي تهدر كرامة الإنسان وتذهب بمروءته، إذًا (لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ) أي لا يحضرون مجالس الباطل والكذب وكذلك (وَإِذَا مَرُّوا۟) فهم لا يجلسون ولا يحضرون ولا يشاهدون مجالس الباطل فإن حدث ومروا على شيء من ذلك (مَرُّوا۟ كِرَامًۭا (٧٢)).
( وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ) يشاهدون يشهدون، قولان، (وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغْوِ) مصادفة (مَرُّوا۟ كِرَامًۭا (٧٢)) كراما مكرمين أنفسهم منزهين أنفسهم عن الاستماع له أو المشاركة فيه، من قولهم تكرّم فلان عن كذا أي تنزه وترفع عنه، (مَرُّوا۟ كِرَامًۭا (٧٢)) مكرمين أنفسهم عن المشاركة أو الاستماع، متكرمين أو متنزهين عن اللغو عن المشاركة فيه أو عن الوقوف والاستماع أو المشاركة فيه.
وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا۟ عَلَيْهَا صُمًّۭا وَعُمْيَانًۭا ﴿73﴾
وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍۢ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴿74﴾
(وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍۢ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)) [سورة الفرقان آية: ٧٤]
قرئت "ذريتنا" بالإفراد وقرئت "ذرياتنا."
هذه الآية فيها الكثير وفيها لفتات ننبه إلى بعضها، هؤلاء الناس الذين ذكر الله (تبارك وتعالى) صفاتهم من التحلي وصفات التخلي ونسبهم إليه وأضافهم لعبوديته تشريفا لهم وتعظيما لقدرهم وبين سلوكهم بالنهار وسلوكهم بالليل وكيف هم في معاملتهم مع الحق ومعاملتهم مع الخلق، وكيف هم في تباعدهم عن الباطل وعن الزور وعن اللغو وعن الإيذاء وعن الإثم، لا ينسون في غمار سعيهم إلى الله الأسرة الزوجة الأبناء الأحفاد، فيلتجئون إلى الله ويتضرعون إليه، وصدق من قال: المربي من عند ربي، وما من أحد يستطيع أن يربي أحدًا لكن المربي هو الرب، هو الرب، والرب من التربية، فالمربي هو الرب، من هنا يلجأون إلى الله لأنهم لا يستطيعون السيطرة على الأزواج أو الأولاد، خلقوا لزمان غير زمانهم، وجدوا في بيئة غير بيئتهم، معايير مختلفة قد تكون مختلة، وظروف متغيرة وأمور لا يقوون عليها، وهم أيضا مشغولون بعبادة ربهم، بالعلم بالتعلم بالعبادة بالسجود بالاتجاه إلى الله، هل يتفرغون لعبادة الله أم يتفرغون لشقاوة الأولاد ولاستماع الأولاد لما يدور في الخارج والإتيان بالباطل إلى البيوت إلى آخره؟ حتى إن الباطل كان في الأزمنة الماضية بعيدا عن بيتك فلك أن تمتنع وتبتعد، أما الآن فقد دخل الباطل إلى بيتك رغم أنفك، هؤلاء يلجأون إلى الله وكأن الإنسان منهم يقول: لا أقوى ولا أستطيع ولا أقدر على إصلاح أسرتي وحال بيتي لكنك أنت القادر أنت المربي، هب لي من زوجتي وذريتي قرة عين، دعاء والتجاء لفتة غريبة تسرى على كل زمان ومكان إلى أن تقوم الساعة.
(وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا) "من" هنا ليست للتبعيض فهم لا يدعون لأحد ويتركون أحدًا، إنما من هنا بيانية أو هي ابتدائية وليست للتبعيض (هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍۢ) "قرة" مفرد وهم جماعة يدعون، قرة اسم جنس أريد به الجمع، والقرة إما من القرار وإما من القُر، فإن كانت من القُر وهو البرد الشديد (هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍۢ) دمعة السرور باردة ودمعة الحزن ساخنة، فإذا بكى من الفرح نزلت دموعه باردة، وإذا بكى من الحزن نزلت دموعه ساخنة، فيقال دائما وأبدا على السرور ما تسر به ما يفرحك قرة عين؛ لأن دموع الفرح تنزل باردة، إذا كانت من القر، أما إذا كانت الكلمة من القرار والاستقرار (هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍۢ) معنى ذلك أن الله إذا أصلح الزوجة ووهبك زوجة في نظرك جميلة مطيعة مهذبة مؤدبة تحفظ مالك وتحفظ عرضك وتربي أولادك وترعى الأطفال، أحناهم على ولد أرعاهم لزوج، إذا كانت كذلك وكان الأولاد طائعين مؤدبين بارين، جعلهم ربنا كذلك، استقرت عينك عليهم ولن تنظر إلى زوجة غيرك ولا لأولاد غيرك، ولا تقول في نفسك لو كان ابني مثل ابن فلان، لو كان ابني صالحا كابنه، لو كانت امرأتي حلوة كامرأته، إذًا قرت عينك على ما عندك، إذ استقرار العين على ما يسر وما يفرح، فأنت إذا رأيت منظرا جميلا هل تتركه أم تستقر العين عليه، (هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍۢ) أي اجعلهم على المستوى والوضع والأسلوب والمكانة والمنزلة والسلوك والتصرف التي تجعل عيني تستقر عليهم فلا تنحرف عنهم وتنظر إلى غيرهم أو إلى ما أعطى الله غيري (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ (١٣١)) [سورة طه آية: ١٣١].
(قُرَّةَ أَعْيُنٍۢ ) نكرة أراد التنكير في الأعين لتعظيم القرة (وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)) من ضمن اللفتات في الآية الإمامة بالدعاء وليست بالدعوة، (وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)) إذا الإمامة بالدعاء بالتوفيق من الله بالتيسير من الله بالمن من الله بالنعمة بالكرم بالعطاء (وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةًۭ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) [سورة الأنبياء آية: ٧٣] لم يجعلوا أنفسهم بل جعلناهم، أما ادعاء الرجل لنفسه أنه من الأئمة فذاك لا يسري ولا يصح ولا يجوز، إذا الإمامة ليست بالدعوة أي بما يدعيه الشخص لنفسه وإنما بالدعاء أي بتوفيق الله هو الذي يجعل الناس أئمة (وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)) أي نحن قدوة في الخير للمتقين إذاً فالمقام والدرجة أعلى إذا كان المتقون يقتدون بهم فأين هم وكيف هم وفي أي منزلة هم! إذا اقتدى بك المتقي فماذا تكون أنت؟! وانظر إلى الطلب إلى السؤال (وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)) "إماما" مفرد وحد إماما، لم يقل أئمة وقال إماما، قالوا مصدر أمّ يؤم، الإمام مصدر، وقيل اسم جنس مراد به الجمع، وقيل وحد إماما لأسباب منها دفع التوهم، ومنها أيضا أنه حين يقول "إماما" إذًا فالأئمة الحقيقيون كأنهم إمام لاتحاد نفوسهم وتوافق كلمتهم واتفاقهم على الحق واتحاد طريقهم فطريق الله طريق واحد وليست طرق (وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)) هذا إمام وهذا إمام وهذا إمام، وكلهم كأنهم إمام واحد بالطريق الواحد، باتحاد الطريق واتفاق الكلمة واتفاق الأسلوب والسلوك، وإشعار بأنه الطريق إلى الله والإمام الحقيقي هو الذي كأنه أئمة وكأن الأئمة الذين هم على نفس الطريق كأنهم إمام.
أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةًۭ وَسَلَـٰمًا ﴿75﴾
خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا ﴿76﴾
(أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ) الغرفة مفرد، أيضا الغرفة اسم جنس يراد به الجمع لقوله في موضع آخر: (وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءَامِنُونَ (٣٧)) [سورة سبأ آية: ٣٧]، الغرفة أعلى منزلة في الجنة، الغرفة أعلى درجة بها، العرب كانوا يبنون البيوت من دور واحد وإذا أرادوا الشرف في البيت بنوا غرفة في مكان عال يسمى الغرفة والمشربة وهي أرقى وأعلى مكان في البيت، من هنا يقال عن أعلى مكان في الجنة كلمة غرفة فكلمة غرفة اسم جنس ولكنهم في غرفات وليس في غرفة واحدة (أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟) على الطاعة (بِمَا صَبَرُوا۟) عن المعصية (بِمَا صَبَرُوا۟) على عبادة الله (بِمَا صَبَرُوا۟) على إيذاء الناس فهم عن اللغو معرضون وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما.
(وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةًۭ وَسَلَـٰمًا (٧٥)) (ويلْقون فيها) قراءة، التحية من الله، والسلام من الملائكة، ما معنى ذاك؟ التحية من الله بمعنى الملك العظيم والمقام الدائم، التحية من الحياة، التحية كما قلنا من قبل: (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ (٢٣)) [سورة إبراهيم آية: ٢٣]، وكذلك: (فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًۭا فَسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةًۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَـٰرَكَةًۭ طَيِّبَةًۭ ۚ ) [سورة النور آية: ٦١]، أصل كلمة التحية طلب الحياة أو دوام الحياة، حيّاك الله هذا هو المعنى، حياك أي أدام حياتك وأبقاك فالتحية هنا معناها تحية من الله، أي البقاء الدائم الخالد في الجنة والملك العظيم فيها، والسلام من الملائكة، وقيل التحية والسلام من الله، وقيل: التحية والسلام من الملائكة (وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍۢ (٢٣) سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ (٢٤)) [سورة الرعد آية: ٢٣- ٢٤]، وقيل: التحية والسلام بينهم وبين بعض (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ (٢٣)) [سورة إبراهيم آية: ٢٣].
(خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ) في الغرف في الجنة في أعلى الدرجات (حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا (٧٦)) ويا للمقابلة في الكلام عن جنهم (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا (٦٦)) والكلام عن الجنة والغرفة (حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا (٧٦)) فأي المقام تطلب أي المقام ترغب، ها هي المقابلة أن جهنم (سَآءَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا (٦٦)) أما الجنة (حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا (٧٦)).
وتختم السورة بآية أشكلت على الكثير من الناس وهي قوله (عز وجل):
قُلْ مَا يَعْبَؤُا۟ بِكُمْ رَبِّى لَوْلَا دُعَآؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًۢا ﴿77﴾
( لَوْلَا دُعَآؤُكُمْ ۖ ) الدعاء بمعنى العبادة والدعاء بمعنى أن يدعوك، (مَا يَعْبَؤُا۟) ما يهتم (مَا يَعْبَؤُا۟) ما يبالي بكم أيها الخلائق (لَوْلَا دُعَآؤُكُمْ ۖ ) أي لولا عبادتكم أي ربنا، تبارك وتعالى، لم يكن محتاجا للخلق فهو المستغني بذاته عما سواه ولكنه خلق الخلق ليعبدوه (وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)) [سورة الذاريات آية: ٥٦]، إذًا (مَا يَعْبَؤُا۟ بِكُمْ رَبِّى لَوْلَا دُعَآؤُكُمْ ۖ) أي لأنه خلقكم لتعبدوه ولولا هذا ما اهتم بكم ولا عبأ بكم، أو (مَا يَعْبَؤُا۟ بِكُمْ رَبِّى لَوْلَا دُعَآؤُكُمْ ۖ ) للإيمان به أي لولا أن الله يدعوكم للإيمان به ما اهتم بكم وما أرسل إليكم الرسل وما نصح لكم وما بيّن لكم الجنة والنار ومصير كل ما أهل لها من أهل الجنة أو أهل النار أي (لَوْلَا دُعَآؤُكُمْ ۖ) للإيمان أو (مَا يَعْبَؤُا۟ بِكُمْ رَبِّى لَوْلَا دُعَآؤُكُمْ ۖ) أي لولا استغاثتكم به في الشدائد (وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ ۖ) [سورة الإسراء آية: ٦٧] إذا لولا استغاثتكم به في الشدائد ما عبأ بكم ولا بالى بكم، أو الكلام (مَا يَعْبَؤُا۟ بِكُمْ رَبِّى لَوْلَا دُعَآؤُكُمْ ۖ) آلهة غيره إذا لولا دعاؤكم للآلهة وإشراككم بالله لغفر لكم ذنوبكم وما اهتم بذنوبكم فما تشكل الذنوب عبئا على الله لا تضره المعاصي ولا تنفعه الطاعات، (مَا يَعْبَؤُا۟ بِكُمْ) لا يبالي بكم ولا بمعاصيكم لولا أنكم تدعون معه آلهة أخرى لذا يصدق هذا الكلام قول الله (عز وجل): (مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًۭا (١٤٧)) [سورة النساء آية: ١٤٧]، لا تضره المعاصي (مَا يَعْبَؤُا۟ بِكُمْ) أي ما يبالي بذنوبكم ومعاصيكم لولا أنكم تدعون مع الله إلها آخر، وبالتالي فالكفر يجر وراءه كل الذنوب، يجر وراءه كل المعاصي لكن من لقي الله لا يشرك به شيئا غفر الله ذنوبه ولو بلغت عنان السماء.
ثم توجه الكلام للكفار (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ) دعاكم إلى الإيمان فلم تؤمنوا، به دعاكم إلى الإسلام فلم تسلموا (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًۢا (٧٧)) أي يكون تكذيبكم ملازما لكم حتى تلقوا الله فيعاقبكم أو (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًۢا (٧٧)) هلاكا ملازمة للعذاب لكم، (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًۢا (٧٧)) ملازما لكم هذا التكذيب حتى تلقوا الله فيجازيكم عليه.
أيها الأخ المسلم، الإيمان شرط لقبول العمل الصالح، والإيمان نور، والإيمان طالما سكن في القلب لا تضر المعاصي لأن اجتناب الكبائر يكفي لغفران الصغائر، (إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا (٣١)) [سورة النساء آية: ٣١]، فكأن اجتناب الكبائر، مجرد اجتناب الكبائر، يغفر الصغائر فكيف إذا استغفر من الصغائر؟! فكيف إذا عافاه الله من الصغائر؟!
أيها الأخ المسلم، الحق أبلج والباطل لجلج، ها هي الجنة مفتحة الأبواب تدعوك إليها، وها هي الرحمة واسعة، واسعة، واسعة وسعا لا يخطر ببالك، هلم إلى الرحمة! هلم إلى المغفرة! هلم إلى الكرم! هلم إلى العطاء! هلم إلى الكريم! هلم إلى من لا تضره المعاصي، هلم إلى من فتح لك أبواب التوبة على مصراعيها! هلم إليه!