القرآن الكريم / سورة طه / التفسير المقروء

سورة طه

فلقاؤنا مع سورة طه، سورة طه سورة مكية، نزلت بمكة، وشأنها شأن السور المكية تهتم بتقرير عقيدة التوحيد، والنبوة، والحشر، والنشر، سورة طه فيها بيان لعناية الله (عز وجل) بحبيبه المصطف، (صلى الله عليه وسلم) فهو يسليه، ويقص عليه قصة موسى مع فرعون؛ ليبين له عنايته، ورعايته بالرسل، وأن النصر والغلبة لهم، ويدله على وظيفته الأساسية، وهي التبليغ، والإنذار، والتبشير، أيضا يبيّن ربنا، تبارك وتعالى، في شأن قصة موسى كيف يكون الجدل، والإسفاف، كيف أن حجة الله بالغة، كيف وأن ليس للكافر عذر، وتذكر السورة قصة آدم (عليه السلام) في سرعة خاطفة تبين رحمة الله (تبارك وتعالى) به، حيث عفر له خطيئته، وتعهده بالرحمة، وتعهد ذريته بالرسالات السماوية، وتذكر السورة بعض مشاهد يوم القيامة، بعض المشاهد التي يخشع لها الكون (وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًۭا (١٠٨)) [سورة طه آية‫: ١٠٨]، وتبين مصير أهل السعادة، وتبين مصير أهل الشقاوة، وتختم السورة ببعض النصائح للنبي (صلى الله عليه وسلم) بالصبر على الأذى، وتحمّل أعباء الرسالة، افتُتحت سورة طه بحرفين (طه ﴿١﴾) وقيل في شأنها الكثير، كما قيل في شأن الحروف المقطعة في بعض السور، اسم للسورة، اسم للنبي (صلى الله عليه وسلم) من أسماء الله (عز وجل) هي قَسَم أقسم الله به، هي حروف تدل على معاني (ط) طاهر (ه) هادي، حروف مختصرة لكلمات، أقوال، وأقوال، ومنهم من اعتبر (طه ﴿١﴾) أمر، وأصل الكلمة (طأها) طأ أي دُس بقدمك، هاء‫: الأرض، فالهاء والألف ضمير الأرض، وطأ فعل أمر، وسهلت الهمزة في طأ وأصبحت ألفاً ساكنة، فأصبحت (طه ﴿١﴾) وقال بعضهم‫: بل هي (طَهْ) أي طأها، والهاء هنا هاء السكْت، وقال بعضهم‫: الهاء هنا كناية عن الأرض، وقرأت طَه بإمالة الهاء، قرأت طِهِ بإمالة الطاء والهاء، وقراءتنا قراءة حفص (طه ﴿١﴾) وهما حرفان من الحروف المقطعة، وأفضل ما يقال، وأحق ما يقال، هي سر من الأسرار استأثر الله، تبارك وتعالى، بعلم معناها، فهي ك(حم)، (يس)، (ن)، (ص) حروف مقطعة، وخير ما قيل فيها قول الصديق (رضي الله عنه) أبو بكر حيث قال‫: هي سر الله فلا تطلبوه‫.

طه ﴿1﴾ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ ﴿2﴾ إِلَّا تَذْكِرَةًۭ لِّمَن يَخْشَىٰ ﴿3﴾
وقُرأت (ما نُزِّل عليك القرآنُ لتشقى) قالوا في هذه الآية‫: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) حين أوحي إليه، وحين تعلّم الصلاة قبل أن تفرض، كان يقف طويلا في صلاته، حتى تورمت قدماه، وجاءه جبريل، وقال‫: هوّن على نفسك، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، بكثرة القيام، والتهجد، وإنما هو للتذكير، وقيل‫: هي رد، وتكذيب لمقولة كفار قريش حين رأوه يكثر الصلاة، ويقف فيها كثيرا، قالوا‫: نزل هذا القرآن على محمد ليتعب، ويشقى، ويلقى من العناء ما يلقى، فنزلت رد وتكذيب لهم (مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ) لتتعب، وتأسف، وتحزن على كفر أهل مكة كقوله‫: (فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)) [سورة الكهف آية‫: ٦]، أي ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى بكفرهم أو لتشقى بالحرص على إيمانهم، أو لتشقى بالحزن عليهم، لكن أنزلناه لتذكّر به الناس (تَذْكِرَةًۭ لِّمَن يَخْشَىٰ ) وخص من يخشى بالذكر؛ لأنه المنتفع بالقرآن، وإن كان القرآن تذكرة للخلق جمعيا، إلا أن المنتفع هو من يخشى الله، يخشى الحساب، يخشى العقاب، (إِلَّا) وقيل‫: استثناء منفصل، بمعنى لكن تذكرة لمن يخشى‫.
تَنزِيلًۭا مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلْأَرْضَ وَٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ﴿4﴾ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴿5﴾ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ﴿6﴾ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ﴿7﴾ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴿8﴾
خمس آيات فيها وصف، وعرض لتعظيم المنزِّل (سبحانه وتعالى) بذكر صفاته، وأفعاله، للدلالة على عظم شأنه المنَزَّل، الكلام عن القرآن، فلبيان عظم شأن القرآن، يعرض لك تعظيم شأن من أنزله (تَنزِيلًۭا مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلْأَرْضَ وَٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلْعُلَى) (تَنزِيلًۭا) أي نزلناه تنزيلا، جمع العليا، (ٱلْعُلَى) والعليا تأنيث الأعلى، (الخلق): الإيجاد من عدم، القدرة التي أنشأت هذه السموات ذات العلو، الذي لا يقوى عليه إلا الله (ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ) (ٱلرَّحْمَـٰنُ) مرفوعة، أي هو الرحمن، وقال بعض الناس‫:‬ يجوز فيها الخفض أي الرحمنِ، وقيل‫:‬ الرحمنَ بالنصب، لكن القراءة المعتمدة بالرفع الرحمنُ، أي هو (ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ) بعد ذكر خلق الأرض و السموات العلى، جاء ذكر استوائه (سبحانه وتعالى) على عرشه، العرش لا تعرفه الخلائق إلا بالاسم فقط، أما كُنه العرش، وحقيقة العرش، لا يعرفه إلا الله، وجاء العرش في القرآن في إحدى وعشرين آية، وجاء الاستواء على العرش في سبع آيات، واستواء الله (تبارك وتعالى) على عرشه استواء يليق بجلاله، وكماله، بغير تكييف، أو تمثيل، أو تشبيه، أو حد، أو انحسار، والعرش لا يحمله، بل العرش وحملة العرش محمولون بقدرته، مقهورون في قبضته، والاستواء كما قال الإمام مالك، وقالت الصحابة‫:‬ الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهو (سبحانه وتعالى) مستوٍ على عرشه على الوجه الذي أراده، على الوجه الذي يليق بجلاله وكماله، وعلى المعنى الذي أراده هو، استواءً منزها عن المماسة، والاستقرار، أو التحول، والانتقال، بلا تشبيه، بلا تمثيل، بلا تكييف، كيفية، بلا انحصار، وبلا حصر، وبلا تحديد، والآية تبين أن الخلق حين خلقه الله هو المدبر لأمره، كما جاء في بعض الآيات الأخرى (ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ ) [سورة يونس آية‫:‬ ٣]، فالخلق له، والتدبير له، ثم الملك له (لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ) الثرى‫:‬ التراب النديّ، والثرى‫:‬ وجه الأرض، التراب، وما في الأرض تشمل ما تحت الثرى، لكنه قال وما تحت الثرى للتأكيد، ويعلم الله ما هو الثرى، وجاء في شأن الثرى أمور كثيرة لا يمكن أن يتقبلها العقل في بعض كتب التفسير، لكن معنى الكلمة ثريث الأرض ندية، من الندى، والثرى هو التراب، ثم بعد بيان قدرته وقهره، وإرادته، يأتي بيان لعلمه بكل شيء، فيقول‫:‬ (وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى) (ٱلسِّرَّ) : ما أسرّ به الإنسان لغيره في الخفاء، إذا تكلمت مع شخص في الخفاء ولا يسمعك أحد سواه، فذاك هو السر، أما الأخفى من السر فهو ما تحدثت به نفسك، ولم تسمعه أذناك من خواطر، وهواجس، ووساوس، وما إلى ذلك، والله يعلم السر وأخفى، إذا فعلم الله شامل عام، لا يخرج عن علمه شيء، فكل الموجودات في قبضته، في قدرته، تحت سلطان قهره، وكل المعلومات في علمه سواء ما ظهر، وما خفي، وقال بعضهم‫:‬ (وَإِن تَجْهَرْ) أي بالعبادة بالجآر إلى الله، أو الدعاء، أو بالاستصراخ، فإنه يعلم مقولتك، والتجاءك، ودعاءك، ويعلم ما في نفسك، فإن كان الله يعلم ما في نفسك فهو قريب منك، فلا تخش كيد كفار مكة (ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ) (ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ ) تأكيد على وحدانية الله (عز وجل) وأنه لا يشاركه فيما ذُكر أحد، الخلق خلقه، والملك ملكه، والتدبير تدبيره، والعلم علمه، وهو الواحد الأحد، لا إله إلا هو (لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ) وأسماء الله هي الحسنى، لأنها تدل على أحسن المعاني، وقيل‫:‬ إن الآية بسبب قول كفار قريش إن محمدا يدعو إلى الواحد، وهو يدعو إلهين، فيقول (الله) ويقول (الرحمن)، فنزلت الآية لتبين أن الله (تبارك وتعالى) واحد في ذاته، متعددة صفاته، وقال نبينا‫:‬ ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) أحصاها أي حفظها، ثم تبدأ الآيات في عرض قصة موسى، استئناف لعرض قصة موسى، وتنبيه النبي (صلى الله عليه وسلم) لكي يأتم بموسى في الصبر على الأذى، وتحمّل أعباء الرسالة، وتطمينه (صلى الله عليه وسلم) بأن الغلبة للرسل، وبأن الله ينصر رسله، وبأن النتيجة والنهاية هي نصر الحق، أيضا لبيان أن شريعة الله واحدة، وأن التوحيد هو الهدف الأساسي من بعثة الرسل جمعيا.
وَهَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ﴿9﴾ إِذْ رَءَا نَارًۭا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًۭا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًۭى ﴿10﴾
‫(وَهَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ) والسؤال هنا للتقرير، وللفت النظر، وللتنبيه، وللإيقاظ، (وَهَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ )، لم يكن قد أتاه بعد، لكن السؤال لتقرير الواقع، والقصة، ولتشويق النبي (صلى الله عليه وسلم) للسماع، وقال بعضهم‫: المعنى قد أتاك قصة موسى، وشأن موسى (إِذْ رَءَا نَارًۭا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟) حين فر موسى من مصر بعد قتله لرجل من أهلها، وكان القتل خطأ، فر إلى مدين، وهناك عاش عشر سنوات، وهي قيمة مهر ابنة شعيب التي تزوجها، وبعد ما قضى الأجل، واشتاق لرؤية أمه، والعودة إلى مصر، استأذن في السفر، وأخذ امرأته، وخرج بها متجها إلى مصر، وفي بعض الطريق، وفي ليلة مظلمة شاتية، أراد أن يوقد ناراً، ففشل في ذلك، وضل طريقه كما قيل، وهنا رأى ناراً على بعد، فطلب من أهله أي من زوجته البقاء في مكانها حتى يذهب إلى أهل هذه النار، يأخذ منهم شعلة يشعل بها ناراً له، أو يجد من يدله على الطريق، أو على الماء، فقد فرغ منه الماء كما قيل (إِذْ رَءَا نَارًۭا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًۭا) آنس الشيء‫: أبصره إبصارا لا شبهة فيه، لا يختلط عليه الأمر، أو آنس الشيء‫: رأى ما يؤنس به، أو ما يؤنس له (لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ) قبس‫: شعلة من النار، ومنه الاقتباس‫: أخذ الشيء من الشيء (أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًۭى) أي دليلا يرشدني إلى الطريق، أو يرشدني إلى الماء، وقال على النار، والاستعلاء هنا؛ لأن أهل النار مشرفون عليها، أو مشرفون على ما حولهم من مكان‫.
فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِىَ يَـٰمُوسَىٰٓ ﴿11﴾ إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًۭى ﴿12﴾ وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ ﴿13﴾ إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ ﴿14﴾
قيل‫:‬ إنه حين ذهب موسى إلى النار وجدها ناراً بيضاء في شجرة خضراء، وهي نور من نور الله (عز وجل) (فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِىَ يَـٰمُوسَىٰٓ) المنادي هو الله (عز وجل) كيف كان النداء؟ وكيف كان السماع؟ والآية من المتشابهات التي يفوّض علم بمعناها إلى الله (عز وجل) لأن الله (تبارك وتعالى) إذا تكلم، تكلم بغير شفتين، ولسان، والسماع بالأذن، تسمع الأصوات بالانتقال عبر الهواء، وهذا يستحيل على الله (عز وجل) فهو لا يشبه كلامه كلام المخلوقين، كما لا تشبه ذاته ذوات المخلوقين، من هنا قال بعض السلف الصالح‫:‬ موسى سمع الصوت بجميع أعضاؤه، وسمع الصوت من جميع الاتجاهات، من هنا علم أنه صوت الله، وقال بعضهم‫:‬ سمع الكل بالكل، أي سمع الذات الإلهية لأن الكلام لا ينفصل عن الذات، حيث الكلام قائم بذاته (عز وجل) ولا يمكن أن يسمع كلام الله بالأذن، وإنما سمعه بجميع جسده، وأعضاؤه، كيف سمع؟ ذاك شأن الله، كيف كان الكلام؟ ذاك شأن الله، لكنا نؤمن بالكلام، وبأن الله كلمه تكليما، وبأن موسى سمع الكلام، كيف؟ ذاك أمر الله، وشأن الله، لا دخل لنا فيه، كما نؤمن بالعرش، وأمرنا بالإيمان بوجوده لكنا لا نعرفه إلا بالاسم، فكذلك نؤمن بأن الله كلم موسى تكليما (إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ) وقُرأت (أني) نودي (إِنِّىٓ) على اعتبار النداء إنزاله منزلة القول، أو نودي يا موسى أني أي بأني (إِنِّىٓ أَنَا۠) تكرير للضمير (رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًۭى) النداءات هنا نداءات متعددة، ذكر فيها اسم موسى أكثر من مرة، تُرى لإيناس موسى؟ لتنبيه موسى؟ ذُكر التوحيد أكثر من مرة (إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًۭى) تكرير الضمير(وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ ﴿١۳﴾ إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ ﴿١٤﴾) نداءات متكررة، تقرير لمبدأ التوحيد، (يَـٰمُوسَىٰٓ)، ذاك نداء بالاسم، انتبه موسى للنداء، وسمعه، وعلم أن المنادي هو الله (أَنَا۠ رَبُّكَ) الذي أنشأك، وخلقك، وسوّاك، وعدلك، وأوصلك إلى ما وصلت إليه، شيئا فشيئا (فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًۭى) (طُوًۭى) اسم للوادي، أمره بخلع نعليه، وهنا اختلف العلماء في هذا الأمر اختلافا كثيرا، لِم أُمر موسى بخلع نعليه؟ قال بعضهم‫:‬ كان النعلان نجسين، من جلد غير مدبوغ، من جلد حمار ميت، قالوا‫:‬ تعظيما للوادي المقدس، قيل‫:‬ خلع النعلين أول أمر كلف به موسى كما كان أول أمر كلف به النبي (صلى الله عليه وسلم) (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)) [سورة المدثر آية‫:‬ ٤]، وقيل‫:‬ بل المقصود أن تمس القدم الوادي، فتحدث البركة، فلا يكون هناك فاصل بين موسى وبين الأرض المقدسة، وقيل‫:‬ بل الكلام إشارة، وتنبيه لطرح ما يعلقه بالدنيا وراء ظهره، الأهل، والمال، والولد، والدنيا، فأشار إلى ذلك بخلع النعلين (وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ) وقرأت (وأنَّا اخترناك)، (ٱخْتَرْتُكَ) : اصطفيتك (فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ) وقد كان موسى يسمع، وقيل‫:‬ الأمر بالاستماع هنا ليتفرغ تماما، تسكن الجوارح، يغض البصر، يستحضر عقله، يحاول الفهم إذ آداب الاستماع خشوع الجوارح، غض البصر، سكون الإنسان لا يتكلم، استحضار العقل، والتركيز فيما يسمع إلى آخره أي للذي يوحى، أو فاستمع للوحي (إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ) التكرير، وتأكيد الضمير، وحين قال‫:‬ أنا ربك فيها الخصوصية، فيها التشريف لموسى، ثم التعميم، وذكر الألوهية بعد ذكر الربوبية (لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠) التوحيد الصرف (فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ) (فَٱعْبُدْنِى)، فوحدني أو (فَٱعْبُدْنِى) أمر بالعبادة (وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ) خص الصلاة بالذكر مع أن الصلاة من ضمن العبادة للدلالة على أهمية الصلاة، وأنها أعظم، وأهم ركن بعد التوحيد (لِذِكْرِىٓ) أي لكي أذكرك بالثناء، فهو يصح للفاعل والمفعول لتذكرني، أو لذكرى إياك بالثناء في الملأ الأعلى (وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ) لذكري لها في جميع الكتب السماوية (وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ) لمواقيت الصلاة التي حددتها، أقم الصلاة لذكرى خاصة خالصة لا رياء فيها، ولا شبهة، ولا يشغل قلبك فيها سواي (وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ) كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) (مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَذْكُرُهَا) ، معاني كثير تحتملها الآية‫.‬‬‬‬‬
إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ ﴿15﴾ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرْدَىٰ ﴿16﴾
‫(إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا) وهذه الآية أشكلت على علماء اللغة، وعلماء التفسير أيضا (أَكَادُ أُخْفِيهَا) هذه الكلمة في اللغة العربية من حيث النحو (كدت أفعل) قاربت الفعل، ولم أفعله، كدت أقتل الرجل، قاربت أقتله، لكني لم أقتله (ما كدت أفعل) فعلت بعد إبطاء، ودليلها في القرآن (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ (٧١)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٧١]، إذاً ذبحوها لكن بعد أخذ، وعطاء، وجدل (كاد يفعل) قارب الفعل، ولم يفعل (إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا) هو أخفاها فعلا فما معنى أكاد أخفيها، هنا أشكلت الآية على الناس؛ ولذا حدث التخريج كالآتي (أَكَادُ) زائدة للتوكيد، وتقدير الكلام (إن الساعة آتية أخفيها) كقوله في القرآن أيضا (إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُۥ لَمْ يَكَدْ يَرَىٰهَا ۗ ) [سورة النور آية‫:‬ ٤٠]، يكد هنا مؤكدة، وقال بعضهم (أَكَادُ أُخْفِيهَا) أريد أخفيها، وقال بعضهم‫:‬ أكاد أخفيها عن نفسي، فكيف أطلعكم عليها، تقدير الكلام؛ لأن العرب إذا أخفت الشيء إخفاءً شديداً تقول‫:‬ كدت أن أخفيه عن نفسي، فإذا بالغت في إخفاء الشيء قلت‫:‬ أخفيته عن نفسي، وطبعا لم يحدث، لكن إن كنت قد أخفيته عن نفسك، فبالتالي فقد أخفيته عن أي أحد، وقال بعضهم‫:‬ القراءة هنا لابد أن تتوقف عند كلمة أكاد، ثم استأنف الكلام، والتقدير أن الساعة آتية أكاد أن آتي بها، أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى، وقال بعضهم، وهو الأرجح‫:‬ أظهرها، ولذل قرأت أكاد أَخفيها، فقالوا‫:‬ أُخفيها وأَخفيها من الأضداد، بمعنى الستر، والإظهار، أخفاه‫:‬ ستره، وأخفاه‫:‬ أظهره، وقال بعضهم‫:‬ بل الهمزة للسلب، خفاه، وأخفاه، أزال خفاءه، كما تقول‫:‬ شكى إلىّ فأشكيته، أزلت شكواه (أَكَادُ أُخْفِيهَا) أي أكاد أظهرها (لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ) وبالتالي يتغير التعلق بكلمة (لِتُجْزَىٰ) أكاد أخفيها لتجزى، آتية لتجزى أو أكاد أظهرها لتُجزى، تقع الآن لتُجزى كل نفس بما تسعى، وهناك قول نعتقد أيضا أنه من أرجح الأقوال، إن لم يكن أرجحها على الإطلاق، وهو أن الساعة آتية أكاد أخفيها بألا أذكرها أصلاً، ولا أعلمكم بقيام القيامة، أو بأن هناك ساعة، من شدة الإخفاء كاد ألا يذكر أصلا أن هناك ساعة، لكن الرحمة اقتضت إخبار الناس بالساعة، حتى يستعدوا لها، وإنما الإخفاء كان لموعدها؛ لأن باب التوبة يقفل بالغرغرة، فأخفى موعد الموت، وباب التوبة يقفل بقيام الساعة، بطلوع الشمس من مغربها، فأخفى موعد قيامها، ولولا الرحمة، واللطف بالخلائق، وقطع الأعذار، ما ذكر الساعة أصلا، ولا أخبرنا بأن هناك قيامة أصلاً.
(فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرْدَىٰ ﴿١٦﴾)‫، ردِيَ كرَضِيَ: هلك، فتردى‫:‬ فتهلك الآية تشعر بأمر غاية في الأهمية (فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا) عن الاستعداد لها، عن تذكرها، عن العمل من أجلها (مَن لَّا يُؤْمِنُ) إذاً لو ترك لفطرته السليمة لن يصد عنها أبدا، وإنما الصد يحدث إذا كان الإيمان فيه ضعف، هنا يحدث الصد من الكافر إذاً الصاد الكافر، والمصدود الإيمان، أما المؤمن لا يصد عن الساعة أبداً لا بنفسه ولا بغيره (مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ) هوى النفس ما تشتهيه، اللذات والشهوات، (فَتَرْدَىٰ) فتهلك‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، لا يعلم موعد قيام الساعة مخلوق على الإطلاق، لا يعلم موعد الساعة إلا الله (عز وجل) فلم يطلع على موعدها أحد مطلقا، لا نبي، ولا رسول، ولا ملك مقرب، وتأتي الساعة فجأة، وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما يتبايعان وتقوم الساعة فجأة، لكنا علمنا من سيد الخلق أنها تقوم يوم الجمعة، وعلمنا من سيد الخلق أنها لا تقوم وفي الأرض رجل يقول‫:‬ لا إله إلا الله، من الغريب أن نتأمل في الحوار الذي دار بين ربنا (تبارك وتعالى) وبين الكليم، عليه السلام، يقول الله (تبارك وتعالى):
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ ﴿17﴾
نلاحظ تكرار النداء (يَـٰمُوسَىٰ) بالإسلام (نودي يا موسى) (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ) ألقها يا موسى، تكرر النداء أكثر من مرة لإيناسه (عليه السلام) حنان، عطف، رعاية، عناية، تشريف، رفعه للمنزلة (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ) ذاك كان السؤال، وربنا (تبارك وتعالى) لا يسأل ليعلم، فهو العالم بما في يمين موسى من الأزل، إذاً فالسؤال إما للتقرير، وإما للفت نظره إلى ما في يده، أين كان نظر موسى، وأراد أن يسلط نظره على العصا، هل السؤال لإلزام موسى الحجة؟ لإقراره؟ ما تلك بيمينك؟ فيقول‫: عصا، وطالما هي عصا، فانظر ماذا يحدث للعصا، أقر بأنها عصا، فإن تحولت إلى ثعبان لم يختل نظره، أو يشك أن العصا ذهبت وحدث شيء آخر، أليست التي في يدك عصا، فانظر ماذا يحدث للعصا، الأغرب إجابة موسى، الإجابة المتوقعة لأي إنسان، أن يقول‫: عصا فقط، تأمل في إجابة موسى‫.
قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا۟ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ ﴿18﴾
‫(قَالَ هِىَ عَصَاىَ) نسب العصا لنفسه، إجابة غريبة، تخالف المتوقع حين نسب العصا لنفسه، قال له ربه‫: (قَالَ أَلْقِهَا يَـٰمُوسَىٰ) فحين تحولت إلى ثعبان، عرف موسى أن الإنسان لا يملك شيئا، وأنه لم يكن يعرف ما يملكه في يمينه، ونسبها لنفسه، وقال‫: عصاى، ولم تكن عصا بالمرة، ها هي ثعبان، فكيف تقول‫: عصاي، إذا فما تلبسه لا تملكه، فكيف تنسب العصا لنفسك، وانظر الآن أهي عصاك، وإن كانت عصاك لم فررت منها؟ تأمل في الكلام، الأغرب من كل ذلك زيادة الكلام عن الإجابة المطلوبة، السؤال عما في يدك عصا، ليست فأسا، ليست ثوبا، ليست طعاما (قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا۟ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ) إجابة طويلة، لِمَ أجاب بهذه الإجابة الطويلة؟ استدرار للكلام؟ إبقاء للموقف؟ زيادة في في الأنس والائتناس؟ يتمنى أن يسمع المزيد، يتمنى أن يسأل، وما هي تلك المآرب يا موسى، فيأخذ في الكلام، أحملها على ما عاتقي، وأحمل عليها زادي، أضرب بها السباع، أقاتل بها، أدافع بها عن نفسي، إذا جاءتني الشمس وضعتها وفرشت عليها ثوبا فاستظللت بها، وهكذا أراد أن يتكلم (وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى) (الهش) أصلا مادة الكلمة تفيد الرخاوة، واللين، الشيء الهش الذي ينكسر بسرعة، الهش‫: أن يخبط بالعصا ورق الشجر، فينزل الورق للغنم تأكله، أهش بها الشجر على غنمي، فتنزل أوراق الشجر على الغنم ليأكل، (أهُش- أهِش) بمعنى واحد (أهس) بالسين أزجر بها الغنم، فإذا قلت زجر غنمه أي هسه (وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ) مآرب جمع مأرُبة، مأرَبة، مأرِبة مثلثة الراء، لا أرب لي بالشيء، لا حاجة لي به، أو لا غرض لي فيه (وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ) وهنا أُمر موسى بإلقاء العصا، وحدث العجب العجاب، لابد لكل نبي من معجزة في نفسه، يتبين بها صدق استنبائه، من هنا كانت النار التي رآها موسى في رحلته من مدين إلى مصر، تلك النار التي كانت في ظلمة الليل، وحين جاءها وجدها نوراً، نار في شجرة خضراء! ثم نودي من العلي الأعلى، فسمع الكل بالكل، علم موسى باستنبائه، ونبّه إلى قاعدة التوحيد، وحذر من الغفلة، وكلف بخلع النعل، وكان ذاك أول تكليف لموسى، ثم سئل من العليم الخبير (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ ﴿١۷﴾) وربنا (تبارك وتعالى) يعلم ما في يمينه، وإنما السؤال كان لإيناس موسى، أو لشغله بشيء، أو لإلزامه الحجة، حين يقول‫: هي عصاي، فيرى فيها العجب، ألم تقل إنها عصاك، ها هي قد تحول حالها، ألم تنسبها إلى نفسك، ها أنت قد خفت، واضطربت، وارتعدت، ووليت مدبرا مما كنت تزعم أنك تملكه، أراه العجب، هل كانت آية أخرى، ليعلم بها موسى أنه قد استنبئ، وهي معجزة رآها أيضا كما رأى النار، وكذلك كانت اليد، أم أن الله (تبارك وتعالى) أراد أن يدربه على ما سوف يصنع أمام فرعون؛ إذ لو لم يحدث ذاك في شأن العصا، واليد، وحدث أمام فرعون لولّى موسى مدبرا، قبل أن يولي فرعون مدبرا، فأراد أن يدربه، وأن يريه العجب في تلك العصا، وتعجبنا من رد موسى، الإطناب في الرد، فنسب العصا لنفسه، وتكلم عن بعض منافعها، ثم أجمل (وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ) وهنا قال الله (عز وجل) آمرا لموسى‫.
قَالَ أَلْقِهَا يَـٰمُوسَىٰ ﴿19﴾ فَأَلْقَىٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌۭ تَسْعَىٰ ﴿20﴾
الحية‫: اسم يطلق على جميع أنواع الثعابين، والحيات، وفي القرآن ذكرت العصا مرة على أنها تحولت إلى حية، ومرة إلى جان، ومرة إلى ثعبان، الحية اسم شامل، الجان‫: الثعبان الصغير، سريع الحركة، الثعبان عظيم الحجم، وكأن العصا حين ألقاها موسى تحولت أولا إلى نفس حجم العصا، فكأنها جان سريعة خفيفة في حركتها، ثم تضخمت فأصبحت ثعبانا عظيما، يبتلع الحجر، والشجر، من هنا ولى موسى مدبرا، ولم يعقب، السعي‫: المشي بسرعة، وبخفة، ومنه السعي بين الصفا والمروة‫.
قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلْأُولَىٰ ﴿21﴾
لم يأت ذكر لتولية موسى، وهروبه، وجاء في مواضع أخرى، وكما قلنا القصص في القرآن يتكرر بصيغ متعددة، بتلوين الخطاب، إعجازا للفصحاء الذين تحداهم ربنا (تبارك وتعالى) وإضافات متعددة في كل مرة تتكرر فيها القصة، لكن الآية تشعر بأن الخوف قد حدث من قوله (عز وجل) (خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ ) إذا فقد خاف، والخوف غريزة بشرية، لا يسلم منها أحد حتى الأنبياء، والمقربين، ولا يقدح خوف الإنسان في توكله، وثقته بالله، فالكل يخاف (سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلْأُولَىٰ) أي سنعيدها إلى سيرتها الأولى، وإذا نزع حرف الجر نصبت الكلمة بعدها أو (سَنُعِيدُهَا) بمعنى سنسيّرها سيرتها الأولى، والسيرة من السيْر، والسيرة يطلق على الهيئة، والحالة التي يكون عليها، والشيء (سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلْأُولَىٰ) سنسيّرها سيرتها الأولى، أي إلى حالتها الأولى التي كانت عليها، وهي عصا تتوكأ عليها، وتهش بها على غنمك، إلى آخر ما قلت‫:
وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخْرَىٰ ﴿22﴾ لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا ٱلْكُبْرَى ﴿23﴾
‫(وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ) الجناح‫: الجانب، وتطلق على العضد، وأصل كلمة الجناح يطلق على جناح الطير، وسمي جناحا؛ لأنه يجنح به يمنة أو يسرة، فيطلق الجناح على الجنب هنا قال (وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ) وفي مواضع أخرى (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ) [سورة النمل آية‫: ١٢] إذا فقد أدخل يده من جيب القميص، أو الجلباب أي الفتحة، ووضعها تحت إبطه الأيسر، فكأنها ضمها إلى جناحه (تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ) بيضاء، مشرقة، منيرة كضوء الشمس، أو كضوء القمر، (مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ): من غير عيب، من غير آفة، والسوء يطلق على القبح، وعلى الآفة (مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ): إذاً فهي مضيئة نيّرة، بغير آفة، بغير مرض، بغير قبح، بل بمنظر مشرق بهي (ءَايَةً أُخْرَىٰ) فالآية الأولى العصا، والآية الأخرى اليد البيضاء (لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا ٱلْكُبْرَى ﴿٢۳﴾) أي فعلنا ما فعلنا من شأن العصا، ومن شأن اليد لنريك من آياتنا الكبرى‫: العظيمة، الكبيرة، أو الكلام عن المستقبل، أي سوف نريك أيضا آيات أخرى مثل الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع وما إلى ذلك، وما حدث بعد ذلك من الآيات التسع التي جاء ذكرها في مواضع أخرى من القرآن‫.
ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ﴿24﴾
في أول الكلام أصبح موسى نبيا، وفي وسط الكلام أصبح موسى رسولا، بذلك الأمر اذهب إلى فرعون إنه طغى، تجاوز الحد في كفره، واستكباره، وادّعى الألوهية، فكلف موسى بالرسالة، ومن هنا عظم الموقف على موسى، وتوقع المشقة، وتوقع طغيان فرعون، فهو يعلم فرعون، ويعلم طغيانه، واستكباره وما إلى ذلك، من هنا ألهم السؤال، والطلب، فطلب أمورا محددة إن كان ذاك يدل على شيء، فإنما يدل على الدلال، على الإحساس بالقرب من الله، على الإحساس بالاصطناع، وكيف أن الله اصطفاه، واصطنعه، هذا الطلب الذي يشعر بمدى وثوق موسى بإجابة طلبه‫.
قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى ﴿25﴾ وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى ﴿26﴾ وَٱحْلُلْ عُقْدَةًۭ مِّن لِّسَانِى ﴿27﴾ يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى ﴿28﴾ وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًۭا مِّنْ أَهْلِى ﴿29﴾ هَـٰرُونَ أَخِى ﴿30﴾ ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى ﴿31﴾ وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى ﴿32﴾ كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًۭا ﴿33﴾ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴿34﴾ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًۭا ﴿35﴾
ذاك كان الطلب، ولنتأمل في هذا الطلبات (ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى) الغرابة في التعبير أنه قال (لِى) وكان من الممكن اشرح صدري، ويسر أمري فلم قال (لِى) وكأنه أبهم المشروح، والميسَّر، ما الذي نشرحه لك؟ صدري، ما الذي نيسره لك؟ أمري، وكأنه أبهم المطلوب، ثم ذكره بعد ذلك تأكيدا، ومبالغة في الطلب، اشرح لي صدري، وسِعه، وفسح قلبي، لتحمل أداء الرسالة ويحمل ما يوحي إلى، وتأمل في ظلمة الليل، وفي وحشة الليل، يبحث عن نار يسافر وحيدا بامرأته، ضل طريقه، ظلام دامس، يرى نارا فيذهب إليها متوقعا أن يجد عندها أناسا يسألهم، وإذا به ينادى بذاك النداء، كيف يكون هذا الموقف؟ وكيف يكون وقع هذا الموقف على موسى؟ لولا أن الله اختاره، واصطفاه، واصطنعه لذلك ما تحمل موسى كل ذلك (وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى) ذاك الذي كلفتني به من إبلاغ الرسالة إلى فرعون، يسر لي، وسهل لي ذاك الأمر الذي كلفت به، برفع الموانع، وخلق الأسباب التي تؤدي إلى المطلوب (وَٱحْلُلْ عُقْدَةًۭ مِّن لِّسَانِى) (يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى) يفقه‫:‬ يفهم، فقِه‫:‬ فهم، فقُه‫:‬ تعلم الفقه، (يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى) يفهموا كلامي، ما هي هذه العقدة؟ تقرأ في التراجم، وفي كتب الأولين من كلام المفسرين أن موسى حين كان صغيرا في بيت فرعون، وضعه فرعون على حجره يوما فجذب لحيته، فاغتاظ فرعون وهم به ليعاقبه، فقالت له امرأته‫:‬ إنه صبي صغير لا يدري، ولا يميز، والدليل على‫:‬ ذلك إيت بجمر ولؤلؤ، وانظر أيها يختار، فجيء بصحن فيه جمر مشتعل، وصحن آخر فيه اللآلئ فمد موسى يده إلى الجمر، فأخذ جمرة ووضعها في فيه، فاحرق لسانه، وأصبح في كلامه لكنة، أو رتة، أو عقدة، ولم يذكر العلماء هل العقدة كانت في ترتيب الكلام، بمعنى أنه إذا أراد أن ينطق بالكلمة تلجلج، أم أنه كان ينطق الراء مثلا لام، أم السين ثاء مثلا، كما ترى في بعض الناس، الأغرب من ذلك أنهم اختلفوا هل زالت العقدة من لسانه؟ أم لم تزل في لسانه؟ قالوا‫:‬ ما زالت بدليل قول الله (عز وجل) (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَـٰمُوسَىٰ) ومن ضمن السؤل (وَٱحْلُلْ عُقْدَةًۭ مِّن لِّسَانِى) وقال آخرون‫:‬ أبدا لازالت العقدة في لسانه بدليل قول فرعون، كما حكى عنه القرآن (أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌۭ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٥٢]، فاختلفوا زالت، أم بقيت، ونعتقد والله أعلم أن موسى كان بريئا من كل عيب، فما اختار الله (تبارك وتعالى) نبينا فيه عيب في خَلقه، أو في خُلقه أبداً، فما هي تلك العقدة، وما الدليل على أنها لم تكن كما قيل؟ موسى لم يكن يتكلم بلغة قبط مصر، لغة فرعون، كان يتكلم بلغة بني إسرائيل العبرية، ربي في مصر، في قصر فرعون، وتعلم اللغة، وحين حدث منه القتل الخطأ، وهرب إلى مدين، لبث في مدين عشر سنوات على أقل الأقوال، وهو الأجل، والبعض قال‫:‬ لبث ثماني عشر سنة، نقول‫:‬ عشر سنوات لا يتكلم بلغة فرعون، بلغة أهل مصر، تلك اللغة الغريبة عن لغته الأصلية، هل يظل بارعا فيها، فصيحا في كلامه، أم يذهب منه بعض الكلمات؟ لابد وأن تضعف لغته، هارون لم يخرج من مصر، وبقي في مصر، وكان أسن من موسى بسنة، أو ثلاث سنين، وبقي في مصر يتكلم لغة أهل مصر، من هنا كان طلب موسى أن يأخذ هارون معه (ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى ﴿۳١﴾ وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى ﴿۳٢﴾) وفي موضع آخر يقول موسى كما حكى عنه القرآن (وَأَخِى هَـٰرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًۭا) [سورة القصص آية‫:‬ ٣٤]، ولم يقل أسلم مني لسانا، فالعيب ضد السلامة، والعي ضده الفصاحة، الفصيح المتكلم اللبق، الذي لا يتوقف، أو يبحث عن الألفاظ، الفصيح المتعلم للغة، إذاً لو كان العيب في النطق في اللفظ لقال هارون أسلم مني، أصح مني لسانا، ولم يكن يقل أفصح‫.‬‬
‫الأمر الثاني‫:‬ ماذا تتوقع من نبي يبلغ الرسالة حين يقول (ربكم) وفي لسانه عيب، فيقول لبكم، ويحفظ منه الناس، لَبُنا بدلا من ربنا، كيف يميز الناس أن اللام بدلا من الراء؟ كيف والوحي جديد؟ هل سمع أحد القرآن قبل أن ينزل؟ هل عرف أحد القرآن قبل أن يوحى به إلى النبي؟ إذا كان الناطق بالقرآن يخطي في السين مثلا، السموات فيقول الثموات لقلنا جمعيا كذلك، ولم نعرف أن اسمها السماء، هل يمكن أن ينطق نبي من الأنبياء بوحي الله (عز وجل) وفيه خطأ في الحروف، وما دعاني إلى ذلك قول الله، عز وجل، (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا۟ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا۟ ۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهًۭا ﴿٦۹﴾ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا ﴿۷۰﴾) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٦٩ - ٧٠]، إذاً فالعقدة هنا ليست عيبا في لسانه، وإنما العقدة عدم معرفة اللغة المعروفة الكاملة التامة، خصوصا أن التبليغ لا يصح، ولا يصلح إلا من البليغ، ونبينا أفصح من تكلم العربية رغم أنه أمي، فصيح اللسان، بريء من كل عي، سليم الفؤاد، شجاع أبيّ، كان سيد الخلق أفصح من تكلم العربية رغم أميته، لم يقرض شعرا، ولم يحفظ شعرا، ولم يكتب، ولم يقرأ، ومع ذلك أفصح من تكلم بالعربية؛ لأن القرآن عربي، ولابد أن يبلغ كما نزل، ونسأل الله (تبارك وتعالى) أن نكون ممن برّأ موسى عما لا يجب (وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًۭا مِّنْ أَهْلِى) الوزير لفظ غريب، يحمل ثلاث معان، كلها تدل على المسئولية المطلقة، الفظيعة، والعظيمة، الوزير من الموازرة، والموازرة‫:‬ المعاونة؛ لأن الوزير يعاون الحاكم، والسلطان في أمره، والوزير من الوِزْر، وهو الحمْل الثقيل؛ لأن الوزير يحمل أوزار وزارته، يحمل أثقالا، ومهاما صعبة، فهو كحامل الوزْر، العبء الثقيل، والوزير أيضا من الوَزَرْ، والوَزَرْ: الملجأ، (كَلَّا لَا وَزَرَ ﴿١١﴾) [سورة القيامة آية‫:‬ ١١]، لا ملجأ؛ لأن السلطان يلجأ إلى الوزير (هَـٰرُونَ أَخِى) ألم يكن ربنا يعلم تبارك وتعالى أن هارون هو أخ لموسى، وما نفع أخ أخاه كما نفع موسى أخاه، جعله وزيرا له وجعله نبيا معه ورسولا، والحوار غريب فيه الكثير من التساؤلات، والتأملات التي لك أن تتأمل فيها كما شئت، هذه الطلبات المتتالية أيضا (وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًۭا مِّنْ أَهْلِى) شرط أن يكون من أهله (هَـٰرُونَ أَخِى) وهو أخوه، والله يعلم أنه أخوه (ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى ﴿۳١﴾ وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى ﴿۳٢﴾ كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًۭا ﴿۳۳﴾ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴿۳٤﴾ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًۭا ﴿۳٥﴾) الأزر‫:‬ الظهر، وأصل الكلمة من الإزار، أشدد به أزري أي قوِّي به ظهري، وأعني به على تحمل الرسالة (وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى) واجعله يا رب شريكا لي في تحمل أعباء الرسالة، وقرأت أَشدُد، أنا أشدد به أزري، وأشركه في أمري (كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًۭا) هل ذاك شرط لذاك؟ إذا لم يجبه ربه لذلك هل كان يفتر عن ذكره، أو عن تسبيحه، فكيف يقول كي نسبحك كثيرا، ونذكرك كثيرا، أسئلة، والقرآن معجز، وحمّال وجوه، ويدعو للتأمل، قد يفهم أن الإنسان بمفرده يملّ، وأن العبادة والاتجاه إلى الله يحتاج إلى الأخوة في الله، من هنا آخى النبي بين أصحابه بمكة قبل الهجرة، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار في المدينة بعد الهجرة، اثنان تحابا الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه تحت ظل عرش يوم لا ظل إلا ظله، وزيارة الأخ في الله تغفر الذنوب وتحط الخطايا فما من أحد خرج لزيارة أخ له في الله إلا وأرصد الله له ملكا وبارك الله في خطواته، هارون أخوه في النسب، فأراد الأخوة في الله، والتعاون على البر، والتقوى، مثلا من يريد أن يحفظ القرآن لابد له من شريك يعاونه، وأخاك الحق الصادق، والمخلص لابد أن تختر لنفسك من الصلحاء خليل، وانظر من تخالل، فالمرء على دين خليله، وأخاك الحق في الله من إذا نسيت ذكرك، وإذا ذكرت أعانك‫.‬‬
‫من هنا نفهم (كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًۭا) لأنه إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، فتحدث الكثرة في الذكّر (وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴿۳٤﴾ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًۭا ﴿۳٥﴾) إنك كنت بصيرا، عالما بأحوالنا، عالما بأن ذاك يصلح من شأننا، عالما بأن هارون نعم المعين، أو الكلام استدرار للنعمة بذكر ما سبق من إنعام، كما جاءت قبل ذلك في قول الله (تبارك وتعالى) حكاية عن دعاء زكريا (وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّۭا (٤)) [سورة مريم آية‫:‬ ٤]، أي عودتني الإجابة فيما مضى، فكأنه يطلب الإجابة فيما يطلب، يستدر ذاك بذكر الإنعام، كأنك أنعمت، وأنعمت، وأنعمت فلا شك أنك سوف تنعم، وتستمر في الإنعام، استدرار الفضل بذكر النعمة السابقة؛ لأنك إن طلبت من الله (تبارك وتعالى) طلبا فذكرت سابق إنعامه عليك، كان ذاك أقرب للإجابة؛ لأنك بهذا تقول‫:‬ إنك شاكر للنعمة مقدِر لها، عالم بفضل المحسن المنعم، جل وعلا، (إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًۭا) في الماضي، فنجيتنا من الذبح، وكان فرعون يذبح أبناء بني إسرائيل عاما، ويطلقهم عاما، من هنا نجا هارون، ولم ينج موسى إلا بإلقائه في التابوت؛ لأن السؤال كيف نجا موسى بإلقائه في التابوت ذاك معلوم، أما هارون فولد في العام الذي لا يذبح فرعون فيه أبناء بني إسرائيل، وإنك كنت بنا بصيرا، أنعمت علينا فيما مضى، ونجيتني، ومننت عليّ بالرسالة، وفعلت، وفعلت، فامنن عليّ بما أطلب، وهنا جاءت الإجابة سريعة، ومباشرة، واضحة صريحة.
قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَـٰمُوسَىٰ ﴿36﴾
سُؤلك، مسئولك سُؤل، فعل بمعنى مفعول، مثل خبز بمعنى مخبوز، وأكل بمعنى مأكول، أوتيت سؤلك بمعنى أوتيت مسئولك يا موسى، أجابه الله (تبارك وتعالى) لما طلب بالكامل، بما فيه أنه صار بليغا في لغة أهل مصر، وصار عالما بالحجة، وبما يجب أن يقول‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، بعد ما إجابة الله (تبارك وتعالى) لسؤله، عدّد عليه النعم، ويا لها من نعم، فسبحان المنعم، ثمان نعم:
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰٓ ﴿37﴾ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ﴿38﴾ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّۭ لِّى وَعَدُوٌّۭ لَّهُۥ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةًۭ مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ ﴿39﴾ إِذْ تَمْشِىٓ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُۥ ۖ فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ وَقَتَلْتَ نَفْسًۭا فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّـٰكَ فُتُونًۭا ۚ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍۢ يَـٰمُوسَىٰ ﴿40﴾ وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى ﴿41﴾
المنّ: سبق الإحسان، كان الوحي إلى أم موسى، كالوحي إلى مريم بالمنام ممكن، بالملائكة كما نزلت الملائكة لمريم (ِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٤٢)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٤٢]، لكن ليس وحيا كوحي الأنبياء، فلم يتخذ ربنا (تبارك وتعالى) من النساء أنبياء، لقوله (عز وجل) (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم) [سورة يوسف آية‫:‬ ١٠٩]، إذاً فالوحي إلى أم موسى كان كالوحي إلى امرأة عمران، وكان كالوحي إلى مريم وهكذا (إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ) ما لا يعرف إلا بالوحي، أو ما ينبغي أن يوحي لعظم شأنه، وفرط الاهتمام به، وكأن المنة هنا أن النجاة التي حدثت لموسى من الذبح حدثت بأمر عظيم، ألا وهو الوحي للدلالة على مدى الاهتمام، وعناية ربنا لموسى منذ ولد (أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّۭ لِّى وَعَدُوٌّۭ لَّهُۥ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةًۭ مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ) صندوق من خشب، القذف يطلق على الوضع، والإلقاء (أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ) ضعيه في صندوق خشبي (فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ) النهر، نهر النيل، والبحر يطلق على الملح وعلى العذب، واليم يطلق على الملح والعذب (فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ) وهنا خرج الجواب مخرج الأمر، القياس في لغة علماء النحو أن اقذفيه في التابوت، فاقذفيه في اليم، يلقيه اليم، لكنه قال (فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ) فعل أمر كأن اليم ذو تمييز يعقل، فيؤمر فيطيع، هل كان كذلك، واليم يعقل؟ مسألة تكلمنا فيها من قبل، وهي الجمادات في الكون، والتسبيح للجمادات، هل بلسان المقال، أم بلسان الحال؟ وطاعة السموات والأرض (أَتَيْنَا طَآئِعِينَ (١١)) [سورة فصلت آية‫:‬ ١١] بالكلام ولا نفهم أم بالحال؟ مسألة تحتاج إلى الكثير من الكلام، لكن العلماء، علماء اللغة، قالوا‫:‬ أخرج جواب القول الذي هو (فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ) جواب أخرجه مخرج الأمر للدلالة على أن الأمر واجب الحدوث، لابد وأن يحدث، لابد وأن يقذف على الساحل، وعلى الشاطئ حتى يلتقطه فرعون، قيل ذاك كلغة لكن كحِسّ قرآني قد يشعر بأن النهر مأمور، له إدراك، وله تمييز، ويؤمر فيطيع، كما أمرت السماء والأرض بقوله (ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ (١١)) [سورة فصلت آية‫:‬ ١١]، وكما عرضت الأمانة على الجبال، والسموات، والأرض، (فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٧٢]، وأبى‫:‬ امتنع مع القدرة، وأشفقن منها، والإشفاق شعور، (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًۭا (٤٤)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٤]، (فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّۭ لِّى وَعَدُوٌّۭ لَّهُۥ ۚ ) جاءت على النسق، ولم يقل (فليأخذه) كما قال‫:‬ فليلقه، غريب تكرير لفظ (عدو) والتقدير في الكلام يأخذه عدو لي وله، إما التكرار على حسب الواقع، والمتوقع (يَأْخُذْهُ عَدُوٌّۭ لِّى) وذاك أمر واقع؛ لأنه ادعى الألوهية (وَعَدُوٌّۭ لَّهُۥ) في المستقبل، وليس في الحال؛ لأن فرعون لم يكن عدوا لموسى في الحال، بل أخذه ورباه، وقال بعد ذلك (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًۭا) [سورة الشعراء آية‫:‬ ١٨]، كما حكى عنه القرآن، إذا فتكرار كلمة عدو باعتبار الواقع، والمتوقع (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةًۭ مِّنِّى) الكلام والتعبيرات الواردة في ذكر المنن من الكلمات التي يصعب الوصول إلى معناها الحقيقي، ونحن نتكلم في معنى اللفظ من حيث هو لفظ، أما المعنى الحقيقي والمراد فعلمه عند الله، فمن حيث اللفظ (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةًۭ مِّنِّى) أي وضعت فيك سراً بحيث لا يراك أحد إلا ويحبك، فما من أحد يراك إلا ويتعلق بك، أو أحببتك حبا، ومن أحببته أحبته القلوب، المعاني على حقيقتها فوق التخيل، لكنا نتكلم من حيث اللفظ (وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ) وقرأت (ولْتُصنع) على صيغة الأمر، (ولِتَصْنَع) أي ولتفعل ما تفعل، وتبلغ الرسالة وتؤدي الواجب، وأنا أراك، وأراقبك، وأراعيك (وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ) إما من الصنيعة، وإما من الصنعة، أي صنعتك، وخلقتك برعايتي، وعنايتي، أرعاك، وأكلؤك، وأعتني بك عناية الشخص بالشيء المهم، الذي لا يغفل بنظره عنه، فأنت إذا راعيت شيئا رعاية شديدة، لا تلتفت عنه، بل تضع نظرك عليه، وتراقبه، وتراعيه، ولا يبعد نظرك عن ذاك الشيء، فكأن الله يقول له‫:‬ اصطنعتك أي صنعتك، وخلقتك على عيني، بمعنى أراقبك، وأهتم بك، وأرعاك بمنتهى اللطف، بمنتهى الشدة، كمن يراعي الشيء بعينه، أو من الصنيعة، والصنيعة‫:‬ إسداء الخير، فإذا قدمت الخير إلى شخص دون مقابل، دون سبق إحسان منه إليك إذاً فقد أحدثت عنده صنيعا، معروفا، ووضعت ذاك المعروف في محله، (وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى) أي اصطنعت لك الخير، وأسديت إليك الخير، بعنايتي وبرعايتي (إِذْ تَمْشِىٓ أُخْتُكَ) (إِذْ) ظرف زمان للماضي، وحكاية عما حدث، وتكرار لذكر النعم، أو تعداد لنعم أخرى (فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُۥ ۖ ) جاء في مواضع أخرى من القرآن في سورة القصص مثلا، أن فرعون حين التقطه، ربنا حرّم على موسى المراضع، ابتغوا له المراضع، فيرفض التقام ثدي امرأة، ثم يرفض التقام ثدي الأخرى إلى أن جاءت أخته حيث أمرتها أمها أن تترقب الصندوق أين يقع؟ وكيف يقع؟ وأين يذهب؟ وقال لأختيه‫:‬ قصيه، وذهبت الأخت إليهم تعرض عليهم مرضعة ترضعه، هنا تأتي القصة باختصار (إِذْ تَمْشِىٓ أُخْتُكَ فَتَقُولُ) لفرعون (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُۥ ۖ ) كَفَله وكَفّلَه‫:‬ رعاه وضمه إليه (فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ) وهنا قال المفسرون‫:‬ حين ذهبت والتقم ثديها، وفرحت آسيا امرأة فرعون، قالت‫:‬ امكثي معي، قالت عندي أولاد، آخذه معي، ثم آتيك به بين حين وآخر، يعلم الله لكن (فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ) ممكن أن تكون الأم قد بقيت، ومكثت في قصر فرعون، وذاك قد يكون أقرب وأشبه (كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا) (كي تِقَّر) قراءة، وتكلمنا عن قرار العين، أهو من القُرّ: البرد أو من الاستقرار؛ لأنك إذا أحببت شيئا وأعجبك استقرت عينك عليه، أو من القر حيث دمعة الفرح باردة، ودمعة الحزن ساخنة (وَلَا تَحْزَنَ ۚ ) لا تحزن هي بفراقك، ولا تحزن أنت لفراقها، إما الكلام عنها، وإما الكلام عنه (وَقَتَلْتَ نَفْسًۭا فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّـٰكَ فُتُونًۭا ۚ ) كلنا يذكر القصة، حين كان موسى في مصر قبل خروجه، ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها، وجد رجلا من قومه يتشاجر مع رجل من قوم فرعون، فأراد موسى أن ينصر الضعيف فدفع الرجل من قوم فرعون بيده، فوقع ميتا، قتل خطأ، وربنا يقول له (وَقَتَلْتَ نَفْسًۭا) يذكّره بمقتل القبطي، أو المصري (فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ) الغمّ نتيجة الخوف من فرعون، نتيجة الخوف من المعصية، الخوف من إزهاق النفس بغير نفس، أو فساد في الأرض إلى آخره (وَفَتَنَّـٰكَ فُتُونًۭا ۚ ) الفتنة الابتلاء، أصل الكلمة الفتنة من إدخال المعدن في النار ليخلصه من الشوائب، فتْن الذهب أن نأخذ الذهب الخام المختلط بغيره من المعادن، نضعه في النار، فيذوب الغث، تذوب المعادن، ويبقى الذهب خالصا نقيا (وَفَتَنَّـٰكَ فُتُونًۭا ۚ ) أي ابتلينا ابتلاء، أو ابتليناك بأنواع البلاء المختلف، أي خلصناك من كل ما تعرضت له من أذى، أو ابتليناك بأنواع البلاء المختلف قبل الرسالة، لنؤهلك لها، ولنمهدك لها (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍۢ يَـٰمُوسَىٰ) العشر سنين حين كان أجيرا لدى شعيب (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍۢ يَـٰمُوسَىٰ) أي جئت على موعد لا يتقدم ولا يتأخر، قدرته لك لتكليمك، واستنبائك أو (جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍۢ ) على سن لا يوحي إلى الأنبياء إلا فيه، وهو سن الأربعين (وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى) أيضا هذه الكلمة من الكلمات الراقية، العالية، التي لا يمكن الإنسان أن يتخيل معناها (وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى) لرسالتي لمحل كرامتي، لرضواني، اصطنعتك‫:‬ خلقتك، اصطفيتك، قدمت لك الخير، وأسديت إليك المعروف، وتلك النعم، والمنن‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، انظر حولك حين أراد ربنا (تبارك وتعالى) أن يضئ للناس طريقهم في الليل جعل النجوم، والكواكب، وجعل لها مواقع فوق تقدير الخيال، ليس فوق تقدير العلم فقط، أعداد ملايين لا تُعد، هذه النجوم المشرقة بتلك الأعداد الغريبة، والأحجام العجيبة كل ذلك من أجل الإنسان؛ ليعرف طريقه في ظلام الليل كيف؟ ولم؟ لأنه الكريم، ولأنه الغني لا ينضب ما عنده، انظر إلى النبات هل يمكن أن يفرغ النبات؟ منذ الخليقة، النخلة الواحدة كم بلحة فيها؟ كل بلحة فيها نواة، والنواة فيها نخلة، وليس مرة واحدة، بل في كل عام (تُؤْتِىٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍۭ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٢٥] نخلة نأتي بكم نخلة، سمكة تأتي بكم سمكة، وكل سمكة تأتي بكم سمكة، دجاجة تأتي بكم بيضة، تأتي بدجاجة، وكل دجاجة تأتي بكم بيضة، آدم وانظر إلى الناس بلايين الأعداد، ما عند الله لا ينقص، ما عند الله يزيد (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍۢ ۗ) [سورة النحل آية‫:‬ ٩٦] وانظر إلى الفاني حينما تتكلم، تتكلم عن الفناء، فما من صباح إلا والملك ينادي‫:‬ لدوا للموت، وابنوا للخراب، هذه الأرض، (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةًۭ لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا (٧)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٧]، بعد ذلك (وَإِنَّا لَجَـٰعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًۭا جُرُزًا (٨)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٨]، نحن نتكلم عن الفاني، إذا كان هذا الفاني أمام أعيننا لا ينفذ إلا بأن يأتي الله بالساعة، هذا العطاء هل اختص به المسلم، أم أن الكل ممدود، ورزقه لمن أطاع، ولمن عصى (كُلًّۭا نُّمِدُّ هَـٰٓؤُلَآءِ وَهَـٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٢٠]، إذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون العطاء للمحبوب، وإذا كان هذا عطاء الفناء، فكيف يكون عطاء البقاء؟ فكيف يكون البقاء، فقد تلقي موسى من ربه جرعة من الحنان لا يمكن أن توصف، وبالتأمل فيها لا يمكن أن تحتمل إلا أن يربط الله على قلبه، ويثبت جنانه، وتأمل في ظلام الليل، وسكونه، في نور الشجرة الخضراء، في الصوت الذي ليس كمثله صوت، يسمع أنا اخترتك، ولتصنع على عيني، ألقيت عليك محبة مني، أي حنان هذا!! أي جرعة من العناية، والرعاية، والكفاية، والحماية!! كيف تحمل موسى هذا الكلام! هذا الحب الدافق، هذا الحنان الذي لا مثيل له في هذا الوجود، تُرى هل ثبته الله؟ لو رأي المؤمن رؤيا جميلة، أو مبشرة لأصبح وكأنه يطير في الهواء، فكيف به وقد سمع من ليس كمثله شيء يخاطبه بهذا الحنان، ويبث هذا الحب الذي لا قبل لعقل باستيعابه، ها هو يؤهله لمواجهة الجبار، أجاب سؤله، وشد أزره، ورزقه الفصاحة، والبيان في مخاطبته لفرعون، كما قص علينا القرآن، واسمع الأمر الإلهي‫.
ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَـٰتِى وَلَا تَنِيَا فِى ذِكْرِى ﴿42﴾ ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ﴿43﴾ فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًۭا لَّيِّنًۭا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴿44﴾
‫(وَلَا تَنِيَا) : لا تضعفا، ولا تفترا، وَنَىِ يَني، وِناً ونياً: ضَعُف، وفتر (وَلَا تَنِيَا فِى ذِكْرِى) أي في تبليغ رسالتي لفرعون (فِى ذِكْرِى) في تسبيحي، وتحميدي، كما وعدت وقلت (كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًۭا ﴿۳۳﴾ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴿۳٤﴾) (وَلَا تَنِيَا) في ذكري، في تمجيدي، وذكري أمام فرعون ووصفي بما يليق بجلالي، وعزتي، وعظمتي، والخطاب لموسى (ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَـٰتِى) العصا واليد، ثم كرر (ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ) أهو تكرير؟ خاطب موسى أولا تشريفا له، فهو الأصل، وأخوه فرع، ثم كرر للتأكيد، أو بيّن بهذا أنه لا يكفي ذهاب أحدهما، بل لابد وأن يذهبا سويا، أو الأمر الأول‫:‬ اذهب لجميع الناس، والأمر الثاني‫:‬ اذهبا إلى فرعون على الخصوص، فكأنه أرسل للكافة في عصره، لبني إسرائيل، ولقوم فرعون، ثم جاء الأمر الثاني اذهبا إلى فرعون على وجه الخصوص (إِنَّهُۥ طَغَىٰ) جاوز الحد في طغيانه، في ادعائه للألوهية، في استكباره (فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًۭا لَّيِّنًۭا) الليّن من القول الذي لا خشونة فيه؛ لان يلين ليَْناً فهو لَيْن، والجمع أليناه، ما هو القول الليّن؟ قيل‫:‬ إن القول الليّن لعلك تخشى، أو يا فرعون لقب الملك، لم يكن اسما أي يا أيها الملك، هل ندلك على آية، تتذكر بها أو تخشى، ذاك من بعض أمثلة القول الليّن، والغريب في الآية ثلاثة نقاط‫:‬ (لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) وكلمة (لعل) (عسى) في القرآن لما قد وقع؛ لأن القائل هو الله، والله لا يطمع عبده ثم يخيبّ رجاءه (لعل) (عسى) في كلام البشر تفيد التوقع، الطمع، الترجي، لعل أفعل قد، وقد، عسى أن آتيك غدا قد، وقد، أما الله (تبارك وتعالى) إذا قال عسى تحقق (عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًۭا مَّحْمُودًۭا (٧٩)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٧٩]، أيضا كلمة يتذكر، أو يخشى، كيف وربنا (تبارك وتعالى) يعلم أنه لن يؤمن؟ (فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًۭا لَّيِّنًۭا) ذاك يفيد أن الدعوة إلى الله لابد وأن تكون باللين، لا بالخشونة، لا بالتغليظ، لا بالعنف، رغم أن الداعي هنا موسى، وموسى لديه القوة القاهرة بالآيات، أيضا ضمنت له العصمة، وقال لا تخاف، ولا تخشى، وقال‫:‬ معكما أسمع وأرى، فضمنت له العصمة، ولديه القوة بتأييد الله، ومع ذلك واجه الجبار الطاغي المستكبر، فيؤمر بالقول الليّن، ملفتة للنظر، رفقٌ، لطفٌ، هذا رفق الله بمن يقول‫:‬ أنا الإله، فكيف برفقه بمن يقول‫:‬ يا ربي أنت الإله، فرعون ادعى الألوهية، وقال‫:‬ أنا ربكم الأعلى، ها هو ربنا يقول لموسى (فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًۭا لَّيِّنًۭا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) رفق بمن يقول‫:‬ أنا الإله، فكيف بالعبيد الذين أقروا لله بالربوبية، والألوهية، وقالوا‫:‬ يا رب أنت الإله، أمل، ولفتة، أما كلمة لعل تعني الاستفهام، والسؤال أي هل يتذكر أو يخشى قد، وقد يكون الخطاب على جهة البشر، الترجي، والطمع على جهة البشر، أي اذهبا إلى فرعون، أي اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً لينا، لعله في رجائكما، وطمعكما أنتما، وليس هي من حيث قرار، إنما هو على جهة البشر، كأن القائل هنا، والمترجي، والطامع موسى، أي اذهبا، وادعواه على رجاء إيمانه، لا تذهبا وأنتم آيسون من إيمانه، فأنت إن ذهبت إلى أمر ما، وأنت يائس من نفاذه، أو تمامه، قد لا تجتهد فيه، أما إذا ذهبت وأنت ترجو وتطمع أن يتحقق لك النجاح كان إتيانك في العمل بجهد‫.‬‬
‫من هنا قال‫:‬ لعله في نظركما، في رجائكما، وطمعكما، ذاك قول، وهناك قول ثالث، قال‫:‬ لعل وعسى في القرآن كله لما قد وقع، هنا هل وقع؟ هل تذكر فرعون؟ هل خشي فرعون؟ نعم، لكن حين لا ينفع، حين أدركه الغرق، وقال‫:‬ (ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (٩٠)) [سورة يونس آية‫:‬ ٩٠]، إذاً فقد تذكر، وخشي الغرق، لكن حيث لا ينفع، أقوال في كلمة (لعل)، لِم أرسل الله له؟ وبهذا الرفق، والأمر بالقول اللين مع علمه الأزلي، بأنه لن يؤمن؟ لقطع معذرته، ولإلزامه الحجة؛ إذ لو لم يرسل إليه لقال (لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًۭا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٤٧)) [سورة القصص آية‫:‬ ٤٧]، ها وقد أُرسل إليه الرسل إذا فلا معذرة ولا حجة له (لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) أهو تكرير، أم أن المعنى مختلف؟ قيل‫:‬ التذكر للمتحقق، والخشية للمتوهم بمعنى لعله إذا بلغته الدعوة أن يتذكر، فيؤمن، أو يتشكك فيخاف، فيدع الإيذاء لبني إسرائيل، ويترككما في حالكما، ويرسل معكما بني إسرائيل، فلعله يتذكر بمعنى الملحد، أو الكافر إذا نبهته وسُقت إليه الأدلة، قد يؤمن وقد يتشكك فإن آمن فقد تذكّر، وإن تشكك خفف من غلوائه، وقلل من طغيانه (لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) وهنا غلبت البشرية عليهما‫.‬‬‬‬
قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ﴿45﴾
أمرهما ربهما (تبارك وتعالى) (وَلَا تَنِيَا فِى ذِكْرِى) (ولا تِنِيَا) بكسر التاء قراءة، هنا كأن ذكْر الله يعطيهما القوة، حتى أن الله أمر المجاهدين في سبيله بذكر الله (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةًۭ فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)) [سورة الأنفال آية‫: ٤٥]، إذاً ذكر الله حين مقابلة الأعداء يعطي الإنسان القوة، والثبات هنا قالا‫: (قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ) رغم الذكر، إذا تغلبت عليهما الطبيعة البشرية، والخوف غريزة لا ينجو ولا يسلم منها أحد (نَخَافُ أَن يَفْرُطَ) وقرأت (يُفْرَط- يُفْرِط) والمعاني فَرَط:بَدَرَ، فرط منه أمر، فرط منه الكلام، خرج بغير تفكر، فرّط‫: ترك، وأهمل، أفرط‫: أسرف وتجاوز (نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ) يبدر منه العقاب السريع قبل أن يستمع للدعوى، أو يستوعب الكلام، أو يرى المعجزة، بمجرد أن يرانا ونبدأ في الكلام يطير الرقاب، أو يعاقب بسرعة، يُفرط‫: يُحمله خوفه على ملكه، أو تحمله الحاشية كما جاء بعد ذلك في موضع آخر (أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ۚ ) [سورة الأعراف آية‫: ١٢٧]، (يُفرِط) يتجاوز الحد في الإيذاء لنا (أَوْ أَن يَطْغَىٰ) هذا الطغيان هنا ما هو المقصود به؟ قيل‫: المقصود بهذا (أَوْ أَن يَطْغَىٰ) أي يصفك يا رب بما لا يليق بجلالك، وعظيم سلطانك، يطغي في الكلام عن الله، وهم قد لا يحتملون ذلك، فالمحب لا يقوى على سماع ما يشين، أو يؤذى، أو لا يليق بحبيبه، من هنا (قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ)، يتجاوز الحد في وصفك بما لا يليق، رد عليهما (تبارك وتعالى) بالأمان كله، وبالاطمئنان كله، فقال‫:
قَالَ لَا تَخَافَآ ۖ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴿46﴾
يا لها من آية، فإذا كان يسمع، ويرى، فهو القادر على إيجاد الأسباب المناسبة لكل حالة، رفع العوائق، أو الموانع، أو كف الأذى، السمع، والرؤية معناها الإحاطة بكل شيء، فهو معهما يسمع ما يقولان، وما يرد به فرعون، ويرى ما يفعل، وهو القادر على الحماية، والعناية والرعاية‫.
فَأْتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ ﴿47﴾ إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴿48﴾
تلك كانت الرسالة، أو موجز الرسالة، وملخص الرسالة (فَأْتِيَاهُ) والكلام فيه اختصار، فأتياه فقولا، فأتيا فقالا فحدث الحوار (إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ) وانتبه تلك أول كلمة تلفت النظر وتنبه ذلك المستكبر الطاغي أنه مربوب له رب، وليس هو الرب (رَسُولَا رَبِّكَ) إذاً فهم قد أتياه من لدن رب، فهو مربوب (فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ ) كان فرعون يذبح أبناء بني إسرائيل الذكور في عام، ويدعهم في عام، حتى يجد من يخدم، ومن يسخّر(وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ ) يبنون له المحاريب، يبنون له الأهرامات، يبنون له المباني في السخرة، بالجلد بالسياط، بغير أجر، أرسل معنا، بني إسرائيل، أطلقهم، وأعطهم الحرية التي خلق ربنا الناس عليها (قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكَ ۖ ) موسى رأى العصا، ورأى اليد، وهنا قال آية، ولم يقل بآيتين في الرد على ذلك رأيان‫:‬‬
‫الرأي الأول‫:‬ أن موسى أراه اليد فقط، أما العصا فكانت في يوم الزينة، يوم اجتمع السحرة‫.‬ الرأي الثاني‫:‬ أن المسألة ليست مسألة عدد آيات، وإنما المسألة مسألة برهان قاطع على الصدق (جِئْنَـٰكَ بِـَٔايَةٍۢ) أي ببرهان، هذا البرهان آية، آيتين، ثلاث آيات، من هنا وحّد، أفردها، (بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ) كرر كلمة (رَّبِّكَ ۖ ) للتأكيد، والسلام هنا ليس تحية؛ لأنه ليس افتتاح كلام، بل هو في وسط الكلام، إذا فالسلام هنا أي السلامة، وليس تحية ألقاها موسى على فرعون، بل من وحي الله له أن السلامة من العذاب، من قال‫:‬ لا إله إلا الله أمن العذاب، ونجي عند الحساب، ونال الشرف الرفيع (وَٱلسَّلَـٰمُ) أي السلامة من العذاب، وسوء الحساب (عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ) (إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ) إذاً فالدعوة في ملخصها بينا له أنه مربوب، وأنهم أتيا من ربه، ومعهما الدليل القاطع على صدقهما، وبدءا بالترغيب (وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ) ثم ألحقاه بالترهيب (إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ) هذه الآية من أرجى الآيات في القرآن للموحدين، كم ممرنا عليها دون توقف، أو تأمل، واسمع وتأمل (أُوحِىَ إِلَيْنَآ) إذا فهو قرار ممن يملك القرار (أَنَّ ٱلْعَذَابَ) والعذاب على وجه الخصوص، والمعرّف بالألف واللام على من (كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ) فهل كذّبنا؟ أبدا، فهل تولّينا؟ أبدا، إذا فلن ينالنا عذاب أبدا، أرجى آية لمن قال‫:‬ لا إله إلا الله، من أقرّ بها أمن العذاب، ونجى عند الحساب، ونال الشرف الرفيع، ومن أنكرها ضاع، وظمأ، وجاع، ولم يطعم إلا الضريع، ما من موحد كذّب، وما من موحد تولّى، قد يقع في المعصية، قد يسهو، قد ينسى، قد يخطئ، لكن لا يكذّب، ولا يتولّى، فهي من أرجى الآيات في القرآن (إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ) (قَدْ) إذا دخلت على الفعل الماضي تفيد التأكيد، وهنا رد فرعون، وانظر في رده‫.‬‬‬‬
قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَـٰمُوسَىٰ ﴿49﴾
رد غير منطقي، ولا يتلاءم مع الكلام، إنا رسولا ربك، قد جئناك بآية من ربك، فالمنطق أن يقول‫: فمن ربي الذي أرسلكما؟ من ربي الذي أعطاكما الآية؟ لم يقل ذلك، وإنما قال‫: من ربكما، إذا فهو من البداية مستكبرا طاغيا منكرا، لابد وأن يقول‫: من ربي إن كان يسأل للتعلم، أو للمعرفة، لكن ها هو الطغيان قد بدأ من أول كلمة، ليس هذا فقط بل صيغة السؤال (من)، وكلمة (من) لا تقال إلا على من له اسم علم يميزه عن باقي الناس، وانظر إلى الإعجاز، والبيان، والفصاحة، والبراعة، والإجمال، والإيجاز في رد موسى كما حكى ربنا؛ لتعلم كيف حُلت عقد اللسان‫:
قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ﴿50﴾
ما أبينه! ما ألخصه! ما أعظمه! بلاغة إيجاز، فصاحة تأمل في الآية (أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ) (أعطى كل شيء خلَقَه) قراءة، إذاً دل الكلام على جميع الموجودات بلا استثناء، أعطى كل شيء، السماء، الشمس، القمر، النجوم، النبات، الإنسان، الحيوان، الأسماك، دلّ الجواب جميع المخلوقات، دل الجواب على أن القادر بالذات، الغني بالذات، المنعم على الإطلاق، هو الله، وأن جميع ما سواه محتاج إليه، منعم عليه، مفتقر إلى الله في وجوده، وصفاته، وأفعاله، كيف؟ شيء من التفصيل والبيان (أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ) أرأيت العين كيف حُفظت بالجفون، أرأيت الأمعاء كف أخرجت الرجيع! كيف أن المدخل واحد، الفم يدخل منه السائل، والجامد، كيف يمضغ! كيف يقلبه اللسان! كيف تعمل الأسنان والضروس! كيف يتم البلع! كيف يتم الهضم! كيف يتم الفصل، فينتفع الجسم بما يفيده، ثم يخرج ما لا يفيد! السائل من مخرج، وغير السائل من مخرج، أرأيت العنكبوت كيف نسج!! أرأيت الوليد كيف التقم ثدي الأم!! أرأيت الفرخ كيف نقر بيضه وخرج! أرأيت طائرا لا يدري كيف يأكل! أرأيت طائرا لا يدري كيف يحفظ بيضه، أو فرخه، أو يبني عشه! أرأيت مخلوقا لم يمنح ما به حفظه، وحفظ كيانه، وحفظ كماله، وأداء ما هو مطلوب منه، أو مطلوب في بقائه! طبْعا أو اختيارا، فأنت إما بك من الطبع ما لا شأن لك به، كالهضم، وجريان الدم، ودق القلب، وبك من الاختيار، ما تختار به ما ينفع، ولا يضر، أعطى كل شيء خلقه، ثم هداه، لاستخدام ما أعطاه، فإذا بالفرخ في بيضه ينقر البيض بمنقاره فيخرج، أرأيته ينقره برجله، من علّمه؟! حين يخرج الفرخ من البيض لا يرضع، وإنما يلتقط الحب مباشرة من الأرض من علّمه؟! أرأيت الفرخ يلتقط الحصى؟ أم أنه يلتقط الطعام فقط، أرأيت الوليد الصغير لأي حيوان بمجرد الولادة كيف يبحث عن ثدي أمه فيلتقمه دون تعليم! أرأيته ينقر في الأرض كما ينقر الفرخ، أم يبحث عن الثدي ليتقمه! أرأيت اللبؤة تأكل أولادها مهما جاعت، أم تحنو، وترعى، وتحفظ (أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ) أي هيئته، صورته، أعضاؤه، ما به صلاحه، وقوامه، وحياته، ومعيشته، وحفظ نوعه، أعطى الذكر الأنثى، وهداه لها، فعرف كيف يلتقي بها، هل علم الجواد كيف يأتي الأنثى، هل علم العصفور كيف يتناسل؟! هل علم السمك كيف يبيض؟! خلق الذكر، وخلق الأنثى له من شكله، من وصفه، من صفاته، من كل شيء، ثم هداه لها، وهداها له فالتقيا، فحدث النسل، فحفظ النوع، أو (أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ) أي أعطى خلقه كل شيء، هل في الوجود شيء لم يعطه، لك معنى آخر على تقديم المفعول الثاني، كل ما لديك من أين الملابس، المأكل، الزوجة، المسكن، المال، الزرع، الضرع، هل هناك شيء لم يعطك الله إياه جئت به من نفسك؟ (أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ) هدى الخلق لله، هدى من يشاء إليه، هدى الخلق لاستخدام ما منحه الله دون تعليم، دون علم، دون تجارب، آية تحتاج لساعة على الأقل لشرح ما تحتويه من المعاني، وما تحتويه من توحيد، ودليل على وجود الواحد الأحد، تأمل لا حجة لمنكر أبداً، أينما نظرت تجد صنعة الله؛ ولذا بيّن موسى لفرعون أن الله يعرف، ويستدل عليه، ليس بكلمة (من) بل يستدل عليه بصنعته، بل كانت الحجة واضحة، لا ينكرها منصف، من هنا بهت فرعون، وأراد أن يصرف الكلام في جهة أخرى، لم يرد على هذا الدليل، هذا البرهان، هذا الإعجاز، هذا الدليل على وجود القادر، الغني، المنعم كل ما عداه، منعم عليه، كل ما عداه من خلقه، كل ما عداه مفتقر إليه في وجوده، أنت مفتقر إلى الله في وجودك، مفتقر إلى الله في صنعتك، إذ اليد هو الذي خلقها، وعلمك كيف تستخدمها، والفم هو الذي خلقه، وعلمك، وألهمك كيف تستخدمه، والعين والأذن، فأنت مفتقر لله في وجودك أولاً، ثم في صفاتك ثانيا، طويل، قصير، أبيض، أسمر، وهكذا، والطيور وجميع المخلوقات مفتقر إلى الله، هو الواحد، الغني، القادر بالذات، الغني بالذات، المنعم على الإطلاق، دليل وضوح الشمس، وانظر إلى فرعون ورده‫.‬‬‬‬‬
قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ ﴿51﴾
هذا ما حكاه القرآن عنه، البال في الأصل تطلق على الفكر، ثم استخدم اللفظ للدلالة على الحال الذي يُعتنى به، (وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢)) [سورة محمد آية‫: ٢]، فالبال في الأصل الفكر، الخاطر التفكير، فها هو فرعون يسأل عن الناس الذين ماتوا، وانقرضوا ما حالهم؟ لم يعبدوا إلهاك، ماتوا على ما كانوا عليه من عبادة فرعون، أو غيره، ماذا يكون من شأنهم؟ أيعذبون؟ أيبعثون؟ أينعمون؟ ماذا حدث معهم؟ وانظر إلى الرد البليغ الجامع المفحم‫.
قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍۢ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى ﴿52﴾
‫(لا يُضل) قراءة، إذاً هو في كتاب فعلا مكتوب، اللوح المحفوظ، أو (فِى كِتَـٰبٍۢ ۖ )، تمثيل لثبات العلم عند الله، كثبات من كتب كل شيء (قَالَ عِلْمُهَا) علم القرون، وشأنها أمور غيبية لا أعلمها، ولا أعلم إلا ما يوحى إلىّ، لكن ذاك غيب، والغيب من شأن الله، ومن علم الله (عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍۢ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى) (يَضِلُّ) الضلال‫: أن تغفل عن مكان الشيء، أو أين وضعته، الضلال‫: الضياع، ضل الرجل ناقته ضيعها، النسيان‫: الترك، هذا الكلام يفيد بعض المعاني، منها‫: ربنا (تبارك وتعالى) لا ينسى ما فات، وقد علم بما هو آت، ربنا علمه محيط أزلي، لا يزيد، ولا ينقص، فلا ينقص علمه بما فات، ولا يزيد علمه بما هو آت (لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى) لا يغيب عنه شيء، ولا يغيب هو عن شيء، لا يضيع منه شيء، ولا ينسى شيء، وإذا كان النعت للكتاب (فِى كِتَـٰبٍۢ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى) أي كتاب لا يضل ربه، أو لا يُضل الله كتابه، أو لا يُضل الله شيئا، أي لا يضيعه، ولا ينسى، ثم يأتي بعد ذلك وصف لله (عز وجل) الذي لا يضل، ولا ينسى، واسمع البلاغة والفصاحة‫.
ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًۭا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًۭا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّن نَّبَاتٍۢ شَتَّىٰ ﴿53﴾ كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ ﴿54﴾
‫(ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًۭا) (مهادا) قراءة، أي مهدها مهداً، أو جعل لكم الأرض ذات مهد، ذاك لمن يحب تفصيل اللغة العربية، المصدر هل هو مصدر؟ هل هو على محذوف؟ إلى آخره، المهاد‫:‬ الفراش أي جعلها كالمهاد، كالفراش، تنامون عليها، وتمشون عليها، ممهدة سهلة ميسّرة (وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًۭا) طرقا بين الجبال، وبين الأودية، جعل لكم فيها طرقا، تسيرون فيها، وتمشون فيها، تبتغون التجارات، وتنتقلون من مكان إلى آخر، فهي سهلة ميسرة، وفيها الطرق (وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ) السماء ما علاك من السماء‫:‬ أي من السحاب (فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّن نَّبَاتٍۢ شَتَّىٰ) الكلام تغير من الغيبة إلى المتكلم (وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا) التكلم موسى، والكلام متصل (فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ) بالماء أي بالحرث بالري بالعناية، وما إلى ذلك (أَزْوَٰجًۭا مِّن نَّبَاتٍۢ شَتَّىٰ) أو انتهى كلام موسى عند (وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ) وهنا تحول الكلام من الغيبة إلى المتكلم؛ لبيان أن المنعم هو الله؛ للدلالة على عظمته، وعلى أن كل شيء مطيع له، مقهور في قبضته (فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّن نَّبَاتٍۢ شَتَّىٰ) شتى جمع شتيت، كمرضى جمع مريض، شت الأمر، وتشتت‫:‬ تفرّق، والشتيت‫:‬ المتفرق، أزواجا شتى‫:‬ أصناف، وسميت أزواجا لازدواجها، واقترانها، أخرجنا بهذا الماء الواحد من الأرض الواحدة أصناف، وألوان، وأنواع من النبات، منه ما يصلح لكم، ومنه ما يصلح لأنعامكم، ألوان، وأصناف من حيث اللون، من حيث الرائحة من حيث النفع (كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ ) أمر إباحة من الخالق، المنعم، المدبر، دلت الآيات على أن ما في الوجود من شيء إلا وهو مسخر لما أراده الله، فنزل الماء على الأرض، فخرج منها أزواجا من نبات شتى، دون اختيار منا، بل هذا هو الذي خلقه الله أصنافا، وأزواجا، وألوانا، وأنواعا (كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ ) ما يصلح تأكل منه، وما يصلح للأنعام من الرعي، رعى غنمه شأنها (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ) النهي‫:‬ جمع نهية، النهى‫:‬ العقول السليمة من الشوائب، والخواطر السقيمة، سميت بذلك لأن أصحاب النهى هم الذين ينتهى إلى رأيهم، فأنت تذهب إلى العاقل الحكيم لتنتهي لرأيه، فهم أولوا النهى، ينتهى إلى رأيهم، أو أولوا النهي لأن صاحب النهية تنهاه عن الخلق الرذيل، وعن التصرف الخاطئ، فمن كان عقله سليما يهديه إلى الصواب، وينهاه عن الخطأ، فعقله نهية، فكل نهية عقل، وليس كل عقل نهية‫.
مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ﴿55﴾
‫(مِنْهَا) من الأرض (خَلَقْنَـٰكُمْ) خلق آدم (وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) بالموت (مِنْهَا) من الأرض (نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ) في البعث والنشور، آيات تدعو للتأمل، آيات تدل على وجود الواحد الأحد، الخالق الرازق، القادر، ترى هل نفع التذكير؟ هل أجدى ذاك المنطق السليم، والبرهان القاطع مع فرعون؟ هل أجدى؟ وربنا يقول‫:
وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ﴿56﴾
يقول النبي‫: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُوا‫: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) فقد استمع فرعون للحجج والدلائل، والبراهين، الساطعة على وجود الواحد الأحد، الخالق، القادر بالذات، الغني بالذات، الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ورأى عيانا المعجزات المبهرة، الدالة على صدق نبوة موسى (عليه السلام) ومع ذلك عاند، وأبى، واستكبر، ويقول الله (تبارك وتعالى) (وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ) أبى‫: امتنع مع المقدرة، أبى الإيمان رغم وضوح الدليل، أبى التصديق رغم إبهار المعجزة، ونتأمل في كلام فرعون الذي حكى عنه القرآن، وكيف يجادل الكافر بالباطل، وكيف يكون التدليس، ولنسمع، ولنتأمل‫.
قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَـٰمُوسَىٰ ﴿57﴾ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍۢ مِّثْلِهِۦ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًۭا لَّا نُخْلِفُهُۥ نَحْنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانًۭا سُوًۭى ﴿58﴾
ذاك ما حكاه القرآن عن مقولة فرعون، موسى حين ذهب إلى فرعون كان له مطلبان‫:‬‬
‫المطلب الأول‫:‬ أن يؤمن فرعون، وأن يعرف أنه مربوب وليس ربا كما يزعم‫.‬‬
‫المطلب الثاني‫:‬ أن يطلق صراح بني إسرائيل إذا فالمطلوب خروجه من الأرض من البلاد هم بنو إسرائيل ولم يطلب موسى من فرعون الخروج والتنازل عن ملكه، فانظر إلى قلب الأوضاع (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا) هل جاء على لسان موسى أنه طلب من فرعون الخروج؟ فالخروج لبني إسرائيل، وانظر إلى قلب الحقائق، والتدليس (لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَـٰمُوسَىٰ) إذاً فقد أنكر صدق المعجز، واتهمه بالسحر، هل يستطيع ساحر مهما أوتي من قوة أن يخرج ملكا كفرعون من ملكه، أو أن يجليه وجنوده من الأرض، تعلل، وتحير، وتدليس، واتهام بالباطل، وطلب موسى كان غاية في الوضوح (فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ ) (فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍۢ مِّثْلِهِۦ) التحدي الباطل (فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًۭا) الموعد، الموعد هنا بمعنى الوعد، وذاك أرجح الأقوال لقوله (لَّا نُخْلِفُهُۥ) ولا يُخلف إلا الوعد، لكن الموعد يأتي بمعنى الوعد، ويأتي بمعنى مكان الوعد، كقوله (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)) [سورة الحجر آية‫:‬ ٤٣]، ويأتي بمعنى زمان الوعد، كقوله (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍۢ (٨١)) [سورة هود آية‫:‬ ٨١]، هنا يأتي الموعد بمعنى الوعد (فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًۭا لَّا نُخْلِفُهُۥ) (لا نخلفْه) قراءة بالجزم، (لا يُخُلفُه) نعت للموعد (نَحْنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانًۭا سُوًۭى) (مكانا سوى) قراءتان، وهما لغتان سُوى، وسِوى أي مكان نصفا عدلا مستويا، نستوي نحن، وأنت فيه‫.‬‬‬‬
قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًۭى ﴿59﴾
‫(يومُ)، (يومَ) قراءتان، يوم الزينة، يوم فرح، يوم عيد، يحتفل به فرعون وقومه، يحتفل فيه الناس، يجتمعون فيه في مكان، أراد موسى أن يكون الموعد في مكان عام، يجتمع فيه الناس في يوم عيدهم، لكي يكون ظهور الحق علنا، ويفشو الأمر بين الناس، وتظهر المعجزة، ويتبين الحق للجميع، فاختار ذلك اليوم، فاختار المكان، واختار الزمان (وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًۭى) والضحى بعد طلوع الشمس، وقرأت (وأن تَحشر الناس)، يا فرعون (أن نحشر الناس) أنا وأنت (وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًۭى).
فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ﴿60﴾
تولى فرعون عن الإيمان، وانصرف عن المكان، وجمع كيد السحرة، ثم أتى في الموعد في الضحى، وإذا استمر السجال، وطال الموقف، فالنهار فيه متسع، ذاك اختيار موسى، والمكان واسع، والكل مجتمع فيه، بنو إسرائيل، وقوم فرعون‫.
قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍۢ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ ﴿61﴾
‫(قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ) لفرعون وللسحرة أو للسحرة (وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا) تختلقوا الكذب، وتقولوا على المعجزة أنها سحر (فَيُسْحِتَكُم) فيَسحتكم قراءة، سحته وأسحته‫: أهلكه، واستأصله، وأصله من استقصاء الحلق للشعر، واستخدم في كل استقصاء واستئصال (فَيُسْحِتَكُم) فيهلككم ربكم بعذاب، وقد خاب من افترى، ترى هذا الخطاب العنيف من موسى للسحرة، لو علم موسى كيف يكون حال السحرة في آخر النهار، هل كان يخاطبهم بذاك العنف، ويلكم، دعاء عليهم بالويل، هؤلاء في تلك اللحظة مكتوبون عند الله من الشهداء البررة، وفي نظر الناس من السحرة؛ ولذا روي أنه قيل لموسى من جبريل بعد هذه المقولة‫: يا موسى رفقا بأولياء الله، قال موسى‫: كيف تقول ذلك، وقد جاءوا بكذا وكذا؟ قال‫: هم الآن أمامك سحرة، وبعد العصر هم شهداء بررة (وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ) من اختلق الكذب خاب، وخسر، دنيا وأخرى، يبدو أن المقولة هزت السحرة، يقول الله (تبارك وتعالى):
فَتَنَـٰزَعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَىٰ ﴿62﴾ قَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَٰنِ لَسَـٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴿63﴾ فَأَجْمِعُوا۟ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّۭا ۚ وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ﴿64﴾
‫(فَتَنَـٰزَعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَىٰ) التنازع كيف يحدث؟ أسرُّوا النجوى، بالغوا في الإسرار في الكلام، يخفون الصوت في السر، متناجين بعيدا عن موسى، وعن هارون، وعن أن يسمعهم أحد، ذاك التنازع أهو كيف يغلبون؟ كيف يجتمعون على أمر؟ أم أن البعض قال ما هذا بقول ساحر، خافوا، ما بقول ساحر الذي يستعدي عليهم رب العالمين، ويذكر اسم الله، ولا يسجد لفرعون، ويهدد هذا التهديد الواثق، يعلم الله ماذا كان السر الذي تسارّ به هؤلاء (قَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَٰنِ لَسَـٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا) قالوا مقولة فرعون، يريدان أن يخرجاكم من أرضكم، ولا دليل على ذلك، لا بكلام موسى، ولا بفعله، ولا بدعوته، لكنهم يقولون مثل ما قال فرعون (إِنْ هَـٰذَٰنِ لَسَـٰحِرَٰنِ) قرأت (إنّ هذين لساحران) وهذه القراءة موافقة للإعراب مخالفة لرسم المصحف، وإن كان قرأ بها بعض الصحابة منهم عائشة، وعثمان بن عفان، وقرأت (إنّ هذان لساحران) والقراءة موافقة لرسم المصحف، مخالفة للإعراب (إن هذان لساحران)، موافقة لرسم المصحف، وموافقة للإعراب أيضا، لكن لابد من التخريج (إن هذين لساحران) هذين‫:‬ اسم إن، ساحران‫:‬ خبر إن، صحيحة الإعراب لكنها مخالفة لرسم المصحف (إِنْ هَـٰذَٰنِ لَسَـٰحِرَٰنِ) أخرجوا لها تخاريج، منها إنها لغة الحارث بن كعب، قبيلة بني الحارث، يقولون جاء الرجلان، ورأيت الرجلان، ومررت بالرجلان، ألف التثنية تبقى على ما هي في الحالات الثلاثة‫:‬ في الرفع، والنصب، والجر، وقالوا‫:‬ إن هذان الساحران الاسم ضمير الشأن، إنّ الشأن، والأمر والمسألة، والقضية (هذان لساحران)، خبر إن قالوا‫:‬ إنّ: بمعنى نعم، وجاءوا بأمثلة كثيرة، بمعنى نعم، هذان لساحران مبتدأ، وخبر، كل ذلك يطعن فيه لغويا، أو نحويا، وقالوا‫:‬ (إنه هذان لهما ساحران) فحذف الضمير كل ذلك لا داعي له، والقراءة الأرجح، والموافقة للمصحف (إن هذان لساحران)، وتخرّج على أمرين‫:‬‬
‫الأمر الأول‫:‬ (إن) مخففة من الثقيلة، مهملة لا تعمل (هذان لساحران) مبتدأ وخبر، واللام فارقة، أو (إن) نافية، واللام بمعنى (إلا) أي ما هذان إلا ساحران هذه هي القراءة الصحيحة رسما وإعرابا (قَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَٰنِ لَسَـٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ) طريقتكم‫:‬ شريعتكم، المثلى، تأنيث الأمثل، يذهبوا بمذهبكم، وبدينكم، وبطريقتكم الأفضل، والأحسن، أو الطريقة تطلق على أشراف القوم (رأي مرجوح) (فَأَجْمِعُوا۟ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّۭا ۚ ) أجمع الأمر، أو أجمع على الشيء، أحكم وعزم وقرأت (فاجمعوا كيدكم) الحيل، والعصي، والحبال، والأدوات (ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّۭا ۚ ) مصطفين لتلقوا الهيبة في صدر موسى والناس، أو (ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّۭا ۚ ) مجتمعين صفا (ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّۭا ۚ ) المكان الذي اصطف فيه الناس (وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ) فاز بمطلوبه من غلب‫.
قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ ﴿65﴾
قيل‫: هذا التخيير مراعاة للأدب، تأدبوا مع موسى، وذاك الأدب أورثهم الإيمان، وأثمر الإيمان؛ لأنهم تأدبوا مع الرسول، والكليم موسى، عليه السلام، وقال بعضهم‫: بل هو تحدي الواثق، تلقي أنت، أو نلقي نحن سواء، فهم واثقون من النصر والغلبة، ليس أدبا، ولكن وثوقا بما عندهم من كيد، وسحر، ومكر، والإلقاء في الأصل‫: الطرح، أن تطرح الشيء بحيث تلقاه، ألقى‫: طرح الشيء بحيث تلقاه، أي تراه أمامك، ثم استخدم بعد ذلك في كل طرح، وكل إلقاء، والذي يؤكد أنه ثقة، وتحدي صياغة الكلام (نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ) بجملة آكد من الأولى‫.
قَالَ بَلْ أَلْقُوا۟ ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ﴿66﴾
قيل‫:‬ قابل أدبهم بأدب، وقيل‫:‬ بل أراد أن يلقوا هم أولا، فيستفرغوا جهدهم، ثم تظهر المعجزة فيُكبتوا، ويغلبوا أمام الجميع، أو والله أعلم هو لا يستطيع أن يلقي وقتما يشاء، وإنما يلقي إذا جاءه الأمر بالإلقاء، ولم يأته الأمر بعد، موسى لا يمكن أن يستخدم عصاه إلا بإذن الله، وفي جميع القرآن (وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٦٠]، (وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١١٧]‬
‫(فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ ۖ فَٱنفَلَقَ) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٦٣]، من هنا كأنه سمح لهم بالبدء انتظاراً للإذن، والأمر، وذاك من ضمن الفروق الواضحة بين المعجزة، والسحر، المعجزة لا يأت بها النبي من تلقاء نفسه، بل بأمر الله، أما السحر والدجل فيستطيع الساحر أن يأتي به وقتما يشاء (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ) (عُصيهم) قراءتان بكسر العين وضمها (يُخيَّل - تُخَيَّل- تَخَيَّلَ) (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ) الكيد يُخيل، تُخيل‫:‬ الحبال، والعصي، تَخيّل أي تتخيل، يُخيِّل الله (عز وجل) يخيل له ابتلاء (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ) إذاً لم تكن الحبال، والعصي تسعى على الحقيقة، وإنما كان خيالا كما نراه في أفعال الحواة، شعوذة، ودجل، إذاً فلا حقيقة للسحر، وإنما السحر تخيل، وإيهام فقط، وليس حقيقة، قال بعض الناس‫:‬ دهنوها بالزئبق، فحين جاءت الشمس، وازدادت الحرارة تمدد الزئبق، فتحركت يعلم الله، المهم أن نعلم أن السحر إيهام، ودجل ولا حقيقة له‫.‬‬‬‬
فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةًۭ مُّوسَىٰ ﴿67﴾
أوجس‫:‬ أضمر، وأخفى في نفسه خوفا شديدا، الخوف جبلة بشرية، الكل يخاف مهما كان مقامه، لكن ما هو السبب في الخوف؟ حين خاف في الطور، خاف من العصا حين رآها حية تسعى، ولى مدبراً فطمأنه الله سنعيدها سيرتها الأولى، هنا كيف خاف، ولِم خاف؟ قد يكون سبب الخوف أن ما رآه يشبه ما فعله بعصاه، إذاً فقد يختلط الأمر على الناس، ويشتبه عليهم، فعصاه تسعى كأنها ثعبان، وها هي العصا والحبال تسعى فأين الفارق؟ هل كان ذاك سبب خوفه، أم خاف أن يحيص الناس بما فعله السحرة؟ وينصرفوا قبل أن يأتيه الأمر بإظهار المعجزة، قد، يعلم الله سبب الخوف‫.‬‬‬‬‬‬
قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ ﴿68﴾
يبدو من هذا النهي عن الخوف بهذه الصياغة، أنه خاف من التباس الأمر على الناس؛ لأن الله يقول (إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ) إذاً فخوفه، والله أعلم كان من التباس الأمر، حبال وعصي خيل إليه، وخيل للناس، وسحروا أعين الناس (تَسْعَىٰ) وهو قد رأى عصاه تسعى، لم يرها تأكل، رآها تسعى فقط، ولم ير البقية، من هنا ذاك سعي، وذاك سعي، يلتبس الأمر على الناس () نهي عن الخوف، والتعليل للنهي (إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ) ثلاث كلمات، وتأمل، في اللغة العربية هناك ما يسمى بالتأكيد، ووسائل التأكيد للكلام متعددة‫:‬ كالقسم مثلا، الجملة الاسمية أقوى من الجملة الفعلية مثلا، من ضمن أدوات التأكيد كثير كما تقول جاء فعل ماض (قد جاء) أكدت الفعل بكلمة قد، هنا كلمات ثلاثة (إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ) فيها ست تأكيدات، وتأمل في الإعجاز‫:‬‬
‫أولا‫:‬ الجملة استئناف (لَا تَخَفْ) انتهى الكلام (إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ) استئناف والاستئناف نوع من أنواع التأكيد‫.‬‬
‫ثانيا‫:‬ حرف التحقيق (إن) (إِنَّكَ) حرف تحقيق‫.‬‬
‫ثالثا‫:‬ تكرير الضمير (إِنَّكَ أَنتَ).‬
‫رابعا‫:‬ تعريف الخبر (ٱلْأَعْلَىٰ) بالألف واللام تأكيد‫.‬‬
‫خامسا‫:‬ ذكر لفظ العلو لم يقل أنت تغلب، أو أنت المنتصر، أو أنت الغالب قال (إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ) العلو‫:‬ الظهر والغلبة بوضوح لا شك فيه‫.‬‬
‫سادسا‫:‬ صيغة التفضيل (ٱلْأَعْلَىٰ)، ست تأكيدات في ثلاث كلمات‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا۟ ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَـٰحِرٍۢ ۖ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ﴿69﴾
‫(وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ) ملفتة ما في يمين موسى العصا، وربنا حين خاطبه في الطور قال (أَلْقِ عَصَاكَ ۖ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١١٧]، هنا قال ألقي ما في يمينك، إبهام، هذا الإبهام حين يحدث، يحدث لسبب من سببين‫:‬‬
‫إما لتصغير شأن المبهم، وإما لتعظيم شأن المبهم، فهل أريد التصغير لشأن العصا، أي ألق تلك العصية، العُويد الصغير الذي لا قيمة له، وانظر كيف يفعل فيه الله، أم هو للتعظيم، ألق ما في يمينك، فأنت لا تدري ما الذي في يمينك، ولا تدري عظمة، وقوة ما في يمينك (تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا۟ ۖ ) (تَلْقَفْ) : لقف يلقف‫:‬ أخذ بسرعة، وتناول بحذق باليد، أو بالفم وقُرأت بالجزم (تلقفْ) وقُرأت بالرفع (تلقفُ)، وقرأت بالحزم والتشديد (تلَّقَفْ) (تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا۟ ۖ ) الذي صنعوه إن الذي صنعوه (كَيْدُ سَـٰحِرٍۢ ۖ ) (كيدَ سحر - كيدُ سحر) قراءات (وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ) أينما يكون الساحر لا يفوز بمطلبه، لا دنيا، ولا أخرى، والسحر كفر، وتعاطي السحر كفر، وحد الساحر في الشرع الإسلامي القتل إذا لم يتب عن سحره‫.‬‬‬‬‬‬‬
فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًۭا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ ﴿70﴾
الآيات فيها اختصار تجاوزناه، مثل (إما أن تلقي، وإما أن نكون أول من ألقى، قال‫:‬ بل ألقوا، فإذا حبالهم) التقدير‫:‬ (بل ألقوا فألقَوا حبالهم، وعصيهم، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه) فالآية فيها اختصار ثقة بفهم السامع، هنا كذلك (ألقي ما في يمينك، فألقى ما في يمينه فتلقفت ما صنعوا) (تلقفْ ما صنعوا) أمر أم خبر؟ تلقف جواب، ألق، تلقف، وكأن الأمر للعصا، وتذكرون حين تكلمنا عن (فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ) (فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًۭا) وكأن وقت سجود السحرة لم يستغرق سوى لحظة، والكلام فيه اختصار حين ألقى موسى عصاه، فلقفت، تحولت عصا موسى إلى ثعبان عظيم لم يُرَ له مثيل في هذه الحياة، السحرة قيل عن عدد السحرة الكثير، وقيل‫:‬ عن الجمال التي حملت بالأدوات الكثيرة، والميدان ممتلئ وحبال وعصي، ها هي العصا تصبح ثعبان يمشي، ويسعى، ويلقف، يتناول بسرعة كل ما هو موضوع على الأرض، يبتلع، خلت الساحة إلا من عصا موسى، عاد إليه، فإذا به في يده عصا، أين ذهبت الحبال والعصي؟! القادر على العدم، والإعدام هو الله، القادر على الإيجاد هو الله، من هنا أُلقي السحرة سجداً؛ لأن الأدوات لم تلقف فقط، بل أين ذهبت ما لقفته العصا، ذاك إفناء، إعدام لا يقدر عليه إلا الخالق، تبين للسحرة في التو واللحظة أن موسى صادق، وأنه رسول حقا (قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ) وفي تقديم هارون على موسى هنا كلام‫:‬ قيل‫:‬ لموافقة رءوس الآي، وقيل‫:‬ قدِّم هارون لأنه الأكبر سنا، وقيل‫:‬ قدم هارون لأنهم لو قالوا‫:‬ آمنا برب موسى، فموسى الذي رباه فرعون، فقد يلتبس الكلام على السامع، يعلم الله، هنا استشاط فرعون غضبا، كان من الواجب والمفروض، بعد ما سمع الأدلة أن يؤمن، بعد ما رأى المعجزة أن يؤمن، بعد ما غلب موسى، وظهر في ذاك التحدي أن يؤمن، بعد ما رأى السحرة يخرون سجداً لله، كان لابد أن يؤمن، ولكن استمع كيف يحدث التدليس، والتشبيه، والتزييف، كما يحكي القرآن‫.‬‬‬‬
قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍۢ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًۭا وَأَبْقَىٰ ﴿71﴾
‫(قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ) (له) و(به) بمعنى واحد، آمن به، وآمن له، وإن كانت اللام تتضمن معنى الاتباع (قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ ) هل يحتاج الإيمان بالله لإذن الوالي، أو الملك، أو السلطان؟ علو، واستكبار، تعاظم، وانظر إلى باقي الكلام (إِنَّهُۥ) موسى (لَكَبِيرُكُمُ) زعيمكم (ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ۖ ) موسى علّم السحرة السحر؟ أين، ومتى، وهو قادم من مدين بعد عشرة سنين، والسحرة تعلموا السحر قبل أن يولد موسى، أين علّمهم؟ تشبيه تزييف، تدليس، ثم جاء بالتهديد (فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍۢ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًۭا وَأَبْقَىٰ) بعد الاستكبار، بعد التدليس، والتلبيس على الناس ها هو يهدد السحرة ليكونوا عبرة، تهديد فظيع (فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍۢ ) اليد اليمنى، والرجل اليسرى، أو اليد اليسرى، والرجل اليمنى (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ) أي على جذوع النخل (وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ) هو أم رب موسى، الذي آمنوا به (أَشَدُّ عَذَابًۭا وَأَبْقَىٰ) وأدوَم ذاك هو التهديد، تُرى هل صلّبهم؟ هل نفذ وعيده؟ لم يرد لذلك ذكر، وإن كان المفسرون قالوا‫: إن ذلك قد حدث فعلا، وقطع أيديهم، وأرجلهم من خلاف، ثم صلّبهم، وكانوا أول النهار سحرة، وآخر النهار شهداء بررة، فقد كان التهديد فظيعا، قاسيا، ومع ذلك لم يتردد السحرة في الرد بثقة، وإيمان، كما يحكي عنهم القرآن، يقول الله (تبارك وتعالى):
قَالُوا۟ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا ۖ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ ﴿72﴾ إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ ۗ وَٱللَّهُ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰٓ ﴿73﴾
‫(قَالُوا۟ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ) الأدلة، والدلالات الواضحات على صدق موسى، وعلى أنه رسول الله حقا، أي لن نؤثرك يا فرعون على ما جاءنا من البينات (وَٱلَّذِى فَطَرَنَا ۖ ) عطف، أي لن نؤثرك على هذه البينات، والمعجزات، ولن نؤثرك على الله الذي فطرنا، أو لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، والله لن يحدث، والله الذي فطرنا وكأنه قسم بالله (فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ ) احكم بما شئت، ومر بما شئت (إِنَّمَا تَقْضِى) أي ينفذ قضاؤك، وحكمك في هذه (هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ) والكلام فيه اختصار بالحذف على تقدير تقضي في متاع هذه الحياة، أو تقضي في وقت هذه الحياة الدنيا (إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ ۗ ) إذاً آمنوا ليغفر لهم الخطايا، والإكراه الذي حدث لهم بإتيان السحر أمام موسى، الذي هو رسول صادق أمين، لكن الإكراه لا يعاقب عليه الإنسان، فكيف طلبوا مغفرة ما أكرهوا عليه، أيضا هل كانوا مكرهين على السحر، والقرآن يحكي (وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوٓا۟ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ ﴿١١۳﴾ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ﴿١١٤﴾) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١١٣ - ١١٤]، هل ذاك قول مكرهين؟ إذا فقد يكون التقدير إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا من السحر، وما أكرهتنا عليه، فهي نافية أي لم نكن مكرهين على ذاك، كنا مختارين، أي لم يحدث منك إكراه، فعلنا مختارين والمختار مسئول، والمكره غير مسئول إذاً (ما) هنا نافية، وليست معطوفة (وَٱللَّهُ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰٓ) رد على كلامه الذي حكاه القرآن (وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًۭا وَأَبْقَىٰ) الله خير منك ثوابا إن آمنا، وأبقى، وأشد عذابا إن عصينا وكفرنا، وهنا انتهى الحوار لكن هناك آيات ثلاثة أهي تتمة للقول، أم هو استئناف، وابتداء كلام من الله؟.‬‬‬‬
إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمًۭا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ﴿74﴾ وَمَن يَأْتِهِۦ مُؤْمِنًۭا قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ ﴿75﴾ جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ﴿76﴾
إذا كان الكلام متصل (ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ ۗ وَٱللَّهُ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰٓ ﴿۷۳﴾ إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمًۭا)، فأين علم السحرة بكل ذلك؟ قيل‫:‬ من بني إسرائيل، أو من مؤمن آل فرعون، أو أُلهموا الكلام، أو حين سجدوا، وخرُّوا سجدا، رأوا الجنة في سجودهم، أو هو استئناف، وابتداء الكلام من الله (تبارك وتعالى) (إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمًۭا) والإجرام الكفر (فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ) لا يموت فيها فيستريح، ولا يحيى حياة هنيئة (وَمَن يَأْتِهِۦ مُؤْمِنًۭا قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ) إذ يشترط مع الإيمان العمل؛ لأن الإيمان إقرار باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، وإيمان بلا عمل كَلاَ إيمان (فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ) ما هي الدرجات، وما هو تعريفها؟ (جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ) جنات الإقامة الدائمة (تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ) من تحت قصورها، من تحت السرر، من تحت الغرف، والأنهار‫:‬ العسل، واللبن، والماء إلى آخره (خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ) من تطهر من الكفر، وتطهر من المعاصي‫.‬‬
‫فقد استكبر فرعون، وأصر على كفره، رغم وضوح المعجزة، وسطوع البرهان، وسجود السحرة، وحرضه ملأه المنتفعون به، وبسلطانه على موسى (أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ۚ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٢٧] فاستعلى، واستكبر، وقرر المزيد من التقتيل (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ (١٢٧)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٢٧] كما حكى القرآن، وهنا أوحى الله (تبارك وتعالى) إلى موسى أن يخرج من مصر في أول الليل سراً بقومه، بمن آمن به، يقول الله (تبارك وتعالى) حاكيا لذاك المشهد‫:‬‬‬‬‬
وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًۭا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًۭا لَّا تَخَـٰفُ دَرَكًۭا وَلَا تَخْشَىٰ ﴿77﴾
أوحى الله (تبارك وتعالى) إلى موسى أن يخرج أول الليل (أَسْرِ بِعِبَادِى) اخرج في أول الليل (فَٱضْرِبْ لَهُمْ) قال المفسرون‫:‬ (فَٱضْرِبْ) أي فاجعل لهم من قولهم‫:‬ ضرب له سهما في ماله، لكن التعبير بالكلمة يشعر بأن هناك أبعاداً للمعنى؛ إذ إن الطريق نشأ من ضرب موسى للبحر بعصاه (فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ ۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍۢ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ (٦٣)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٦٣]، من هنا جاء ذاك التعبير (فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًۭا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًۭا) أي يابساً لا ماء فيه، ولا طين، وكلنا يعلم أن الماء إذا انحسر عن الأرض تركها، والطين فيها ظاهر، مزلق، لكن الله (تبارك وتعالى) حين فلق البحر لموسى فلقه، وأصبحت الأرض يابسة لا ماء فيها، ولا طين (يَبَساً) أو (يَبْساً) يَبْساً جمع يابس، كصحب وصاحب، أو هي حال من الطريق أو مخففة من يبس أي أن يدركك، ويلحقك فرعون، ولا تخشى الغرق، أو لا تَخَفْ دركا جواب الأمر، ولا تخشى استئناف، أما على قراءة (لا تخاف) فلا بد أن يكون لها تعليل لغوي نحوي، إما هي في موضع الحال من المخاطب، أو هي نعت للطريق، أي لا تخاف فيه، أو الكلام كله استئناف أي‫:‬ فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا، غير خائفا من لحوق فرعون بك، ولا تخشى الغرق‫.
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ﴿78﴾ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ﴿79﴾
وقرأت (فاتبعهم فرعون)، (فَغَشِيَهُم) (فغشَّاهم) قراءتان، (فَغَشِيَهُم) فغطاهم (مِّنَ ٱلْيَمِّ) من الماء (مَا غَشِيَهُمْ) ما لا يعرف كهنه إلا الله، والتعبير للتهويل، ما الذي غشيهم؟ الماء، الأمواج، ولك أن تتخيل، فالتعبير لتهويل ما حدث، والذي لا يعلم كنهه وفظاعة حدوثه إلا الله، وتكلمنا من قبل في هذه القصة في سورة الأعراف، وتساءلنا موسى حين وصل اليم، قال أصحابه ها هو فرعون قد لحقنا، وها هو اليم أمامنا، فطمأنهم موسى، وأوحي إليه فضرب البحر، فانفلق ولم يكن هناك طريق واحد، بل كان هناك اثنا عشر طريقا، لكل سبط طريق، وأوحى الله إلى الماء فأوقف جريانه، وأمره أن يتشبك فأصبح كالشبك فيه الطاق، ينظر كل سبط إلى السبط الآخر، فيروا بعضهم بعضا من خلال الماء الذي تشبّك، التساؤل‫:‬ حين رأى فرعون ذاك كيف اجترأ على الخوض في هذا الطريق؟ أمر لا تعليل له؛ لأن الأمر لو كان ما يراه سحراً فهو داخل على الماء لا محالة، غارق لا محالة، وإن كان الأمر معجزة فالذي يسعى وراءه مؤيد، منصور، صادق، مرسل، فكيف تتبعه؟!! ومع ذلك خاض البحر، وخاض معه جنوده، إن كان هو قد عمي، وعميت بصيرته، فكيف بالجنود كيف يطيعونه، ويدخلون في هذا الطريق الناشئ من ضرب موسى للبحر بعصاه، أمر يدل على أن إرادة الله نافذة لا محالة، وأنه إذا أراد شيئا بعبد سلّ منه العقل، والسمع، والبصر، ثم أنفذ فيه قضاءه، وقد يرد إليه العقل، والسمع والبصر ليعتبر، ولكن أين تأتي العبرة بعد فوات الأوان (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ)، وما هداهم إلى الخير، أو هو تأكيد أضلهم، وما هداهم، فالهدى عكس الضلال، أو هو تعليق على كلام فرعون (مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ﴿٢۹﴾) [سورة غافر آية : ٢۹] حين جادل مؤمن آل فرعون، فربنا يرد قائلا‫:‬ وما هدى، أضلهم وما هداهم، أو أضل قومه، وما هدى نفسه إلى النجاة، أو إلى الخير، ثم يتوجه الخطاب لبني إسرائيل، اليهود والمعاصرون للنبي (صلى الله عليه وسلم) في المدينة كانوا على درجة من السوء، والنفاق، والغدر، والخيانة لم تحدث، أو هو ديدنهم قتلة الأنبياء، فريق قتلوا وفريق كذبوا، والخطاب لهم، والحكاية عن أسلافهم، وأجداهم، أو الخطاب للأسلاف، والأجداد، وعليك يا من تسمع أن تعتبر‫.‬‬‬‬‬‬‬
يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَـٰكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَٰعَدْنَـٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ﴿80﴾ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَلَا تَطْغَوْا۟ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى ۖ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ ﴿81﴾ وَإِنِّى لَغَفَّارٌۭ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ﴿82﴾
هذا السياق تذكير بنعمة الإنجاء، ثم التذكير بالنعمة الدينية، ثم التذكير بالنعمة الدنيوية، ثم التحذير، ثم فتح أبواب الرحمة لكل من وقع كي يجد المخرج (يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَـٰكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَٰعَدْنَـٰكُمْ) المواعدة لم تكن لبني إسرائيل، المواعدة كانت لموسى لتلقي التوراة، فنُسبت إلى بني إسرائيل؛ لأنهم المقصودون، المنتفعون بنزول التوراة، أو الوعد كان لموسى، والسبعين الذين اصطفاهم موسى، واختارهم من قومه (وَوَٰعَدْنَـٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنَ) منصوبة صفة للجانب؛ لأن الجبل لا يمين له، ولا شمال (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ) المنّ كانوا يجدونه صباحا على جذوع الشجر، وعلى أوراق الشجر، يشبه العسل، والسلوى طائر كالسمان (كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَلَا تَطْغَوْا۟ فِيهِ) لا تطغوا فيه بنسيان شكر المنعم، أو بتجاوز الحد، أو بالادخار؛ لأن الله يرزقهم يوما بيوم، وادخار الطعام قادح في توكلهم، ولا تطغوا بنسيان المنعم، ونسيان الشكر(فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى ۖ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ) (فيحُلُّ عليكم غضبي ومن يحلُلْ عليه عضبي فقد هوى) الفارق بين القراءتين حلَّ يحَِل حلالاً، وجب وحق (فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ) فيجب، ويحق عليكم غضبي (وَمَن يَحْلِلْ) يجب عليه (غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ) والهُوي‫:‬ هَوَى يهوي هُوياً، وهَوِياً: السقوط من علو إلى أسفل، فكأنه ينزل إلى الهاوية، وما أدراك ما هي، نار حامية، يحُل ويحلُل، ينزل حل يحُلُ حلولاً: نزل، فإما وجب، وإما نزل (وَإِنِّى لَغَفَّارٌۭ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ) هذه الآية رحمة كبرى، ونعمة ختمت بها النعم التي عددها عليهم، الإنسان خطاء، وكل ابن آدم خطاء، فإذا وقع الإنسان في الخطأ، أو في الخطيئة تداركته رحمة الله بهذه الآية، فهو يبين لنا المخرج (وَإِنِّى لَغَفَّارٌۭ) صيغة مبالغة، يغفر، ثم يغفر، ثم يغفر، ولو أذنب العبد في اليوم مائة مرة، أو تعددت ذنوبه، وتنوعت، لغفار لمن تاب من ذنبه، وآمن بالله، تاب من الشرك، تاب من المعصية، وآمن بالله (وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا) صلى، وصام، وأدى العبادات (ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ) ثم داوم على ذلك حتى الموت، ثم استمر على هذه الهداية، والعمل الصالح، والكلام عن المن، والسلوى كلام مختصر، حيث لم يحدث ذلك إلا في التيه، وكلكم يعلم أن بني إسرائيل حين جاوز بهم موسى البحر، لم تجف أقدامهم بعد، ورأوا قوما يعكفون على أصنام لهم، قالوا‫:‬ اجعل لنا إلها، وحدث ما حدث، وقضى ربنا عليهم بالتيه لعدم دخولهم البلد التي أمرهم الله بدخولها، ومع ذلك تداركهم رحمته، وعمّهم لطفه، فرزقهم بالمن والسلوى، ثم واعد موسى أربعين ليلة يأتيه في الطور، ليعطيه التوراة، فيها الأحكام، وفيها البينات، والدلائل، وفيها العلوم وما إلى ذلك، وخرج موسى للقاء ربه، وترك بني إسرائيل وأخذ معه سبعين في أرجح الأقوال، وذهب إلى الموعد، وحركه شوقه، فترك السبعين وأسرع هو السير، فذهب وحده وهم على إثره، وهنا سمع النداء من العلي الأعلى‫.‬‬‬‬
وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَـٰمُوسَىٰ ﴿83﴾
هذا السؤال المباغت، والمفاجئ، قال البعض‫:‬ سؤال إنكار عليه؛ إذ إن الترك للقوم خطأ، وقالوا‫:‬ كان المفروض أن جميع بني إسرائيل يأتون معه ليسمعهم كلام الله، وقيل‫:‬ بل السبعين، وقيل‫:‬ تركه للسبعين، وتعجله ليس من مروءة الأنبياء، وبالتالي السؤال سؤال إنكار إلى حد ما، وقال بعضهم‫:‬ أبدا، السؤال رحمة، ولطف، ورقة، وتأنيس؛ لأن الخبر الآتي مزعج، مفزع، محزن، مؤسف، اتخذ قومه العجل من بعده، ولم يكن يدري، فلم يرد الله (تبارك وتعالى) أن يفاجئه بذلك، فأراد أن يؤنسه، ويتلطف به فقال (وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَـٰمُوسَىٰ).‬‬
قَالَ هُمْ أُو۟لَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ﴿84﴾
‫(عَلَىٰٓ أَثَرِى) وعلى (إثْري) لغات بمعنى واحد، أي لم أتركهم، وإنما هم قريبون مني على بعد خطوات، وإنما أسرع بي الشوق، وكنى عن الشوق بقوله‫: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ)؛ لأن المسارعة بالطاعة تأتي برضى الله، لكن الكلام يفيد أن التعجل كان بسبب شوق موسى لاستماع الكلام، ولم يصبر على الانتظار؛ ولذا ورد في الخبر أن الله (تبارك وتعالى) يقول في حديث قدسي (اشْتَاقَ الْأَبْرَارُ إِلَى لِقَائِي وَأَنَا إِلَى لِقَائِهِمْ أَشْوَقُ) فقيل‫: إن موسى تعجل بسبب الشوق‫.
قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ ﴿85﴾
ها هو الخبر المفزع المزعج الذي قدم له بكلمة (وَمَآ أَعْجَلَكَ) ونحن نعتقد، والله أعلم، أن ذاك الرأي أرجح، أنها لإيناسه، وتلطفا به، حتى لا يُفاجأ بارتداد قومه (قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ) أي من بعد تركك لهم (وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ) أي ساقهم إلى الضلال، وقرأت (وأضلُّهم) أي هم ضلُّوا، والسامري أشد ضلالة، والسامري اختلفوا فيه كثيرا، فمنهم من قال‫: إنه من قوم موسى، من بني إسرائيل، وكان منافقا، وكانا صائغا كمهنة، ومنهم من قال‫: إنه من قوم فرعون، ومنهم من قال‫: لا من قوم موسى، ولا من قوم فرعون، ولكن من بلد أخرى تدعى السامرة، أقوال لا تقدم، ولا تؤخر، وإنما هو ضل وأضل‫.
فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَـٰنَ أَسِفًۭا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى ﴿86﴾
الكلام هنا مختصر؛ لأن القصة وردت تفصيلا في مواضع أخرى، وهنا فيها بعض الاختصار، وفيها إضافات قد تجدها غير موجودة في نفس القصة في مواضع أخرى (فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَـٰنَ أَسِفًۭا ۚ ) الأسف‫:‬ الحزن الشديد المصاحب للغضب (قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ ) الكلام لقومه، والقوم ومعهم هارون حيث تركه موسى، وقال له‫:‬ (ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ (١٤٢)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٤٢]، وكأنه كان يستشعر في نفسه وجود المفسدين بين القوم، بدليل أنهم طلبوا منه أن يجعل لهم إلها، كما لهم آلهة، فهو استشعار من موسى، وبصيرة الأنبياء التي لا تُخطئ، ولما رجع خاطب قومه، بعضهم عبد العجل وهم الأغلبية والأكثرية، والبعض بقي على ثباته، وعلى إيمانه مع هارون، والخطاب للجميع (قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ ) وعدهم بالنصر، وعدهم بنزول التوراة مكتوبة فيها حكم الله، وعدهم بأن من تاب وآمن وعمل صالحا وجد الله غفاراً (أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ) المدة أربعون ليلة، ليست أربعون شهرا، ولا أربعون عاما (أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى) ولا يريد إنسان مهما كان أن ينزل عليه الغضب من الله، لكن المقصود تعملون من الأعمال ما يتسبب في حلول الغضب (فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى) وهنا السر في الخلاف، ما هو الموعد الذي أخلفوه؟ من هنا قال العلماء‫:‬ إن موسى سبق مع السبعين على أن يلحق به هارون وبقية القوم إلى الطور، وذاك من أرجح الأقوال لما سوف يأتي، لكنهم لم يتحركوا، ومكثوا إلى جوار عجلهم، وهو حين غادر بالسبعين سبق السبعين، وتعجل فكان السؤال (وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَـٰمُوسَىٰ) وقال بعضهم‫:‬ الموعد هنا الأوامر بالثبات، بمعنى الوعد (فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى) أي أخلفتم وعدي بالثبات على الإيمان، وطاعة الله، وطاعة هارون حتى أعود إليكم، والله أعلم بمراده‫.‬‬‬‬
قَالُوا۟ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًۭا مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَـٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ ﴿87﴾
‫(قَالُوا۟ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا) (بمَلْكنا) (بمُلكنا) (بمِلكنا) ثلاث قراءات، والثلاث من ملك الشيء، ملَكَهُ مُلكا ومَلكا ومِلكا، لكن المعاني قد تتغير، وإن كان البعض قال‫:‬ إنها لغات بنفس المعنى، لكن بمِلكنا بطاقتنا، استطاعتنا، بمَلكنا بتمَلكنا للصواب كأنه اعتراف بالخطأ، بمُلكنا‫:‬ بسلطاننا (وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًۭا مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَـٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ) الكلام عن الحلي الذي استعاروه من أهل مصر قبل خروجهم، والآية فيها من التأملات ما فيها (حُمِّلْنَآ) وكأنهم حملوها مكرهين (حَمَلْنا) قراءة أخرى تؤكد قول بعض المفسرين بأنهم حملوها مختارين، فهل استعاروا الحلي والمصاغ كرها أم بالحيلة؟ بالحيلة (وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًۭا) الأوزار‫:‬ الأثقال، وتطلق على الذنوب، والمعاصي، فلم أطلقوا على الحلي كلمة أوزارا؟ لِم لمْ يكن التعبير، وحُملنا حلياً من القوم، أو من حلي القوم؟ قيل‫:‬ إن السامري خدعهم بقوله‫:‬ تأخر عليكم موسى بسبب الحلي الذي أخذتموه من أهل مصر، وخرجتم به ولا يحل لكم، وقيل‫:‬ إن الحلي قذفه البحر بعد غرق فرعون وجنوده، ولم تحل لهم الغنائم كما أحلت للنبي (صلى الله عليه وسلم) فسواء أكانوا قد أخذوا الحلي من بني إسرائيل بادعاء الفرح، والعيد وما إلى ذلك تعويضا عما تركوه، أو أخذوه مما قذفه البحر، فهو لا يحل لهم بأي حال، وعليه فقد كانت خطيئة، من هنا أطلق كلمة (أَوْزَارًۭا) حُملنا أوزارا من زينة القوم، فقذفناها في النار؛ لأن السامري قال لهم‫:‬ احرقوها، وكانت الغنائم تحرق فلم تحل الغنائم لأحد قبل محمد (صلى الله عليه وسلم) فقذفوها في النار، وألقى السامري أيضا ما معه من الحلي (فَقَذَفْنَـٰهَا) في النار، أو فقذفناها إلى السامري (فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ) ألقى ما معه‫.
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًۭا جَسَدًۭا لَّهُۥ خُوَارٌۭ فَقَالُوا۟ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ ﴿88﴾
هذا العجل اختلفت فيه الآراء، من قائل‫: إن السامري رأي جبريل، عليه السلام، على فرسه حين نزل إلى موسى، ولاحظ أن حوافر الفرس إذا لمست الأرض اخضرت، فأخذ حفنة من التراب من أثر حوافر فرس جبريل، وحين قذف بالحلي، وبالذهب في النار، قذف معه ذلك التراب، وهذا التراب من حوافر فرس جبريل، فرس الحياة، ما يلامس شيئا إلا وحياه، من هنا حين صاغ لهم العجل أصبح العجل ذا لحم، ودم، بغير روح، فالنافخ للروح هو الله، وكان له خوار، وقيل‫: خار مرة واحدة وسكت، وقال البعض‫: بل هو قد صاغ لهم العجل من الذهب، وجعله مجوفا، وبه أنابيب، أو خروق ووضعه في اتجاه الريح، بحيث إذا دخل الريح وخرج حدث الصوت الذي يحسبونه خوار (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًۭا جَسَدًۭا) إذاً فلا روح فيه سواء كان من ذهب، أو من لحم، ودم (لَّهُۥ خُوَارٌۭ) صوت، وادعى السامري أن موسى نسي أن ربه موجود هنا، وذهب يبحث عنه، منتهى سوء الأدب، والتطاول على مقام النبوة، والرسالة، فهو لا يهتدي إلى ربه بنفسه، ولا يهديه ربه إليه (فَقَالُوا۟ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ) أي قال السامري، ومن تبعه‫: إن موسى ضلّ، ونسي، وذهب يبحث عن ربه في فكان آخر، أو فنسي السامري، أي ترك العقيدة، وترك الشريعة، وكفر، يرد ربنا على كل ذي عقل‫.
أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًۭا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ﴿89﴾
من قالوا‫: إنه خار مرة واحدة، ولم يكررها، أو القائلون بأنه كان من الذهب والريح هو السبب في الخوار، لم يرجع إليهم قولا، أي أنه لا يفهم ما يقولون، ولا يرد دعاءهم، ولا يملك أن يضرهم، ولا يملك أن ينفعهم‫.
وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَـٰرُونُ مِن قَبْلُ يَـٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوٓا۟ أَمْرِى ﴿90﴾
‫(فُتِنتُم بِهِۦ ۖ ) أي فُتنتم بالعجل فتنة، وابتلاء، وامتحان (وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ) المنعم عليكم بهذه النعم، بالإنجاء من فرعون، بالمنّ، بالسلوى، بالمغفرة للذنوب (فَٱتَّبِعُونِى) في عبادته (وَأَطِيعُوٓا۟ أَمْرِى).
قَالُوا۟ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ ﴿91﴾
عاكفين‫:‬ ملازمين له، عابدين له (قَالُوا۟ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ) أي ملازمين له، وذاك يؤكد قول من قال‫:‬ إن المطلوب من هارون أن يسعى بالقوم للحاق بموسى في الموعد، في الطور، فرفضوا المسير مع هارون للحاق بموسى، وقالوا‫:‬ ذهب موسى يبحث عن ربه هناك، وربه هنا، ذاك قول، والقول الآخر (قَالُوا۟ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ) أي رفضوا التوبة، والرجوع إلى الله، وظلوا على عبادتهم للعجل حتى يرجع موسى، ويرى رأيه هل يعبد معهم، أم لا؟.‬
‫أيها الأخ المسلم، تلك نبذة عن بني إسرائيل في عصر موسى، في عصر النبوة، وكلكم يعرف سيرة المصطفى، وكيف كان الناس في عصره؟ كيف كان الأصحاب، كيف كان المهاجرون والأنصار؟ كيف وُصفوا في القرآن (أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ۖ ) [سورة الحديد آية‫:‬ ١٩] الأنصار (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌۭ ۚ ) [سورة الحشر آية‫:‬ ٩] حتى الذين جاءوا من بعدهم (يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَـٰنِ) [سورة الحشر آية‫:‬ ١٠]، في عصر النبوة أفضل القرون؛ إذ هم في حماية شريعتهم، لم تُبدَّل، ولم تُحرَّف، حائزين على بركة نبيهم، وتوجيهه، أما بعد انتقال النبي من الأنبياء إلى الرفيق الأعلى، وطول المدة، وطول العهد، يحدث تحريف، يحدث انحراف، يحدث فهم خاطئ، هؤلاء في عصر موسى، في عصر النبوة، في عصر الرسالة، وما حدث لهم لم يحدث مع أمة كأمة محمد، كم أوذي الصحابة، كيف عُذبوا؟! كيف هاجروا إلى الحبشة الهجرة الأولى، ثم هاجروا إلى الحبشة الثانية، ثم هاجروا إلى المدينة؟! كيف قوتلوا في بدر؟! كيف قوتلوا في أحد؟! كيف حوصروا في الأحزاب؟! كيف كانوا يأكلون كل عشرة تمرة؟! وكل عشرة يتعاقبون بعيرا؟! كيف كانوا يمصون النوى من الجوع؟! كيف كانوا يأكلون ورق الشجر؟! ويحلف أحدهم أن الرجل كان يضع كما تضع الشاة، أي الشكل الخارج من الرجل من فضلات شكل ما يخرج من البعير، ومن الشاة من أكلهم ورق الشجر، حتى النبي أكل ورق الشجر، وربط الحجر على بطنه، لم يحدث لهم ما حدث مع قوم موسى، العصا، الحية، الطوفان، الجراد، القمل، الضفادع، الدم، الآيات المفصلات التي سلطت على فرعون، الرجز، الإنجاء بعد ذلك لبني إسرائيل، جواز البحر، المن، السلوى، التوراة التي نزلت مكتوبة، نتق الجبل، كل ذلك، ومع ذلك تسمع وصف القرآن لبني إسرائيل في عصر النبوة، لِم يحكِ الله لنا ذلك للتسلّي، إنما ليعرفنا أن هؤلاء قتلة الأنبياء، هؤلاء الذين زعموا لله الولد، هؤلاء ناكثو العهود، ناقضو المعاهدات (أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُوا۟ عَهْدًۭا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌۭ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٠٠]، إذا كان هذا سلوك اليهود مع الأنبياء، فكيف سلوكهم مع سلاطين العرب، وملوكهم، وهم ليسوا بأنبياء، ولا بمرسلين، إذا كانوا قد خالفوا وخالفوا العهد مع سيد الخلق، وهم قلة محصورون في خبير في المدينة، فكيف وهم يملكون السلاح النووي، مع من عاهدوهم من ملوك ورؤساء العرب، انتبهوا فالقرآن نزل لنعي ما فيه، ونعمل بما جاء فيه، رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا، وعاتبهم، وسألهم، ولكنه توجه باللوم إلى أخيه الذي استخلفه في قومه، يحكي لنا القرآن فيقول الله (عز وجل):‬
قَالَ يَـٰهَـٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوٓا۟ ﴿92﴾ أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ﴿93﴾
والآية هنا فيها اختصار للمشهد الذي جاء تفصيلا في مكان آخر، حيث جاء موسى غاضبا شديد الغضب لله، وكان يحمل التوراة فألقاها من يديه، تعبيرا عن غضبه، ثم أخذ بلحية أخيه بيمناه، وأخذ برأسه بيسراه، وجره على الأرض بيديه من لحيته، وشعر رأسه غضبا لله، وقد كان موسى، عليه السلام، شديدا في الحق، عنيفا، يغضب لكل ما يغضب الله (عز وجل) بعنف، وهنا خاف هارون أن يعتقد الناس أن موسى يعاقبه، أو أن ينزل قدره بين الناس فاسترحم أخاه بأساليب جاءت في القرآن في مواضع مختلفة، هنا كان التعبير (يا ابن أم)
قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٓ ۖ إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى ﴿94﴾
‫(قَالَ يَبْنَؤُمَّ) وخص الأم بالذكر، وقد كان شقيقا له من أب وأم، وخص الأم بالذكر استرحاما لموسى، وتذكيرا بصلة الرحم، وأنهما من رحم واحد (إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى) هذا الذي أخاف هارون، لم ألحق بك؛ لأني لو لحقت بك للحق بك معي بعض الناس، ولبقي الآخرون، ماذا أفعل فيمن مكث حول العجل؟ وربما يحدث تقاتل، إذا فخوف هارون أن يحدث التفرقة بين الناس، أو الفرقة، أو القتال، أو التنازع، أيضا انتظر عودة موسى، واعتزلهم، ولم يستطع أن يترك الكل ويمشي منفرداً، فقال‫: (خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى) أي لم تنتظر أمري، فانتظرت حتى تعود، وترى رأيك فيهم، وهنا توجّه موسى إلى السامري‫.
قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَـٰسَـٰمِرِىُّ ﴿95﴾
وهنا يبيّن العدل المطلق، لم يؤاخذ إلا بعد السؤال، فإن للمتهم مهما كان فعله الحق في أن يدافع عن نفسه ويبرر، حتى لو ارتكب الجرم، فقد تكون العقوبة مخففة لوجود الظروف ها هو يسأل (يَـٰسَـٰمِرِىُّ) ما حملك على فعلت، ما خطبك يا سامري، وخطب الشيء إرادته‫.
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا۟ بِهِۦ فَقَبَضْتُ قَبْضَةًۭ مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى ﴿96﴾
‫(قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا۟ بِهِۦ) (تَبصُروا) قراءة أخرى، بصرت، رأيت ببصري، بصرا الشيء‫: علمه، علمت؛ لأنه رأى فرس جبريل، ورأى الاخضرار الذي يحدث من أثر حافره (فَقَبَضْتُ قَبْضَةًۭ) (فقبصت قبصة) بالصاد، القبض‫: بجميع الكف، القبص‫: بأطراف الأصابع (مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ) جبريل (فَنَبَذْتُهَا) طرحتها في النار، أو في العجل (وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى) زينت لي نفسي، وقعت العقوبة، وأصدر الحكم‫.
قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًۭا لَّن تُخْلَفَهُۥ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًۭا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا ﴿97﴾
هذه العقوبة اختلف فيها الناس من قائل‫: لا مساس بمعنى أنه نفاه، وذاك أصل في نفي أهل البدع، وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه، ولا يمسوه، وهو لا يمس أحد منهم، فيعيش وحيدا، فريدا، طريدا في البرية كالوحش، كأنه يقول‫: لا يمسني أحد، ولا أمسّه، وقال البعض‫: أبداً كان ذاك قوله، وسلط الله، تبارك وتعالى، عليه هذه المقولة، وابتلاه بالوسواس، وذاك أول وسواس في الأرض، وأنه يعتقد إذا مس أحداً أو مسّه أحد حُمَّ ومات في التو، فكان يجري يقول‫: لا مساس، لا مساس (وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًۭا لَّن تُخْلَفَهُۥ ۖ ) (تُخْلِفْه )، (تُخْلَفْه) أي لا تجده مخلفا، ولا يخلفك الله هذا الوعد (لَّن تُخْلَفَهُۥ ۖ ) أي لن تستطيع أن تحيد عنه، بل أنت آتي ذاك الوعد، وهو يوم القيامة لا محالة، فعذابه في الدنيا أن يقول لا مساس، عاش وحيداً طريدا كالوحش في البرية، لا يخالطه أحد، ولا يخالط أحد، أما في يوم القيامة فله العذاب الأكبر في ذاك الوعد (وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِكَ) العجل (ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًۭا ۖ ) مكثت، وبقيت، وعكفت عليه تعبده (لنُحَرِقنّه، لنُحْرِقنه، لَنحْرُقنّه) (لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ) الحرق بالنار (لَنحْرُقنّه) البرد بالمبارد حتى يصبح برادة، وذاك أشبه أو أقرب؛ لأنه يقول (ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا) نذريه، فإذا حُرِّق العجل المصنوع من الذهب يصبح يسيل، يصبح سائلا، فكيف يُذَر؛ ولذا قرأت لنَحْرُقَنَّه بالمبارد، فيصبح برادة، ثم لننسفنه نذريه، ونطيره‫.
إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًۭا ﴿98﴾
إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو، الصانع، الخالق، الرازق، المنعم، وليس هذا العجل الذي صنعتموه من مادة زائلة، ورأيتم الصائغ يصوغ هذا العجل، فكيف يكون إلها، وهو مصنوع والصانع أعلى درجة من المصنوع، ولا يتكلم، وليست فيه حياة، ولا ينفع، ولا يضر مما يدل على السفاهة، والجهالة، والعناد لبني إسرائيل، هم ليسوا أذكياء، وإنما جبارين في الأرض، متكبرين كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم، يأكلون السحت، يأكلون الربا، ويحرفون التوراة ويهتكون الأعراض ويفسدون في الأرض أسوأ من خلقهم ربنا على الإطلاق هم اليهود، الفئة المستثناة هم الذين آمنوا بموسى، ثم الذين آمنوا بعيسى، ثم الذين آمنوا بمحمد (صلى الله عليه وسلم) تختم الآيات بقول الله (عز وجل) (إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًۭا) العالم بكل شيء، المحيط علمه بكل شيء، فقد قص الله (تبارك وتعالى) على حبيبه المصطفى قصة موسى، ثم امتن عليه قائلا‫:
كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًۭا ﴿99﴾
أي كما قصصنا عليك، ومثلما قصصنا عليك قصة موسى، نقص عليك من قصص الأولين لتكون معجزة لك، إظهارا لصدقك، فتلك أنباء لم تعلمها أنت، ولا قومك من قبل هذا، علمتها بالوحي تصديقا لك، ورفعة لشأنك، وإظهارا لصدقك، أعطيناك من عندنا ذكرا، وهو القرآن، وسمي القرآن ذِكراً؛ لأن فيه ذكر الله؛ ولأنه حقيقٌ بأن يُتذكر، ويتدبر‫.
مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُۥ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وِزْرًا ﴿100﴾ خَـٰلِدِينَ فِيهِ ۖ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ حِمْلًۭا ﴿101﴾
من أعرض عن هذا الذكر، من أعرض عن هذا القرآن، من كفر به، من لم يؤمن به، من لم يعمل بما جاء فيه (فَإِنَّهُۥ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وِزْرًا) حملاً ثقيلا، يثقله في جهنم (خَـٰلِدِينَ فِيهِ ۖ ) في حملهم للوزر، دائمين لحمله، أو خالدين في نتيجة حملهم للوزر، أي خالدين في عقابه ألا وهو جهنم (وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ حِمْلًۭا) أي بئس ما يحملون‫.
يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍۢ زُرْقًۭا ﴿102﴾ يَتَخَـٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًۭا ﴿103﴾ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًۭا ﴿104﴾
‫(الصُوَر) قراءة، الصُوَر أي الأجساد ينفخ فيه الروح فتُبعث، أو الصُور وهو الآلة، أو الأداة، أو البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل نفخة الإبادة، ثم نفخة الإحياء والإعادة (يوم يَنفخ) قراءة، (وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ) (ويُحشَر المجرمون) (يَوْمَئِذٍۢ زُرْقًۭا) قراءة، وإن خالفت رسم المصحف، يحشرون زرق العيون تشويها لهم، مع سواد وجوههم، أو زُرقا بمعنى عميا؛ لأن العين إذا عميت ازرق سوادها، أو عطاشاً لأن شدة العطش تؤدي إلى زرقة العين، والمجرمون هم الكافرون، والمشركون (يَوْمَئِذٍۢ) أي يوم يُنفخ في الصور النفخة الثانية (يَتَخَـٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًۭا) أي يهمس بعضهم لبعض قائلين، لبثنا عشر ليالٍ، يشيرون إلى مدة لبثهم في الدنيا، فالدنيا إلى زوال وقصيرة بالنسبة للآخرة، أو يشيرون إلى مدة بقائهم في القبور، أو يشيرون إلى مدة بين النفختين، حيث يرفع العذاب عن المعذبين في قبورهم (نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًۭا) ربنا (تبارك وتعالى) يعلم السر وأخفى، فهو عالم بأقوالهم وإن تخافتوا بها، لكن أعدلهم، أو أقربهم إلى الصواب، أو أشدهم عقلا وأرجحهم رأيا إن لبثتم إلا يوما، أي يوم واحداً في الدنيا، أو القبور، أو بين النفختين، أو في كل ذلك بالقياس للآخرة التي لا زوال لها، الدائمة التي لا انتهاء لها، والغرض من الآيات ليس بيان حقيقة مدة اللبث، فلم تكن يوماً، ولم تكن عشراً، وإنما الغرض هو بيان قصر مدة الدنيا بالنسبة للآخرة، بالنسبة للقيامة، بالنسبة للخلود في الجنة، أو الخلود في النار‫.
وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًۭا ﴿105﴾ فَيَذَرُهَا قَاعًۭا صَفْصَفًۭا ﴿106﴾ لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًۭا وَلَآ أَمْتًۭا ﴿107﴾
يسأل المشركون النبي (صلى الله عليه وسلم) مستهزئين عن القيامة، ماذا يفعل الله بهذه الجبال الشامخة، الراسخة، ومكة كلها جبال، سبع جبال تحيط بها من كل جانب، والحجاز فيها الجبال الكثيرة، الصلدة، الصعبة، فيسألوه عن الجبال ما يكون شأنها في يوم القيامة (فَقُلْ) أجب (يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًۭا) يقلعها من مكانها، ويصيّرها كرمال، ثم تطير في الهواء، فيذريها في الهواء كالغبار، ثم تصبح كالعهن المنفوش، ثم تصبح هباءً منثورا، لكن الآية فيها حرف الفاء (فَقُلْ) في كل القرآن (يسألونك) قل بغير فاء (يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ) [سورة البقرة آية‫: ٢١٩]، (وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ) [سورة البقرة آية‫: ٢٢٢]، (وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ۖ قُلْ) [سورة البقرة آية‫: ٢٢٠]، (يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ) [سورة البقرة آية‫: ١٨٩]، هنا الوحيدة (فقل) وصياغة الآية تدل على معنى الشرط، إذاً فالآية نزلت قبل السؤال، إن سألوك عن الجبال فقل، فهي من معجزات النبي حيث أنبأه الله بما سوف يسألون عنه، وأنبأه بالإجابة (فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًۭا ﴿١۰٥﴾ فَيَذَرُهَا قَاعًۭا صَفْصَفًۭا) يذرها‫: يتركها، أي يترك مواضعها (قَاعًۭا)، أرض خلاء خاوية، لا نبات فيها، ولا بناء، (صَفْصَفًۭا): مستوية، كأن أجزاءها صف واحد، فهي خالية مستوية ملساء بعد نسف الجبال تصبح الأرض، ويصبح مقار الجبال كلها خاوية، لا ثبات، لا بناء، مستوية ملساء (لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًۭا وَلَآ أَمْتًۭا) لا ترى فيها انخفاضا، ولا ارتفاعا، الأمت‫: الارتفاع، والعوج الانخفاض، أو التعرج، لا ترى في الأرض في ذلك اليوم بعد نسف الجبال انخفاضا، ولا ارتفاعا، ولا نباتا، ولا بناءً، لكن هي مستوية، ملساء، جرداء، لا شيء فيها‫.
يَوْمَئِذٍۢ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُۥ ۖ وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًۭا ﴿108﴾ يَوْمَئِذٍۢ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًۭا ﴿109﴾ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلْمًۭا ﴿110﴾
‫(يَوْمَئِذٍۢ ) في ذاك اليوم (يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ) الداعي هنا قيل‫: هو إسرافيل الذي نفخ في الصور، يتبعون الخلائق في أرض المحشر المستوية، القاع، الصفصف، يسيرون وراءه (لَا عِوَجَ لَهُۥ ۖ ) أي لا عوج لدعائه أو (لَا عِوَجَ لَهُۥ ۖ ) بمعنى يتبعون الداعي اتباعا لا عوج له، فلا يزيغون عنه، ولا ينحرفون عنه، لا مهرب، ولا منجى، لا فرار، بل هم يتبعون الداعي رغم أنوفهم، لا ينحرف أحد منهم، ولا يزيغ، يتبعون الداعي لا عوج لاتباعهم، أو اتباعا لا عوج له، أو الداعي لا عوج لدعوته (وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ) سكتت الأصوات جميعها للرحمن، من هيبة الملك الحق (فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًۭا) الهمس‫: الصوت الخفي، وقيل‫: هو تحريك الشفتين، واللسان، وقيل‫: المعنى هنا بخفق الأقدام، فلا تسمع إلا همسا أي همس الأقدام، فقد سكتت الأفواه، خفق الأقدام في طريقهم إلى المحشر (يَوْمَئِذٍۢ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًۭا) في ذلك اليوم لا تنفع الشفاعة، أي لا تنفع شفاعة شافع إلا إذا أذن له الله أن يشفع (وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًۭا) ورضي من الشافع قوله الذي يشفع به فيمن يشفع له، ، لا تنفع شفاعة الشافعين إلا من أذن له في الشفاعة، ورضي الله عن قوله فيمن يشفع فيه، أو لا تنفع الشفاعة أحداً من الناس إلا من أذن له الرحمن، أي أذن أن يُشفع فيه، كما قال نبينا ( ثُمَّ أَشْفَعُ ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا ، فَأُخْرِجُهُمْ فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ) لا يشفع الشافع برغبته، وإنما يؤذن له كما يؤذن فيمن يشفع فيه، فلا تنفع الشفاعة أحداً من الناس إلا إذا أذن الله أن يشفع له، ورضي له قولا، رضي للشافع ما يقول، أو رضي للمشفوع فيه قولا، فما هو القول الذي يرضي الله بحيث يستحق القائل أن يؤذن له في أن يُشفع فيه؟ قول واحد (لا إله إلا الله)؛ إذ الشفاعة يوم القيامة لا تجب إلا للموحدين القائلين‫: (لا إله إلا الله) (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) يعلم أحوالهم قبل البعث، وأعمارهم، وأنفاسهم، وأعمالهم، يعلم ما خلفهم، وما هو مستقبل لهم من ثواب أو من عقاب، يعلم ما فات، وما هو آت بالنسبة للخلائق جمعيا (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلْمًۭا) بمعلوماته (عِلْمًۭا) يعلم ما فات، وما هو آت، لكن الخلائق لا يحيطون بمعلوماته علما أو (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلْمًۭا) بذاته؛ إذ لا يعرف الله على الحقيقة إلا الله، فلا يعرف كنه ذاته مخلوق‫.
وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًۭا ﴿111﴾
عنت‫: ذلت، وخشعت، كما يُذل ويخشع العناة الأسارى، العاني‫: هو الأسير، رجال عناة ونساء عوان، وتذكرون ما قيل للنبي (صلى الله عليه وسلم) ( فُكُّوا الْعَانِيَ) وما قاله عن النساء ( فَإِنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ) (وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ) عَنِي يعني ذل، وخشع، كما يذل الأسير‫: (ٱلْوُجُوهُ) أهي وجوه المجرمين فقط، أم هي وجوه الخلائق جمعيا؟ قولان عنت الوجوه (لِلْحَىِّ) الدائم الحياة، لم تسبق حياته موت، ولا يلحق حياته موت، فهو الحي أزلاً، أبداً، لا يستمد الحياة من غيره، بل هو الحي المطلق، لم يسبق هذه الحياة موت، ولا يلحقها فناء، ولا موت (ٱلْقَيُّومِ ۖ ) القائم على كل نفس بما كسبت، القائم بتدبير أمور الخلائق، المعطي للخلائق ما به قوامهم الدائم، الذي لا يزال (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًۭا) من حمل في ذلك اليوم شركا، وكفرا (إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌۭ (١٣)) [سورة لقمان آية‫: ١٣]، فقد خسر وضاع، وهلك، أما المؤمن، وبضدها تتميز الأشياء‫.
وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًۭا وَلَا هَضْمًۭا ﴿112﴾
‫(وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ) شرط قبول العمل الصالح الإيمان؛ لذا تجد في القرآن لا يفصل بين الإيمان، والعمل الصالح (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ) (من) هنا إما للتبعيض وذاك - أمل - بعض الصالحات، وإما هي للبيان (وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ) شرط لقبول العمل الصالح (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًۭا وَلَا هَضْمًۭا) (فلا يخف) قراءة، جواب ومن يعمل، الفرق بين الظلم، والهضم، الظلم‫: منع الحق كله، والهضم‫: انقاص الحق (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًۭا) أي ضياعا لحقوقه، وثوابه، أو إنقاصا لأجره، وقيل (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًۭا) ألا توضع له سيئات، فلا يزاد في سيئاته ولا ينقص من حسناته‫.
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًۭا ﴿113﴾
أي ومثل ما أوحينا إليك هذه الآيات، وأنزلناها إليك، وهي تبين مشهدا من مشاهد يوم القيامة، وكذلك قصص الأنبياء، أنزلنا القرآن كله عربيا، فصيحا، معجزا، واضحا بلسان قومك، أي وكما أنزلنا الآيات، والقصص باللغة العربية، والبيان الواضح، أنزلنا القرآن كله (وَصَرَّفْنَا فِيهِ) كررنا، ونوعنا، وصرفنا، التصريف‫: التكرير، التصريف‫: التنوع، التصريف‫: الإتيان بالشيء درجة، درجة (وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ) الوعيد‫: التخويف والترهيب، الوعد بالثواب والوعيد بالعقاب، (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًۭا) (أو نحدث لهم) قراءة، لعلهم يتقون الشرك، والمعاصي، ونزل القرآن عربيا بلغتهم، واضحا غاية الوضوح، فيه خبر الأمم السابقة، فيه الدليل على صدق النبي (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌۭ مِّنْهُ) [سورة هود آية‫: ١٧]، فالقرآن شاهد على نفسه بصدقه، فيه دليل صدقه (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) الشرك والمعاصي (أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًۭا) أي يتدبرون، ويتذكرون، أو يحدث في قلوبهم من الموعظة ما يدفعهم لامتثال الأوامر، واجتناب النواهي‫.
فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا ﴿114﴾
‫(فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۗ ) تنزيه مطلق لله (عز وجل) عما يقوله المشركون، زعموا له الولد، زعموا أن الملائكة بنات الله، والكلام عن قوم النبي (صلى الله عليه وسلم) الذين كذبوه، عن أهل مكة، بعد التخويف، بعد التهديد، بعد الوعيد، بعد الكلام عن يوم القيامة، ومشاهد يوم القيامة، وكيف تعنو الوجوه للحي القيوم؟ كيف يخيب من يحمل ظلما؟ كيف يثاب من يؤمن ويعمل الصالحات؟ يبين ربنا (تبارك وتعالى) أن القرآن نزل بلغة عربية فصيحة هي لغتهم، تحداهم به، وصرف فيه من الوعيد لعلهم يتقون، أو يحدث لهم ذكرا، ويأتي التنزيه لله عن أقوالهم (فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ) تمجد، وتقدست ذاته، وتعالى علوا كبيرا عما يقوله المشركون (ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۗ ) الحقيق بأن يرجى ثوابه، ويخاف عقابه، الملك بحق، الملك والمالك، حقيق بأن تجتنب نواهيه، وتمتثل أوامره، حقيق بأن يرجى ثوابه، ويخاف عقابه، هو الملك الحق الدائم الحق الثابت، الحق الواجب، ثم يأتي بعد ذلك التوجه لسيد الخلق (وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ ۖ ) (من قبل أن نقضي إليك وَحَيَه) قراءات (وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا) قيل‫:‬ إن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان حريصا على حفظ القرآن من جبريل، حريصا على جمعه في قلبه، فكان إذا جاءه جبريل وتلا عليه الوحي تابعه النبي (صلى الله عليه وسلم) كلمة بكلمة، من هنا نبهه الله (تبارك وتعالى) ووجهه للاستماع فقط، والانتظار حتى ينتهي جبريل من إلقاء الوحي (وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ) أي لا تتعجل الحفظ، والتلاوة بلسانك أثناء قراءة جبريل، بل انتظر حتى يقضى الوحي، أي ينتهي الوحي، ذاك معنى، وقيل‫:‬ كان النبي إذا تراخى جبريل في النزول، أو تأخر، كان حريصا على نزول المزيد من القرآن، والجديد من هذا الذكر الحكيم، فهو كلام الله، ولا يمكن أن يوجد على الأرض مخلوق يحس بطعم هذا الكلام إلا من أوحي إليه عليه الصلاة والسلام، مهما شعرنا، ومهما أحسسنا، من هنا كان يتعجل نزول القرآن، يتعجل نزول المزيد من الوحي، فربنا يقول لا تتعجل نزول القرآن، وانتظر حتى ينزل وقتما يشاء، معنى آخر، المعنى الثالث‫:‬ أن الله (تبارك وتعالى) يخبره لا تتكلم بما أوحى إليك من القرآن قبل أن ينزل إليك التأويل، أي لا تحدثهم بما أوحى إليك حتى ينتهي الوحي تماما في الموضوع، ويأتيك تأويله، قول آخر، وهو مرجوح، والقول الأرجح‫:‬ هو أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يتعجل الحفظ، فيتلو أثناء تلاوة جبريل كما جاء في قول الله (عز وجل) (لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ ﴿١٦﴾ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ ﴿١۷﴾) [سورة القيامة آية‫:‬ ١٦ - ١٧] نهاه ربنا (تبارك وتعالى) عن التعجل في الحفظ، وأمره بالانتظار حتى يقضى الوحي (وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا ) أمره بالدعاء، وطلب العلم الذي لا نهاية له‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، علّم ربنا الإنسان ما لم يعلم، والإنسان لا يعلم إلا أن يعلّمه الله، من هنا كان طلب العلم من الله من أهم الطلبات التي يدعو بها المؤمن، خاصة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد أُمر بهذا الدعاء (وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا) فتأتي بعد ذلك قصة آدم، وأمر الملائكة بالسجود له، وعصيان إبليس، وكأن الكلام متصل، (وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًۭا ﴿١١۳﴾ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۗ ) وها هو البيان، والتذكير بالعصيان الأول، التنبيه بعداوة إبليس، وكيف فعل مع أبينا آدم حتى نتقي، ونحذر، ونتنبه، وهذه القصة جاءت في سبع سور من القرآن، كررت للبيان، للتحذير، للتنبيه، للتذكير‫.‬‬‬‬
وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًۭا ﴿115﴾
عهدنا إليه‫: أمرناه، عهدنا إليه‫: أوصيناه (مِن قَبْلُ) من قبل أن يأكل من الشجرة، أو من قبل هذا الزمان، عهدنا إليه من قبل أن يقع في المعصية، أي لا عذر له فقد نُبه وحذر (فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًۭا) النسيان يأتي بمعنى السهو، ويأتي بمعنى الترك (وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَىٰكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا) [سورة الجاثية آية‫: ٣٤] النسيان هنا ليس بمعنى السهو، وإنما بمعنى الترك، تُرى هل سها آدم أم ترك؟ قيل‫: جاءه إبليس، وقال، ما قال، وحين أبى آدم أن يأكل من الشجرة التي نهي عنها دلّه إبليس على شجرة أخرى (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ) شجرة أخرى من جنس الشجرة التي نهي عن الأكل منها، فتأوّل آدم، لم يأكل من نفس الشجرة، وإنما أكل من جنسها، من شجرة أخرى ذاك قول، والقول الآخر‫: أنه سها، نسي العهد، سها عن الوصية، في كل الأحوال حين أكل آدم من الشجرة وقع في الخطأ عصى خطأ، وليس عمدا إما ساهيا أو متأوّلا (وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًۭا) أي لم نجد له ثبات قدم على الاتباع، والتمسك بالعهد، والانتهاء عن الأكل من الشجرة، العزم‫: الإرادة، التصميم، ثبات القدم على الأمر، وثبات الرأي؛ ولذا قيل‫: إن آدم ليس من أولي العزم، ذاك قول، القول الآخر (وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًۭا) أي تصميما على العصيان، لم نجد له عزما على الخطيئة، وإنما أكل مخطئا، لم تكن عمداً أي لم يصمم، ويعزم على عصيان الله عمداً، نسي آدم فنسي بنوه، كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) وسمي الإنسان إنسانا لنسيه‫.
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ ﴿116﴾
أمر ربنا الملائكة بالسجود، فسجدوا جمعيا إلا إبليس لم يسجد (أَبَىٰ) استئناف للدلالة على أن امتناعه عن السجود كان لاستكباره، وحين تقول‫: امتنع عن الشيء، قد يمتنع رغم أنفه، إنما إذا قلت (أبى) امتنع وهو قادر على الإتيان بالشيء، فالامتناع عن الشيء قد يكون بسبب العجز، أو عدم الحركة، أو عدم المقدرة، أما إذا قلت امتنع فلان عن كذا، امتنع رغم أنفه، أو امتنع برغبته، لكنك إذا قلت أبى أن يأتي، إذاً امتنع عن الإتيان مع مقدرته على الإتيان، من هنا قالوا‫: (فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ) وانتهى الكلام، وانتهى المعنى، سجدوا إلا إبليس لم يسجد (أَبَىٰ) استئناف من حيث النحو، اللغة، ليدل على أنه امتنع بسبب الاستكبار، لم يكن هناك مانع يمنعه من السجود‫.
فَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّۭ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰٓ ﴿117﴾ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ ﴿118﴾ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا۟ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ﴿119﴾
‫(فَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّۭ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا) أي لا يتسبب في إخراجكما؛ لأنه لا يملك أن يخرجهما، وإنما يتسبب في إخراجهما، أي لا تفعلا فعلا يتسبب في خروجكما طاعة لهذا العدو (إِنَّ هَـٰذَا) الإشارة لإبليس (عَدُوٌّۭ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا) أي فلا يتسبب في إخراجكما من الجنة بسبب طاعتكما له (فَتَشْقَىٰٓ) وهنا توقف العلماء، لم يقل فتشقيا، قال بعض الناس‫: مراعاة للفواصل، رءوس الآي، وقال البعض الآخر‫: (فَتَشْقَىٰٓ) تدل على الشقاء لهما، إذ إن شقاءه مستلزم لشقائها فيها معاً، إن شقي هو شقيت هي معه، فشقاؤه مستلزم لشقائها، وقال البعض الآخر‫: بل هي إشارة إلى أن الرجال قوامون على النساء المكلفون بالنفقة؛ ولذا (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ ﴿١١۸﴾ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا۟ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ﴿١١۹﴾) أربعة مسائل الجوع، العطش، العُري، الحر، كأن الإشارة للأكل والشرب والسكن واللبس وهي الأمور التي يسأل عنها الرجل بالنسبة لامرأته، فإذا وفر الرجل لزوجته المأكل والمشرب، والملبس، والمسكن فقد أدى ما عليه، ما زاد عن ذلك فضل منه (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰٓ) الشقاء في الدنيا بالجري على المعايش، بالسعي على التكسب، الشقاء يأتي من طلب المسكن، من طلب الملبس، من طلب المأكل، من طلب المشرب، التعب في الطلب فبيّن له الله (تبارك وتعالى) أنه في الجنة لا تعب، ولا شقاء، ولا كد، ولا سعي على الرزق، بل كل شيء متوفر له بلا كد، ولا تعب، ولا نصب (إِنَّ لَكَ)، ولذا وجّه الكلام إليه (وأنك، وإنك) قراءتان (وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا۟) العطش (وَلَا تَضْحَىٰ) لا تتعرض لحر الشمس، ضُحى ضُحِياً وضَحَى ضَحْواً: تعرض لحر الشمس وقت الضحو، والغريب في الآية من حيث إعجاز اللغة، والبيان، الفصل بين المتناظرين، الجوع مناظر للعطش، واللبس الذي يحمي من الشمس مناظر للحر، فلم يقل‫: (إن لك ألا تجوع فيها ولا تظمأ) قال (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ ﴿١١۸﴾ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا۟ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ﴿١١۹﴾) ذاك الفصل بين المتناظرين أسلوب من أساليب البلاغة لبيان التأكيد على النعمة المنفصلة، إذاً هي نعم، ليس الجوع والعطش شيء واحد، بل الشبع نعمة، والري نعمة أخرى، واللبس والستر نعمة كذلك، والسكن والسكون نعمة أخرى (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ ﴿١١۸﴾ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا۟ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ﴿١١۹﴾) تلك كانت الوصية، ذاك كان العهد، ذاك كان التوجيه، أغرب ما يكون، ما يُقص علينا بعد ذلك‫.
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍۢ لَّا يَبْلَىٰ ﴿120﴾
ما الذي كان ينقص آدم؟ سبحانك يا رب، يحكي لنا النبي، صلى الله عليه وسلم، فيقول (تَحَاجَّ آدَمُ ومُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلامُ- في البرزخ، أو في حياة موسى، والأنبياء تتقابل كما لقي النبي (صلى الله عليه وسلم) الأنبياء في المسجد الأقصى- فَقَالَ مُوسَى‫: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُونَا خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلائِكَتَهُ، خيَّبْتَنَا وأخرجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى كَلَّمَكَ اللَّهُ تَكْلِيمًا، وَخَطَّ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، وَاصْطَفَاكَ بِرِسَالَتِهِ، فَبِكَمْ وَجَدْتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى قَالَ: بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، قَالَ: فَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِيَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ) أي ألزمه الحجة، فقد بين الله (تبارك وتعالى) لآدم ما أُعِد له في الجنة من أسباب الكفاية، وأقطاب الكفاف، الشبع، الرِي، الكسوة، السكن، وبين له أنه بذلك مستغنيا عن تحصيل أسبابها، أو السعي في استعواض ما قد ينقطع، أو يزول، وعبر عنها بنقائضها فلم يذكر الشبع، والري، والسكن، بل ذكر الأضداد، النقائض، وكأنه يلفت نظره، ويطرق سمعه بما قد يتعرض له حال العصيان، وبما هو قد حذره منه بقوله (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰٓ) بين له أسباب الكفاية التي أعدها له، وهو مستغن عن تحصيل أسبابها، بل هي معدّة له دون مشقة، دون السعي للحصول على أسبابها، كما أنه غير مكلف باستعواض ما قد ينقطع، أو يزول منها؛ إذ هي دائمة لا تزول، وعبّر بالأضداد، والنقائض ليطرق سمعه، مما قد يتعرض له لو أُهبط منها، أو خرج منها، ومع ذلك تحكي لنا الآيات (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍۢ لَّا يَبْلَىٰ) الوسوسة‫: الخطرة السيئة، وأصل كلمة الوسوسة، والوسواس‫: الصوت الخفي، أو الهمس، كيف وسوس الشيطان لآدم؟ مسألة لا يجب الخوض فيها، قيل‫: دخل إبليس في جوف حية، حيث أهبطه الله أصلا حين رفض السجود (قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا) [سورة الأعراف آية‫: ١٣] فهل أخرج، ثم وقف في مكان في السماء، أو في إحدى السموات؟ دخل في جوف حية، كيف دخل؟ كل ذلك لا يعنينا في شيء، المهم أن الشيطان وسوس له (قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ) هل تؤخذ النصيحة من العدو؟ (شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ) هل عرف آدم الموت؟ هل جرب الموت من قبل؟ هل علم أنه سوف يموت؟ هل رأى أحداً مات من قبل؟ كيف يخدعه الشيطان بقوله أدلك على شجرة الخلد، أي الشجرة التي يخلد من أكل منها (وَمُلْكٍۢ لَّا يَبْلَىٰ) لا يزول، لا ينقطع، أي ملك هذا بعد ما كان فيه آدم في الجنة؟ خديعة، كيف خدعه؟ كيف تقبل آدم النصح من عدوه، وقد حذره الله (هَـٰذَا عَدُوٌّۭ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ).
فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ﴿121﴾ ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ﴿122﴾
هل أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها، أم من شجرة أخرى من جنسها، فأولا لم يقرب الشجرة المشار إليها، وإنما أكل من شجرة أخرى من نفس جنس الشجرة، وليس من عين هذه الشجرة، هل هي كذلك كما قيل من بعض الناس؟ أم أنه أكل من نفس الشجرة؟ (فَأَكَلَا مِنْهَا) هل أكل هو أولاً، ثم أكلت هي منها ثانيا؟ هل التهديد بالخروج من الجنة في حالة إذا أكل الاثنان معا، ترى لو أكل أحدهما، وامتنع الآخر، ماذا كان يحدث؟ وهل الإهباط من الجنة كان مرتبطا بأكلها معا؟ لو كان الأمر كذلك لكان من الواجب على أحدهما إذا رأى الآخر يأكل أن ينهاه عن الأكل، ترى لو حدث ذلك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، التعاون على البر لكنهما أكلا (فَبَدَتْ لَهُمَا) ظهرت (سَوْءَٰتُهُمَا) العورة (وَطَفِقَا) أخذا، وأقبلا، واستمر (يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا) يقتطعان أوراق الشجر لستر العورة (مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۚ ) أي من ورق أشجار الجنة كيف كانت مستورة تلك العورة التي انكشفت، وبأي شيء كانت مستورة؟ وما علاقة الأكل بالفم، بانكشاف العورة، وزوال الساتر، أم أن ما انكشف منها هو سوءة المعصية بعد ما خلفا ثوب الطاعة، بالتأمل في قوله (عز وجل) (وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ ۚ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٢٦]، إن كان ما انكشف منهما هو سوءة المعصية بعد خلعهما لثوب الطاعة، إذاً فقد استحوذ عليهم الخوف، والحياء من الله، ففعلا ما يفعل الخائف، إرادة الاختباء والاستخفاء، فأخذا يغطيان أنفسهما بورق الجنة، لا يغطيان العورة فقط، بل يغطيان أنفسهما (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا) كأنهما يريدان الاختباء كما يفعل الخائف حياءً من الله (عز وجل) بعدما أكلا من الشجرة (وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ) العصيان ضد الطاعة، الغي‫:‬ الضلال، الغي‫:‬ الجهل، الغي‫:‬ الفساد، فغوى‫:‬ فضل، ضل عن أي شيء؟ ضلّ عن مطلوبه، لم يحدث له الخلد، ولم يحصّل الملك الذي لا يبلى، فغوى لم يحدث له ما أراد أو ضل عن الخلود في الجنة، أو ضل عن الشجرة، فأكل من شجرة أخرى، فغوى‫:‬ فجهل، جهل الشجرة، وجهل أنه نهي عن جنسها، فلم يأكل من الشجرة، وأكل من شجرة أخرى من نفس الجنس، أو غوى، فسد أي فسد عيشه في الجنة، وذاك أقرب وأرجح‫.‬‬
‫هنا يجب الانتباه لقاعدة هامة، وأدب يجب أن يتأدب به المسلم، ذكر الله (تبارك وتعالى) في كتابه العزيز بعض ذنوب الأنبياء، وذكرت بعضها في الأحاديث، وأقرّ بعضهم بها كما قال إبراهيم‫:‬ كذبت على ربي ثلاث كذبات، لكن كل ذلك لم يقدح في منصبهم، فقد اجتباهم، وهداهم، واصطفاهم، ورفع ذكرهم، وأثنى عليهم، ولم يؤثر ذلك في منصبهم، وتلك الذنوب التي ذكرت في القرآن أو في بعض الأحاديث هي إما خلاف الأولى، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فهي خلاف الأولى لمنصب النبوة، كقوله (عز وجل) في شأن حبيبه المصطفى (عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ ﴿١﴾ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ ﴿٢﴾) [سورة عبس آية‫:‬ ١ - ٢]‬
‫خلاف الأوْلى وكقوله (عز وجل) (عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) [سورة التوبة آية‫:‬ ٤٣] فهي إما خلاف الأوْلى أي خلاف ما يجب بالنسبة لمنصب النبوة، أو بتأويل كما فعل يونس (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٨٧]، ساهم وخرج، وساهم وكان من المدحضين، متأولاً ليس عامدا للعصيان أو المعصية، من هنا يجب أن نتأدب مع الأنبياء والرسل، ولا نذكر ما ذكر عنهم من بعض الهنات، إلا أن تتلى في الآيات، ولا يبدأ الإنسان بالكلام فيها، مثل أن يقول العبد، لقد هرب يونس من قومه دون إذن، لا يصح، أو يقول عبس النبي (صلى الله عليه وسلم) في وجه الأعمى لا يجوز، أو قتل موسى رجلا انتصار لمن هو من شعيته، لا يجوز ولا يصح، كما أن الكلام عن الله (عز وجل) مما قاله المشركون لا يصح إلا بتلاوة الآيات، وقال أحد الأئمة‫:‬ لو أشار المتكلم بيده لنفسه في الكلام، مثل (وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٦٤]، لو أشار إلى يده وهو يقولها قُطعت يده؛ لأنه بذلك شبّه الله بمخلوقاته، وعليه إذا قلت من تلقاء نفسك (عصى آدم) أخطأت، وأثمت، وعوقبت على ذلك، لكن الله يقول، هو الله، هو السيد، وهم العبيد، يقول في شأنهم ما يقول‫.‬‬
‫ثانيا‫:‬ لو قال أحد‫:‬ إن آدم كان عاصيا أثم إثما شديدا، عصى وليس بعاص، وغوى وليس بغاوٍ، فمن خاط ثوبه مرة لا يقال عنه خياط، ومن نحر هديه مرة لا يقال عنه جزار، ومن باع شيئا مرة لا يقال عنه بياع، من هنا حين عصى آدم عصى مرة، كما حكى عنه القرآن، فلا يقال عنه عاص، ولا يقال عنه غاوٍ، وإنما يقال (وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ) ضمن تلاوة الآيات، ولا تقال من تلقاء نفسك، بلا قراءة للقرآن‫.‬‬
‫الأمر الثالث‫:‬ هذه المعصية التي ذكرت في القرآن، أهي صغيرة أم كبيره؟ صغيرة، ليست قتلاً، ليست زنا، ليست ربا، ليست غيبة، ليست نميمة، ليست فرارا من الزحف، ليست من الكبائر، نهى عن أكل شيء فأكله، لكن الله (تبارك وتعالى) حين ذكرها، ونعى عليه فيها عظما لشأنه، وتعظيما لمقامه، فمعصية العالم غير معصية الجاهل، وهكذا فهي ليست بالضخامة التي يتصورها السامع، لكن الله (تبارك وتعالى) حين ذكرها، ذكرها تحذيراً لذرية آدم‫.‬‬
‫الأمر الرابع‫:‬ تأمل واسمع (وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ﴿١٢١﴾ ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ﴿١٢٢﴾) إذاً فقد تاب الله عليه، ومحا معصيته، فذكْر المعصية لمن عصى، وتاب الله عليه من الآثام والذنوب التي قد لا يلتفت إليها المسلم، ولا تعاير على أخيك فيعافيه الله، ويبتليك، ولا يصح أن يعيّر مسلم بمعصية تاب منها، فهي من الذنوب التي حذر منها النبي (صلى الله عليه وسلم) تاب الله عليه واجتباه، تأمل ثم اجتباه، اصطفاه، الجباية الجمع، اجتباه‫:‬ اصطفاه، وضمه إليه، وتاب عليه من هذه المعصية (وَهَدَىٰ) ثبته على التوبة، وعلى الطاعة، ألا يعني هذا أن النبوة جاءت آدم بعد المعصية؟ ألا يعني هذا أن المعصية كانت قبل النبوة، والمعاصي قبل النبوة أمر آخر، ألا يحتمل أن تكون المعصية قبل أن يرزق النبوة.
قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًۢا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ ﴿123﴾
‫(قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًۢا ۖ ) هنا في سورة طه (ٱهْبِطَا) في بعض السور الأخرى (اهبطوا) اهبطا جعل بعض العلماء يقول‫: الخطاب لآدم، ولإبليس؛ لأن آدم وحواء لم يكونا عدوان لبعضهما، والأرجح، والأشبه للصواب، أن يكون الخطاب لآدم ولحواء، والمقصود الذرية، ولما كان آدم وحواء أصلا الذرية خاطبهما بمخاطبتهم، فحين قال‫: اهبطوا، وحين، قال اهبطا، المقصود بالعداوة المتوقعة، هي عداوة الذرية في هذه الدنيا، والتنازع، والتنافس فيها، والتحارب من أجل زينتها، وزخرفها (قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًۢا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى) هدى‫: كتاب، هدى الرسول (فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ) فلا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، إذاً فقد ضمن الله (تبارك وتعالى) لمن آمن به وبرسوله، وقرأ القرآن، وعمل بما فيه، ضمن له ألا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة‫.
وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةًۭ ضَنكًۭا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ ﴿124﴾ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِىٓ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًۭا ﴿125﴾ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ ﴿126﴾
‫(وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى) أي عن الهدى الذي يدعو إلى ذكري وعبادتي، الهدى، الكتاب، الرسول الذي جاء يذكر بالله، ويدعو الناس إلى عبادته، من أعرض عن ذكري (فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةًۭ ضَنكًۭا) (ضنكي) قراءة، الضنك‫: مصدر يستخدم، ويستعمل بالنسبة للمفرد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، ضنُك يضنُك ضنكا، وضنوكةً وضناكة‫: ضاق، (ونحشُرْه، ونحُشُرُهُ يوم القيامة أعمى) المعيشة الضنك، قالوا‫: المعيشة في الدنيا، قال بعضهم‫: كيف تكون المعيشة في الدنيا ضيقة، والكفار يرفلون في السعادة، والنعمة، والغنى، والقصور وما إلى ذلك، قالوا‫: مهما تنعّم ظاهره، ومهما كثر ماله، فقلبه في ضيق، ونفسه في غم، والضنك فيه في نفسه، فهو قلق على ماله دائما، خائف على ثروته، كاد وكادح في تنميتها، والحفاظ عليها، فإن نقصت اغتم، وإن زادت اهتم بالحفاظ عليها، لا ينام ليلة، وهكذا، وقالوا‫: المعيشة الضنك في القبر، يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه (وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ) قالوا‫: أعمى القلب، قالوا‫: أعمى عن الحجة، أعمى البصر، وذاك أرجح الأقوال، أعمى البصر يدل عليه ما يأتي من الآية، والآخرة، والقيامة أحوال، يحشر أعمى البصر، فإن دخل النار رُزق البصر حتى يرى ما يحيط به من عذاب، فهو تارة أعمى، وتارة مبصر، والقيامة أحوال، ومشاهد ومواقف (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِىٓ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًۭا) يدل على أن العمى عمى البصر، وإن كان الآخرون قالوا‫: قد كنت بصيرا بحجتي تكلف لا داعي له، كنت بصيرا‫: أي مبصرا في الدنيا (قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ) آياتنا‫: الكتب السماوية، الدلائل الموجودة في الكون، وفي الوجود، كل ما في الكون يدل على الله، كل شيء يدل على وجوده، ووحدانيته، وعلى تقديره، وتدبيره، وتصريفه (أَتَتْكَ ءَايَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ ) فتركتها والنسيان يأتي بمعنى السهو، ويأتي بمعنى الترك (فَنَسِيتَهَا ۖ ) أي تركتها وتركت العمل بها (وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ) أي كما نسيت، وتركت الآيات الدالة على وجودي، الآيات الداعية إلى عبادتي، وتوحيدي، كما فعلت ذلك نفعل بك ذلك (ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ) أي تترك في عماك، وتترك في العذاب‫.
وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنۢ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ ۚ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰٓ ﴿127﴾
‫(وَكَذَٰلِكَ) أي كمثل هذا العذاب المذكور (نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ) تجاوز الحد، وانهمك في المعصية، وكفر بآيات ربه (أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنۢ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ ۚ ) إذاً فذاك العذاب المذكور لمن أعرض عن الآيات، وأعرض عن الهدى الذي جاء (وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰٓ) أفظع، وأصعب، وأدوم يوم القيامة، مهما طال خمسون ألف سنة، لكن النار أبدية، فإن حشر أعمى، أو إن كانت معيشته في الدنيا ضنكا، فعذاب الآخرة أشد، وأبقى، ويتوجه الخطاب لأهل مكة محذرا لهم مهددا لهم‫.
أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ ﴿128﴾
‫(أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) (نَهْدِ) قراءة أخرى (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) أفلم يتبين لهم، وكلمة (يهدي) في الأصل أي يدل على الهدى، والتقدير (أفلم يهد الهدى لهم، أو أفلم يهد الله لهم) يهدي‫:‬ يبيّن (كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ) كم في رحلاتهم إلى الشام، وفي رحلاتهم إلى اليمن يمرون على ديار عاد، ويمرون على ديار ثمود، ألم يتبين لهم كيف فعل الله بهم، ألم يتضح لهم ذلك (يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ ۗ ) في تنقلاتهم، وتجاراتهم، وسفرهم، يمرون عليهم (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ) عبر وعظات (لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ) العقول السليمة، النهى‫:‬ جمع نُهية، والنهية‫:‬ العقل السليم من الشوائب، ومن الشبهات، ومن الزيغ والضلال، وأولي النهى أطلق عليهم ذلك؛ لأن عقولهم تنهاهم عن المنكر، والخطأ، أو لأنه ينتهى إلى رأيهم فهم الحكماء والعقلاء‫.‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًۭا وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى ﴿129﴾
الآية فيها تقديم وتأخير، وتقدير الكلام، ولولا أجل مسمى وكلمة من ربك لكان لزاما، بمعنى لولا أن الله (تبارك وتعالى) وعد بتأخير عذاب أمة محمد إلى يوم القيامة، من يكفر منهم وعد بالإمهال (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٣]، في حياته (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٣]، أي فيهم من يستغفر، إذا فقد وعد الله بتأخير العذاب لكفار أمة محمد والعصاة إلى يوم القيامة (وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ) هذه الكلمة، الوعد بالتأخير، والأجل المسمى، أي مدة أعمارهم، وبقاءهم في الدنيا (لَكَانَ لِزَامًۭا) أي لكان لازماً لهم العذاب في الدنيا كما حدث مع القرون السابقة، والآية مرتبطة بما قبلها (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ) أي لو شاء الله لأرسل عليهم العذاب كما فعل بعاد، وكما فعل بثمود لعلهم يتعظون، ويعتبرون، ويتفكرون في ذلك، وأن العذاب قد أخر عنهم بسبب الوعد الذي وعد الله به حبيبه بتأخير العذاب لعلهم يتوبون، ولعلهم يتذكرون (وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى) مرفوعة، معطوفة على كلمة، قال بعض النحاة‫:‬ هذا الترتيب في الألفاظ من أجل تناسق رءوس الآيات (مسمى) (النهى)، والبعض قال فصل الأجل على الكلمة في الذكر ليبين أن تأخير العذاب مرتبط بكل واحد منهما، أي كل واحد من السببين كان مانعا لنزول العذاب، ولولا كلمة سبقت لكان لزاما بمعنى أن الأجل سبب، وكذلك هناك سبب آخر، وهو الوعد‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، من رحمة الله (عز وجل) بأمة محمد أنه أمهلهم، ووعد حبيبه بأن لا ينزل بهم العذاب المستأصل (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٣]، أي بعد انتقاله (صلى الله عليه وسلم) إلى الرفيق الأعلى زال أمان وجوده، لكن الله رزقنا أمانا آخر ألا وهو الاستغفار، ويتوجه النصح الإلهي، والتوجيه الرباني إلى الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) فيقول عز من قائل‫:‬‬‬‬
فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ ءَانَآئِ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ﴿130﴾
‫(تُرضى) قراءة (فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ) أي دع عنك قولهم، فلا تلتفت له، ولا تبالي بهم، يقولون كاذب، يقولون ساحر يقولون مجنون يقولون، ويقولون، فاصبر على ما يقولون، أي لا تبالي بكلامهم، واتهاماتهم، ولا تلتفت إليهم (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) اذكر الله (تبارك وتعالى) منزها له، متلبس بالحمد، والتسبيح أصلا من السباحة، والسباحة‫:‬ السير بسرعة في الماء، أو في الهواء، والتسبيح هنا معناه الإسراع منا في تنزيه الله (عز وجل) عما لا يليق بجلاله، وكماله (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) أي نزهه حامدا له على ما أولاك من نعمه، واصطفاك لنبوته، مهما قالوا، وقالوا، لا تبالي بتلك الأقوال، واحمد الله (تبارك وتعالى) على ما أولاك، وفضلك، وأنعم عليك، ونزهه عن كلامهم، وقولهم، فاصبر على ما يقولون في شأن الله، وفي شأنه؛ إذ نسبوا إلى الله الولد، ونسبوا إلى الله البنات، وقالوا عن الملائكة بنات الله، وقالوا، وقالوا، (فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)، وأعطاه أوقاتا لذلك‫.‬‬
‫من هنا قال العلماء‫:‬ هذه الآية إشارة إلى الصلوات الخمس، وقال البعض‫:‬ بل هو التطوع عموما للصلاة، وقال آخرون‫:‬ بل المقصود الذكر، التسبيح، التحميد، وأرجح الأقوال أنه إشارة إلى الصلوات الخمس (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ) صلاة الصبح (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ ) صلاة العصر (وَمِنْ ءَانَآئِ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْ) المغرب والعشاء (وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ) صلاة الظهر، وصلاة الظهر قيل عنها أطراف النهار؛ لأنها في آخر النصف الأول من النهار، وفي أول النصف الثاني من النهار، فهي في أطراف النهار، وقال البعض‫:‬ أطراف النهار المغرب في آخره، والظهر في أول منتصفه بعد الزوال، ومن آناء الليل العشاء فقط، أقوال، وهي إشارة للصلوات الخمس، آناء‫:‬ جمع أَنْيُن وإِنَن، آناء‫:‬ لحظات، أوقات (لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ) ترضى نفسك، وتسعد، وتطمئن نفسك، ويطمئن قلبك (تُرضى) قراءة أي يرضيك ربك، تبارك وتعالى، ثوابه، عطائه‫.‬‬‬‬
وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ ﴿131﴾
‫(وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ) مد العين يختلف عن النظر، قال‫:‬ لا تمدن عينيك، ولم يقل لا تنظرن؛ إذ إن النظر قد يكون عفواً، وقد يكون مرة، وقد يكون عن غير قصد، أما مد العين معناها تركيز البصر، التطلع، الاشتهاء، النظر بتطلّع واشتهاء (إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ) أصنافا من الكفار، من أموال، وقصور، وغنى، وأولاد، وخدم، وحشم، لا تتطلع إلى ذلك، ولا تشتهيه، ولا تتمناه (زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا) بهجتها، وزينتها الزائلة، وقرأت (زَهَرَةَ، زَهْرَةْ، زَهْرَةَ) (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ ) لنختبرهم، لنبتليهم، لنمتحنهم، أو لنعذبهم بسببها، أصل الفتن إدخال المعدن في النار ليتخلص من الشوائب، ويخرج المعدن خالصا كما يفعل مع الذهب، والفضة، فالفتنة هنا بمعنى الابتلاء، والامتحان، الفتنة بمعنى التعذيب، أيضا الفتنه بمعنى البلاء، والشدة، فلا تمدن عينيك، ولا تتطلع إلى ما رزقنا أزوجا من الكفار من نعم الدنيا، ومن زهرتها، وزينة الدنيا، وبهرجتها الزائلة الفانية، لا تتطلع إلى ذلك، ولا تشتهيه ولا تتمناه، ولا تعجب به؛ لأن ذلك منح لهم لابتلائهم، وامتحانهم، واختبارهم، ولتعذيبهم بسببها في يوم القيامة (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ) ورزق ربك الذي كتبه له، أو رزق ربك‫:‬ ثوابه إذا لم تشغلك الدنيا عن الآخرة، ثوابه خير لك، وأبقى، وأدوم لأن الدنيا فانية، في هذه الآية يتبين أمران‫:‬‬
‫الأمر الأول‫:‬ أن الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد أمته، هل كان متطلعا إلى الدنيا؟ كيف، ومات ودرعه مرهونة من أجل حفنة من شعير، كيف وكان الهلال، والهلال، والهلال يمر ولا طعام لأهل بيته إلا التمر والماء؟! كيف وقد ربط الحجر على بطنه من الجوع؟ كيف وقد كان زاهدا في الدنيا، وعرضت عليه الدنيا، والخلد فيها، والملك فيها، والكنوز، وأن تتحول جبال مكة له ذهبا فأبى وطلب أن يكون عبداً وليس مَلِكاً، إذاً فالخطاب له، والمقصود الأمة، وكثير في القرآن نجد أن الخطاب له، والمراد أمته مثل (وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ ۖ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (٨٧)) [سورة القصص آية‫:‬ ٨٧].‬
‫الأمر الثاني‫:‬ يتبين لنا نحن أن ما في يد أي إنسان امتحان يتلاءم معه، وقد لا يتلاءم معك، أرأيت طالبا في كلية الحقوق ذهب لأداء امتحان آخر العام، وبدلاً من أي يدخل كليته والسرادق المقام لأقرانه، دخل سرادقا لكلية التجارة، هل ينجح؟ ذاك الرجل امتحنه الله بالغنى، وامتحنك أنت بالفقر، ترى لو أخذ امتحان الآخر، هل تنجح؟ هل تضمن؟ كيف؟ ومن العباد من يصلح له الغنى، ولو أفقره الله لفسد حاله، ومن العباد من يصلح له الفقر، ولو أغناه الله لفسد حاله، ذاك رزق بالبنات، وبالبنين امتحان (وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٢٨]، وأنت لم ترزق بالولد ترى لو تبادلتما لفسد حالكما، ولرسب كل منكما، ذاك امتحانه، ولك امتحانك، فإياك أن تطلع إلى ما في يد غيرك، إياك، إياك، فتشقى بهذا التطلع، لن تنل إلا ما كتب لك، وصدق رسول الله ( مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ) وكلكم يذكر الحديث، (يا اِبنَ آدمَ خَلَقتُكَ لِلعِبَادةَ فَلا تَلعَب، وَقسَمتُ لَكَ رِزقُكَ فَلا تَتعَب، فَإِن رَضِيتَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ أَرَحتَ قَلبَكَ وَبَدنَكَ، وكُنتَ عِندِي مَحمُوداً، وإِن لَم تَرضَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ فَوَعِزَّتِي وَجَلالِي لأُسَلِّطَنَّ عَلَيكَ الدُنيَا، تَركُضُ فِيهَا رَكضَ الوُحوش فِي البَريَّةَ، ثُمَّ لاَ يَكُونُ لَكَ فِيهَا إِلا مَا قَسَمتُهُ لَكَ، وَكُنتَ عِندِي مَذمُومَا) صدق ربي‫.
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًۭا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ ﴿132﴾
الغريب هنا الرباط، والعلاقة، وكما قلنا من قبل بالتأمل في آيات القرآن نجد أنها كالسلاسل مرتبط بعضها ببعض، حلقات لا تنفصل أبداً، فكل آية مرتبطة بما قبلها وبما بعدها، وكل سورة مرتبطة بما قبلها، وبما بعدها من السور، وهكذا عقد منظوم، قد يتبين الإنسان العلاقة والرباط بين الآيات فورا وقد يتبين بشيء من التأمل، هنا الكلام عن الدنيا، والكلام عن الزخرف، وانظر لترتيب الآيات، التحذير بما أصاب الأمم المكذبة، وكانت، وكانت في ثروة، وفي قوة، وفي قدرة، ثم بعد ذلك لم يصب الأمة ما أصاب الأمم من أجل وعد الله، وإكرامه لحبيبه المصطفى، وعليه فاعمل لآخرتك، وإياك أن تعمل لدنياك فقط، وإياك أن تتطلع إلى الدنيا، وتطلب منها ما لا نصيب لك فيه، وارض بما قسمه الله لك، لكن الفقر متعب، والحاجة قد تكون ملحة، وقد يصعب على الإنسان ألا يجد ما يريد من أسباب الكفاية، وأقطاب الكفاف التي ذكرها الله وبينها لآدم ماذا يفعل؟ يوجهك القرآن للعلاج (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ ) لذا كان العيش إذا ضاق بأحد الصحابة ذهب إلى بيته، ودخل عليه، وقال قوموا إلى الصلاة، قوموا إلى الصلاة، فالصلاة تأتي بالرزق (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَـٰهُمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴿٦٥﴾ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم) [سورة المائدة آية‫:‬ ٦٥ - ٦٦]، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٩٦]، فالصلاة تأتي بالرزق؛ ولذا كان النبي إذا ضاق به العيش في بعض الأحيان كان يوقظ نساءه، ويأمر أهله بالصلاة تنفيذا للآية (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ ) يجب أن يكون العبد قدوة لزوجته، ولأولاده في الصلاة الاصطبار على الصلاة، أداء الصلاة في أوقاتها، الاطمئنان في القيام، والركوع، والسجود، لا ينقر كنقر الهدهد، ولا يتلفت كتلفت الثعلب، ولا يصلي الصلاة سريعة متمنيا نهايتها لينصرف إلى الدنيا وما فيها، لكن يقرأ ما معه من القرآن، يحاول قدر إمكانه أن يطيل الصلاة، وأن يصبر فيها، يؤدي الحركات في الصلاة بشيء من الطمأنينة والصبر (لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًۭا ۖ ) ليس مطلوبا منك أن ترزق نفسك، أو ترزق أهلك، ومد العين إلى ما متنعا به أزوجا منهم، لا يأتي بشيء أبدا، الرزق إن بد أنه بتوسل، فهو من الأزل مقسوم مكتوب، (وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)) [سورة الذاريات آية‫:‬ ٢٢]، ها هو الله الرازق، الخالق، المدبر، الآمر، الناهي، يقول‫:‬ (لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًۭا ۖ )، أي لا نكلفك بأن ترزق نفسك، هل تزرع الطيور؟ هل تحصد، كيف ترزق؟ كيف ترزق الدودة في باطن الأرض؟ من الذي دبّر الأرزاق؟ هو الله (وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ) والعاقبة المحمودة للمتقين إياك أن تشغلك الدنيا عن الصلاة، إياك أن يشغلك السعي على الرزق عن ذكر الله؛ لأن السعي على الرزق، والسعي في الدنيا، والتعب، والكد فيها كل ذلك إن كان مطلوبا، لكن مطلوب بالهدوء بالعفة، على ألا يعطلك عن العبادة، ولا يشغلك عن الآخرة، لا يكن أكبر الهم الدنيا، والسعي فيها، والجري عليها، ويأتي الكلام في ختام السورة، وكما قلنا دائما هناك ارتباط بين أول السورة، وآخرها، وارتباط بين الآية وما يليها للمتأمل، وانظر إلى ختام السورة‫.‬‬‬‬
وَقَالُوا۟ لَوْلَا يَأْتِينَا بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۚ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ ﴿133﴾ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُم بِعَذَابٍۢ مِّن قَبْلِهِۦ لَقَالُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًۭا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ ﴿134﴾ قُلْ كُلٌّۭ مُّتَرَبِّصٌۭ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ ﴿135﴾
‫(مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ ) (من قبل أن نُذَل ونُخزى) قراءات، (فستعلمون، فسيعلمون من أصحاب الصراط السوِي، السُوَى، السواء) قراءات، تلك خاتمة السورة، سأل الكفار النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يفسح لهم المكان بزحزحة الجبال، أن يحولها إلى ذهب، أن ينزل الله والملائكة قبيلا، أن يكون له بيت من زخرف، قالوا، يشير القرآن إلى كلامهم (وَقَالُوا۟ لَوْلَا يَأْتِينَا بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۚ ) كعصا موسى، كناقة صالح، معجزة من المعجزات يرد الله (تبارك وتعالى) (أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ) أي ألم يأتهم ما هو مذكور في الصحف الأولى، مبينا قراءة، (بينة) في القرآن ما جاء في التوراة، وفي القرآن ما جاء في الإنجيل، في القرآن ما جاء في الزبور، في القرآن ما جاء في صحف إبراهيم، كيف تأتي هذه الأوامر، والنواهي، والحكم، والمواعظ على لسان أميّ، لا يقرأ، ولا يكتب؟ أليس ذلك بكاف؟ أليس تلك معجزة، بل هي أم المعجزات (أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ) أي إن القرآن ذكر، وذكر محمد (عليه الصلاة والسلام) في الكتب الأولى، ألم يكفهم ذلك؟ أو لم يأتيهم في القرآن الذي هو البينة ما في الصحف الأولى، ليدل على ذلك؟ (وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُم بِعَذَابٍۢ مِّن قَبْلِهِۦ) وكأنك تتساءل، طالما عرف الله (تبارك وتعالى) أنهم يداومون على الكفر، وأنهم يموتون عليه، لِم لمْ يعذبهم؟ لِم يهتم بهم؟ لِم نزّل الآيات؟ وتترى الآيات في محاولة هدايتهم، أو التدليل على صدق النبي (صلى الله عليه وسلم) والآيات كثيرة، والحلم مذهل، فيعلل ربنا التأخير والتأجيل، فيقول‫:‬ لو أنهم إذا بُعثوا يوم القيامة، ولم يأتهم رسول يقولون يوم القيامة لو كان قد جاءنا رسول لكنا على الهدى، ولأطعنا، فكأن الله يلزمهم الحجة، ويقطع أعذارهم (وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُم بِعَذَابٍۢ مِّن قَبْلِهِۦ) من قبل محمد، من قبل بعثته، من قبل القرآن، من قبل هذا الدليل الواضح (لَقَالُوا۟) يوم القيامة (رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًۭا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ) لاحتجوا، وقالوا ذلك (مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ) في الدنيا بالخزي وبالأسر، وبالقتل (وَنَخْزَىٰ) نفتضح يوم القيامة (قُلْ كُلٌّۭ مُّتَرَبِّصٌۭ) منتظر دوائر الزمان بالآخر، نحن وأنتم (فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ) (فسيعلمون) قراءة، (السَوَاء، السُوَي) الوسط المعتدل، فستعلمون من ضلّ (وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ) من هم أصحاب الصراط المستقيم المؤدي إلى رضوان الله، وإلى الجنة، ومن هم الذين فقدوا ذلك، وضلوا عن طريقهم، لو تأملت في أول السورة (طه (١) مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ (٢)) [سورة طه آية‫:‬ ١ - ٢] (قُلْ كُلٌّۭ مُّتَرَبِّصٌۭ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ ) والتأمل محتاج إلى أوقات يجب على المسلم أن يستغلها، ويتأمل في هذه الآيات، وفي إعجاز البيان القرآني، من حيث النظم، ومن حيث المعنى، ومن حيث السياق وبذا انتهت أو ختمت بفضل الله (عز وجل) سورة طه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬