سورة الحج
فلقاؤنا مع سورة الحج، والتي سميت بهذا الاسم تخليدا لدعوة إبراهيم الخليل، حيث أُمر أن يؤذن في الناس بالحج، سورة الحج مكية إلا ست آيات من قوله (عز وجل) (هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ ) [سورة الحج آية: ١٩] ذاك رأي، ورأي آخر أن سورة الحج مدنية إلا أربع آيات من قوله (عز وجل): (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍۢ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ) [سورة الحج آية: ٥٢]، أو هي مكية اختلط الأمر على الناس، سبب هذا الاختلاط أن سورة الحج تُعنى بأمور التشريع كما يحدث في السور المدنية، ففيها الإذن بالقتال، وفيها الأمر بالحج، وفيها الحكمة من الإذن بالقتال للمؤمنين، وفيها مواضيع كلها تشريعية، شأنها في ذلك شأن السور المدنية، ومع ذلك فالسورة تشعر عند قراءتها بجو السور المكية، ففيها الكلام عن الإيمان، والتوحيد، والتخويف، والإنذار، والتبشير وذكر أهوال يوم القيامة، من هنا قال بعضهم: إنها مدنية إلا أربع آيات من قوله (عز وجل): (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍۢ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ) [سورة الحج آية: ٥٢]، ومنهم من قال: إنها مكية إلا ست آيات من أول الربع الثاني من قوله (عز وجل): (هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ ) [سورة الحج آية: ١٩]، لأنها نزلت في غزوة بدر، وطالما نزلت في غزوة بدر إذا فهي آيات مدنية، أما السورة فهي مكية، لأن جو السورة جو السور المكية من إنذار، وتخويف، وتبشير وأهوال يوم القيامة وتهديد والعناية بذكر الأدلة على البعث وقيام الساعة وإثبات التوحيد والكلام عن الإيمان، كل ذلك من شأن السور المكية، أما السور المدنية كما قيل هي مدنية إلا أربع آيات من قوله: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍۢ وَلَا نَبِىٍّ) [سورة الحج آية: ٥٢]، لأن السورة فيها أمور تشريعية مثل: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)) [سورة الحج آية: ٣٩]، (وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًۭا) [سورة الحج آية: ٢٧]، أمور كلها من أمور التشريع؛ لذا خير ما قيل فيها: إنها مكية، ومدنية، وهي من السور الغريبة، نزلت الآيات فيها في الحضر، والسفر، وفي الليل، وفي النهار، وفي مكة، وفي المدينة، وفُضِلت بأن فيها سجدتي تلاوة، وهي السورة الوحيدة التي تشتمل على سجدتي تلاوة، افتتحت السورة بمطلع مخيف (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌۭ (١)) [سورة الحج آية: ١]، افتتحت بهذا المطلع المخيف الرهيب، الذي تقشعر منه الأبدان، وترتجف له القلوب، وتذهل منه العقول، ومن وصف أهوال القيامة انتقلت إلى ذكر الأدلة على البعث، إلى ذكر الأدلة على قدرة الله، ذكر الأدلة على توحيده، وتصرفه للأمور، وتدبيره، وذكرت السورة أيضا أحوال الأمم المكذبة، وكيف كان التدمير مصيرها، إنذاراً للكافرين، وتبشيرا للمؤمنين بالنصر، أيضا جاء في السورة ذكر إبراهيم الخليل، وكيف أُمر بالتأذين فخضعت الجبال، ووصل صوته إلى الناس في أصلاب آبائهم، وأرحام أمهاتهم، وذكرت السورة مشاهد ليوم القيامة، وأهوال يوم القيامة، وبينت المصير، فريق في الجنة، وفريق السعير، وتختم السورة بذكر مثل لهؤلاء الذين عبدوا من دون الله أصناما، وأوثانا، وبينت لهم أن ما يعبدون من دون الله لا يستطيعون أن يخلقوا ذبابا لو اجتمعوا له، بل وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه، ثم جاء خير ختام بعد هذا المثل بالأمر العام باتباع ملة إبراهيم الخليل، الذي سمى أمة محمد بالمسلمين، سورة الحج افتتحت بقوله (عز وجل):
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌۭ ﴿1﴾
يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌۭ ﴿2﴾
من هنا قالوا: إذا فهذه الزلزلة في الدنيا، وهي من علامات الساعة الكبرى، ومن بعدها مباشرة تطلع الشمس من مغربها، حيث يقفل باب التوبة، وقال بعضهم: هي مع النفخة الأولى (وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۚ ) [سورة النمل آية: ٨٧]، وقيل: بل هي مع النفخة الثانية، عند قيام الساعة، وقيل الكلام تصوير لأهوال يوم القيامة، فلا مرضع، ولا حامل، وإنما هو تصوير لأهوال يوم القيامة؛ إذ لو كان هناك حامل لأسقطت حملها، ولو كان هناك مرضعة لنبذت وليدها، والرأي الأرجح والأصوب، هو ما ورد عن نبينا (صلى الله عليه وسلم) وما ورد فيه نص لا يصح فيه الاجتهاد، فقد روى في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري في شأن هذه الآية، ،( إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌۭ) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (يَقُولُ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ ) يَا آدَمُ ، فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ ، وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ ، قَالَ : يَقُولُ : أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ ، قَالَ : وَمَا بَعْثُ النَّارِ ؟ قَالَ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ - قرأت كذلك ورُويت أيضا تسعمائة وتسعةٌ وتسعون النصب على المفعولية، والرفع على الخبرية-، قَالَ : فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى ، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ، قَالَ : فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ ؟ فَقَالَ : أَبْشِرُوا ، فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا ، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ) رواية لمسلم، أيضا روى الترمذي عن عمران بن حصين أنه قال: ( أَنّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لَمَّا نَزَلَتْ: (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌۭ ) إِلَى قَوْلِهِ (وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌۭ) قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: تِسْعُ مِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ إِلَى النَّارِ وَوَاحِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَأَنْشَأَ الْمُسْلِمُونَ يَبْكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلَّا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهَا جَاهِلِيَّةٌ، قَالَ : فَيُؤْخَذُ الْعَدَدُ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنْ تَمَّتْ، وَإِلَّا كَمُلَتْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَمَا مَثَلُكُمْ وَالْأُمَمِ إِلَّا كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ، أَوْ كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قَالَ : " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرُوا، قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ: الثُّلُثَيْنِ أَمْ لَا) من هنا فطالما كانت الأحاديث قد تواردت سواء ما رواه مسلم، أو ما رواه الترمذي، إذا فالآية في شأن يوم القيامة حين يأمر ربنا (تبارك وتعالى) آدم بإخراج بعث النار، وتنتقل السورة لبيان لهؤلاء الذين جادلوا في الله بغير علم، قيل: إنها نزلت في شأن رجل بعينه، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـٰنٍۢ مَّرِيدٍۢ ﴿3﴾
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴿4﴾
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍۢ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍۢ مُّخَلَّقَةٍۢ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍۢ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًۭا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍۢ شَيْـًۭٔا ۚ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةًۭ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍۢ ﴿5﴾
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿6﴾
وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌۭ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ ﴿7﴾
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَلَا هُدًۭى وَلَا كِتَـٰبٍۢ مُّنِيرٍۢ ﴿8﴾
ثَانِىَ عِطْفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ لَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ﴿9﴾
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ ﴿10﴾
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍۢ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ﴿11﴾
يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ ﴿12﴾
يَدْعُوا۟ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِۦ ۚ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ ﴿13﴾
إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴿14﴾
مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُۥ مَا يَغِيظُ ﴿15﴾
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ ﴿16﴾
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ﴿17﴾
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ۩ ﴿18﴾
تسبيح بالمقال، أم تسبيح بالحال، هما رأيان، التسبيح بالحال معناه أن الحركة الدائبة لهذه الأشياء، الحركة المنتظمة تدل على وجود الله، وتنزيه الله عن كل نقص، وعن كل عيب، أما التسبيح بالمقال فلا بد وأن يكون بلغة لا نفهمها، وبصوت لا نسمعه، والكون مليء بنشيد التوحيد لله (عز وجل) كما تتخاطب الحشرات، مثلا النمل، ولا نسمع كما سمع سليمان، هل للجمادات كذلك؟ قيل: نعم، كل شيء له لغة، وله لسان، ولكنا لا نسمع، رأي آخر كذلك السجود هل السجود حقيقي أم التعبير به مجاز؟ السجود هنا بمعنى الخضوع، التذلل، مسخّر لقدرته، لا يتأبى عن تدبيره كشروق الشمس، وغروب الشمس، وبزوغ القمر، وأفول القمر، وتحرك النجوم، وكل ما في الكون منتظم الحركة، إذا فهو مسخر لقدرة للواحد الأحد، لا يتأبى عن تدبيره، فلا ينبغي للشمس أن تدرك القمر، ولا يصح لليل أن يسبق النهار، هذا يدل على وجود المدبر، المتصرف، الذي لا يسهو، ولا ينام، العليم العلام، إذا فذاك سجود أي طاعة، إن السجود يدل على الخضوع، إذاً فالمقصود بكلمة يسجد له من في السموات، ومن في الأرض، خضوع بعدم التأبي عن التدبير، ليس لأحد في الأمور تدبير، هو الفعال، هو المدبر الواحد الأحد الوحيد، لا شريك له، ها هي الشمس ها هو القمر، ها هي الأنهار، ها هي البحار، ها هي الثمار، ها هي الأشجار، كل شيء يدل على وجوده، هذا الخضوع ما هو إلا يُعبّر عنه بالسجود (مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ) للعاقل، قد تكون مقصود بها السجود الفعلي، وليس الخضوع (وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ) جوامد لا عقل لها، ولا روح فيها، ولا حياة (وَٱلدَّوَآبُّ) أما الدواب وإن كانت حية فهي غير عاقلة، وما رأينا شاة تسجد، أو بعير يركع، إذا فالسجود لهذه الأشياء هو الخضوع، وعدم التأبي عن التدبير، والتسخير لقدرة الله (عز وجل) النجوم تشرق مسخرة لنعرف الطريق، نهتدي بها في ظلمات البر والبحر، وهي أيضا رجوما للشياطين، وهي أيضا زينة ثلاثة أسباب لوجود النجوم، علل بينها الله في القرآن، وهناك من يقول: السجود كالتسبيح، فالتسبيح بالمقال، ولكنا لا نفقه تسبيحهم (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ ) [سورة الإسراء آية: ٤٤]، وكذلك السجود، هناك سجود فعلي، لكن السجود مختلف هيئته، من شيء لشيء فهيئة السجود عند الإنسان أن يضع جبهته على الأرض، والسجود على سبعة أعظم كما قالوا، هيئة نشأت من هيئة الإنسان، لو كان الإنسان مخلوق على هيئة الكرة كيف كان يسجد؟ هل يسجد أم لا؟ لابد وأن يسجد كيف؟ هيئة يهيئها الله، فكذلك الشمس، وكذاك القمر، وكذلك النجوم، له هيئة للسجود لا نراها، كما أن له لسانا للتسبيح لا نسمعه، فالسجود سجود حقيقي، والدليل على ذلك ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ( عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ وَرَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) جالس، فلما غابت الشمس: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ، فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا) سجود، فهناك من يقول: إن السجود حقيقي، كما أن التسبيح تسبيح حقيقي بالمقال، باللغة، باللسان، وهناك من يقول: إن السجود خضوع، تستدل بهذا الخضوع، والتذلل والانقياد لتدبير الله (عز وجل) هو خضوع يُعبَّر عنه بالسجود، ووقف الكلام عند (وَٱلدَّوَآبُّ) قد يكون من حيث اللغة، وأنشأ واستأنف الكلام (وَكَثِيرٌۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ ) له الثواب، والجنة (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ ) ودخل في النار، أو الوقف على أي يسجد له، ويسجد له، ويسجد له، وكثير من الناس يسجدون سجود طاعة، والوقف هنا، ثم الاستئناف (وَكَثِيرٌۭ) من الناس تأبى على السجود، وجحد بنعمة ربه، قد يكون المعنى كذلك (وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ ) ومن أعزه الله، فلا مُذل له، ومن ستره الله، فلا فاضح له، من يهن فما له من مكرم، بأي نوع من أنواع الإكرام، إذا أهانه الله فلا إكرام، فلا أحد يقدر أن يكرمه بأي نوع من أنواع الإكرام، ما هي الإهانة؟ قيل فيها الكثير، الإهانة الحكم عليه بالشقاوة، الإهانة الإضلال، الإهانة: أن يوكل إلى نفسه، الإبعاد، الإهانة: الحرمان من الطاعة، ما أحلى السجود، ما أجمل الطاعة، ما ألذ القرب (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب ۩ (١٩)) [سورة العلق آية: ١٩]، أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، الحرمان من الطاعة أكبر إهانة، كما أن التوفيق إلى الطاعة أعظم كرامة، لو أنك طِرت في الهواء، ومشيت على الماء، وسخر لك ما في الأرض، وما في السماء، هل يوضع ذلك في ميزانك؟ هل تثاب عليه أم تسأل عنه؟ أما إن أيقظك ليلا في ساعة، ليلا في ساعة يحبها كما كنا ندعو، ونتعلم الدعاء (أيقظني في أحب الساعات إليك، واستعملني بأحب الأعمال إليك) فإن أيقظك في ساعة يحبها، وألهمك، قم ناجني بكلامي، قم فقد غارت النجوم، ونامت العيون، وأنا الحي القيوم، قم فاسألني، قم فاستغفرني، قم فناجني بكلامي وصلي لي، ذاك هو الإكرام (إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ) لا يُعلل فعل الله بأفعال العباد، يقول الله (إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ) لأنك قد تتوهم أن فعل العباد الساجدين، والمتأبين عن السجود كان ذاك سببا في فعله، أفعال الله لا تعلل بأفعال العبيد، فقد يدخل كل الناس الجنة، وقد يدخل كل الناس النار (لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ (٢٣)) [سورة الأنبياء آية: ٢٣]، من عَبَد فبفضل الله، من دخل الجنة فبفضله، وبصدق وعده، ومن دخل النار فبعدله، وما ربك بظلام للعبيد، ففي غزوة بدر أولى الغزوات، وأول لقاء بين حزب الله، وحزب الشيطان، وكلكم يعرف قصة الغزوة، حين خرج الكفار ونادوا هل من مبارز، وخرج لهم الأنصار قالوا: لا نريدكم بل نريد أبناء عمومتنا، خرج علي بن أبي طالب، وحمزة، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، خرج لهم ثلاثة عتبة بن ربيعة، شيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وانتصر المسلمون الثلاثة، وقتل الكافرون الثلاثة، قيل: إن الآية قد نزلت في شأنهم.
هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌۭ مِّن نَّارٍۢ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ ﴿19﴾
يُصْهَرُ بِهِۦ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ ﴿20﴾
وَلَهُم مَّقَـٰمِعُ مِنْ حَدِيدٍۢ ﴿21﴾
كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ﴿22﴾
إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَلُؤْلُؤًۭا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌۭ ﴿23﴾
وَهُدُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ ﴿24﴾
(وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ (٧٤)) [سورة الزمر آية: ٧٤]، (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ ) (وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌۭ شَكُورٌ (٣٤)) [سورة فاطر آية: ٣٤]، ذاك هو القول الطيب في الآخرة (وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ) الكلام عن الصراط، والصراط حميد، محمود في نفسه، أو محمود عاقبته، أو الصراط الحميد هو الجنة (وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ) الحق الله (عز وجل) هدوا إلى صراطه، وصراط الحميد الذي هو الله المحمود في ذاته، هو الإسلام.
أيها الأخ المسلم، أيها الإخوة الأحباب، إن الله (تبارك وتعالى) أمرنا بما بدأ به نفسه فقال: (إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا (٥٦)) [سورة الأحزاب آية: ٥٦]، اللهم صلي وبارك على سيد الأولين، والآخرين، يعود الكلام إلى مشركي مكة بعد أن بيّن الله (تبارك وتعالى) أنه يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار، وبيّن ما ينتظرهم من نعيم، وكيف أنهم هدوا إلى الطيب من القول، وهدوا إلى صراط الحميد، يقول الله (عز وجل):
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍۢ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ﴿25﴾
من هنا يقول (وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ) طريقه ودينه (وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ) أي ويصدون كذلك عن المسجد الحرام، قيل: المراد المسجد، وقيل: بل المراد الحرم، إذ إن النبي (صلى الله عليه وسلم) صُدَّ عند الحديبية لم يدخل مكة أصلا، وترتب على ذلك أحكام مجالها في كتب الفقه على التفصيل (إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ۚ ) العاكف: المقيم، الباد: البادي الذي جاء من البادية، كأن الناس في المسجد، وفي عبادتهم، وما يريدون من طواف، وعكوف، وقيام، وركوع، وسجود مستوون فيه لا فضل لأحد على أحد، ولا ميزة لأحد على أحد، فالمقيم بمكة الذي هو من أهل الحرم، حكمه في المسجد حكم القادم من خارج الحرم، مهما كان بعد المسافة (إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ۚ ) خبر إن محذوف ثقة بفهم السامع، ولك أن تقدر (لهم عذاب أليم) (لهم عذاب عظيم) إلى آخر ما يمكن أن تقدَّر من خبر (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍۢ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ) استئناف الكلام، الإلحاد في اللغة الميل ألحد: مال، وتبين الآيات هنا أن المقصود الميل بظلم (وَمَن يُرِدْ فِيهِ) في المسجد، أو في الحرم (بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍۢ ) ملحدا بسبب الظلم (نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ) وفي هذه الآية تفرعت للعلماء الأحكام، ما هو الإلحاد؟ الإلحاد: الميل، يقصد بالظلم الذي بين نوع الإلحاد: الشرك، وقيل: بل الظلم، الشرك، والقتل، وقيل: بل الظلم كل معصية ترتكب في الحرم، وشدد بعضهم، وقال: النية بالمعصية لا يؤاخذ عليها العبد في أي مكان إلا في الحرم، فمن نوى أن يعصي في الحرم، أوخذ بنيته، ولو لم يفعل المعصية، وقيل: الظلم هنا يقصد به الصغائر والكبائر، وقيل: بل تضاعف المعاصي في الحرم، كما تضاعف الطاعات، وتضاعف المعصية؛ إذ يعاقب على المعصية، ويعاقب على هتك حرمة الحرم، ويأتي بعد ذلك بيان لمشركي مكة المقيمين بها، الذين يطوفون بالبيت لأصنامهم، وينحرون لأوثانهم، ما هي قصة البيت؟ ومن الذي بناه؟ ولِم تم البناء، وهم أحفاد الباني ومن ذريته إبراهيم (عليه السلام)
وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْـًۭٔا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴿26﴾
وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًۭا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍۢ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍۢ ﴿27﴾
لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ﴿28﴾
ثُمَّ لْيَقْضُوا۟ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا۟ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا۟ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴿29﴾
ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلْأَنْعَـٰمُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُوا۟ قَوْلَ ٱلزُّورِ ﴿30﴾
حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِۦ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍۢ سَحِيقٍۢ ﴿31﴾
ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ ﴿32﴾
لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴿33﴾
وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ جَعَلْنَا مَنسَكًۭا لِّيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ فَلَهُۥٓ أَسْلِمُوا۟ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ﴿34﴾
ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ﴿35﴾
وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُم مِّن شَعَـٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌۭ ۖ فَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿36﴾
لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿37﴾
إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍۢ كَفُورٍ ﴿38﴾
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴿39﴾
ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌۭ وَصَلَوَٰتٌۭ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ ﴿40﴾
ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا۟ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا۟ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ ﴿41﴾
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ وَعَادٌۭ وَثَمُودُ ﴿42﴾
وَقَوْمُ إِبْرَٰهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍۢ ﴿43﴾
وَأَصْحَـٰبُ مَدْيَنَ ۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴿44﴾
فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌۭ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍۢ مُّعَطَّلَةٍۢ وَقَصْرٍۢ مَّشِيدٍ ﴿45﴾
أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌۭ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌۭ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ ﴿46﴾
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍۢ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴿47﴾
وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌۭ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ ﴿48﴾
قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿49﴾
أيها لأخ المسلم، جاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالحق ساطع، فطوبى لمن آمن به، وطوبى لمن آمن به ورآه، وطوبى لمن رأى من رآه، فقد كان التوجيه الإلهي للنبي (صلى الله عليه وسلم) لبيان وظيفته الأساسية ورسالته حيث يقول عز من قائل : (قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ) حصر.
فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ﴿50﴾
وَٱلَّذِينَ سَعَوْا۟ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ ﴿51﴾
من هنا مهما آمن العبد، ومهما عمل من الصالحات، قد يبدر منه ما لا يجب، وما لا يصح لكن تختلف من عبد لآخر، فمنهم من يبتلى بالخواطر، القلب مشغول بغير الله، ومنهم من يقع في بعض اللمم، ومنهم من يقع في الصغائر ومنهم من قد يقع في الكبائر، لكن يتدارك بلطف الله ورحمته، وما من مؤمن عامل بإيمانه إلا ويتداركه الله (تبارك وتعالى) برحمته، فيعصمه، ويدافع عنه، ويستره، فإن وقع أو إن أخطأ، أو إن ارتكب ما ينهى الله عنه، يتداركه الله بلطف، من هنا يقول الله (تبارك وتعالى) (لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ) وعد، وكلمة (لَهُم) تدل على أن ذاك محض فضل من الله، فهو وعد بالفضل (وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ) الكريم من كل شيء، هو ما جمع فضائل النوع، فإذا قلنا الناس فالكريم منهم الذي جمع الفضائل كلها التي تكون في الناس، صنف من أصناف الفاكهة، فالكريم منه الذي جمع كل الفضائل الموجودة في هذا الصنف، من هنا حين تسمع كلمة الكريم، تعرف أنه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأنه أفضل ما يمكن أن يتخيل الإنسان، ورغم الخيال لن يصل إلى حقيقة، ما أعد الله لعباده (لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ) إذاً يصل العبد إلى الله (عز وجل) يوم القيامة، ولا ذنب عليه إذ إن المغفرة تتم قبل الموت، وقبل البعث، وقبل البرزخ، فكأنه يخرج من الدنيا ولا ذنب عليه، حتى يستطيع أن يأتي يوم القيامة فيعطي كتابه بيمينه، (فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُوا۟ كِتَـٰبِيَهْ ﴿١۹﴾ إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ ﴿٢۰﴾) [سورة الحاقة آية: ١٩ - ٢٠]، فكأنه توقع الحساب، والخوف من الحساب، والخشية، والإيمان بالبعث والجزاء، كأن ذاك هو من أهم الأسباب التي من أجلها يعطي العبد كتابه بيمينه (وَٱلَّذِينَ سَعَوْا۟ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ) (معجِّزين) قراءة، عاجزه، وعجّزه: سابق فإن سبق قيل أعجزه، والمقصود بالكلمة هو المحاولة في أي مضمار لتعجيز الخصم، لنسبة العجز إليه، فالذين سعوا بذلوا الجهد، السعي: بذل الجهد، في آيات الله معاجزين لها، أي مناقشين مجادلين المؤمنين الذي سعوا في الإيمان بها، فهم يجادلونهم، يحاولون تعجيز الله عن بعثهم، فينكرون البعث (أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ) وانظر إلى النظم، وتأمل (فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ﴿٥۰﴾ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا۟ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ ﴿٥١﴾) كأنها لهم، وكأنهم يملكونها، أو هم مصاحبون لها، لا ينفكون عنها، وكأن الآية تشير إلى الخلد، وتشير إلى السبب، سعوا في آياتنا معاجزين هم أصحاب الجحيم، وكأنهم اشتروها بأعمالهم، وكأنهم صاحبوها، فلا ينفكون عنها، غاية في الدقة في التعبير لكل متأمل.
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍۢ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿52﴾
لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةًۭ لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ ﴿53﴾
وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا۟ بِهِۦ فَتُخْبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿54﴾
وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴿55﴾
ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍۢ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴿56﴾
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ﴿57﴾
وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓا۟ أَوْ مَاتُوا۟ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ﴿58﴾
الأمر الأول: أن المؤمنين دخلوا الجنة بفضل الله فقط، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم هو أراد ذلك، هو تفضل عليهم بذلك، وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين، الخزي، والعار، والألم بسبب أعمالهم، فأولئك لهم؛ لأنهم استحقوا بأفعالهم، وبكفرهم إذاً فدخول الجنة بفضل الله، ومن دخل النار، دخل بسبب عمله السيء، وكفره هكذا يتضح السر في تغير النظم (وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓا۟ أَوْ مَاتُوا۟ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ) الآية أيضا تشير إلى أمور الأمر الأول إفراد المهاجرين بالذكر تشريفا لهم، وتفضيلا لهم، ورفعا لشأنهم (وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟) إذاً فالمهاجرون هم الطبقة الأولى، يليهم بعد ذلك الأنصار، وما إلى ذلك، ثم سائر الناس (وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓا۟) (ثم قُتِّلوا) قراءتان (أَوْ مَاتُوا۟) إذاً فقد ساوى بين من قتل منهم في سبيل الله، وبين من مات حتف أنفه على فراشه، تأمل (لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ ) الجميع تساوى منهم من قتل في سبيل الله، ومن مات على فراشه تساووا في الفضل، كيف؟ فضل الله يؤتيه من يشاء، وكما أن من قتل من المهاجرين قتل لأن الله أراد ذلك، فذاك قضاء الله وقدره، لكن ساوى بينهم في الجزاء، وكلنا يعلم قصة خالد بن الوليد سيف الله المسلول، ما من غزو، ما من حرب، ما من معركة إلا واشترك فيها بعد إسلامه، وانتصر في جميع معاركه، وكان قد حصل على قُصة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين حج، وحلق سيد الخلق، أخذ خالد شعر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ووضع ذلك الشعر في لأمته في المغفر، وما دخل معركة إلا وهذا الشعر فوق رأسه، ومع ذلك يموت خالد في فراشه، ويقول: ها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير، ألا لا نامت أعين الجبناء، إذاً فمن قتل في سبيل الله، أو مات حتف أنفه يستويان في الفضل، إذا كانا من المهاجرين (لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ ) ما هو؟ لم ينبئنا به، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (رِزْقًا) نكرة غير معرّف، لا يعرفه إلا الله (وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ) وهل هناك من يرزق غير الله؟! هو الرزاق لكن الأسباب في الدنيا قد تعمي الإنسان، فيرى المال في يد المعطي، ولم ير أن الله هو الذي أرسله إليه، فقد يُطلق تجوزا على بعض الناس أنهم يعطون، أو يرزقون، لكن الله خير الرازقين؛ لأنه الوحيد الذي يرزق بغير حساب.
لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًۭا يَرْضَوْنَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌۭ ﴿59﴾
ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌۭ ﴿60﴾
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌۭ ﴿61﴾
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ﴿62﴾
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَتُصْبِحُ ٱلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌۭ ﴿63﴾
لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ﴿64﴾
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿65﴾
وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌۭ ﴿66﴾
لِّكُلِّ أُمَّةٍۢ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ۖ فَلَا يُنَـٰزِعُنَّكَ فِى ٱلْأَمْرِ ۚ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًۭى مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿67﴾
وَإِن جَـٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿68﴾
ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿69﴾
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ ﴿70﴾
الطريق الأول: هو الوحي.
والطريق الثاني: هو النظر والاستدلال بإعمال العقل، فما عرف من طريق الوحي فهو الشرع، وهو الدين، وما عرف من طريق النظر والاستدلال باستخدام العقل، فهو العلم، ما سوى ذلك لا يكون إلا تقليداً، أو اتباعا للهوى، مشركو مكة عبدوا الأصنام، وزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وقال بعضهم: إن الملائكة بنات الله، كل ذلك بغير دليل، بغير سلطان، بغير علم، بداية الأمر كانت إذا خرج أحدهم في سفر أو في تجارة أخذ حجراً من الكعبة، ومن جوار الكعبة، وأخذه معه وطاف به في سفره، تلك كانت البداية اختراع، كانوا على ملة إبراهيم، وكانوا على ملة إسماعيل، وبدأ الاختراع، وبدأ اتباع الهوى، ثم بعد ذلك احتفظوا بهذه الحجارة، في بيوتهم، وكل واحد أعجبه حجرا أخذه، ووضعه في بيته، وتقرب إليه، إلى أن وصلوا إلى عبادة الأوثان، والأصنام، وأصبح لكل قبيلة وثنا أو صنما يطيفون به كل ذلك بغير كتاب، بغير سلطان، بغير علم بغير، استخدام للعقل؛ لذا يقول الله (عز وجل) حاكيا عنهم:
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًۭا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِۦ عِلْمٌۭ ۗ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍۢ ﴿71﴾
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْمُنكَرَ ۖ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِنَا ۗ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكُمُ ۗ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴿72﴾
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌۭ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُوا۟ ذُبَابًۭا وَلَوِ ٱجْتَمَعُوا۟ لَهُۥ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْـًۭٔا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ ﴿73﴾
مَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ ﴿74﴾
ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًۭا وَمِنَ ٱلنَّاسِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌۭ ﴿75﴾
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ﴿76﴾
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟ وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩ ﴿77﴾
أيها الاخ المسلم، أبواب الخير كثيرة، وفتح لنا النبي (صلى الله عليه وسلم) أبوابا وطرقا وسبلا للخير ولرضوان الله، ومهما عددت من أحاديث للنبي (صلى الله عليه وسلم) تدل على الخير لن تستطيع أن تحصر، أن تتبسم في وجه أخاك لك صدقة، إماطة الأذى عن طريق لك صدقة، أن تلق أخاك بوجه باسم لك صدقة، الكثير والكثير، الخيرات كثيرة ولكن الإنسان قد يغفل عنها، أو يتكاسل عن أدائها، وربما حسنة واحدة تكون سببا في النجاة من النار ودخول الجنة يقول الله (تبارك وتعالى) بعد الأمر بالعبادة والصلاة تاج العبادات، وأساس العبادات، وأول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة يحاسب على الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله، يأمر بالجهاد فيقول: