القرآن الكريم / سورة الأنبياء / التفسير المقروء
سورة الأنبياء
سورة الأنبياء
لقاؤنا اليوم مع سورة الأنبياء، سورة الأنبياء مكية، نزلت بمكة، وسميت بهذا الاسم؛ لأن فيها بعض قصص الأنبياء، منها ما هو موجز، ومختصر، ومنها ما هو مفصل، كقصة إبراهيم (عليه السلام) مع قومه عبدة الأصنام، وجاءت قصته بمزيد من البيان، ووضوح الحجة، والبرهان، وكيف أُلزم الكافرون الحجة، سورة الأنبياء تهتم كسائر السور المكية بأصول العقيدة الإسلامية في أساسياتها، التوحيد، الرسالة، البعث، القيامة، الجزاء، الثواب، العقاب، كما تضمنت السورة بعض مشاهد أهوال يوم القيامة، وساقت الحجج، والبراهين على وجود الواحد الأحد، القادر، المدبر، المهيمن، كما بينت السورة حال الكفار حين استماعهم للقرآن، وكيف أنهم في غفلة عن القيامة، وعن الساعة، وافتتُحت السورة بقوله (عز وجل):
ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍۢ مُّعْرِضُونَ ﴿1﴾
اقترب الحساب، أي اقتربت القيامة، ومعنى اقتراب القيامة أن كل ما هو آت قريب، أو عند الله (تبارك وتعالى) (.... وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)) [سورة الحج آية: ٤٧] ويقول: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُۥ بَعِيدًۭا (٦) وَنَرَىٰهُ قَرِيبًۭا (٧)) [سورة المعارج آية: ٦ - ٧ ] كما أن موت الإنسان قيامته، والموت قريب، والموت حق، أو اقترب الزمان، فما بقي من زمان الدنيا بالنسبة لما مضى قريب، قليل، يسير (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) والناس هنا هم المشركون الكفار بدليل ما يلي من آيات (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) والمؤمن لا يكون في غفلة، هم الذين أنكروا البعث، والغفلة أن يكون الإنسان ساهيا عن الأمر، ليس داريا به، ولا عالما بخطورته، هم في غفلة معرضون عن التفكر، والتدبر؛ إذ لو نظر الإنسان إلى ما حوله بغير بعثة رسل، بغير كتب، بغير شيء، لو نظر، وتأمل، وتفكر فيما حوله من هذا النظام، لتيقن أن للوجود خالقا مدبرا، هؤلاء أعرضوا عن التفكر والتدبر.
مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍۢ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿2﴾
لَاهِيَةًۭ قُلُوبُهُمْ ۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ هَلْ هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ ۖ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴿3﴾
(مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍۢ مِّن رَّبِّهِم ) ما يأتيهم من آيات تنزل على النبي (صلى الله عليه وسلم) أي محدث نزولها؛ إذ كان القرآن ينزل على سيد الخلق آية، آية، سورة، سورة، وينزل في بعض الوقت ولا ينزل في بعض الوقت، أما الكلام والقرآن فهو قديم قدم الله (عز وجل) فالمحدث هو الإنزال، إنزال اللفظ، وليس القرآن محدثا، وليس مخلوقا، فهو قائم بذات الله (تبارك وتعالى) من الأزل، لا يقبل الانفصال، والافتراق بالحول في الأوراق (إِلَّا ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) الواو في الآية الأولى وهنا أيضا واو الحال، اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة، حال كونهم في غفلة معرضون، ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون، حال لهؤلاء وهم يلعبون بالدنيا، وزينتها، يلعبون بلذاتهم، وشهواتهم، واللعب ضد الجد، والاهتمام، استمعوا القرآن وهم يلعبون، استمعوه وهم يستهزئون (لَاهِيَةًۭ قُلُوبُهُمْ) ساهية عن هذا الذكر، وعن التأمل فيه، والتدبر فيه، لَهِيَ ولَهَى يلْهى لِهِيّاً ترك الشيء وتشاغل عنه بغيره، هناك لَهَى يلهو لهواً أمر آخر هنا (لَاهِيَةًۭ قُلُوبُهُمْ) والنعت يتبع المنعوت في إعرابه إذا تبعه، أما إذا تقدمه نصب (خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ) [سورة القلم آية: ٤٣]، (وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَـٰلُهَا) [سورة الإنسان آية: ١٤]، هنا (لَاهِيَةًۭ قُلُوبُهُمْ) ساهية تاركة للذكر، متشاغلة عنه، فهم جمعوا بين اللهو بمعنى الاستهزاء، وجمعوا بين اللهيان: وهو التشاغل، وترك التفكر، والتدبر، وجمعوا كذلك بين التكذيب، وبين الاستهزاء (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟) الإسرار: الكلام في السر والخفاء، والتناجي أصله من النجوى، والنجوى: المرتفع من الأرض، وكأن الرجل إذا أراد يُسِر بشيء لأخيه، أو لصاحبه، أو لأحد، أخذه وبُعد به عن الناس إلى مكان مرتفع حتى لا يسمعه أحد، ذاك الأصل، فعبر بعد ذلك بلفظ النجوى عن المسَارَّة، أسروا إسرارا، النجوى: التناجي، إذا فكأنهم بالغوا في الإخفاء لكلامهم، لم يقل أسروا فقط، لم يقل تناجوا فقط، قال (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَى) وكأنه تأكيد لشدة إخفائهم الكلام مع بعضهم، من هم؟ (ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟) قيل: إن الكلام فيه تقديم، وتأخير، والتقدير (الذين ظلموا أسروا النجوى) وقيل: (ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟) بدل من الواو في أسروا من هم؟ (ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟) وليس هناك تقديم، ولا تأخير، والمقصود الإيماء بأنهم بإسرارهم النجوى كانوا ظلمة، لتسجيل الظلم عليهم، ما كان إسرارهم، وما كان تخافتهم بالكلام؟ ماذا قالوا رغم إسرارهم وإخفائهم؟ (هَلْ هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ ۖ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ) إذاً فقد أخفوا الكلام، وأسروا النجوى، بالغوا في الإخفاء طعنا في سيد الناس جمعيا (عليه الصلاة والسلام) واتهموه بالكذب؛ لأنه بشر، باعتبار أن الرسول لابد وأن يكون مَلَك، لكن الله لا تخفى عليه خافية، فسمع نجواهم، وعلم بما أسروا به، فأخبر نبيه وأمره بالرد، (قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ) [سورة الكهف آية: ١١٠]، (هَلْ هَـٰذَآ) الإشارة للنبي، صلى الله عليه وسلم، (إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ) يأكل مما تأكلون، ويمشي في الأسواق، ويشرب كما تشربون (أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ) أي تجيئون إليه وهو بشر، وما يقوله سحر، وانتقل الطعن في القرآن كذلك، طالما هو بشر يأكل كما تأكلون، ويشرب كما تشربون، إذاً فهو ساحر، وما جاء به سحر، فكيف تذهبون إليه، وتستمعون إليه، وأنتم تعلمون أنه ساحر، وأن ما يقوله سحر.
قَالَ رَبِّى يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿4﴾
إذاً فقد أخبره الله (تبارك وتعالى) بما قالوا، وأمره بالرد، (قَالَ رَبِّى يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ) فمهما أسررتم النجوى، ومهما أخفيتم حديثكم، فربنا يعلم السر وأخفى (وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ) السميع لأقوالكم، العليم بأحوالكم (قَالَ رَبِّى)(قل ربي) قراءتان، وقراءة (قل) أبين، والقراءتان صحيحتان (قَالَ) إذاً فقد أمره أن يقول، فقال، فعبّر بكلمة: (قال)، وكأنه استمع لأمر (قل)، فقال تأكيد، لأنه قال، لأن الله (تبارك وتعالى) يقول (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَى) إذاً لم يسمع نبينا ما أسرّوا به، فكيف يقول لهم ربي يعلم ما في السماء والأرض؟! رد عليهم الوحي، فقد أمر أن يقول؛ لذا قرأت، (قل)، وقرأت (قال):
بَلْ قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍۭ بَلِ ٱفْتَرَىٰهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌۭ فَلْيَأْتِنَا بِـَٔايَةٍۢ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلْأَوَّلُونَ ﴿5﴾
بيّن لنا القرآن تردد هؤلاء الكفار، وتحيرهم في شأن نبينا (صلى الله عليه وسلم) والحق أبلج، والباطل لجلج، قالوا: بشر واتهموه بذلك، ثم قالوا: سحر ها هم يقولون(بَلْ قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍۭ) ، أي أن ما يقوله تهاويل، وتخاريف، أحلام تأتيه في المنام، والأضغاث: جمع ضغث، والضغث: الشيء المجموع من أشياء متفرقة (بَلْ قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍۭ) إذاً بعد ما قالوا:( أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ) ، رجعوا عن هذه المقالة، فقوله ليس بالسحر، وكلامه ليس بالسحر، ولم يعرف عنه تعاطي السحر، فتراجعوا (بَلْ قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍۭ) إضراب عن الكلام الأول، وقالوا: تهاويل، منامات، لا معنى له، ولا أصل له، ثم تراجعوا فقالوا:( بَلِ ٱفْتَرَىٰهُ) ليس هذا الكلام كلام منامات، أو أحلام، وإنما كلام محكم، من هنا قالوا: افتراه، أي اختلقه من عنده، كيف؟ ولم يقرأ، ولم يكتب، وفيه أنباء الأولين، وأخبار الآخرين، وفيه الأحكام، والعظات، والمواعظ، والحكم، والحلال، والحرام، وأنباء الأمم السابقة، من هنا تراجعوا عن ذلك، وقالوا (بَلْ هُوَ شَاعِرٌ) عادوا إلى مقالتهم، واتهموه بالشعر، إما هم يترددون، ويتحيرون، تارة يقولون ساحر، تارة يقولون شاعر، تارة يقولون أضغاث أحلام، تارة يقولون افتراه، تارة يقولون أساطير الأولين، أو هم جماعات بعضهم يقول كذا، وبعضهم يقول كذا(فَلْيَأْتِنَا بِـَٔايَةٍۢ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلْأَوَّلُونَ ) هذا ما انتهوا إليه بعد ما عجزوا تماما عن إظهار دليل واحد، أو برهان على أن هذا الكلام ليس من عند الله، رفضوه بالكلية بعد ما طعنوه بوسائل الطعن المختلفة، طلبوا أن يأتيهم بآية كما أرسل الأنبياء الأولون، كعصا موسى، كناقة صالح، كإبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، كما فعل عيسى، الغريب حين يقولون (فَلْيَأْتِنَا بِـَٔايَةٍۢ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلْأَوَّلُونَ ) إذاً فقد أقروا بأن هناك رسل، وأنهم جاءوا بالمعجزات، وأنهم كانوا من البشر، أنظر إلى التردد، وإلى الحيرة، وانظر إلى التكذيب، والله ما كفر كافر عن جهل بالحقائق، أو عن عدم دراية، أو عن عدم علم، ما كفر كافر إلا عن استكبار، وعناد، وجحود فالله (تبارك وتعالى) أظهر من أن يخفى على أحد، ها هم يقولون (فَلْيَأْتِنَا بِـَٔايَةٍۢ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلْأَوَّلُونَ ) الغريب في القرآن دائما تجد أن بعض الحجج تترك، الحجج الواهية الباطلة، تترك ولا يرد عليها، لظهور تفاهتها، وسفاهتها، وبطلانها، وخطئها، هم الآن يطلبون آية، الرد هنا ليس طالما عرفتم أن هناك رسل لم تنكرون رسالته وإنما الرد عن الآية.
مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَآ ۖ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴿6﴾
( مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ) المراد أهل القرية (أَهْلَكْنَـٰهَا) بعد تكذبيهم، فربنا (تبارك وتعالى) حين أرسل الناقة مع صالح آية اقترحها قومه، وحين كذّبوا بها حق عليهم العذاب، قوم فرعون حين رأوا العصا، واليد البيضاء، هل آمنوا أم كفروا؟ كفروا، وطالما كفروا استحقوا عذاب الاستئصال، والتدمير، فلوجئنا بالآيات المقترحة التي اقترحوها عليك، هل تضمن إيمانهم، هل يؤمنون رغم عتوهم، وجبروتهم، وشدة كفرهم؟ (أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ) إنكار واستبعاد لإيمانهم، لو جاءت الآيات المقترحة فهم أعتى ممن سبقهم من الأمم، المكذبة، وإن حدث، وكفروا بالآيات، استحقوا عذاب الاستئصال، وربنا (تبارك وتعالى) اقتضت حكمته ألا يستأصل أمة النبي (صلى الله عليه وسلم) أو أن يستأصل قومه، ففي أصلابهم المؤمنون، واقتضت حكمته أن يؤجل، ويؤخر عذاب المكذبين إلى يوم القيامة، فنبينا آخر الأنبياء، وخاتم المرسلين، والقرآن آخر الكتب المنزلة، كانت الأمم إذا أهلكت أنشأ الله بعدهم قوما آخرين، وأرسل رسلا آخرين، أما وهذا آخر الرسل، فلو أهلك الناس في عهده لانتهى، ولقامت الساعة، من هنا ربنا (تبارك وتعالى) يقول:( مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَآ ۖ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ) ، ويأتي الرد على قولهم: بشر.
وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۖ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿7﴾
(يوحى إليهم) قراءة، الرسل السابقون كانوا من الرجال، كانوا من البشر، إن كنتم تنكرون ذلك فاسألوا أهل التوراة، وأهل الإنجيل؛ وكان مشركو مكة يراجعون أهل الكتاب دائما، وأبداً في شأن النبي (صلى الله عليه وسلم) ويوعز اليهود إليهم، سلوه عن كذا، سلوه عن كذا، فكانوا دائما وأبدا يرجعون في شأنه إلى أهل الكتاب، فربنا يقول لهم، كل من أرسل قبل النبي (صلى الله عليه وسلم) كانوا من البشر، إذا كنتم لا تعلمون ذلك فاسألوا من تسألوهم، اسألوا أهل الكتاب، هل كانت الرسل إلا بشرا، والكلام والخطاب لكفار مكة.
وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَدًۭا لَّا يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُوا۟ خَـٰلِدِينَ ﴿8﴾
(جَسَدًۭا) إما مصدر، وإما اسم جنس؛ لذا أُفردت (جَسَدًۭا) لم يقل أجسادا قال جسد اسم جنس أو هو مصدر جَسِدَ يجسد، جسد الدم: تجمد، والتصق، فعبر بكلمة جسد عن هذا الجسم؛ لأن الأعضاء فيه ملتصقة، مترابطة، وكل جسد يأكل، ويشرب، فإذا كان الجسد لا يأكل، ولا يشرب، يسمى جسما وليس جسد (وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَدًۭا) جسداً متراكبا، من أعضاء ملتصقة به، وهم يعرفون كيف يعبرون عن جسِد يجسد (يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ) طبيعة الجسد أن يأكل ويشرب، فكيف يكونون جسدا لا يأكل، ولا يشرب؟ إذا فقد كانوا يأكلون، ويشربون، ردا على قولهم (وَقَالُوا۟ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ) [سورة الفرقان آية: ٧]، هل هناك جسد لا يأكل، ولا يشرب، وأنتم تعلمون ذلك (وَمَا كَانُوا۟ خَـٰلِدِينَ ) إذ من أكل وشرب لابد وأن يهلك، لابد وأن يموت؛ لأن ما دخل في هذا الجوف، وانتهى، وتصرف كلها أمور منتهية، فانية، تتفاعل، وتتغير من كذا لكذا، لكذا، من حالة إلى حالة، طالما كان غذاؤك متغيرا، متنقلا، من حالة إلى حالة، فلابد أن يكون الجسد الذي تكوَّن من هذا الغذاء متغيرا كذلك.
ثُمَّ صَدَقْنَـٰهُمُ ٱلْوَعْدَ فَأَنجَيْنَـٰهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرِفِينَ ﴿9﴾
( ثُمَّ صَدَقْنَـٰهُمُ ٱلْوَعْدَ ) أي صدقناهم في الوعد، صدقنا الرسل الوعد بالنصر، الوعد بالغلبة (فَأَنجَيْنَـٰهُمْ وَمَن نَّشَآءُ) حين أهلك القرى أنجى الرسل (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ) [سورة الأعراف آية: ٦٤]. (فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۖ وَمَا كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ (٧٢)) [سورة الأعراف آية: ٧٢]، هود (فَأَنجَيْنَـٰهُمْ) الرسل (وَمَن نَّشَآءُ) من آمن معهم، المؤمنون، أو من كان في إبقائه حكمة (وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرِفِينَ ) المجاوزين للحد في الكفر، والعقوق، والجحود، يتوجه الخطاب لهم بعد هذه الحجج، والبراهين، والأدلة الدامغة، والحوار الذي يدل على حلم الله (عز وجل) على هؤلاء، يأتي الكلام بشيء من التلطف والترغيب.
لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَـٰبًۭا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿10﴾
كلام فيه منتهى الحلم، منتهى الترغيب، يا أهل مكة الكتاب الذي نزل القرآن فيه رفعة شأنكم، وعلو صيتكم، فيه الحلال والحرام، فيه السعادة الدنيوية، والأخروية، هو بلغتكم، ونزل للعالم أجمع، لجميع الألسنة واللغات، لجميع ومختلف الأمم والدول، نزول القرآن بلغتكم، شرف وأي شرف، علو ذكر وأي ذكر، علو شأن وأي شأن، بالإضافة لما فيه من بيان لأساليب وأسس الحياة الهنيئة الرغدة في الدنيا، والسعادة في الآخرة، فكيف تتركونه، وكيف تكذبونه (أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) أفلا تعقلون ذلك، أفلا تعملون عقولكم في ذلك، لم يتعظوا، ويأتي بعد الترغيب يأتي الترهيب.
وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍۢ كَانَتْ ظَالِمَةًۭ وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ﴿11﴾
(وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍۢ) ألم تعلموا ذلك؟! ألم تسافروا إلى الشام؟!، ألم تسافروا إلى اليمن؟! ألم تمروا على ديار ثمود؟! ألم تمروا على ديار عاد؟! ألم يأتكم نبأ الأولين كيف أهلكوا؟! (وَكَمْ) للتكثير، والقصم: الكسر بحيث يبين، وينفصل الشيء، بعكس الفصم، الفصم لا يبين الشيء، فإن فصم ذراع أحد بقي معلقا، أما القصم كسر وإبانة (وَكَمْ قَصَمْنَا) دليل على أن الإهلاك كان في غاية الفظاعة، والشدة (مِن قَرْيَةٍۢ) أي أهل قرية (كَانَتْ ظَالِمَةًۭ) بالشر والكفر(وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ)
فَلَمَّآ أَحَسُّوا۟ بَأْسَنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ﴿12﴾
الكلام عن أهل القرية، أحس الشيء: علمه، وتيقنه، وأحس به، الأصل معرفة الشيء بالحاسة، بالعين، بالأذن، بالحواس (فَلَمَّآ أَحَسُّوا۟) أي تيقنوا، ورأوا بحواسهم، وعلموا بحواسهم الشدة، والعذاب، والهول (إِذَا هُم مِّنْهَا) من القرية التي نزل عليها (يَرْكُضُونَ) يفرون، يهربون، أصل الركض: ضرب الدابة بالرجل لحثها على الإسراع، ومنه قوله (عز وجل) (ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌۭ وَشَرَابٌۭ (٤٢)) [سورة ص آية: ٤٢]، الركض أصلا: ضرب بالرجل، كأنهم فروا بدوابهم، أو أصبحوا كالدواب المذعورة، المركوضة، التي ركضت بالأرجل لتجري.
لَا تَرْكُضُوا۟ وَٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَـٰكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْـَٔلُونَ ﴿13﴾
( لَا تَرْكُضُوا۟) ترى قيل لهم ذلك بلسان المقال، أم بلسان الحال؟ إن كان بلسان المقال فالقائل الملائكة التي نزلت بالعذاب، ويسمعون ذاك بآذانهم، أو القائلون هم المؤمنون الذين أنجاهم الله، وخرجوا من القرية التي حق عليها العذاب، فرأوا المجرمين يركضون، فقالوا: ارجعوا، قد، أو بلسان الحال كأنه قد قيل: ارجعوا إلى مساكنكم، وإلى الترفة التي كنتم فيها، والنعمة التي بطرتموها (لَا تَرْكُضُوا۟) لا تفروا (وَٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ) الترفة: النعمة، والترف: الترفع، والتنعم، كأن القائل يستهزئ بهم، القول فيه استهزاء، وفيه سخرية، ارجعوا إلى النعمة التي كنتم فيها، التي بطرتموها، ارجعوا إلى مساكنكم التي كنتم فيها، وشيدتموها، ارجعوا لهذه النعمة التي كانت عندكم، فلم تعرفوا حق شكرها (لَعَلَّكُمْ تُسْـَٔلُونَ ) لعلكم تسألون عن هذه النعمة التي ضيعتموها غدا، أو أي لعلكم تعذبون؛ لأن من مقدمات العذاب السؤال، ومن حوسب هلك، ومن نوقش الحساب هلك، أو لعلكم تسألون شيئا مما تركتموه، أو لعلكم تسألون الإيمان حينئذ حيث لا ينفع الإيمان، معاني كثيرة وللقرآن وجوه.
قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ ﴿14﴾
( قَالُوا۟) رداً على من قال لهم ارجعوا إن كان بلسان المقال، أو الحال (قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا) الويل: الثبور، الويل العذاب، الويل: الهلاك، الويل: وادي في جهنم كما قيل، كأن من قال يا ويلنا، كأنه ينادي على الويل، ويقول: يا ويل تعالى، فهذا هو أوانك، وذاك أشد أنواع الحسرة والندم، أن ينادي الإنسان على هلكته بنفسه (قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ ) اعترفوا، وأقروا، وندموا، حيث لا ينفع الاعتراف، ولا يجدي الندم.
فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَىٰهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَـٰهُمْ حَصِيدًا خَـٰمِدِينَ ﴿15﴾
دعواهم: دعاؤهم للويل، ظلوا يرددون الكلمة، يا ويلنا إنا كنا ظالمين يهتفون بها، ويرددونها (حَتَّىٰ جَعَلْنَـٰهُمْ حَصِيدًا خَـٰمِدِينَ ) الحصيد أي المحصود، الحصيد: النبات إذا حصد بالمنجل، والخمود: خمود النار، انطفاء النار بعد اشتعالها، فجمعوا بين وصف النبات المحصود الملقى على الأرض، والنار التي خمدت، وأصبحت رماداً (فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَىٰهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَـٰهُمْ حَصِيدًا خَـٰمِدِينَ) ظلوا يطالبون، ويدعون، ويسألون، وينادون على الويل، معترفين بظلمهم لأنفسهم، حيث لا ينفع الندم، ولا يجدي الاعتراف، فقد زعم المشركون لله الولد، وزعموا له الصاحبة، وزعموا له البنات، ووصفوه بما لا يجوز، ولا يصح، ولا ينبغي بأوصاف كثيرة، فتارة ينسبونه للعجز فينكرون البعث، كيف يحي العظام وهي رميم! وتارة يقولون: الملائكة بنات الله، وتارة يقولون: عزير ابن الله، وتارة يقولون: المسيح ابن الله، وهكذا ربنا (تبارك وتعالى) يقول بعدما بين مصير الأمم المكذبة، بعد ما بين، ونبه، وهدد، وتوعد، وحذر، يقرر الحق، فيقول.
وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ﴿16﴾
لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًۭا لَّٱتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ ﴿17﴾
بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌۭ ۚ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴿18﴾
السموات بما فيها من زينة، من كواكب، من نجوم، من غمام، من مطر، من سحاب، من رعد، من برق، الأرض بما فيها من بحار، وأنهار، وجبال، وطيور، وأزهار، ونبات، كل ما في الكون يراه الإنسان، فإن عقل ما يراه آمن، وإن تغافل عما يراه ضل، ربنا يقول:( وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ) اللعب: اللهو، اللعب: العبث، اللعب: الباطل، لو أردنا أن نتخذ لهوا نلهو به، ونلعب به، لاتخذناه من لدنا، من جهة إرادتنا، وقدرتنا (إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ ) ولسنا بفاعلين؛ لأن ذلك يتنافى مع الحكمة (إِن) هنا شرطية في بعض الأقوال، والأرجح (إِن) هنا نافية (لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا، وما كنا فاعلين) لأن ذلك يتنافى مع الألوهية، فالآية من باب تعليق المحال على المحال، مثل: لو أمطرت السماء ذهبا لطرت في الهواء، لن تمطر السماء ذهبا، ولن أقدر على الطيران في الهواء، فهو تعليق المحال على المحال كذلك (لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًۭا لَّٱتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا) محال، كيف يتخذ ربنا لهوا من لدنه، كيف وذاك محال على الذات العلية، فلو فعلنا كذا لفعلناه كذا، ذاك محال، وذاك أيضا محال، الآية فيها بعض الكلام نقوله لأمانة العلم، قالوا: اللهو بلغة اليمن المرأة، اللهو: الولد، والكلام للرد على النصارى، ومشركي مكة، واليهود (لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًۭا) أي زوجة، أو ولد (لَّٱتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا) أي من الملأ الأعلى من الملائكة، والولد هنا مقصود به بالتبني، وليس بالتناسل، بمعنى لو أراد أن يتبنى ولدا لتبنى بإرادته هو، ليس بكلامكم أنتم، ولتبنى من الملأ الأعلى، لو كان وذلك ليس بكائن، إن كنا فاعلين، ولسنا بفاعلين؛ إذ يتنافى ذلك مع قدسية الله (عز وجل) أو(إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ) ما كنا فاعلين، المتأمل في الآية قد يرى (وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ) الكلام عن الحكمة، اللعب: فعل الشيء بغير هدف، فعل الشيء بغير علة، اللعب: تلّهي عن الجد، ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما للتسلية، للتشاغل عن الجد، لكن خلق السموات والأرض كان لهدف ألا وهو معرفة وجود الله، معرفة أن هذا الوجود له خالق، موجد، بديع، قادر، مدبر، مصرف هذا النظام الذي لا يخل، هذا الانتظام الذي لا يتناثر، ولا يتشقق، ولا يتصدع، هذا الخلق وجد ليستدل الناس على الموجد، يعرف الناس أن خلق السموات والأرض له نهاية، طالما كان له بداية فلابد وأن تكون له نهاية، وأنه لعلّة، وحكمة، وأنه لا يمكن أن يستوي الذين يعلمون، والذين لا يعلمون، ويستحيل أن يستوي الطائعون، والعاصون، ويستحيل أن يتساوى المؤمن، والكافر، فلا بد من الجزاء، هذا النظام لم يخلق عبثا، ولا باطلا، وإنما خلق بالحق، وللحق (لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًۭا) زينة كما تتخذون القصور، وتنقشون الجداران، وتفعلون(لَّٱتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا) بإرادتنا، وبقدرتنا خارج السموات والأرض، فكوْن الله لا نهاية له، والوجود متسع اتساع لا حدود له (إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ) وما كنا فاعلين ذلك (بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُ) وانظر إلى التمثيل هنا في الآية (نَقْذِفُ) والقذف، والقذف يكون بشيء صلب، شبّه الحق بالشيء الصلب، وشبّة الباطل بالشيء الرخو؛ إذ حين تقذف بالصلب تقذفه على الرخو الذي يؤثر الصلب فيه (بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ) أي ديدننا أن نُغلّب الحق الذي من جملته الجد، على الباطل الذي من جملته اللهو، واللعب (فَيَدْمَغُهُ) يشجّه، الدماغ: باطن الجمجمة، المخ، فإذا شج الرجل، وبلغت الشجة الدماغ، وأصبح مدموغا، فالدامغة لا حياة بعدها، فمن ضرب على رأسه وكانت الضربة سطحية، أو الشجة سطحية عاش، أما إذا وصلت الضربة أو الشجة إلى الدماغ، فلا رجاء في حياته، وانظر إلى التشبيه، والتمثيل، كأنه الحق شيء صلب، والباطل شيء رخو، وقذف بالصلب بقوة على الرخو فشجه، ووصل إلى الدماغ، فلا حياة للباطل بعد ذلك، فالزهوق: خروج الروح، زاهق: منتهى، فانٍ، ميت (وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) أي لكم العذاب الشديد، بسبب ما تصفون الله به مما لا يليق بجلاله، وكماله، فزعمتم له الولد، وزعمتم له البنات، مجمل الآيات الثلاث تبيّن أن الله (تبارك وتعالى) خلق السموات وخلق الأرض، وانتظم الكون، وسبب الأسباب، وخلق الخلق، ورتب الأشياء بعضها على بعض، والكل منتظم، كل ذلك من أجل إظهار الحق، وغلبة الحق، ودمغ الباطل، من أجل أن يتأمل الناس، ويتدبر الناس في هذا الوجود، وهذا الخلق، فمن أبصر اهتدى، ومن عمي ضل، من اتبع الحق هداه الله، ومن اتبع الباطل أخزاه الله.
أيها الأخ المسلم، هل تشعر بوجود لله؟ في أي شيء؟ في كل شيء، أنت الآن تتنفس هل لك إرادة في هذا النفس؟ كيف تتنفس؟ وماذا تتنفس؟ من خلق لك الهواء، ومن خلق لك الجهاز التنفس الذي تستخدمه في التنفس، بعد دخول الهواء إلى الرئتين ماذا يحدث؟ ما هو العمل الداخلي الذي يتم؟ الحويصلات الهوائية، استخلاص الأكسجين من الهواء، طرد ثاني أكسيد الكربون، ما يقوله العلماء في هذا الشأن، هذه العملية هل تتم بإرادتك؟ هل تسمع دقات قلبك؟ هل تعلم أنه يضخ الدم، ويأخذ الدم، وينظم الحركة، هذا الضخ، هذا الدق، هذه الحركة المستمرة، حين تملأ، وحين تفرغ كالساعة، هل هناك جهاز أو بطارية؟ كيف يدق؟ هل لك دخل في دقات قلبك؟ ارتفاع الحجاب الحاجز، وانخفاضه، هذه الحركة المستمرة ما الذي يحركها؟ الطعام، والشراب يدخل من مدخل واحد، ويخرج من مخرجين، من الذي وزع المائع، والجامد، هذا له مخرج، وذاك له مخرج، العصارة المعدية، وكيف ينتقل الطعام من المعدة إلى الاثنا عشر، ثم إلى الأمعاء الغليظة، والأمعاء الدقيقة، وما إلى ذلك، الكلى، الكبد، المرارة، الطحال هذه الأجزاء المختلفة، بل الجوارح الظاهرة، أرأيت الأظفار كيف تنمو؟ أرأيت الشعر يطول؟ لما لا تطول الحواجب، كما يطول الشعر، ذاك شعر، وذاك شعر، أرأيت الشعر في يديك لم لا يطول، ويحتاج إلى قصه كما تفعل في شعر رأسك، تأمل في كل شيء، الطفل يكبر، ويطول، ويزيد طوله، ثم يتوقف لماذا؟ نفس الطعام، نفس الشراب، نفس الهواء، نفس الأرض، إلى درجة ويتوقف طوله لماذا؟ هل ذاك بإرادتك؟ كيف تسمع؟ كيف تبصر؟ كيف تنام؟ أين تذهب حين تنام؟ لا إله إلا الله، لو تأملت ما انتهى تأملك حتى يوم القيامة، الأدلة على وجود الله في كل شيء، خفي عن الخلق بشدة ظهوره، واحتجب عنهم بجلال نوره، بيّن الله (تبارك وتعالى) أن ما خلق السموات والأرض عبثا، ولا باطلا، وإنما خلقها ليظهر الحق، ويزهق الباطل، ثم يبين ربنا (تبارك وتعالى) أن كل ما في الوجود من خلقه، ومن إيجاده، وأن الكل له عبيد مقهورون في قبضته، فيقول، عز من قائل:
أيها الأخ المسلم، هل تشعر بوجود لله؟ في أي شيء؟ في كل شيء، أنت الآن تتنفس هل لك إرادة في هذا النفس؟ كيف تتنفس؟ وماذا تتنفس؟ من خلق لك الهواء، ومن خلق لك الجهاز التنفس الذي تستخدمه في التنفس، بعد دخول الهواء إلى الرئتين ماذا يحدث؟ ما هو العمل الداخلي الذي يتم؟ الحويصلات الهوائية، استخلاص الأكسجين من الهواء، طرد ثاني أكسيد الكربون، ما يقوله العلماء في هذا الشأن، هذه العملية هل تتم بإرادتك؟ هل تسمع دقات قلبك؟ هل تعلم أنه يضخ الدم، ويأخذ الدم، وينظم الحركة، هذا الضخ، هذا الدق، هذه الحركة المستمرة، حين تملأ، وحين تفرغ كالساعة، هل هناك جهاز أو بطارية؟ كيف يدق؟ هل لك دخل في دقات قلبك؟ ارتفاع الحجاب الحاجز، وانخفاضه، هذه الحركة المستمرة ما الذي يحركها؟ الطعام، والشراب يدخل من مدخل واحد، ويخرج من مخرجين، من الذي وزع المائع، والجامد، هذا له مخرج، وذاك له مخرج، العصارة المعدية، وكيف ينتقل الطعام من المعدة إلى الاثنا عشر، ثم إلى الأمعاء الغليظة، والأمعاء الدقيقة، وما إلى ذلك، الكلى، الكبد، المرارة، الطحال هذه الأجزاء المختلفة، بل الجوارح الظاهرة، أرأيت الأظفار كيف تنمو؟ أرأيت الشعر يطول؟ لما لا تطول الحواجب، كما يطول الشعر، ذاك شعر، وذاك شعر، أرأيت الشعر في يديك لم لا يطول، ويحتاج إلى قصه كما تفعل في شعر رأسك، تأمل في كل شيء، الطفل يكبر، ويطول، ويزيد طوله، ثم يتوقف لماذا؟ نفس الطعام، نفس الشراب، نفس الهواء، نفس الأرض، إلى درجة ويتوقف طوله لماذا؟ هل ذاك بإرادتك؟ كيف تسمع؟ كيف تبصر؟ كيف تنام؟ أين تذهب حين تنام؟ لا إله إلا الله، لو تأملت ما انتهى تأملك حتى يوم القيامة، الأدلة على وجود الله في كل شيء، خفي عن الخلق بشدة ظهوره، واحتجب عنهم بجلال نوره، بيّن الله (تبارك وتعالى) أن ما خلق السموات والأرض عبثا، ولا باطلا، وإنما خلقها ليظهر الحق، ويزهق الباطل، ثم يبين ربنا (تبارك وتعالى) أن كل ما في الوجود من خلقه، ومن إيجاده، وأن الكل له عبيد مقهورون في قبضته، فيقول، عز من قائل:
وَلَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِندَهُۥ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ﴿19﴾
يُسَبِّحُونَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴿20﴾
له من في السموات والأرض ملكا، وخلقا، عبيدا، تصريفا، تدبيرا، تقديرا (وَمَنْ عِندَهُۥ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ) العندية هنا عندية مكانة، وليست عندية مكان، والمقصود الكلام عن فئة مقربة، مكرمة، لها منزلة خاصة (فعند) بمعنى المكانة، أي لديه، وليست بمعنى المكان، فربنا منزه عن المكان والزمان (وَمَنْ عِندَهُۥ) الإشارة إلى الملائكة (وَلَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) دخل فيها الملائكة، فحين يقول (وَمَنْ عِندَهُۥ) تخصيص، إذاً فهذا التخصيص للتعظيم، ولرفعة شأن الملائكة، أو (وَلَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) دخل فيها الملائكة (وَمَنْ عِندَهُۥ) فئة مخصوصة من الملائكة، تتعالى عن التبوّء في السموات والأرض، أين مكانهم؟ الله أعلم، هؤلاء ومن عنده (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ) لا يتعاظمون عنها، بل هم متواضعون، متذللون، والعبادة: التذلل، والخضوع، لا يستحسرون: لا يكلُّون، من قولهم حسر البعير: تعب، وأعيى من كثرة السير، حسره وأحسره: أعياه، وأتعبه من كثرة سوقه، وحَسِره هو (وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ) إذاً لا تعب، ولا كلالة، ولا ملالة، ولا إعياء (يُسَبِّحُونَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ) ينزهونه، ويعبدونه، يلهمون التسبيح كما تلهمون النفَس، لا يشغلهم شاغل مهما حدث، مهما ذهبوا، مهما جاءوا، هل يشغلك الطعام عن النفسْ؟ هل تشغلك الحركة عن النفس؟ هل يشغلك النوم عن النفس؟ هؤلاء كذلك (لَا يَفْتُرُونَ) فتر الشيء: سكن بعد حدة، ولان بعد شدة، وفتر الماء سكنت حرارته، إذا فهم في تسبيحهم وتنزيههم لله (عز وجل) لا يتوقفون أبدا، لا يكلُّون أبدا، لا يتعبون أبدا، لا يشغلهم شاغل عن التسبيح، ويتوجه الكلام بالتبكيت، والتوبيخ، والإنكار على المشركين الذين اتخذوا من دون الله آلهة، وتساق الآيات للتدليل على فساد ما اعتقدوه من جهة العقل، ومن جهة النقل، واسمع وتأمل للحجج كيف تساق، والبراهين كيف تسطع، ما من علم إلا وله دليل، ما من معلوم إلا وله شاهد من العقل، أو من النقل، يقول الله (تبارك وتعالى):
أَمِ ٱتَّخَذُوٓا۟ ءَالِهَةًۭ مِّنَ ٱلْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ ﴿21﴾
(أَمِ) هنا بمعنى هل (أَمِ) هنا بمعنى بل، وهمزة الاستفهام (بل اتخذوا من دون الله) الكلام فيه الاستفهام، والاستفهام للتوبيخ، للتقريع، للتبكيت، للإنكار، هل اتخذوا آلهة من الأرض (هُمْ يُنشِرُونَ) وجاء بكلمة (هُمْ) كرر الضمير، وكأنه هم المختصون بالإحياء (يُنشِرُونَ) أنشر الله الموتى: أحياهم، تقدير الكلام (أم اتخذوا آلهة من الأرض ينشرون) فجئ بالضمير زائدا لتأكيد أنهم مختصون بذلك، جعلهم مختصون بذلك؟!! وكلمة الأرض ليست للتخصيص، بل للتحقير، الغرض تحقير ما اتخذوه، ويأتي الدليل على فساد هذا عقلاً.
لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿22﴾
لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ ﴿23﴾
ها هو الدليل العقلي على وجود الواحد الأحد، ها هو الدليل على فساد ما اعتقدوه عقلا (لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ) في السموات، وفي الأرض (ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ) (إِلَّا) هنا بمعنى (غير) أو (سوى) لو كان فيهما آلهة سوى الله، أو لو كان فيهما آلهة غير الله، والاستثناء هنا غير مطلوب، وغير موجود، لو كان فيهما آلهة غير الله، ماذا كان يحدث؟ (لَفَسَدَتَا) لفسد الكون، ولخرب العالم، ولفسدت أحوال الناس، والكلام على سبيل الفرض، لو كان هناك آلهة لتعارضت الإرادات، إله يريد للشمس أن تشرق، وإله لا يريد، أن يقع المرادان مستحيل، فكيف يجتمع الضدان، ولو حدث أحد الأوامر، إذاً فمن أمر بالحدوث هو القادر، والآخر الذي لم يحدث له ما أراد عاجز، والقادر هو الإله الحق، والتنازع بين الملوك، بين الرؤساء موجود، ومشاهد، هل هناك دولة لها ملكان؟ هل هناك مكان فيه رئيسان؟ يستحيل، ذاك أمر مشاهد، إذاً بإعمال العقل لو كانت الآلهة متعددة لتعددت الإرادات، ولتصادمت القدرات، ولخرب العالم (فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ) تنزيها لله (عز وجل) عما يصفه الكافرون به من اتخاذ الولد، من اتخاذ الزوجة، من اتخاذ الشركاء، العرش أكبر جسم خلق على الإطلاق، العرش جسم محيط بجميع الأجسام، العرش محل التدابير، ومنشأ التقادير، العرش نؤمن به، ولا نعرف كنهه، ولا يعلمه إلا الله (لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ ) لا يُسأل عما يفعل في ملكه، في خلقه، من إغناء، إفقار، إعزاز، إذلال، هداية، إضلال، إماتة، إحياء، لا يُسأل عما يفعل، فمن حكم فيما ملك فما ظلم، لا راد لقضائه، لا معقب لحكمه، لا شريك له في فعله (لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ ) لأنهم عبيد، والعبد يُسأل، تسأل الخلائق عن أعمالها، ولا يُسأل الخالق عن فعله.
أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةًۭ ۖ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَـٰنَكُمْ ۖ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ ۖ فَهُم مُّعْرِضُونَ ﴿24﴾
( أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةًۭ) تكرير لإثبات الكفر عليهم، أيضا لدحض الحجة نقلا، كما تم دحضها عقلا (قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَـٰنَكُمْ) دليلكم، حجتكم (هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ) القرآن أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، فيه تذكير بالحلال، والحرام، والأحكام (وَذِكْرُ مَن قَبْلِى) الكتب السابقة التي بين أيديهم، التوراة، والإنجيل، ذكر من قبلي من الناس، كيف أهلكهم الله؟ كيف عاملهم الله؟ ما هي أخبارهم التي كانت في الدنيا؟ وأخبار ما حدث لهم بعد ذلك؟ (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ ۖ فَهُم مُّعْرِضُونَ) إذاً حين زعموا الآلهة من الأرض، هل يحيوْن ولا يموتون؟ هل يقدرون على إحياء الموتى؟ لو كان في الكون آلهة إلا الله لفسد الكون، لفسد الوجود عقلا، ما من عاقل إلا ويقر بذلك، إذا طالما فسد هذا الادعاء عقلا، هل هناك دليل من النقل؟ هل في القرآن ما يدل على أن مع الله آلهة أخرى؟ هل في التوراة؟ هل في الإنجيل ما يدل على ذلك؟ إذاً فقد فسد زعمهم نقلاً، كما فسد عقلا، وتأتي آية تقرر القاعدة العامة التي بعث على أساسها الرسل.
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىٓ إِلَيْهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدُونِ ﴿25﴾
هذا الكلام تعميم بعد تخصيص، بمعنى هذا ذكر من معي القرآن، وذكر من قبلي التوراة، والإنجيل، إذاً فقد جيء بذكر ثلاثة رسل: محمد (عليه الصلاة والسلام) وموسى (عليه السلام) وعيسى (عليه السلام) ليس هؤلاء فقط، بل ما من رسول على مدار الزمان، منذ خلق الله الأرض، منذ خلق الإنسان إلا وأوحى إليه أن الله واحد، وما من رسول إلا وبعث بعقيدة التوحيد، وما من رسول إلا وأمر قومه بعبادة الله الواحد الأحد (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىٓ إِلَيْهِ) (يُوحَى إليه)(نُوحي إليه) قراءة (أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدُونِ) تلك هي القاعدة العامة، تلك هي أساس الشرائع، وإن اختلفت الشرائع بعد ذلك في الأوامر، في النواهي، في التكاليف، في العبادات، لكن الأصل واحد.
وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَـٰنَهُۥ ۚ بَلْ عِبَادٌۭ مُّكْرَمُونَ ﴿26﴾
لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِۦ يَعْمَلُونَ ﴿27﴾
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِۦ مُشْفِقُونَ ﴿28﴾
وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّىٓ إِلَـٰهٌۭ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿29﴾
(وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَدًۭا) يعود الكلام على هؤلاء المشركين الذين زعموا أن الملائكة بنات الله اسم جنس يطلق على الولد، وعلى البنت، وعلى الأولاد، وعلى البنات (وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَدًۭا) الإشارة إلى ما قال كفار خزاعة من أن الملائكة بنات الله () تنزيه لله (عز وجل) عن ذلك (بَلْ عِبَادٌۭ مُّكْرَمُونَ) (مكرَّمون) قراءة أي الملائكة عباد مكرّمون، أكرمهم الله (عز وجل) ورفع منزلتهم (لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِۦ يَعْمَلُونَ) والكلام كأن فيه التعريض (لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِٱلْقَوْلِ) معنى ذلك أنهم لا يقولون إلا ما يقوله، ولا ينشئون الكلام إلا بإذنه، تعريض بهؤلاء الذين سبقوا الله بالقول، فزعموا له البنات دون دليل، وزعموا له الولد دون برهان، واتخذوا من دونه آلهة دون سند من العقل، أو دليل من النقل، تعريض بهم، هؤلاء المكرمون لا يسبقون الله بالقول أبداً، أي لا يسبق قولهم قوله، ولا يقولون إلا إذا أمرهم بالقول (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) هذه الجملة، وهذا التعبير كالتعليل لما سبق، والتمهيد لما بعد، لما هو آت، كيف؟ طالما لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون ذاك؛ لأنه يعلم ما بين أيديهم، وما خلفهم، وهم يعلمون ذلك، أنه يعلم ما بين أيديهم، وما خلفهم، فلا يسبقونه بالقول، ولا يعصون ما أمرهم (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ) تمهيد لهذا فالملائكة تشفع في يوم القيامة، تشفع أيضا في الدنيا، فمنهم من يستغفرون للذين آمنوا، ويقولون (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍۢ رَّحْمَةًۭ وَعِلْمًۭا فَٱغْفِرْ) [سورة غافر آية: ٧]، وهم يشفعون أيضا في الآخرة، لمن؟ لمن رضي الله عنهم، من هؤلاء؟ هم أهل لا إله إلا الله، أهل التوحيد (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِۦ مُشْفِقُونَ) الملائكة من خشية الله (عز وجل) مشفقون، هناك فارق بين الخشية والإشفاق، الخشية: الخوف مع التعظيم؛ ولذا (إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟) [سورة فاطر آية: ٢٨]، خوف مع تعظيم، الإشفاق: خوف مع اعتناء، فإذا عُدِّي بمن كان معنى الخوف فيه أظهر، وإن عدي ب(على) كان معنى الاعتناء فيه أظهر، بمعنى أشفق من، خوف مع اعتناء، والخوف أكثر، أشفق عليه: خاف واعتنى به، والاعتناء هنا أظهر (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِۦ مُشْفِقُونَ ) عُدي هنا ب(من) إذاً هم خائفون منه، معظمون له، خائفون أيضا مع الاعتناء، ومعنى الاعتناء أن يحرص الخائف على ألا يحدث له شيء، أو ألا يغضب من خاف منه (وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّىٓ إِلَـٰهٌۭ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ) الآية هنا للتهديد، وفي نفس الوقت هي على سبيل الفرض والتقدير، فلا يمكن أن يزعم مَلك أنه إله، ويستحيل على الملائكة أن تدعي الربوبية، لكن الكلام على سبيل الفرض، لو أن أحدا من الملائكة زعم الألوهية، يحدث له كذا، والغرض من هذا الفرض والتقدير، التهديد لهؤلاء الذين اتخذوا من دون آلهة،( وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّىٓ إِلَـٰهٌۭ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ) القائل (نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ)، وتأتي الآيات لتسوق الأدلة الدامغة على وحدانية الله (عز وجل) وعلى قدرته، وعلى تدبيره لملكه، وعلى أنه المنفرد بالإيجاد، والخلق، والتدبير، والتصريف، والتقدير، تأتي الآيات لتدل على كمال قدرته، وتناهي حكمته.
أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًۭا فَفَتَقْنَـٰهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴿30﴾
( أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟) الرؤية: إما رؤية بصرية، أو رؤية عقلية، هنا المقصود بالرؤية العقلية، أي أو لم يعلموا إذا أعملوا العقل، ومكنوا النظر بعقولهم (أَنَّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ كَانَتَا) كانتا لأنهما صنفان السموات، والأرض، ويطلق السموات على السماء، وتطلق السماء على السموات (كَانَتَا رَتْقًۭا) (رَتَقَاً) قراءة، الرتق: الالتحام، رتق الشيء: ضمه، فهو الضم والالتئام، والالتحام (كَانَتَا رَتْقًۭا) متصلتين ملتصقتين (فَفَتَقْنَـٰهُمَا) الفتق: الفصل ضد الرتق، وهذه الآية من المعجزات الكونية في القرآن، وتحتمل المعاني من بدء الخليقة إلى يوم القيامة، بحسب تقدم العلوم.
من هنا اختلف التفسير فيها فمن قائل: كانت السماء رتقاً لا تمطر، ففتقها بالمطر، والأرض رتقا لا تنبت ففتقها بالنبات، الفتق: الشق، تتشقق الأرض، ويخرج النبات، وتتشقق السماء أي الغمام، فينزل الغمام، فينزل المطر، ذاك قول يتفق مع اللفظ، وقال بعضهم: السماوات كانت سماء واحدة، ففتقها فجعلها سبع سموات، والأرض كذلك فتقها فجعلها سبع أرضين، وقال آخرون: كانت السماوات والأرض ملتصقتين شيئا واحدا، ففتقهما بالهواء بين السماء والأرض، فرفع السماء إلى حيث هي، وأقر الأرض كما هي، أقوال كثيرة، ونقرأ لعلماء اليوم علماء الطبيعة عن منشأ الكون، يقولون: إن الكون كله كان شيئا واحدا من السديم، أشبه ما يكون بالغبار، ثم بدأ تكوين الكون بتجمع، فتجمعت الشمس، وتجمع القمر، وتجمعت الأرض، تجمعت السماوات، ومنها حدث بعض التشققات، فالأرض أصلا من الشمس، من هنا تدور حولها لأنها تجذبها والقوة المركزية الطاردة تبعدها، فتحتفظ الأرض بمدارها حول الشمس أقوال، ومن قائل: إن الكون كله كان شيئا واحدا، ثم تضاغط، فأصبح شيئا صغيرا ذو قوة فظيعة من التضاغط، ثم حدث انفجار كوني، فنشأ من هذا الانفجار المجرات، والسموات، والكواكب، والنجوم، أقوال لكن الكل مجمع على أن السموات والأرض أي النجوم والكواكب وكل ما هو مشاهد كان شيئا واحدا بدليل الدوران، والفلك، والتجاذب، وارتباط المجموعات بعضها ببعض (وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ) وهنا أيضا اختلفت الأقوال (وَجَعَلْنَا) بمعنى خلقنا، خلقنا من الماء كل شيء حي، إذاً فكل شيء مخلوق من الماء أو تتوقف حياة الحي على الماء، والماء هو ماء السماء، المطر، الماء المعهود، أو الماء ماء الصلب النطفة (كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ) توقف عندها العلماء، فقال بعضهم: (كُلَّ) تأتي بمعنى (بعض) كقوله: (إِنِّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةًۭ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌۭ) [سورة النمل آية: ٢۳] كقوله: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا) [سورة الأحقاف آية: ٢٥]، والمقصود البعض، وهنا كذلك (وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ) خرج من هذا التعميم الملائكة، فهي ليست مخلوقة من الماء، والجن كذلك فهي مخلوقة من النار، إذاً المقصود ذو الحياة الحيوانية من إنسان، ومن حيوان، وقال بعضهم: بل الحياة هنا تشمل الحياة، وتشمل النمو، كذلك كل شيء حي ينمو دخل في الآية، النبات فإذا كانت الحياة بمعنى النمو، دخل فيها الإنسان والحيوان والنبات، وإذا كانت الحياة بمعنى الحياة والحركة وما إلى ذلك، فهو الإنسان والحيوان فقط، وإذا كانت الحياة مطلقة، وكلمة (كل) على أصلها فكل شيء خلق من الماء، بما فيهم الجن والملائكة، الأصل ماء، والماء ممكن أن يتحول إلى نار، ثم يخلق منه الجن، والماء ممكن أن يتحول إلى نور، ثم تخلق منه الملائكة، وربنا قادر على كل شيء، فقد كان ولم يكن شيء، وكان عرشه على الماء (أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ) أفلا يصدقون.
من هنا اختلف التفسير فيها فمن قائل: كانت السماء رتقاً لا تمطر، ففتقها بالمطر، والأرض رتقا لا تنبت ففتقها بالنبات، الفتق: الشق، تتشقق الأرض، ويخرج النبات، وتتشقق السماء أي الغمام، فينزل الغمام، فينزل المطر، ذاك قول يتفق مع اللفظ، وقال بعضهم: السماوات كانت سماء واحدة، ففتقها فجعلها سبع سموات، والأرض كذلك فتقها فجعلها سبع أرضين، وقال آخرون: كانت السماوات والأرض ملتصقتين شيئا واحدا، ففتقهما بالهواء بين السماء والأرض، فرفع السماء إلى حيث هي، وأقر الأرض كما هي، أقوال كثيرة، ونقرأ لعلماء اليوم علماء الطبيعة عن منشأ الكون، يقولون: إن الكون كله كان شيئا واحدا من السديم، أشبه ما يكون بالغبار، ثم بدأ تكوين الكون بتجمع، فتجمعت الشمس، وتجمع القمر، وتجمعت الأرض، تجمعت السماوات، ومنها حدث بعض التشققات، فالأرض أصلا من الشمس، من هنا تدور حولها لأنها تجذبها والقوة المركزية الطاردة تبعدها، فتحتفظ الأرض بمدارها حول الشمس أقوال، ومن قائل: إن الكون كله كان شيئا واحدا، ثم تضاغط، فأصبح شيئا صغيرا ذو قوة فظيعة من التضاغط، ثم حدث انفجار كوني، فنشأ من هذا الانفجار المجرات، والسموات، والكواكب، والنجوم، أقوال لكن الكل مجمع على أن السموات والأرض أي النجوم والكواكب وكل ما هو مشاهد كان شيئا واحدا بدليل الدوران، والفلك، والتجاذب، وارتباط المجموعات بعضها ببعض (وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ) وهنا أيضا اختلفت الأقوال (وَجَعَلْنَا) بمعنى خلقنا، خلقنا من الماء كل شيء حي، إذاً فكل شيء مخلوق من الماء أو تتوقف حياة الحي على الماء، والماء هو ماء السماء، المطر، الماء المعهود، أو الماء ماء الصلب النطفة (كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ) توقف عندها العلماء، فقال بعضهم: (كُلَّ) تأتي بمعنى (بعض) كقوله: (إِنِّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةًۭ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌۭ) [سورة النمل آية: ٢۳] كقوله: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا) [سورة الأحقاف آية: ٢٥]، والمقصود البعض، وهنا كذلك (وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ) خرج من هذا التعميم الملائكة، فهي ليست مخلوقة من الماء، والجن كذلك فهي مخلوقة من النار، إذاً المقصود ذو الحياة الحيوانية من إنسان، ومن حيوان، وقال بعضهم: بل الحياة هنا تشمل الحياة، وتشمل النمو، كذلك كل شيء حي ينمو دخل في الآية، النبات فإذا كانت الحياة بمعنى النمو، دخل فيها الإنسان والحيوان والنبات، وإذا كانت الحياة بمعنى الحياة والحركة وما إلى ذلك، فهو الإنسان والحيوان فقط، وإذا كانت الحياة مطلقة، وكلمة (كل) على أصلها فكل شيء خلق من الماء، بما فيهم الجن والملائكة، الأصل ماء، والماء ممكن أن يتحول إلى نار، ثم يخلق منه الجن، والماء ممكن أن يتحول إلى نور، ثم تخلق منه الملائكة، وربنا قادر على كل شيء، فقد كان ولم يكن شيء، وكان عرشه على الماء (أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ) أفلا يصدقون.
وَجَعَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًۭا سُبُلًۭا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴿31﴾
هذه الجبال كيف تكونت؟ كيف نشأت؟ من وضعها بهذا الشكل؟ من جعلها راسية لا تتزحزح؟ من جعلها ثابتة، فتثبت بها الأرض، ولولا الجبال لاهتزت، ومادت، واضطربت، وتحركت، وما استقر عليها مخلوق (وَجَعَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ) تضطرب، وتتحرك (أَن تَمِيدَ بِهِمْ) كراهية أن تميد بهم، أو لئلا تميد بهم (وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًۭا سُبُلًۭا) الفجاج جمع فج، والفج الطريق بين الجبال، الشق بين الشيئين، السبل: الطريق الممهد للسابلة؛ لأن الفج ممكن أن يكون موجودا ولا يصلح للسير فيه (فِجَاجًۭا سُبُلًۭا) فإما (سُبُلًۭا) بدل وإما (فِجَاجًۭا) قدمت وهي وصف للسبل؛ لتصبح حالا يختلف فيها الإعراب، لكن المقصود أن الله (تبارك وتعالى) جعل في الأرض طرقا يسير فيها الناس بين الجبال، ولو بقيت الجبال كما هي لامتنع الاتصال بين بلد، وبلد، وبين مكان، ومكان، من الذي جعل هذه الطرق؟ الطرق موجودة، والفجاج موجودة، والسبل موجودة، أنت تمهدها بالأسفلت، وما إلى ذلك، بالأرصفة وما إلى ذلك، لكن الأصل أن الله شق في الجبال، وبين الجبال، الوديان، والطرق، والفجاج (بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًۭا سُبُلًۭا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) يهتدون إلى منافعهم، إلى بلادهم، إلى أماكنهم.
أيها الأخ المسلم، حين خلق الله (تبارك وتعالى) الأرض خلقها بغير جبال، ثم خلق الجبال على الأرض فرست بعد ما مادت، فتعجبت الملائكة، قالوا: يا رب خلقت الأرض فمادت، فخلقت الجبال فرست، فهل خلقت شيئا أقوى من الجبال؟ قال: نعم، الحديد تكسر به الجبال، قالوا: يا رب، وهل خلقت شيئا أقوى من الحديد؟ قال: نعم، النار يذوب فيها الحديد، قالوا: يا رب، وهل خلقت شيئا أقوى من النار؟ قال: نعم، الماء يطفئ النار، وانظر إلى الترتيب، وكأنه ترتيب تنازلي مع شدة القوة، أغرب ما في الأمر أن الترتيب ترتيب تنازلي في القوة الشكلية الظاهرية، لكن الحقيقة أن القوة الكامنة متدرجة إلى أعلى، قالوا: يا رب وهل خلقت شيئا أقوى من الماء؟ قال: نعم، الريح هو الذي يسير السحاب، وهو الذي ينزل المطر، قالوا: يا رب، وهل خلقت شيئا أقوى من الريح؟ قال: نعم، عبدي المؤمن إذا أنفق نفقة بيمنه، فلم تدر شماله ما أنفقت يمينه، وينتقل الكلام، وتساق الآيات مرة أخرى في خلق السموات.
أيها الأخ المسلم، حين خلق الله (تبارك وتعالى) الأرض خلقها بغير جبال، ثم خلق الجبال على الأرض فرست بعد ما مادت، فتعجبت الملائكة، قالوا: يا رب خلقت الأرض فمادت، فخلقت الجبال فرست، فهل خلقت شيئا أقوى من الجبال؟ قال: نعم، الحديد تكسر به الجبال، قالوا: يا رب، وهل خلقت شيئا أقوى من الحديد؟ قال: نعم، النار يذوب فيها الحديد، قالوا: يا رب، وهل خلقت شيئا أقوى من النار؟ قال: نعم، الماء يطفئ النار، وانظر إلى الترتيب، وكأنه ترتيب تنازلي مع شدة القوة، أغرب ما في الأمر أن الترتيب ترتيب تنازلي في القوة الشكلية الظاهرية، لكن الحقيقة أن القوة الكامنة متدرجة إلى أعلى، قالوا: يا رب وهل خلقت شيئا أقوى من الماء؟ قال: نعم، الريح هو الذي يسير السحاب، وهو الذي ينزل المطر، قالوا: يا رب، وهل خلقت شيئا أقوى من الريح؟ قال: نعم، عبدي المؤمن إذا أنفق نفقة بيمنه، فلم تدر شماله ما أنفقت يمينه، وينتقل الكلام، وتساق الآيات مرة أخرى في خلق السموات.
وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفًۭا مَّحْفُوظًۭا ۖ وَهُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهَا مُعْرِضُونَ ﴿32﴾
وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ ﴿33﴾
(وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفًۭا مَّحْفُوظًۭا) قالوا: السقف ما علاك (مَّحْفُوظًۭا) محفوظا من الجن بالشهب، (وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَـٰهَا مُلِئَتْ حَرَسًۭا شَدِيدًۭا وَشُهُبًۭا (٨)) [سورة الجن آية: ٨]، لا يسترقون السمع، محفوظا من أن يتشقق، أو يقع إلا بإذنه، محفوظا، مرتفعا بغير عماد، معاني مختلفة، وقد تظهر معاني أخرى للآية بحسب تقدم العلم، كما يقال مثلا: إن الغلاف الجوي الموجود حول الأرض، وهو السماء بالنسبة لنا، هذا الغلاف هو الحافظ للحياة على الأرض، لو تمزق هذا الغلاف لهلك كل شيء على الأرض، ولانتهت الحياة، ومن هذا المنطلق تسمع عن ثقب الأوزون، ثقب صغير جدا في الطبقة الحافظة الجوية تنفذ منه أشعة، هذه الأشعة مهلكة، قاتلة، وهي سبب ارتفاع درجات الحرارة على وجه الأرض عموما، عن السنوات الماضية، قد تحتمل الآية هذه الوجوه، جعلنا السماء سقفا محفوظا، مرفوعا، من غير عماد، محفوظا من استراق الشياطين للسمع بالشهب، محفوظا حافظا لهذا الوجود، وهذه الحياة (َهُمْ) الكفار (عَنْ ءَايَـٰتِهَا مُعْرِضُونَ) نسبت الآيات للسماء وهي آيات الله؛ لأنها موجودة فيها، والخالق هو الله (عَنْ ءَايَـٰتِهَا) أي الآيات الموجودة في السماء (مُعْرِضُونَ) نافرون مبتعدون غير متفكرين، غير ناظرين لهذه الآيات، النجوم، الكواكب، الشموس، المجرات، والتي يزعمون الآن أنهم اكتشفوا عناقيد من المجرات بالمليارات، المجرة هو ما يمكن أن يصل إليه البصر بأجهزة التقريب، والإبصار، والمجرة التي نعيش نحن فيها تشمل كل ما هو موجود من نجوم، وكواكب، وشموس، وما إلى ذلك، هذا الوجود وهذه المجرة التي نراها اكتشف أن منها المليارات، عنقودات تبتعد عنا مليارات السنين الضوئية، وربنا يقول: (وَهُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهَا مُعْرِضُونَ) الرياح، الليل، النهار، الكواكب، النجوم، هذا النظام، هذا الاتساق، هذه الوحدة لهذا الكون، معرضون عن هذه الآيات، وتضرب الأمثلة لبعض الآيات المشاهدة التي لولاها ما كانت الحياة، وينتفع الناس بها (وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ) الليل لتسكنوا فيه، والنهار لتبتغوا المعايش، والشمس والقمر لمعرفة عدد الأيام، معرفة الشهور، معرفة الأهلة، الشهور العربية، التقويم القمري بالقمر، والتقويم الشمس بالشمس، تقويمان وليس تقويما واحدا؛ لأنه كريم عاطي (وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ) كلٌ التنوين يُغني عن الإضافة، أي كلٌ منهم (فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ) وكلمة (يَسْبَحُونَ) الواو فيها والنون هذا الضمير للعقلاء، قال بعض الناس: لرءوس الآي، وذاك قول مرفوض مردود، وإنما حين نسب لهذه الجمادات، أو لهذه الأشياء غير العاقلة، نسب إليها فعل العقلاء كالسابح السائر بسرعة في الماء، أو الهواء السابح عاقل، السباحة من فعل العقلاء، فقال شبيه لها قوله (عز وجل) عن الشمس، والكواكب في قول يوسف كما يحكي عنه القرآن (وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ (٤)) [سورة يوسف آية: ٤].
وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍۢ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ ۖ أَفَإِي۟ن مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَـٰلِدُونَ ﴿34﴾
رد على قولهم (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌۭ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ (٣٠)) [سورة الطور آية: ٣٠]، أنت ميت وهم ميتون، فهل لو مت أنت هم يخلدون (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍۢ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ) أي الرسل جمعيا، والأنبياء جمعيا الذين سبقوك كلهم ماتوا، وتعهد الله دينه، وأيد جنده (أَفَإِي۟ن مِّتَّ) (مُتّ) قراءتان أي (أفهم الخالدون) استفهام محذوف الأداة.
كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴿35﴾
النفس: ذات الحياة (كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ) إذاً الموت له طعم يذاق، والذوق أي نعم باللسان، ولكن يمكن أن يكون الذوق أيضا بغير اللسان، فالموت له طعم له مذاق، كل نفس ذائقة الموت، إذاً طالما الكل ميت، فما الهدف من هذه الحياة، طالما أن النهاية موت، لِم كانت هذه الحياة؟ للابتلاء، للامتحان، للاختبار (وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ) الشر: ما تكرهون، والخير ما تحبون، الشر: الفقر، الخير: الغنى، الشر: السقم، الخير: الصحة، وهكذا نبلوكم بالشر المعاصي، بالمحرمات، والخير الطاعات، نرى فعلكم حين الخير كيف شكركم، وحين الشر كيف صبركم، نرى الشاكر، ونرى الكافر، نرى الصابر، ونرى القانت (وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ) (فِتْنَةًۭ) : مصدر مؤكد من غير لفظه، نبلوكم: نختبركم (فِتْنَةًۭ) مصدر مؤكد لكلمة نبلوكم، ولكن من غير لفظة (فِتْنَةًۭ) الامتحان، والابتلاء.
وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَـٰذَا ٱلَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَـٰفِرُونَ ﴿36﴾
بعد كل هذا، وبعد هذه الأدلة، وبعد هذه البراهين، وبعد هذه الآيات، وبعد وضوح الحق، وسطوع البرهان، إذا رأى المشركون النبي (صلى الله عليه وسلم) استهزءوا به، وحين يستهزئون به، يستهزئون به لأنه يذكر آلهتهم بسوء، وهم يعتبرون أن من عاب آلهتهم يُستهزأ به، أو يحق أن يكون مهزوءا به (وَهُم بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَـٰفِرُونَ) إذا فهم الأوْلى أن يُستهزأ بهم، أنتم تعيبون عليه أنه لا يؤمن بآلهتكم، وتستهزئون به من أجل ذلك، كيف وأنتم لا تؤمنون بالرحمن الذي دل الوجود كله على وجوده، وعلى وحدانيته، وقدرته، فقد كان مشركو مكة يعيبون على من جحد ألوهية أصنامهم، ويتهمونه بالكفر، والمروق، وحين جاءهم نبينا (صلى الله عليه وسلم) يدعوهم إلى الإله الأحد، الفرد الصمد، وجاء بالآيات الدالات على وجوده (عز وجل) وعلى وحدانيته، وألوهيته، استهزأوا به، وهم أحق بأن يستهزأ بهم، فكيف تعيبون على من يجحد ألوهية الأحجار، وفي نفس الوقت تستهزئون بمن يدعو إلى توحيد الواحد القهار؛ لذا يقول الله (عز وجل) (وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَـٰذَا ٱلَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ) أويقولون ذلك مستحقرين له، مستخفين به، ساخرين منه، (وَهُم بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَـٰفِرُونَ) (هُم) الثانية للتأكيد، والتخصيص؛ لأنهم كفروا بذكر الرحمن، أي بالقرآن أو بتوحيد الله (عز وجل):
خُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ مِنْ عَجَلٍۢ ۚ سَأُو۟رِيكُمْ ءَايَـٰتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ﴿37﴾
والآية غاية في الإعجاز اللغوي، والبيان لحقيقة الإنسان (خُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ مِنْ عَجَلٍۢ) العجل والعجلة: طلب الشيء وتحريه قبل أوانه، هل خلق الإنسان من عجل؟ عبر بهذا التعبير لفرط استعجاله، وقلة تأنّيه، جعل ما طبع عليه، وهو العجلة كأنه مخلوق هو منها، مبالغة لبيان لزوم العجلة له، فكأن ما طبع عليه وهو الاستعجال، كأنه هو المخلوق منه، كما تبالغ في مدح الكريم، وتقول خلق من الكرم مبالغة في مدحه (سَأُو۟رِيكُمْ ءَايَـٰتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ) أهم وأوضح مثال على عجلة هؤلاء، أنهم استعجلوا العذاب، والإنسان قد يستعجل الخير، قد يستعجل النفع، لا يستعجل الضر، هؤلاء استعجلوا العذاب وهم لا يعلمون كيف يكون العذاب، فيقول الله متوعدا (سَأُو۟رِيكُمْ ءَايَـٰتِى) أي عذابي، ونقمتي التي تدل على صدق النبي(صلى الله عليه وسلم) والآية: المعجزة، والآية: الطائفة من القرآن، والآية: الدلائل، (سَأُو۟رِيكُمْ ءَايَـٰتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ).
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿38﴾
لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴿39﴾
( وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ) زيادة في الإنكار، والاستكبار (مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ) أي الموعود، أو الوعد بمعنى الوعيد، أو الوعد بمعنى القيامة، أي يا معشر المؤمنين إن كنتم صادقين في ادعائكم بقيام القيامة، أو بحدوث العذاب فمتى يكون ذلك (لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ) (لَوْ يَعْلَمُ) محذوفة الجوب ثقة بفهم السامع، ولك أن تقدر لو يعلم الذين كفروا ما ينتظرهم من عذاب، وكيف تحيط بهم جهنم من أمامهم، ومن خلفهم، حين يعلمون ذلك، وحين يرون ذلك، لو يعلمون ما استعجلوا، لو يعلم الذين كفروا ما ينتظرهم ما استعجلوا، ما أصروا على كفرهم، ما سألوا عن موعده، ما استمروا على هذا الاستكبار، والعناد (حِينَ لَا يَكُفُّونَ) يكفّون: يمنعون، ويبعدون العذاب، والنار عن وجوههم، لا يستطيعون دفعها، ولا ردها عن وجوههم، ولا عن ظهورهم.
بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةًۭ فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ﴿40﴾
( بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةًۭ) تأتيهم الساعة، تأتيهم جهنم، تأتيهم القيامة (بَغْتَةًۭ) (بَغَتةً) قراءة
البغتة: الفجأة، بغتة: فاجأه، بهته، أدهشه، وحيره (تَأْتِيهِم بَغْتَةًۭ) فتبهتهم، فتدهشهم وتحيرهم (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا) منعها، أو إرجاعها (وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ) ولا يُمهلون، ويؤجلون لتوبة أو لاعتذار، أي لا إمهال؛ إذ الإمهال في الدنيا، لا إمهال إذا قامت الساعة، لا إمهال إذا جاء الإنسان الموت، لا إمهال إذا حل العذاب، ثم تأتي التسرية للنبي (صلى الله عليه وسلم) وكم سرى عنه الله! وكم تلطف به ربه!.
البغتة: الفجأة، بغتة: فاجأه، بهته، أدهشه، وحيره (تَأْتِيهِم بَغْتَةًۭ) فتبهتهم، فتدهشهم وتحيرهم (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا) منعها، أو إرجاعها (وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ) ولا يُمهلون، ويؤجلون لتوبة أو لاعتذار، أي لا إمهال؛ إذ الإمهال في الدنيا، لا إمهال إذا قامت الساعة، لا إمهال إذا جاء الإنسان الموت، لا إمهال إذا حل العذاب، ثم تأتي التسرية للنبي (صلى الله عليه وسلم) وكم سرى عنه الله! وكم تلطف به ربه!.
وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿41﴾
أي إن كان هؤلاء قد استهزءوا بك فاصبر، إن استعجلوا العذاب فلم يأتهم حين استعجلوه، وأمهلهم ربنا، فلهم موعد، ولقد حدث أن استهزأ الكفار من الأمم السابقة بأنبيائهم، كما استهزأ هؤلاء بك، فأحاط بهم، ونزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به، ونصر الله رسله، ولسوف يحدث مع هؤلاء ما حدث مع أسلافهم، وتأتي الأسئلة التي تدلل على غفلة هؤلاء، أسئلة توبخ، وتقرّع، وفي نفس الوقت تؤكد على وحدانية الله، وقدرته.
قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ۗ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ ﴿42﴾
( يَكْلَؤُكُم): يحفظكم، السؤال من يحفظكم بالليل وأنتم نيام، ومن يحرسكم بالنهار وأنتم في أشغالكم، ذاك هو السؤال، والغريب الإتيان بلفظ الرحمن للتنبيه على أن الكلاءة الحادثة للناس، ناشئة من رحمته العامة، ومن إمهاله لهم؛ لذا جاء بلفظ الرحمن، كلأه كلأَةً، وكلاءة وكلاءاً: حفظه، وحرسه، من يكلؤكم من بأس الرحمن، من عذابه، أن ينزل بكم كقوله: (فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ ۖ) [سورة هود آية: ٦٣] (بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ) عن تذكّر الله، عن الإحساس بنعمته، عن الإقرار بفضله، عن ذكر ربهم، عن القرآن معرضون، إذا لم يقروا بكلاءة الرحمن (عز وجل) وأعرضوا عن القرآن، لابد أن يكون لهم ناصر يعتمدون عليه، أو حافظ يحفظهم، تأتي الآية.
أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌۭ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا ۚ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ ﴿43﴾
( أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌۭ) أي (ألَهُمْ)، والميم صلة كما يقول النحويون، أو بمعنى (بل ألهم) ألَهُم آلهة، هل هناك آلهة تمنعهم من دوننا؟ أي من عذابنا، أو تمنعهم منعا يقوى عن منعنا (أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌۭ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا) سؤال يستأنف الكلام لإبطال هذا الزعم، أو هذا الاعتقاد (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ) أي هذه الآلهة التي زعموها، والتي زعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وتمنع عنهم العذاب، لا يستطيعون نصر أنفسهم، فإذا كانوا لا يستطيعون نصر أنفسهم، فهم أعجز عن أن ينصروا غيرهم، الآلهة لا تستطيع أن تنصر نفسها، فكيف تنصرهم أي لا تصحبهم رحمة منا، ولا يصحبهم نصر منا، أو لا يصحبهم تأييد منا، أو كلمة (لا يصحبون) بمعنى (لا يجارون) أجاره: أصحبه، تقول العرب أنا صاحب لك من فلان وجار أي أحميك منه، (وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ) أي ولا هم منا يجارون، أي لا يجيرهم أحد من عذاب الله، فهم لا ينصرون أنفسهم فكيف ينصرهم الله، ولا يصحبون برحمة من الله، أو لا يصحبون بنصر من الله، أو لا يجارون من الله، ثم تأتي الآية التي تبين سبب الغفلة التي أصابت هؤلاء.
بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ ۗ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ ۚ أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ ﴿44﴾
( بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ) متعناهم، أطلنا أعمارهم، وأسبغنا عليهم النعم استدراجا لهم فغفلوا، واعتقدوا أن ذاك الأمر يدوم، متعنا هؤلاء، وآباءهم، رأوا آباءهم في النعيم، وفي النعمة، وطالت أعمارهم، وماتوا ولم يحدث لهم شيء، وكانوا يعبدون الأصنام، هم كذلك طالت أعمارهم، وجاءت النعم، والأرزاق من كل مكان استجابة لدعوة الخليل (عليه السلام) فاغتروا، وظنوا أن ذاك أمر دائم، إذا كان الأمر كذلك ألا يتدبرون، ويعقلون (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ ۚ أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ) هذة الآية قيل: إنها مدنية، والسورة كلها مكية؛ إذ إن التفسير لها كما قال المفسرون: تنقص من أطرفها: أي يستولى المسلمون على أرض الكفار فتنقص أرض الكفار، وتزيد أرض المسلمين (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ ۚ أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ) أي ببأسنا، وبنصر عبادنا، ننقص الأرض من أطرافها: أي من حواليهم، تؤمن الأعراب، ويستولى على الأرض، وينتشر الإسلام، وتضيق دائرة الكفر على الكفار، وتضيق عليهم الأرض (أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ) والسؤال هنا معناه النفي، بل الله، تبارك وتعالى، هو الغالب، وهو المنتصر، وهم المغلوبون، وهذه الآية فيها من القول الكثير (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) فُسرت تفسيرا علميا في قول بعض الناس، وهو أن الأرض حين خلقت كانت كرة ملتهبة، وحين انفصلت من الشمس، وأخذت تبرد شيئا فشيئا، ولا زال باطن الأرض ملتهبا، والدليل على ذلك الحمم والبراكين التي تظهر فتقذف النار من باطن الأرض، وكل ساخن حار من المواد إذا برد انكمش، فالأشياء الجامدة تتمدد بالحرارة، وتنكمش بالبرودة، والأرض كروية فإذا انكمشت قل محيطها، وهو الأطراف (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) وكأنها آية من الإعجاز العلمي التي أخبر بها القرآن قبل أن يكتشفه الناس، ذاك قول من أقوال الناس حديثا.
قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْىِ ۚ وَلَا يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ﴿45﴾
(وَلَا يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ) (ولا تُسمِعُ الصمَ) (ولا يُسمع الصمُّ) قراءات كلها بمعنى واحد، ولا تسمع أي أنت الصم، ولا يسمع الصم أي هم لا يسمعون، ولا يسمع الصم أي ولا يسمع الله الصم، الوحي حين نزل فيه الإنذار، وفيه التبشير (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًۭا وَمُبَشِّرًۭا وَنَذِيرًۭا (٤٥)) [سورة الأحزاب آية: ٤٥]، هنا لم يذكر التبشير، اكتفى بذكر الإنذار (قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْىِ) والوحي فيه الإنذار، وفيه التبشير، إذاً فقد خصهم بالإنذار للتنبيه على أنه لا أمل فيهم؛ إذ إن البشارة للمؤمن الذي آمن، وعمل الصالحات، أما الإنذار فهو للكافر. من هنا خصّهم بالإنذار للإشعار بأنهم محرومون من نعمة الإيمان، لا أمل في إيمانهم، ولا أمل فيهم (وَلَا يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ) شبههم بالصم، مهما ناديت على الأصم لا يسمع، مهما أنذرت الأصم حاذر فهناك حفرة، حاذر فهناك نهر، حاذر من الحية، مهما ناديت على الأصم لا يلتفت إليك، ولا يسمع، فهؤلاء كذلك صم، لا ينفع معهم الإنذار، ولا ينفع معهم التحذير.
وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌۭ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَـٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ ﴿46﴾
والآية فيها ثلاث مبالغات غاية في الدقة، للتنبيه على أن الإنسان المستكبر المتعجرف هذا كفر، وظن، وظن، وظن لا يحتمل أقل شيء من العذاب الذي يستعجل به (وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ) المس يكفي فيه مجرد إيصال الشيء، بشيءٍ ما، المس غير المسك، غير القبض، مجرد المس (نَفْحَةٌۭ) أي مرة لا يستمر العذاب، بل هي مرة، بناء الآية يدل على المرة الواحدة، والنفحة الشيء القليل جداً؛ لأن النفح هبوب رائحة الشيء، إذا كان للشيء رائحة، فهبوب ريح تلك الرائحة، ومنه نفحة المسك، (وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌۭ) شيء، نذر يسير، قليل جدا من عذاب الله، مرة واحدة، لصرخوا، واعترفوا، وأقروا، ونادوا على ويلهم، واعترفوا بظلمهم لأنفسهم حيث لا ينفع الندم، ولا ينفع الاعتذار (لَيَقُولُنَّ يَـٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ).
وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ ﴿47﴾
(ٱلْمَوَٰزِينَ) جمع ميزان، والآية نعتقد أنها من المتشابهات التي نؤمن بها، وفيها أقوال يمكن استنباطها، إذ من المتشابه ما لو رُد إلى المحكم لعرف المراد منه، غير المتشابه الذي لا يجوز الخوض فيه، والذي استأثر الله (تبارك وتعالى) بعلمه هذه الآية (ٱلْمَوَٰزِينَ) نحن نؤمن بالميزان، لم نر الميزان، ولا نعرف صفته، من هنا قال بعض الناس: لا ميزان هناك، وإنما الكلام تمثيل للعدل المطلق في الحساب، وكأن هناك ميزان توزن عليه الأعمال ذاك قول، وقال آخرون: بل هناك ميزان، وله كفتان، ولسان، والموازين معناها أن لكل إنسان ميزان خاص به؛ إذ هو ليس ميزانا واحداً، فذاك ولد من أب صالح، وعاش في بيئة دينية، وعلم دينه، وذاك ولد من أب فاجر، علمه العصيان، والفجور في بيئة فاسدة، يختلف هذا عن ذاك، ولد في عصر النبوة، وذاك ولد في عصر الفترة، ذاك ولد غنيا، وذاك ولد فقيرا، ذاك ولد في بلد إسلامي، وذاك ولد في بلد كافر، ذاك وجد في بيئة تحكم بشرع الله، وفيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآخر ولد في بيئة لا أمر هناك بالمعروف، ولا نهي عن المنكر، فاختلاف الأزمنة، واختلاف العصور، واختلاف الظروف، واختلاف الأماكن، كل ذلك يجعل لكل إنسان ميزانا خاصا به، من هنا لم يقل (ميزان)، وإنما قال (وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ) قيل أيضا: (ٱلْمَوَٰزِينَ) لكل إنسان موازين، وليس ميزانا واحدا، ميزان توزن به الحسنات، وميزان توزن به السيئات، ميزان توزن به الصلاة، ميزان توزن به الزكاة، ميزان لكل نوع من أنواع العمل، فلكل إنسان موازين، وليس ميزانا واحدا، من التساؤلات، الكلمة الطيبة صدقة، كيف يوزن الكلام، وأي ميزان هذا الذي يوضع فيه الكلام فيكون له وزن، الأعمال كالصلاة، كالزكاة، كالصدقة، الصيام كيف يوضع؟ كيف توزن؟ هل الأعمال تُجسد؟ الوزن يكون لشيء مادي محسوس، له ثقل، له وزن، فيوزن، أما الأعمال، والأقوال، والصالحات، والنية، كيف توزن مثل هذه الأمور؟ أتُجسد فتصبح مادية يمكن أن توزن، أم أنه ميزان مخصوص خلقه القادر على كل شيء، من هنا قلنا: إننا نعتقد أن الآية من المتشابهات، فنؤمن بوجود الميزان، والموازين، (ٱلْقِسْطَ) العادلة، أما كيف هي؟ كيف توزن الأعمال؟ أين توضع؟ كيف توضع؟ كل ذلك يفوض العلم فيه إلى الله، لكن الميزان حق، وصدق الله (وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا) أي لأهل يوم القيامة، أو للجزاء يوم القيامة (فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا) لا يزاد في ذنوبه، ولا ينقص من حسناته، فإن كان محسنا لا ينقص من إحسانه شيء، وإن كان مسيئا لا يزاد على إساءته شيء، العدل، والعدل المطلق (وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ) الخردل نبات صغير، أصغر من السمسم، صعب رؤيته لضعاف النظر، خفيف خفة غريبة، لا وزن له، ولو حصلت على حبة من الخردل ورأيتها، لرأيتها بصعوبة، لا قدر له، ولا ميزان؛ لذا يضرب بها المثل في القلة، فلو كان العمل حسنا، أو سيئا، صغيرا، صغيرا كحبة الخردل (آتينا بها) قراءة أي جازينا بها (أَتَيْنَا بِهَا) جئنا بها، أي لو كان العمل في قلته كحبة الخردل لا تغيب عن الله (تبارك وتعالى) بل يأتي، أو يحاسب عليها (وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ) حقا، وصدقا، كفى بنا حاسبين، والحاسب يعلم، والحاسب عليم، والحاسب علام، والحاسب علمه لا يدع شيئا يشتبه عليه، فمهما كان الإنسان عالما قد تشتبه عليه الأشياء، أما علم الله، عز وجل، لا تشتبه فيه الأشياء، والمحاسب قد يكون قادرا على إنزال العقاب، أو على إعطاء الثواب، قدرة الحاسب على إعطاء الثواب المستحق، على المعاقب قدرة محدودة، فإن كان الحاسب، والمحاسب لا يعجزه شيء من إعطاء ثواب، أو من إنزال عقاب، فكيف يكون حسابه (وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ) فهو العالم الذي لا يشتبه عليه شيء، وهو القادر الذي لا يعجزه شيء، فإن أثاب أعطى، وإن عاقب، عاقب لا يوثق وثاقه أحد، ولا يعذب عذابه أحد، أيضا الحاسب يستغرق الوقت في الحساب، في العد، فاستغراق الوقت إمهال للمجرم، إمهال للمعاقب، كما يحدث في المحاكم، محاكم ابتدائية، ومحاكم استئناف، ومحاكم نقض، واستشكال، ورد للمحكمة وما إلى ذلك، كل ذلك وقت، ومدة، ويفعل الله ما يشاء، أما إن كان المحاسب أسرع الحاسبين يحاسب الكل في لحظة، ولا يشغله حساب أحد عن حساب أحد، ولا يخطئ في العد، ولا العدد، عالم لا يشتبه عليه شيء، قادر لا يعجزه شيء، سريع الحساب، من هنا يقول الله (تبارك وتعالى) (وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ) إذا الحساب في يوم القيامة نجانا الله وإياكم منه، حساب من العالم القادر، أسرع الحاسبين؛ لذلك تحكي إحدى أمهات المؤمنين (رضي لله عنهن جمعيا)، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ( مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ، قَالَتْ : قُلْتُ : أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا قَالَ : ذَلِكِ الْعَرْضُ) الحساب اليسير: العرض، عرض صحائف الأعمال، يأخذ كتابه بيمينه فيقول: (هَآؤُمُ ٱقْرَءُوا۟ كِتَـٰبِيَهْ (١٩)) [سورة الحاقة آية: ١٩]، ولا حساب هناك، إنما ذلك العرض، ومن نوقش الحساب هلك، أو من حوسب هلك، الحساب معناه إظهار الحسنات، وإظهار السيئات، والميزان معناه وزن الأعمال، والأقوال، والنيات، وزن الصالحات، وزن السيئات، فمن رجحت كفة حسناته دخل الجنة، ومن رجحت كفة سيئاته دخل النار، الحساب معناه السؤال، والسؤال ممن يعلم خطير؛ إذ إن السؤال ممن لا يعلم معناه أنه يريد أن يعلم، فإذا قيل لك لِمَ فعلت ذاك؟ السائل لم يحكم عليك بعد، ولا يعلم السر في فعلتك، فهو يسأل لم فعلت، فقد تبرر فعلت كذا من أجل كذا، فيقتنع بحجتك، أو يسامحك على فعلتك، أو لا تَحِرْ جوابا، أو لا يقتنع بجوابك فيؤاخذ، أما إن كان السائل يعلم ما بين أيديهم، وما خلفهم، يعلم ما فات، وما هو آت، لا يخفى عليه شيء، فلا حائل دون علمه يحول، حين يسأل، هل يسأل كي يعلم؟ هل يسأل كي يبرر المسئول؟ سأل ربنا عبدا عن صلاته، لِم لم تصلِ؟ ما الذي ينتظر منه ربنا أن يقول؟ هل ينتظر منه ربنا أن يقول كان وأصل، هل ينتظر منه ذلك؟ هل ينتظر منه أن يبرر؟ إذاً فالسؤال معناه إلزامه الحجة، وتسجيل العصيان عليه، وبيان السبب في إيجاب العذاب له، أيضا الفضح على رءوس الخلائق، أما من كْتبت له السلامة، وشملته الرحمة، فذاك تخفى سيئاته، فلا يطلع عليها، ولا تظهر إلا حسناته، من هنا لا سؤال ولا حساب، ولا عتاب، بل يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عتاب (يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍۢ (١٠)) [سورة الزمر آية: ١٠]، من هنا كان الواجب على المسلم دائما، وأبدا أن يسأل الله (عز وجل) أن يدخله الجنة بغير حساب، وأن يقيه شر العتاب، وألا يوقع به العقاب، بل يعفو ويصفح، تأتي الآيات بعد بيان الحساب يوم القيامة، وأن الله (تبارك وتعالى) يحاسب الخلائق بنفسه، وأن الموازين موازين قسط، موازين عدل، يقول الله (تبارك وتعالى):
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءًۭ وَذِكْرًۭا لِّلْمُتَّقِينَ ﴿48﴾
ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴿49﴾
وقرأت (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء وذكرا للمتقين) بغير واو (ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ) النصر، فلق البحر (وَضِيَآءًۭ) التوراة (وَذِكْرًۭا لِّلْمُتَّقِينَ) أي الذكر في التوراة، أو الكلام عن التوراة، أي أعطيناهم الكتاب الجامع لكونه فرقان يفرق بين الحق والباطل، وضياء يضيء لهم في ظلمة الحيرة، والجهالة، (وَذِكْرًۭا) أي تذكير بالله (عز وجل) أو ذكرى من الشرائع المكتوبة عليهم، الحلال والحرام (وَذِكْرًۭا لِّلْمُتَّقِينَ ) تعريف المتقين (ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) يخشون ربهم بالغيب، أي وهم غائبون لا يرونه، والخشية هي الخوف مع التعظيم، يخشون ربهم، وهم غائبون لم ير أحدهم ربه، حتى يخشى ما يراه، بل يخشاه وهو غائب عن رؤية الله (عز وجل) (وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) مشفقون، والإشفاق: خوف مع اعتناء (مشفقون منها) عُديت ب(من) إذاً فالخوف فيه أظهر، إذاً فهم معتنون بالساعة، مهتمون بالعمل من أجلها، وهم في نفس الوقت خائفون، وجلون من الله، عز وجل، ثم تأتي الإشارة للقرآن، وكأن الله (تبارك وتعالى) بعدما ذكر الحساب، وحذر، وتوعد، وبين الموازين يوم القيامة، وأنها موازين العدل، بيّن أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يكن بدعا من الرسل، فقد كان من قبله موسى، وهارون، وجاء معهم كتاب مثل القرآن، وهي التوراة، وكما أن القرآن فيه هدى ونور، وكذلك كانت التوراة ضياء، وذكراً للمتقين، والقرآن يسمي الفرقان أيضا (تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا (١)) [سورة الفرقان آية: ١]، فلم يكن النبي (صلى الله عليه وسلم) بدعا من الرسل، فقد كان قبل النبي (صلى الله عليه وسلم) موسى، وهارون، وجاءوا بالتوراة، كتاب فرقان فيه الضياء، فيه الذكر.
وَهَـٰذَا ذِكْرٌۭ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَـٰهُ ۚ أَفَأَنتُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ﴿50﴾
( وَهَـٰذَا ذِكْرٌۭ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَـٰهُ) الدليل على أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يكن بدعا من الرسل، ولم يأت بما لم يأت به الأوائل (ذِكْرٌۭ مُّبَارَكٌ) كثير خيره، عظيم خيره، ما الفارق بينه وبين التوراة؟ ما الفارق بينه وبين التوراة ما الفارق بينه وبين الإنجيل، هذا كتاب نزل كثير خيره، وفيه ذكركم، كما قيل في أول السورة (أَفَأَنتُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ) يا معشر العرب، يا أهل اللسان، والقرآن نزل بلغتكم، فيه الإعجاز اللغوي، لا يخفى عليكم، وأنتم الفصحاء أهل اللسان أن هذا الكلام لا يقوى عليه بشر، وقد عجزتم عن الإتيان بآية، بسورة مثله، عجزتم عن الإتيان بسورة مثله، فلا يخفى عليكم إعجازه، ولا يخفى عليكم صدقه، فكيف تنكرونه وقد نزلت من قبله الكتب.
فتأتي قصة إبراهيم أبي الأنبياء فبعد أن بيّن الله (تبارك وتعالى) الدلائل على وجوده، ووحدانيته، وقدرته، وتناهي حكمته، بدأ يسرّي عن نبيه بقصص بعض الأنبياء، فذكر طرفا من قصة موسى، وهارون، ثم جاءت قصة إبراهيم الخليل أبو الأنبياء، قدوة الرسل أجمعين، فيقول عز من قائل:
فتأتي قصة إبراهيم أبي الأنبياء فبعد أن بيّن الله (تبارك وتعالى) الدلائل على وجوده، ووحدانيته، وقدرته، وتناهي حكمته، بدأ يسرّي عن نبيه بقصص بعض الأنبياء، فذكر طرفا من قصة موسى، وهارون، ثم جاءت قصة إبراهيم الخليل أبو الأنبياء، قدوة الرسل أجمعين، فيقول عز من قائل:
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُۥ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَـٰلِمِينَ ﴿51﴾
الرشد ضد الغي، آتيناه رشده: هديناه إلى وجوه الخير، والصلاح في الدنيا، وفي الآخرة، وقال (رُشْدَهُۥ) ولم يقل الرشد، أضاف الرشد إلى إبراهيم، وكأن لإبراهيم رشدا خاصا به، هو الأهل له، وكأنه رشد مخصوص بإبراهيم (مِن قَبْلُ) من قبل النبوة، إذاً فقد أوتي الرشد وهو صغير، وهو فتى، حين نظر في النجوم، ونظر في الكواكب، والتجأ إلى الله، هدي إلى الاستدلال بالعقل، وبالمنطق، حين نظر إلى القمر، ونظر إلى الكواكب، ونظر إلى الشمس من قبل النبوة، تهيأة له، وترشيداً له، وترشيحا له لمنصب النبوة، والرسالة، أو من قبل موسى وهارون، باعتبار أن ذكر موسى وهارون جاء من قبل، من قبل النبوة ذاك أرجح (وَكُنَّا بِهِۦ عَـٰلِمِينَ) أي كنا عالمين بأنه أهل لذلك، أهل لما وهبناه أو كنا به عالمين (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ) متعلق ب (وَكُنَّا بِهِۦ عَـٰلِمِينَ) أو متعلق ب(آتيناه رشده): (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل إذ قال لأبيه)، أو انتهى الكلام عن (عالمين) والوقف هنا؛ إذ قال لأبيه.
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِىٓ أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ ﴿52﴾
(إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ) أي أذكر وقت قال إبراهيم، أو حين قال إبراهيم لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، سمى الأصنام التي يعبدونها بقوله تماثيل، تحقيرا لها، وتصغيرا لشأنها، وتبكيتا لإجلالها، وعبادتها، والتماثيل جمع تمثال، وأصل كلمة التمثال من التمثيل، مثل الشيء بالشيء شبّهه به، والتمثال يطلق على ما صنع من حجارة، أو نحاس، أو رصاص، أو معدن، شبيها لشيء من خلق الله، والتمثال صورة لا روح فيها، والتمثال شبه وشبيه، وليس أصلا، من هنا قال هذه التماثيل تحقيرا لها، وتصغيرا لشأنها، وتبكيتا لهم لإجلالها، وعبادتها (ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِىٓ أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ) أي لأجلها، أو لتعظيمها، أو لعبادتها عاكفون، ملازمون، عكف على الشيء: لزمه، ولازمه.
قَالُوا۟ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَـٰبِدِينَ ﴿53﴾
قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿54﴾
( قَالُوا۟ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَـٰبِدِينَ) تلك حجتهم، وذاك دليلهم التقليد، دون التفكير، عبادة الأصنام دون سند، أو دليل سوى التقليد (قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ) أنتم بعبادتكم لهذه الأصنام التي لا تنفع ولا تضر في ضلال واضح وظاهر؛ لأنه لا دليل لكم، وكذلك الآباء كانوا في ضلال مبين لعدم وجود دليل على عبادة هذه الأصنام التي لا تنطق بلفظة، ولا تملك لنفسها لحظة.
قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللَّـٰعِبِينَ ﴿55﴾
كأنهم استكبروا، واستعظموا أن يسفه إبراهيم عبادتهم، أو أن يسب آلهتهم، أو أن يصغّر من شأنها، لم يتخيلوا ذلك، لم يتصوروا أن يبتعد إبراهيم عن دينهم، وأن يخرج على مألوفهم، وكأنه كان مازحا، من هنا قالوا:( أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ) هل أنت تتكلم جادا، أم أنت من الهازلين، من المازحين، فأضرب عن كلامهم، ولم يُجب، هل جاء بالحق، أم كان لاعبا، أضرب عن كلامهم، وأظهر الدليل والحق.
قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ﴿56﴾
(بَل) تأتي للإضراب، ترك الكلام السابق، والإتيان بكلام جديد، هذا معنى أضرب عن كلامهم، وعن سؤالهم، وساق الحجة والدليل (بَل رَّبُّكُمْ) المستحق للعبادة الذي خلق السموات، وخلق الأرض، وأنتم تشاهدون ذلك (رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ) على هذه المقولة، وعلى هذه الحقيقة (مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ) أي من المتحققين لها، المبرهنين عليها؛ إذ إن الشاهد هو من تحقق شيئا، وحققه، أي ملك البرهان على ذلك فيقول:
وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا۟ مُدْبِرِينَ ﴿57﴾
(وَتَٱللَّهِ) قَسَمْ، والتاء في (وَتَٱللَّهِ) تختص في القَسَمْ باسم الله (عز وجل) فقط، أما الواو فتختص بكل مظهر، والباء تختص في القسم بالمظهر والمضمر، أي الظاهر والضمير (وَتَٱللَّهِ) وقرأت (بالله) (لَأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُم) الكيد: التدبير بحيلة، فكيف يكيد الأصنام، أو يكيد لها؟ كاده، وكَاَد له (لَأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُم) وكأن الأمر يحتاج إلى الحيلة، أو إلى نوع من أنواع الحيل، فكيف يكسرها وهي في مكان محفوظ، ولها أحراس، والناس موجودون، إذا فالأمر محتاج إلى نوع من أنواع الحيل، من هنا قال (لَأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُم) وأقسم على ذلك، ولكن يبدو أن هذه المقولة قالها سرا، وليس أمام الناس (لَأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا۟ مُدْبِرِينَ) بعد انصرافكم، وكان في يوم عيد لهم يخرجون فيه جمعيا إلى الزينة، أو يخرجون إلى الاستمتاع، واللهو، واللعب، وما إلى ذلك، وادعى المرض، وبقي هو كما جاء في مواضع أخرى (فَنَظَرَ نَظْرَةًۭ فِى ٱلنُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌۭ (٨٩) فَتَوَلَّوْا۟ عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)) [سورة الصافات آية: ٨٨ - ٩٠].
فَجَعَلَهُمْ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرًۭا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ﴿58﴾
(فَجَعَلَهُمْ) ولم يقل (فجعلها)، والأصنام حجارة لا تعقل، والكلام كأنه عمّن يعقل؛ لأنهم اعتقدوا في ألوهيتها (جُذَٰذًا) حطاما، قطعا، جذّا الشيء: كسره، وقطعه، وقُرأت (جِذاذا) جمع جذيذ كخفيف، وخِفافاً، ولطيف ولِطافا، وقرأت (جَذاذا) لغات، كسرها، وحطمها، وجعلها قطعا صغيرة، ما عدا أكبر صنم في الحجم (إِلَّا كَبِيرًۭا لَّهُمْ) للأصنام، والكلام التعبير فيه بما يُعبر به عن العاقل لاعتقادهم في ألوهيته (لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ) (إِلَيْهِ) إلى من؟ إلى الصنم الكبير، فيسألوه ما الخبر؟ وهنا تلزمهم الحجة ويسفههم أو (لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ) إلى إبراهيم، فقد سمعوه يذكر آلهتهم، ويسفه أحلامهم، فإذا رجعوا إليه قرعهم بالحجة، والبرهان أو (لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ) إلى الله (عز وجل) يرجعون، يتوبون ويعودون بعد ما تبين أن الأصنام لم تدفع عن نفسها الضر، فيفهمون، ويعلمون أنهم على باطل.
قَالُوا۟ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿59﴾
الكلام فيه اختصار بالحذف، ثقة بفهم السامع، رجعوا من عيدهم وقد وجدوا الأصنام قد كسرت فقالوا (قَالُوا۟ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا) استفهام للبحث، والتنقيب، وفي نفس الوقت هذا الاستفهام لاستعظام ما حدث (إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ) ترى من الذي فعل ذلك، هذا الفعل فعل ظُلم، والفاعل ظالم لتكسيره الأصنام، وقال بعض الناس من حيث النحو (مَن) هنا ليست للاستفهام (مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ) أو الذي فعل هذا بآلهتنا ظالم، ولكن الرأي الأول أرجح؛ لقولهم بعد ذلك (سَمِعْنَا فَتًۭى يَذْكُرُهُمْ) إجابة للسؤال من فعل هذا؟ وهنا يتم ترجيح قول أحد النحويين على الآخر، وذاك هو الحس القرآني، يختلف عن الحس اللغوي، لكن المصحف لا وقف فيه هنا، حتى على معنى السؤال؛ لأن الوقف هنا لا يستقيم أن تستأنف وتنشئ الكلام بنسبة الظلم لمن فعل ذلك، فالوصل هنا أرجح، وأفضل، لكي يكون القول متصلا، هم الذين ادعَوا أن الذي قال ذلك من الظالمين، من هنا تصل الآية.
قَالُوا۟ سَمِعْنَا فَتًۭى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبْرَٰهِيمُ ﴿60﴾
كلمة (فَتًۭى) تبين أن إبراهيم كان شابا صغيرا، فتيا، ست عشرة سنة أو خمس عشرة سنة في هذه الحدود، ذاك ما يطلق عليه فتى (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ) إذا فالتفسير معنى الرشد، وجهناه، وهديناه إلى وجوه الخير، الصلاح، والخير من قبل النبوة، وهو في سن صغير (قَالُوا۟ سَمِعْنَا فَتًۭى يَذْكُرُهُمْ) أي يذكرهم بسوء (يُقَالُ لَهُۥٓ إِبْرَٰهِيمُ) بالضم، والرفع، وتلك حيرت علماء النحو، وخرّجوا لها تخاريج، منها أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هو) يقال له: هو إبراهيم، وقال بعضهم: بل هو نائب فاعل، وقال بعضهم: بل المقصود ليست الكلمة، إنما المقصود اللفظ.
قَالُوا۟ فَأْتُوا۟ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ﴿61﴾
(عَلَىٰٓ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ) (عَلَىٰٓ) كيف الاستعلاء؟ تأمل في المعنى (قَالُوا۟ فَأْتُوا۟ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ) أي بمرأى من الناس كي تتمكن صورته في أعينهم، تمكن الراكب على المركوب، فأتوا به بحيث يراه الجميع، ولا يغفل عن رؤيته أحد، ولا يحتفي عن أحد، بل يراه كل الناس، لِم قالوا ذلك؟ (فَأْتُوا۟ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) يشهدون بمقولته لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين؟ يشهدون على تكسيره لهم، فربما رآه أحد؟ يشهدون اعترافه، فلا ظلم له؟ يشهدون عقوبتنا له فيصبح عبرة لغيره.
قَالُوٓا۟ ءَأَنتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ﴿62﴾
قَالَ بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا۟ يَنطِقُونَ ﴿63﴾
وهنا تأتي بعض الأقوال التي يجب رفضها تماما، منها قول بعضهم (قَالَ بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا) وقصد إصبعه، وذاك مردود مرفوض؛ لأن إبراهيم احتسب هذه كذبة على نفسه، والكلام من المعاريض، وقال نبينا (صلى الله عيله وسلم): ( إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ) والتعريض بالكلام أنك تخفي الحقيقة، ولا تكذب بقول غيرها، أو بإثبات غيرها، بل الكلام يُفهم على وجهين، وجه يفهمه الآخر، ووجه تقصده أنت، ذاك هو التعريض، وكأنك ذهبت إلى عرض الكلام، ولم تأت مباشرة، مثل حين هاجر نبينا (صلى الله عليه وسلم) مع أبي بكر الصديق وأرسلت قريش وراءهم من يتقصّى آثارهم، صادف رجل أبا بكر، والنبي (صلى الله عليه وسلم) معه، ولا يعرف نبينا (صلى الله عليه وسلم) ولم يره من قبل، لكنه يعرف أبا بكر، فسأله يا أبا بكر من هذا الذي معك؟ أبو بكر لا يستطيع أن ينطق بالحق هو رسول الله، ولا يستطيع أن يكذب، فانظر إلى التعريض في الكلام، فقال: هذا رجل يهديني الطريق، ففهم الرجل أن النبي (صلى الله عليه وسلم) دليل يهديه في الطريق الذي يسير فيه، وقصد أبو بكر دليل يهديه إلى الطريق إلى الله، هذا هو التعريض؛ من هنا كانت مقولة إبراهيم (فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا۟ يَنطِقُونَ) الكلام فيه تعريض، وفيه تبكيت، وفيه استهزاء، وفيه نكات من النحو لا يتنبأ بها إلا الراسخون في اللغة، كأنه علّق فعل الكبير على نطق الأصنام، ذاك تعريض لو قال فعله كبيرهم هذا فقط لكانت كذبة، وليست من التعريض، أنت فعلت؟ لا لم أفعل، بل فعله هذا، إذا فذاك كذب صراح، وانظر إلى التعريض وكأن المعنى إن كان هؤلاء ينطقون فذاك دليل على أن هذا الذي فعل، وإن لم يكونوا ينطقون إذا فليس هو بالفاعل، تأمل، قال بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم يقرون بذلك، فإذا لم يقروا، ولم ينطقوا فهو بريء، بل أنا الفاعل، وانظر إلى التعريض وليس ذاك بكذب، وإنما هو من باب المعاريض، علّق فعل الكبير على نطقهم، والمعلول يدور مع علته، علة الفعل نطق هؤلاء، أو الدليل على الفعل نطق هؤلاء، بل وقرأ بعض الناس (قَالَ بَلْ فَعَلَهُۥ) ووقف هنا (كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا۟ يَنطِقُونَ) هربا من الكذب في الكلام، أي فعله من فعله، كبيرهم هنا قائم، فسألوهم إن كانوا ينطقون وهي قراءة لم ترد، ولا يوجد وقف هنا بالمصحف، وقال بعضهم في قراءته (قَالَ بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا) أي لعل الفاعل الكبير لم يقطع بأن الفاعل هو الكبير، والأرجح، والأشبه بالصواب هو القول الأول.
فَرَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿64﴾
( فَرَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ) رجع بعضهم إلى بعض، أو إلى أنفسهم يتناقشون، ويتحاورون، هل يمكن أن يتحرك الصنم الكبير غيرة على نفسه، كيف يعبد الصغار مع الكبار، فتحرك غيظا فحطمهم، وكيف يتحرك؟ هو لا يتحرك، نسأل الأصنام التي أصبحت حجارة مكسرة قطعا جذاذا؟ وهل هي تنطق فتحاوروا، وتناقشوا، وتراجعوا، فقالوا: نتيجة لهذا النقاش، وإعمال العقل المجرب (إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ) أي أنتم الظالمون بعبادتها، وليس ذلك الذي حطمها، فرجعوا إلى أنفسهم بالتفكر، وبالتدبر، بالنقاش، بالكلام، إعمال العقل، فوصلوا إلى الحقيقة أنتم الظالمون بعبادتكم لها، وليس الذي ادعيتم أنه ظالم بتكسيرها، وتحطيمها، لكن الله لم يرد لهم الهداية، فسبحانه يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، من أغرب الأمور، ومن أعجب الآيات، والقصص التي تدعو إلى التأمل هذه الآية، ها هم أقروا، ها هم وصلوا إلى الحق، ها هم اعترفوا، فرجعوا إلى أنفسهم، فقالوا:( إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ) .
ثُمَّ نُكِسُوا۟ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ﴿65﴾
(ثُمَّ نُكِسُوا۟ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ) (ثم نُكِّسوا على رءوسهم)، (ثم نَكَسوا) قراءة (ثُمَّ نُكِسُوا۟ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ) أي نكسوا أنفسهم، النكس: قلب الشيء، بحيث يصير أسفله أعلاه، والتشبيه كأنهم انقلبوا فأصبحت رءوسهم في الأرض، وأقدامهم في العلو، كيف؟ ولم؟ ومن الذي نكسهم، والفعل مبني للمفعول؟ استحقوا الضلالة، وربنا أعلم بخلقه، أعلم بعباده، يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وما ربك بظلام للعبيد، بعد المراجعة لأنفسهم عادوا إلى المجادلة (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ) سبحان الله؟ هو يعلم هل أنتم قد علمتم ذلك؟ لا ينطقون بلفظة، ولا يملكون لأنفسهم لحظة، كيف تدعون أن الأصنام تدفع عنكم البأس، ولم تستطع أن ترد عن رأسها الفأس، سبحان الله تأمل، واحمد الله على أن هداك، لولا الله ما اهتدينا، ولا صلينا، ولا زكينا، حين اعترفوا، وأقروا، ولزمتهم الحجة قال:
قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَا يَضُرُّكُمْ ﴿66﴾
أُفٍّۢ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿67﴾
(قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَا يَضُرُّكُمْ ) باعترافكم أنها لم تدفع عن نفسها الفأس، لم تنطق، ومن لا يملك دفع الضر عن نفسه، لا يملك دفع الضر عن غيره، فكيف تعبدون من لا يملك جلب النفع، ولا يملك دفع الضر عن نفسه، أفتعبدون من دون الله الخالق، البارئ، المصور، الرازق الذي فطر السموات، والأرض كما نبههم (قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ (٥٦)) [سورة الأنبياء آية: ٥٦]، (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَا يَضُرُّكُمْ) لم يُجد الكلام، فتأفف، وتضجر (أُفٍّۢ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (أُفٍّۢ) أصل الكلمة صوت المتضجر من استقذار الشيء، وأصبحت كلمة (أُفٍّۢ) من حيث النحو اسم فعل، بمعنى أتضجر، وأستقذر (أُفٍّۢ لَّكُمْ) واللام في لكم لبيان ما تضجر منه، أو ما تضجر لأجله (وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ) هذه الأصنام النتنة، القذرة، النجسة، الحجارة التي لا تنفع، ولا تضر (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) تعملون عقولكم، وتنظرون حولكم، وهنا أخذتهم العزة بالإثم، لم يعقلون، ولم يُعملوا عقولهم، ولم يتدبروا الكلام.
قَالُوا۟ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓا۟ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ ﴿68﴾
وذاك ديدن الجبابرة، ديدن المستكبرين إذا علموا بالحجة لجأوا إلي الغشم، والقوة، والقهر، إذ إن الحجة والبرهان تجدي مع من أراد الوصول إلى الحق، أما من تمسك بالباطل، واستكبر، وتجبّر، إن غُلب بالحجة لجأ إلى القوة، والسلطة، والتسلط، والبرهان، من هنا ومن مقولتهم حرّقوه، نرجع إلي السر في قوله (ثُمَّ نُكِسُوا۟ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ) كيف ضلوا بعد تبين الحق، وما ربك بظلام للعبيد، التأمل في تلك الآية (ثُمَّ نُكِسُوا۟ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ) كيف؟ ومن الذي نكسهم، وها هم قد وصلوا إلى الحق، واعترفوا أنكم أنتم الظالمون، واتهموا أنفسهم بالظلم، نكسوا بسبب ما انطوت عليه نفوسهم من الكبر، وما استقر في صدورهم من الضلال، وما ألفوه من الاعتزاز بالإثم، ذاك يدل عليه قوله (عز وجل) حكاية عنهم كيف فعلوا مع إبراهيم إذا لم تقتنعوا بكلامه، لكم دينكم، وله دينه، أخرجوه من قريتكم، أما التحريق بالنار، التعذيب بالنار حتى الموت!! وظلوا سبعة أيام يوقدون في النار بعد أن حفروا لها حفرة عظيمة، وجاءوا بالحطب من كل مكان، واشتعلت النيران حتى أن الطيور هربت، وإن طار طائر وقع محترقا من دخانها، ولهيبها، وجاءوا بآلة عظيمة، المنجنيق؛ إذ كيف يقتربون منها، وكيف يقذفوه فيها، فأوثقوه، ووضعوه في هذا المنجنيق ليقذفوه به، جبروت، هذا الجبروت كيف يهديهم الله، من هنا تفهم لِم نكسوا على رءوسهم؟ لمِ لمْ يستمروا على الهداية؟ لمِ لمْ يستقروا على الحق؟ لأنهم ليسوا أهلا لذلك (قَالُوا۟ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓا۟ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ) أي إن كنتم ناصرين لآلهتكم، مؤيدين لها، مستمسكين بدينكم، فحرّقوه، فأوقدوا النيران، وقذفوه بالمنجنيق مكتفا مربوطا، أوثقوه بالوثاق، وتلقاه جبريل قائلا: يا إبراهيم ألك حاجة، فقال إبراهيم: أما لك فلا، فقال جبريل: فأسأل ربك، فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي، وهنا أمر الله (تبارك وتعالى) النار.
قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًۭا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ ﴿69﴾
( كُونِى بَرْدًۭا) مصدر، أي ذات برد، كوني باردة، لم يقل كوني باردة، ولم يقل كوني ذات برد قال (كُونِى بَرْدًۭا) فالتعبير غريب (كُونِى بَرْدًۭا وَسَلَـٰمًا) لو قال برداً فقط لآذاه بردها أكثر من حرها، فالبرد زمهرير، فقال: سلاما، ولو لم يقل (عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ) ما أوقدت نار إلى يوم القيامة، بردا على إبراهيم، فإن خرج إبراهيم منها فهي النار ذات خاصية الإحراق، والغريب أن النار خوطبت خطاب من يعقل، نداء من الله لها: (يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًۭا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ ﴿٦۹﴾) قيل الكثير من الكلام أنه في النار سبعة أيام، وقيل: إن النمرود حين رآه كذلك قال لأنحرن كذا وكذا لإلهه، وقيل، وقيل، كل ذلك لا سند له، إنما هي حكايات تحكى، وتحفل لها كتب التفاسير، لكن لا سند لها، المهم أنهم ألقوه في النار، وأن الله أمر النار أن تكون برداً وسلاما، أي بردا لا يضر، سلاما يخرج منها سالما، فلم تحرق النار سوى وثاقه فقط، كيف خرج، متى خرج، ماذا حدث؟ يعلم الله.
وَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًۭا فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلْأَخْسَرِينَ ﴿70﴾
أرادوا به كيدا أي احتالوا عليه، واحتالوا لإضراره، ولتحريقه، ولقتله (فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلْأَخْسَرِينَ) أي أخسر من كل خاسر؛ لأن كيدهم انقلب عليهم، وما كادوا به إبراهيم أصبح صحة على بطلان ادعائهم، وعلى أن إبراهيم على الحق، هذه النار هي الكيد، هذه النار هو ما فعلوه من أجل الإضرار به، ماذا فعلت النار؟ أصبحت دليلا ضدهم، أصبحت دليلا على بطلان اعتقادهم، وأصبحت دليلا على أحقية إبراهيم، فيما يقول، من هنا يقول الله (فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلْأَخْسَرِينَ).
وَنَجَّيْنَـٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا لِلْعَـٰلَمِينَ ﴿71﴾
لوط كان ابن أخ إبراهيم، أو ابن عمه، مع اختلاف في الأقوال هو الذي آمن به (وَنَجَّيْنَـٰهُ وَلُوطًا) ولم تُذكر سارة، هل كان متزوجا بها، واكتفى بذكر لوط أم لم يكن قد تزوج بها بعد، يعلم الله، وإن كانت كتب التفاسير ذكرت نجاة سارة معهم (إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا لِلْعَـٰلَمِينَ) قالوا: كانوا بالعراق ونجوا إلى الشام، والشام بارك الله فيها بكثرة الخصب والأنهار، وما إلى ذلك، وقيل: بل إلى بيت المقدس حيث مبعث الأنبياء، ومنبت الرسل، وبارك الله فيها بكثرة الأنبياء، وبعثتهم الذين دلوا الناس على الخير في الدنيا، وفي الآخرة، يعلم الله إلى أي الأرض ذهبوا، لدرجة أن بعض الكتب ذكرت أن الأرض المذكورة هي أرض مصر، فنزل إبراهيم في الشام كما يقال، ونزل لوط في المؤتفكة، وقيل: هي ما يسمى بالأردن، يعلم الله، كل ذلك من كلام المفسرين، وعلماء التاريخ، لكن الحق يعلمه الله، والعبرة القصة.
وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةًۭ ۖ وَكُلًّۭا جَعَلْنَا صَـٰلِحِينَ ﴿72﴾
وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةًۭ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِ ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا عَـٰبِدِينَ ﴿73﴾
( وَوَهَبْنَا لَهُۥ) لإبراهيم (إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً) النافلة: الزيادة، ومنه صلاة النافلة، الزيادة عن الفرض، ونفله: أعطاه، ومنحه، والنافلة هنا إما إسحق، ويعقوب، والكلام عنهما (وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةًۭ) أي عطية، وهبة منا أو وهبنا له إسحق، استجابة لدعائه، فقد طلب الولد، وكانت امرأته كبيرة في السن، أو لم تكن تلد، عاقر، ويعقوب نافلة أي زيادة عما دعا به، وطلبه، فرزقه الولد، ثم منّ الله عليه بولد الولد (وَكُلًّۭا) إبراهيم، ولوط وإسحق، ويعقوب، أي الأربعة (جَعَلْنَا صَـٰلِحِينَ) خلق الصلاح فيهم، وأقدرهم على الطاعة، وألهمهم فعلها ثم تقبل كل ذلك منهم (وَكُلًّۭا جَعَلْنَا صَـٰلِحِينَ) (وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةًۭ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) جعلناهم قدوة، وسادة، ورءوساء في هذه الدنيا يهدون الناس بأمرنا بوحينا، أو بأمرنا لهم لإرشاد الخلق، أو بأمرنا: بمعني بكتابنا وبوحينا (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَٰتِ) أوحى الله إليهم فعل الخيرات؛ لكي يجتمع العلم مع العمل؛ ولكي يكون العالم قدوة للمتعلم بعمله (فِعْلَ ٱلْخَيْرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِ) خاص بعد عام فعل الخيرات يدخل فيها الصلاة، وتدخل فيها الزكاة، فاختص الصلاة والزكاة بالذكر؛ لأن الصلاة أجل الأعمال البدنية، والزكاة أعظم الأعمال المالية، فخصهما بالذكر تشريفا، وتعظيما لشأنهم (وَكَانُوا۟ لَنَا عَـٰبِدِينَ) موحدين مخلصين.