سورة المؤمنون
لقاؤنا مع سورة المؤمنون، سورة المؤمنون مكية، نزلت بمكة، شأنها شأن السور المكية التي تعالج أصول العقيدة، والدين، التوحيد، الرسالة، البعث، افتتحت السورة ببشرى تؤكد تحقق ووقوع ما توقعه المؤمنون ، عرضت السورة لصفات هؤلاء المؤمنين، الذين تحقق لهم الفلاح، ثم عرضت السورة لدلائل القدرة، ودلائل التوحيد، ودلائل الانفراد بالتدبير، والتصريف في خلق الإنسان وأطواره، تسعة أطوار، في خلق السموات والأرض، في النبات، في الحيوان، عرضت السورة لدلائل القدرة الربانية، ثم انتقلت السورة تعزّي، وتسلّي سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) فتقص بعض قصص الأنبياء: نوح، هود، موسى، هارون، مريم، عيسى، تقص بعض قصص الأنبياء تسلّيه، وتعزّيه، وكأن الآيات تقول له: إن كذبك قومك فقد كُذب الرسل جمعيا، صبروا، وأفلحوا، وانتصروا، وأهلك الله الكفار، ودمر ديارهم، ثم تنتقل السورة للكلام عن أحوال كفار مكة، تبين عنادهم، تبين مكابرتهم للحق بعد ما سطع سطوع الشمس، ثم تبين السورة أحوال الكفار إذا جاءهم الاحتضار، هؤلاء المعاندون المتكبرون الجاحدون، إذا جاء أحدهم الموت اصطرخ قائلا: رب ارجعون، وعرضت السورة أيضا لأحوال الناس يوم القيامة، حيث ينقسم الناس إلى فريقين: سعداء جعلنا الله منهم، وأشقياء أعاذنا الله منهم، وتسجل السورة في ختامها الحوار الدائر بين الملك الجبار، وبين أهل النار، حيث يقول لهم: (ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)) [سورة المؤمنون آية: ١٠٨] تبين السور كيف يستغيثون فيها، يغاثون ويتكلمون فلا يسمعون، ويستأذنون فلا يؤذن لهم، ولا هم يستعتبون، يروى الإمام الترمذي عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يقول: (كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الْوَحْيُ يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَمَكَثْنَا سَاعَةً، وَفِي رِوَايَةٍ: فَنَزَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا، فَمَكَثْنَا سَاعَةً، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلا تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلا تَحْرِمْنَا، وَآثِرْنَا وَلا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وَارْضَ عَنَّا. ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ. ثُمَّ قَرَأَ : إِلَى عَشْرِ آيَاتٍ).
قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴿1﴾
ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ ﴿2﴾
وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿3﴾
وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ ﴿4﴾
وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ ﴿5﴾
إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿6﴾
فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ ﴿7﴾
وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ ﴿8﴾
وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿9﴾
أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ ﴿10﴾
ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿11﴾
وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍۢ مِّن طِينٍۢ ﴿12﴾
ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةًۭ فِى قَرَارٍۢ مَّكِينٍۢ ﴿13﴾
ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةًۭ فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةًۭ فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰمًۭا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًۭا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ ﴿14﴾
ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ﴿15﴾
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تُبْعَثُونَ ﴿16﴾
وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ ﴿17﴾
وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍۢ فَأَسْكَنَّـٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۭ بِهِۦ لَقَـٰدِرُونَ ﴿18﴾
فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّـٰتٍۢ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَـٰبٍۢ لَّكُمْ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٌۭ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿19﴾
وَشَجَرَةًۭ تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍۢ لِّلْـَٔاكِلِينَ ﴿20﴾
وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ كَثِيرَةٌۭ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿21﴾
وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴿22﴾
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿23﴾
فَقَالَ ٱلْمَلَؤُا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةًۭ مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ ﴿24﴾
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌۢ بِهِۦ جِنَّةٌۭ فَتَرَبَّصُوا۟ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٍۢ ﴿25﴾
قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ ﴿26﴾
فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ۙ فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ﴿27﴾
فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿28﴾
وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًۭا مُّبَارَكًۭا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ ﴿29﴾
إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴿30﴾
(وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ﴿٢۷﴾) أي لا تطلب مني نجاة أحد، ولا تدعو لهم، ولا تتشفع، هم مغرقون، مهلكون لا محالة (فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ) إذا ركبت، واستقرت بك، واستقر الناس معك (فَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿٢۸﴾) والحمد لله كلمة كل شاكر لله (وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًۭا مُّبَارَكًۭا) إما القول قبل ركوب السفينة، أو عند الركوب، أنزلني منزلا في السفينة أو بعد ما ركب السفينة، يدعو أن ينزله الله إنزالاً طيبا، أو مكانا مباركا (وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ) ثناء على الله يناسب الدعاء (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴿۳۰﴾) في ذلك القصص فيما قص علينا (لَـَٔايَـٰتٍۢ ) لعِبَرْ ودلائل (وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) مختبرين الناس بالنعم، والنقم، أو مختبرين قوم نوح بإرساله إليهم، أو مختبرين الخلق بهذا الطوفان الذي حدث، الملفت للنظر في الآية نوح ركب في السفينة، والخطاب لنوح هو الذي يوحى إليه، هو الرسول، فاسلك فيها أمر فإذا استويت أنت ومن معك إذا أصبح نوح معه أناس فقل، لم يقل فقولوا نوح ليس منفردا في الفلك، نوح يخاطب لأنه رسول يوحى إليه، هو المأمور وهو المبلغ، افعل، وافعل، وافعل ها هو استوى على السفينة، ومعه الناس هل يدعو بمفرده؟ لِم لم يأمر بقوله قولوا حتى يدعو لناس الذين ركبوا السفينة مع نوح؟ فقل الحمد لله الذي نجانا، إذاً فهو يدعو لنفسه، ولقومه كأن الآيات تلتفت النظر إلى المقام العالي لنوح، وكأن دعاء نوح كاف، فهو دعاء له ولمن معه في الفلك، ذاك يدل على التشريف والتعظيم، ورفعة القدر لنوح، أن يتوجه هو بالدعاء، ودعاؤه كافي ويغني عن دعاء الآخرين، أهلك الله (تبارك وتعالى) أهل نوح، والهلاك لم يختص به قوم نوح فقط، بل عمّ العالم، وتخيل حين أوحى الله إلى نوح (فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ) أي ذكر وأنثى، ولم يحمل نوح معه في السفينة إلا ما يلد أو يبيض، الدنيا في ذلك الوقت هل من كل زوجين اثنين فقط، أم أن من الطيور ألوف، ومن الوحوش ألوف، ومن الحيوان ألوف، ومن، ومن، ومن، لكن الطوفان عم الأرض جميعها حتى أن بيت الله الحرام لم يسلم من الطوفان، غضبة الله خطيرة، وسخط الله ما حق، نجا نوح كم كان معه في السفينة؟ قلة، وبدأت الحياة من جديد طاهرة نقية نظيفة، يقود مسيرتها رسول يوحى إليه من أولي العزم من الرسل نوح، واستمرت الأيام، والشهور، والسنين، والدهور وكلما ابتعد الناس عن أزمنة البعثة، وعصور الرسل، كلما دخل في دينهم ما ليس منه، يحكي القرآن لنا، وتحكي لنا الآيات من سورة المؤمنين يقول الله (عز وجل):
ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ ﴿31﴾
فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿32﴾
أرسل الله فيهم رسولا منهم برسالة محددة (أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ ) هذه هي الرسالة، مضمون الرسالة التوحيد الذي من أجله خلقت السموات والأرض، ومن أجله أرسل الرسل، ومن أجله كان البعث، والثواب، وكان العقاب (أَفَلَا تَتَّقُونَ) ألا تخافون غضبته، هل وصل إليهم نبأ قوم نوح؟ من الضروري، التاريخ لا ينسى، والآباء تحكي للأبناء، والأبناء تحكي للأحفاد، يحذرهم، وينذرهم، أفلا تتقون.
وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَتْرَفْنَـٰهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴿33﴾
وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًۭا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًۭا لَّخَـٰسِرُونَ ﴿34﴾
أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ ﴿35﴾
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴿36﴾
إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴿37﴾
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا وَمَا نَحْنُ لَهُۥ بِمُؤْمِنِينَ ﴿38﴾
قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ ﴿39﴾
قَالَ عَمَّا قَلِيلٍۢ لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ ﴿40﴾
فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ فَجَعَلْنَـٰهُمْ غُثَآءًۭ ۚ فَبُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿41﴾
( وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌۭ وَصَلَوَٰتٌۭ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا ۗ ) [سورة الحج آية: ٤٠]، حين بعث النبي (صلى الله عليه وسلم) هل تركته قريش؟ هل تركت من أسلم يعبد الله، أو يوحد الله، أم عذبوهم؟ وهكذا في كل أمة إذا بعث رسول ودعا قومه لا يكتفوا بالتكذيب فقط، بل لابد من التعذيب، والإرهاب، والقتل، والتشريد، وهكذا، من هنا لابد من إهلاك القرى الظالمة، من هنا لما دعا النبي (صلى الله عليه وسلم) في ذلك الزمان (قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ) حين طلب النصر، معنى ذلك أنه اتهم بالكلام، أيضا عذب، وعذب المسلمون، والمؤمنون به، فتنوا عن دينهم، لم يبق إلا نصر الله، من هنا كانت الدعوة جاءه الوحي، وجاءته البشرى (قَالَ عَمَّا قَلِيلٍۢ لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ) ربنا (تبارك وتعالى) حليم، ربنا له التدبير، والاختيار، وكيف وأين تدبيره تصريفه؛ لذا لا يصح مع الله أن يقول العبد أين، ومتى، وكيف، ولم، ولماذا، هو الله (عَمَّا قَلِيلٍۢ لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ) يندمون على تكذيبهم إياك، وعلى أفعالهم هذه (فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ) الصيحة صاح بهم جبريل كما يقال، ترى كيف كانت؟ أهي بصوت؟ أهي بصرخة؟ أهي موجات أثيرية؟ يعلم الله لكن الصيحة كانت كافية أن تجعل كل ما على الأرض تراب، وأن تجعل كل الكفار كأنهم ورق شجر، عيدان يابسة، يحملها السيل في طريقه، فأخذتهم الصحية بالحق، بالعدل، بالحق الصيحة الثابتة الواجبة التي لا تتراجع، ولا تدفع، ولا يملك لها أحد رداً، ولا دفعا، الصيحة بالحق بالعدل، بالحق بالوعد، الصدق الذي وعد الله رسوله (فَجَعَلْنَـٰهُمْ غُثَآءًۭ ۚ فَبُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ) غثاء كغثاء السيل، محطَمْ مُكسَّر ورق يابس (فَبُعْدًۭا) كأن هناك فعل بَعُد بُعَداً (فَبُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ) بُعداً لهم من رحمة الله، أهو دعاء؟ أهو خبر؟ يصح أن يكون خبرا كأن الله يخبرنا أنه قد أبعدهم في العذاب السحيق، أبعدهم عن رحمته، أهو دعاء كأننا نحن نتعلم كيف ندعو على الظالم بعدا له، أي سحقا له، أي بعدا عن رحمة الله.
أيها الأخ المسلم ربنا (تبارك وتعالى) يقول في حديث قدسي (إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا ، فَلَا تَظَالَمُوا) الظلم ظلمات يوم القيامة، لا يرضى به الله، كل ما كان بينك وبين الله أمره هين أي مما يتعلق بحقوق الله من السهل أن تتخلص منه بالاستغفار، أما بينك وبين الناس ذاك هو الأمر المهلك؛ لأنه يشترط أن يتنازل عن حقوقهم، فإياكم وأموال الناس، إياكم وأعراض الناس، ورحم الله امرأً شغلته عيوبه عن عيوب الناس، فحلم الله (تبارك وتعالى) لا يدرك بالعقل، ولا يصل الإنسان إلى مقداره، أو نهايته، الله هو الله، ولا يعرف الله على الحقيقة إلا الله، وبالتالي فالحليم لا يعرفه إلا الحليم، والحكيم لا يعرفه إلا الحكيم، والقدير لا يعرفه إلا القدير، وما كلام العلماء إلا شرح لألفاظ لحروف، أما المضمون والمعنى فأغواره لا نهاية لها، فحين نتكلم عن الحلم نشرح كلمة الحلم من حيث اللغة ما هي؟ ما هو الحلم؟ ومهما وصلنا في فهمنا للحلم، فنحن محدودون بما عهدنا من صفات بشرية، لكن الحلم الحقيقي الذي يصف به الحليم سبحانه كيف يدرك شأوه؟ كيف يعرف معناه؟ من هنا كان لابد من التنزيه حتى لا تذهب بك الأفكار كل مذهب، التنزيه سبحان الله ليس كمثله شيء، فمهما قلنا ومهما قيل، ومهما قالوا في الوصف، والتمجيد والتحميد لله (عز وجل) لن نبلغ الحقيقة، فهو ليس كمثله شيء في ذاته، فإذا كانت الذات ليس كمثلها شيء فلابد أن الصفات ليس كمثلها شيء، ولابد أن الأفعال ليس كمثلها شيء؛ لذا لا يمكن أن تدرك العقول الحكمة في أفعاله؛ ولذا تنزه أفعال الله (تبارك وتعالى) عن العبث، ولا تخلو من الحكمة، أرسل ربنا (تبارك وتعالى) نوح، كُذِّب نوح ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو ولا يستجاب له حلم، نوع من أنواع الحلم الإلهي على هؤلاء الذين كذبوا رسوله، وأهانوه، وخربوه، وعذبوه، وفعلوا به الأفاعيل، أهلك ربنا قوم نوح، نجا نوح، ومن آمن معه، وكانوا قلة، ونشأت الدنيا من جديد، وخلق أناس من جديد، وجاء النسل والذرية ونسي الإنسان العهد، وانحرف الناس فأرسل إليهم رسولا منهم بنفس الدعوة (مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ ) كذبوه، وفعلوا، وفعلوا أهلكهم الله، وبعد لكن الله له حكمة ولكن الله حليم، هو صاحب التدبير، لو أنك جئت بعامل يعمل لك عملا فأتلف فطردته، ثم جئت بغيره ووعدته الأجر الجزيل وأفهمته المطلوب، وبذلت من الجهد معه حتى يفهم ويستوعب ما تريد فأتلف فطردته، أتفكر في أن تأتي بآخر لتبذل معه ذاك الجهد، ثم يتلف وأنت تعلم أن الكل كذلك أتفكر؟! سبحان الله أرسل الرسل، وكلما جاء رسول كذّبه قومه واسمع:
ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ﴿42﴾
مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ ﴿43﴾
ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةًۭ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًۭا وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًۭا لِّقَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ ﴿44﴾
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَـٰرُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍ ﴿45﴾
إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا عَالِينَ ﴿46﴾
فَقَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَـٰبِدُونَ ﴿47﴾
فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ ﴿48﴾
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴿49﴾
وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةًۭ وَءَاوَيْنَـٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍۢ ذَاتِ قَرَارٍۢ وَمَعِينٍۢ ﴿50﴾
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ ﴿51﴾
وَإِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ ﴿52﴾
فَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًۭا ۖ كُلُّ حِزْبٍۭ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿53﴾
فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴿54﴾
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍۢ وَبَنِينَ ﴿55﴾
نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ﴿56﴾
إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ ﴿57﴾
وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿58﴾
وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴿59﴾
وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ ﴿60﴾
أُو۟لَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ ﴿61﴾
وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَلَدَيْنَا كِتَـٰبٌۭ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿62﴾
أمر يستحيل في غير طاقة البشر، من يعرف حق تقاة الله، فقيل: إن الآية ناسخة للأوامر غير المطاقة (وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ ) [سورة البقرة آية: ٢٨٤]
الخواطر لا سلطان للإنسان عليها، ما تحدثت به النفوس، إن شاء حاسب، وإن شاء عفا، لكن له أن يحاسبهم كيف يشاء، فمن حكم في ماله فما ظلم، لكن الرحمة والتفضل والإحسان عفا عما تتحدث به النفوس، بعد ما جأر الأصحاب، وخافوا من محاسبتهم على ما أخفته النفوس، ولا سلطان لهم عليه (لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ ) [سورة البقرة آية: ٢٨٦]، (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَلَدَيْنَا كِتَـٰبٌۭ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) لدينا كتاب، ما هو هذا الكتاب؟ قيل: اللوح المحفوظ، قيل: القرآن ينطق بالحق، فيه الحق، قيل: صحيفة الأعمال، ما سطره الكتبة، وذاك أرجح الأقوال (وَلَدَيْنَا كِتَـٰبٌۭ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ ) تهديد، وفي نفس الوقت ترغيب (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) فما عملت من صالح مكتوب، وما عملت من سيء مرصود، فهو تهديد، وترغيب، وترهيب لا ييأس عامل مهما قل عمله، مكتوب يحاسب عليه، وإن كان مثقال ذرة من خير وجده، وإن كان مثقال ذرة من شر وجده، صحيفة الأعمال ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، ولكن في الآية كلمة تلفت النظر، يقف الإنسان أمامها مشدوها كلمة ينطق، النطق باللسان، والإنسان فُضل على الحيوان بالنطق، الكتاب ينطق؟ علماء الأزمنة الماضية قالوا: الكلام مجاز، ينطق بالحق أي كل ما هو مسطر في الكتاب حق لا شك فيه، لكن الآن في زمننا هذا، وما اكتشف، وما اخترع أهناك كتاب ناطق؟ نعم التسجيلات، ما تسمعونه الآن بعد انتهائه، يمكن أن يذاع، إذا فهناك الأشرطة، وما إلى ذلك، كل هذه الأجهزة ناطقة، فكلمة (وَلَدَيْنَا كِتَـٰبٌۭ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ ) تلفت النظر أنا لا أفسرها، أقول تلفت النظر، تدعو للتأمل مثل (حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿٢۰﴾ وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢١﴾) [سورة فصلت آية: ٢٠ - ٢١] تأمل في كلام الله ليس تفسيرا، وإنما هو تأمل (وَلَدَيْنَا كِتَـٰبٌۭ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) لا يظلمون بزيادة عقاب، أو بنقص ثواب.
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍۢ مِّنْ هَـٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌۭ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ ﴿63﴾
حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـَٔرُونَ ﴿64﴾
لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ﴿65﴾
قَدْ كَانَتْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ ﴿66﴾
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًۭا تَهْجُرُونَ ﴿67﴾
الكلام يبدو عن يوم القيامة، وذاك أرجح (حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـَٔرُونَ) المترفون هم الذين يجأرون حين أخذوا بالعذاب، ثم يقال لهم (لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ) لا تعانون، ولا تمنعون منا، ولا يستطيع أحد أن يمنع عنكم عذابنا (قَدْ كَانَتْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ) إذاً الكلام يبدوا أنه وصف لمشهد من مشاهد يوم القيامة، وحوار دائر كان القرآن يتلى عليكم في الحياة الدنيا، يقرأه النبي (صلى الله عليه وسلم) ويقرأه المؤمنون، يحذرونكم، يدعونكم (فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ) نكص ينكص نكصا، ونكوصا: رجع إلى الخلف بظهره، والآية تشبيه غريب، وكأن الكافر حين سمع القرآن، شخص يمشي ففوجئ بما لا يتوقع، ماذا يفعل؟ يتراجع إلى الخلف هكذا فعل الكفار حين سماعهم للقرآن (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًۭا تَهْجُرُونَ) مستكبرين بماذا؟ قيل: بتكذيبكم، يكذّب، وينكر، مستكبرا بتكذيبه فرحا بإنكاره، متعاليا بكفره، وقيل (بِهِۦ) بالبيت الحرام، لم يرد له ذكر في الآيات لكن لشهرته تذهب الأفكار إليه؛ لأنهم كانوا يقولون: نحن أهل الحرم، نحن أصحاب البيت، نحن سدنة البيت، نحن سقاة الحجيج لا يمسنا سوء، ولا يمسنا عذاب، يتعالون على خلق الله بانتسابهم للحرم، للكعبة، وقيل (بِهِۦ) بالقرآن، كيف يستكبرون بالقرآن؟ قيل: باء السببية أي بسببه، بسبب استماعه، يورث لهم الكبر، وقيل: مستكبرين به لتضمين معنى الاستكبار التكذيب (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًۭا) (سَـٰمِرًۭا) اسم مفرد، يعنى الجمع سامر أي سُمَّار كلمة سامر، وسمْر، وسُمّار أصل الكلمة السّمَرْ: ظل القمر، فكانوا يجلسون ليلا بعيدا عن حر النهار، والظهيرة وضوء الشمس، في ضوء القمر حول الكعبة، يتحدثون في شأن محمد وما جاء به محمد، يكذبون وينكرون ويقولون فحش الكلام ليلا، فلا يراهم أحد، ولا يسمعهم أحد، ففضحهم القرآن (سَـٰمِرًۭا تَهْجُرُونَ) هجر: ترك، وقاطع، وهجر: هذى هجر المريض: هذى إذا زادت الحرارة، وأصيب بالحمى، الهذيان يسمى هجرا، كما أن المقاطعة، والترك، والابتعاد يسمى هجرا (سَـٰمِرًۭا تَهْجُرُونَ) تقاطعون القرآن، أو تهذون فيه وقرأت، تُهجرون من أهجر تكلم بالفحش (وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَـٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًۭا (٣٠)) [سورة الفرقان آية: ٣٠]، الهجر: النطق بالفحش، الكلام وصف لأهل مكة من الصناديد، كيف فعلوا مع القرآن، تهذون فيه، أو تقولون بالفحش، تصفونه بكلام فاحش، للنبي (صلى الله عليه وسلم) أو للقرآن، وهنا انتهى وصف ما كانوا يفعلونه وبدأ الحوار، أو بدأ الكلام في سوق الأدلة على أنهم لا عذر لهم، ولا صحة لهم، إزاحة العلة، وإلزامهم للحجة، آيات متتالية غاية في قوة المنطق، ومخاطبة العقول، والإعجاز لغة، ومضمونا الإنسان حين يكذب بشيء، حين ينكر شيء لابد من سبب، إما سبب يختص بالشيء، وإما سبب يختص بما أحيط بالشيء، فأنت تنكر ما تنكره العقول، تنكر ما عرف شره، أو تيقنت من ضره، تنكر الشخص الذي اختلف في تصرفه، أو في سلوكه عن سلوك الناس، أو تنكر الذي، أو تنكر الشخص في خلقته، فأنت تنكر الشيء لوجود اختلاف فيه، أو في سلوكه فيما حوله، هؤلاء رفضوا القرآن، وأنكره، وأنكروا النبي (صلى الله عليه وسلم) هلم نسمع كيف ألزمهم ربنا الحجة، وأزاح العلة.
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿68﴾
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا۟ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ﴿69﴾
أَمْ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۚ بَلْ جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ ﴿70﴾
وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ ﴿71﴾
أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًۭا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ﴿72﴾
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿73﴾
وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَـٰكِبُونَ ﴿74﴾
أيها الأخ المسلم، لحظة من التأمل في نفسك، من أنت؟ وأين أنت؟ وماذا حدث بالأمس؟ لحظة أنت مسلم في بيت من بيوت الله، خرجت من شهر العبادة والصيام والقيام، وفقت له، نلت جائزتك يوم العيد؟ الحمد لله لسنا من الذين قيل فيهم (وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَـٰكِبُونَ ) إذا نحن على الصراط، نزلت الآيات من سورة المؤمنون تجادل الكفار، وتفند حججهم في شأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿٦۸﴾ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا۟ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ﴿٦۹﴾ أَمْ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۚ بَلْ جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ ﴿۷۰﴾ وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ ﴿۷١﴾ أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًۭا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ﴿۷٢﴾).
ثم تتساءل الآيات ورغم كل ذلك، ورغم هذا الوضوح، ورغم هذا التسرية لرسول الله عما يصفه الكفار، استمروا على كفرهم وعنادهم، مما جعل النبي (صلى الله عليه وسلم) يلجأ إلى الله آملا في إيمانهم، إذا أراهم الله بعض بأسه فدعا (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) هو لا يريد أن يضرهم، أو أن يتعرضوا للأذى الماحق، وإنما لعل وعسى يلجئهم ذلك إلى الله في تلك الأثناء، ومحض المصادفة سقط رجل مهم من الكفار في الأسر، ثمامة بن أثال كان متجها إلى مكة لأداء عمرة، وهو من أهل اليمامة، فمر بالمدينة فأسر، (فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ : " مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ ، فَقَالَ : عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ ، فَقَالَ : مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ ، قَالَ : مَا قُلْتُ لَكَ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حَتَّى كَانَ مِنَ الْغَدِ ، فَقَالَ : مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ ، فَقَالَ : عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ ، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى ؟ ، فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ " ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ : أَصَبَوْتَ ؟ ، فَقَالَ : لَا ، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وعلّمه فلما ذهب إلى مكة أحاط به الصناديد مشركو مكة وقالوا: صبأ ثمامة أي خرج عن دينه، فقال: لا ما صبأت، ولكني أسلمت، والله لا تصل إليكم حبة حنطة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقطع عنهم الميرة، وأصيبوا بالقحط، وأصيبوا بالجدب حتى أكلوا الكلاب، والميتة، والشعر، والوبر يغمسونه في الدم، ثم يشونه، ثم يأكلونه مما ألجأ أبا سفيان إلى الذهاب إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) (أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ؟ قَالَ : بَلَى ، قَالَ : فَقَدْ قَتَلْتَ الآبَاءَ بِالسَّيْفِ ، وَالأَبْنَاءَ بِالْجُوعِ) فتوجه النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى الله، فنزلت الإجابة ونزل قول الله (عز وجل):
وَلَوْ رَحِمْنَـٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّۢ لَّلَجُّوا۟ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿75﴾
وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴿76﴾
حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًۭا ذَا عَذَابٍۢ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴿77﴾
وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ ﴿78﴾
وَهُوَ ٱلَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿79﴾
وَهُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿80﴾
الشكر على السمع كيف يكون؟ الشكر على البصر كيف يكون؟ الشكر على العقل كيف يكون؟ الشكر أن تعلم أن النعمة من الله محض فضل ليس باستحقاقك، وأن تستخدم النعمة فيما خلقت لها، فتستخدم السمع في سماع الحق، والاقتناع، وأن تستخدم البصر في النظر في آلاء الله وآياته، فتؤمن وأن تستخدم العقل في التفكر، والتدبر فهل استخدموا هذه النعم فيما خلقت له؟ أبداً، إن كان هناك استخدام فهو كالمعدوم (وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۚ ) أوجد من العدم (قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ) (وَهُوَ ٱلَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ذرأكم في الأرض أوجدكم فيها، وخلقكم فيها بالتناسل، ذلك هو الذرء، ثم بعد ذلك لابد من العودة، وكل بداية لها نهاية (وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (وَهُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) الموت والحياة كلنا يراه، وكلنا يشعر به، وكلنا يلاحظه، وكلنا قد جرب أن يُختطف من أهله، أو من أصحابه، أو من جيرانه أحد الناس (وَلَهُ ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ ) اختلاف الليل والنهار، طول الليل وقصر النهار، وطول النهار وقصر الليل، ظلمة الليل، وسكون الليل، وضياء النهار، وإشراق الشمس فيه (يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ ) إذا كان ذاك فهو المستحق للعبادة (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أفلا تتفكرون، وتستخدمون عقولكم فيما خلقت فيه، هو يحي ويميت أمر مفروغ منه، أمر واضح، له اختلاف الليل والنهار، لا دخل للإنسان في شروق الشمس، ولا في غروبها، لا دخل للإنسان في مجيء الليل وانصراف الليل، لا دخل للإنسان في طول الليل أو طول النهار، لله ذلك هو الذي يدبر الأمور.
بَلْ قَالُوا۟ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلْأَوَّلُونَ ﴿81﴾
قَالُوٓا۟ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴿82﴾
لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿83﴾
قُل لِّمَنِ ٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿84﴾
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿85﴾
قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ﴿86﴾
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿87﴾
قُلْ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿88﴾
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ ﴿89﴾
بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ﴿90﴾
مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍۢ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنْ إِلَـٰهٍ ۚ إِذًۭا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿91﴾
عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿92﴾
قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّى مَا يُوعَدُونَ ﴿93﴾
رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِى ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿94﴾
وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَـٰدِرُونَ ﴿95﴾
ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴿96﴾
وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ ﴿97﴾
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ﴿98﴾
أيها الأخ المسلم، كم تحمّل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كم عانى سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) كم، وكم كيف بالكذب رموه، وبالسحر اتهموه، كيف في ثقيف حين لجأ إليهم حوّطوه وبالحجارة أصابوه، كيف، وكيف هذا التحمل وهذا الصبر، هذا الخلق العظيم، كيف كان حزينا عليهم؟! كيف كان يتمنى لهم الإسلام، والإيمان، كيف وهو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو الرجل الكامل في أعلى مجالات الكمال البشري، هو الأسوة، وهو القدوة، كان نبينا (صلى الله عليه وسلم) رحيما رؤوفا بالمؤمنين، وكان حزينا على قومه، وكان يتمنى لهم الإيمان، وقد نهاه ربنا (تبارك وتعالى) عن ذاك الحزن الشديد في أكثر من موضع منها (فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)) [سورة الكهف آية: ٦]، أي كأنك من شدة أسفك عليهم سوف تهلك، تموت من شدة الحزن، وكم قال له: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) [سورة النحل آية: ١٢٧]، لكن الرؤوف الرحيم بأمته كان دائما وأبدا يلجأ إلى الله (تبارك وتعالى) يدعوه لإيمان قومه، ولرفع العذاب عنهم، ولم يطمئن حتى نزل عليه قول الله (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) [سورة الأنفال آية: ٣٣]، أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) وأرشد لما يليق بجلال مقامه، ومنصبه الرفيع (ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ ﴿۹۷﴾ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ﴿۹۸﴾) دعاء غاية في الغرابة (هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ) الهمز: النخس والدفع، وكلنا يرى راكب الفرس يضع حديدة في مؤخرة نعله ينخس بها الفرس كي يسرع في العدو، يسمى المهماز، همزات الشياطين، وساوس الشياطين، لكن وساوس الشيطان ليست بالخواطر فقط، بل الإلحاح فيأتي الخاطر مهما صرفت الخاطر عنك، خاطر السوء، يأتي مرة ويلح، ذاك الإلحاح والتكرار بخاطر السوء يدفعك لفعل ما لا يليق، أو ما لا يجب، أو ما لا يحل، أو ما لا يصح، وكأنه ينخسك بمهماز كما يفعل الرائد بفرسه، وربنا يعلّم نبينا (صلى الله عليه وسلم) الالتجاء إليه، والدعاء والاستغاثة به، والحماية (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ) عاذ به، واستعاذ: التجأ إليه، واستغاث به، وطلب حمايته (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ) جمع همزات لأن الشيطان له خواطر كثيرة، وله نخسات كثيرة ويجري الشيطان من ابن آدم مجري الدم من العروق (وَأَعُوذُ بِكَ) كرر النداء التجاءً إلى الله، وتضرعا إليه، واستدرارا لرحمته (رب، رب) وكان من الممكن قل أعوذ بك لكن جاء بلفظ رب لبيان منتهى اللجوء، والاضطرار، والتضرع إلى الله (عز وجل) واستدرار الرحمة (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) أن يكون الشياطين في حضرتي طبعا من المعلوم أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لا يوسوس إليه شيطان، من المعلوم أن الشياطين لا تحضره، هو المعصوم والملائكة من حوله يحفظونه، لكن الدعاء يبيّن أن الإنسان مهما كان مقامه فهو محتاج إلى حماية الله وعنايته، وكلاءته، ويعلمنا ذلك أنا مطالبون بنفس الدعاء إذا كان سيد الخلق المعصوم يؤثر بهذا الدعاء، فكيف بنا ونحن لا عصمة لنا، لكي نفهم ذاك نسمع لسيد الخلق الذي فسر، وبين، ووضح، وتركنا على المحجة البيضاء يروى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) يقول جابر: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ ، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا ، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ) إن الشيطان يحضر أحدكم في كل شأنه، إذاً في مشيك، في ارتدائك لملابسك، في وضوئك، في صلاتك، في نومك، في جماعك لامرأتك، في طعامك، في قضاء الحاجة، في كل شيء؛ لذا علّمنا النبي (صلى الله عليه وسلم) الاستعاذة في كل الشئون مثلا لو أن أحدكم أراد أن يأتي امرأته، فقال: بسم الله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقُدِّر بينهما الولد لم يمسه الشيطان، أو لم يضره الشيطان، أولم يصبه الشيطان بشيء، كل مولود يولد ينخس، ينخسه الشيطان، من هنا يستهل صارخا، فالإنسان مطلوب منه حال الجماع، (أَمَا إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَرُزِقَا وَلَدًا لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ)، فإن قدر وحملت المرأة في تلك الليلة، وجاء الطفل لم يضره الشيطان؛ لأنك لجأت إلى الله ودعوته في الدخول لقضاء الحاجة، (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ)، الشياطين، والنجاسات إذاً يمكن أن يحضر معك في قضاء الحاجة، في الجماع، في الأكل، بسم الله الرحمن الرحيم، وهكذا في كل مكان الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، إذا خرجت من بيتك، بسم الله توكلت على الله، قال لك الشيطان بنفسه كفيت، ووقيت، وهديت، فالاستعاذة بالله من الشيطان في كل الأمور، وفي كل الشئون مطلوبة (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ) في كل أحوال ينجيني ربنا من خواطره، ذاك هو الدعاء (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) أن يكونوا معي، يحضروني في شئوني في العمل، في النوم، في الصلاة، يأتي الشيطان للعبد وهو يصلي يقول له، كما أخبرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) (اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الْمَرْءُ لا يَدْرِي كَمْ صَلَّى)، وانظر إلى النصيحة، والرحمة يبني العبد على اليقين، ويسجد للسهو، ذاك رغما للشيطان، وهكذا فربنا تعالى يأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بالتضرع إليه، واللجوء هضما للنفس، ونحن نتعلم من نبينا (صلى الله عليه وسلم) (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ ﴿۹۷﴾ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ﴿۹۸﴾) إذا عاين المؤمن ملائكة الموت سلموا عليه، وقالوا ترجع إلى الدنيا؟ فيقول: ألدار الهموم والأحزان، بل قدوما إلى الله، وأما الكافر فيقول: رب ارجعون، يعود الكلام إلى المشركين، هؤلاء الذين أصروا على كفرهم، وعاندوا رسولهم رغم سطوع الدلائل، ووضوح البراهين، والآيات تتلى عليهم، تنزل الآيات بالحجج، بالأدلة العقلية، ومع ذلك هم مصرون على كفرهم حتى يأتيهم الموت، وتحكي لنا الآيات حالهم عند الموت، وبعد الموت، يقول عز من قائل:
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴿99﴾
لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَـٰلِحًۭا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّآ ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿100﴾
فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ ﴿101﴾
فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿102﴾
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ ﴿103﴾
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ ﴿104﴾
أَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿105﴾
قَالُوا۟ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًۭا ضَآلِّينَ ﴿106﴾
رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ ﴿107﴾
قَالَ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴿108﴾
إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ﴿109﴾
فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴿110﴾
إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ﴿111﴾
نعم يبشرهم ربهم (تبارك وتعالى) ويجازيهم على صبرهم على السخرية، والاستهزاء، وعدم الانتقام لأنفسهم، والصبر والتوكل على الله (إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ) (إنهم) قراءة على الاستئناف، أنهم لأنهم هم الفائزون، والصيغة صيغة قصر معنى، صيغة القصر أن الفوز لهؤلاء فقط، ولا فوز لغيرهم (هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ) الفوز برضوان الله، الفوز بالنجاة من النار الفوز بدخول الجنة، الفوز بالطاعة.
قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴿112﴾
قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ ﴿113﴾
قَـٰلَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿114﴾
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثًۭا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴿115﴾
فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ ﴿116﴾
وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرْهَـٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ﴿117﴾
أيضا يستفاد من هذه الآية (لَا بُرْهَـٰنَ لَهُۥ بِهِۦ) أن الإسلام لابد أن يكون عن اقتناع، وأن أي دين لا برهان عليه لا يصح، من هنا كان الأمر دائما وأبداً للناس بالتفكر، بالتدبر، بإعمال العقل، بالنظر في آلاء الله، وآياته (أفلا يتذكرون- أفلا ينظرون- أفلا يتدبرون القرآن) (أفلا تعقلون) الإسلام حين نزل جعل العقل حكماً في كل شيء، جعل العقل حكما على الدين، وحكما في كل أمور الدنيا، وما يتنافى مع العقل السليم يتنافى مع الإسلام، والدين من هنا يمنع التدين بما لا دليل عليه، إذاً فلابد من وجود الدليل، قد يتساءل سائل: عوام الناس الذين ولدوا مسلمين هل لهم دليل؟ نعم الفطرة، ولو سألت أيا منهم لوجدت الأدلة تنساب من فمه باللغة العامية لكنها أدلة وقد روي أن أحد فلاسفة الأولين من المسلمين صنف مؤلفا، وساق فيه ألف دليل على وجود الله، وسمى هذا المؤلف ألف دليل على وجود الله، واحتفت به الأمة، وأعدوا له استقبالا حافلا يهنئونه على ذلك، ومشى في طريقه إلى حفل استقباله، فوجد امرأة عجوزا تجلس إلى جوار حائط عمياء، حين مر بجوارها تعلقت بأذيال ثوبه، وقالت: يا بني ما هذه الجلبة، ولم خرج الناس من بيوتهم؟ قال: يا أمة لقد خرجوا لاستقبال ذلك الرجل الذي صنف مصنفا، وساق فيه ألف دليل على وجود الله، فقالت المرأة العجوز العمياء: عجبا والله، ومتى احتاج الله لدليل حتى يدل على وجوده؟ من هنا كان العلماء لهم الدليل الفعلي، والبرهان، والمنطق، أما العوام فهم مقلدون، وتقليد المجتهد اجتهاد فهم، إن سمعوا فهموا، وإن لم يسمعوا دلتهم الفطرة السليمة على وجود الله، (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿١۷﴾ وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴿١۸﴾ وَإِلَى ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴿١۹﴾ وَإِلَى ٱلْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴿٢۰﴾) [سورة الغاشية آية: ١٧ - ٢٠]، وعليه كان الدليل على وجود الله، وعلى صحة الإسلام، وعلى صدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) موجود في قلب كل مسلم مهما نال من العلم قدراً ضئيلا، أو قدراً كبيرا (إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ) ويا له من ختام افتتحت السورة بقوله (عز وجل) (قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ) وختمت السورة بنفي الفلاح عن الكافرين فيا له من مفتتح، ويا له من ختام، ثم يتوجه الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والأمر بالاستغفار للأمة، أو الاستغفار عموما لتعليم الأمة.