سورة النور
فلقاؤنا مع سورة النور، سورة النور سورة مدنية، وسميت بهذا الاسم لما نزل فيها من النور الإلهي، ما احتوت عليه من نور التشريع الإلهي، والتوجيه الرباني للأمة، ولما ورد من قوله تعالى: (ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ ) سورة النور شأنها شأن السور المدنية تعنى بأمور التشريع، والتوجيه، وقد احتوت على توجيهات هامة، وأحكام عامة تتعلق بالأسرة المسلمة التي هي نواة للمجتمع المسلم، احتوت السورة على أحكام منها الاستئذان عند دخول البيوت، غض البصر، ستر العورة، حفظ الفروج، وتضمنت لأحكام الحدود: كحد الزنا، وحد القذف، وحد اللعان، واهتمت السورة بالعفاف والستر، والنزاهة والطهر للأسرة المسلمة، وبينت ما يجب أن يربى عليه المسلمون أفرادا وجماعات، وأوضحت ما يجب أن تكون عليه الأسرة، وشرعت من الحدود ما يقضي على الفساد والفوضى، إذ لو تركت الجرائم والجنايات التي وردت في هذه السورة دون عقاب، لتردى المجتمع في الفساد والفوضى، ولعمت الإباحية، وسورة النور اهتمت باللبنة الأولى للمجتمع ألا وهي الأسرة، تبين من الأحكام ما يجعل المجتمع المسلم مجتمعنا مثاليا في الفضيلة، وفي الأخلاق، وفي التعامل، وفي التوادد، وفي التحابب، افتتحت السورة بقوله (عز وجل):
سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا وَفَرَضْنَـٰهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿1﴾
ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍۢ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌۭ فِى دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌۭ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿2﴾
الضرب، كيف يكون؟ قالوا: ضرب بين ضربين، ضرب غير مبرح، لا يجرح ولا يبضع، لا يبطح، أي لا يقطع، وتتجنب المقاتل، كيف يكون ضربا بين ضربين؟ قالوا: لا يخرج الضارب يده من تحت إبطه، وإن ضرب لا يظهر إبطه؛ لأنه لو رفع يده إلى آخرها حتى يظهر إبطه لكان الضرب شديدا، لو أخرج يده من تحت إبطه كان الضرب خفيفا، فهو ضرب بين ضربين، بسوط بين سوطين، ضرب غير مبرح، لا يجرح، ولا يبطح يؤلم، أين يكون الضرب؟ قالوا: على الجسد كله ماعدا العورة، والوجه، والمقاتل أي ما يصيبه بالقتل، كالقلب مثلا، أو العنق، والرأس، ومنع بعضهم الرأس، وقال آخرون: لا يكون الضرب إلا على الظهر، والظهر فقط، وذاك هو أرجح الأقوال لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) لمن لاعن امرأته، وجاء يتهمها للنبي (صلى الله عليه وسلم) فقال له: ( الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ) إذا أرجح الأقوال على الظهر، المضروب، كيف يكون وضعه قائما، قاعدا، نائما؟ قالوا: يقوم الرجل، وتجلس المرأة، وقال بعضهم: بل يجلد أن يضرب الرجل وهو جالس، وتضرب المرأة وهي جالسة، أيجردان من الملابس؟ جاء وعليه الصوف والوبر، فلا يشعر بالضرب، وهي كذلك أم يجردان من الثياب؟ قيل: يجرد الرجل من ثيابه، وتستر المرأة بما لا يكشف، أو يشف، وبما لا يحول دون الإيجاع، والإيلام، فتستر بثوب يشعر معه بالألم، ولا يكشف عورتها، وقيل: بل يوضع على الرجل أيضا قميص، قال بعضهم: الجلد في الحدود في الزنا في القذف، في شرب الخمر، أيتساوى الضرب من حيث الشدة، بعضهم فرق، قال في الزنا أشد، ثم القذف، ثم السكر، وقالوا: بل الزنا، ثم السكر، ثم القذف، وقال أرجحهم قولا: لم يرد في القرآن، ولا في السنة تخفيف ولا تثقيل، بل ورد العدد مائة جلدة في حد الزنا للبكر، وثمانين للقذف، وكذلك ثمانين للسكر، فلا تخفيف ولا تثقيل، وإنما الضرب ضرب بين ضربين في كل حدود الجلد، أيضا من ضمن الأحكام المستقاة هنا بعد ما علمنا نوع السوط، نوع الضرب، مكان الضرب، كيفية الضرب، الشدة أو الخفة في الضرب التجريد، أو عدم التجريد في الضرب لابد أن نعلم الجريمة، لابد أن تكون متكاملة الأركان، والتكامل، ولتكامل أركان الجريمة شروط:
أولا: الشروط المتعلقة بالزانية والزاني من حيث البلوغ، العقل، والحرية، والبكورة، ولابد أن تكون الجريمة كاملة تامة، بمعنى الإيلاج، والإدخال للفرج في الفرج، كإدخال المرود في المكحلة، وكما قال بعضهم: لو مرت شعرة، أو خيط لا يمر، وشرطوا في هذا معنى الإدخال، والإدخال لا يكون بدخول معظم العضو، وقيل: بل تكفي فيه الحشفة، الرأس، ولابد من أن يشهد على الجريمة أربعة شهود عدول، ومعنى عدول أنهم مشهودون بالاستقامة، وبالعفة، وبالصدق، وأن تكون من ضمن الشروط في العدلية البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والعفة، اشترطوا في الشهادة أن تكون من أربعة، واشترطوا أن تكون الشهادة في وقت واحد، ومكان واحد، بمعنى أن يذهب الشهود الأربعة سويا فيشهدوا في نفس المكان، أما إذا شهد شاهد في المسجد، ثم شهد شاهد في دار القاضي، ثم شهد شاهد في الطريق، تبطل الشهادة، إذا شهد أحدهم اليوم، وشهد الآخر في الغد، تبطل الشهادة، فلابد أن تكون الشهادة مجتمعة، أن يكون الشهود مجتمعون ذاك أرجح، وهناك رأي لا يشترط الاجتماع، فإن شهدوا مجتمعين أو متفرقين صحت الشهادة، طالما كان الشهود عدول، لو أن الشهود جاءوا فشهد ثلاثة، وتردد الرابع لا يقام الحد، ويجلد الثلاثة كل منهم ثمانين جلدة، حد القذف، لو أن الأربعة حين شهدوا اختلفوا في الأشخاص، أو في الأماكن، أحدهم قال: رأيتهما في مكان كذا، وقال الآخر رأيتهما في مكان كذا، وكان آخر فاختلف المكان، واختلف الزمان، أو اختلف الأشخاص جلد الشهود جمعيا، حرمة المسلم عظيمة، وعرض المسلم عظيم، وربنا حليم، ستار، كريم، يعفو، ويصفح، ويستر، ولشفاعة الجرم ومعرّته وضع من الشروط ما لو تأملت فيها لوجدت أنها تكاد تكون مستحيلة، إلا في حالة المجاهرة، والفسق الذي تعدى كل الحدود، كأن يزني رجل بامرأة في مكان يستطيع فيه أربعة من الشهود العدول الاجتماع للرؤية؛ إذ يشترط في الشهادة رؤية العين، وليس السماع، فلو رأى الشهود رجل وامرأة في فراش يحتضنها ليس ذاك بزنا، ولا يقام فيه حد، يكون التعزير وليس الحد، الحد معناه رؤية عين فرج الرجل في فرج المرأة، كيف يكون ذلك؟ وكيف يتم ذلك؟ (وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)) [سورة النور آية: ١٠]، لو أن الزاني لم يكشف أمره، ولم يراه أحد، أو رأوه وستره كيف يكون الحال؟ أولا لابد أن نعلم أن ستر المسلم أوْلى من فضحه، بمعنى لو أن رجلا رأى الجريمة فعليه أن يستر بأن ينصح، أن يأمر بمعروف، أما أن يذهب ويأتي بباقي الشهود فذاك أمر ليس محبوبا، أو هو يخالف ما أمرنا به النبي (صلى الله عليه وسلم) من ستر المسلم، فستر المسلم أولى من فضحه، أيضا لو أن مرتكب الجريمة لم يفتضح وتاب، وأناب، هل يذهب فيعترف كي ينفذ فيه الحد؟ أبدا، ستره الله فإذا ذهب وتكلم واعترف فقد كشف ستر الله عليه، إذا فما المطلوب منه؟ التوبة بينه وبين الله، كما أن جرم الزنا رغم شناعته هناك ما هو أشنع منه، أن يزني الرجل فيستره الله، فيصبح فيحدث الناس بما فعل، فيكشف ستر الله عليه، إذاً الزنا جريمة بشعة من أجل ذلك كان الحد قويا، شديدا، فظيعا، فيه التشنيع، وفي التفضيح للحفاظ على الأنساب كي لا تختلط الأنساب والسورة كلها تبين الأخلاق الفاضلة، تحرم الاختلاط الذي يؤدي إلى الفساد، والانحلال، تبين الستر، والنزاهة، والعفة، والطهارة التي يجب أن يكون عليها المسلم، والمسلمة، تبين كيف تكون الأسرة المسلمة، كيف يتم الاستئذان، وعدم الدخول بغير إذن، كيف وإن قيل ارجع فارجع، أباحت الدخول في البيوت غير المسكونة، التي فيها متاع للناس، بينت أحكام من لم يبلغ الحلم في الاطلاع على العورة، حتى الآداب في دخول الأبناء على آبائهم، وأمهاتهم، كيف يجب عليهم الاستئذان إذا بلغوا الحلم، السورة كلها آداب، وأحكام تحض الأسرة المسلمة على العفة، وتمنع التردي في مهاوي الرذيلة، والفضيحة، والمجاهرة بالمعاصي، المجتمع المسلم مجتمع متكامل عفيف، أساسه الفرد، كيف يكون على خلق، والإسلام بين كيف يكون المسلم مسلما حقا، وكذلك المسلمة.
أيها الأخ المسلم، تلك أحكام وحدود يجب أن تقام، مهما كان فيها من الشروط التي يتضح أنها شروط عسيرة، فمن أجل الستر ومن أجل الرحمة، ربنا ستار، رحيم، ولكن لا يحملنا هذا على التهاون، ولا يدفعنا هذا الحلم، والستر على الاجتراء على التصدي مما نراه الآن من عري، واختلاط غير محسوب، اجتراء على الله، ومجاهرة بالفسق، معرة في كل مسلم، فماذا تقول لأبنائك وبناتك الصغار حينما يرون على الشاشات رجلا غريبا عاري الصدر والظهر، عاري الرجلين والساقين في الفراش مع امرأة غريبة، نصف عارية، يحتضنها، ويقبلها بشهوة ونهم، كل هذا بدعوى الفن والحرية، والإبداع، والتقدم، وإذا اعترض معترض اتهم بالرجعية، والتشدد، وأنه غير مستنير، وإن علا صوته منع أو سجن أو هدد، لما هذه الجرأة على حدود الله، لما هذه المجاهرة، لما هذا التدليس، هل هذا هو الفن، الرقص، والعري، والمسلسلات الهابطة، هل هذا هو الفن.
أيها الأخ المسلم إذا لم تعترض بالكيفية التي يمكنك الاعتراض بها، فمن رأى منكم منكر فليقومه بيده، أو بلسانه، أو بقلبه، المقاومة باليد من شأن الحكام، فهم مسئولون أمام الله عن حدود الله أقاموها أم ضيعوها؟ أما اللسان فمسئولية العلماء، مسئولية قادة الفكر والتنوير كما يزعمون، أما أن يتكلم العالم عن بيان الحلال في كذا، ويسكت عن بيان الحرام والممنوع، فهل ذاك يصح من عالم يسأل يوم القيامة عن علمه فيما عمل به؟.
فلم نسمع، ولم نقرأ عن تجريم ما نراه على الشاشات سواء من المصريين الذين يطلق عليهم فنانون، أو من الأجانب، لم نسمع، ولم نقرأ فترى أيباح كل ذلك؟!
فإن الزنا من أشنع الجرائم وأبشعها على الإطلاق، وقد قرن الزنا بالقتل وبالشرك في قوله (عز وجل) (وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًۭا (٦٨)) [سورة الفرقان آية: ٦٨]، الزنا إذا انتشر في قوم عمّهم القحط والبلاء، وتفشت فيهم الأوبئة والأمراض والزنا، كما أنه جريمة خلقية، فهو أيضا جريمة اجتماعية، الزنا يتسبب في أمور منها: تفكك الأسرة، وتشرد الأطفال، انتفاء المودة، والرحمة، بين الزوجين، ذهاب للسكينة التي يرزقها الله للزوجين، ضياع للحقوق، فشو للطلاق، أيضا يتسبب عن الزنا أن يرث من ليس بمستحق، وأن يحرم من الميراث المستحق، مفاسد عديدة يكفي أن تسمع قول الله (عز وجل) في شأن الزنا (وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلزِّنَىٰٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةًۭ وَسَآءَ سَبِيلًۭا (٣٢)) [سورة الإسراء آية: ٣٢]، من أجل ذلك نزل التشريع ونزل الأمر بإقامة الحد على الزناة في قوله (عز وجل) (ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍۢ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌۭ فِى دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌۭ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾) وإقامة الحدود في الزنا قربة تعبدية صيانة للمجتمع، حماية للأسرة، حفاظا للحقوق، صيانة للمجتمع الإسلامي وحماية له من التردي في هاوية الرذيلة، وبؤرة الفاحشة، ولبيان شناعة الزنا وبشاعة أمره، يقول عز من قائل:
ٱلزَّانِى لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةًۭ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌۭ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿3﴾
وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَـٰنِينَ جَلْدَةًۭ وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَـٰدَةً أَبَدًۭا ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ﴿4﴾
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿5﴾
وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمْ فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَٰتٍۭ بِٱللَّهِ ۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿6﴾
وَٱلْخَـٰمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ﴿7﴾
وَيَدْرَؤُا۟ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَـٰدَٰتٍۭ بِٱللَّهِ ۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ﴿8﴾
وَٱلْخَـٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿9﴾
لو أن الرجل دخل على امرأته فوجد معها رجلا يطأها في الدبر فهل يلاعن؟ رأيان، من اعتبر اللواط فيه الحد يلاعن، ومن اعتبر اللواط فيه التعزير وليس زنا لا يلاعن، قيل: إن الملاعنة تتم بالمسجد الجامع، وقيل: تستحب أن تكون بعد العصر، وقيل: إن كانت الزوجة نصرانية يلاعن؟ نعم يلاعن لينفي النسب عن نفسه، هي أتدخل المسجد للملاعنة؟ قيل: بل تلاعن في أشرف موضع في الكنيسة، فإن كانت يهودية تلاعن في أشرف موضع من المعبد اليهودي، أما هو فيلاعن في المسجد، اللعان له صيغة خاصة يأتي به الحاكم، واللعان يبدأ به الزوج، فإن بدأت الزوجة لا يصح، وقيل: بل يصح، وذاك رأي حقيق، يقول له الإمام: قل أشهد بالله إني لرأيتها تزني، ورأيت فرج الزاني في فرجها، وإني لمن الصادقين فيما أدعيه عليها، إن كانت الرؤية شرط، أما إذا لم تكن الرؤية شرطا على من يقول بذلك، فيكفي أن يقول: أشهد بالله أنها زنت أو إنها لزانية، فإذا أراد أن ينفي الحمل عن نفسه أشار إلى بطنها، وقال: وما هذا الحمل مني لقد استبرأتها، وما وطأتها بعد، بعد أن يحلف أربع مرات بنفس النص بالتكرير يوقفه الإمام، ويقول له: احذر فالخامسة موجبة أي موجبة للعنة، وقيل: بل يأمر أحد الجالسين بوضع يده على فيه حتى لا ينطق بالخامسة تحذيرا له، ويعظه الإمام، فإن أصر على أن ينطق بالخامسة، قال في الخامسة: أشهد بالله، ويكرر، ثم يقول: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وبهذا يدرأ عن ظهره الحد، ويجب الحد على المرأة، وفي نفس الوقت ينفي النسب، ويفرّق بينهما، إن نكل الزوج بعد يمينين، أو ثلاثة، أو بعد الرابعة امتنع، أو تراجع ماذا يحدث؟ ينتهي اللعان، ويحد في ظهره حد القذف، ويلحق به الولد، ولا لعان، ولا تفريق، يأتي دور المرأة، فيأمر الإمام طبعا إن امتنعت عن اللعان فهو إقرار منها، ويقام عليها حد الرجم، أما إذا أصرت كما حدث في عهد رسول الله حين نزلت الآيات، وأمر بالصحابة واستدعاء، (فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا ، فَجَاءَا ، فَقَامَ الرجل، فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) يَقُولُ: (اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا مِنْ تَائِبٍ؟، ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْخَامِسَةِ، أَنَّ غَضِبَ اللَّهِ عَلَيْهَا، إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَقَالُوا لَهَا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا سَتَرْجِعُ، فَقَالَتْ: لا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ) وتركها لله بعد فراغ الرجل من اللعان، تقول المرأة: أشهد بالله إنه لكاذب فيما رماني به من الزنا، وإن كانت حامل تقول: وإن هذا الحمل منه، وإن كان بغير رؤية، تقول: أشهد بالله إنه لكاذب فيما ادعاه عليّ، أربعة مرات تقول في كل مرة وإنه لمن الكاذبين، ثم توعظ قبل النطق بالخامسة، فإن أصرت على النطق بالخامسة تقول: أشهد بالله إلى آخر اليمين، ثم تقول: وإن غضب الله عليها إن كان صادقا، أو إن كان من الصادقين. بتمام اللعان، يتم التفريق بين الزوجين، فبمجرد أن يلاعن الرجل، بمجرد أن يبدأ اللعان يتم التفريق، وانتفى الفراش، قيل: لا ينبغي الفراش، ويتم التفريق إلا بعد أن تلاعن هي، وقيل يفسخ العقد بينهما تأبيدا لا يعود لها بالملاعنة، وقيل: بل لابد من التفريق بمعرفة الحاكم كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم): ( لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا) هذا الخلاف ما فائدته، فائدته أنه بتمام اللعان، يفترقان ولا يجتمعان أبدا، لا يتوارثان، فإن كان اللعان لا يتم بلعان الرجل وحده قبل أن تنطق المرأة فمات أحدهما ورثه الآخر، لأن اللعان لم يتم والتفريق لم يتم، فإذا اللعان يتم بلعان الرجل وحده إذا فالتفرق حدث والوراثة لا تصح إذا مات أحدهما قبل تمام الالتعان يتوارثان، إذاً متى يتم اللعان؟ بالتعان الرجل قبل أن تنطق المرأة بكلمة ذاك رأي، لابد من أن تلتعن المرأة أيضا حتى يتم اللعان، لابد من تفريق الحاكم، وحكمه، ثلاثة أقوال: افترق الزوجان إن أكذب نفسه بعد الالتعان ماذا يحدث؟ حين حلفت المرأة، وأصرت ربما كان شاكا ربما كان مدعيا، ربما تردد، لو عاد فأكذب نفسه، ما الحكم؟ قالوا: فرق الله بينهما باللعان أكذب نفسه، أو لم يكذب نفسه، وقال بعضهم: أبدا، إذا أكذب نفسه حُدَّ حد القذف في ظهره، ولا تعود له، ولكن يلحق به الولد، ولا يتراجعان، وقال بعضهم: إذا أكذب نفسه حد في ظهره، ولحق به الولد، وهو أحد الخطاب إن شاء خطبها بعد ذلك، رأي يعد ضعيفا، إذا حدث اللعان، وتفرّق الزوج عن الزوجة، لو حدث أن كانت المرأة حاملا هل يلاعن قبل الوضع أم يلاعن بعد الوضع؟ استبرأها وما وطأها، وتوطئ بحملها يلاعن؟ قالوا: نعم يلاعن، وقال بعضهم: لا يلاعن حتى تضع حملها، فربما يكون الحمل كاذب، وهذه أعراض فلابد من الوضع، قال بعضهم: حين لاعن الرجل امرأته أمام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم ينتظر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى تضع، بل قال: إن جاءت به على صفة كذا وكذا فهو ابنه، وإن جاءت به على صفة كذا كذا فهو ابن من اتهمت معه بالزنا، فجاء الولد على النعت المكروه، وقال: ( لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، لَرَجَمْتُ هَذِهِ) إذا فاللعان قبل الوضع لا يشترط الانتظار بعد انتهاء الوضع، ما حكم من اتهم مع المرأة؟ حين جاء الصحابي المذكور إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال رأيت فلانا بالاسم، ما الحكم في شأن فلان؟ رجل في بيته، وإذ بزوج يتهمه بأنه رآه مع امرأته اتهمه بالزنا، ذاك قذف إن كان بكرا جلد مائة جلدة، وإن كان محصنا رجم ذاك الحكم، فما الحكم عليه قيل: من رمى امرأته برجل لا شيء على الرجل إلا أن يعترف، فلا يؤخذ الناس بالشبهات، ونبينا (صلى الله عليه وسلم) يقول: (ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ) فقد يكون الأمر قد اختلط على الزوج على الرائي، أو خدعة أو قد تتفق معه امرأته للانتقام منه، أيا كان لا يقام عليه حد، رغم الاتهام الموجه إليه، ولكن أيعد الزوج قاذفا في حق الرجل أم لا؟ قالوا: يلاعن امرأته ويحد في ظهره ثمانين جلدة من أجل الرجل الذي اتهمه حد القذف، وقال بعضهم: لا يحد واستندوا إلى أن الحادثة التي وقعت في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يحدث فيها جلد للمتهِم على قذفه للمتهَم، فردوا عليهم قائلين: لم يطلب المتهم حقه، وتكلمنا قبل ذلك هل هو حق من حقوق الله، أم هو حق من حقوق الآدميين، إن كان حق من حقوق الله أقام الحاكم الحد على القاذف سواء طلب المقذوف ذلك أم لا، أما إن كان من حق الآدمي فلا يقام الحد على القاذف إلا أن يطالب به المقذوف، في القصة التي حدثت على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يطالب المتهم بحقه؛ لأنه كان متهما حقا كما جاءت هي بالولد على النعت المكروه، إذاً فإذا طالب المقذوف بحقه جلد الزوج ثمانين جلدة؛ لأنه اتهم الرجل الآخر هو رأي إن كان معه أربعة شهود فلا لعان، وأقيم عليها الحد وعلى من كان معها، أما ولا شهود إلا الرجل الحالف الزوج، إذا فلا بينة على الآخر فلا حد عليه، فإن طلب حقه، وطلب أن يجلد القاذف الذي هو الزوج، يلاعن ما شاء، وينفي النسب عن نفسه، وتنقطع العلاقة الزوجية، ولكن يحد في ظهره ثمانين جلدة بسبب قذفه للرجل الآخر، كل هذه الأحكام قليل من كثير، وإنما أحاول أن أعطي صورة مصغرة مبسطة بعناوين فقط، ولو أردنا أن نتكلم فيما استخلص من أحكام تفصيلا لتكلمنا ساعات، وساعات، ورحم الله العلماء، والذين اجتهدوا واستخلصوا الأحكام وبينوا الرحمة الواسعة، والستر الذي أسدله الله (تبارك وتعالى) علينا، فتختم آية اللعان بآية يتجلى فيها واسع المغفرة، وعظيم الرحمة وجميل الستر، يقول عز من قائل:
وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴿10﴾
إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلْإِفْكِ عُصْبَةٌۭ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّۭا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ ٱمْرِئٍۢ مِّنْهُم مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلْإِثْمِ ۚ وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُۥ مِنْهُمْ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ﴿11﴾
لَّوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًۭا وَقَالُوا۟ هَـٰذَآ إِفْكٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿12﴾
لَّوْلَا جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا۟ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ ﴿13﴾
وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِى مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿14﴾
إِذْ تَلَقَّوْنَهُۥ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ وَتَحْسَبُونَهُۥ هَيِّنًۭا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌۭ ﴿15﴾
وَلَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا سُبْحَـٰنَكَ هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ عَظِيمٌۭ ﴿16﴾
يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُوا۟ لِمِثْلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿17﴾
الأمر الأول: أن من وقع في عرض مسلم، أو في محصنة وجب إقامة الحد عليه، وسلب منه الإيمان حال وقوعه في عرض أخيه، كقوله (صلى الله عليه وسلم) ( لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أي يسلب منه الإيمان حين يزني، ويعود إليه إيمانه إن تاب، وأناب.
الأمر الثاني: الذي رتبه العلماء على الآية هو أن من وقع في عائشة، وسبها قتل، قتل لأنه خالف القرآن، فقد برأها الله، فإن اتهمها فقد كذّب الله، إذاً فقد كفر من هنا وجب قتله.
وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿18﴾
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿19﴾
من هنا إذا سمعت يجب أن تصم أذنك إن كان الكلام عن مسلم كذبت وقست الأمر على نفسك، فلان سارق، مرتش، هل أنت تفعل ذلك؟ فإذا أجبت بلا فهو أبعد عن ذلك، وقد حدث هذا من بعض الناس الذين أثنى الله عليهم من الصحابة، ( أَنَّ أُمَّ أَيُّوبَ، قَالَتْ: يَا أَبَا أَيُّوبَ، أَمَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي عَائِشَةَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَكُنْتِ أَنْتِ فَاعِلَةً ذَلِكَ يَا أُمَّ أَيُّوبَ؟ قَالَتْ: لا وَاللَّهِ، قَالَ: فَعَائِشَةُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْكِ، وَإِنَّمَا هُوَ زُورٌ وَإِفْكٌ وَبَاطِلٌ) قاس الأمر على نفسه (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ ) في الدنيا بإقامة الحدود عليهم بالجلد، وفي الآخرة بجهنم، إذا ماتوا وهو مصرين على معصيتهم، إذا لم يتوبوا عن ذاك (وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿١۹﴾) الله يعلم الحقائق وأنتم لا تعلمون إلا الظواهر، الله يعلم ما في الصدور، يعلم أن الذين أشاعوا الفاحشة أحبوا ذلك، وأرادوه، وفعلوه عامدين متعمدين.
وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿20﴾
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًۭا وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ﴿21﴾
وَلَا يَأْتَلِ أُو۟لُوا۟ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوٓا۟ أُو۟لِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا۟ وَلْيَصْفَحُوٓا۟ ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ﴿22﴾
أيها الأخ الكريم، تأمل رسولنا سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) أمهات المؤمنين، سيدات الأمة الطاهرات، العفيفات، المحفوظات، هذه القصة لِم وقعت، واتهمت بها أم المؤمنين عائشة أحب نساء النبي (صلى الله عليه وسلم) إليه، بل أحب الخلق؟ ( مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : عَائِشَةُ . قَالَ : فَمِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: أَبُوهَا)، والوحي ينقطع لمدة شهر لا يدري النبي (صلى الله عليه وسلم) حقيقة الأمر، أبو بكر الصديق يبتلى هذا البلاء الفظيع، كيف يواجه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كيف يواجه الناس بلاء شديد فظيع، لا يتحمله إلا السادة، ربنا يريد أن يعلم الناس، ويفهم الناس، ويبين للناس، فكل ما حدث من أمور في عصر النبوة، ما هو إلا توضيح عملي للتشريع، فوقع بعض الصحابة، وحدوا كفارة، كي نتعلم نحن من أخطائهم، وابتلي سيد الخلق، وابتليت أم المؤمنين، هم الذين يتحملون هذا البلاء، ويبتلى المرء على قدر دينه، وأشد الناس بلاء الأنبياء، كي نتعلم نحن ونستفيد، ونعرف أن اللسان عظيم جرمه، صغير حجمه، ولا يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم، أمسك عليك هذا، اتقوا الله في أعراض الناس؛ لأنك مهما فعلت من معاصي تتعلق بحق المولى (عز وجل) بينك وبينه استغفر الله، (وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا (١١٠)) [سورة النساء آية: ١١٠]، أما ما بينك وبين الناس من حقوق العباد، فمهما استغفرت، مهما تبت، لابد مسامحة من وقعت فيهم فأنى لنا بذلك فمن مات مات ومن سافر سافر، ومن انفصلت عنه، فكيف بك في يوم القيامة، توزن الحسنات وتوزن السيئات، من جاء بحسنة نجا ومن جاء بسيئة هلك، يوم القيامة توفى الحقوق، وكل من الناس يتمنى حسنة واحدة، وكل يبحث عن حقه، ويجيء الرجل فيقول: شتمني، أخذ مالي، سبني، فيؤخذ من حسناته لهذا، ولهذا، فإذا فرغت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، لك جار يشرب الخمر ولا يصلي، وأنت تصلي وتصوم ولكن من ضيقك من جارك كلما جلست مجلسا تقول: فلان يسكر، فلان يفعل، وتأتي أنت وهو يوم القيامة، فيدخل هو الجنة بصلاتك التي صليتها وتدخل أنت النار بخمره التي شربها، حيث يؤخذ من حسناتك له ويؤخذ من سيئاته فيطرح عليك، فتطرح في النار، الكلام سهل، واللسان ما أعظم جرمه، مع صغر حجمه، اتقوا الله، فبعدما يبين الله (تبارك وتعالى) براءته للصديقة أم المؤمنين، زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) وبين خطورة الوقوع في أعراض الناس بغير بينة، يتهدد، ويتوعد المصرين على ذلك، أو الواقعين في ذلك فيقول، عز من قائل:
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ لُعِنُوا۟ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ﴿23﴾
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿24﴾
يَوْمَئِذٍۢ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴿25﴾
ٱلْخَبِيثَـٰتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَـٰتِ ۖ وَٱلطَّيِّبَـٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَـٰتِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ﴿26﴾
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿27﴾
فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فِيهَآ أَحَدًۭا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرْجِعُوا۟ فَٱرْجِعُوا۟ ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ ﴿28﴾
لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا۟ بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍۢ فِيهَا مَتَـٰعٌۭ لَّكُمْ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴿29﴾
أيها الأخ المسلم، تأمل في كتاب الله، في الدستور الإلهي، تأمل في التشريع، تأمل في الرحمة، صدق ربي (مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ) [سورة الأنعام آية: ٣٨]، فقد قيل: إن النظر بريد الزنا، والعين شباك القلب، وإذا وقعت العين على ما لا يحل، قد يقع الإنسان فيما لا يحل.
من هنا يبين ربنا (تبارك وتعالى) الآداب الواجبة في استخدام نعمة البصر، يبين المحظورات بالنسبة لنعمة البصر، يقول عز من قائل:
قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿30﴾
من هنا يتأكد أن كلمة من للتبعيض، نظرة الفجاءة غير مكتسبة أنت تسير في الطريق، فالتفت يمنة فوجدت ما لا يحل لك النظر إليه، هذه اللفتة هذه النظرة الأولى أهي مكتسبة؟ أبداً، فطالما لم تكن مكتسبة فلا تقع تحت خطاب التكليف، وعليه فلا تكليف فيها، فهي لك، لكن عليك في هذه الحالة أن تغض الطرف، هنا تطبق الجفن على الجفن، أو تشيح بوجهك، إذا فالنظرة الأولى الفجائية التي تقع من غير قصد، ومن غير اكتساب لا تقع تحت طائلة التكليف (وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ ۚ ) لأن الفرج يملك، هل ينكشف الفرج بغير اكتساب؟ هل يزني الفرج من غير قصد؟ إذاً فالفرج يملك من هنا لم تأت من. أيضا نجد أن أبا سعيد الخدري (رضي الله عنه وأرضاه) يقول كما يروي عنه الصحيحان، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ) وكأنه (صلى الله عليه وسلم) رأى المقاهي، ورأى الكراسي على الأرصفة، ورأى ما نراه الآن (صلى الله عليه وسلم) (قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : " فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ " ، قَالُوا : وَمَا حَقُّهُ ؟ ، قَالَ : " غَضُّ الْبَصَرِ ، وَكَفُّ الْأَذَى ، وَرَدُّ السَّلَامِ ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ) أين نحن من ذلك؟ وأنت ترى في الصيف وما أدراك ما الصيف، أين لنا بهذه السنّة العظيمة، والأمر الكريم، إياكم والجلوس على الطرقات، وإن كان لك بد فأعطي الطريق حقه، فقد يضطر الإنسان أن يقابل أصحابه، أو إخوانه في مكان عام، فأعط الطريق حقه: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ ۚ ) حفظ الفرج، قيل: أي ستر العورة، وقيل: بل الحفظ عن الزنا، وقيل: بل الأمر عام يشمل كل ذلك، لم يذكر غض البصر عن أي شيء، ولم يقل حفظ الفروج من أي شيء لكنك تفهم، والعبرة بفهم السامع، ثقة بفهم السامع تم الحذف، والحذف في القرآن كثير، اختصارا بالحذف ثقة بفهم السامع، تحفظ فرجك عن أي شيء؟ عما لا يحل، تحفظ وتغض بصرك عن أي شيء؟ عما لا يجب أن تطلع عليه، أو تنظر إليه، حفظ الفرج، ستر العورة، الامتناع عن الزنا، هذا هو معنى حفظ الفرج إلا على الأزواج أو ما ملكت اليمين، ويحضرني قول الصديقة، البريئة، المنزهة، الطاهرة، سيدتي السيدة عائشة، حين تقول، وتصف، والله ما رأيت من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وما رأى مني، الزوجة الحلال، المباحة، المبرأة بالآيات (ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ ) أطهر لنفوسهم، ولأبدانهم، ولدينهم، وها هي الأمراض تسمعون عنها، أمراض لا شفاء منها، نقص المناعة، وما إلى ذلك (إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿۳۰﴾) تهديد، تحذير، وعيد، إذا كان يعلم ويرى فهو لابد وأن يحاسب، ويؤاخذ، أربعة بُرئوا بأربعة، يوسف الصديق حين اتهم بالفاحشة برأه شاهد من أهلها الذي قال (إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍۢ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ﴿٢٦﴾ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿٢۷﴾) [سورة يوسف آية: ٢٦ - ٢٧] برأه الله بالصبي الشاهد من أهلها، موسى اتهمه قومه بعيب خلْقي فيه، فقد كانوا يغتسلون عرايا ينظر بعضهم إلى بعض، أما موسى المخلص، المكلم، المصطفى، الرسول، منعه الحياء فكان يغتسل بعيدا عنهم ساترا عورته، فاتهموه بكذا وكذا، فبرأه الله بالحجر، في يوم من الأيام خلع ثوبه بعيدا عنه، ووضعه على الشاطئ، ووضع عليه حجرا، ونزل يغتسل، فسار الحجر بثوابه، فخرج يجري وراء لحجر، ويقول: ثوبي حجر ثوبي حجر، فنظر إليه قومه، فبرأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيها، وحين أمسك بالحجر أخذ يضربه بعصاه كيف يجري بثوبه، ومريم الصديقة، البتول، العذراء، الطاهرة حين اتهمت بالفاحشة برأها وليدها في المهد، برأها نبي، برأها عيسى قال: إني عبد الله، أما الصديقة، الطاهرة فلم يبرئها حجر، ولم يبرئها صبي، ولم يبرئها نبي، بل برأها الله بكلامه، وقرآنه، يتلى إلى أن تقوم الساعة، مما يدل على رفعة منزلة، وطهارة الذيل، وعظم المكانة رضي الله عنها، وأرضاها.
فإن النظر بريد القلب، من أجل ذلك أمر الله (تبارك وتعالى) المؤمنات بالتستر، والعفة، فقال عز من قائل:
وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُو۟لِى ٱلْإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا۟ عَلَىٰ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿31﴾
وَأَنكِحُوا۟ ٱلْأَيَـٰمَىٰ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا۟ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ ﴿32﴾
وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًۭا ۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ ءَاتَىٰكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا۟ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًۭا لِّتَبْتَغُوا۟ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعْدِ إِكْرَٰهِهِنَّ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿33﴾
(وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًۭا ۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ ءَاتَىٰكُمْ ۚ ) أمر الله (تبارك وتعالى) الموالي الأسياد، إذا طلب العبد أو الأمة المكاتبة، والمكاتبة: أن يطلب العبد من سيده أن يكاتبه أي يتعاقدان على أن يؤدي العبد مبلغا من المال على أقساط، على نجوم منجما سبع سنوات، عشر سنوات، ثلاث سنوات، فإن أدى ما تعاقدا عليه أصبح حرا، بل هو وأيضا الأبناء الذين جاءوا من الأمة بعد العتق، أو بعد المكاتبة، المكاتبة هذه حدثت في عصر النبي (صلى الله عليه وسلم) من امرأة تدعى بريرة العلماء، قالوا هذا الأمر أهو على الوجوب، أم على الندب (فَكَاتِبُوهُمْ) أمر إذا فهو على الوجوب، وقال البعض الآخر: بل هو الندب إذ إن الشرط (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًۭا ۖ ) فقد يقال للسيد من عبده كاتبني، فيقول: لا أعلم فيك خيرا، أي خير الذي جاء في الآية؟ قيل: خيرا في الدين، الصلاح والتقوى، وقيل: خيرا بمعنى القوة على الاحتراس، والأداء إذ إن العبد وما ملكت يمينه ملك لسيده، أما إذا كان العبد ذا حرفة نجارا أو حدادا، صائغا، ويستطيع أن يتكسب ولا يعمل في خدمة سيده فقط، فقد يبيح له السيد أن يعمل أوقات فراغه، وما جاء به من مال يدفعه ويؤديه أقساط من أقساط الكتاب، أيضا قد يعان العبد من غيره كما طلبت بريرة العون من السيدة عائشة على أداء كتابتها (وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَـٰبَ) أي يطلبون المكاتبة (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًۭا ۖ ) خيرا في الدين، أو خيرا في الأمانة، والأداء، أو قدرة على التكسب، العبد طلب أن يكاتب ولا يقدر على التكسب هل يكاتبه سيده أم لا؟ قالوا: يكاتبه ويستعين العبد بالصدقة؛ لأن الآية تحريض على التحرير (وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ ءَاتَىٰكُمْ ۚ ) للأمة أن تساعد كل مكاتب على تحرير نفسه (وَءَاتُوهُم) للحكام من بيت المال، فمن مصارف الزكاة، وفي الرقاب أي في تحرير الرقاب، أمر للأسياد أن يضع، ويحط من الكتابة، وللأمة في المساعدة، أيضا للحكام من بيت المال من أموال الزكاة فتحرير الرقاب من مصارف الزكاة (وَلَا تُكْرِهُوا۟ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًۭا لِّتَبْتَغُوا۟ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعْدِ إِكْرَٰهِهِنَّ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿۳۳﴾) البغاء: الزنا، وبغت المرأة فهي بغي وهن بغايا، ويطلق البغاء بالذات على زنا المرأة، والقصة نزلت في حادثة على وجه الخصوص عن عبد الله بن أبي بن سلول شيخ المنافقين في المدينة، كانت له جاريتان يكرهوهن على الزنا، وهن لا يردن الزنا فشكون لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنزلت الآية، الإكراه على الزنا من أجل المال، أيضا من أجل الولد، فإذا حملت الأَمة فابنها رقيق، إذ الابن يتبع الأم في الرق، وفي الحرية، ويتبع الأب في الدين، من هنا السيد إذا جاءت الأمة بولد استرقه وباعه، وكسب من وراء من ذلك، وقيل: كان الزاني يفتدي ابنه بمائة من الإبل، كل ذلك في البدايات، فحين حدثت القصة نزلت الآية (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًۭا لِّتَبْتَغُوا۟ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ ) وهناك شرط في الآية (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًۭا) هل هذا الشرط معناه أن الإكراه يصح إذا لم يردن تحصنا؟ أبدا، لكنه خرج مخرج الغالب؛ إذ لا يتصور الإكراه وهي راضية، إن كانت هي راضية، هل يتصور إكراه في هذا؟ لذا الأمر خرج مخرج الغالب، أيضا جاء من أجل التشنيع، وجاء بلفظ إن، ولم يقل إذا، وإن حرف الشك؛ لأن طلب العفة، والتحصن من الإماء أمر نادر، أمر شاذ، فجاء بكلمة إن، وكأنه يقول للأسياد أتريد الفتاة الأمة أن تتحصن وذاك أمر شاذ نادر، وأنت أيها السيد الحر تكرهها على البغاء من أجل المال، فجاء الشرط للتشنيع (وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعْدِ إِكْرَٰهِهِنَّ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿۳۳﴾) عليهم الغريب أن بعض المفسرين قالوا: غفور رحيم لهن إذ المكره لا يحاسب، ولمن أكرهها إن تاب، وذاك أمر مردود مرفوض بنص اللفظ أي غفور لهن، رحيم، لعلك قرأت بعض الصحابة قراءة تفسيرية، وقال: غفور لهن لأن المكره لا إثم عليه، وتختم آيات الحدود، وآيات الأمر بالتستر وبالتزويج، وبالتأديب والتربية على العفة، والاستعفاف بقوله (عز وجل):
وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ ءَايَـٰتٍۢ مُّبَيِّنَـٰتٍۢ وَمَثَلًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ ﴿34﴾
ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشْكَوٰةٍۢ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌۭ دُرِّىٌّۭ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍۢ زَيْتُونَةٍۢ لَّا شَرْقِيَّةٍۢ وَلَا غَرْبِيَّةٍۢ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌۭ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍۢ ۗ يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَـٰلَ لِلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ﴿35﴾
فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ ﴿36﴾
رِجَالٌۭ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌۭ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًۭا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ ﴿37﴾
لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ﴿38﴾
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٍۢ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًۭٔا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴿39﴾
أَوْ كَظُلُمَـٰتٍۢ فِى بَحْرٍۢ لُّجِّىٍّۢ يَغْشَىٰهُ مَوْجٌۭ مِّن فَوْقِهِۦ مَوْجٌۭ مِّن فَوْقِهِۦ سَحَابٌۭ ۚ ظُلُمَـٰتٌۢ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُۥ لَمْ يَكَدْ يَرَىٰهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورًۭا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ﴿40﴾
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَـٰٓفَّـٰتٍۢ ۖ كُلٌّۭ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسْبِيحَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿41﴾
وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ﴿42﴾
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِى سَحَابًۭا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُۥ ثُمَّ يَجْعَلُهُۥ رُكَامًۭا فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَـٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍۢ فِيهَا مِنۢ بَرَدٍۢ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِۦ يَذْهَبُ بِٱلْأَبْصَـٰرِ ﴿43﴾
يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ ﴿44﴾
وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍۢ مِّن مَّآءٍۢ ۖ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِۦ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰٓ أَرْبَعٍۢ ۚ يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿45﴾
لَّقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَـٰتٍۢ مُّبَيِّنَـٰتٍۢ ۚ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿46﴾
وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌۭ مِّنْهُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿47﴾
وَإِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ ﴿48﴾
وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوٓا۟ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴿49﴾
أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوٓا۟ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُۥ ۚ بَلْ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿50﴾
إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿51﴾
وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ﴿52﴾
وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ۖ قُل لَّا تُقْسِمُوا۟ ۖ طَاعَةٌۭ مَّعْرُوفَةٌ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿53﴾
قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا۟ ۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ﴿54﴾
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًۭا ۚ يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـًۭٔا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ﴿55﴾
وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿56﴾
لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴿57﴾
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍۢ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍۢ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿58﴾
وَإِذَا بَلَغَ ٱلْأَطْفَـٰلُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَـْٔذِنُوا۟ كَمَا ٱسْتَـْٔذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿59﴾
أيها الأخ المسلم، كيف يعلم الطفل الاستئذان؟ الطفل ليس من لم يبلغ أربع سنوات، وإنما قيل إذا بلغ الأطفال من السنن أربع، هنا يتعلم كيف؟ هو في حجرته، والباب قد أغلق أنت الأب، إياك أن تفتح وتدخل فجأة، ولكن عليك بقرع الباب أولا، فإذا فعلت مع ابنك ذلك بغير أن تأمر، علم إذا وجد بابا مغلقا أن يدق عليه قبل أن يفتح الباب، رحمة، وتعليم، وصدق ربي (مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ) [سورة الأنعام آية: ٣٨]، فمن لطف الله (تبارك وتعالى) ومن رحمته للناس أنه لم يكلفهم ما لا يطيقون، وإن كان له أن يكلف الناس ما لا يطيقون، ويختار لهم ما لا يرتضون، ومن حكم فيما ملك فما ظلم، لكن من رحمته خفف في الأوامر، وخفف في النواهي، وخفف حتى في العبادات، وخفف في كل شيء، وعلى هذا العمل القليل، أعد الجزاء الجزيل، من لطفه ورحمته بكبيرات السن يقول: