سورة المؤمنون

لقاؤنا مع سورة المؤمنون، سورة المؤمنون مكية، نزلت بمكة، شأنها شأن السور المكية التي تعالج أصول العقيدة، والدين، التوحيد، الرسالة، البعث، افتتحت السورة ببشرى تؤكد تحقق ووقوع ما توقعه المؤمنون ، عرضت السورة لصفات هؤلاء المؤمنين، الذين تحقق لهم الفلاح، ثم عرضت السورة لدلائل القدرة، ودلائل التوحيد، ودلائل الانفراد بالتدبير، والتصريف في خلق الإنسان وأطواره، تسعة أطوار، في خلق السموات والأرض، في النبات، في الحيوان، عرضت السورة لدلائل القدرة الربانية، ثم انتقلت السورة تعزّي، وتسلّي سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) فتقص بعض قصص الأنبياء‫:‬ نوح، هود، موسى، هارون، مريم، عيسى، تقص بعض قصص الأنبياء تسلّيه، وتعزّيه، وكأن الآيات تقول له‫:‬ إن كذبك قومك فقد كُذب الرسل جمعيا، صبروا، وأفلحوا، وانتصروا، وأهلك الله الكفار، ودمر ديارهم، ثم تنتقل السورة للكلام عن أحوال كفار مكة، تبين عنادهم، تبين مكابرتهم للحق بعد ما سطع سطوع الشمس، ثم تبين السورة أحوال الكفار إذا جاءهم الاحتضار، هؤلاء المعاندون المتكبرون الجاحدون، إذا جاء أحدهم الموت اصطرخ قائلا‫:‬ رب ارجعون، وعرضت السورة أيضا لأحوال الناس يوم القيامة، حيث ينقسم الناس إلى فريقين‫:‬ سعداء جعلنا الله منهم، وأشقياء أعاذنا الله منهم، وتسجل السورة في ختامها الحوار الدائر بين الملك الجبار، وبين أهل النار، حيث يقول لهم‫:‬ (ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١٠٨] تبين السور كيف يستغيثون فيها، يغاثون ويتكلمون فلا يسمعون، ويستأذنون فلا يؤذن لهم، ولا هم يستعتبون، يروى الإمام الترمذي عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يقول‫:‬ (كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الْوَحْيُ يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَمَكَثْنَا سَاعَةً، وَفِي رِوَايَةٍ: فَنَزَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا، فَمَكَثْنَا سَاعَةً، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلا تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلا تَحْرِمْنَا، وَآثِرْنَا وَلا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وَارْضَ عَنَّا‫.‬ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ. ثُمَّ قَرَأَ : إِلَى عَشْرِ آيَاتٍ).‬‬

قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴿1﴾ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ ﴿2﴾ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿3﴾ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ ﴿4﴾ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ ﴿5﴾ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿6﴾ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ ﴿7﴾ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ ﴿8﴾ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿9﴾ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ ﴿10﴾
افتتحت السورة بهذا الخبر المؤكد، المتيقن (قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ) (قَدْ) هذه الكلمة المكونة من حرفين إذا دخلت على الفعل الماضي قربته من الحال، وأكدت وثبتت حدوثه (قَدْ أَفْلَحَ) إذاً فالفلاح متيقن، ومتأكد تمام التأكد (قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ) ورد في الخبر (خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، وَخَلَقَ فِيهَا ثِمَارَهَا، وَشَقَّ فِيهَا أَنْهَارَهَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ: (قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ)، فَقَالَ : وَعِزَّتِي وَجَلالِي لا يُجَاوِرُنِي فِيكِ بَخِيلٌ) (قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ) وتأتي الصفات (ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ ) الخشوع من أعمال القلب، وله علامات ومظاهر، من علامات الخشوع خوف القلب، ذاك لا يظهر علاماته، سكون الجوارح إذ إن النبي (صلى الله عليه وسلم) نظر يوما في المسجد إلى رجل قائم يصلي ويعبث في لحيته، فنظر إليه النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال‫:‬ (فَلَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ) من هنا يقول العلماء‫:‬ إن الخشوع في الصلاة من أعمال القلب، وخوف القلب وسكون الجوارح، واختلفوا هل الخشوع فرض أم فضل؟ لو كان الخشوع فرضا من فرائض الصلاة لفسدت الصلاة التي تصلى بغير خشوع، ولو كانت فضلا لزاد ثواب الخاشع في صلاته عن ذاك الذي لا يخشع في صلاته، هما رأيان (وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) اللغو‫:‬ الباطل، اللغو‫:‬ ما لا طائل ورائه من قول أو فعل، اللغو‫:‬ كل ما لا ينفع دنيا أو أخرى، اللغو‫:‬ المعاصي، اللغو‫:‬ المزاح، اللغو‫:‬ الإفساد كل ما لا يفيد في الدنيا أو ينفع في الآخر يسمى لغوا، الغريب في التعبير(وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) ممكن الصياغة (والذين لا يلغون) وممكن والذين هم للغوي تاركون، وانظر إلى النظم (وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) ليبين لك أنهم متباعدون عن اللغو رأسا، تماماً، مباشرة، فهم لا يباشرونه، ولا يحضرونه، مبعدون عنه لا يمارسونه، ولا يحضون عليه، ولا يتسببون فيه، ولا يحضرونه، وكأنهم هم في عُرض واللغو في عُرض آخر، والعُرض عرض الحائط (وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) منتهى التأكيد، والبلاغة في التعبير لبيان إعراضهم، وتباعدهم عنه تباعد كامل، وإذا كان هذا شأنهم بالنسبة للغو، فكيف شأنهم بالنسبة للحرام؟ اللغو قد لا يكون حراما، هو ما لا طائل وراءه، وما لا فائدة ترجى منه من قول أو فعل، فإذا كان هذا شأنهم مع اللغو فكيف يكون شأنهم مع المحرمات؟ (وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) الزكاة كلنا يعلم أنها فُرضت بالمدينة المنورة بعد الهجرة بسنتين، في السنة الثانية من الهجرة، والسورة مكية، من هنا قال العلماء‫:‬ الزكاة‫:‬ التزكية، التطهير، كقوله‫:‬ (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا (٩)) [سورة الشمس آية‫:‬ ٩]، إذا (لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ) معناها لتزكية أنفسهم، ولتطهير نفوسهم عاملون، وقال البعض‫:‬ قد يكون الكلام عن الزكاة الإنفاق المالي، ولكن لم تحدد بعد الأنصبة، والمستحقون وما إلى ذلك (وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ ﴿٤﴾ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ ﴿٥﴾ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾) (لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ) أي محافظون، ملتزمون (إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾) الإماء‫:‬ مِلْك اليمين الذي أباحها الله (تبارك وتعالى) للناس وللرجال، والآيات التوجيهية دائما وأبداً يقصد بها العموم الرجال والنساء، هنا في هذه الآيات يقصد بها الرجال، والنساء ما عدا هذه الآيات (قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ) رجالاً ونساءً (ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ) رجالا ونساءً (وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) رجالا ونساءً (وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ) رجالا ونساءً (وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ) الرجال أما عصمة النساء، والإحصان فقد تبين في آيات أُخر في كثير من مواضع القرآن؛ لأن المرأة قد تملك عبداً هل يحل لها؟ أبداً، إذا فالمقصود الرجال (إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) لا لوم عليهم، ولا حرج، ولا تثريب (فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ) ابتغي وبغى‫:‬ طلب بشدة (وَرَآءَ ذَٰلِكَ) سوى ذلك أو (وَرَآءَ) ظرف، ومفعول ابتغى محذوف، مسائل اختلف فيها النحويون (فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ) طلب غير ما أحل الله له من زوجة، أو مِلْكْ يمين (فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ) المتجاوزون للحد، عدى يعدو واعتدى‫:‬ تجاوز الحد، وعليه يدخل في الآية النهي عن الزنا، اللواط، المساحقة، كل ما هو يخالف المسموح (وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ) الأمانة والعهد، كل عهد أمانة، فالأمانة أعمّ من العهد، وتنبه هناك عهود بينك وبين الله، وهناك عهود بينك وبين الخلق، وهناك أمانات ائتمنت عليها، ائتمنك عليها ربك، وهناك أمانات ائتمنك عليها الناس، فالكلام عن كل ذلك، ويعم كل ذلك، العهد بينك وبين الله، هل تذكر يوم الميثاق (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٧٢]، إذاً فذاك عهد، عَهِد الله إلينا أن نؤمن به، وبرسله ذاك عهد (وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًۭا (١١٥)) [سورة طه آية‫:‬ ١١٥]، ماذا كان العهد لآدم؟ ألا يقرب هذه الشجرة، الأمانات ربنا يقول (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٢٧] فالسمع أمانة، والبصر أمانة، والقلب أمانة، والجوارح أمانة، واللسان أمانة، كل هذه الأشياء نعم من الله، أعطاها لك لتُستخدم فيما خُلقت له، فهي أمانة استودعك الله إياها، هل اصطنعتها؟ هل اشتريتها؟ من أين جئت بها؟ من أين جئت بسمعك وبصرك؟ من أين جئت بنطقك وعقلك؟ من أين حصلت على إدراكك ومشاعرك؟ كل ذلك أمانة فانتبه لهذه الأمانة، الأمانة التي ائتمنك عليها الناس، إذا تحدث إليك رجل في أمر بينك، وبينه سراً، ثم التفت فهذه أمانة، ألا تنطق ألا تفشي سره، ألا تحدث بما حدثك وهكذا (وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ) من الرعي، والرعي‫:‬ الحفظ، الرعي‫:‬ الصيانة، الراعي‫:‬ الحاكم يرعى ويحفظ مصالح الرعية (وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ) إذاً فهم يحافظون على الأمانات والعهد، يؤدونها ينمونها، يفعلون كل ما يحافظ عليها (وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ) وقرأت (على صلاتهم يحافظون) في أول الصفات (ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ) في آخر الصفات (وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ) أهو تكرير؟ أبداً، ولكن لفت النظر لأهمية الصلاة، فهي أولاً وهي آخراً، وللتأكيد عليها الأمر الأول، والأمر الثاني أن الصفات متغايرة، الخشوع في الصلاة أمر، والمحافظة على الصلاة أمر آخر، إذاً فهم خاشعون في صلاتهم، وهم أيضا محافظون، الخشوع كما قلنا خوف القلب، وسكون الجوارح، الخشوع أنك تشعر أنك بين يدي الله، الخشوع أنك تشعر بأن الله أمامك يراك، ويسمع كلامك، وأنك تخاطبه شخصيا، أليس ذلك ما يحدث؟ الحمد لله أليس ذلك حمدا لله؟ ألم تسمع أن الله (تبارك وتعالى) قسم الصلاة بينه وبين عبده، إذاً فالخشوع استشعار الموقف الذي يقفه العبد، أما المحافظة فهو الحفظ من الضياع، إتمام الركوع، إتمام السجود، الوضوء السليم، ستر العورة، استقبال القبلة، الاطمئنان في الصلاة، عدم التلفت في الصلاة، عدم الحركة في الصلاة، أن يأتي بها في وقتها، أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها، تلك هي المحافظة (أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ) كلام مطلق إطلاق للوراثة، ويأتي التقييد والبيان.
ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿11﴾
الفردوس‫:‬ البستان الذي يجمع ما في البساتين كلها، الفردوس جمعه فراديس، الفردوس:أعلى درجات الجنة، يرثون الفردوس، هل الكلمة حقيقية أم أنها مجاز؟ الكلمة استعارة، هم لا يرثون، يأخذون، يحصلون، يمنحون لكن استعارة الكلمة (أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ) ليبين لك أنهم استحقوا الفردوس بأعمالهم، وبمقتضى وعده (عز وجل) أو الوارثون على حقيقتها فهم يرثون مقاعد الكفار، (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَلُه مَنْزِلانِ ؛ مَنزِلٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ ، وَإِنْ مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ ، وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنزِلَهُ) كما أخبرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) قيل‫:‬ إن الجنة تتسع لجميع الخلائق بما فيهم الأنبياء، والرسل، فإذا دخل أهل الجنة الجنة، ودخل أهل النار النار، تجد النار أنها متسعة على الكفار، فتستصرخ، وتقول‫:‬ هل من مزيد؟ هنا يأمر الله (تبارك وتعالى) فتنكمش النار على أهلها (وَإِذَآ أُلْقُوا۟ مِنْهَا مَكَانًۭا ضَيِّقًۭا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا۟ هُنَالِكَ ثُبُورًۭا (١٣)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ١٣]، أما الجنة فهي متسعة، فمن كتبت له الجنة يرث مقاعد الكافر الذي دخل النار، وضيّع مقعده في الجنة بشؤم عمله، إذا فالمقاعد الزائدة، والأماكن الزائدة، والجنان الزائدة يعاد توزيعها على أهل الجنة، حيث ضيعها أصحابها بدخول النار (يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ) الخلود لا مكان، لا زمان، لا قوانين، لا معايير، من معايير الدنيا شيء يذاق ويعرف، لن نعرف معنى الخلد، إلا إذا وصلنا إلى هناك، رزقنا الله (تبارك وتعالى) الفردوس الأعلى، من حديث لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول فيه‫:‬ (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ ، أَرَاهُ " قَالَ : " وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ) تنتقل السورة إلى بيان، وعرض القدرة لدلائل الوحدانية، لدلائل العلم، والتدبير، والتصريف‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍۢ مِّن طِينٍۢ ﴿12﴾ ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةًۭ فِى قَرَارٍۢ مَّكِينٍۢ ﴿13﴾ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةًۭ فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةًۭ فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰمًۭا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًۭا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ ﴿14﴾ ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ﴿15﴾ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تُبْعَثُونَ ﴿16﴾
تسع أطوار للإنسان (وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍۢ مِّن طِينٍۢ ) السلالة بمعنى مسلولة، سلّ الشيء‫:‬ أخرجه منه، وخلّصه منه، سلّ الشعرة من العجين، سل السيف من غمده، فكأن الإنسان مسلول مأخوذ من الطين، والمقصود بالإنسان هنا آدم أبو البشر، خلق من طين، وقال بعضهم‫:‬ المقصود الإنسان المنيّ، سلالة من طين؛ إذ هو مستخلص أصلا من طين؛ لأن الإنسان مخلوق من الطين، ومن التراب (وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ) خلق‫:‬ قضى إيجاد الشيء، واختراع الشيء من غير أصل، ولا احتذاء، الاحتذاء معناه التقليد، وإيجاد الشيء من الشيء، كالرمل مثلا يصنع منه الزجاج، كورق الشجر مثلا اللحاء يصنع منه الورق، إذاً فالخلق إما إيجاد واختراع الشيء أصلا من غير أصل، ولا احتذاء، وذاك لا يكون إلا لله، أو إيجاد الشيء من شيء، إيجاد شيء بالتحويل، أو استخلاص شيء من شيء، قد يطلق عليه خلق، يقصد به الصنع، كلمة (خلق) هنا إذا كانت إيجاد شيء من الشيء فهو صنع، الخلق بمعناه الأول لا ينسب إلا إلى الله، بمعناه الثاني ينسب إلى الله، وإلى الإنسان (ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةًۭ فِى قَرَارٍۢ مَّكِينٍۢ ) نَطَفَ ينطِف وينطُف، والجمع نطاف، ونُطف‫:‬ قَطَر، تقاطر، نطفت القربة تقاطرت المياه، صنبور المياه إذا لم يغلق تنزل منه نقطة نقطة، يقال‫:‬ نطف، ينطِف، أو ينطُف تلك النُطف، إذاً فتحول الإنسان بعد أن كان مخلوقا من سلالة من طين، جعله الله في قرار مستقر، ومكين، حصين، إذاً هو مكان تستقر فيه النطفة، محصن تمام التحصين، وهو الرحم (ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةًۭ) النطفة بيضاء، والعلقة حمراء، فتتحول النطفة البيضاء، المائعة، السائلة، الثخينة اللزجة، إلى قطعة أو جزء من الدم الأحمر القاني الجامد، هي، هي دون زيادة، دون نقص (خَلَقْنَا) كلمة خلق بالمعنى الثاني، وهو إيجاد الشيء من الشيء (فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةًۭ) العلقة دم جامد يلتصق بجدار الرحم، وكأنه يتعلق به كتلك العلق الذي يوجد في المياه، ما يقال فيه اليرقات، أبو زنيمة، كلمات تقال عن أشياء عالقة ترى في المياه، تلك هي العلقة، فيشبه الإنسان في تلك المرحلة بهذه العلقة المتعلقة بجدار الرحم، المتمسكة بخلاياه (فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةًۭ) إذا بالعلقة الدم الجامد، المتعلق هكذا يتحول إلى قطعة من اللحم بحجم القطعة التي تمضغ في الفم، وبشكله، أرأيت اللحم إذا أخذت قطعة من اللحم فمضغتها ثم أخرجتها كيف تكون؟ هكذا الإنسان في تلك المرحلة، أين رآها محمد (صلى الله عليه وسلم) وأين رأى العلقة؟ إن كان قد رأى النطفة، فكيف رأى العلقة، وكيف رأى المضغة؟!! الأغرب (فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰمًۭا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًۭا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ) أغرب اكتشافات القرن الحديث، أن علم الأجنة وما إلى ذلك طوال القرون الماضية كان يعتقد في خلق الإنسان، وأطوار الجنين أن اللحم يتكون أولا، ثم بعد ذلك يتكون في خلاله العظم، والقرآن يقول غير ذلك أن العظم يتكون أولاً، ثم بعد ذلك يكسى العظم لحما ذاك لم يكتشف إلا حديثا وصدق الله (عز وجل) وصدق رسوله (فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰمًۭا) إذا هذه المضغة تتحول إلى الصلابة هي نفسها تتصلب، فيتكون الهيكل العظمي أولاً، ثم يكسى العظم باللحم (فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًۭا) إما مما تبقى من المضغة، وإما من شيء جديد، إذا فها هي المضغة فإذا بها تتصلب، وإذا تصلبت وتشكل الهيكل العظمي للإنسان تبقى أطراف المضغة قطع، أطراف، فتتشكل وتغطي العظم، أو تغذى فينبت عليها لحم فتكسى (فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًۭا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ۚ ) هذه المضغة التي لا شكل لها، ولا هيئة تتحول إلى شيء من العظام الرخوة، ثم تكسى باللحم، ولا شكل لها، عظم محاط بلحم، إذا بالوجه يتضح، إذا بعنق، إذا بأكتاف، إذا بأذرع، إذا بمرافق، إذا بالأصابع، إذا بالأظافر، إذا بالأقدام، إذا بالسرة، الحبل السري، القلب، الرئة، الطحال، المعدة، الأمعاء الإثنا عشر، الفرج، الخصيتين، أو المبايض، الرحم، أو الشعر، العيون، الرموش، الحواجب، الآذان الأصمخة، الأعصاب، العروق، الخلايا، ألف مليون خلية كهربائية في المخ فقط، أشياء، خلق آخر (فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ) أحسن الخالقين‫:‬ أتقن الصانعين، هل هناك خالق غير الله؟ الله هو الخالق، لكنا كما قلنا من قبل، الخلق له معنيان‫:‬ الخلق إيجاد الشيء واختراعه من غير أساس، من غير أصل، ولا احتذاء، ذاك فعل الله، والخلق إيجاد الشيء من الشيء ذاك فعل الله، وفعل الناس، الكلام عن إيجاد الشيء من الشيء، طين، نطفة، علقة، مضغة مخلقة، عظام وهكذا، (أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ): أتقن الصانعين؛ لأن الإنسان قد يصنع الشيء من الشيء، (فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ)، أطوار غريبة تسعة:طين، نطفة، علقة، مضغة، عظام، كسى العظام لحما، أنشأناه خلقا آخر، سبعة، والموت ثمانية، والبعث تسعة، أغرب ما في الموضوع هل ينكر أحد الموت؟ هل يكذب أحد بالموت؟ هل يعتقد كل إنسان أنه ميت، ومائت؟ نعم يقول الله (عز وجل): (ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)) التعبير في غاية الإعجاز، البراعة، ولفت النظر (فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًۭا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥)) (لمائتون) اسم فاعل، ميت‫:‬ نعت، يقال‫:‬ المجيء بالنعت هنا لأن النعت يفيد الثبوت، يفيد ثبوت الحالة أكثر من اسم الفاعل، إذا معنى ذلك أن الصياغة بهذا الشكل يقصد بها التأكيد على أن الموت قادم، غريبة هل في الموت شك؟ لم تأت الصياغة بهذا الشكل المؤكد بالبعث بدلا من اسم الفاعل؟ قال العلماء‫:‬ لأن الموت رغم تيقنه ورغم مشاهدته إلا أنه أبعد شيء عن عقل الإنسان، من منا يفكر في الموت، يمشي الإنسان في طريق، يفكر أين يذهب؟ أين يصل؟ يفعل، ويفعل، أم يفكر إذا مات من يخلع عنه ثيابه، أي نعم قد نفكر في الموت أحيانا، لكن الفكر مشغول بأي شيء طوال النهار، إذا فالموت رغم أنه حقيقة ثابتة مؤكدة، نراها بصفة مستمرة إلا أنها أبعد ما تكون عن خيالنا، ولعلها رحمة إذ لو التزم الإنسان بذكر الموت في كل لحظة، لم يأكل، ولم يشرب، ولم يتزوج، ولم يعمل، لعلها رحمة، ولعل الله أراد ذلك، لأن الموت أبعد ما يكون عن عقل الإنسان؛ لذا جاءت الصياغة بهذا التأكيد للفت النظر، إذا كيف يغفل الإنسان عن أقرب شيء إليه، فالموت أقرب إليك من شراك نعلك، وأكثر الحقائق ثبوتا، ومشاهدة، كيف يغفل؟! إذاً هو عن غير ذلك أشد غفلة، عن القيامة، وعن البعث وعن، وعن، عن ما يشاهده أشد غفلة (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)) من البداهة أن من خلق الإنسان من طين، ثم حوّل الطين إلى نطفة، سواء في جسم الإنسان، أنت قبل البلوغ هل عندك نطفة، لم تكن النطفة عندك، أين كانت؟ وما الذي أتى بها بعد البلوغ، وكيف أتت؟ هل تكونت من الجسم؟ قيل‫:‬ تتكون من الجسم ومن الغذاء، إذاً تكونت النطفة في الرجل من الغذاء أي غذاء؟ الزرع، والضرع من أين الزرع، والضرع؟ من التراب المخلوط بالماء، من الطين، إذا فقد تكونت النطفة من الطين، النطفة تحولت إلى علقة، كل ذلك في مستقر آمن، مكين لا تصل إليه اليد، ولا يصل إليه الهواء، ولا يصل إليه شيء، محاط بثلاثة أغشية، غشاء مانع للهواء، وغشاء مانع للماء، وغشاء مانع للضوء، في ظلمات ثلاث، ثم هذه التحويلات كلها (ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ) تحول الجسم، الحركة، الحواس، الإدراك، الرؤية، الفهم، كل ذلك فجأة لا شيء إذا به ملقى كقطعة الحجر، لا ينطق، ولا يسمع، ولا يرى، ولا يتحرك، ثم يوضع في التراب فيتحول مرة أخرى إلى التراب، وكأنها دائرة القادر على فعل ذلك، هو القادر على البعث يوم القيامة حين ينزل من السماء ماء، هذا الماء تنبت منه الأجساد، كما ينبت الزرع في الأرض، وكل ابن آدم يتحول إلى التراب، ويفنى الجسد، العظام بالية، والعظام نخرة، والشعور ممزقة، كل شيء يتحول إلى التراب، ولا يبقى إلا قطعة صغيرة من العظم هي آخر العمود الفقري، لا تفنى أبدا، وها هي علامة لعلماء الدنيا ليتبينوا صدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ها هي الهياكل العظمية افعلوا فيها ما شئتم، هذه لا تفنى أبدا، عُجب الذنب، منها يتكون الإنسان مرة أخرى، تنبت فيتكون الهيكل العظمى، ثم يتحول التراب، والطين الذي حوله إلى لحوم، بل أكثر من ذلك أين قصصت أظافرك؟ أين وقعت الأظفار؟ أين الشعر قص؟ مهما توزع الجسد في أنحاء الأرض كله، يأتي وينضم إلى بعض، هل تدرون عن الجاذبية شيئا؟ الجاذبية يرى أثرها، وجاذبية الأرض ثبتت الناس حولها، وعليها، وجاذبية الكواكب أمور تشاهد أثرها، ولكن لا نعرف كنهها، ولا سرها، ما هو الرباط؟ في هذا الجسم خلايا كهربائية، وكهرومغناطيسية، وفيها، وفيها عجب العجاب فلا تستبعد أن يتفرق الجسم في جميع أنحاء الأرض، ثم تتحرك هذه الجاذبية، فإذا به ينضم ويتكون مرة أخرى، أين ذهبت الأظفار، أين ذهب الشعر، أين ذهبت الخلايا التي تجددت، كل ذلك يعود، الكل محفوظ، الكل في ملكه أسير محاط، سبحانه، سبحانه أحاط بكل شيء، فهو المحيط، ولا تزال الآيات تترا، وتتوالى لتدلل على وحدانية الله (عز وجل) وعلى قدرته، يقول الله (تبارك وتعالى):‬‬
وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ ﴿17﴾
الإشارة إلى السموات السبع، وهو معنى قوله (عز وجل) (ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍۢ طِبَاقًۭا ۖ ) [سورة الملك آية‫:‬ ٣]، العرب تطلق على كل شيء يوضع فوق شيء ويطابقه (طريقة) من طَرَقَ، وطارق النعل وضع طبقة فوق طبقة، فالطريقة بمعنى مطروقة، فالسموات السبع يطابق بعضها بعضا فهي طباقاً بعضها فوق بعض، سماء فوق سماء (خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ) مطروقة أو طرق للملائكة (وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ) والخلق هنا هو كل مخلوق، وكل ما جاء ذكره في الآيات السابقة من خلق الإنسان، وأطواره، وخلق السموات (وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ) أي ما خلقناه (غَـٰفِلِينَ) أي مهملين، أي أن الله (تبارك وتعالى) لم يخلق الخلق ويتركه هملا، بل خلق الخلق، ويدبره، ويحفظه من الزوال، ومن الاختلال، ويدبر الأمور، ويراعي خلقه حتى يصل إلى منتهى الكمال المقدر له، بحسب استعداده بمقتضى الحكمة، ووفقا لمشيئة الله (عز وجل):‬‬‬‬
وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍۢ فَأَسْكَنَّـٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۭ بِهِۦ لَقَـٰدِرُونَ ﴿18﴾ فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّـٰتٍۢ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَـٰبٍۢ لَّكُمْ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٌۭ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿19﴾ وَشَجَرَةًۭ تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍۢ لِّلْـَٔاكِلِينَ ﴿20﴾
‫(وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍۢ ) بمقدار ما علمناه من حاجات الناس، ومصالحهم (بِقَدَرٍۢ ) بتقدير يجلب المنافع، ويدفع المضار (فَأَسْكَنَّـٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ ) من السكون الاستقرار، أنزل من السماء ماءً، فأسكنه في الأرض، الآبار والعيون، كل ماء نبع من الأرض فهو نازل من السماء، أسكنه الله في الأرض (وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۭ بِهِۦ لَقَـٰدِرُونَ) (ذَهَابٍۭ) نكرة إيماءً إلى تعدد، واختلاف، طرق الإذهاب، فالإذهاب بهذا الماء الذي نزل من السماء تتعدد طرقه، بالإفساد ينزل فيفسد، يتعطب بالتغوير في الأرض، فلا يمكن استنباطه بالإصعاد أو التصعيد بالتبخير (لَقَـٰدِرُونَ) كما قدرنا على إنزاله فنحن قادرون على الذهاب به (فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّـٰتٍۢ ) أنشأنا أوجدنا على سبيل الابتداء (جَنَّـٰتٍۢ ) جمع جنة، والجنة كما قلنا البستان ذو الشجر، والأغصان، والفروع الملتفة؛ لأنه يستر ما فيه، شجره، وفروعه، وأغصانه، وثماره كثيرة ملتفة تستر من الشمس (جَنَّـٰتٍۢ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَـٰبٍۢ ) وخص النخيل والأعناب بالذكر؛ لأنه كان معظم ما يزرعونه العرب، وما يعرفه العرب أو لفوائد الجمة (لَّكُمْ فِيهَا) في هذه الجنات (فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٌۭ) أخرى غير النخيل، والأعناب، أو الكلام عن النخيل والأعناب والفواكه تفكّه، وتنعّم (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) تتغذون، أو ترتزقون بالبيع، والتجارة، والزراعة، وفلان يأكل من حرفته، يأكل من عمل يده (وَشَجَرَةًۭ تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍۢ لِّلْـَٔاكِلِينَ) جبل سيناء الذي كلّم الله عليه موسى، أو تجلّى له فيه، سيناء من السناء، وهو الرفعة والارتفاع، أو من السنا، وهو النور، طور سيناء اسم علم على الجبل، أو طور بمعنى جبل، كما تقول العرب، إذ يسمعون الجبل طور، خص الجبل بالذكر، وخص شجرة الزيتون بالذكر، إما لأن شجرة الزيتون أول شجرة نبتت بعد الطوفان، وإما أن أول ما نبت الزيتون نبت في ذلك المكان، في طور سيناء (تنبُت بالدهن- تُنِبت- تُنبَتُ بالدهن - بالدهان) أي تنبت وهي متلبسة بالدهن، أو مصاحبة للدهن، الدّهن هو كل عصارة خرجت من شيء ذي دسم، المقصود زيت الزيتون (وَصِبْغٍۢ لِّلْـَٔاكِلِينَ) الصبغ، والصباغ في الأصل هو كل ما يُلون به الثوب، يطلق الصبغ على الإدام لأنه يصبغ الخبز، فكل طعام اصطبغ به الخبز عند الأكل يسمى صبغ، ويسمى صباغ؛ لأن الخبز اصطبغ به (تَنۢبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍۢ ) فقيل‫:‬ العطف عطف صفات، وكأن الزيت جامع لأمرين‫:‬ إدام يؤكل، أيضا دهن يدهن به، ويسرج به، ويضاء به، أو الدهن‫:‬ الزيت، والصبغ‫:‬ الزيتون‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ كَثِيرَةٌۭ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿21﴾ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴿22﴾
‫(وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ ) الأنعام‫:‬ الإبل، البقر، الجاموس، الغنم، الماعز، كل ذلك يطلق عليه الأنعام، عِبَرة اسم من الاعتبار، والاعتبار‫:‬ الحالة التي يتوصل بها من معرفة الشيء المشاهد إلى معرفة ما ليس بمشاهد، ذاك يقال عليه اعتبار، والعبرة أيضا العبور، وكأنك تعبر بها من الجهل إلى العلم (وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ ) ترى الأنعام، وترى سر الخلق فيها، وترى المنافع المختلفة، وترى التذليل، وترى كل ذلك، فإذا رأيت كل ذلك تذكرت أن هذه لا يمكن أن يوجد بذاته، لابد من خالق، لابد من مذلل، لابد من مسخّر، وهكذا (نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهَا) مما في بطونها تبعيض، أي نسقيكم اللبن من بين فرث ودم، أو نسقيكم مما في بطونها من غذاء، وعلف، وفرث، وما إلى ذلك، اللبن (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ كَثِيرَةٌۭ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) منافع كثيرة لا عد لها، ولا حصر، سواء من اللحم، أو الجلود، أو الحوافز، أو القرون، أو الأمعاء، حتى الفضلات نافعة تسمد بها الأرض، مصنع متحرك، فيه الحياة، يسمع ويطيع، ويتذلل للإنسان، مهما كان صغر حجم الإنسان، وكبر حجم الأنعام، ينتج لحم، ينتج سمن، ينتج جبن، ينتج لبن، ينتج سماد للأرض، ينتج كل ما يحتاج إليه الإنسان، وبلا تلويث للجو كما تفعل المصانع، بلا فضلات حتى الفضلات يستفاد بها وتسمد بها الأرض (وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) وعليها طبعا المقصود بعض الأنعام، وهي الإبل، وعلى وجه التحديد فالإبل سفن الصحراء، على الإبل في البر، وعلى القوارب في البحر، يروى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال عن بعض الناس في زمان سابق‫:‬ (بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ ، فَقَالَتْ : لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ ، قَالَ : آمَنْتُ بِهِ أَنَا ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ) كما قال سيدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم): تأتي بعض القصص هي خمس قصص لأمم سابقة، تسرية وتسلية لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) أيضا كأن الآيات تنبه إلى كفور الناس، وجحود الناس بنعمة الله التي لا تعد، ولا تحصى، ها هي النعم، وذكرت في أوائل السورة نعمة الخلق، ونعمة الأطوار التي تواجد بها الإنسان، الإنبات، نعمة الزرع، نعمة الرزق، نعمة السموات، نعمة الخلق، نعم ها هي طريقة استقبال النعم التي استقبل بها الأولون، وها هي القصص، والكلام تسلية لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) إن كذبك قومك فقد كذب أقوام من قبلهم يقول الله (تبارك وتعالى):‬‬‬
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿23﴾ فَقَالَ ٱلْمَلَؤُا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةًۭ مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ ﴿24﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌۢ بِهِۦ جِنَّةٌۭ فَتَرَبَّصُوا۟ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٍۢ ﴿25﴾ قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ ﴿26﴾ فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ۙ فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ﴿27﴾ فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿28﴾ وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًۭا مُّبَارَكًۭا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ ﴿29﴾ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴿30﴾
وردت قصة نوح في أكثر من موضع في القرآن بأساليب متعددة، وهو تحدي للعرب لأن تلك القصة حين ذكرت، وقيل لهم‫:‬ فأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فجاء القرآن بنفس القصة بأسلوب آخر، ثم جاء بنفس القصة بأسلوب آخر، في التكرار فوائد كثيرة، منها تعجيز للعرب الذين فشلوا، وعجزوا أن يأتوا بمثله، ها هو القرآن يأتي بمثله أيضا، إضافات مختلفة للقصة، أيضا لدفع الملل عن القارئ والسامع، لحكم متعددة، زمن بعثة نوح ألف سنة إلا خمسين عاما، ليس عمره، بل زمن البعثة؛ إذ إن نوح عاش بعد الطوفان سنين كما أنه قبل أن يبعث كان موجودا أرسله الله (تبارك وتعالى) إلى قومه بكلمة اعبدوا الله وحده لا شريك له، لا إله غيره لا معبود سواه (أَفَلَا تَتَّقُونَ) تحتمون من عذابه، من غضبه، التقوى من الوقاية، أن تفعل ما يقيك مما يخشى ويخاف، كانت النتيجة أن تزعم الرفض الأشراف المترفون الذين خافوا على سلطانهم، وعلى ضياع النعم، وتسلطهم على الناس (فَقَالَ ٱلْمَلَؤُا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ) الملأ‫:‬ الأشراف، أسياد الناس في كل مكان، سمُّوا ملأ لأنهم امتلأوا بما احتاجه الناس من طعام، من رزق، من مال، من سلطان، من جاه، أو تملأ هيبتهم صدور الناس، قال أشراف القوم ودلسُوا على أقوامهم بخمس شُبه (مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ) أول شُبهة، وهل يكون الرسول إلا بشراً، كيف يخاطب الناس؟ كيف يفهمون منه؟ كيف يتلقون عنه؟ لابد وأن يكون بشرا بلسانهم (يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) تلك الشُبهة الثانية، يطلب الفضل، يتسوّد، يصبح متبوعا، وأنتم له تبع، أي يريد الجاه والسلطان، أو التسيّد أو الملك (وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةًۭ) تلك الشبهة الثالثة، أو التدليس الثالث، كيف ومن أدراكم أنه ينزل ملائكة، ومن أدراكم أن الملائكة ممكن أن تخاطبكم؟ وكيف ترون الملائكة؟ وكيف يحدث اللقاء بين الملائكة، وبين الناس، مع اختلاف الخلق (مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ) والإشارة إليه أي ما سمعنا بنوح أنه نبي، لم يخبرنا آباؤنا قبل الموت، أو ما سمعنا بهذا الكلام، الدعوة إلى عبادة الواحد الأحد، أي ما سمعنا بما يدعونا إليه (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌۢ بِهِۦ جِنَّةٌۭ) التدليس الخامس، إن هو إلا رجل به جنون، أو جنة، جنّ التبسه الجن، وخبّله فهو يتكلم بما لا يعرف (فَتَرَبَّصُوا۟ بِهِۦ) انتظروا، وتمهلوا، واصبروا (حَتَّىٰ حِينٍۢ) مدة من الزمان حتى يستبين جنونه أو يفيق من هذا الجنون، أو يذهب عنه الجن الذي التبسه، أو يموت، تلك كانت شبهاتهم، وتدليسهم، لم يرد عليها القرآن لظهور بطلانها، التجأ نوح إلى ربه بعد ما يئس منهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم ولا يلقى إلا الكفر، والجحود، والإيذاء (قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ ﴿٢٦﴾) طلب النصر، لا شك أن الدعوة التي دعاها نوح كانت بوحي، وكانت بأمر الله، عز وجل، لا نستطيع أن نقول‫:‬ إن نوح دعا على قومه لا نستطيع إلا أن نقول‫:‬ إن الله أمره بذلك حين قال (أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ) [سورة هود آية‫:‬ ٣٦]، (فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) الفُلك أو فلك يصنع الفلك يذكر، ويؤنث، ومفرد، وجمع (ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) بمرأى منا، ومشاهد بحفظنا لها، ذلك حتى لا تخطئ في صنعها، وحتى لا يفسدها عليك مفسد (وَوَحْيِنَا) تعليمنا لك، نزل جبريل، ونزل الوحي يعلمه كيف يصنع الفلك؛ إذ كان أول فلك يصنع على وجه الأرض (فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا) أمرنا بنزول العذاب، أو أمرنا بالركوب (وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ۙ ) العلامة الفُرن الذي يخبز فيه يفور الماء، تخرج الماء من النار، أو التنور‫:‬ وجه الأرض أو أشراف الأرض، أرجح الأقوال التنور‫:‬ الفرن الكانون الذي يخبز فيه الخبز، تخرج المياه من النار تلك العلامة فيأمر أهله بالركوب (فَٱسْلُكْ فِيهَا) أدخل فيها (مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ) أي من كل الخلق زوجين اثنين، ذكر وأنثى، ولم يحمل نوح معه في السفينة إلا كل ما يلد أو يبيض فقط، أما الحشرات وما إلى ذلك فتلك أشياء لم تحمل في السفينة (وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ ) أي سبق عليه القول بالإهلاك، سبق عليه، سبق له، الفرق‫:‬ إذا كان السابق شراً سبق عليه، وإذا كان السابق خيرا سبق له (إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ) أي الأمر بالإهلاك (إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١٠١] .‬
‫(وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ﴿٢۷﴾) أي لا تطلب مني نجاة أحد، ولا تدعو لهم، ولا تتشفع، هم مغرقون، مهلكون لا محالة (فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ) إذا ركبت، واستقرت بك، واستقر الناس معك (فَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿٢۸﴾) والحمد لله كلمة كل شاكر لله (وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًۭا مُّبَارَكًۭا) إما القول قبل ركوب السفينة، أو عند الركوب، أنزلني منزلا في السفينة أو بعد ما ركب السفينة، يدعو أن ينزله الله إنزالاً طيبا، أو مكانا مباركا (وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ) ثناء على الله يناسب الدعاء (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴿۳۰﴾) في ذلك القصص فيما قص علينا (لَـَٔايَـٰتٍۢ ) لعِبَرْ ودلائل (وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) مختبرين الناس بالنعم، والنقم، أو مختبرين قوم نوح بإرساله إليهم، أو مختبرين الخلق بهذا الطوفان الذي حدث، الملفت للنظر في الآية نوح ركب في السفينة، والخطاب لنوح هو الذي يوحى إليه، هو الرسول، فاسلك فيها أمر فإذا استويت أنت ومن معك إذا أصبح نوح معه أناس فقل، لم يقل فقولوا نوح ليس منفردا في الفلك، نوح يخاطب لأنه رسول يوحى إليه، هو المأمور وهو المبلغ، افعل، وافعل، وافعل ها هو استوى على السفينة، ومعه الناس هل يدعو بمفرده؟ لِم لم يأمر بقوله قولوا حتى يدعو لناس الذين ركبوا السفينة مع نوح؟ فقل الحمد لله الذي نجانا، إذاً فهو يدعو لنفسه، ولقومه كأن الآيات تلتفت النظر إلى المقام العالي لنوح، وكأن دعاء نوح كاف، فهو دعاء له ولمن معه في الفلك، ذاك يدل على التشريف والتعظيم، ورفعة القدر لنوح، أن يتوجه هو بالدعاء، ودعاؤه كافي ويغني عن دعاء الآخرين، أهلك الله (تبارك وتعالى) أهل نوح، والهلاك لم يختص به قوم نوح فقط، بل عمّ العالم، وتخيل حين أوحى الله إلى نوح (فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ) أي ذكر وأنثى، ولم يحمل نوح معه في السفينة إلا ما يلد أو يبيض، الدنيا في ذلك الوقت هل من كل زوجين اثنين فقط، أم أن من الطيور ألوف، ومن الوحوش ألوف، ومن الحيوان ألوف، ومن، ومن، ومن، لكن الطوفان عم الأرض جميعها حتى أن بيت الله الحرام لم يسلم من الطوفان، غضبة الله خطيرة، وسخط الله ما حق، نجا نوح كم كان معه في السفينة؟ قلة، وبدأت الحياة من جديد طاهرة نقية نظيفة، يقود مسيرتها رسول يوحى إليه من أولي العزم من الرسل نوح، واستمرت الأيام، والشهور، والسنين، والدهور وكلما ابتعد الناس عن أزمنة البعثة، وعصور الرسل، كلما دخل في دينهم ما ليس منه، يحكي القرآن لنا، وتحكي لنا الآيات من سورة المؤمنين يقول الله (عز وجل):‬‬
ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ ﴿31﴾
بعد هلاك قوم نوح أنشأنا قرنا آخرين، القرن يطلق على المدة من الزمان، ويطلق على الناس الذين يعيشون في هذه المدة، مكان أو زمان يجمع الناس، أو يجتمع الناس فيه، وقيل‫:‬ إن القرن ثمانون عاما، وقيل‫:‬ إن القرن مائة عام، اختلفت الآراء في تحديد مدة القرن المقصود هنا ليس الزمان، المقصود هنا الناس (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ) أوجدنا (قَرْنًا ءَاخَرِينَ) أمة أخرى‫.‬‬‬‬‬‬
فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿32﴾
‫(فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ) وما من أمة إلا وكان رسولها منهم، يعرفون أصله، يعرفون نسبه، يعرفون منشأه، يعرفون لسانه، يتكلم بلسانهم (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٤] أرسل إلى هذه الأمة، ولم يبين القرآن من هذه الأمة، واختلف المفسرون بين قائل قوم عاد، من قائل قوم هود، أخفاها القرآن، وكلما سكت القرآن عن شيء يفضل للراسخين وأولي العلم ألا يخوضوا فيما سكت عنه القرآن، هي أمة عاد، هود، أمة؟ ألا يوجد من الأمم سوى ما عرفناه، وقص علينا القرآن قصصه، ما قص طرف من القصص ربنا يقول (مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ ) [سورة غافر آية‫:‬ ٧٨]‬
‫أرسل الله فيهم رسولا منهم برسالة محددة (أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ ) هذه هي الرسالة، مضمون الرسالة التوحيد الذي من أجله خلقت السموات والأرض، ومن أجله أرسل الرسل، ومن أجله كان البعث، والثواب، وكان العقاب (أَفَلَا تَتَّقُونَ) ألا تخافون غضبته، هل وصل إليهم نبأ قوم نوح؟ من الضروري، التاريخ لا ينسى، والآباء تحكي للأبناء، والأبناء تحكي للأحفاد، يحذرهم، وينذرهم، أفلا تتقون‫.
وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَتْرَفْنَـٰهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴿33﴾ وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًۭا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًۭا لَّخَـٰسِرُونَ ﴿34﴾ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ ﴿35﴾
تلك أوصافهم، كفروا بالله لا يؤمنون بالبعث، وهم أيضا مترفين، منعمين، وسّع الله عليهم في أمور الدنيا، ورزقهم وبارك لهم فيما أخرجه لهم من الأرض، والترفة منتهى النعمة، وتَرِفَ الرجل تَنَّعَم وترفَّهْ، هؤلاء كانوا منعّمين، مرفهين، هم الذين تولوا القيادة، الإرشاد لبقية الناس، وهم الذين ردوا عليه بهذا الرد (مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ) ذاك كان عيبه أنه كان من البشر، وأنه يأكل، وأنه يشرب، أيريدون بشرا لا يأكل ولا يشرب؟ هذا كان المأخذ الذي أخذوه، ولم يفكروا في الكلام، لم يفكروا في الدعوة، لم يفكروا بالمنطق، هذا الكون المترامي الأطراف، هذا الكون المتسق، هذا الترابط والاتساق في هذا الوجود أليس له مدبر؟ أليس له موجود؟ أليس له حافظ؟ شجرة خرجت لا منبت لها، إذا لم يكن هناك من يرعاها، ويسقيها، ويشرِّبها هل تحفظ؟ هذا الوجود إذا لم يكن له خالق أليس له حافظ؟ أليس له مدبر؟ ما الذي يبقي هذا الوجود؟ وما الذي يحافظ على هذا النظام؟ ومن الذي يراعي هذا الاتساق؟ هذا الوجود الذي يراه كل ذي عينين لابد له من موجد، لابد له من مصرِّف، مختار، مخصص، يخصص للشمس، ويخصص للقمر، ها هي الشمس في الفضاء، ها هو القمر في الفضاء، ها هي النجوم، لابد من التخصيص معنى التخصيص أن يخصص لها مداراً، ويخصص للقمر مدارا، أن يخصص لكل موجود وظيفة، الرياح شمالية شرقية لم لا تكون شمالية غربية؟ من الذي خصص لها هذا الاتجاه؟ مدار القمر على شهر كامل من الذي حدد المدار من حيث الاتجاه، من حيث الارتفاع، من حيث الزمان؟ تخصيص هذا الوجود لابد له من مخصص موجد، مدبر، مختار، يختار كيف شاء لابد له من حافظ يحفظه؛ لأن الشيء قد يوجد، ثم يتلف، أي شيء، أي جهاز، الإنسان يموت، البناء ينهدم، الصنعة تتلف، من الذي يحفظ هذا النظام، فلا يمرض، فلا يتلف، غفلوا عن كل ذلك، ولم يفكروا في شيء من ذلك، وقالوا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون، واسمع لكلامهم (وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًۭا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًۭا لَّخَـٰسِرُونَ) أليس لهم حاكم؟ أليس لهم رئيس قبيلة؟ أليس هو من البشر؟ كيف استساغوه أن يطيعوا في أمور الدنيا بشرا مثلهم، ولم يستسيغوا أن يطيعوا في أمور الآخرة الباقية، وأمور النجاة بشرا؟ (وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًۭا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًۭا لَّخَـٰسِرُونَ) خاسرون؟ نعم يتوقعون أن هذه الطاعة تصيبهم بالذلة، أو بالصغار، كيف ينصاعون له؟ كيف يأتمرون بأمره؟ اعتادوا على الائتمار بأمر الجبابرة، من بيده السوط، من بيده السيف، أو من بيده المال، كما قال بنو إسرائيل ثم دخلوا في مسألة الدعوة، بعد أن طعنوا في الشخص باعتباره بشرا، يأكل ويشرب، وأن طاعة البشر للبشر مذلة، دخلوا في الدعوة (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ) هل هذا يعقل؟ هو يعد، ويقرر أنكم إذا متم، وتحولت الأجساد إلى التراب، وإلى الرميم، تخرجون من القبور مرة أخرى، ذاك ما لم يصدقوه، ولم ينظروا إلى الأرض ميتة، والماء ينزل ويخرج الزرع صغيرا، ثم يصبح كبيرا، مصفرا، ثم يصبح مخضرا، ثم يهيج، ثم يحصد، ثم تعود الأرض إلى ما كانت عليه، ثم ينبت الزرع مرة أخرى، نفس الشجرة، نفس الزرع، بعد أن يحصد، وينتهي؛ إذ به يخرج مرة أخرى، من أين أتى؟ لم ينظروا لكل ذلك (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ ).‬‬‬‬‬
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴿36﴾ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴿37﴾
‫(هَيْهَاتَ) : اسم فعل في أرجح الأقوال، اسم فعل ماضي بمعنى بَعُدَ ما توعدون، أي بَعُد البعث، وبَعُد الثواب والعقاب يوم القيامة، وبَعُد كل ما يدعيه ذاك الرسول (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ) فيها عشر لغات، وبها قُرأت بالفتح، بالضم، بالكسر، بتنوين الفتح، بتنوين الضم، بتنوين الكسر، بالسكون على التاء، لكن في قراءتكم عند الوقف يكون إما بالهاء، وإما بالتاء (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ) أو(هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ) والاختلاف أهي كلمة واحدة، فإن كانت كلمة واحدة كخمسة عشر فلا يصح الوقف على خمس، ثم تقول عشر، فإن كانت كلمة واحدة (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ) أما إذا كانت منفصلة، وهي مكررة للتأكيد، فيمكن أن تقول‫:‬ (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ) (إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا) (إِنْ) نافية بمعنى (ما هي) إلا حياتنا الدنيا، هي بدل كلمة الحياة، أي كأن الكلام‫:‬ ما الحياة إلا هذه الحياة، أي لا حياة في الآخرة، والموت نهاية، ما الحياة إلا حياتنا الدنيا هذه (نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) كيف يقولون ذلك وهم لا يؤمنون بالبعث؟ قيل‫:‬ الكلام فيه تقديم، وتأخير، أي نحيا ونموت كقوله في موضع آخر (يَـٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ (٤٣)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٤٣]، السجود قُدم على الركوع إذا هي تقديم وتأخير (نحيا ونموت)، أو كما هي نموت ونحيا الأبناء أي تموت الآباء، ونحيا الأولاد، يموت بعضنا، ويحيا بعضنا (وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) لا بعث، ولا عقاب، ولا ثواب، أيترك ربنا الدنيا هملا، المحسن كالمسيء، الصالح كالطالح، فرضنا لو لم تكن هناك عبادات، لا طاعة، ولا عصيان، تعامل بين الناس رجل يقتل، ويكذب، ويسرق، ويهتك الأعراض، ويظلم، ويتجبر في الأرض، هل يكون مصير ذاك الرجل كرجل طيب، يعاون الناس، ويساعد الضعيف، ويغيث الملهوف، ويقري الضيف، ويصدق الحديث، أيصبح ذاك كهذا؟ هل يعقل هذا؟ بالمنطق بالفطرة السليمة، بالعقل لابد أن يكون هناك حساب، لابد أن يكون هناك فصل بين هذا وذاك، متى يكون ذلك؟ قالوا‫:‬ في الدنيا، الظالم يمرض، الظالم يتعب، لا يحدث ذلك بل نرى في أوج الظلمة، في أوج مجدهم وعزهم، وفي سعة من عيشهم، ويموتمون في هدوء تام بعد عمر طويل، إذا لابد من وجود يوم آخر، أو مكان آخر، أو زمان آخر، ليحاسب الناس بالفطرة، فمالنا وقد جاءت الرسل تبشر بذاك، ها هم يدّعون أنه لا بعث هناك (وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ).‬‬‬
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا وَمَا نَحْنُ لَهُۥ بِمُؤْمِنِينَ ﴿38﴾ قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ ﴿39﴾ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍۢ لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ ﴿40﴾ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ فَجَعَلْنَـٰهُمْ غُثَآءًۭ ۚ فَبُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿41﴾
‫(إِنْ) هنا أيضا بمعنى ما نافية أي ما هو إلا رجل افترى على الله كذبا في ادعائه للرسالة، أو افترى على الله كذبا في ادعاء البعث، إذا فهناك إله؟! ها هم يقولون‫:‬ (ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا) أي إله، تأمل في كلام الكفار تجد التضارب، (ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَـٰلَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًۭا (٩)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٩]، الحق أبلج، والباطل لجلج (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا وَمَا نَحْنُ لَهُۥ بِمُؤْمِنِينَ) قرروا عدم الإيمان، تدعون كذبه، المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته، دعوه يبدي عذرا، أو يبدي حجة، أو يأخذ الكلام، أو النقاش، لكنهم قرورا هو كذا، وعلى كل الأحوال لا إيمان له، وما نحن له بمؤمنين، عناد، عزم وتصميم على الكفر، لجأ الرسول إلى ربه (قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ) أمر طبيعي يئس منهم، دعاهم، أوحي إليه أنه لن يؤمن إلا من قد آمن، كما قيل لنوح، إذاً فما الفائدة من بقائهم، بل هناك الضرر، استمرار الكفر، استمرار الكبر، قد يُفتن المسلم، لو أن المسلم ترك لإسلامه، ودينه، وتركه الكافر يعبد الله كيف شاء ما قامت الحروب، وما أهلك الله القرى، والقرون، لكن الله أهلك القرون حفاظا على الإسلام، حفاظا على الدين، حفاظا على العبد أن يفتن عن دينه، واسمع‫:‬‬
‫( وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌۭ وَصَلَوَٰتٌۭ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا ۗ ) [سورة الحج آية‫:‬ ٤٠]، حين بعث النبي (صلى الله عليه وسلم) هل تركته قريش؟ هل تركت من أسلم يعبد الله، أو يوحد الله، أم عذبوهم؟ وهكذا في كل أمة إذا بعث رسول ودعا قومه لا يكتفوا بالتكذيب فقط، بل لابد من التعذيب، والإرهاب، والقتل، والتشريد، وهكذا، من هنا لابد من إهلاك القرى الظالمة، من هنا لما دعا النبي (صلى الله عليه وسلم) في ذلك الزمان (قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ) حين طلب النصر، معنى ذلك أنه اتهم بالكلام، أيضا عذب، وعذب المسلمون، والمؤمنون به، فتنوا عن دينهم، لم يبق إلا نصر الله، من هنا كانت الدعوة جاءه الوحي، وجاءته البشرى (قَالَ عَمَّا قَلِيلٍۢ لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ) ربنا (تبارك وتعالى) حليم، ربنا له التدبير، والاختيار، وكيف وأين تدبيره تصريفه؛ لذا لا يصح مع الله أن يقول العبد أين، ومتى، وكيف، ولم، ولماذا، هو الله (عَمَّا قَلِيلٍۢ لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ) يندمون على تكذيبهم إياك، وعلى أفعالهم هذه (فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ) الصيحة صاح بهم جبريل كما يقال، ترى كيف كانت؟ أهي بصوت؟ أهي بصرخة؟ أهي موجات أثيرية؟ يعلم الله لكن الصيحة كانت كافية أن تجعل كل ما على الأرض تراب، وأن تجعل كل الكفار كأنهم ورق شجر، عيدان يابسة، يحملها السيل في طريقه، فأخذتهم الصحية بالحق، بالعدل، بالحق الصيحة الثابتة الواجبة التي لا تتراجع، ولا تدفع، ولا يملك لها أحد رداً، ولا دفعا، الصيحة بالحق بالعدل، بالحق بالوعد، الصدق الذي وعد الله رسوله (فَجَعَلْنَـٰهُمْ غُثَآءًۭ ۚ فَبُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ) غثاء كغثاء السيل، محطَمْ مُكسَّر ورق يابس (فَبُعْدًۭا) كأن هناك فعل بَعُد بُعَداً (فَبُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ) بُعداً لهم من رحمة الله، أهو دعاء؟ أهو خبر؟ يصح أن يكون خبرا كأن الله يخبرنا أنه قد أبعدهم في العذاب السحيق، أبعدهم عن رحمته، أهو دعاء كأننا نحن نتعلم كيف ندعو على الظالم بعدا له، أي سحقا له، أي بعدا عن رحمة الله‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم ربنا (تبارك وتعالى) يقول في حديث قدسي (إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا ، فَلَا تَظَالَمُوا) الظلم ظلمات يوم القيامة، لا يرضى به الله، كل ما كان بينك وبين الله أمره هين أي مما يتعلق بحقوق الله من السهل أن تتخلص منه بالاستغفار، أما بينك وبين الناس ذاك هو الأمر المهلك؛ لأنه يشترط أن يتنازل عن حقوقهم، فإياكم وأموال الناس، إياكم وأعراض الناس، ورحم الله امرأً شغلته عيوبه عن عيوب الناس، فحلم الله (تبارك وتعالى) لا يدرك بالعقل، ولا يصل الإنسان إلى مقداره، أو نهايته، الله هو الله، ولا يعرف الله على الحقيقة إلا الله، وبالتالي فالحليم لا يعرفه إلا الحليم، والحكيم لا يعرفه إلا الحكيم، والقدير لا يعرفه إلا القدير، وما كلام العلماء إلا شرح لألفاظ لحروف، أما المضمون والمعنى فأغواره لا نهاية لها، فحين نتكلم عن الحلم نشرح كلمة الحلم من حيث اللغة ما هي؟ ما هو الحلم؟ ومهما وصلنا في فهمنا للحلم، فنحن محدودون بما عهدنا من صفات بشرية، لكن الحلم الحقيقي الذي يصف به الحليم سبحانه كيف يدرك شأوه؟ كيف يعرف معناه؟ من هنا كان لابد من التنزيه حتى لا تذهب بك الأفكار كل مذهب، التنزيه سبحان الله ليس كمثله شيء، فمهما قلنا ومهما قيل، ومهما قالوا في الوصف، والتمجيد والتحميد لله (عز وجل) لن نبلغ الحقيقة، فهو ليس كمثله شيء في ذاته، فإذا كانت الذات ليس كمثلها شيء فلابد أن الصفات ليس كمثلها شيء، ولابد أن الأفعال ليس كمثلها شيء؛ لذا لا يمكن أن تدرك العقول الحكمة في أفعاله؛ ولذا تنزه أفعال الله (تبارك وتعالى) عن العبث، ولا تخلو من الحكمة، أرسل ربنا (تبارك وتعالى) نوح، كُذِّب نوح ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو ولا يستجاب له حلم، نوع من أنواع الحلم الإلهي على هؤلاء الذين كذبوا رسوله، وأهانوه، وخربوه، وعذبوه، وفعلوا به الأفاعيل، أهلك ربنا قوم نوح، نجا نوح، ومن آمن معه، وكانوا قلة، ونشأت الدنيا من جديد، وخلق أناس من جديد، وجاء النسل والذرية ونسي الإنسان العهد، وانحرف الناس فأرسل إليهم رسولا منهم بنفس الدعوة (مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ ) كذبوه، وفعلوا، وفعلوا أهلكهم الله، وبعد لكن الله له حكمة ولكن الله حليم، هو صاحب التدبير، لو أنك جئت بعامل يعمل لك عملا فأتلف فطردته، ثم جئت بغيره ووعدته الأجر الجزيل وأفهمته المطلوب، وبذلت من الجهد معه حتى يفهم ويستوعب ما تريد فأتلف فطردته، أتفكر في أن تأتي بآخر لتبذل معه ذاك الجهد، ثم يتلف وأنت تعلم أن الكل كذلك أتفكر؟! سبحان الله أرسل الرسل، وكلما جاء رسول كذّبه قومه واسمع‫:‬‬‬
ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ﴿42﴾ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ ﴿43﴾
الكلام فيه حذف، وتقدير الحذف (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ) فأرسلنا فيهم الرسل فكذّبوا الرسل فدمرناهم، فما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون، وكأنك أيها السامع تعرف الحكاية، رسول وقوم مصدق لما بين يديه، معه المعجزات، معه الآيات، يحاول يدعو بالحلم، بالموعظة، بالسلطان، بالبرهان، ماذا يكون؟ يعذبوه، ويكذبوه، ويتهموه، ويؤذوه وتكون النتيجة يستحقوا العذاب كل ذاك أنت تعرفه، من هنا لم يذكر فاختصرت الآيات‫.‬‬‬‬‬
ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةًۭ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًۭا وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًۭا لِّقَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ ﴿44﴾
تترا من الوتر أي فردا فردا، أو تترا من المواترة، التواتر، أي يأتي الشيء بعد الشيء مع مهلة، وفاصل (أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ۖ ) أي كل فترة نرسل رسولا، أو نرسلهم فردا، فردا من الوتر (كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةًۭ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ ) سبحانك ما أحلمك! وما أعظمك! وما أحكمك! حكمة لا ندريها (ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًۭا وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ ۚ ) في الإهلاك والتدمير، (أَحَادِيثَ ۚ ) اسم جمع لحديث، أو أحاديث جمع أحدوثة، ولا يستخدم التعبير إلا في الشر، ساروا أحاديث أي أحدوثة يتحدث بها الناس، ويتعجب الناس منهم، أصبحوا خبرا بعد عين، فيستخدم هذا التعبير في الشر فقط؛ إذ لم يبق منهم إلا الخبر والحديث، والتلّهي والحكاية وأصبحوا أعجوبة (فَبُعْدًۭا) أي بَعُدَ بعداً من رحمة الله، بعد بمعنى هلاكا؟ أهو خبر يخبرنا الله به، أم هو دعاء؟ دعاء تدعوه الملائكة، فيعلمنا أن نقول في شأنهم‫:‬ بعدا لفرعون، بعدا لهامان، بعدا للظلمة، بعد للمهلكون، خبر أم دعاء قد، وقد‫.‬‬‬‬‬
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَـٰرُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍ ﴿45﴾ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا عَالِينَ ﴿46﴾ فَقَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَـٰبِدُونَ ﴿47﴾ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ ﴿48﴾ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴿49﴾
موسى من أولي العزم من الرسل، لموسى درجة من الدرجات التي لم يصل إليها أحد لا من قبل، ولا من بعد، ألا وهي درجة الأنس بالكلام، أن يسمع كلام الله، أن يكلمه الله بلا واسطة، موسى معجزته، معجزات العصا، شيء واحد تشق البحر، تفجر الماء بضرب الصخر، تتحول إلى حية تأكل، شيء غريب عصا موسى شيء لم يحدث، اليد بغير سبب، بغير آفة، بغير عاهة مجرد أن يضعها تحت إبطه تخرج فتعمى الأبصار من ضيائها، ونورها، أمر غريب، معجزات مذهلة، معجزات تجعل الحجر يؤمن، ويسلم، ومع ذلك (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَـٰرُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍ) سلطان‫:‬ حجة، مبين‫:‬ واضح، ظاهر، قوي، العصا واليد سلطان قاهر، لا قبل لمخلوق به حتى أن السحرة حين رأوا ما رأوا خرُّوا للتوِ واللحظة ساجدين دون تفكير، دون مناقشة، دون سؤال، لم يسألوا موسى من ربك؟ هل سألوه من ربك؟ ربما يأمرك هل طلبوا منه أخذ، وعطاء، وبيان؟ هل ناقشوه في شيء؟ أول ما رأوه قالوا‫:‬ ساحر يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره، تحدوه علنا، بل احتقروا وقالوا (قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ (٦٥)) [سورة طه آية‫:‬ ٦٥] ، حتى في صياغة الكلام تشعر بأنهم يتكلمون من علو، ينظرون إليه أسفل، حين رأوا العصا خروا سجداً في التو واللحظة، ولما هددوا بقطع الأيدي، والأرجل، والتصليب قالوا (قَالُوا۟ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا ۖ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ (٧٢)) [سورة طه آية‫:‬ ٧٢] (سبحان الله) سلطان باهر، لكن حكمة الله، تدبير الله، السحرة تخر في الأرض سجدا في اللحظة، لِم لم يفعل ذلك فرعون، أليس بشرا مثلهم؟ ألم ير فرعون ما رأت السحرة؟ هل رأى ما رأوه؟ طبعا، كيف حدث للسحرة ذلك، وكيف أبى فرعون ولماذا؟ هو الله (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَـٰرُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍ ﴿٤٥﴾ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا عَالِينَ ﴿٤٦﴾) استكبروا عن الطاعة، استكبروا عن الإيمان، وكانوا قوما عالين، متجبرين، متكبرين، متعجرفين، أذاك هو السر، العجرفة، الكبر الاعتراف، الاعتزاز بالنفس، هذا هو الذي منعهم عن الإيمان، الأغرب من ذلك قالوا (فَقَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَـٰبِدُونَ) كيف نطيع رجلين أقوامهم خدم، إذاً فالنظرة نظرة شخصية، نظرة للمبنى وغفلة عن المعنى!! مالك ومال الجسم لِم لا تسمع الكلام؟ أن تعي ما يقال أن تفكر فيما يقال، ولابد لك في حياتك أنت في كل حين أن يكون ذلك دأبك، وإياك والمظهر، إياك والإبهار، والألوان، والزخرف، والزينة، عليك بالكلام مهما كان صادراً من أي شخص، قوِّم ما تسمع، هذا يقول من هذا؟ ما عمله؟ ما وصفه؟ ما شغله؟ ما ماله؟ ثم تقيم فأنت غافل، وإنما الكلام يقال تسمع الكلام بقلبك، وعينك، وأذنك، ولا تنظر لمن يقول، هنا وهنا فقط تعرف الحق؛ لذا قيل لنا اعرفوا الرجال بالحق، ولا تعرفوا الحق بالرجال، ولو تبعنا هذا ما صرنا في غفلة، وما استدرجنا إلى ما نحن فيه، ها هو فرعون الحجة كيف يؤمن لبشر، العبرة بما يقوله البشر لا بجسمه، انظر إلى سليمان استمع للهدهد، السماع وخلق الله لك أذنين، ولسان واحد لكي تسمع أكثر مما تتكلم، وعلى الأقل أن يكون كلامك نصف سماعك (فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ) أهلكهم الله (تبارك وتعالى) لكنه رحم بني إسرائيل ليقول (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) لعلهم‫:‬ أي بني إسرائيل، لعلهم يهتدون، من بعد موسى طالت الأيام ببني إسرائيل، حرفوا، أحلوا، وحرموا بغير إذن، اشتروا الدنيا بالآخرة، الأحبار الذين أُخذ عليهم الميثاق كان همهم رضاء السلطان، كانوا يحكمون بما يرضى السلطان، والفتاوى تصدر بما يريده السلطان لا بما يأمر به الديّان، من هنا كان التحريف منشؤه إرضاء أولي الأمر، التحريف لا ينشأ في العبادات، التحريف لا ينشأ في الأوامر والنواهي بهذا الشكل، إنما بداية التحريف أن يأتي الراهب أو رجل الدين طامعا في الدنيا، خائفا من السلطان، فإذا به يرضيه، فينافقه، ويجامله، فيهيء له الأمور، فيحل له الحرام، ويحرّم له الحلال، من هنا يبدأ التحريف، فإذا اعتاد على ذلك بدأ التحريف مع العامة في الأحكام العامة، بمعنى رجل وامرأة يشتكيان فمن يدفع يأخذ الحكم، وهكذا بدأ التحريف، وانحرف بنو إسرائيل انحرافا شديدا، فبعث الله، تبارك وتعالى، عيسى بن مريم، معجزته أقوى من معجزة موسى، حتى لا يقارنوا بينه وبين موسى، أو يقولوا ائتينا بما جاء به موسى، فجاء عيسى معجزته في ذاته، أولا أن يولد من غير أب، وأن تلد مريم بغير مسيس، بدلا من الإيمان، والتسليم، والتصديق اتهموها بالزنا، عجّزوا الله، شكوا في قدرته، كيف خلق عيسى بغير أب، وإساءة الأدب مع الله، تلك كانت البداية؛ لذا يقول الله (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍۢ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٥٩]، حكاية مريم، وحكاية عيسى آية من الآيات، معجزة من المعجزات، لكن التكذيب ديدن الأمم المكذبة، ربنا يقول‫:‬‬‬‬
وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةًۭ وَءَاوَيْنَـٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍۢ ذَاتِ قَرَارٍۢ وَمَعِينٍۢ ﴿50﴾
آواهم ربنا؛ لأن الناس لفظوهم، ورفضوهم، واتهموها بالزنا رغم أن عيسى تكلم في المهد صبيا، فقال‫:‬ إني عبد الله، سبحان الله، أي معجزة أقوى، وأشد، آواهما ربنا (تبارك وتعالى) إلى ربوة، أرض مرتفعة (ذَاتِ قَرَارٍۢ ) أي استقرار (وَمَعِينٍۢ ) ماء جاري معين، الماء يمعن معونا‫:‬ جرى، أو معن بمعنى معيون يرى بالعين، أو من الماعون نافع‫.‬‬‬‬‬
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ ﴿51﴾ وَإِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ ﴿52﴾
فيقول أبو هريرة (رضي الله عنه) فيما يرويه عنه الصحاح يقول‫:‬ قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ، وَلا يَقْبَلُ إِلا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ )، وَقَالَ: (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، أَشْعَثُ أَغْبَرُ مَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ ذَلِكَ) يقول الله، تبارك وتعالى، بعد ما قص طرفا من قصص بعض الأنبياء على حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) تسلية له، وتسرية له (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ ) قال بعض الناس‫:‬ الخطاب لمريم، ولعيسى للآية السابقة، وقيل‫:‬ بل الخطاب لعيسى، وبصيغة الجمع تشريفا، أو تعظيما، وقيل الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) وانتهى القصص، والرأي الأرجح، والأغلب، أن الخطاب لجميع الرسل كل في زمانه، كل في أوانه، لم يخاطبهم جمعيا مجموعون في مكان واحد، وإنما خاطبهم كل في زمانه، فكأنه خاطب الجميع لبيان أن إباحة الطيبات للأنبياء شرع قديم، وللرد على الرهبانية التي ابتدعوها فما رعوها حق رعايتها (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ) الطيبات‫:‬ المباحات، الحلال، لكن الحلال درجات، وللعارفين فيه كلام، منه الطيب من الطعام والشراب، هو الذي لا يُعصى الله فيه، ولا ينسى الله فيه، والذي يحفظ العقل ويبقي النفس، ذاك هو الطيب من الطعام، إذ قد يأكل الإنسان الحلال لكنه ينسى أن المنعم هو الله، وقد يطعم الإنسان الحلال لكن يتقوى به على معصية الله، وقد يطعم الإنسان الحلال لكن أكثر مما يحتاجه البدن فيصاب بالتخمة، أو بالشرة، أو يعطي الجسم زيادة عن حقه، فالطيب حلال، وكل طيب حلال، وكل حلال قد لا يكون، فالطيب هو الحلال الصافي القوام، الذي لا يعصى الله فيه، ولا ينسى الله فيه، والذي يقيم النفس، ويحفظ العقل (وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ ) نتيجة الأكل من الطيب تورث الحركة الصالحة في الجوارح، فالطعام الطيب إذا دخل الجسم وجرى به الدم في العروق، وتحركت به الجوارح، وتحركت في النظام العام، تحركت في الطاعة لله؛ لأن الغذاء من طيب، من حلال؛ لذا من ضمن الدعوات التي علمنا النبي (صلى الله عليه وسلم) إياها إذا أكل الإنسان عند أحد أن يقول له‫:‬ (وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ) لأن البر إذا أكل طعامك أدى طعامك إلى طاعة، فحصلت على ثواب منه، من هنا (وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ ) أي ذاك هو المقصود منكم، العمل الصالح (إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ) عليم بعملكم فأجازيكم عليه، الغريب أن البعض أخذها كتهديد يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا، فهو المطلوب منكم، والهدف من إيجادكم إني بما تعملون عليم، عممّ الرسل، وغير الرسل، والناس وكأنه تهديد انتبه فالله (تبارك وتعالى) عليم بعملك محاسبك عليه (وَإِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ) أمة‫:‬ ملة وقلنا إن كلمة أمة تأتي على معان عدة، على وجوه مختلفة وهي هنا بمعنى الملة (وَإِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ) ملتكم شريعتكم (أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ) متفقة على التوحيد، والإيمان، متفقة في أصل العقيدة ألا وهو التوحيد، فالاختلاف في الأديان اختلاف في بعض التفاصيل من العبادات، أو المعاملات طبقا لكل زمان، ومكان، أما أصل العقيدة لا إله إلا الله (وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ) أي احذروا مخالفتي فاتقوني في مخالفتي، واتقوا غضبي، واتقوا عذابي، الإسلام هو من لدن آدم، والإسلام في الأصل كمعنى للكلمة الاستسلام، الإسلام أن تسلم أمرك لله حين خلقك، خلقك ولم تُخيَّر في الخلق أذكر أم أنثى، الإسلام يتفق مع المنطق المجرد، والعقل السليم، والتفكير القويم، لو أعملت عقلك لهداك عقلك إلى الاستسلام إلى الله، عز وجل، إذ إنك في هذا الوجود موجود بإرادته، في مكان هو حدده، وفي زمان هو أراده، وفي ظروف تتفق مع مشيئته، فإذا لم تستسلم لإرادته فلأي شيء تسلم نفسك، من هنا كان الإسلام والاستسلام لله هو أصل العقائد، جميع الرسل كان دينها الإسلام، إذا فالعقيدة عقيدة واحدة‫.‬‬‬‬‬
فَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًۭا ۖ كُلُّ حِزْبٍۭ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿53﴾
‫(فَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم) ذاك كانت النتيجة تقطع الأمر، كل طائفة اختارت لنفسها شرعا، اختارت دينا لنفسها، أو كتابا لها، ورفضت جميع الكتب (فَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًۭا ۖ ) جمع زبور، والزبور الكتاب، زبرت الكتاب، كتبته وقرأته ، زُبَراً قِطَعاً كغُرفة، وغرف، زبر‫:‬ جمع زبرة أي قطعا كأنهم تقطعوا فأصبحوا قطع، وكتل متناثرة لا رابط بينها، ولا ضابط أو (فَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًۭا ۖ ) جمع زبور، أي كل طائفة اختارت كتابا تؤمن به، وحرّفت فيه، وعدّلت فيه، وعملت لنفسها ما تريد، فكأنها شرّعت لنفسها شرعاً، وتركت الملة الأصلية الواحدة، تقطعوا أمرهم بينهم فرق، وافترقت الأمم السابقة على اثنين وسبعين فرقة، وتفترق أمة النبي (صلى الله عليه وسلم) على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة واحدة ناجية، وحين سئل عن هذه الفرقة الناجية قال‫:‬ (الَّذِي عَلَيْهِ أَنَا وَأَصْحَابِي) (كُلُّ حِزْبٍۭ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) فرحون بمعنى راضون، مطمئنون، معجبون برأيهم، لا ينظر في رأي الآخر، ها هم تفرقوا فرق، هل استمعت كل فرقة إلى وجهة نظر الفرقة الأخرى؟ هل اطلعت على ما تعتقده الفرق الأخرى؟ أبدا، كل فرقة فرحة، راضية، مطمئنة لما معها، لا تفكر في غيرها، وذاك إعجاب المرء برأيه، وهو من علامات الساعة، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ، فَعَلَيْكَ يَعْنِي بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ)‬‬‬
فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴿54﴾
الكلام للنبي (صلى الله عليه وسلم) لا تحزن عليهم، ولا تشغل بالك بهم، ولا تأسف عليهم، هم في غمرة، الغمرة‫:‬ الماء الذي يغطي القامة، والغمرة في الزراعة تغطية الأرض كلها بالماء، فالغمرة تغطية، هم في غمرة أي جهالة هؤلاء القوم وصلت إلى فوق القامة، إذا فقد غطت الجهالة العقل، والعين، والأذن، وجميع الحواس أنّى يصل إليهم النور، أو الحق، ذرهم‫:‬ اتركهم، اطرحهم من بالك (فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ) تهديد وليس توقيت، فالحين المدة من الزمان، النخلة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها (فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ) تهديد حتى الموت، حتى الموعد المحدد، حتى يلقوا ربهم فيحاسبهم.
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍۢ وَبَنِينَ ﴿55﴾ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ﴿56﴾
‫(أيحسبون أنما يَمُدُهم به من مال وبنين)، (يُسرع)، (يسارع) قراءات (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا): ما‫:‬ هنا بمعنى الذي، أي أيحسبون الذي نمدهم به من مال، وبنين، نسارع لهم في الخيرات أي نعطيهم ذلك ثوابا لهم، وعطاءً لهم، وعلامة على الرضا، رغم معصيتهم، رغم تفرقهم، رغم تشتتهم (بَل لَّا يَشْعُرُونَ) لا يشعرون بما ينتظرهم، لا يشعرون أن ذلك استدراج، وابتلاء، وأن الله يبتلي بالخير كما يبتلي بالشر، وكنا نسمع دائما من شيوخنا شيخ عن شيخ، عالم عن عالم، حتى يصل إلى النور المبين، ينبهون دائما إذا رأيت الله منعما على عبد، وهو مقيم على معصيته فاعلم أن ذلك منه استدراج، وبضدها تتميز الأشياء، جاء ذكر هؤلاء الذين هم في غفلة، المخدوعون، والمخدوعون كثير تراهم في كل مكان، وتسمع منهم أن الله (تبارك وتعالى) أعطاهم ما يريدون، وما يشتهون، وما طلبوا شيئا من الله إلا وأعطاهم إياه، عندهم القصور، عندهم الأموال، عندهم الأولاد، هم في جاه يحترمون حيثما حلوا، هؤلاء الناس يعتقدون ذاك، وتنظر في أعمالهم فلا تجد فيها الطاعة، أو النور، أو الصلاح، أو الخشوع، أو التواضع، لا تجد ذلك، وإنما تجد أنهم يعتقدون أن الدنيا طالما ازينت لهم وصفا الدهر فهم في رضوان الله، وتلك خديعة كبرى يخدع الشيطان بها الإنسان، فأحب الخلق على الإطلاق لله هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كيف كانت حياته؟ كيف كان طعامه؟ كيف كان لباسه؟ كيف كان فراشه؟ جاء ذكر الذين هم في غفلة، وبضدها تتميز الأشياء، يجيء بعد ذلك ذكر الذين هم في صحوة‫.
إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ ﴿57﴾ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿58﴾ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴿59﴾ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ ﴿60﴾ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ ﴿61﴾
الذين هم من خشية ربهم مشفقون، إذا هم في خوف دائم، في وجل، والإشفاق‫:‬ الخوف مع اعتناء، أشفق عليه، وأشفق منه، أشفق منه‫:‬ خاف واعتنى، لكن الخوف أكثر من العناية، أشفق عليه أي خاف واعتنى لكن العناية أكثر (إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ) إذاً هم من خوفهم وجلون، خائفون، مهتمون، معتنون، ليس خوفا فقط، بل خوف واعتناء، كيف يفعل؟ أنت إذا خفت من شيء تتقي، تهرب، تفعل أي شيء، فهؤلاء الخائفون من ربهم خائفون عاملون، من هنا قال (وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) الآيات الكونية الشمس، والقمر، والنجوم، والزرع، والمطر، والسحاب، في الأرض، وفي أنفسكم، آيات، وأيضا الآيات المقروءة، الآيات القرآنية، يؤمنون، ويصدقون، والإيمان قول وعمل، فهم يصدقون بها، يعملون بها (وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ) الشرك الخفي، والشرك الجلي، أعاذنا الله وإياكم منه، الشرك كما قلنا مرارا، قد يشرك أحدكم كلبه مع الله، قالوا‫:‬ كيف ذلك؟ قال أن يقول أحدكم‫:‬ لولا الكلب لسرقنا البارحة، نبح على اللصوص، فهربوا، إذا فقد نجاك الكلب أليس يقول الرجل ذلك؟ لولا الطبيب لمات الولد، الدواء لحدث، وحدث، لولا الله هو الفعال لما يريد الله، وكل ذلك أسباب () يأتون ما أتوا، يفعلون ما فعلوا قراءة (وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟) يعطون ما أعطوا (وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ) والغريب السؤال هل هؤلاء الذين يفعلون المعاصي يسرقون، ويزنون، قيل‫:‬ أبدا هؤلاء الذين يفعلون الطاعات، خائفون من طاعتهم كيف تخاف، وأنت طائع (أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ) أي لأنهم إلى ربهم راجعون، فيجازيهم ويحاسبهم، من هنا كان خوف العارف من طاعته أشد من خوفه من مخالفته، وانتبه كيف؟ نعم العارف يعلم أن المخالفة تمحوها التوبة وانتهى، أما الطاعة أمرها أمر آخر، قد يأتي بها على الوجه غير اللائق، يخشى أن يقف فيصلي لكن صلاته على الوجه غير اللائق بالخشوع بين يدي الله، ذاك خوفه، كيف يصحح هو لا يدري، إذ لا يصحح الطاعة بتوبة، واستغفار، قد يأتي بالطاعة، ولا تقبل، قد يأتي بها على الوجه غير اللائق، من هنا كلما أطاع العارف كلما اشتد خوفه من هنا (وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ) (أُو۟لَـٰٓئِكَ) هؤلاء الذين هي تلك صفاتهم (يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ) احتار فيها العلماء، لها‫:‬ لأجلها، لها‫:‬ إليها (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا (٥)) [سورة الزلزلة آية‫:‬ ٥]، أي أوحى إليها هنا بمعنى لأجلها، وهم لأجلها سابقون، سابقون غيرهم، أو مسارعون فيهم، الصلاة في أول الوقت، الصيام، الحج دائما وأبدا، مسارع مبادر للطاعة في أول وقتها، فرح بها، أم هم لها أي إليها سابقون إلى الجنة، سبقت لهم منه الحسنى، هم السابقون، أولئك المقربون، فقد بينت الآيات صفات العارفين، هؤلاء الذين هم من خشية ربهم مشفقون، الذين بآيات ربهم يؤمنون، الذين هم بربهم لا يشركون، من أغرب ما وصفوا به قوله (عز وجل) في شأنهم (وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ (٦٠) أُو۟لَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ (٦١)) أوصاف عالية يتأمل فيه المسلم، والسامع، يهيأ إليه أنها بعيدة المنال، صعبة المرام، صعبة الوصول إليها، كيف، وأنى لنا بكل هذا، وإذا بالآيات ترد، يقول الله (تبارك وتعالى):‬‬‬‬‬
وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَلَدَيْنَا كِتَـٰبٌۭ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿62﴾
الرد الموجز، ترى هل الصفات التي وصف بها الصالحون، والعارفون في الآيات السابقة، في أربع آيات، والخامسة ختام لها، ترى هل يمكن الوصول إليها، هل هي في طاقة البشر؟ هل يستطيع أي إنسان أن يتصف بها؟ نعم، (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ )، أم أن الآية تدل على أن كل إنسان يستطيع أن يأتي من الطاعات، ومن الواجبات، ومن النوافل ما تطيقه نفسه، ما يستطيعه، ولا يكلف الله النفس ما لا تطيق، فبالتالي طالما استفرغ العبد وسعه في إرضاء الله، فهو راض على قدر إمكانك، فمن استطاع القيام غير من لم يستطع القيام ليلا، ومن استطاع النفقة لغناه غير من لا يجد إلا قوت يومه، وعليه فإذا رأيت هذه الأوصاف، والصفات بعيدة المنال، فلا تيأس استفرغ جهدك، استفرغ طاقتك، ما تستطيعه، ما مكنك الله منه، والآية أيضا ناسخة لجميع الأوامر التي تخرج عن الطاقة مثل (ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٠٢]،‬
‫أمر يستحيل في غير طاقة البشر، من يعرف حق تقاة الله، فقيل‫:‬ إن الآية ناسخة للأوامر غير المطاقة (وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٨٤]‬
‫الخواطر لا سلطان للإنسان عليها، ما تحدثت به النفوس، إن شاء حاسب، وإن شاء عفا، لكن له أن يحاسبهم كيف يشاء، فمن حكم في ماله فما ظلم، لكن الرحمة والتفضل والإحسان عفا عما تتحدث به النفوس، بعد ما جأر الأصحاب، وخافوا من محاسبتهم على ما أخفته النفوس، ولا سلطان لهم عليه (لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٨٦]، (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَلَدَيْنَا كِتَـٰبٌۭ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) لدينا كتاب، ما هو هذا الكتاب؟ قيل‫:‬ اللوح المحفوظ، قيل‫:‬ القرآن ينطق بالحق، فيه الحق، قيل‫:‬ صحيفة الأعمال، ما سطره الكتبة، وذاك أرجح الأقوال (وَلَدَيْنَا كِتَـٰبٌۭ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ ) تهديد، وفي نفس الوقت ترغيب (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) فما عملت من صالح مكتوب، وما عملت من سيء مرصود، فهو تهديد، وترغيب، وترهيب لا ييأس عامل مهما قل عمله، مكتوب يحاسب عليه، وإن كان مثقال ذرة من خير وجده، وإن كان مثقال ذرة من شر وجده، صحيفة الأعمال ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، ولكن في الآية كلمة تلفت النظر، يقف الإنسان أمامها مشدوها كلمة ينطق، النطق باللسان، والإنسان فُضل على الحيوان بالنطق، الكتاب ينطق؟ علماء الأزمنة الماضية قالوا‫:‬ الكلام مجاز، ينطق بالحق أي كل ما هو مسطر في الكتاب حق لا شك فيه، لكن الآن في زمننا هذا، وما اكتشف، وما اخترع أهناك كتاب ناطق؟ نعم التسجيلات، ما تسمعونه الآن بعد انتهائه، يمكن أن يذاع، إذا فهناك الأشرطة، وما إلى ذلك، كل هذه الأجهزة ناطقة، فكلمة (وَلَدَيْنَا كِتَـٰبٌۭ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ ) تلفت النظر أنا لا أفسرها، أقول تلفت النظر، تدعو للتأمل مثل (حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿٢۰﴾ وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢١﴾) [سورة فصلت آية‫:‬ ٢٠ - ٢١] تأمل في كلام الله ليس تفسيرا، وإنما هو تأمل (وَلَدَيْنَا كِتَـٰبٌۭ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) لا يظلمون بزيادة عقاب، أو بنقص ثواب.
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍۢ مِّنْ هَـٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌۭ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ ﴿63﴾
قلنا‫:‬ غَمَرُه الماء‫:‬ غطاه، قلوبهم في غمرة‫:‬ في حيرة في عمى، في تردد، مغطاة، مغلقة، وكأنها قد غمرت في الماء (فِى غَمْرَةٍۢ مِّنْ هَـٰذَا) (هَـٰذَا) إشارة لأي شيء؟ للأوصاف؟ الذين هم من خشية ربهم مشفقون، والذين هم بربهم لا يشركون، والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، هل قلوبهم في غمرة من هذا الوصف، أم قلوبهم في غمرة من هذا، ولدينا كتاب ينطق بالحق؟ قلوبهم في غمرة عن الحساب، عن الكتاب، عن ما تدونه الملائكة (وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌۭ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ) (ذَٰلِكَ) إشارة لأي شيء؟ لكفرهم أي إن الخطيئة الكبرى هي الشرك، وهناك أخطاء أحط وأدنى يعملونها (هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ) أهو تأكيد، أو دليل على استمرارهم في هذه الأعمال الدنيئة، أو أن الله يخبر أن هؤلاء الذين كفروا بمحمد (صلى الله عليه وسلم) وأشركوا مع الله آلهة أخرى لهم أعمال في المستقبل سوف يعملونها لا محالة يستحقون بها العذاب، والخلد في جهنم، فالإخبار عن المستقبل لا أمل فيهم، تيئيس من هؤلاء المشركين الصناديد، هذا الشرك شيء، وهناك أعمال أخرى سوف يعملونها في المستقبل يستحقون بها العذاب الشديد، أم لو تأملت مثل التعبير (وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌۭ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ) الذي يقال، وما خفي كان أعظم، وكأنه تحذير لا تأمن لكافر، لا تأمن لمشرك، فبعد كفره بالحق لابد من ظلم الخلق‫.‬‬‬‬‬‬‬‬
حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـَٔرُونَ ﴿64﴾ لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ﴿65﴾ قَدْ كَانَتْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ ﴿66﴾ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًۭا تَهْجُرُونَ ﴿67﴾
المترف‫:‬ المنعم، والتُرفة‫:‬ النعمة، المُترف من كثرة المال في يديه، ولم يحسن استخدام هذا المال (حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِٱلْعَذَابِ) كأن الله ينبه إلى أن العذاب أول ما يمس المترفين، واسمع وتأمل في قوله في موضع آخر (وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَـٰهَا تَدْمِيرًۭا (١٦)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ١٦]، (حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـَٔرُونَ) قيل في الآية الكلام الكثير عما حدث في غزوة بدر، في غزوة بدر قتل المترفون الصناديد، أمية بن خلف، عقبة بن أبي معيط، الوليد بن عتبة، شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل، قتل الصناديد المترفون، إذا بأهل مكة الموجودون يجأرون، يرفعون أصواتهم بالاستغاثة، والصراخ، جأر يجأر جآر‫:‬ رفع الصوت غالبا بالاستغاثة (حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِٱلْعَذَابِ) بالقتل يوم بدر (إِذَا هُمْ يَجْـَٔرُونَ) أهل مكة حين أقيمت المنائح، ولطم الخدود، وشق الجيوب، وجمع الأموال للانتقام من النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، والحزن الذي سيطر عليهم في مكة بعد غزوة بدر، وما إلى ذلك هذا هو الجآر (لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ) أم أن الكلام عن يوم القيامة ليس عن بدر (لَا تَجْـَٔرُوا۟) لا ترفعوا أصواتكم بالدعاء إشارة إلى ما يحدث يوم القيامة، حين يجأرون (وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍۢ كَٱلْمُهْلِ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٢٩]، يجأرون (قَالُوا۟ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًۭا ضَآلِّينَ (١٠٦) رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ (١٠٧)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١٠٦ - ١٠٧].‬
‫الكلام يبدو عن يوم القيامة، وذاك أرجح (حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـَٔرُونَ) المترفون هم الذين يجأرون حين أخذوا بالعذاب، ثم يقال لهم (لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ) لا تعانون، ولا تمنعون منا، ولا يستطيع أحد أن يمنع عنكم عذابنا (قَدْ كَانَتْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ) إذاً الكلام يبدوا أنه وصف لمشهد من مشاهد يوم القيامة، وحوار دائر كان القرآن يتلى عليكم في الحياة الدنيا، يقرأه النبي (صلى الله عليه وسلم) ويقرأه المؤمنون، يحذرونكم، يدعونكم (فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ) نكص ينكص نكصا، ونكوصا‫:‬ رجع إلى الخلف بظهره، والآية تشبيه غريب، وكأن الكافر حين سمع القرآن، شخص يمشي ففوجئ بما لا يتوقع، ماذا يفعل؟ يتراجع إلى الخلف هكذا فعل الكفار حين سماعهم للقرآن (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًۭا تَهْجُرُونَ) مستكبرين بماذا؟ قيل‫:‬ بتكذيبكم، يكذّب، وينكر، مستكبرا بتكذيبه فرحا بإنكاره، متعاليا بكفره، وقيل (بِهِۦ) بالبيت الحرام، لم يرد له ذكر في الآيات لكن لشهرته تذهب الأفكار إليه؛ لأنهم كانوا يقولون‫:‬ نحن أهل الحرم، نحن أصحاب البيت، نحن سدنة البيت، نحن سقاة الحجيج لا يمسنا سوء، ولا يمسنا عذاب، يتعالون على خلق الله بانتسابهم للحرم، للكعبة، وقيل (بِهِۦ) بالقرآن، كيف يستكبرون بالقرآن؟ قيل‫:‬ باء السببية أي بسببه، بسبب استماعه، يورث لهم الكبر، وقيل‫:‬ مستكبرين به لتضمين معنى الاستكبار التكذيب (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًۭا) (سَـٰمِرًۭا) اسم مفرد، يعنى الجمع سامر أي سُمَّار كلمة سامر، وسمْر، وسُمّار أصل الكلمة السّمَرْ: ظل القمر، فكانوا يجلسون ليلا بعيدا عن حر النهار، والظهيرة وضوء الشمس، في ضوء القمر حول الكعبة، يتحدثون في شأن محمد وما جاء به محمد، يكذبون وينكرون ويقولون فحش الكلام ليلا، فلا يراهم أحد، ولا يسمعهم أحد، ففضحهم القرآن (سَـٰمِرًۭا تَهْجُرُونَ) هجر‫:‬ ترك، وقاطع، وهجر‫:‬ هذى هجر المريض‫:‬ هذى إذا زادت الحرارة، وأصيب بالحمى، الهذيان يسمى هجرا، كما أن المقاطعة، والترك، والابتعاد يسمى هجرا (سَـٰمِرًۭا تَهْجُرُونَ) تقاطعون القرآن، أو تهذون فيه وقرأت، تُهجرون من أهجر تكلم بالفحش (وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَـٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًۭا (٣٠)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٣٠]، الهجر‫:‬ النطق بالفحش، الكلام وصف لأهل مكة من الصناديد، كيف فعلوا مع القرآن، تهذون فيه، أو تقولون بالفحش، تصفونه بكلام فاحش، للنبي (صلى الله عليه وسلم) أو للقرآن، وهنا انتهى وصف ما كانوا يفعلونه وبدأ الحوار، أو بدأ الكلام في سوق الأدلة على أنهم لا عذر لهم، ولا صحة لهم، إزاحة العلة، وإلزامهم للحجة، آيات متتالية غاية في قوة المنطق، ومخاطبة العقول، والإعجاز لغة، ومضمونا الإنسان حين يكذب بشيء، حين ينكر شيء لابد من سبب، إما سبب يختص بالشيء، وإما سبب يختص بما أحيط بالشيء، فأنت تنكر ما تنكره العقول، تنكر ما عرف شره، أو تيقنت من ضره، تنكر الشخص الذي اختلف في تصرفه، أو في سلوكه عن سلوك الناس، أو تنكر الذي، أو تنكر الشخص في خلقته، فأنت تنكر الشيء لوجود اختلاف فيه، أو في سلوكه فيما حوله، هؤلاء رفضوا القرآن، وأنكره، وأنكروا النبي (صلى الله عليه وسلم) هلم نسمع كيف ألزمهم ربنا الحجة، وأزاح العلة‫.‬‬‬‬
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿68﴾ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا۟ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ﴿69﴾
‫(أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ) القول‫:‬ القرآن سُمِّي القرآن قولا لأنهم خوطبوا به، وكل ما يخاطب به الإنسان يسمى قول (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ) أول سؤال رجل يدعي النبوة، ويزعم أنه رسول من عند الله، وهذا كلام الله اسمع، تدبّر، تدبَروه، ووجدوا إعجاز لفظه، ووضوح مدلوله، بدليل أنه تحداهم فعجزوا (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ) تلك أول إزاحة لعلة لم يأت بغريب من الكلام، أو بتافه من الكلام، أو بسفيه من الكلام، بل جاء بكلام معجز في لفظه، ونظمه، واضح في مدلوله، وأنتم أهل اللسان العربي (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ) الأمر الثاني، هل محمد بدعا من الرسل، هل يقرون أن إبراهيم رسول؟ نعم يعتزون بالبيت الحرام، من الذي بناه؟ إبراهيم أهو رسول؟ نعم، ومن ساعده في البناء؟ إسماعيل أهو رسول؟ نعم؟ تنتسبون إليه؟ نعم، إذا فإرسال الرسل أمر غير منكر، أمر معهود، فهل جاءكم مالم يأت آباءكم الأولين؟ الأمر الثاني، إذاً فمجيء رسول أمر مقبول، معقول، فمجيء كتاب أمر مقبول، معقول، أو المعنى جاءهم من الأمن صك كصكوك الغفران، صك أمن من العذاب إن كذّبوا بمحمد، الأمر الذي لم يأت آباءهم الأولين من قوم ثمود، ومن قوم عاد، ومن قوم نوح، الذين أهلكوا نتيجة تكذيبهم، هم لم يؤمنوا، وأصابهم العذاب، هل جاءكم أنتم الأمن (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا۟ رَسُولَهُمْ) شخص غريب جاء من كوكب آخر، محمد أتعرفونه؟! الذين كنتم تقولون عنه الصادق الأمين، حين اختلفتم فيمن يضع الحجر الأسود مكانه، حكمتم أول من يدخل من باب الصفا، وحين نظرتم قلتم ها هو الأمين، رضينا بحكمه، ألم يحدث ذلك منذ سنوات عديدة بسيطة (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا۟ رَسُولَهُمْ) عرفوه بالصدق، بالأمانة، بحسن الخلق، بمكارم الأخلاق، بالحكمة، بالعلم رغم أنه لم يقرأ ولم يكتب (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا۟ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ) ماذا بقي من الحجج والعلل؟ بقي أمر‫.‬‬‬‬‬‬
أَمْ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۚ بَلْ جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ ﴿70﴾
‫(أَمْ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۚ ) به جنون، أو جِنَّة بمعنى الجن، لبسه الجن، هل يمكن؟ تلك الحكمة، ذاك العقل الراجح، النظر الثاقب، الصدق في الكلام، الأمانة في التعامل (أَمْ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۚ ) لم يبق إلا أمر واحد ما هو؟ (بَلْ جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ) هذا الذي بقي إزاحة العلة، وإلزامهم بالحجة، ماذا يبقى للتكذيب؟ أن يكون قد جاء بما لا يعجبك، بما لا يتفق مع هواك فقط، أما تدبرت الكلام؟ نعم، كلام لا ينطق به إلا الله، هل رأيت الرسول الذي جاء به؟ نعم الصدق والأمانة، الخلق العظيم، العقل والحكمة، هل جاء بما لم يأت الآباء، جاء ببدع من الأمر؟ أبداً، جاء بما جاء به الأولون من الرسل، هل به جنون؟ أبداً، ما الذي منعك من الإيمان، لِم تنكر؟ أمر واحد بقي هو كراهة الحق (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ) كلمة أكثرهم قال بعض العلماء‫:‬ أكثرهم بمعنى كلهم، والكثرة بمعنى الكل، ولكن طالما استطعنا أن نفهم اللفظ على ظاهره، فلا داعي للتخريج، أو للخروج، أكثرهم لا يعرفون الحق، لا يحبون الحق، يكرهون الحق‫.‬ من هنا كان كفر الأكثرية كراهية الحق، هل هناك من كفر لغير ذلك؟ نعم وتصبح كلمة أكثرهم كما هي من؟ منهم من كفر لقلة فطنتهم، ومنهم من كفر لسفاهة تفكيره، ومنهم من كفر خوفا من أن يعيّره قومه، وإليكم المثال في أبي طالب، أبو طالب لم يكره الحق بدليل أنه شجع ابن أخيه، يا بني افعل، وقل، بل ودخل معه في الشعب في المقاطعة ثلاث سنوات، لكنه حين حضره الموت، وجاءه النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال‫:‬ (يَا عَمِّ ، قُلْ : لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ) يريده أن يقول لا إله إلا الله ما الذي قاله، ما الذي قاله أبو طالب؟ لولا أن تعيّرني نساء قريش لأقررت بها عينك، هذا الذي خاف من معايرة النساء لم يكفر لكراهة الحق، بل كفر لخوفه من معايرة النساء، ومنهم، ومنهم، من هنا يقول الله (تبارك وتعالى) (بَلْ جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ) كراهة الحق، متى تحدث؟ ومتى تكون؟ ومتى يبتلى بها المرء؟ إذا خالف الحق ما تشتهيه؟ إذا خالف الحق الهوى، الحالتان حالة الهوى، واتباع الهوى، وحالة الشهوات، واتباع الشهوات، هنا يكره الإنسان الحق المخالف لأهوائه، وشهواته، من هنا كانت الأكثرية والأغلبية من كفار مكة في لهوهم، الخمر التي زرع من أجلها النخيل، الميسر، الأنصاب، الزنا، البغاء، السطو، القهر، الظلم، الإغارة، كل ما كانوا فيه من متع، من تنعّم، من ترفُّه، كان أساسه ظلم الخلق، وكان أساسه الفسق والفجور، والتمتع بلا رادع يردعهم، فلما جاء القرآن، وجاء بالحق، وأخبرهم أن هناك حساب وثواب وعقاب، ولا يستوي العاملون وغير العاملين، ولا يستوي الصالحون والطالحون، (أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءًۭ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)) [سورة الجاثية آية‫:‬ ٢١]، خالف هواهم من هنا كرهوا الحق نفترض، ويا عجبا للقرآن، ويا عجبا لحلم الله (عز وجل) الحق خالف هواهم، لو افترضنا افتراضا جدليا أن الحق وافق أهواءهم، ماذا يكون؟ انظر إلى القرآن انظر إلى حلم الله، وانظر إلى الكلام والآيات‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ ﴿71﴾
‫(وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ) ماذا يحدث؟ ما هي الأهواء؟ أهواءهم تتلخص في الآتي لا قيامة، لا جنة، ولا نار، فهل لو لم يكن هناك حساب ولا ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار هل يصلح هذا؟ لو علم الناس جمعيا أنه لا حياة إلا هذه الحياة ماذا يحدث؟ ما الذي يمنعك من قتل من شتمك؟ وما الذي يمنعك من سلب من كسب أو ربح مالا؟ ما الذي يمنعك من أن تفعل ما تريد، وتدوس بقدمك على الرقاب؟ ما الذي يمنعك؟ لا شيء تفسد السموات، وتفسد الأرض، أم لا تفسد؟ تفسد (وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ ) (من) للعاقل هل العاقل فقط هو الذي يفسد الملائكة، والإنس، والجن؟ الكل يفسد عاقل وغير عاقل، قال‫:‬ (ومن في السموات والأرض) للعاقل، لأن غير العاقل تدبيره بيد العاقل، فإن فسد العاقل فسد غير العاقل، من الذي يرعى البهائم؟ من الذي يقود الخيول؟ من الذي يقود السيارات؟ من الذي يخترع الكهرباء؟ كل جماد، وكل غير عاقل تدبيره بيد العاقل، فإن فسد العاقل فسد غير العاقل، من ضمن الأهواء، لا ثواب، ولا عقاب أجيب عليها، من ضمن الأهواء، أن مع الله آلهة أخرى، الملائكة بنات الله كما يزعمون، الأصنام تشفع لهم وتقربهم إلى الله زلفى، لو كان فعلا هناك آلهة أخرى ما الذي كان يحدث في السموات والأرض؟! إله يريد للمطر أن ينزل، وإله لا يريد كيف يكون الحال؟! إله يريد أن يرضيك، وأن يعطيك، والآخر يريد أن يرديك ما الذي يحدث؟! إله وإله من منهم خلقك؟ولا شك لو أن هناك آلهة أخرى لحدث الفساد، والانفكاك، والانفلات، والتدبر لا شك كما قال في موضع آخر (لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٢٢]، أيضا من أغرب الأمور لو تكلمنا من حيث العقل والمنطق لو أنك تعمل في مجال شركة، في مصنع، لك رئيس واحد أفضل، أم ثلاثة من الرؤساء؟ رئيس واحد أفضل، تستطيع أن تفهم ما يريد ترضيه، أما لو كانوا ثلاثة فأيهم ترضيه، وإن أرضيت واحد أغضبت الآخر، إذا المنطق السليم بغير رسالة، بغير رسل، بغير تخويف، وترهيب، إله واحد أفضل أم آلهة؟ إله واحد، أخاطب واحد، أرضي واحد، أفهم ما يريده الواحد، أما المتعددة كيف أرضي، وانظر إلى كلام يوسف الصديق (يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌۭ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ (٣٩)) [سورة يوسف آية‫:‬ ٣٩]، بالمنطق شيء غريب، ها هي الأهواء، وها هي الشهوات؛ ولذا يقول الله (تبارك وتعالى) (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ) افتراض جدلي عقلي منطقي، كلام لكل ذي عقل (وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ) ذكرهم؟!! نعم علو شأنهم، القرآن عربي، وهم عرب، والنبي عربي، وهم عرب، فيه رفعة لشأنهم، فيه صيت، عز، شرف أن يكون النبي الخاتم عربيا، يتكلم العربية، وكتابه ناطق باللغة العربية، ليس لهم في الطيب نصيب، يكذبون به (بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِذِكْرِهِمْ) بل أتاهم ربنا بذكرهم، بشرفهم، وصيتهم، وعزهم، ذاك معنى، والمعنى الآخر (بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِذِكْرِهِمْ) أي بذكر أحوالهم في معاشهم، ومعادهم، كيف هي الدنيا؟ كيف هي النهاية؟ ماذا تكون العاقبة؟ نبين لهم، ونذكر لهم أحوالهم في الدنيا، وفي الآخرة أيضا (بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِذِكْرِهِمْ) بمعرفة أمور دينهم، الحلال والحرام، الأحكام، ما يجب وما لا يجب، ما يصح وما لا يصح، ما ينجي وما يهلك (بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِذِكْرِهِمْ) عن المعاني التي قيلت كلها (مُّعْرِضُونَ) ماذا بقي بعد ذلك؟ لم يبق إلا شيء لم يكن يخطر ببال ألا وهو أن يكون قد مد يده ليأخذ أجرا على ما يقول، وتلك لا تحدث مع الرسل، ولا الأنبياء أبدا، ولا العلماء، ولا العارفين أبدا‫.‬‬‬‬‬‬‬‬
أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًۭا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ﴿72﴾
‫(أم تسألهم خَراجاً فخَراج ربك خير)، (أم تسألهم خَرْجاً فخَرْج ربك خير ) قراءات، الخرْج والخراج الجُعْل، الأجر والبعض فرق بين الخرْج والخراج، قال الخرْج‫:‬ ما تعطيه طواعية، والخراج ما يفرض عليك كخراج الأرض، والبعض قال‫:‬ الخراج أبلغ لأنه ما يتعلق بضرائب الأطيان فهي كثيرة متعددة، فكلمة خراج أبلغ من هنا قال‫:‬ أم تسألهم هم خرْجا أقل في البلاغة، فخراج ربك لأن عطاء ربنا واسع متعدد، لا حدود له، من هنا حدث اختلاف في الكلمة؛ ولذا نحن نؤيد هذه القراءة (خرْج وخراج)؛ لأنها تفيد هذا المعنى، أن الخراج أبلغ، فما نسب لله أعظم العطاء، قد يعطيك إنسان أجر يسمى رزق، يعطيك أجرا على عمل أو يعطيك هدية، أو يعطيك عطية، أو يعطيك هبة، لكن الله إن أعطى أعطى بغير حساب، الله يعطي في الدنيا والآخرة، والناس لا تعطي إلا في الدنيا، الله يعطي لغير حاجة، والناس تعطي لحاجة، لا وجه للمقارنة (أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًۭا) هل سألتهم أجراً يا محمد على ما هديتهم، أو قرأت عليهم؟ لم يحدث لأن خراج الله، أجر الله، وعطاء الله دنيا وأخرى (فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ) لا رازق إلا الله على الحقيقة، لكن قد يقال تجاوزا فلان رزقني كذا أي أعطاني، خير الرازقين لأن رزق الله أمر آخر‫.‬‬‬‬
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿73﴾ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَـٰكِبُونَ ﴿74﴾
الحق الأبلج، والنهاية إنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم، إلى الدين القويم، لا اعوجاج فيه ولا عوج، وسمي الدين صراطا أي طريقا لأن الدين هو الطريق إلى الجنة، وإلى رضوان الله، (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ) واضح، ظاهر، لا اعوجاج ولا خلل (وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَـٰكِبُونَ) نكب ينكب وتنكّب الطريق‫:‬ ابتعد عنه، مال عدل، ومال (عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَـٰكِبُونَ) مائلون عنه، منصرفون عنه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، لحظة من التأمل في نفسك، من أنت؟ وأين أنت؟ وماذا حدث بالأمس؟ لحظة أنت مسلم في بيت من بيوت الله، خرجت من شهر العبادة والصيام والقيام، وفقت له، نلت جائزتك يوم العيد؟ الحمد لله لسنا من الذين قيل فيهم (وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَـٰكِبُونَ ) إذا نحن على الصراط، نزلت الآيات من سورة المؤمنون تجادل الكفار، وتفند حججهم في شأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿٦۸﴾ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا۟ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ﴿٦۹﴾ أَمْ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۚ بَلْ جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ ﴿۷۰﴾ وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ ﴿۷١﴾ أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًۭا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ﴿۷٢﴾).‬
‫ثم تتساءل الآيات ورغم كل ذلك، ورغم هذا الوضوح، ورغم هذا التسرية لرسول الله عما يصفه الكفار، استمروا على كفرهم وعنادهم، مما جعل النبي (صلى الله عليه وسلم) يلجأ إلى الله آملا في إيمانهم، إذا أراهم الله بعض بأسه فدعا (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) هو لا يريد أن يضرهم، أو أن يتعرضوا للأذى الماحق، وإنما لعل وعسى يلجئهم ذلك إلى الله في تلك الأثناء، ومحض المصادفة سقط رجل مهم من الكفار في الأسر، ثمامة بن أثال كان متجها إلى مكة لأداء عمرة، وهو من أهل اليمامة، فمر بالمدينة فأسر، (فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ : " مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ ، فَقَالَ : عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ ، فَقَالَ : مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ ، قَالَ : مَا قُلْتُ لَكَ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حَتَّى كَانَ مِنَ الْغَدِ ، فَقَالَ : مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ ، فَقَالَ : عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ ، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى ؟ ، فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ " ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ : أَصَبَوْتَ ؟ ، فَقَالَ : لَا ، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وعلّمه فلما ذهب إلى مكة أحاط به الصناديد مشركو مكة وقالوا‫:‬ صبأ ثمامة أي خرج عن دينه، فقال‫:‬ لا ما صبأت، ولكني أسلمت، والله لا تصل إليكم حبة حنطة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقطع عنهم الميرة، وأصيبوا بالقحط، وأصيبوا بالجدب حتى أكلوا الكلاب، والميتة، والشعر، والوبر يغمسونه في الدم، ثم يشونه، ثم يأكلونه مما ألجأ أبا سفيان إلى الذهاب إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) (أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ؟ قَالَ : بَلَى ، قَالَ : فَقَدْ قَتَلْتَ الآبَاءَ بِالسَّيْفِ ، وَالأَبْنَاءَ بِالْجُوعِ) فتوجه النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى الله، فنزلت الإجابة ونزل قول الله (عز وجل):‬‬
وَلَوْ رَحِمْنَـٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّۢ لَّلَجُّوا۟ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿75﴾
الكفر متأصل في قلوبهم ونفوسهم يقول الله (وَلَوْ رَحِمْنَـٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّۢ) القحط والجدب، والجوع وما إلى ذلك (لَّلَجُّوا۟ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ) اللجاج‫: التمادي، والعناد في الفعل المزجور عنه، ومنه اللُجَّة في الماء لتردد الأمواج، واللَجّة‫: كثرة الأصوات، لجّ لجاجاً ولجاجة‫: تمادي (لَّلَجُّوا۟) أي تمادوا، وعاندوا (فِى طُغْيَـٰنِهِمْ) تجاوزهم اللحد (يَعْمَهُونَ) يترددون، ويتحيرون، والعمة في البصيرة كالعمى في البصر (وَلَوْ رَحِمْنَـٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّۢ لَّلَجُّوا۟ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ) كأن هذا لا جدوى منه لذا يقول الله (تبارك وتعالى)
وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴿76﴾
ولقد أخذناهم بالعذاب، بالجوع، بالقحط، أيضا بالهزيمة في بدر بدلا من أن يلجأ أهل مكة لله لجأوا لرسول الله، طالما لجأتم إليه وعرفتم أن دعاءه مستجاب فكيف لا تؤمنون به (فَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمْ) الاستكانة الانتقال من كون إلى كون، ثم غلب استعماله في الانتقال من كون الكبر إلى كون الخضوع (فَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمْ) أي ما خضعوا لربهم، وما تضرعوا إليه وما لجأوا إليه‫.
حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًۭا ذَا عَذَابٍۢ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴿77﴾
الباب ذو العذاب الشديد، قيل‫:‬ هو باب من أبواب جهنم، وقيل‫:‬ هو عذاب الآخرة عموما (حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًۭا ذَا عَذَابٍۢ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ) في هذا الباب الذي فتح عليهم فجأة (مُبْلِسُونَ) آيسون من كل خير، والإبلاس اليأس، والقنوط الشديد من أي خير؛ لذا سمي إبليس إبليس لأنه أبلس من رحمة الله، ثم بعد ذلك تتوجه الآيات لكل ذي عقل، لكل ذي بصر، لكل ذي سمع ، تبين نعم الله (تبارك وتعالى) أو بعض نعمه‫.‬‬‬‬‬‬‬
وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ ﴿78﴾ وَهُوَ ٱلَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿79﴾ وَهُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿80﴾
‫(قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ ) (مَّا) هنا لتأكيد القلة، أي قليلا شكركم كأنه معدوم، أو السمع والبصر والفؤاد لكل منهم وظيفة يسأل عنها يوم القيامة (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًۭا (٣٦)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٣٦]‬
‫الشكر على السمع كيف يكون؟ الشكر على البصر كيف يكون؟ الشكر على العقل كيف يكون؟ الشكر أن تعلم أن النعمة من الله محض فضل ليس باستحقاقك، وأن تستخدم النعمة فيما خلقت لها، فتستخدم السمع في سماع الحق، والاقتناع، وأن تستخدم البصر في النظر في آلاء الله وآياته، فتؤمن وأن تستخدم العقل في التفكر، والتدبر فهل استخدموا هذه النعم فيما خلقت له؟ أبداً، إن كان هناك استخدام فهو كالمعدوم (وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۚ ) أوجد من العدم (قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ) (وَهُوَ ٱلَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ذرأكم في الأرض أوجدكم فيها، وخلقكم فيها بالتناسل، ذلك هو الذرء، ثم بعد ذلك لابد من العودة، وكل بداية لها نهاية (وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (وَهُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) الموت والحياة كلنا يراه، وكلنا يشعر به، وكلنا يلاحظه، وكلنا قد جرب أن يُختطف من أهله، أو من أصحابه، أو من جيرانه أحد الناس (وَلَهُ ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ ) اختلاف الليل والنهار، طول الليل وقصر النهار، وطول النهار وقصر الليل، ظلمة الليل، وسكون الليل، وضياء النهار، وإشراق الشمس فيه (يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ ) إذا كان ذاك فهو المستحق للعبادة (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أفلا تتفكرون، وتستخدمون عقولكم فيما خلقت فيه، هو يحي ويميت أمر مفروغ منه، أمر واضح، له اختلاف الليل والنهار، لا دخل للإنسان في شروق الشمس، ولا في غروبها، لا دخل للإنسان في مجيء الليل وانصراف الليل، لا دخل للإنسان في طول الليل أو طول النهار، لله ذلك هو الذي يدبر الأمور‫.‬‬‬‬‬‬‬
بَلْ قَالُوا۟ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلْأَوَّلُونَ ﴿81﴾ قَالُوٓا۟ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴿82﴾ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿83﴾
انظر إليهم هل اقتنعوا؟ هل فهموا؟ هل عقلوا؟ أبداً، قالوا مثل ما قال الأولون، الكفار في الأمم السابقة (قَالُوٓا۟ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) مستغربين، متعجبين، كيف يبعث العظم حين أصبح ترابا، وأصبح الجسد متهرئا، والعظام قد دقت، وأصبحت كالتراب، وتمزقت الشعور، وانتهى الإنسان (أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ) أي ذاك حدث لا رأينا الآباء بعثت، ولا الأجداد بعثت، ولا نحن نبعث كما لم يبعثوا، الكلام الذي تقوله عن البعث أساطير جمع أسطورة، الحكاية والترهات والحكايات التي يسلى بها ويُتلَّهى بها، فما تقوله ما هو إلا أساطير تلهي بها الناس، وانظر إلى الحجج، وكيف ألزمهم الله الحجة في الآيات التالية، وتأمل في حلمه (عز وجل) كيف جادلهم بالتي هي أحسن‫.
قُل لِّمَنِ ٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿84﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿85﴾ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ﴿86﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿87﴾ قُلْ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿88﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ ﴿89﴾
‫(قُل لِّمَنِ ٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿۸٤﴾) استهانة بهم، وتقريرا لفرط جهالتهم، وكأنه شرط الجواب إن كنتم تعلمون فأخبروني (قُل لِّمَنِ ٱلْأَرْضُ) هذه الأرض التي تمشون عليها من يملكها، ثم يخبره بالإجابة اللازمة قبل أن يجيبوا (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ ) طالما أقررتم أن الأرض بمن فيها لله، إذاً هو الذي يحيي ويميت، ومن بدأ الخلق قدر على إعادته بعد إفنائه (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) تتدبرون، وتتفكرون في هذا الكلام (قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ) السموات السبع، والعرش المحيط بجميع الأجرام الذي يتنزل منه القضاء والأحكام من رب السموات السبع؟ ومن رب العرش العظيم؟ (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ ) (سيقولون الله) قراءة مخالفة لرسم المصحف، لكن قرأها بعض القراء سيقولون لله، أي الملك لله، والخلق لله، والتدبير لله (أَفَلَا تَتَّقُونَ) طالما علمتم بذلك أفلا تتقون عذابه، أفلا تتقون عقابه، أفلا تحذرون من حسابه (قُلْ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) الملكوت الملك العظيم، الملكوت صيغة مبالغة للملك، الملكوت‫: الملك الواسع بما فيه، رب الملكوت، من هو؟ من يجير ولا يجار عليه؟ يجير‫: يغيث، يعيد، يستجيب، أجرت فلانا على فلانا منعته منه، ودخل في حمايتي، من يجير؟ أي يغيث، ويستجيب، ويحمي، ويدفع؟ الله هل من الممكن أن يجير عليه أحد، أي يمنع عذابه عنه أحد، أو يأخذ أحد منه يحميه، أو ينصره (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ) تُسحرون‫: تخدعون، السحر خيال، السحر لا حقيقة له، من هنا إذا قلت سحر فلان أي خدع، وخيل إليه، واختلط عليه الأمر (فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ) أي فأنّى تخدعون، وكيف تتخبطون، وتتخيلون ما ليس بواقع‫.
بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ﴿90﴾
أتيناهم بالحق‫: بالصدق لأن البعث حق، وبأن الله واحد، وإنهم لكاذبون فيما ادعوه من أن لله الولد، أو الشريك، أو أن الملائكة بنات الله، ألزمهم ربنا الحجة في هذه الآيات الثلاث، من كان به مسحة من عقل لابد وأن يقر بأن الله واحد، وأنه قادر على البعث، وأنه لابد وأن يحاسب الناس‫.
مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍۢ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنْ إِلَـٰهٍ ۚ إِذًۭا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿91﴾
‫(مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍۢ ) جاءت (مِن) هنا تأكيدا وتثبيتا للنفي، أي ما اتخذ الله ولدا من البشر، أو من الملائكة، أو من أي نوع، ما اتخذ الله ما حدث ذلك، وكيف يكون ذلك ولم تكن له صاحبة؟! (وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنْ إِلَـٰهٍ ۚ ) (مِنْ) أيضا تأكيدا وتثبيتا للنفي والإجابة، جاءت على سؤال محذوف تقديره وما كان معه من إله، ولو كان معه إله إذا لذهب كل إله بما خلق، أمر طبيعي آلهة متعددة لابد أن يكون الإله خالق، هذا خلق خلقا، وهذا خلق خلقا، لابد أن ينفرد كل إله بخلقه، فإن حدث وانفرد كل إله بخلقه تعددت الممالك، فإن تعددت الممالك، وتعددت الملوك لابد أن يحدث الصراع، فكل يطمع فيما في يد الآخر، يحدث الصراع، وإن حدث الصراع انهدم الكون، هل رأيتم ذلك؟ هل امتنعت الشمس عن الشروق؟ هل امتنع القمر عن الإتيان في موعده؟ أرأيتم أي خلل في الوجود، أو في الكون، أم أن الأمر في غاية الاتساق والانتظام (سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) إسراعا منا في تنزيه الله (عز وجل) عن كل نقص، وعن كل ما لا يليق، وعن كل ما يصف به المشركون الله (سبحانه وتعالى).
عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿92﴾
‫(عالمِ)(عالمُ) قراءتان (عالمُ) على الاستئناف (عالمِ) للذات العلية عطف (سبحان الله عما يصفون عالمِ الغيب) (عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ) إذا فهو يعلم ما غاب عن الأنظار كما يعلم ما تدركه الأبصار (فَتَعَـٰلَىٰ) علوا كبيرا، والعلو علو المكانة، وليس علو المكان تعالى الله علوا كبيرا عما يقوله الظالمون (فَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّى مَا يُوعَدُونَ ﴿93﴾ رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِى ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿94﴾ وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَـٰدِرُونَ ﴿95﴾
من المعلوم أن الرسول معصوم من أي شيء يؤدي به إلى أن يكون في الظالمين، ذاك أمر معلوم مقرر مقدر هو المعصوم (صلى الله عليه وسلم) (قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّى مَا يُوعَدُونَ) من العذاب، أو من الإهلاك، أو من الاستئصال في الدنيا، أو في الآخرة (رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِى ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ) في معيتهم أو في صحبتهم، ذاك أمر يستحيل أن يحدث أن يكون النبي (صلى الله عليه وسلم) في القوم الظالمين، أو فيمن يهلك، لكنه علّمه الدعاء تواضعا، وهضما للنفس، وتضرعا إلى الله العلي القدير، كما إننا نسمع ونعرف أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أمر بهذا الدعاء نفهم معنى قول الله (عز وجل) (وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةًۭ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةًۭ ۖ ) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٢٥]، ونفهم الأحاديث ( لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ ، أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ ، ثُمَّ يَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ) ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَاب) (وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَـٰدِرُونَ) الآية تفيد أمراً في غاية الأهمية غير المعلوم مقدور بمعنى أن الله (تبارك وتعالى) لحكمة لم يفعل، ولحكمة فعل، فما لم يفعله قادر على أن يفعله، وما فعله معلوم مشاهد، غير معلوم أي غير المعلوم مقدور، أي في قدرة الله (عز وجل) هنا يقول (وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَـٰدِرُونَ) هل أراه؟ لم يحدث إذا لم ير النبي (صلى الله عليه وسلم) ما حدث معهم، أو توعدهم الله به، لكن رغم كل ذلك ربنا قادر على أن يريه، إذا غير المعلوم مقدور، أي ما لم يحدث قادر ربنا على إحداثه، لكن الله اختار ما يفعل، واختار ما لا يفعل، ثم يتوجه الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) لإرشاده إلى ما يليق بمنصبه الرفيع، ومقامه العالي‫.‬‬‬‬‬‬
ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴿96﴾ وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ ﴿97﴾ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ﴿98﴾
‫(ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) ذاك ما يليق بمنصبه الرفيع، ها هو يرشده إلى ما يليق بهذا المنصب، وهذا المقام، وصفوه بالجنون، وصفوه بأنه ساحر، وصفوه بالكذب، وصفوه بأنه يتلقى ذاك من غيره، وصفوه بأنه يحكي أساطير الأولين، قالوا، وقالوا، ووصفوا، ربنا يقول له (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) أي نحن أعلم منك بما يصفونك به، فأنت تسمع البعض، ولا تسمع البعض، نحن أعلم بكل ما يصفوك به، ولكن لا تنتقم لنفسك، واتركهم وقابل إساءتهم بالإحسان، ذاك ما يليق بمنصبك الرفيع‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، كم تحمّل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كم عانى سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) كم، وكم كيف بالكذب رموه، وبالسحر اتهموه، كيف في ثقيف حين لجأ إليهم حوّطوه وبالحجارة أصابوه، كيف، وكيف هذا التحمل وهذا الصبر، هذا الخلق العظيم، كيف كان حزينا عليهم؟! كيف كان يتمنى لهم الإسلام، والإيمان، كيف وهو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو الرجل الكامل في أعلى مجالات الكمال البشري، هو الأسوة، وهو القدوة، كان نبينا (صلى الله عليه وسلم) رحيما رؤوفا بالمؤمنين، وكان حزينا على قومه، وكان يتمنى لهم الإيمان، وقد نهاه ربنا (تبارك وتعالى) عن ذاك الحزن الشديد في أكثر من موضع منها (فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٦]، أي كأنك من شدة أسفك عليهم سوف تهلك، تموت من شدة الحزن، وكم قال له‫:‬ (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) [سورة النحل آية‫:‬ ١٢٧]، لكن الرؤوف الرحيم بأمته كان دائما وأبدا يلجأ إلى الله (تبارك وتعالى) يدعوه لإيمان قومه، ولرفع العذاب عنهم، ولم يطمئن حتى نزل عليه قول الله (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٣]، أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) وأرشد لما يليق بجلال مقامه، ومنصبه الرفيع (ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ ﴿۹۷﴾ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ﴿۹۸﴾) دعاء غاية في الغرابة (هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ) الهمز‫:‬ النخس والدفع، وكلنا يرى راكب الفرس يضع حديدة في مؤخرة نعله ينخس بها الفرس كي يسرع في العدو، يسمى المهماز، همزات الشياطين، وساوس الشياطين، لكن وساوس الشيطان ليست بالخواطر فقط، بل الإلحاح فيأتي الخاطر مهما صرفت الخاطر عنك، خاطر السوء، يأتي مرة ويلح، ذاك الإلحاح والتكرار بخاطر السوء يدفعك لفعل ما لا يليق، أو ما لا يجب، أو ما لا يحل، أو ما لا يصح، وكأنه ينخسك بمهماز كما يفعل الرائد بفرسه، وربنا يعلّم نبينا (صلى الله عليه وسلم) الالتجاء إليه، والدعاء والاستغاثة به، والحماية (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ) عاذ به، واستعاذ‫:‬ التجأ إليه، واستغاث به، وطلب حمايته (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ) جمع همزات لأن الشيطان له خواطر كثيرة، وله نخسات كثيرة ويجري الشيطان من ابن آدم مجري الدم من العروق (وَأَعُوذُ بِكَ) كرر النداء التجاءً إلى الله، وتضرعا إليه، واستدرارا لرحمته (رب، رب) وكان من الممكن قل أعوذ بك لكن جاء بلفظ رب لبيان منتهى اللجوء، والاضطرار، والتضرع إلى الله (عز وجل) واستدرار الرحمة (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) أن يكون الشياطين في حضرتي طبعا من المعلوم أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لا يوسوس إليه شيطان، من المعلوم أن الشياطين لا تحضره، هو المعصوم والملائكة من حوله يحفظونه، لكن الدعاء يبيّن أن الإنسان مهما كان مقامه فهو محتاج إلى حماية الله وعنايته، وكلاءته، ويعلمنا ذلك أنا مطالبون بنفس الدعاء إذا كان سيد الخلق المعصوم يؤثر بهذا الدعاء، فكيف بنا ونحن لا عصمة لنا، لكي نفهم ذاك نسمع لسيد الخلق الذي فسر، وبين، ووضح، وتركنا على المحجة البيضاء يروى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) يقول جابر‫:‬ سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول‫:‬ (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ ، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا ، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ) إن الشيطان يحضر أحدكم في كل شأنه، إذاً في مشيك، في ارتدائك لملابسك، في وضوئك، في صلاتك، في نومك، في جماعك لامرأتك، في طعامك، في قضاء الحاجة، في كل شيء؛ لذا علّمنا النبي (صلى الله عليه وسلم) الاستعاذة في كل الشئون مثلا لو أن أحدكم أراد أن يأتي امرأته، فقال‫:‬ بسم الله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقُدِّر بينهما الولد لم يمسه الشيطان، أو لم يضره الشيطان، أولم يصبه الشيطان بشيء، كل مولود يولد ينخس، ينخسه الشيطان، من هنا يستهل صارخا، فالإنسان مطلوب منه حال الجماع، (أَمَا إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَرُزِقَا وَلَدًا لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ)، فإن قدر وحملت المرأة في تلك الليلة، وجاء الطفل لم يضره الشيطان؛ لأنك لجأت إلى الله ودعوته في الدخول لقضاء الحاجة، (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ)، الشياطين، والنجاسات إذاً يمكن أن يحضر معك في قضاء الحاجة، في الجماع، في الأكل، بسم الله الرحمن الرحيم، وهكذا في كل مكان الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، إذا خرجت من بيتك، بسم الله توكلت على الله، قال لك الشيطان بنفسه كفيت، ووقيت، وهديت، فالاستعاذة بالله من الشيطان في كل الأمور، وفي كل الشئون مطلوبة (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ) في كل أحوال ينجيني ربنا من خواطره، ذاك هو الدعاء (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) أن يكونوا معي، يحضروني في شئوني في العمل، في النوم، في الصلاة، يأتي الشيطان للعبد وهو يصلي يقول له، كما أخبرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) (اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الْمَرْءُ لا يَدْرِي كَمْ صَلَّى)، وانظر إلى النصيحة، والرحمة يبني العبد على اليقين، ويسجد للسهو، ذاك رغما للشيطان، وهكذا فربنا تعالى يأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بالتضرع إليه، واللجوء هضما للنفس، ونحن نتعلم من نبينا (صلى الله عليه وسلم) (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ ﴿۹۷﴾ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ﴿۹۸﴾) إذا عاين المؤمن ملائكة الموت سلموا عليه، وقالوا ترجع إلى الدنيا؟ فيقول‫:‬ ألدار الهموم والأحزان، بل قدوما إلى الله، وأما الكافر فيقول‫:‬ رب ارجعون، يعود الكلام إلى المشركين، هؤلاء الذين أصروا على كفرهم، وعاندوا رسولهم رغم سطوع الدلائل، ووضوح البراهين، والآيات تتلى عليهم، تنزل الآيات بالحجج، بالأدلة العقلية، ومع ذلك هم مصرون على كفرهم حتى يأتيهم الموت، وتحكي لنا الآيات حالهم عند الموت، وبعد الموت، يقول عز من قائل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴿99﴾ لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَـٰلِحًۭا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّآ ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿100﴾
الآيات وإن كانت تتحدث عن المشركين، إلا أن المسلم أيضا قد يقول نفس الكلمة كما جاء في آخر سورة المنافقون (وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿١۰﴾ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١١﴾) [سورة المنافقون آية‫:‬ ١٠ - ١١]، (حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ) رب ارجعون، هذه الصيغة لتعظيم المخاطب، جمع تعظيم للمخاطب (عز وجل) أو (قَالَ رَبِّ) استغاث بربه أولاً، ثم قال للملائكة التي تقبض الأرواح ارجعون إلى الدنيا، يا لها من لحظة، من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه، نعم كلنا يكره الموت كما قالت الصحابة تعليقا على الحديث، لكن النبي (صلى الله عليه وسلم) نبههم إلى أن ذاك حين تأتي ملائكة الموت، فمن كان طيبا (ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿۳٢﴾) [سورة النحل آية‫:‬ ٣٢]، هؤلاء يعرفون مقامهم، ويعرفون أنهم من أولياء الله، فلا يتمنون الرجوع إلى الدنيا أبداً، بل قدوما إلى الله لا خوف عليهم مما هو آت، ولا هم يحزنون على ما فات، وأما الآخرين والعياذ بالله حين يرون ملائكة الموت منهم من يضرب (وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ (٥٠)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٥٠]، يتمنون الرجوع إلى الدنيا، أيقولون بألسنتهم، أم يكون ذاك في أنفسهم؟ قد، وقد كقوله في موضع من مواضع القرآن (وَيَقُولُونَ فِىٓ أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ ۚ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ۖ ) [سورة المجادلة آية‫:‬ ٨]، فالقول إما بالكلام، وإما في النفس (قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴿۹۹﴾ لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَـٰلِحًۭا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ ) لعل كلمة تردد، أين التردد هنا؟ تيقن العذاب لا محالة، وينوي العمل الصالح، والإيمان لا محالة، فلم التردد؟ التردد لأنه لا يضمن الاستجابة لطلبه فيعود إلى الدنيا أو لا يضمن التوفيق إن عاد (كَلَّآ ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ ) كلمة كلا جاءت في القرآن على معان، وقد يوقف عليها، وقد لا يوقف بحسب المعنى المراد، كلا كلمة ردع، وزجر، هنا في هذا الموضع (إِنَّهَا كَلِمَةٌ) والكلمة تطلق على الكلمة المقروءة، وتطلق على الطائفة من الكلام المنتظم، بعضها مع بعض، أنها كلمة هو قائلها لا محالة، والإشارة إلى كلمة ارجعون كلمة هو قائلها لا محالة، لكنها لا تفيد، وتذهب أدراج الرياح (وَمِن وَرَآئِهِم) من مات (بَرْزَخٌ) الحاجز بين الشيئين فلا يصل أحدهما إلى الآخر (إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) حين النفخة الثانية، والبرزخ هو المسافة أو المدة بين الموت، وبين البعث، بين الدنيا وبين الآخرة، حاجز لا يدري عنه شيء، مدة من الزمان تطول أو تقصر بحسب تاريخ البعد، وبعد هذا التاريخ عن يوم البعث، أو المعنى إنها كلمة هو قائلها فقط لا مضمون لها، وهو كاذب فيما يدعيه من قوله‫:‬ (لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَـٰلِحًۭا فِيمَا تَرَكْتُ) ولو رُد لعاد لما نهي عنه، كلا أي هو كاذب فيما يدعيه ولو رد فعلا لما عمل صالحا كما يدعي، المعنى الثالث في هذه الآية أن الكلام عاد إلى الله (عز وجل) (قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ) ذاك قول الرجل الكافر، أو الفاسق حين الموت (كَلَّآ ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ ) عاد الكلام إلى الله (عز وجل) أي ربنا يقول‫:‬ كلا أي لا خلف في وعده، وسبق القول منه أنهم إليها لا يرجعون أي الله (تبارك وتعالى) قائلها أن الذي يموت لا يعود إلى الدنيا أبدا حتى تقوم الساعة.
فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ ﴿101﴾ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿102﴾ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ ﴿103﴾ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ ﴿104﴾
من الطبيعي أن حياة البرزخ إما نعيم، وإما شقاوة، لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) (الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ)، وعذاب القبر ثابت بالقرآن، والسنة، في القرآن في قوله (عز وجل) (ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّۭا وَعَشِيًّۭا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ (٤٦)) [سورة غافر آية‫:‬ ٤٦]، (فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ) النفخة الثانية هي المرادة، وقيل‫:‬ بل النفخة الأولى لكن الأرجح هي النفخة الثانية (ٱلصُّورِ) قرأت (الصُوَر) أي الأجساد يُنفخ فيها الأرواح (فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ) الآلة، أو الأداة، أو البوق، نحن نؤمن ولا نعرف كنهه، ينفخ فيه الملك نفخة أولى فصعق من في السموات، ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه النفخة الثانية، فإذ هم قيام ينظرون (فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ) النفخة الثانية (فَلَآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ) لا أنساب بينهم يومئذ، لتسلّط الدهشة، واستيلاء الحيرة عليهم، حيث يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، ولا يتساءلون لأن الكل مشغول بنفسه، لا يتساءلون بالأرحام، لا تزر وازرة وزر أخرى، لا يحمل أحد ذنب أحد، والقيامة مواقف، وفي موضع آخر من القرآن يقول الله (تبارك وتعالى): (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ ﴿٢۷﴾ قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ ﴿٢۸﴾) [سورة الصافات آية‫:‬ ٢٧ - ٢٨]، وهكذا في أكثر من موضع، فهم تارة لا يتساءلون، وتارة يتساءلون والقيامة مواقف، خمسون ألف سنة، طول اليوم فهي مواقف (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ) ثقلت موازينه‫:‬ زادت حسناته عن سيئاته، ولو بحسنة واحدة، ولو بحسنة يضاعفها الله (تبارك وتعالى) وربنا يقول‫:‬ [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٨٥]، أي كان لها مقدار، وقدر عند الله، لقوله عن الكفار (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْنًۭا (١٠٥)) [سورة الكهف آية‫:‬ ١٠٥]، (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ) الذين فازوا بما طلبوا، ونجوا مما منه هربوا، والفلاح في الأصل‫:‬ الشق، ومنه الفلاح؛ لأنه يشق الأرض، ويضع الحب، فكأن الفالح شق طريقه إلى الرضا والرضوان (فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ) (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ) لا قدر له عند الله ولا وزن لعمله وزادت سيئاته عن حسناته، هؤلاء هم في النار خالدون، والكلام هنا بيّن أن الخلود خاص بالكفار والمشركين؛ إذ لا يخلد المسلم في جهنم أبدا، وإنما قد يعاقب ويخرج بالشفاعة، أو يخرج باستيفاء العقوبة خسروا أنفسهم أهلكوها وعرضوها للعذاب، وعرضوها لغضب الله (عز وجل) خسروا أنفسهم لم يزكوها لم يمكنوها من الكمال الذي يتيحه الإسلام، والطاعة (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ) تلفح‫:‬ تشوي، تحرق وجوههم، واختص الوجوه بالذكر؛ لأنها أشرف الأعضاء، كما أن جلد الوجه هو أرق جلد في جسم الإنسان، وأكثر الجلد حساسية (وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ) (كَلحِون) قراءة، الكلوح‫:‬ تقلص الشفتين، وظهور الأسنان تتقلص الشفا العليا ترتفع، وتتقلص الشفا السفلى تنزل، وتبدو الأسنان وذاك من أبشع المناظر والعياذ بالله‫.‬‬‬‬
أَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿105﴾
أي يقال لهم القائل ربنا (تبارك وتعالى) أو القائل الملائكة، أو خازن النار بأمر الله يقول (أَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ) الكلام للتبكيت، والتوبيخ، والتذكير بما استحقوا لأجله العذاب (فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ).
قَالُوا۟ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًۭا ضَآلِّينَ ﴿106﴾ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ ﴿107﴾
قراءة (شقاوتنا) قراءة، ها هم يقرّون الكلام، ليس اعتذارا، وإنما إقرار، واعتراف حيث لا ينفع الاعتراف، ولا يجدي الإقرار (شِقْوَتُنَا) تغلبت علينا (غَلَبَتْ عَلَيْنَا) الشقوة والشقاوة ضد السعادة، والمراد هنا اللذائذ، والأهواء والشهوات المحرمة، وأطلق عليها كلمة شقاوة لأنها تؤدي إليها أو (غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا) أي ما كتب لهم من الأزل، فهو يسعد من يشاء ويشقي من يشاء (غَلَبَتْ عَلَيْنَا) تغلبت، وسيطرت عليهم الشهوات المحرمة، والاستمتاع بالدنيا، والكِبر والاستكبار والعياذ وما إلى ذلك (وَكُنَّا قَوْمًۭا ضَآلِّينَ) بعيدين عن الهدى، اعتراف، وإقرار حيث لا ينفع الاعتراف، ولا يجدي الإقرار (رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا) ها هم يسألون العودة مرة أخرى، سألوها عند الموت، وها هم يسألونها مرة أخرى، حين دخلوا في النار (أَخْرِجْنَا مِنْهَا) من جهنم (فَإِنْ عُدْنَا) أي إلى الكفر (فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ) الخطاب والكلام لأهل النار متعدد، والمسافات بين الكلام، والردود بعيدة فهم تارة يقولون‫:‬ (قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍۢ مِّن سَبِيلٍۢ (١١)) [سورة غافر آية‫:‬ ١١]، فيتركون، يقال ألف عام، ثم يأتيهم الرد (قَدْ كَانَتْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ (٦٦)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٦٦]، أو (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٣٧]، فيتركهم ألف عام، ثم يقول (وَنَادَوْا۟ يَـٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ (٧٧)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٧٧]، فيتركهم ألف عام (وَنَادَوْا۟ يَـٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ (٧٧)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٧٧]، يقولون ويرد عليهم هكذا آخر كلام أهل النار هو هذا الكلام (قَالُوا۟ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًۭا ضَآلِّينَ ﴿١۰٦﴾ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ ﴿١۰۷﴾).‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قَالَ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴿108﴾
آخر عهدهم بكلام الله، وذاك أشد من عذاب جهنم؛ إذ يطمعون حين يسمعون (أَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ)، فيقولون الآن ربنا يرحمنا فينقطع الكلام (ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) وكلمة الخسوء الطرد مع الإهانة، ولا تقال إلا للكلب الضال، اخسأ وخسأ الكلب بنفسه وخسأته أنا طردته بإهانة (ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا) أي ابعدوا فيها مطرودين، ملعونين، مهانين، ولا تكلمون في رفع العذاب، أو ولا تكلمون رأسا فينقطع الكلام، ولا يبقى لهم إلا الزفير والشهيق، والعواء تلك لحظة أعاذنا الله وإياكم منها أن ينقطع الكلام؛ إذ إن الكلام مهما كان فيه الأمل، فيه بعض الأنس، يظنون أن الكلام فيه عتاب، والعتاب آخره استعتاب، فإذا قيل لهم (قَالَ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) أطبقت عليهم، وامتنع الكلام‫.‬‬‬‬‬
إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ﴿109﴾ فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴿110﴾ إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ﴿111﴾
‫(إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْ عِبَادِى) قراءة بمعنى لأنه تعليل (إِنَّهُۥ) قراءة على الاستئناف الكلام عن الصحابة، الكلام عن المستضعفين من المؤمنين في كل زمان ومكان (إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْ عِبَادِى) بلال، وصهيب، خباب، المستضعفون من المسلمين الصحابة (رضوان الله عليهم) الذين نالوا من عذاب الكفار ما نالوا فصبروا واحتسبوا، الإشارة لهؤلاء ولكل مستضعف أوذي وسخر منه في كل مكان وزمان (رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ) كل ما يرجوه المؤمن رضوان الله، لا ينافس على الدنيا، ولا يحقد، ولا يحسد، ولا يؤذي، ولا يضر، لا يريد ضرراً، ولا ضراراً، بل يتمنى الخير للجميع، القلب سليم، والنفس مطمئنة، واللسان رطب بذكر الله، والأمل كله في الله، ومع ذلك يتخذه الكافر سخريا يسخر منه، ويستهزئ به (فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا) (فاتخذتموهم سُخريا) قراءة، والكلمتان بمعنى واحد السخرية والاستهزاء، وإن كان الأرجح أن الكلمة بالكسر الاستهزاء، والسخرية بالضم التسخير (فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ) أنسوكم ذكري لأن السخرية بالمستضعفين من المسلمين، وبهؤلاء الذين يقولون ربنا اغفر لنا وارحمنا، المتدينون في كل مكان وزمان، السخرية منهم تشغل من سخر عن نفسه، ورحم الله من شغلته عيوبه عن عيوب الناس، حين يسخر الكافر من المؤمن، ويسخر الفاسق العاصي من الطائع تشغله السخرية عن تذكر الله، وعن ذكر الآخرة، وكأن السخرية عرضته لنسيان الله، وأدت به إلى غضب الله (إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ) جزيتهم اليوم بما صبروا على أذاكم، وما صبروا على الطاعة رغم السخرية، والاستهزاء، وكلنا يرى في كل زمان ومكان يرى الشاب الملتزم بالطاعة، الذي يرتاد المساجد الذي يبتعد عن المعاصي، يرى من زملائه العاصين كل سخرية، واستهزاء يطلقون عليه ألقاب كثيرة كلكم تسمعون، وتعرفون، وكذلك الفتاة الملتزمة المحتشمة التي أطاعت ربها، ورسول الله، واحتشمت وغطت ما يجب أن يغطى تجد السخرية في المجتمعات المختلفة، مجتمعات المترفين الذين استمرأوا العصيان، والشهوات، يدعون التقدم، والحضارة، هذه السخرية، وهذا الاستهزاء له نتيجة، أما من سخر منه فنتيجته يوم القيامة أن يرى نفسه متكئا على الأرائك (فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴿۳٤﴾ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ (۳٥﴾ هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ﴿۳٦﴾) [سورة المطففين آية‫:‬ ٣٤ - ٣٦].‬
‫نعم يبشرهم ربهم (تبارك وتعالى) ويجازيهم على صبرهم على السخرية، والاستهزاء، وعدم الانتقام لأنفسهم، والصبر والتوكل على الله (إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ) (إنهم) قراءة على الاستئناف، أنهم لأنهم هم الفائزون، والصيغة صيغة قصر معنى، صيغة القصر أن الفوز لهؤلاء فقط، ولا فوز لغيرهم (هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ) الفوز برضوان الله، الفوز بالنجاة من النار الفوز بدخول الجنة، الفوز بالطاعة‫.‬‬‬‬‬‬‬
قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴿112﴾ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ ﴿113﴾ قَـٰلَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿114﴾
يُسأل أهل النار للتوبيخ، والتبكيت، والتذكير (قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ) (قُل كم لبثتم) (قال) أي قال الله (تبارك وتعالى) أو الملك بأمره، قل أمر للملك أن يقول لهم، أو قل لزعيم الكفار (كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ) السؤال عن مدة القبر، السؤال عن مدة الدنيا، السؤال عن المدة كلها الدنيا والقبر إلى يوم البعث (قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ) إذاً فقد قدروا مدة الدنيا بكاملها بيوم أو ببعض يوم، بالمقارنة لمدة الآخرة، والآخرة لا مدة لها، الآخرة خلود لا نهائية، فمهما طالت مدة الدنيا، ومهما عمر الإنسان، ومهما طال مكثه في القبر ففي النهاية لها نهاية، أما الآخرة فلا نهاية لها، من هنا قالوا (لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ) الحاسبين الذين يحسبون أو الملائكة الذين عدُّوا علينا (قَـٰلَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) قل لمن قرأ في الآية الأولى، (إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا ۖ ) كل ما ينتهي أجله فهو قليل بالنسبة لما لا ينتهي له أجل (لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) سؤال أين جوابه، أو هو لو للتمني، ليتكم كنتم تعلمون لو كنتم تعلمون أن الدنيا بالنسبة للآخرة قليل لعملتم حساب ذاك اليوم‫.‬‬‬‬‬
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثًۭا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴿115﴾
الكلام هنا أيضا، والسؤال تبكيت، وتوبيخ (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثًۭا) هملاً لا تسألون عن أعمالكم، تفعلون في الدنيا ما تشاءون، البغي، الظلم، العدوان، الإساءة، الإفساد العصيان كل ذلك لا تؤاخذون عليه، خلقكم ربنا لهوا، أو لعبا، أو عبثا، لغير حكمة (وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) لا رجوع، ولا بعث، ولا حساب، ولا جزاء‫.
فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ ﴿116﴾
‫(فَتَعَـٰلَى) تنزّه وتقدّس عن أن نأتي أفعاله لغير حكمة، تصان أفعاله عن البعث (ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۖ ) الثابت ملكه، الواجب ملكه، الذي له الملك الحق، الأحق بالملك، والمالك لكل شيء، فكل مالك، وكل ملك في هذه الدنيا مالك بالعرض لفترة، ما كان له كان لغيره قبل أن يصير إليه، وهو صائرة لغيره، من بعده وكل ملك أوتي الملك ينزع منه الملك، أما المُلْك الحق، فلله الحق (لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ) (الكريمُ) نعت لله (عز وجل) وهو أكرم الأكرمين (ٱلْكَرِيمِ) نعت للعرش المحيط بالأجرام، الذي تنزل منه مقتضيات الأحكام، العرش أكبر مخلوق على وجه الإطلاق، محيط بكل ما هو موجود‫.
وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرْهَـٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ﴿117﴾
هذه الآية يلفت فيه النظر قوله (لَا بُرْهَـٰنَ لَهُۥ بِهِۦ) فهل للباطل برهان؟ فهل هناك برهان على وجود إله مع الله، أو يمكن أن يوجد برهان، لا برهان على الباطل أبداً، جيء بهذه اللفظة (لَا بُرْهَـٰنَ لَهُۥ بِهِۦ) للتأكيد، ولترتيب الحكم عليه، تنبيها على أن التدين بما ليس له دليل ممنوع، فضلا عما دل الدليل على خلافه (وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ) مجرد الإشراك يؤدي إلى جهنم، مجرد أن يدعو الإنسان مع الله إلها آخر ذاك باطل، ولا برهان عليه، أيضا ترتب الحكم عليها (فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓ ۚ ) طالما ترتب حكم الحساب، والعقاب على أن ذاك الذي دعا مع الله إلها آخر، لم يأت بدليل ولا برهان، ترتب الحكم عليه للتنبيه على أن التدين بما لا دليل عليه ممنوع، فضلا عما دل الدليل على خلافه، إذا يستفاد من هذه الآية، والمستفاد من الآيات كثير كما استفيد من آية الاستهزاء (وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ) أن الاستهزاء بالمسلم ممنوع، ويؤدي إلى النار، والكلام لهم، واللفظ عام، والحكم عام، وجاءت الآيات تنهي عن السخرية (لَا يَسْخَرْ قَوْمٌۭ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًۭا مِّنْهُمْ) [سورة الحجرات آية‫:‬ ١١]‬
‫أيضا يستفاد من هذه الآية (لَا بُرْهَـٰنَ لَهُۥ بِهِۦ) أن الإسلام لابد أن يكون عن اقتناع، وأن أي دين لا برهان عليه لا يصح، من هنا كان الأمر دائما وأبداً للناس بالتفكر، بالتدبر، بإعمال العقل، بالنظر في آلاء الله، وآياته (أفلا يتذكرون- أفلا ينظرون- أفلا يتدبرون القرآن) (أفلا تعقلون) الإسلام حين نزل جعل العقل حكماً في كل شيء، جعل العقل حكما على الدين، وحكما في كل أمور الدنيا، وما يتنافى مع العقل السليم يتنافى مع الإسلام، والدين من هنا يمنع التدين بما لا دليل عليه، إذاً فلابد من وجود الدليل، قد يتساءل سائل‫:‬ عوام الناس الذين ولدوا مسلمين هل لهم دليل؟ نعم الفطرة، ولو سألت أيا منهم لوجدت الأدلة تنساب من فمه باللغة العامية لكنها أدلة وقد روي أن أحد فلاسفة الأولين من المسلمين صنف مؤلفا، وساق فيه ألف دليل على وجود الله، وسمى هذا المؤلف ألف دليل على وجود الله، واحتفت به الأمة، وأعدوا له استقبالا حافلا يهنئونه على ذلك، ومشى في طريقه إلى حفل استقباله، فوجد امرأة عجوزا تجلس إلى جوار حائط عمياء، حين مر بجوارها تعلقت بأذيال ثوبه، وقالت‫:‬ يا بني ما هذه الجلبة، ولم خرج الناس من بيوتهم؟ قال‫:‬ يا أمة لقد خرجوا لاستقبال ذلك الرجل الذي صنف مصنفا، وساق فيه ألف دليل على وجود الله، فقالت المرأة العجوز العمياء‫:‬ عجبا والله، ومتى احتاج الله لدليل حتى يدل على وجوده؟ من هنا كان العلماء لهم الدليل الفعلي، والبرهان، والمنطق، أما العوام فهم مقلدون، وتقليد المجتهد اجتهاد فهم، إن سمعوا فهموا، وإن لم يسمعوا دلتهم الفطرة السليمة على وجود الله، (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿١۷﴾ وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴿١۸﴾ وَإِلَى ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴿١۹﴾ وَإِلَى ٱلْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴿٢۰﴾) [سورة الغاشية آية‫:‬ ١٧ - ٢٠]، وعليه كان الدليل على وجود الله، وعلى صحة الإسلام، وعلى صدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) موجود في قلب كل مسلم مهما نال من العلم قدراً ضئيلا، أو قدراً كبيرا (إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ) ويا له من ختام افتتحت السورة بقوله (عز وجل) (قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ) وختمت السورة بنفي الفلاح عن الكافرين فيا له من مفتتح، ويا له من ختام، ثم يتوجه الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والأمر بالاستغفار للأمة، أو الاستغفار عموما لتعليم الأمة‫.‬‬
وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ﴿118﴾
وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ