سورة مريم
لقاؤنا مع سورة مريم، سورة مريم التي سميت بهذا الاسم تخليدا لهذه المعجزة الباهرة، ورفعة لشأن هذه الطاهرة، سيدتنا، وسيدة نساء العالمين، (مريم ابنة عمران)، السورة مكية، نزلت بمكة، وقيل: إلا آية السجدة، افتتُحت السورة بالحروف المقطعة، ويقال فيها ما قد قيل في هذه الحروف في السور الماضية، وللتذكير ببعض ما قيل، قيل: هي اسم للسورة وقيل: هو اسم للقرآن، وقيل: بل هو اسم الله الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب، وقيل: كل حرف يدل على اسم من أسماء الله تعالى، كاف كريم، ها هاد، يا يده فوق أيديهم، العين عليم، الصاد صادق، إلى آخر ما قيل، وأفضل ما يقال، وأحق ما يقال، وأصوب ما يقال: إن هذه الحروف سر الله فلا تطلبوه، ولكل كتاب سر، وسره في القرآن فواتح السور، فهي من المتشابهات التي لا يصح للإنسان أن يُعمل عقله فيها، بل يفوض الأمر في معرفة معناها لله (عز وجل) (كاف) ست حركات في القراءة، (ها) حركتان، (يا) حركتان، (عين) حركتان، أو أربع، أو ست (صاد) ست حركات، وقرأت بإمالة الهاء، وقرأت بإمالة الياء، وقرأت بإمالتهما جمعيا.
كٓهيعٓصٓ ﴿1﴾
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ ﴿2﴾
إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيًّۭا ﴿3﴾
قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًۭا وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّۭا ﴿4﴾
وَإِنِّى خِفْتُ ٱلْمَوَٰلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًۭا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا ﴿5﴾
يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ ۖ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّۭا ﴿6﴾
أولا: من حيث اللغة الاستعارة في الكلام، لم تحدث في لغة العرب، جمال الاستعارة، ودقة الاستعارة، من أروع ما يمكن أن يُسمع، شبّه الشيب وهو بياض الشعر، وإنارته، بشواظ النار، وشبه انتشاره في الرأس وفي الشعر باشتعال النار، وأسند الشيب للرأس، إذ هي منبت الشعر، وقال (ٱلرَّأْسُ) واستغنى باللام عن الإضافة، لم يقل رأسي للتدليل على أن المخاطب غني عن التقييد، والتبيين، فهو يعلم الكلام عن أي رأس، أيضا حين يتكلم عن العظم، لم يقل عظمي، (ٱلْعَظْمُ) اسم جنس للتدليل على أن جميع عظام الجسم قد أصابها الوهن، وخص العظم بالذكر؛ إذ إن العظم هو أصل بناء البدن، وقوامه، وأصلب ما فيه، فإن ضعفت العظم كان ما وراءه أضعف وأوهن، وكان ما وراءه من أجهزة وأعضاء وما إلى ذلك أوهن (قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًۭا) وتأمل في التضرع، زكريا يطلب طلبا معينا، يسأل، قدّم السؤال بأي شيء؟ لم يسأل مباشرة، وإنما أظهر ضعفه، وافتقاره إلى الله، تذلل له، ثم استدر فضله بفضله، فتوسل إليه به، ثم بيّن أن المطلوب من أجل الدين لا من أجل الدنيا (قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى) لم يقل أنت الذي فعلت ذلك، العظم وهن بنفسه، وانتبه للأدب في الخطاب (وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًۭا) وكأن ذاك حدث من نفسه حتى لا ينسب ذاك إلى الله، والله (تبارك وتعالى) هو الذي خلق الإنسان من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة، لكنه أسند كل ذلك إلى نفسه (وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّۭا ﴿٤﴾) وانظر إلى هذا التعبير، أي وإن كان طلبي غير معتاد، فإن الإجابة معتادة، ولو أن طلبي خرق للسنن وللعادة، إلا أنك عودتني على الإجابة، وما رددت لي سؤالا قط، فأنا أستدر فضلك بفضلك السابق، ومن حق الكريم ألا يخيب من أطمعه، وقد أطمعتني في الماضي، فلم ترد لي دعاءً؛ لأن الشقاوة: التعب، والنصب، وعدم حصول المقصود (وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّۭا ﴿٤﴾) بل كنت سعيدا، كلما دعوتك سعدت بدعائي؛ إذ حصل المقصود، وتم المطلوب، وأجبتني، وطالما عودتني على الإجابة، ها أنا ذا أطلب منك ما لا يقدر عليه سواك، ثم ذكر قبل الدعاء أيضا الغرض من الطلب، قدم الخضوع، التذلل الافتقار، توسل بفضله، لحصول فضله، ثم ها هو يبين الهدف، هدف أخروي وليس هدف دنيوي (وَإِنِّى خِفْتُ ٱلْمَوَٰلِىَ مِن وَرَآءِى) الخوف حدث له من الموالي، والموالي أبناء العمومة، والعصبة، وكانوا من شرار بني إسرائيل، وخشي إن خلفوه بعد موته أن يفسدوا على الناس دينهم، أو يبدلوا دينهم، أو لا يخلفوه بما يجب أن يُخلف به، وقُرأت (وإني خفّت الموالي) خفّت: قلّت، قلّت الموالي الذين يأتمنهم على الشرع، وعلى الدين، الخوف من أبناء العمومة من بني إسرائيل، كيف يخلفونه وهم على غير قدم (مِن وَرَآءِى) من بعد موتي (من ورائِيَ) قراءة (من ورَايَ) كعصاي (وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًۭا) التذلل والخضوع، ونفي الأسباب المعتادة؛ إذ إن الطلب غير معتاد، ولكن الإجابة معتادة، والقدرة لا حدود لها، وما أطمع زكريا في ذاك إلا لأنه تعود من الله العطاء، والإجابة، والإسعاد بحصول المطلوب، بالإضافة لما رآه من خرق للعادة بالنسبة لمريم، كما جاء في آل عمران (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَـٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)) [سورة آل عمران آية: ٣٧] (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ) [سورة آل عمران آية: ٣٨] (فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا ﴿۵﴾) هذا هو الطلب: هب لي هبة، منحة، عطية، تفضل فأنا لا أستحقه لكن الفضل فضلك (فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا ﴿۵﴾) أي أن الأسباب منعدمة، والمطلوب لا يتحصل إلا بفضلك، وكمال قدرتك؛ إذ مع وجود إرادة الله وقدرة الله، تُلغى الأسباب؛ لذا قال (فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا ﴿۵﴾) قيل: هو حين طلب الولي لم يذكر ولدا من صلبه (وَلِيًّۭا) وربنا يعلم أن الموالي الذين خاف منهم زكريا يعلم شأنهم، فهو يطلب وليا يكون على قدم، يصلح شأن الدعوة، والعقيدة من بعده، ولا يفسدها، وقيل: بل الكلام يفيد بأنه طلب ولداً من صلبه، لكن قيد الطلب بأمور:
أولا: أن ذاك من أجل خوفه على دين الله، وشرعه.
ثانيا: طلب إن جاء الولد أن يعمّر، وأن يكبر، حتى لا يمنح الولد، ثم يموت في صغره، فما يتحصّل المطلوب (يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ ۖ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّۭا ﴿٦﴾) يرثني في العلم، ويرث من آل يعقوب النبوة، أما وراثة المال، وإن كانت قد جاءت في بعض الكتب فهي مرفوضة؛ لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) ( نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ) وقوله: ( إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا ، وَلَكِنَّهُمْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) معنى أحاديث متعددة، إذاً فلا يمكن أن يكون المقصود وراثة المال، إذاً فالوراثة المطلوبة هي وراثة العلم، والدين، والشرع، والنبوة (يَرِثُنِى) وقُرأت مجزومة على إجابة الدعاء (وهبْ لي من لدنك وليا يرثْني ويرثْ من آل يعقوب) (وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّۭا ﴿٦﴾) راضيا بقضائك، وقدرك، مرضيّاً عندك، مرضيّاً في أخلاقه، وأقواله، وأفعاله، إذاً فقد كان الطلب من أجل الدين، من أجل الشرع، وقدم للطلب كما قلنا بالخضوع، والتذلل، وللجوء والافتقار، ثم بالتعود على الكرم الإلهي، والسعادة بإجابة الدعاء، وأن المطلوب لا يقدر عليه إلا الله، فقد انعدمت الأسباب العادية، ذاك الدعاء كان في محرابه، لم ينصرف زكريا عن المحراب حتى أُجيب في التو واللحظة، كما جاء في آل عمران (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةًۭ طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ (٣٨)) [سورة آل عمران آية: ٣٨]، (فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌۭ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ) [سورة آل عمران آية: ٣٩]، من هنا اختصر الكلام (فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا ﴿۵﴾يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ ۖ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّۭا ﴿٦﴾).
يَـٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُۥ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُۥ مِن قَبْلُ سَمِيًّۭا ﴿7﴾
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌۭ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًۭا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيًّۭا ﴿8﴾
قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌۭ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًۭٔا ﴿9﴾
قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةًۭ ۚ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَ لَيَالٍۢ سَوِيًّۭا ﴿10﴾
فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا۟ بُكْرَةًۭ وَعَشِيًّۭا ﴿11﴾
من هنا نفهم، ونتأمل امتناع زكريا عن الكلام كآية، وعدم امتناعه عن الذكر؛ ولأن الإنعام عليه إنعام على أمته، وطالما كان الإنعام بيحيى الذي سوف يخلف أباه بخير خلف، وبه تحيا العقيدة، ويحيى الشرع، ويُصلح أمر الناس، فأراد زكريا أن يخبر قومه بمواصلة الشكر على هذه النعمة، فالإنعام على النبي، إنعام على أمته، ألا ترى ربنا حين قال (إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ (١)) [سورة الكوثر آية: ١]، كيف كان هذا مناً، وعطاءً، وهبة لسيد الخلْق، وكيف فرح المؤمنون بها حين أعطاه الرضا (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰٓ (٥)) [سورة الضحى آية: ٥]، فقال لا أرضى وواحد من أمتي في النار، أرأيت الإنعام على النبي، إنعام على قومه، فإنعام الله على زكريا إنعام على قوم زكريا، من هنا خرج عليهم من المحراب فأوحى بالإشارة بالكتابة بالرمز (سَبِّحُوا۟ بُكْرَةًۭ وَعَشِيًّۭا ﴿١١﴾) صباحا ومساءً، وكأنه أمرهم بمداومة الذكر، والشكر لله، عز وجل، والمحراب أشرف مكان على الإطلاق في الأرض، أشرف مكان في المعبد، أشرف مكان في الصوامع، إذ يقف فيه الذاكر، والعابد، وسُمِّي محراباً لأن من لازمه حارب شيطانه وهواه.
يَـٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍۢ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيًّۭا ﴿12﴾
وَحَنَانًۭا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةًۭ ۖ وَكَانَ تَقِيًّۭا ﴿13﴾
وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّۭا ﴿14﴾
وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّۭا ﴿15﴾
الزكاة: النماء في الخير، فكان خيّراً، ونما الخيرية في قومه (وَكَانَ تَقِيًّۭا ﴿١۳﴾) صالحا، طيبا، مبتعدا عن المعاصي (وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ) البّر: عظيم البر، البار بوالديه: المراعي لهما، ولحقهما (البر) أبلغ، وأقوى، وأشد، فالبَر هو البار، العظيم في بره (وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ) إذا فبره بوالديه كان فوق التصور؛ ولذا قال (براً) ولم يقل (بارا) (وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا) متكبرا عاتيا (عَصِيًّۭا ) عاصياً لهما، أو عاصيا لله (وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّۭا ﴿١۵﴾) ما أعظم العطاء، وما أوسع العطاء، وما أكرم العاطي (سبحانه وتعالى) انظر لما طلبه زكريا، وانظر لما أعطاه الله، وقارن بين الطلب، وبين العطاء، فتجد الفارق كما بين الأرض والسماء السلام: التحية، والسلام: الأمن، والأمان، أيهما مراد؟ الله أعلم الاثنان مرادان لاشك، لكن التأمل في المواطن الثلاثة وتأمل، هذه المواطن الثلاثة، هي المواطن التي يكون الإنسان فيها ضعيفا للغاية، مفتقراً إلى الله، لا يملك من أمر نفسه شيئا، فهي مواطن يكون الإنسان فيها أضعف ما يكون حين يولد، ويحمل، ويرضع وما إلى ذلك، منتهى الضعف، لا يقف، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، ولا يعبر عن حاجته، ولا يمشي، ولا، ولا، حين يموت ويتخلى عنه الناس، وينزل في حفرة مظلمة، فيها سؤال، وفيها عتاب، وفيها عذاب، وفيها ما فيها، ويتخلى عنه الناس، وتتخلى عنه الدنيا كلها، ويخرج من ماله، ويخرج حتى من ثيابه، منتهى الضعف، والافتقار، وقد سمعت أن الله (تبارك وتعالى) أرحم ما يكون بعبده حين يوضع في قبره، ويتخلى عنه الكل، ولا يبقى إلا رب الكل يوم يبعث حيث الكل في رعب، فهي مواطن ثلاثة، وانظر العطاء، سلام عليه، ثم تأتي القصة الثانية في سورة مريم، القصة الدالة على كمال قدرة الله تعالى، القصة التي تحكي لنا الحق، قصة مريم، وقصة ابنها كلمة الله عيسى ابن مريم، يقول الله (تبارك وتعالى):
وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًۭا شَرْقِيًّۭا ﴿16﴾
فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًۭا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًۭا سَوِيًّۭا ﴿17﴾
قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّۭا ﴿18﴾
قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًۭا زَكِيًّۭا ﴿19﴾
قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌۭ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌۭ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّۭا ﴿20﴾
قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌۭ ۖ وَلِنَجْعَلَهُۥٓ ءَايَةًۭ لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةًۭ مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًۭا مَّقْضِيًّۭا ﴿21﴾
فَحَمَلَتْهُ فَٱنتَبَذَتْ بِهِۦ مَكَانًۭا قَصِيًّۭا ﴿22﴾
فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يَـٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًۭا مَّنسِيًّۭا ﴿23﴾
فَنَادَىٰهَا مِن تَحْتِهَآ أَلَّا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّۭا ﴿24﴾
وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًۭا جَنِيًّۭا ﴿25﴾
فَكُلِى وَٱشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًۭا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلْبَشَرِ أَحَدًۭا فَقُولِىٓ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًۭا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّۭا ﴿26﴾
فَأَتَتْ بِهِۦ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُۥ ۖ قَالُوا۟ يَـٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًۭٔا فَرِيًّۭا ﴿27﴾
يَـٰٓأُخْتَ هَـٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍۢ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّۭا ﴿28﴾
(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَـٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)) [سورة آل عمران آية: ٣٧]، والآن، وهي في خوف، وقلق، ورعب من اتهامها، جاءت بولد، كيف وهي العابدة القانتة، سليلة المجد، والشرف، بنت الصالحين من ذرية الأنبياء والمرسلين، آلام الوضع، النفاس كل ذلك، وتؤمر بهز النخلة؟ تُرى لو كان للنفساء طعاماً أصلح، وأنفع، وأطيب من التمر لأطعمه الله مريم، إذا فهي نصيحة، ولفتة لكل نفساء أن تأكل الرطب في نفاسها، كما هي نصيحة لكل سقيم أن يأكل القرع، إذ إن الله (تبارك وتعالى) أنبت على يونس حين نبذ بالعراء وهو سقيم، أنبت عليه شجرة من يقطين، النبات الذي لا ساق له، كالقرع، فلِم أسقط عليها الرطب، وقد كان يأتيها من الرزق كذا وكذا؟ لا يوجد أفضل من الرطب على الإطلاق للنفساء، ليعود كل شيء إلى مكانه من حيث الأجهزة، الرحم، والبطن، وما إلى ذلك، ولإدرار اللبن للوليد، ولفوائد جمة كثيرة، ولابد وأن يُكتشف ذلك يوما ما، وصدق الله (تبارك وتعالى) (وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ) هذا الهز، وهذا العمل أهو مطلوب لمن تلد، من وضعت لا يطلب لها الراحة كما يشاع، تستريح في سريرها أربعين يوما بلا حراك، أم يطلب لها الحركة كما اكتشف الآن في الغرب، يعلمونهن الرياضة قبل وبعد الولادة، فهل الحركة مطلوبة، فأمرها بالهز، أم أمرها بالهز لتنشغل عما هي فيه، فيتساقط الرطب، فتبتعد بوليدها عن الرطب حتى لا يسقط عليها، أو على وليدها، ثم تبحث عنه في الأرض، ثم تجمع، ثم تغسل، ثم تأكل، هل أراد أن يشغلها عما هي فيه من قلق، أم الحركة مطلوبة، أم كانت فارغة القلب إلا من الله، فلما رأت عيسى تعلق قلبها به، فأراد أن يشغلها، أو تتكسب رزقها بالعادة، إذ لابد من بعض السعي، وإن كان الرزق في السماء يعلم الله، أمور، وأمور، التكلم فيها يشعر بأن الإنسان مهما بلغ من علم، ومهما قرأ، ومهما تعلم، فالقرآن بحر محيط، لا يدرك قراره، صدق الله، فإنه بالتأمل في الآيات يتضح وجود الكثير من التساؤلات التي لا إجابة لها، غير الهتاف من الأعماق (سبحان الله) يقول الله (تبارك وتعالى) (فَأَتَتْ بِهِۦ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُۥ ۖ) إن كان الحمل، والولادة لم يستغرق سوى ثلاث ساعات، أو بعض الوقت كما قال بعض العلماء، فقد أتت فورا به قومها، خرجت في الصباح، وعادت إليهم قبل الظهيرة بالولد على يديها، وإن كان الحمل قد تم لمدته المعهودة، فقد انتظرت حتى طهرت من نفاسها، ثم أتت به قومها تحمله، لم تبين لنا الآيات ذلك (قَالُوا۟ يَـٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًۭٔا فَرِيًّۭا) (شيئا فرْيا) قراءة، الفريّ: الأمر العجيب، النادر، الغريب، أو المختلق، أو المصنوع (لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًۭٔا فَرِيًّۭا ) أمراً مختلفا، أمرا غريبا، أمرا يُنكر، أصل الكلمة من الفرْي: القطع، وقد تأتي بمعنى الأمر المنكر الذي لا يصح، كقوله (عز وجل) (وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَـٰنٍۢ يَفْتَرِينَهُۥ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ) [سورة الممتحنة آية: ١٢]، وقد تأتي بمعنى الصنع، والإيجاد لشيء لم يسبق، كقول النبي (صلى الله عليه وسلم) عن عمر: (فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ) أمراً بقطع الكلام لغرابته، وشدة عجبه (يَـٰٓأُخْتَ هَـٰرُونَ) (هَـٰرُونَ) هنا المقصود به هارون (عليه السلام) أخو موسى، وبينها وبين هارون مئات السنين، لكن قولهم يا أخت هارون؛ لأنها من نسله، كقولك للرجل العربي يا أخ العرب، وقيل: بل هارون اسم رجل صالح من قومها، يشبونها به لصلاحها، وقيل: بل هو رجل فاجر، وشبهوها به لما أتت به من أمر غريب، أقوال لكن الأرجح يا أخت هارون كقولك يا أخ العرب (مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍۢ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّۭا) الكلام ليس للتعجب فقط، بل للتبكيت، والتوبيخ، وكأن الفواحش من أولاد الصالحين أفحش، تربى في بيئة صالحة، الأب صالح، والأم صالحة، الصلاة في البيت، القرآن يُتلى، فالخطأ من مثل هذا الذي تربى في هذا الجو، وهذه البيئة، يعتبر أشد، وأفظع، من هنا يشيرون إلى ذلك بقولهم (يَـٰٓأُخْتَ هَـٰرُونَ) أي أنت من نسل النبي الصالح هارون، هذه واحدة (مَا كَانَ أَبُوكِ) الإشارة إلى الأب (ٱمْرَأَ سَوْءٍۢ) شهادة بصلاحه، وتقواه (وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّۭا) فكيف تفعلين ذلك! وكيف تأتين بهذا البهتان!
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا۟ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّۭا ﴿29﴾
قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّۭا ﴿30﴾
وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَـٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّۭا ﴿31﴾
وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًۭا شَقِيًّۭا ﴿32﴾
وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّۭا ﴿33﴾
ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿34﴾
مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍۢ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ﴿35﴾
وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ ﴿36﴾
فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿37﴾
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿38﴾
وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍۢ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿39﴾
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴿40﴾
وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِبْرَٰهِيمَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًۭا نَّبِيًّا ﴿41﴾
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيْـًۭٔا ﴿42﴾
يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِىٓ أَهْدِكَ صِرَٰطًۭا سَوِيًّۭا ﴿43﴾
يَـٰٓأَبَتِ لَا تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيًّۭا ﴿44﴾
يَـٰٓأَبَتِ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌۭ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيًّۭا ﴿45﴾
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّۭا ﴿46﴾
قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّۭا ﴿47﴾
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّۭا ﴿48﴾
فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّۭا جَعَلْنَا نَبِيًّۭا ﴿49﴾
وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّۭا ﴿50﴾
وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مُوسَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخْلَصًۭا وَكَانَ رَسُولًۭا نَّبِيًّۭا ﴿51﴾
وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَـٰهُ نَجِيًّۭا ﴿52﴾
وَوَهَبْنَا لَهُۥ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيًّۭا ﴿53﴾
وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًۭا نَّبِيًّۭا ﴿54﴾
وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّۭا ﴿55﴾
وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًۭا نَّبِيًّۭا ﴿56﴾
وَرَفَعْنَـٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴿57﴾
أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍۢ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًۭا وَبُكِيًّۭا ۩ ﴿58﴾
(وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿١۰۵﴾) [سورة يوسف آية: 105]، وكلما ابتعد العبد عن الله كلما قسا قلبه، وجف دمعه، وغلظ خلقه، وقلت رحمته، وماتت مشاعره، هؤلاء مع هذا القرب، ومع هذه المنزلة، مع هذه الدرجة، مع شرف النسب يبكون؟!! من أي شيء؟ كيف؟ هذا يدل على أن العبد كلما اقتربت منزلته، كلما ازداد خوفا، وازداد خشوعا، وازداد إخباتا، أما من جلس مطمئنا مدعيا القرب عن الله، وعلو المنزلة، وأن الله أكرمه، وأنه ما طلب طلبا إلا وأجيب إليه، ذاك شخص غافل؛ لذا لو نظرنا لما يلي من آيات.
فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلشَّهَوَٰتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴿59﴾
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـًۭٔا ﴿60﴾
جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعْدُهُۥ مَأْتِيًّۭا ﴿61﴾
لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَـٰمًۭا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةًۭ وَعَشِيًّۭا ﴿62﴾
تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّۭا ﴿63﴾
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّۭا ﴿64﴾
رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَـٰدَتِهِۦ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّۭا ﴿65﴾
وَيَقُولُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴿66﴾
أَوَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـًۭٔا ﴿67﴾
فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَـٰطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّۭا ﴿68﴾
ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيًّۭا ﴿69﴾
ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّۭا ﴿70﴾
وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًۭا مَّقْضِيًّۭا ﴿71﴾
ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّۭا ﴿72﴾
فإنّ آيات القرآن تحمل في طياتها الصدق كله، وما يسمعها منصف إلا يؤمن بأنها الحق، وبأنها كلام الحق، ومع ذلك كان الكفار يتعامون عنها، ويصمون آذنهم عنها، ومنهم من يقول: (لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ) [سورة فصلت آية: ٢٦]، كما حكى القرآن عنهم، ومنهم من يقول كما قال القرآن (لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَلَا بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ) [سورة سبأ آية: ٣١]، عناد، وهنا يبيّن ربنا تبارك وتعالى سفاهتهم، وقصر نظرهم، وجهالتهم، فيقول عز من قائل:
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌۭ مَّقَامًۭا وَأَحْسَنُ نَدِيًّۭا ﴿73﴾
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَـٰثًۭا وَرِءْيًۭا ﴿74﴾
قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلْعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضْعَفُ جُندًۭا ﴿75﴾
وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْا۟ هُدًۭى ۗ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌۭ مَّرَدًّا ﴿76﴾
أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًۭا وَوَلَدًا ﴿77﴾
أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًۭا ﴿78﴾
كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّۭا ﴿79﴾
وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًۭا ﴿80﴾
كلا: بمعنى حقا، تأتي لتحقيق ما بعدها من كلام، وهنا لابد من وصلها بما بعدها من كلام، ولا يوقف عليها مثل (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿۵﴾) [سورة النبأ آية: ٤ : ٥]، فلا يصح الوقف بعد كلا.
تأتي كلا: للنفي، لرد كلام سبق، ولنفي كلام سبق، هنا يمكن الوقف عليها مثل (وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنۢبٌۭ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴿١٤﴾ قَالَ كَلَّا ۖ) [سورة الشعراء آية: ١٤ : ١٥] نفي لما سبق، أي لن يحدث، ولن يقتلوك (فَٱذْهَبَا بِـَٔايَـٰتِنَآ ۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ ﴿١۵﴾) [سورة الشعراء آية: ١٥]، وكما جاء هنا (كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ) وتأتي كلا على معنى ثالث، وهو التنبيه على ما بعدها من كلام، كقوله (عز وجل) (كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ (٦)) [سورة العلق آية: ٦]، فلا يصح الوقف على كلمة كلا، وتأتي كلمة كلا صلة للقسم، ولا يصح الوقف عليها مطلقا كقوله: (كَلَّا وَٱلْقَمَرِ (٣٢)) [سورة المدثر آية: ٣٢]، ذاك أربع وجوه لكلمة كلا، رغم أن بعض علماء اللغة، قال: لا يوقف على كلا في القرآن كله، هذا هو مجمل ما قيل، وأصح ما قيل في كلمة كلا، وقد تحتمل كلمة كلا معنيين: معنى:حقا، ومعنى (لا)، هنا على سبيل المثال (أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًۭا وَوَلَدًا ﴿۷۷﴾ أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًۭا ﴿۷۸﴾ كَلَّا ۚ) رد، وزجر، ونفي لما ادعاه، (سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّۭا) فإذا احتملت المعنيين جاز الوقف عليها، وجاز الوصل بما بعدها من كلام، وهذه المواضع في القرآن تعرف بالحس القرآني؛ لأنها تحتمل وجوه، أن يرجح وجه على وجه، فذاك لعلماء القرآن، أهل الحس القرآني، الذين رسموا علامات الوقف؛ ولذا تجد في مصحفنا على قراءة حفص، بعد كلمة كلا، حرف جيم، أي جائز الوقف، فإن وصلت فبمعنى (حقا)، وإن وقفت فبمعنى الردع، والزجر، لنفي كلام سابق (كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ) من المعلوم أن الكتابة لا تتقدم عن الكلام، ولا تتأخر عنه لقوله (عز وجل) (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ (١٨)) [سورة ق آية: ١٨]، هنا يقول (سَنَكْتُبُ) فهل الكتابة تتم بعد القول؟ أبداً، بمعنى سنعاقبه على قوله عقوبة، المجرم الذي كُتبت عليه جريمته، أو سيعلم، وسينظر، وسيرى، أنا كتبنا ما تكلم به (وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّۭا) المد غالبا ما يستخدم في الشر، والإمداد غالبا ما يستخدم في المحبوب، أمده بما يحب، مدّه بما يكره (يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَـٰثَةِ ءَالَـٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ (١٢٤)) [سورة آل عمران آية: ١٢٤]، (وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّۭا) أكّد التهديد بالمصدر (مَدًّۭا) لبيان عظم غضبه عليه، أي نطول له من العذاب، ونضيف من صنوف العذاب ما يلاقيه، ويتجرعه يوم القيامة (وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ) نهلكه، ولا يبقى معه مال، ولا ولد، إما الآية للتهديد في الدنيا، بنزع ماله، وموت ولده، وإما الآية بيان بأنه ميت لا محالة، وربنا الوارث، يرث ماله، ويرث ولده، والولد والوُلد والوِلد لغات بمعنى واحد، وقرأت (وَلدا ووُلداً) في أربع مواضع في هذه السورة أولها (وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًۭا وَوَلَدًا) (مالاً ووُلداً) أو كعرب وعرب، وعدم وعُدم، وعَجم وعُجم لغتان بمعنى واحد، أو الوُلد جمع الوَلد، أُسد جمع أَسد، ومعنى الآية، إما نحرمه من المال والولد في الآخرة، وإما نهلكه في الدنيا، ونرث ماله وولده، ويرثه آخرون بأمر الله، أو التهديد بنزع المال، والولد منه في الدنيا (وَيَأْتِينَا فَرْدًۭا) يوم القيامة بلا معين، ولا نصير، بلا مال، ولا ولد.
وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةًۭ لِّيَكُونُوا۟ لَهُمْ عِزًّۭا ﴿81﴾
كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴿82﴾
(كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ) (كَلَّا ۚ) بمعنى لا، نفي لكلام سابق، نفي لما ادعوه أن الأصنام تكون لهم يوم القيامة عزاً، أو (كَلَّا ۚ) بمعنى (حقا) سيكفرون بعبادتهم حسب الوقف، والأفضل في الموضعين الموضع الأول (كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ) والموضع الثاني (كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ) والأرجح أنها رد وزجر، ونفي لما سبقها من ادعاء (سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ) من هم؟ من المقصود بالواو هنا (سيكفرون ويكونون عليهم ضدا) الضد: المخالف، المحارب، المضاد، (سَيَكْفُرُونَ) الأصنام تكفر بعبادة من عبدها لقوله (عز وجل) (إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ (١٦٦)) [سورة البقرة آية: ١٦٦]، ولقوله، عز وجل، (قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَكَانُوا۟ قَوْمًۢا بُورًۭا (١٨)) [سورة الفرقان آية: ١٨]، وقوله: (إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ (٢٩)) [سورة يونس آية: ٢٩] إذاً فالأصنام تكفر بعبادة من عبدها، وينطقها الله يوم القيامة، وتكون عليهم يوم القيامة ضداً؛ إذ توقد بها النار فيحرقون بها، تدخل الأصنام معهم النار (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَٰرِدُونَ (٩٨)) [سورة الأنبياء آية: ٩٨] ذاك معنى، والمعنى الآخر (سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ) أي مشركو مكة حين يُبعثون يوم القيامة، ويسألون عن عبادتهم للأصنام يكفرون بتلك العبادة، بل يقولون (ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿٢۳﴾ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿٢٤﴾) [سورة الأنعام آية: ٢٣ : ٢٤] (سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ) إذاً فهم يكفرون بعبادتهم، ويقولون لله (عز وجل) ما عبدنا من دونك من شيء، وما كنا مشركين، ويصبحون ضد هذه الأصنام، وتأتي آية فيها الخطاب للنبي للتعجيب:
أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّۭا ﴿83﴾
فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّۭا ﴿84﴾
يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْدًۭا ﴿85﴾
وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًۭا ﴿86﴾
لَّا يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًۭا ﴿87﴾
وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَدًۭا ﴿88﴾
لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـًٔا إِدًّۭا ﴿89﴾
تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلْأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدًّا ﴿90﴾
أَن دَعَوْا۟ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدًۭا ﴿91﴾
وَمَا يَنۢبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴿92﴾
إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّآ ءَاتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْدًۭا ﴿93﴾
لَّقَدْ أَحْصَىٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّۭا ﴿94﴾
وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْدًا ﴿95﴾
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدًّۭا ﴿96﴾
(وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ (٤٧)) [سورة الحجر آية: ٤٧]
سيجعل لهم ربنا المودة يوم القيامة في قلوب المؤمنين، يود بعضهم بعضا، وينزع ما في صدورهم من غل، وتحبهم الملائكة، والكلام عن الآخرة، ويوم القيامة، إذا كان الأمر كذلك، فأين ما ورد من حديث للنبي يحدث به عن رب العزة، حيث يقول نبينا: (إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ ، قَالَ : فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ، قَالَ : ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ ، قَالَ : فَيُحِبُّونَهُ ، قَالَ : ثُمَّ يَضَعُ اللَّهُ لَهُ الْقَبُولَ فِي الْأَرْضِ ، فَإِذَا أَبْغَضَ ، فَمِثْلُ ذَلِكَ) إذا فالمودة والود في الدنيا، والقول عن (وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ (٤٧)) [سورة الحجر آية: ٤٧]، في الآخرة، فكيف التوفيق؟ التوفيق سهل يسير، لا يحب الله (تبارك وتعالى) إلا التقي، النقيّ، فإن أحبه في الدنيا، أحبه في الآخرة، فالمحبوب في الدنيا هو المحبوب في الآخرة، إن الذين آمنوا عملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا في الدنيا، وودا في الآخرة، بل الود متصل، الود في الدنيا بالأنس بالله، الود في الدنيا بحب خلائق الله، بحب المؤمنين، حتى الأرض تحبه، فإن مات بكت عليه، وإن مات بكت عليه السماء، وبكى عليه مكانه الذي كان يذكر فيه ربه، وإن كان في قبره فهو مؤتنس بعمله، مودود، ممدود برحمة الله، فإن بُعث بعث بالود، وبعث في الوفد، وإن خاف الناس لا يخاف، وإن حزن الناس لا يحزن، وأظلّه الله بظل عرشه، وجعله مجاورا له، وأحبته الملائكة، حتى الروح إذا خرجت من الجسد، وصعدت تُحيَّى في كل سماء، حيثما مرت بأحلى الأسماء تحيه الملائكة، بل حتى حين قبض الروح لا يخاف، ولا يرتعد، تجيئه الملائكة في أبهى صورة، بالاستئذان، بالسلام، ربك يقرئك السلام، فالسين في الآية للماضي، والحاضر والمستقبل، للاتصال، قالوا: متصل دنيا وأخرى، فالمحبوب في الدنيا، محبوب في الآخرة.
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوْمًۭا لُّدًّۭا ﴿97﴾
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًۢا ﴿98﴾
أيها الأخ المسلم، تنتهي سورة مريم، السيدة، العظيمة، البتول، والتي اتُهمت، ومع ذلك جعلها الله (تبارك وتعالى) نبراسا، وقدوة، ومثلا للذين آمنوا في جميع القرون، والعصور، مريم ابنة عمران.