سورة طه
فلقاؤنا مع سورة طه، سورة طه سورة مكية، نزلت بمكة، وشأنها شأن السور المكية تهتم بتقرير عقيدة التوحيد، والنبوة، والحشر، والنشر، سورة طه فيها بيان لعناية الله (عز وجل) بحبيبه المصطف، (صلى الله عليه وسلم) فهو يسليه، ويقص عليه قصة موسى مع فرعون؛ ليبين له عنايته، ورعايته بالرسل، وأن النصر والغلبة لهم، ويدله على وظيفته الأساسية، وهي التبليغ، والإنذار، والتبشير، أيضا يبيّن ربنا، تبارك وتعالى، في شأن قصة موسى كيف يكون الجدل، والإسفاف، كيف أن حجة الله بالغة، كيف وأن ليس للكافر عذر، وتذكر السورة قصة آدم (عليه السلام) في سرعة خاطفة تبين رحمة الله (تبارك وتعالى) به، حيث عفر له خطيئته، وتعهده بالرحمة، وتعهد ذريته بالرسالات السماوية، وتذكر السورة بعض مشاهد يوم القيامة، بعض المشاهد التي يخشع لها الكون (وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًۭا (١٠٨)) [سورة طه آية: ١٠٨]، وتبين مصير أهل السعادة، وتبين مصير أهل الشقاوة، وتختم السورة ببعض النصائح للنبي (صلى الله عليه وسلم) بالصبر على الأذى، وتحمّل أعباء الرسالة، افتُتحت سورة طه بحرفين (طه ﴿١﴾) وقيل في شأنها الكثير، كما قيل في شأن الحروف المقطعة في بعض السور، اسم للسورة، اسم للنبي (صلى الله عليه وسلم) من أسماء الله (عز وجل) هي قَسَم أقسم الله به، هي حروف تدل على معاني (ط) طاهر (ه) هادي، حروف مختصرة لكلمات، أقوال، وأقوال، ومنهم من اعتبر (طه ﴿١﴾) أمر، وأصل الكلمة (طأها) طأ أي دُس بقدمك، هاء: الأرض، فالهاء والألف ضمير الأرض، وطأ فعل أمر، وسهلت الهمزة في طأ وأصبحت ألفاً ساكنة، فأصبحت (طه ﴿١﴾) وقال بعضهم: بل هي (طَهْ) أي طأها، والهاء هنا هاء السكْت، وقال بعضهم: الهاء هنا كناية عن الأرض، وقرأت طَه بإمالة الهاء، قرأت طِهِ بإمالة الطاء والهاء، وقراءتنا قراءة حفص (طه ﴿١﴾) وهما حرفان من الحروف المقطعة، وأفضل ما يقال، وأحق ما يقال، هي سر من الأسرار استأثر الله، تبارك وتعالى، بعلم معناها، فهي ك(حم)، (يس)، (ن)، (ص) حروف مقطعة، وخير ما قيل فيها قول الصديق (رضي الله عنه) أبو بكر حيث قال: هي سر الله فلا تطلبوه.
طه ﴿1﴾
مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ ﴿2﴾
إِلَّا تَذْكِرَةًۭ لِّمَن يَخْشَىٰ ﴿3﴾
تَنزِيلًۭا مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلْأَرْضَ وَٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ﴿4﴾
ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴿5﴾
لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ﴿6﴾
وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ﴿7﴾
ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴿8﴾
وَهَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ﴿9﴾
إِذْ رَءَا نَارًۭا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًۭا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًۭى ﴿10﴾
فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِىَ يَـٰمُوسَىٰٓ ﴿11﴾
إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًۭى ﴿12﴾
وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ ﴿13﴾
إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ ﴿14﴾
إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ ﴿15﴾
فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرْدَىٰ ﴿16﴾
(فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرْدَىٰ ﴿١٦﴾)، ردِيَ كرَضِيَ: هلك، فتردى: فتهلك الآية تشعر بأمر غاية في الأهمية (فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا) عن الاستعداد لها، عن تذكرها، عن العمل من أجلها (مَن لَّا يُؤْمِنُ) إذاً لو ترك لفطرته السليمة لن يصد عنها أبدا، وإنما الصد يحدث إذا كان الإيمان فيه ضعف، هنا يحدث الصد من الكافر إذاً الصاد الكافر، والمصدود الإيمان، أما المؤمن لا يصد عن الساعة أبداً لا بنفسه ولا بغيره (مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ) هوى النفس ما تشتهيه، اللذات والشهوات، (فَتَرْدَىٰ) فتهلك.
أيها الأخ المسلم، لا يعلم موعد قيام الساعة مخلوق على الإطلاق، لا يعلم موعد الساعة إلا الله (عز وجل) فلم يطلع على موعدها أحد مطلقا، لا نبي، ولا رسول، ولا ملك مقرب، وتأتي الساعة فجأة، وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما يتبايعان وتقوم الساعة فجأة، لكنا علمنا من سيد الخلق أنها تقوم يوم الجمعة، وعلمنا من سيد الخلق أنها لا تقوم وفي الأرض رجل يقول: لا إله إلا الله، من الغريب أن نتأمل في الحوار الذي دار بين ربنا (تبارك وتعالى) وبين الكليم، عليه السلام، يقول الله (تبارك وتعالى):
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ ﴿17﴾
قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا۟ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ ﴿18﴾
قَالَ أَلْقِهَا يَـٰمُوسَىٰ ﴿19﴾
فَأَلْقَىٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌۭ تَسْعَىٰ ﴿20﴾
قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلْأُولَىٰ ﴿21﴾
وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخْرَىٰ ﴿22﴾
لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا ٱلْكُبْرَى ﴿23﴾
ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ﴿24﴾
قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى ﴿25﴾
وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى ﴿26﴾
وَٱحْلُلْ عُقْدَةًۭ مِّن لِّسَانِى ﴿27﴾
يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى ﴿28﴾
وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًۭا مِّنْ أَهْلِى ﴿29﴾
هَـٰرُونَ أَخِى ﴿30﴾
ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى ﴿31﴾
وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى ﴿32﴾
كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًۭا ﴿33﴾
وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴿34﴾
إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًۭا ﴿35﴾
الأمر الثاني: ماذا تتوقع من نبي يبلغ الرسالة حين يقول (ربكم) وفي لسانه عيب، فيقول لبكم، ويحفظ منه الناس، لَبُنا بدلا من ربنا، كيف يميز الناس أن اللام بدلا من الراء؟ كيف والوحي جديد؟ هل سمع أحد القرآن قبل أن ينزل؟ هل عرف أحد القرآن قبل أن يوحى به إلى النبي؟ إذا كان الناطق بالقرآن يخطي في السين مثلا، السموات فيقول الثموات لقلنا جمعيا كذلك، ولم نعرف أن اسمها السماء، هل يمكن أن ينطق نبي من الأنبياء بوحي الله (عز وجل) وفيه خطأ في الحروف، وما دعاني إلى ذلك قول الله، عز وجل، (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا۟ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا۟ ۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهًۭا ﴿٦۹﴾ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا ﴿۷۰﴾) [سورة الأحزاب آية: ٦٩ - ٧٠]، إذاً فالعقدة هنا ليست عيبا في لسانه، وإنما العقدة عدم معرفة اللغة المعروفة الكاملة التامة، خصوصا أن التبليغ لا يصح، ولا يصلح إلا من البليغ، ونبينا أفصح من تكلم العربية رغم أنه أمي، فصيح اللسان، بريء من كل عي، سليم الفؤاد، شجاع أبيّ، كان سيد الخلق أفصح من تكلم العربية رغم أميته، لم يقرض شعرا، ولم يحفظ شعرا، ولم يكتب، ولم يقرأ، ومع ذلك أفصح من تكلم بالعربية؛ لأن القرآن عربي، ولابد أن يبلغ كما نزل، ونسأل الله (تبارك وتعالى) أن نكون ممن برّأ موسى عما لا يجب (وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًۭا مِّنْ أَهْلِى) الوزير لفظ غريب، يحمل ثلاث معان، كلها تدل على المسئولية المطلقة، الفظيعة، والعظيمة، الوزير من الموازرة، والموازرة: المعاونة؛ لأن الوزير يعاون الحاكم، والسلطان في أمره، والوزير من الوِزْر، وهو الحمْل الثقيل؛ لأن الوزير يحمل أوزار وزارته، يحمل أثقالا، ومهاما صعبة، فهو كحامل الوزْر، العبء الثقيل، والوزير أيضا من الوَزَرْ، والوَزَرْ: الملجأ، (كَلَّا لَا وَزَرَ ﴿١١﴾) [سورة القيامة آية: ١١]، لا ملجأ؛ لأن السلطان يلجأ إلى الوزير (هَـٰرُونَ أَخِى) ألم يكن ربنا يعلم تبارك وتعالى أن هارون هو أخ لموسى، وما نفع أخ أخاه كما نفع موسى أخاه، جعله وزيرا له وجعله نبيا معه ورسولا، والحوار غريب فيه الكثير من التساؤلات، والتأملات التي لك أن تتأمل فيها كما شئت، هذه الطلبات المتتالية أيضا (وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًۭا مِّنْ أَهْلِى) شرط أن يكون من أهله (هَـٰرُونَ أَخِى) وهو أخوه، والله يعلم أنه أخوه (ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى ﴿۳١﴾ وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى ﴿۳٢﴾ كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًۭا ﴿۳۳﴾ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴿۳٤﴾ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًۭا ﴿۳٥﴾) الأزر: الظهر، وأصل الكلمة من الإزار، أشدد به أزري أي قوِّي به ظهري، وأعني به على تحمل الرسالة (وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى) واجعله يا رب شريكا لي في تحمل أعباء الرسالة، وقرأت أَشدُد، أنا أشدد به أزري، وأشركه في أمري (كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًۭا) هل ذاك شرط لذاك؟ إذا لم يجبه ربه لذلك هل كان يفتر عن ذكره، أو عن تسبيحه، فكيف يقول كي نسبحك كثيرا، ونذكرك كثيرا، أسئلة، والقرآن معجز، وحمّال وجوه، ويدعو للتأمل، قد يفهم أن الإنسان بمفرده يملّ، وأن العبادة والاتجاه إلى الله يحتاج إلى الأخوة في الله، من هنا آخى النبي بين أصحابه بمكة قبل الهجرة، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار في المدينة بعد الهجرة، اثنان تحابا الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه تحت ظل عرش يوم لا ظل إلا ظله، وزيارة الأخ في الله تغفر الذنوب وتحط الخطايا فما من أحد خرج لزيارة أخ له في الله إلا وأرصد الله له ملكا وبارك الله في خطواته، هارون أخوه في النسب، فأراد الأخوة في الله، والتعاون على البر، والتقوى، مثلا من يريد أن يحفظ القرآن لابد له من شريك يعاونه، وأخاك الحق الصادق، والمخلص لابد أن تختر لنفسك من الصلحاء خليل، وانظر من تخالل، فالمرء على دين خليله، وأخاك الحق في الله من إذا نسيت ذكرك، وإذا ذكرت أعانك.
من هنا نفهم (كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًۭا) لأنه إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، فتحدث الكثرة في الذكّر (وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴿۳٤﴾ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًۭا ﴿۳٥﴾) إنك كنت بصيرا، عالما بأحوالنا، عالما بأن ذاك يصلح من شأننا، عالما بأن هارون نعم المعين، أو الكلام استدرار للنعمة بذكر ما سبق من إنعام، كما جاءت قبل ذلك في قول الله (تبارك وتعالى) حكاية عن دعاء زكريا (وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّۭا (٤)) [سورة مريم آية: ٤]، أي عودتني الإجابة فيما مضى، فكأنه يطلب الإجابة فيما يطلب، يستدر ذاك بذكر الإنعام، كأنك أنعمت، وأنعمت، وأنعمت فلا شك أنك سوف تنعم، وتستمر في الإنعام، استدرار الفضل بذكر النعمة السابقة؛ لأنك إن طلبت من الله (تبارك وتعالى) طلبا فذكرت سابق إنعامه عليك، كان ذاك أقرب للإجابة؛ لأنك بهذا تقول: إنك شاكر للنعمة مقدِر لها، عالم بفضل المحسن المنعم، جل وعلا، (إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًۭا) في الماضي، فنجيتنا من الذبح، وكان فرعون يذبح أبناء بني إسرائيل عاما، ويطلقهم عاما، من هنا نجا هارون، ولم ينج موسى إلا بإلقائه في التابوت؛ لأن السؤال كيف نجا موسى بإلقائه في التابوت ذاك معلوم، أما هارون فولد في العام الذي لا يذبح فرعون فيه أبناء بني إسرائيل، وإنك كنت بنا بصيرا، أنعمت علينا فيما مضى، ونجيتني، ومننت عليّ بالرسالة، وفعلت، وفعلت، فامنن عليّ بما أطلب، وهنا جاءت الإجابة سريعة، ومباشرة، واضحة صريحة.
قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَـٰمُوسَىٰ ﴿36﴾
أيها الأخ المسلم، بعد ما إجابة الله (تبارك وتعالى) لسؤله، عدّد عليه النعم، ويا لها من نعم، فسبحان المنعم، ثمان نعم:
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰٓ ﴿37﴾
إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ﴿38﴾
أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّۭ لِّى وَعَدُوٌّۭ لَّهُۥ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةًۭ مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ ﴿39﴾
إِذْ تَمْشِىٓ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُۥ ۖ فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ وَقَتَلْتَ نَفْسًۭا فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّـٰكَ فُتُونًۭا ۚ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍۢ يَـٰمُوسَىٰ ﴿40﴾
وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى ﴿41﴾
أيها الأخ المسلم، انظر حولك حين أراد ربنا (تبارك وتعالى) أن يضئ للناس طريقهم في الليل جعل النجوم، والكواكب، وجعل لها مواقع فوق تقدير الخيال، ليس فوق تقدير العلم فقط، أعداد ملايين لا تُعد، هذه النجوم المشرقة بتلك الأعداد الغريبة، والأحجام العجيبة كل ذلك من أجل الإنسان؛ ليعرف طريقه في ظلام الليل كيف؟ ولم؟ لأنه الكريم، ولأنه الغني لا ينضب ما عنده، انظر إلى النبات هل يمكن أن يفرغ النبات؟ منذ الخليقة، النخلة الواحدة كم بلحة فيها؟ كل بلحة فيها نواة، والنواة فيها نخلة، وليس مرة واحدة، بل في كل عام (تُؤْتِىٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍۭ) [سورة إبراهيم آية: ٢٥] نخلة نأتي بكم نخلة، سمكة تأتي بكم سمكة، وكل سمكة تأتي بكم سمكة، دجاجة تأتي بكم بيضة، تأتي بدجاجة، وكل دجاجة تأتي بكم بيضة، آدم وانظر إلى الناس بلايين الأعداد، ما عند الله لا ينقص، ما عند الله يزيد (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍۢ ۗ) [سورة النحل آية: ٩٦] وانظر إلى الفاني حينما تتكلم، تتكلم عن الفناء، فما من صباح إلا والملك ينادي: لدوا للموت، وابنوا للخراب، هذه الأرض، (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةًۭ لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا (٧)) [سورة الكهف آية: ٧]، بعد ذلك (وَإِنَّا لَجَـٰعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًۭا جُرُزًا (٨)) [سورة الكهف آية: ٨]، نحن نتكلم عن الفاني، إذا كان هذا الفاني أمام أعيننا لا ينفذ إلا بأن يأتي الله بالساعة، هذا العطاء هل اختص به المسلم، أم أن الكل ممدود، ورزقه لمن أطاع، ولمن عصى (كُلًّۭا نُّمِدُّ هَـٰٓؤُلَآءِ وَهَـٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)) [سورة الإسراء آية: ٢٠]، إذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون العطاء للمحبوب، وإذا كان هذا عطاء الفناء، فكيف يكون عطاء البقاء؟ فكيف يكون البقاء، فقد تلقي موسى من ربه جرعة من الحنان لا يمكن أن توصف، وبالتأمل فيها لا يمكن أن تحتمل إلا أن يربط الله على قلبه، ويثبت جنانه، وتأمل في ظلام الليل، وسكونه، في نور الشجرة الخضراء، في الصوت الذي ليس كمثله صوت، يسمع أنا اخترتك، ولتصنع على عيني، ألقيت عليك محبة مني، أي حنان هذا!! أي جرعة من العناية، والرعاية، والكفاية، والحماية!! كيف تحمل موسى هذا الكلام! هذا الحب الدافق، هذا الحنان الذي لا مثيل له في هذا الوجود، تُرى هل ثبته الله؟ لو رأي المؤمن رؤيا جميلة، أو مبشرة لأصبح وكأنه يطير في الهواء، فكيف به وقد سمع من ليس كمثله شيء يخاطبه بهذا الحنان، ويبث هذا الحب الذي لا قبل لعقل باستيعابه، ها هو يؤهله لمواجهة الجبار، أجاب سؤله، وشد أزره، ورزقه الفصاحة، والبيان في مخاطبته لفرعون، كما قص علينا القرآن، واسمع الأمر الإلهي.
ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَـٰتِى وَلَا تَنِيَا فِى ذِكْرِى ﴿42﴾
ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ﴿43﴾
فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًۭا لَّيِّنًۭا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴿44﴾
من هنا قال: لعله في نظركما، في رجائكما، وطمعكما، ذاك قول، وهناك قول ثالث، قال: لعل وعسى في القرآن كله لما قد وقع، هنا هل وقع؟ هل تذكر فرعون؟ هل خشي فرعون؟ نعم، لكن حين لا ينفع، حين أدركه الغرق، وقال: (ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (٩٠)) [سورة يونس آية: ٩٠]، إذاً فقد تذكر، وخشي الغرق، لكن حيث لا ينفع، أقوال في كلمة (لعل)، لِم أرسل الله له؟ وبهذا الرفق، والأمر بالقول اللين مع علمه الأزلي، بأنه لن يؤمن؟ لقطع معذرته، ولإلزامه الحجة؛ إذ لو لم يرسل إليه لقال (لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًۭا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٤٧)) [سورة القصص آية: ٤٧]، ها وقد أُرسل إليه الرسل إذا فلا معذرة ولا حجة له (لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) أهو تكرير، أم أن المعنى مختلف؟ قيل: التذكر للمتحقق، والخشية للمتوهم بمعنى لعله إذا بلغته الدعوة أن يتذكر، فيؤمن، أو يتشكك فيخاف، فيدع الإيذاء لبني إسرائيل، ويترككما في حالكما، ويرسل معكما بني إسرائيل، فلعله يتذكر بمعنى الملحد، أو الكافر إذا نبهته وسُقت إليه الأدلة، قد يؤمن وقد يتشكك فإن آمن فقد تذكّر، وإن تشكك خفف من غلوائه، وقلل من طغيانه (لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) وهنا غلبت البشرية عليهما.
قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ﴿45﴾
قَالَ لَا تَخَافَآ ۖ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴿46﴾
فَأْتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ ﴿47﴾
إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴿48﴾
الرأي الأول: أن موسى أراه اليد فقط، أما العصا فكانت في يوم الزينة، يوم اجتمع السحرة. الرأي الثاني: أن المسألة ليست مسألة عدد آيات، وإنما المسألة مسألة برهان قاطع على الصدق (جِئْنَـٰكَ بِـَٔايَةٍۢ) أي ببرهان، هذا البرهان آية، آيتين، ثلاث آيات، من هنا وحّد، أفردها، (بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ) كرر كلمة (رَّبِّكَ ۖ ) للتأكيد، والسلام هنا ليس تحية؛ لأنه ليس افتتاح كلام، بل هو في وسط الكلام، إذا فالسلام هنا أي السلامة، وليس تحية ألقاها موسى على فرعون، بل من وحي الله له أن السلامة من العذاب، من قال: لا إله إلا الله أمن العذاب، ونجي عند الحساب، ونال الشرف الرفيع (وَٱلسَّلَـٰمُ) أي السلامة من العذاب، وسوء الحساب (عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ) (إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ) إذاً فالدعوة في ملخصها بينا له أنه مربوب، وأنهم أتيا من ربه، ومعهما الدليل القاطع على صدقهما، وبدءا بالترغيب (وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ) ثم ألحقاه بالترهيب (إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ) هذه الآية من أرجى الآيات في القرآن للموحدين، كم ممرنا عليها دون توقف، أو تأمل، واسمع وتأمل (أُوحِىَ إِلَيْنَآ) إذا فهو قرار ممن يملك القرار (أَنَّ ٱلْعَذَابَ) والعذاب على وجه الخصوص، والمعرّف بالألف واللام على من (كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ) فهل كذّبنا؟ أبدا، فهل تولّينا؟ أبدا، إذا فلن ينالنا عذاب أبدا، أرجى آية لمن قال: لا إله إلا الله، من أقرّ بها أمن العذاب، ونجى عند الحساب، ونال الشرف الرفيع، ومن أنكرها ضاع، وظمأ، وجاع، ولم يطعم إلا الضريع، ما من موحد كذّب، وما من موحد تولّى، قد يقع في المعصية، قد يسهو، قد ينسى، قد يخطئ، لكن لا يكذّب، ولا يتولّى، فهي من أرجى الآيات في القرآن (إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ) (قَدْ) إذا دخلت على الفعل الماضي تفيد التأكيد، وهنا رد فرعون، وانظر في رده.
قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَـٰمُوسَىٰ ﴿49﴾
قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ﴿50﴾
قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ ﴿51﴾
قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍۢ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى ﴿52﴾
ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًۭا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًۭا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّن نَّبَاتٍۢ شَتَّىٰ ﴿53﴾
كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ ﴿54﴾
مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ﴿55﴾
وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ﴿56﴾
قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَـٰمُوسَىٰ ﴿57﴾
فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍۢ مِّثْلِهِۦ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًۭا لَّا نُخْلِفُهُۥ نَحْنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانًۭا سُوًۭى ﴿58﴾
المطلب الأول: أن يؤمن فرعون، وأن يعرف أنه مربوب وليس ربا كما يزعم.
المطلب الثاني: أن يطلق صراح بني إسرائيل إذا فالمطلوب خروجه من الأرض من البلاد هم بنو إسرائيل ولم يطلب موسى من فرعون الخروج والتنازل عن ملكه، فانظر إلى قلب الأوضاع (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا) هل جاء على لسان موسى أنه طلب من فرعون الخروج؟ فالخروج لبني إسرائيل، وانظر إلى قلب الحقائق، والتدليس (لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَـٰمُوسَىٰ) إذاً فقد أنكر صدق المعجز، واتهمه بالسحر، هل يستطيع ساحر مهما أوتي من قوة أن يخرج ملكا كفرعون من ملكه، أو أن يجليه وجنوده من الأرض، تعلل، وتحير، وتدليس، واتهام بالباطل، وطلب موسى كان غاية في الوضوح (فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ ) (فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍۢ مِّثْلِهِۦ) التحدي الباطل (فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًۭا) الموعد، الموعد هنا بمعنى الوعد، وذاك أرجح الأقوال لقوله (لَّا نُخْلِفُهُۥ) ولا يُخلف إلا الوعد، لكن الموعد يأتي بمعنى الوعد، ويأتي بمعنى مكان الوعد، كقوله (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)) [سورة الحجر آية: ٤٣]، ويأتي بمعنى زمان الوعد، كقوله (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍۢ (٨١)) [سورة هود آية: ٨١]، هنا يأتي الموعد بمعنى الوعد (فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًۭا لَّا نُخْلِفُهُۥ) (لا نخلفْه) قراءة بالجزم، (لا يُخُلفُه) نعت للموعد (نَحْنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانًۭا سُوًۭى) (مكانا سوى) قراءتان، وهما لغتان سُوى، وسِوى أي مكان نصفا عدلا مستويا، نستوي نحن، وأنت فيه.
قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًۭى ﴿59﴾
فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ﴿60﴾
قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍۢ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ ﴿61﴾
فَتَنَـٰزَعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَىٰ ﴿62﴾
قَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَٰنِ لَسَـٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴿63﴾
فَأَجْمِعُوا۟ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّۭا ۚ وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ﴿64﴾
الأمر الأول: (إن) مخففة من الثقيلة، مهملة لا تعمل (هذان لساحران) مبتدأ وخبر، واللام فارقة، أو (إن) نافية، واللام بمعنى (إلا) أي ما هذان إلا ساحران هذه هي القراءة الصحيحة رسما وإعرابا (قَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَٰنِ لَسَـٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ) طريقتكم: شريعتكم، المثلى، تأنيث الأمثل، يذهبوا بمذهبكم، وبدينكم، وبطريقتكم الأفضل، والأحسن، أو الطريقة تطلق على أشراف القوم (رأي مرجوح) (فَأَجْمِعُوا۟ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّۭا ۚ ) أجمع الأمر، أو أجمع على الشيء، أحكم وعزم وقرأت (فاجمعوا كيدكم) الحيل، والعصي، والحبال، والأدوات (ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّۭا ۚ ) مصطفين لتلقوا الهيبة في صدر موسى والناس، أو (ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّۭا ۚ ) مجتمعين صفا (ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّۭا ۚ ) المكان الذي اصطف فيه الناس (وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ) فاز بمطلوبه من غلب.
قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ ﴿65﴾
قَالَ بَلْ أَلْقُوا۟ ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ﴿66﴾
(فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ ۖ فَٱنفَلَقَ) [سورة الشعراء آية: ٦٣]، من هنا كأنه سمح لهم بالبدء انتظاراً للإذن، والأمر، وذاك من ضمن الفروق الواضحة بين المعجزة، والسحر، المعجزة لا يأت بها النبي من تلقاء نفسه، بل بأمر الله، أما السحر والدجل فيستطيع الساحر أن يأتي به وقتما يشاء (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ) (عُصيهم) قراءتان بكسر العين وضمها (يُخيَّل - تُخَيَّل- تَخَيَّلَ) (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ) الكيد يُخيل، تُخيل: الحبال، والعصي، تَخيّل أي تتخيل، يُخيِّل الله (عز وجل) يخيل له ابتلاء (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ) إذاً لم تكن الحبال، والعصي تسعى على الحقيقة، وإنما كان خيالا كما نراه في أفعال الحواة، شعوذة، ودجل، إذاً فلا حقيقة للسحر، وإنما السحر تخيل، وإيهام فقط، وليس حقيقة، قال بعض الناس: دهنوها بالزئبق، فحين جاءت الشمس، وازدادت الحرارة تمدد الزئبق، فتحركت يعلم الله، المهم أن نعلم أن السحر إيهام، ودجل ولا حقيقة له.
فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةًۭ مُّوسَىٰ ﴿67﴾
قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ ﴿68﴾
أولا: الجملة استئناف (لَا تَخَفْ) انتهى الكلام (إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ) استئناف والاستئناف نوع من أنواع التأكيد.
ثانيا: حرف التحقيق (إن) (إِنَّكَ) حرف تحقيق.
ثالثا: تكرير الضمير (إِنَّكَ أَنتَ).
رابعا: تعريف الخبر (ٱلْأَعْلَىٰ) بالألف واللام تأكيد.
خامسا: ذكر لفظ العلو لم يقل أنت تغلب، أو أنت المنتصر، أو أنت الغالب قال (إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ) العلو: الظهر والغلبة بوضوح لا شك فيه.
سادسا: صيغة التفضيل (ٱلْأَعْلَىٰ)، ست تأكيدات في ثلاث كلمات.
وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا۟ ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَـٰحِرٍۢ ۖ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ﴿69﴾
إما لتصغير شأن المبهم، وإما لتعظيم شأن المبهم، فهل أريد التصغير لشأن العصا، أي ألق تلك العصية، العُويد الصغير الذي لا قيمة له، وانظر كيف يفعل فيه الله، أم هو للتعظيم، ألق ما في يمينك، فأنت لا تدري ما الذي في يمينك، ولا تدري عظمة، وقوة ما في يمينك (تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا۟ ۖ ) (تَلْقَفْ) : لقف يلقف: أخذ بسرعة، وتناول بحذق باليد، أو بالفم وقُرأت بالجزم (تلقفْ) وقُرأت بالرفع (تلقفُ)، وقرأت بالحزم والتشديد (تلَّقَفْ) (تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا۟ ۖ ) الذي صنعوه إن الذي صنعوه (كَيْدُ سَـٰحِرٍۢ ۖ ) (كيدَ سحر - كيدُ سحر) قراءات (وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ) أينما يكون الساحر لا يفوز بمطلبه، لا دنيا، ولا أخرى، والسحر كفر، وتعاطي السحر كفر، وحد الساحر في الشرع الإسلامي القتل إذا لم يتب عن سحره.
فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًۭا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ ﴿70﴾
قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍۢ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًۭا وَأَبْقَىٰ ﴿71﴾
قَالُوا۟ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا ۖ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ ﴿72﴾
إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ ۗ وَٱللَّهُ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰٓ ﴿73﴾
إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمًۭا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ﴿74﴾
وَمَن يَأْتِهِۦ مُؤْمِنًۭا قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ ﴿75﴾
جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ﴿76﴾
فقد استكبر فرعون، وأصر على كفره، رغم وضوح المعجزة، وسطوع البرهان، وسجود السحرة، وحرضه ملأه المنتفعون به، وبسلطانه على موسى (أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ۚ ) [سورة الأعراف آية: ١٢٧] فاستعلى، واستكبر، وقرر المزيد من التقتيل (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ (١٢٧)) [سورة الأعراف آية: ١٢٧] كما حكى القرآن، وهنا أوحى الله (تبارك وتعالى) إلى موسى أن يخرج من مصر في أول الليل سراً بقومه، بمن آمن به، يقول الله (تبارك وتعالى) حاكيا لذاك المشهد:
وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًۭا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًۭا لَّا تَخَـٰفُ دَرَكًۭا وَلَا تَخْشَىٰ ﴿77﴾
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ﴿78﴾
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ﴿79﴾
يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَـٰكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَٰعَدْنَـٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ﴿80﴾
كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَلَا تَطْغَوْا۟ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى ۖ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ ﴿81﴾
وَإِنِّى لَغَفَّارٌۭ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ﴿82﴾
وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَـٰمُوسَىٰ ﴿83﴾
قَالَ هُمْ أُو۟لَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ﴿84﴾
قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ ﴿85﴾
فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَـٰنَ أَسِفًۭا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى ﴿86﴾
قَالُوا۟ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًۭا مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَـٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ ﴿87﴾
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًۭا جَسَدًۭا لَّهُۥ خُوَارٌۭ فَقَالُوا۟ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ ﴿88﴾
أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًۭا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ﴿89﴾
وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَـٰرُونُ مِن قَبْلُ يَـٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوٓا۟ أَمْرِى ﴿90﴾
قَالُوا۟ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ ﴿91﴾
أيها الأخ المسلم، تلك نبذة عن بني إسرائيل في عصر موسى، في عصر النبوة، وكلكم يعرف سيرة المصطفى، وكيف كان الناس في عصره؟ كيف كان الأصحاب، كيف كان المهاجرون والأنصار؟ كيف وُصفوا في القرآن (أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ۖ ) [سورة الحديد آية: ١٩] الأنصار (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌۭ ۚ ) [سورة الحشر آية: ٩] حتى الذين جاءوا من بعدهم (يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَـٰنِ) [سورة الحشر آية: ١٠]، في عصر النبوة أفضل القرون؛ إذ هم في حماية شريعتهم، لم تُبدَّل، ولم تُحرَّف، حائزين على بركة نبيهم، وتوجيهه، أما بعد انتقال النبي من الأنبياء إلى الرفيق الأعلى، وطول المدة، وطول العهد، يحدث تحريف، يحدث انحراف، يحدث فهم خاطئ، هؤلاء في عصر موسى، في عصر النبوة، في عصر الرسالة، وما حدث لهم لم يحدث مع أمة كأمة محمد، كم أوذي الصحابة، كيف عُذبوا؟! كيف هاجروا إلى الحبشة الهجرة الأولى، ثم هاجروا إلى الحبشة الثانية، ثم هاجروا إلى المدينة؟! كيف قوتلوا في بدر؟! كيف قوتلوا في أحد؟! كيف حوصروا في الأحزاب؟! كيف كانوا يأكلون كل عشرة تمرة؟! وكل عشرة يتعاقبون بعيرا؟! كيف كانوا يمصون النوى من الجوع؟! كيف كانوا يأكلون ورق الشجر؟! ويحلف أحدهم أن الرجل كان يضع كما تضع الشاة، أي الشكل الخارج من الرجل من فضلات شكل ما يخرج من البعير، ومن الشاة من أكلهم ورق الشجر، حتى النبي أكل ورق الشجر، وربط الحجر على بطنه، لم يحدث لهم ما حدث مع قوم موسى، العصا، الحية، الطوفان، الجراد، القمل، الضفادع، الدم، الآيات المفصلات التي سلطت على فرعون، الرجز، الإنجاء بعد ذلك لبني إسرائيل، جواز البحر، المن، السلوى، التوراة التي نزلت مكتوبة، نتق الجبل، كل ذلك، ومع ذلك تسمع وصف القرآن لبني إسرائيل في عصر النبوة، لِم يحكِ الله لنا ذلك للتسلّي، إنما ليعرفنا أن هؤلاء قتلة الأنبياء، هؤلاء الذين زعموا لله الولد، هؤلاء ناكثو العهود، ناقضو المعاهدات (أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُوا۟ عَهْدًۭا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌۭ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)) [سورة البقرة آية: ١٠٠]، إذا كان هذا سلوك اليهود مع الأنبياء، فكيف سلوكهم مع سلاطين العرب، وملوكهم، وهم ليسوا بأنبياء، ولا بمرسلين، إذا كانوا قد خالفوا وخالفوا العهد مع سيد الخلق، وهم قلة محصورون في خبير في المدينة، فكيف وهم يملكون السلاح النووي، مع من عاهدوهم من ملوك ورؤساء العرب، انتبهوا فالقرآن نزل لنعي ما فيه، ونعمل بما جاء فيه، رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا، وعاتبهم، وسألهم، ولكنه توجه باللوم إلى أخيه الذي استخلفه في قومه، يحكي لنا القرآن فيقول الله (عز وجل):
قَالَ يَـٰهَـٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوٓا۟ ﴿92﴾
أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ﴿93﴾
قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٓ ۖ إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى ﴿94﴾
قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَـٰسَـٰمِرِىُّ ﴿95﴾
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا۟ بِهِۦ فَقَبَضْتُ قَبْضَةًۭ مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى ﴿96﴾
قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًۭا لَّن تُخْلَفَهُۥ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًۭا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا ﴿97﴾
إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًۭا ﴿98﴾
كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًۭا ﴿99﴾
مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُۥ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وِزْرًا ﴿100﴾
خَـٰلِدِينَ فِيهِ ۖ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ حِمْلًۭا ﴿101﴾
يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍۢ زُرْقًۭا ﴿102﴾
يَتَخَـٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًۭا ﴿103﴾
نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًۭا ﴿104﴾
وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًۭا ﴿105﴾
فَيَذَرُهَا قَاعًۭا صَفْصَفًۭا ﴿106﴾
لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًۭا وَلَآ أَمْتًۭا ﴿107﴾
يَوْمَئِذٍۢ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُۥ ۖ وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًۭا ﴿108﴾
يَوْمَئِذٍۢ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًۭا ﴿109﴾
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلْمًۭا ﴿110﴾
وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًۭا ﴿111﴾
وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًۭا وَلَا هَضْمًۭا ﴿112﴾
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًۭا ﴿113﴾
فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا ﴿114﴾
أيها الأخ المسلم، علّم ربنا الإنسان ما لم يعلم، والإنسان لا يعلم إلا أن يعلّمه الله، من هنا كان طلب العلم من الله من أهم الطلبات التي يدعو بها المؤمن، خاصة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد أُمر بهذا الدعاء (وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا) فتأتي بعد ذلك قصة آدم، وأمر الملائكة بالسجود له، وعصيان إبليس، وكأن الكلام متصل، (وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًۭا ﴿١١۳﴾ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۗ ) وها هو البيان، والتذكير بالعصيان الأول، التنبيه بعداوة إبليس، وكيف فعل مع أبينا آدم حتى نتقي، ونحذر، ونتنبه، وهذه القصة جاءت في سبع سور من القرآن، كررت للبيان، للتحذير، للتنبيه، للتذكير.
وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًۭا ﴿115﴾
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ ﴿116﴾
فَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّۭ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰٓ ﴿117﴾
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ ﴿118﴾
وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا۟ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ﴿119﴾
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍۢ لَّا يَبْلَىٰ ﴿120﴾
فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ﴿121﴾
ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ﴿122﴾
هنا يجب الانتباه لقاعدة هامة، وأدب يجب أن يتأدب به المسلم، ذكر الله (تبارك وتعالى) في كتابه العزيز بعض ذنوب الأنبياء، وذكرت بعضها في الأحاديث، وأقرّ بعضهم بها كما قال إبراهيم: كذبت على ربي ثلاث كذبات، لكن كل ذلك لم يقدح في منصبهم، فقد اجتباهم، وهداهم، واصطفاهم، ورفع ذكرهم، وأثنى عليهم، ولم يؤثر ذلك في منصبهم، وتلك الذنوب التي ذكرت في القرآن أو في بعض الأحاديث هي إما خلاف الأولى، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فهي خلاف الأولى لمنصب النبوة، كقوله (عز وجل) في شأن حبيبه المصطفى (عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ ﴿١﴾ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ ﴿٢﴾) [سورة عبس آية: ١ - ٢]
خلاف الأوْلى وكقوله (عز وجل) (عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) [سورة التوبة آية: ٤٣] فهي إما خلاف الأوْلى أي خلاف ما يجب بالنسبة لمنصب النبوة، أو بتأويل كما فعل يونس (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ) [سورة الأنبياء آية: ٨٧]، ساهم وخرج، وساهم وكان من المدحضين، متأولاً ليس عامدا للعصيان أو المعصية، من هنا يجب أن نتأدب مع الأنبياء والرسل، ولا نذكر ما ذكر عنهم من بعض الهنات، إلا أن تتلى في الآيات، ولا يبدأ الإنسان بالكلام فيها، مثل أن يقول العبد، لقد هرب يونس من قومه دون إذن، لا يصح، أو يقول عبس النبي (صلى الله عليه وسلم) في وجه الأعمى لا يجوز، أو قتل موسى رجلا انتصار لمن هو من شعيته، لا يجوز ولا يصح، كما أن الكلام عن الله (عز وجل) مما قاله المشركون لا يصح إلا بتلاوة الآيات، وقال أحد الأئمة: لو أشار المتكلم بيده لنفسه في الكلام، مثل (وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ ) [سورة المائدة آية: ٦٤]، لو أشار إلى يده وهو يقولها قُطعت يده؛ لأنه بذلك شبّه الله بمخلوقاته، وعليه إذا قلت من تلقاء نفسك (عصى آدم) أخطأت، وأثمت، وعوقبت على ذلك، لكن الله يقول، هو الله، هو السيد، وهم العبيد، يقول في شأنهم ما يقول.
ثانيا: لو قال أحد: إن آدم كان عاصيا أثم إثما شديدا، عصى وليس بعاص، وغوى وليس بغاوٍ، فمن خاط ثوبه مرة لا يقال عنه خياط، ومن نحر هديه مرة لا يقال عنه جزار، ومن باع شيئا مرة لا يقال عنه بياع، من هنا حين عصى آدم عصى مرة، كما حكى عنه القرآن، فلا يقال عنه عاص، ولا يقال عنه غاوٍ، وإنما يقال (وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ) ضمن تلاوة الآيات، ولا تقال من تلقاء نفسك، بلا قراءة للقرآن.
الأمر الثالث: هذه المعصية التي ذكرت في القرآن، أهي صغيرة أم كبيره؟ صغيرة، ليست قتلاً، ليست زنا، ليست ربا، ليست غيبة، ليست نميمة، ليست فرارا من الزحف، ليست من الكبائر، نهى عن أكل شيء فأكله، لكن الله (تبارك وتعالى) حين ذكرها، ونعى عليه فيها عظما لشأنه، وتعظيما لمقامه، فمعصية العالم غير معصية الجاهل، وهكذا فهي ليست بالضخامة التي يتصورها السامع، لكن الله (تبارك وتعالى) حين ذكرها، ذكرها تحذيراً لذرية آدم.
الأمر الرابع: تأمل واسمع (وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ﴿١٢١﴾ ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ﴿١٢٢﴾) إذاً فقد تاب الله عليه، ومحا معصيته، فذكْر المعصية لمن عصى، وتاب الله عليه من الآثام والذنوب التي قد لا يلتفت إليها المسلم، ولا تعاير على أخيك فيعافيه الله، ويبتليك، ولا يصح أن يعيّر مسلم بمعصية تاب منها، فهي من الذنوب التي حذر منها النبي (صلى الله عليه وسلم) تاب الله عليه واجتباه، تأمل ثم اجتباه، اصطفاه، الجباية الجمع، اجتباه: اصطفاه، وضمه إليه، وتاب عليه من هذه المعصية (وَهَدَىٰ) ثبته على التوبة، وعلى الطاعة، ألا يعني هذا أن النبوة جاءت آدم بعد المعصية؟ ألا يعني هذا أن المعصية كانت قبل النبوة، والمعاصي قبل النبوة أمر آخر، ألا يحتمل أن تكون المعصية قبل أن يرزق النبوة.
قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًۢا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ ﴿123﴾
وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةًۭ ضَنكًۭا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ ﴿124﴾
قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِىٓ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًۭا ﴿125﴾
قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ ﴿126﴾
وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنۢ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ ۚ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰٓ ﴿127﴾
أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ ﴿128﴾
وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًۭا وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى ﴿129﴾
أيها الأخ المسلم، من رحمة الله (عز وجل) بأمة محمد أنه أمهلهم، ووعد حبيبه بأن لا ينزل بهم العذاب المستأصل (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) [سورة الأنفال آية: ٣٣]، أي بعد انتقاله (صلى الله عليه وسلم) إلى الرفيق الأعلى زال أمان وجوده، لكن الله رزقنا أمانا آخر ألا وهو الاستغفار، ويتوجه النصح الإلهي، والتوجيه الرباني إلى الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) فيقول عز من قائل:
فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ ءَانَآئِ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ﴿130﴾
من هنا قال العلماء: هذه الآية إشارة إلى الصلوات الخمس، وقال البعض: بل هو التطوع عموما للصلاة، وقال آخرون: بل المقصود الذكر، التسبيح، التحميد، وأرجح الأقوال أنه إشارة إلى الصلوات الخمس (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ) صلاة الصبح (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ ) صلاة العصر (وَمِنْ ءَانَآئِ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْ) المغرب والعشاء (وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ) صلاة الظهر، وصلاة الظهر قيل عنها أطراف النهار؛ لأنها في آخر النصف الأول من النهار، وفي أول النصف الثاني من النهار، فهي في أطراف النهار، وقال البعض: أطراف النهار المغرب في آخره، والظهر في أول منتصفه بعد الزوال، ومن آناء الليل العشاء فقط، أقوال، وهي إشارة للصلوات الخمس، آناء: جمع أَنْيُن وإِنَن، آناء: لحظات، أوقات (لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ) ترضى نفسك، وتسعد، وتطمئن نفسك، ويطمئن قلبك (تُرضى) قراءة أي يرضيك ربك، تبارك وتعالى، ثوابه، عطائه.
وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ ﴿131﴾
الأمر الأول: أن الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد أمته، هل كان متطلعا إلى الدنيا؟ كيف، ومات ودرعه مرهونة من أجل حفنة من شعير، كيف وكان الهلال، والهلال، والهلال يمر ولا طعام لأهل بيته إلا التمر والماء؟! كيف وقد ربط الحجر على بطنه من الجوع؟ كيف وقد كان زاهدا في الدنيا، وعرضت عليه الدنيا، والخلد فيها، والملك فيها، والكنوز، وأن تتحول جبال مكة له ذهبا فأبى وطلب أن يكون عبداً وليس مَلِكاً، إذاً فالخطاب له، والمقصود الأمة، وكثير في القرآن نجد أن الخطاب له، والمراد أمته مثل (وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ ۖ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (٨٧)) [سورة القصص آية: ٨٧].
الأمر الثاني: يتبين لنا نحن أن ما في يد أي إنسان امتحان يتلاءم معه، وقد لا يتلاءم معك، أرأيت طالبا في كلية الحقوق ذهب لأداء امتحان آخر العام، وبدلاً من أي يدخل كليته والسرادق المقام لأقرانه، دخل سرادقا لكلية التجارة، هل ينجح؟ ذاك الرجل امتحنه الله بالغنى، وامتحنك أنت بالفقر، ترى لو أخذ امتحان الآخر، هل تنجح؟ هل تضمن؟ كيف؟ ومن العباد من يصلح له الغنى، ولو أفقره الله لفسد حاله، ومن العباد من يصلح له الفقر، ولو أغناه الله لفسد حاله، ذاك رزق بالبنات، وبالبنين امتحان (وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ) [سورة الأنفال آية: ٢٨]، وأنت لم ترزق بالولد ترى لو تبادلتما لفسد حالكما، ولرسب كل منكما، ذاك امتحانه، ولك امتحانك، فإياك أن تطلع إلى ما في يد غيرك، إياك، إياك، فتشقى بهذا التطلع، لن تنل إلا ما كتب لك، وصدق رسول الله ( مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ) وكلكم يذكر الحديث، (يا اِبنَ آدمَ خَلَقتُكَ لِلعِبَادةَ فَلا تَلعَب، وَقسَمتُ لَكَ رِزقُكَ فَلا تَتعَب، فَإِن رَضِيتَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ أَرَحتَ قَلبَكَ وَبَدنَكَ، وكُنتَ عِندِي مَحمُوداً، وإِن لَم تَرضَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ فَوَعِزَّتِي وَجَلالِي لأُسَلِّطَنَّ عَلَيكَ الدُنيَا، تَركُضُ فِيهَا رَكضَ الوُحوش فِي البَريَّةَ، ثُمَّ لاَ يَكُونُ لَكَ فِيهَا إِلا مَا قَسَمتُهُ لَكَ، وَكُنتَ عِندِي مَذمُومَا) صدق ربي.