القرآن الكريم / سورة مريم / التفسير المقروء

سورة مريم

لقاؤنا مع سورة مريم، سورة مريم التي سميت بهذا الاسم تخليدا لهذه المعجزة الباهرة، ورفعة لشأن هذه الطاهرة، سيدتنا، وسيدة نساء العالمين، (مريم ابنة عمران)، السورة مكية، نزلت بمكة، وقيل‫:‬ إلا آية السجدة، افتتُحت السورة بالحروف المقطعة، ويقال فيها ما قد قيل في هذه الحروف في السور الماضية، وللتذكير ببعض ما قيل، قيل‫:‬ هي اسم للسورة وقيل‫:‬ هو اسم للقرآن، وقيل‫:‬ بل هو اسم الله الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب، وقيل‫:‬ كل حرف يدل على اسم من أسماء الله تعالى، كاف كريم، ها هاد، يا يده فوق أيديهم، العين عليم، الصاد صادق، إلى آخر ما قيل، وأفضل ما يقال، وأحق ما يقال، وأصوب ما يقال‫:‬ إن هذه الحروف سر الله فلا تطلبوه، ولكل كتاب سر، وسره في القرآن فواتح السور، فهي من المتشابهات التي لا يصح للإنسان أن يُعمل عقله فيها، بل يفوض الأمر في معرفة معناها لله (عز وجل) (كاف) ست حركات في القراءة، (ها) حركتان، (يا) حركتان، (عين) حركتان، أو أربع، أو ست (صاد) ست حركات، وقرأت بإمالة الهاء، وقرأت بإمالة الياء، وقرأت بإمالتهما جمعيا‫.‬‬

كٓهيعٓصٓ ﴿1﴾ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ ﴿2﴾
بالتأمل في سورة مريم نجد أن محورها يدور حول تقرير عقيدة التوحيد، وتنزيه الله (عز وجل) عما لا يليق بجلاله، وكماله، وذكرت السورة بعض القصص‫:‬ قصة زكريا، وابنه يحيى، والمعجزة التي تمت بإنجابهما للولد في ذاك السن، ثم ذكرت السورة قصة مريم، وابنها عيسى، تلك المعجزة الخالدة أن تلد بغير زوج، وأن يولد من غير أب، وأن يتكلم في المهد، وذكرت طرفا من قصص بعض الأنبياء‫:‬ نوح، وإسحق، ويعقوب، وذكرت قصة إبراهيم مع أبيه، وأثنت على بعض الرسل للتدليل على أن رسالة الرسل واحدة، وذكرت السورة بعض مشاهد القيامة، ومصير أهل الجنة، ومصير أهل النار، وكيف أنهم يحضرون حول جهنم جثيا، وخُتمت السورة بتنزيه الله (عز وجل) عن الولد والشريك (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ (٢)) (ذِكْرُ) مرفوعة بالابتداء، والخبر مقدر، (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ (٢)) فيما يُتلى عليكم ذكرها، أو هي خبر لمبتدأ محذوف تقريره (ما يتلى عليكم ذكر رحمة ربك، أو هذا ذكر رحمة ربك عبده زكريا)، فإما هي مبتدأ لخبر محذوف، أو خبر لمبتدأ محذوف (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ (٢)) وقرأت (ذكَرَ) أي ذكَر القرآن رحمة ربك عبده زكريا، وقرأت (ذكَّر) أي ذكَّر القرآن رحمة ربك عبده زكريا، وقرأت على الأمر (ذكِّرْ) أي ذكِّرْ الناس (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ (٢)) والكلام عن الرحمة الشاملة التي عمّت سيدنا ذكريا، وشُرِّف بذكر اسمه، وشُرِّف أيضا بنسبته إلى الله (عز وجل) في قوله‫:‬ (عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ (٢)) العبودية أعلى مقام على الإطلاق؛ ولذلك اختارها النبي (صلى الله عليه وسلم) فقد خير أن يكون ملكا رسولاً، أو يكون عبداً رسولا، فاختار أن يكون عبدا رسولاً.‬‬
إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيًّۭا ﴿3﴾
النداء‫:‬ الدعاء، والرغبة الخفاء في دعاء زكريا لِمَ كان؟ قيل‫:‬ أخفى طلبه للولد حتى لا يلام على ذلك مع كبر سنه، وكون امرأته عاقر، وقيل‫:‬ بل أخفى الطلب عن مواليه، عن أبناء عمومته الذين خشي خلافتهم له، وقيل‫:‬ بل من شدة الكبر، والضعف، خفت صوته، فدعا بصوت خفي، وقيل‫:‬ وهو أحسن ما قيل، إن الخفاء في الدعاء أدخل في الإخلاص، وأبعد عن الرياء، وربنا يسمع السر والنجوى، ويسمع السر وأخفى، ويعلم الجهر ويعلم الإسرار، لكن الخفاء فيه الإخبات، وفية الخضوع، وفيه الإخلاص، والبعد عن الرياء‫.‬ من هنا دعا زكريا ربه دعاء، ونداء خفيا‫.‬‬‬‬
قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًۭا وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّۭا ﴿4﴾ وَإِنِّى خِفْتُ ٱلْمَوَٰلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًۭا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا ﴿5﴾ يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ ۖ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّۭا ﴿6﴾
ذاك بيان لطلبه ودعائه (قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى) (وَهُنَ)، (وَهِنَ) قراءات بالحركات الثلاثة (وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًۭا) والآية فيها من التأمل ما لا يتسع المقام لذكره، واسمع‫:‬‬
‫أولا‫:‬ من حيث اللغة الاستعارة في الكلام، لم تحدث في لغة العرب، جمال الاستعارة، ودقة الاستعارة، من أروع ما يمكن أن يُسمع، شبّه الشيب وهو بياض الشعر، وإنارته، بشواظ النار، وشبه انتشاره في الرأس وفي الشعر باشتعال النار، وأسند الشيب للرأس، إذ هي منبت الشعر، وقال (ٱلرَّأْسُ) واستغنى باللام عن الإضافة، لم يقل رأسي للتدليل على أن المخاطب غني عن التقييد، والتبيين، فهو يعلم الكلام عن أي رأس، أيضا حين يتكلم عن العظم، لم يقل عظمي، (ٱلْعَظْمُ) اسم جنس للتدليل على أن جميع عظام الجسم قد أصابها الوهن، وخص العظم بالذكر؛ إذ إن العظم هو أصل بناء البدن، وقوامه، وأصلب ما فيه، فإن ضعفت العظم كان ما وراءه أضعف وأوهن، وكان ما وراءه من أجهزة وأعضاء وما إلى ذلك أوهن (قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًۭا) وتأمل في التضرع، زكريا يطلب طلبا معينا، يسأل، قدّم السؤال بأي شيء؟ لم يسأل مباشرة، وإنما أظهر ضعفه، وافتقاره إلى الله، تذلل له، ثم استدر فضله بفضله، فتوسل إليه به، ثم بيّن أن المطلوب من أجل الدين لا من أجل الدنيا (قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى) لم يقل أنت الذي فعلت ذلك، العظم وهن بنفسه، وانتبه للأدب في الخطاب (وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًۭا) وكأن ذاك حدث من نفسه حتى لا ينسب ذاك إلى الله، والله (تبارك وتعالى) هو الذي خلق الإنسان من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة، لكنه أسند كل ذلك إلى نفسه (وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّۭا ﴿٤﴾) وانظر إلى هذا التعبير، أي وإن كان طلبي غير معتاد، فإن الإجابة معتادة، ولو أن طلبي خرق للسنن وللعادة، إلا أنك عودتني على الإجابة، وما رددت لي سؤالا قط، فأنا أستدر فضلك بفضلك السابق، ومن حق الكريم ألا يخيب من أطمعه، وقد أطمعتني في الماضي، فلم ترد لي دعاءً؛ لأن الشقاوة‫:‬ التعب، والنصب، وعدم حصول المقصود (وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّۭا ﴿٤﴾) بل كنت سعيدا، كلما دعوتك سعدت بدعائي؛ إذ حصل المقصود، وتم المطلوب، وأجبتني، وطالما عودتني على الإجابة، ها أنا ذا أطلب منك ما لا يقدر عليه سواك، ثم ذكر قبل الدعاء أيضا الغرض من الطلب، قدم الخضوع، التذلل الافتقار، توسل بفضله، لحصول فضله، ثم ها هو يبين الهدف، هدف أخروي وليس هدف دنيوي (وَإِنِّى خِفْتُ ٱلْمَوَٰلِىَ مِن وَرَآءِى) الخوف حدث له من الموالي، والموالي أبناء العمومة، والعصبة، وكانوا من شرار بني إسرائيل، وخشي إن خلفوه بعد موته أن يفسدوا على الناس دينهم، أو يبدلوا دينهم، أو لا يخلفوه بما يجب أن يُخلف به، وقُرأت (وإني خفّت الموالي) خفّت‫:‬ قلّت، قلّت الموالي الذين يأتمنهم على الشرع، وعلى الدين، الخوف من أبناء العمومة من بني إسرائيل، كيف يخلفونه وهم على غير قدم (مِن وَرَآءِى) من بعد موتي (من ورائِيَ) قراءة (من ورَايَ) كعصاي (وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًۭا) التذلل والخضوع، ونفي الأسباب المعتادة؛ إذ إن الطلب غير معتاد، ولكن الإجابة معتادة، والقدرة لا حدود لها، وما أطمع زكريا في ذاك إلا لأنه تعود من الله العطاء، والإجابة، والإسعاد بحصول المطلوب، بالإضافة لما رآه من خرق للعادة بالنسبة لمريم، كما جاء في آل عمران (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَـٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٣٧] (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٣٨] (فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا ﴿۵﴾) هذا هو الطلب‫:‬ هب لي هبة، منحة، عطية، تفضل فأنا لا أستحقه لكن الفضل فضلك (فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا ﴿۵﴾) أي أن الأسباب منعدمة، والمطلوب لا يتحصل إلا بفضلك، وكمال قدرتك؛ إذ مع وجود إرادة الله وقدرة الله، تُلغى الأسباب؛ لذا قال (فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا ﴿۵﴾) قيل‫:‬ هو حين طلب الولي لم يذكر ولدا من صلبه (وَلِيًّۭا) وربنا يعلم أن الموالي الذين خاف منهم زكريا يعلم شأنهم، فهو يطلب وليا يكون على قدم، يصلح شأن الدعوة، والعقيدة من بعده، ولا يفسدها، وقيل‫:‬ بل الكلام يفيد بأنه طلب ولداً من صلبه، لكن قيد الطلب بأمور‫:‬‬
‫أولا‫:‬ أن ذاك من أجل خوفه على دين الله، وشرعه‫.‬‬
‫ثانيا‫:‬ طلب إن جاء الولد أن يعمّر، وأن يكبر، حتى لا يمنح الولد، ثم يموت في صغره، فما يتحصّل المطلوب (يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ ۖ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّۭا ﴿٦﴾) يرثني في العلم، ويرث من آل يعقوب النبوة، أما وراثة المال، وإن كانت قد جاءت في بعض الكتب فهي مرفوضة؛ لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) ( نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ) وقوله‫:‬ ( إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا ، وَلَكِنَّهُمْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) معنى أحاديث متعددة، إذاً فلا يمكن أن يكون المقصود وراثة المال، إذاً فالوراثة المطلوبة هي وراثة العلم، والدين، والشرع، والنبوة (يَرِثُنِى) وقُرأت مجزومة على إجابة الدعاء (وهبْ لي من لدنك وليا يرثْني ويرثْ من آل يعقوب) (وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّۭا ﴿٦﴾) راضيا بقضائك، وقدرك، مرضيّاً عندك، مرضيّاً في أخلاقه، وأقواله، وأفعاله، إذاً فقد كان الطلب من أجل الدين، من أجل الشرع، وقدم للطلب كما قلنا بالخضوع، والتذلل، وللجوء والافتقار، ثم بالتعود على الكرم الإلهي، والسعادة بإجابة الدعاء، وأن المطلوب لا يقدر عليه إلا الله، فقد انعدمت الأسباب العادية، ذاك الدعاء كان في محرابه، لم ينصرف زكريا عن المحراب حتى أُجيب في التو واللحظة، كما جاء في آل عمران (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةًۭ طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ (٣٨)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٣٨]، (فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌۭ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٣٩]، من هنا اختصر الكلام (فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا ﴿۵﴾يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ ۖ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّۭا ﴿٦﴾).
يَـٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُۥ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُۥ مِن قَبْلُ سَمِيًّۭا ﴿7﴾
الكلام فيه اختصار، أي فاستجاب الله له، وبشره ونادته الملائكة (يَـٰزَكَرِيَّآ) خوطب بالاسم تشريفا له (إِنَّا نُبَشِّرُكَ) إذا إجابة الدعاء أولاً، ثم البشرى بحصول الولد من صلبه، ثم التفضل، والإنعام بأن سمّاه الله، ولم يترك تسميته لأبويه، وإنه اختار له اسما لم يسم به أحد من قبل، ثم أطلق عليه من الصفات ما وهبها له، مما يدل على أن الله إذا سُئل شيئا أعطاه، وأعطى زيادة عليه، فسبحان من يجيب الدعاء قبل النداء، هو طلب وليا، طلب ولداً من صلبه، وطلب أن يكون مرضياً، هل الإجابة كانت في حدود ما سأل زكريا، أم كان العطاء أشمل وأعمّ، وأكبر، وأعظم؟ وهكذا الله، وانظر في القرآن كله، انظر إلى سليمان حين استغفر، وقد ارتكب إثما فيما يعتقد هو، أو ارتكب خلاف ما هو أولى وسأل مُلكا، انظر إلى المُلك الذي أعطاه الله له، وبعد ما أعطاه الله الملك قال (هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ (٣٩)) [سورة ص آية‫:‬ ٣٩]، شيء آخر، وهكذا إذا سألت الله شيئا فثق أنه سوف يعطيك ما طلبت، ويعطيك فوقه المزيد عما طلبت (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُۥ يَحْيَىٰ) وقيل سُمِّي (يحيى)؛ لأن بدعوته، وصدقه، واجتهاده حيّ الدين، وقيل‫:‬ بميلاده، وبالحمل فيه حيِيَ رحم أمه (لَمْ نَجْعَل لَّهُۥ مِن قَبْلُ سَمِيًّۭا ﴿۷﴾) لكن من بعد سميت الناس، وقلدت لكن من قبل لم يكن هناك مخلوق سمِّي يحيى من لدن آدم حتى وُلد يحيى، وقيل‫:‬ (سَمِيًّۭا) أي شبيها، ومماثلا، ونظيرا، أي لم نجعل له من قبل مثلاً، أو شبيهاً، أو نظيراً، ولم يقل من بعد لأن من بعد يحيى جاء سيد الخلق، هذا الذي ليس له مثيل، ولا نظير، والقول الأول أرجح (سَمِيًّۭا) أي شخصاً سمّيا، أي شخصا سُمِّي بهذا الاسم، وهنا غلب السرور على زكريا، وغلبت عليه الفرحة، واندهش، واستغرب، وتعجب من سرعة الإجابة، وتعجب أيضا من الكيفية التي سوف تحدث، فسأل متعجباً لا منكراً.‬‬
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌۭ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًۭا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيًّۭا ﴿8﴾
‫(قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌۭ) كيف وانعدمت الأسباب، ومتى يكون؟ هذا السؤال ليس إنكاراً بل هو المؤمن، والمصدِّق لوعد الله، وإنما السؤال سؤال تعجب، وسرور، وفرحة كما قال إبراهيم (أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٦٠]، وهكذا (أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌۭ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًۭا) العاقر التي لا تلد لكبر سن، أو لا تلد أصلا، والعاقر يطلق على الرجل أيضا، ككلمة عقيم، رجل عقيم، وامرأة عقيم، رجل عاقر، وامرأة عاقر (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيًّۭا ﴿۸﴾) (عُتياً) قراءة بالضم، أي بلغت من السن، والضعف، والوهن، ما لا إصلاح له، عتى الشيخ‫:‬ يعتو عِتيِا وعُتواً: بلغ من الضعف، والوهن ما لا رجاء فيه، ولا إصلاح له، فهو يسأل متعجبا كيف يكون لي غلام، وكانت امرأتي عاقراً، وقد بلغت من الكبر عتيا‫.‬‬‬‬
قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌۭ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًۭٔا ﴿9﴾
‫(قَالَ كَذَٰلِكَ) وهنا لفتة نحوية من لفتات علماء اللغة، جزاهم الله عنا خيرا الكاف موضع رفع، أم موضع نصب؟ ويتغير المعنى ‫(قَالَ كَذَٰلِكَ) أي الأمر كذلك أي كما قلت أنت أنك بلغت من الكبر عتيا، وكانت امرأتك عاقراً، وتلك أسباب تمنع الولد، فالأمر كما قلت، لكن إيجاده رغم انعدام الأسباب العادية عليّ هيّن، أو (كَذَٰلِكَ) الكاف في موضع نصب بقوله‫:‬ (قال ربك كذلك هو علي ّ هيّن) أي إيجاد الولد مع انعدام الأسباب العادية، مع كبرك، وكبر امرأتك، وكونها عاقرا لكن الأمر عليّ هيّن، ربنا (تبارك وتعالى) لا سهل عنده، ولا عسير، ولا هيّن، ولا صعب، فالكل في قدرته سواء، وخلق نملة كإيجاد أمة، وخلق ذرة كإيجاد السموات والأرض (كن فيكون) لكن الكلام على اعتبار الناس، فعند الناس هيّن، وعند الناس صعب، عند الناس سهل، وعند الناس عسير، فالخطاب على اعتبار الناس (هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌۭ) وكل شيء عند الله هيّن (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًۭٔا ﴿۹﴾) فأعطاه الدليل، والبرهان‫:‬ كنت معدوما، وخلقتك من العدم إذاً، فإيجاد يحيى بغير وسائط، وبغير وسائل بكلمة (كن) أمر هيّن بالقياس لإيجاد آدم من غير أب، ومن غير أم من العدم‫.‬‬‬‬‬
قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةًۭ ۚ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَ لَيَالٍۢ سَوِيًّۭا ﴿10﴾
آية‫:‬ علامة، أعرف بها أن الحمل قد حدث، علامة الحمل انقطاع المحيض بالنسبة للمرأة عموما، وهذه عاقر، وكبيرة في السن، تجاوزت التسعين، وتجاوز هو المائة والعشرين، فكيف يُعرف الحمل، ولا حيض لها، فيريدا العلامة (قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَ لَيَالٍۢ سَوِيًّۭا ﴿١۰﴾) أي حال كونك سوِّياً سليم الخلق، والحواس، لا خرس، ولا بكم، ولا آفة، ولا مرض، تمتنع عن الكلام مع الناس، وأنت في كامل صحتك، وعافيتك، امتناع لا سبب له إلا أن الله أراده (ثَلَـٰثَ لَيَالٍۢ) وفي آل عمران قال (قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًۭا ۗ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٤١] فذكر الأيام هناك، وذكر الليالي هنا ليبين أن الامتناع والمنع عن الكلام كان ثلاثة أيام بلياليهم؛ لأن قد تكون الأيام الثلاثة بليليتين فقط، وينتهي اليوم الثالث قبل حدوث الليل، أما حين نسمع بالأيام آل عمران، وبالليالي في مريم، تعرف أن الامتناع كان لثلاثة أيام بلياليهن، تلك كانت العلامة، لكن في الكلام اختصار؛ إذ في آل عمران أمره بالذكر (قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًۭا ۗ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًۭا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ (٤١)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٤١]، فكيف يمنع عن الكلام، وكيف يذكر؟ كيف يُمنع عن الكلام، ويقف لسانه، ثم يؤمر بالذكر، والعبادة، والصلاة؟ لله في خلقة شئون، من الغريب أن يمنع زكريا عن الكلام بغير آفة حال كونه سوياً في خلقه، وحواسه، ثم يؤمر بالذكر‫.‬‬‬‬
فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا۟ بُكْرَةًۭ وَعَشِيًّۭا ﴿11﴾
في آل عمران أُمر هو بالذكر، وهنا خرج يأمر قومه بالذكر؛ إذاً فقد أُمر وأَمَرَ قومه بما أُمر به تُرى لو منع زكريا عن النطق عموما على إطلاقه، كيف يناجي ربه، وفي المناجاة سعادة، كيف يقول يا رب ما أحلاها من كلمة، كيف يستمع لنفسه وهو يقول سبحانك ما أعظم شانك، من هنا كان التلطف به والرحمة الواسعة، والحب له أن منعه من كلام الدنيا، ومن الكلام مع الناس، وأباح له الكلام معه، لم يحرمه من المناجاة، ومن الكلام مع الله، واسمع وانتبه، وتأمل، فالكلام مع الله أجمل منحة، وأعظم عطية يعطيها الله (تبارك وتعالى) لعبد من عباده، وهنالك في الحديث (إِذَا رَأَيْتَ عَبْدِي يُكْثِرُ مِنْ ذِكْرِي فَأَنَا أَذِنْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَأَحِبَّهُ , وَإِذَا رَأَيْتَ عَبْدِي لا يَذْكُرُنِي فَأَنَا حَجَبْتُهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَأَنَا أُبْغِضُهُ) فذكرك له منحة، ذكرك لله عطية، وهبة، وسعادة، ودلالة على أن الله معك، ودليل على أن الله اختارك لذكره، ودليل على أن الله يحبك، فهل يمكن أن يذكر اسمه على لسان بغير إذنه، وبيده الحركة، والسكون‫.‬‬
‫من هنا نفهم، ونتأمل امتناع زكريا عن الكلام كآية، وعدم امتناعه عن الذكر؛ ولأن الإنعام عليه إنعام على أمته، وطالما كان الإنعام بيحيى الذي سوف يخلف أباه بخير خلف، وبه تحيا العقيدة، ويحيى الشرع، ويُصلح أمر الناس، فأراد زكريا أن يخبر قومه بمواصلة الشكر على هذه النعمة، فالإنعام على النبي، إنعام على أمته، ألا ترى ربنا حين قال (إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ (١)) [سورة الكوثر آية‫:‬ ١]، كيف كان هذا مناً، وعطاءً، وهبة لسيد الخلْق، وكيف فرح المؤمنون بها حين أعطاه الرضا (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰٓ (٥)) [سورة الضحى آية‫:‬ ٥]، فقال لا أرضى وواحد من أمتي في النار، أرأيت الإنعام على النبي، إنعام على قومه، فإنعام الله على زكريا إنعام على قوم زكريا، من هنا خرج عليهم من المحراب فأوحى بالإشارة بالكتابة بالرمز (سَبِّحُوا۟ بُكْرَةًۭ وَعَشِيًّۭا ﴿١١﴾) صباحا ومساءً، وكأنه أمرهم بمداومة الذكر، والشكر لله، عز وجل، والمحراب أشرف مكان على الإطلاق في الأرض، أشرف مكان في المعبد، أشرف مكان في الصوامع، إذ يقف فيه الذاكر، والعابد، وسُمِّي محراباً لأن من لازمه حارب شيطانه وهواه‫.‬‬‬‬‬
يَـٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍۢ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيًّۭا ﴿12﴾ وَحَنَانًۭا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةًۭ ۖ وَكَانَ تَقِيًّۭا ﴿13﴾ وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّۭا ﴿14﴾ وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّۭا ﴿15﴾
الكلام اختصر اختصاراً جميلاً، ولك أنت تفهم فالاختصار ثقة بفهم السامع، أي حملته وولدته، وجاءت بالولد، وسُم يحيى، كما سماه الله، وكبر يحيى ونشأ، وأصبح أهلاً للخطاب فخاطبه الله منادياً له (يَـٰيَحْيَىٰ) يا لها من نعمة، من رحمة، من فضل، أن ينادي ربنا على العبد باسمه، أي نعمة هذه! وأي فضل هذا! أتريدون ذاك الفضل ألا أدلكم على الطريق إليه؟ بلى، إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني أحب فلانا فأحبه، فيذكر ربنا اسمك فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في الملأ الأعلى‫:‬ يا أيها الملأ إن الله يحب فلانا بالاسم فأحبوه، فيحبه الملأ الأعلى، فيوضع له القبول في الأرض، فيحبك الاسطوانة التي تستند إليها، وتحبك الأرض التي تقف عليها، ويحبك الحائط الذي يسترك، ويحبك السقف الذي يظلك، فإن مت بكى عليك كل ذلك، وبكت الأرض التي تقف عليها، وتمشي عليها، وتفعل عليها الصالحات، وبكت السماء التي منها كان يعرض عملك الصالح (يَـٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ) التوراة باتفاق، لم يكن هناك كتاب سوى التوراة، ولم يكن الإنجيل قد نزل (بِقُوَّةٍۢ ۖ) بجد، باجتهاد، واعمل بما فيه، منحه الله حفظ التوراة، والفهم في التوراة، والعمل بما جاء في التوراة، فأحل حلالها وحرم حرامها، عطاء طالما قال (خُذِ) فهو ككن فيكون، عطاء وكأنه أمر تكوين (وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيًّۭا ﴿١٢﴾) الحكم‫:‬ الحكمة، الحكم‫:‬ العلم، الحكم‫:‬ النبوة أقوال، والله أعلم بمراده وعطائه (وَحَنَانًۭا مِّن لَّدُنَّا) الحنان، سُئل ابن عباس، قال‫:‬ ما أدري؟ الحنان‫:‬ الرحمة كما قال غيره، الشفقة، التعطف (وَحَنَانًۭا مِّن لَّدُنَّا) أي تعطفا منا عليه، وتعطفا منه على قومه، وعلى أبويه، إذاً فقد رزقه الله (تبارك وتعالى) العطف في قلبه، والرقة في مشاعره، فكان رقيقا حنوناً طيبا مع أبويه، ومع قومه، أخرجهم من الظلمات إلى النور، وبيّن لهم، وأنقذهم من وهدة الكفر، والعودة، والردة، وما إلى ذلك (وَزَكَوٰةًۭ ۖ وَكَانَ تَقِيًّۭا ﴿١۳﴾) الزكاة‫:‬ النماء، الطهارة، البركة، إذاً فقد طهره الله من الذنوب، فلم يُلم، ولم يَهِم بصغيرة، ولا بكبيرة، لم يعصِ الله قط، ولم يَهِم بمعصية، ونقّاه الله من الصغائر، والكبائر، زكاة، بركة، فكان مباركاً في نفسه، مباركاً على قومه‫.‬‬
‫الزكاة‫:‬ النماء في الخير، فكان خيّراً، ونما الخيرية في قومه (وَكَانَ تَقِيًّۭا ﴿١۳﴾) صالحا، طيبا، مبتعدا عن المعاصي (وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ) البّر‫:‬ عظيم البر، البار بوالديه‫:‬ المراعي لهما، ولحقهما (البر) أبلغ، وأقوى، وأشد، فالبَر هو البار، العظيم في بره (وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ) إذا فبره بوالديه كان فوق التصور؛ ولذا قال (براً) ولم يقل (بارا) (وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا) متكبرا عاتيا (عَصِيًّۭا ) عاصياً لهما، أو عاصيا لله (وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّۭا ﴿١۵﴾) ما أعظم العطاء، وما أوسع العطاء، وما أكرم العاطي (سبحانه وتعالى) انظر لما طلبه زكريا، وانظر لما أعطاه الله، وقارن بين الطلب، وبين العطاء، فتجد الفارق كما بين الأرض والسماء السلام‫:‬ التحية، والسلام‫:‬ الأمن، والأمان، أيهما مراد؟ الله أعلم الاثنان مرادان لاشك، لكن التأمل في المواطن الثلاثة وتأمل، هذه المواطن الثلاثة، هي المواطن التي يكون الإنسان فيها ضعيفا للغاية، مفتقراً إلى الله، لا يملك من أمر نفسه شيئا، فهي مواطن يكون الإنسان فيها أضعف ما يكون حين يولد، ويحمل، ويرضع وما إلى ذلك، منتهى الضعف، لا يقف، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، ولا يعبر عن حاجته، ولا يمشي، ولا، ولا، حين يموت ويتخلى عنه الناس، وينزل في حفرة مظلمة، فيها سؤال، وفيها عتاب، وفيها عذاب، وفيها ما فيها، ويتخلى عنه الناس، وتتخلى عنه الدنيا كلها، ويخرج من ماله، ويخرج حتى من ثيابه، منتهى الضعف، والافتقار، وقد سمعت أن الله (تبارك وتعالى) أرحم ما يكون بعبده حين يوضع في قبره، ويتخلى عنه الكل، ولا يبقى إلا رب الكل يوم يبعث حيث الكل في رعب، فهي مواطن ثلاثة، وانظر العطاء، سلام عليه، ثم تأتي القصة الثانية في سورة مريم، القصة الدالة على كمال قدرة الله تعالى، القصة التي تحكي لنا الحق، قصة مريم، وقصة ابنها كلمة الله عيسى ابن مريم، يقول الله (تبارك وتعالى):‬
وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًۭا شَرْقِيًّۭا ﴿16﴾ فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًۭا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًۭا سَوِيًّۭا ﴿17﴾ قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّۭا ﴿18﴾ قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًۭا زَكِيًّۭا ﴿19﴾ قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌۭ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌۭ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّۭا ﴿20﴾ قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌۭ ۖ وَلِنَجْعَلَهُۥٓ ءَايَةًۭ لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةًۭ مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًۭا مَّقْضِيًّۭا ﴿21﴾
مريم نذرت أمها وهي حامل ما في بطنها لله، وتوقعت أن يكون ولداً يخدم في المسجد، ويتعبد، ويتفرغ للعبادة، واستعاذت بالله (تبارك وتعالى) وأعاذت ما في بطنها من الشيطان الرجيم، وتقبلها ربها، وتقبل النذر، وإذا بها تلد بنتاً، وتعجبت واستسلمت، وقالت‫:‬ ليس الذكر كالأنثى، أو أخبر الله (تبارك وتعالى) بذلك، ولكن يا لها من أنثى! ضربت مثلا للذين آمنوا إلى أن تقوم الساعة، يا لها من أنثى تنازع القوم على كفالتها! باعتبارها منذورة للمحراب، مباركة، سليلة الأنبياء، وكان النصيب في كفالتها لزكريا، وكفّلها زكريا، وتحكي لنا القصة أن مريم تفرغت للعبادة، واعتزلت الناس، ويقول الله لنبيه (صلى الله عليه وسلم) (وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَرْيَمَ) أي ذكّر الناس بقصة مريم التي تأتي في كتاب الله (عز وجل) (ٱنتَبَذَتْ) النبذ‫:‬ الإلقاء، والطرح، والتعبير يدل على أن مريم حين اعتزلت قومها للتفرغ للعبادة، كأنها ألقت بنفسها بعيدا عن الدنيا وما فيها، طرحت نفسها بعيدا عن قومها وأهلها (ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًۭا شَرْقِيًّۭا ﴿١٦﴾) الشرق‫:‬ المكان الذي تشرق فيه الشمس، والشرق‫:‬ الشمس، والنصارى تتخذ المشرق قبلة، أو كان ذلك في شريعة زكريا، اعتزلت، وتفرغت للعبادة (فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًۭا) إذا فقد اعتزلت عنهم من حيث المكان، أيضا من حيث الرؤية، حيث جعلت بينها وبين قومها سترا، وسترا وستارا‫:‬ حجابا يمنع الرؤية، والاختلاط (فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا) روحنا‫:‬ جبريل الأمين، عليه السلام، والإضافة لتشريف جبريل ورفعة مكانه (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًۭا سَوِيًّۭا ﴿١۷﴾) نزل جبريل إليها في صورة بشر سويِّ الخلْق، معتدل الخلق، السويّ: المعتدل الخلْق، والخُلْق، فهو جاءها في صورة بشر معتدل الخلق، سليم الجوارح، سويّ الخلقة، حين فوجئت مريم بهذا البشر في محرابها، ومكانها، فزعت، واعتقدت أنه أراد بها سوءً، فالتجأت إلى الله قائلة كما يحكي القرآن (قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّۭا ﴿١۸﴾) والجواب محذوف تقديره (فاتعظ، أو فخف الله )، أو فلا تمسسني بسوء، وقالت‫:‬ (إِن كُنتَ تَقِيًّۭا ﴿١۸﴾) بمعنى إن كنت ممن يتقي الله، أجدت معك الاستعاذة، وخفت من الله، كما تقول‫:‬ إن كنت مؤمنا فلا تظلمني، وإن كنت صالحا فلا تخني، فكذلك إن كنت تقيا فإياك أن تتعرض لي بسوء، أو الكلام خرج مخرج المبالغة، بمعنى (إن كنت تقيا، فإني أستعيذ بالرحمن منك، فكيف إذا لم تكن كذلك) وما جاء غير ذلك يطرح، ولا يلقى إليه بالاً، حيث قيل‫:‬ إن كلمة (تقي) اسم لرجل كان فاجرا في قومها، وما إلى ذلك، الكثير من الكلام الذي لم يرد فيه نص، أما في صحيح البخاري فقد ورد أن مريم علمت أن التقي ذو نهية، فاستعاذت بالله قائلة (قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّۭا) إذا فالمعنى الصحيح إن كنت تقيا تتقي الله، فلا تتعرض لي بسوء، وتنفع الاستعاذة معك (قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًۭا زَكِيًّۭا) رد عليها جبريل قائلا، أنا رسول من استعذت به (لِأَهَبَ لَكِ) ونسب الوهب لنفسه، أو أضافه لنفسه باعتباره المبلغ بالبشرى، أو هو حكاية عن قول الله، أي إني رسول ربك الذي قال، ووعد، وقضى بأن يهب لك؛ ولذا قرأت (إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاما زكيا) زكيا‫:‬ طاهرا، ناميا، مباركا، مبرأً من الذنوب، والشرور، والمعاصي (قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌۭ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌۭ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّۭا) هي لم تنكر قدرة الله (عز وجل) ولكنها تعجبت من البشارة، وتساءلت كيف تتحقق، فهي تسأل عن الكيفية، أبالخلق، أم بزواج في المستقبل، وهي تسأل كيف يكون لي غلام، ولم يمسسني بشر، كناية عن الزواج، أي لم يمسسني بشر في الحلال (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّۭا) ولم يمسسني بشر في الحرام، والبغيّ التي تبغي الرجال في الحرام، أو يبغيها الرجال من أجل ذلك (وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌۭ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّۭا) فإما هو للتقسيم، لم يمسسني بشر في الحلال، ولم أك بغيا في الحرام، أو لم يمسسني بشر على الإطلاق، ثم تؤكد مقالتها بقولها (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّۭا) (قَالَ كَذَٰلِكِ) أي قال ربك الأمر كذلك، أو قضى ربك بذلك وكما قلنا في قصة يحيى أن كلمة (هَيِّنٌۭ ۖ) في اعتبار الناس، لكن الله (تبارك وتعالى) ليس عنده هيّن، ولا صعب، فكل الأمور، وكل الممكنات في قدرته سواء (وَلِنَجْعَلَهُۥٓ ءَايَةًۭ لِّلنَّاسِ) أي فعلنا ما فعلنا لنجعله عيسى آية، علامة، وبرهان للناس على كمال قدرتنا، ونفوذ إرادتنا (وَرَحْمَةًۭ مِّنَّا ۚ ) إذ به يسترشدون، به يعرفون الطريق إلى الله، يرشدهم، ويعلمهم، رحمة للناس الذين يتبعونه، ويؤمنون به، رحمة منّا، محض فضل من الله (وَكَانَ أَمْرًۭا مَّقْضِيًّۭا ) أي خلْق عيسى كان أمرا مقضيا من الأزل، قدّره الله وقضاه أزلاً، أو مسطوراً في اللوح المحفوظ أو (وَكَانَ أَمْرًۭا مَّقْضِيًّۭا ) أي حقيقاً بأن يقضى ويفعل؛ لأنه رحمة من الله للناس‫.
فَحَمَلَتْهُ فَٱنتَبَذَتْ بِهِۦ مَكَانًۭا قَصِيًّۭا ﴿22﴾
القصي من المكان‫:‬ البعيد، قيل‫:‬ نفخ جبريل في كمها، أو في جيب درعها، جيب القميص، نفخ نفخة أمره الله بها، نفخة ربانية، فحملت في التو واللحظة (فَٱنتَبَذَتْ بِهِۦ) ابتعدت بما في بطنها (مَكَانًۭا قَصِيًّۭا) بعيداً عن قومها، ترى لم انتبذت مكاناً قصياً؟ قيل‫:‬ لأنها خافت أن تظهر علامات الحمل عليها، فيعيّرها قومها، خافت من الفضيحة، خافت من الفتنة، خافت من كلام الناس، فذهبت بحملها بعيداً عن الناس، وعن الأنظار، صياغة الكلام تدل على أن الحمل حدث فوراً في التو واللحظة دون انتظار‫.‬‬‬‬
فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يَـٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًۭا مَّنسِيًّۭا ﴿23﴾
أجاءها‫:‬ ألجأها، جاء به، كلمة (جاء) عُديت بالهمزة، مخضت المرأة تمخض مخاضاً، ومخْضاً تحرك الولد في بطنها للخروج، المخاض، والمخاض‫:‬ آلام، وأوجاع الولادة (فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ) ألجأها المخاض (إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ) جذع النخلة، معناه أنها لم تكن نخلة مثمرة، كانت نخلة ميتة، كان الجذع فقط بلا سعف، بلا ثمر، بلا أوراق؛ لأنه لم يقل إلى النخلة، لجأت إلى جذع النخلة لتستر به عن العيون، لتستند إليه، لتتمسك به، هل كان الوجع شديدا؟ هل أحست بآلام الوضع كما تحس المرأة العادية؟ الكلام يشعر بذلك (نسِيِا مِنسيا)، (وكنت نسياً منسياً)، (وكنت نِسْئا منسياً) أربع قراءات، السؤال مدة الحمل كم كانت، واسمع مرة أخرى للآية (فَحَمَلَتْهُ فَٱنتَبَذَتْ بِهِۦ مَكَانًۭا قَصِيًّۭا ﴿٢٢﴾ فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ)؛ لذا لوجود الفاء في عطف الكلام، قال بعض الناس‫:‬ ذهبت في الصباح، وعادت بوليدها في الظهر في ساعات ثلاث، حملت، وولدت، وجاءت قومها، وقال بعض الناس‫:‬ بل كانت مدة الحمل ستة أشهر، وقال البعض‫:‬ سبعة، وقال البعض‫:‬ تسعة كبقية النساء، وقال البعض‫:‬ ثمانية؛ ولذا لا يعيش من ولد في ثمانية أشهر أبداً إكراما لعيسى هو الوحيد الذي ولد لثمانية أشهر، أقوال يعلم الله بصحتها (وَكُنتُ نَسْيًۭا مَّنسِيًّۭا) النَسي، والنسي‫:‬ الشيء التافه، والحقير الذي من شأنه أن يُنسى لتفاهته، وحقارته، وعدم أهميته لصاحبه، فهي تعتبر نفسها أو تتمنى أن تكون شيئا غير مذكور، لا قيمة له، لِمَ تمنيت مريم الموت، والمبشر جبريل، ناقل لها أمر الله، وقضاء الله، أمن الوجع؟ أمن الخوف؟ قيل‫:‬ خافت أن تُعير وتتهم، فتفتن في دينها، فخافت على نفسها، وعلى دينها من الفتنة، وقيل‫:‬ بل خافت على الناس، ولم تخف على نفسها، فهي محفوظة مبرأة من أن تفتن مهما حدث، وإنما خافت على الناس من أن يقعوا فيها، ويتهموها فيهلكهم الله بسبب ذلك، فمن خوفها على الناس (قَالَتْ يَـٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًۭا مَّنسِيًّۭا).
فَنَادَىٰهَا مِن تَحْتِهَآ أَلَّا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّۭا ﴿24﴾ وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًۭا جَنِيًّۭا ﴿25﴾ فَكُلِى وَٱشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًۭا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلْبَشَرِ أَحَدًۭا فَقُولِىٓ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًۭا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّۭا ﴿26﴾
النداء إما من جبريل، عليه السلام، وإما من عيسى، عليه السلام، فإن كان عيسى فهو تحتها، وإن كان جبريل فهو في مكان أخفض (مِن تَحْتِهَآ) من تحت النخلة، والكلام عن النخلة (أَلَّا تَحْزَنِى) أي بألا تحزني (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّۭا) السريّ: السيد ذو القدر العالي، سَرُوَ الرجل سَرْواً، أصبح من سراة القوم، من كبار القوم، سيداً في قومه، مهابا ذا قدر عال، ذاك هو السريّ، والإشارة لعيسى، أو السريّ كان إلى جوار النخلة نهراً صغيراً جف ماؤه، فأجراه الله لها، والسري يطلق على النهر الصغير؛ لأن الماء يجري فيه (وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ) الجذع أيضا، إذاً لم تكن مثمرة كانت جافة، يابسة، والباء زائدة للتأكيد (تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًۭا جَنِيًّۭا) (جَنِيًّۭا) الذي يُجتنى، الذي طاب، وصلح للأكل، وجاهز للاجتناء، وقرأت (تُساقط، يُساقط) التاء للنخلة، والياء للجذع، كما قرأت (تتساقط، تسّاقط، يسّاقط، يسقط، يُسقط، تسقط) قيل‫:‬ إن مريم أراد الله (تبارك وتعالى) أن يريها من الخوارق، والمعجزات ما يسكن فؤادها، ويطمئن قلبها، ها هو النهر الذي جف إذا بالماء فيه يسري، وها هي النخلة اليابسة في موسم الشتاء، حيث لا تثمر النخيل، إذا بالهز يثمر الرطب، حين هزت جذع النخلة اخضرت، وإذا بالسعف ينمو، وإذا بالبُسر ينبت، إذا به يتحول إلى بلح، ثم إلى رطب، ثم يجتنى، إذا به الجني كل ذلك في التو واللحظة (فَكُلِى وَٱشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًۭا ۖ) (قِرّي) قراءة، كلي من الرطب، واشربي من السري إن كان المقصود الجدول، والنهر، أو كلي من الرطب واشربي من عصيره إذا كان المقصود بالسري عيسى (وَقَرِّى عَيْنًۭا ۖ) الفعل في الحقيقة للعين، العين تقر، كقولك طب نفسا، والتي تطيب هي النفس، أو تقول‫:‬ تصبب الرجل عرقا، المتصبب هو العرق، فإذا بالذي كان في الأصل فاعلا يُنصب (وَقَرِّى عَيْنًۭا ۖ) إما من القرار وهو الاستقرار؛ لأن العين إذا نظرت إلى ما تشتهي، إلى الجميل، إلى ما تحب، سكنت واستقرت على هذا الشيء الجميل، ولا تتحول العين عنه، فإذا قرت العين معناه أنها استقرت على ما تحب النفس، وتشتهي، وقيل‫:‬ بل (وَقَرِّى عَيْنًۭا ۖ) هو من القُر‫:‬ وهو البرد الشديد؛ إذ إن دمعة الفرح باردة، ودمعة الحزن حارة، فحين تقول (قرت عينه) دمعت من شدة الفرح، والسرور؛ لأن دمعة الفرح باردة، وقيل‫:‬ بل بمعنى ونامي، كلي واشربي، ونامي، أمرها بالنوم للراحة، والهدوء، والسكينة بعد آلام الوضع (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلْبَشَرِ أَحَدًۭا فَقُولِىٓ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًۭا) أصل كلمة ترينَّ، ترأيينَّ حذفت الهمزة، ونقلت حركتها، ثم ضمت الياء، ثم أزيلت النون؛ لأنها مجزومة، ثم وضعت نون، إلى آخر ما قاله علماء النحو، فقرأت (ترينَّ) وقرأت (ترئن)، وقرأت (تريْن) (فَقُولِىٓ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًۭا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّۭا ) هل سمح لها، وأُذِن لها بهذه المقالة، والكلام فيه حذف، مختصر بالحذف تقديره، فإن سألك أحد فقولي‫:‬ نذرت للرحمن صوما، فلن أكلم اليوم إنسيا، أم الكلام كناية عن أنها تقول بالإشارة، ولا تتكلم أصلا؟ إما أذن لها بهذه الجملة، أو تقول ما معناه بالإشارة، أنها لا تتكلم حيث صامت، وصومهم كان يمنع فيه الطعام، والشراب، والكلام، أما في أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) أذن لهم بالكلام غير ألا يقولوا الكلام الخارج، أو الفاحش، والبذاءة، أو المقصود بالصوم الامتناع عن الكلام فقط؛ إذ إن الصوم الشرعي‫:‬ إمساك عن الطعام والشراب، والصوم عن الكلام إمساك عن الكلام، فإما صوم عن الكلام، وإما صوم عادي، وكان من المفروض ألا تتكلم إن كانت صائمة، يعلم الله (فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّۭا ) هنا يثور السؤال هل المتكلم الآمر هو عيسى، أم أن المتكلم، والناصح هو جبريل؟ لا دليل على أحد القولين، وإنما الكل وارد والآيات تحتمل ذلك.
فَأَتَتْ بِهِۦ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُۥ ۖ قَالُوا۟ يَـٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًۭٔا فَرِيًّۭا ﴿27﴾ يَـٰٓأُخْتَ هَـٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍۢ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّۭا ﴿28﴾
‫(فَأَتَتْ بِهِۦ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُۥ ۖ) إذاً يدل الكلام على أن مريم اطمأنت تمام الاطمئنان حين رأت الرطب الجني، وحين رأت الماء يسري، وحين سمعت النداء من الوليد، لكن السؤال حين كانت مريم في المحراب فارغة الذهن، خالية القلب، كان الرزق يأتيها رغداً بكرة وعشيا‬
‫(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَـٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٣٧]، والآن، وهي في خوف، وقلق، ورعب من اتهامها، جاءت بولد، كيف وهي العابدة القانتة، سليلة المجد، والشرف، بنت الصالحين من ذرية الأنبياء والمرسلين، آلام الوضع، النفاس كل ذلك، وتؤمر بهز النخلة؟ تُرى لو كان للنفساء طعاماً أصلح، وأنفع، وأطيب من التمر لأطعمه الله مريم، إذا فهي نصيحة، ولفتة لكل نفساء أن تأكل الرطب في نفاسها، كما هي نصيحة لكل سقيم أن يأكل القرع، إذ إن الله (تبارك وتعالى) أنبت على يونس حين نبذ بالعراء وهو سقيم، أنبت عليه شجرة من يقطين، النبات الذي لا ساق له، كالقرع، فلِم أسقط عليها الرطب، وقد كان يأتيها من الرزق كذا وكذا؟ لا يوجد أفضل من الرطب على الإطلاق للنفساء، ليعود كل شيء إلى مكانه من حيث الأجهزة، الرحم، والبطن، وما إلى ذلك، ولإدرار اللبن للوليد، ولفوائد جمة كثيرة، ولابد وأن يُكتشف ذلك يوما ما، وصدق الله (تبارك وتعالى) (وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ) هذا الهز، وهذا العمل أهو مطلوب لمن تلد، من وضعت لا يطلب لها الراحة كما يشاع، تستريح في سريرها أربعين يوما بلا حراك، أم يطلب لها الحركة كما اكتشف الآن في الغرب، يعلمونهن الرياضة قبل وبعد الولادة، فهل الحركة مطلوبة، فأمرها بالهز، أم أمرها بالهز لتنشغل عما هي فيه، فيتساقط الرطب، فتبتعد بوليدها عن الرطب حتى لا يسقط عليها، أو على وليدها، ثم تبحث عنه في الأرض، ثم تجمع، ثم تغسل، ثم تأكل، هل أراد أن يشغلها عما هي فيه من قلق، أم الحركة مطلوبة، أم كانت فارغة القلب إلا من الله، فلما رأت عيسى تعلق قلبها به، فأراد أن يشغلها، أو تتكسب رزقها بالعادة، إذ لابد من بعض السعي، وإن كان الرزق في السماء يعلم الله، أمور، وأمور، التكلم فيها يشعر بأن الإنسان مهما بلغ من علم، ومهما قرأ، ومهما تعلم، فالقرآن بحر محيط، لا يدرك قراره، صدق الله، فإنه بالتأمل في الآيات يتضح وجود الكثير من التساؤلات التي لا إجابة لها، غير الهتاف من الأعماق (سبحان الله) يقول الله (تبارك وتعالى) (فَأَتَتْ بِهِۦ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُۥ ۖ) إن كان الحمل، والولادة لم يستغرق سوى ثلاث ساعات، أو بعض الوقت كما قال بعض العلماء، فقد أتت فورا به قومها، خرجت في الصباح، وعادت إليهم قبل الظهيرة بالولد على يديها، وإن كان الحمل قد تم لمدته المعهودة، فقد انتظرت حتى طهرت من نفاسها، ثم أتت به قومها تحمله، لم تبين لنا الآيات ذلك (قَالُوا۟ يَـٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًۭٔا فَرِيًّۭا) (شيئا فرْيا) قراءة، الفريّ: الأمر العجيب، النادر، الغريب، أو المختلق، أو المصنوع (لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًۭٔا فَرِيًّۭا ) أمراً مختلفا، أمرا غريبا، أمرا يُنكر، أصل الكلمة من الفرْي‫:‬ القطع، وقد تأتي بمعنى الأمر المنكر الذي لا يصح، كقوله (عز وجل) (وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَـٰنٍۢ يَفْتَرِينَهُۥ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ) [سورة الممتحنة آية‫:‬ ١٢]، وقد تأتي بمعنى الصنع، والإيجاد لشيء لم يسبق، كقول النبي (صلى الله عليه وسلم) عن عمر‫:‬ (فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ) أمراً بقطع الكلام لغرابته، وشدة عجبه (يَـٰٓأُخْتَ هَـٰرُونَ) (هَـٰرُونَ) هنا المقصود به هارون (عليه السلام) أخو موسى، وبينها وبين هارون مئات السنين، لكن قولهم يا أخت هارون؛ لأنها من نسله، كقولك للرجل العربي يا أخ العرب، وقيل‫:‬ بل هارون اسم رجل صالح من قومها، يشبونها به لصلاحها، وقيل‫:‬ بل هو رجل فاجر، وشبهوها به لما أتت به من أمر غريب، أقوال لكن الأرجح يا أخت هارون كقولك يا أخ العرب (مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍۢ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّۭا) الكلام ليس للتعجب فقط، بل للتبكيت، والتوبيخ، وكأن الفواحش من أولاد الصالحين أفحش، تربى في بيئة صالحة، الأب صالح، والأم صالحة، الصلاة في البيت، القرآن يُتلى، فالخطأ من مثل هذا الذي تربى في هذا الجو، وهذه البيئة، يعتبر أشد، وأفظع، من هنا يشيرون إلى ذلك بقولهم (يَـٰٓأُخْتَ هَـٰرُونَ) أي أنت من نسل النبي الصالح هارون، هذه واحدة (مَا كَانَ أَبُوكِ) الإشارة إلى الأب (ٱمْرَأَ سَوْءٍۢ) شهادة بصلاحه، وتقواه (وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّۭا) فكيف تفعلين ذلك! وكيف تأتين بهذا البهتان!
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا۟ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّۭا ﴿29﴾
‫(فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ) أشارت إلى عيسى، مما يدل على أن الأمر كان بالإشارة، وليس باللسان، أي لم يؤذن لها بهذه الجملة (قَالُوا۟ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّۭا) (كَانَ) فعل ماض، وهو الآن بالمهد، والمهد‫:‬ ما يمهد للصبي لينام عليه، الفراش اللين الذي يوضع للصغير حديث الولادة، فهل كان في سرير تحمله، أم كان على يديها، فكلمة (كَانَ) فعل ماض، لكن المقصود بها معنى صار، أو بمعنى من يكن في المهد صبياً، وكان‫:‬ تأتي بمعنى الاستمرار، وتأتي بمعنى الحاضر، إذا كانت حزاء من حيث اللغة، شرط وجزاؤهما، فكذلك هنا كقولك‫:‬ وكان الله عليما حكيما، فقد كان، ولم يزل، ولا يزال، وقد يُعبر بها عن المضارع كقول الله (عز وجل) (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍۢ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍۢ ۚ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٨٠]، والكلام عنه في الآن، فكذلك هنا يقول القرآن عنهم حكاية عن كلامهم، حين أشارت إلى عيسى (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّۭا) (قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ) هنا انتهى الكلام عن مريم تماما، وانتهت قصتها، وبدأ الكلام عن عيسى، ترى هل ماتت قبل أن يرفع؟ ترى هل عاشت حتى رفع؟ لم يأت الكلام عنها، وكأنها سبب لوجود عيسى، وانتهى السبب، وجاء الهدف، وجاء الغرض، جاء كلمة الله، كلمة الحق، قول الحق، جاء عيسى، وبدأ الكلام عن نفسه، فوصف نفسه بصفات، وتكلم عن نفسه في الحاضر، وفي المستقبل، وفيما سوف يكون، وهذه الصفات بالتأمل فيها يرد كل من أفرط فيه، أو فرّط فيه، فقد أفرطت النصارى فزعمت أنه إله، وفرّطت اليهود فزعمت أنه لغير رشدة ابن زنا، ولم يصدق إلا المؤمنون الذين عرفوا أنه كلمة الله، وعبد الله، ورسول الله، وكان أول ما وصف به نفسه العبودية (إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ) للرد على كل من زعم ألوهيته بعد ذلك، السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، طالما نطق عيسى هل استمر كلامه، أم تكلم مع قومها، وبرّأها، وسكت عن الكلام حتى بلغ مبلغ الصبيان، يحبو، ويقف، ويمشي، يعيش طفولته، ثم تكلم بعد ذلك حين بلغ مبلغ الكلام، إذاً فقد كانت الآية مبهرة مخرصة للألسن، حتى إنها لم تحد، ولم تعاقب، وسكت الكلام عن ذلك، إذاً فما قيل في شأن عيسى، قيل بعد ذلك من أمور لا تصح، ولا تليق، لم تتهم في وقتها، فقد كانت المعجزة ناطقة بتبرئتها، وبشرفها، ونزاهتها، لكن هل استمر كلامه أم توقف؟ وهل لو كان استمر الكلام، أكان يتكلم مع أمه في خلوتها، فيقول لها‫:‬ أرضعيني يا أمي، أو بدلي لي ثيابي يا أمي، أو كان يسليها بالكلام، هل؟ أم توقف الكلام؟ أيضا كيف كان موقف مريم بعد ذلك، ولِم سكت القرآن عن الحكاية عنها؟ الغرض، والهدف هو إيجاد هذا الوليد من غير أب للدلالة على كمال قدرة الله (عز وجل) وما كانت مريم إلا وسيلة لتحقيق إرادة الله، عز وجل، ولإنفاذ قضائه، ويبيّن لنا ذاك أن العبد عليه أن يهتم بما يصلح شأنه، وأن يهتم بأصول المواضيع، وليس بفروعها، الكلام عن عيسى، الكلام عن مريم حتى وضعت عيسى، حين أشارت إليه، وتكلم عيسى انتقل الكلام إلى عيسى، وأصبح الموضوع هو عيسى بن مريم، ويا له من موضوع! فقد نطق عيسى وهو في المهد مبرئاً لأمه، مبيناً حقيقته، ناطقا بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، جاءت مريم قومها تحمله، وفوجئوا بذلك، وسألوها متهمين إياها، مبكتين لها، كيف، وكيف؟! مشيرين إلى صلاح أبويها، وكيف تأتي الفاحشة من أولاد الصالحين، وأشارت إليه كما أمرت، قال‫:‬ إني عبد الله، ووصف عيسى نفسه بصفات حقة، ونطق بأمر الله (عز وجل) وبقدرته‫.‬‬‬‬
قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّۭا ﴿30﴾ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَـٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّۭا ﴿31﴾ وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًۭا شَقِيًّۭا ﴿32﴾ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّۭا ﴿33﴾
والكلام في المهد الذي حدث من عيسى بن مريم، اختلف فيه العلماء، فمن قائل‫:‬ إنه تكلم في المهد، وصار متكلما، ولم ينقطع كلامه، وآتاه الله (تبارك وتعالى) العقل، والحكمة، واستنبأه وهو في المهد، وقال آخرون‫:‬ بل تكلم عيسى في المهد دون عقل، ودون أن يعلم بما يقول، بل أنطقه الله كما أنطق الجوارح يوم القيامة، أنطقه لتبرئة أمه، ثم انقطع كلامه، وعاش طفولته، يحبو، ويمشي حتى بلغ الحلم، وتكلم في وقت تكلم الصبيان، وكان الإنطاق في تلك اللحظة لمجرد تبرئة أمه، وقد بُرأت بدليل أنها لم تُحد، ولم يرد أنهم أقاموا عليها حد الزنا، فقد ألجم كلامه الكل، وأقنع نطقه الجميع، فكان النطق معجزة الهدف منها تبرئة السيدة مريم العذراء، البتول، قدّم عيسى نفسه بقوله‫:‬ (إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ) مقام العبودية أفضل مقام على الإطلاق، أيضا رد على من ألّهوه، وزعموا أنه ابن الإله، أو أنه إله، ذاك رد عليهم منذ اللحظة الأولى (ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَـٰبَ) الإنجيل (وَجَعَلَنِى نَبِيًّۭا) الكلام بصيغة الماضي (وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا) معلماً للخير، مرشداً للناس حيثما حللت، أينما كنت، كثير الخير، كثير البركة (وَأَوْصَـٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ) وذاك دليل على أن الصلاة، والزكاة، كانت مشروعة في جميع الأديان السابقة، أوصاني بالصلاة، والزكاة ما دمت حيا (وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَتِى) (وبِراً بوالدتي) قراءة، أي أوصاني بِراً، وبَراً، أي جعلني براً بوالدتي، إذاً لا أب له، هو من أم بغير أب، بكلمة (كن) (وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًۭا شَقِيًّۭا) لم يجعلني متكبرا، غليظا، شقيا في الدنيا بالعصيان، أو شقيا في الآخرة (وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ) وعرف السلام، وذلك فارق بين قوله، وبين ما ذكره الله عن يحيى (سلامٌ عليه)، أما عيسى فقد عرف السلام، وكأنه السلام على يحيى كان من الله، وكأن السلام على عيسى نطق به من نفسه بالإدلال على الله، لرفعة مقامه ولعلو مكانه (وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّۭا) فذكر المواطن الثلاثة التي يكون الإنسان فيها أضعف ما يكون، وأحوج ما يكون، حين الميلاد، لا يعقل، ولا يبصر، ولا يسمع، لا يفهم، لا يأكل، لا يشرب، يحتاج إلى من يحمله، ولمن يرعاه، وحين الموت حيث يتخلّى الكل عن الإنسان، ويصبح وحيداً في قبره، وحين البعث، حيث الكل في هلع، وفزع، وخوف، والسلام التحية، السلام‫:‬ الأمن، والأمان التعبير بصيغة الماضي، جعل البعض يقول إن الله (تبارك وتعالى) أعطاه الإنجيل، وأعطاه الحكمة، واستنبأه وهو في المهد، وأمره بالصلاة، والزكاة، فكان يصلي، ويزكي، وكان، وكان كل ذلك، وهو في المهد ذاك قول، وهو قول مرجوح، وقال آخرون‫:‬ التعبير بصيغة الماضي؛ لأنه كان قضاءً أزليا، قضاه الله، أو التعبير بصيغة الماضي باعتبار المحقق وقوعه، كأنه واقع، كقوله‫:‬ (وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍۢ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٢٣]، فصيغة الماضي في أفعال الله، وإرادة الله، وقضاء الله، تفيد بأن المستقبل كالواقع، كالماضي لأن الله إذا أراد شيئا فإنه يكون كما أراده، فهو قضاء أزلي، الرأي الأرجح أن عيسى تكلم في المهد مبرئا لأمه، أنطقه الله، لم يستنبئه، لم يؤته الكتاب، لم يصل، لم يزكِ، بل كان طفلا في المهد، عاش مراحل الطفولة، ونمى كما ينمو الأطفال، وانقطع كلامه بمجرد ما انتهى الكلام، لتبرئة الأم، وبقي في كلامه أمراً آخر اعترضه الكلام (وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّۭا).
ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿34﴾
‫(قَوْلَ ٱلْحَقِّ) أي أقول قول الحق، مصدر مؤكد، أو هو حال، ذاك حال عيسى بن مريم، وذاك وصفه، وُجد بكلمة (كن) (ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ) (الذي فيه تمترون) قراءات، الامتراء‫:‬ الشك، والتردد، من مريت الناقة، مسحت ضرعها، لكي تُدر، والمماري يجادل ليرد الحق واليقين، ويستخرج حجة الآخر، وقرأت‫:‬ (قولُ) (قالوا)، (قولوا) خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير ذلك عيسى بن مريم هو قولُ الحق، أو نعت لعيسى (عيسى بن مريم قولُ الحق) كما قال عنه كلمةُ الله، والحق هو الله، أي كان بكلمة (كن) هو كلمة الحق، وقول الحق، هو كلمة الله (ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ) أو قوله قول عيسى بن مريم الذي قص علينا في الآيات، هو قول الحق، أو ذاك القول الذي قيل هو قول الحق، أو هو نعت لعيسى، واسمه عيسى، واسمه كلمة الله، واسمه قول الحق كوصف‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍۢ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ﴿35﴾
‫(مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍۢ ۖ) كيف؟!! الذي يتخذ الولد هو العاجز، هو المحتاج، هو الضعيف، واتخاذ الولد، هو طلب الولد من أجل الوراثة، من أجل أن يعين الأب في كبره، من أجل أن يساعده على المعايش، من أجل احتياجه، لكن الغني سبحانه كيف يحتاج لولد (سُبْحَـٰنَهُۥٓ ۚ ) تنزيه الله (عز وجل) عما قيل، وعن كل ما لا يليق بجلاله، وكماله‫:‬ (إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ) إذاً الذي يريد شيئا فيوجده بمجرد تعلق الإرادة بإيجاده كيف يحتاج للولد، وكيف يدع النساء تحمل من أجل الإيتاء بولد، وهو إن أراد شيئا قال له كن فيكون، فالكلام فيه التبكيت، فيه التوبيخ، فيه الحق الصادع لجهالاتهم، هذا الذي إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون، هل يحتاج للولد، وهو الغني (يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ) جاءت في مواضع عدة، ومنها في سورة البقرة، حيث تكلمنا عنها بالتفصيل، وللتذكرة (يَقُولُ لَهُۥ) هل يقول له قبل أن يوجد؟ فكيف يخاطب غير الموجود؟ وكيف يخاطب المعدوم؟ وإن قال له بعد وجوده، فكيف يأمر الموجود، بالوجود، وقد وُجد فعلا؟ ذاك الذي حيّر العلماء، أو أعطى العلماء فرصة لإظهار الاستنتاج، والاستنباط، والعلم وما إلى ذلك، قالوا‫:‬ لا قول هناك، لا يقل كن، وإنما هو تمثيل لنفوذ إرادته، وحصول المطلوب، كالطائع المطيع الذي ينفذ الأمر، فور صدوره دون تراخ، فمن كان طائعا مطيعا منفذاً للأمر، فأُمر فنفذ الأمر هذا التشبيه هو تشبيه لما يريده الله بمجرد أن تتعلق إرادة الله بإيجاد شيء وُجد من غير قول، وقال بعضهم‫:‬ بل قدّر الله، تبارك وتعالى، إيجاد الأشياء بكلمة كن، إذا أراد شيئا قال له‫:‬ كن، أين وكيف؟ قالوا‫:‬ المعدوم في الموجود موجود في العلم الأزلي، فربنا عالم بما كان، وما يكون، وكل الموجودات في علمه أزلاً، فإن كان الشيء معدوما في الوجود، إلا أنه موجوداً في العلم، فيأُمره حال عدمه أن يخرج من العدم، إلى الوجود، فيقول له كن فيكونُ، فيكونَ قراءتان، إذا قلنا (فيكونَ) إذاً فالكون بعد الأمر (إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ) معطوفة، إذاً معنى ذلك أن الوجود لا يتقدم الأمر، ولا يتأخر عنه، فلا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر، ولا يكون الشيء موجوداً إلا وهو مأمور بالوجود، إذاً فوجود الشيء لا يتأخر عن الأمر، ولا يتقدم عن الأمر، وكأن الأمر والوجود في وقت واحد، وصدق القائل‫:‬ أمره بين الكاف والنون (سُبْحَـٰنَهُۥٓ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ).‬
وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ ﴿36﴾
وذاك تتمة لقول عيسى، والكلام السابق معترض وها هو يأمر قومه، ويبيّن لهم أنه عبد، وهم عبيد، والله واحد، والكل مأمور بالعبادة، وقرأت، (وأن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم)، هذا الطريق القويم، والحق المستقيم‫.‬‬‬‬
فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿37﴾
‫(فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ) (مِنۢ) هنا زائدة للتأكيد، فاختلف الأحزاب فيما بينهم ذاك هو المعنى، الأحزاب الكفار على اختلاف مللهم، فمنهم من زعم أنه ابن زنا، وهم اليهود، واختلف النصارى فيه، فرقة قالت‫:‬ هو الله نزل إلى الأرض، وفرقة قالت‫:‬ هو ابن الله، وفرقة قالت‫:‬ هو ثالث ثلاثة، الله، ومريم، وعيسى، وفرقة قالت‫:‬ هو عبد الله، ورسوله، وتلك هي الفرقة الناجية، الكلام عن الذين اختلفوا في شأنه بالإفراط، أو بالتفريط، الإفراط كما فعلت النصارى ألّهوه، والتفريط كما فعلت اليهود، واتهموه بالسحر و، و إلى آخره، فويل للذين كفروا منهم من هؤلاء الأحزاب، الذين فرطوا فيه، وأفرطوا فيه (مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) عظيم هوله، عظيم حسابه، عظيم عقابه، المشهد‫:‬ مكان الشهود، المشهد‫:‬ وقت الشهود، المشهد شهادة الملائكة عليهم، المشهد‫:‬ الموقف حين يقول الله لعيسى على الملأ (ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ ۚ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ١١٦]، نعم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم‫.‬‬‬‬
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿38﴾
‫(أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) من أغرب الصيغ التي جاء في القرآن، اللفظ لفظ أمر، والصيغة صيغة تعجب، والمعنى التعجيب أي حمل المخاطب على التعجب من شأنهم يوم القيامة، أي ما أسمعهم، وما أبصرهم في ذلك اليوم، هم اليوم عمي، هم اليوم صم، هم اليوم في ضلال، إذا جاء يوم القيامة لا أحد أسمع منهم، ولا أحد أبصر منهم، قد يكون المعنى أسمعهم، وبصّرهم بما ينتظرهم يوم القيامة من أهوال، لكن المعنى الأول هو الأرجح (لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ) وهنا جاء بكلمة (ٱلظَّـٰلِمُونَ) محل الضمير، سياق الكلام النسق، لكنهم اليوم في ضلال مبين، فقال‫:‬ (لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ) ليبين لك أنهم ظلموا أنفسهم، وما ظلمهم الله (ٱلْيَوْمَ) أي في هذه الدنيا (ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ) هل هناك ضلال أبين من أن تعبد بشراً مثلك، حملته الأرحام، وأكل الطعام، وأحدث، وتبول، وتبرز، واستيقظ، ونام، هل هناك ضلال أبين من ذلك، جاءت به أمه تحمله، إذاً فقد احتاج لمن يحمله، هل حمله الرحم؟ هل نزل كما تنزل الأطفال؟ هل احتاج إلى الرضاعة؟ هل احتاج لمن يغير له ثيابه، وينظفه؟ هل احتاج أن يُهدهد، ويُنَوَّم ويُسكَّت؟ كيف يكون إلهاً؟! ومن كان يدير الكون حين كان عيسى في بطن أمه؟ من كان يأمر الشمس بالشروق، والقمر بالظهور، من كان يُنزّل المطر، ويجري السحاب؟ من كان يخلق الخلْق؟ من كان يرزقهم وهو في بطن أمه؟ كيف يكون الإله محتاجا؟ كيف يكون نائما، والله لا يسهو، ولا ينام؟ هل هناك ضلال أبين من ذلك؟‬‬
وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍۢ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿39﴾ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴿40﴾
‫(وَأَنذِرْهُمْ) الخطاب لسيد الخلْق‫:‬ أنذرهم يا محمد، أنذر هؤلاء الضالين (يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ) يوم القيامة (وَهُمْ فِى غَفْلَةٍۢ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) الآن في الدنيا، فالكلام متعلق ب(ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ) الذي جاء قبل ذلك، ذاك أمر الله، إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، وذاك الله الخالق، الرازق، المحي، المميت، فهل هناك ضلال أبين من عبادة البشر، (لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين، وهم في غفلة، وهم لا يؤمنون، فأنذرهم يوم الحسرة) ذاك هو تقدير الكلام (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ) معترضة، أنذرهم بالحساب، بقيام القيامة، بإدخال أهل الجنةِ الجنةَ، وإدخال أهل النارِ النارَ، حيث لا ينفع الندم، وحيث لا تجدي الحسرة، (إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ) وهم الآن في غفلة، وهم لا يؤمنون (ِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) بالإهلاك، بالإفناء، أو يتوفاها كما يتوفى الوارث إرثه، أي يأخذه كاملا وافيا، نرث الأرض ومن عليها، إذاً في يوم القيامة الأرض ومن عليها لا مِلكْ، ولا مُلك لغير الله، يروي الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) يقول أبو سعيد، عن رسول الله ( إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ ، يُجَاءُ بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، فَيُقَالُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ ، هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ ، قَالَ : فَيَشْرَئِبُّونَ ، فَيَنْظُرُونَ ، وَيَقُولُونَ : نَعَمْ ، هَذَا الْمَوْتُ ، قَالَ : فَيُقَالُ : يَا أَهْلَ النَّارِ ، هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ ، قَالَ : فَيَشْرَئِبُّونَ ، فَيَنْظُرُونَ ، وَيَقُولُونَ : نَعَمْ ، هَذَا الْمَوْتُ ، قَالَ : فَيُؤْمَرُ بِهِ ، فَيُذْبَحُ ، قَالَ : وَيُقَالُ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ " ، قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قول الله (عز وجل) (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍۢ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ))، فتأتي قصة أخرى، وهي قصة إبراهيم (عليه السلام) والكلام كأنه موجّه لأهل مكة، والسورة مكية، يا أهل مكة، يا من تعترفون أنكم من سلالة إبراهيم (عليه السلام) قد سمعتم كيف وقع النصارى في الضلال المبين بزعمهم أن عيسى إلها، فعبدوه من دون الله، وكيف وقعت اليهود في الضلال المبين، واتهموه أمه بأبشع التهم، وهي منها بريئة، كيف تعبدون الأصنام، وتزعمون أنكم من سلالة إبراهيم إمام الحنفاء، الموحد، فتأتي قصة إبراهيم لبيان ضلال كفار مكة بعد ما بُيّن لنا ضلال المفرِطين، والمفرّطين في شأن عيسى بن مريم يقول الله (تبارك وتعالى)‬‬
وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِبْرَٰهِيمَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًۭا نَّبِيًّا ﴿41﴾ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيْـًۭٔا ﴿42﴾ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِىٓ أَهْدِكَ صِرَٰطًۭا سَوِيًّۭا ﴿43﴾ يَـٰٓأَبَتِ لَا تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيًّۭا ﴿44﴾ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌۭ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيًّۭا ﴿45﴾ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّۭا ﴿46﴾
ذاك هو الحوار في أبلغ صيغة، وأعظم عبارة (وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِبْرَٰهِيمَ ۚ ) والكلام للنبي، أي قُص عليهم قصة إبراهيم مع أبيه لعلهم يتعظون (إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًۭا نَّبِيًّا) الصدّيق‫:‬ المبالغ في الصدق، كثير الصدق، وكثير التصديق، أي المصدّق لكل ما أخبر به الله، والصادق في كل ما يقول، فهو صادق مبالغ في صدقه، مبالغ في تصديقه (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ) الأصل (يا أبي) فجاءت التاء معوّضة عن الإضافة، ولا تقل يا أبتي بالياء؛ لأن التاء عوضا عن الياء، وهذه الكلمة لا تقال إلا للاستعطاف، إذاً فقد بدأ إبراهيم الخطاب مع أبيه باستعطافه، وفي كل جملة، وفي كل كلام، قدّم كلامه بقوله‫:‬ يا أبت، يا أبت، يا أبت، منتهى الاستعطاف، منتهى التواضع، والتذلل للأب، منتهى المشاعر، وإظهار الحب (يَـٰٓأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ) لم يتهم أباه بالكفر، لم يتهمه بالضلال، وإنما سأل عن العلة في عبادة ما لا يسمع دعاءك، ولا يرى خشوعك، ولا يعلم بخضوعك، سائلا عن العلة، ولم يتهم أباه بالضلال، والكفر، وانظر إلى الرقة، والأدب كيف كان الخطاب (يَـٰٓأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ) العقل السليم يقول‫:‬ إن الإنسان إذا فعل فعلا لابد وأن يفعله لغرض ولهدف صحيح، هذا الفعل ما هي العلة في أن تعبد شيئا تنكر العقول السليمة الركون إليه، تنكر العقول السليمة تعظيمه، فضلا عن عبادته؛ إذ إن المعبود بحق لابد وأن يسمع لابد وأن يرى، لابد وأن يعلم، لابد أن يرى خشوعي، وخضوعي، ويسمع تذللي، ودعائي، لابد وأن يستجيب لي المعبود بحق، هو المتفضل بالإنعام العام، والمستغني استغناءً تاماً، المعاقب، والمثيب، المحي، والمميت، الحق، الرازق، فما هي العلة في عبادتك شيئا تنكر العقول السليمة مجرد الركون إليه، فضلا عن تعظيمه وعبادته (يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِىٓ أَهْدِكَ صِرَٰطًۭا سَوِيًّۭا) لم ينسب لأبيه الجهل التام، ولم ينسب لنفسه العلم الفائق، واسمع وتأمل (إِنِّى قَدْ جَآءَنِى) إذاً فهو متعلم، والفضل لله، والعلم لله (قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ) لم ينسب لأباه الجهل الكامل، ولم ينسب لنفسه العلم الفائق (فَٱتَّبِعْنِىٓ) وكأنه رفيق معه في مسير، هو أعرف بالطريق، هو أدرى بعقبات الطريق، فكأنه يسير معه في طريق هو يعرفه، فيرشده، فاتبعني كما تتبع الدليل في الطريق (أَهْدِكَ صِرَٰطًۭا سَوِيًّۭا) الطريق السليم، الموصل للغرض، والبغية (يَـٰٓأَبَتِ لَا تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ ۖ) وانظر إلى تكرار كلمة (يَـٰٓأَبَتِ) لا تعبد الشيطان، هل كان يعبد الشيطان، أم كان يعبد الأصنام؟ كان يعبد الأصنام، فلِمَ قال تعبد الشيطان؟ لأن من أطاع شيئا في معصية الله، فقد عبده؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إذاً فطاعة الشيطان عبادة (إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيًّۭا) وانظر إلى كلمة (الرحمن) ومقابلة الرحمة بالكفر، والجحود فظيع (كَانَ) بمعنى هو الآن حاله عصياً، عاصٍ، وعصي، بمعنى واحد، والعاصي خارج، معرّض للنقمة، والمطاوع للعاصي عاصي، فمطاوعتك للعاصي عصيان، ونتيجة العصيان الوبال، من هنا بدأ التحذير (يَـٰٓأَبَتِ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌۭ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيًّۭا) ها هو المنطق، والكلام متسلسل بمنطق، وبأدب، وبرقة، وبرقيّ، وذكر المس، والخوف (يَـٰٓأَبَتِ إِنِّىٓ أَخَافُ) هنا أخاف بمعنى أعلم، أو أخاف بمعنى أتوقع، لكن لا أحكم إذ إن الخواتيم مجهولة (أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ) رقة في الكلام، مجاملة في الهداية، والعواقب غير معلومة، والعبرة بالختام، إن مات على كفره قد يحدث العذاب، لكن إن آمن؟ من هنا العواقب غير معلومة، فقال‫:‬ (إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌۭ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ) ولم يقل من الجبار (فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيًّۭا) مرافقا له في جهنم، في العذاب، في النقمة، في غضب الله، تلك كانت موعظة إبراهيم، ننظر إلى الرد كي ترى الفرق بين الكفر، والإيمان، وبين هدى، والإيمان، وبين من هذبه الإيمان، ومن أفسده الطغيان (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ۖ) ولنتأمل في هذه الجملة، وصياغتها حين قال إبراهيم لأبيه‫:‬ يا أبت، كان لابد أن يكون الرد الطبيعي يا بُني، فهل قال يا بني؟ ناداه باسمه، هذه واحدة، الأمر الثاني‫:‬ أخره في آخر الكلام، أما إبراهيم فناداه أولا، يا أبت، أما هذا فقال (أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ۖ) ناداه باسمه وأخّره، ثم قدم الخبر على المبتدأ، وصدّر الخبر بالهمز، همز الإنكار، الاستفهام بمعنى الإنكار، والتعجب، وكأن الرغبة عن آلهة آزر لا تأتي من عاقل، أي كيف ترغب عن عبادة آلهتي، والرغبة عن عبادة هذه الآلهة لا تصدر من عاقل، فأنكر عليه، وتعجب منه، وأهانه في الكلام، وأخّره، لم يقل يا بني، ناداه باسمه، هذا هو الفارق بين هذبه الإيمان، ومن أفسده الطغيان (لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّۭا) تهديد فظيع، لئن لم تنته عن هذا القول، وعن عبادتك لإلهك، وعن الرغبة عن الأصنام (لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ) الرجم بمعنى الضرب بالحجارة، والرجم بمعنى الشتم، والرجم بمعنى الإهانة، والرجم بمعنى الطرد، تحتمل كل هذه المعاني (وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّۭا) أي مدة من الزمن لا حد لها، من المِلاوة، المُلاوة، والملاوة‫:‬ المدة الطويلة من الزمن، ذاك كان الرد، وهنا قال إبراهيم متأدبا، مفارقاً لأبيه، (قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّۭا) منتهى الرقة في الرد، منتهى المجاملة في البعد عن الأب، اللجوء إلى الله، التعريض بشقاوة من عبد الأصنام، فقد كان رد آزر على إبراهيم (عليه السلام) ردا خاليا من حنان الأبوة، ومن حكمة الكبر، كان رداً غليظا، جافا، فيه التسفيه، وفيه التهديد بالرجم، وهكذا تبين لنا الفارق بين القلب الذي طهره الإيمان، وبين القلب الذي أفسده الطغيان، وهنا كان رد الحليم، الأواه، المنيب، كان الرد الذي لا ينطق به إلا من أخلصه الله، يحكي لنا القرآن عن ذلك الرد فيقول الله (عز وجل):‬
قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّۭا ﴿47﴾ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّۭا ﴿48﴾
‫(قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ ۖ) (سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ ۖ): موادعة سالمة، وكأنه يقول له‫:‬ لن يصلك مني أذى، ولست أتعرض لك بعد ذلك، ولن تجد مني إلا السلام، والأمان (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ) وعد بالاستغفار، والاستغفار للكفار معناه طلب الهداية، والتوفيق إلى التوبة؛ إذ لا يستغفر عن الشرك، ولا يستغفر عن عبادة الأصنام، وإنما المقصود بالاستغفار هو أن أدعو الله لك كي يوفقك إلى التوبة، وإلى المغفرة، بالرجوع إلى الحق، وإلى الله (إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّۭا) أي إن الله كان بي حفيا، الحفيّ: المبالغ في العناية، والإكرام، حَفِي به، وتحفى به‫:‬ بالغ في العناية به وفي إكرامه، أي إن الله كان مبالغا في إكرامي، والرعاية والعناية بي (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ) إذاً فقد قرر إبراهيم الاعتزال، والبعد عن هذا السفه، وهذا الكفر البواح، والخروج، والهجرة من بلد الكفر، تلك البلد التي لم يستجب له فيها أحد حتى الأب (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ) أي أبتعد عنكم، وأترك عبادتكم للأوثان، وأهجر الأوطان ابتغاء مرضاة الله (عز وجل) (وَأَدْعُوا۟ رَبِّى) أي وأتجه إلى الله وحده بالعبادة والتوحيد (عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّۭا) وهنا توقف العلماء عند كلمة (عَسَىٰٓ) فهي تأتي للترجي، تأتي للتوقع، تأتي أيضا للشك، فكيف كان هناك شك، وأين كان الشك؟ قال بعضهم‫:‬ شك إبراهيم في قبول ربنا، تبارك وتعالى، لاستغفاره لأبيه، أو شك في النهاية، هل يُختم للأب بالكفر أم يختم له بالإيمان؟ فهو شك في مصير أبيه، وقال البعض الآخر، وهو القول الأرجح، صدّر الكلام بكلمة تواضعا، وهضما لنفسه، وللدلالة على أن الإجابة، والإثابة من الله تفضل غير واجب، إن شاء فهو محض فضل، وتفضل من الله أن يستجيب لك، ولا يجب عليه ذلك، أيضا ملاك الأمر خاتمته، والعبرة بالخواتيم، والختام غيب فلا يمكن له أن يقطع بما هو حاصل، من هنا قال (عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّۭا) أي خائبا غير مجاب للدعوة، لا يحكم على نفسه بحسن الختام، ولا يقطع بذلك، فالخاتمة غيب يتواضع يهضم نفسه، يدل بهذا الكلام على أن إجابة الله، وإثابة الله للطائع المطيع، الطالب تفضل غير واجب، يحكي ربنا (تبارك وتعالى) ويبيّن أن الإنسان الذي يبتعد عن المعصية ابتغاء مرضاة الله، لابد وأن يفوز بما هو خير، وأفضل، وأحسن، فيقول عز من قائل‫:‬‬‬‬‬
فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّۭا جَعَلْنَا نَبِيًّۭا ﴿49﴾ وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّۭا ﴿50﴾
إذاً فما من إنسان يعتزل شيئا لا يرضى عنه الله ابتغاء مرضاة الله، أو خوفا من الله، أو خشية عقابه إلا وكان عاقبته إلى خير، وأبدله الله (تبارك وتعالى) خيرا مما ترك، من هنا فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله، فارق الأوطان، وامتنع عن عبادة الأوثان، وتوجه بكليته إلى الملك الديان، فآنس وحدته بالولد، والحفيد (وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۖ) ليس ذلك فقط، بل جعلهما من الأنبياء (وَكُلًّۭا جَعَلْنَا نَبِيًّۭا) أيضا (وَوَهَبْنَا لَهُم) الثلاثة‫:‬ إبراهيم، وابنه، وحفيده، إسحق ويعقوب، (مِّن رَّحْمَتِنَا) إذاً فقد تفضل الله (تبارك وتعالى) عليهم برحمته في الدنيا بالولد، والستر، والمال، والعز، وتفضل عليهم أيضا في الآخرة برفقة المنزلة، وعلو الشأن، واختص إسحق ويعقوب بالذكر؛ لأنهما شجرة الأنبياء، أيضا لإفراد إسماعيل بالذكر بعد ذلك رغم أنه من أبناء إبراهيم لفضله، وشرفه، ولأنه الذبيح، ولأنه جد سيد الخلق (عليه أفضل الصلاة) وأكمل التسليم (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّۭا) اللسان يعبر به عن اللغة، وعما يستخدم فيه اللسان، إضافة اللسان للصدق، وتوصيفه بالعلم للدلالة على أن ما يثني به الناس على الثلاثة هم أحقاء به، وبكل ما يثنى عليهم، وما من أهل ملة على اختلاف الأعصار، والأمصار، إلا ويدّعون الانتساب إليهم، ويثنون عليهم، ويصلون عليهم، ويذكرونهم بكل جميل، وكأن ذاك استجابة لدعوة إبراهيم الخليل (عليه السلام) حين قال (وَٱجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍۢ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ (٨٤)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٨٤]، إذاً جعل الله لهم الثناء على ألسنة الناس جمعيا، إلى أن تقوم الساعة، مع اختلاف الملل، والنحل، فاليهود يدّعون انتسابهم إليه، بل ويقولون‫:‬ إن إبراهيم كان يهوديا، وكذلك النصارى، والمسلمون ينتسبون إليه، حتى مشركي مكة كانوا يقولون‫:‬ إنهم على ملة إبراهيم، ويتشرفون بالانتساب إليه، من هنا جعل الله (تبارك وتعالى) للثلاثة الثناء على مر العصور، والدهور، وبيّن (عز وجل) أن ما يُثنى به عليهم هم أحقاء به، يستحقون لكل ثناء بقوله‫:‬(وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّۭا) ينتقل الكلام إلى ذكر بعض الأنبياء.
وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مُوسَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخْلَصًۭا وَكَانَ رَسُولًۭا نَّبِيًّۭا ﴿51﴾ وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَـٰهُ نَجِيًّۭا ﴿52﴾ وَوَهَبْنَا لَهُۥ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيًّۭا ﴿53﴾
‫( وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مُوسَىٰٓ ۚ) أي اذكر يا محمد لقومك، وللناس قصة موسى، وكيف أكرمه الله، تبارك وتعالى، وتفضل عليه (إِنَّهُۥ كَانَ مُخْلَصًۭا وَكَانَ رَسُولًۭا نَّبِيًّۭا) وقرأت (كان مَخلِصاً) مخلصاً لله في عبادته، مبرأ من الرياء والشرك، متوجها بالكلية إلى الله (عز وجل) (مخلَصاً) أخلصه الله لنفسه، وجعله خالصا لله (عز وجل) (وَكَانَ رَسُولًۭا نَّبِيًّۭا) (وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنِ) نادى الله موسى كما جاء في سورة طه، وفي السور الأخرى من جانب الطور، الجبل المعروف في سيناء (ٱلْأَيْمَنِ) الجبل لا يمين له وشمال، أي مما يلي يمين موسى، فموسى له يمين، وله شمال، أو من الجانب الأيمن أي الميمون من اليُمن والبركة (وَقَرَّبْنَـٰهُ نَجِيًّۭا) أي قرّب الله مكانته ورفع مكانته مناجيا له بغير واسطة، بغير وحي، بل بالكلام المباشر، قيل‫:‬ إن موسى رُفع حتى سمع صرير الأقلام، وكانت المناجاة في الملأ الأعلى، وقيل، وقيل، يعلم الله كيف كانت المناجاة؟ ويعلم الله كيف سمع موسى؟ وربنا أثبت لنفسه صفة الكلام لكنه، عز وجل، لا يتكلم كما يتكلم البشر، فكما أن ذات الله لا تماثل ذوات البشر، فكلامه لا يماثل كلام البشر، فالكلام والنطق هواء يخرج من الفم، وينشأ الصوت من اصطكاك الأجرام، من تحرك اللسان، وانطباق الشفتان، وموجات، ولابد من وسط كالهواء حتى يسير موجات الصوت فيه، والأذن تسمع باصطكاك هذا الهواء المتضاغط، المتدافع على الأذن، إلى عصب السمع، إلى العقل، حتى يدرك الإنسان معاني الحروف، والكلمات، فهو صوت يخرج من الفم يُقطَّع إلى حروف، وكلمات، بانطباق الشفتين، وتحرك اللسان، وذاك أمر لا يجوز على الله (عز وجل) فكلامه (عز وجل) بغير لسان، وبغير شفتين، وبغير اصطكاك أجرام، فكيف سمع موسى؟ تكلم العلماء في هذا الشأن كثيرا، واختصر بعضهم، وقال‫:‬ سمع موسى الكل بالكل، أي سمع الذات الإلهية إذ لا يصح أن ينفصل عنها الكلام، فالكلام قائم بذاته بكله، وليس بأذنه، وقال بعض الناس‫:‬ خلق في موسى علما ضروريا بالكلام، وقالوا، وقالوا، وهي من المتشابهات التي لا يصح للإنسان أن يخوض في معناها، تمر كما جاءت، ونؤمن بها، كلّم الله موسى تكليما، وكلام الله ليس ككلام البشر، وليس كمثله شيء، كيف تكلم، وكيف سمع، نفوض العلم بذلك إلى الله (عز وجل) ونؤمن بأن ذلك قد حدث، صدق الله، وصدق رسوله (وَوَهَبْنَا لَهُۥ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيًّۭا) حين استنبأه الله (عز وجل) وأمره بالذهاب إلى فرعون، طلب موسى أن يُشد أزره بأخيه (وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًۭا مِّنْ أَهْلِى (٢٩)) [سورة طه آية‫:‬ ٢٩]، فاستجاب الله له، وجعل هارون نبيا معه.
وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًۭا نَّبِيًّۭا ﴿54﴾ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّۭا ﴿55﴾
ها هو يفرد إسماعيل بالذكر لعلو مكانته، وشرفه، وأنت ولو رجعت إلى الكلام عن إسحق ويعقوب (وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّۭا جَعَلْنَا نَبِيًّۭا) ولم يقل رسولا، النبوة وليست الرسالة، أما إسماعيل فقد حاز للمنزلتين (وَكَانَ رَسُولًۭا نَّبِيًّۭا) ذاك شرف (صَادِقَ ٱلْوَعْدِ) ما من نبي إلا وهو صادق الوعد، لكن إسماعيل مُيِّز بهذه الصفة، وخص بها، رغم تواجد هذه الصفة في جميع الأنبياء على الإطلاق؛ لأن صدق إسماعيل في الوعد كان مبالغا فيه، وكان واضحا، وتحمّل في سبيله ما لم يتحمله نبي قط، حيث جاءه أبوه قائلا (قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ (١٠٢)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٠٢]، وَعد، فهل وَفَى بوعده؟ نعم، وفى بوعده حتى أن أباه كتفه، وأضجعه، وجاء بالسكين، ووضعه على عنقه فلم يتحرك (فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ ﴿١۰۳﴾ وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ﴿١۰٤﴾) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٠٣ : ١٠٤] حتى فداه الله بذبح عظيم، فكان صدق الوعد في إسماعيل (عليه السلام) مميزا تحمل في سبيله ما لم يتحمله أحد (إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًۭا نَّبِيًّۭا) أُرسل إلى جرهم الذين جاءوا وسكنوا بمكة بعد ذلك، والآية تدل على أن الرسول لا يلزم أن يُكلف شريعة جديدة، فقد كان إسماعيل على شرع أبيه، ولم يأت إسماعيل بشرع جديد، فقد يصبح النبي رسولا برسالة من كان قبله، ولا يشترط أن يأتي بشرع جديد، بدليل هذه الآية (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ) يأمر أهل بيته، الزوجة والأولاد، اهتماماً بالأهم، ابدأ بنفسك ثم بمن تعول، وكما قال الله (تبارك وتعالى) لصفيه وحبيبه سيد الخلق (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ ﴿٢١٤﴾) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٢١٤]، (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ ) [سورة طه آية‫:‬ ١٣٢]، أو الأهل‫:‬ الأمة، وكل نبي أب لأمته (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ) إذاً الصلاة، والزكاة من شرع جميع الأمم، وليست من شريعة الإسلام فقط، وتذكرون عيسى حين قال‫:‬ (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ) (وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّۭا) راضياً هو، وراضيا عنه الله، والمرضيّ هو من فاز في جميع الطاعات، بأعلى الدرجات، أدّاها على أكمل وجه، حتى فاز فيه بأعلى الدرجات‫.
وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًۭا نَّبِيًّۭا ﴿56﴾ وَرَفَعْنَـٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴿57﴾
إدريس كان صدّيقاً نبياً، إدريس أول نبي بعد آدم، إدريس من آباء نوح، إدريس أول من خط بالقلم، وأنشأ الكتابة، إدريس أول من خاط الثياب، ولبس المخيط، وقيل‫:‬ إدريس مشتق من الدرس، وخطّأه البعض؛ لأنه غير مصروف، كان إدريس صديقا مبالغا في التصديق، نبياً استنبأه الله (تبارك وتعالى) (وَرَفَعْنَـٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا) هذا الرفع لا يعلمه إلا الله، رفع شأنه، رفع مكانته، المكان تعبير عن المكانة، عن المنزلة، عن الدرجة، وقد جاء في حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الإسراء والمعراج أنه لقي إدريس في السماء الرابعة، ورُويت حكايات كثيرة لا نعتقد أنها تستند إلى أسس، منها أنه تعرّض لحر الشمس مرة فتعجب من الملك الذي يحملها، فسأل الله أن يخفف عنه من حرها، ففوجئ الملك بخفة حر الشمس عليه، فقال‫:‬ يا رب كيف حدث، قال‫:‬ عبدي إدريس دعا لك فاستجبنا له، فقال يا رب ائذن لي في أن ألقاه، ولقيه الملك، وسأله ألك حاجة؟ فقال‫:‬ نعم، أريد أن أرى الجنة، وأريد أن أرى النار، وهكذا الحكايات، وأخذه فرأى النار، وطلب أن يرى ملك الموت فرآه، فسأله أن يذيقه الموت، فأذاقه الموت ساعة، ثم طلب أن يرى النار فرآها، ثم طلب أن يرى الجنة، ويدخل الجنة، فدخل، وحين قال له الملك‫:‬ هلمّ، قال‫:‬ لا، لا يخرجون منها، كتب عليّ الموت وذقته، وكتب العرض على جهنم وعُرضت، ودخلت الجنة، فلا أخرج فبقي فيها، حكايات لا أساس لها، قلناها من باب الإفادة بأن الإنسان لا يصح له أن يتعرض لمثل هذه الحكايات التي لا أساس لها، ولا سند، وقيل، وقيل، لكن الله (تبارك وتعالى) يقول في شأنه (وَرَفَعْنَـٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا) أي مكانة، ومنزلة، عالية من رضوان الله (عز وجل) هذه المكانة يعلمها الله‫.‬‬‬‬
أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍۢ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًۭا وَبُكِيًّۭا ۩ ﴿58﴾
‫(أُو۟لَـٰٓئِكَ) الكلام عن الأنبياء الذي جاء ذكرهم (ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ) إدريس فقط، ونوح بعد ذلك (وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍۢ) إبراهيم فقط (وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْرَٰٓءِيلَ) يعقوب، ومن ذرية إسرائيل منهم زكريا، ويحيى، وعيسى، وموسى، وهارون (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ ۚ) اجتبينا‫:‬ اخترنا (إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًۭا وَبُكِيًّۭا) في الآية قراءات (وبُكيّاً) (وبِكيّا) (إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ) (إذا يُتلى عليهم) والآية سجدة، وإذا قرأت كاملة، وسجد القارئ وجب السجود على من استمع، وكان قاصداً السمع، وإذا تُليت على المنبر نزل الإمام وسجد، وسجد المصلون، وإذا نزل الإمام ولم يسجد لا تجب السجدة على أحد، لكن سجدة التلاوة فضل من الله على العباد، والكلام عن هؤلاء الذين تُليت عليهم الآيات خرّوا سجداً وبكيا، وبالتأمل في هذه الآية نجد أن الكلام في معرض الثناء على الأنبياء الذين اصطفاهم الله (تبارك وتعالى) واجتباهم إذا تليت عليهم آيات كتبهم، بعض الناس قالوا‫:‬ آيات القرآن، وذاك قول بعيد، آيات الكتب التي أنزلت عليهم، أو أُنزلت على من كان قبلهم، إذا لم يكن لهم كتاب خاص بهم، خروا إذاً السجود الفوري التعبير بكلمة (خرّ) أي سقط، وكأنهم يسقطون على وجوههم فورا دون تراخ، بمجرد استماع الآيات، وكيف تؤثر فيهم الآيات، وذاك يدل على أن لكلام الله (عز وجل) أثر كبير في قلب كل مؤمن، هؤلاء الذين يخرون سُجدا جمع ساجد، وبُكياً جمع باكي، نالوا شرف المنزلة، أعلى طبقات الشرف، من النسب نبي بن نبي بن بني، وهكذا أعلى طبقات الزلفى من الله من اجتباه الله، من قرّبه الله، من ناجاه الله، من كلمه الله، من رفعه الله مكانا عليا، اصطفاهم، واجتباهم، رغم هذه المنزلة، ورغم علو الشرف، ورغم درجة النبوة، ودرجة الرسالة، ومع ذلك يخرون للأذقان إذا تليت عليهم الآيات ساجدين باكين، كيف؟ وأين نحن من ذلك؟ إذاً قد يفهم الإنسان من أن الدرجة كلما علت كلما ازداد الخضوع، كلما قربت زاد الخشوع، والخضوع، زاد الإخبات، وكلما ابتعد الشخص عن الله، كلما كان غافلا لا تؤثر فيه الآيات‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿١۰۵﴾) [سورة يوسف آية: 105]، وكلما ابتعد العبد عن الله كلما قسا قلبه، وجف دمعه، وغلظ خلقه، وقلت رحمته، وماتت مشاعره، هؤلاء مع هذا القرب، ومع هذه المنزلة، مع هذه الدرجة، مع شرف النسب يبكون؟!! من أي شيء؟ كيف؟ هذا يدل على أن العبد كلما اقتربت منزلته، كلما ازداد خوفا، وازداد خشوعا، وازداد إخباتا، أما من جلس مطمئنا مدعيا القرب عن الله، وعلو المنزلة، وأن الله أكرمه، وأنه ما طلب طلبا إلا وأجيب إليه، ذاك شخص غافل؛ لذا لو نظرنا لما يلي من آيات.‬‬
فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلشَّهَوَٰتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴿59﴾
‫(خلْف) بالسكون، يستخدم في خلْف شر، يستخدم في المفسدين، والخلَف يستخدم في الخير (فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) من بعد الأنبياء، والرسل الذين جاء ذكرهم، الذين يخرون للأذقان سجداً، وبكيا، الذين يسجدون، ويبكون كلما تليت عليهم الآيات، واستمعوا لها (خَلْفٌ أَضَاعُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ) وضياع الصلاة أكبر مصيبة، وضياعها ضياعان‫:‬ ضياع كفر وجحود، ذاك الذي أنكر الصلاة أصلا، وضياع آخر وهو الذي لا يؤدي الصلاة كما يجب، وتذكرون أن النبي (صلى الله عليه وسلم) رأى رجلا يصلي (ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) وتذكرون حديث رسول الله عن الذي لا يتم الركوع، ولا يتم السجود تُلف الصلاة، وتلقى في وجهه، وتقول له‫:‬ (ضَيَّعَكَ اللَّهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي) وكيف أن الصلاة التي لا يتم العبد ركوعها، وسجودها، ولا يقيم صلبه فيها، صلاته باطلة، فقد يصلي، ويصلي، ويجد في الآخرة أن صلاته غير مكتوبة، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله، من هنا يبين لنا ربنا (تبارك وتعالى) أن أكبر مصيبة هي المصيبة في الدين، وأكبر مصيبة في الدين هي ضياع الصلاة، أول صفة وصموا بها أنهم أضاعوا الصلاة (وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلشَّهَوَٰتِ ۖ) إذاً من ترك صلاته، أو ضيّع صلاته كفرا وجحودا، أو إهمالا وتكاسلا، أو عدم أداء للصلاة كما يجب، الوضوء باطل، الصلاة باطلة تبعا لذلك، لو ضيّع الصلاة لابد وأن يقع في اتباع الشهوات، والمصلي هو الذي يحفظ من اتباع الشهوات، الصلاة نور، والوضوء سلاح المؤمن، كلنا يعرف أن الجنة حُفَّت بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، هؤلاء اتبعوا الشهوات‫:‬ المعاصي، الفسق، الفجور، واللهو، واللعب كل ما تشتهيه النفس، وتتلذذ به من معصية الله (عز وجل) كما ترون الآن في المسارح، في دور اللهو، في دور القهاوي، وما إلى ذلك، ما ترونه في الأجهزة المرئية، والمسموعة، والجوائز التي توزع على قدر ما يقدم من لهو أو من فسق (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) الغيّ ضد الرشد، الغي‫:‬ الضلال، (يَلْقَوْنَ غَيًّا) أي يلقون جزاء غيهم، كما قال‫:‬ (يَلْقَ أَثَامًۭا (٦٨)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٦٨]، أي يلقي جزاء الإثم، أو غيا‫:‬ ضلالا عن الجنة، وقيل‫:‬ غي‫:‬ وادي في جهنم تستعيذ أودية جهنم بالله من حره‫.‬‬‬‬
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـًۭٔا ﴿60﴾
إذاً فالآية عن الكفار (إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا) أو خُص ذاك بالذكر، وإن كان العلماء يتكلمون عن إضافة الصلاة بأسلوبين‫:‬ إضاعة كفر، وجحود، وإضاعة تقصير، وإهمال، والآية تشمل الفريقين (إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـًۭٔا) لا يظلمون من أجورهم، لا ينقص من أعمالهم، لا يضاف عليهم سيئات، ولا يُنسى لهم حسنات، فإن التوبة إلى الله من أعظم المنن على العبد المسلم، والاستغفار من أعظم المنح، والاستغفار فرض على كل مسلم، ولو لم يرتكب هفوة فرضا، ومن المعصوم؟ إذ إن الله أمر المعصوم (صلى الله عليه وسلم) بأن يستغفر (وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ (٥٥)) [سورة غافر آية‫:‬ ٥٥]، وهو يتحدث عن نفسه، وقال‫:‬ إنه يستغفر في اليوم مائة مرة، وأمر بالاستغفار في أكثر من موضع، وعليه فاستغفار العبد يوسّع رزقه، ويقربه من الله (عز وجل) وا حبذا لو استغفر مما يعلم، ومما لا يعلم، فقد يقع الإنسان في الخطأ عن غير قصد، يقول الله (تبارك وتعالى) يقول‫:‬ (إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـًۭٔا)، ثم توصف الجنة‫.‬‬‬‬‬
جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعْدُهُۥ مَأْتِيًّۭا ﴿61﴾ لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَـٰمًۭا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةًۭ وَعَشِيًّۭا ﴿62﴾ تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّۭا ﴿63﴾
‫(جَنَّـٰتِ عَدْنٍ) الإقامة الدائمة (ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ) وعدهم الجنة، وهي غائبة عنهم، لم يروها، أو وعدهم الجنة وهم غائبون عنها، أو وعدهم الجنة جنات عدن بإيمانهم بالغيب، فلم يروا النار، ولم يروا الآخرة، ولم يروا الملائكة، ومع ذلك كانوا يؤمنون بالغيب، وبسبب إيمانهم بالغيب كان جزاؤهم جنات عدن (إِنَّهُۥ كَانَ وَعْدُهُۥ مَأْتِيًّۭا) وهذه الكلمة غاية في الغرابة؛ لأن (مَأْتِيًّۭا) مفعول، الجنة تأتيهم، الوعد هو الجنة (كَانَ وَعْدُهُۥ) جنة عدن (مَأْتِيًّۭا) ما وصلت إليه، فقد وصل إليك فسواء وصلت إليه، أو وصل إليك فالمعنى واحد، والأمر واحد، والنتيجة واحدة (وَعْدُهُۥ مَأْتِيًّۭا) أو اسم مفعول بمعنى الفاعل، آتيا أو هم يأتونها (لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا) اللغو‫:‬ كل كلام لا طائل وراءه، اللغو‫:‬ يطلق على القبيح من الكلام، يطلق على الكلام الذي لا فائدة منه، لا ينفع لا دنيا، ولا أخرى (إِلَّا سَلَـٰمًۭا ۖ) إن كان السلام هو اللغو الوحيد الذي يسمعونه، فكيف بغير اللغو، والاستثناء متصل، أو منفصل، أي لكن يسمعون فيها سلاما، سلامهم على بعض سلام الملائكة، عليهم سلام الله عليهم، أو سلاما بمعنى السلامة، أي كل ما يسر كل ما يسعد، كل ما يدخل على نفوسهم السرور، لا يسمعون فيها إلا ما يسعدهم ويسرّهم (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا) في الجنة (بُكْرَةًۭ وَعَشِيًّۭا) (بُكْرَةًۭ) : في الصباح الباكر، عشياً: بعد العصر، قبل المغرب، المنعّم من العرب من كان يأكل في اليوم مرتين؛ ولذا كان إطعام المسكين وجبتين في اليوم، فهل في الجنة بكرة، وهل في الجنة عشي؟ وسأل بعض الناس فيها، وجاءتهم الإجابة من سيد الخلق، ثم تلقاها العلماء بعد ذلك، وعلمنا أن الجنة لا ليل فيها، ولا نهار، بل هو نور مستمر، والمقصود بكرة وعشيا، أي دوام الرزق، أي غير مقطوع، ولا ممنوع (تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ) (تِلْكَ) إشارة للبعيد لعلو المنزلة، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (ٱلَّتِى نُورِثُ) (نَورِّث) قراءة، الإرث هذا التعبير الغريب، قال بعض الناس‫:‬ أهل الجنة يرثون من الجنة أماكن الكفار الذين حُرموا من أماكنهم بكفرهم، وخلدوا في النار، الآخرون يقولون‫:‬ وذاك من أرجح الأقوال أن التعبير بكلمة الإرث تعبير مهم جداً، يدل على الملكية التامة، التي لا يشوبها أي خلل، أو نزاع، إذ إن الإرث يختلف عن كل ما يصل إليك، وعن كل العقود، لا يفسخ من العقود ما يُفسخ، العقود الباطلة، من الأشياء التي تتملكها ما يرد، أو يسترجع كالهبة، ومنها ما يبطل، ومنها ما يُرد بالعيب، ومنها ما يسترجع، ومنها ما يتم فيه التنازع، ومنها، ومنها أما الإرث فهو المال الذي يصل إليك بغير انتظار، وبغير توقع، وبغير جهد، وبغير مجهود، ولا ينازعك فيه أحد، ولا يبطل الإرث أبداً، ولا يسترد أبداً، ولا يسقط أبداً، من هنا كان التعبير بكلمة (نُورِث ونُورِّث) معناها أن من دخل الجنة أصبح متمكنا، مالكا، لا يُنزع منه ذاك الملك، ولا منازعة فيه أحد، وأنه حين أخذ ذاك النعيم أخذه بغير جهد، بمحض فضل؛ إذ لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، فتلك الكلمة، وذاك التعبير في منتهى الدقة (تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّۭا) والتقوى أنواع، ومقامات، ودرجات، تقوى الشرك، تقوى الأغيار، أن يشغل قلبك غير الله، تقوى المعاصي أن تتقي المعصية، أن تتقي حقوق الآخرين، والتقوى من الوقاية، أي تقي نفسك الهلاك، أن تقي نفسك ما يعرضها لغضب الله، أو يعرضها للهلاك، أو التلف، أو يعرضها للضرر (تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّۭا) فقد تأخر الوحي على سيد الخلق، لحكمة يعلمها الله، جاءه المشركون بإيعاز من يهود المدينة يسألونه عن أهل الكهف، عن ذي القرنين، عن الروح، فرد قائلا‫:‬ آتوني غدا أخبركم واثقا بنزول الوحي، ولم يقدم المشيئة، ولم يقل إن شاء الله، فتأخر عنه الوحي مدة، قيل‫:‬ إنها خمسة عشر يوما، أقوال وأرجف المشركون بمكة منهم من يقول‫:‬ رب محمد قلاه، أبغضه، ونزل جبريل بسورة الكهف، ونزل بالقصص، ونزل بالإجابة على الأسئلة، وزادهم، وحين التقى به النبي، قال له معاتبا‫:‬ (احْتَبَسَ جِبْرِيلُ فِي بَعْضِ الْوَحْيِ ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : مَا جِئْتَ حَتَّى اشْتَقْتُ إِلَيْكَ ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ وتلا عليه قول الله (عز وجل) (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّۭا ﴿٦٤﴾))، يقول الله (عز وجل):
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّۭا ﴿64﴾
يتكلم جبريل عن نفسه، يبيّن أن النزول إلى الأرض لا يكون إلا بأمر الله (عز وجل) وبمشيئته (وَمَا نَتَنَزَّلُ) وقرأت (وما يتنزّل) أي الوحي (وَمَا نَتَنَزَّلُ) أي نحن (إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ) ما نحن فيه من الأماكن، والأحايين، لا ننتقل من مكان إلى مكان، ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره، ومشيئته، وقيل‫:‬ إن الكلام حكاية عن أهل الجنة (تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّۭا) فحين دخلوا الجنة قالوا (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ) حياتنا الدنيا، وآخرتنا، وما بين ذلك (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّۭا) تقرير من الله لمقالتهم، أي ما كان ربك لينسى أعمال الصالحين، أو ينسى وعده بإثابتهم، لكن الأرجح أن الكلام حكاية عن قول جبريل‫:‬ ما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك الماضي، والحاضر، والمستقبل، أماكن، أزمنة، أحايين، لا ننتقل من مكان إلى مكان، ولا ننزل في زمان دون زمان، إلا بأمره ومشيئته (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّۭا) ما كان ربك ناسيا، إن أراد أن يرسل إليك لأرسل، ولكنه أخّر الإرسال لحكمة يعلمها أو أي يعلم ما مضى، وما هو آت، ويعلم كل شيء، ولا ينسى أي شيء، وما كان ربك نسيا لك، معنى آخر ما كان ناسيا لك، تاركا لك، كما ادّعى المشركون، بل أنت في عنايته ورعايته‫.‬‬‬‬‬‬‬
رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَـٰدَتِهِۦ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّۭا ﴿65﴾
بيان لامتناع النسيان على الله (عز وجل) (رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) فإن كذلك، فكيف ينسى خلقه، وهو الرب الذي أنشأ الناس، والخلق من عدم، ثم ربّاهم، وأنشأهم، ونمّاهم، وأوصلهم إلى الغاية التي يريدها شيئا، فشيئا (فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَـٰدَتِهِۦ ۚ) أي لا يشغلنك تأخير الوحي عن ما أمرت به من عبادة، ومن إبلاغ، وتأخير الوحي لحكمة، ما عليك إلا الثبات على العبادة، والتنفيذ لما أمرت به، هو رب السموات والأرض، كل أفعاله بحكمة، لا ينسى، ولا يضل، ولا يسهو (فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ) افتعال من الصبر، وأصلها بالتاء، (واصتبر) لعبادته، والغريب هنا المجيء باللام، وكان القياس، واصطبر على، فقال واصطبر لعبادته، واللام هنا لتضمن المعنى الثبات على العبادة، الصبر، الثبات عليها، مهما حدث فلا يحزنك تأخر الوحي، ولا يشغلنك ذاك من عبادتك لله (عز وجل) والثبات عليها (هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّۭا) سؤال، وقيل‫:‬ إن (هَلْ) هنا بمعنى (لا) أي لا تعلم له سمياً، السمي من التسمية، (هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّۭا) أو السمي من السمو، إن كانت من السمو، هل تعلم له مثلاً، أو نظيراً، أو مشابهاً، أو نداً، هل تعلم له من يساميه، أو يساويه في جلاله، وكماله، وعلو شانه؟ وإن كانت من التسمية هل هناك من يُسمى الله غيره، ومن الغريب أن المشركين اتخذوا الأصنام آلهة، وأطلقوا عليها الأسماء، اللات، العزى، مناة، هبل، في جميع العصور اتخذ المشركون أصناما آلهة، وأطلقوا عليها الأسماء، لم يرد في التاريخ أن سُمِّي صنم باسم الله، والأغرب حين سمع المشركون الآية، لِم لمْ يسمِّ أحدهم ابنه الله، ليكذب القرآن؟ ولِم لمْ يصنعوا صنما، ويطلقون عليه اسم (الله)؟ كيف لم يحدث، وقد كانوا يتربصون بالنبي (صلى الله عليه وسلم) ويتلمسون له العيوب، ويتهمونه في عقله تارة، وفي، وفي، ذاك مما يدل على صدق القرآن، وإعجازه، وصدق النبي، (هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّۭا) وإلى الآن، وإلى أن تقوم الساعة لن يُطلق اسم الله إلا على الله، دليل معجز، ولو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية لدلّ ذلك على أنه كلام الله، ولدلّ ذلك على صدق رسول الله، وينتقل الكلام رغم هذا الإثبات، ورغم هذا الدليل عن الكفار، وسفاهات الكفار‫.‬‬‬‬‬‬
وَيَقُولُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴿66﴾ أَوَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـًۭٔا ﴿67﴾
‫( لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) (لسوف أَخرُجُ) قراءات، الإنسان هنا جنس الإنسان الكافر، وقيل‫:‬ من قال ذاك أبي بن خلف، وقيل‫:‬ الوليد بن المغيرة، وجاء بعظام وفتتها، وقال كيف نُبعث بعد ذلك إلى آخره، لكن الكلام عن جنس الإنسان الذي ينكر البعث، (ويقول الإنسان إذا مت) قراءة (لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) أي أخرج من قبري أو أخرج من حال الموت إلى الحياة واللام في كلمة لسوف لتأكيد الإنكار، والمبالغة في الإنكار للبعث، أو لا يذكر أو لا يتنبه أو لا يعلم أو لا يتذكر أو لا يتفكر، تأمل وتفكر خلق الإنسان من عدم من عدم صرف، فهل الإعادة أسهل أم الابتداء من عدم صرف؟ فمن قدر على الابتداء من العدم قدر على الإعادة، فإعادة المادة إلى أصلها أيسر من خلق الشيء من غير مادة أصلا‫.‬‬‬‬‬
فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَـٰطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّۭا ﴿68﴾ ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيًّۭا ﴿69﴾
أقسم بنفسه (عز وجل) وأقسم باسمه مضافا إلى نبيِّه (فَوَرَبِّكَ) لرفعة شأن رسوله (صلى الله عليه وسلم) (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ) لنجمعنهم (وَٱلشَّيَـٰطِينَ) هنا قولان، ولابد من الانتباه، الكلام عن الناس جمعيا‫:‬ مؤمنهم، وكافرهم، إذاً فهم محشورون، والجن محشور، مسلمهم، وكافرهم، والشياطين كذلك، أو الكلام عن الكفار، والإشارة للقائل أئذا ما مت لسوف أُخرج حيا، لمثل من كان على هذا الاعتقاد، يحشر كل كافر مع شيطانه، وقرينه في سلسلة واحدة، فوربك لنحشرنهم والشياطين مقرنين، إن كان الكلام عن الكفار، وإن كان الكلام عن الناس جمعيا فالناس محشورون، والشياطين محشورة، وهكذا (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّۭا) قريبا منها، أو محيطين بها، أو هي محيطة بهم، أو حول بمعنى فيها (جِثِيًّۭا) جمع جاث، جاثي وجثا يجثوا جثوا، وجُثياً: برك على ركبه من هول الموقف من الخوف والرعب، إن كان الكلام عن الناس جمعيا، فقد جاء في القرآن في سورة الجاثية (وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍۢ جَاثِيَةًۭ ۚ) [سورة الجاثية آية‫:‬ ٢٨]، فهُم باركون على الركب، قال بعضهم‫:‬ (جِثِيًّۭا) هنا أي مجموعون من كلمة جثوة، جمع جِثوة، وكلمة جَثوة، وجُثوة‫:‬ الحجارة المجموعة، ولكل فريق حجة، فالذي قال‫:‬(جِثِيًّۭا) بمعنى الجمع، قال هم في الموقف أصلا (وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍۢ جَاثِيَةًۭ ۚ ) [سورة الجاثية آية‫:‬ ٢٨]، فكيف ينتقلون من هذه الحال إلى جهنم، وحول جهنم، وهم جاثون، هل يُحملون؟ هل يسحبون على الركب؟ هل يقومون، ثم إذا أطلعوا على جهنم من هول المطلع سقطوا على ركبهم جميعا، ثم إذا كان الكلام عن الناس جمعيا مسلمهم، ومؤمنهم، وكافرهم، كيف يحضر المؤمن جاثيا على ركبه في جهنم، أو حول جهنم، وربنا يقول (إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١٠١]، فقيل له (عَنْهَا) أي عن عذابها، لكنهم يرونها (ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيًّۭا)عتا يعتو عِتياً، وعُتُواً: استكبر، وجاوز الحد، والآية تحتمل إن كان الكلام عن الخلْق مؤمنهم، وكافرهم (ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ) الشيعة‫:‬ الجماعة من الناس المتعاونون على أمر من الأمور، فلان شايع فلان‫:‬ اجتمع معه، واتفق معه على أمر من الأمور ننزعن من كل شيعة، من كل جماعة (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيًّۭا) فالآية تفيد بأن الله (تبارك وتعالى) يعفو عن كثير من أهل العصيان، وينزع المتجاوزون للحد (لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ) من كل جماعة، أهل الخمر، وأهل الزنا، وأهل الكبائر، وأهل، وأهل (أَيُّهُمْ أَشَدُّ) أكثرهم فجوراً، أكثرهم عصيانا، أكثرهم تجاوزاً للحد، أما المقتصدون فقد يعفو الله عنهم، إن كان الجمع للجميع، وإن كان الكلام عن الكفار فقط (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ) هؤلاء الذين قالوا، وحكى عنهم (أَءذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) إن كان الكلام عن الكفار فقط، إذاً فمن ينزع من كل شيعة، هم رؤساء الضلال، ليضاعف لهم العذاب، فهم المقذوف بهم في النار أولاً، ثم يقذف بعد ذلك بالأتباع‫.‬‬‬‬
ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّۭا ﴿70﴾
صَلِي، كرَضِىَ صَلِي النار، صَلِي بها صِلِياً، وصُلِيِّاً، وصِلاَءً: دخلها، وقاس حرها، واحترق بها، وأصلاه النار، وصلاّه النار‫: ذاق، وأذاق عذاب الإحراق، وصَلِي اللحم‫: شواه (ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّۭا) أي الذين هم أحق بالإحراق، وأحق بالتعذيب، وأحق بالشواء في جهنم، أو الذين هم أوْلى بالعذاب، أو عذاب النار أوْلى بهم‫.
وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًۭا مَّقْضِيًّۭا ﴿71﴾ ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّۭا ﴿72﴾
‫(وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ) (وإن منهم إلا واردها) قراءة أخرى، وهنا لابد وأن يختلف العلماء عن معنى الورود، من قال‫:‬ إن الآية في جميع الخلائق مؤمنهم، وكافرهم، بعضهم قال حول جهنم (في جهنم)، والورود الدخول، لكن المؤمن إذا دخل جهنم وردها تحقيقا للوعد، تكون عليه برداً وسلاما، كما كانت على إبراهيم، وأما الكافر فيقاسي حرها، ثم يخرج المؤمن منها لم يصب بشيء (ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟) ننجيهم بالإخراج، يخرجون من جهنم، لم تؤثر فيهم، فقد كانت عليهم برداً وسلاماً، ومن قائل‫:‬ (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ) الاطلاع والإشراف عليها فقط؛ إذ جُمع الخلائق حول جهنم مؤمن، وكافر، أما المؤمن إذا رآها أحس بفضل الله عليه، وأما الكافر إذا رآها تملكه الرعب، وهول المطلع، فإذا انصرف المؤمنون من حولها إلى الجنة، عرفوا قدر فضل الله عليهم، وكان ذلك نكاية في الكفار، ونكاية بهم، والورود هو الإشراف عليها، وليس الدخول، واستندوا في ذلك لقول الله (عز وجل) حكاية عن موسى (وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ) [سورة القصص آية‫:‬ ٢٣]، لم يدخل الماء، لكنه أشرف عليه، واطلّع، إذاً فالورود لا يعني الدخول، إنما الاطلاع، والإشراف، قال بعضهم‫:‬ أبداً، لا اطلاع، ولا إشراف مطلقا في يوم القيامة، وإنما الاطلاع والإشراف في القبر فقط، أما في يوم القيامة فالأمن، والأمان، والسلم، والسلام، والحشر تحت العرش، وعن يمين الرحمن، فإذا مات ابن آدم، ودُفن عرض عليه في قبره مقعده من النار، ومقعده من الجنة، هذا العرض، هو الورود، ولا ورود في يوم القيامة مطلقا، وقال آخرون‫:‬ بل الورود‫:‬ الجوز على الصراط، وذاك ثابت بحديث لرسول الله ( إِنَّ الصِّرَاطَ بَيْنَ أَظْهُرِ جَهَنَّمَ ، دَحْضٌ مَزِلَّةٌ ، وَالأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِ يَقُولُونَ : رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ ، وَالنَّاسُ عَلَيْهِ كَالْبَرْقِ ، وَكَطَرْفَةِ الْعَيْنِ ، وَكَأْجَاوِدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ ، وَشَدًّا عَلَى الأَقْدَامِ ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ ، وَمَطْرُوحٌ فِيهَا ، وَلَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ) فالمرور على الصراط هو الورود، والمرور بقدر الأعمال، وقيل‫:‬ إن المؤمن حين يجوز على الصراط تستصرخ النار، وتقول :جُز جز يا مؤمن، أي مر فقد أطفأ نورك لهبي، فيمر سالما سليما معافى (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًۭا مَّقْضِيًّۭا) الحتم‫:‬ لازم الحصول، الحتم‫:‬ اللازم في الحصول الواجب، أوجب الله على نفسه هذا الأمر، وهذا الوعد (مَّقْضِيًّۭا) قضى به من الأزل، فهذا الورود قضى الله به من الأزل، وأوجب تحقيقه على نفسه (ثُمَّ نُنَجِّى) (ثم نُنْجِي) قراءة (ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّۭا) إن كان الورود دخولاً، فالنجاة هي الخروج سالمين، وقد رأوا جهنم، وكانت عليهم برداً وسلاماً، وإن كان الورود الحشر حولها، والكل جاثٍ على ركبه، فالنجاة أن يساقوا إلى الجنة (وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٣]، وإن كان الورود الاطلاع في القبر، فالنجاة في يوم القيامة بالسلامة، والأمن إذا فزع الناس، والاطمئنان إذا خاف الناس، وإن كان الورود الجوز على الصراط، فالنجاة بألا تمسه النار أبداً (وَّنَذَرُ) نترك (ٱلظَّـٰلِمِينَ) المشركين، والكافرين، ومن استحقوا العذاب (فِيهَا جِثِيًّۭا) باركين على الركب كما كانوا حولها، أو(جِثِيًّۭا) بمعنى الجمع كما قال بعضهم (ثُمَّ نُنَجِّى) وقرأت (ثَمَّ ننجي) أي هناك‫.‬‬
‫فإنّ آيات القرآن تحمل في طياتها الصدق كله، وما يسمعها منصف إلا يؤمن بأنها الحق، وبأنها كلام الحق، ومع ذلك كان الكفار يتعامون عنها، ويصمون آذنهم عنها، ومنهم من يقول‫:‬ (لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ) [سورة فصلت آية‫:‬ ٢٦]، كما حكى القرآن عنهم، ومنهم من يقول كما قال القرآن (لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَلَا بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ) [سورة سبأ آية‫:‬ ٣١]، عناد، وهنا يبيّن ربنا تبارك وتعالى سفاهتهم، وقصر نظرهم، وجهالتهم، فيقول عز من قائل‫:‬‬‬‬
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌۭ مَّقَامًۭا وَأَحْسَنُ نَدِيًّۭا ﴿73﴾
‫(وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ) واضحات، مرتلات، واضحات الإعجاز، إذا تتلى عليهم آياتنا بينات لا تتم المناقشة في الآية أو لا يكون الحوار في معناها، أو لا يكون السؤال عنها، وإنما تُفحمهم الآيات، ويلجمهم الإعجاز، فيهربون إلى الدنيا، وعلم الدنيا، ومظاهر الدنيا، فيقول الكافر للمسلم، أي الناس أفضل في الثياب، وأنظف، وأنضر، وأغنى، وأحسن، وأزهى، وأكثر عزوة، وأتباع، وكأنهم اعتبروا أن التوسعة عليهم في الدنيا، والغنى والجاه معيارا لرضا الله، وحب الله، ولو تأملوا قليلا من التأمل لوجدوا أن في المسلمين من كان غنيا، وفي الكفار من كان فقيرا، فهي ليست علامة، أو دليل، أو ليست ظاهرة مطلقة، كل كافر يغنيه الله، وكل مسلم يفقره الله، والناس ليسوا أمة واحدة في هذا الشأن، بل جعلهم الله مختلفين، هاهم يهربون من إعجاز الآيات، من إلجامهم وإلزامهم الحجة إلى الدنيا (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟) في شأنهم، إما الحوار متصل، وإما الكلام عنهم، أي الفريقين‫:‬ أي المؤمن، والكافر، خيرٌ مقاما، نزلاً، وسكنا، أو مكانا، ومكانة (وَأَحْسَنُ نَدِيًّۭا) النديّ، والندوة، والنادي، والمنتدى‫:‬ المكان الذي يجتمع الناس فيه، ويجلسون، ينتدون، فإن تفرقوا، فليس بنادي، الكفار في مجالسهم، الرياش، والأثاث، والفخامة، والخدم، والعبيد، والخمور، والقيان، والحرس، وما إلى ذلك، والفقير لا يجد كل ذلك، كما أن المسلمين من الصحابة في بدء الإسلام، كانوا من العبيد، ومن الفقراء، وكان الرجل منهم رث الثياب، وهكذا فهم يقارنون بين المؤمن، وبين الكافر في المظهر الدنيوي، قصر نظر، سفاهة، وتفاهة وجهالة لا ينظرون في الآيات، لا ينظرون في الموضوع، وإنما ينظرون في المظاهر البعيدة كل البعد عن الدين، والشرع، وما يتلى عليهم ، (أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌۭ مَّقَامًۭا وَأَحْسَنُ نَدِيًّۭا) واسمع الحجة واسمع الرد‫.‬‬‬‬‬‬‬
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَـٰثًۭا وَرِءْيًۭا ﴿74﴾
إذا كانت المسألة مسألة البَسْط في الدنيا، والمال، والجاه، أين القرون الماضية، والقرن‫:‬ أهل زمان سبعون، أو ثمانون، أو مائة سنة، لكنه سمي قرنا؛ لأنه يتقدم الزمان التالي، كما يتقدم قرن الكبش جسمه (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ) المهلكون (أَحْسَنُ أَثَـٰثًۭا) الأثاث‫:‬ متاع المنزل، الفراش، وكل ما يقتنيه الإنسان في بيته، وفي قصره من أثاث، ومن فخامة، ومن، ومن (وَرِءْيًۭا) من الرؤيا، أي منظرا، وقرأت (ورِياً) بإدغام الهمز بعد قلبها، من الرِيّ، والتنعم، وطراوة الجلد، وقرأت (وزِيّاً) ملبسا، ومظهرا، تأمل، وانظر هل نفعهم مالهم؟ هل نفعهم زيهم؟ هل نفعهم منظرهم؟ ماتوا، وأهلكوا، وأصبحوا في الأرض، وأصبحوا ترابا يداس بالأقدام‫.‬‬‬‬‬‬‬
قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلْعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضْعَفُ جُندًۭا ﴿75﴾
الآية تهديد، ووعيد بالغ من حيث الصياغة، واللفظ لفظ الأمر (فَلْيَمْدُدْ) اللفظ لفظ الأمر، والمعنى الخبر، كأن المراد بيانه أن من حق هؤلاء، وما يجب أن يملي لهم الله لاستدراجهم، ولقطع معذرتهم، فمن هنا قال العلماء‫:‬ الآية غاية في شدة التهديد، والوعيد؛ لأن لفظ الآية لفظ الأمر، والمعنى الخبر، ومعنى الأمر أن ذلك لابد، وأن يحدث، لابد وأن ينفذ، فكأن الله (تبارك وتعالى) أمر بذلك؛ إذ يجب أن يُمد لهم لقطع معاذيرهم (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٣٧]، تقطع المعاذير، ويستدرج بالأمن، وبالمال، وبالجاه، بالزي الفاخر، وبالأولاد استدراج، فيحب الدنيا، فيطمئن إليها، وفجأة يجد نفسه بين يدي الله، (قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ) حتى نهاية الغاية، نهاية الإملاء، والإمداد (حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ) ما وعدهم الله به، وأعده لهم (إِمَّا ٱلْعَذَابَ) في الدنيا بالقتل، والأسر، والبلاء (وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ) حينئذ (مَنْ هُوَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضْعَفُ جُندًۭا) في الفريقين، الذي أشاروا إليهم، أي الفريقين خير مقاما، وأحسن نديا تهديد، ووعيد شديد لمن يعقل، لكن من كان في الضلالة، من يهديه؟ بل يمد له في الضلالة، فإن كان الضلال يستدرجون، ويمد لهم في الضلالة، وتقطع معاذيرهم بطول العمر، وما إلى ذلك، فكيف بالمهتدين، الطائعين، الذين دخلوا في الإسلام مختارين‫.‬‬‬‬‬‬‬
وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْا۟ هُدًۭى ۗ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌۭ مَّرَدًّا ﴿76﴾
فكما يملى لهؤلاء الكفار، ويمد لهم مداً، ويستدرجهم، فالمهتدون من الناس ربنا (تبارك وتعالى) يزيدهم من ثواب الآخرة، من خزائن المخزون عنده، من الرضا، والرضوان، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى بالتوفيق إلى الطاعة، بالتوفيق إلى الأعمال الصالحة، بالقناعة، أن يقتنع بما قسم الله له، ولا يتشوّق إلى الدنيا، ولا يتطلع إليها (وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌۭ مَّرَدًّا) قَرَنَ ما يفتخرون به من أموال، وجاه، وخدم، وحشم، وزي، وأثاث، كل ذلك فانى بالباقي (وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ) الأدوم، والأبقى، والباقيات الصالحات فيها آراء، قلناها في كلامنا في سورة الكهف، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، التسبيح، وختم الصلاة، الصلوات الخمس، الأعمال الصالحة عموما أقوال، الباقيات الصالحات، ما يبقى للمسلم من عمل طيب أيا كان العمل، تسبيح، أو ذكر، أو نصح، أو كلمة طيبة، أو صدقة، أو زكاة، أو صلاة، أو صيام، كل عمل يبتغى به وجه الله باق، لا يضيع (خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًۭا) الإثابة كالإعادة عليهم بالنفع، وبالجزاء، وبما وعده الله لهم (وَخَيْرٌۭ مَّرَدًّا) أي رجوعا، أو يرد عليهم عملهم الصالح بأكبر مما كانوا يتوقعون من أجر وثواب، فقد آمن بالنبي (صلى الله عليه وسلم) فقراء أهل مكة، وعبيدها، وسورة مريم تحدثنا عن استهزاء الكفار بهم، وقد بلغ من استهزاء الكفار بفقراء المؤمنين، أن حدث أن كان من المسلمين الأوائل رجل، وأي رجل! خباب، ويحكي خباب، فيقول‫:‬ كنت قيْناً، والقيْن‫:‬ الحداد، والصائغ، فعملت عملاً للعاص بن وائل أحد صناديد مكة، ذهبت أتقاضاه، يطلب أجره، فقال‫:‬ اكفر بمحمد، وأنا أعطيك أجرك، فقال‫:‬ لا والله، لا أكفر بمحمد أبداً، حتى تموت، ثم تُبعث، فقال العاص بن وائل‫:‬ أو إني لميت، ثم مبعوث! قال‫:‬ نعم، قال‫:‬ إذاً إن بعثت سيكون لي مال، وولد، فتعالى أقضيك، منتهى السخرية، والاستهزاء، ونزل القرآن يعجّب النبي من مقولة الكافر، ويأمره بإخبار المؤمنين، وإخبار من يعقل عن ذاك، فيقول عز من قائل‫:‬‬‬‬‬
أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًۭا وَوَلَدًا ﴿77﴾ أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًۭا ﴿78﴾ كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّۭا ﴿79﴾ وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًۭا ﴿80﴾
لما كان الإخبار له سند، سمعت، علمت، رأيت، كان أقوى سند في الإخبار الرؤية، من هنا يقول الله (تبارك وتعالى) (أَفَرَءَيْتَ) والاستفهام للتعجيب (أَفَرَءَيْتَ) بمعنى الإخبار أي أخبر بهذا الكافر (ٱلَّذِى كَفَرَ) بآياتنا، (وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًۭا وَوَلَدًا) متيقن، يتكلم تكلّم الواثق (أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ) سؤال، واستفهام، والألف للاستفهام (أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًۭا) فلكي يقرر ذلك، لابد وأن يكون عن علم، والعلم بذلك لا يكون إلا عن طريقين‫:‬ إما أنه أطلع على الغيب بنفسه، وإما أنه اتخذ وعد من الله بذلك، فهل حدث شيء من ذلك؟ الغيب ما غاب عن الحواس، الغيب لا يعلمه إلا الله، فهل بلغ من عظم شأنه أن وصل إلى علم الغيب فاطّلع عليه، أم اتخذ من الله وعداً بأن يؤتيه مالاً، بأن يؤتيه مالاً وولداً؟ (أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًۭا) أو وعداً، والعهد عموما قد يكون العمل الصالح، وشهادة التوحيد؛ لأن شهادة التوحيد، والعمل الصالح، وعد الله عليها بالجنة، فكأن من وحد الله، وعمل صالحا، أخذ وعداً من الله بالجنة (كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّۭا) (كَلَّا ۚ) لأول مرة تُسمع في القرآن، لم ترد الكلمة في النصف الأول من القرآن، وها هي تأتي الكلمة لأول مرة في النصف الثاني من القرآن، ثم تكررت بعد ذلك كلمة (كَلَّا ۚ) قال فيها علماء النحو كلاماً، ملخص الكلام، ومجموعه، وأصحه أن (كَلَّا ۚ) تأتي على أربعة وجوه، على أربعة معان‫:‬‬
‫كلا‫:‬ بمعنى حقا، تأتي لتحقيق ما بعدها من كلام، وهنا لابد من وصلها بما بعدها من كلام، ولا يوقف عليها مثل (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿۵﴾) [سورة النبأ آية‫:‬ ٤ : ٥]، فلا يصح الوقف بعد كلا‫.‬‬
‫تأتي كلا‫:‬ للنفي، لرد كلام سبق، ولنفي كلام سبق، هنا يمكن الوقف عليها مثل (وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنۢبٌۭ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴿١٤﴾ قَالَ كَلَّا ۖ) [سورة الشعراء آية‫:‬ ١٤ : ١٥] نفي لما سبق، أي لن يحدث، ولن يقتلوك (فَٱذْهَبَا بِـَٔايَـٰتِنَآ ۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ ﴿١۵﴾) [سورة الشعراء آية‫:‬ ١٥]، وكما جاء هنا (كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ) وتأتي كلا على معنى ثالث، وهو التنبيه على ما بعدها من كلام، كقوله (عز وجل) (كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ (٦)) [سورة العلق آية‫:‬ ٦]، فلا يصح الوقف على كلمة كلا، وتأتي كلمة كلا صلة للقسم، ولا يصح الوقف عليها مطلقا كقوله‫:‬ (كَلَّا وَٱلْقَمَرِ (٣٢)) [سورة المدثر آية‫:‬ ٣٢]، ذاك أربع وجوه لكلمة كلا، رغم أن بعض علماء اللغة، قال‫:‬ لا يوقف على كلا في القرآن كله، هذا هو مجمل ما قيل، وأصح ما قيل في كلمة كلا، وقد تحتمل كلمة كلا معنيين‫:‬ معنى:حقا، ومعنى (لا)، هنا على سبيل المثال (أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًۭا وَوَلَدًا ﴿۷۷﴾ أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًۭا ﴿۷۸﴾ كَلَّا ۚ) رد، وزجر، ونفي لما ادعاه، (سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّۭا) فإذا احتملت المعنيين جاز الوقف عليها، وجاز الوصل بما بعدها من كلام، وهذه المواضع في القرآن تعرف بالحس القرآني؛ لأنها تحتمل وجوه، أن يرجح وجه على وجه، فذاك لعلماء القرآن، أهل الحس القرآني، الذين رسموا علامات الوقف؛ ولذا تجد في مصحفنا على قراءة حفص، بعد كلمة كلا، حرف جيم، أي جائز الوقف، فإن وصلت فبمعنى (حقا)، وإن وقفت فبمعنى الردع، والزجر، لنفي كلام سابق (كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ) من المعلوم أن الكتابة لا تتقدم عن الكلام، ولا تتأخر عنه لقوله (عز وجل) (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ (١٨)) [سورة ق آية‫:‬ ١٨]، هنا يقول (سَنَكْتُبُ) فهل الكتابة تتم بعد القول؟ أبداً، بمعنى سنعاقبه على قوله عقوبة، المجرم الذي كُتبت عليه جريمته، أو سيعلم، وسينظر، وسيرى، أنا كتبنا ما تكلم به (وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّۭا) المد غالبا ما يستخدم في الشر، والإمداد غالبا ما يستخدم في المحبوب، أمده بما يحب، مدّه بما يكره (يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَـٰثَةِ ءَالَـٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ (١٢٤)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٢٤]، (وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّۭا) أكّد التهديد بالمصدر (مَدًّۭا) لبيان عظم غضبه عليه، أي نطول له من العذاب، ونضيف من صنوف العذاب ما يلاقيه، ويتجرعه يوم القيامة (وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ) نهلكه، ولا يبقى معه مال، ولا ولد، إما الآية للتهديد في الدنيا، بنزع ماله، وموت ولده، وإما الآية بيان بأنه ميت لا محالة، وربنا الوارث، يرث ماله، ويرث ولده، والولد والوُلد والوِلد لغات بمعنى واحد، وقرأت (وَلدا ووُلداً) في أربع مواضع في هذه السورة أولها (وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًۭا وَوَلَدًا) (مالاً ووُلداً) أو كعرب وعرب، وعدم وعُدم، وعَجم وعُجم لغتان بمعنى واحد، أو الوُلد جمع الوَلد، أُسد جمع أَسد، ومعنى الآية، إما نحرمه من المال والولد في الآخرة، وإما نهلكه في الدنيا، ونرث ماله وولده، ويرثه آخرون بأمر الله، أو التهديد بنزع المال، والولد منه في الدنيا (وَيَأْتِينَا فَرْدًۭا) يوم القيامة بلا معين، ولا نصير، بلا مال، ولا ولد‫.
وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةًۭ لِّيَكُونُوا۟ لَهُمْ عِزًّۭا ﴿81﴾ كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴿82﴾
والكلام عن مشركي مكة، بعد الكلام عن هذا الكافر، الذي تألى على الله، واستهزأ بخباب، وسخر من البعث، تأتي الحكاية عن جرم شنيع، وكلام فظيع (وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةًۭ لِّيَكُونُوا۟ لَهُمْ عِزًّۭا) اتخذوا الأصنام، وعبدوها، وقالوا‫:‬ إنها تقربهم من الله زلفى، وتكون لهم الآلهة عزا، أي ناصر، ومعين، ينالوا بها العز يوم القيامة، وينجون بشفاعتهم من عذاب الله‬
‫(كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ) (كَلَّا ۚ) بمعنى لا، نفي لكلام سابق، نفي لما ادعوه أن الأصنام تكون لهم يوم القيامة عزاً، أو (كَلَّا ۚ) بمعنى (حقا) سيكفرون بعبادتهم حسب الوقف، والأفضل في الموضعين الموضع الأول (كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ) والموضع الثاني (كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ) والأرجح أنها رد وزجر، ونفي لما سبقها من ادعاء (سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ) من هم؟ من المقصود بالواو هنا (سيكفرون ويكونون عليهم ضدا) الضد‫:‬ المخالف، المحارب، المضاد، (سَيَكْفُرُونَ) الأصنام تكفر بعبادة من عبدها لقوله (عز وجل) (إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ (١٦٦)) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٦٦]، ولقوله، عز وجل، (قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَكَانُوا۟ قَوْمًۢا بُورًۭا (١٨)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ١٨]، وقوله‫:‬ (إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ (٢٩)) [سورة يونس آية‫:‬ ٢٩] إذاً فالأصنام تكفر بعبادة من عبدها، وينطقها الله يوم القيامة، وتكون عليهم يوم القيامة ضداً؛ إذ توقد بها النار فيحرقون بها، تدخل الأصنام معهم النار (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَٰرِدُونَ (٩٨)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٩٨] ذاك معنى، والمعنى الآخر (سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ) أي مشركو مكة حين يُبعثون يوم القيامة، ويسألون عن عبادتهم للأصنام يكفرون بتلك العبادة، بل يقولون (ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿٢۳﴾ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿٢٤﴾) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٢٣ : ٢٤] (سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ) إذاً فهم يكفرون بعبادتهم، ويقولون لله (عز وجل) ما عبدنا من دونك من شيء، وما كنا مشركين، ويصبحون ضد هذه الأصنام، وتأتي آية فيها الخطاب للنبي للتعجيب:
أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّۭا ﴿83﴾
ما يقوله الكافر كالعاص بن وائل (أُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا) وما يقوله مشركو مكة إنكارهم للبعث، جرمهم، عصيانهم، فسوقهم، إصرارهم على الكفر، إلى آخر الجرائم، وكيف يتطاولون، ويستمرئون، هل ذاك بسبب أن الله سخّر لهم شياطين تحركهم، وتهيجهم وتوسوس لهم (أَرْسَلْنَا) سخرنا مصداقا لقوله‫:‬ (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ) [سورة فصلت آية‫:‬ ٢٥]، جعلنا القرناء والشياطين محيطين بهم، إحاطة القيض بالبيض، هل هناك منقذ؟ (أَرْسَلْنَا) أو خلّينا بينهم وبين الشياطين، ولم نعصمهم، والمؤمن والمسلم يُعصم (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ) [سورة الحجر آية‫:‬ ٤٢] والمسلم يعصمه الله من أن يقع في كبيرة لا تغتفر، قد يقع في بعض المعاصي، والصغائر، وتغفر له بالاستغفار، واجتناب الكبائر، إذاً فالمؤمن معصوم بعصمة الله له، أما الكافر فيخلّي ربنا بينه وبين شيطانه، أرسلنا عليهم الشياطين، خلّينا بينهم كقولك‫:‬ أرسلت الناقة تركتها ترتع (أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّۭا) تهيجهم، والأزيز في الأصل أز القدر أزاً، وأزيراً: اشتد غليانه، إذا وضعت الماء في القدر على النار، واشتد غليانه يكون له صوت، صوت الغليان، والفوران، يقال فيه أز القِدْر، أزاً وأزيراً، من هنا الكلمة تعني التهييج، والتحريك، فكأن الشياطين خلّى بينهم ربنا وبين الكفار، تحركهم، وتهيجيهم، وتوسوس لهم‫.
فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّۭا ﴿84﴾
لا تعجل يا محمد على إهلاكهم، والخطاب له، وللمؤمنين؛ لأن المؤمنين كانوا يقولون يا رسول الله إلى متى؟ وإلى متى؟ إلى آخر ما ورد في السيرة، لا تعجل عليهم أي لا تعجل عذابهم، أو النصر عليهم (إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّۭا) نعد أنفاسهم، وحركاتهم، فما هي إلا أنفاس معدودة في أماكن محدودة، ومن عُدت أنفاسه كان ميتا لا محالة، وكل نفس يخرج منك ينقص من عمرك (نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّۭا) تؤكد العد، عدد الأنفاس، عدد الحركات، إذاً فقد قربت النهاية، فطالما تم العد، فكل معدود لابد وأن ينتهي عده‫.‬‬‬‬‬
يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْدًۭا ﴿85﴾ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًۭا ﴿86﴾ لَّا يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًۭا ﴿87﴾
الوفد جمع وافد، وهم اسم للوافدين، وإن كان جاء بلفظ المصدر، وَفَد يَفِدْ وَفُداً، ووفودا، إذا المتقون يوم القيامة يحشرون إلى الله (عز وجل) والكلام فيه اختصار بالحذف (نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ) والرحمن (عز وجل) منزه عن المكان، فالمعنى إلى رضوانه إلى جنته، وكرامته، إلى جنة الرحمن كقوله‫:‬ ( وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الل) أي ابتغاء مرضاة الله وقوله (عز وجل) في كتابه العزيز (وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ (٩٩)) [سورة الصافات آية‫:‬ ٩٩]، كيف يحشر المتقون وفدا؟ قالوا‫:‬ الوفد دائما يقدم على الملوك، والوافدون على الملوك يفدون للتكريم، والإعزاز، والبشارة، فهم المبشرون لمن وراءهم بإكرام الملك، وبفضله، والوفود يساقون ركبانا، وليسوا مشاة، من هنا قيل‫:‬ إن المتقين يوم القيامة في يوم الحشر لا يمشون على أقدامهم، بل يحشرون وهم ركبانا (وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًۭا) الوِرد جمع وارد، والذين يردون الماء يردونه لعطش، فإنما يورد الماء من أجل العطش، أي يساق المجرمين إلى جهنم عطاشا، وجاء بكلمة (وِرْدًۭا) للدلالة على أنهم يساقون سوْق البهائم إلى جهنم، وهم عطاش (لَّا يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًۭا) من هم الذين لا يملكون الشفاعة، والقرآن حمال وجوه كما قلنا من قبل، إذا الكلام متصلا فالكلام عن المجرمين لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا، وهل هناك عهد بالشفاعة للمجرمين، أي الكفار، فإن كان الكلام متصلا (وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًۭا ﴿۸٦﴾ لَّا يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ) بهذا الشكل، فالمعنى أن المجرمين هنا الكفار، والعصاة الذين وجبت لهم جهنم، عصاة الموحدين، أما إذا كان الكلام منفصل (وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًۭا) وانتهى الكلام (لَّا يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ) الكلام عن الخلق (إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًۭا) أي ولكن من اتخذ عند الرحمن عهدا، وهم المؤمنون، يملكون الشفاعة في غيرهم، أيضا يُشفَّع في العصاة منهم، أي من كان مسلما عاصيا، استحق النار بعصيانه، فيشفع فيه (إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًۭا) لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا من الناس، من الخلائق، وهم المؤمنون، والعهد هنا هو الوعد بالثواب على التوحيد، وعلى الطاعة، أنّى بهذا العهد، وكيف نتخذ هذا العهد عند الله، ما من أحد منا إلا ويريد أن يكون من هؤلاء الذين اتخذوا عند الرحمن عهدا، واسمع واحفظ، فإن حفظت، وقلت ما حفظت صباحا ومساءً، كتبت لك العهد (مَنْ قَالَ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، إِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي، تُقَرِّبْنِي مِنَ الشَّرِّ، وَتُبَاعِدْنِي مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ، فَاجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا، تُوَفِّينِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، إِلَّا قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِنَّ عَبْدِي قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا، فَأَوْفُوهُ إِيَّاهُ، فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ) فتتحدث الآيات عن أعظم جرم ارتكبه بعض بني آدم، يقول الله (عز وجل):‬‬
وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَدًۭا ﴿88﴾ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـًٔا إِدًّۭا ﴿89﴾ تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلْأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدًّا ﴿90﴾ أَن دَعَوْا۟ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدًۭا ﴿91﴾ وَمَا يَنۢبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴿92﴾
زعم اليهود أن عزير ابن الله، وزعمت النصارى أن المسيح ابن الله، وزعم مشركو مكة أن الملائكة بنات الله، يحكي القرآن عن هؤلاء (وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَدًۭا) والغريب، والملاحظ ورود كلمة (ٱلرَّحْمَـٰنُ) في هذا السياق، كأن الكلمة، وإيراد صفة الرحمانية بالذات في هذا السياق، والمضمار، ليدلل وينبه على أن ما عداه، إما نعمة، وإما منعم عليه، وكيف تسوّى النعمة بالمنعم، وكيف يسوّى الآخذ بالعاطي، هو الرحمن، إذاً فكلمة الرحمن تشعر بأن الوجود من رحمته، ومحتاج إلى رحمته، فما في الوجود إلا نعمة أو منعم عليه والله( تبارك وتعالى) مبدأ النعم، وأصل النعم، فكيف يتخذ ولداً، والولد لابد له من الجنسية، والمماثلة، والولد من والد، ولا بد أن يكون الوالد من والد، فكيف يتخذ الرحمن ولدا؟!! تأمل، وانظر (لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـًٔا إِدًّۭا) (أدا) قراءة، الإد، والإدة‫:‬ الداهية العظيمة، الأمر الفظيع، آده الأمر أثقله، أده الأمر العظيم والداهية الكبيرة، وهنا من حيث بلاغة القرآن تجد الكلام تغيّر من حيث النسق، فيه الالتفات (وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَدًۭا) فالكلام عنهم، ثم تحول الكلام إلى الالتفات لبيان شدة الغضب، ولبيان فظاعة الجرم، وللتسجيل عليهم بالجراءة على الله (عز وجل) (لَّقَدْ جِئْتُمْ) التفت الكلام لهم بعد أن كان الكلام عنهم (تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ) (يكاد) قراءة، (ينفطرن منه) قراءة أخرى، (يَتَفَطَّرْنَ): يتشققن، تشقق بعد تشقق، يتفطرن من هذا الكلام (وَتَنشَقُّ ٱلْأَرْضُ) تتشقق الأرض بمن عليها (وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدًّا) إما مصدر، أي تُهدّ هداً، وإما حال، أي تخّرّ الجبال مهدودة على حسب النحو، أو حسب ما يقوله علماء اللغة، لكن الحس القرآني دائما وأبداً ما يتدخل لترجيح قول عن قول، الحس القرآني هو الفهم للقرآن، والمعايشة له، والحفظ، والمهارة في حفظه، ذاك هو الحس القرآني، أو بعض ما يميز الحس القرآني، والمعنى لو تصورنا أن الكلمة (وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَدًۭا) لو تصورناه مجسدة، فنزلت على هذه الأجرام العظيمة لدكتها دكاً، لو تصورنا هنا تصور محسوس، كحجرة مثلا أو كصخرة، ونزلت على السموات لانهدت السموات السبع من ثقل الكلمة، وانهدت الجبال هداً، أو المعنى‫:‬ لولا حلم الله، لولا حلم الحليم، لهُدَّ الوجود كله، وأزال دعائمه، وهدّ قوائمه، من شدة غضبه من هذه الكلمة، (لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـًٔا إِدًّۭا ﴿۸۹﴾ تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ) من غضب الله (عز وجل) لو غضب على هذا الكلام، لولا الحلم لانهدت السموات والأرض، والجبال (أَن دَعَوْا۟ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدًۭا) لئن دعَوْا، أو أن دعَوْا، واختلف النحاة في (أَن) بنزع الخافض، أو بتقدير الخافض إلى آخر كلام النحاة فيها، لكن المعنى يحدث ذلك، تنفطر السموات، وتنهد الجبال، وتنشق الأرض، وينهدم الوجود كله بسبب هذه الكلمة، أو من أجل قولهم هذه الكلمة (وَمَا يَنۢبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا) لا يجوز، ولا يصح، ولا يمكن، ذاك أمر مستحيل، لم الولد؟ ولم يحتاج الوالد إلى الولد؟ يعينه في الكبر، هل يُعان ربنا؟ وهل يكبر ربنا، وهو الكبير أزلاً، وأبداً، وهل يعجز؟ وكيف يكون الولد إلا بزوجة؟ كيف يكون الولد إلا بالمثلية، والتشابه؟ هل له شبيه؟ هل له نظير؟ ليس كمثله شيء، وكيف يكون الولد ممن لا والد له، فالولد من والد، والوالد من والد، وربنا هو الأول والآخر لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا‫.‬‬‬‬
إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّآ ءَاتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْدًۭا ﴿93﴾
‫(إِن)هنا نافية بمعنى ما كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا، والعبودية تتنافي مع البنوة، العبودية مِلْك، هل تملك ابنك؟ هو ابنك، شبيهك، سرّك، فالولد سر أبيه، هو نظيرك، البنوة شيء، والعبودية شيء آخر، ملك، فإذا كان كل ما في السموات والأرض عبد لله، فكيف يتخذ من العبيد ابنا له، أترضون ذلك لأنفسكم؟! أنتم يا مشركي مكة، أنتم أيها اليهود الذين زعمتم، وأنتم أيها النصارى الذين زعمتم، هل يرضى أحدكم أن يتخذ ابنه عبداً، أو أن يتخذ عبده ابنا له؟! كيف، وكل ما في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا‫.‬‬‬‬‬
لَّقَدْ أَحْصَىٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّۭا ﴿94﴾ وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْدًا ﴿95﴾
لن يفلت منه أحد أبدا، مالك، محيط، محصي، أحصاهم وعدهم عدا، وكلهم آتيه منفردا لا أحد معه مال، ولا ولد، ولا جاه، ولا سلطان، وهنا يرتعد الإنسان من هول، وفظاعة كلمة المشركين، وادعائهم للرحمن ولداً، (دعا) بمعنى سمّى، (ودعا) بمعنى نسب، سمُّوا له ولدا، ادّعوا له الولد، يرتعد الإنسان من هول، وفظاعة الكلمة، ويتعجب من حلم الحليم (عز وجل) حلم لا يمكن أن يصل إلى كنهه العقل، ما هذا الحلم؟!! حلم فوق التصور، وفي نفس الوقت يرتعد الإنسان من كلمة (وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْدًا) والفردية وُحشة، والإنسان يستوحش من الانفراد، وهنا مع استمرار التلاوة يتنفس المسلم الصعداء، ويستريح، ويطمئن حيث يقول المولى (عز وجل):‬‬‬
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدًّۭا ﴿96﴾
ما أحلاها، وما أبردها على القلب، هنا اختلف النحاة لوجود السين، والسين تسويف، السين مستقبل، فقيل‫:‬ الكلام نزل في مكة، والمؤمنون قلة مبغوضون من أهل مكة، مكروهون من الكفار، فبشرهم ربهم بأن الإسلام سوف ينتشر، وسوف يضع ربنا المحبة في قلوب الخلائق دون أن تتعرضوا لأسبابها، هو الذي يضع المحبة لكم في قلوب الناس، مع المستقبل بعد الهجرة إلى المدينة، ونشر الإسلام، تصبح المودة في قلوب الناس طبيعية للمسلمين، فكأنها بشرى بالمستقبل، والآية مكية، من هنا جاء بالسين الود‫:‬ المودة، الحبة، الألفة، وقال بعضهم‫:‬ بل السين (سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدًّۭا) لأن الكلام عن الآخرة في يوم القيامة سيجعل لهم الرحمن وداً، حيث ينزع الغلّ من الصدور‫.‬‬
‫(وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ (٤٧)) [سورة الحجر آية‫:‬ ٤٧]‬
‫سيجعل لهم ربنا المودة يوم القيامة في قلوب المؤمنين، يود بعضهم بعضا، وينزع ما في صدورهم من غل، وتحبهم الملائكة، والكلام عن الآخرة، ويوم القيامة، إذا كان الأمر كذلك، فأين ما ورد من حديث للنبي يحدث به عن رب العزة، حيث يقول نبينا‫:‬ (إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ ، قَالَ : فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ، قَالَ : ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ ، قَالَ : فَيُحِبُّونَهُ ، قَالَ : ثُمَّ يَضَعُ اللَّهُ لَهُ الْقَبُولَ فِي الْأَرْضِ ، فَإِذَا أَبْغَضَ ، فَمِثْلُ ذَلِكَ) إذا فالمودة والود في الدنيا، والقول عن (وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ (٤٧)) [سورة الحجر آية‫:‬ ٤٧]، في الآخرة، فكيف التوفيق؟ التوفيق سهل يسير، لا يحب الله (تبارك وتعالى) إلا التقي، النقيّ، فإن أحبه في الدنيا، أحبه في الآخرة، فالمحبوب في الدنيا هو المحبوب في الآخرة، إن الذين آمنوا عملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا في الدنيا، وودا في الآخرة، بل الود متصل، الود في الدنيا بالأنس بالله، الود في الدنيا بحب خلائق الله، بحب المؤمنين، حتى الأرض تحبه، فإن مات بكت عليه، وإن مات بكت عليه السماء، وبكى عليه مكانه الذي كان يذكر فيه ربه، وإن كان في قبره فهو مؤتنس بعمله، مودود، ممدود برحمة الله، فإن بُعث بعث بالود، وبعث في الوفد، وإن خاف الناس لا يخاف، وإن حزن الناس لا يحزن، وأظلّه الله بظل عرشه، وجعله مجاورا له، وأحبته الملائكة، حتى الروح إذا خرجت من الجسد، وصعدت تُحيَّى في كل سماء، حيثما مرت بأحلى الأسماء تحيه الملائكة، بل حتى حين قبض الروح لا يخاف، ولا يرتعد، تجيئه الملائكة في أبهى صورة، بالاستئذان، بالسلام، ربك يقرئك السلام، فالسين في الآية للماضي، والحاضر والمستقبل، للاتصال، قالوا‫:‬ متصل دنيا وأخرى، فالمحبوب في الدنيا، محبوب في الآخرة‫.
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوْمًۭا لُّدًّۭا ﴿97﴾
‫(يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ) أي يسّرناه بلغتك، أو ‫(يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ) أي أنزلناه على لسانك، والباء بمعنى (على)، وحروف الجر في اللغة العربية يحل بعضها محل بعض، ‫(يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ): جعلناه سهلا لمن يتدبره، سهلا لمن أراد حفظه، سهلا لمن أراد قراءته، ميسراً لمن أراد فهمه، والعمل به، أو أنزلناه بلغتك العربية، وبلغتهم حتى يفهموا عنك، ويعقلوا عنك، تحتمل المعنيين (لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ) تبشرهم بنعيم الله، بكرامة الله، بعزة الله، لهم بإكرامه، برضوانه، بتوفيقه، بهدايته، برعايته، بعنايته، بستر معاصيهم، بغفرانه ذنوبهم، بزيادة أجورهم (وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوْمًۭا لُّدًّۭا) الُلد جمع الألد‫:‬ المخاصم، شديد الخصومة، المعاند الذي لا يرعوي، ولا يرجع إلى الحق، معاند بالباطل (قَوْمًۭا لُّدًّۭا) كفار مكة، نزلت الآيات تجعل الحجر ينطق، آيات دالّات على وجود الله، ووحدانيته، بيّنات، معجزات على كفرهم، أنذرهم يا محمد (وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوْمًۭا لُّدًّۭا) ثم يأتي التخويف، والتهديد، وإنذارهم فيقول له‫:‬‬‬‬‬‬‬
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًۢا ﴿98﴾
تهديد لهم، وفي نفس الوقت تجسير للنبي، يملك الجسارة على التهديد، والإنذار(وَكَمْ أَهْلَكْنَا) (وَكَمْ) للتكثير لا عدد له، والقرن هو القرون الماضية، الأزمان الماضية، والقرن أهل زمان سبعين، ثمانين، مائة سنة، والقرن سمي قرنا كقرن الكبش؛ لأنه يتقدم ما وراءه (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ) أحس الشيء‫:‬ علم به عن طريق الحواس، أحسّه، وأحس به‫:‬ علم به، وحس‫:‬ أبطل الحاسة (إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٥٢]، تقطعون حواسهم، تبطلونها بالقتل (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ) أو تشعر بأحد منهم، بوجوده (أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًۢا) (تُسمع) قراءة، الركز‫:‬ الصوت الخفي، ومنه ركز رمحه، أخفى سن الرمح في الأرض، ومنه الركاز المدفون، فمادة الكلمة تفيد الخفاء (أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًۢا ) يعني صوتا خفيا، بل صوتا جهيرا (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًۢا) سبحانك يا ربي ما أحلمك! وما أعظمك!.‬
‫أيها الأخ المسلم، تنتهي سورة مريم، السيدة، العظيمة، البتول، والتي اتُهمت، ومع ذلك جعلها الله (تبارك وتعالى) نبراسا، وقدوة، ومثلا للذين آمنوا في جميع القرون، والعصور، مريم ابنة عمران‫.‬‬‬‬