القرآن الكريم / سورة الحج / التفسير المقروء

سورة الحج

فلقاؤنا مع سورة الحج، والتي سميت بهذا الاسم تخليدا لدعوة إبراهيم الخليل، حيث أُمر أن يؤذن في الناس بالحج، سورة الحج مكية إلا ست آيات من قوله (عز وجل) (هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ ) [سورة الحج آية‫:‬ ١٩] ذاك رأي، ورأي آخر أن سورة الحج مدنية إلا أربع آيات من قوله (عز وجل): (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍۢ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ) [سورة الحج آية‫:‬ ٥٢]، أو هي مكية اختلط الأمر على الناس، سبب هذا الاختلاط أن سورة الحج تُعنى بأمور التشريع كما يحدث في السور المدنية، ففيها الإذن بالقتال، وفيها الأمر بالحج، وفيها الحكمة من الإذن بالقتال للمؤمنين، وفيها مواضيع كلها تشريعية، شأنها في ذلك شأن السور المدنية، ومع ذلك فالسورة تشعر عند قراءتها بجو السور المكية، ففيها الكلام عن الإيمان، والتوحيد، والتخويف، والإنذار، والتبشير وذكر أهوال يوم القيامة، من هنا قال بعضهم‫:‬ إنها مدنية إلا أربع آيات من قوله (عز وجل): (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍۢ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ) [سورة الحج آية‫:‬ ٥٢]، ومنهم من قال‫:‬ إنها مكية إلا ست آيات من أول الربع الثاني من قوله (عز وجل): (هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ ) [سورة الحج آية‫:‬ ١٩]، لأنها نزلت في غزوة بدر، وطالما نزلت في غزوة بدر إذا فهي آيات مدنية، أما السورة فهي مكية، لأن جو السورة جو السور المكية من إنذار، وتخويف، وتبشير وأهوال يوم القيامة وتهديد والعناية بذكر الأدلة على البعث وقيام الساعة وإثبات التوحيد والكلام عن الإيمان، كل ذلك من شأن السور المكية، أما السور المدنية كما قيل هي مدنية إلا أربع آيات من قوله‫:‬ (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍۢ وَلَا نَبِىٍّ) [سورة الحج آية‫:‬ ٥٢]، لأن السورة فيها أمور تشريعية مثل‫:‬ (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)) [سورة الحج آية‫:‬ ٣٩]، (وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًۭا) [سورة الحج آية‫:‬ ٢٧]، أمور كلها من أمور التشريع؛ لذا خير ما قيل فيها‫:‬ إنها مكية، ومدنية، وهي من السور الغريبة، نزلت الآيات فيها في الحضر، والسفر، وفي الليل، وفي النهار، وفي مكة، وفي المدينة، وفُضِلت بأن فيها سجدتي تلاوة، وهي السورة الوحيدة التي تشتمل على سجدتي تلاوة، افتتحت السورة بمطلع مخيف (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌۭ (١)) [سورة الحج آية‫:‬ ١]، افتتحت بهذا المطلع المخيف الرهيب، الذي تقشعر منه الأبدان، وترتجف له القلوب، وتذهل منه العقول، ومن وصف أهوال القيامة انتقلت إلى ذكر الأدلة على البعث، إلى ذكر الأدلة على قدرة الله، ذكر الأدلة على توحيده، وتصرفه للأمور، وتدبيره، وذكرت السورة أيضا أحوال الأمم المكذبة، وكيف كان التدمير مصيرها، إنذاراً للكافرين، وتبشيرا للمؤمنين بالنصر، أيضا جاء في السورة ذكر إبراهيم الخليل، وكيف أُمر بالتأذين فخضعت الجبال، ووصل صوته إلى الناس في أصلاب آبائهم، وأرحام أمهاتهم، وذكرت السورة مشاهد ليوم القيامة، وأهوال يوم القيامة، وبينت المصير، فريق في الجنة، وفريق السعير، وتختم السورة بذكر مثل لهؤلاء الذين عبدوا من دون الله أصناما، وأوثانا، وبينت لهم أن ما يعبدون من دون الله لا يستطيعون أن يخلقوا ذبابا لو اجتمعوا له، بل وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه، ثم جاء خير ختام بعد هذا المثل بالأمر العام باتباع ملة إبراهيم الخليل، الذي سمى أمة محمد بالمسلمين، سورة الحج افتتحت بقوله (عز وجل):‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌۭ ﴿1﴾ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌۭ ﴿2﴾
‫(يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ ) الأمر بالتقوى، والتقوى الكلام فيها كثير ويطول فيها الكلام، تقوى الشرك، تقوى المعاصي، تقوى أن يشغل قلبك غير الله، من أوجز ما قيل في التقوى، وأكمل ما قيل في التقوى، ألا يراك الله حيث نهاك، وألا يفقدك حيث أمرك، تلك هي التقوى، الأمر بالتقوى للكل (إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌۭ) الزلزلة‫:‬ التحريك بشدة، وأصل الكلمة زل الشيء زال، وتحرك عن مكانه، فالزلزلة‫:‬ اهتزاز الأرض، أو اهتزاز ما على الأرض، إن زلزلة الساعة لما على الأرض، أو زلزلة الأرض إن زلزلة الساعة شيء فظيع، رهيب، يوصف أثره بالآتي (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ) (تُذهَل - كلُ) (تُذْهِل- كُلَ) قراءات، كلها تؤدي إلى نفس المعنى، تَذْهل المرضعة، تُذهَل، تذهلها الساعة، والغريب التعبير بكلمة مرضعة، والمرضع التي من شأنها الإرضاع في ثديها اللبن، فهي ترضع وليدها، أو وليد غيرها، أما المرضعة هي التي من شأنها ترضع حال الإرضاع إذا كان الطفل على يديها، ملتقم لثديها، فهي مرضعة (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَة) أي في حال الإرضاع، وكأنها تبعد رضيعها عن ثديها، وتلقه بعيدا، مشغولة، مرهوبة، مذهولة (أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا) قبل الموعد، والحامل من الناس، ومن الدواب، ومن كل شيء (وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ) تُرَى الناس، وترى الناس بعينك، وتُرى الناس يُخيل، وتهيأ إليك (وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌۭ ) (سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ) من هنا اختلف العلماء، الإرضاع في الدنيا، والحمل في الدنيا، تذهل كل مرضعة عما أرضعت، تلقي وليدها بعيدا عن ثديها، وتضع الحامل حملها، والحال من الناس ومن الدواب ومن كل شيء، وترى الناس سكارى، ويترنحون من الهلع، والخوف، من الدهشة، والذهول، يترنحون وكأنهم سكارى من الخمر، وما هم بسكارى من الخمر، ولكن العذاب هو أذهلهم‫.‬‬
‫من هنا قالوا‫:‬ إذا فهذه الزلزلة في الدنيا، وهي من علامات الساعة الكبرى، ومن بعدها مباشرة تطلع الشمس من مغربها، حيث يقفل باب التوبة، وقال بعضهم‫:‬ هي مع النفخة الأولى (وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۚ ) [سورة النمل آية‫:‬ ٨٧]، وقيل‫:‬ بل هي مع النفخة الثانية، عند قيام الساعة، وقيل الكلام تصوير لأهوال يوم القيامة، فلا مرضع، ولا حامل، وإنما هو تصوير لأهوال يوم القيامة؛ إذ لو كان هناك حامل لأسقطت حملها، ولو كان هناك مرضعة لنبذت وليدها، والرأي الأرجح والأصوب، هو ما ورد عن نبينا (صلى الله عليه وسلم) وما ورد فيه نص لا يصح فيه الاجتهاد، فقد روى في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري في شأن هذه الآية، ،( إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌۭ) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال‫:‬ (يَقُولُ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ ) يَا آدَمُ ، فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ ، وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ ، قَالَ : يَقُولُ : أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ ، قَالَ : وَمَا بَعْثُ النَّارِ ؟ قَالَ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ - قرأت كذلك ورُويت أيضا تسعمائة وتسعةٌ وتسعون النصب على المفعولية، والرفع على الخبرية-، قَالَ : فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى ، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ، قَالَ : فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ ؟ فَقَالَ : أَبْشِرُوا ، فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا ، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ) رواية لمسلم، أيضا روى الترمذي عن عمران بن حصين أنه قال‫:‬ ( أَنّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لَمَّا نَزَلَتْ: (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌۭ ) إِلَى قَوْلِهِ (وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌۭ) قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا‫:‬ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: تِسْعُ مِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ إِلَى النَّارِ وَوَاحِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَأَنْشَأَ الْمُسْلِمُونَ يَبْكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلَّا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهَا جَاهِلِيَّةٌ، قَالَ : فَيُؤْخَذُ الْعَدَدُ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنْ تَمَّتْ، وَإِلَّا كَمُلَتْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَمَا مَثَلُكُمْ وَالْأُمَمِ إِلَّا كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ، أَوْ كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قَالَ : " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرُوا، قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ: الثُّلُثَيْنِ أَمْ لَا) من هنا فطالما كانت الأحاديث قد تواردت سواء ما رواه مسلم، أو ما رواه الترمذي، إذا فالآية في شأن يوم القيامة حين يأمر ربنا (تبارك وتعالى) آدم بإخراج بعث النار، وتنتقل السورة لبيان لهؤلاء الذين جادلوا في الله بغير علم، قيل‫:‬ إنها نزلت في شأن رجل بعينه، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـٰنٍۢ مَّرِيدٍۢ ﴿3﴾
الجدال في الأصل من الجدل، والجدْل فتل الحبل، جدل الحبل، يفتل الحبل، ويلف بعضه على بعض، فهي فروع، أو خيوط، ثم تُفتل حتى يتكون منها الحبل، وكأن المجادل أو المفاوض يحاول أن يفتل صاحبه عن رأيه (وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ) (فِى ٱللَّهِ): في أفعاله، (فِى ٱللَّهِ) في وجوده (فِى ٱللَّهِ) في صفاته، فيقول الملائكة بنات الله، عن القرآن أساطير الأولين، منكرا للبعث، والجزاء، وقيام الساعة، ويتبع في هذا الكلام، وفي هذا الرأي والزعم كل شيطان مريد، المريد‫: العاري من كل خير، المتجرد للشر‫.
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴿4﴾
‫(كُتِبَ عَلَيْهِ) على هذا الشيطان، وعلى كل طاغ مضل (أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ) (كتب عليه إنه من تولاه فإنه يضله) بالكسر قراءات، إذاً فقد كتب على كل شيطان مريد مُضّل أن من يتولى هذا الشيطان أو من يتولى الطغاة، ويجادل في الله بغير علم، أن يُعذب يوم القيامة بالسعير، والغريب في الآية كلمة (وَيَهْدِيهِ) (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ) إذاً يؤدي الجدال بغير علم إلى الضلال، لابد وأن ننتبه لهذا، وإياك والجدال، فإن الجدال بغير علم يؤدي إلى الضلالة، كما قال ربنا (فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهْدِيهِ) ولم يقل يسوقه، أو يوجهه، والهداية خير، لكن اللفظة جاءت بغرض الاحتقار، أو بغرض الإنكار، أو بغرض الاستهزاء (وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ) والسعير اسم من أسماء جهنم، أو طبقة من طبقات جهنم، ينتقل الكلام بعد ذلك إلى إثبات أدلة البعث، ومن الأدلة الواضحة البينة على البعث، وعلى قدرة الله (تبارك وتعالى) على البعث، الآيات التي وردت هنا في سورة الحج، وتأمل، واسمع‫.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍۢ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍۢ مُّخَلَّقَةٍۢ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍۢ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًۭا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍۢ شَيْـًۭٔا ۚ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةًۭ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍۢ ﴿5﴾
‫(يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ) خطاب يوجه للناس عموما، والآيات التي صدرت بياأيها الناس آيات مكية، مما أدخل الشك في نفوس المفسرين أهي مكية، أم هي مدنية (إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّنَ ٱلْبَعْثِ) الريب‫:‬ الشك فيه ريبة، الشك فيه اتهام، الفرق بين الريب وبين الشك، الشك ليس فيه تهمة، تشك أكذا أم كذا مع استواء الطرفين لديك، أما الريب والريبة فهو الشك فيه التهمة (البَعَثْ) (البَعْثْ) قراءات (لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ ) (ليبين لكم) قراءة (وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ) (ويُقر في الأرحام) قراءات (مَا نَشَآءُ) (ما يشاء) قراءات (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًۭا) (ثم يخرجكم طفلا) قراءات (ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ) (ومنكم من يَتوفى) قراءات (وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ) (إلى أرذل العُمُر) قراءات، أطوار الخلق هذه كيف علمها سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم، ولم يكن هناك علم للتشريح، ولم تكتشف هذه الأطوار إلا بعد أجيال، وأجيال، وبعد مئات السنين، الغريب في هذه الأطوار من تراب وهو آدم، أو الناس لأن النطفة والمني يتكون من الغذاء، والغذاء الذي يتناوله الإنسان يتكون من التراب، فهو من الأرض، الماء والطعام وما إلى ذلك كله من الأرض (فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍۢ ) آدم (ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ) النُطفة‫:‬ المنيّ والنطفْ: التقاطر والسيلان (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍۢ) العلقة‫:‬ الدم الجامد، أو العلقة تطلق على بعض اليرقات الصغيرة التي تتعلق بالجدران جدارن الترع والمصارف وما إلى ذلك، (ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍۢ) المضغة‫:‬ قطعة اللحم في حجم ما يمضغ، شكلها كأنها مضغت، كأنك تأخذ قطعة من اللحم تمضغ، ثم تخرجها كيف يكون شكلها، وحجمها هكذا الإنسان (مُّخَلَّقَةٍۢ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍۢ) مصورة وغير مصورة كتب لها الحياة، أو سقط، أو إنسان كامل الأعضاء، أو يولد ناقص، مشوّه، معوّق (لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ ) أي لنبين لكم قدرتنا على الخلق، والتقدير وعلى البعث بعد ذلك (وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ) (مَا نَشَآءُ) ولم يقل (من نشاء)؛ لأن الكلام عن الحمل الموجود (وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ) أي يبقى الجنين في الرحم، أو يسقط فما يشاء الله أن يقره استمر، وبقي مدة الحمل (إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًۭا) (إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى) إلى أجل مسمى موعد الوضع والذي يحتلف من امرأة لأخرى أو من جنين لآخر، والطفل اسم جنس يُطلق على المذكر، والمؤنث، جارية طفل، وولد طفل، وجماعة طفل (ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ ) كمال قوتكم، أو نهاية قوتكم، وكمال عقولكم، والأشد جمع شدة، كأنعم جمع نعمة، أو هو لفظ لا مفرد له (وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ) من قبل ذلك أي يتوفاه الله (وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ) أي يطول عمره إلى أدْوَن وأخس العمر، حيث ينسى ما علمه، وينكر ما عرفه، ويعود إلى حال الطفولة، فلا يدري عن الأمور شيئا، ويحتاج إلى من يحمله، ولمن يطعمه، ويذهب عقله، ويصبح في حالة من الهرم، (لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍۢ شَيْـًۭٔا ۚ ) والخرف حينما يرد إلى أرذل العمر يصبح نقصه في زيادة، وزيادته في نقص، لا يعلم، ولا يدري، يُذهل وتُذهل، ولا يميز الأمور ولا يعرف الناس، ينكر ما عرفه وينسى ما علمه، هذه الآية والتي تبين أطوار الخلق تدل على أمور‫:‬ التكوين، والتغيير، والنقص مرة يقبلها أخرى تراب، نطفة، علقة، مضغة، طفل، كبير، إذا الإنسان وأطوار الخلق يقبل التكوين، والتغيير من حال إلى حال يقبل النقص، ويقبل التمام قبلهُ مرة، هل يقبله أخرى؟ طبعا بالدليل العقلي، إذاً فلابد أن يكون هناك بعث بتحويل الأجساد، والرمم، والعظام البالية، والشعور الممزقة، والعظام النخرة، تتحول إلى خلق سوي مرة أخرى، فقد قبلت التكوين، والتغيير، والنقص، والزيادة مرة فتقبلها أخرى، أيضا أطوار الإنسان في مختلف عمره من طفل رضيع لا يدري، لا يعلم، يُحمل، يُرضَع، يُلبَّس، أو يغيّر له، ثم يحبو، ثم يقف، ثم يمشي، ثم يكبر والطفل من ساعة المولد إلى سن البلوغ، ثم تكتمل فيه القوى، والأشُد، والعقل يصبح رجلا أو كاملا ثم بعد ذلك يطول عمره، ويعود إلى النقص مرة أخرى، هذه الأطوار، والتحول، والتغيير يدل على وجود المدبر، القادر، المصرّف، الخالق، الموجد، هل بعد هذا الدليل شك في إمكان البعث، ومع ذلك يسوق الله (تبارك وتعالى) دليلا آخر (وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةًۭ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍۢ ) هذه الأرض أمر ظاهر، أمر مشاهد، الأرض ميتة هامدة، لا نبات فيها، ولا حركة، ولا سكون، الهمود، الخمود، خمدت النار‫:‬ همدت، وانطفأت (وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةًۭ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ) ماذا يحدث (ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) اهتزت الأرض، ربت انتفخت، رَبَى يربُو ربُواً: زاد، ونمى انتفخت بالنبات، وبالماء (وَأَنۢبَتَتْ) أخرجت (مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍۢ ) من كل صنف بهيج، يبهج من يراه، البهجة‫:‬ الحسن بَهُج بهاجة، حَسُن، دليل آخر على قدرة الله الذي يغير، ولا يتغير، ويحول ولا يتحول‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿6﴾
‫(ذَٰلِكَ) ما ذكر لكم من آيات، ودلائل، وتطور في خلقكم، وفي الأرض، وفي النبات، أمور ظاهرة، أمور مشاهدة (ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ) الحق المطلق، ما ذُكر أشياء موجودة، مشاهدة، ظاهرة، وجودها حق، ولكن لا حقيقة له إلا من حيث الحق المطلق، الذي أوجدها، وأنشأها من عدم، وغيرها، وصرّفها وما إلى ذلك (ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ) الحق الثابت، الذي لا يتغير، ولا يزول هو الحق، إذا ما تغير الشيء فهو ليس بحق؛ لأن الحق الأمر الواجب، الثابت الذي لا يتحول، ولا يتغير، ولا يزول الأزلي الأبدي، ذاك هو الحق الغني عن سواه، الموجود بذاته؛ إذ إن كل موجود يستمد وجوده من غير، وطالما كان الإنسان يستمد وجوده من الله، والنبات يستمد وجوده من الله، وكل ما تراه من تغيير، وتحويل، وتدبير، وتصريف كل ذلك موجود، ولكنه يفتقر إلى موجد، إذا فما على الأرض، وما في الوجود كله باطل من حيث ذاته، حق موجود من حيث إيجاد الله له (وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ) أمر طبيعي، لم تكن فكنت، كنت ترابا ثم إذا بك تتحول إلى نطفة، ثم إذا بك تتغير، وتتحول إلى علقة، ثم إذا بك مضغة، وتصور في الرحم الغذاء واحد، تراب تحول إلى منيّ، له شكل لزوجة، قوام، فإذا بهذا المني ذو اللون المميز المائل إلى البياض، يتحول إلى الأحمر القاني وهو الدم، وبعد أن كان سائلا إذا هو يجمد، وبعد أن كان جامدا إذا هو يصبح كالمضغة، وإذا بهذه المضغة يتكون منها عظم، وشعر، ولحم، وعصب، وبصر، وسمع، ومعدة، وكبد، وكلى، وأمعاء، وقلب، وضلوع، وأظافر، والمرأة الحامل تأكل نفس الطعام، هو، هو، فكيف يتحول الطعام من خلال الحبل السري إلى سائل دموي، فيشكل ويصور هذه المضغة، ويخرج بعد ذلك طويل، قصير، أبيض، أسمر، غليظ، رفيع، مبصر، وغير مبصر، هذا التطوير، وهذ التدبير، وهذا التصريف، وهذه الأطوار ألا تدل على أن البعث لابد وأن يكون (وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ) (وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ) الذي قدر على كل ذلك، قدر على نظائره، وقدرة الله، تبارك وتعالى، لا شك فيها، وكل المقدورات في قدرته سواء، فليس هناك ضعيف، وصغير، وكبير، وصعب، وسهل، فإيجاد أمة كخلق نملة، وخلق إنسان كخلق الأكوان (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍۢ وَٰحِدَةٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ (٢٨)) [سورة لقمان آية‫:‬ ٢٨].‬‬‬‬
وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌۭ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ ﴿7﴾
أن الساعة لا ريب فيها، ولا شك آتية، آتية؛ لأن الله أخبر بذلك، وجب الإيمان، والتصديق للمؤمنين، أما إن أردت أن تُعمل عقلك فيما ذكر من أدلة، وبراهين على قيام الساعة، فاعلم أن التغير، والتحول في أي شيء هو من مقدمات الفناء، والانصرام، أليس ذلك مفهوم عقلا لأي ذي عقل، إذا كان الشيء يقبل التغيير، ويقبل التحويل، فإذا به يتغير من صورة إلى صورة، ويتحول من حال إلى حال، كل ذلك دليل على الفناء، والانصرام، فإن التغير والتحول من مقدمات الفناء، والانصرام من هنا (وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌۭ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ) كما خلقنا أول مرة أين كنا؟ أين كنت؟ من أين جاء بك؟ لو تأملت وتفكرت رجل تزوج بامرأة أباح الله لها أن يعاشرها، ويباشرها، وفي لحظة بالليل، بالنهار تتحرك فيه شهوة، وتتقبلها الزوجة، ويحدث بينهما ما أباح الله، أن يحدث، وتنتهي تلك اللحظة، ولا شيء على بال أحدهما، إذا بالشهوة انقضت، وانتهت، ودخلت، واغتسلت، واغتسل، وراح لشأنه، وجاءت هي فإذا بها قد حملت حملا خفيفا، فمرت به دون أن تدري، دون أن تقصد، دون أن تقدر، فأنت نتاج لحظة من الشهوة بين رجل وامرأة، أليس كذلك؟ أين كنت قبل ذلك في صلب الرجل، وقبل أن يولد الرجل أين كنت؟ في نطفة أبيه كيف!؟ تلك النطفة فيها حيوان واحد هو الذي كان سببا في إيجاد الأب في هذا الحيوان آلاف، آلاف النطف من الأصلاب، فنطفة آدم الأولى كان فيها الخلق، وهكذا قس على ذلك، أين كنت قبل ذلك، لابد وأن من قدر على ذلك، قادر على أن يخرج الإنسان من القبر كما أخرجه من صلب أبيه، كما أخرجك من صلب أبيك، وأخرج أبيك من صلب أبيه، والأصلاب، وكأن كل نطفة يحدث منها حمل تحمل في طياتها الذرية، إلى أن تقوم الساعة، وكأن الخلائق جمعيا كلهم كانوا في صلب رجل واحد، ألا وهو آدم، فبعد هذه الأدلة الواضحة، والبراهين الساطعة، يأتي ذكر المجادلين في الله بغير علم، مرة أخرى أهو تكرير؟!
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَلَا هُدًۭى وَلَا كِتَـٰبٍۢ مُّنِيرٍۢ ﴿8﴾ ثَانِىَ عِطْفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ لَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ﴿9﴾ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ ﴿10﴾
في أول السورة بعد المطلع الرهيب، المخيف قال الله (عز وجل) (وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـٰنٍۢ مَّرِيدٍۢ) وهنا جاء التكرير (وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَلَا هُدًۭى وَلَا كِتَـٰبٍۢ مُّنِيرٍۢ ) قيل‫:‬ التكرير فائدته تكرار الذم لمن يفعل ذلك، وقيل‫:‬ الآية الأولى في المقلِّد، والآية الثانية في المقلَّد، وذاك أرجح (وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـٰنٍۢ مَّرِيدٍۢ ) إذاً فهذا المقلَّد أما هنا (وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَلَا هُدًۭى وَلَا كِتَـٰبٍۢ مُّنِيرٍۢ ﴿۸﴾ ثَانِىَ عِطْفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ ) إذاً المقلَّد المتبوع، فالأولى في التابعين، والثانية في المتبوعين (يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ) في صفاته، في وجوده، في قدرته، يجادل بغير علم، علم فطري، علم يؤدي إليه العقل، فالعلم أنواع‫:‬ هناك علم فطري يؤدي إليه العقل، لو أن رجلا لم تبلغه بعثة الرسل، ولم يعلم عن الأديان شيئا، لابد وأن يكون له علم فطري بمشاهدة الأشياء حوله، يرى الشمس تشرق، وتغرب، ولا تتأخر عن موعدها، يرى القمر، يرى النجوم، يرى الأنهار، يرى البحار، يرى الأشجار، يرى تطور النبات، يرى تغير أحوال الإنسان، حين يرى كل ذلك لابد وأن يعلم أن لكل ذلك موجد، خالق، مدبر، مصرف، ما هو؟ قد لا يعلم، لكن لابد وأن يوقن أن هناك قوة فرد، قوة قادرة، عالمة، مصرفة، مدبرة، قوة وحيدة، لا وجود لغيرها في الكون، يهديه العقل لذلك، أما الصفات، والأفعال، والشرائع فلا يعرفها إلا من خلال الرسل (وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ) سواء علم فطري، أو علم متوارث (وَلَا هُدًۭى) أي لا هداية له، ولا دليل يدله (وَلَا كِتَـٰبٍۢ مُّنِيرٍۢ ) مبيّن، يوضح له، يبين له ما يزعم، أو يسوق له الدليل على ما يزعمه، أن الصنم، أو الوثن إله، أو أنه يشفع، هذا الذي يجادل في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، صفته حقيقة أمره، ما الذي دعاه لذلك؟ الكبر، التعاظم، أن يظن في نفسه ما ليس لها (ثَانِىَ عِطْفِهِۦ) العطف من كل شيء‫:‬ الجانب (ثَانِىَ) لي اللوي، واللي ثني الشيء، أي تثنى الطرف على الطرف (ثَانِىَ عِطْفِهِۦ) ما انثنى من العنق هو العطف، ثاني عطفه، لماذا؟ (لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ ) إذا كلمة (ثَانِىَ عِطْفِهِۦ) تدل على أنه متعاظم، متكبر، من قولهم ينظر الرجل في أعطافه، فهذا ثاني عطفه كناية عن الكبر، والاستكبار، والتعاظم، أو كناية عن الإعراض عن ذكر الله، وعن الحقائق، لوى جنبه، أشاح بوجهه أدار ظهره (ليّضل عن سبيل الله) قراءة، وتكون اللام لام العاقبة، ومعنى ذلك أن الجدل يؤدي إلى الضلال، (لتضل) أي ليضل غيره ويصد غيره عن الدين (لَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ) الخزي في الدنيا أنواع، وألوان فالقتل خزي، إذا أذن للمسلمين بالقتال يُقتل الكفار، الأسر خزي، الاحتقار من الناس، الذكر القبيح على ألسنة المؤمنين، نهايته لو تأمل قد يُرد إلى أرذل العمر، ويطرد كما تطرد الكلاب، وقد يطرده ابنه من بيته، وكلكم يرى في الدنيا، ويشاهد كيف كان الرجل؟ وكيف كانت ممتلكاته؟ وكيف كان بيته أو قصره؟ وإذا به في دار من دور المسنين، ويبكي ويقول أخرجني أولادي، لا يقصد بذلك أن هذا الرجل كذلك، إنما أقصد أن في الحياة أمور تشاهد لا يرتضيها المسلم لنفسه، ويستعيذ بالله منها، فأنواع الخزي الكثيرة، قد تكون ابتلاء، وقد، وقد، وقد، لكن الإنسان يتعظ، ويشاهد، ويتأمل (لَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ) يقال له حين يذاق عذاب الحريق (ذَٰلِكَ) ذاك الذوق، وذلك العذاب، وذاك الإحراق (بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ) وذكرت اليد، وحين كفر كفر بقلبه، وحين ارتكب المعاصي ارتكبها بالجوارح، لكن لما كانت اليد هي أساس التكسب، يتكسب بيده، ويبطش بيده، ويفعل بيده، عبر باليد عن كل ما يكتسبه الإنسان بجوارحه (وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ) (بِظَلَّـٰمٍۢ) بعض الناس من أهل النحو يأخذون مثل هذا الكلام على أنه صيغة من صيغ المبالغة، مثل عليم، علام، ظالم، ظلام، فيقال‫:‬ هي صيغة مبالغة، ثم يحاولون التبرير؛ لأن المبالغة معناها أن الظلاّم كثير الظلم، عنيف في ظلمه، ليس ظالما فقط، بل هو ظالم، وظالم، فقالوا‫:‬ إن صيغة المبالغة لا يراد بها الصيغة، وإنما يراد بها كثرة العبيد، فالعبيد كثير، فإن ظلم هذا، وظلم هذا، وظلم هذا، فظلام لكثرة العبيد، وذاك كلام مردود، وتخريج لا داعي له (ظلاّم) صيغة نسب، ذاك هو الحس القرآني، وذاك هو المعنى اللغوي الذي يقبله العقل، والقلب المسلم، ظلاّم صيغة نسب، مثل‫:‬ لبّان، بائع اللبن، جزار، صيغة نسب، حجّام صيغة نسب، فكذلك ظلام صيغة نسب، ولما كانت صيغة نسب يصح المعنى (أن الله ليس بظلام) أي ليس بذي ظلم أصلا، فحين تقول ذاك الرجل ليس بلبّان، وذاك الرجل ليس بجزار تنفي عنه الصفة أصلا، وعليه (ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ) أي ليس بذي ظلم أصلا، ولم يحدث منه ظلم لا أزلاً، ولا أبداً (وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍۢ ) ويلفت النظر هنا كلمة (لِّلْعَبِيدِ) جمع عبد، لكنك إذا تأملت في القرآن، وجدت كلمة (عبيد) تأتي في مواضع بعينها، وكلمة (عباد) تأتي في مواضع بعينها (وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًۭا) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٦٣]، (فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿١۷﴾ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ) [سورة الزمر آية‫:‬ ١٧ - ١٨]، (قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ) [سورة الزمر آية‫:‬ ٥٣]، (يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌۭ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ (٥٦)) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٥٦]، تجد كلمة (عباد) فيها الألف، وكأن فيها الرفعة، وتجد:عبيد‫:‬ فيها الياء، الكسرة، وكأن فيها الانخفاض، والعباد تجد أنها على الطائعين، المبشرين، والعبيد تطلق على الناس عموما، فقد تبين لنا من خلال آيات سورة الحج مصير المجادلين في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، وكذلك مصير من قلدهم، وتبعهم، وقد ذكرت الآيات الأدلة الدامغة، والبراهين الساطعة على وجود الله (عز وجل) وقدرته، وتدبيره، وتصريفه، وعلى أن البعث حق، وأن الساعة لا ريب فيها، ثم تأتي بعد ذلك ذكر طائفة من الناس موجودين في كل زمان، ومكان أولئك الذين يعبدون الله (تبارك وتعالى) على حرف، قيل‫:‬ إنهم المنافقون، وقيل‫:‬ هم المتشككون، يقول الله (تبارك وتعالى) في شأنهم‫:
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍۢ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ﴿11﴾
‫(وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍۢ ۖ ) على شك، حرف الشيء‫:‬ طرفه، وحدّه، وشفيره، كمن يقاتل في الجيوش، ويتحرى الأطراف فإن حدث النصر قر، وإن حدث غير ذلك فر، هذا الصنف من الناس يعبد الله، تبارك وتعالى، متوقعا الجزاء في الدنيا، منتظرا للخير من كل أبوابه، فإن ابتلي بشيء من الشر، والشر في الأمور براقع، فالبلية نعمة خفية، إذا أصابه المرض، أو أصابه فقر، أو اجتاحته جائحة، ألقى باللائمة على دينه، وعلى إسلامه، وعلى ربه، فغضب منه، فانصرف عنه، قيل‫:‬ إن بعض الأعراب كانوا يأتون إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) في المدينة فيسلمون، فإذا ولدت امرأته غلاما، ونجبت إبله، قال ذلك دين خير، وإن حدث عكس ذلك، قال‫:‬ ذاك دين شر، وعاد إلى شركه يعبد الله على حرف، وكأنه في طرف الشيء، أقل شيء ينزلق فيقع (فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ ) ثبت واطمأن لدينه (وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ) ابتلاء، وامتحان، وربنا يبتلي الناس، ويمتحنهم (كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٣٥]، وهو القائل (أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ ﴿۳﴾) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٢ - ٣]، وهو أصدق القائلين (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ ﴿٢١٤﴾) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢١٤]، هذا الفريق من الناس قد تراهم في كل زمان، لم يكن يصلي فإذا نُصح وصلى وجد البلاء يتوالى عليه، مصادفة قد يكون كذلك، وقد يكون ابتلاء من الله ليرى أصادق هو في نيته أم ماذا؟ الدنيا دار ابتلاء، وليست دار جزاء، أما الآخرة فلا عمل، بل جزاء، ذاك الشخص إذا جاءه البلاء يقول لك حينما كنت لا أصلي كنت في بحبوحة من العيش، وحين عرفت طريق المساجد، وبدأت في الصلاة، وبدأت في اتباع أهل الدين المنيبين إلى الله إذا بأموالي تتناقص، وإذا بحالي يضطرب، وإذا بكذا، فيعود، وكأن الصلاة كانت سببا فيما حدث له، هؤلاء تسمع كيف يكون حالهم (فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ) عاد إلى ما كان عليه من الكفر (خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ) (خاسر الدنيا والآخرة) (خَسِرَ الدنيا والآخرة) قراءتان (خاسر الدنيا والآخرة) إذا قرأت لا يوقف على (وجهه)، بل يجب الوصل، أو انقلب على وجهه، والوقف يصح على أن تقول (خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ ) (خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ ) إذا إن امتناعه عن العبادة، أو رجوعه إلى الكفر، لن يزيل ما به من بلاء، ولن يصرف عنه ما هو فيه من فتنة، إذاً فقد خسر الدنيا باستمرار البلاء، وقد يضاعف، وبعد أن كان امتحانا يصبح عقابا، وخسر الآخرة؛ لأنه رفض الاستمرار على العبادة، ولم يثبت على إيمانه (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ) لا خسران بعده، خسر الدنيا، وخسر الآخرة، فماذا ربح؟.‬
يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ ﴿12﴾ يَدْعُوا۟ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِۦ ۚ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ ﴿13﴾
حين عاد إلى الكفر كما فعلت بعض الأعارب، والأعاريب، وعادوا إلى عبادة الأوثان، يعبدون ما يضرهم، لو تركوا عبادته، وما لا ينفعهم في الآخرة لو عبدوه (يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ) أي يعبد، ويتوجه، يعبد من دون الله (مَا لَا يَضُرُّهُۥ) ما لا يضره إن ترك عبادته، لا يملك له شيء (وَمَا لَا يَنفَعُهُۥ ۚ ) لا ينفعه إن عبده، لا ينفعه لا في الدنيا، ولا في الآخرة (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ) كأنه قد ذهب بعيدا عن القصد، وعن الصراط السوي (يَدْعُوا۟ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِۦ ۚ ) هذه الآية من الآيات التي تحتمل وجوها، إذ إن الأصنام لا ضر لها، ولا نفع في الدنيا، وإنما الضرر يكون في الأرض بأن تكون وبالا، وحريقا على من عبدها (يَدْعُوا۟ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِۦ ۚ ) وهل له نفع حتى يكون الضر أقرب؟ ذاك على سبيل الفرض، والتقدير إن كان، وإذا افترضنا جدلاً أن الصنم يضر، وينفع، فضره أقرب من نفعه؛ لأنه بعبادته في الدنيا تعرض للقتل، والأسر، والخزي، أما النفع الذي يتوقعه في الآخرة من أن الصنم يشفع فهو بعيد، أو يدعو لمن ضره في الدنيا، بغضب الله عليه، وبتعرضه للخزي، والقتل أقرب من نفعه الذي يتوقعه العابد للصنم في الآخرة من الشفاعة، وقد تكون الصياغة، والنص ترفيعا للكلام (لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ) الناصر، والمعين (وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ) المخالط، والمعاشر يقال له ذلك، لبئس المولى الذي اتخذته ناصراً ومعينا لك، ولبئس العشير الذي عاشر في الدنيا، واختلط به، أم هو القائل حين يبعث، ويصاب بالخزي، والهوان، ويجد أنه وما عبد في النار، وبضدها تتميز الأشياء، ويأتي ذكر الثابتين على الإيمان، الصادقين في إيمانهم‫.
إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴿14﴾
فالكلام يشعر بتعظيم شأن المؤمنين، وبالثناء عليهم؛ إذ إن الله يدخل الذين آمنوا (إِنَّ) حرف التأكيد، وذكر لفظ الجلالة، وأن الإدخال بمعرفته ذاك دليل على عظم شأن المؤمن، وأن الله (تبارك وتعالى) يثني عليه (إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) فيثيب من يشاء، ويعاقب من يشاء، وهو القادر على إنفاذ مشيئته، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وتأتي آية غاية في العمق، والغرابة، وتأمل‫.
مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُۥ مَا يَغِيظُ ﴿15﴾
‫(مَن كَانَ يَظُنُّ) يتوقع بحسب تفكيره، وعقله (أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ) ينصر من؟ الكناية تعود إلى أي شيء؟ هذا الضمير لأي شيء؟ (مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ) ينصر دينه، ينصر رسوله (فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ) من كان يعتقد في نفسه أن الله لن ينصر محمدا (صلى الله عليه وسلم) في الدنيا بإظهار دينه، وفي الآخرة ببعثه مقاما محمودا (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ) السبب‫: الحبل (إِلَى ٱلسَّمَآءِ) إلى السماء الدنيا، يحاول أن يمد حبلا إلى السماء، ويرقى في هذا الحبل ليقطع نصر الله عنه، هل يفعل ذلك؟ وإن فعل هل يقوى؟ هل يستطيع أن يقطع نصر الله عن حبيبه، وعن رسوله (صلى الله عليه وسلم) يتفكر، وينظر، ويقدر في نفسه لو استطاع ذاك، هل يذهب ويذهب كيده، تفكيره وتدبيره ما يغيظ، أو يذهب غيظه حسب الإعراب في حرف (ما) هي تفيد المصدر، أم هي موصولة، هناك معنى آخر (مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ) والضمير عائد على الظان، بمعنى من كان يعتقد أن الله قد تخلى عنه، ولن ينصره، وقع في شدة أو وقع في بلاء، الكلام عن اليائس من رحمة الله، قَلّ رزقه، أو قلّ ماله، أو ضعف جسمه، أو أصابه المرض، أو أصابه ظلم، ويئس من رحمة الله، انتظر الفرج فلم يأت الفرج، من كان يظن ذلك، وظن أن الله لن ينصره في الدنيا برفع الظلم عنه، أو في الآخرة بتعويضه، وإعطائه حقه، فإن منع عنه الرزق فهو معوّض عنه في الآخرة، وإن منع عنه النصر في الدنيا فهو معوّض عنه في الآخرة، وقد يعوض في الدنيا وفي الآخرة، ولله في خلقه شئون، فمن يئس من رحمة الله، واعتقد أن الله لن ينصره، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فليأت بحبل، ويربط الحبل في سقف بيته، والسماء ما أظلك، وسقف البيت سماء لك، وما أقلك فهو أرض يمدد بالحبل إلى السقف، وليقطع أي يختنق؛ لأن المختنق يقطع نفسه بغلق مخارج النفس فيموت (فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُۥ مَا يَغِيظُ) إن فعل ذلك هل يذهب غيظه، وتنتهي مشاكله، من انتحر حرمت عليه الجنة، تأبيداً، ودخل النار خالداً فيها أبدا، ومن توجأ بحديدة قتل نفسه بحديدة، فهو يتوجأ بها إلى أن تقوم الساعة، ومن تحسى السم، فهو يتحساه إلى أن تقوم الساعة، ومن ألقى نفسه من حالق فهو يلقي نفسه ثم يعاد ويلقي نفسه إلى أن تقوم الساعة، ذاك عذاب القبر له، يظل يفعل ذلك، ترد له الحياة، ثم يقتل نفسه بالطريقة التي قتل بها نفسه، وهكذا إلى أن تقوم الساعة، ثم في الساعة، وما أدراك ما الساعة، جهنم وبئس المصير، والعياذ بالله‫.
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ ﴿16﴾
وكذلك الإنزال، والبيان، والتوضيح الذي استمعناه في الآيات، ورأيناه، وأحسسناه، وشعرنا به، أنزل الله القرآن كله، آيات واضحة، ظاهرة، بينة، نور لا يعمى عنه إلا الضال (وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ) القرآن (ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ) كما رأيتم الآيات الماضية، ها هي بينة، ها هي واضحة، ها هي تدل على البعث، وتدل على قدرة الله (وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ) (أن) بمعنى (ولأن) إذا فالهادي هو الله أسند الهداية إلى نفسه (عز وجل) والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا (وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ) وتنظر في الدنيا، وتنظر في التاريخ فتجد طوائف كثيرة، ما حكم هذه الطوائف‫: اليهود، النصارى، المجوس الذين عبدوا النار، والذين قالوا‫: إن أصل العالم ظلمة ونور، والصابئون، صبأ‫: خرج من دين إلى دين، هم قوم عبدوا النجوم، والكواكب، والشموس، اليهود في كل الأزمان، في زمن موسى المتعنتون معه، والمؤمنون به، واليهود في زماننا، وفي الأزمان القادمة، والنصارى أتباع عيسى، الحواريون، والذين طلبوا نزول المائدة، والذين استقروا في إيمانهم، والذين كفروا بعد نزول المائدة، (فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١١٥)) [سورة المائدة آية‫: ١١٥]، أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين كفروا بعد نزول المائدة، يقول الله (تبارك وتعالى) مجيبا على هذا التساؤل‫:
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ﴿17﴾
‫(إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟) في كل زمان، ومكان، أو هم أمة النبي (صلى الله عليه وسلم) (وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟) اليهود (وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟) عبدة الأصنام، أهل مكة (إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ) فيدخل الطائعين الجنة، ويدخل الكافرين النار، أو يفصل بينهم، بأن يظهر الحق، معرفة الحق في الدنيا بالنظر، والاستدلال، البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، تدل على الحكيم الخبير، فأنت تعرف الله في الدنيا، وتعرف الحق في الدنيا بالنظر، والتأمل، والاستدلال (إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ) [سورة الحج آية‫: ٥]، وهكذا تدل على القدرة، على إعادة الخلق، الأرض هامدة ميتة، أنزلنا عليها الماء اهتزت، وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، إذاً فمعرفة الحق في الدنيا بالنظر، والاستدلال، معرفة الحق في الآخرة لا بالنظر ولا بالاستدلال، بل بعلم ضروري يخلقه الله في الناس، في الخلائق جمعيا؛ إذ حين يبعث العبد يعرف الحق معرفة ضرورية (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌۭ (٢٢)) [سورة ق آية‫: ٢٢]، معرفة ضرورية لا يختلف فيها اثنان، والكل في معرفة الحق سواء يوم القيامة؛ إذ لا نظر، ولا استدلال، ولا توجيه إلى الحق، ولا هداية، ولا إضلال، الحق المطلق حين لا يكون الملك إلا لله، من هنا يقول الله، تبارك وتعالى، عن الطوائف جمعيا (إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ) إما الفصل بالحكم، يدخل من يشاء في الجنة من الطائعين، ويدخل من الكافرين من يشاء في النار، أو يفصل بمعنى يظهر الحق من الباطل، فيعرف الحق بعلم ضروري (إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ) مراقب لعباده، مراقب لأعمالهم، حافظ لها، أو شاهد عليهم يوم القيامة، ثم تتوجه الآيات لمن له عقل يتدبر به، ونظر يستدل به، قبل أن يظهر الحق، وتصبح معرفة الحق معرفة بعلم ضروري، ها هي الآيات التي توصلك إلى الحق بالنظر، والاستدلال‫.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ۩ ﴿18﴾
‫(أَلَمْ تَرَ) الرؤية هنا رؤية قلب، أي ألم تعلم (يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ) (مَن) للعاقل، وقد يقصد بها الكل، عاقل وغير عاقل، كما أن (ما) قد تعم كذلك (مَن) للعاقل (ما) لغير العاقل، ومع ذلك جاء في القرآن التعميم (من) تعم و(ما) قد تعم، هذه الآية، آية سجدة، وهي من فضائل سورة الحج، ففي السورة سجدتان تلك هي آية السجدة الأولى، وإذا تُليت على المنبر نزل الإمام وسجد، وسجد الناس فرادى، وإذا قرأت في الصلاة سجد لها المصلي كذلك إن كان إماما سجد، وسجد المأمومون معه، فإن لم يسجد الإمام إن تليت على المنبر فلا شيء عليه، ولا يسجد الناس كذلك، كما فعل عمر بن الخطاب، سجد في مرة، ولم يسجد في المرة الثانية عن نفس الآية، في إحدى السور التي بها سجدة تلاوة، لكي يبين بذلك عمر (رضي الله عنه وأرضاه) أن سجود التلاوة ليس فرضا إذا قرأت السجدة على المنبر، لكن هو فضل فلما نحرم نفسنا منه، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ) السجود، والتسبيح المنسوب إلى الجمادات في القرآن فيه قولان‫:‬‬
‫تسبيح بالمقال، أم تسبيح بالحال، هما رأيان، التسبيح بالحال معناه أن الحركة الدائبة لهذه الأشياء، الحركة المنتظمة تدل على وجود الله، وتنزيه الله عن كل نقص، وعن كل عيب، أما التسبيح بالمقال فلا بد وأن يكون بلغة لا نفهمها، وبصوت لا نسمعه، والكون مليء بنشيد التوحيد لله (عز وجل) كما تتخاطب الحشرات، مثلا النمل، ولا نسمع كما سمع سليمان، هل للجمادات كذلك؟ قيل‫:‬ نعم، كل شيء له لغة، وله لسان، ولكنا لا نسمع، رأي آخر كذلك السجود هل السجود حقيقي أم التعبير به مجاز؟ السجود هنا بمعنى الخضوع، التذلل، مسخّر لقدرته، لا يتأبى عن تدبيره كشروق الشمس، وغروب الشمس، وبزوغ القمر، وأفول القمر، وتحرك النجوم، وكل ما في الكون منتظم الحركة، إذا فهو مسخر لقدرة للواحد الأحد، لا يتأبى عن تدبيره، فلا ينبغي للشمس أن تدرك القمر، ولا يصح لليل أن يسبق النهار، هذا يدل على وجود المدبر، المتصرف، الذي لا يسهو، ولا ينام، العليم العلام، إذا فذاك سجود أي طاعة، إن السجود يدل على الخضوع، إذاً فالمقصود بكلمة يسجد له من في السموات، ومن في الأرض، خضوع بعدم التأبي عن التدبير، ليس لأحد في الأمور تدبير، هو الفعال، هو المدبر الواحد الأحد الوحيد، لا شريك له، ها هي الشمس ها هو القمر، ها هي الأنهار، ها هي البحار، ها هي الثمار، ها هي الأشجار، كل شيء يدل على وجوده، هذا الخضوع ما هو إلا يُعبّر عنه بالسجود (مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ) للعاقل، قد تكون مقصود بها السجود الفعلي، وليس الخضوع (وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ) جوامد لا عقل لها، ولا روح فيها، ولا حياة (وَٱلدَّوَآبُّ) أما الدواب وإن كانت حية فهي غير عاقلة، وما رأينا شاة تسجد، أو بعير يركع، إذا فالسجود لهذه الأشياء هو الخضوع، وعدم التأبي عن التدبير، والتسخير لقدرة الله (عز وجل) النجوم تشرق مسخرة لنعرف الطريق، نهتدي بها في ظلمات البر والبحر، وهي أيضا رجوما للشياطين، وهي أيضا زينة ثلاثة أسباب لوجود النجوم، علل بينها الله في القرآن، وهناك من يقول‫:‬ السجود كالتسبيح، فالتسبيح بالمقال، ولكنا لا نفقه تسبيحهم (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٤]، وكذلك السجود، هناك سجود فعلي، لكن السجود مختلف هيئته، من شيء لشيء فهيئة السجود عند الإنسان أن يضع جبهته على الأرض، والسجود على سبعة أعظم كما قالوا، هيئة نشأت من هيئة الإنسان، لو كان الإنسان مخلوق على هيئة الكرة كيف كان يسجد؟ هل يسجد أم لا؟ لابد وأن يسجد كيف؟ هيئة يهيئها الله، فكذلك الشمس، وكذاك القمر، وكذلك النجوم، له هيئة للسجود لا نراها، كما أن له لسانا للتسبيح لا نسمعه، فالسجود سجود حقيقي، والدليل على ذلك ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ( عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ وَرَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) جالس، فلما غابت الشمس‫:‬ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ، فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا‫:‬ ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا) سجود، فهناك من يقول‫:‬ إن السجود حقيقي، كما أن التسبيح تسبيح حقيقي بالمقال، باللغة، باللسان، وهناك من يقول‫:‬ إن السجود خضوع، تستدل بهذا الخضوع، والتذلل والانقياد لتدبير الله (عز وجل) هو خضوع يُعبَّر عنه بالسجود، ووقف الكلام عند (وَٱلدَّوَآبُّ) قد يكون من حيث اللغة، وأنشأ واستأنف الكلام (وَكَثِيرٌۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ ) له الثواب، والجنة (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ۗ ) ودخل في النار، أو الوقف على أي يسجد له، ويسجد له، ويسجد له، وكثير من الناس يسجدون سجود طاعة، والوقف هنا، ثم الاستئناف (وَكَثِيرٌۭ) من الناس تأبى على السجود، وجحد بنعمة ربه، قد يكون المعنى كذلك (وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ ) ومن أعزه الله، فلا مُذل له، ومن ستره الله، فلا فاضح له، من يهن فما له من مكرم، بأي نوع من أنواع الإكرام، إذا أهانه الله فلا إكرام، فلا أحد يقدر أن يكرمه بأي نوع من أنواع الإكرام، ما هي الإهانة؟ قيل فيها الكثير، الإهانة الحكم عليه بالشقاوة، الإهانة الإضلال، الإهانة‫:‬ أن يوكل إلى نفسه، الإبعاد، الإهانة‫:‬ الحرمان من الطاعة، ما أحلى السجود، ما أجمل الطاعة، ما ألذ القرب (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب ۩ (١٩)) [سورة العلق آية‫:‬ ١٩]، أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، الحرمان من الطاعة أكبر إهانة، كما أن التوفيق إلى الطاعة أعظم كرامة، لو أنك طِرت في الهواء، ومشيت على الماء، وسخر لك ما في الأرض، وما في السماء، هل يوضع ذلك في ميزانك؟ هل تثاب عليه أم تسأل عنه؟ أما إن أيقظك ليلا في ساعة، ليلا في ساعة يحبها كما كنا ندعو، ونتعلم الدعاء (أيقظني في أحب الساعات إليك، واستعملني بأحب الأعمال إليك) فإن أيقظك في ساعة يحبها، وألهمك، قم ناجني بكلامي، قم فقد غارت النجوم، ونامت العيون، وأنا الحي القيوم، قم فاسألني، قم فاستغفرني، قم فناجني بكلامي وصلي لي، ذاك هو الإكرام (إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ) لا يُعلل فعل الله بأفعال العباد، يقول الله (إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ) لأنك قد تتوهم أن فعل العباد الساجدين، والمتأبين عن السجود كان ذاك سببا في فعله، أفعال الله لا تعلل بأفعال العبيد، فقد يدخل كل الناس الجنة، وقد يدخل كل الناس النار (لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ (٢٣)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٢٣]، من عَبَد فبفضل الله، من دخل الجنة فبفضله، وبصدق وعده، ومن دخل النار فبعدله، وما ربك بظلام للعبيد، ففي غزوة بدر أولى الغزوات، وأول لقاء بين حزب الله، وحزب الشيطان، وكلكم يعرف قصة الغزوة، حين خرج الكفار ونادوا هل من مبارز، وخرج لهم الأنصار قالوا‫:‬ لا نريدكم بل نريد أبناء عمومتنا، خرج علي بن أبي طالب، وحمزة، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، خرج لهم ثلاثة عتبة بن ربيعة، شيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وانتصر المسلمون الثلاثة، وقتل الكافرون الثلاثة، قيل‫:‬ إن الآية قد نزلت في شأنهم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌۭ مِّن نَّارٍۢ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ ﴿19﴾ يُصْهَرُ بِهِۦ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ ﴿20﴾ وَلَهُم مَّقَـٰمِعُ مِنْ حَدِيدٍۢ ﴿21﴾ كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ﴿22﴾
‫(هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ ) وورد عن علي بن أبي طالب أنه قال‫:‬ (إني لأول من يجثو للخصومة بين يدي الله يوم القيامة) مشيرا إلى تلك الغزوة، ذاك رواه البخاري، كما روى مسلم عن أبي ذر الغفاري، أنه أقسم بالله إن هذه الآية نزلت في شأن هؤلاء الثلاثة، والعبرة كما قلنا من قبل بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فالآية تنزل من أجل سبب لكن المعنى يعم (خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ ) المؤمنون، والكافرون، اختصموا في شأنه (عز وجل) في شأن وجوده، أو في صفاته، أو في أفعاله، المؤمنون آمنوا بالله، وصفاته، وأفعاله، وكتبه، ورسله، وملائكته، واليوم الآخر، والكافرون أنكروا كل ذلك، حتى وإن أثبتوا أو أقروا بوجود الله، وبأنه الخالق، ولكنهم عبدوا معه الأصنام، وما إلى ذلك (فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌۭ مِّن نَّارٍۢ ) قُطعت‫:‬ خيطت، وسويت، فُصلت لهم ملابس من جهنم، يلبسونها، أو الكلام ليس على حقيقته، وإنما هو مجاز عن إحاطة النار بأجسامهم إحاطة الثياب كقوله (عز وجل) (وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاسًۭا (١٠)) [سورة النبأ آية‫:‬ ١٠]، (يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ) الحميم‫:‬ الماء البالغ الحرارة (يُصْهَرُ بِهِۦ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ) يُصهر‫:‬ يذاب ما في بطونهم، والجلود، غريبة فالجلود تشوى لكن تذاب! الآية تدل على أن التأثير المحرق للظاهر هو نفس التأثير للباطن؛ إذ إن النار في الدنيا مهما أحرقت فهي تحرق الظاهر، ومهما صب على الإنسان من ماء مغلي، وما إلى ذلك صهر وأَذيب الخارج، أما أن تُصهر الأمعاء، أن تذاب المعدة، أن يذاب الشحم، والعصب، والدم، والعروق!! ولذا يقال‫:‬ إن الحميم إذا صب على رءوسهم سلت ما في داخل أجسامهم من أقدامهم، ثم يعادون، فالآية تدل على أن التأثير الفظيع لهذا الحميم في باطنهم، كتأثيره في ظاهرهم سواء بسواء (وَلَهُم مَّقَـٰمِعُ مِنْ حَدِيدٍۢ ) مقامع جمع مقمعة، المقمعة‫:‬ كل أداة، أو آلة تكف بها الشخص بعنف، فالقمع‫:‬ الكف بعنف أن تمنعه بشيء من العنف الشديد، المقمعة قد تكون سياط، قد تكون عصا، قد تكون سيف، قد تكون مرازب (وَلَهُم مَّقَـٰمِعُ) لهؤلاء الكفار في جهنم (مِنْ حَدِيدٍۢ ) يُقال‫:‬ لو وضعت مقمعة منها على الأرض ما استطاع أهل الأرض جمعيا أن يقلوها من مكانها، أقوال وأقوال في شأن العذاب والعياذ بالله، أعاذنا الله وإياكم منها (كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ) كيف يريدون أن يخرجوا من النار، وقد أحاط بهم سرادقها، كيف وفيها الزبانية؟! كيف وفيها الخزنة؟! كيف وقد غُلقت عليهم الأبواب؟! قيل‫:‬ إن شدة اللهب والغليان في جهنم، يصعدون مع اللهب فينظرون إلى الشفير أو الحافة، فيهمون بالخروج والهروب، فإذا بالملائكة تنتظرهم بالمقامع، فيُضرب بالمقمعة فيهوى في النار سبعين خريفا (أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ) أي ويقال لهم على تقدير القول (وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ) الحريق‫:‬ المحرق، كقولك أليم للمؤلم، وجيع للموجع، أو الحريق اسم من الاحتراق، أي ذوقوا عذاب الاحتراق، ثم تأتي البشارة لأحبابه، وأوليائه، وعباده الذين امتن عليهم بالهداية‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَلُؤْلُؤًۭا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌۭ ﴿23﴾ وَهُدُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ ﴿24﴾
آية تفيد بصياغتها إحماداً للمؤمنين، وتعظيما لشأنهم (إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ) أي من تحت قصورها، أنهار اللبن، والعسل، والخمر، والماء، وما إلى ذلك (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ) أساور جمع أَسورة، والأَسورة جمع سوار (فَلَوْلَآ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌۭ مِّن ذَهَبٍ) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٥٣]، في موضع آخر، هذه الأساور (مِن ذَهَبٍۢ وَلُؤْلُؤًۭا ۖ ) أرأيتم اللؤلؤ كيف يكون أساور؟! اللؤلؤ الذي يخرج من الأصداف؛ ولذا قال البعض‫:‬ كيف يكون سوار من لؤلؤ؟! قد يكون المراد أن الذهب مرصع باللؤلؤ، ولم لا يكون السوار من اللؤلؤ؟ إذا كانت الأشجار تنبت الثياب (يُحَلَّوْنَ فِيهَا) الحلية للمؤمن يوم القيامة تبلغ حيث يبلغ الوضوء، كي تسبغوا وضوءكم انتبهوا (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَلُؤْلُؤًۭا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌۭ) تغير أسلوب الكلام، تفهم من تغير الصيغة، أن الحرير لباس عادي بالليل والنهار، في النوم، وفي اليقظة، وفي كل الأحوال، هو عادي لا إضافة، كالتحلية (يحلون) إضافة أما (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌۭ) فذاك شأنهم (وَهُدُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ ﴿٢٤﴾) إما الآية عن الدنيا، وإما عن الآخرة (وَهُدُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ) كلمة التوحيد (وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ) الجنة في الدنيا (وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ) الإسلام، أو الكلام عن الآخرة، حُلُوا من أساور، ولباسهم فيها حرير، وأدخلوا الجنة تجري من تحتها الأنهار، وهدوا إلى الطيب من القول‫.‬‬
‫(وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ (٧٤)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٤]، (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ ) (وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌۭ شَكُورٌ (٣٤)) [سورة فاطر آية‫:‬ ٣٤]، ذاك هو القول الطيب في الآخرة (وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ) الكلام عن الصراط، والصراط حميد، محمود في نفسه، أو محمود عاقبته، أو الصراط الحميد هو الجنة (وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ) الحق الله (عز وجل) هدوا إلى صراطه، وصراط الحميد الذي هو الله المحمود في ذاته، هو الإسلام‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، أيها الإخوة الأحباب، إن الله (تبارك وتعالى) أمرنا بما بدأ به نفسه فقال‫:‬ (إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا (٥٦)) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٥٦]، اللهم صلي وبارك على سيد الأولين، والآخرين، يعود الكلام إلى مشركي مكة بعد أن بيّن الله (تبارك وتعالى) أنه يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار، وبيّن ما ينتظرهم من نعيم، وكيف أنهم هدوا إلى الطيب من القول، وهدوا إلى صراط الحميد، يقول الله (عز وجل):‬‬‬
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍۢ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ﴿25﴾
ورد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أراد أن يعتمر هو وأصحابه، لم يكن يريد حربا، وإنما أراد النُسًك، أراد العبادة، وحين وصل إلى الحديبية هو وأصحابه، صده مشركو مكة عن الحرم، وأبوْا أن يدخل، وحدثت مباحثات، ومفاوضات انتهت بصلح الحديبية، وعاد الرسول (صلى الله عليه وسلم) من بعد أن نحر هديه، وعاد المسلمون معه، ولم يدخلوا الحرم على أن يدخلوه في العام القابل، يشير القرآن إلى هذه الحادثة بقوله (عز وجل) (إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ) وفي التعبير بكلمة (يصدون)، والفعل السابق فعل ماضي (ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟) يبين أن الصد مستمر منهم، فلا يراد بالكلمة حالاً، أو استقبالاً، وإنما يراد بها الاستمرار، وأن من ديدن الكافر ألا يكتفي بكفره، بل يحاول أن يصد غيره عن الدين، وعن الإسلام، ومنه قوله (تبارك وتعالى) (وَدَّ كَثِيرٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًۭا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٠٩] فالكافر حسود، إذا رأى مؤمنا حسده، وحاول أن يرده، ويصده، وذاك ديدن الكفار‫.‬‬
‫من هنا يقول (وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ) طريقه ودينه (وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ) أي ويصدون كذلك عن المسجد الحرام، قيل‫:‬ المراد المسجد، وقيل‫:‬ بل المراد الحرم، إذ إن النبي (صلى الله عليه وسلم) صُدَّ عند الحديبية لم يدخل مكة أصلا، وترتب على ذلك أحكام مجالها في كتب الفقه على التفصيل (إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ۚ ) العاكف‫:‬ المقيم، الباد‫:‬ البادي الذي جاء من البادية، كأن الناس في المسجد، وفي عبادتهم، وما يريدون من طواف، وعكوف، وقيام، وركوع، وسجود مستوون فيه لا فضل لأحد على أحد، ولا ميزة لأحد على أحد، فالمقيم بمكة الذي هو من أهل الحرم، حكمه في المسجد حكم القادم من خارج الحرم، مهما كان بعد المسافة (إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ۚ ) خبر إن محذوف ثقة بفهم السامع، ولك أن تقدر (لهم عذاب أليم) (لهم عذاب عظيم) إلى آخر ما يمكن أن تقدَّر من خبر (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍۢ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ) استئناف الكلام، الإلحاد في اللغة الميل ألحد‫:‬ مال، وتبين الآيات هنا أن المقصود الميل بظلم (وَمَن يُرِدْ فِيهِ) في المسجد، أو في الحرم (بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍۢ ) ملحدا بسبب الظلم (نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ) وفي هذه الآية تفرعت للعلماء الأحكام، ما هو الإلحاد؟ الإلحاد‫:‬ الميل، يقصد بالظلم الذي بين نوع الإلحاد‫:‬ الشرك، وقيل‫:‬ بل الظلم، الشرك، والقتل، وقيل‫:‬ بل الظلم كل معصية ترتكب في الحرم، وشدد بعضهم، وقال‫:‬ النية بالمعصية لا يؤاخذ عليها العبد في أي مكان إلا في الحرم، فمن نوى أن يعصي في الحرم، أوخذ بنيته، ولو لم يفعل المعصية، وقيل‫:‬ الظلم هنا يقصد به الصغائر والكبائر، وقيل‫:‬ بل تضاعف المعاصي في الحرم، كما تضاعف الطاعات، وتضاعف المعصية؛ إذ يعاقب على المعصية، ويعاقب على هتك حرمة الحرم، ويأتي بعد ذلك بيان لمشركي مكة المقيمين بها، الذين يطوفون بالبيت لأصنامهم، وينحرون لأوثانهم، ما هي قصة البيت؟ ومن الذي بناه؟ ولِم تم البناء، وهم أحفاد الباني ومن ذريته إبراهيم (عليه السلام)‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْـًۭٔا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴿26﴾
بَوَّأ بَوَّأه وبَوَّأ له منزلا‫: أعده له، ومكنه فيه (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ) أنزلناه في هذا المكان، وجعلناه مباءة له أي مكان إقامة، بوَّأنا أيضا بمعنى بينَّا، وعلّمنا، أي بينَّا له مكان البيت، وعرّفناه له، فقد طمس البيت مع الطوفان، ولم يظهر وحين ذهب إبراهيم إلى ذلك المكان وبينه الله له هبت الريح فكشفت الرمال، وكشفت عن أسس البيت، فأقام إبراهيم البيت على أسسه الأصلية (أَن لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْـًۭٔا) قُرأت (أن لا يشرك بي شيئا) أي أمره الله (تبارك وتعالى) أن يقول ذلك، أو هو الأمر الأزلي لكل الناس بعبادة الله الواحد الأحد (وَطَهِّرْ بَيْتِىَ) طهر بيتي من الأنجاس الحسية، والمعنوية، من الأوثان، من الأصنام (لِلطَّآئِفِينَ) الذين يطوفون للعبادة (وَٱلْقَآئِمِينَ) المقيمين، أو القائمين في الصلاة (وَٱلرُّكَّعِ) في الصلاة (ٱلسُّجُودِ) إذا فهذا هو الأصل، والأساس بني البيت ليكون مكانا للناس يعبدون الله فيه، ويتفرغون للعبادة، ويؤدون المناسك، وكانت هذه هي الأوامر‫: تطهير البيت من الأرجاس، والأوثان، والأصنام، وتهيئته للطائفين، والعاكفين، والأمر من الله (تبارك وتعالى) بمنع الشرك، فكيف أشركتم يا أهل مكة، ومن أين جئتم بهذه الأصنام، والأوثان وما هي حجتكم في عبادتها من دون الله، قال بعض العلماء‫: إن الكلام انتهى لإبراهيم عند قوله (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ) وتوجه الكلام إلى المصطفى (صلى الله عليه وسلم) لأن كلمة (أَن لَّا تُشْرِكْ) فيها المخاطبة، والمخاطبة لحاضر، وإبراهيم انتقل، والحاضر هو رسول الله‫.
وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًۭا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍۢ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍۢ ﴿27﴾
(وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ) ‫قيل أيضا الأمر لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) بغرض فريضة الحج، والقول بأن الكلام لإبراهيم أصح، وأرجح (وأذِّن في الناس- وآذِن) قراءتان (بالحَجِّ- بالحِجِّ) قراءتان والأذان‫: الإعلام (يأتوك رِجَالاً- رُجَالاً- رُجَّالاً- رُجالى) قراءات، الغريب في الأمر أن ربنا يقول لإبراهيم (عليه السلام) (وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ) هل الإتيان للبيت، أم الإتيان لإبراهيم؟! تأمل الإتيان للبيت، الإتيان للحج، لكنه قال‫: (يَأْتُوكَ) تشريفا لإبراهيم، ورفعة لقدره، وتعظيما لشأنه، وكأن الذهاب إليه، ذهاب إلى البيت (يَأْتُوكَ رِجَالًۭا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍۢ يَأْتِينَ) (يَأْتِينَ) عاد الكلام إلى ضامر، الضامر يطلق على المذكر والمؤنث، الضامر‫: المهزول، الضعيف، والضامر الإبل التي أرهقها مشقة السير، فحدث بها الهزال، عبّر عنها بما يؤول إليه شأنها؛ لأنه حين ركبها قاصدا السفر كانت قوية قادرة على السفر، لكن المشقة، وطول السفر أرهقها فحدث لها الهزال، والضمور، فأصبحت ضوامر(يَأْتِينَ) والكلام عن الإبل، وكأنه تعظيم لشأن الإبل التي حملت أصحابها للحج، (يأتي) هنا كان من التقدير أن تعود للناس؛ ولذا قرأت (يأتون) (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتون) قراءة (يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍۢ ) الفج‫: الشق بين الجبلين، يعُبَّر به عن كل طريق، عميق‫: بعيد، قيل‫: إن إبراهيم حين أُمر بالآذان قال‫: يا رب كيف وفي صحراء جرداء، لا زرع فيها، ولا ضرع، ولا أناس، فقال‫: عليك الأذان وعلينا البلاغ، فصعد إبراهيم على جبل أبي قبيس وأذّن‫: يا أيها الناس حجوا بيت الله فربنا (تبارك وتعالى) أبلغ الأذان إلى الخلق، وهم في أصلاب آبائهم، فقالوا‫: لبيك اللهم لبيك، فمن لبّى مرة حج مرة، ومن لبى مرتين حج مرتين، وهكذا‫.
لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ﴿28﴾
‫(مَنَـٰفِعَ) نكرة، ومعنى النكرة هنا تعظيم شأن المنافع، وكأنها منافع مخصوصة لا يمكن أن تتحصل إلا بالحج؛ لذا قال (لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ) أي منافع؟ ما هي؟ لا تعريف فيها لم يقل‫: (المنافع)، هذا التنكير لبيان أنها منافع خاصة لا يمكن أن تتحصل إلا بالحج، ترى ما هي؟ قيل‫: منافع دنيوية بالتجارة، والتعارف، ومنافع أخروية وما إلى ذلك، والله (تبارك وتعالى) أعلم بهذه المنافع (لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ) يحضروا، ويحصلوا على منافع (وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْلُومَـٰتٍ) العشر الأوائل من ذي الحجة، أو أيام النحر، يوم العيد وأيام التشريق (عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ ) شكر الله (عز وجل) يذكروا اسمه، ويعظموه، ويكبروه، أو المقصود ذكر اسم الله (تبارك وتعالى) عند النحر، والذبح (فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ) (فَكُلُوا۟) فعل أمر(وَأَطْعِمُوا۟) فعل أمر، البائس‫: الذي أصابه البؤس، والمشقة، نتيجة فقره (ٱلْفَقِيرَ) البائس شيء، والفقير شيء أو (ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ) شيء واحد، الفقير‫: الذي كسر الفقر فقار ظهره، دلالة على شدة الفقر، والبائس الذي أصابته الشدة لقلة المال، وقلة الزاد، هذا الأمر (فَكُلُوا۟ مِنْهَا) قالوا‫: هي للاستحباب، فإن أكل لا بأس، وإن لم يأكل لا بأس، لكن يُستحب أن يأكل، ويستحب أن يُطعم، وقال البعض‫: بل هو أمر إباحة، وإباحة لما كان عليه أهل الجاهلية؛ إذ كانوا يحرّمون الأكل من هذه الذبائح، فهو أمر إباحة، يباح لكم أن تأكلوا منها، لا يحرم عليكم ذلك، وقال بعضهم‫: بل الأمر على الندب، حتى تحدث المواساة للفقير، إن دعوت الفقير إلى مائدتك، وأكلت معه، وأطعمته، فهي مواساة للفقير، وقال البعض‫: بل الأكل للاستحباب، والإطعام واجب، لكن لابد أن نعلم أن الأمر بالأكل، والإطعام هنا فيما هو تطوع فقط، أما ما يُذبح وفاءا لنذر فلا يأكل منه الناحر، ما ينحر، أو يذبح كفارة ممنوع الأكل منه، ما ينحر أو يذبح جزاء الصيد في الحرم يمنع الأكل منه، ما ينحر بسبب الأذى (بِهِۦٓ أَذًۭى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌۭ) [سورة البقرة آية‫: ١٩٦]، إذاً فالفدية لا يصح الأكل منها، والنذر لا يصح الأكل منه، والكفارة لا يصح الأكل منها، لكن يؤكل من هدي التطوع، فإن أكل من نذره، أو من جزاء قتل الصيد، أو من الكفارة وجب عليه الإعادة‫.
ثُمَّ لْيَقْضُوا۟ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا۟ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا۟ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴿29﴾
التفث‫: يطلق على الوسخ، والقذر(ثُمَّ لْيَقْضُوا۟ تَفَثَهُمْ) أي بعد النحر يتم الحلق، أو التقصير، وقص الأظفار، والاستحمام، وإزالة الوسخ، وقيل‫: التفث يعبر به عن المناسك، وهي رمي الجمار، والحلق، والقص للشعر، وما إلى ذلك (وَلْيُوفُوا۟ نُذُورَهُمْ) أمر بالوفاء بالنذر، فالنذر واجب، من نذر نذراً أصبح فرضا في حقه، لكن لابد أن يكون النذر في طاعة، إذ لا نذر في معصية، فمن نذر طاعة لله، فليأت بنذره، ومن نذر أن يعصي الله، فلا يعصيه (وَلْيَطَّوَّفُوا۟ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ) العتيق‫: القديم (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍۢ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًۭا وَهُدًۭى لِّلْعَـٰلَمِينَ (٩٦)) [سورة آل عمران آية‫: ٩٦]، أو العتيق بمعنى المعتوق؛ إذ عتقه الله من تسلط، وسيطرة الجبابرة على مر الأزمان، والدهور، أو العتيق؛ لأن الله يعتق فيه رقاب المذنبين، فيغفر لهم الحج‫.
ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلْأَنْعَـٰمُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُوا۟ قَوْلَ ٱلزُّورِ ﴿30﴾
‫(ذَٰلِكَ) أي الأمر ذلك، ذلك فرض عليكم ذلك الكلام الماضي (ثُمَّ لْيَقْضُوا۟ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا۟ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا۟ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ) ذلك أمر الله، ذلك فامتثلوه، ذلك واجب عليكم، كلمة (ذَٰلِكَ) عموما يفصل بها بين كلامين، ولا وقوف عليها (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ) (حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ) : أوامر الله، وأحكام الله، الحرمات‫: المناسك، الحرمات‫: كل ما منع الله أن يهتك، الحرمات كل ما أمر الله أن يُحترم (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ ۗ ) وتعظيم الحرمات أن تعرف قدرها، فلا ترتكب فيها ما لا يصح، فإذا دخلت الحرم، وحلت محرما طاهرا، إذا دخلت الصلاة، فالصلاة فقط، إياك وكلام الدنيا، تعظيم الحرمات معرفة قدر حرمتها، معرفة قدر عظمتها، معرفة أن الواجب أن تحترم غاية الاحترام، وألا تهتك حرمتها (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلْأَنْعَـٰمُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ ) كلنا يعرف أن المشركين بمكة حرَّموا أنواعا من البهائم‫: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام وما إلى ذلك، فربنا يحل الأنعام‫: البقر، والغنم، والماعز، والإبل، جميعا إلا ما حُرم في الكتاب (إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ ) كالمنخنقة، والموقوذة، وما أكل السبع إلا ما ذكيتم، والميتة وما إلى ذلك (فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَـٰنِ) الرجس‫: النجاسة، الرجس من الأجسام الأوثان، الأوثان جمع وثن، وأصل الكلمة وثن الشيء أقام في مقامه فلم يتحرك، من هنا سمي الصنم وثنا؛ لأنه يركز، ويوضع فلا يتحرك، فلا رجل، ولا يد له (أَلَهُمْ أَرْجُلٌۭ يَمْشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍۢ يَبْطِشُونَ بِهَآ ۖ ) [سورة الأعراف آية‫: ١٩٥]، فلذا سمي الصنم وثنا، (وَٱجْتَنِبُوا۟ قَوْلَ ٱلزُّورِ) إذاً فقول الزور يعدل الشرك، وقول الزور الباطل، والزور من الزَور والإزورار، وهو الميل، فقول الزور هو قول الباطل، وقد حذّر منه النبي (صلى الله عليه وسلم) وبيّن لنا أن أكبر الكبائر على الإطلاق، (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا؟ قَالُوا‫: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ).
حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِۦ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍۢ سَحِيقٍۢ ﴿31﴾
الحنيف المائل عن الباطل إلى الحق، الجنف‫: الميل إلى الإثم (فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍۢ جَنَفًا أَوْ إِثْمًۭا) [سورة البقرة آية‫: ١٨٢]، (حُنَفَآءَ لِلَّهِ) مائلون عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق (غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِۦ ۚ ) مخلصين له، الدين مستسلمين له، موحدين له (وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍۢ سَحِيقٍۢ ) هل هو تمثيل، أم هو واقع؟ (وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ) سقط (مِنَ ٱلسَّمَآءِ) من ارتفاع شاهق (ﭞ- فتخْطَفهً) قراءتان تخطفه بمناقيرها، ومخالبها، تمزق جسده، وهو في الهواء يخر ساقطا (أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ) تلقي به الريح (فِى مَكَانٍۢ سَحِيقٍۢ ) بعيد هاوية، فكأن الإشراك يؤدي إلى الهلاك بأحد هذين الطريقين، فإما أن الكلام تمثيل للمشرك كيف يكون حاله، إذ إنه هو من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر، تتخطفه الأهواء، والشهوات، ويلقي به الشيطان إلى دركات الضلالة، وقال بعض الناس‫: إن المقصود أن ذلك يحدث له يوم القيامة، فلا يملك لنفسه نفعا، ولا ضراً، فيصبح شأنه شأن من هوى فخطفته الطير، أو ألقي به في مكان سحيق، وقال بعضهم‫: بل ذاك يحدث فعلا للمشرك عند الموت، فكل من يموت تصعد روحه مع الملائكة إلى السموات، وتجتاز، فإن كان مؤمنا حيّته الملائكة بأطيب تحية، ونادته بأحلى الأسماء التي كان يحبها في الدنيا، وصعدت الروح حتى تصل، وتعرج إلى الله (عز وجل) وتتقبل، فهي في عليين، وإن كان غير ذلك والعياذ بالله من الكفار، ألقيت بعيدا، وغلقت في وجهها السموات، ونوديت بأقبح الأسماء، وكان لها ريح نتن تتأفف منه الملائكة‫.
ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ ﴿32﴾ لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴿33﴾
الشعائر جمع شعيرة، والشعيرة تطلق بمعنى المشعورة، المُعلَّمة، إذ كانوا يعلمون الهدْي، فيأتي بالسكين ويجعل شق، أو علامة في سنام الإبل، فتشعر أي تعلَّم، فشعيرة بمعنى مشعورة، والشعائر عموما كل شيء لله تعالى فيه أمر، أَشعَرَ به، وأَعْلَم، فالمناسك مواضع النسك، الأماكن التي فيها العبادة، والتي علّمها الله لنا كالمشعر الحرام (فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ ) [سورة البقرة آية‫: ١٩٨]، المُعلَّم أماكن علّمها الله، يقال لها شعائر؛ لأنها معلّمة، وكذلك تطلق الشعائر على ما يهدى للبيت الحرام، فإن كان المقصود بالشعائر ما يهدى للحرم، ويعلَّم، يعلقون القلادة في عنق الناقة بوسائل عديدة كلها مباحة، فتعظيمها تسمينها، اختيار أغلى الأنواع في الهدي، لا يصح أن يختار المريضة، الضعيفة، أو الهزيلة، أو العرجاء، أو رخيصة الثمن، أما إذا كان المقصود بالشعائر المعلمات الأماكن، فالمقصود التعظيم، الاحترام، والتوقير، وعدم انتهاك الحرمة (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ) أي تدل على أن القلب محل التقوى، ( التَّقْوَى هَاهُنَا) كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) وأشار إلى قلبه (لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ) كأن الكلام يعود على الشعائر، وهنا يرجح قول من قال‫: الشعائر جمع شعيرة، أي مشعورة، أي ما يُهدى للحرم، لكم فيها منافع بالذّرّ، والنسل، والظهر، إذ له أن يركب هدْيه، أهدى ناقة له أن يركبها حتى يصل إلى موعد، ومكان النحر، وكذلك الصوف (مَنَـٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى) حين يحين موعد النحر (ثُمَّ مَحِلُّهَآ) مكانها، ونهايتها (إِلَى ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ) الحَرَمْ حيث تنحر في يوم النحر، إذا كان الكلام عن الشعائر الأماكن، وكل أمر الله (تبارك وتعالى) له فيه أمر، أشعر به، وأعلم، إذاً منافع دنيوية، وأخروية، دنيوية بالتجارات، ومنافع أخروية لا يعلم قدرها إلا الله محل أي شيء؟ محل المناسك، والشعائر بطواف الإفاضة، فتنتهي المناسك، ويخرج الرجل من إحرامه‫.
وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ جَعَلْنَا مَنسَكًۭا لِّيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ فَلَهُۥٓ أَسْلِمُوا۟ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ﴿34﴾
ربنا تبارك وتعالى يبين أن الحج كان مفروضا على كل الأمم السابقة، والحج المبرور ما جزاء له إلا الجنة، ما من أمة إلا وكُتب عليها الصلاة، وكتب عليها الزكاة، وكتب عليها الصيام، وكتب عليها الحج، فأركان الإسلام موجودة في جميع الملل، والنحل، وإن اختلفت الطريقة، قد يختلف الوقت، وقت الصيام، كما يختلف أسلوب الصيام، وكذلك الصلوات، لكن لو تتبعت آيات القرآن لوجدت (وَأَوْصَـٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّۭا (٣١)) [سورة مريم آية‫: ٣١] ذاك قول عيسى، وقول يحيى أيضا هكذا لجميع الأنبياء، من هنا يقول الله (تبارك وتعالى) (وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ جَعَلْنَا مَنسَكًۭا لِّيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ فَلَهُۥٓ أَسْلِمُوا۟ ۗ ) طالما كان الآمر واحد، فلا بد من توحيد الأوامر (فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ) فإن أمر هؤلاء بأمر لابد وأن يأمر غيرهم بنفس الأمر (وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ ) والأمة‫: الناس المجتمعون على أمر واحد (جَعَلْنَا مَنسَكًۭا) أي عبادة، المنسك يطلق على العبادة، والمنسك يطلق على النسيكة‫: الذبيحة، والمنسِك يطلق على الموضع؛ ولذا قرأت (ولكل أمة جعلنا منسِكاً) أي موضعا للعبادة، أو منسَكاً أسلوب للعبادة، ومذهب، أو منسكا‫: ذبائح، وقرابين تقرب إلى الله، لا تقرب إلى الأصنام (لِّيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۗ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ فَلَهُۥٓ أَسْلِمُوا۟ ۗ ) الأمر بالاستسلام لله، عز وجل، وبتوحيده، وبأن تكون الأعمال خالصة لوجهه الكريم (وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ) المخبتون‫: المطمئنون، المتواضعون، المخبتون هم العارفون، والخبت من الأرض‫: المنخفض من الأرض، كأن الإخبات يدل على التواضع، يدل على الاطمئنان، يدل أيضا على الاستواء (وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ) ما هي صفاتهم؟
ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ﴿35﴾
‫(ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) قلوبهم وليس ألسنتهم، ليس بالصراخ، أو برفع الصوت، أو بالتهليل، الوجل‫: استشعار الخوف في القلب (وَٱلصَّـٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ) الصبر الجميل الذي لا شكوى معه (وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ) (والمقيمين الصلاة) قراءة، إذا فالصلاة في مواقيتها كما يجب أن تكون (وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ) من بعض ما رزقوا ليس كل ما رزقوا، وهو كناية عن أداء الزكاة، والواجب، والحق (وَفِىٓ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّۭ لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ (١٩)) [سورة الذاريات آية‫: ١٩]، (وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ (٣)) [سورة البقرة آية‫: ٣]، تلك هي صفات المخبتين، وقيل هم العارفون (وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ) بأي شيء؟ لم يبين نوع البشارة، وجاء بصفاتهم، فهي بشرى فقط من الله، أما نوع البشرى، فلا يعلمها إلا الله، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، المبشر هو الله، القادر الخالق، الذي لا تنتهي خزائنه، ولا تنضب‫.
وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُم مِّن شَعَـٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌۭ ۖ فَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿36﴾
يعود الكلام على النسيكة، وكيف تكون؟ وكيف يتصرف معها؟ وكيف تنحر؟ ما ترك الكتاب من شيء، البُدْن والبُدُن قراءتان، البُدْن‫: تطلق على الإبل، وعلى النوق ليعظم أبدانها، بَدُنَ بَدانة‫: سَمُنَ، وعظم بدنه، كثر لحمه، فالبُدْن هنا تطلق على الإبل السمينة التي سمَّنها صاحبها، أو اشتراها سمينة حتى يعظم ما يهدي إلى الحرم (وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُم مِّن شَعَـٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ) أي المعلّمة، والتي تهدى، أو من المناسك التي يتعبد ويتقرب إلى الله بها (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌۭ ۖ ) (خَيْرٌۭ ۖ ) نكرة، خير في الدنيا، خير في الآخرة (فَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا) قول (بسم الله) عند الذبح (صَوَآفَّ ۖ ) أي مصفوفة، أو قائمة؛ إذ إن الإبل تُنحر وهي قائمة، أما البقر، والغنم، تذبح بعد اضجاعه على جنبه، أما الإبل فلا تضجع، ولا تذبح، وإنما تنحر قائمة في اللبة، وقرأت (صوافٍ) بنفس المعنى، وقرأت (صوافِىَ) بالياء أي خوالص لله، ليست للأصنام ولا لغيره (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) أي سقطت على جنوبها كناية عن الموت (فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ۚ ) نفس الأمر (فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ (٢٨)) [سورة الحج آية‫: ٢٨]، مكرر بأسلوب آخر (وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ۚ ) أمر للإباحة أو للاستحباب، أو للندب، أو للواجب، وهناك فرق بين الأكل، وبين الإطعام، القانع السائل، القانع الراضي، قنِع قناعة‫: رضي، قَنَع قنوعا‫: سأل، فإما المقصود القانع أي الراضي، الساكت، المتعفف عن السؤال، أو القانع بمعنى السائل المستجدي، المعترّ: الذي يطوف بك دون سؤال، عراه واعتراه واعترّه طاف به بغير سؤال، أو المعتري‫: السائل، القانع‫: الراضي، المعترّ: السائل، القانع‫: السائل، المعترّ: الذي لا يسأل الذي يطيف بالناس تبدو عليه المسكنة، والاحتياج دون أن يسأل (كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) هذا التسخير يبين اقتدار الله (تبارك وتعالى) و أن الصغير قد يغلب الكبير، الإبل والبعير كيف حجمه، البدن يقودها الطفل الصغير، وتقف مستكينة لك، وبيدك المُدية، وتربط أقدامها، وقرأت (صوافٍ) أي قائمة على ثلاث أرجل فقط، معقولة الرابعة، وتستسلم لك، وتنحر، هذا التذليل فعله الله (تبارك وتعالى) (كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) تشكرون نعمة الله (تبارك وتعالى) ليس في البدن فقط، ولكن في كل شيء سخر لك، كيف سخرت لك كل الأشياء؟ كيف سخر لكم ما في السموات، وما في الأرض؟ كيف، وكيف لعلكم تشكرون‫.
لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿37﴾
كان المشركون بعد نحر الهدايا يلطخون الكعبة بدماء الأضحية يقول الله (تبارك وتعالى) (لَن يَنَالَ ٱللَّهَ) أي لن يصل إلى الله، أو لن تقع منه موقع القبول تلك الدماء، واللحوم التي وزعتموها، أو أطعمتموها (لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ) أي يصل إلى الله (ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ ) الدم، واللحم لا يقع موقع القبول من الله، ولكن ما يقع موقع القبول من الله ويصل إلى الله هو تقوى الله (يَنَالُهُ) الضمير عائد على الذات العلية، يناله‫: أي يصل إليه، ويصل إلى رضاه، ويقع منه موقع القبول (كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ ۗ ) سخرها لكم لتكبروا على ما هداكم للطاعة، هداكم لمعرفته، هداكم لكل ما هو خير في الدنيا، وفي الآخرة، في الآية السابقة قال (لِّيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ)، وقال (فَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ۖ ) وهنا قال‫: (لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ ۗ )، ولذا جمع الناس حين النحر بين الأمرين (بسم الله والله أكبر)، أو (لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ ۗ ) لتعظموه، وتعرفوا اقتداره على ما لا يقدر عليه غيره، فتوحدوه بالكبرياء؛ إذ هو الكبير المتعال (وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ) والإحسان درجة عالية أوصلنا الله جمعيا إليها، الإحسان‫: الإتقان، الإحسان، يحمل معان كثيرة، وأهم ما ورد في معان الإحسان، ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال‫: (الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) لم يلق النبي (صلى الله عليه وسلم) من قومه في مكة إلا التكذيب، ولم يقتصر الأمر على التكذيب فقط، وإنما زاد المشركون في طغيانهم، وعذبوا كل من أسلم، وآمن بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وكان العذاب أليما، وكان المسلمون يجيئون إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بين مضروب، ومشجوج، ومجلود، وهم في كرب شديد، وحين يستأذنونه في الرد يقول (صلى الله عليه وسلم) ( لَمْ أُؤْمَرْ بِذَلِكَ -يعني بالقتال-)، ويأمرهم بالصبر، وزاد المشركون في الطغيان، ولم يجد معهم سطوع البرهان، وبدأ المسلمون في الفرار، فمنهم من فر إلى الحبشة، وهكذا واستأذن بعض المسلمين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يقتلوا صناديد مكة، أن يغتالوهم، فلم يأذن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لهم ونزل قول الله (عز وجل):
إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍۢ كَفُورٍ ﴿38﴾
يالها من آية، ويالعظمة الإسلام، ثلاث عشرة سنة من الدعوة، ثلاث عشرة سنة يعذب المسلمون بمكة، ما بين ضرب، وجلد، وحبس، وإساءة، ومع ذلك يؤمر المسلمون بالصبر، ويؤمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بمواصلة الدعوة، وحين يستأذن بعضهم في الرد الذي لهم حق فيه ينزل قول الله (عز وجل) يطمئنهم على عقيدتهم، ويبشرهم بالنصر، ويبين أنه معهم، وينهى أفصح نهي عن الغدر، وعن الخيانة (إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۗ ) أي لا تخشوا من التعذيب فالإيمان في قلوبكم ثابت، بتثبيت الله له، لن يفتنوكم عن عقيدتكم أبداً، ولن يصلوا إلى أغراضهم أبداً، فأنتم المثل، وأنتم القدوة، وأنتم النبراس للأمة على مر الأزمان، والعصور كما يبين ربنا، تبارك وتعالى، أن الغدر، والخيانة لا مبرر لها على الإطلاق، وأن الله لا يأمر بها، ولا يوافق عليها مطلقا، مهما كانت الأسباب، فقتال المشركين في حرب ظاهرة، واضحة، جلية، في وضح النهار أمر، واغتيالهم سرا أو ليلا أمر آخر، مهما فعلوا (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍۢ كَفُورٍ) خائن لأمانة الله (عز وجل) رجل كفور بنعمته، وتمت الهجرة، واستمر المشركون في فتن الناس عن دينهم بمكة، ومنعهم من الهجرة، أُذن للمؤمنين في القتال دفاعا عن عقيدتهم، وحماية لأنفسهم، فنزلت الآية المبيحة للقتال، المرخصة فيه في المدينة بعد الهجرة، وهي أول آية نزلت بالترخيص في القتال بعد نزول نيف وسبعين آية، في النهي عن القتال، والأمر بالصبر، والإعراض‫.
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴿39﴾
الآية دليل الإباحة، وأن الإباحة من شريعة الله، أُذِن‫: رخص، وقرأت أَذِن أي أَذِنَ الله (يُقَـٰتَلُونَ) (يُقاتِلون) قراءة، وهناك مضمر تقديره أذن للذين يصلحون للقتال في القتال أو أُذن بالقتال للذين يقاتلهم المشركون دفاعا عن أنفسهم (بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ ) بسبب أنهم ظلموا (وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) وإن الله على نصرهم بغير قتال تقدير، لكنه (عز وجل) رخص في القتال وأذِن فيه حتى يبذل المسلمون غاية جهدهم، ويستفرغوا طاقتهم في الطاعة، والجهاد، كي ينالوا أجر الشهداء، لكن الله قادر على نصر دينه، وعلى نصر المسلمين بغير قتال، يرسل على الكفار ريحا صرصرا، يخسف بهم الأرض، يميتهم يفعل ما يشاء، لكن الله (تبارك وتعالى) أراد أن يكون النصر عن طريق السبب، ألا وهو الجهاد، فيتبين الصادق من غير الصادق، ويتخذ ربنا من أوليائه الشهداء‫.
ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌۭ وَصَلَوَٰتٌۭ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ ﴿40﴾
‫(ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم) المهاجرون، هم خرجوا لم يخرجهم أحد، كان المشركون يمنعونهم من الهجرة، لم يخرجوهم، ومع ذلك يقول الله (عز وجل) (ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟) وكأنه ينبه على أن فعل المكْره المُلْجأ يُنسب إلى من أكرهه، وألجأه إليه، ومثل هذه الآية ما قيل في شأن النبي (صلى الله عليه وسلم) حين نسب الإخراج إلى الكفار (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةًۭ مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَـٰهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)) [سورة محمد آية‫: ١٣]، وهم لم يخرجوه، بل حاصروه، لكن الله ينبه إلى أن من أكره أحدا على فعل شيء، فهو مسئول عن ذلك، والمكره والملجأ لا إثم عليه (ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ) بغير استحقاق (إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ۗ ) والاستثناء هنا منقطع، أي لكن يقولون‫: ربنا الله، التوحيد لم يؤذوهم، لم يفعلوا شيئا يضر بأهل مكة، كل ما هناك أنهم كانوا أحرارا في عقيدتهم (وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌۭ وَصَلَوَٰتٌۭ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا ۗ ) (ولولا دفاع الله الناس) قراءة، (لهدِمت) قراءة، الآية كأنها تعليل وتبرير للإذن بالقتال، كأن الجهاد سنة في جميع الأمم، وكأن الله (تبارك وتعالى) حين رخص للمسلمين في كل زمان بالجهاد، وأذن لهم في القتال ليحمي شريعته، وليحمي دينه؛ لأن الله لو لم يأذن للمؤمنين بالقتال لتغلب المشركون على المتعبدَات، وعلى أماكن العبادة، ولهدموا الدين، وهدموا المساجد، وهدموا البيع والصوامع (وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ ) أي يدفع ربنا (تبارك وتعالى) يدفع بالمؤمنين المشركين، يدفع بالمؤمن أذى المشرك، لولا ذلك (لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ) الصومعة‫: متعبد الرهبان (وَبِيَعٌۭ) البِيَعْ: كنائس النصارى (وَصَلَوَٰتٌۭ) الصلوات معابد اليهود (وَمَسَـٰجِدُ) المساجد أماكن العبادة للمسلمين، ويلفت النظر في الآية الترتيب، إما أن الترتيب ترتيب أقدمية، ترتيب تنازلي، ترتيب بناء، وإما أن الترتيب من أجل المجاورة اللفظية، الصوامع تجاور لفظ الهدم، والمساجد تجاور لفظ الذكر (وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا ۗ ) تشرفا للمساجد، وتنبيها على بقائها إلى يوم الدين، وأنها الأماكن التي يذكر فيها اسم الله كثيرا، والمجاورة اللفظية تأتي في كثير من الآيات لمن يتنبه ويلتفت كقوله‫: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌۭ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌۭ ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)) [سورة آل عمران آية‫: ١٠٦]، فالسواد يجاور السواد، كثير من الآيات تلاحظ فيها سر المجاورة اللفظية، وهو من سر إعجاز القرآن (وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌۭ وَصَلَوَٰتٌۭ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا ۗ ) تلك علة القتال، والجهاد قديم في جميع الأمم، ثم يأتي الوعد (وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ ) أي ينصر دينه (إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ) قادر لا يغلب، ممتنع لا يدرك‫.
ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا۟ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا۟ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ ﴿41﴾
‫(ٱلَّذِينَ) راجعة إلى (ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ) هؤلاء الذين إن مكناهم في الأرض، والإشارة إلى المهاجرين الأوائل، إلى الخلفاء الأربعة، وأن خلافتهم صحيحة؛ إذ هم الذين فعلوا ذلك، فكأنه ثناء عليهم أو (ٱلَّذِينَ) راجعة إلى (مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ ) إذاً فالمستحق لنصر الله هو من إذا تمكن في الأرض، وأوتي الملك، فعل كذا وكذا تحتمل هذا، وتحتمل هذا، كما تحتمل أمرا ثالثا، وهو أن هذه الآية بشرط شرطه الله على الولاة، وعلى كل من مكّن له الله في الأرض، أن يفعل ذلك (ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ) بالملك، وبالرياسة، بالولاية على الناس (أَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا۟ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا۟ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ) مرجع الأمور إليه (سبحانه وتعالى) فيقضي ويفصل بما يشاء، وكيف يشاء، مصير الأمور إليه، فيجازي على أفعال العباد، وتأتي التسلية، والتعزية لرسول الله (صلى الله عليه وسلم).
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ وَعَادٌۭ وَثَمُودُ ﴿42﴾ وَقَوْمُ إِبْرَٰهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍۢ ﴿43﴾ وَأَصْحَـٰبُ مَدْيَنَ ۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴿44﴾
التعزية لرسول الله والتسلية، أي إن كذبك هؤلاء، فقد كُذبت جميع الرسل من قبلك، كذبهم أقوامهم، قوم نوح كذبوا قبل مشركي مكة (وَعَادٌۭ) حيث كذبوا هودا (وَثَمُودُ) كذبوا صالح (وَقَوْمُ إِبْرَٰهِيمَ) كذبوا، وأوقدو له النيران و، و إلى آخره (وَقَوْمُ لُوطٍۢ ) كيف فعلوا مع لوط (وَأَصْحَـٰبُ مَدْيَنَ ۖ ) قوم شعيب، وهنا يتغير النظم في الآية (وَكُذِّبَ مُوسَىٰ) وتأمل في تغيير النظم؛ لأن قوم موسى لم يكذبوه، وإنما كذبه قوم فرعون فقال (وَكُذِّبَ مُوسَىٰ) ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، كما أن التغيير في النظم يشعر أيضا بأن موسى كان تكذيبه أبشع، وكانت آياته أعظم وأشبع (وَكُذِّبَ مُوسَىٰ) أي كذب رغم وضوح الآيات (فَأَمْلَيْتُ لِلْكَـٰفِرِينَ) والإملاء إعطاء ملاوة من الزمان، أي مدة (ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) استفهام تقريري لا يحتاج إلى جواب، أي كيف كان إنكاري، نكر عليه، وأنكر‫: فعل به فعلا يمنعه، ويردعه، فالإنكار‫: التغيير، كيف كان نكير ألم أحوّل بنعمتهم نقمة ؟ ألم تتبدل النعمة إلى نقمة، والكثرة إلى قلة، والعمار إلى خراب، كيف كان تغييري عليهم؟ كيف غيّر الله أحوالهم من نعمة إلى نقمة، وهكذا تسلية، وبيان سنّة الله لا تختلف من أمة إلى أمة‫.
فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌۭ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍۢ مُّعَطَّلَةٍۢ وَقَصْرٍۢ مَّشِيدٍ ﴿45﴾
‫(فَكَأَيِّن) مكونة من كاف التشبية (ك) (أي) استفهام (أين) الاستفهامية، تنوين وليست نون فتتكون الكلمة، وتصبح بمعنى كم للتكثير(مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا) أي أهلكنا أهلها حذفت المضاف، وجاء المضاف إليه عوضا عنه (أهلكتها) قراءة (وَهِىَ ظَالِمَةٌۭ) إذاً الإهلاك بسبب الظلم (فَهِىَ خَاوِيَةٌ) مهدمة، خالية، خوت‫: خلت من أهلها، خويت‫: سقطت وهدمت (خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا) العروش السقوف، التشبيه كأن البناء سقط سقفه أولاً، ثم سقطت الحيطان على السقف، فهي ساقطة على سقوفها، أو خاوية أي خالية على عروشها، أي السقوف قائمة، ولا صوت، ولا حس، ولا ركز (وَبِئْرٍۢ مُّعَطَّلَةٍۢ) كذلك كم من بئر معطلة، المعطلة‫: التي أبطل الاستفادة منها فهي موجودة لكن لا يشرب منها أحد، فكأنها معطلة، أي أبطل استخدامها، والبئر كلكم يعرفه، أصله بَأَرَ الأرض يبأرها بَأراً فهي مبئورة‫: حفرها يحفرها حفرا فهي محفورة، فسميت البئر بئرا؛ لأنها محفورة في الأرض (وَقَصْرٍۢ ) بناء عظيم مرتفع (مَّشِيدٍ) مشيد عالي، مرتفع، وأصل الكلمة الشيدْ، كل ما طليت به الحيطان، والجدران، محارة، أو رخام، أو دهان، أو غطيتها بما تغطي به الحيطان، هذا الغطاء يسمى الشيد، فالمُشَيَّد المطلي جدارنه، إذا البناء، معتنى به ليس بالطوب فقط، ولا باللبن فقط، وإنما غطى كذلك بالدهانات، أو بمواد أخرى وما إلى ذلك، والمُشَيَّدْ جمع (والمُشِيِدْ) مفرد‫.
أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌۭ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌۭ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ ﴿46﴾
أهو حض على السفر، وقد كانوا يسافرون لكنهم لم يكونوا يسافرون بغرض النظر، والاعتبار، والاستدلال، وإنما كانوا يسافرون للتجارة، فكأن الكلام حض للناس على السفر للاعتبار، للنظر، والاستدلال (أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ) ساروا، سافروا لكن بغير اعتبار، وبغير نظر، وبغير استدلال (فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌۭ يَعْقِلُونَ بِهَآ) إذاً فالعقل موجود في القلب، أو القلب هو الذي يعقل، فتكون لهم قلوب يعقلون بها ما يجب أن يعقل من التوحيد، ومن أن هذا الكون لا بد له من مكوّن موجود، وهذه الأمور التي تجري لابد لها من مدبر، ومصرف (أَوْ ءَاذَانٌۭ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ ) سماع منتفع بالوحي (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ) القلوب مكانها، الصدور، فقال‫: ولكن تعمى القلوب التي في الصدور لنفي توهم المجاز، إذا فهو يريد أن يبيّن أن الكلام على حقيقته، وأن القلوب موضعها الصدور، ويؤكد على أنهم لم يعتبروا، ويؤكد على أن العيب لم يكن في الحواس، وإنما كان العيب في قلوبهم (لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ) العيون تعمى في الحياة، لكن المقصود هنا العمى عن الحقائق (وَلَـٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ) لكي لا يتوهم السامع أن الكلام على سبيل المجاز‫.
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍۢ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴿47﴾
استعجلوه بالعذاب، فقالوا كما روى القرآن عنهم (وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٢)) [سورة الأنفال آية‫: ٣٢]، (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥ ۚ ) أخبار الله لا تتعرض أبداً للخلف، لا خلف في أخباره (سبحانه وتعالى) (وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍۢ مِّمَّا تَعُدُّونَ) يوما عند ربك من أيام خلق السموات والأرض، خلقها ستة أيام، هذا اليوم كألف سنة مما يعدون، أم ألف سنة معناه المقصود بيان حلم الله (عز وجل) هم يستعجلونه، وهو حليم، فاليوم عندنا غير اليوم عنده، فاليوم عنده كألف سنة مما نعدها في حياتنا الدنيا، بيان لمنتهى الحلم، أو يستعجلونك بالعذاب في أيام قصيرة، أيام الدنيا، والعذاب آتيهم في أيام طويلة، اليوم فيه كألف سنة مما يعدون‫.
وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌۭ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ ﴿48﴾
إن استعجلك مشركو مكة، واستعجلوا بالعذاب، فكم من قرى كذبت، واستعجلت، وأمهلناها، وأملينا لها، ثم جاءهم العذاب أخيرا، فالعذاب آت لا محالة، آجلاً أم عاجلاً (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا) أمددت لها، وأمهلت لها، وأخرتها (وَهِىَ ظَالِمَةٌۭ ثُمَّ أَخَذْتُهَا) إن الله (تبارك وتعالى) يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته (وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ) ثم يتوجه الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) كي يبيّن لهؤلاء المكذبين، والمعاندين، أن الإتيان بالعذاب، أو تأخير العذاب ليس من سلطته، وليس في يده، ولا شأن له بذلك، وإنما ذاك من شأن الله‫.
قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿49﴾
هذه هي الوظيفة، نذير ينذر، ويبين ما يجب، وما لا يجب، هذه هي وظيفته، وليست وظيفته أن يأتي بالعذاب، وقتما يشاءون، أو أن يؤخر العذاب، وإنما ذاك شأن الله، والإنذار هنا جاء دون التبشير، هو نذير، وهو بشير، لكن الآية خلت من البشارة لأن الخطاب متوجه إلى المكذبين، ولا بشرى لمن كذب‫.‬‬
‫أيها لأخ المسلم، جاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالحق ساطع، فطوبى لمن آمن به، وطوبى لمن آمن به ورآه، وطوبى لمن رأى من رآه، فقد كان التوجيه الإلهي للنبي (صلى الله عليه وسلم) لبيان وظيفته الأساسية ورسالته حيث يقول عز من قائل : (قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ) حصر‫.‬‬‬‬‬‬‬
فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ﴿50﴾ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا۟ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ ﴿51﴾
‫(فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ) إذاً مهما آمن العبد، ومهما عمل من الصالحات لابد وأن يبدر منه ما يستوجب المغفرة، فالمعصوم من عصمه الله، الكمال لله وحده والعصمة لرسله، وأنبيائه، وما سوى ذلك كل الناس خطّاء‫.‬‬
‫من هنا مهما آمن العبد، ومهما عمل من الصالحات، قد يبدر منه ما لا يجب، وما لا يصح لكن تختلف من عبد لآخر، فمنهم من يبتلى بالخواطر، القلب مشغول بغير الله، ومنهم من يقع في بعض اللمم، ومنهم من يقع في الصغائر ومنهم من قد يقع في الكبائر، لكن يتدارك بلطف الله ورحمته، وما من مؤمن عامل بإيمانه إلا ويتداركه الله (تبارك وتعالى) برحمته، فيعصمه، ويدافع عنه، ويستره، فإن وقع أو إن أخطأ، أو إن ارتكب ما ينهى الله عنه، يتداركه الله بلطف، من هنا يقول الله (تبارك وتعالى) (لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ) وعد، وكلمة (لَهُم) تدل على أن ذاك محض فضل من الله، فهو وعد بالفضل (وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ) الكريم من كل شيء، هو ما جمع فضائل النوع، فإذا قلنا الناس فالكريم منهم الذي جمع الفضائل كلها التي تكون في الناس، صنف من أصناف الفاكهة، فالكريم منه الذي جمع كل الفضائل الموجودة في هذا الصنف، من هنا حين تسمع كلمة الكريم، تعرف أنه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأنه أفضل ما يمكن أن يتخيل الإنسان، ورغم الخيال لن يصل إلى حقيقة، ما أعد الله لعباده (لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ) إذاً يصل العبد إلى الله (عز وجل) يوم القيامة، ولا ذنب عليه إذ إن المغفرة تتم قبل الموت، وقبل البعث، وقبل البرزخ، فكأنه يخرج من الدنيا ولا ذنب عليه، حتى يستطيع أن يأتي يوم القيامة فيعطي كتابه بيمينه، (فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُوا۟ كِتَـٰبِيَهْ ﴿١۹﴾ إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ ﴿٢۰﴾) [سورة الحاقة آية‫:‬ ١٩ - ٢٠]، فكأنه توقع الحساب، والخوف من الحساب، والخشية، والإيمان بالبعث والجزاء، كأن ذاك هو من أهم الأسباب التي من أجلها يعطي العبد كتابه بيمينه (وَٱلَّذِينَ سَعَوْا۟ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ) (معجِّزين) قراءة، عاجزه، وعجّزه‫:‬ سابق فإن سبق قيل أعجزه، والمقصود بالكلمة هو المحاولة في أي مضمار لتعجيز الخصم، لنسبة العجز إليه، فالذين سعوا بذلوا الجهد، السعي‫:‬ بذل الجهد، في آيات الله معاجزين لها، أي مناقشين مجادلين المؤمنين الذي سعوا في الإيمان بها، فهم يجادلونهم، يحاولون تعجيز الله عن بعثهم، فينكرون البعث (أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ) وانظر إلى النظم، وتأمل (فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ﴿٥۰﴾ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا۟ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ ﴿٥١﴾) كأنها لهم، وكأنهم يملكونها، أو هم مصاحبون لها، لا ينفكون عنها، وكأن الآية تشير إلى الخلد، وتشير إلى السبب، سعوا في آياتنا معاجزين هم أصحاب الجحيم، وكأنهم اشتروها بأعمالهم، وكأنهم صاحبوها، فلا ينفكون عنها، غاية في الدقة في التعبير لكل متأمل‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍۢ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿52﴾ لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةًۭ لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ ﴿53﴾
هذه الآيات تحتاج لوقفة، فقد حفلت كتب التفاسير بقصص مختلقة، وبإسرائيليات مدسوسة، وذكرت فيها قصة سورة النجم، ومسألة الغرانيق، وما إلى ذلك، وكل ذلك لا أصل له، ولا حجة له، ولا يجب أن يذكر، أو يقال، والحق في هذه الآية هو كلمة (تَمَنَّىٰٓ) تعني اشتهى في نفسه، وتصور، والتمني تصور لشيء يشتهي في النفس، وتمنى أيضا بمعنى قرأ، ولنتأمل بهدوء (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍۢ وَلَا نَبِىٍّ) الرسول من أتى بشرع جديد، والنبي من يقضي، ويحكم بشرع من قبله، الرسول يوحى إليه، ويأتي بالمعجزة، وكتاب النبي لا يأتي بكتاب جديد، الرسول يأتي إليه جبريل، النبي قد يوحى إليه رأسا من خلال المنام، أو يُحدَّث، كل رسول نبي، ولس كل نبي رسول، عدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر، وعدد الأنبياء ألف ومائتا ألف وأربع وعشرون، كما أخبرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) من هنا يقول الله لحبيبه (صلى الله عليه وسلم) (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍۢ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ) تشتهي في نفسه، وتصور أمرا من الأمور إلا وسوس إليه الشيطان، ودس عليه أمورا، مثل‫: تمني النبي (صلى الله عليه وسلم) إسلام قومه، فإذا حدّث نفسه، وتصور هؤلاء الناس كيف يؤمنون، فيدخل إليه الشيطان، ويوسوس‫: سل الله معجزة كمعجزة موسى، كمعجزة صالح، سل الله الغنى يقلب الله جبال مكة ذهبا كما أرادوا، ينزل عليك ما يطلبونه لعل ذلك يؤدي إلى إيمانهم، وهنا يتبين لك أن الأنبياء غير معصومين من السهو، أو من الوسوسة (إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ) يمحو (مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ) في نفس النبي من الأنبياء (ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ ) تنزل الآيات المحكمة تبين له الحق مثل (وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْـَٔايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ ۚ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةًۭ فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۚ ) [سورة الإسراء آية‫: ٥٩]، آية مهمة تبين أن طلب المعجز لن يجد، ولن يؤثر، هذا الذي يحدث من حديث النفس، المقصود منه أن يُفتن الكافر، الظالم، الفاسق المتشكك، المنافق لكن المؤمن يرسخ إيمانه، كلما نزلت الآيات المحكمات (وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ) عليم بخلقه، حكيم فيما يجريه عليهم، ويدبره لهم (لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةًۭ لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ ) إذا وسوسة الشيطان تجدي مع هؤلاء، فيفتنون عن دينهم (وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ) الفريقين‫: المتشكك والكافر، المنافق والكافر (لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ ) مخالفة شديدة، بعيدة عن أمر الله، وأمر رسوله (صلى الله عليه وسلم).
وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا۟ بِهِۦ فَتُخْبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿54﴾
‫(وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ) فيثبتهم، يحبب إليهم الإيمان، يزينه في قلوبهم، مهما جاءهم الشيطان تنبهوا ذاك معنى، المعنى الآخر قد يكون هو الأقرب إلى الصواب، والله أعلم (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍۢ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ) إلا إذا قرأ على أصحابه، وحواريه، وعلى الناس (أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ) في قراءته ألقى أين؟ في صدور السامعين، ألقى في بمعنى عند قراءته، وجاءت في معنى عند في القرآن مثل (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًۭا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ١٨]، أي لبثت عندنا، فعند قراءته يلقي الشيطان في قلوب الناس، أما المنافق، والكافر، فيتلقف ما ألقاه الشيطان في نفسه يجادل به، يزداد به كفرا، وما من آية تنزل إلا وتزيد الكافر كفرا، وتزيد المؤمن إيمانا (وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِۦٓ إِيمَـٰنًۭا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿١٢٤﴾ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ ﴿١٢٥﴾) [سورة التوبة آية‫:‬ ١٢٤ - ١٢٥] نفس الآية، فالذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم، فما ألقاه الشيطان لهم فتنة (وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ ) ليبين أن الذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم هم الظالمون حقا (وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ ) مخالفة بعيدة جدا للحق (وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ) إذا ألقى الشيطان في صدورهم شيئا عند قراءة النبي (صلى الله عليه وسلم) ثبت الله إيمانهم، وألهمهم الصواب، وأضاء لهم بصائرهم، فعرفوا الحق، وعرفوا المقصود من الآية التي سمعوها (فَيُؤْمِنُوا۟ بِهِۦ) يزداد إيمانهم (فَتُخْبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمْ ۗ ) تطمئن، وتسكن لما سمعوه من قرآنه (وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ) يثبتهم على الهداية، ويرزقهم من نور البصيرة ما يتبينون به الحق، وما يتنبهون به لوساوس الشيطان، والأمثلة على ذلك يقرأ النبي (صلى الله عليه وسلم) (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ)[سورة المائدة آية‫:‬ ٣] يأتي الشيطان يلقي في صدور السامعين‫:‬ عجبا كيف يُحرِّم ذبيحة الله؟ ويحل ذبيحة نفسه؟ الميتة من أماتها؟ الله، الذبيحة من أماتها؟ أنت، سكينك، وكيف يحرّم ذبيحة الله، ويحلّ ذبيحة نفسه، شيطان (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّۭا شَيَـٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١١٢]، واضح منتهى الوضوح، فيجادلون النبي (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين، كيف تحلون ذبيحتكم، وتحرمون ذبيحة الله، فينزل جبريل بقول الله (عز وجل): (وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٢١]، فيزداد المؤمن إيمانا، ويطمئن قلبه، ينزل جبريل بالوحي ويقرأ النبي (صلى الله عليه وسلم) على أصحابه، وعلى الناس (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَٰرِدُونَ (٩٨)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٩٨]، فيأتي الشيطان لصدور السامعين، إذاً عيسى، وعزير، والملائكة كل أولئك عبدوا من دون الله، أيدخلون جهنم؟ أما الكفار، والمنافقون، فيصفقون، ويجادلون، ويقولون، وأما المؤمنون فينسبون العلم إلى الله، يؤمنون به، يفهمون الآية (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٩٨]، (ما) لغير العاقل، فإذا اطمأنوا إلى ذلك، ينزل بقول الله تعالى (وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴿٥٧﴾ وَقَالُوٓا۟ ءَأَـٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًۢا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴿٥٨﴾) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٥٧ - ٥٨] وينزل قول الله (عز وجل) (إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴿١۰١﴾ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ وَهُمْ فِى مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَـٰلِدُونَ ﴿١۰٢﴾) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١٠١ - ١٠٢] من هنا نتبين معاني الآية، أما ما جاء في كتب التفسير أنه قرأ سورة النجم، حتى إذا جاء إلى سيرة الأصنام (وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلْأُخْرَىٰٓ ﴿٢۰﴾) [سورة النجم آية‫:‬ ٢٠]، وما إلى ذلك جاء الشيطان، وتكلم على لسانه، أو نطق الشيطان بآيات تزكي الآلهة، والأصنام فسجد المشركون، كل ذلك كلام إسرائيليات، ودسائس لا تصح مطلقا، وإلا تنهدم الشريعة من أساسها، فنبينا يوحى إليه، وينزل جبريل، وما من آية إلا وحولها الرصد (إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍۢ فَإِنَّهُۥ يَسْلُكُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًۭا ﴿٢۷﴾ لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا۟ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًۢا ﴿٢۸﴾) [سورة الجن آية‫:‬ ٢٦ - ٢٧] رصداً فلا خُلف، ولا خلاف، ولا اختلاف في كلام الله واسمع الآيات مرة أخرى (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍۢ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ) تمنى‫:‬ قرأ ألقى الشيطان عند قراءته في صدور الناس والسامعين (أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى) من صدور المؤمنين (ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ ) ينزل الآيات المحكمات، الواضحات، التي لا تحتمل التأويل، ولا تحتمل الجدل، إذاً فلم نزلت الآية الأولى؟ نزلت فتنة، واختبار للناس (وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ) عليم‫:‬ بخلقه، حكيم فيما يدبر، ويصرف، ويقول، ويفعل بهم (لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةًۭ لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ ﴿٥۳﴾ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ) العلم من الله، النور البصيرة (فَيُؤْمِنُوا۟ بِهِۦ فَتُخْبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ) (مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيًّۭا مُّرْشِدًۭا ﴿١۷﴾) [سورة الكهف آية‫:‬ ١٧]، نزل القرآن على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) محكما، معجزا في كل شيء، من حيث اللغة، من حيث خبر الأولين، والإخبار بما صاروا إليه، الإخبار عن الآيات معجز من جميع الوجوه، القارئ له أمي، لا يعرف القراءة، والكتابة، لم يقرض الشعر، ومع ذلك كذّبه قومه حسدا، وبغيا، ولكنهم كانوا يعرفون أنه الصادق الصدوق، من هنا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا تلى القرآن تدخل الشيطان في قلوبهم، ووسوس إليهم، وألقى الشُبّة فيما يسمعونه، فبفضل الله (عز وجل) على المؤمنين يزيح شبهات الشيطان، ووساوس الشيطان، ويحكم الآيات في صدور المؤمنين، ويجعل ما يلقي الشيطان في قلوب المنافقين، والكافرين فتنة لهم، يكلهم إلى أنفسهم، فهم لم يستمعوه، من هنا ينبئنا (تبارك وتعالى) عن الكفار أنهم مهما سمعوا، ومهما رأوا من الآيات لن يدخل الإيمان في قلوبهم؛ لأنهم أصموا آذانهم، وأعموا أبصارهم، وأغلقوا قلوبهم، يقول عز من قائل‫:‬‬‬‬‬‬
وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴿55﴾
المِرية‫: الشك، التردد، وقرأت (مُرية) بالضم (وَلَا يَزَالُ) إذا هم في شك مستمر، مهما نزلت الآيات، والدلائل، والبراهين، مهما لفت القرآن نظرهم إلى خلق السموات والأرض، لازال الشك يعمل في صدورهم إلى أن تقوم الساعة، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ) من القرآن، من الدين (مِّنْهُ) من صدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً) فجأة تقوم عليهم الساعة (أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) التعبير غاية في الدقة، والإعجاز، العقيم‫: من لا يلد، العقيم‫: ما لا خير فيه، كوصف الريح المدمرة، غير الممطرة، بأنها عقيم، ما هو ذلك اليوم العقيم؟ يوم لا يلد أياما، ولا ليالي، اليوم العقيم هو اليوم الذي لا يوم بعده، ما هو هذ اليوم؟ يوم القيامة، وكأن اليوم يلد الأيام التالية، والليالي، فإذا كان اليوم لا ليل بعده، ولا نهار، فهو يوم عقيم، فهو وصف ليوم القيامة، أو وصف ليوم بدر (حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ) يوم القيامة (أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) هو يوم بدر؛ إذ أنهم قتلوا في نهاره، ولم يأت عليهم ليله، أو يأتيهم عذاب يوم لا خير فيه‫.
ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍۢ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴿56﴾ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ﴿57﴾ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓا۟ أَوْ مَاتُوا۟ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ﴿58﴾
‫(ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍۢ ) في يوم القيامة، والتنوين يفيد أن هناك كلام آخر مضمر، أو يدل عليه التنوين أو (ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍۢ ) يوم تزول المِرية، ولا يزال الذين كفروا في مرية منه، تظل المرية حتى تأتيهم الساعة، وهنا يزول الشك، ويأتي اليقين (ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍۢ لِّلَّهِ) الملك أزلا وأبدا لله، فالملك يومئذ لله، لا تنازع فيه، ولا مدافع، ففي هذه الدنيا قد يزعم بعض الناس أنهم ذو ملك، أو ملوك، أو لهم المُلك، أو لهم التدبير، أو لهم التصريف، لكن في يوم القيامة تسقط جميع الدعاوي، والملك هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور (ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍۢ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ۚ ) يفصل بينهم، ويقضي بينهم (فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴿٥٦﴾ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ﴿٥۷﴾) النظم في الآية غريب يدعو للتأمل (فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ) هم فيها قرار، خبر بالحادث والواقع فعلا، أما الذين كفروا (فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ) جاء بالفاء في الخبر، ولم يأت به في شأن المؤمنين، لو كان القائل بشر، أو بحسب تقدير عقولنا (في جنات النعيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا في عذاب مهين) تغير النظم ليدل على أمرين‫:‬‬
‫الأمر الأول‫:‬ أن المؤمنين دخلوا الجنة بفضل الله فقط، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم هو أراد ذلك، هو تفضل عليهم بذلك، وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين، الخزي، والعار، والألم بسبب أعمالهم، فأولئك لهم؛ لأنهم استحقوا بأفعالهم، وبكفرهم إذاً فدخول الجنة بفضل الله، ومن دخل النار، دخل بسبب عمله السيء، وكفره هكذا يتضح السر في تغير النظم (وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓا۟ أَوْ مَاتُوا۟ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ) الآية أيضا تشير إلى أمور الأمر الأول إفراد المهاجرين بالذكر تشريفا لهم، وتفضيلا لهم، ورفعا لشأنهم (وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟) إذاً فالمهاجرون هم الطبقة الأولى، يليهم بعد ذلك الأنصار، وما إلى ذلك، ثم سائر الناس (وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓا۟) (ثم قُتِّلوا) قراءتان (أَوْ مَاتُوا۟) إذاً فقد ساوى بين من قتل منهم في سبيل الله، وبين من مات حتف أنفه على فراشه، تأمل (لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ ) الجميع تساوى منهم من قتل في سبيل الله، ومن مات على فراشه تساووا في الفضل، كيف؟ فضل الله يؤتيه من يشاء، وكما أن من قتل من المهاجرين قتل لأن الله أراد ذلك، فذاك قضاء الله وقدره، لكن ساوى بينهم في الجزاء، وكلنا يعلم قصة خالد بن الوليد سيف الله المسلول، ما من غزو، ما من حرب، ما من معركة إلا واشترك فيها بعد إسلامه، وانتصر في جميع معاركه، وكان قد حصل على قُصة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين حج، وحلق سيد الخلق، أخذ خالد شعر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ووضع ذلك الشعر في لأمته في المغفر، وما دخل معركة إلا وهذا الشعر فوق رأسه، ومع ذلك يموت خالد في فراشه، ويقول‫:‬ ها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير، ألا لا نامت أعين الجبناء، إذاً فمن قتل في سبيل الله، أو مات حتف أنفه يستويان في الفضل، إذا كانا من المهاجرين (لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ ) ما هو؟ لم ينبئنا به، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (رِزْقًا) نكرة غير معرّف، لا يعرفه إلا الله (وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ) وهل هناك من يرزق غير الله؟! هو الرزاق لكن الأسباب في الدنيا قد تعمي الإنسان، فيرى المال في يد المعطي، ولم ير أن الله هو الذي أرسله إليه، فقد يُطلق تجوزا على بعض الناس أنهم يعطون، أو يرزقون، لكن الله خير الرازقين؛ لأنه الوحيد الذي يرزق بغير حساب‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬
لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًۭا يَرْضَوْنَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌۭ ﴿59﴾
‫(لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًۭا يَرْضَوْنَهُۥ ۗ ) قَسَمْ (مُّدْخَلًۭا) مصدر من أدخله يدخله (لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًۭا) أي ليدخلنهم إدخالاً يرضونه، وكأن هناك كلمة محذوفة تقديرها (ليدخلنهم الجنة إدخالا يرضونه) وقُرأت ليَدخلنهم مَدخلاً أي دخولا يرضونه، أو المدخل هنا اسم مكان لا يعرفه إلا الله، الفردوس الأعلى، أعلى الجنان (وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌۭ) عليم بعباده، عليم بمن يستحق ذلك الإدخال، حليم لا يعاجل بالعقوب‫.
ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌۭ ﴿60﴾
‫(ذَٰلِكَ) أي الأمر ذلك (وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ) عاقب عوقب مع اختلاف الفعلين، لكنهما يتفقان في الصورة، فمن ظلمك ثم انتصرت لنفسك، ليس هذا عقاب، ويسمى هذا عقاب لكن تأتي الألفاظ للمشاكلة اللفظية، أو لاستواء الفعلين في الصورة، مثل (وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا ۖ ) [سورة الشورى آية‫: ٤٠] (ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ) أي انتصر لنفسه (بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ) أي تجاوز الظالم عن الحد، وأعاد الظلم، وعاد لبغيه، وعاد لطغيانه (لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ ۗ ) أي ينصر من عاقب، ولم يتجاوز، عاقب بنفس العقوبة قدرا، وكما، وكيفا، في هذه الحالة إذا بغي عليه، أو عاد الظالم لظلمه، وتجاوز الحد معه لابد وأن ينصره الله (إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌۭ) غريبة؟!! فالكلام عن العقاب، الكلام عن النصر، الكلام عن الانتصاف لنفسك، قد يتوهم الإنسان أن الختام للآية إن الله لقوي، إن الله لعزيز، إن الله لقدير، وتأتي (إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌۭ) وكأن الكلام تعريض للحث على العفو، والصفح والمغفرة (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ (٤٣)) [سورة الشورى آية‫: ٤٣]، فلك أن تنتصف لنفسك، وتعاقب بمثل ما عوقبت به دون تجاوز، ذاك حق، فإن عفوت فذاك فضل، وربنا (تبارك وتعالى) قادر، ومع ذلك يعفو، ويغفر، ويصفح، أنت لا تقدر فمن باب أولى أن تعفو، تغفر، وتصفح، ذلك لأن القادر عفى، فكيف بغير القادر‫.
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌۭ ﴿61﴾
‫(ذَٰلِكَ) أي الأمر ذلك، أو ذلك ما قُص عليك، أو ذلك الإشارة للنصر (ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ) بمعنى أن من قدر على تغليب شيء على شيء مشاهد، غريب، قادر على تغليب بعض خلقه على بعض، انظر إلى الليل والنهار، الليل يغلب النهار، فيطول، ويأخذ من مساحة النهار، وتدور الأيام ويتغلب النهار على الليل، فيأخذ من مساحته، فيقصر الليل، ويطول النهار، من قدر على ذلك، قدر على نصر المظلوم (يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ) يدخل الليل في النهار (وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ) يدخل النهار في الليل (وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌۭ) سميع لأقوال المعاقب، والمعاقب بصير بأعمال المعاقِب، والمعاقَب سميع لأقوال عباده، بصير بأعمالهم، فينصر من يستحق النصر، يعلم، ويرى، ويسمع، فيحكم بعلمه‫.
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ﴿62﴾
‫(ذَٰلِكَ) ذلك الوصف بالقدرة، والعلم (يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ) قَدرة (وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌۭ) أي ذلك الوصف بكمال القدرة، والعلم بأن الله هو الحق، والحق هو الله، الحق معان كثيرة للفظ، ولا يعرف الحق إلا الحق، الحق الثابت في نفسه، الواجب لذاته، الموجود الأزلي الأبدي، الذي يستمد كل موجود وجوده منه، الحق قوله الحق، الحق وعده الحق، فإن وعد بالنصر، فالنصر متحقق (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ) (تدعون) قراءة، الباطل في ذاته، الباطل ألوهيته، الباطل لأنه منعدم، كان معدوما ثم وجد، ثم هو صائر إلى العدم، وعليه فمن لم يكن موجودا كان معدوما، أنت لم تكن، وكانت الدنيا، وكانت الناس، وكانت الأرض، وكانت السماء باطلاً أي عاطل، أي ممنوع، أي غير موجود، وجدت في الدنيا من أين استمد الإنسان وجوده؟ من الله، فهو موجود فترة من الزمان، ثم يموت، بعد الموت أين هو؟ غير موجود، إذاً فهو الباطل، فالباطل غير موجود، الحق هو الموجود بحق الأزلي (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ) الأصنام، والأوثان، و، و، هو الباطل لأنه لا وجود له من ذاته، موجود بإيجاد الله له، لم يكن وهو صائر إلى العدم (وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ) العليم بسلطانه، العلي بقهره، العلي عن كل شيء، المقدس عما يقول الظالمون، العالي المنزه، الكبير ذو الكبرياء، والكبرياء كمال الذات، ولما كان الكمال المطلق لله وحده، فهو المتكبر بحق، الكبير أيضا، إذا طال عمر الرجل وطالت مدة وجوده في الدنيا، قيل عنه كبير، كبر سنه، وشاب، وكلما طالت المدة لأحد كان أكبر من غيره، فهذا أكبر من هذا في السن، فإذا كان الله هو الموجود أزلا بلا بداية، الباقي أبداً بلا نهاية، إذا فهو الكبير بحق، وتنتقل الآيات لتدل على منتهى الحلم، كيف أن الله (تبارك وتعالى) يأتي بالآيات ليدلل، ويبرهن، ويعطي الناس الفرصة للفهم، والعلم، ويعطي الفرصة للكفار للانتباه، والتوبة‫.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَتُصْبِحُ ٱلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌۭ ﴿63﴾
‫(أَلَمْ تَرَ) والرؤية هنا رؤية القلب، أي العلم، والسؤال سؤال تقرير لا يحتاج لجواب (أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَتُصْبِحُ ٱلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ ) والنظم ملفت (أَنزَلَ) ماضي وتقدير الكلام (فأصبحت) قال (فَتُصْبِحُ ٱلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ ) عدل عن لفظ الماضي ليبين استمرار أثر المطر، وأن الخضرة تستمر زمانا بعد زمان، لا تأتي الخضرة ثم تزول سريعا، أما المطر فينزل، نزل وانتهى، أما الخضرة فتستمر؛ لذا قال فتصبح، تصبح الأرض مخضرة هل رأيت ذلك؟ هل علمت ذلك؟ إذاً من قدر على ذلك قدر على إحياء الموتى (إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌۭ) (لَطِيفٌ) يعلم ما جلّ ودق، فينزل الماء على الأرض، ماذا تصنع تلك المياه؟ هذه الأرض الميتة نزل عليها الماء، ما الذي يحدث حتى تنشق الأرض، ويخرج منها ألوان، أصناف، أنواع طعوم، روائح، من أين أتت الرائحة؟! رائحة الفل، والياسمين، والزهور؟ (خَبِيرٌۭ) بالتدابير الظاهرة، والباطنة، آيات، آيات‫.
لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ﴿64﴾
‫(لَّهُۥ) هو ليس فاعلاً فقط، بل هو مالك يفعل في ملكه، فهو أنزل من السماء ماء، هو الذي جعل الأرض مخضرة؛ لأن ذاك تدبر في ملكه (لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ) ملكا، وخلقا، وتقديرا، وتصريفا، وتدبيرا (وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ) لتعلم أن الملك يحتاجه، وهو غير محتاج للملك، الملك في الدنيا لا يكون ملكا إلا بوجود الملك، فإن زال الملك زال الصفة، الغني في الدنيا بماله محتاجا لماله حتى يظل غنيا، والملك محتاج لملكه، ورعيته حتى يظل ملكا، أما الله فرغم هذا الملك الواسع الممتد العجيب، الغريب، إلا أنه هو الملك أزلاً وأبداً من قبل أن يكون هناك ملك؛ إذ كان الله، ولم يكن شيء، من هنا الله هو الغني عما سواه، الغني عن هذا الملك، والكل محتاج إليه في وجوده، وفي بقائه، وفي تصريفه، وفي كل شيء، أما هو فهو غني عن كل شيء، حميد محمود لذاته، حمده الناس، أو لم يحمدوه، الحميد أزلاً، وأبداً.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿65﴾
‫(أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ) ما الذي في الأرض؟ أنهار مسخرة، بحار مسخرة، أرض فيها المعادن المختلفة، بهائم، شجر، حجر، كل ما في الأرض مسخّر مذلل لخدمة الإنسان (أَلَمْ تَرَ) ألم تعلم هذا (وَٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ) (الفلكُ) قراءة بالضم، لو شاء الله ما جرت، درستم، وعلمتم، نظرية الطفو، وما إلى ذلك، من الذي وضع سُنَّة الطفو؟ من الذي خلق هذه السنّة، من الذي جعل الخشب يطفو؟ هو الله (وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِۦٓ ۗ ) السماء ما علاك، هل علمت أن الشمس غير قائمة على عماد؟ هل علمت أن القمر لا يتدلى من سقف أو جنزير أو غيره؟ هل علمت أن النجوم والكواكب ما هي إلا أجسام سابحة في الفضاء؟ أما علمتم ذلك، ما الذي يمنعها من السقوط؟ (وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِۦٓ ۗ ) إذاً فقد يأذن بالوقوع، ذاك يحدث يوم القيامة (إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴿١﴾ وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ (٢)) [سورة الانفطار آية‫: ٢] لولا رأفة الله، ولولا رحمة الله، ما ترك على ظهرها من دابة، رءوف رحيم بما سخر لهم، وبما هيأ لهم، وبما أعطاهم، وبحلمه، وبمنع السماء أن تقع على الأرض‫.
وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌۭ ﴿66﴾
هل في ذلك شك؟ هو الذي أحياكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم؟ أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى؟ بلى قادر(إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌۭ) جحود، والإنسان هنا يقصد به الكافر؛ لأن الإنسان منه من أقر الله بالوحدانية، وأقر بالعبودية، ورأى، وعلم، وحمد الله (تبارك وتعالى) على كل ذلك، لكن من الناس والكلام عن الذين كفروا (وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)) [سورة الحج آية‫: ٥٥]، بعد كل هذه الآيات، وبعد ذاك السرد، مع ذلك إن الإنسان لكفور جحود، جاحد بالنعمة، ونعم الله لا تعد، ولا تحصى، فمن أجلّ النعم، بل هي أجلّ النعم على الإطلاق نعمة الإسلام، يليها نعمة المعرفة، أن تعرف فضل الله عليك، أن تعرف إنعام الله عليك، فإن عرفت مصدر النعم وأقررت بذلك، وعرفت أن الإنعام عليك محض فضل، وليس باستحقاقك أبداً، فأديت حق النعمة من الشكر، زادت، وربت، واستمرت ربنا (تبارك وتعالى) أنعم علينا بشريعة الإسلام جادل المشركون، وجادل أهل الكتاب كذلك، وكلما نزلت آية كما قلنا من قبل - هذه الآية تزيد المؤمن إيمانا، وتزيد الكافر كفرانا، ويستغل الشيطان الفرصة، فيلقي في قلوب الناس الشّبهة، كيف يحلُّون ذبيحتكم، وتحرمون ذبيحة الله، حين نزل تحريم للميتة كيف؟ وكيف، وكيف، شُبَه وشبهات ربنا (تبارك وتعالى) يقول لحبيبه المصطفى بعد ما سرد الآيات الدال على قدرته، وعلى وحدانيته، وعلى تدبيره للأمور، وانفراده بالملك، والسلطان آيات السلطان، برهان، حجة يقول لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم):
لِّكُلِّ أُمَّةٍۢ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ۖ فَلَا يُنَـٰزِعُنَّكَ فِى ٱلْأَمْرِ ۚ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًۭى مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿67﴾
‫(لِّكُلِّ أُمَّةٍۢ جَعَلْنَا مَنسَكًا) لكل أمة من الأمم اليهود النصارى، أمة عاد، أمة ثمود، أمة سيدنا نوح، كل أمة لها منسك، لها شرع، لها دين، لها مكان تؤدي فيه العبادة (جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ۖ ) شرعا هم عاملون به (فَلَا يُنَـٰزِعُنَّكَ فِى ٱلْأَمْرِ ۚ ) ألا يحدث هذا النزاع في أمر دينك، الصيغة صيغة نهي، والمراد النفي (فَلَا يُنَـٰزِعُنَّكَ فِى ٱلْأَمْرِ ۚ ) بمعنى أن دينك أظهر من أن ينازع فيه، الإسلام حق واضح، ساطع، لا يجب أن يتشكك فيه مخلوق، ولا يجب أن ينازعوك، أو يجادلون فيه أو (فَلَا يُنَـٰزِعُنَّكَ فِى ٱلْأَمْرِ ۚ ) نهي على أساس أن النهي لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) أي لا تُلجئهم لمنازعتك في الدين، أي لا تنازعهم فينازعوك، لا تجادلهم فيجادلوك (وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ ) غير مبال بما يقولون، غير ملتفت لما يدعون (إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًۭى مُّسْتَقِيمٍۢ ) طريق واضح لا اعوجاج فيه‫.
وَإِن جَـٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿68﴾
وإن جادلوا رغم امتناعك عن مجادلتهم، وعن منازعتهم، ورغم وضوح الحق، وسطوعه (فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) منتهى الأدب، منتهى التعليم، منتهى التنبيه، المجادل، والمنازع لا يبتغي الوصول إلى الحق، المعاند لا يمكن أن يقتنع، هو يجادل للعناد لا للوصول إلى الحق، وعليه فكيف تتعب نفسك في مجادلة من لا يريد الوصول إلى الحق، فإن جادلوك رغم سطوع البرهان، ووضوح الحجة (فَقُلِ) لم يقل (جادلهم) امتنع عن الجدال، وامتنع عن الرد هي كلمة (ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) منتهى الرقة، منتهى اللطف، منتهى التعليم، لكل إنسان كيف يتأدب في الجدال، وفي النزاع، وكيف يرد على المعاندين‫.
ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿69﴾
ويوم القيامة آتٍ وقريب، الله يحكم، ويفصل، ويقضي فيثيب الطائعين، ويعاقب العاصين والكافرين‫.
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ ﴿70﴾
‫(أَلَمْ تَعْلَمْ) استفهام تقريري أيضا، أي قد علمت (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۗ ) وإذ قد علمت ذلك، فاعلم أنه قد علم بالنزاع، والجدال، وما انطوت عليه نفوسهم، وأمور الاختلاف، طالما علمنا أن الله يعلم ما في السماء والأرض، إذاً فهو عالم بكل شيء، عالم بما هو حادث، عالم بجدالهم، ومحاربتهم للإسلام بطعنهم في الدين بتكذيبهم لسيد الخلق أجمعين (عليه الصلاة والسلام) (إِنَّ ذَٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ ۚ ) هذا المعلوم مسطور في كتاب إلا وهو اللوح المحفوظ (إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ) العلم بما كان وما يكون، الكتابة والتدوين على الله يسير، فأول ما خلق الله (تبارك وتعالى) حين خلق القلم، ثم قال‫:‬ اكتب فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، كان الله ولم يكن شيء، وكان عرشه على الماء، وخلق القلم، وقال‫:‬ أكتب، قال‫:‬ ما أكتب؟ قال‫:‬ اكتب رحمتي سبقت غضبي، إن حقائق الأمور لا تعرف إلا من طريقين اثنين لا ثالث لهما‫:‬‬
‫الطريق الأول‫:‬ هو الوحي‫.‬‬
‫والطريق الثاني‫:‬ هو النظر والاستدلال بإعمال العقل، فما عرف من طريق الوحي فهو الشرع، وهو الدين، وما عرف من طريق النظر والاستدلال باستخدام العقل، فهو العلم، ما سوى ذلك لا يكون إلا تقليداً، أو اتباعا للهوى، مشركو مكة عبدوا الأصنام، وزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وقال بعضهم‫:‬ إن الملائكة بنات الله، كل ذلك بغير دليل، بغير سلطان، بغير علم، بداية الأمر كانت إذا خرج أحدهم في سفر أو في تجارة أخذ حجراً من الكعبة، ومن جوار الكعبة، وأخذه معه وطاف به في سفره، تلك كانت البداية اختراع، كانوا على ملة إبراهيم، وكانوا على ملة إسماعيل، وبدأ الاختراع، وبدأ اتباع الهوى، ثم بعد ذلك احتفظوا بهذه الحجارة، في بيوتهم، وكل واحد أعجبه حجرا أخذه، ووضعه في بيته، وتقرب إليه، إلى أن وصلوا إلى عبادة الأوثان، والأصنام، وأصبح لكل قبيلة وثنا أو صنما يطيفون به كل ذلك بغير كتاب، بغير سلطان، بغير علم بغير، استخدام للعقل؛ لذا يقول الله (عز وجل) حاكيا عنهم‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًۭا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِۦ عِلْمٌۭ ۗ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍۢ ﴿71﴾
ها هما الطريقان لمعرفة حقائق الأمور، السلطان، الحجة، السلطان هنا الكتاب، الشرع، الدين الذي ينزل من عند الله (مَا لَمْ يُنَزِّلْ) أي بعبادته، أو بالأمر بعبادته، أو بالأمر بعبادته، أو يجوز عبادته بسلطان، وما ليس لهم به علم، بشيء من إعمال العقل، من النظر والاستدلال، إذاً فقد أخطأوا الطريقين الذين يوصلان إلى حقائق الأمور، من فعل ذلك ظلم نفسه، ولم يظلم أحداً، من هنا يقول الله (تبارك وتعالى) (وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍۢ ) ولم يقل (وما لهم) ليشعر بأن الفعل الذي فعلوه ظلم لأنفسهم (وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍۢ ) من معين، أو من هادي، أو من قوي يمنع عنهم العذاب‫.
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْمُنكَرَ ۖ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِنَا ۗ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكُمُ ۗ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴿72﴾
‫(وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ ) ها هو الحق، ها هو السلطان، ها هو الوحي، ها هو الصدق، القرآن يتلى عليهم، يقرأه النبي (صلى الله عليه وسلم) وتقرأه الصحابة عليهم، يبين لهم طريق الهدى؛ وليبين لهم طريق الحق (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا) آيات القرآن (بَيِّنَـٰتٍۢ) واضحات ساطعات (تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْمُنكَرَ ۖ ) ترى، وتتبين الإنكار على وجوههم، والغضب والاستنكار، المنكر هنا أي إنكارهم لما يسمعون بغضهم لذلك، كراهيتهم لما يتلى عليهم، ليس هذا فقط بل (يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِنَا ۗ ) سطى به، وسطى عليه‫: بطش به، والسطوة‫: القهر، كاد‫: اقترب من الفعل، كاد يفعل، اقترب منه ولم يفعل، لكنه اقترب منه (يَكَادُونَ يَسْطُونَ) يبطشون بالذين يتلون عليهم آياتنا، إذا فإذا سمعوا القرآن بدل من إعمال العقول، بدلا من فتح القلوب، بدلاً من التدبر، بدلا من الاستماع والتفكر، ترى الكراهية في وجوههم، والغيظ والبغضاء لما يسمعون، ويكادون يبطشون بهؤلاء الذين يدعونهم إلى الحق، وإلى الطريق المستقيم (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكُمُ ۗ ) أي أخبرهم يا محمد وقل لهم‫: هل تريدون معرفة ما هو أغيظ لكم من القرآن الذي يتلى عليكم؟ (ٱلنَّارُ) جواب لسائل، والكلام مختصر، وكأنهم قالوا‫: وما هو؟ قال‫: النار (أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكُمُ ۗ ) أي بشر مما يلحق الذين يتلون عليكم آياتنا، شر من هذا الذي وقع بالمسلمين منكم، أو من سطوتكم، أتريدون أن تعرفوه؟ وكأنهم قالوا‫: ومتى هو؟ قال (ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۖ ) وعد ممن يملك الوعد، جاء بالمظهر مكان المضمر، لم يقل وعدكم أو وعدها إياكم قال (وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۖ ) ليبين، ويسجل عليهم كفرهم بآيات الله (وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ) ثم يتوجه الخطاب للناس كافة، أو للمشركين خاصة‫.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌۭ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُوا۟ ذُبَابًۭا وَلَوِ ٱجْتَمَعُوا۟ لَهُۥ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْـًۭٔا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ ﴿73﴾
‫(يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ) الخطاب يا أيها الناس يدل على أن الآية مكية، والخطاب يا أيها الناس قد يُقصد به الناس عموما (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۭ (١٣)) [سورة الحجرات آية‫:‬ ١٣]، الناس بني آدم، وقد يقصد بالناس المشركين على وجه الخصوص، (ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ (١٧٣)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٧٣]، هنا قد، وقد يحدد المراد القراءة (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌۭ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ) الكلام للكفار والمشركين (إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ) (يدعون) قراءة الكلام للناس كافة (تدعون) الخطاب للمشركين، (يدعون) الخطاب للناس كافة، قراءتان ربنا (تبارك وتعالى) يبين حالة هي في الغرابة كالمثل، وياله من مثل، مثلكم ومثل ما تعبدون يبين ربنا للمشركين هذه الحالة التي هم عليها (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌۭ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُوا۟ ذُبَابًۭا وَلَوِ ٱجْتَمَعُوا۟ لَهُۥ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْـًۭٔا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ) استماع تدبر، واستماع تفكر (ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ) الأصنام، الأوثان، رؤساء القوم الذين دلوهم على الكفر وحضوهم عليه، واتخذوهم آلهة من دون الله، وكل مطاع في معصية الله، معبود من دون الله، وطاعة الشيطان عبادة له (لَن يَخْلُقُوا۟ ذُبَابًۭا وَلَوِ ٱجْتَمَعُوا۟ لَهُۥ ۖ ) الحق أبلج، خُص الذباب لأربعة أمور‫:‬ لكثرته، ولمهانته، ولضعفه، ولاستقزاره، لن يخلقوا ذبابا لا في الماضي، ولا في الحاضر، ولا في المستقبل وإلى أن تقوم الساعة تأكيد النفي، والذباب سُميِ بذلك لأنك كلما ذببته أي دفعته عاد، تذبه فيعود، فسُمِي ذبابا لكثرة حركته، وكلما ذُب أي دُفع، وبعُد يعود من حيث دُفع، لن يخلقوا ذبابا مجتمعين له، متعاونين عليه، فكيف لو كانوا منفردين، إذا كانوا لا يستطيعون خلق ذباب وهم مجتمعون فهل يستطيع أحدهم ذلك وهو منفرد؟ الأكثر من هذا والأوضح (وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْـًۭٔا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ) وإن يسلبهم أي يأخذ منهم عنوة، أو في غفلة منهم (لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ) لا يستخلصوه منه (ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ) الكلام قيل‫:‬ إنهم كانوا يضمخون الأصنام بالطيب، والدهن فيأتي الذباب على الأصنام، ويأخذ من هذا الطيب، فهو يضرب لهم مثلا بما يرونه، ويشاهدونه، وقيل‫:‬ كانوا ينحرون النحائر، ويذبحون الذبائح، ويلطخون الأصنام بدمائها، ويضعوها تحت أقدامها، فيأتي الذباب ويأخذ منه، والآية تدعو للتأمل، نحن الآن في عصر العلم الدنيوي والتقدم المذهل، ها هي معامل الدنيا، وها هم علماء الدنيا في جميع فروع العلم من كيمياء وفيزياء وطب، وما إلى ذلك، هل يمكن رغم التقدم والصعود إلى القمر والأجواء العليا، هل يمكن أن تخلق ذبابة في معمل، لو اجتمع علماء الأرض جمعيا، بجميع معاملهم؟ هل يمكن أن يأخذوا من الذبابة رشفة من ماء أخذته؟ الذبابة موجودة، والمجهر موجود، والأجهزة الدقيقة موجودة، وتكبر الأشياء مئات آلاف المرات تحت المجهر، وأشعة وأجهزة وآلات، هل يمكن أن تستخلص من الذبابة رشفة أخذتها من إناء؟ صدق الله العظيم (وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْـًۭٔا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ) أبداً (ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ) العابد (وَٱلْمَطْلُوبُ) الصنم، ما أخذه الذباب منه، ممكن تدل على العابد، والمعبود، على المعبود، وعلى الذباب، تدل على كل شيء، الكل ضعيف، فإن كان الطالب ضعيفا، والمطلوب ضعيفا فمن هو القوي؟‬‬‬‬‬‬‬‬
مَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ ﴿74﴾
تأمل (ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ) (مَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ ۗ ) حقاً ما عرفوه حق معرفته، وما عظموه حق تعظيمه (إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ) قادر على كل الممكنات، وكل المقدورات في قدرته سواء (عَزِيزٌ) غالب لا يُغلب، لا يدرك، لا مثيل له، ولا شبيه، ولا شريك (إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ) هلم نرى زعم الكفار في عبادة الأصنام، ها هو الدليل على وحدانية الله، ها هو الدليل على قدرة الله، وعزة الله، وغلبة الله، هو المنفرد بالإيجاد، هو المنفرد بالخلق، هو المنفرد بالتدبير، هو المنفرد بالتصريف والتقدير، هلم إلى زعمكم أن الأصنام تشفع لكم، من الذي يختار من يشفع؟ من الذي يختار الوساطة والوسيط؟ القوي العزيز‫.
ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًۭا وَمِنَ ٱلنَّاسِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌۭ ﴿75﴾
هو الذي يصطفي وليس أنت الذي تصطفي وتختار حجراً، أو صنما، أو وثنا، أو ملكا، أو إنسانا، تختاره أنت ليشفع لك، هل تعرف منزلته عند من تريد أن يشفع عنده، أنت في هذه الدنيا لو أن لك مصلحة في مكان ما عند رجل ما، عند رئيس، وأردت أن تتوسط إليه من تختار؟ تختار المقرَّب، من عُرف أنه على صلة به، أم تختار من تشاء، فكيف بالقوي الذي يفعل ما يشاء؟ كيف تختارون أنتم أوثانا، وأصناما، وتزعمون أنها تشفع لكم؟! (ٱللَّهُ) هو الذي يصطفي، وهو الذي يختار، كأنه يرد عليهم في زعمهم باتخاذهم الأصنام، والأوثان شفعاء يشفعون لهم، يرد عليهم بقوله هو الذي يصطفي ويختار (ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًۭا) إلى الأنبياء (وَمِنَ ٱلنَّاسِ ۚ ) أنبياء إلى أقوامهم يبلغونهم أمر الله، يبلغونهم نهي الله، يبينون لهم شريعتهم، يدلونهم على طريق الهدى والرشاد، هؤلاء هم الذين يُتوسل بإجابتهم، اتخاذهم قدوة أي بإجابتهم إلى دعوتهم، أنت إذا توسلت إلى الله تتوسل بمن؟ بمن اختاره الله ليكون واسطة بينك وبينه، فكيف تتوسل بمن اختاره الله؟ أن تقتدي به، أن تطيع أمره، أن تعمل بما أمرك، أن تتخذه قدوة، وأسوة، وهنا فقط يشفع لك، يشفع لأن الله اصطفاه، ويشفع لأنه عنك رضي باتباعك نهجه، وسبيله (إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌۭ) يسمع ويرى، ويصطفي من يشاء، من يصلح للاصطفاء، ومن يُهيأ للاجتباء‫.
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ﴿76﴾
‫(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۗ ) يعلم ما وقع، وما هو متوقع، يعلم ما قدموا، وما خلّفوا (وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ) هو صاحب الأمر، والأمر منه، والأمر إليه، إليه تُرجع الأمور، فيجازي الناس على أعمالهم، فيثيب الطائع، ويعاقب العاصي إذاً فمن أراد التقرب إلى الله، من أراد من يقربه إلى الله، من أراد من يشفع له عند الله فلينظر من الذي اصطفاه الله، سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) وسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) لكي يشفع لابد من سلوك طريق، هذا الطريق هو أن تتخذه أسوة كما أمرك الله (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ) [سورة الأحزاب آية‫: ٢١]، وكما أمر (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ) [سورة آل عمران آية‫: ٣١]، هذا هو الطريق للشفاعة، وهذا هو الطريق للوساطة، وعليه يوصف لك الطريق، بعد ما علمت أن الوحدانية لله، وأن التدبير والتصريف والتقدير هو سبحانه المنفرد به، ثم علمت أن الاصطفاء له، هو يصطفي ويختار من يشاء، هؤلاء هم الذي تُطلب شفاعتهم، هو القدوة، هم الأسوة، الأنبياء، الطريق للوصول إلى ذلك‫.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟ وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩ ﴿77﴾
ها هو الطريق، فأنت تريد الشفاعة ليس الصنم هو الذي يقربك إلى الله زلفى، وإنما الذي يقربك إلى الله زلفى أن تقر بوحدانيته، وأن ترى من اصطفاه، وأن تتبع شرعه، وأن تجعله أسوة لك، فتقتدي به، وأهم ما يقتدى به الصلاة، معراج إلى الله، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأعلى ما في الصلاة الركوع، والسجود؛ لذا خصا بالذكر، ومن هنا وبسبب ذكر الركوع والسجود في هذه الآية اعتبر بعض العلماء المالكية، والحنفية أن الآية أمر بالصلاة فقط، وليس الأمر بالسجود، وأما غيرهم فاعتبروا أن الآية آية سجدة، حيث فُضلت السورة بسجدتي تلاوة، وسجدة التلاوة اختلف فيها العلماء، أحوط الأقوال أنك تأتي بها من قيام، وتكبّر تكبيرة إحرام، ثم تهوي إلى السجود، وتدعو بما هو وارد (سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ)، (اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا ، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا ، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا ، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ)، (سَجَدَ لَكَ سَوَاديِ وَخيَالِي ، وَآمَنَ بِكَ فُؤَادِي ، هَذِهِ يَدِي وَمَا جَنَيْتُ بِهَا عَلَى نَفْسِي ، يَا عَظِيمُ يُرْجَى لِكُلِّ عَظِيمٍ اغْفِرْ لِيَ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ) ثم تجلس ثم تسلم التسليمتين، وسجدة التلاوة لكي تسجدها لابد وأن تكون على وضوء، يشترط لها ما يشترط للصلاة، ستر العورة، استقبال القبلة، أن تكون طاهرا من الحدث الأكبر والأصغر، أن يسجد من تلاها إذا كنت أنت التالي سجدت في الصلاة، وفي خارج الصلاة إذا سمعت آية السجدة تسجد إذا سجد من تلاها، أما إذا لم يسجد من تلاها فلا سجود عليك، والسجدة أيضا تسمع شخصيا، أما من المذياع فلا يصح السجود لسماعها من المذياع، وإذا تليت على المنبر أيضا نزل الإمام وسجد، وسجد الناس (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟) بدأ بالتخصيص، فخص السجود وخص الركوع، ثم عمم، فقال (وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ) ثم جاء بالأعم، فقال (وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ) انظر إلى النسق، وإلى السياق، وكأن الطريق إلى الله يبدأ خطوة خطوة، إذا تأملت عرفت، وفهمت قول النبي (صلى الله عليه وسلم) ( إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لا أَرْضًا قَطَعَ، وَلا ظَهْرًا أَبْقَى) (وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ) الخير‫:‬ النوافل، الخير كل ما يؤدي إلى رضا الله، صلة الأرحام، كفالة الأيتام، الصلاة بالليل والناس نيام، الخير أبوابه متسعة كثيرة لا عد لها ولا حصر، أيضا لابد وأن تعلم أن النبي (صلى الله عليه وسلم) برحمته بالأمة سنّ لنا أمورا، فصلاة السنن ما فائدتها؟ فائدتها أن العبد يوم القيامة إذا جيء بصلاته وحوسب عليها، لابد وأن يكون فيها خلل أو تقصير أو بعض الأيام لم يصل فيها، أو عليه صلوات فإذا حدث ذلك جيء بالنوافل فاستكملت الفرائض منها، فما من نفل سنّه النبي (صلى الله عليه وسلم) إلا وهو رحمة للأمة لاستعواض ما قد يلحق بالفرائض من خلل، أو نقص (وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (لَعَلَّكُمْ) كلمة ترجي، ككلمة عسى، إذا قالها البشر معنى ذلك أنه لا يدري أيتحقق ما يرجو أم لا (لعلي آتيكم غدا) قد، وقد أما كلمة (لعل) و(عسى) إذا جاءت في كلام الله (عز وجل) فهي تفيد التحقيق؛ لأن الله أكرم من أن يُطمع عبده ثم يخيب رجاءه، فلو قال (عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٨]، إذا فقد رحم، هنا (وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) هذه الكلمة معناها أن تفعل الخير، وأنت ترجوا الفلاح، أنت ترجوا الفلاح ولا تتيقن منه، فتعتمد على عملك، فلن يدخل أحدكم الجنة عمله هذا المقصود (وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي افعلوا الخيرات وأنتم راجين القبول غير متيقنين منه؛ لأن الراجي في كلمة لعل قد لا يكون متيقنا، وإنما هو يطمع، إذا فكل ما فعلت من الخير تفعل وأنت تطمع في القبول، ترجوه، وتتمناه، ولا تتيقن أو تعتمد على عملك أبدا، فلن يدخل أحدكم الجنة عمله‫.‬‬
‫أيها الاخ المسلم، أبواب الخير كثيرة، وفتح لنا النبي (صلى الله عليه وسلم) أبوابا وطرقا وسبلا للخير ولرضوان الله، ومهما عددت من أحاديث للنبي (صلى الله عليه وسلم) تدل على الخير لن تستطيع أن تحصر، أن تتبسم في وجه أخاك لك صدقة، إماطة الأذى عن طريق لك صدقة، أن تلق أخاك بوجه باسم لك صدقة، الكثير والكثير، الخيرات كثيرة ولكن الإنسان قد يغفل عنها، أو يتكاسل عن أدائها، وربما حسنة واحدة تكون سببا في النجاة من النار ودخول الجنة يقول الله (تبارك وتعالى) بعد الأمر بالعبادة والصلاة تاج العبادات، وأساس العبادات، وأول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة يحاسب على الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله، يأمر بالجهاد فيقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَجَـٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ ۚ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍۢ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعْتَصِمُوا۟ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلَىٰكُمْ ۖ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ ﴿78﴾
‫(وَجَـٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ ۚ ) الجهاد جاء في هذه السورة قبل ذلك، وتبين لنا أنه قديم ومأمور به في جميع الشرائع والأديان في قوله (عز وجل) (وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌۭ وَصَلَوَٰتٌۭ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ (٤٠)) [سورة الحج آية‫:‬ ٤٠]، هنا يأتي الأمر بالجهاد، والجهاد درجات وأنواع‫:‬ وجاهدوا في سبيل الله، جاهدوا الكفار، جاهدوا الظلمة برد ظلمهم، جاهدوا أنفسكم باتباع الأوامر، واجتناب النواهي، جاهدوا في سبيل الله بالدعوة إلى الله (وَجَـٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ ۚ ) أي جهادا فيه حقا، والصياغة لها تخريجات لغوية (وَجَـٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ ۚ ) أي حقا جهادا فيه حقا يبتغي به وجهه خالصا له (هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍۢ ۚ ) (هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ) اصطفاكم واختاركم للذب عن دينه، للجهاد في سبيله، وكأن الكلمة تعليل للأمر بالجهاد (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍۢ ۚ ) إذاً فلا عذر لكم في التخلّي عنه، (مِنْ حَرَجٍۢ ۚ ) : ضيق إذاً فلا عذر لأحد في التخلي عن الجهاد، وما رُفع عنه الحرج كثير، وكلمة (الدين يسر) مشهورة، معلومة، لكن البعض يفهمونها خطأ، فيحلون الحرام، ويحرمون الحلال، يدعون التيسير، الدين يسر هو في نفسه يسر، لا يطلب منك أن تيسر ما يسرّه الله، مثال التيسير ورفع الحرج‫:‬ الإفطار في رمضان للمريض، والحامل، والمرضع، والشيخ الفاني الهرم، قصر الصلاة في السفر، الفطر في السفر، التيمم حين انعدام الماء، أو عدم القدرة عليه، التوبة إذا وقعت في معصية، أيّ يُسر هذا ولو شاء الله ما فتح أبواب التوبة للناس، ولآخذهم على ما يفعلون، ولكنه قال (وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍۢ) [سورة النحل آية‫:‬ ٦١] إذاً فالكل مخطئ والكل خطّاء، التوبة، الكفارة هذا هو اليسر في الدين، رخص كفارة القتل الخطأ، كفارة قتل الصيد في الحرم، كفارات كثيرة، كفارة اليمين، حلفت بالله بعظمة الله وجلاله، ومع ذلك يقول لك إذا رأيت الخير في غير ما حلفت فائتي الخير، وكفّر عن يمينك، أي رحمة هذا؟! ذلك هو اليسر، الجهاد مأمور به (وَجَـٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ ۚ ) ما جعل عليكم في الدين من حرج، فرفع عن المريض والأعمى والأعرج، ليس على الأعمى، ولا على الأعرج، ولا على المريض حرج، ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون أيضا حرج، إذاً فلا عذر للقادر على الجهاد لا عذر في التخلي عنه، أو ترك الجهاد، وكل يجاهد بحسب موقعه، وموضعه، فما من مسلم إلا وعليه الجهاد، ولكن يتوقف على موقع المسلم، وإمكانات المسلم، وما يمكن أن يجاهد به وما يمكن أن يجاهده كالمعاصي منتشرة، والفسق منتشر، والدين اضمحل والعلم بدأ يندثر، كلكم يعلم ما نحن عليه وما صارت عليه الأمة الإسلامية، كل من موقعه عليه أن يجاهد طبقا لهذا الأمر الرباني (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ ۚ ) منصوب على الإغراء بتقدير فعل اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم، أو منصوب لحذف الكاف أي (كَملَّة أبيكم إبراهيم) فإذا حذفت الكاف نصبت الكلمة ملةَ أبيكم، أو يسَّر عليكم ما يسّر في ملة أبيكم إبراهيم، إبراهيم أبو العرب، واختصهم بالذكر فهم من نسله، ومن ذريته أو الكلام للمسلمين عامة؛ لأن إبراهيم أبو النبي (صلى الله عليه وسلم) والنبي أبو أمته، فما من مسلم عربي أو عجمي إلا ونبينا أبوه (ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ ) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٦]، وكل نبي أب لأمته، وطالما كان أبونا محمد (صلى الله عليه وسلم) أبوه إبراهيم، فأبونا هو إبراهيم، هكذا قال العلماء (هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ) (هُوَ) قيل عائدة على إبراهيم، سماكم المسلمين من قبل محمد (صلى الله عليه وسلم) أين سمانا؟ وكيف سمّانا؟ تذكرون مقالة إبراهيم التي حكى عنها القرآن (رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةًۭ مُّسْلِمَةًۭ لَّكَ) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٢٨] (وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ) أي وفي هذا بيان لتسميتكم بالمسلمين، أو هو عائدة على الله (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم، هو الله سمّاكم) (هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ) من قبل القرآن (وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ) وفي هذا الكتاب، أو القرآن سمّاكم أيضا المسلمين، إذا فاسمنا المسلمون في جميع الكتب السماوية، وكذلك في القرآن (وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ) أي في القرآن (ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ۚ ) يا لمقامه (صلى الله عليه وسلم) أرأيتم أحداً يشهد لنفسه، وتقبل شهادته، سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) إذا فهو الشاهد المصدَّق المقبول شهادته بأنه بلغ الرسالة لأمته، ولا يُستشهد عليه، وتكفي شهادته، يشهد على الطائع، وعلى العاصي، يشهد بأنه بلغ الأمة الرسالة، ولتكونوا أنتم شهداء على الناس، على الملل السابقة، إذا تنكر الأمم رسالة الرسل فيطلب الشهود، فتأتي أمة محمد فتشهد لعيسى أنه بلغ، وتشهد لموسى أنه بلغ، وتشهد لنوح أنه بلغ، فأمة محمد شهداء على الناس يوم القيامة جمعيا (فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ) مرة أخرى يأتي ذكر الصلاة، إقامة الصلاة أن تأتي بها كاملة على وجهها الذي ينبغي أن يؤتى به (وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ) العبادة المالية، والصلاة العبادة البدنية (وَٱعْتَصِمُوا۟ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلَىٰكُمْ ۖ ) الاعتصام بالله، التوكل عليه، الثقة فيه، الاعتماد عليه، تفويض الأمر له، الاستنصار به، الاعتصام به، أرأيت شخصا هربا من وحش فلجأ إلى مغارة، أو إلى حصن فاعتصم به، أي احتمى به نحن في هذه الدنيا نريد الاحتماء من أنفسنا، والنفس أمّارة بالسوء، نريد الاحتماء من الشيطان، ووساوسه، نريد الاحتماء من الفسق، وأهل الفسق، والداعين إلى جهنم، نريد الاحتماء من الظلمة، نريد الاحتماء من الكفرة، نريد الاحتماء من كل ذلك، فمن الحامي؟ من العاصم؟ هو الله، من هنا يبين لنا ربنا (تبارك وتعالى) طريق العصمة، يبين لنا طريق الحماية (فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ) لك الحمد، ولك الشكر هو مولاكم أي متولي أموركم جمعيا في الدنيا وفي الآخرة، قبل أن تخلق من تولاك وأنت نطفة؟ من تولاك وأنت مضغة؟ من تولاك وأنت علقة؟ من تولاك فصورك؟ من تولاك فرزقك الحواس والعقل؟ من تولاك في صغرك؟ من تولاك في كبرك؟ هو الله، هو مولاكم يتولى جميع أموركم نعم يتولى الأمر، ونعم من ينصر، ويعين، بل والله لا مولى ولا ناصر إلا الله فنعم المولى، ونعم النصير‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬