القرآن الكريم / سورة النور / التفسير المقروء

سورة النور

فلقاؤنا مع سورة النور، سورة النور سورة مدنية، وسميت بهذا الاسم لما نزل فيها من النور الإلهي، ما احتوت عليه من نور التشريع الإلهي، والتوجيه الرباني للأمة، ولما ورد من قوله تعالى‫: (ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ ) سورة النور شأنها شأن السور المدنية تعنى بأمور التشريع، والتوجيه، وقد احتوت على توجيهات هامة، وأحكام عامة تتعلق بالأسرة المسلمة التي هي نواة للمجتمع المسلم، احتوت السورة على أحكام منها الاستئذان عند دخول البيوت، غض البصر، ستر العورة، حفظ الفروج، وتضمنت لأحكام الحدود‫: كحد الزنا، وحد القذف، وحد اللعان، واهتمت السورة بالعفاف والستر، والنزاهة والطهر للأسرة المسلمة، وبينت ما يجب أن يربى عليه المسلمون أفرادا وجماعات، وأوضحت ما يجب أن تكون عليه الأسرة، وشرعت من الحدود ما يقضي على الفساد والفوضى، إذ لو تركت الجرائم والجنايات التي وردت في هذه السورة دون عقاب، لتردى المجتمع في الفساد والفوضى، ولعمت الإباحية، وسورة النور اهتمت باللبنة الأولى للمجتمع ألا وهي الأسرة، تبين من الأحكام ما يجعل المجتمع المسلم مجتمعنا مثاليا في الفضيلة، وفي الأخلاق، وفي التعامل، وفي التوادد، وفي التحابب، افتتحت السورة بقوله (عز وجل):

سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا وَفَرَضْنَـٰهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿1﴾
‫(سُورَةٌ) الكلمة نكرة للتفخيم والتعظيم، وكلمة سورة من السور، سور البلد المحيط بها، المرتفع لارتفاع شأنها، وعلو مكانتها، كما أنها طائفة من الآيات لها بدء، ولها ختام، وتحتوى على ما فيها من أحكام (أَنزَلْنَـٰهَا وَفَرَضْنَـٰهَا) فرضناها أي أوجبناها، أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجابا قطعيا، والفرض أصلا القطع، وقُرأت (فرّضناها) بالتشديد، أي أنزلنا فيها فرائض متعددة، أي واجبات، أو فرّضناها بمعنى فصلناها وبيناها (وَأَنزَلْنَا فِيهَآ ءَايَـٰتٍۭ) وتكررت كلمة الإنزال، سورة أنزلناها، وأنزلنا فيها آيات، تكررت كلمة الإنزال للتأكيد، ولبيان الاهتمام بما احتوته من أحكام (ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ) واضحات الدلالة لا لبس فيها، ولا اختلاف (لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿١﴾) تتفكرون في هذه الأحكام، وتعملون بموجبها‫.
ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍۢ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌۭ فِى دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌۭ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿2﴾
الزنا كتعريف له‫:‬ هو اسم لوطء الرجل امرأة في فرجها بغير نكاح، أي عقد زواج ولا شبهة نكاح بمطاوعتها ذاك تعريف، وتعريف آخر؛ إذ التعريف مهم؛ لأنها جريمة يقام عليها الحد، ودم المسلم وعرضه لا يجب إهدارهما، فالزنا إدخال فرج في فرج مستهن طبعا، محرما شرعا، واندهش بعض العلماء لتقديم الأنثى على الذكر (ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى) بعكس ما ورد في القرآن في كثير من الآيات، (إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٣٥]، أيضا (وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٣٨]، وكان يكفي كلمة الزاني فاجلدوه، وتعم الكلمة الذكر والأنثى، لكن ذكر الذكر والأنثى هنا كما ذكر في آية السرقة، (وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٣٨] للتأكيد، ولكي لا يتوهم السامع أن المقصود الرجل؛ إذ هو الفاعل في جريمة الزنا، والمرأة مستقبلة، فذكرت للتأكيد، ولبيان أن حكم الرجل هو حكم المرأة، قدم السارق لأن الرجل أجرأ على السرقة من المرأة، والسرقة، والغصب، والمحاربة فيه أغلب وأظهر، هنا قدمت الزانية على الزاني قالوا‫:‬ كان في ذلك الوقت الزنا فاشٍ في النساء، وهن مجاهرات به، أصحاب الرايات الحمر، كما ورد في التاريخ، والقصص، وقيل‫:‬ بل الزنا من المرأة أعرّ، وهو لأجل الحبل أضرّ، وقيل‫:‬ بل قدمت الأنثى هنا على الذكر لأن المرأة هي التي تتعرض للرجل، وتدعوه بزينتها، وعريها، وفتنتها، وكشف عورتها، وعدم التستر والعفة، فهي المحرضة على جريمة الزنا، من هنا صُدِّرت ردعا لها وزجرا لها، وقالوا‫:‬ بل قدمت الأنثى لأن الشهوة في المرأة أغلب، وأكثر؛ لذا زودها ربنا بالحياء الزائد عنه في الرجل، ولكنها إن زنت ذهب حياؤها؛ ولأن الشهوة فيها أغلب، وأظهر صدرت تخويفا لها ردعا وزجرا (فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍۢ ۖ ) والصياغة تبين التسوية في الحكم (مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍۢ ۖ ) عدد حدده الله (تبارك وتعالى) (وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا) أي شفقة أو رحمة (رَأْفَةٌۭ فِى دِينِ ٱللَّهِ) أي في حكم الله، والدين يطلق على الحكم كما جاء في سورة يوسف (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ ) [سورة يوسف آية‫:‬ ٧٦] أي في حكمه أو (وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌۭ فِى دِينِ ٱللَّهِ) أي في طاعته، وإقامة حدوده، فتتكاسلون عن إقامة الحد أو تضيعون هذه الفريضة (إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۖ ) الكلمة للتهييج، والإلهاب، والحث والحض على إقامة الحدود، كقولك إن كنت تقيا فافعل أو إن كنت رجلا فافعل كذا، فكلمة (إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ) إلهاب وتهييج للأمة للمحافظة على إقامة الحدود (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌۭ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾) أي ليشهد عمليه الجلد طائفة من المؤمنين، الخطاب للحكام، فاجلدوا أمر، وصدر بالفاء لأن فيه معنى الشرط، أي إن فعل كذا فافعل به كذا، فاجلدوا وليشهد فالخطاب للحكام؛ إذ إن الحدود منوط بالحكام إقامتها، وقيل‫:‬ بل إن الخطاب للأمة للمسلمين حتى يكونوا حريصين على إقامة الحدود، ولكن الحاكم ينوب عنهم في تنفيذ الحكم، فالخطاب للحكام أو الخطاب للأمة، وفي كلا الحالين فالذي ينفذ ويقوم بالتنفيذ هو الحاكم، وشرط ربنا (تبارك وتعالى) حين تنفيذ الحكم أن يشهد التنفيذ طائفة من المؤمنين، إذا فالذي يشهد التنفيذ لابد أن يكون مستوفيا لهذا الشرط، أن يكون مؤمنا بارا تقيا؛ لذا قالوا‫:‬ لا يشهد التعذيب إلا من لا يستحق التأديب، على خُلِق، مشهود له بالعفة، مشهود له بالتقوى، الطائفة‫:‬ قالوا‫:‬ رجل إلى ألف مستندين لقوله (عز وجل) (فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍۢ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌۭ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ) [سورة التوبة آية : ١٢٢] فلو شهد العذاب رجل واحد كفى، قال بعضهم‫:‬ لابد من اثنين لأنها شهادة، وليشهد كالشهادة في الزواج، والشهادة في الأموال، وقال بعضهم‫:‬ أبدا لابد من ثلاثة لأن الثلاثة أقل الجمع، وقال بعضهم‫:‬ لابد من وجود أربعة؛ لأن الجريمة جريمة زنا، والشهادة على الزنا تكون بأربعة شهود، واختلف العلماء في المقصود من وجود هذه الطائفة لم؟ ولماذا؟ قال بعضهم‫:‬ للتشنيع، والتفضيح، والتنكيل، والتشهير، فالتفضيح، والتشهير أنكى وأمر من الضرب بالسياط، وقال بعضهم‫:‬ بل لابد من شهود تنفيذ الحكم من هذه الطائفة، لأن الحكم قاعدة شرعية وقربة تعبدية فلا بد من شهودها حتى تعلن، وحتى لا يتهاون في تنفيذها، فلابد من وجود هذه الطائفة من المؤمنين؛ لهذا الجلد في هذه الجريمة، والتنفيذ للعقوبة له شروط، فالشروط التي تتعلق بالزاني والزانية هي الزاني الحر، البالغ، العاقل، البكر، كذا الزانية، الحرة، البالغة، العاقلة البكر، تلك شروط في الزاني، والزانية اللذان يقام عليهما الحد مائة جلدة أما المملوكة، والمملوك، فيقام عليهما نصف الحد أي خمسون جلدة، زاد بعض الأئمة شرطا وهو الإسلام، أي الحرية، والبلوغ، والعقل، والإسلام، وعدم الإحصان، لا يكون محصنا، اشترط هذا الشرط الزائد وهو الإسلام الإمام الأعظم أبو حنيفة، لكن الآخرون ردوا عليه بحادثة حدثت في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) حين جاء اليهود يسألونه في حكم الزنا، وقال‫:‬ هو الرجم في التوراة، وأخفوا الآية، والقصة مشهورة، وأمر برجمهما في المدينة، إذا فشرط الإسلام ليس واجبا هذا في شأن البكر، أما المحصن والمحصنة، والإحصان بمعنى التزوج، فعقوبة كل واحد منهما الرجم، وقيل‫:‬ إن الرجم نزل في القرآن، ثم نسخ تلاوة، وبقي حكما، وكلنا يعلم أن النسخ في القرآن أنواع‫:‬ فمنه ما نسخ ورفع تلاوة، وحكما، ومنه ما نسخ تلاوة وبقي حكما ومنه ما نسخ حكما وبقي تلاوة كالوصية للوالدين، وقيل‫:‬ إن السنة المؤكدة قد تنسخ، من هنا قيل‫:‬ إن الرجم ثابت بالسنة المؤكدة؛ لذا روى عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قوله‫:‬ أخشى أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل‫:‬ الرجم ليس في كتاب الله ألا إنه حق على المحصن إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف، وقد ثبت أن الرجم حدث في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) بالأحاديث المتواترة الصحيحة ( وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا ، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا) إذا فالرجم حق، والإحصان شرط من الشروط لإقامة حد الرجم، والإحصان معناه التزوج، فإن كان حرا، بالغا، عاقلا، محصن، يتزوج زواج صحيح لا العقد، فإن كان العقد بغير دخول فذاك ليس بإحصان، وإنما يشترط الدخول، ويشترط النكاح الصحيح، إذا فالحرية، والبلوغ، والعقل، والبكورة شروط بالنسبة لحكم الجلد، والإحصان شرط لحكم الرجم (ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍۢ ۖ ) هذا هو المعنى اللفظي للآية، أما الأحكام المستخلصة من هذه الآية فلها شأن آخر، وهي كثيرة، وفيها خلاف فالمستخلص من أحكام، ومن تفصيلات لتنفيذ الحكم كثير، ويبين فضل الأئمة، وفضل العلماء، الجلد بأي شيء؟ قيل‫:‬ بالسوط أي سوط؟ سوْطٌ بين سوطين، أي لا لين ولا شديد‫.‬‬
‫الضرب، كيف يكون؟ قالوا‫:‬ ضرب بين ضربين، ضرب غير مبرح، لا يجرح ولا يبضع، لا يبطح، أي لا يقطع، وتتجنب المقاتل، كيف يكون ضربا بين ضربين؟ قالوا‫:‬ لا يخرج الضارب يده من تحت إبطه، وإن ضرب لا يظهر إبطه؛ لأنه لو رفع يده إلى آخرها حتى يظهر إبطه لكان الضرب شديدا، لو أخرج يده من تحت إبطه كان الضرب خفيفا، فهو ضرب بين ضربين، بسوط بين سوطين، ضرب غير مبرح، لا يجرح، ولا يبطح يؤلم، أين يكون الضرب؟ قالوا‫:‬ على الجسد كله ماعدا العورة، والوجه، والمقاتل أي ما يصيبه بالقتل، كالقلب مثلا، أو العنق، والرأس، ومنع بعضهم الرأس، وقال آخرون‫:‬ لا يكون الضرب إلا على الظهر، والظهر فقط، وذاك هو أرجح الأقوال لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) لمن لاعن امرأته، وجاء يتهمها للنبي (صلى الله عليه وسلم) فقال له‫:‬ ( الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ) إذا أرجح الأقوال على الظهر، المضروب، كيف يكون وضعه قائما، قاعدا، نائما؟ قالوا‫:‬ يقوم الرجل، وتجلس المرأة، وقال بعضهم‫:‬ بل يجلد أن يضرب الرجل وهو جالس، وتضرب المرأة وهي جالسة، أيجردان من الملابس؟ جاء وعليه الصوف والوبر، فلا يشعر بالضرب، وهي كذلك أم يجردان من الثياب؟ قيل‫:‬ يجرد الرجل من ثيابه، وتستر المرأة بما لا يكشف، أو يشف، وبما لا يحول دون الإيجاع، والإيلام، فتستر بثوب يشعر معه بالألم، ولا يكشف عورتها، وقيل‫:‬ بل يوضع على الرجل أيضا قميص، قال بعضهم‫:‬ الجلد في الحدود في الزنا في القذف، في شرب الخمر، أيتساوى الضرب من حيث الشدة، بعضهم فرق، قال في الزنا أشد، ثم القذف، ثم السكر، وقالوا‫:‬ بل الزنا، ثم السكر، ثم القذف، وقال أرجحهم قولا‫:‬ لم يرد في القرآن، ولا في السنة تخفيف ولا تثقيل، بل ورد العدد مائة جلدة في حد الزنا للبكر، وثمانين للقذف، وكذلك ثمانين للسكر، فلا تخفيف ولا تثقيل، وإنما الضرب ضرب بين ضربين في كل حدود الجلد، أيضا من ضمن الأحكام المستقاة هنا بعد ما علمنا نوع السوط، نوع الضرب، مكان الضرب، كيفية الضرب، الشدة أو الخفة في الضرب التجريد، أو عدم التجريد في الضرب لابد أن نعلم الجريمة، لابد أن تكون متكاملة الأركان، والتكامل، ولتكامل أركان الجريمة شروط‫:‬‬
‫أولا‫:‬ الشروط المتعلقة بالزانية والزاني من حيث البلوغ، العقل، والحرية، والبكورة، ولابد أن تكون الجريمة كاملة تامة، بمعنى الإيلاج، والإدخال للفرج في الفرج، كإدخال المرود في المكحلة، وكما قال بعضهم‫:‬ لو مرت شعرة، أو خيط لا يمر، وشرطوا في هذا معنى الإدخال، والإدخال لا يكون بدخول معظم العضو، وقيل‫:‬ بل تكفي فيه الحشفة، الرأس، ولابد من أن يشهد على الجريمة أربعة شهود عدول، ومعنى عدول أنهم مشهودون بالاستقامة، وبالعفة، وبالصدق، وأن تكون من ضمن الشروط في العدلية البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والعفة، اشترطوا في الشهادة أن تكون من أربعة، واشترطوا أن تكون الشهادة في وقت واحد، ومكان واحد، بمعنى أن يذهب الشهود الأربعة سويا فيشهدوا في نفس المكان، أما إذا شهد شاهد في المسجد، ثم شهد شاهد في دار القاضي، ثم شهد شاهد في الطريق، تبطل الشهادة، إذا شهد أحدهم اليوم، وشهد الآخر في الغد، تبطل الشهادة، فلابد أن تكون الشهادة مجتمعة، أن يكون الشهود مجتمعون ذاك أرجح، وهناك رأي لا يشترط الاجتماع، فإن شهدوا مجتمعين أو متفرقين صحت الشهادة، طالما كان الشهود عدول، لو أن الشهود جاءوا فشهد ثلاثة، وتردد الرابع لا يقام الحد، ويجلد الثلاثة كل منهم ثمانين جلدة، حد القذف، لو أن الأربعة حين شهدوا اختلفوا في الأشخاص، أو في الأماكن، أحدهم قال‫:‬ رأيتهما في مكان كذا، وقال الآخر رأيتهما في مكان كذا، وكان آخر فاختلف المكان، واختلف الزمان، أو اختلف الأشخاص جلد الشهود جمعيا، حرمة المسلم عظيمة، وعرض المسلم عظيم، وربنا حليم، ستار، كريم، يعفو، ويصفح، ويستر، ولشفاعة الجرم ومعرّته وضع من الشروط ما لو تأملت فيها لوجدت أنها تكاد تكون مستحيلة، إلا في حالة المجاهرة، والفسق الذي تعدى كل الحدود، كأن يزني رجل بامرأة في مكان يستطيع فيه أربعة من الشهود العدول الاجتماع للرؤية؛ إذ يشترط في الشهادة رؤية العين، وليس السماع، فلو رأى الشهود رجل وامرأة في فراش يحتضنها ليس ذاك بزنا، ولا يقام فيه حد، يكون التعزير وليس الحد، الحد معناه رؤية عين فرج الرجل في فرج المرأة، كيف يكون ذلك؟ وكيف يتم ذلك؟ (وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)) [سورة النور آية‫:‬ ١٠]، لو أن الزاني لم يكشف أمره، ولم يراه أحد، أو رأوه وستره كيف يكون الحال؟ أولا لابد أن نعلم أن ستر المسلم أوْلى من فضحه، بمعنى لو أن رجلا رأى الجريمة فعليه أن يستر بأن ينصح، أن يأمر بمعروف، أما أن يذهب ويأتي بباقي الشهود فذاك أمر ليس محبوبا، أو هو يخالف ما أمرنا به النبي (صلى الله عليه وسلم) من ستر المسلم، فستر المسلم أولى من فضحه، أيضا لو أن مرتكب الجريمة لم يفتضح وتاب، وأناب، هل يذهب فيعترف كي ينفذ فيه الحد؟ أبدا، ستره الله فإذا ذهب وتكلم واعترف فقد كشف ستر الله عليه، إذا فما المطلوب منه؟ التوبة بينه وبين الله، كما أن جرم الزنا رغم شناعته هناك ما هو أشنع منه، أن يزني الرجل فيستره الله، فيصبح فيحدث الناس بما فعل، فيكشف ستر الله عليه، إذاً الزنا جريمة بشعة من أجل ذلك كان الحد قويا، شديدا، فظيعا، فيه التشنيع، وفي التفضيح للحفاظ على الأنساب كي لا تختلط الأنساب والسورة كلها تبين الأخلاق الفاضلة، تحرم الاختلاط الذي يؤدي إلى الفساد، والانحلال، تبين الستر، والنزاهة، والعفة، والطهارة التي يجب أن يكون عليها المسلم، والمسلمة، تبين كيف تكون الأسرة المسلمة، كيف يتم الاستئذان، وعدم الدخول بغير إذن، كيف وإن قيل ارجع فارجع، أباحت الدخول في البيوت غير المسكونة، التي فيها متاع للناس، بينت أحكام من لم يبلغ الحلم في الاطلاع على العورة، حتى الآداب في دخول الأبناء على آبائهم، وأمهاتهم، كيف يجب عليهم الاستئذان إذا بلغوا الحلم، السورة كلها آداب، وأحكام تحض الأسرة المسلمة على العفة، وتمنع التردي في مهاوي الرذيلة، والفضيحة، والمجاهرة بالمعاصي، المجتمع المسلم مجتمع متكامل عفيف، أساسه الفرد، كيف يكون على خلق، والإسلام بين كيف يكون المسلم مسلما حقا، وكذلك المسلمة‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، تلك أحكام وحدود يجب أن تقام، مهما كان فيها من الشروط التي يتضح أنها شروط عسيرة، فمن أجل الستر ومن أجل الرحمة، ربنا ستار، رحيم، ولكن لا يحملنا هذا على التهاون، ولا يدفعنا هذا الحلم، والستر على الاجتراء على التصدي مما نراه الآن من عري، واختلاط غير محسوب، اجتراء على الله، ومجاهرة بالفسق، معرة في كل مسلم، فماذا تقول لأبنائك وبناتك الصغار حينما يرون على الشاشات رجلا غريبا عاري الصدر والظهر، عاري الرجلين والساقين في الفراش مع امرأة غريبة، نصف عارية، يحتضنها، ويقبلها بشهوة ونهم، كل هذا بدعوى الفن والحرية، والإبداع، والتقدم، وإذا اعترض معترض اتهم بالرجعية، والتشدد، وأنه غير مستنير، وإن علا صوته منع أو سجن أو هدد، لما هذه الجرأة على حدود الله، لما هذه المجاهرة، لما هذا التدليس، هل هذا هو الفن، الرقص، والعري، والمسلسلات الهابطة، هل هذا هو الفن‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم إذا لم تعترض بالكيفية التي يمكنك الاعتراض بها، فمن رأى منكم منكر فليقومه بيده، أو بلسانه، أو بقلبه، المقاومة باليد من شأن الحكام، فهم مسئولون أمام الله عن حدود الله أقاموها أم ضيعوها؟ أما اللسان فمسئولية العلماء، مسئولية قادة الفكر والتنوير كما يزعمون، أما أن يتكلم العالم عن بيان الحلال في كذا، ويسكت عن بيان الحرام والممنوع، فهل ذاك يصح من عالم يسأل يوم القيامة عن علمه فيما عمل به؟.‬
‫فلم نسمع، ولم نقرأ عن تجريم ما نراه على الشاشات سواء من المصريين الذين يطلق عليهم فنانون، أو من الأجانب، لم نسمع، ولم نقرأ فترى أيباح كل ذلك؟!‬
‫فإن الزنا من أشنع الجرائم وأبشعها على الإطلاق، وقد قرن الزنا بالقتل وبالشرك في قوله (عز وجل) (وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًۭا (٦٨)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٦٨]، الزنا إذا انتشر في قوم عمّهم القحط والبلاء، وتفشت فيهم الأوبئة والأمراض والزنا، كما أنه جريمة خلقية، فهو أيضا جريمة اجتماعية، الزنا يتسبب في أمور منها‫:‬ تفكك الأسرة، وتشرد الأطفال، انتفاء المودة، والرحمة، بين الزوجين، ذهاب للسكينة التي يرزقها الله للزوجين، ضياع للحقوق، فشو للطلاق، أيضا يتسبب عن الزنا أن يرث من ليس بمستحق، وأن يحرم من الميراث المستحق، مفاسد عديدة يكفي أن تسمع قول الله (عز وجل) في شأن الزنا (وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلزِّنَىٰٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةًۭ وَسَآءَ سَبِيلًۭا (٣٢)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٣٢]، من أجل ذلك نزل التشريع ونزل الأمر بإقامة الحد على الزناة في قوله (عز وجل) (ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍۢ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌۭ فِى دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌۭ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾) وإقامة الحدود في الزنا قربة تعبدية صيانة للمجتمع، حماية للأسرة، حفاظا للحقوق، صيانة للمجتمع الإسلامي وحماية له من التردي في هاوية الرذيلة، وبؤرة الفاحشة، ولبيان شناعة الزنا وبشاعة أمره، يقول عز من قائل‫:
ٱلزَّانِى لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةًۭ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌۭ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿3﴾
هذه الآية تعددت فيها أقوال العلماء من حيث المعنى، ومن حيث المراد، المقصود وهل هي محكمة أم هي منسوخة؟ وترتب على هذا الخلاف أحكام نجملها فيما يلي‫:‬ الآية يقصد منها تشنيع الزنا، وتبشيع أمره (ٱلزَّانِى لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةًۭ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌۭ ۚ ) وينكح هنا بمعنى يطأ، يجامع، فالزاني حين يزني لا يزني إلا بزانية مثله، أو بأخس منها، وأدنى، وهي المشركة، وكذلك الزانية لا تسمح بالزنا إلا بزانٍ مثلها أو أخس وهو المشرك (وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿۳﴾) والإشارة إلى الزنا أي وحرم الزنا على المؤمنين، إذاً فالآية ليس فيها حكم، وإنما هي لتبشيع الزنا، وتشنيعه، وبيان أن الزنا لا يحدث إلا بين متفقين، مؤتلفين في الشر، والفساد، ذاك قول، وهناك من يقول‫:‬ إن الآية نزلت في شأن الزواج، وكلمة النكاح لم ترد في القرآن إلا في معنى الزواج، الزاني لا ينكح إلا زانية أي لا يتزوج إلا من زانية؛ إذ إن الزاني لا يرغب في زواج الصوالح من النساء، بل يميل وتهفو نفسه إلى من تشاكله، وكذلك الزانية لا ترغب في أن ينكحها صالح من الرجال، وإنما تهوى وتميل إلى من هو على شاكلتها من الزناة، فالتوافق سبب للألفة، والاختلاف سبب للنفرة، فالآية تتكلم عن الزواج (وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿۳﴾) التحريم هنا تحريم تنزيه، وليس تحريم منع (وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿۳﴾) أي أن المؤمن كامل الإيمان ليس له أن يتزوج من زانية فالتحريم تحريم تنزيه، رأي آخر يقول‫:‬ إن المقصود بالزاني والزانية أي من علم زناها، وأقيم عليها الحد، أي الزاني المحدود الذي أقيم عليه الحد لا ينكح إلا زانية محدودة أقيم عليها الحد، وحرم ذلك على المؤمنين تحريم قطعي، فلا يصح للمؤمن أن يتزوج من زانية اشتهرت بالزنا، وأقيم عليها الحد؛ لأن ذلك تشبّه بالفساق، وتسبَّب لسوء المقالة، وتعرض للتهمة، وطعن في النسب فلا يصح للمؤمن كامل الإيمان أن يتزوج من الزانية التي أقيم عليها الحد، وكذلك الزانية لا يصح لها أن تتزوج إلا من زان محدود مثلها، ومن هنا ترتب على ذلك أن الرجل إذا خطب امرأة من الصوالح، ثم تبين لوليها أنه مشهور بالزنا رفض طلبه، فإن كان قد عقد فسخ عقده، فالزاني المحدود لا يتزوج إلا من زانية، والآية أمر وحكم، وقال بعضهم‫:‬ إن الآية محكمة، ويتبين منها أن الزوج إذا زنى بعد الزواج فسخ العقد، وإذا زنت الزوجة فسخ العقد، وقال بعضهم‫:‬ بل يؤمر الرجل إذا زنت امرأته بطلاقها، فإن أمسكها أثم، وقال بعضهم‫:‬ بل لا ينفسخ عقد الزواج بزنا أحد الزوجين، وقال بعضهم‫:‬ إن الآية منسوخة أي الحكم منسوخ بقيت التلاوة، ونسخ الحكم، وما نسخ الحكم هو قول الله (تبارك وتعالى) في نفس السورة (وَأَنكِحُوا۟ ٱلْأَيَـٰمَىٰ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ ۚ ) [سورة النور آية‫:‬ ٣٢]، والأيامى جمع أيم، والأيم الرجل بلا زوجة، والمرأة بلا زوج، رجل أيم، وامرأة أيم، والأمر أمر بالتزويج (وَأَنكِحُوا۟ ٱلْأَيَـٰمَىٰ مِنكُمْ) إذا أمر الله (تبارك وتعالى) بالتزوج وهو من الشفعة، وطالما قال أنكحوا الأيامى بلا استثناء دخل في الأيامى الزاني، والزانية، إذا فالحكم منسوخ، وقال بعضهم‫:‬ الآية نزلت بسبب، والحكم متعلق بسبب النزول، وروى الترمذي وأبو داود أن رجلا من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) يسمى مرثد بن أبي مرثد كان يحب امرأة من البغايا تدعى عناق، فاستأذن رسول الله من الزواج منها فنزل جبريل يقول الله (عز وجل) (ٱلزَّانِى لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةًۭ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌۭ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿۳﴾) وقيل في سبب نزول الآية قصص أخرى، أن رجلا آخر استأذن في امرأة بغي، وقيل بعض أهل الصفة استأذنوا نتيجة فقرهم الشديد الزواج من بعض بغايا المدينة، أقوال وبالتالي يتعلق الحكم بالسبب الذي نزلت فيه الآية، والمشكل في الآية أن كلمة ينكح إذا كانت بمعنى يتزوج (وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌۭ ۚ ) والزواج من المشركة لا يجوز (وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٢١]، وزواج المرأة من المشرك لا يجوز لقوله (وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟ ۚ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٢١]، إذا فلا يصح للرجل أن يتزوج من مشركة، ولا يصح للمسلمة أن تتزوج من مشرك، فكيف قرن الزاني بالمشرك والزانية بالمشركة؟ من هنا نجد أن رأي النسخ يترجح، ونجد أيضا أن رأي الزجر، والتبشيع، والتنزيه أيضا يترجح، وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين يقول‫:‬ ( لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أي يسلب منه الإيمان حال الزنا، فإن تاب وأناب رجع إليه إيمانه، من هنا قيل‫:‬ الزاني لا ينكح إلا زانية إن كان بمعنى الوطء، والجماع فهو واضح لتبشيع أمر الزنا، وتشنيع أمره، وإن كان بمعنى العقد والزواج فإنما هو خاص بمن حد في جريمة الزنا، وكلمة مشرك ومشركة في الآية لتبشيع الأمر، وإما أن المقصود تنزيه، تنزيه المؤمن كامل الإيمان أن يتعرض للتهمة، وأن يشار إليه بالبنان، ذاك زوج فلانة، أو يطعن في النسب نسب أولاده، أو يتسبب لسوء المقالة فالنهي نهي تنزيه، وقد أجمع العلماء على أن التزوج من الزانية المسلمة جائز، وتتزوج المسلمة من المسلم الزاني جائز بإجماع الفقهاء، أجمعت الأمة على أن الزواج بين الزواني أو الزاني إن تزوج من غير زانية، أو غير الزانية إن تزوجت بالزاني، والزانية إن تزوجت بغير الزاني يجوز ذاك الزواج بينهم، وعليه إذا زنى رجل بامرأة أيحل له أن يتزوجها؟ قالوا‫:‬ يحل له أن يتزوجها بشرط استبراء الرحم من مائه الفاسد حتى لا يختلط ماء العزة، بماء المهانة، فأوله سفاح، وآخره نكاح، وضربوا مثالا لذلك برجل دخل إلى حديقة فسرق ثمرة، ثم جاء صاحب الحديقة فاشترى منه ثمرة فالأولى سرقة، والأخرى بيع وشراء، فأجازوا زواج من زنى بامرأة فله أن يتزوجها، ولها أيضا أن تتزوج بغيره بشرط استبراء الرحم من الماء الفاسد، وقال آخرون‫:‬ إذا تزوج الزاني بمن زنى بها فهو زان، وهي زانية أبداً حتى يستبرأ الرحم، أي إذا تزوجها قبل استبراء الرحم فهو زان إلى الأبد، وهي كذلك، وقالوا‫:‬ إذا تزوجها بعد استبراء الرحم، فذاك يجوز أيضا في مسألة الزواج، قيل‫:‬ إن الزنا من العيوب التي يرفض من أجلها الخاطب، وقيل أيضا إن التوبة إلى الله (عز وجل) تبيح هذا النكاح، أي الزواج بين الزاني والزانية، أو بين الزاني وغير الزانية، وكذلك العكس صحيح، وينتقل الكلام بعد ذلك، والأحكام إلى الرمي والقذف‫.
وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَـٰنِينَ جَلْدَةًۭ وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَـٰدَةً أَبَدًۭا ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ﴿4﴾
الرمي في الأصل القذف بسهم، أو بحجر، أو بشيء، ورمي المحصنات أي قذف باللسان، وسمي رميا لأنه إيذاء بالمقذوف، كما يؤذي الرمي بالسهم أو الرمي بالحجر، فهو رمي باللسان يتسبب في إيذاء المقذوف، ويتسبب في معرته، الآية تتكلم عن المحصنات إذاً جاء ذكر النساء، وذكر الرجال يفهم ضمنا، وتقديم النساء في الذكر أو الاقتصار على ذكر النساء؛ لأن رمي المرأة بالزنا أشنع، وأنكى للنفوس، وأفضح وأفظع معرّة، ودخل الرجال في الحكم بالمعنى، وقال بعض أهل اللغة‫: بل كلمة (المحصنات) دخل فيها الرجال والنساء باللفظ وليس بالمعنى، فالمقصود بكلمة المحصنات أي الأنفس المحصنة رجالا ونساءً، واستدلوا على ذلك بأن كلمة المحصنات حين جاءت في القرآن مقصورة على النساء، قال فيها ربنا‫: (وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ) [سورة النساء آية : ٢٤] فقيدت، وعليه فكلمة المحصنات هنا تعني العفائف، العفيف من الرجل، والعفيف من المرأة، والكلمة يدخل فيها الرجال والنساء (ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ) على هذا الاتهام (فَٱجْلِدُوهُمْ) أمر بالجلد (ثَمَـٰنِينَ جَلْدَةًۭ) الحكم الأول (وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَـٰدَةً أَبَدًۭا ۚ ) الحكم الثاني (وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ﴿٤﴾) الحكم ثالث، إذا فالقاذف الذي لا يأتي بثلاثة شهود معه حتى يكونوا أربعة يترتب على قذفه عقوبة من ثلاث أمور‫: الجلد، عدم قبول الشهادة، الفسق‫.
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿5﴾
الرمي والقذف له أحكام، لكن لابد أن يتحقق الرمي، لتحقيق الرمي لابد من توافر تسعة شروط، شرطان في القاذف، وخمسة في المقذوف، وشرطان فيما قذف به، شرطان في القاذف وهما‫:‬ العقل، والبلوغ، وهما أساس التكليف فلو قذف صبي صغير محصنا أيقام عليه الحد، هو غير مكلف أو كان مجنونا!! إذا فيشترط في القاذف الرامي العقل، والبلوغ، شرطان في المقذوف به، هما‫:‬ الزنا، واللواط، الذي يقام فيهما الحد، الشرط الثاني‫:‬ النفي عن أبيه، فإن نفى الرجل عن أبيه كان ذاك رميا، وإن اتهمه بالزنا أو اللواط كان ذاك رميا، إذا لابد من توافر هذين الشرطين أن يرميه بجريمة يقام عليها الحد، بالخصوص الزنا واللواط على من قال‫:‬ إن اللواط يقام فيه الحد أيضا، وحكمه حكم الزنا، والشرط الثاني‫:‬ النفي من الأب، والشرطان فيما قذف به لا يلزم أن يجتمعا، بل لو نفاه عن أبيه فقط فذاك رمي، ولو رماه بالزنا فقط فذاك رمي، أما الشروط في المقذوف فهي خمسة‫:‬ العقل، البلوغ، الحرية، الإسلام، العفة مما رمي به سواء أكان عفيفا من غيره أم لا، كأن يكون عفيفا من الزنا، فإن كان سارقا واتهم بالزنا فقد رمي، إن كان شاربا للخمر واتهم بالزنا ولم يزنِ فهو عفيف من جريمة الزنا، فلو رمي بالفسق قال‫:‬ يا فاسق، أو شارب الخمر، أو يا سارق، بشيء يخالف الزنا فيه التعزير، وليس فيه الجلد، والتعزير أحكامه كثيرة، وتبدأ من العتاب، واللوم إلى أن تصل إلى الإعدام مطلقة في يد الحاكم، أطلقها الله تبارك وتعالى حفاظا على المجتمع المسلم، أيضا لو رمى مجنونا بالزنا فلا حد عليه، ولو رمى صغيرا أو صبيا فلا حد عليه، ولو رمى كافرا فلا حد عليه، ولو رمى عبدا فلا حد عليه، وإنما يقام عليه الحد يوم القيامة لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) ( مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَا وَهُوَ بَرِئٌ , أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وكذلك نفس الشروط السابقة يجب أن تتوفر في المحصنة، ويترتب على هذا الكلام أحكام كثيرة مثلا إذا رمى غير المسلم مسلما ولم يأت بالشهود، يقام عليه الحد لأن الشرط في القاذف العقل، والبلوغ فقط، فإن رمى المسلم غير المسلم فلا حد عليه، لأنه يفتقد لشرط الإسلام فيمن رمي، فإن رمى الأَمة ليست حرة لا حد عليه، وقالوا‫:‬ بل عليه الحد في حالة من اثنتين، إن كانت أم لولد، أو إن كانت زوجة لمسلم حر، فإذا عليه أيضا الحد إذا رمى العاقل البالغ صبيا أو صبية لم يكلفا بعد، وافتقدا شرط البلوغ لا يحد، وإنما يعزر، وقال بعض الأئمة‫:‬ بل إن بلغت الفتاة تسع سنوات مطيقة للزواج حد، وإن بلغ الصبي عشر سنوات حد، رأي مرجوح، والأرجح أن الرمي لابد أن تكون لعاقل، بالغ، حر، مسلم، عفيف مما رمي به، الرمي بالزنا يشترط له شروط وهو الشهادة، والشهادة على الزنا، وعلى الرمي بالزنا يشترط لها أربعة شهود عدول، أي العقل، والبلوغ، والإسلام، والحرية، والشهود إذا شهدوا لها شروط، لكن هناك أمر في غاية الأهمية بالنسبة للرمي، هل يكون تصريحا أم تعريضا؟ قال بعض الأئمة‫:‬ لابد من التصريح، أن يتهم الرجل أو المرأة بالزنا، فيقال له‫:‬ يا زاني، أو هي زانية، أو يقال زانية، أو رأيتها تصريحا، وقال بعضهم‫:‬ بل التعريض كذلك حكمه حكم التصريح إن فهم منه ما يفهم من التصريح؛ لأن التعريض قد يؤدي إلى نفس المعنى، وذاك أرجح لأنهم ساقوا دليلا قويا، فقالوا‫:‬ قال الله (تبارك وتعالى) في محكم كتابه لأبي جهل كما ورد في أسباب التنزيل (ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ (٤٩)) [سورة الدخان آية‫:‬ ٤٩]، وهو يذيقه العذاب، أليس هذا تعريضا يفهم منه ما يفهم من التصريح، وقال قوم النبي شعيب (إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ (٨٧)) [سورة هود آية‫:‬ ٨٧]، هل قصدوا ذلك فعلا، أم هو تعريض بنفي الحلم والرشد عنه؟! بل الأكثر من ذلك حين جاءت مريم قومها تحمل ابنها قالوا‫:‬ (يَـٰٓأُخْتَ هَـٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍۢ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّۭا (٢٨)) [سورة مريم آية‫:‬ ٢٨]، مدحوا أباها، ونفوا البغاء عن أمها، فهو مدح للأب ونفي البغاء عن الأم، فماذا تكون هي؟ تعريض بأن الأب لم يكن فاسقا، بل كان صالحا، والأم لم تكن بغيا، فمن أين أتت بهذا الطفل، اتهام بالزنا، لكن اتهام بالتعريض، وليس بالتصريح، من هنا كان الرمي تصريحا أو تعريضا يفهم منه الرمي تصريحا أو تعريضا تفهم منه ما يفهم من التصريح يبيح ظهر الرامي ليقام عليه الحد إذا لم يأت بأربعة من الشهود، العدول، الزنا هو الجريمة الوحيدة والحكم عليها بأربعة شهود صيانة للمسلم، وحفظا لعرضه، أما باقي الشهادات باثنين من الشهود، أو شهادة رجل واحد، كرؤية هلال شوال، أو هلال رمضان، تتحقق الشهادة بشهادة رجل واحد، أو اثنين في كل الأمور إلا الزنا، فلابد فيه من أربعة من الشهود سترا من الله، ورحمة لعباده، فالشهادة في هذا الشأن خطيرة ووضع من الضمانات لهذا التشريع الرباني الرحيم ما يستحيل معه أن يظلم شخص، وهذا فرق بين تشريع الرب، وتشريع العبد، فالقوانين الوضعية مهما اجتمع الناس جمعيا على صياغتها فيها الثغرات، وفيها التعرض للظلم، أو الاتهام بغير دليل، أما تشريع الله (تبارك وتعالى) فقد وضع له من الشروط والضمانات ما يستحيل معه أن يظلم خلقه إذ عمل بكتاب الله (عز وجل) وسنة حبيبه المصطفى ولننظر للشهادة، أولا‫:‬ أربع شهود رجال ليس فيهم امرأة، ولا تحل امرأتان محل رجل ذاك في الأموال، أما في هذه الجريمة فلابد من أن يكون الشهود أربعا من الرجال العدول الأحرار متصفون بالعقل، والبلوغ، والإسلام، والعفة، والورع، والحرية، أيضا لابد أن تكون الشهادة ناشئة عن رؤية بالعين، فلو شهد أربعة شهود من العميان جلدوا الأربعة، ولو كان أحدهم أعمى جلدوا إذ يشترط رؤية أربعة للعملية بحيث كما قالوا‫:‬ أن تكون كالمرود في المكحلة، كالقلم في الدواة، رؤية عينية لا شك فيها، ولا شبهة، الأمر الثالث‫:‬ أن تكون الشهادة للأربعة في وقت واحد، وفي موطن واحد، ذاك الرأي الأرجح وإن كان البعض قال‫:‬ لا يهم إن كان الأربعة متفرقين أو مجتمعين، لابد أن يبقى الأربعة على شهادتهم دون تردد، أو رجوع أحدهم عن شهادته، فإن ذهب الأربعة فشهد ثلاثة، وتردد الرابع أقيم حد الجلد على الثلاثة، أما من تراجع وتردد فلا يقام عليه الحد لأنه لم يشهد، إذا تبين أن في الشهود عبد مملوك جلدوا، إذا تبين أنه مسقوط أي ساقط غير عدل جلد الأربعة، إذا تبين أن الأربعة غير عدول قالوا‫:‬ لا يقام عليهم الحد، ولا على من رمي بالفاحشة، فالشهادة ليس مكتملة، هم حين شهدوا توافرت فيهم الشروط البلوغ، العقل، الحرية، الإسلام، وشهدوا بالرؤية، وفي موطن واحد لكن القاضي لم يعدلهم، وتبين له أنهم غير مشهورين بالعفة أو الورع، أو مسكوت عليهم فليس لهم ذنب، ولكن التعديل يتم بمعرفه الحاكم فلا يقام عليهم الحد، كذا لا يقام الحد على من رمي أي لا تثبت التهمة في حقه، أرأيتم الضمانات التي وضعها العزيز الحكيم، هل يمكن بعد ذلك أن يتهم رجل بغير بينة، أو تتهم امرأة، ويقام عليها الحد بغير دليل، هل يمكن أن يظلم في هذا الحكم والقضاء أحد من الناس بعد هذه الضمانات، أرأيتم تشريع الله الذي يبتعد عنه كثير من الحكام للأسف الشديد، لو أن الشهود شهدوا وكانوا عدولا أقيم الحد على من شهد عليه، فإن كان بكرا جلد، وإن كانت بكرا جلدت مائة جلدة، إن كان محصنا رجم، وإن كانت محصنة رجمت، والرجم حقا كما قلنا إن كان أحدهما بكرا، والآخر محصنا، جلد البكر، ورجم المحصن، لو رجم المشهود عليه، وبعد الرجم جاء أحد الشهود واعترف بأنه كان واهما، أو لم يقصد هذا الرجل بعينه، أو قال أنه تعمد الكذب، فما الحكم؟ قال‫:‬ إن تبين أنه تعمد، أو اعترف بذلك فأهل المرجوم أولياءه بالخيار أن يطلبوا القصاص فيقتل، أو يؤثروا العفو، ويأخذوا الدية، ثم يقام عليه حد الرمي ثمانين جلدة، وقال آخرون‫:‬ إن تراجع أحد الشهود، وقد رجم المشهود عليه تحمل الثلاثة أرباع الدية، والمعترف إذا لم يكن متعمدا تحمل الربع، وقيل‫:‬ بل يتحمل الدية كاملة، ويقام عليه الحد، الخلافات تتشعب لسبب، وتأمل جهد العلماء جزاهم الله عنا كل خير، الحد في الرمي، أهو حق من حقوق الله، أم هو حق من حقوق الآدمي؟ لله حقوق، وللناس حقوق، بمعنى أن جريمة الزنا مثلا من حقوق الله ليست من حقوق الآدمي، فإن زنت الزوجة فعليها أن تتوجه إلى الله بالاستغفار، والإنابة، والتوبة، ولا تخبر زوجها بذلك، فليس الأمر من حقه، وإنما هو من حق الله، وكذلك الزوج فجريمة الزنا يتفق على أنها حق من حقوق الله (عز وجل) جريمة الرمي أهي من حقوق الله كالزنا، أم هي من حقوق العبد الذي رمي، أم هي مشتركة، فمن الجرائم ما يتشارك فيه حق الله، وحق العبد كالسرقة، والمحاربة من هنا يتبين الفرق مثلا إذا كان الرمي بالزنا من حقوق الله يحدث الآتي‫:‬ أولا‫:‬ إذا رمى رجل رجلا ولم يأت بالشهود، ولم يعترف المرمي، وكان الرمي أمام المحاكم، أو وصل إلى علمه أقيم عليه الحد، طلب المرمي المقذوف ذاك أم لم يطلب، فالحد ليس من حقه، الحق حق الله، فإذا ذهب رجل إلى المحاكم، وقال فلان زان جلده الحاكم فورا دون انتظار لرأي المقذوف، أيضا إذا رمى العبد حرا تشطر الحد، جلد أربعين جلدة لقوله‫:‬ (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ٢٥]، الأمر الثالث إذا تاب الرامي فالتوبة بينه وبين الله، أما إذا كان الحق من حقوق الآدمي أولا‫:‬ لا يمكن أن يجلد الرامي إلا بأمر المقذوف، فقد يعفو فلا يجلد، الأمر الثاني‫:‬ إذا رمى العبد حرا جلد ثمانين جلدة؛ لأنه حق العبد والحد ثمانين فلا يتشطّر الحد بالرق، ويتشطّر الحد في الزنا لأن الزنا حق من حقوق الله، إن شاء رحم وإن خفف أما العبد فمن حقه أن يستوفي حقه فلا يتشطّر أيضا، لا تنفع توبة الرامي مطلقا بينه وبين الله، لابد من أن يجلد ويعفو عنه المقذوف، يستحله حتى يقبل توبته، يأتي بعد ذلك أحكام هذه العقوبات كيف تنفذ، والاستثناء إلى أي شيء يرجع، فاجلده ثمانين جلدة، حكم، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، حكم، وأولئك هم الفاسقون، حكم، ثلاث عقوبات (إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿٥﴾) متى تسقط العقوبة؟ وكيف تسقط؟ أيرتفع عنه الفسق؟ هل يحكم بقبول شهادته بعد ذلك؟ وفي أي شيء؟ إذا فلابد من فهم الحكم أو ما يترتب عليه وكيف تتم التوبة، وبالتوبة ماذا يبقى، وماذا يرتفع سبحانه الحكيم الذي أحكم كتابه، وصدق حيث يقول‫:‬ (تَنزِيلٌۭ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍۢ (٤٢)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٢]، تنزل التشريع الإلهي لحماية أعراض المؤمنين، والمسلمين، والمؤمنات، والمسلمات، وحرم القذف بغير بينة، ورتب على ذلك أحكاما يقول الله (تبارك وتعالى): (وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَـٰنِينَ جَلْدَةًۭ وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَـٰدَةً أَبَدًۭا ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ﴿٤﴾) فترتبت أحكام ثلاثة‫:‬ الجلد، ورد الشهادة أبدا، الفسق، ثم تجلت رحمته (تبارك وتعالى) بعباده، وفتح أبواب التوبة، فقال عز من قائل (إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿٥﴾) وهنا بدأ البحث والاجتهاد من العلماء في هذه الآية، الاستثناء في اللغة إذا تعقب جملا معطوفة هل يعود إلى جمعيها أم يعود إلى أقرب مذكور، فائدة البحث في هذا إذا تاب هل يسقط عنه الجلد؟ إذا تاب هل تقبل شهادته؟ إذا تاب يرفع عنه الفسق؟ القرآن فيه آية يعود الاستثناء فيها للجمل جمعيها وهي آية المحاربة (إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿۳۳﴾ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿۳٤﴾) [سورة المائدة آية‫:‬ ٣٣ - ٣٤] فهي أحكام وجمل معطوفة، ثم جاء الاستثناء إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فمحاربة الله ورسوله يترتب عليها أحكام، فإذا تاب من قبل أن يقدر عليه الحاكم، وجاء مستسلما تائبا، رفعت عنه العقوبات، ورد الاستثناء إلى الجميع، إذا فالاستثناء إذا تعقب جملا معطوفة عاد إلى جميعها، وننظر في القرآن فنجد آية القتل الخطأ، يقول الله فيها (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًۭٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ٩٢]، فعاد الاستثناء للجملة الأخيرة فقط، فإن تصدق أهل القتيل لا ينفي عنه الحكم بتحرير الرقبة، ولكن ينفي عنه الدية فقط، إذا فقد عاد الاستثناء إلى الجمل المعطوفة في آية المحاربة، وعاد إلى أقرب مذكور في آية القتل الخطأ، هنا احتملت الآية الوجهين؛ لذا اتفق العلماء على أن الاستثناء غير عامل في الجلد مطلقا (إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟) مهما تاب لابد أن يجلد، واتفقوا على ذلك ماعدا رأي واحد للإمام الشعبي وهو رأي منفرد أنه إن تاب يرفع عنه الحد، ولا يجلد، اتفق العلماء أيضا على أن الاستثناء عائد على أقرب مذكور طبيعي سواء عاد إلى الجميع، أو لم يعد، وعليه ترتفع عنه صفة الفسق إذا تاب، من تاب تيب عليه، في مسألة رد الشهادة حدث الخلاف فمن رد الاستثناء للجميع قبلت شهادة التائب بعد ذلك، ومن رد الاستثناء لأقرب مذكور قالوا‫:‬ لا تقبل شهادته أبدا مدى الحياة، مهما تاب، الأمر الثاني‫:‬ إذا قبلت الشهادة على رأي من يقبلون الشهادة بعد التوبة في أي شيء تقبل؟ قالوا‫:‬ في كل شيء، فالزاني إذا تاب قبلت شهادته، ومن رمى بالزنا أقل جرما من الزاني إذا تقبل شهادته إذا تاب في كل شيء، قال آخرون‫:‬ بل لا تقبل شهادته فيما حد فيه، أي في قضايا الزنا، وقضايا اللعان لا تقبل شهادته مطلقا، وإنما تقبل شهادته فيما دون ذلك في الأموال، في الزواج، في الطلاق، ولكن لا تقبل شهادته حيث قد كذب، ورمى بالزنا، وجلد، فلا تقبل شهادته، وقال آخرون‫:‬ لا تقبل شهادته أبدا مدى الحياة، التوبة كيف تكون؟ قالوا‫:‬ التوبة تكون بالاستسلام للحد، أي يسلم ظهره والحدود كفارات، قال بعضهم‫:‬ التوبة الاستحلال من المقذوف، أي يذهب لمن قذفه ويطلب منه السماح والعفو، وقال بعضهم‫:‬ بل التوبة أن يصلح، ويكفيه الندم، ويكفيه الاستغفار، نزلت الآيات تحمي الأعراض وتشرع الحدود للقاذفين بألسنتهم بغير علم، وبغير بينة، واشترطت من الشهود ما لم تشترطه في أي أمر آخر، ثم لم يأتوا بأربعة شهود حماية للأعراض، وستر من الله، حينئذ قال أحد الصحابة، سعد بن عبادة‫:‬ ( لَوْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلا لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، فَوَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي) ولم يلبث قليلا حتى جاء رجل من الصحابة، ولا أريد ذكر الأسماء فقد اختلف في الأسماء وذاك أمر لا يصح أن يذكر وينسب إلى شخص بعينه، جاء رجل واتهم امرأته بأنه رأى معها رجلا، جاء من عمله ليلا فوجد معها رجلا، ثم بات وأصبح وغدا على رسول الله واتهم امرأته بالزنا فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم): ( الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ " ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ ، فَجَعَلَ يَقُولُ : الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ) يعاود الرجل كلامه ويعاود النبي (صلى الله عليه وسلم) كلامه قذف امرأته يجلد ثمانين جلدة لم يأت بأربعة شهود كما قررت الآية قال الرجل‫:‬ (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ) وانصرف الرجل فنزل جبريل يقول الله (عز وجل):
وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمْ فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَٰتٍۭ بِٱللَّهِ ۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿6﴾ وَٱلْخَـٰمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ﴿7﴾ وَيَدْرَؤُا۟ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَـٰدَٰتٍۭ بِٱللَّهِ ۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ﴿8﴾ وَٱلْخَـٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿9﴾
وفيها بعض القراءات بتغير التشكيل (أربعةُ - أربعةَ) إما خبر، وإما على المصدر بالرفع والنصب (الخامسةُ - والخامسةَ) (أَنْ لعنةُ الله عليه) (أنَّ لعنةَ الله عليه) (والخامسةَ أنَّ غَضَبَ - والخامسةَ أَنْ غَضِبَ الله عليها) قراءات هذه الآية حين نزلت شرع اللعان، واللعان معناه‫:‬ أن يتهم الرجل امرأته بالزنا، ولا شهود له سوى نفسه، فيحلف أربع أيمان في الخامسة يقول‫:‬ أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، إن أقرت حدت، أو تحلف هي أربع شهادات إنه لمن الكاذبين، وفي الخامسة تقول‫:‬ أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ويترتب على اللعان أحكام، وهلمّ بنا إلى الآية لنرى كيف اجتهد فيها العلماء، وكيف تستنبط الأحكام، وكيف أن الإسلام والتشريعات في الإسلام تحتاج إلى اجتهاد، وأن علماء سخروا حياتهم ووهبوها لاستخلاص الأحكام (وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ) يقذفون، والرمي تكلمنا عنه كيف يكون، يقول لها‫:‬ زنيت أو يا زانية، أو هذا الحمل ليس مني فذاك رمي بالزنا، وهناك نفي للولد، هل يكفي قوله أم لابد من الرؤية؟ البعض قال‫:‬ يكفي القول رأيتها تزني، أو هي زانية، باليمين أشهد بالله أنها كذا، أو لرأيتها، مَن شرط الرؤية، شرط أن يقول لرأيتها تزني، ورأيت فرج الزاني في فرجها كالمرود في المكحلة، فإذا لم يحدث هذا، ولم ير الوضع بهذا الشكل أقيم عليه الحد حد القذف، وجلد ثمانين جلدة، فلابد من الرؤية، من شرط عدم الرؤية، واكتفي بمجرد القذف يكفي أن يقول رأيتها، أو أشهد عليها أنها دون شرط الرؤية يترتب على ذلك أن يلاعن الأعمى زوجته؟ فإذا كانت الرؤية شرط فلعان الأعمى لا يصح، إلا أن يقول لمست فرجه في فرجها حتى يصح لعانه، أو يحد في ظهره، يجلد ثمانين جلدة، انظر وتأمل ستر الله على عباده، من له حق الرمي أي الملاعنة؟ ظاهر الآية يفيد بأن كل زوج من حقه أن يرمي امرأته، ومن صح طلاقه صح لعانه، وبالتالي فالزوجان مؤمنان، أو كافران، حران، أو عبدان، بمعنى يصح الملاعنة بين الزوجين مؤمنين أو كافرين، حريْن أو عبدين، عدلين أو فاسقين، وقال بعضهم‫:‬ أبدا لا يصح اللعان مطلقا إلا بين الحرين المسلمين، وعليه لا يلاعن الرجل امرأته إن كانت على غير الإسلام، لا يلاعن أمته، ولا يلاعن أم ولده، سر الخلاف ربنا يقول فشهادة أحدهم أربع شهادات أهي شهادة أم هي يمين؟ لفظ الشهادة يعنى الشهادة، لكن إذا جاءت في القرآن بمعنى اليمين فهي حمالة للوجهين، يقول الله (تبارك وتعالى) في شأن الشهادة على الوصية حين الموت، (أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) [سورة المائدة آية‫:‬ ١٠٦]، ويتكلم عن الأيمان التي يحلفونها بعد العصر يحلفون بالله إن ارتبتم، إذا عبر عن الأيمان بالشهادة حين يقول (لَشَهَـٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ (١٠٧)) [سورة المائدة آية‫:‬ ١٠٧]، المسألة مسألة يمين، فقد جاءت الشهادة بمعنى اليمين أيضا (إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا۟ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ ﴿١﴾ ٱتَّخَذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةًۭ) [سورة المنافقون آية‫:‬ ١ - ٢]، إذاً فالشهادة هنا بمعنى الحلف، خاصة أن الشهادة لا تردد اليمين يردد (فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَٰتٍۭ) إذا فهو يمين، وبالتالي كل من صح يمينه صح لعانه، والله يقول (وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمْ) إذا فهي شهادة، ومن صحت شهادته صح لعانه، وعليه فلابد أن يكون الزوجان المتلاعنان ممن تصح شهادتهما، ولا تصح شهادة غير المسلم، ولا تصح شهادة العبد فلابد من الحرية، والإسلام، واتفقوا على البلوغ، والذين (وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ) ذاك في شأن الرمي إن كان في نفي الحمل فله أسلوب، فالحلف في نفى الحمل غير الحلف في الاتهام بالزنا، في الزنا‫:‬ لرأيتها تزني، أو للمست أو لرأيت فرجه في فرجها، بحسب من شرط الرؤية، ومن لم يشترط الرؤية، الحمل ليس فيه رؤية هو نفي الحمل، والحمل أقوى من الرؤية، لكن له شروط، شروطه أن يحلف ويقول‫:‬ أشهد بالله أني استبرأتها، وما وطأتها بعده، وأن هذا الحمل ليس مني، ويشير إليه، ومعنى الاستبراء أن تكون المرأة قد حاضت حيضة رأى، ثلاث حيضات رأى آخر، استبراء الرحم أن تكون طاهرة من الحيض، لا يأتيها مطلقا، ويحلف على ذلك، ثم يفاجأ بالحمل، من أين أتى؟ هنا ينفي الحمل عن نفسه، نفي الولد (وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ) إذا لابد أن تكون زوجة، فهل يصح الرمي قبل الدخول؟ زوجة معقود عليها، هل يصح الرمي قبل الدخول، ويتم التلاعن؟ قيل‫:‬ لا، وإنما هو قذف، فإما يأتي بالبينة أو حد في ظهره لكن الملاعنة يشترط فيها الدخول لنفي النسب، فإن رماها بعد الطلاق في فترة العدة له أن يلاعن، بعد انقضاء العدة، هل يصح؟ الملاعنة، قيل‫:‬ إن رماها فهو قذف يحد ظهره، فهي ليست بزوجة إلا أن يطلقها وهو غائب عنها، وتنتهي العدة، ويفاجأ بحملها فيلاعن لنفي الحمل، إن كانت كبيرة لا تحمل من القواعد، قيل‫:‬ لابد من الملاعنة، وهي على ذمته، زوجة كبيرة يلاعن لدرء الحد عن ظهره، وهي تلاعن لدرء الحد عن نفسها، وإن كانت صغيرة لا تحمل، ولن تبلغ بعد هل يلاعن عن زوج الصغيرة امرأته، قالوا‫:‬ لا، لا لعان، ولا حد، أي لا لعان، ولا يعد قوله قذف يحد عليه، كما قلنا في قذف المحصنات، قذف الصغيرة فيه التعزير، وليس فيه الحد، وقال بعضهم‫:‬ أبدا هو يلاعن لأنه بالغ وعاقل، وزوج لدرء الحد عن ظهره فقط، أما هي فلا تلاعن لأنها مهما أثبتت أو نفت غير مكلفة، إذا كان الزواج فيه شبهة الزواج الفاسد، كمن تزوج بخامسة دون أن يدري أن العدة انتهت للرابعة، أو من تزوج بأخت امرأته دون أن يعلم، الزواج الذي فيه شبهة، هل يتم فيه اللعان؟ قيل‫:‬ نعم؛ لأنها أصبحت فراشا، واللعان لنفي النسب، اللعان يترتب عليه أحكام بمجرد أن يلاعن الرجل، ويحلف يدرأ الحد عن ظهره بنفي الولد عنه، يفسخ الزواج، وذاك له أحكام أخرى، فسخ أو طلاق تنتهي العشرة بينهم، يفرّق بينها الحاكم، يجب الحد على المرأة الرجم، ولا ينتفي عنها ذاك إلا أن تقوم تلاعن (وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمْ) إذا فالملاعنة تصح حال انعدام الشهود، فإن أتى الزوج بشهود يلاعن أم لا يلاعن؟ قال‫:‬ إن أتى بأربعة شهداء فلا يلاعن، وإنما يقام عليها الحد، قيل‫:‬ إن أتى بثلاثة من الشهداء، قالوا هو يلاعن، ويجلد الثلاثة في ظهورهم في جريمة القذف؛ لأن الله شرط أربعة غير الرامي، وتأمل في الآية (وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ) فالشهود أربعة غير الرامي، فالزوج قاذف ورامي، فلابد من شهود أربعة خلافه، ولو كانوا ثلاثة حدوا في ظهورهم، أما هو كزوج لم يأت بالشهداء على الوجه الأكمل فيلاعن، وقال بعض الأئمة‫:‬ الزوج يلاعن، والشهود لا يحدوا، ترفض شهادتهم فقط، وقال بعضهم‫:‬ بل تقبل إذا ابتدأ الثلاثة بالشهادة، وشهد الزوج فهم أربعة بالزوج، وذاك رأي ضعيف، الأخرس يلاعن أم لا يلاعن؟ إن كانت شهادة لا يصح لعانه؛ إذ لا تقبل شهادة الأخرس، وإن كانت يمين قبل لعانه؛ لأن يمين الأخرس يصح‫.‬‬
‫لو أن الرجل دخل على امرأته فوجد معها رجلا يطأها في الدبر فهل يلاعن؟ رأيان، من اعتبر اللواط فيه الحد يلاعن، ومن اعتبر اللواط فيه التعزير وليس زنا لا يلاعن، قيل‫:‬ إن الملاعنة تتم بالمسجد الجامع، وقيل‫:‬ تستحب أن تكون بعد العصر، وقيل‫:‬ إن كانت الزوجة نصرانية يلاعن؟ نعم يلاعن لينفي النسب عن نفسه، هي أتدخل المسجد للملاعنة؟ قيل‫:‬ بل تلاعن في أشرف موضع في الكنيسة، فإن كانت يهودية تلاعن في أشرف موضع من المعبد اليهودي، أما هو فيلاعن في المسجد، اللعان له صيغة خاصة يأتي به الحاكم، واللعان يبدأ به الزوج، فإن بدأت الزوجة لا يصح، وقيل‫:‬ بل يصح، وذاك رأي حقيق، يقول له الإمام‫:‬ قل أشهد بالله إني لرأيتها تزني، ورأيت فرج الزاني في فرجها، وإني لمن الصادقين فيما أدعيه عليها، إن كانت الرؤية شرط، أما إذا لم تكن الرؤية شرطا على من يقول بذلك، فيكفي أن يقول‫:‬ أشهد بالله أنها زنت أو إنها لزانية، فإذا أراد أن ينفي الحمل عن نفسه أشار إلى بطنها، وقال‫:‬ وما هذا الحمل مني لقد استبرأتها، وما وطأتها بعد، بعد أن يحلف أربع مرات بنفس النص بالتكرير يوقفه الإمام، ويقول له‫:‬ احذر فالخامسة موجبة أي موجبة للعنة، وقيل‫:‬ بل يأمر أحد الجالسين بوضع يده على فيه حتى لا ينطق بالخامسة تحذيرا له، ويعظه الإمام، فإن أصر على أن ينطق بالخامسة، قال في الخامسة‫:‬ أشهد بالله، ويكرر، ثم يقول‫:‬ وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وبهذا يدرأ عن ظهره الحد، ويجب الحد على المرأة، وفي نفس الوقت ينفي النسب، ويفرّق بينهما، إن نكل الزوج بعد يمينين، أو ثلاثة، أو بعد الرابعة امتنع، أو تراجع ماذا يحدث؟ ينتهي اللعان، ويحد في ظهره حد القذف، ويلحق به الولد، ولا لعان، ولا تفريق، يأتي دور المرأة، فيأمر الإمام طبعا إن امتنعت عن اللعان فهو إقرار منها، ويقام عليها حد الرجم، أما إذا أصرت كما حدث في عهد رسول الله حين نزلت الآيات، وأمر بالصحابة واستدعاء، (فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا ، فَجَاءَا ، فَقَامَ الرجل، فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) يَقُولُ: (اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا مِنْ تَائِبٍ؟، ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْخَامِسَةِ، أَنَّ غَضِبَ اللَّهِ عَلَيْهَا، إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَقَالُوا لَهَا‫:‬ إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا سَتَرْجِعُ، فَقَالَتْ: لا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ) وتركها لله بعد فراغ الرجل من اللعان، تقول المرأة‫:‬ أشهد بالله إنه لكاذب فيما رماني به من الزنا، وإن كانت حامل تقول‫:‬ وإن هذا الحمل منه، وإن كان بغير رؤية، تقول‫:‬ أشهد بالله إنه لكاذب فيما ادعاه عليّ، أربعة مرات تقول في كل مرة وإنه لمن الكاذبين، ثم توعظ قبل النطق بالخامسة، فإن أصرت على النطق بالخامسة تقول‫:‬ أشهد بالله إلى آخر اليمين، ثم تقول‫:‬ وإن غضب الله عليها إن كان صادقا، أو إن كان من الصادقين‫.‬ بتمام اللعان، يتم التفريق بين الزوجين، فبمجرد أن يلاعن الرجل، بمجرد أن يبدأ اللعان يتم التفريق، وانتفى الفراش، قيل‫:‬ لا ينبغي الفراش، ويتم التفريق إلا بعد أن تلاعن هي، وقيل يفسخ العقد بينهما تأبيدا لا يعود لها بالملاعنة، وقيل‫:‬ بل لابد من التفريق بمعرفة الحاكم كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم): ( لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا) هذا الخلاف ما فائدته، فائدته أنه بتمام اللعان، يفترقان ولا يجتمعان أبدا، لا يتوارثان، فإن كان اللعان لا يتم بلعان الرجل وحده قبل أن تنطق المرأة فمات أحدهما ورثه الآخر، لأن اللعان لم يتم والتفريق لم يتم، فإذا اللعان يتم بلعان الرجل وحده إذا فالتفرق حدث والوراثة لا تصح إذا مات أحدهما قبل تمام الالتعان يتوارثان، إذاً متى يتم اللعان؟ بالتعان الرجل قبل أن تنطق المرأة بكلمة ذاك رأي، لابد من أن تلتعن المرأة أيضا حتى يتم اللعان، لابد من تفريق الحاكم، وحكمه، ثلاثة أقوال‫:‬ افترق الزوجان إن أكذب نفسه بعد الالتعان ماذا يحدث؟ حين حلفت المرأة، وأصرت ربما كان شاكا ربما كان مدعيا، ربما تردد، لو عاد فأكذب نفسه، ما الحكم؟ قالوا‫:‬ فرق الله بينهما باللعان أكذب نفسه، أو لم يكذب نفسه، وقال بعضهم‫:‬ أبدا، إذا أكذب نفسه حُدَّ حد القذف في ظهره، ولا تعود له، ولكن يلحق به الولد، ولا يتراجعان، وقال بعضهم‫:‬ إذا أكذب نفسه حد في ظهره، ولحق به الولد، وهو أحد الخطاب إن شاء خطبها بعد ذلك، رأي يعد ضعيفا، إذا حدث اللعان، وتفرّق الزوج عن الزوجة، لو حدث أن كانت المرأة حاملا هل يلاعن قبل الوضع أم يلاعن بعد الوضع؟ استبرأها وما وطأها، وتوطئ بحملها يلاعن؟ قالوا‫:‬ نعم يلاعن، وقال بعضهم‫:‬ لا يلاعن حتى تضع حملها، فربما يكون الحمل كاذب، وهذه أعراض فلابد من الوضع، قال بعضهم‫:‬ حين لاعن الرجل امرأته أمام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم ينتظر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى تضع، بل قال‫:‬ إن جاءت به على صفة كذا وكذا فهو ابنه، وإن جاءت به على صفة كذا كذا فهو ابن من اتهمت معه بالزنا، فجاء الولد على النعت المكروه، وقال‫:‬ ( لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، لَرَجَمْتُ هَذِهِ) إذا فاللعان قبل الوضع لا يشترط الانتظار بعد انتهاء الوضع، ما حكم من اتهم مع المرأة؟ حين جاء الصحابي المذكور إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال رأيت فلانا بالاسم، ما الحكم في شأن فلان؟ رجل في بيته، وإذ بزوج يتهمه بأنه رآه مع امرأته اتهمه بالزنا، ذاك قذف إن كان بكرا جلد مائة جلدة، وإن كان محصنا رجم ذاك الحكم، فما الحكم عليه قيل‫:‬ من رمى امرأته برجل لا شيء على الرجل إلا أن يعترف، فلا يؤخذ الناس بالشبهات، ونبينا (صلى الله عليه وسلم) يقول‫:‬ (ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ) فقد يكون الأمر قد اختلط على الزوج على الرائي، أو خدعة أو قد تتفق معه امرأته للانتقام منه، أيا كان لا يقام عليه حد، رغم الاتهام الموجه إليه، ولكن أيعد الزوج قاذفا في حق الرجل أم لا؟ قالوا‫:‬ يلاعن امرأته ويحد في ظهره ثمانين جلدة من أجل الرجل الذي اتهمه حد القذف، وقال بعضهم‫:‬ لا يحد واستندوا إلى أن الحادثة التي وقعت في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يحدث فيها جلد للمتهِم على قذفه للمتهَم، فردوا عليهم قائلين‫:‬ لم يطلب المتهم حقه، وتكلمنا قبل ذلك هل هو حق من حقوق الله، أم هو حق من حقوق الآدميين، إن كان حق من حقوق الله أقام الحاكم الحد على القاذف سواء طلب المقذوف ذلك أم لا، أما إن كان من حق الآدمي فلا يقام الحد على القاذف إلا أن يطالب به المقذوف، في القصة التي حدثت على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يطالب المتهم بحقه؛ لأنه كان متهما حقا كما جاءت هي بالولد على النعت المكروه، إذاً فإذا طالب المقذوف بحقه جلد الزوج ثمانين جلدة؛ لأنه اتهم الرجل الآخر هو رأي إن كان معه أربعة شهود فلا لعان، وأقيم عليها الحد وعلى من كان معها، أما ولا شهود إلا الرجل الحالف الزوج، إذا فلا بينة على الآخر فلا حد عليه، فإن طلب حقه، وطلب أن يجلد القاذف الذي هو الزوج، يلاعن ما شاء، وينفي النسب عن نفسه، وتنقطع العلاقة الزوجية، ولكن يحد في ظهره ثمانين جلدة بسبب قذفه للرجل الآخر، كل هذه الأحكام قليل من كثير، وإنما أحاول أن أعطي صورة مصغرة مبسطة بعناوين فقط، ولو أردنا أن نتكلم فيما استخلص من أحكام تفصيلا لتكلمنا ساعات، وساعات، ورحم الله العلماء، والذين اجتهدوا واستخلصوا الأحكام وبينوا الرحمة الواسعة، والستر الذي أسدله الله (تبارك وتعالى) علينا، فتختم آية اللعان بآية يتجلى فيها واسع المغفرة، وعظيم الرحمة وجميل الستر، يقول عز من قائل:
وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴿10﴾
تأمل في الآية أمران‫:‬ يلفتان النظر (لولا) حرف يفيد امتناع الشيء لوجود شيء، لابد من إجابة لولا أني فعلت كذا لكان كذا، أو لحدث كذا، أين إجابة لولا في الآية؟ ذاك الأمر الأول، الأمر الثاني الملفت للنظر الآية فيها مغفرة، وفيها رحمة، وفيها توبة، يذهب الوهل لختام الآية (وأن الله تواب رحيم) لكنه يقول (وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴿١۰﴾) ذاك الأمر الآخر (وَلَوْلَا) حذف الجواب، إذاً لابد للسامع أن يقدر إجابة، ثقة بفهم السامع يحدث الاختصار بالحذف وما إلى ذلك، فلابد من التقدير، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لعاجلكم بالعقوبة، لأهلككم، لفضحكم، ولم يستركم، تقدر ما شئت إذا فقد حذف الجواب لتهويل ما يحدث لولا فضل الله، ماذا كان يحدث لولا فضل الله ورحمته، تعتقد ماذا كان سيحدث؟ مصائب، خرائب، خراب للبيوت، واتهام بلا بينة، وضياع الأنساب، ومعرّة للأعراض، وذل في الدنيا، يتهم الرجل امرأته فتصيبها المعرّة، تصيب أباها، وأخاها، وجدها، وأمها، وعمها، وخالها، تصيب الأسرة، يشار إلى أولادها بالبنان لولا هذا التشريع، لولا فضل الله علينا بهذا التشريع المحكم، ورحمة الله علينا بالستر هل يمكن أن يصل الأمر بالزاني والزانية، أن يشهد عليهما أربعة شهود في وقت واحد بهذا الشكل، بهذه الشروط المشروطة؟ هل يمكن بالزوجة أن تصل في حد استهتارها لدرجة أن يصل الزوج، ويدخل عليها ودون أن تدري، ويرى ما هو مطلوب رؤيته، وإن كان أعمى يمد يده حتى يلمس شروط غريبة، وضمانات لحفظ الأعراض، ضمانات لحماية ظهر المسلمين، والمسلم كريم عند الله، وحرمة المسلم أهم وأعلى وأجلّ من حرمة الكعبة، ولزوال السموات والأرض أهون عند الله من إزهاق روح مسلم بغير حق، لولا فضل الله عليكم ورحمته لكان، وكان، ولحدث وحدث، وأن الله تواب يتوب على من تاب، إذا زنى الرجل وتاب يتوب الله عليه، وإذا زنت المرأة وتابت يتوب الله عليها، هل لو زنا الرجل مطلوب منه أن يطلب السماح من امرأته؟ أبدا فهذا حق من حقوق الله وليس حق الآدمي، وإن زنت المرأة هل مطلوب منها أن تستسمح زوجها كما تفعل بعض الجاهلات؟ أبدا، إياك أن تفضحي ستر الله عليك، اطلب السماح من الله واعزم على عدم العود، (وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴿١۰﴾) حكيم في تشريعه، هذا التشريع لو نظرت إليه لوجدت الضمانات الموضوعة تحقق العدل، تحقق الستر، تحقق الحفاظ على الأسرة، على الأولاد، على النسب، تحقق التوادد والتراحم وعدم الكلام بغير بينة، أيضا تحقق ضمانات يستحيل معها أن يظلم أحد، يقال كثير في السجن مظاليم ذلك في القانون الوضعي، لأن الإنسان مهما كان عاقلا حكيما يستحيل أن يعلم ما في الصدور لكن الله هو الحكيم وتشريعه هو التشريع الحكيم، الحكمة المطلقة لله، منتهى الحكمة في هذا التشريع الذي يضمن حرمة ظهر المسلم، ويضمن عرض المرأة، ويضمن عدم إلحاق المعرّة بمن لا يستحق المعرّة، أما ما نراه للأسف الشديد من بعض الجهلاء أن يسمع فيأخذ بالسماع يقال له اذهب فانظر أمر امرأتك أو أمر ابنتك فيذهب فيذبح ويقتل، جهنم وبئس المصير، لو دخل رجل على امرأته فوجد رجلا معها ورأى بعينيه جريمة الزنا فأطلق الرصاص عليه يقتل قصاصا، إن قتل امرأته يقتل به لأن الله أمر أن يلاعن لا أن يقتل تشريع الله، فقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا خرج إلى غزوة أقرع بين نسائه، فمن خرج سهمها خرجت معه، وفي السنة السادسة من الهجرة خرج لغزو بني المصطلق، وهي الغزوة التي تسمى بغزوة المريسيع، خرج نبينا (صلى الله عليه وسلم) وخرجت معه عائشة أم المؤمنين (رضي الله عنها وأرضاها) وحدث في هذه الغزوة أمرا لم يكن في الحسبان، ففي منزل نزلوه حدث شجار بين رجل من المهاجرين، ورجل من الأنصار على الماء، فصرخ المهاجري وكان أجيرا لعمر بن الخطاب قائلا‫:‬ يا معشر المهاجرين، وصرخ الأنصاري يا معشر الأنصار، وهَمَّ الفريقان وكاد يأخذ بعضهم ببعض، فخرج النبي (صلى الله عليه وسلم) عليهم غاضبا، وقال‫:‬ ( دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ) وهنا ظهر نفاق أبي بن سلول شيخ المنافقين، وقال مقالته التي فضحه الله فيها (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ ۚ ) [سورة المنافقون آية‫:‬ ٨] وقال ما قال، وبلغ النبي (صلى الله عليه وسلم) مقالته، وحلف، ثم نزلت سورة المنافقون تفضحه، وأراد النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يهدئ القوم خاصة أن بعض القوم أشاع أن النبي (صلى الله عليه وسلم) سوف يقتل عبد الله بن أبي بن سلول، وجاء ابنه، وكان مؤمنا حقا صادق الإيمان، وقال‫:‬ (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ قَدْ أَمَرْتَ بِقَتْلِهِ فَمُرْنِي أَنَا بِقَتْلِهِ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) بَلْ نُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَادَامَ مَعَنَا) ، وأذن بالرحيل، وسار بهم يوما وليلة إلى اليوم التالي، ثم نزل منزلا للاستراحة، فنام القوم نوما عميقا، ثم أذن بعد ذلك للرحيل، وقبل‫:‬ دخوله للمدينة، نزل منزلا آخر، وخرجت أم المؤمنين من هودجها لقضاء الحاجة، وعادت، وفي طريق عودتها تلمست صدرها فافتقدت عقدا لها، فرجعت لالتماسه فحبسها التماسه، تأخرت، وارتحل الجيش، كانت السيدة عائشة في ذلك الوقت صغيرة السن، قليلة اللحم، خفيفة الوزن، فجاء الذين يرحلون هودجها، فرحلوا وهم يظنون أنها فيه، ولم يشعروا بافتقادها، وسار الجيش، عادت عائشة (رضي الله عنها وأرضاه) فلم تجد أحد، فجلست مكانها وغلبتها عيناها فنامت، وظنت أنهم يفتقدونها، فيرجعون إليها، كان النبي (صلى الله عليه وسلم) في غزوه وسفره دائما وأبدا يخلف أحد الرجال في ساقة الجيش حتى يتفقد الناس بعد رحيل الجيش، أو قد يكون ترك أحدهم شيئا، فترك صفوان بن المعطل السلمي، وهو من أشجع الصحابة، وأقدمهم إسلاما، وأدلج صفوان وفي الصباح ركب راحلته، ومر، وإذا بسواد إنسان، وكانت عائشة فعرفها، وقد رآها قبل الحجاب، فأدار لها ظهره، واسترجع إنا لله وإنا إليه راجعون، فاستيقظت باسترجاعه، نزل عن ناقته وبرّكها، وأعطى ظهره لعائشة، فركبت الناقة، وأخذ بخطامها، وأدرك الجيش، ودخل عليهم، ودخل المدينة في نحر الظهيرة، والله ما كلمها وما كلمته سوى أنها سمعت استرجاعه، رآها أبي بن سلول شيخ المنافقين، فرآها فرصة خاصة بعد ما حدث من فضيحة له في قوله‫:‬ سمِّن كلبك يأكلك، ولا تنفقوا على من عنده حتى يرحلون عن دياركم، وقال ما قال‫:‬ فوجدها فرصة، فقال‫:‬ باتت امرأة نبيكم مع صفوان، وبدأ يشيع الخبر، وتلقفه بعض الناس، وتحدثوا به بين مصدق، ومكذب، منهم من تناقله بسلامة نية، ومنهم تناقله بسوء قصد، وهم المنافقون، وفشا الحديث في المدينة، واستمر فترة دون أن تدري عائشة، ودون أن يعرف النبي (صلى الله عليه وسلم) شيئا إلى أن وصله الخبر، وما يتحدث به الناس، فخرج إلى المسجد، ( يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ، مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلا خَيْرًا ، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلا صَالِحًا مَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلا مَعِي " ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ، فَقَالَ : أَنَا أَعْذُرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ)، وقام غيره، وتكلم الناس وعرف أنه من الخزرج، وحدثت مشادة بين الفريقين، فهدأهم النبي (صلى الله عليه وسلم) ودخل حجرته مهتما حزينا، تحكي عائشة (رضي الله عنها) وتقول‫:‬ كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يدخل ويخرج فيقول‫:‬ (كَيْفَ تِيكُم؟) ولا أجد منه اللطف الذي عهدت، فمرضت، فلما وجدت منه ذلك استأذنته في أن تمرّض عند أبويها، فأذن لها، فانتقلت إلى دار أبيها أبي بكر الصديق دون أن تدري شيئا، لبثت تلك القصة والحديث يفشو بين الناس شهرا لا ينزل فيه وحي على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ابتلاء شديد، خرجت السيدة عائشة ليلا مع أم مسطح لقضاء الحاجة، وفي رجوعها تعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت‫:‬ تعس مسطح، ابنها كان قريبا لأبي بكر، فقالت‫:‬ عائشة‫:‬ بئس ما قلت‫:‬ يا أم مسطح، أتسبين رجلا شهد بدرا، فقالت أم مسطح‫:‬ إنك لا تدرين ما تحدث به، فقالت‫:‬ وما ذاك، وألحت عليها فأخبرتها بحديث الإفك، ولأول مرة تسمعه عائشة، فخرجت مغشيا عليها، ذهبت لأمها وهي مقيمة عندها تمرض، اشتد مرضها، وأخذت تبكي، وسألت أمها يا أمي ما حديث يتحدث به الناس، قالت‫:‬ يا بنيتي لا عليك فما من امرأة وضيئة يحبها زوجها، ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، قالت وفي ذاك؟ سبحان الله، وأخذت تبكي لا يرفأ لها دمع يوما وليلة، ويوم آخر تبكي، واشتد مرضها، ودخل عليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجدها مريضة، ووجدها تبكي، فقال‫:‬ ما يبكيها لعله حديث تحدث به، فقيل‫:‬ نعم، فقال‫:‬ (يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً، فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِشَيْءٍ، فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ)، تقول عائشة‫:‬ فقلص دمعي، امتنع الدمع، وتوقف من غيظها، كيف تسأل هذا السؤال! كيف يظن فيها، كيف يشك فيها، فقالت عائشة‫:‬ والله لئن حلفت لا تصدقوني، ولئن قلت لا تعذروني، ومثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه (فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (١٨)) [سورة يوسف آية‫:‬ ١٨]، وأعطتهم ظهرها، تقول‫:‬ ما كنت أظن أن ينزل الله في شأني وحيا، ولشأني في نفسي أقل من ذلك بكثير، ولكني كنت أطمع أن يرى رسول الله رؤيا، فوالله ما خرج أحد من أهل البيت، وما تحرك أحد من مكانه، وإذا بالوحي ينزل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأخذه من البرحاء ما يأخذه ثم سري عنه، وهو يضحك، فقال‫:‬ ( أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ يَا عَائِشَةُ)، وتلا الآيات من سورة النور، ثمان عشر آية، ففرحت أمها، وقالت‫:‬ قومي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقالت‫:‬ لا والله، بحمد الله، لا بحمد أحد، ولا بحمدك، ونزلت الآيات، وخرج النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المسجد يتلوها على الناس‫.
إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلْإِفْكِ عُصْبَةٌۭ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّۭا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ ٱمْرِئٍۢ مِّنْهُم مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلْإِثْمِ ۚ وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُۥ مِنْهُمْ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ﴿11﴾
‫(وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُۥ مِنْهُمْ) (كُبُرَهُ) قراءتان، نزلت براءة السيدة عائشة (رضي الله عنها وأرضاها) من فوق سبع سموات (إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلْإِفْكِ) الإفك‫:‬ أشد أنواع الكذب، من الأَفْكْ، وهو الصرف، صرف الشيء عن وجهه، جاءوا بالإفك أي بالكذب الشديد، المخالف للحقيقة، أفك وأفَكَ يأْفِكْ، ويَأْفَكْ، وإفْكاً وأفْكاً وأَفَكاً كذب أشد الكذب، وجاء بما يخالف الحقيقة، إذاً فمن بداية الآيات يقرر ربنا (تبارك وتعالى) أن الذي قيل إفك محض (إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلْإِفْكِ عُصْبَةٌۭ مِّنكُمْ ۚ ) العصبة من العشرة إلى الأربعين من الناس عصبة منكم، جماعة منكم، الجماعة التي يتعصب بعضهم لبعض (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّۭا لَّكُم ۖ ) الخطاب لآل أبي بكر، وللنبي (صلى الله عليه وسلم) ولأبي بكر، ولعائشة، ولأمها، ولصفوان بن المعطل الذي حلفت أنه ما كشف كنف أنثى قط، ومات (رحمه الله، ورضي الله عنه) شهيدا في غزوة أرمينية في خلافة عمر، أو قيل‫:‬ في خلافة معاوية (بَلْ هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۚ ) ابتلاء، الخير في حقيقته هو ما زاد نفعه، عن ضره، والشر ما زاد ضره عن نفعه، ففي هذه الدنيا لا خير، كله نفع، ولا شر كله ضر، فالخير في الدنيا ما زاد نفعه عن ضره، والشر ما زاد ضره عن نفعه، أما الخير الذي لا شر فيه فهو الجنة، وأما الشر الذي لا خير فيه فهو جهنم (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّۭا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۚ ) ابتلاء، ويبتلي المرء على قدر دينه، الثواب العظيم، بسبب هذا الإفك رفعة المنزلة، ظهور كرامتهم على الله (عز وجل) نزول البراءة من فوق سبع سموات، الثناء على من ظن بأهل البيت خيرا، التهويل، بل التهديد لكل من وقع في أعراضهم (لِكُلِّ ٱمْرِئٍۢ مِّنْهُم مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلْإِثْمِ ۚ ) كل من تحدث بهذا الحديث سيلقي جزاءه على قدر حديثه، على قدر إثمه (وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُۥ مِنْهُمْ) وهو شيخ المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول (لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ﴿١١﴾) عذاب عظيم في الآخرة لا يقدر قدره، ثم ينزل التوجيه كيف يكون التصرف في مثل هذه الأحوال‫.‬‬‬‬‬‬
لَّوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًۭا وَقَالُوا۟ هَـٰذَآ إِفْكٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿12﴾
‫(لَّوْلَآ) بمعنى هلاَّ، كلمة تحضيض، هلاَ حين سمعتم هذا الحديث، قاس المؤمنون والمؤمنات الأمر على أنفسهم، أتفعلون ذلك أم هو أمرٌ مستبعد؟ هو أمر مستبعد، إذا هو في عائشة وصفوان أبعد (ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًۭا) أي ظنوا بإخوانهم خيرا حين نسمع مثل هذا في مؤمن، والمؤمن لا يصح أن يعاب، فإن سمع مؤمن معابة، أو مقولة سوء في مؤمن، قاس الأمر على نفسه، أتفعل ذلك؟ لا إذاً فهو لا يفعله، هذا هو معنى الكلام، ظن المؤمنون والمؤمنات في إخوانهم في الإيمان خير (وَقَالُوا۟ هَـٰذَآ إِفْكٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿١٢﴾) إذاً من المفروض على المؤمن ألا يتحدث بما يعيب أخاه المسلم، فإن سمع شيئا لا يصدقه يظن ظن الخير، يرد على من قال، ويدافع، ويدفع مقالة السوء عن أخيه المؤمن (وَقَالُوا۟ هَـٰذَآ إِفْكٌۭ) أي كذب (مُّبِينٌۭ ﴿١٢﴾) واضح، كذب واضح ظاهر‫.
لَّوْلَا جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا۟ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ ﴿13﴾
استكمال للمقولة، وكأنهم يقولون، ويظنون، ويقولون هذا إفك مبين، لولا جاءوا على هذا الإدعاء بأربعة شهداء، كما جاء في الآيات، (وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ) (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا۟ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ ﴿١۳﴾)، طالما لم يأت المتحدث بأربعة شهداء فهو كاذب عند الله، أي في حكم الله لا في علمه، وانتبه، فقد يتكلم الرجل بأمر هو فيه صادق، والله يعلم أنه صادق لكنه إذا لم يأت بالشهداء فهو في حكم الله الذي شرعه كاذب، يقام عليه الحد، ربنا (تبارك وتعالى) أنزل الأحكام وشرعها لنأخذ بالظاهر لا بالباطن، فعلم الباطن عند الله، من هنا الحكم الذي أمر به الله وشرعه من قذف محصنا جاء بأربعة شهداء، فإذا لم يأت بالشهداء عد كاذبا في حكم الله، في شرعه عند الناس، وأقيم عليه الحد وإن كان صادقا في علم الله، فالحكم غير العلم، الحكم بالظاهر؛ ولذا تجد أن عمر بن الخطاب حين ولي الخلافة، قال للناس‫: أيها الناس، إن الناس كانوا يؤخذون على عهد رسول الله بالوحي، وإن الوحي قد انقطع، وإنا نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خير أمّناه، وصدّقناه وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءً لم نؤمنه، ولم نصدقه، وإن قال‫: إن سريرتي حسنة، إذاً فالأحكام في هذه الدنيا على الظاهر طالما لم يأتوا بأربعة شهداء فهم كاذبون، يقام عليهم الحد، فأولئك عند الله هم الكاذبون، طبعا هم كاذبون ظاهرا، وباطنا لكن الحكم حكم عام، والأحكام على الظاهر‫.
وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِى مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿14﴾
‫(وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ) بتشريع الحدود، وفتح أبواب التوبة (وَرَحْمَتُهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِى مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٤﴾) الإفاضة‫: الأخذ في الكلام من أفاض الإناء إذا ملأه ففاض، اندفع في الكلام، وأسرع فيه، وأكثر فيه، وفاض فيه (لَمَسَّكُمْ فِى مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٤﴾) عذاب لا يقدر قدره لعظمة قدر من تكلم في شأنهم‫.
إِذْ تَلَقَّوْنَهُۥ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ وَتَحْسَبُونَهُۥ هَيِّنًۭا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌۭ ﴿15﴾
‫(تَلَقَّوْنَهُۥ) وقرأت (تتلقونه بألسنتكم) وقرأت (تُلْقُونه) من الإلقاء، وقرأت عائشة‫: (تَلقُونه) من الوَلْق‫: وهو الكذب (إِذْ تَلَقَّوْنَهُۥ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ وَتَحْسَبُونَهُۥ هَيِّنًۭا) ثلاثة آثام‫: أولا أخذوا الكلام باللسان لا بالعقل، ولا بالاستماع لا بالتدبر، ولا بالتفكر، تُلْقُونه باللسان، تتلقونه باللسان، تَلقُونه تكذبونه، إذاً فعلى القراءات معنى ذلك أن الكلام كان على الألسنة ينتقل من لسان إلى لسان دون توقف، دون تدبر، دون تفكر، دون تأمل (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم) فالكلام بالفم دون عقل، ودون يقين في القلب، ودون دليل، مجرد كلام لا دليل عليه (وَتَحْسَبُونَهُۥ هَيِّنًۭا) سهلا بسيطا (وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌۭ ﴿١٥﴾) لعظم المبهوت عليه، ثلاثة آثام‫: التلقي باللسان، الكلام بالأفواه دون دليل، حسبان الأمر سهل بسيط لا يؤاخذون عليه‫.
وَلَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا سُبْحَـٰنَكَ هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ عَظِيمٌۭ ﴿16﴾
ها هو التوجيه الإلهي مرة أخرى، التأديب والتعليم (وَلَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) هلا للتحضيض، قلتم ذاك ما كان يجب أن يقال، لا يصح، ولا يجوز، ولا يجب أن نتكلم بهذا الشأن، وبهذا الأمر، بهذا الكذب، وبهذا الإفك (سُبْحَـٰنَكَ) كلمة تقال لتنزيه الله (عز وجل) عن كل نقص، ولتنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله، وكماله، تقال أيضا للتعجب عند رؤية الشيء العجيب، سبحانك تنزيه لله (عز وجل) أن تقع زوجة حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) مثل هذا، وتعجب من فظاعة المقالة، والتهمة التي اتهموها بها (هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ عَظِيمٌۭ ﴿١٦﴾) البهتان‫: الكذب، البَهْتْ والبُهْتْ البَهْتْ: التحيّر، والتردد، والبهت‫: الكذب الذي يحيّر سامعه البهت‫: كذب إذا سمعه السامع تردد، وتحيّر، واندهش، ولا يدري ما يقول، ولا يعرف كيف يرد، وتذكرون حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الغيبة ( أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ ؟ قَالَ : " إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ) إذا البهتان أن تقول في الغير ما ليس فيه (سُبْحَـٰنَكَ هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ عَظِيمٌۭ ﴿١٦﴾) كذب فظيع لعظم المبهوت عليها (رضي الله عنها وأرضاها).
يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُوا۟ لِمِثْلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿17﴾
الكلام للتهييج، يعظكم الله أن تعودوا لمثله في نفس القصة، أو الكلام عن نفس السيدة العظيمة الجليلة، أم المؤمنين، أو عمن يشابهها من نسائه أي من أمهات المؤمنين، فالمثلية تأتي في المقول، وفيمن قيل عنه، وقيل‫:‬ بل هي الآية عامة في كل المحصنات (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١۷﴾) إن كنتم مؤمنين حقا فلا يصح أن تعودوا لمثل هذا أبدا، من هنا قال العلماء، ورتبوا على هذه الآية أمرين‫:‬‬
‫الأمر الأول‫:‬ أن من وقع في عرض مسلم، أو في محصنة وجب إقامة الحد عليه، وسلب منه الإيمان حال وقوعه في عرض أخيه، كقوله (صلى الله عليه وسلم) ( لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أي يسلب منه الإيمان حين يزني، ويعود إليه إيمانه إن تاب، وأناب‫.‬‬
‫الأمر الثاني‫:‬ الذي رتبه العلماء على الآية هو أن من وقع في عائشة، وسبها قتل، قتل لأنه خالف القرآن، فقد برأها الله، فإن اتهمها فقد كذّب الله، إذاً فقد كفر من هنا وجب قتله‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿18﴾
يبين لكم الآيات التي فيها محاسن الآداب، والتي فيها الأحكام، وما يجب أن يكون عليه المسلم والمؤمن، ويبين الله لكم الآيات التي فيها التشريع، وفيها التوجيه (عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١۸﴾) عليم بخلقه، حكيم فيما يشرع لكم، حكيم في تدبيره، ثم تتكلم الآيات عن الذين أشاعوا الخبر، وتكلموا فيه، وتبين أنهم أرادوا ذلك كراهية للنبي (صلى الله عليه وسلم) وحسدا له‫.
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿19﴾
‫(يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ) : إذا فمن أشاعوا الكلام حبا في العيب، والإعابة، حبا في الخوض فيما يعيب النبي (صلى الله عليه وسلم) وأهل بيته، (تَشِيعَ): تفشو، وتنتشر، (ٱلْفَـٰحِشَةُ): ما عظم قبحه! قال العلماء في هذه الآية‫:‬ إن الكلام عن معاصي العاصين، وإن كانت صدقا فهو إشاعة للفاحشة، من هنا قال العلماء‫:‬ مهما سمعت، ومهما علمت، ومهما رأيت من فواحش، أو من معاصي، فلا تتحدث بها؛ لأن ذلك إشاعة للفاحشة، وموقع الكلام على السامع قد يؤثر فيه، فيحرك مشاعر في نفسه‫.‬‬
‫من هنا إذا سمعت يجب أن تصم أذنك إن كان الكلام عن مسلم كذبت وقست الأمر على نفسك، فلان سارق، مرتش، هل أنت تفعل ذلك؟ فإذا أجبت بلا فهو أبعد عن ذلك، وقد حدث هذا من بعض الناس الذين أثنى الله عليهم من الصحابة، ( أَنَّ أُمَّ أَيُّوبَ، قَالَتْ: يَا أَبَا أَيُّوبَ، أَمَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي عَائِشَةَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَكُنْتِ أَنْتِ فَاعِلَةً ذَلِكَ يَا أُمَّ أَيُّوبَ؟ قَالَتْ: لا وَاللَّهِ، قَالَ: فَعَائِشَةُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْكِ، وَإِنَّمَا هُوَ زُورٌ وَإِفْكٌ وَبَاطِلٌ) قاس الأمر على نفسه (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ ) في الدنيا بإقامة الحدود عليهم بالجلد، وفي الآخرة بجهنم، إذا ماتوا وهو مصرين على معصيتهم، إذا لم يتوبوا عن ذاك (وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿١۹﴾) الله يعلم الحقائق وأنتم لا تعلمون إلا الظواهر، الله يعلم ما في الصدور، يعلم أن الذين أشاعوا الفاحشة أحبوا ذلك، وأرادوه، وفعلوه عامدين متعمدين‫.‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿20﴾
‫(وَلَوْلَا) هنا تفيد امتناع الشيء لوجود غيره (وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ) وحذفت الإجابة أيضا كما حدث قبل ذلك في آية مشابهة لبيان فضل الله، وليذهب الوهم والتقدير كل مذهب، أي لولا فضل الله عليكم ورحمته لحدث، وحدث، وحدث لأهلك الأمة، ولأهلك الكل، لأخذ العاطل على الباطل، حين أهلك قوم نوح الدواب، والحشرات والطيور الكل أغرق، ثم يبعثون على نياتهم (وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿٢۰﴾) رءوف بالخلق، الحنان حتى على العاصين، الرحمة بفتح أبواب التوبة، بفتح أبواب الاستغفار، ومن تاب، تاب الله عليه ومن استغفر غفر الله له، فحين سمع أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) تلك المقالة، لك أن تتخيل ما أصابه ابنته، عرضه، شرفه، وهي ليست امرأة عادية، بل هي زوجة سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) زوجة حبيبه أم المؤمنين، وعلم أن من الذين تكلموا في هذا الموضوع رجل اسمه مسطح بن أثاثة، وكان قريبا لأبي بكر، وكان فقيرا مسكينا، فكان أبو بكر ينفق عليه ويصله، فلما علم بأن مسطح كان ممن تحدثوا في الخبر حلف ألا ينفق عليه أبدا، وله كل الحق في ذلك من حيث نظرنا نحن، تنزل الآيات، وتتوالى في التوجيه، وتوجه وتبين كيف حدث هذا، إن كان قد حدث هذا فإن كان قد حدث من المنافقين، فهو أمر معلوم أما أن يقع المسلم في مثل هذا فأمر لا مبرر له، من هنا ينبه ربنا (تبارك وتعالى) المسلم، والمؤمن فيقول‫:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًۭا وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ﴿21﴾
لا تتبعوا خطوات الشيطان، خُطُوات قراءتان (لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ ) الخطوة في الأصل ما بين القدمين، واحد الخطوات، الخَطْوة المرة من الخطوة مفرد خطوات، فالخطوات‫: خطوة وخطوة، أما الخطوة فهي المسافة بين القدمين (لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ ) أي مسالكه، ودروبه، وطريقه، فلا يقودك حيث الهلاك حيث الهاوية، ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه ماذا يريد الشيطان، وماذا يوسوس، يأمر بالفحشاء، والمنكر، الفحشاء‫: ما عظم قبحه، والمنكر‫: ما تنكره الشريعة، وتنكره العقول، والفطرة السليمة، وما ينكره الشرع (وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًۭا) (ما زكَى) (ما زكّى) (قراءتان)، زكى بنفسه‫: تطهر من الدنس، زكاه أي زكّاه الله، وطهره من الدنس، إذاً فالتزكية من الله، والعصمة من الله، ولا يزكى الإنسان بعمله، بل يزكيه الله بفضله، من هنا قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ) [سورة النساء آية‫: ٤٩]، وهو القائل (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌۭ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ (٣٢)) [سورة النجم آية‫: ٣٢]، وفي هذه الآية يبين ربنا (تبارك وتعالى) أن الإنسان مهما فعل ومهما عمل لا يزكيه عمله، وإنما يزكيه فضل الله، ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً، إلى آخر الدهر لهلك الكل، وما تطهر أحدا أبدا من الدنس، وما عصم مخلوق، وما نجا أحد أبدا من حبائل الشيطان، فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم وبنياتكم، ويتوجه الخطاب، التوجيه الإلهي، بالعفو والصفح، ورفعة شأن من وقع في الخطأ، ومن أصيب بمقالة الناس‫.
وَلَا يَأْتَلِ أُو۟لُوا۟ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوٓا۟ أُو۟لِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا۟ وَلْيَصْفَحُوٓا۟ ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ﴿22﴾
ثلاث صفات، صفات للموجه إليه الخطاب، وصفات لمن وجه عنه الخطاب، : يحلف من الأَلِيّة‫:‬ اليمين، ومنه قوله (عز وجل) (لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٢٦] آلى، وأتلى:حلفت، قد تكون من الألْو، وهو التقصير، لا آلو‫:‬ لا أقصر، ومنه قوله (عز وجل) (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًۭا) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١١٨]، أي لا يقصرون في الإيقاع بينكم وما إلى ذلك (وَلَا يَأْتَلِ) تحمل المعنيين، لكن الأرجح بمعنى الحلف؛ لأن أبا بكر حلف ألا ينفق على مسطح أبدا (وَلَا يَأْتَلِ أُو۟لُوا۟ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ) الكلام عن أبي بكر، إذا فهو من أهل الفضل في الدين، والسعة في المال، وهو ثناء على أبي بكر، ثناء شهادة بأنه من أهل الفضل في الدين، والسعة في المال (أَن يُؤْتُوٓا۟) يعطوا (أُو۟لِى ٱلْقُرْبَىٰ) مسطح، وجاءت صفاته أنه مسكين، وأنه مهاجر، وجاءت الشهادة له بأن هجرته كانت حقا، وصدقا في سبيل الله (أَن يُؤْتُوٓا۟ أُو۟لِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ ) إذا فقد هاجر صدقا، وحقا في سبيل الله، فهو ثناء عليه رغم وقوعه في الخطأ (وَلْيَعْفُوا۟ وَلْيَصْفَحُوٓا۟ ۗ ) العفو‫:‬ ترك المعاقبة، والصفح‫:‬ الإعراض والإغماض كأن ربنا أمر أبا بكر ألا يعاقبه بمنع المال، وأن يسامحه فيما قال، وأن ينسى الإساءة، وكأنها لم يكن (وَلْيَعْفُوا۟ وَلْيَصْفَحُوٓا۟ ۗ ) أوامر، ويأتي تهديد غريب، وتحضيض على العفو والصفح (أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۗ ) من هنا حين سمعها أبو بكر الصديق، قال بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فكفر عن يمينه، وأعاد النفقة إلى مسطح، وقال‫:‬ والله لا أنزعها عنه أبدا ما حييت (وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ﴿٢٢﴾) آيات بينات، نزلت لتبرئة أم المؤمنين، وتبرئة صفوان بن المعطل، ذلك المؤمن الصادق الذي قتل شهيدا (رضي الله عنه وأرضاه) أيضا نزلت لرفعة شأن آل أبي بكر، والثناء عليهم، أيضا نزلت بالثناء على من ظن بعائشة خيرا، نزلت للتهويل، والتهديد لهؤلاء الذين وقعوا في هذه القصة، وقيل‫:‬ إن النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر بمن تحدث في هذا الشأن أن يحد، فبلغنا أن من حد ثلاثة‫:‬ رجلان، وامرأة، أما الرجلان فحسان بن ثابت شاعر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومسطح بن أثاثة قريب أبي بكر، وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش، وتحكي عائشة، وتقول‫:‬ سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) زينب بنت جحش وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي (صلى الله عليه وسلم) - في نفس الدرجة من القرب والمودة، والمحبة، والمنزلة-، فقالت‫:‬ يا رسول الله أحمي سمعي، وبصري، ما علمت عنها إلا خيرا، فعصمها الورع، وأما حمنة أختها، فكانت تنافح عن أختها، فهلكت فيمن هلك، فجلدت ثمانين جلدة، وكذلك حسان وكذلك مسطح، أما الذي تولى كبره عبد الله بن أبي سلول ما أقيم عليه الحد أبدا، وإن كان بعض الروايات وبعض الكتب قالوا‫:‬ قد أقيم عليه الحد، ولكنها روايات كلها ضعيفة، لم يقم عليه الحد، ولم يجلد لأسباب كثيرة، قال بعض الناس‫:‬ كان كبيرا في قومه، وخشي النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يحدث، وأن يحدث، وكل ذلك لا أساس له، أساسه قول الله (تبارك وتعالى) (وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُۥ مِنْهُمْ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ﴿١١﴾) إذا فقد تقرر معاقبته، ومحاسبته في الآخرة، والحدود كفارة لمن أقيمت عليه، فلو جلد لكان ذلك كفارة، فلم يجلد حتى لا يكفر عنه ما وقع فيه، فيحق عليه القول (لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ﴿١١﴾).‬
‫أيها الأخ الكريم، تأمل رسولنا سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) أمهات المؤمنين، سيدات الأمة الطاهرات، العفيفات، المحفوظات، هذه القصة لِم وقعت، واتهمت بها أم المؤمنين عائشة أحب نساء النبي (صلى الله عليه وسلم) إليه، بل أحب الخلق؟ ( مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : عَائِشَةُ . قَالَ : فَمِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: أَبُوهَا)، والوحي ينقطع لمدة شهر لا يدري النبي (صلى الله عليه وسلم) حقيقة الأمر، أبو بكر الصديق يبتلى هذا البلاء الفظيع، كيف يواجه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كيف يواجه الناس بلاء شديد فظيع، لا يتحمله إلا السادة، ربنا يريد أن يعلم الناس، ويفهم الناس، ويبين للناس، فكل ما حدث من أمور في عصر النبوة، ما هو إلا توضيح عملي للتشريع، فوقع بعض الصحابة، وحدوا كفارة، كي نتعلم نحن من أخطائهم، وابتلي سيد الخلق، وابتليت أم المؤمنين، هم الذين يتحملون هذا البلاء، ويبتلى المرء على قدر دينه، وأشد الناس بلاء الأنبياء، كي نتعلم نحن ونستفيد، ونعرف أن اللسان عظيم جرمه، صغير حجمه، ولا يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم، أمسك عليك هذا، اتقوا الله في أعراض الناس؛ لأنك مهما فعلت من معاصي تتعلق بحق المولى (عز وجل) بينك وبينه استغفر الله، (وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا (١١٠)) [سورة النساء آية‫:‬ ١١٠]، أما ما بينك وبين الناس من حقوق العباد، فمهما استغفرت، مهما تبت، لابد مسامحة من وقعت فيهم فأنى لنا بذلك فمن مات مات ومن سافر سافر، ومن انفصلت عنه، فكيف بك في يوم القيامة، توزن الحسنات وتوزن السيئات، من جاء بحسنة نجا ومن جاء بسيئة هلك، يوم القيامة توفى الحقوق، وكل من الناس يتمنى حسنة واحدة، وكل يبحث عن حقه، ويجيء الرجل فيقول‫:‬ شتمني، أخذ مالي، سبني، فيؤخذ من حسناته لهذا، ولهذا، فإذا فرغت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، لك جار يشرب الخمر ولا يصلي، وأنت تصلي وتصوم ولكن من ضيقك من جارك كلما جلست مجلسا تقول‫:‬ فلان يسكر، فلان يفعل، وتأتي أنت وهو يوم القيامة، فيدخل هو الجنة بصلاتك التي صليتها وتدخل أنت النار بخمره التي شربها، حيث يؤخذ من حسناتك له ويؤخذ من سيئاته فيطرح عليك، فتطرح في النار، الكلام سهل، واللسان ما أعظم جرمه، مع صغر حجمه، اتقوا الله، فبعدما يبين الله (تبارك وتعالى) براءته للصديقة أم المؤمنين، زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) وبين خطورة الوقوع في أعراض الناس بغير بينة، يتهدد، ويتوعد المصرين على ذلك، أو الواقعين في ذلك فيقول، عز من قائل:
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ لُعِنُوا۟ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ﴿23﴾ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿24﴾
‫(إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ) الرمي هنا بمعنى القذف، كما جاء في الآيات السابقة (ٱلْمُحْصَنَـٰتِ) العفائف الطاهرات، والآية وإن كانت في المحصنات إلا أن الرجال لهم نفس الحكم، ينطبق الحكم على المحصنين من الرجال، قدم النساء واهتم بذكر النساء لأن الرمي في المرأة أشد نكاية، وأفضح، وأفظع (ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ) السليمات الصدر، الطيبات القلوب، الغافلات عما رمين به؛ إذ الرامي يرمي من وراء، ومن رماها فلا تسمع، ولا تعلم، فتصبح غافلة عما أريد بها، وعما رميت به، المؤمنات بالله ورسوله (لُعِنُوا۟ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ) لعنوا على ألسنة المؤمنين، ولعنتهم الملائكة، لعنهم الله (تبارك وتعالى) وأعد لهم في الآخرة عذابا عظيما، لعظم الذنب الذي ارتكبوه (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ﴿٢۳﴾) واللعن‫: الطرد من الرحمة، من اللافت للنظر أن الرمي حين ذكر من قبل (وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَـٰنِينَ جَلْدَةًۭ وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَـٰدَةً أَبَدًۭا ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ﴿٤﴾ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿٥﴾) هناك توبة، وهنا لم تذكر توبة (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ﴿٢۳﴾ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ) من هنا قيل‫: إن الآية في خصوصية، وفي نساء النبي (صلى الله عليه وسلم) وفي قصة الإفك بالذات، ورتب العلماء على ذلك حكما، وهو أن رمي نساء النبي (صلى الله عليه وسلم) لا توبة له، فمن رمى زوجة من أزواج النبي (صلى الله عليه وسلم) لا تفتح له باب التوبة، صدر الحكم الإلهي النهائي الذي لا نقض فيه، ولا إبرام، وقال بعض الناس‫: بل هي عامة، ولم تذكر التوبة هنا لبيان أن من أصر على ذلك، ومات بغير توبة كان ذلك جزاؤه، فهي عامة في كل من يرمي محصنة، أو محصن، والقول بأنها في نساء النبي (صلى الله عليه وسلم) أرجح بقرينة سياق الآيات التالية (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿٢٤﴾) إذاً في يوم القيامة تنطق الألسنة، وتنطق الجوارح بذنوبهم، فتفضحهم على رؤوس الخلائق، وتشهد عليهم شهادة، لا رجعة فيها، ولا جدال فيها‫.
يَوْمَئِذٍۢ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴿25﴾
‫(يَوْمَئِذٍۢ) أي في يوم القيامة، يوم تشهد عليهم ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم مما كانوا يعملون (يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ) الدين بمعنى الجزاء، أي يوفيهم الله جزاؤهم الثابت عليهم، المقطوع بحصوله لهم، بسبب ما فعلوه (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴿٢٥﴾) العلم هنا علم معاينة؛ لأنهم يعاينون الأمر، يرون الجنة، ويرون النار، يرون الميزان، فالعلم علم معاينة، علم حقيقي ليس بالاستنتاج، أو بالاستنباط، أو بالدلائل أو بالظواهر (ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴿٢٥﴾) اسمان من أسماء الله الحسنى، (ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴿٢٥﴾)، أي الحق الثابت بذاته، المبين‫: الظاهر ألوهيته، فلا يشاركه في ذلك غيره، ولا يملك الثواب، والعقاب سواه (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴿٢٥﴾) أي ذو الحق المبين، أي العادل الظاهر عدله، ومن كان هذا شأنه ينتقم من الظالم للمظلوم، لا محالة، وتأتي الآيات بعد ذلك لتبين سنة الله (عز وجل) فيما بين الناس من إِلف الشكل لشكله، وانجذاب كل قبيل لقبيله، سنّة الله فيما بين الناس إلف الشكل لشكله، فيقول عز من قائل‫:
ٱلْخَبِيثَـٰتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَـٰتِ ۖ وَٱلطَّيِّبَـٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَـٰتِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ﴿26﴾
سنة الله في خلقه، الخبيثات من النساء لا يلقن إلا بالخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال مختصون بالخبيثات من النساء، والطيبات من النساء لا يلقن إلا بالطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال مختصون بالطيبات من النساء، فإن كان الأمر كذلك فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) أطيب الطيبين على الإطلاق، وإن كان سيد الخلق أطيب الطيبين، فامرأته من أطيب الطيبات بالضرورة؛ لذا رتب عليه قوله (أُو۟لَـٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ﴿٢٦﴾) براءة، وأية براءة (أُو۟لَـٰٓئِكَ) الإشارة إلى السيدة عائشة، وإلى صفوان بن المعطل (مُبَرَّءُونَ) منزهون (مِمَّا يَقُولُونَ ۖ ) هؤلاء الأفاكون، والوعد في الآخرة بسبب الابتلاء، فالابتلاء له ثواب، والصبر على البلاء من أعلى درجات العبادة؛ لذا يعد الله (تبارك وتعالى) آل بيت النبوة، ويعد صفوان الذي رمي بغير حق بقوله (لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ﴿٢٦﴾) جنات، إذا فقد حكم لهم بالجنة، والقرآن حمال وجوه (ٱلْخَبِيثَـٰتُ لِلْخَبِيثِينَ) الكلمات الخبيثات للخبيثين من الناس، هم المختصون بقولها، والخبيثون من الناس هم المختصون بالخبيثات من الكلمات، والطيبات من الكلمات هي من نطق الطيبين من الرجال والنساء، والطيبون من الرجال هم القائلون للطيبات من الكلمات، إذا فكل إناء بما فيه ينضح، فالكلام الخبيث يدل على النفس الخبيثة التي نطقت به، خاصة أن الله (تبارك وتعالى) حين لفت نظر المؤمنين، وقال (لَّوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًۭا) إذا يقيس المرء على نفسه، أتفعل أنت ذلك؟ إن قلت لا، فغيرك أوْلى بهذه البراءة، الأمين لا يتهم الناس بالسرقة جزافا، أما السارق الخائن فيهيأ إليه، بل يتمنى أن تكون الناس على شاكلته من الخيانة، فالخبيثات من الكلمات أي الكلام الذي قيل، والخبث من القول لا يقوله إلا خبيث، أما الكلام الطيب فلا يقوله إلا الطيب معنى آخر، والقرآن حمال وجوه، وتأتي الآيات بعد الزجر، وبيان الزواجر عن الزنا، والزواجر عن رمي العفيفات به، يأتي بيان بالزاوجر عما قد يؤدي إليها من الاطلاع على عورات، واختلاط الرجال بالنساء، ودخول الرجال على النساء غير المحارم بغير استئذان، تبين الآيات هذه الزواجر، لقطع الطريق على الكبائر والمعاصي، التي زجر الله (تبارك وتعالى) عنها من الزنا، ومن رمي المحصنات، والمحصنين به، كذلك تبين الآيات الآداب القويمة للمجتمع الإسلامي، والحفاظ على البيت والأسرة من الوقوع في المحظور، فيقول عز من قائل‫:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿27﴾ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فِيهَآ أَحَدًۭا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرْجِعُوا۟ فَٱرْجِعُوا۟ ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ ﴿28﴾
البيوت وحرمة البيوت، وآداب الدخول على البيوت، وستر العورات، وبيت الإنسان عورة سواء ما كان فيه من النساء، أو من الطعام، أو من الفراش، أو من الممتلكات، فالبيوت عورة، وربنا (تبارك وتعالى) من رحمته بخلقه جعل لهم من بيوتهم سكنا، فهي نعمة، ورحمة، فلم يتركهم يبيتون في العراء ككثير من خلقه، كالحيوانات مثلا، وإنما جعل لهم من بيوتهم سكنا، بل جعل لهم من الجبال أكنانا (لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ) أي غير بيوتكم التي تسكنونها، فقد تملك بيتا فهو بيتك، ولكنك لا تسكن فيه، بل يسكن فيه غيرك بالإيجار، أو بالإعارة، فالكلام عن البيوت التي يسكنها الناس ويقيمون فيها، لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم التي تسكنون فيها وتقيمون بها (حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا۟) الاستئناس خلاف الاستيحاش، إذ المستأذن مستوحش، أيؤذن له في الدخول أم لا، أو الاستئناس من آنس‫:‬ أبصر وعلم، من قوله (ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارًۭا) [سورة القصص آية‫:‬ ٢٩]، أي أبصر، ورأى، إذا فالمستأذن مستأنس أي مريد للعلم، مستكشف أيؤذن له أم لا، أهناك أحد في البيت أم لا (وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَهْلِهَا ۚ ) وتحية الإسلام هي السلام عليكم ورحمة الله، وتسلموا على أهلها أي على أهل البيت الذين أذنوا لكم، إذا فالاستئذان أولا، ثم السلام، وقال بعض الناس‫:‬ بل السلام أولا، ثم الاستئذان، وقال بعضهم‫:‬ بل الاستئذان أولا، ثم السلام حتى تقع العين على العين، وذاك أرجح؛ إذ في كل زمان عرف، فساكني الخيام الاستئذان عليهم يختلف عن ساكني البيوت، وبيوت الأمس كان للباب مقبض يدق به، وبيوت اليوم لها أجراس تدق، كما أن في يومنا هذا توجد أجهزة الاتصال، فيمكن لك أن تأخذ موعدا قبل أن تذهب، وعليه فقول الله (عز وجل) (لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَهْلِهَا ۚ ) تركت بغير تفصيل، وبيان لكيفية الاستئناس، وكيفية السلام لأعراف الناس في كل زمان ومكان، فهو حكم كلي، وعليه في يومنا هذا الاستئذان بطرق الباب، أو دق الجرس في هذه الحالة لابد أن يكون الطرق بحيث يسمع، ولا يكون بحيث يزعج، فلا تطرق طرقا خفيفا فلا يسمعك من بالداخل، ولا تطرق طرقا شديدا فتزعج من بالداخل، الأمر بيْن بيْن، وخير الأمور أواسطها، فإن فتح الباب وأنت واقف أمام الباب وقع بصرك على من وراء الباب، وعلى داخل البيت، وإنما جعل الاستئذان من أجل النظر، من هنا كان من السنّة أن تقف على الركن الأيمن أو الركن الأيسر من الباب، ولا تجعل الباب تلقاء وجهك، بحيث إذا فتح اطلعت على ما بالداخل، فالاستئذان من أجل النظر، أيضا لو أنك ذهبت إلى الباب ووجدت الباب مفتوحا هل يعني ذلك أن تدخل؟ أبدا، وإنما لابد من الاستئذان سواء أكان الباب مغلقا، أو كان الباب مفتوحا، ولا تقف قبالة الباب، الرجل يدخل بيته فيه امرأته لا استئذان، فهو بيته، وهي امرأته وفيه أولاده، وإنما يسلّم فهم أحق من سلّم عليه، أما الأخت، والأم، والمحارم، فيمنع الدخول عليهن بغير استئذان، وقد ورد (أَنّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي ؟ فَقَالَ : " نَعَمْ " ، قَالَ الرَّجُلُ : إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : " اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا " ، فَقَالَ الرَّجُلُ : إِنِّي خَادِمُهَا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : " اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا ، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً ؟ " قَالَ : لَا ، قَالَ : " فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا) ، إذاً فمن الواجب أن يستأذن الرجل على أمه، وأخته، وابنته، وهكذا حتى لا يراها في موضع، أو في موقف، أو في هيئة لا تحب أن تراها عليها، لو أن الأم في نفس البيت الذي فيه الزوجة، أنت تسكن في بيتك ومعك زوجتك، ومعك أمك أتستأذن؟ قيل‫:‬ لابد وأن يشعر الأم بأنه جاء، فإن فتح بمفتاحه، فعليه أن يسلم قبل أن يدخل، أو يتنحنح مثلا، أو يضرب برجله بأي أسلوب حتى تشعر الأم، أو الأخت المقيمة معه بالمسكن أنه قد جاء، فإذا دخلت بيتك ولم يكن فيه أحد سواك، ففتحت، ودخلت أتسلمِ؟ نعم، قيل تسلّم على نفسك، فتقول‫:‬ السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، وقيل ترد عليك الملائكة السلام، وبعضهم لم يفترض هذا، ولم يوجبه ولكن البعض سن ذلك (ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٢۷﴾) أي الاستئذان خير لكم من أن تدخلوا البيوت بغتة، أو تفاجئوا أهلها، أو أن تطلعوا على العورات، أو تحدث البغضاء، والشحناء نتيجة وقوع بصرك على ما لا يحب صحاب البيت أن يقع عليه بصرك (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٢۷﴾) تذكروا ذلك، وتعملوا به، خير لكم في دينكم ودنياكم (فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فِيهَآ أَحَدًۭا) أي لم تجدوا فيها أحد يأذن لكم، فقد تطرق باب صاحبك ولا ترد عليك امرأته، ليس معنى ذلك أن البيت ليس فيه أحد، ولكن من فيه لا يملك أن يأذن، من هنا لم تجدوا فيها أحدا يأذن لكم (فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ ) أي يأذن لك من يملك الإذن (وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرْجِعُوا۟ فَٱرْجِعُوا۟ ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ ﴿٢۸﴾) طرقت عليه الباب، فقال‫:‬ لا أتمكن من مقابلتك الآن، أولا أستطيع أن أقابلك الآن، اذهب وعد بعد حين، أو قابلني في مكان كذا، ارجع وأنت راض، لا تخرج ساخطا، وتقول‫:‬ لم يأذن لي، ولم يدخلني بيته، وإلا تكون بعيدا عن سنّة سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) بعيدا عن العلم بما يجب (فَٱرْجِعُوا۟ ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ ) أطهر، وأنقى لكم، ولنفوسكم من أن تلحوا وتقفوا على الأبواب، وكم من ملِّحْ يطرق لا يفتح له، يظل يطرق فيزعج الناس، ويزعج الجيران الذين لا ذنب لهم، أو يقال له‫:‬ نأسف لا نستطيع أن نقابلك، فيخرج غاضبا، جهل الناس بسنّة النبي (صلى الله عليه وسلم) فالبيوت عورات، من هنا قد يقال‫:‬ ارجع بالكلام، وقد لا يقال، طرقت إلى متى تطرق؟ تطرق، تطرق ثلاثا، فالاستئذان ثلاثا، فإذا لم يؤذن لك وجب الرجوع فرضا، وسن لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذلك، لا يشترط أن يقال لك‫:‬ ارجع، طالما طرقت ثلاثا ولم يرد عليك أحد، ولم يأذن لك أحد وجب الرجوع، هنا عدم الرد معناه ارجع، فيها أحد أو ليس فيها أحد، الاستئذان على البيوت بهذا الأسلوب هو سنّة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويحكي لنا جابر بن عبد الله كما يروي عنه الصحيحان، (اسْتَأْذَنْتُ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي ، فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقُلْتُ : أَنَا ، فَقَالَ : أَنَا أَنَا كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ) أنا لا تدل على الشخص وكلنا أنا، من أنت؟ من هنا قيل‫:‬ إذا سُئلت من؟ وجب أن تذكر الاسم، كما فعل عمر بن الخطاب استأذن على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال‫:‬ ( السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَيَدْخُلُ عُمَرُ) إذا فإذا قيل‫:‬ من؟ وجب أن تذكر الاسم، فباسمك تعرف، هذا في شأن البيوت غير المسكونة لكم، بيوت الأصدقاء، بيوت الأقارب أيا كان (وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ ﴿٢۸﴾) تهديد ووعيد لطالبي الدخول للمعصية، وعيد لطالبي الدخول للاطلاع على العورات، رحمة الله (تبارك وتعالى) عمّت وقرآنه لكل زمان ومكان، وفي أزماننا هذه توجد البيوت غير المسكونة، والتي ينتفع بها عامة الناس، فلم يغفلها القرآن عظمة القرآن، وشمول القرآن لكل عصر وأوان واسمع‫:‬‬‬‬
لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا۟ بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍۢ فِيهَا مَتَـٰعٌۭ لَّكُمْ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴿29﴾
متاع‫:‬ أي انتفاع، ما هي البيوت التي فيها انتفاع وهي غير مسكونة؟ المدارس، الجامعات، دور العلم، المكتبات العامة، المحلات، دورات المياه، كل ذلك يقال عنه‫:‬ بيوت، استراحات الطريق، الفنادق، هل تدخل الفندق فتستأذن من دخل قبلك أم تدخل؟ تدخل هذه البيوت غير مسكونة لكم، فيها انتفاع، في هذه الحالة ليس عليكم جناح أي إثم، أو مؤاخذة (وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴿٢۹﴾) فالدخول من أجل الانتفاع، وليس من أجل الإضرار، ليس من أجل السرقة، أو الاغتيال، أو الاغتصاب، أو، أو، وإنما الدخول لأن فيها متاع لك، ذاك هو الشرط، أي لك فيها انتفاع‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، تأمل في كتاب الله، في الدستور الإلهي، تأمل في التشريع، تأمل في الرحمة، صدق ربي (مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٣٨]، فقد قيل‫:‬ إن النظر بريد الزنا، والعين شباك القلب، وإذا وقعت العين على ما لا يحل، قد يقع الإنسان فيما لا يحل‫.‬‬
‫من هنا يبين ربنا (تبارك وتعالى) الآداب الواجبة في استخدام نعمة البصر، يبين المحظورات بالنسبة لنعمة البصر، يقول عز من قائل‫:‬‬‬‬
قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿30﴾
آية شاملة كاملة، لكن فيها لفتات غريبة، تأمل رغم قصر الآية (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ) أمر للنبي (صلى الله عليه وسلم) أن يأمر (يَغُضُّوا۟) فعل مضارع، لم يقل‫:‬ قل للمؤمنين غضوا، أمر (يَغُضُّوا۟) جواب (قُل) وقل تتضمن معنى حرف الشرط، وكأنه قد قيل‫:‬ إن تقل للمؤمنين غضوا يغضوا، سبحانك ما أعظم كلامك، إغراء للمؤمن على طاعة الأمر كأنه استجاب، كأن الله يعلم من المؤمن مدى استجابته لأمره، ولأمر رسوله، (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟) أي إن قلت لهم، وأمرتهم غضوا، تجدهم يغضون، ويطيعون (مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ ۚ ) جاءت (مِنْ) في غض البصر، ولم تأت في حفظ الفرج، فما موقع (مِنْ) هنا، ولِم لم يأت في الكلام عن حفظ الفرج، ولم يذكر الغض عن أي شيء، وحفظ الفرج من أي شيء، لم يذكر، تأمل الغض هو إطباق الجفن على الجفن بحيث تمتنع الرؤية، والغض إنقاص، غضن منه أنقص من قدره، غض طرفه، وغض صوته، (وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ ) [سورة لقمان آية‫:‬ ١٩]، غض صوته، وغض من صوته، وغض طرفه، وغض من طرفه، وغضه‫:‬ أنقصه وأنقص قدره (يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ) (مِنْ) قيل‫:‬ زائدة، ولا موضع لها من الإعراب، والدليل على ذلك ما جاء في قوله‫:‬ (فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ (٤٧)) [سورة الحاقة آية‫:‬ ٤٧]، وقيل‫:‬ بل هي للتبعيض، إذ ما كل شيء يُغض عنه البصر، فمن البصر ما يباح، وقيل‫:‬ من صلة لغض، وليست صلة للبصر، (يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ) إذا هي ليست في شأن البصر، وإنما هي بالنسبة للغض، الدليل على رجاحة قول أن (مِنْ) للتبعيض ما يرويه مسلم عن جرير بن عبد الله حين يقول (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَنْ نَظْرَةِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي) إذا فالأولى لك، والثانية عليك‫.‬‬
‫من هنا يتأكد أن كلمة من للتبعيض، نظرة الفجاءة غير مكتسبة أنت تسير في الطريق، فالتفت يمنة فوجدت ما لا يحل لك النظر إليه، هذه اللفتة هذه النظرة الأولى أهي مكتسبة؟ أبداً، فطالما لم تكن مكتسبة فلا تقع تحت خطاب التكليف، وعليه فلا تكليف فيها، فهي لك، لكن عليك في هذه الحالة أن تغض الطرف، هنا تطبق الجفن على الجفن، أو تشيح بوجهك، إذا فالنظرة الأولى الفجائية التي تقع من غير قصد، ومن غير اكتساب لا تقع تحت طائلة التكليف (وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ ۚ ) لأن الفرج يملك، هل ينكشف الفرج بغير اكتساب؟ هل يزني الفرج من غير قصد؟ إذاً فالفرج يملك من هنا لم تأت من‫.‬ أيضا نجد أن أبا سعيد الخدري (رضي الله عنه وأرضاه) يقول كما يروي عنه الصحيحان، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ) وكأنه (صلى الله عليه وسلم) رأى المقاهي، ورأى الكراسي على الأرصفة، ورأى ما نراه الآن (صلى الله عليه وسلم) (قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : " فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ " ، قَالُوا : وَمَا حَقُّهُ ؟ ، قَالَ : " غَضُّ الْبَصَرِ ، وَكَفُّ الْأَذَى ، وَرَدُّ السَّلَامِ ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ) أين نحن من ذلك؟ وأنت ترى في الصيف وما أدراك ما الصيف، أين لنا بهذه السنّة العظيمة، والأمر الكريم، إياكم والجلوس على الطرقات، وإن كان لك بد فأعطي الطريق حقه، فقد يضطر الإنسان أن يقابل أصحابه، أو إخوانه في مكان عام، فأعط الطريق حقه‫:‬ غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ ۚ ) حفظ الفرج، قيل‫:‬ أي ستر العورة، وقيل‫:‬ بل الحفظ عن الزنا، وقيل‫:‬ بل الأمر عام يشمل كل ذلك، لم يذكر غض البصر عن أي شيء، ولم يقل حفظ الفروج من أي شيء لكنك تفهم، والعبرة بفهم السامع، ثقة بفهم السامع تم الحذف، والحذف في القرآن كثير، اختصارا بالحذف ثقة بفهم السامع، تحفظ فرجك عن أي شيء؟ عما لا يحل، تحفظ وتغض بصرك عن أي شيء؟ عما لا يجب أن تطلع عليه، أو تنظر إليه، حفظ الفرج، ستر العورة، الامتناع عن الزنا، هذا هو معنى حفظ الفرج إلا على الأزواج أو ما ملكت اليمين، ويحضرني قول الصديقة، البريئة، المنزهة، الطاهرة، سيدتي السيدة عائشة، حين تقول، وتصف، والله ما رأيت من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وما رأى مني، الزوجة الحلال، المباحة، المبرأة بالآيات (ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ ) أطهر لنفوسهم، ولأبدانهم، ولدينهم، وها هي الأمراض تسمعون عنها، أمراض لا شفاء منها، نقص المناعة، وما إلى ذلك (إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿۳۰﴾) تهديد، تحذير، وعيد، إذا كان يعلم ويرى فهو لابد وأن يحاسب، ويؤاخذ، أربعة بُرئوا بأربعة، يوسف الصديق حين اتهم بالفاحشة برأه شاهد من أهلها الذي قال (إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍۢ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ﴿٢٦﴾ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿٢۷﴾) [سورة يوسف آية‫:‬ ٢٦ - ٢٧] برأه الله بالصبي الشاهد من أهلها، موسى اتهمه قومه بعيب خلْقي فيه، فقد كانوا يغتسلون عرايا ينظر بعضهم إلى بعض، أما موسى المخلص، المكلم، المصطفى، الرسول، منعه الحياء فكان يغتسل بعيدا عنهم ساترا عورته، فاتهموه بكذا وكذا، فبرأه الله بالحجر، في يوم من الأيام خلع ثوبه بعيدا عنه، ووضعه على الشاطئ، ووضع عليه حجرا، ونزل يغتسل، فسار الحجر بثوابه، فخرج يجري وراء لحجر، ويقول‫:‬ ثوبي حجر ثوبي حجر، فنظر إليه قومه، فبرأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيها، وحين أمسك بالحجر أخذ يضربه بعصاه كيف يجري بثوبه، ومريم الصديقة، البتول، العذراء، الطاهرة حين اتهمت بالفاحشة برأها وليدها في المهد، برأها نبي، برأها عيسى قال‫:‬ إني عبد الله، أما الصديقة، الطاهرة فلم يبرئها حجر، ولم يبرئها صبي، ولم يبرئها نبي، بل برأها الله بكلامه، وقرآنه، يتلى إلى أن تقوم الساعة، مما يدل على رفعة منزلة، وطهارة الذيل، وعظم المكانة رضي الله عنها، وأرضاها‫.‬‬
‫فإن النظر بريد القلب، من أجل ذلك أمر الله (تبارك وتعالى) المؤمنات بالتستر، والعفة، فقال عز من قائل:
وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُو۟لِى ٱلْإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا۟ عَلَىٰ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿31﴾
‫(وَقُل) الأمر للنبي (صلى الله عليه وسلم) كي يبلغ أمر الله (تبارك وتعالى) إلى نساء الأمة، وكان يكفي قول الله (عز وجل) (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ)؛ إذ الأمر للرجال وللنساء كعادة القرآن في الخطاب، يخاطب الذكور تغليبا، والمقصود بالخطاب الرجال والنساء، لكنه هنا خصص، وخص النساء بالأمر للتأكيد، رغم دخولهن في الخطاب الأول العام (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ) (مِنْ) هنا كما قلنا في الآية السابقة للتبعيض؛ إذ إن النظر لا يملك، فقد يقع النظر من غير قصد كما أن الإنسان لابد له من النظر للتعامل مع الناس، فمن النظر ما يباح، ومن النظر ما لا يباح، والنظر لا يملك، من هنا قال‫:‬ (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ)، وكأنه قال‫:‬ إن تقل لهن اغضضن يغضضن، كما قلنا في الآية السابقة (وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) ولم يأت بكلمة من التي للتبعيض؛ لأن الفرج يملك، ويحفظن فروجهن عن كل ما لا يحل من الإبداء، أو من إتاحته لمن لا يحل له ذلك (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ ) وهنا توقف العلماء، واجتهدوا في فهم المراد، فالزينة زينتان‫:‬ زينة خلْقية، وزينة مكتسبة، فالخلقية‫:‬ وجه المرأة محل الجمال، محل النظر، جسد المرأة، والزينة المكتسبة‫:‬ هو ما تحاول المرأة أن تضفيه على نفسها، فتتزين بالثياب، بالحلي، بالكحل، بخضاب، وما إلى ذلك من هنا (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ ) أي مواضع زينتهن فالمقصود الجسد، ومواضع الزينة من الجسد كثيرة‫:‬ الأذنان، الذراع، محل الأساور، العنق، محل القلادة، أو الجسم عموما من هنا (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ ) إلا ما ظهر منها لضرورة، ضرورة الحركة، الخروج الدخول التعامل، إذا فالأمر لهن بالتستر وإخفاء الزينة قدر الجهد، ويعفى عما يظهر عن غير قصد، أو عما يظهر لضرورة فما هو ذاك؟ من اعتبر كلمة زينة، الزينة الخلْقية، قال‫:‬ إلا ما ظهر منها وهو الوجه والكفان استنادا لحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأسماء، (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) الخلقية‫:‬ الجسد، والشعر إلا ما ظهر منها؛ لأن إظهار الوجه والكفين عادة، وعبادة، ولا يصح أن تغطي وجهها ولا كفيها في الحج والعمرة حين الإحرام، ومن اعتبر أن الزينة هي الزينة المكتسبة إلا ما ظهر منها، وهو الكحل في العينين، الخضاب في الكفين، الخواتم، الفتخ الخواتم الكبيرة، القلادة إذا كانت فوق الثياب، البعض قال القرط، واختلف في السوار هل يصح أم لا؟ فمنهم من أباح، ومنهم من منع، ولكل من العلماء سنده، تلك هي الزينة إما خلقية أو مكتسبة (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ ) الخمر جمع خمار، والخمار من الخمْر، وهو التغطية والخمار يطلق على غطاء الشعر (وَلْيَضْرِبْنَ) استخدام اللفظ وليضربن يدل على التأكيد، وعلى أن الخمار يجب أن يكون ساترا كثيفا، غير شفاف، وكانت نساء العصور الأولى ونساء الجاهلية إذا وضعن الخمر على رؤوسهن سدلنها خلف الظهور، مما يكشف العنق والأذنان، والنحر والصدر، ومن هنا أمرهن الله أن يضربن بالخمر أي أمرهن بلي الخمار على الصدر بدلا من سدل الخمار خلف الظهر (عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ ) أي مواضع الجيوب، والجيوب من الجَوْب، والجوب‫:‬ القطع، ويطلق الجيب على فتحة القميص، على فتحة الثوب التي من الضرورة بمكان حتى يستطيع الإنسان أن يلبس القميص، وكذلك المرأة، فإذا لبست المرأة الخمار وسدلته خلف ظهرها انكشف العنق، وانكشف الصدر من فتحة الجيب، فأمرن بلي الخمار على الصدر لتغطية مواضع الجيوب، وهي الفتحات في الثياب (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) وتكررت كلمة زينة للتأكيد، استثناءان في الآية‫:‬ الاستثناء الأول‫:‬ هو استثناء ما يظهر من زينة المرأة الخلقية، أو المكتسبة لضرورة، والاستثناء الثاني‫:‬ هو استثناء اطلاع الغير على زينة المرأة بسبب الحِلْ كالأزواج، أو المحرم كالآباء، والأبناء وغيرهم، ما ذكروا في الآية لكن الملاحظ أن الآية سوت بين الجميع في جواز إبداء الزينة، ولهم رغم التفاوت، الأمر الثاني لم تذكر الآية صنفان الأعمام، والأخوال، وكذلك الأخوات، والإخوان، والآباء من الرضاعة، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، من هنا قال العلماء‫:‬ أما الأعمام، والأخوال فحكمهم حكم الآباء والإخوان، وقال بعضهم‫:‬ لم يذكر العم والخال للتحرز من أن يصفوا ما يروه لأبنائهم، وهم يحلون للنساء، وليسوا من المحارم، أما عدم ذكر المحرمون بالرضاع فهم مفهومون ضمنا من أحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) حين قال‫:‬ (يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ)، ومفهوم كذلك من قوله (تبارك وتعالى): (وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَـٰعَةِ) [سورة النساء آية‫:‬ ٢٣]، في آية الزواج (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) البعْل يطلق على الزوج، ويطلق على السيد أي المالك الذي يحل له ملك اليمين (أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ أَخَوَٰتِهِنَّ) سوّت الآية بين الزوج والأب، ووالد الزوج، وابن الزوج، والأخ، وابن الأخ، وابن الأخت، والأب، الأب وإن علا، والابن وإن نزل، فوالد الزوج حكمه حكم والد، والد الزوج، وابن الزوج حكمه حكم ابن، ابن الزوج، وابن بنت الزوج، والأبناء والأحفاد، لكن أيها السامع يا من تعقل هل يصح أن تظهر المرأة لأبيها ما تظهره لزوجها؟ وهل يصح أن تظهر لوالد الزوج ما تظهره لوالدها، وهل يصح أن تظهر لابن زوجها ما تظهره لابنها، إذا فهي مراتب لم تذكر على التفصيل ثقة في فهم السامع؛ إذ إن الهدف من هذا الأمر بالتستر هو سد ذرائع الفتنة، فقد أمر الله (تبارك وتعالى) المؤمنات بالتستر والتعفف، والعفة حتى لا يقعن في الفتنة، أو يوقعن الرجال فيها، وعليه فمظنة الشهوة في الأب، أو الابن، أو الأخ، أو أبناء الأخ، أو أبناء الأخت، غير موجود على الإطلاق لنفور الطبع منها، لكن ابن الزوج، وإن كان من المحارم على التأبيد إلا أنه رجل قد لا يسمح له بالنظر إلى ما يسمح به لأبيه، من هنا كانت المراتب التي تفهم ضمنا من الآية، فهي المراتب، فما هي هذه المراتب وما يسمح به لكل منهم؟ من الطبيعي أن المسموح به للزوج هو كل بدن المرأة، الزوجة أو ما ملكت اليمين لذة، ونظرا، أما للأب، وأب الزوج، وإن كان التحريم على التأبيد إلا أنهم، قالوا فيما يسمح به للآباء، والإخوان، وأبناء الإخوان هو شعر المرأة، وبعض الذراع، وبعض الساق، أي العورة المخففة، ولا يسمح بالعورة المغلظة مطلقا لا للأب، ولا للأخ، ولا لأب الزوج، ولا لأبناء الأخ، أو لأبناء الأخت، والعورة المغلظة في المرأة الصدر إلى الركبتين، وقالوا‫:‬ إنما يسمح به لوالد الزوج، لا يسمح به لابن الزوج، فالتستر مطلوب، من هنا قيل‫:‬ إن لأبناء الأزواج الحق في الاطلاع على ما تبديه المرأة أثناء المهنة، والعمل، وهو الشعر فقط، الأذن، بعض العنق، قليل من الذراع إلى نصف الذراع، إلى نصف الساق، وما إلى ذلك، ولكل امرأة أن تفهم، وأن تعلم، وأن يكون لها من البصيرة ما تستطيع به أن تتعفف قدر الإمكان، فالإباحة هنا لضرورة المخالطة، ولضرورة التعامل، وضرورة الحركة، لكن لا يعني أن تتحرر أو تتحلل أو لا تلقي بالاً لنظرات الآخرين، حتى وإن كانوا من المحارم (أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُو۟لِى ٱلْإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا۟ عَلَىٰ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿۳١﴾) القائمات على الخدمة من الحرائر، أو المختلطات بالصحبة، أو الأقارب كالعمة، والخالة، وابنة الأخت، وابنة الابن وما إلى ذلك، وهنا قال بعض العلماء‫:‬ النساء المسلمات فقط، ولا يصح أن تكشف المرأة زينتها الباطنة للنساء غير المسلمات، وقال البعض الآخر‫:‬ هذا الأمر من السلف بمنع إظهار المرأة المسلمة زينتها للمرأة غير المسلمة على الاستحباب، وليس على الإيجاب، وحين قالوا ذلك، خافوا من أن تصف المرأة الكتابية ما رأته في المرأة المسلمة من زينة لزوجها، أو لابنها، أو ما إلى ذلك، لكن الرأي الأرجح هو إباحة إظهار الزينة التي يباح إظهارها للمرأة المسلمة كذلك للمرأة غير المسلمة (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ) وهنا (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ) عموم اللفظ يفيد العبيد، والإماء؛ لأن المرأة قد تملك عبداً رجلا، وهنا وقع بعض الناس في الخطأ، واستغفر الله من اتهامهم بالخطأ حيث أباح البعض للمرأة أن تبدي شعرها فقط، أو بعض زينتها لعبدها بنص الآية، وقال الآخرون‫:‬ وهم جمهور العلماء، والغالبية العظمى منهم المحققون، والراسخون (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ) من الإيماء لأن العبد رجل أجنبي يشتهي بالنظر، وقد وقد؛ إذا فلا يصح أبداً أن تظهر زينتها للعبد، بل العبد حكمه حكم الأجنبي، فلا يصح له أن يرى شعرها، أو بعض العنق لا يصح (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ) وهناك رأي وجيه يقول‫:‬ أو ما ملكت أيمانهن من غير أولي الإربة، أو التابعين من الرجال غير أولي الإربة، أي كلمة غير أولي الإربة تعود على ما ملكت أيمانهن، وعلى التابعين، لكن الرأي الأرجح هو ما ملكت أيمانهن من الإماء أو التابعين من الرجال غير أولي الإربة، الإربة‫:‬ الرغبة، والحاجة، أَرِبَ يَأْرَبُ أَرَباً وإِربةً وتأْرُبةً: حاجة، أرب‫:‬ احتاج، وطلب، والإربة‫:‬ الحاجة، والأرَب‫:‬ ما يرغبه ما يطلبه (أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُو۟لِى ٱلْإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ) إذا فمعنى ذاك الرجل الذي لا يشتهي النساء، ولا حاجة له في النساء، إما لمرض كالعنين، أو الخصي، أو كبير السن، أو الأبله، وقيل التابعين‫:‬ هو الأبله الذي لا حاجة له في النساء، ولا يدري عن النساء شيئا، وإنما يلحق بقومه، ويتبعهم من أجل الطعام، أي أن همه بطنه، فلا حاجة له في النساء، على كلٍّ، التابعين هو من تضطر المرأة لمخالطتهم من الرجال غير أولي الإربة، لابد أن يحدد ذاك، لأن هذا الرجل من غير أولي الإربة لسبب من الأسباب، وقال بعض العلماء‫:‬ يجب التستر حتى من هذا إلا لضرورة، فأن يعفى عن الشيء ليس معناه أن يباح، ويطلق على إطلاقه، وإنما ذاك عفو من الله، تيسير من الله للضرورة (أَوِ ٱلطِّفْلِ) الطفل لفظ مفرد، لكن يعني به اسم جنس أي الأطفال (أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا۟ عَلَىٰ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿۳١﴾) الظهور يأتي بمعنى الاطلاع، والظهور يأتي بمعنى الغلبة، والقهر، ظهر عليه غلبه، وظهر اطلع، المعنيان محتملان، الطفل الذي لم يطلع على عورة المرأة، ويفهم ما هي هذه العورة، وفيما تستخدم أو لم يظهر عليها بمعنى الاطلاع من أجل الجماع، أو الاطلاع من أجل الشهوة، أو بمعنى يظهر أي يقوى بمعنى يغلب، بمعنى يقوى على النكاح، يقوى على الجماع، والطفل يطلق على المولود الذكر لحين البلوغ، فإذا بلغ أصبح رجلا، ولا يطلق عليه كلمة طفل، فإن راهق الاحتلام حكمه حكم الرجال (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ ) قيل في تفسير الآية‫:‬ إن المرأة في ذاك العصر كانت تلبس الخلخال في أسفل الساق، فإذا ضربت بالقدم رنت الخلاخل، رنين الخلخال قالوا‫:‬ يحرك الشهوة، وقال بعضهم‫:‬ بل يعني ذاك أنها تلفت النظر، وذاك هو الرأي الأرجح أن الآية وإن كانت تذكر أمرا خاصا ضرب الرجل ليعلم ما يخفين من زينتهن من الحلي، إلا أن الكلام يشعر بأن المطلوب عدم لفت النظر بأي وسيلة سواء بطرقعة الأحذية، أو بضرب الأرجل، أو بلفت النظر بأي أسلوب، فإن لبست المرأة من الثياب ما يغطي جميع البدن لكنها ثياب شفافة، إذا فقد أبدت ما تخفي من زينة، أو ثيابا واصفة ملتصقة بالجسد، تصفه وصفا دقيقا، إذا فقد أبدت ما تخفي من زينتها، إذاً كل لفت للنظر ممنوع، سواء بضرب الأرجل، أو بوضع الطيب، أو بلبس الثياب الكاشفة غير الساترة، أو الشفافة (وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿۳١﴾) أمر بالتوبة، وهو أمر على الوجوب، وخوطب به كل مؤمن، وإن كان رسولا، وإن كان نبيا، إذا فالاستغفار فرض، والتوبة فرض بنص القرآن، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم أوامر، إذا فالاستغفار فرض، والتوبة فرض، والتقصير فيها يؤدي إلى المساءلة، ومعنى توبوا جمعيا أن الإنسان مهما بلغ من درجة الرقي في العبادة، والعفة، والطاعة واقع لا محالة فيما يستدعي التوبة، فلا عصمة إلا لمن عصمه الله (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿۳١﴾) أمر بالتوبة للجميع مع إعطاء الأمل في الفلاح، في الفوز في الدنيا بالستر، وبالسعادة، والسلامة، والفوز في الآخرة بالرضوان، والجنة، وقد أشار بعض العلماء في تفسيره لهذا الأمر بالتوبة إلى حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي رواه الإمام مسلم، والذي فيه ( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ ، فَزِنَا الْعَيْنِ : النَّظَرُ ، وَزِنَا اللِّسَانِ : الْمَنْطِقُ ، وَالنَّفْسُ : تَمَنَّى وَتَشْتَهِي ، وَالْفَرْجُ : يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ) وطالما أمره الله (تبارك وتعالى) بالتستر، وبالتعفف، وبالتحصن، وقد نهى عن الزنا والسفاح حتى لا تأتي أولاد من السفاح، نهى ربنا عن الزنا، وعن كشف العورات، وأمر بالتستر وبالتعفف، ثم أمر بالزواج الذي هو العصمة، والحصن المنيع فقال:
وَأَنكِحُوا۟ ٱلْأَيَـٰمَىٰ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا۟ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ ﴿32﴾
أنكحوا‫:‬ أمر بالتزويج، وهذا الأمر أمر للأمة، أمر للأسياد الذين يملكون الإماء، والعبيد، أمر للآباء، أمر للرجال عموما، وأخذها البعض ذريعة لقوله‫:‬ إن المرأة لا يحل لها أن تزوج نفسها، إذ الأمر للأولياء، وقال أبوحنيفة‫:‬ بل تزوج نفسها إذا كانت رشيدة إلى آخر الخلاف في هذا الشأن زوجوا الأيامى، جمع أيَّم، والأيّم يطلق على الرجل، والمرأة، الرجل الذي لا زوجة له المرأة التي لا زوج لها سواء لم يسبق لهما الزواج، أو حدث الطلاق، أو مات الزوج، وأصل الكلمة من قولهم تأيمت المرأة إذا قصرت نفسها على تربية أولادها بعد وفاة زوجها، ولها بشارة عظيمة في بعض الأحاديث، لكن اللفظ استخدم في كل من لا زوج له، رجلا كان أو امرأة (وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ ۚ ) الصالحين في أي شيء؟ أمر للأسياد بتزويج العبيد والإماء، قيل‫:‬ الصالحين للزواج، وقد تكون أمة كبيرة في السن، أو صغيرة طفلة، أو يكون العبد لا يصلح للزواج، وقيل‫:‬ بل الصالحين من حيث الدين، والأمانة إذ التقوى والأمانة في العبيد، والإماء أدعى للإحصان، وللاهتمام بشأنهم، ولما كان الزواج أساسه المادة، والصداق وما إلى ذلك فقد يمتنع الفقير عن الزواج من أجل ذلك، فجاءت البشرى للفقراء الذين يتزوجون رغم فقرهم، طاعة ورغبة في الإحصان جاءت البشرى بالاغتناء (إِن يَكُونُوا۟ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ ﴿۳٢﴾) إذا لا حجة لمن لم يتزوج لفقره، فإن أراد الزواج إحصانا لنفسه، وكان فقيرا فقد ترضى به المرأة إن تقدم لها، وتقتنع به، وقد يصرف عنه الشهوة، وقد يغنيه الله (تبارك وتعالى) من فضله (وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ ﴿۳٢﴾) واسع المنن، والنعم متعددة كثيرة، لا تنفذ نعمته لتناهي قدرته، عليم، يبسط الرزق لمن يشاء، ويقدر لمن يشاء، وليس الفقر معناه أن الخزائن نضبت، أو أن الله لا يقدر على أن يرزق الكل، بل لحكمة، فالله واسع عليم، الزواج إما واجب، أو سنة، وإما مندوب أو مستحب، أو مباح، هنا الأمر (وَأَنكِحُوا۟ ٱلْأَيَـٰمَىٰ) فالفقر ليس حجة للامتناع عن الزواج، لكن من كانت شهوته غالبة، ويملك القدرة على الزواج فالأمر بتزويجه فرض واجب، أو سنة، أو مستحب، أو مباح طبقا لحاجة الشخص رجلا كان أو امرأة، من هنا قيل‫:‬ إن هذا الأمر يخضع لهذه الأحكام، وأنكحوا فعل أمر إما واجب أو سنة، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) أو يكون مستحبا أو يكون مباحا، والفقر ليس حجة للامتناع عن الزواج، فربنا (تبارك وتعالى) غني واسع، وقيل‫:‬ إن هذه الآية بشارة للفقير غير المتزوج، إذا أراد أن يغنيه الله فعليه أن يتزوج، من الناس من يمتنع عن الزواج لا للفقر، ولكن لأسباب أخرى كالطالب في مراحل التعليم مثلا، والمريض حتى يشفى، والذي لا يجد صداقا يمنحه للمرأة، والذي لم يجد مسكنا يأوي إليه مع امرأته، وربنا أعلم بعباده من هنا قال العلماء‫:‬ إن الأمر بالتزويج (وَأَنكِحُوا۟ ٱلْأَيَـٰمَىٰ) قد يكون واجبا وقد يكون من السنة، أو مستحب، أو مباحا لكن الله تبارك وتعالى مع ذلك وسع على عبادة ويسر فقال‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًۭا ۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ ءَاتَىٰكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا۟ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًۭا لِّتَبْتَغُوا۟ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعْدِ إِكْرَٰهِهِنَّ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿33﴾
أمر بالعفة (وَلْيَسْتَعْفِفِ) أي يسعى ويعمل على عفة نفسه (ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا) قال البعض‫:‬ أي الطول نكاح بمعنى المال، ويرده قوله ( إِن يَكُونُوا۟ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ ) من هنا قال آخرون‫:‬ نكاح كلباس، ولحاف، لباس ما يلبس، ولحاف ما يلتحف به، والنكاح ما يتزوج به، إذا فاللفظ عام بمعنى (لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا)، لا يجدون زواجا، أيا كان المانع مأمور بالعفة طالما هناك مانع يمنعه من الزواج، فعليه بالاستعفاف أي يعف نفسه، ولو بالصيام فالصوم له وجاء، حتى يغنيهم الله من فضله فيقدرون على الزواج‬
‫(وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًۭا ۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ ءَاتَىٰكُمْ ۚ ) أمر الله (تبارك وتعالى) الموالي الأسياد، إذا طلب العبد أو الأمة المكاتبة، والمكاتبة‫:‬ أن يطلب العبد من سيده أن يكاتبه أي يتعاقدان على أن يؤدي العبد مبلغا من المال على أقساط، على نجوم منجما سبع سنوات، عشر سنوات، ثلاث سنوات، فإن أدى ما تعاقدا عليه أصبح حرا، بل هو وأيضا الأبناء الذين جاءوا من الأمة بعد العتق، أو بعد المكاتبة، المكاتبة هذه حدثت في عصر النبي (صلى الله عليه وسلم) من امرأة تدعى بريرة العلماء، قالوا هذا الأمر أهو على الوجوب، أم على الندب (فَكَاتِبُوهُمْ) أمر إذا فهو على الوجوب، وقال البعض الآخر‫:‬ بل هو الندب إذ إن الشرط (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًۭا ۖ ) فقد يقال للسيد من عبده كاتبني، فيقول‫:‬ لا أعلم فيك خيرا، أي خير الذي جاء في الآية؟ قيل‫:‬ خيرا في الدين، الصلاح والتقوى، وقيل‫:‬ خيرا بمعنى القوة على الاحتراس، والأداء إذ إن العبد وما ملكت يمينه ملك لسيده، أما إذا كان العبد ذا حرفة نجارا أو حدادا، صائغا، ويستطيع أن يتكسب ولا يعمل في خدمة سيده فقط، فقد يبيح له السيد أن يعمل أوقات فراغه، وما جاء به من مال يدفعه ويؤديه أقساط من أقساط الكتاب، أيضا قد يعان العبد من غيره كما طلبت بريرة العون من السيدة عائشة على أداء كتابتها (وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَـٰبَ) أي يطلبون المكاتبة (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًۭا ۖ ) خيرا في الدين، أو خيرا في الأمانة، والأداء، أو قدرة على التكسب، العبد طلب أن يكاتب ولا يقدر على التكسب هل يكاتبه سيده أم لا؟ قالوا‫:‬ يكاتبه ويستعين العبد بالصدقة؛ لأن الآية تحريض على التحرير (وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ ءَاتَىٰكُمْ ۚ ) للأمة أن تساعد كل مكاتب على تحرير نفسه (وَءَاتُوهُم) للحكام من بيت المال، فمن مصارف الزكاة، وفي الرقاب أي في تحرير الرقاب، أمر للأسياد أن يضع، ويحط من الكتابة، وللأمة في المساعدة، أيضا للحكام من بيت المال من أموال الزكاة فتحرير الرقاب من مصارف الزكاة (وَلَا تُكْرِهُوا۟ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًۭا لِّتَبْتَغُوا۟ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعْدِ إِكْرَٰهِهِنَّ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿۳۳﴾) البغاء‫:‬ الزنا، وبغت المرأة فهي بغي وهن بغايا، ويطلق البغاء بالذات على زنا المرأة، والقصة نزلت في حادثة على وجه الخصوص عن عبد الله بن أبي بن سلول شيخ المنافقين في المدينة، كانت له جاريتان يكرهوهن على الزنا، وهن لا يردن الزنا فشكون لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنزلت الآية، الإكراه على الزنا من أجل المال، أيضا من أجل الولد، فإذا حملت الأَمة فابنها رقيق، إذ الابن يتبع الأم في الرق، وفي الحرية، ويتبع الأب في الدين، من هنا السيد إذا جاءت الأمة بولد استرقه وباعه، وكسب من وراء من ذلك، وقيل‫:‬ كان الزاني يفتدي ابنه بمائة من الإبل، كل ذلك في البدايات، فحين حدثت القصة نزلت الآية (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًۭا لِّتَبْتَغُوا۟ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ ) وهناك شرط في الآية (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًۭا) هل هذا الشرط معناه أن الإكراه يصح إذا لم يردن تحصنا؟ أبدا، لكنه خرج مخرج الغالب؛ إذ لا يتصور الإكراه وهي راضية، إن كانت هي راضية، هل يتصور إكراه في هذا؟ لذا الأمر خرج مخرج الغالب، أيضا جاء من أجل التشنيع، وجاء بلفظ إن، ولم يقل إذا، وإن حرف الشك؛ لأن طلب العفة، والتحصن من الإماء أمر نادر، أمر شاذ، فجاء بكلمة إن، وكأنه يقول للأسياد أتريد الفتاة الأمة أن تتحصن وذاك أمر شاذ نادر، وأنت أيها السيد الحر تكرهها على البغاء من أجل المال، فجاء الشرط للتشنيع (وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعْدِ إِكْرَٰهِهِنَّ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿۳۳﴾) عليهم الغريب أن بعض المفسرين قالوا‫:‬ غفور رحيم لهن إذ المكره لا يحاسب، ولمن أكرهها إن تاب، وذاك أمر مردود مرفوض بنص اللفظ أي غفور لهن، رحيم، لعلك قرأت بعض الصحابة قراءة تفسيرية، وقال‫:‬ غفور لهن لأن المكره لا إثم عليه، وتختم آيات الحدود، وآيات الأمر بالتستر وبالتزويج، وبالتأديب والتربية على العفة، والاستعفاف بقوله (عز وجل):
وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ ءَايَـٰتٍۢ مُّبَيِّنَـٰتٍۢ وَمَثَلًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ ﴿34﴾
آيات‫:‬ آيات السورة، مبينات‫:‬ موضحات ما يجب وما لا يجب، كاشفات للحلال والحرم (وَمَثَلًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُمْ) أي مثل، وآيات سورة النور لم تأت بذكر قرون ماضية، السورة تكلمت عن الزانية، والزاني ووجوب الجلد، رمي المحصنات وعدم الإتيان بالشهداء، ثم قصة الإفك، ثم الأمر بعدم دخول البيوت بغير استئذان، ثم جاءت بالأمر بالغض من البصر للرجال، والأمر بالغض من البصر النساء، الأمر بالتزويج، الأمر بمكاتبة العبيد والإماء، أي مثل؟ المثل قصة عائشة سيدتي وسيدة الكل (رضي الله عنها) هي المثل (وَمَثَلًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟) من هم الذين خلو؟ الذي ضربت عائشة مثلا لهم، حين حدث لهم ما حدث لها، يوسف، ومريم ، ومثلا من الذين خلّوا من قبلكم أي ضربنا لكم بقصة عائشة مثلا لما حدث مع من كان قبلها من الصديقين مثل يوسف ومريم (وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ ﴿۳٤﴾) في هذه السورة موعظة كاملة للمتقين، وخص المتقين بالذكر لأنهم هم المنتفعون فقط، أما غير المتقين مهما قرأت عليهم السورة فلا اتعاظ، ولا فهم، ولا عمل، وتختم هذه الآيات الخاصة بالحدود وما إلى ذلك، وتليها آية وما لها من آية، فقد بين الله (تبارك وتعالى) أنه أنزل آيات مبينات، وساق الدلائل الواضحات على وجوده ووحدانيته وأنه (جل وعلا) هو المختص بالتشريع؛ لما فيه سعادة المجتمع، ثم ضرب مثلين مثل لنوره وهداه، مثل لمن تفضل عليهم بالآيات، والدلائل، والبينات وهداهم إليه، ومثل بالكفر والكفار وبأعمالهم يقول عز من قائل‫:‬‬‬‬
ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشْكَوٰةٍۢ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌۭ دُرِّىٌّۭ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍۢ زَيْتُونَةٍۢ لَّا شَرْقِيَّةٍۢ وَلَا غَرْبِيَّةٍۢ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌۭ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍۢ ۗ يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَـٰلَ لِلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ﴿35﴾
النور في كلام العرب‫:‬ الضياء الذي تدرك به المبصرات، والنور قد يطلق مجازا على الكلام الطيب، فيقال كلام له نور، وسمى الله (تبارك وتعالى) نفسه النور، وسمى نبيه نورا (قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَـٰبٌۭ مُّبِينٌۭ (١٥)) [سورة المائدة آية‫:‬ ١٥]، وسمى القرآن نورا فقال‫:‬ (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَـٰنٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًۭا مُّبِينًۭا (١٧٤)) [سورة النساء آية‫:‬ ١٧٤] النور كما قيل في علوم الدنيا لا يرى، وإنما يرى أثره، فبوقوع الضوء على الأشياء ترى الأشياء، فبالنور تدرك المبصرات، من هنا قيل‫:‬ إن وصف الله (تبارك وتعالى) بالنور لا يصح إلا بتقدير بمعنى (ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ ) أي منورهما، ولذلك قرأت (الله نوّر السموات والأرض)، منور السموات بالشمس، والقمر، والنجوم، والكواكب، ومنور الأرض بالأنبياء، والأولياء والعلماء، الله نور السموات والأرض موجد السموات والأرض، به أدركت الموجودات، وبقدرته قامت المصنوعات، وبه استقامت أمورها، ووضحت دلائلها، وكما أن النور إذا وقع على المبصرات أدركت، وأبصرت، فكذلك بوجود الله (عز وجل) وآياته البينات، ودلائله الواضحات أدركت الموجودات، الله نور السموات والأرض، جعل العقل هاديا، ونورا به تدرك المدركات، وتعقل المعقولات، الله نور السموات والأرض هو المصدر لوجودها، هو المصدر لقيامها، هو المصدر لاستقامة أمورها، هو بنوره، بهدايته، فالنور هادي، بنوره أدركت الموجودات (مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشْكَوٰةٍۢ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌۭ) الهاء ضمير عائد على أي شيء؟ قيل‫:‬ الكلام تم عند قوله‫:‬ (ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ )، ثم استأنف الكلام (مَثَلُ نُورِهِۦ) سيد الخلق (مَثَلُ نُورِهِۦ) القرآن (مَثَلُ نُورِهِۦ) هدايته في قلب المؤمن، اختلافات، فإذا كان المقصود بالضمير هو سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) فهو كمشكاة، والمشكاة‫:‬ الكوة في الحائط مسدودة ليست بنافذة، ليست مفتوحة على شيء، وإنما هي تجويف في الحائط (فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ ) والمصباح القنديل الذي يضيء، الفتيل الذي يشعل (ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ۖ ) والزجاجة هي تلك المحيطة بالقنديل، والزيت هو الوحي أو ما يسوقه الله (تبارك وتعالى) من آيات تكوينية، وآيات تنزيلية، وعليه فصدره (صلى الله عليه وسلم) هو المشكاة فيها مصباح النبوة (ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ۖ ) الزجاجة قلبه (ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌۭ دُرِّىٌّۭ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍۢ زَيْتُونَةٍۢ لَّا شَرْقِيَّةٍۢ وَلَا غَرْبِيَّةٍۢ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌۭ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍۢ ۗ يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَـٰلَ لِلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ﴿٣٥)) شجرة مباركة الوحي، والزيت الآيات المتتاليات التي تنزل عليه (صلى الله عليه وسلم) وقيل‫:‬ التمثيل لنور الله في قلب المؤمن، وذاك ربما يكون أرجح (مَثَلُ نُورِهِۦ) هدايته للمؤمن الذي اصطفاه، وهداه لنوره (كَمِشْكَوٰةٍۢ) المشكاة هنا هي صدر العبد المؤمن (فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ ) المصباح المضيء هو دليل وجوده الذي قذفه في قلب العبد المؤمن، فهو يؤمن بوجود الله، ووحدانيته كأنه يراه (ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ۖ ) والزجاجة قلب المؤمن (ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌۭ دُرِّىٌّۭ) الدري من الدر، وسمي وشبه قلب المؤمن بالزجاجة لصفائها، وعظيم وطيب جوهرها، فهي شفافة، مضيئة، جوهرها رائق شفاف، وقرأت كأنها كوكب دري، وقرأت (كأنها كوكب دِريء ، دُريء)، الدُريء والدِريء من الدرء وهو الدفع، وشبه ضياء الزجاجة بهذا لأن بعض ضوئها يدفع بعض، فهو ضوء يتلوه ضوء، ونور يتلوه نور، أو من الدفع للظلام فنورها ساطع، يدفع الظلمات فينير للمؤمن طريقه، ويهدي الله لنوره من يشاء (أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٢٢]، (يوقد، توقد، توّقد ) قراءات (يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍۢ) أي يوقد من زيت شجرة مباركة، مباركة نامية دائمة لا تنتهي، ولا تنفذ، مباركة هذه الشجرة زيتونة، وشجرة الزيتون هي أول شجرة نبتت في الأرض، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان، وهي الشجرة المباركة التي كلها منافع، وزيتها أضوء الزيوت، وأنظف الزيوت، وأنفع الزيوت (لَّا شَرْقِيَّةٍۢ وَلَا غَرْبِيَّةٍۢ) الشرقية هي التي تشرق عليها الشمس، ولا يصيبها ضوء الشمس في الغروب، والغربية عكس ذلك تصيبها الشمس عند غروب، ولا تصيبها عند الشروق، وهذه الشجرة لا هي شرقية، ولا هي غربية، إذاً فهي في مكان متسع مكشوف تصيبها الشمس في شرقها، وتصيبها في غروبها، فلا تحتجب عنها الشمس مطلقا، وذلك أنفع، وأجدى، وأنمى لها، وقيل‫:‬ لا شرقية، ولا غربية أي هي في ستر، وفي ظل دائم، فلا تصيبها الشمس لا في الشروق، ولا في الغروب، وقيل‫:‬ ليس هناك شجرة في الدنيا بهذا الوصف، وإنما هو مثل ضرب الله (تبارك وتعالى) لنوره، ولهدايته، ولدلائل الإيمان بوجوده (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌۭ ۚ ) (ولو لم يمسسه نار) قراءة، الزيت هو نفسه مضيء، منير من قبل أن توقد الشجرة، من غير نار، هذا الزيت يكاد يضيء من قبل أن تمسسه نار، فكيف إذا مسته النار، وكأن الكلام يعني أن الله (تبارك وتعالى) إذا اصطفى العبد واختصه بالهدى، قذف في قلبه الدلائل البينات على وجوده ووحدانيته، فأضاء صدره، وراق وصفا قلبه، فأصبح القلب كالزجاج الشفاف، الإيمان فيه يشع منه، فيضيء ما حوله، يضيء له الطريق، هذا القلب الشفاف كالزجاج الرقراق، يزداد النور فيه بنزول القرآن، والآيات (وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِۦٓ إِيمَـٰنًۭا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)) [سورة التوبة آية‫:‬ ١٢٤]، بنور البصيرة، فيرى ويطلع ويشاهد من مصنوعات الله ما يؤكد عقيدته، هذا الإيمان في قلبه والهدى مضيء بغير نزول الآيات، فكيف إذا نزلت الآيات، وكيف إذا سيقت الدلائل والبينات (نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍۢ ۗ ) نور فوق نور فوقه نور، ثم يسوق الله (تبارك وتعالى) ما يدل على نفاذ مشيئته، وعلى رحمته بخلقه بضرب الأمثال فيقول (يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ) إذاً فهي المشيئة، من يهدي الله فهو المهتد، هي مشيئته جل وعلا (وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَـٰلَ لِلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ﴿۳٥﴾) هذه الأمثال مثل نوره، والناس بطبيعتها وخلقتها لا تفهم الأشياء، ولا تدركها إلا بنفسها، ومن نفسها ونور الله (عز وجل) لا يدرك بالقوى التي خلقت في الإنسان الحواس، والعقل، والإدراك، والمخيلة، والمفكرة لا تدرك، فكان لابد أن يضرب لهم المثل مما عهدوه من صنعتهم، ومما رأوه حتى يقترب المعقول من المحسوس، فضرب ذلك المثل (مَثَلُ نُورِهِۦ) يضرب الله الأمثال بالمحسوسات حتى تدرك المعقولات، وهذه الأمثال لابد وأن تكون مما عهده البشر، فكأن النور في منتهاه الذي يخترعه البشر، ويصنعه الناس في منتهاه هو المشكاة التي يجتمع فيها الأنوار، فلا تتسرب أو تتشعب في الفضاء، فهي مشكاة وضع فيها الفتيل، القنديل، وأحيط بالزجاج، والزجاج أجمع للنور من المصباح، وأصفى لنوره، ثم هذا القنديل يموّل ويغذى بزيت من شجرة الزيتون، منتهى الصفاء، هذا منتهى ما يمكن للإنسان أن يصنعه من نور في هذه الدنيا، إذ كان هذا هو منتهى ما تصنعوه فبه، نضرب المثل لنور الله وهدايته في قلب العبد (وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ﴿۳٥﴾) عليم بما خفي، وما ظهر، والآية وعد ووعيد، فهي وعد للمؤمنين الطائعين، المحبين لله، الطالبين رضاه، وهي وعد لمن عمي عن دلائل وحدانيته‫.
فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ ﴿36﴾ رِجَالٌۭ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌۭ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًۭا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ ﴿37﴾ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ﴿38﴾
‫(فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ) (فِى) متعلقة بالنور، بالمشكاة، بالمصباح في أرجح الأقوال، (فِى) متعلقة بما بعدها بكلمة يسبح، البيوت هنا المساجد (فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ) أذن‫:‬ أمر، أذن‫:‬ قضى، وحقيقة الإذن العلم والتمكين دون حظر، حقيقة الإذن أن يأذن لك بشيء، إذا فلابد أن يعلم ما تريد أن تفعل، ثم يمكنك من أن تفعل دون أن يحظر أو يمنع عنك ما تريد أن تفعل (أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ) قضى وأمر، ومكن، مكن العبد من بناء البيت، ترفع‫:‬ تبنى ويعلى بناؤها، ترفع‫:‬ تعظم أو يرفع شأنها، أذن الله أن ترفع‫:‬ ترفع حسيا بالبناء، وترفع معنويا بالتطهير من الأرجاس والأنجاس، ويمنع ما لا يصح أن يحدث فيها؛ لذا قال العلماء‫:‬ إن المساجد لها آداب في بنائها، ولها آداب في المحافظة على نظافتها، ولها آداب في دخولها، وخلاصة كلام العلماء في ذلك أن المساجد يمكن أن تنظف وتعلى، وتنشأ، وتزين وتضاء وتنقش، أجازوا ذلك ويمنع فيها البيع والشراء، ورفع الصوت، والنجاسة والقذارة، والرائحة الكريهة من عرق الناس، أو من أي شيء، ويمنع كلام الدنيا، والعقود، قول الشعر، نشدان الضالة، كأن يقف أحد ويقول أيها الناس هل رأى أحد منكم حذائي، أو ابني، وإذا قال أحدهم ذاك قيل له‫:‬ لا ردها الله عليك، أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) لأنه حين بين لنا آداب المكوث في المساجد، بين أن المساجد جعلت لأمر واحد لعبادة الله، ولذكر الله، ولتقديس الله، وبين لنا آداب الدخول إذا جاء العبد لبيت الله (عز وجل) توضأ في بيته، وأحسن وضوءه، وجاء يمشي إلى المسجد، فإن كان في الظلام ( بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وإن جاء في النهار أو في الليل فبكل خطوة يخطوها يحط عنه بها خطيئة، ويرفع له بها درجة، فإذا وصل إلى بيت الله دخل برجله اليمنى، وقال‫:‬ أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اللهم اغفر لي ذنبي وافتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج من المسجد (صلى على رسول الله) ، وقال اللهم‫:‬ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك، وإذا دخل المسجد صلى ركعتين تحية للمسجد، ويمكن أن تكون التحية أكثر ركعتان، أربع، ست، ثمان كيف شاء، ولا يجلس حتى يصلي تحية المسجد، وإن كان الإمام على المنبر (يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا) هذا هو المتعلق بكلمة في، في بيوت أذن الله أن ترفع، ويذكر فيه اسمه بالتجميد، والتقديس بالتسبيح، بالتحميد، بالتكبير(يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا) أي يصلي وكلمة تسبيح تعني الصلاة، كما قيل‫:‬ (صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى) عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فالتسبيح‫:‬ الصلاة، وقيل‫:‬ الصلوات المفروضة، بالغدو والآصال، مواقيت الصلاة، أو الصلاة عموما (رِجَالٌۭ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌۭ وَلَا بَيْعٌ عَن) ويا لها من كلمة، رجال جمع رجل، والرجل في القرآن رجل له مواصفات خاصة، غير هذه التي نطلقها على الرجال (لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌۭ وَلَا بَيْعٌ) أهو تكرير، تعميم بعد تخصيص، أم التجارة يقصد بها الشراء، لا تلهيهم تجارة أي شراء ولا بيع (عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًۭا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ ﴿۳۷﴾) هؤلاء هم القائمون بأمر الله، الحافظون لأمر الله، الطالبون رضاه، الذين لا تشغلهم الدنيا عن الصلاة، ولا عن ذكر الله (عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًۭا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ ﴿۳۷﴾) القلوب والأبصار التي تتقلب في الآخرة، هي قلوب الكفار، وأبصارهم، أما المؤمن في الآخرة فقلبه ثابت، مضيء بالإيمان بصره إلى الله (وُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍۢ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌۭ ﴿٢۳﴾) [سورة القيامة آية‫:‬ ٢٢ - ٢٣]، فالكلام عن قلوب الكفار، وأبصارهم، فالأبصار تزيغ، تارة زرقاء، وتارة عمياء، والوجوه تارة زرقاء، وتارة سوداء، عليها غبرة، ترهقها قترة، وتتقلب وتتلون أحوالها من الهول والفزع (لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ﴿۳۸﴾) آية نسأل الله (تبارك وتعالى) أن يكتبها لنا جمعيا وأن تتحقق فينا جميعا، ومن الغريب في الآية (لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ) يجزيهم‫:‬ يعطيهم الجزاء، يعطيهم الأجر، أحسن ما عملوا هو معيار الحساب، بمعنى أنت سجدت في عمرك عشرة آلاف سجدة، منها ما انشغلت، ومنها ما لم تتقن، ومنها ما ذهب بك الأفكار كل مذهب، ومنها ما سجدت فيها خاشعا حقيقا من قلبك، السجدة الخاشعة الصحيحة السليمة المتقنة هي معيار الحساب على جميع السجدات التي سجدتها، قس حياتك كريم يحاسب كريم يجازي، الغريب أيضا أين السيئات ما منا إلا وله سيئات، ما من أحد معصوم إلا من عصمه الله، وهم الرسل والأنبياء، فأين الكلام عن السيئات؟ ليجزيهم الله أحسن ما عملوا، ولم يقل ويغفر لهم سيئاتهم، كما جاء في بعض المواضع، إذا هؤلاء أليس لهم سيئات، بلى لهم سيئات فأين الذكر عنها، وأين الحساب عليها، غفرت ومحيت من الصحائف، فلا أثر لها ولا ذكر لها، إن لم تكن قد تحولت إلى حسنات (وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۗ ) إذاً فقد أعد لهم الزيادة، ولم يذكرها، الجزاء على أحسن الأعمال، والسيئات، محيت وغفرت، ورغم ذلك تضاف لهم من فضل الله، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، وما خطر على قلب بشر (وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۗ ) وما أدراك ما فضل الله، ولتقرير الزيادة والتنبيه على كمال قدرته، ونفاذ مشيئته، تختم الآية بقوله (وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ﴿۳۸﴾) تنبيه على كمال قدرته، كما ضرب المثل بنور الله للمؤمن، وهدايته له، ودلائله، وبيناته وآياته التكوينية في الكون، والتنزيلية في القرآن، وكيف يضيء قلب العبد المؤمن، وكيف يكون النور فيه صافيا، قويا، وضّاءً وضَاحا كاشفا، يضرب المثل للكفار ولكفرهم ولأعمالهم، والآية تدعو للتأمل في كثير من الأمور، فقد جاء فيها وصف للبحر في حالة من حالاته، ونبينا (صلى الله عليه وسلم) لم ير البحر في حياته، فهي من الدلائل، والمعجزات لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم):‬
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٍۢ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًۭٔا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴿39﴾ أَوْ كَظُلُمَـٰتٍۢ فِى بَحْرٍۢ لُّجِّىٍّۢ يَغْشَىٰهُ مَوْجٌۭ مِّن فَوْقِهِۦ مَوْجٌۭ مِّن فَوْقِهِۦ سَحَابٌۭ ۚ ظُلُمَـٰتٌۢ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُۥ لَمْ يَكَدْ يَرَىٰهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورًۭا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ﴿40﴾
‫(وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ) السراب هو انعكاس ضوء الشمس على الأرض المنبسطة، فيظن الرائي أن ما يراه ماء، وسمي بالسراب، من يسرب أي يجري، كسراب‫:‬ أي كأنه ماء يجري (بِقِيعَةٍۢ) القيعة بمعنى القاع، أو هي جمع لقاع، والقيعة، والقاع‫:‬ الأرض المنبسطة المستوية التي لا نبت فيها، وقيل القاع‫:‬ الأرض المنخفضة التي يتجمع فيها الماء (كَسَرَابٍۭ) ما يراه الرائي في الصحراء من الأرض المنبسطة الممتدة من انعكاس ضوء الشمس على الأرض، فيظنه ماء وليس بماء (يَحْسَبُهُ) يظنه (ٱلظَّمْـَٔانُ) المحتاج للماء العطشان ماءً، فيفرح ويجري ويحاول الوصول إليه، والشرب منه، فإذا وصل لم يجده شيئا؛ لأنه سراب، بل السراب كلما ذهبت وأسرعت إليه كلما انتقل لا تدركه، ولا تصل إليه لكنك دائما تراه وتحاول الوصول إليه (حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًۭٔا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴿۳۹﴾) أي عقابه، أي حسابه (فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ ۗ ) أعطاه حسابه كاملا، وافيا غير منقوص (وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴿۳۹﴾) لا يشغله حساب شخص عن حساب شخص، بل هو سريع الحساب، لا يحتاج لعد، لا يحتاج لحصر، لا يحتاج لسؤال، لا يشغله حساب عن حساب (أَوْ كَظُلُمَـٰتٍۢ) ظلمات‫:‬ جمع ظلمة (فِى بَحْرٍۢ لُّجِّىٍّۢ ) اللجي من البحار هو الذي لا يدرك قعره، الكثير ماؤه، المتلاطمة أمواجه، عميق (يَغْشَىٰهُ مَوْجٌۭ) يغطيه الموج (مِّن فَوْقِهِۦ مَوْجٌۭ) وكأن الموج إما متراكم، موج فوقه موج، أو متلاحق، موج ثم موج، وذاك أخطر ما يكون على السفن، فإذا أسرع الموج، وتلاطم، وتدارك، وتلاحق بسرعة كان الغرق والهلاك بلا شك (مَوْجٌۭ مِّن فَوْقِهِۦ مَوْجٌۭ) وإما الموج من فوقه موج يحجب السماء، والنجوم، يحجب الرؤية أو موج يلاحقه موج (مِّن فَوْقِهِۦ سَحَابٌۭ ۚ ظُلُمَـٰتٌۢ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُۥ لَمْ يَكَدْ يَرَىٰهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورًۭا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ﴿٤۰﴾) من فوق الموج أيضا سحاب (ظُلُمَـٰتٌۢ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة الموج، وظلمة السحاب قرأت (بحرٌ لجي يغشاه موجٌ من فوقه موجٌ من فوقه سحابُ ظلمات) كما في مصحفنا بقراءة حفص (بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُۥ) أقرب ما تكون إلى بصره (يَدَهُۥ لَمْ يَكَدْ يَرَىٰهَا ۗ ) لم يقارب أن يراها فضلا عن يراها أصلا اليد إذا قربها إلى بصره وعينه لا يقارب أن يراها، ولا يراها أصلا، أي ظلام هذا؟ وأي ظلمة هذه؟ لم يرها مطلقا إلا من سافر في بحر في عاصفة شديدة مهلكة، فكيف عرفها النبي (صلى الله عليه وسلم) لا يكون إلا بوحي (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورًۭا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ﴿٤۰﴾) (كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٍۢ) أو ظلمة في بحر، قالوا‫:‬ أو هنا للتخيير، بمعنى إن شئت أن تضرب مثلا لعمل الكفار بالسراب، فعلت وإن شئت أن تضرب لكفرهم، ولعملهم، ولظلام ضلالتهم، مثلا بالبحر والظلمات فيه فعلت، وأصبت في كلا الوصفين والمثلين، وقيل أو للتنويع، وليس للتخيير، بمعنى مثل أعمال الكفار الحسنة في الدنيا، كصلة الرحم، وإطعام الفقير، والصدقة، أي أعمال الكفار الصالحة التي يرجون ثوابها، كسراب كمن يرجون الماء من السراب، وهو في شدة العطش فإذا وصل وهو في أشد الاحتياج خاب سعيه، ولم يجد شيئا، فأعمالهم الصالحة التي يرجون ثوابها في الآخرة كسراب؛ لأن الإيمان لم يكن هو الباعث عليها، والإيمان شرط لقبول العمل الصالح (أَوْ كَظُلُمَـٰتٍۢ) الكلام عن أعمالهم القبيحة، فالمثل الأول عن أعمالهم الصالحة التي يرجون ثوابها، يذهبون يوم القيامة فلا يجدوها، كالساعي إلى السراب، أما أعمالهم القبيحة فهي ظلمات بعضها فوق بعض؛ لأنها خلت من نور الحق، فهي في ضلال، وهي في ظلام، أو هي للتقسيم بحسب الوقت، أي أعمالهم في الآخرة كسراب، وأعمالهم في الدنيا كبحر لجيّ فيه الظلمات بعضها فوق بعض، هكذا ضربت الأمثال، وبين الله (تبارك وتعالى) أنه يهدي من يشاء، ويهدي من يشاء لنوره، وأن نور الله أي الدليل على وجوده، النور بمعنى الدليل الكاشف، كما أن النور يكشف وكما أن النور يبين المبصرات، وتدرك به، كذلك آيات الله والدلائل الموجودة في الوجود أوضح، وأظهر من أن تخفى، هذا النور الدليل والبرهان على وجوده ووحدانيته، وقدرته، وصفاته الهادية إلى سعادة الدنيا والآخرة، وإلى السعادة في المعاش والمعاد، أوضح من أن تخفى على أي مبصر، فإذا أراد الله للعبد السعادة، وفقه لإدراك هذا النور، هداه إليه، عرفه به، ولولا الأمثال ما عرف الله إلا الله، لكنه يضرب الأمثال للناس بما يدركونه، فيستدلون بهذه الأمثال، وما يدركون على ما لا يدرك فلا تدركه الأبصار، هذا النور، هذا الهدى، هذا الإيمان الذي يقذفه الله تبارك وتعالى في قلب العبد المؤمن، ينظف الوعاء، فإذا الصدر كمشكاة لا ينفذ إليها شيء، المشكاة مسدودة، فالمؤمن إذا قذف في صدره النور، والدليل على وجود الخالق (عز وجل) لم يدخل إليه ضلال ولم يدخل إليه شائبة، فهو مشكاة على ما قذف فيه من نور الإيمان، وقلبه يضيء، ينظف لا ينكت فيه النكت السوداء بالمعاصي والكبائر، بل يمنعه إيمانه عن التردي فيما لا نجاة منه، فيصبح قلبه كالزجاج الشفاف ينير له طريقه، ويتأكد ويتيقن من وجود الله، فإذا قرأ القرآن وسمع آيات القران ازداد النور في صدره، وازداد النور في قلبه، فإذا نظر في الكون ورأى ما حوله من موجودات، ورأى صنعة الله (عز وجل) وعظيم تدبيره، ومحكم تصريفه، اجتمعت الآيات الكونية مع الآيات التنزيلية، فإذا بها تمد الإيمان كما يمد الزيت القنديل، فيزداد ضوءً على ضوء، نور على نور، أما الكافر فهو في ظلمة لا يرى حتى اليد، واليد أقرب ما تكون إليه، يحركها ولا يرها، لو نظرت أنت إلى يدك بعقلك لا ببصرك أرأيت كيف تتحرك! أرأيت كيف تقبضها وتبسطها! أرأيت كيف تستخدمها وتستعملها في الصناعة! في جلب الأشياء! أرأيت منافعها! أرأيت كيف تستخدم هذه اليد، لا أقول لك تأمل في صنعتها، وشرايينها وأعصابها، والشعر فيها، والجلد فيها، والأظفار فيها، لا أقول ذلك، وإنما أدعوك إلى التأمل كيف تحركها، كيف تطيعك، هل تأمر يدك بالحركة؟ كيف سخرت بمجرد نشوء الرغبة منك، بمجرد الفكرة إذا باليد تطيع حتى هذه لا يراها الكافر، إذا أخرج يده لم يكد يراها (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورًۭا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ﴿٤۰﴾) فربنا (تبارك وتعالى) موجود، وجود الله (تبارك وتعالى) أظهر من أن يخفى، احتجب عن الخلق بنوره، وخفي عليهم بشدة ظهوره، الضوء والضياء لا يرى، وإنما ترى الأشياء به، من هنا مثل الله (تبارك وتعالى) بهذا النور لأن الله (تبارك وتعالى) وإن كان لا يرى إنما به ترى الأشياء، وبقدرته تدرك المبصرات، أنت لا ترى النور ومع ذلك تتيقن من وجود النور لأنك ترى به الأشياء، فإذا رأيت المصنوعات وأدركت المدركات علمت أن الذي مكن من إدراكها، وأظهرها للوجود فأدركت هو الله، هو الله، بعد أن ضرب الله الأمثال للمؤمنين، ولنور الإيمان، وضرب المثل لظلمات الكفر والضلال، يسوق الأدلة على وجود الصانع، وانفراده بالتدبير، والخلق، يسوق الأدلة على وحدانيته (عز وجل) وكمال قدرته، وإحاطة علمه، ونفاذ مشيئته يقول عز من قائل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَـٰٓفَّـٰتٍۢ ۖ كُلٌّۭ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسْبِيحَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿41﴾
الآية تقريع للكفار، وتبكيت لهؤلاء الذين اتخذوا الجمادات التي من شأنها التسبيح للواحد الأحد العلي، اتخذوها آلهة (أَلَمْ تَرَ) استفهام تقريري بمعنى ألم تعلم، أي قد علمت (أَلَمْ تَرَ) والرائي المشاهد يعلم ما لا يعلمه الغائب، فعبر عن العلم اليقيني، العلم الذي يفوق علم المشاهدة، العلم المستمد من الوحي (أَلَمْ تَرَ) أي قد علمت علما يقينا بالوحي والاستدلال (أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ) ينزهه في ذاته، وصفاته، وأفعاله عن كل ما لا يلق بعظيم شأنه (يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) (مَن) للعاقل والمقصود كل عاقل وغير العاقل، أي من يعقل وما لا يعقل، وغلّب العاقل فجاء بكلمة من، من في السموات والأرض ينزه (تبارك وتعالى) ويسبحه ويعبده وينزهه عما لا يليق بجلاله وكماله (وَٱلْأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَـٰٓفَّـٰتٍۢ ۖ ) حتى الطير صافات، باسطات أجنحتها، والصف، صف الشيء جعله في خط مستقيم، الطير صافات باسطات أجنحتها، وخص هذه الحالة بالذات بالذكر حين ترى الطائر في السماء باسط لجناحيه لا يحركهما، ومع ذلك لا يقع من حمله؟ حتى الطير صافات (كُلٌّۭ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسْبِيحَهُۥ ۗ ) (كُلٌّۭ) كل صنف من الطير أو كلٌ، كل من ذكر أي من في السموات ومن في الأرض، والطير كذلك، كل من ذكر، كلٌ التنوين يغني عن الإضافة (كُلٌّۭ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسْبِيحَهُۥ ۗ ) وكلٌ قد علم صلاته وتسبيحه، قد علم الله صلاة الجميع، وتسبيح الجميع، وتنزيه الجميع (وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿٤١﴾) أو كلٌ مما ذكر قد علم صلاته، أي صلاة نفسه، أي علم كيف يصلي، وكيف ينزه الله (عز وجل) كل قد علم إما المسبحون قد علموا كيف يسبحون، وإما كل قد علم الله عنهم تسبيحهم، والطير في تسبيحه، والجمادات في تسبيحها، إما التسبيح بلسان المقال لهم لغة لا نسمعها، حيث إن سمع الإنسان له طاقة، مساحة، لا يسمع فوق ذلك، ولا يسمع تحت ذلك، لكن الأصوات لا عد لها، ولا حصر في موجاتها، ودرجاتها، فللإنسان مساحة لا يسمع فوق ذلك، لا يسمع الصوت العالي جدا، والصوت المنخفض لا يسمع، فهل تسبح الطير بلسان، والجمادات بلسان، أم أن الحال يدل على المقال؟ نحن نعتقد، والله أعلم واستغفر الله من ذلك، أن التسبيح تسبيح مقال لأن الله يقول‫:‬ (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٤]، ولو كان التسبيح تسبيح حال فكلنا يرى، الفقه‫:‬ الفهم والعلم، إذا فلهم لغات، ولو نظرت إلى الطير كيف يتزاوج؟ كيف يلتقط طعامه؟ كيف يبني عشه؟ كيف يهاجر المسافات البعيدة، هجرة مستمرة، ثم يأتي من حيث هاجر للبلاد الحارة؟ فإذا وضع بيضه وكبر الأفراخ، عادت الأفراخ من حيث جاءت الآباء دون مرشد، دون معلم، دون أجهزة الملاحة، فإذا كان الطير قد علم ذلك، فليس بمستبعد أن يعلم كيف يسبح، وكيف يصلي بلسان المقال، والله عليم بما يفعلون‫.‬‬‬‬‬‬‬
وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ﴿42﴾
‫( وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ) لم تكن هناك سماء، ولم تكن هناك أرض خلقها، وأوجدها فهو الخالق، وهو المالك، لا يشاركه أحد في ملكه، وهو الملك المنفرد بالملك، والتدبير (وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ﴿٤٢﴾) العود إلى الله (عز وجل) حين يريد، ووقتما يشاء، ثم تنتقل الآيات لتسوق الأدلة من الآثار العلوية‫.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِى سَحَابًۭا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُۥ ثُمَّ يَجْعَلُهُۥ رُكَامًۭا فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَـٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍۢ فِيهَا مِنۢ بَرَدٍۢ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِۦ يَذْهَبُ بِٱلْأَبْصَـٰرِ ﴿43﴾
(ثم يؤلف بينه - ثم يولَّف بينه) قراءات (يكاد سنا بَرْقَه- يكاد سناءُ بُرَقِه) (يَذهب بالأبصار- يُذهب بالأبصار) قراءات‫.
يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ ﴿44﴾
دلائل من الآثار العلوية (أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِى سَحَابًۭا) يسوقه سوقا رفيقا (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُۥ) يجمعه من هنا، ومن هنا السحاب الرقيق تسوقه الرياح سوقا رفيقا، وتضم بعضه إلى بعض (ثُمَّ يَجْعَلُهُۥ رُكَامًۭا) ركم الشيء‫:‬ جمعه، وجعل بعضه فوق بعض، فالسحاب منتشر في السماء، رقيق، يجمع، يساق سوْقا رفيقا، فيتجمع في مكان محدد، ثم يتراكم بعضه فوق بعض (فَتَرَى ٱلْوَدْقَ) الودق‫:‬ المطر، وقيل‫:‬ الودق‫:‬ البرق، والمطر أرجح (يَخْرُجُ مِنْ خِلَـٰلِهِۦ) من فتوقاته، ينزل المطر أي ينزل من خلال السحاب (وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍۢ فِيهَا مِنۢ بَرَدٍۢ) والآية تحتمل وجوها عديدة، واسمع وتأمل (وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ) السماء كل ما علاك فهو سماء (مِن جِبَالٍۢ فِيهَا مِنۢ بَرَدٍۢ) تحتمل أن السماء فيها جبال من برد، ثلج، فينزل من هذه الجبال التي هي من برد برداً فيصيب به، أي ينزل من السماء من جبال فيها من برد بردا، فالجبال من برد، وهو موجود في السماء وقتما يشاء ربنا (تبارك وتعالى) أن ينزل منها البرد ينزل منها البرد، أو ينزل من السماء بردا كالجبال هو كالجبال، أو ينزل من السماء من جبال فيها، وهو السحاب المتراكم يصبح حجمه وشكله كحجم وشكل الجبال، فينزل منها البرد (فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُ ۖ ) الإصابة بالبرد نقمة، وصرف البرد نعمة، وكل فلاح وزارع يعلم أن الكثير من الخضروات قد تتلف وتفسد إذا نزل عليها البرد، الصقيع، فتموت، فالبرد ما يطلق عليه الصقيع الثلج الذي يشبه القطن المندوف، ذاك البرد الصقيع البارد جدا إذا نزل على الأرض المزروعة أتلفها، وأفسدها، فيصيب به البرد نقمة أو ابتلاء، ويصرفه نعمة ورحمة ليحدث الرخاء (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِۦ يَذْهَبُ بِٱلْأَبْصَـٰرِ ﴿٤۳﴾) الضياء، شدة الضوء، البرقة‫:‬ المرة من البرق (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِۦ) سنا وسناء بمعنى واحد شدة الضياء (بُرَقه) البُرق جمع بُرْقه، والبُرْقة كالغرقة‫:‬ المقدار من البرق، فإما الكلام عن مقدار البرق النازل، وإما الكلام عن مرات البرق النازل، (يُذهب بالأبصار - يَذهب بالأبصار) أبصار الناظرين إليه، إذا انظر إليه الناظر يكاد البصر يذهب، ويعمى الناظر للبرق من شدة الضياء، آية ألفاظها قليلة، والمعاني فيها كثيرة وكبيرة، هذه الآية تدل على وجود الصانع وعلى كمال قدرته، وإحاطة علمه ونفاذ مشيئته، وتدل على وجود الإرادة الموجبة لتخصيص الحوادث بمحالها وأوقاتها، إذا كان السحاب قد نشأ من تبخر المياه في المحيطات والبحار، وصعد إلى السماء، أن يجمع صنع خلق، أن يركم تقدير، بمقدار أين يتم ذلك؟ متى ينزل منه البرد، ومتى ينزل منه المطر، وإما أن ينزل مطر نافع، وإما أن ينزل برد ضار، متى وأين؟ ذاك يدل على وجود الإرادة المخصصة للحوادث في محالها وأوقاتها، ثم يسوق دليلا آخر زمنيا (يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ ﴿٤٤﴾) دليل زمني كلنا يراه، يقلب الليل والنهار بالتتابع يقلب الليل بالنهار، ينقص النهار ويزيد الليل، يقلب الليل والنهار بالنور والظلمة، يقلب الليل والنهار بالحر، والبرد، يقلب الليل والنهار بكل ما يحدث فيهما من اختلاف وأحوال (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ) فيما تلا علينا (لَعِبْرَةًۭ) دليل واضح على كمال القدرة ونفاذ المشيئة، وإحاطة العلم وتنزيهه عن الحاجة، وما يفضي إليها فهو الغني غير المحتاج (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ) دليل وحجة وبرهان، لمن؟ (لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ ﴿٤٤﴾) أولي الأبصار‫:‬ أصحاب البصائر، وأصحاب العقول السليمة، وهم المنتفعون بالنظر؛ لأنهم إذا نظروا وتأملوا كيف وكيف في تسبيح الموجودات بلسان الحال، أو بلسان المقال، في السحاب، في تسييره، في تراكمه، في نزول المطر، في نزول الصواعق، في نشوء الأضداد من شيء واحد، السحاب المتراكم، ظلمة وضوء من البرق، فالظلمة منه، والبرق والضياء منه، النعمة بالمطر، والنقمة مصدرهما واحد السحاب، فالسحاب مصدر الظلمة، ومصدر الضياء، ومنذ آيات قليلة كان الكلام عن البحر وظلمات البحر، والسحاب، موج من فوقه موج، من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض إذاً فالسحاب منه الظلمة، ومنه الضياء بالبرق، منه النعمة المطر، ومنه نقمة الصواعق، والبرد المتلف للزرع، فإذا تأمل أولوا البصائر في كل ذلك علموا أن الله خالق مختار، مريد مخصص للحوادث في محالها، وأوقاتها، ويأتي دليل رابع، التسبيح دليل إزجاء السحاب دليل، تقليب الليل، والنهار دليل، دليل من الدواب مما نراه‫.‬‬‬‬
وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍۢ مِّن مَّآءٍۢ ۖ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِۦ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰٓ أَرْبَعٍۢ ۚ يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿45﴾
الدابة‫:‬ ما يدب على الأرض من إنسان أو حيوان، أو حشرات أو زواحف، كل ما يدب على الأرض فهو دابة (وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍۢ مِّن مَّآءٍۢ ۖ ) هل هو الماء المعهود (وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ ۖ ) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٣٠]، أم الماء أي النطفة، ماء المني، الأرجح أن المقصود هو الماء؛ لأن الدواب ليس كلها تنشأ من تزاوج، يحدث فيه نطفة ومني، إذا فالمقصود هو الماء كما قال‫:‬ (وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ) [سورة هود آية‫:‬ ٧]، وخلق كل شيء حي من ماء (فَمِنْهُم) منهم لفظ يستخدم للعاقل، والدواب فيها ما لا يعقل إذا فقد غلب العاقل؛ لأن العاقل هو المخاطب وهو المتعبد، وهو المطلوب منه أن يتأمل ويتدبر(فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِۦ) والمشي على البطن ليس مشيا، فهو زحفا، كيف يمشي على بطنه وهو يزحف، يمشي للمشاكلة اللفظية أو للاستعارة، استعارة كلمة المشي للزحف، يمشي على بطنه كالحيات والديدان، وما إلى ذلك (وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰٓ أَرْبَعٍۢ ۚ ) وهناك من يمشي على فوق الأربع كالكثير من الديدان، والحشرات وما إلى ذلك فقالوا‫:‬ الآية لا تنفي ذلك، وتحتمل ضمنا من يمشي على أربع، ومن يمشي فوق الأربع مضمر، ومن قائلين أن الدواب التي لها أكثر من أربع تعتمد في المشي أساسا على أربع (يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿٤٥﴾) يخلق ما يشاء مما ذكر، ومما لم يذكر (إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿٤٥﴾) فيفعل ويخلق ما يشاء، لا يعجزه شيء، هذه الآية أيضا تدل على وجود الله، الخالق القادر، ولو لم يكن هناك إله لكانت الأجناس جنسا واحدا، ولمشي الكل على بطنه، أو على رجلين، أو على أربع، فإذا نظرت إلى الدواب وكل ما يدب على الأرض لوجدت من يمشي على بطنه، لماذا، لماذا خصص له هذا، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع هذا التخصيص، وهذا الاختيار، والتنويع يدل على وجود الخالق المدبر، ولو كانت المسائل كما يقول الكفار في عصرنا الحديث الذين تعلموا فكفروا بعلمهم، بدلا من أن يسوقهم العلم إلى وجود الله، أن الأشياء وجدت هكذا، وأن الطبيعة هكذا، وأن الإنسان أصله قرد وما إلى ذلك، هل رأيتم قردا تحول إلى إنسان؟ لماذا توقف التحول؟ هل رأيتم الأميبا والخلية الواحدة تتكاثر، وتتحول إلى فرس، أو حصان، أو كلب، هل رأيتم ذلك؟ إذاً فكيف هذا وربنا تبارك وتعالى خلق آدم، إنسان كامل من تراب، هذا التنويع في الخلق يدل على تخصيص مخصص هو الله، مختار قادر، مدبر، خلق ما يشاء وفق ما يشاء، وهدى كل شيء مما خلق إلى ما خلق له، آيات، دلائل براهين ساطعة كسطوع الشمس؛ لذا يقول الله (تبارك وتعالى):
لَّقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَـٰتٍۢ مُّبَيِّنَـٰتٍۢ ۚ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿46﴾
آيات مبينات‫: موضحات للحقائق بأنواع الدلائل المتعددة التي لا حصر لها (وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿٤٦﴾) يوفق من يشاء للنظر، والاستدلال، وللتدبير وللعلم فيخر ساجدا لخالق الأكوان (عز وجل) والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، طريق الحق، طريق العبودية الحق، للخالق القادر (سبحانه وتعالى) ولما ذكرت الآيات والدلائل لكل ذي بصر، لكل ذي عقل، مسكة من عقل تقود صاحبها إلى الإيمان الراسخ، الثابت بوجود الله (عز وجل) بانفراده بالخلق، وانفراده بالتدبير، لا شريك له، لما سيقت الأدلة، ونزلت الآيات الموضحات، والمبينات للحقائق بأنواع الدلائل، يأتي التحذير من النفاق والمنافقين، والنفاق مرض خطير إذا أصاب أمة هلكت، وهلك من فيها، وإذا أصاب إنسان والعياذ بالله، نزل في قعر جهنم (إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ) [سورة النساء آية‫: ١٤٥]، يقول الله (تبارك وتعالى):
وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌۭ مِّنْهُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿47﴾ وَإِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ ﴿48﴾ وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوٓا۟ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴿49﴾ أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوٓا۟ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُۥ ۚ بَلْ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿50﴾
‫(وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ) قول باللسان دون اعتقاد بالجنان (وَأَطَعْنَا) أي سمعنا وأطعنا، الأوامر هذا قولهم (ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌۭ مِّنْهُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ ) يتولى‫:‬ يعرض (فَرِيقٌۭ) مجموعة منهم، جزء (مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ ) من بعد هذا القول، والإقرار والشهادة (وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٤۷﴾) ألف لام هنا لها معناها تقرير الكلام هنا وما أولئك مؤمنين، أما إذا قال وما أولئك بالمؤمنين هذا التعريف، وكأنه يقول‫:‬ وما أولئك بالمؤمنين الذين عرفتهم من أصحابك، الكاملون في الإيمان، الثابتون على اليقين، الراسخون في العلم (وَإِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ ﴿٤۸﴾) القضية حين تعرض للحكم، تعرض على من؟ تعرض على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أم تعرض على الله؟ تعرض على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يأتيه الخصمان فيختصمان لديه، فيقضي لأحدهما بعد أن يسمع الحجج، البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، إذاً ذكر الذات العليا هنا (وَإِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ) هم مدعوون إلى الرسول، فجاء بذكر الذات العليا للتبرك، ولتعظيم الشأن، وللتدليل على أن حكم الرسول هو حكم الله؛ ولذا قال‫:‬ ليحكم، ولم يقل ليحكما، أي ليحكم الرسول للتدليل على أن حكم الرسول هو حكم الله، وأنه يحكم بحكم الله (عز وجل) (إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ ﴿٤۸﴾) معرضون عن التحاكم إليه، لماذا؟ مشكلة، ودعاك صاحب المشكلة للتحكيم، الآية نزلت في أشخاص بعينهم أو في حوادث بعينها، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ إذ قد اختلف في القضية من هم، المهم إذا دعوا إلى الرسول ليحكم بينهم فأعرضوا، الإعراض ما سببه؟ إما خلل فيهم، أو خلل في الحكم، فإذا كان الخلل فيهم ففي قلوبهم مرض، أو يريدون الظلم، أو لا يريدون الحق، أو يكون الخلل في الحكم، ويكون الخلل في الحكم إما لأن من يحكم غير مبرأ من التهمة، وإما لأنه لا يدري كيف يحكم، أو يظلم، ويجور على أحد الخصمين عامدا لذلك، من هنا تأتي التساؤلات عن سبب الإعراض بصيغة الاستفهام زيادة في التوبيخ، والتبكيت (وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوٓا۟ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴿٤۹﴾) إذاً فهناك حالتان‫:‬ حالة يعرضوا فيها عن التحاكم للنبي (صلى الله عليه وسلم) وحالة يأتوا إليه مذعنين مسرعين، خاضعين طائعين، كيف يكون ذلك؟ (وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌۭ مِّنْهُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٤۷﴾) إما المعرضون، وإما القائلون، إذا كل من قال‫:‬ لا إله إلا الله محمد رسول الله بلسانه دون الاعتقاد بقلبه فهو منافق، والكلام عن الكل، والتحذير من النفاق والمنافقين، الذين قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، أو الكلام عن الذين أعرضوا، وما هذا الفريق بمؤمنين، إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، رفضوا وإن يكن لهم الحق، الحق واضح له ضامن أن يحصل إليه، إذا كان كذلك جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) طائعين مستكنين، لماذا؟ يأتي الاستفهام للتوبيخ، والتأنيب (أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوٓا۟ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُۥ ۚ ) هذه هي الأسباب‫:‬ أفي قلوبهم مرض، فالخلل فيهم أم ارتابوا في نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) في أمانته، أم يتوقعون الظلم (أَن يَحِيفَ) يجور، الحيف‫:‬ الميل إلى جهة من الجهتين، فهل يتوقعون من النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يجور، أن يظلم، أن يميل، أن يرى الحق ولا يتبعه، ما الذي جعلهم يعرضون عن تحكيمه، واللجوء إليه؟ إما الخلل فيهم، أو الخلل في الحكم من وجهة نظرهم هو محل تهمة، هل حدث منه ما يجعله موضع الشبهات، أو هو موضع التهم، أو يتوقعون أن يظلمهم الله، أو يظلمهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (بَلْ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿٥۰﴾) إعراض عن الأسباب المذكورة، أي ليس شيئا من ذلك سببا لإعراضهم، ليس المرض الذي في القلوب وهو النفاق، وليس الريبة، والتهمة لسيد الخلق، وليس الخوف من ظلم الله، أو ظلم رسول الله، وإنما هم يريدون أن يأخذوا ما ليس لهم بحق، وهم يريدون ظلم الناس، فإن ذهبوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي لا يظلم في حكمه ضاع منهم الأمل، والفرصة من ظلم الغير، فهم يريدون أن يتحاكموا إلى غيره حتى يستطيعون الرشوة، أو التدليس للحصول على ما ليس لهم بحق، من هنا السؤال كان للتبكيت، والتأنيب أفي قلوبهم مرض، أم ارتابوا، أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله (بَلْ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿٥۰﴾) وجاء بكلمة هم للتخصيص، أي هم الظالمون وليس النبي، صلى الله عليه وسلم، وليس من دعاهم للتحكيم، ولجأ للحصول على حقه منهم لكي لا يتوهم السامع الظلم في غيرهم، ثم يأتي البيان لواجب المؤمن الذي يدعى إلى التحكيم عند الحاكم العادل، وأعدل الحكام على الإطلاق هو سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم):‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿51﴾ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ﴿52﴾
جاء أيضا بلفظ الجلالة لتعظيم الشأن، ولرفعة المقام، والتبرك، وللتدليل على أن حكم النبي (صلى الله عليه وسلم) هو حكم الله الذين فازوا ببغيتهم، ونجوا ممن منه هربوا، الذين استجابوا إلى الله والرسول، وإذا دعوا ليحكم بينهم قالوا‫:‬ سمعنا، وجئنا، وأطعنا، والرضا بحكم النبي (صلى الله عليه وسلم) شرط من شروط الإيمان (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [سورة النساء آية‫:‬ ٦٥]، أن يخرج راضيا سواء كان له أو عليه، ورتب العلماء على هذه الآية أحكاما، منها أن الإنسان إذا دعي إلى التحكيم، وإلى المحاكمة لا يصح أن يرفض في عصرنا هذا، أو في جميع العصور، إذا أراد الخصم أن يسوقك ويطلبك إلى المحكمة للحكم وللتحكيم فلا يصح أن ترفض بهذه الآية، إذا أراد أن يأخذك إلى من يفتيكما في أمركما سواء كان عالما، أو قاضيا، أو كان حاكما طالما نشأت المشكلة بينك وبين غيرك، فإن دعاك إلى التحكيم وجب عليك أن تطيع بهذه الآية (وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ﴿٥٢﴾) (يتّقْهِ) بإسكان القاف وكسر الهاء (يتَّقِهِ) بكسر القاف، وكسر الهاء (يتَقِهْ) بكسر القاف وسكون الهاء، الآية من أجمل ما قيل فيها من يطع الله ورسوله فيما أمر ونهى في حياته، وفي كل شيء، من يطع الله في الفرائض، ورسوله في السنن، ويخش الله فيما مضى من عمره، وما حدث، ويتقه فيما هو آت من عمره، هذا هو الذي فاز ونجا من النار ودخل الجنة (فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ﴿٥٢﴾) الفائزون برضوان الله، الفائزون بنعيم الله، الفائزون بالجنة والأمن والأمان، الفائزون بما طلبوا، الناجون مما منه هربوا، فضح الله (تبارك وتعالى) المنافقين وأخبر عنهم أنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين، هم ظالمون يريدون ظلم الحقوق، فإن كان لهم الحق يأتوا لرسول الله، وإن كانوا على غير حق رفضوا التحاكم إليه حتى لا يسلموا الحق لأصحابه، وأرادوا أن يزيلوا الشبهة ويرفعوا عن أنفسهم التهمة، فذهبوا إلى سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) يحلفون جهد أيمانهم، يقسمون بأغلظ الأيمان أنهم طائعون له، ولو أمرهم بالخروج من بيوتهم للجهاد لخرجوا، ولو أمرهم بالخروج من نسائهم، وأبنائهم، وأموالهم لفعلوا، فنزل القرآن يفضحهم مرة أخرى، ويبين يقول عز من قائل‫:‬‬‬‬‬‬
وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ۖ قُل لَّا تُقْسِمُوا۟ ۖ طَاعَةٌۭ مَّعْرُوفَةٌ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿53﴾
‫(وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ) حلفوا بأغلظ الأيمان، واجتهدوا في أقسامهم بالله، وبصفاته لئن أمرتهم بالخروج أو للجهاد ليخرجن (قُل لَّا تُقْسِمُوا۟ ۖ طَاعَةٌۭ مَّعْرُوفَةٌ ۚ ) أي لا تقسموا، ولا تجتهدوا في اليمين، ولتكن منكم طاعة ظاهرة، واضحة بغير يمين، أو لا تقسموا أي لا تحلفوا كذبا فطاعتكم معروفة، طاعة باللسان دون الجنان، طاعة كاذبة، طاعة بالكلام، أو لا تقسموا ليكن منكم طاعة تكفي، طاعتكم معروفة وهي خداع، وخيانة رأي، واحتمال ووجه، لا تقسموا وليكن منكم طاعة، ولا حاجة إلى اليمين رأي آخر، أو أولى بكم طاعة معروفة من أن تجتهدوا في الحلف (إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿٥۳﴾) عالم بنياتكم، وخفايا نفوسكم، ويتوجه الأمر للنبي (صلى الله عليه وسلم) للإبلاغ‫.
قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا۟ ۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ﴿54﴾
‫(قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ ۖ ) أي قل لهم يا محمد (صلى الله عليه وسلم) المطلوب طاعة، وليس حلف، وليس أيمان (فَإِن تَوَلَّوْا۟) أي تتولوا، حذفت إحدى التائين تخفيفا، أي إن أعرضتم، وتوليتم عن الطاعة (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ) أي على النبي (صلى الله عليه وسلم) ما حمل من رسالة، ومن أقر بالتبليغ، وقد فعل، وعليكم ما حملتم من الأمر بالطاعة، هو يبلغ ويأمر بالطاعة، من أطاع فلنفسه، وإن أعرضتم عن الطاعة، فقد أدى ما عليه، وعليكم ما حملتم، ويبقى عليكم أنتم ما حملتم من الأمر بالطاعة (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا۟ ۚ ) وهنا تجد الله (تبارك وتعالى) علق الهداية بالطاعة، إذا فقد عرف طريق الهدى، فمن أراد الهداية فطريقها واضح، طريقها طاعة الله ورسوله، فإن توليتم فقد أبلغ وعليه ما حمل، وعليكم أنتم ما حملتم، ولسوف تسألون عما حملتم، أما إن أطعتم فذاك طريق الهداية (وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ﴿٥٤﴾) تلك وظيفته البلاغ، والتبليغ الموضح لما كلفتم به، فالأوامر واضحة والطريق واضح‫.
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًۭا ۚ يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـًۭٔا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ﴿55﴾
الآية وعد لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومن معه، أو هي وعد له، وللأمة إلى أن تقوم الساعة، وقد مكث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمكة ثلاث عشر سنة في خوف، يخاف أصحابه حتى أنهم هاجروا الهجرة الأولى للحبشة، والهجرة الثانية، ثم حين هاجروا للمدينة كانوا أيضا في خوف يبيتون بالسلاح، ويصبحون بالسلاح، يخافون من الإغارة، يخافون من الغزوات، يخافون من اجتماع القبائل عليهم، في خوف، في قلق، حتى أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين رأى استعجالهم قال ( وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخْشَى إِلَّا اللَّهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ) رواه مسلم ربنا يعدهم، والآية وعد تحقق، وقد يتحقق إذا توافرت الشروط المعلق عليها الوعد (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ) آمنوا وعملوا الصالحات (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ) ليصيرهم خلفاء، يتصرفون في الأرض كيف شاءوا، تصرف المالك في ملكه، والآية دليل على صحة النبوة؛ لأن ما جاء فيها تحقق بعد سنين، أين القوم، وخضعت الجزيرة العربية بالكامل، وملكوا مشارق الأرض ومغاربها (كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) استخلف، واستخلف هم بنو إسرائيل قال الله في شأنهم (وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٣٧] أورثهم الأرض بعد ما أهلك فرعون وجنوده (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ) ذلك وعد للمخاطبين، وهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومن معه من الصحابة، ذاك رأي، والرأي الآخر أن الوعد له وللأمة إلى أن تقوم الساعة (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ) ذاك دين الإسلام (وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًۭا ۚ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٣] يمكّن لهم الدين، وينشره بنصره على كل الأديان، بظهوره، بوضوحه، بدخول الناس فيه، ليمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم بعد أن كانوا يعبدون الله خفية، بعدما كانوا يخافون من الاجتماع (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًۭا ۚ ) (وليبدلّنهم) من أبدل (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم) من بدّل قد يستخدم اللفظ هنا، وهنا لحل أحد الألفاظ محل الآخر، أو المعنى أبدل جاء بغيره، بدّله غيره مع إبقائه، ليبدلنهم أمنا، وذاك ما حدث لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وحدث للخلفاء من بعده، وحدث للأمة حين كانت على المستوى اللائق بأمة الإسلام (يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـًۭٔا ۚ ) وهنا اختلف العلماء في إعراب الكلام، وبالإعراب يتضح المعنى، فإن احتملت الآية يجب وضع اللغة أكثر من وجه، حملت على الوجوه إن تساوت في الأرجحية (يَعْبُدُونَنِى) حال، أي هذا حالهم، وبيان أن يعبدونني هذه قد علّق عليها الوعد بالأمن، والاستخلاف، أي إذا كان هذا حالهم تحقق الوعد، إذا الوعد بالأمن والاستخلاف معلّق أو معد بهذا الحال، وهي الثبات على التوحيد ذاك وجه، الوجه الآخر‫:‬ (يَعْبُدُونَنِى) استئناف كلام على طريق الثناء عليهم، المديح لهم أنهم يعتمدون على عقيدة التوحيد، يعبدون الله، ولا يخافون غيره، ولا يشركون به غيره، ولا يطلبون رضا غيره، ويحبونه، ويجاهدون في سبيله، أو هي أيضا استئناف لبيان مقتضى الاستخلاف، والأمن، لم استخلفهم؟ أم أمّنهم؟ لأنهم يعبدونه، ولا يشركونه شيئا (وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ﴿٥٥﴾) الكفر هنا ليس معناه الكفر بالله، وإنما الكفر بالنعمة، نعمة الأمن، نعمة الاستخلاف، الفاسقون الخارجون عن الطاعة، وبالتالي لو نظرت في تاريخ الأمة لوجدت استقامت الأمة على الجادة في عهد الخلفاء الراشدين، مكنهم الله، واستخلفهم الله، وفتحت لهم مشارق الأرض، ومغاربها، كما بشرهم نبينا (صلى الله عليه وسلم) حين قال‫:‬ ( زُوِيَتْ لِي الأَرْضُ ، أَوْ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الأَرْضَ ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا ، وَأَنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا) في الشرق، وفي الغرب، وصلوا إلى شرق أوربا، ووصلوا إلى الصين، وتجاوزا الهند في المشرق، وفي المغرب، وحين آثروا الدعة، والترفة، والتنعم، وابتناء القصور، والطعام، والشره، والمتعة، والجواري، والحريم، والتنازع على السلطان؛ لأن السلطان أصبح جاها، وأصبح ملاذا، وأصبح عزا، ونعيما، وتنعما، فتنازع الناس عليه، انهارت الأمة، وتساقطت، ونزعت أطرافها، وحولت الدول من الإسلام إلى أديان أخرى، وهكذا يعود الكلام بعد ذلك لتتمة الأحكام، الآية وعد من الله إن قد قيد بالتوحيد والثبات عليه، فإن عادت الأمة إلى الثبات على التوحيد والعبادة والتقوى، واستوفت الشروط تحقق الوعد مرة أخرى، ووعد الله لا يقبل الخلف أبدا، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات في كل زمان وفي كل مكان.
وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿56﴾
تكرار للأمر وتفصيل، الأمر في الأول بالطاعة، الأمر بعد ذلك توضيح آمنوا وعملوا الصالحات، وكأن الإيمان وعمل الصالحات يشترط فيه أمران هما‫: إقامة الصلاة للحفاظ على العلاقة بين العبد، وبين ربه، وإيتاء الزكاة للتكافل الاجتماعي، ولصلاح المجتمع (وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ) تكرار للأمر بالطاعة للتأكيد عليها، أيضا لتعليق الرحمة بالطاعة (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٥٦﴾) أي رجاء رحمة الله (تبارك وتعالى) علّق الهداية بالطاعة (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا۟ ۚ ) وهنا (وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٥٦﴾) علق الرحمة بالطاعة، إذا طاعة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تؤدي إلى الهداية في الدنيا، وتؤدي إلى الرحمة في الآخرة‫.
لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴿57﴾
الكلام لرسول الله، وعدٌ له بالنصر (لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مُعْجِزِينَ) هل يعجز ربنا عن تدميرهم، عن إهلاكهم، لا تحسبن، ولا تبلغ بك الظنون، أنهم فائتين أبدا، ولكن يمهلهم فإذا أخذهم لم يفلتهم (وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ ) إليها يرجعون، إليها المأوى، وإليها المصير، ولبئس المصير، مصيرهم، ثم يعود الكلام بعد ذلك لتتمة الأحكام، لتأديب الأمة، وتربية المجتمع، وبيان ما يصلح المجتمع الإسلامي، وما يجب أن يكون عليه من الستر، والعفاف، والعفة، واستقامة الأمور بعد ما بين الطاعة، وجزاء الطاعة، وجزاء العصيان، وبين آيات التوحيد يعود لتتمة الأحكام، فيقول‫:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍۢ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍۢ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿58﴾
آية الاستئذان سبقت في السورة (لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَهْلِهَا ۚ ) [سورة النور آية‫:‬ ٢٧] آية عامة لكل الناس رجالا ونساءً، هذه الآية خاصة ببعض الناس، وخاصة ببعض الأوقات، خاصة بما ملكت اليمين من عبيد، وإماء، والآية وإن كانت قد صدرت بقوله‫: (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟)‬ إنما هي للرجال والنساء، ومخاطبة المذكر تغليبا (لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ) من عبيد، وإماء (وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ) الحُلُم والحُلْم بإسكان اللام، وبضم اللام قراءتان (مِنكُمْ) أي من أطفالكم، من أولادكم (ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍۢ ۚ ) إذاً فالتخصيص للعبيد، والإماء، والأطفال، أمر ربنا أن يستأذنوا على أصحاب البيت، على الأهل ثلاث مرات، مرة قبل صلاة الفجر حيث يستيقظ الناس من نومهم بملابس النوم، ويخلعون ويلبسون استعدادا للخروج للصلاة، كذلك المرة الثانية وقت القيلولة، والقيلولة هي الاستراحة بعد الظهر، النوم بعد الغداء، وإن كان نوما خفيفا أو راحة تسمى قيلولة، هذه المرة الثانية؛ لأن الإنسان يتخفف من ثيابه فيها، والمرة الثالثة بعد صلاة العشاء، حيث يستعد الإنسان للنوم فيخلع ملابس الخروج، ويرتدي ملابس النوم، وتتخفف المرأة من ثيابها، ويتخفف الرجل من ثيابه (لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ) وتنبه الخطاب لمن للأهل، لأصحاب البيت، لمن يملكون العبيد والإماء (ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ) الحلم‫:‬ البلوغ، والحلُم من الاحتلام؛ إذ الاحتلام علامة البلوغ (ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍۢ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍۢ ) قرأت ثلاثُ، وثلاثَ عورات جمع عورة، والعورة في الشيء الخلل، العورة ما يستحب للإنسان أن يخفيه، كل خلل في شيء يريد صاحبه أن يخفيه عن أعين الناس، تلك هي العورة (ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍۢ ) بدلا من ثلاث مرات تلك قراءة النصب، وإن كانت ضعيفة ثلاث عورات لكم، أي ثلاث أوقات لكم (لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ) ليس عليكم إثم، أو حرج بعد هذه الأوقات في غيرها (طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ ) كأنه تعليل في الرخصة بترك الاستئذان في الأوقات الأخرى، هذه الأوقات لابد فيها من الاستئذان ثلاث مرات، أما في غيرها فرخص في ترك الاستئذان، بسبب المخالطة فالأطفال أولادنا يدخلون علينا، ويخرجون، وندخل عليهم، ونخرج وكذلك الإماء والعبيد للخدمة (كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿٥۸﴾) أي كما بين لكم في السابق عقيدتكم، وعبادتكم، وشريعتكم، يبين لكم كذلك الآداب العامة، (ٱلْـَٔايَـٰتِ ۗ ) : العلامات التي تجعلكم على المستوى اللائق بأمة النبي (صلى الله عليه وسلم) في كل شيء (وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿٥۸﴾) عليم بخلقه، حكيم فيما شرع لهم، عليم بمصالحكم، حكيم في تدبيرها لكم، عليم بنياتكم، حكيم في إصلاح شأنكم بهذا التشريع‫.
وَإِذَا بَلَغَ ٱلْأَطْفَـٰلُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَـْٔذِنُوا۟ كَمَا ٱسْتَـْٔذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿59﴾
‫(وَإِذَا بَلَغَ ٱلْأَطْفَـٰلُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ) أصبحوا رجالاً، أصبحوا مكلفين، فقال‫:‬ (فَلْيَسْتَـْٔذِنُوا۟) أصبح الخطاب لهم، ولم يقل يستأذنوكم كما قال هناك ليستأذنكم، إذا فالخطاب للمكلفين الكبار أي علموهم، وعودوهم على ذلك، أما إذا بلغ الأطفال الحلم أصبحوا رجالا، وأصبحوا مكلفين، أصبحوا أهلا للخطاب، فقال‫:‬ (ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَـْٔذِنُوا۟ كَمَا ٱسْتَـْٔذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ ) استأذن الذين من قبلهم، في آية الاستئذان العامة، (لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَهْلِهَا ۚ ) [سورة النور آية‫:‬ ٢٧]، إذاً فإذا كبر الطفل وبلغ الحلم، وبلغ مبلغ الرجال وأراد أن يدخل على أمه في حجرتها وهو ساكن معها، قائم على خدمتها، وجب عليه الاستئذان، وانظر إلى التدرج في التربية، والتعليم، أطفال يعلمهم الأب في هذه الأوقات لا يدخلون فجأة، وإذا تعلم الطفل أن يستأذن في وقت نوم الأب والأم في وقت الراحة، في وقت خلع الملابس والتبديل لها، إذا كبر الطفل وأصبح مكلفا، وقد تعوَّد على الاستئذان في أوقات معينة، تعلم أن يستأذن في جميع الأوقات في هذه الثلاث، وفي غيرها (كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿٥۹﴾) تكرير للتأكيد على تعليم الأطفال الاستئذان، ولبيان المنة، والنعمة من الله كي يعلمنا كيف نربي أطفالنا، فضل من الله، والله عليم بما يصلح شؤوننا، حكيم فيما يشرعه لنا‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، كيف يعلم الطفل الاستئذان؟ الطفل ليس من لم يبلغ أربع سنوات، وإنما قيل إذا بلغ الأطفال من السنن أربع، هنا يتعلم كيف؟ هو في حجرته، والباب قد أغلق أنت الأب، إياك أن تفتح وتدخل فجأة، ولكن عليك بقرع الباب أولا، فإذا فعلت مع ابنك ذلك بغير أن تأمر، علم إذا وجد بابا مغلقا أن يدق عليه قبل أن يفتح الباب، رحمة، وتعليم، وصدق ربي (مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٣٨]، فمن لطف الله (تبارك وتعالى) ومن رحمته للناس أنه لم يكلفهم ما لا يطيقون، وإن كان له أن يكلف الناس ما لا يطيقون، ويختار لهم ما لا يرتضون، ومن حكم فيما ملك فما ظلم، لكن من رحمته خفف في الأوامر، وخفف في النواهي، وخفف حتى في العبادات، وخفف في كل شيء، وعلى هذا العمل القليل، أعد الجزاء الجزيل، من لطفه ورحمته بكبيرات السن يقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَٱلْقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّـٰتِى لَا يَرْجُونَ نِكَاحًۭا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَـٰتٍۭ بِزِينَةٍۢ ۖ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌۭ لَّهُنَّ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ﴿60﴾
القواعد‫:‬ جمع قاعد، والقاعد‫:‬ المرأة التي أقعدها كبر السن، وأقعدها عدم الحيض، أقعدها عن الزواج، أو عن الولد، ويطلق أيضا على المرأة كلمة حامل بغير هاء، أو بغير تاء، فإذا قلت‫:‬ امرأة قاعدة، أي قاعدة في بيتها، حاملة أي حاملة على ظهرها، أما الحامل فتدل على الحبل، وأما القاعد فتدل على الكبر (وَٱلْقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ) المرأة إذا كبر سنها شق عليها التحفظ الكامل المطلوب من الشابة، فجسد المرأة كله عورة، واختصاص النساء بهذا اللطف لذلك، أما الرجل فالعورة من السرة إلى الركبة، ومهما كبر سنه فيستطيع أن يحترز من انكشاف العورة؛ لأن العورة حجمها قليل، أما عورة المرأة فجميع بدنها ما عدا الوجه والكفين، فإذا أصبحت عجوز قاعد لا ترغب في الزواج، ولا تشتهيه، ولا تميل إليها النفوس، ولا يطلبها راغب، في هذه الحالة خفف الله عنها (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ) أية ثياب توضع؟ قال بعضهم‫:‬ غطاء الرأس، الخمار، فإذا بدا شعرها فلا بأس، أو انزلق خمارها فلا بأس، ولا إثم لأنه لن ينظر إليها أحد لكبر سنها، والقعود، وقال البعض‫:‬ بل الجلباب الخارجي، فالملابس داخلية غير شفافة، يلبس فوقها بعض الملابس كالعباءة، والرداء وما إلى ذلك، والمعطف فإن تخففت من هذه الثياب بحيث لا ينكشف منها شيء أو تتعمد الكشف لا جناح، ولا إثم بشرط (غَيْرَ مُتَبَرِّجَـٰتٍۭ بِزِينَةٍۢ ۖ ) التبرج في الأصل‫:‬ إظهار ما خفي ومنه (وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ (١)) [سورة البروج آية‫:‬ ١]، ومنه (وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍۢ مُّشَيَّدَةٍۢ ۗ ) [سورة النساء آية‫:‬ ٧٨]، ومنه البارجة للسفينة الظاهرة فوق الماء، فالبروج أصل مادة الكلمة معناها الظهور، إظهار ما خفي، تعمد الإظهار (غَيْرَ مُتَبَرِّجَـٰتٍۭ بِزِينَةٍۢ ۖ ) أي غير مظهرات الزينة التي أمر الله بإخفائها في قوله‫:‬ (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ ) [سورة النور آية‫:‬ ٣١]، أي غير متعمدات لإظهار الزينة ذاك رأي، والرأي الآخر قال‫:‬ الآية تختص بالبيوت، وليس بالخروج إلى الشوارع، والطرقات، وإنما في البيت تتخفف من ثيابها (غَيْرَ مُتَبَرِّجَـٰتٍۭ بِزِينَةٍۢ ۖ ) أي غير خارجات من بيوتهن إلى الطرقات، والرأي الأول أرجح، القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا، أي لا يتوقعون زواجا فقد تعزف المرأة عن الزواج، ولكن يرغب فيها الرجال، الشرط هنا ليس العزوف عن الزواج، ولكن الشرط هنا أن لا تصلح أصلا للزواج (يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ) الخمار إبداء العورة البسيطة الخفيفة عن غير قصد، الذراع، الساق، العنق، الأذن، الشعر الذي يبدو عن غير قصد، وهكذا (غَيْرَ مُتَبَرِّجَـٰتٍۭ بِزِينَةٍۢ ۖ ) غير مظهرات لما أمر الله بإخفائه، غير متعمدة لذلك، وقد نرى المرأة كبرت في السن، ولا يرجى لها زواج ومع ذلك تتصابي، فتلبس الثياب العارية، وتصبغ وجهها بالمساحيق، وتصل شعرها، وتقول‫:‬ إنها من القواعد ذاك لا يصح، ورغم هذا التخفيف والترخيص يقول الله (تبارك وتعالى) (وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌۭ لَّهُنَّ ۗ ) الثواب أعظم، فمهما تكلفت من مشقة في مراعاة تغطية الشعر في مراعاة ألا يبدو بعض ذراعها، وبعض ساقها، والعورات المخففة، إذا راعت ذلك، وتحشمت كان ذلك خيرا لها زيادة في ثوابها (وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ﴿٦۰﴾) سميع الأقوال، عليم بالنيات، فمهما أخفى الإنسان قصده، ونيته، فلا يخفى على الله شيء، فمن رحمة الله (عز وجل) أن رفع الحرج عن أصحاب الأعذار، ولم يكلف الناس ما لا يطيقون، فمن الناس من هو ذو عذر كالأعمى، كالأعرج، كالمريض، كالزمنى أصحاب الأمراض المزمنة، يتمنى كل منهم أن يأتي بالعمل المكلف به على الوجه الأكمل، ويأبى عذره أن يأتي بالعمل، وفيه القصور فرفع ربنا الحرج عن هؤلاء، وتتوالى الآيات من سورة النور تنظِّم، وترتب البيت المسلم، وتهيئ للمجمتع الإسلامي أسباب الأمان والسلام، والسعادة في الدنيا، وفي الآخرة يقول عز من قائل‫:
لَّيْسَ عَلَى ٱلْأَعْمَىٰ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَى ٱلْأَعْرَجِ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا۟ مِنۢ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَـٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَٰنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَـٰمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّـٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَٰلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَـٰلَـٰتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا۟ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًۭا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًۭا فَسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةًۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَـٰرَكَةًۭ طَيِّبَةًۭ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿61﴾
قيل‫:‬ إن الآية مقطوعة عند قوله‫:‬ (وَلَا عَلَى ٱلْأَعْرَجِ حَرَجٌۭ)، والكلام عن دفع الحرج والإثم عن المريض، وذوي الأعذار إذا قعدوا عن الخروج للغزو، وقال بعض الناس‫:‬ الآية متصلة، وكلها في المطاعم، وقالوا‫:‬ كان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا خرجوا للغزو خرجوا جمعيا، ولم يتخلف أحد، وتركوا ذوي الأعذار في أموالهم لرعايتها حتى العود، فكان أصحاب الأعذار يتحرجون من الأكل من طعام الخارجين للغزو، قائلين لأنفسهم‫:‬ لم تسمح نفوس الخارجين لنا أو تطيب نفوسهم بذلك، فكانوا يجدون مشقة ذاك رأى، هناك رأي يقول‫:‬ إن أصحاب الأعذار كانوا يتحرجون إذا دعوا إلى طعام أن يذهبوا ويأكلوا مع الأصحاء مخافة أن يستقذروهم، فتحرجوا من ذلك فكانوا لا يجيبون الدعوة إلى الطعام، وقيل‫:‬ إن بعض الناس كان فيهم بقية من خلق الجاهلية، وكانوا يستقذرون أصحاب الأعذار فلا يأكلوا معهم، كل ذلك قيل، ولا يمنع أن تكون الآية شاملة لكل ذلك، شاملة لرفع الحرج عن هؤلاء، رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط في أدائه الإبصار، ورفع الحرج عن الأعرج في التكليف الذي يشترط فيه المشي، والجري وما إلى ذلك ورفع الحرج في جميع التكليفات، فالمريض لا يصوم وعليه الإطعام، أو التأجيل للقضاء حين الشفاء وهكذا، إذا فهي رفع للحرج في جميع الأمور التي يصعب على أصحاب الأعذار أداءها، كذلك رفع الحرج عن مؤاكلتهم أو معاشرتهم، ورفع الحرج عنهم في أن يطعموا ويأكلوا طالما طابت نفوسهم الناس لذلك (لَّيْسَ عَلَى ٱلْأَعْمَىٰ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَى ٱلْأَعْرَجِ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌۭ) الحرج في الأصل‫:‬ كلمة الحرج تطلق على مجتمع الشجر المتكاتف المجتمع المتداخل، ثم استعيرت الكلمة لكل ضيق، ولكل إثم، ليس عليهم حرج أي لم يضيق عليهم ربنا، ولم يجعل عليهم إثما فيما قصروا في أدائه نتيجة الأعذار (وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا۟ مِنۢ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَـٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَٰنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَـٰمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّـٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَٰلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَـٰلَـٰتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ ) ذكرت أصناف، أين الأولاد وأين البنات؟ قالوا‫:‬ كلمة من بيوتكم شملت الأولاد؛ لأن البيت فيه الزوجة، وفيه الأولاد، قيل‫:‬ وإن كانوا في بيوت أخرى؟ قيل الولد من كسب أبيه، وإن خير ما يطعم المرء ما كان من كسب يده، والولد من كسب أبيه، فإذا قال (مِنۢ بُيُوتِكُمْ) دخل فيها الأولاد، وذكروا خبر الذي جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يشكو أباه أنه يأخذ ماله، فقال‫:‬ (أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ)، ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم، إذا فهي بيوت الإنسان مهما كان فيها من أهل، وذكرت الآية الأصناف الأب، والأم، والأخ، والأخت، والعم، والعمة، والخال والخالة، ذوي القرابة يأكل كيف يأكل والإذن بالأكل؟ هل يأكل بغير إذن؟ دخل بيت عمه فوجد طعاما هل يأكل من دون إذن؟ قالوا‫:‬ نعم، يأكل دون إذن ذاك أمر الله، فالقرابة، ومودة القرابة، وصلة الرحم هي الإذن، فهو غير محتاج لإذن؛ إذ تطيب نفس الإنسان إذا أكل قريبه من طعامه، ويسعد، وهذا هو المفروض، وقيل‫:‬ لابد من الإذن الصريح، أو بالقرينة وإن كانت ضعيفة، أي يعلم أنه يأذن ولا يمانع، الرأي الثالث‫:‬ يقول‫:‬ يأكل إذا كان الطعام مبذولا مباحا، أي متروك غير محرّزا، أما إن كان الطعام محرزا، أي في صناديق في ثلاجات، في دواليب محرزا، فلا يصح له أن يفتح الحرز، والإذن بالطعام فقط أن يأكل، لا يأخذ معه وهو خارج طعاما من طعام البيت، أو يأخذ ما ليس بطعام كالثياب مثلا، فالإذن بالطعام، إذا فهي ثلاثة آراء أن يأكل بغير إذن، والقرابة هي الإذن، أن يأكل إن أذن له أو علم أنه يؤذن له، وقيل‫:‬ إن كان الطعام مبذولا مباحا موضوعا، أكل بغير إذن، وإن كان محرزا استأذن، والمسألة تتوقف على العرف، والقريب ما وضعه بالنسبة لك، ما وضعك بالنسبة له، ماذا تعلم عنه؟ هل تطيب نفسك إن أكل عندك، إذا فتطيب نفسه إن أكلت عنده وهكذا (أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ) وقرأت (ما مُلِّكتُم) والمعنى واحد، المفاتح‫:‬ جمع مِفتح، وهو ما يُفتح به، وقرأت (مفتاح) أي ما ملكتم مفتاحه بالإفراد، وقرأت (ما ملكتم مفاتيحه) جمع مفتاح، قالوا‫:‬ الخزائن التي يخزن فيها الإنسان طعامه، وذلك قول مرجوح لأن الكلام عن البيوت (أَن تَأْكُلُوا۟ مِنۢ بُيُوتِكُمْ) يدخل فيها المحرّز، وغير المحرّز، لكن الرأي الأرجح (أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ) الوكلاء، والأجراء، والمخلّفون عن الغزو، والموكلّون بأموال الغزاة، خرج للغزو وترك فلانا على ماله، فله أن يأكل، إذ قد ملك مفتاحه، الأجراء لك غنم، واستأجرت راعيا للغنم، أله أن يحلب ويشرب؟ نعم، أنت تاجر لطعام، ولك أجير في ذاك المتجر، أيأكل إن جاع بغير إذن؟ نعم‫.‬ وقال بعضهم‫:‬ لا يأكل إلا أن يؤذن له، فالآية خطاب للناس أن يسمحوا، ويأذنوا لأجرائهم، ووكلائهم بالأكل، وقيل‫:‬ إن كان يؤجر على العمل، له أجر، فلا يصح له أن يأكل من طعام صاحب العمل، أما إذا لم يكن له أجر فله أن يأكل، وهي آراء تتراوح بين ثلاثة آراء، أن يأكل بغير إذن، أن يأكل إن أذن له، إن كان له أجر لا يأكل، وإن لم يكن له أجر يأكل، فالمسألة أيضا تتوقف على الحالة، وعلى العرف، وعلى الوضع العام، أهو مطعم، والأجراء فيه خدم، هل يأكلون بالمعروف؟ هل يقدم لهم الأكل، أم يأكلون طعام الناس أم يفسدون فيه؟ المسألة تتوقف على الخلق، وعلى العفة، وعلى كرم صاحب المال، وعلى خُلقه (أَوْ صَدِيقِكُمْ) ومن أغرب الأمور كلمة (أَوْ صَدِيقِكُمْ) كلمة (صديق) تفيد الجمع، ككلمة (عدو) تطلق على الجنس، ويقصد به الجمع أي بيوت الأصدقاء؟ وقالوا في الأصدقاء‫:‬ إذا دخلت بيت الصديق تأكل وتشرب بغير إذن؟ قيل‫:‬ نعم، فالصديق أولى وأقرب من القريب، واستدلوا على ذلك بقولهم‫:‬ ألم تر إلى أصحاب الجحيم، الجهنمين حين استغاثوا، استغاثوا بمن؟ قالوا (فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ ﴿١۰۰﴾ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍۢ ﴿١۰١﴾) [سورة الشعراء آية‫:‬ ١٠٠ - ١٠١] استغاثوا بالصديق، لم يستغيثوا بالقريب، فالصديق أولى، وسئل أحد العارفين أي الناس أحب إليك الأخ أم الصديق، قال‫:‬ أحب أخي إن كان صديقي، فقيل‫:‬ إن الصديق يفرح وتطيب نفسه إذا أكل صديقه من بيته بغير إذن، وقال أحد العارفين‫:‬ إن أخاك الحق من كان معك، ومن يضر نفسه لينفعك، وإذا ريب الزمان صدعك، شتت فيك شمله ليجمعك (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا۟ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًۭا ۚ ) جمعيا‫:‬ مجموعين، أشتاتا‫:‬ متفرقين، شت القوم‫:‬ تفرقوا، شتَ يشتُ شتاً وشتاتاً: تفرقوا، قيل في هذه الآية، أو في هذا الجزء بالذات كان القوم من العرب من قبائل العرب من بني ليث بن بكر، كان أحدهم لا يأكل منفردا أبدا ولو جاع إبلُه، والنوق محفلة باللبن في ضروعها، لا يحلب ولا يشرب حتى يجد من يشرب معه، ورويت روايات عنهم، وعن بعض العرب كحاتم الطائي في كرمه، وأن هؤلاء الناس كانوا يسيرون على نهج وسنة إبراهيم الخليل، الذي لم يكن يأكل وحدها أبدا، وقيل عن هؤلاء الكرماء‫:‬ إن أحدهم كان يقول لعبيده‫:‬ اليوم قر أي برد شديد، إن جئتني بضيف فأنت حر، كانوا يتحرجون من الأكل منفردين لابد من ضعيف لابد من وجود من يؤاكلهم، فرفع ربنا عنهم الحرج، فقال‫:‬ لا إثم ولا حرج أن تأكل منفردا طالما لم تجد من تأكل معه، ولا تترك نفسك جوعان، أيضا حين يقول‫:‬ جمعيا، قالوا هذه بالذات في أمر الإخوة المتحابين، أو المجتمعين على أمر، أو الرفقة في السفر، أنت تقدم وهو يقدم والآخر يقدم، يجمع المال بالتساوي ويشترى الطعام، كقول أهل الكهف (فَٱبْعَثُوٓا۟ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَامًۭا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍۢ مِّنْهُ) [سورة الكهف آية‫:‬ ١٩]، في حال السفر أنت معك زاد، وهو معه زاد، كل يأكل من زاده منفردا فذاك أمر مكروه، وأما السنة أن يجمع الطعام، فإن جمع الطعام، أو اشترك المسافرون في النفقة، وأكلوا جمعيا يتفاوت الأكل من شخص لآخر، فذاك سمين كبير الحجم، يأكل أكثر، وذاك ضعيف البنية، أو خفيف اللحم، أو صغير الحجم يأكل قليلا، إذا فكمية الأكل هم متفاوتون فيها، رغم أنهم تساووا في النفقة، فهل هناك بأس أن يأكل أحدهم حتى يشبع رغم أن ما أكل أكثر، قالوا‫:‬ نزلت في هذا لا حرج، ولا إثم، والتحابب، والتآخي والاشتراك في النفقة، والأكل جمعيا بغض النظر عن التفاوت في الشبع، أو في الرغبة في الأكل، أو، أو رغم التفاوت، فالكل تطيب نفسه بذلك، أمر بالمودة، بالمحبة، بالألفة، بإطعام الطعام، بالأكل مع الأضياف، باستضافة الناس ترتيب، تنظيم، تأديب، تعليم، رحمة (فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًۭا فَسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةًۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَـٰرَكَةًۭ طَيِّبَةًۭ ۚ ) في آية سابقة في نفس السورة (لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَهْلِهَا ۚ ) [سورة النور آية‫:‬ ٢٧]، قيل هنا البيوت بيوت المخاطبين، البيوت المسكونة بأهلها، وقيل‫:‬ بل هي عامة، أي بيت دعيت إليه، أو دخلته سواء كان بيتك، أو بيت المذكورين‫:‬ الأعمام، والأخوال، والصديق وما إلى ذلك، فعليك أن تسلّم على أهلها (فَسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ) أي سلّموا على الموجودين فيها (تَحِيَّةًۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَـٰرَكَةًۭ طَيِّبَةًۭ ۚ ) التحية في الأصل دعاء بقولك‫:‬ حياك الله، أي تدعو له بالحياة، بطول العمر، ثم أطلقت على كل ما يحيى به الإنسان (تَحِيَّةًۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ) مشروعة، مأذون فيها (مُبَـٰرَكَةًۭ) لأن فيها الدعاء، السلام عليكم، إذا تدعو له بالسلام، تدعو له بالرحمة، تدعو له بالبركة، فهي تحية مباركة؛ لأن فيها الدعاء، وفيها استجلاب المودة، إذا أفشيت السلام كان ذلك أدعى للمحبة، والوئام، أفشوا السلام، وحين أمرنا بإفشاء السلام، سئل النبي (صلى الله عليه وسلم) (وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَهُ ، وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ) وكان إذا لقي أحدا بدأه بالسلام (طَيِّبَةًۭ ۚ ) لأن السامع، والمحيى بها تطيب نفسه بها، إذا قلت له‫:‬ السلام عليك، فهي تحية مباركة طيبة من عند الله، قيل‫:‬ إذا دخل الإنسان بيتا غير مسكون لا أحد فيه، بيته أو بيت غيره، هل يسلّم، تسلم على من؟ قيل‫:‬ لا يسلم، وقيل‫:‬ بل يقول السلام على عباد الله الصالحين، إن دخل بيته يسلم على أهله؟ قالوا‫:‬ نعم، وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) (إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ بَيْتَهُ فَلْيَقُلِ الَّلهُمّ إِنِّي أَسْألُكَ خَيرَ الوُلُوجِ، وَخَيْرَ الخُرُوجِ بِسْمِ اللَّهِ وَلَجْنَا وَبِسْمَ اللَّهِ خَرَجْنَا، وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا تَوَكّلْنَا ثُم يُسَلَّم عَلَى أَهْلِهِ) إذا قال الإنسان ذلك، أمن دخول الشيطان في بيته (كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٦١﴾) (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٦١﴾) أي مثل التبيين الذي حدث في الآيات السابقة للآداب العامة، والعفة، والستر، وغض البصر، وما تنزل من آيات تبين، وتعلّم وترشد، وتخلّق الناس بالخلق القويم، كذلك يبين الله لكم الآيات البينات التي توضح لنا الآداب العامة حتى في الطعام، وفي دخول البيت لعلكم تعقلون، وتأتي آية ترفع من مقام النبي (صلى الله عليه وسلم) وإن كان الكلام فيها قد خصصها بوضع خاص، وهو غزوة الخندق.
إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُوا۟ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمْرٍۢ جَامِعٍۢ لَّمْ يَذْهَبُوا۟ حَتَّىٰ يَسْتَـْٔذِنُوهُ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ فَإِذَا ٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿62﴾
لما حدثت غزوة الخندق، غزوة الأحزاب في شوال في السنة الخامسة من الهجرة، وجاء أبو سفيان، وجاء الأحزاب، وحوصرت المدينة، وأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بحفر الخندق بناء عن مشورة سلمان، واشترك الكل حتى النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يحفر بيده، ويشارك في العمل، والحفر كان المنافقون يتسللون ويهربون بشتى الأعذار حتى لا يشاركون في الحفر، فنزلت الآية تفضحهم، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ما هو الأمر الجامع؟ قيل‫:‬ الأمر الجامع المشورة، كل أمر يهم الأمة، كل أمر فيه مصلحة للمسلمين، دعا إليه الإمام لابد من الإجابة، فقيل‫:‬ صلاة الجمعة أمر جامع، وقيل‫:‬ الاستشارة، والمشورة في الأمر، أمر جامع للتجهيز للحرب، أمر جامع، الخروج للغزو أمر جامع، كل أمر فيه مصلحة عامة للأمة هو أمر جامع، وقرأت (إذا كانوا معه على أمر جميع)، والآية رغم أنها تفوض رسول الله في الإذن إلا أن الآية بالتأمل فيها تجد التضييق الشديد، وتأمل أولا الآية حددت الإيمان الكامل في هؤلاء الذين آمنوا بالله ورسوله، ولم يرتابوا، ولم يشكوا، ولم يترددوا، بل أخلصوا في عقيدتهم، وإذا كانوا معه في أمر هو استدعاهم له، أمر جامع يهم الأمة، لم يتخلف منهم أحد، ولم يستأذن أحد، ولم يخرج أحد إلا بإذنه (لَّمْ يَذْهَبُوا۟ حَتَّىٰ يَسْتَـْٔذِنُوهُ ۚ ) (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ ) تأكيد على أبلغ ما يكون، إذاً من خرج بغير إذن منافق، يتكشف أمره إذا خرج بغير إذن، حكم عليه بالنفاق فورا لهذه الآية (فَإِذَا ٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ) إذاً فليس في كل الأمور يتم الاستئذان، ليس في كل الشئون، وإنما في بعض الشئون، أي ذات الأهمية القصوى التي تتطلب الاستئذان ذاك أول قيد (فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿٦٢﴾) إذاً فليس كل مستأذن يؤذن له، ولكن بمشيئة الرسول، إذا لمن علم صدقه، ولمن علم أهميته عذره، القيد الآخر لم يقل فأذن لهم، وإنما قال‫:‬ (فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ)، فإن حدث، واستأذن المؤمن المخلص في إيمانه لأمر هام، قد يؤذن له، وقد لا يؤذن له، فإن أذن له استغفر له الرسول، كيف؟ هو يستأذن في بعض الشأن، أو لأمر هام، وعلم الرسول صدقه، وتبين له أهمية عذره فأذن، فلِم يستغفر؟ نعم؛ لأن الاستئذان قصور عن الكمال، وإيثار الدنيا على أمور الدين، من هنا أمر بالاستغفار لهم؛ لأنهم استأذنوا رغم أهمية الأمر، ورغم خطورة الشأن، ورغم الإذن الذي أذن به رسول الله، إلا أنهم خالفوا الأولى، وآثروا الدنيا على الدين (إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿٦٢﴾) قال العلماء في هذه‫:‬ إن الأمر بهذا الشكل تفويض لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ورفع لشأنه، وبيان للمؤمنين، للمؤمن كامل الإيمان، وفضح للمنافق الذي يتخلف عن الجماعة، وقالوا‫:‬ ذاك الأمر لرسول الله، وللأئمة من بعده، مقام رسول الله فوق كل مقام، وذاته الشريفة هي الذات الكاملة، وهو أفضل خلق الله على الإطلاق، وهو سيد الأولين والآخرين بغير منازع، هو صاحب اللواء المعقود، والحوض المورد، وهو الشهيد يوم القيامة على كل الشهود، سيد الخلق، بعث رسول الله في قوم أجلاف في ذلك الوقت، الجفاء فيهم، فيهم بعض الصفات الحميدة كإكرام الضيف مثلا، وفيهم أيضا الأخلاق الرذيلة‫:‬ البغاء، الخمر، الميسر، العدوان، عدم احترام حق الجار، خطف الناس، بيع الأحرار، أمور كثيرة كان أيضا من ضمن أخلاقهم الجفاء الشديد، فحين تعاملوا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تعاملوا معه كما يتعاملون مع بعضهم البعض، فينادي عليه الرجل من بعيد، ويرفع الصوت، وينادي بالاسم مجردا، إذا نادى هو على أحد، وكان لا يرد عليه حتى يفرغ مما هو فيه، إذا استدعى أحد يتخلف بعذر، أو بغير عذر، أو يتكاسل، أو يتراخى، فنزلت الآيات بعد ما أدبت الناس لتكوين البيت السليم، والفرد العفيف، السليم، وعلمتهم الستر، والعفة، والعفاف، وبينت لهم كيف يكون السلوك، والتصرف في المجتمع، وفي البيت، والأسرة، بدأت تؤدبهم في تعاملهم مع سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) يقول الله (تبارك وتعالى):‬
لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًۭا ۚ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًۭا ۚ فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿63﴾
القرآن حمال وجوه، وقلنا كما قال عمر بن الخطاب‫:‬ (لا يبلغ الرجل درجة من العلم حتى يعلم أن للقرآن وجوها) دعاء الرسول ما هو، وما هو المقصود؟ وانظر إلى الإعجاز اللغوي في هذه الآية، وكيف تشمل الكلمة معان عديدة (لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًۭا ۚ ) أي لا تدعوه كما يدعو بعضكم بعضا، فلا تنادوه باسمه مجردا أبدا، إثم وحرام قطعي، من هنا كان النداء دائما، يا رسول الله، يا نبي الله، بأبي وأمي أنت يا رسول الله، حتى الكنية يا أبا القاسم كان اليهود ينادونه بها أما الصحابة فلم يصدر عن أحد منهم مطلقا أنه قال‫:‬ يا محمد، أو قال‫:‬ يا أبا القاسم، ولكن الكل كان يقول‫:‬ يا رسول الله، يا نبي الله، بالصفة، ذاك هو الأمر الأول، الأمر الثاني‫:‬ النداء مهما كان يا رسول الله قد يكون برفع الصوت، كما تنادي رجلا من بعيد، ذاك ممنوع منعا قطعيا مع سيد الخلق، (لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًۭا ۚ ) لا برفع الصوت، ولا بالاسم مجردا (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ ) [سورة الحجرات آية‫:‬ ٣]، النداء من وراء الجدار أو من خارج البيت ممنوع (إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَٰتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤)) [سورة الحجرات آية‫:‬ ٤]، التفصيل لهذا الأمر، إذا فلا تخاطب إلا إذا كنت تراه، وأن تكون على مسافة منه بحيث يسمع صوتك الخفيض، وتناديه بخشوع، وبتأدب، وتناديه بالصفة أيضا (لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ) أي إذا دعاك يا فلان تعالى، أو أرسل في طلبك، تترك الدنيا وما فيها، وتسارع، وإن كنت في الصلاة؟ نعم، خرجت من الصلاة فتجيبه، وقد نادى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على رجل من أصحابه، فلم يرد عليه ثم جاءه (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي، قاَلَ: إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ): (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ ) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٢٤]). إذاً فقد كان من الواجب أن يخرج من صلاته لإجابة رسول الله، حديث صحيح وارد في الصحاح، ثم علّمه بعد ذلك أعظم سورة في القرآن، وقال‫:‬ إنها الفاتحة أيضا الآية (لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ) أي لا تجعلوا دعوة الرسول لكم بالمجيء كدعوة بعضكم بعض فيتخلف أو ينشغل أو ينتظر مما يفرغ مما هو فيه أيضا (لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ) دعاء الرسول ربه كدعاء صغيركم لكبيركم إن شاء أجابه، وإن شاء لم يجبه، فهو إن دعا أجيب على الفور أيضا (لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ) أي لا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض، فإن دعوته موجبة فاحذر أن يدعو عليك؛ لأنه لو دعا عليك أجيب في التو، وتنبه إن دعاءه لله إن دعا لك أجيب على الفور، وإن دعاك وجب أن تجيب على الفور ولو كنت في الصلاة، وإن دعوته وناديت فإياك أن ترفع الصوت، وإن خاطبت إياك أن يرتفع صوتك عن صوته، إياك أن تناديه باسمه، وناديه بصفته، ذاك هو الأدب مع سيد الخلق (قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًۭا ۚ ) عاد الكلام على الاستئذان، وعلى الاجتماع على أمر جامع كان المنافقون في المسجد، أو في غزوة الخندق، أو في أي أمر جامع يأتون حين يدعو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الناس ثم ينظرون أيراهم أحد من الصحابة، أو ينتبه لهم، أو يراهم الرسول، فإن لم يراهم أحد انسلوا، وخرجوا في خفة، وفي خفية (قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ) الله يرى إذا لم يراكم الرسول، فربنا يراكم (لِوَاذًۭا ۚ ) كان يلوذ بعضهم ببعض، إذا قام منهم رجل ليخرج خرج الآخر متخفيا خلفه، مستترا به، لاذ به، يلوذ لواذا تعلق به، أو إذا أذن الرسول لأحد قام معه، وكأنه تابع له، فربنا يفضح كل هؤلاء، ويقول (قَدْ يَعْلَمُ) (قَدْ) دخلت للتأكيد على علمه، للتأكيد على وعيده، فتأكيد العلم تأكيد للوعيد، أي علم علما لا يدخله شك (فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٦۳﴾) عن أمر من؟ عن أمر الله، إذ الأمر له على الحقيقة، أو (عَنْ أَمْرِهِۦٓ) عن أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأمره أمر الله، وقال‫:‬ (عَنْ)، والمعنى يحذر الذين يخالفون أمره، جاء بكلمة عن أمره ليتضمن معنى المخالفة الإعراض أيضا، فقد تخالف الأمر وأنت مقبل، وقد تخالف الأمر وأنت معرض، فهي مخالفة وإعراض (أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) في الدنيا، يحول ربنا القلوب، يطبع عليها، يصيبهم بالأمراض، والبلايا، والآفات، والزلازل، الفتنة في الدنيا، المحن التي لا يقوى الإنسان على تحملها، فليحذر المخالفون لأمر الله، وأمر رسول الله، أن تصيبهم في الدنيا فتنة، أو يصيبهم في الآخرة عذاب أليم، ثم تختم السورة، بتأكيد واقع وحقيقة لابد من الاعتقاد بها‫.‬‬‬‬‬
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ ﴿64﴾
‫(أَلَآ) كلمة تنبيه أي استمعوا، وانتبهوا (أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ) تنبيه تقرير لواقع يجب أن يعتقده المسلم، له ما في السموات والأرض ملكا، وخلقا، وإيجادا، وتدبيرا (قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ) قد جاءت أيضا للتأكيد، طالما هو المالك، وهو الملك، وهو صاحب الملك والملكوت، إذا فهو يعلم ما في ملكه، ما ظهر وما خفي، وما جلّ، وما دق (وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ ﴿٦٤﴾) طالما ينبئهم، فهو يحاسبهم (وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ) ولم يقل يوم ترجعون، الكلام خطاب، ثم تحول الخطاب إلى الغيبة، وذاك مما يسمى التلوين في الخطاب، وهو من ضمن إعجازات اللغة في القرآن (وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ ﴿٦٤﴾) حقا وصدقا‫.