القرآن الكريم / سورة الكهف / التفسير المقروء

سورة الكهف

فلقاؤنا اليوم مع سورة نزلت يشيّعها سبعون ألف مَلَك، لقاؤنا اليوم مع سورة من حفظ عشر آيات من أولها عُصم من الدجال، ومن حفظها دخل الجنة، سورة الكهف سورة افتُتحت بالحمد، من بين خمس سور افتتحت بالحمد‫:‬ (الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر) سورة الكهف سورة مكية، نزلت بمكة، نزلت تجيب على أسئلة سُئلها النبي (صلى الله عليه وسلم) وتضيف إليها، فقد حاول المشركون بمكة أن يتلمسوا له عيبا من أهل الكتاب السابق، فأرسلوا وفدا إلى المدينة ليسألوا يهود المدينة عن هذا الذي يزعم أنه نبي، باعتبارهم أهل كتاب يعرفون صفات الأنبياء، وأحوال الأنبياء، فقالت يهود لوفد مشركي مكة‫:‬ سلوه عن ثلاثة أشياء‫:‬ سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم؟ وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وسلوه عن الروح، فإن أجابكم فهو نبي، وإن لم يجب فهو متقوّل، فاصنعوا به ما بدا لكم، وعاد الوفد، وكان منهم عقبة بن أبي معيط من صناديد قريش، وقد قُتل ببدر، عادوا إلى مكة واجتمعوا، وقرروا أن يسألوا النبي، وذهبوا إليه، وسألوه فقال (صلى الله عليه وسلم): (أُخْبِرْكُمْ عَمَّا سَأَلْتُمْ عَنْهُ غَدَاً)، ولم يستثنِ، ولم يقل إن شاء الله، ومكث خمس عشرة ليلة لا يوحى إليه، ولا ينزل عليه جبريل، حتى أرجف أهل مكة في شأنه، وقالوا، وقالوا، زعم أن يخبرنا غدا، وقد مضى خمس عشرة ليلة ولم يخبرنا بشيء، وحزن النبي (صلى الله عليه وسلم) حزنا شديداً، وكرب كرباً عظيما، ثم نزل جبريل، ونزلت سورة الكهف يشيعها سبعون ألف ملك، نزلت تخبر عما سُئل عنه النبي (صلى الله عليه وسلم) قصة أهل الكهف، قصة ذي القرنين، الإجابة عن الروح، وأضافت قصة موسى مع الخضر، وكأنها تُشعر يهود المدينة أن ما تعنتم في السؤال، وأوعزتم إلى أهل مكة أن يسألوه عن أشياء، ولم يخطر ببالكم أن يخبركم عنها، ها هو يخبركم بشأن نبيكم مع الخضر، ولم تسألوه عنه، نزلت فيها ثلاث قصص‫:‬ قصة أهل الكهف، وقصة موسى مع الخضر، وقصة ذي القرنين، بالإضافة للإجابة عن الروح، ونزلت تنبّه النبي (صلى الله عليه وسلم) بوجوب الاستثناء فيما يخبر عنه، أو فيما يعزم عليه، (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌۭ ذَٰلِكَ غَدًا ﴿٢۳﴾ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًۭا ﴿٢٤﴾) [سورة الكهف آية‫:‬ ٢٣ - ٢٤ ]، ونزلت السورة وفيها ثلاث قصص، وفيها ثلاث أمثلة واقعية، أما المثال الأول‫:‬ فهو مثال الغنى المعتز بماله، المزهو بغناه، والفقير المعتز بدينه، وإيمانه، في قصة الرجلين، وقصة الجنة، (وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًۭا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٣٢]، ونزل فيها مثال للدنيا، وكيف يلحقها الغناء، (وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٤٥]، وأيضا ذُكر فيها مثال لما يلحق المغرور، المتكبر، المستكبر، العاصي المعتز بنفسه باطلا، فيما حكت السورة عن امتناع إبليس عن السجود لآدم، وكيف كانت عاقبة ذاك الامتناع، افتتُحت السورة بالحمد، فقال عز من قائل‫:‬‬‬

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا ۜ ﴿1﴾ قَيِّمًۭا لِّيُنذِرَ بَأْسًۭا شَدِيدًۭا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًۭا ﴿2﴾ مَّـٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدًۭا ﴿3﴾ وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ﴿4﴾ مَّا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍۢ وَلَا لِـَٔابَآئِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةًۭ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًۭا ﴿5﴾
‫(ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ) رتب استحقاق الحمد على إنزال الكتاب، تنبيها على أن إنزال الكتب أجلّ نعم الله على الإطلاق، إذاً فإنزال الكتاب نعمة، ومنّة يستحق ربنا عليها الحمد، وشهد في الآية لمحمد (صلى الله عليه وسلم) بالنبوة والرسالة (أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ) إذاً فقد نزل عليه القرآن، إذاً فهو المصطفى المختار، إذاً فهو النبي وهو الرسول لينذر، فشهدت له الآية بالنبوة، والرسالة، تلك التي كذّب بها مشركو مكة (وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا ۜ ) العِوج في المعاني، والعَوَج في الأعيان، فالرأي، والدين، والطريق، يقال فيه عِوج، أما الشجرة، والعمود، والبناء، فيقال فيها عَوج، فالعِوج‫:‬ الاختلاف، الاختلال، التناقض، لم يجعل له عِوَجا، إذا لا اختلال فيه، ولا اختلاف فيه، ولا تناقض في لفظه، ولا تنافي في معناه، (قَيِّمًۭا) أي مستقيما معتدلاً، لا انحراف فيه، لا إفراط فيه بالتكاليف التي يشق على العباد الإتيان بها، ولا تفريط فيه فيما هم محتاجون إليه، أو (قَيِّمًۭا) على الكتب السابقة، مهيمنا عليها، مصدقاً لها، أو (قَيِّمًۭا) بمصالح العباد؛ إذ هو الهادي إلى ما فيه كمال العباد، والداعي إلى ما ينتظم به صالح المعاش، والميعاد، وقيل‫:‬ في الآية تقديم وتأخير، والتقدير (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل فيه عوجا)، وقيل‫:‬ لا تقديم، ولا تأخير، والآية كما هي لا تحتاج إلى هذا التقدير، والمعنى‫:‬ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، ولم يجعل له عوجا، ولكن جعله قيِّما، مستقيماً (لِّيُنذِرَ بَأْسًۭا شَدِيدًۭا مِّن لَّدُنْهُ) لينذر الكتاب، لينذر النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم يذكر لأنزل على عبده الكتاب لينذر به بأسا شديداً، ولم يذكر المنذَرين‫.‬‬
‫البأس‫:‬ الأصل فيها الشدة في الحرب، يُقصد به العذاب الشديد في الدنيا، والعذاب الشديد في الآخرة، ينذر من؟ هناك إضمار، والمضمر تقديره‫:‬ لينذر الذين كفروا بأساً شديدا من لدنه، من عند الله، وانتبه لهذا الإضمار (لِّيُنذِرَ بَأْسًۭا شَدِيدًۭا) فالإنذار هنا إنذار عام، (وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًۭا ﴿٢﴾) الذين آمنوا بالله، ورسله، وبكتبه، وباليوم الآخر، وبقضائه، وبقدره خيره، وشره، ويعملون الصالحات الذي يقتضيها إيمانهم، وتصديقهم يبشرهم بالأجر الحسن، والأجر الحسن هو الثواب العظيم المؤدي إلى الجنة، (مَّـٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدًۭا ﴿۳﴾) والمكث‫:‬ اللبث مدة طويلة ماكثين فيه أي في هذا الأجر، وما يؤدي إليه، أي في الجنة إلى غير نهاية، إذاً فهم مخلدون في الجنة (وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ﴿٤﴾) هنا ذُكر المُنذرون، فالإنذار الأول إنذار عام، المُنذرون مضمر، الإنذار هنا إنذار خاص، ينذر الذين قالوا‫:‬ اتخذ الله ولدا، خصّهم بالذكر لشناعة، وعظيم قُبح ما اقترفوه في حق الله (عز وجل) إذ زعموا له الولد، وأضمر المنذر به، أنذرهم بأي شيء؟ بالبأس الشديد الذي ذُكر في الآية الأولى، إذاً هذه الفصاحة، وهذه البلاغة في إضمار المُنذرين في الآية الأولى، وإضمار المنذر به في الآية الثانية ثقة بفهم السامع، ولك أنت أن تقدّر المضمر، من هم الذين قالوا‫:‬ اتخذ الله ولدا؟ يهود قالوا‫:‬ عزير ابن الله، النصارى قالوا‫:‬ المسيح ابن الله، مشركو مكة قالوا‫:‬ الملائكة بنات الله، وخص الذين قالوا‫:‬ اتخذ الله ولدا؛ إذ ليس هناك أقبح، ولا أشنع، ولا أفظع من زعم الولد لله؛ لذا يقول الله (تبارك وتعالى) (مَّا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍۢ وَلَا لِـَٔابَآئِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةًۭ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًۭا ﴿٥﴾) (مَّا لَهُم) بالقول الذي قالوه ما لهم (بِهِۦ) بالله (عز وجل) إذ لو عرفوا الله لخروا سُجداً لعظمته، وجلاله، وما زعموا له الولد، (مَّا لَهُم بِهِۦ) : بالولد الذي زعموه (مَّا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍۢ) من أدنى علم، مجرد قول (وَلَا لِـَٔابَآئِهِمْ ۚ ) الذين يقلدونهم فيما زعموه، إذ يقولون ما قاله الآباء من قبل، فهُم مقلدون في هذه المقالة لا عن علم، ولا عن دليل، ولا عن برهان، ولكن عن تقليد (كَبُرَتْ كَلِمَةًۭ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ ۚ ) (كلمةٌ) قراءة بالرفع فاعل (كَلِمَةًۭ) قراءة حفص منصوبة على التمييز، أو البيان بمعنى كبُرت، هي كلمة كَبُرت، تلك الكلمةُ كلمةً تخرج من أفواههم على هذه القراءة لابد من التقدير (كَبُرَتْ كَلِمَةًۭ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ ۚ ) إذاً هذا التعبير يفيد اجتراء هؤلاء على إخراج الكلمة من أفواههم، كما تُشعر بأن القول مجرد هواء خرج من موضع النُطق، إذا الكلام هواء يخرج من الفم، فهذا الزعم ما هو إلا كلمة خارجة من موضوع النُطق لا أصل لها، ولا دليل، ولا برهان، (إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًۭا ﴿٥﴾) أي ما يقولون إلا كذبا، هذا كذبٌ محضٌ، وافتراءٌ.
فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا ﴿6﴾
يا للحنان، ياللرحمة، حنان النبي (صلى الله عليه وسلم) وإشفاقه على قومه، وحنان الله عليه ورحمته به، وعتابه له‫:‬ كيف تحزن، وكيف تأسى على هؤلاء الذين تولوا عنك، وكذبوك، ولم يصدقوك! هل تنوي أن تقتل نفسك من الحزن عليهم! هل تُهلك نفسك على أناس لا يستحقون ذلك (فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ) مُهلك نفسك، وقُرأت (باخِعُ) الإضافة قاتلُ نفسك، أصل الكلمة البخع‫:‬ الوصول بالذبح إلى البِخَاع، والبِخَاع‫:‬ عرق في الصلب في عظمة العنق، فإذا ذبح الذابح ذبيحة، ووصل إلى عظمة العنق فاجتازها إلى العرق الجاري والساري فيها، يقال‫:‬ بخع، أي وصل بالذبح إلى البِخاع، فالكلمة تفيد الإهلاك الشديد (بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ) موردها إلى الهلاك من شدة الحزن (عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ) أي على إثرهم بعد أن وَلَّوْا، وانصرفوا عنك مكذبين لك، غير مصدقين لك (إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا ﴿٦﴾) القرآن (أَسَفًا ﴿٦﴾) متعلقة بقوله‫:‬ (بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ) أي باخعٌ نفسك أسفاً على عدم إيمانهم، وتبدأ التسلية لسيد الخلْق، والتسرية عن الحبيب (صلى الله عليه وسلم)‬‬
إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةًۭ لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ﴿7﴾ وَإِنَّا لَجَـٰعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًۭا جُرُزًا ﴿8﴾
كأن الكلام معناه، أتنوي أن تهلك نفسك عليهم من الحزن لأنهم لم يؤمنوا، هذه الدنيا ما هي إلا اختبار، دار امتحان كل ما تراه عينك في هذه الدنيا زينة، ومن طبيعة الزينة أن تُقام ثم تُفض، فهذه الدنيا جعل ما فيها زينة للاختبار، فهم مختبرون في زينة الدنيا، وسوف يأتي يوم تمحى هذه الزينة، وتفض هذه الزينة، وتصبح الأرض ترابا لا نبات فيها، ولا بناء، ثم ننتقم لك منهم، فلا تحزن، ولا تأسى إنا منتقمون لك منهم يوم القيامة؛ إذ إن هذه الدنيا ليست للدوام، بل هي للزوال، وما من يوم يصبح فيه الناس إلا وينادى (لِدُوا للموت، وابنوا للخراب)؛ إذ ما من مولود إلا ويموت، فمن تلد، ولدت لماذا؟ ولدت مولودها ليموت، ومن بنى بنى لماذا؟ لأي غاية، وما هي النهاية؟ للخراب (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةًۭ لَّهَا) كل ما على الأرض قيل‫:‬ الكلام مخصوص، بما ينتفع به، ويُرتفق به من ذهبٍ وفضةٍ، ونبات، وزهور، وثمار، وطيور، ودواب وما إلى ذلك، وجبال، وأنهار، وبحار، ولا يختص الكلام بما يضر، أو يؤذى كالنبات السام، وكالعقارب والحيات وما إلى ذلك، وقال بعضهم بل الكلام عام على كل ما في الأرض، كل ما على الأرض زينة لها، وزخارف (وَإِنَّا لَجَـٰعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًۭا جُرُزًا ﴿۸﴾) الصعيد‫:‬ التراب الجُُرز‫:‬ الأرض التي لا نبات فيها، من الجَرْز، وهو القطع، والأرض الجُرز الأرض التي قُطع نباتها، إذاً فتلك البداية، وتلك النهاية، جعلت عليها الزينة، ثم النهاية أن تمحى الزينة، وتُفض، وتعود الأرض إلى ما كانت عليه، صعيد، تراب، لا نبات فيها، لا زرع، وضرع، ولا بناء، ولا شيء، ذاك حدث لهدف ولغرض (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ﴿۷﴾) أيهم أطّوَع لله، وأَعمل لأمره ونهيه، وأزهد في الدنيا وفي زينتها، أيهم يأخذ ما يأخذ بحق، وينفق ما أخذ في حق، نمتحنهم، نختبرهم، نعاملهم معاملة المختبر، وإلا فربنا، تبارك وتعالى، يعلم أهل الجنة من قبل أن يخلقهم، ويعلم أهل النار من قبل أن يخلقهم ولو شاء لخلق الخلْق، وأدخل أهل الجنة، الجنة، وأدخل أهل النار، النار بعلمه لكنه أراد، عز وجل، أن يبيّن عدله وفضله ورحمته، فجعلت الدنيا ليظهر ما علمه الله أزلاً واقعاً ويظهر ربنا، تبارك وتعالى، ما انطوت عليه نفوسهم، وما أدّت إليه معادنهم، ظهوراً واضحا جلياً، لكل من يشاهد‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، تلك حال الدنيا، بداية لها نهاية، والعاقل من علم أن ما على الدنيا زينة، والزينة تخفي الحقيقة، الزينة تقام لفترة ثم تُفض، الزينة للاختبار، وعليه فوجود الإنسان في هذه الدنيا مؤقت، ولهدف وهو اختباره، وامتحانه، من أحْسن العمل نجا، ومن أساء العمل هلك، والآخرة ليس فيها استثناء، وليس فيها رجوع، والآخرة قضاء يُقضى لا نقض فيه، ولا إبرام، فقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم، (أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا " ، قَالُوا : وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ، قَالَ : " بَرَكَاتُ الْأَرْضِ) وقال، صلى الله عليه وسلم، ( إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا ، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)، وقال، صلى الله عليه وسلم، ( إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) وقال، صلى الله عليه وسلم، ( كُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ، فَإِنَّ كُلَّ أُمٍّ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا)، الدنيا إلى زوال، الدنيا إلى فناء، وهكذا نزلت سورة الكهف مفتتحة بالحمد للإشعار بالنعمة الكبرى، بإنزال الكتاب، ونزلت شاهدة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالنبوة، وبالرسالة، ثم بينت لرسول، صلى الله عليه وسلم، أن الأمور تجري بالقضاء، وأنه لا راد لقضاء الله، وأن الدنيا إلى زوال، وأن الدنيا جعلت للاختبار، والامتحان، فلا تحزن، ولا تأسى عليهم، من آمن وعمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها، ويوم القيامة وشيك، وإنا منتقمون لك ممن كذّبك، وآذاك، ثم ينتقل الكلام وتدخل السورة مباشرة في الإجابة عن الأسئلة التي سئلها، صلى الله عليه وسلم، وتحكي لنا قصة أهل الكهف، فيقول عز من قائل‫:‬‬‬‬
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُوا۟ مِنْ ءَايَـٰتِنَا عَجَبًا ﴿9﴾
‫(أَمْ حَسِبْتَ) أي (بل أحسبت) باعتبار (أَمْ) المنقطعة، وذاك أرجح الأقوال بالنسبة للنّحاة، أو هي عاطفة ذاك أرجح الأقوال، بل أحسبت أن أصحاب الكهف، والرقيم الذين سألوك عنهم، كانوا عجبا، في آياتنا ما هو أعجب وأعجب، فإن كانوا سألوك معجّزين لك، واعتقدوا أن العجب كل العجب في قصة أصحاب الكهف، ففي الدنيا، وفي السماء، وفي الأرض، وفي كل لمحة، وفي كل طرفة، وفي كل لحظة، وفي كل آن، وفي كل حين العجب من آيات الله، عز وجل، فليست هذه القصة هي من أعجب الآيات، بل هناك ما هو أعجب وأعجب‫.‬‬
‫(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ) الكهف‫:‬ النقب في الجبل الواسع، فإذا لم يكن فيه سعة فهو غار، كالذي دخل فيه النبي، صلى الله عليه وسلم، للتحنث في غار حراء، وغار ثور، الغار‫:‬ النقب الضيق، الكهف‫:‬ النقب الواسع فيه ساحة متسعة‫.‬‬
‫ما هو الرقيم؟ الرقيم‫:‬ اسم القرية التي خرج منها أهل الكهف، اسم الجبل الذي كان فيه الكهف، اسم الصخرة التي كانت على باب الكهف، اسم الكلب الذي كان معهم، الرقيم‫:‬ بمعنى المرقوم أي المكتوب الذي فيه رقم، (كِتَـٰبٌۭ مَّرْقُومٌۭ (٢٠)) [سورة المطففين آية‫:‬ ٢٠]، فالرقْم‫:‬ الكتابة إذاً فالرقيم لوح من حجر، أو من رصاص كتب عليه أسماء أهل الكهف، وقصة أهل الكهف، ووُضعت على باب الكهف بعد ما بنوا عليه مسجداً، أو الرقيم بقية شرع كانت مع الفتية، حيث تبعوا ذاك الشرع، وقيل‫:‬ إن قصتهم حدثت بعد زمن عيسى بن مريم، وقيل‫:‬ بل حدثت قبل زمن عيسى بن مريم، أو الرقيم له قصة (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُوا۟ مِنْ ءَايَـٰتِنَا عَجَبًا ﴿۹﴾) فحكى لنا قصة أهل الكهف، وسكت عن قصة أهل الرقيم، وما سكت عنه القرآن لا يصح أن نخوض فيه، وقيل في شأن أصحاب الرقيم استنتاجاً من العلماء، هم الثلاثة الذين خرجوا إلى الخلاء، فأصابتهم السماء فأووا إلى الكهف، أو غار في جبل يحتمون فيه من المطر الشديد، فانحطت صخرة فسدّت عليهم الغار، وأظلمت الدنيا، وقال بعضهم لبعض كلٌ منّا يذكر أرجى عمل عمله في حياته، نسأل الله به أن يفرّج علينا فذكر كل واحد منهم عملاً له، الذي استأجر أجيرا، ورفض أن يأكل أجره، ونمّاه له ثم أعطاه، والذي كان له أبوين كبيرين وجاء باللبن فوجدها قد ناما، فمكث حاملاً اللبن إلى أن استيقظا في الصباح، ولم يسق أولاده، والثالث الذي عرضت امرأة نفسها عليه من أجل المال، ثم عف عنها، قصة في حديث صحيح تُرى أهم أصحاب الرقيم؟ قول لا دليل عليه، ولا سند، لكن قد يكون هناك أصحابٌ للرقيم لم يذكر القرآن شأنهم، وقد قال ابن عباس‫:‬ خمس لا أعلمهم من القرآن‫:‬ الغسلين، والحنان ومنها الرقيم.
إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ فَقَالُوا۟ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةًۭ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًۭا ﴿10﴾ فَضَرَبْنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمْ فِى ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًۭا ﴿11﴾ ثُمَّ بَعَثْنَـٰهُمْ لِنَعْلَمَ أَىُّ ٱلْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓا۟ أَمَدًۭا ﴿12﴾
‫(إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ) الفتية جمع فتىّ كصبيّ، والفتىّ: الطري من الشباب، إذاً فهُم في سنن الشباب، في طراوة السن، صغار السن، أو من الفتوة‫:‬ الفتوة‫:‬ الشهامة، الشجاعة، الفتوة لها تعاريف كثيرة منها‫:‬ بذل الندى، وكفّ الأذى، والامتناع عن الشكوى، الفتوة‫:‬ إيتاء المكارم، والبعد عن المحارم، الفتوة صفة تطلق على من كان قويا شجاعا في دينه، باذلاً للخير ممتنعا عن سفاسف الأمور، وسفاهتها (فَقَالُوا۟ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةًۭ) آتنا من عندك رحمة ننجو بها من عذابك، وسؤالك، رحمة ننجو بها من كفر قومنا، وتعذيبهم لنا، رحمة تسعدنا في دنيانا وأخرنا (وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًۭا ﴿١۰﴾) التهيئة‫:‬ إحداث هيئة الشيء، هيئ لنا من أمرنا، من مفارقتنا لقومنا، وفي لجوئنا إليك، وفي هجرتنا إليك رشداً، والرَشدْ، والرُشْد والرَشاد، ضد الغي والضلال (فَضَرَبْنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمْ فِى ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًۭا ﴿١١﴾) هذه الآية قيل فيها‫:‬ إنها من فصيحات القرآن، تلك الفصاحة التي عجز فصحاء العرب عن الإتيان بمثلها، الآية كناية عن أنهم ناموا، لم يقل فأنمناهم، أو فأمتناهم، بل قال (فَضَرَبْنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمْ) لأن النائم لا يستيقظ إلا إذا سمع شيئا، وفساد النوم يأتي معظمه من عمل الأذن، فإذا سُدت الأذن لم تسمع شيئا كان النوم عميقا، لا يعترضه عارض؛ فالآية كناية عن الإنامة القوية الشديدة التي لا يؤثر فيها شيء، خاصة أعظم ما يؤثر هو حاسة السمع، فقال (فَضَرَبْنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمْ) هذا التعبير لم يحدث من قبل القرآن أبداً، ولم تعرفه العرب إلا من القرآن (فَضَرَبْنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمْ فِى ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًۭا ﴿١١﴾) أي ذوات عدد، وكلمة عددا إما تفيد التقليل؛ إذ كل معدود معلوم يمكن حصره، أو تفيد التكثير إذ غير المعدود لا يُحتاج فيه إلى عد، إذا فهي إما تفيد التقليل، أو تفيد التكثير؛ إذ ما من معدود مهما كثر وعظم إلا وله عدد وحصر، إلا نعم الله لا حصر لها‫:‬ (وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٣٤]، لكثرتها فوق العد من هنا هل أريد التقليل، أم أريد التكثير؟ أريدا معاً، قد، فالعدد كثير ثلاثمائة وتسعة بالنسبة للناس ولأعمار الناس، وهو في نفس الوقت قليل بالنسبة لله، فقد كان قبل الزمان، والمكان، فالزمان لا يعني إليه شيء (ثُمَّ بَعَثْنَـٰهُمْ) أيقظناهم، ويقال على المستيقظ مبعوث؛ لأنه كان حينما كان نائما ممنوعا من التصرف، والانبعاث، فبعثناهم إذاً من استيقظ فقد انبعث بعد أن كان ممنوعا من التصرف، والانبعاث أي الحركة (لِنَعْلَمَ أَىُّ ٱلْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓا۟ أَمَدًۭا ﴿١٢﴾) ربنا يعلم ما كان، وما هو كائن (لِنَعْلَمَ) معناها لنُخرج المعلوم إلى حيز الوجود؛ لنخرج الأمر من عالم الغيب إلى عالم الشهادة؛ ليصبح المعلوم عند الله موجوداً يُعلمه لنا (أَىُّ ٱلْحِزْبَيْنِ): حزب الفتية الذين قالوا‫:‬ لبثنا يوما أو بعض يوم، وحزب أهل القرية الذين اكتشفوهم، وعثروا عليهم، أو هما حزبان من الكفار اختلفوا في مدة بقائهم، أو حزبان من المؤمنين، أو حزب الكفار، وحزب المؤمنين، هما جماعتان اختلفوا في مدة لبث، ومكث هؤلاء في الكهف فيبعثهم الله، تبارك وتعالى، ليتساءل الناس، ويختلف الناس، ويتضح من الذي ضبط المدة (أَىُّ ٱلْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ) فعل ماض، والإحصاء‫:‬ العد، وسُمي العد إحصاءً؛ لأن العرب كانت لا تكتب، ولا تقرأ، وكان العد بالنسبة لهم بالحصى، فيأتي بمجموعة من الحصى ويعد بالحصى، وليس بالكتابة والقراءة ذاك أصل الكلمة (أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓا۟) مكثوا وبقوا (أَمَدًۭا ﴿١٢﴾) مدة من الزمان، أو النهاية، والغاية لمدة لبثهم، وقال بعضهم (أَحْصَىٰ) اسم تفضيل، فلان أحصى للعدد من غيره كأكرم، وأفضل وما إلى ذلك، وهو فعل رباعي ولا يصح أن يكون فيه أفعل تفضيل، وقال بعضهم‫:‬ بل فيه كقولهم أبيض من اللبن إذاً فقد تبين أن هناك اختلاف في شأنهم، واختلاف في قصتهم، واختلاف في مدة بقائهم في الكهف، من هنا يأتي الصدق، ويأتي الحق، ويأتي القول الفصل (نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِٱلْحَقِّ ۚ ) بالصدق، وتبدأ القصة كما قصها الله (تبارك وتعالى) عن هؤلاء الفتية، وقد جاء في كتب التفاسير المختلفة أسماء لهم، وعصر، وزمان لقصتهم، وكل ذلك لا دليل عليه، أو قول يستند إليه، فمنهم من قال‫:‬ إنهم كانوا بعد زمن عيسى، وكانوا من الرومان، وكانوا في عصر ملك يقال له‫:‬ دقيانوس، كان مشركا يقتل المسلمين والمؤمنين، ويأمرهم بعبادة الأصنام، وقيل‫:‬ بل كانوا قبل زمن عيسى، أقوال، وربنا (تبارك وتعالى) لم يخبرنا عن زمانهم، ولا عن عصرهم، وهو القائل‫:‬ (نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمْ) والعبرة والعظة في القصة حدثت مع من؟ حدثت متى؟ ماذا كان اسمهم؟ كم كان عددهم؟ كل ذلك لا يعينينا طالما سكت القرآن عنه، فقد اختلف الناس في قصة أهل الكهف من قبل نزول القرآن، واختلفوا في عددهم، واختلفوا في زمانهم، وحرّض يهود المدينة مشركي مكة على سؤال النبي (صلى الله عليه وسلم) عن قصتهم، ونزلت سورة الكهف تنبئ بقصتهم، وأخبرنا الله (تبارك وتعالى) بأمور وسكت عن أمور، وما سكت عنه القرآن لا يصح الخوض فيه، ولما كان اختلافهم ظاهراً قال رب العزة‫:‬‬‬‬
نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًۭى ﴿13﴾ وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَا۟ مِن دُونِهِۦٓ إِلَـٰهًۭا ۖ لَّقَدْ قُلْنَآ إِذًۭا شَطَطًا ﴿14﴾ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةًۭ ۖ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَـٰنٍۭ بَيِّنٍۢ ۖ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا ﴿15﴾ وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأْوُۥٓا۟ إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِۦ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًۭا ﴿16﴾
‫(نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِٱلْحَقِّ ۚ ) ومع ذلك، ومع نزول القصة، بدأ بعض الناس يتكلمون في شأن أهل الكهف بغير سند، وبغير دليل، وتدخلوا في أمور لم يذكر القرآن عنها شيئا، وهي أمور لا تقدم ولا تؤخر، القرآن ليس كتاب تأريخ، وليس كتاب يقصد به الحديث عن أماكن، وأسماء، أو أزمنة، وإنما يقصد به العبرة وصدق ربي حيث يقول (لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ ) [سورة يوسف آية‫:‬ ١١١]، وقال (وَكُلًّۭا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ ) [سورة هود آية‫:‬ ١٢٠]، ومع ذلك حفلت الكتب بأمور‫:‬ أسماء أهل الكهف، هل يعني ذلك شيئا؟ واختلفوا في أسمائهم كثيرا، العدد، الكلب لم يسلم من خلافهم أهو كلبهم؟ أهو كلب تبعهم حباً فيهم؟ هل أنطقه الله حين طردوه؟ ما اسمه؟ سبع، أو ثمانية أسماء ذكرت للكلب، اختلفوا في لونه، اختلفوا في الزمان هل كان بعد عيسى أم كان قبله؟ اختلافات، وقصص، وحكايات لا دليل عليها والالتفات إليها مضيعة للوقت، وتضييع لفرصة الاعتبار من القصة يقول الله، تبارك وتعالى، (نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِٱلْحَقِّ ۚ ) بالصدق (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ) فهم شباب غض طري، فيهم الفتوة، والشجاعة، والإقدام، والثبات على الحق، والبحث عن المكارم، والبعد عن المحارم، بذل الندى، وكفّ الأذى (فِتْيَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًۭى ﴿١۳﴾) وما من مؤمن إلا ويزداد إيمانه بالطاعة، وينقص بالمعصية، وما من مؤمن يسلم وجهه إلى الله إلا ويرفع الله (تبارك وتعالى) من مقامه، ويثبت الإيمان في قلبه، ويزده إيمانا على إيمانه (وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ) الربط في الأصل‫:‬ الشد، وربط الدابة شدها بحبل، أو بشيء، والربط يقصد به الشد؛ إذ إن الخوف، والهلع، والرعب يشبه الانحلال، يشبه التفكك، والتسيّب، فكأن الشجاعة، والإقدام يُعبر عنها الربط، والتمسك، والقوة (وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ) بالصبر، والعزم، والشدة، واليقين (إِذْ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) (إِذْ) ظرف زمان للماضي، قيل في كلمة (قَامُوا۟) أنها كناية عن العزم، والجد في الهروب، من قومهم، كما نقول قام فلان إلى الأمر أي عزم عليه بجد، وقيل‫:‬ بل قاموا فقالوا أي قال بعضهم لبعض هذه المقالة (رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) قال أحدهم، وقال الآخر، وأنا كذلك أعتقد أن الله هو رب السموات والأرض، فقالوا جمعيا، فقاموا جمعيا، فقالوها، وقيل‫:‬ بل قاموا بين يدي الملك، ملك عصرهم، يُفهم من الآيات، ويستنبط أن الفتية كانوا في عصر كفر، وزمان كفر، وبين أقوام كفروا بالله، وكانوا على دين ملكهم، وهم عبدة أصنام، وحين آمن الفتية بربهم، فقد كان لديهم بقية من شرع أو دين، سواءً أكان ذاك الدين دين عيسى، أو دين غيره، وامتنعوا عن السجود للأصنام، ووحدوا الله (تبارك وتعالى) استدعاهم الملك، وترك لهم الفرصة في مراجعة أمرهم، وجادلهم فقاموا بين يديه، وقالوا (رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَا۟ مِن دُونِهِۦٓ إِلَـٰهًۭا ۖ لَّقَدْ قُلْنَآ إِذًۭا شَطَطًا ﴿١٤﴾) وهنا أمهلهم للصباح لمراجعة أمرهم؛ إذ كانوا أبناء أشراف القوم؛ ذاك أيضا قول من الأقوال لا دليل عليه، لكن يستنبط من كلمة (قَامُوا۟).‬
‫(لَن نَّدْعُوَا۟ مِن دُونِهِۦٓ إِلَـٰهًۭا ۖ لَّقَدْ قُلْنَآ إِذًۭا شَطَطًا ﴿١٤﴾) أي في حالة دعوة غير الله بعدنا عن الحق بعداً شديداً، شطَّ يشِطُّ ويَشُطُّ شططاً، وشطوطا‫:‬ بَعُد عن الحق، فإن دعَوْا غير الله فقد بعدوا عن الحق بعداً شديداً (هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةًۭ ۖ ) الكلام مستمر، فإذا كانت الجملة الأولى، والمقولة الأولى، ربنا رب السموات والأرض بين يدي الملك، فالجملة الثانية قالوها بعضهم لبعض، والأرجح حيث إن الكلام متصل، أنهم قاموا هم مع أنفسهم، ولم يكن الكلام بين يدي الملك، حتى يتصل الكلام، ويبدوا أن المقصود (إِذْ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟) ذاك منبعث في نفوسهم، وتعاهدوا على عبادة الله الواحد الأحد، وقالوا ذاك الكلام بينهم وبين بعضهم البعض، وليس بين يدي الملك (هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةًۭ ۖ ) من دون الله، إذاً فقد كانوا يعبدون الأصنام (لَّوْلَا) كلمة تخصيص بمعنى (هلّا) لكن معناها التعجيل؛ إذ هم واثقون من وحدانية الله، متيقنون من أن عبادة الأصنام باطلة (لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم) على عبادتهم، على أنفسهم في سلوكهم، على الآلهة (بِسُلْطَـٰنٍۭ بَيِّنٍۢ ۖ) بحجة واضحة، وبدليل ساطع (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا ﴿١٥﴾) استفهام يقصد به النفي، أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، فزعم له الشريك، أو زعم له الولد (وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ) الاعتزال‫:‬ البُعد، والتجنب، أرادوا أن يعتزلوا قومهم، ويعتزلوا عبادتهم (إِلَّا ٱللَّهَ) ذاك الاستثناء، إما استثناء متصل، وإما استثناء منفصل، والفرق إذا كان القوم يعبدون الأصنام ويقرُّون بوجود الله كمشركي مكة (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ ) [سورة الزمر آية‫:‬ ٣٨]، وفي نفس الوقت يعبدون الأصنام، ويقولون تقربنا إلى الله زلفى، فهم يشركون الأصنام مع الله، فإذا كان القول كذلك فالاستثناء هنا متصل (وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ) أي اعتزلتم عبادتهم للأصنام، ولم تعتزلوا عبادة الله، وإذا كان القوم لا يعرفون الله، ويعبدون الأصنام فقط، فالاستثناء هنا منفصل (وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ) بمعنى اعتزلتموهم، واعتزلتم عبادتهم، لكن عبادتكم لله قائمة مستمرة دائمة (فَأْوُۥٓا۟ إِلَى ٱلْكَهْفِ) أوى إلى المكان‫:‬ لجأ إليه، واستقر به، والكهف‫:‬ النقب المتسع في الجبل، فإن لم يكن فيه سعة فهو غار (فَأْوُۥٓا۟ إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِۦ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًۭا ﴿١٦﴾) الغريب في الكلام هنا الوثوق، والجزم بالرحمة، وبتهيئة المرفق، البعض قال هو دعاء جاء في صيغة الخبر، لكن الكلام يوحي بأنهم قالوا ما قالوا جازمين بحدوثه، متيقنين من فضل الله، واثقين من رحمته (يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِۦ) يبسط عليكم رحمته في الدنيا، وفي الآخرة (وَيُهَيِّئْ) والتهيئة‫:‬ إحداث هيئة الشيء (وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًۭا ﴿١٦﴾) (مَرْفقاً) قراءتان بمعنى واحد المرفق‫:‬ ما يُرتفق به أي ما يعتمد عليه، ومنه مرفق الرجل‫:‬ الذراع، (وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًۭا ﴿١٦﴾): ما تنتفعون به، ولجأوا إلى الكهف، وهربوا بدينهم، وذاك أمر محمود في بعض الظروف، مطلوب في ظروف أخرى، واجب في بعض الظروف، حيث أنبأنا النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الزمان يتغير، ويأتي زمان يكون فيه (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شِعَافَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ)، وسُئل مرة ( مَا النَّجَاةُ ؟ قَالَ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ)، أزمنة!!‬‬
وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍۢ مِّنْهُ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ۗ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيًّۭا مُّرْشِدًۭا ﴿17﴾
‫(وَتَرَى ٱلشَّمْسَ) لم ير أحد شيئا، لكن الكلام يعني إذا رأيتهم لرأيت كذا، إذا رأيت، لرأيت (وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ) (تَّزَٰوَرُ) من الزور، والازورار الميل ومنه زاره أي مال إليه زار فلان فلانا أي مال إليه، (وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت) حال الشروق (تَزَاوَرُ، تَّزَّاورُ، تزوارّ، تزوارَ، تزوّر عن كهفهم) قراءات بمعنى واحد، تزوّر مثل تحمَّر، تزوارّ مثل تحمارّ، وتصغارّ في الثمار، تزَّاور أصلها تتزاور حُذفت إحدى التائين للتخفيف (تَّزَٰوَرُ عَن كَهْفِهِمْ) تبتعد، وتميل عن كهفهم (ذَاتَ ٱلْيَمِينِ) عن يمين الكهف (وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ) القرْض‫:‬ الترْك القرْض‫:‬ البعد، تقرضهم تتباعد عنهم، قرض المكان‫:‬ تباعد عنه، وتركه (تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ) تتباعد عنهم شمال الكهف، (يقرضهم) قراءة أي يقرضهم ظل الكهف (وَهُمْ فِى فَجْوَةٍۢ مِّنْهُ ۚ ) الفجوة‫:‬ المتسع، وجمعها فجوات، وفِجاء في وسط الكهف، في ساحة الكهف، في حال الشروق لا تصيبهم الشمس، تميل عن الكهف، وفي حالة الغروب أيضا تترك الكهف وتميل عن الكهف، شمال الكهف، إذاً فالشمس لا تصيبهم بحرها، ولا بشعاعها، وهنا أجهد بعض الناس أنفسهم، ورسموا للكهف صورة من حيث موقع الكهف بالنسبة لمشارق الشمس ومغاربها على طوال العام، وإن كان الكهف في اتجاه كواكب كذا من النجوم حتى لا تدخل فيه الشمس كيف يكون المكان؟ أي اتجاه؟ في الشرق، أم في الغرب، أم في الشمال، أم في الجنوب؟ أجهدوا أنفسهم وربنا، تبارك وتعالى، يجيب على السؤال ببساطة فيقول (ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ۗ ) الشمس مخلوقة، مأمورة، مسخّرة، وحين يقول (تَّزَٰوَرُ عَن كَهْفِهِمْ) إذا فهي تميل، وتبتعد بأمر الله، وكذلك (تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ) وقال البعض‫:‬ تقرضهم من قُراضة الذهب، والفضة، أي تصيبهم ببعض أشعتها، والأرجح تقرضهم تتركهم، وتنصرم عنهم من القرض وهو القطع، قرض الشيء‫:‬ قطعه، إذاً فهي تقطعهم أي تبتعد عنهم، أو تنصرم عنهم، عدم دخول أشعة الشمس إلى الكهف حال الشروق، أو حال الغروب أمر سهل يسير في قدرة الله (عز وجل) فالشمس مأمورة، ولو كان موضع الكهف بوضعه الطبيعي مبتعداً عن أشعة الشمس في الشروق، وفي الغروب، ما كان هناك داع لذكر أمر الشمس، فذاك أمر طبيعي، أما أن تُذكر أحوالها في الشروق، والغروب، فذاك دليل على أن العادة انخرقت، والسنة تعدّلت، وخالق السنن قادر على إبدالها، وتبديلها، وتعديلها، وإلغائها يصيبهم روح الهواء، ولا يصيبهم الشمس، لا تُبلى الثياب، لا تتغير الأجساد، لا يصابوا بالحر، حكمة الله (تبارك وتعالى) والغاية غير معلومة، لكن الناس يتوقعون أمرا، وهو إذا حُرم الإنسان من أشعة الشمس ثلاثمائة سنين أيضارّ أم لا؟ وكلنا يعلم أن الإنسان في أشد الحاجة لأشعة الشمس؛ إذا فالمسألة لا يمكن أن نأخذ منها استنتاجات، الشمس تضر الثياب، تضر الأبدان، تصيبهم بالحر يستيقظون إلى آخره، وإنما يؤخذ منها العبرة والآية والقدرة (ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ۗ ) إذاً فقد كان ازورار الشمس آية، وقرض الشمس لهم آية، ولم تكن طبيعة أو سنّة (مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ ) إما أن يقصد بالآية الثناء على أهل الكهف، وإما أن يقصد بالآية التنبيه لكل من يسمع إن آيات الله كثيرة، ليس أهل الكهف فقط، بل آياته غير محصورة لا عد لها ولا حصر، ولكن الله يهدي لهذه الآيات من تأمل فيها، واستبصر بها، فكم من آيات في السماء، وفي الأرض، وفي أنفسكم، فالآيات كثيرة، ومتعددة، لكن لا يلتفت إليها إلا من هداه الله للتأمل فيها، والاستبصار بها (وَمَن يُضْلِلْ) يخذله، يعمي بصره؛ لأنه لم يلتفت للآيات؛ لأنه انشغل بزخرف الدنيا، وزينتها (فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيًّۭا مُّرْشِدًۭا ﴿١۷﴾) لن تجد أحد يتولّى أمره، أو يرشده إلى الصواب لا في الدنيا، ولا في الآخرة‫.
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًۭا وَهُمْ رُقُودٌۭ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُم بَـٰسِطٌۭ ذِرَاعَيْهِ بِٱلْوَصِيدِ ۚ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًۭا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًۭا ﴿18﴾
وفي هذه الآية قال بعض الناس؛ لأن الأعين كانت مفتوحة، هل ينام أحد وعيونه مفتوحة؟ كيف؟ ولكن المفهوم من النص، والواضح أن تقلب هؤلاء الناس ذات اليمين، وذات الشمال يُشعر بأنهم أيقاظ؛ إذ الميت لا يتقلب من جنبه إلى جنب؛ لذا يقول الله (تبارك وتعالى) (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًۭا وَهُمْ رُقُودٌۭ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ۖ ) ويُقلبهم، وتَقَلُبهُم، ونُقلبهم ربنا، ويُقلبهم ربنا، ونقلُبَهم منصوبة على (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًۭا)، (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًۭا وَهُمْ رُقُودٌۭ ۚ ) على وزن سجود، راقدين لكن التقلب يشعر من يراهم أنهم أيقاظ، جمع يقظ، ويقظان (وَكَلْبُهُم بَـٰسِطٌۭ ذِرَاعَيْهِ بِٱلْوَصِيدِ ۚ ) الوصيد‫:‬ العتبة، الباب، الوصيد‫:‬ الساحة، آصد الباب‫:‬ أغلقه، وكلبهم باسط ذراعيه على هيئة النائم، كما ينام الكلب باسطا ذراعيه، الهيئة التي نهى عنها النبي (صلى الله عليه وسلم) في الصلاة، الكلب‫:‬ قالوا كلب زرع، أو كلب حرس لأحدهم أخذوه معهم، أو تبعهم، وقالوا‫:‬ بل هم قد مروا على راعي، وله كلب، وحين رآهم الكلب طردوه، فعاد ونبح فطردوه، فعاد ونبح، ثم جلس ورفع يديه، وأنطقه الله، وقال‫:‬ إني أحبكم في الله، كلام لا دليل عليه، لكنه موجود في الكتب، هذا الكلب له شأن ممكن أن يقال كما قال بعض السلف الصالح‫:‬ هذا الكلب سواءً كان كلبهم، أو كلب راعي تبعهم، ذكر في محكم التنزيل، وأنه أحب أصحابه، ومكث معهم، وبقي معهم، فإن كان الكلب قد ذكر في محكم التنزيل بسبب حبه لأهل الصلاح، فكيف إذا كان المحب إنسانا؟! من هنا استنتج بعض العلماء أن حب الصالحين يرفع العبد إلى درجتهم، ولو لم يعمل عملهم، وكما روي عن أنس أنه خرج مع النبي (صلى الله عليه وسلم) من المسجد فالتقى به رجل، فقال؟ ( مَتَى السَّاعَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ)، من هنا قالوا‫:‬ إن حب الكلب لأهل الكهف رفعه، فذكر في محكم التنزيل، فهي إشارة لكل مسلم أن يحب الصالحين، وأن يحب رفقة الطائعين (وَكَلْبُهُم بَـٰسِطٌۭ ذِرَاعَيْهِ بِٱلْوَصِيدِ ۚ ) ألقى الله عليه النوم، كما ألقى على أهل الكهف، ما قصة الكلب؟ وما شأن الكلب؟ ولم تبعهم الكلب؟ سواءً أكان كلبهم، أم كلب غيرهم ما فائدته؟ أمر سكت عنه القرآن، هل لإخافة الهوام والوحوش؟ وهل تخاف العقرب من الكلب؟ هل تخاف الحية من الكلب؟ هل يخاف الأسد من الكلب؟ هل يخاف النسر، والصقر من الكلب؟ الكلب يخيف البعض، ولا يخيف الكل، فلِمَ كان هذا الكلب؟ أي كلام في هذا الشأن تكلف لا طائل وراءه، فلا يصح (لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ) (لَوِ) بكسر الواو تلك هي القراءة لالتقاء الساكنين (لوُ) قراءة أخرى بالضم (لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ) أي لو نظرت إليهم، أو لرأيتهم، أو لو شاهدتهم (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًۭا) أسرعت منهم فراراً (وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًۭا ﴿١۸﴾) (ولمُلّيئُتَ منهم رُعُباً)، مُلِّئت‫:‬ أي مُلِئت، ثم مُلِئت رَعُبا، ورعْباً بضم العين، وبإسكان العين (قراءتان)، (لو) حرف امتناع لامتناع، امتنعت الرؤية، وامتنع الفرار، وامتنع الرعب، لامتناع الاطلاع والمشاهدة (لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًۭا) الفرار‫:‬ الإسراع في الهروب (وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًۭا ﴿١۸﴾) رَعَبَهُ يرعبه فهو مرعوب، وهو رعيب، وهنا وقع بعض الناس أيضا في استنتاج خاطئ، فقالوا‫:‬ طالت شعورهم، وطالت أظافرهم، وطالت لحاهم، وتغيرت أشكالهم، وأصبحوا على هيئة لو رآها أحد لسقط مغشياً عليه، وذاك مردود بالحكاية عنهم حين استيقظوا، قال قائل منهم كم لبثتم؟ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم، إذا فقد قاموا كما ناموا؛ إذ لو استيقظ الرجل، وقد نام إلى جواره صديقه، وهم فتية فاستيقظ فنظر إلى من بجواره قبل أن ينظر إلى نفسه، ووجد على تلك الهيئة الموصوفة، اللحية الطويلة، والأظافر الطويلة، لخر مغشياً عليه، أو على الأقل لم يقل لبثنا يوما أو بعض يوم، لاعتقد أن من بجواره ليس من نام إلى جواره، وإنما هو شيء آخر، لكن الناس تحب الأقاصيص، والحكايات، والتأليف، وكتاب الله (تبارك وتعالى) واضح ولا يصح الخوض فيما لم يرد فيه نص أو دليل‫:‬‬‬‬
وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا۟ بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ ۚ قَالُوا۟ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَٱبْعَثُوٓا۟ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَامًۭا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍۢ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴿19﴾ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوٓا۟ إِذًا أَبَدًۭا ﴿20﴾
‫(بَعَثْنَـٰهُمْ) تأمل في كلمة (وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ) هذه الواو، وهذا التشبيه، أي كما هديناهم، وكما ربطنا على قلوبهم، وكما نشرنا عليهم من رحمتنا، وكما أنمناهم أيقظناهم، أي كما ناموا قاموا (لِيَتَسَآءَلُوا۟ بَيْنَهُمْ ۚ ) اللام هنا ليست للتعليل، اللام هنا لام الصيرورة، أو لام العاقبة (قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ ۚ ) إذا فمن المفهوم أنهم دخلوا الكهف نهاراً، وحين استيقظوا كان النهار لا يزال موجودا، دخلوا غدوة، واستيقظوا عصرا، فلما كان النهار لا زال موجودا قالوا‫:‬ لبثنا يوما أو بعض يوم، إما نحن في نفس اليوم، فنمنا بعض اليوم، وإما نحن في اليوم التالي حين اختلفوا، وتحيروا في مدة اللبث، أهو يوم، أو بعض يوم (قَالُوا۟ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) فوضوا العلم لله، وهكذا يجب على المسلم كلما اختلف في أمر، أو لم يتيقن من أمر، أن يفوّض العلم فيه للعليم الخبير (فَٱبْعَثُوٓا۟ أَحَدَكُم) أرسلوا واحداً منكم (بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِۦٓ) الورِق‫:‬ الفضة مضروبة، أو غير مضروبة، الدراهم (بوَرْقكم - بوِرْقكم) قراءات ثلاثة بنفس المعنى (إِلَى ٱلْمَدِينَةِ) التي هربوا منها (فَلْيَنظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَامًۭا) (أَيُّهَآ) أي أهلها (أَزْكَىٰ طَعَامًۭا) أحلّ طعاما وأطيبه، فعبدة الأصنام يذبحون للأصنام، وهم يتحرون الدقة في المطعوم حتى يكون حلالا (فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍۢ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ) يدخل المدينة بلطف، بشيء من التخفي، بالحرص، ويتلطف في الدخول (وَلَا يُشْعِرَنَّ) ولا يخبرن (بِكُمْ أَحَدًا ﴿١۹﴾) لا يجعل الناس يشعرون بكم، أو بدخولكم، ولا يتكلم في شيء، وليأت بالطعام في السر متخفيا، فإن وقع في أيدي القوم فلا يخبرن بنا أحداً، واستنبط العلماء من الآية ثلاثة أمور في المعاملات‫:‬‬
‫الوكالة‫:‬ وهو تفويض شخص غيره في أمره، فيما تصح فيه النيابة، والشركة، والاختلاط في الطعام، هم أوكلوا أحدهم ليأتيهم بالطعام، تلك وكالة‫.‬‬
‫الأمر الثاني‫:‬ الشركة (بِوَرِقِكُمْ) إذاً فقد كان المال مشتركا بينهم فالشركة صحيحة، وتصح، فإن جيء بالطعام أكلوا جمعيا من الطعام، بغض النظر من يأكل أكثر من الآخر، فقد جاء ذاك في القرآن منبهاً المسلمين في الطعام مع اليتامى (وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ ۚ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٢٠]، وأيضا في الأكل (أَن تَأْكُلُوا۟ مِنۢ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ) [سورة النور آية‫:‬ ٦١]، (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا۟ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًۭا ۚ ) [سورة النور آية‫:‬ ٦١]، فالاختلاط في الطعام، والشركة في ثمنه جائزة بغض النظر عن الكمية التي يأكلها كل واحد من الشركاء‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، عبرة، وعظة في قصة أهل الكهف، الإيمان، القوة، اللجوء إلى الله نتيجة التوكل على الله، من توكل على الله كفاه، أرسل الفتية أحدهم إلى المدينة، وقد مرت سنون وقرون، وتغير الحال، وأصبح أهل المدينة على دين قويم، دخل الفتى بملابس تختلف عن ملابس العصر، لك أن تستنبط ذلك، أو على الأقل بدراهم مضروبة في عصر مخالف العصر‫.‬ من هنا عرف الفتى؛ إذ إن الفتى حين قدّم الدراهم، ورآها التاجر، تعجب من أين لك بها؟ هل عثرت على كنز؟ عثر عليه بسبب الفضة، الدراهم المضروبة (إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوٓا۟ إِذًا أَبَدًۭا ﴿٢۰﴾) أصل كلمة ظهر‫:‬ صار على ظهر الأرض، وما صار على ظهر الأرض أصبح مشاهداً متمكنا منه، فكلمة (ظهر) تفيد معنى اطلع، تفيد أيضا معنى تمكن فيتعدَّى بكلمة (على) ظهر عليه أي اطلّع عليه، أو تمكّن منه، أظهره الله‫:‬ نصره وغلّبه (إِنَّهُمْ) أهل المدينة (إِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ) يطّلعون عليكم، أو يتمكنوا منكم (يَرْجُمُوكُمْ) يقتلوكم بالرجم لمخالفتكم لدينهم (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ) هل كانوا على ملّتهم وتركوها، أم المقصود بكلمة (يُعِيدُوكُمْ) يصيّروكم؟ قد، وقد، وقد تعني أنهم كانوا على ملة الآباء في عبادة الأصنام، ثم أفاقوا، وهداهم الله، وأنار بصائرهم، أو لم يكونوا على ملة الآباء قط، وكلمة (يعيد) بمعنى يصيّر (وَلَن تُفْلِحُوٓا۟ إِذًا أَبَدًۭا ﴿٢۰﴾) إذا عدتم إلى ملتهم‫.
وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَآ إِذْ يَتَنَـٰزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ۖ فَقَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ عَلَيْهِم بُنْيَـٰنًۭا ۖ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًۭا ﴿21﴾
‫(وَكَذَٰلِكَ) أي كما أنمناهم، وكما بعثناهم، وكما جعلناهم آية، أعثرنا عليهم، إذا فقد أراد الله، تبارك وتعالى، أن يُعثر عليهم، والإعثار أصلا في القدم، (أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ) إذاً فقد عثر عليهم القوم، وعرفوهم بالدراهم، وقالوا في هذا الأمر الكثير من الحكايات، قال له التاجر‫:‬ من أين هذه الدراهم، أوجدت كنزاً؟ قال‫:‬ لا بل هي دراهمي، قالوا‫:‬ دخل الفتى المدينة فوجد الأبنية قد تغيرت، والشوارع قد تبدلت، فأصبح مبهورا مذهولاً، متلفتاً ذات اليمين، وذات الشمال، التفت إليه الناس وجدوا معه الدراهم، ساقوه إلى الملك، والملك كان مؤمنا في ذاك العصر، فسأله عن قصته فاطمأن إليه، فحكى له القصة، فانتقل الملك ومعه الناس إلى الكهف، فقال‫:‬ لا تدخلوا عليهم فيفزعوا منكم أدخل أنا أولاً فأخبرهم، فأطمئنهم، وحين دخل أخبرهم وطمأنهم، خاف الملك، وخاف الناس أن يدخلوا عليهم، فاختلفوا فقال بعضهم‫:‬ دخل ولم يخرج إذاً فقد ماتوا، وقال بعضهم‫:‬ بل ناموا كنومتهم الأولى، قال بعضهم‫:‬ نبني هنا قرية يسكنها الناس، وقال بعضهم‫:‬ بل نبني عليهم مسجداً نتعبّد فيه، فهم أهل الله، وأهل التقوى، وأهل الطاعة، والمكان مكان مبارك نتخذه مكان للعبادة، والسجود، وقال بعض الناس من المفسرين‫:‬ بل عمّى الله الكهف على الناس حين رجع الغلام، وذهب إلى الكهف ودخل، وانتظر الملك بالخارج، فجأة اختفى الكهف، ولم ير الملك مكان الكهف، فعُمِّي عليهم، فاختلفوا في شأنهم ماذا نفعل؟ قالوا‫:‬ نبني بناءً يعلَّم المكان حتى لا تندثر قصتهم، ونجعل على هذا البناء لوحاً من رصاص، أو من حجر تكتب عليه أسماء الفتية، ويكتب عليه قصة الفتية، كل ذلك الكلام قيل، ولنعد إلى كلام الله (عز وجل) لنرى اللفظ، ونفهم معنى اللفظ، ونأخذ العبرة من القصة (وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوٓا۟) إذاً فقد كان الإعثار عليهم لهدف، ولغرض إعلام من عثر عليهم (أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ) بالبعث، هؤلاء ناموا، وتناقلت الأجيال قصة الفتية الذين هربوا، ولم يعرف مصيرهم، تناقلت حتى وصلت لأهل ذلك الزمان، فإذا بالفتية أيقاظ كما ناموا، كما قاموا إذاً من قدر على إنامتهم هذا العدد من السنين، ثم أحياهم كما هم، لم يُبلى لهم ثوب، ولم تتغير لهم صفة، ولم يتغير لهم حال، قادر على أن يبعث الأجساد يوم القيامة ليعلموا (لِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَآ) القيامة لا ريب فيها (إِذْ يَتَنَـٰزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ۖ ) الذين عثروا عليهم تنازعوا الأمر بينهم -أمر الفتية - أو أمر كل فريق منهم (فَقَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ عَلَيْهِم بُنْيَـٰنًۭا ۖ ) ما هذا البنيان؟ ولم قالوا ذلك؟ لم يرد في القرآن ذكر، ولم يرد في السنة الصحيحة ما هو البنيان؟ هل لتعليم المكان؟ هل لسد الكهف عليهم؟ هل لدفنهم؟ وقالوا‫:‬ أراد الملك أن يضعهم في تابوت من ذهب فجاءَهُ جاءٍ في منامه قال‫:‬ لقد خلقنا من تراب فأعِدنا إلى التراب، فقالوا‫:‬ سدوا عليهم الكهف، قالوا، وقالوا، القرآن يقول (إِذْ يَتَنَـٰزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ۖ ) إذاً اختلفوا في شأن أهل الكهف، ماذا يفعلون بهم، ويُفهم من الكلام أنهم قد ماتوا ميتة طبيعية؛ إذ إن الغرض من إنامتهم، ثم بعثهم أن يعلم الناس أن وعد الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، ها وقد علموا، وتيقنوا إذاً، فلا فائدة من وجود الفتية في عصر غير عصرهم، وزمان غير زمانهم، وأناس غير أناسهم وأهلهم، فماتوا (ٱبْنُوا۟ عَلَيْهِم بُنْيَـٰنًۭا ۖ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ ) إذا من عاصر القوم فوّضوا العلم إلى الله، وقالوا‫:‬ ربهم أعلم بهم، فهل لنا بعد نزول القرآن، وبعد ما سمعنا من كلام الله أن نقول كما قال من عاصر الفتية، ربهم أعلم بهم، ولا ندخل في تفاصيل لا طائل من ورائها، ولا سند عليها، ولا دليل، ربهم أعلم بهم، بعددهم، بأسمائهم، بأشكالهم، بزمانهم، بدينهم، بما حدث لهم، بما فُعل بهم، هل ماتوا؟ هل قاموا؟ هل اختفوا؟ ماذا حدث من شأنهم؟ عن كلبهم؟ كل ذلك ربهم أعلم بهم، العبرة أن الله الذي قدر على الابتداء، قادر على الإعادة بعد الإفناء، وأن الساعة حق، وأن البعث حق، (قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَمْرِهِمْ) المسلمون الأقوياء (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًۭا ﴿٢١﴾) أي على مكان الكهف، ومكان الفتية، (مَّسْجِدًۭا ﴿٢١﴾) مكان للعبادة اتخاذ المساجد على القبور كان جائزا على شريعتهم، أو اتخاذ المساجد بعيدا عن القبور كان جائزا، هل اتخذوا المسجد عليهم أي على كهفهم، على قبرهم، على المكان، على قصتهم؟ لكن في شريعة الإسلام اتخاذ المساجد على القبور ممنوع، أيضا اصطحابهم للكلب هل يجوز أم لا يجوز؟ في شريعة الإسلام لا يصح اقتناء الكلب مطلقا إلا كلب صيد، أو كلب حرث؛ لذا يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): ( مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا ، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ)، (إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ) أي تمثال، من هنا اقتناء الكلب ممنوع في البيوت، أما كلب الماشية الذي يحرس الغنم من الذئاب، وكلب الحرث الذي يحرس الزرع فلا بأس، هذا في شأن الكلب، أما في شأن اتخاذ المساجد على القبور، فقد نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الجلوس على القبر، ونهى عن إهانة القبر، ونهى عن تعظيم القبر، ونهى عن بناء المباني كالقباب وما إلى ذلك فوق القبور، ونهى عن اتخاذ المساجد فوق القبور، كما اختلف الناس في زمان أهل الكهف، ومكانهم، وشريعتهم، وجميع شأنهم، اختلفوا كذلك في عددهم، واختلفوا في مدة لبثهم في الكهف، واختلفوا في المدة بين القبور عليهم، وبين موتهم، وهل ماتوا، أم ناموا؟ وهل هم الآن نيام يستيقظون قبل يوم القيامة، ويتبعون عيسى بن مريم، ثم يموتون كما يموت، أم قد ماتوا؟ وما هي المدة بين العثور عليهم، وبين نزول القرآن، والحكاية عنهم، اختلافات كثيرة، ويأتي الحق من قِبَل الحق يبيّن، ويعلّم، ويؤكد على نبوة حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) حيث يوحي إليه بالحق، والحقيقة، فيخبرهم بما لا يعلمون، ويؤدب، وينبّه إلى أن ما سكت الله عنه لا يجب الخوض فيه، بل يجب أن يوكل العلم به إلى الله (عز وجل) يقول عز من قائل‫:‬‬‬‬‬
سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌۭ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌۭ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًۢا بِٱلْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌۭ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّىٓ أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌۭ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَآءًۭ ظَـٰهِرًۭا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًۭا ﴿22﴾
هذه الآية على وضوحها، وبيانها، وسلاسة لفظها، لكنها تحوي من الوجوه ما جعل العلماء يختلفون فيها، وهكذا إعجاز القرآن في مبناه، وكذلك في معناه، إعجاز في اللفظ، وإعجاز في المعنى (سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌۭ) إذاً فالكلام سوف يقال، والغريب في الآية أن الله حدد الأقوال بثلاثة أقوال لا رابع لها، وهذا ما حدث إلى يومنا هذا، وإلى أن تقوم الساعة لن يأتي قول رابع، الأمر الآخر أن الله أعقب القولين الأولين بقوله (رَجْمًۢا بِٱلْغَيْبِ ۖ ) (سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌۭ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) القائلون اليهود الذين حرّضوا المشركين على سؤال النبي (صلى الله عليه وسلم) عن أهل الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، وقيل‫:‬ بل هم النصارى، وقيل الناس عموما، وقيل المعاصرين لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) على اختلاف مللهم (وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌۭ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًۢا بِٱلْغَيْبِ ۖ ) إذا فقد وصف القولين بأنهما بعيدان عن الحق، والرجم في الأصل‫:‬ الرمي بالحجارة الصغيرة، والغيب‫:‬ ما غاب عنك، الخبر الغائب، إذاً فهم يلقون بكلامهم كمن يلقي حجارة صغيرة، ولا يصيب هدفاً، يلقيها حيثما وقعت دون إصابة الهدف في قولهم، بل قالوه ظناً، ورمياً بالخبر الغائب الذي لا مُطَّلع لهم عليه، ولا علم لهم به، إذاً فهم ليسوا ثلاثة، وليسوا خمسة (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌۭ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ ) وهنا توقف العلماء عند الواو، لو أزيلت الواو (ويقولون سبعة ثامنهم كلبهم) لكان الكلام متسقاً مع ما قبله فلم الواو؟ قال بعضهم الواو عاطفة، الغرض منها والهدف بيان أن هذا هو نهاية الأقوال لا رابع لها، فهي واو عاطفة لو أزيلت ما حدث شيء، وما تغيّر المعنى، وقال بعضهم‫:‬ بل الواو هنا تدل على أن القول الحق هو سبعة، وكأنه يقول أي هم سبعة وثامنهم كلبهم، وذاك قول المؤمنين، قالوا‫:‬ ومن أجل تقرير الحقيقة؛ لأنها دخلت على صفة إلى آخر ما قيل في مسائل الإعراب، وقال البعض الآخر‫:‬ بل الواو واو الثمانية، وما معنى واو الثمانية؟ قالوا‫:‬ نهاية العدد عند العرب سبعة، كالعشرة عندنا الآن، فإذا عدّ أحدهم يقول‫:‬ خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، فإذا أنشأ عدداً آخر استأنف، وجاء الواو واستدلوا على ذلك ببعض آيات القرآن مثل (ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ ٱلْحَـٰمِدُونَ ٱلسَّـٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ ٱلْـَٔامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ (١١٢)) [سورة التوبة آية‫:‬ ١١٢]‬
‫(عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًۭا مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍۢ مُّؤْمِنَـٰتٍۢ قَـٰنِتَـٰتٍۢ تَـٰٓئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍۢ سَـٰٓئِحَـٰتٍۢ ثَيِّبَـٰتٍۢ وَأَبْكَارًۭا (٥)) [سورة التحريم آية‫:‬ ٥] وحين ذكر النار قال في شأنها‬
‫(حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧١]، وجاء في شأن الجنة‬
‫(حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٣]، لأن أبواب النار سبعة، وأبواب الجنة ثمانية، فهي واو الثمانية، قول عجيب ملفت لكن عليه رد ورد لا يهمل، قال الذين ردوا على هذا الكلام لا واو للثمانية، والواو وجودها كعدمها، ووجدت في بعض الأحوال ولم توجد في بعض الأحوال، وضربوا مثلا بما جاء في سورة الحجر، وسورة الشعراء (وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌۭ مَّعْلُومٌۭ (٤)) [سورة الحجر آية‫:‬ ٤] في سورة الحجر، وفي سورة الشعراء (وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ (٢٠٨)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٢٠٨]، بغير واو فما الفارق بل ساقوا حجة أخرى أقوى، وأشد، قالوا‫:‬ اقرأ، وإن شئتم (هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَـٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)) [سورة الحشر آية‫:‬ ٢٣]، الاسم الثامن بغير واو، قالوا‫:‬ حين ذكرت الواو في هذا المحل ذكرت، ولم تذكر لها علة، وتتبع العلة في وجود الواو في هذا المحل، تكلف لا يصح، هي الواو عاطفة، أو هي واو المقصود منها بيان أن هذا هو العدد الصحيح، أو هي واو حلية للكلام (قُل رَّبِّىٓ أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم) إذاً فمعنى هذا أن الثلاثة أقوال خارج عن الحقيقة، يؤيد هذا قول القائلين أن القول بأنهم ثلاثة، أو خمسة، أو سبعة، أقوال لم يحدد القرآن أيها أصح، فعقّب القولين بقوله (رَجْمًۢا بِٱلْغَيْبِ ۖ ) لرفضها، وسكت عن القول الثالث لكنه رده بقوله (قُل رَّبِّىٓ أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌۭ ۗ ) فنسب العلم لنفسه بعددهم، وفي نفس الوقت نسب العلم إلى بعض الناس، وهم قلة الذين عاصروهم، أو الذين عثروا عليهم، أو الذين أخبرهم الله بشأنهم كالنبي، صلى الله عليه وسلم، قد يكون أخبره بعددهم (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَآءًۭ ظَـٰهِرًۭا) المراء‫:‬ المجادلة، والمراء في القرآن مذموم (إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِى ٱلسَّاعَةِ لَفِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍ (١٨)) [سورة الشورى آية‫:‬ ١٨]، لكن هنا المراء لكي يخرج عن المراء المذموم قيّده ربنا بقوله (مِرَآءًۭ ظَـٰهِرًۭا) فخرج عن المراء المذموم، والمراء الظاهر هو عدم المجادلة، وإنما أن ترد على من يجادل بقولك‫:‬ ليس كما تقول‫:‬ ليس الأمر كذلك، لا أعتقد هذا وتسكت، أو المقصود مراءً ظاهراً بأن تتلو عليهم ما أوحينا إليك، من هم؟ ما قصتهم؟ فتية ربط الله على قلوبهم، فتية ضرب الله على آذانهم، لبثوا في كهف سنين عددا، تتلو عليهم ما أوحينا إليك (وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًۭا ﴿٢٢﴾) لا تسترشد، لا تسأل سؤال مسترشد، ففيما أوحى إليك مندوحة عن ذلك، في القرآن الكفاية، فلا تسأل أحداً من أهل الكتاب عن قصتهم، ولا تسأل سؤال متعنت لتبين جهلهم، أو رجمهم بالغيب، وقال العلماء في هذه الآية‫:‬ هي إرشاد، وتوجيه للأمة، وللمسلمين كافة، ألا يسألوا أهل الكتاب عن أي أمر، أو أي شيء، ففي القرآن الكفاية، ثم يأتي العتاب الرقيق لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، تذكرون أنه قد رُوي أن يهود المدينة حين حرّضوا المشركين على سؤال النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ثلاثة أشياء‫:‬ أهل الكهف، ذو القرنين، الروح، قال‫:‬ أخبركم غداً، ولم يقل‫:‬ إن شاء الله، فجاء التنبيه، والتأديب، والإرشاد في قوله (عز وجل):
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌۭ ذَٰلِكَ غَدًا ﴿23﴾ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًۭا ﴿24﴾
هذا هو التأديب، والإرشاد، والعتاب الرقيق لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأنه حين قال‫:‬ أُخبركم غدا امتنع الوحي عنه بضعة عشر ليلة، أو خمسة عشر يوماً حتى اضطرب اضطراباً شديداً، وكذّبته قريش، وخاضوا في شأنه، من هنا نزل التأديب (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌۭ ذَٰلِكَ) أي لا تقولن في شأن شيء، أو لأجل شيء (إِنِّى فَاعِلٌۭ ذَٰلِكَ غَدًا ﴿٢۳﴾ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ ) الكلام فيه إضمار بمعنى‫:‬ إلا أن تقول‫:‬ إلا أن يشاء الله، أو إلا أن تقدم المشيئة (وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) وهنا توقف العلماء أيضا، نسي المسلم أن يقول إن شاء الله، ثم تذكر فماذا يقول؟ ومتى يقول حين يتذكر؟ قال بعضهم‫:‬ إذا نسيت المشيئة، ثم تذكرت قل‫:‬ إن شاء الله ما دمت في مجلسك الذي تكلمت فيه، وقال بعضهم‫:‬ بل إلى سنة، وقال بعضهم‫:‬ بل إلى سنتين، وقال البعض الآخر‫:‬ ليس هذا هو المطلوب، وإنما (وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) أي واذكره بالتسبيح، والاستغفار؛ لأنك نسيت أن تقدم المشيئة، ونسيت أن تقول‫:‬ إن شاء الله، فإذا تذكرت أنك لم تقلها، فاستغفر وسبح، وقال بعضهم‫:‬ أبدا الكلام واضح إذا تذكرت أنك نسيت تقديم المشيئة، والاستثناء في الكلام عن المستقبل (وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًۭا ﴿٢٤﴾) وقال بعضهم‫:‬ هذا دعاء عام ليس مقيدا بتذكر نسيان المشيئة (وَقُلْ) فعل أمر دعاء عام للنبي (صلى الله عليه وسلم) وللأمة (عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًۭا ﴿٢٤﴾) أي لأقرب من هذه القصة، قصة أهل الكهف، وأظهر دلالة على نبوتي، فالقصة كان سُئل عنها النبي (صلى الله عليه وسلم) للدلالة على أنه نبي، سلوه عن فتية في زمان مضى في أول الدهر ذهبوا، سلوه ما شأنهم، فإن أخبركم فهو نبي، ها هو قد أخبرهم فربنا يقول له (عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًۭا ﴿٢٤﴾) يُظهر من الدلالات، والأدلة، والبراهين، واليقين على نبوتي أقرب، وأظهر، وأبين دلالة من هذه القصة، فهو دعاء عام، وقال بعضهم شيء غريب، قالوا‫:‬ الإنسان مبتلي بالنسيان، وما سُمي الإنسان إنسانا إلا لنسيه (وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًۭا (١١٥)) [سورة طه آية‫:‬ ١١٥]، فأيما شيء نسيت، وتريد أن تتذكر أين وضعت الشيء الفلاني؟ أين فعلت كذا؟ ماذا قلت في كذا؟ نسيت، وأردت أن تتذكر فقل‫:‬ الله، يذكّرك، أي واذكر ربك إذا نسيت أمرا يذكر إيّاه‫.‬‬
‫(وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًۭا ﴿٢٤﴾) أي عسى أن يهديني ربي لأدنى، وأقرب خيراً من الأمر الذي نسيت تقديم المشيئة فيه‫.‬‬‬‬
وَلَبِثُوا۟ فِى كَهْفِهِمْ ثَلَـٰثَ مِا۟ئَةٍۢ سِنِينَ وَٱزْدَادُوا۟ تِسْعًۭا ﴿25﴾ قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ ۖ لَهُۥ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِۦ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِۦٓ أَحَدًۭا ﴿26﴾
وهنا أيضا توقف العلماء، فالقرآن رغم وضوحه، وبيانه، وإعجازه، إلا أنه حمّال وجوه، وهنا يتفاضل الناس بعلمهم في بيان وإبراز الوجوه التي تحتملها الألفاظ (وَلَبِثُوا۟ فِى كَهْفِهِمْ) أهو خبر من الله عن مدة بقائهم في الكهف؟ أم هو حكاية عن قولهم سيقولون ثلاثة، ويقولون أيضا أنهم لبثوا في كهفهم، فهل هو خبر من الله، إذاً فمدة اللبث معلومة، ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعة؟ أم هو حكاية عن قول المختلفين؟ هلمّ بنا نرى الحجج لكل فريق (وَلَبِثُوا۟ فِى كَهْفِهِمْ ثَلَـٰثَ مِا۟ئَةٍۢ سِنِينَ وَٱزْدَادُوا۟ تِسْعًۭا ﴿٢٥﴾) وتوقفوا عند التسعة، ما معنى (وَٱزْدَادُوا۟ تِسْعًۭا ﴿٢٥﴾)؟ تسعة أيام؟ تسعة أشهر؟ تسعة سنين؟ أي تسع؟ فقالوا‫:‬ بل تسع سنين لأن الكلام عن السنين، أيضا بعضهم قال‫:‬ إنهم لبثوا ثلاثمائة سنين، وبعضهم قال‫:‬ لبثوا ثلاثمائة سنين وتسع، فذكر القولين لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين، وازدادوا تسعا، في قول آخرين، وقال الآخرون‫:‬ أبداً، وإنما الحساب بالسنين الشمسية يساوي ثلاثمائة سنين، والنبي عربي، وحسابه بالسنة القمرية، فأراد ربنا (تبارك وتعالى) أن يعطيه المدة بالسنين الشمسية التي يحسبها أهل الكتاب، وبالسنين القمرية فهي ثلاثمائة سنين شمسية، وثلاثمائة وتسع سنين قمرية، إذ يتفاوت الحساب في كل ثلاث وثلاثين وثلث سنة، سنة، ففي الثلاثمائة تسع سنين، فربنا يبين له الحساب بالسنين الشمسية، وبالسنين القمرية، وذاك أمر لم يكن لمحمد أن يعلمه، أو أن يستطيع أن يحسبه، فجاء القرآن به (قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ ۖ ) وهنا تحير العلماء، الله أعلم بما لبثوا لكنه أخبرنا (وَلَبِثُوا۟ فِى كَهْفِهِمْ ثَلَـٰثَ مِا۟ئَةٍۢ سِنِينَ) فإن كان خبرا، ها هو الخبر قد جاء (قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ ۖ ) ما موقعها؟ فقيل لبثوا في كهفهم مدة النوم ثلاثمائة سنين، وازدادوا تسعا، والله أعلم بما لبثوا بعد ذلك منذ العثور عليهم حتى أوحينا إليك قصتهم؛ لأن الاختلاف حدث في مدة وجودهم في الكهف، ثم بعد ما عثر عليهم، هل ماتوا؟ هل ناموا؟ ما المدة بعد العثور حتى ماتوا، أو حتى ناموا، أو حتى نزل القرآن؟ فهي مدد (لَبِثُوا۟) الأولى عن مدة نومهم و (لَبِثُوا۟) الثانية عن المدة منذ العثور عليهم إلى أن أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) بقصتهم، ذاك قول، والقول الآخر وذاك يترجح والله أعلم كما قيل في العدد (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌۭ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّىٓ أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم) إذاً العدد معلوم لدى الله، وقلة من الناس أعلمهم الله، وليس كما قيل‫:‬ سبعة، كذلك في المدة (وَلَبِثُوا۟ فِى كَهْفِهِمْ ثَلَـٰثَ مِا۟ئَةٍۢ سِنِينَ وَٱزْدَادُوا۟ تِسْعًۭا ﴿٢٥﴾ قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ ۖ ) فالرد الواضح (قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ ۖ ) والخلافات كثيرة، والأقوال عديدة، وخاض المفسرون أو بعضهم في شأنهم، فمن قائل أنهم حين دخلوا الكهف وخاف الملك أن يدخل عليهم بعد ما عثروا عليهم قالوا‫:‬ ابنوا عليهم بنيانا، فسدوا الكهف عليهم، فالبعض قال بعد ما سُد الكهف ماتوا، والبعض قال‫:‬ بل هم نيام إلى الآن يستيقظون عند بعثة عيسى في المرة الثانية، ويكونون هم الحواريون له ذاك الوقت، أقوال والرد على كل ذلك (قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ ۖ لَهُۥ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ) ما غاب في السموات والأرض (أَبْصِرْ بِهِۦ وَأَسْمِعْ ۚ ) تعبير أذهل العلماء، أبصر بهديه وإرشاده، وأسمع به العالم حتى يعرفون الله، أو أبصر به المختلفين، وأسمعهم بالوحي حتى يعلموا أن الله هو عالم غيب السموات والأرض، إذاً هو فعل أمر، وقال بعضهم‫:‬ بل هو تعجب أي ما أبصره!! وما أسمعه! كما تقول ما أعظمه! وما أرحمه! وما أحلمه! وما أكرمه! فكذلك (أَبْصِرْ بِهِۦ وَأَسْمِعْ ۚ ) صيغة تعجب وكيف تأتي صيغة التعجب، وما هو المراد منها؟ صيغة التعجب تُخرج إدراك الله (عز وجل) للمسموعات، والمبصرات عن كيفية إدراك المبصرين، والسامعين في هذا الوجود، من أبصر، أبصر بعينه، ومن سمع، سمع بأذنيه، فإن أبصر بعينه، وسمع بأذنه أدرك، فهي وسائل للإدراك، فالنظر، والسمع وسائل للإدراك (أَبْصِرْ بِهِۦ وَأَسْمِعْ ۚ ) معنى ذلك ما أبصره، وما أسمعه يُبصر ويسمع ليس كما يبصر المبصرون، أو يسمع السامعون، فهو يبصر بغير عين، بغير حدقة وأجفان، ويسمع بغير أصمخة وآذان، يرى خفايا الوهم، والتفكير، ويسمع هواجس الضمير، لا تفوته فائتة، ولا تغيب عنه غائبة، يستوي في كمال سمعه الأصوات، وتستوي في كمال بصره ورؤيته كل الموجودات، ما غاب، وما ظهر، وما خفي، يعلم السر وأخفى، يعلم ما تخفي الصدور، ما أبصره، وما أسمعه، بصره وسمعه ليس كمثله شيء (مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِۦٓ أَحَدًۭا ﴿٢٦﴾) الكلام عن السائلين، واليهود المتعنتين، أو الكلام عن ما في السموات والأرض، له غيب السموات والأرض، (مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّۢ ) : من نصير، أو من أحد يتولى أمره (مَا لَهُم) الكلام عن أهل الكهف، هو الذي أنامهم، هو الذي أيقظهم، هو الذي يبعثهم، هو الذي حفظهم (مَا لَهُم) للسائلين، والمتعنتين المريدين لدليل على نبوتك (مَا لَهُم) لمن في السموات والأرض لقوله (لَهُۥ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ) (وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِۦٓ أَحَدًۭا ﴿٢٦﴾) لا شريك له في قضائه، وحكمه، ولا معقب على حكمه، هو الغني عن كل شيء، وقُرأت (ولا تشرك في حكمه أحدا)، أمر، وكأنها معطوفة على قوله (أَبْصِرْ بِهِۦ وَأَسْمِعْ ۚ ).‬
وَٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلْتَحَدًۭا ﴿27﴾
وانتهت قصة أهل الكهف، ويوجه ربنا نبيه (صلى الله عليه وسلم) إلى الحق، إلى الصدق، إلى الخبر اليقين، إلى الطريق المستقيم، ويرد أيضا على قولهم (ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ) [سورة يونس آية‫:‬ ١٥]، (وَٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ ) إذاً هذا هو الحق، هذا هو الصدق، اتل القرآن، واقرأ على الناس ما أوحي إليك (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ) أي لن يجرؤ مخلوق، ولن يقوى مخلوق، ولن يستطيع مخلوق، ولن يحدث أن يتغير كلام الله، هو الحافظ له، وصدق الله، وصدق رسول الله، ولا مبدل لكماته، وها هو القرآن كما نزل على سيد الأنام لفظا وحرفاً، وقراءة آية، آية، وسورة، سورة وكلمة، كلمة، وحرف، حرف لم يتبدل منه شيء (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلْتَحَدًۭا ﴿٢۷﴾) ملجأ، الملتحد أصلا‫:‬ من ألحد، ولحد إذا مال، وعدل عن القصّد، لن تجد من دونه ملتحداً، أي أحداً تميل إليه، وتلتجئ إليه، أو تحتمي به، ويتوجه الكلام للنبي (صلى الله عليه وسلم) مبينا له أمراً أراد النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يرى فيه الحق، المسارعون، والسابقون إلى الإسلام كانوا الفقراء، وكانوا العبيد، وكانوا في رثاثة ثيابهم، وقدمها، تخرج منهم أو تظهر منهم أرواح العرق وما إلى ذلك، واستنكف المشركون الأغنياء العظماء أن يجلسوا مع هؤلاء في مجلس واحد، فذهبوا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وطلبوا منه أن يصرف هؤلاء عن مجلسه حتى يجلسوا له، وقالوا‫:‬ نحن رؤساء، وعظماء، وإذا آمنا آمن أقوامنا فاصرف عنك هؤلاء حتى نستطيع أن نجلس إليك، أو اجعل لنا يوما، واجعل لهم يوما، ونزلت الآيات، ولم يفكر النبي (صلى الله عليه وسلم) لحظة في أن يسمع لهم، والكلام فيه التوجيه، والإرشاد كقوله (عز وجل) (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ (٦٥)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٦٥]، وذاك أمر مستحيل في حق النبي (صلى الله عليه وسلم) فكذلك ربنا (تبارك وتعالى) يقول له‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُۥ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمْرُهُۥ فُرُطًۭا ﴿28﴾
هذه الآية شبيهة بما نزلت في سورة الأنعام (وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍۢ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٥٢)) [سورة الأنعام آية‫: ٥٢]، قيل‫: إن القائل أمية بن خلف، وقيل‫: بل آخرين عُيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وهم من المؤلفة قلوبهم، والآية تبين للنبي (صلى الله عليه وسلم) أن الحلية، حلية النفس، والروح، وليست حلية الجسد، والثياب، تبين أن المقام عند الله بالمضمون، وليس بالمظهر، وأن الفقر والغنى لا علاقة لهما برضا الله، ورضوانه يقول الله (تبارك وتعالى) (وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ) أي واحبس نفسك، وارهنها، وثبتها (مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم) بقراءة القرآن بالتسبيح، بالاستغفار (بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ) بالصباح، والمساء، كناية عن أنهم يذكرون الله في جميع الأوقات (يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ ) إذاً فهم مخلصون في ذكرهم لله، مخلصون في عبادتهم، مخلصون في قراءتهم للقرآن، لا يبتغون أجراً دنيويا، بل يبتغون الأجر من الله، كل عملهم خالص لوجه الله (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) عدا يَعْدُو‫: تجاوز الشيء، وانصرف عنه، ولا تعد عيناك أي لا تجعل العينيين ينصرفان، أي لا تقتحمهم عيناك، وتتجاوزهم إلى غيرهم، فتترك النظر إليهم، وتنظر إلى هؤلاء المزينون بالريش، والحرير، والملابس، وفاخر الثياب، لا تصرف عينيك عن هؤلاء الفقراء، أو تزدريهم، أو تحتقرهم، أو تتأفف من أرواح عرقهم، وتنظر إلى هؤلاء المطيبون، المرتدون للملابس الفاخرة وما إلى ذلك، وما أراد ذلك النبي (صلى الله عليه وسلم) لكن الكلام فيه توجيه (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُۥ عَن ذِكْرِنَا) الآمرون له بطرد الفقراء، أو بجعل مجلساً لهم، ومجلس للفقراء، (أَغْفَلْنَا قَلْبَهُۥ): غطينا قلبه، أو أنمناه، أو جعلناه غافلا (وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ) اتبع نفسه، وما تشتهيه (وَكَانَ أَمْرُهُۥ فُرُطًۭا ﴿٢۸﴾) فُرُطاً من الإفراط‫: تجاوز الحد، أي تجاوز الإيمان، وذهب إلى الكفر، أو من التفريط، قصّر وتراخى عن الإيمان، واشترط شروطا لإسلامه، أو هي من التقدم من قولهم فُرُط، أو فَرَط منه الأمر‫: سبق، سبق الإيمان، وذهب بعيداً.
وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍۢ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا ﴿29﴾
‫(وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ ) الحق هو الذي يأتي من قبل الله، وما جاء من أي جهة فهو باطل (وَقُلِ ٱلْحَقُّ) (ٱلْحَقُّ) مبتدأ، أو الحق خبر لمبتدأ مضمر تقديره (هو) أي (وقل هو الحق من ربكم) والمعنى يختلف (وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ ) أي إياكم واتباع الهوى، وكل ما تقولونه وتتبعونه فهو الهوى، فالحق هو الآتي من الله، والهادي هو الله، يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، وكل أفعاله حق، (فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ ) أو (وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ ) أي هذا الوحي، وهذا القرآن الحق لا مراء فيه، (فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ) أهو تخيير للإنسان إن أردت أن تؤمن فلك أن تؤمن، وإن أردت أن تكفر فلك أن تكفر؟ لا، إنما هو تهديد شديد، ووعيد شديد، وكأن الله يقول‫:‬ من آمن فلن يزيد إيمانه من ملكي شيئا، ومن كفر فلن ينقص كفره من ملكي شيئا، أو قل يا محمد لا أبالي بمن يؤمن، ولا أبالي بمن يكفر، إن عليّ إلا البلاغ، وها قد أبلغت (إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا) ها هو الجزاء ليبين أن الكلام ليس تخييرا، بل الكلام فيه التهديد، (أَعْتَدْنَا) جهزنا، وهيّأنا (نَارًا) فالنار مخلوقة، وهي موجودة الآن، والإيمان بوجودها واجب (نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ ) السرادق‫:‬ السور، والسرادق اختلفوا فيه، قيل‫:‬ السرادق نار، وقيل‫:‬ السرادق‫:‬ دخان جاء ذكره في قوله‫:‬ (ٱنطَلِقُوٓا۟ إِلَىٰ ظِلٍّۢ ذِى ثَلَـٰثِ شُعَبٍۢ (٣٠)) [سورة المرسلات آية‫:‬ ٣٠]، (وَظِلٍّۢ مِّن يَحْمُومٍۢ (٤٣)) [سورة الواقعة آية‫:‬ ٤٣]، ذاك هو السرادق، أي محيط بهم دخانها، ولهيبها، والله أعلم بهذا السرادق، وكيف هو؟ أحاط بهم إذاً فلا مهرب، والغرض من ذكر السرادق هو أن النار محاطة لا مهرب منها، ولا ملجأ، ولا طريقة للنجاة (وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟) من العطش الشديد (يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍۢ كَٱلْمُهْلِ) قيل‫:‬ الاستغاثة من شدة العطش، من شدة الحر، من شدة اللهيب، فيغاثوا بماء كالمهل، والمهل له معان كثيرة، المهل‫:‬ كل معدن أذيب إلى درجة السيولة، من رصاص أو قصدير أو نحاس فهو مهل، والمُهل أيضا دُردِيّ الزيت، والمُهل أيضا ما يسيل من القروح، والجروح من أهل جهنم، والمُهل أيضا‫:‬ النتن، ما بلغ الغاية في الحرارة، هذا الماء الذي بلغ الغاية في الحرارة، المهل سواء كان من قروحهم، وجروحهم، وما يسيل منهم، أو كان من نحاس مذاب، أو غيره، إذا قرّبوه إلى وجوههم سقطت فروة وجوههم، سقط لحم الوجه في الإناء الذي قُدم إليهم (بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا ﴿٢۹﴾) بئس الشراب الذي يشربونه، ما أبأس منه، وما أسوأ منه، وساءت النار مرتفقا‫:‬ أهي من الرفقة، المرافقة، وساءت مرتفقا مجتمعا، فلا يجتمع فيها إلا المجرمون الظالمون، الجبابرة، أو من الارتفاق، وهو الاتكاء على المرفق، والنار ليس فيها اتكاء، لا فيها راحة، ولا ينامون فيها، ولا يجلسون، فحين يقول‫:‬ ساءت مرتفقا لمشاكلة اللفظ حين يأتي (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًۭا ﴿۳١﴾) بالنسبة لأهل الجنة، فهي مشاكلة لفظية، وفيها معنى الاستهزاء بأهل جهنم، أين يرتفقون؟ وكيف يرتفقون؟ وكعادة القرآن بضدها تتميز الأشياء، ذاك مصير أهل الظلم، أهل الشرك، أهل الكفر، فما مصير أهل الطاعة، والرضا، والرضوان؟‬
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴿30﴾ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًۭا مِّن سُندُسٍۢ وَإِسْتَبْرَقٍۢ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ ۚ نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًۭا ﴿31﴾
وهنا أيضا توقف العلماء (ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ) إذاً فقد أحسنوا عملاً، فما معنى إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً؟ قال بعضهم‫:‬ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن منهم عملاً، أما من أحسن عملاً من الكفار فلا أجر له، بل محبطٌ عمله؛ إذ يشترط لقبول العمل الإيمان، وقال البعض الآخر‫:‬ أبداً، لا داعي لكل ذلك، الكلام معترض واسمع (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار)، والكلام معترض (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴿۳۰﴾) كلام يبث الطمأنينة في قلب كل عامل؛ إذ لا يضيع الله أجر من أحسن عملاً، ولو كان مثقال ذرة (أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ) بيان للجزاء، جنات عدن، جنات الإقامة، عَدَن بالمكان‫:‬ أقام، أو جنة عدن هي جنة، فقال جنات لسعتها، حيث إن كل موضوع منها يصلح أن يكون جنة، فلشدة السعة قال جنات (تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ) تجري من تحت قصورهم الأنهار (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ) وفي موضع آخر (أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍۢ) [سورة الإنسان آية‫:‬ ٢١]، وفي موضوع آخر (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَلُؤْلُؤًۭا ۖ ) [سورة الحج آية‫:‬ ٢٣]، فقيل ما من أحد في الجنة إلا وله على الأقل ثلاثة أساور‫:‬ أسورة من ذهب، أسورة من فضة، أسورة من لؤلؤ، والسوار ما يلبس في المعصم، وتبلغ الأساور من المسلم موضع وضوئه (وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًۭا مِّن سُندُسٍۢ وَإِسْتَبْرَقٍۢ) اللون الأخضر قيل فيه ما قيل، لكن هل أخضر الجنة كأخضر الدنيا؟ لا والله، ما في الجنة من دنياكم إلا الأسماء، السندس‫:‬ ما رق من الحرير، وشف (وَإِسْتَبْرَقٍۢ ) ما ثخن وغلظ، استبرق‫:‬ استفعل من البريق، كأن له بريق يخطف الأبصار (مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ ۚ ) وقيل في الأرائك أقوال كثيرة تبلغ كذا، ومكللة بالدر، والياقوت، كل ما خطر ببالك فما في الجنة خلاف ذلك، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، الأرائك‫:‬ جمع أريكة، والأريكة‫:‬ ما يتوكأ عليه، وقيل الأريكة‫:‬ سرير الزفاف المُكلل بالدر، والياقوت المحاط بالقبة، بالحجلة وما إلى ذلك، أقوال لا أساس لها، وإنما هو ربنا الذي يقول، وهو الذي يُعد (نِعْمَ ٱلثَّوَابُ) الجنة (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًۭا ﴿۳١﴾) أي الاتكاء فيها، يقول عمرو بن العاص كما يقول عنه النسائي‫:‬ (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أخبرنا عَنْ ثِيَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، أَخَلْقٌ يُخْلَقُ أَمْ نَسْجٌ يُنْسَجُ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) وضَحِكَ بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ): مِمَّ تَضْحَكُونَ؟ أَمِنْ جَاهِلٍ يَسْأَلُ عَالِمًا؟ ثُمَّ قال رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ): أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: هَأَنَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ): بَلْ يُشَقَّقُ عَنْهَا ثَمَرُ الْجَنَّةِ، بَلْ يُشَقَّقُ عَنْهَا ثَمَرُ الْجَنَّةِ) وكأن الثمار في الجنة ثمار تؤكل، وثمار تلبس، وسبحان القادر على كل شيء، وقال (صلى الله عليه وسلم): (خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، وَخَلَقَ فِيهَا ثِمَارَهَا، وَشَقَّ فِيهَا أَنْهَارَهَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، فَقَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي لا يُجَاوِرُنِي فِيكِ بَخِيلٌ) من أبدع ما تجد في القرآن الكريم الأمثال، والقرآن حافل بالأمثال الغريبة، والعجيبة، والواقعية، والملفتة للنظر، وربنا (تبارك وتعالى) يقول (وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا ٱلْعَـٰلِمُونَ (٤٣)) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٤٣]، في سورة الكهف، والتي نحن بصددها يضرب الله (تبارك وتعالى) الأمثال لكفار مكة الذين قالوا لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم): اطرد عنك هؤلاء الفقراء الضعفاء؛ كي نجلس إليك، كيف تطيق رائحتهم! اجعل لهم يوما، واجعل لنا يوما، نحن الأشراف إذا آمنا آمن بإيماننا الأقوام، ونزل القرآن ينبه (وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٥٢].
وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًۭا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَـٰبٍۢ وَحَفَفْنَـٰهُمَا بِنَخْلٍۢ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًۭا ﴿32﴾ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْـًۭٔا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَـٰلَهُمَا نَهَرًۭا ﴿33﴾
لو تأملت في المثل لوجدت التصوير القرآني لهذا المكان تصويرا رائعا، يدل على الوفرة، والكثرة، والجمال، والبهجة، رجلين أحدهما مؤمن، والآخر كافر، قال بعض الناس‫:‬ هما أخوان من بني إسرائيل ورثا مالاً فأنفق أحدهما ماله في مرضاة الله فافتقر، وأنفق الآخر أمواله في الأرض، والزرع فأثمر ماله، وقيل‫:‬ بل هما مثل للمؤمن، والكافر في كل مكان، وزمان، وقيل‫:‬ هما رجلان أحدهما مشرك آتاه الله من الدنيا فازداد كفراً، وبطراً، والآخر مؤمن يذكّر صاحبه، ويعظ، وقال آخرون‫:‬ هو مجرد مثل، وليس ثمَّ رجلان، لكن السياق في الكلام في الآيات يدل على أن المثل حقيقة، وهناك رجلان (جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ) الجنة‫:‬ البستان الوارف، كثير الثمار، وسُمِّي جنة لتكاتف الأغصان، وتغطيتها للأرض (جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَـٰبٍۢ ) العنب يُزرع على عروش يهيأ له بناء من الأخشاب، وغيرها (وَحَفَفْنَـٰهُمَا بِنَخْلٍۢ ) أحاط ربنا الجنتين بنخل (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًۭا ﴿۳٢﴾) بين الجنان زروع مختلفة الثمار، تخيل هذا المنظر أعناب مثمرة، مرفوعة، حُفَّت، وأحيطت بالنخل، وأحاط بها، واستدار حولها، والزروع في الأرض، فإن نظرت إلى أعلى وجدت ثمار العنب، وقطوفه، وإذا نظرت إلى أسفل وجدت الثمار التي نشأت من الأرض، وخرجت من الأرض (كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا) الأُكُل‫:‬ كل ما يؤكل يقال له أُكُل، الأُكُل‫:‬ الثمار، والزروع، والنبات (ءَاتَتْ) مفرد لأن (كِلْتَا) في الأصل اسم مفرد (كِلْتَا) (كلا) اسم مفرد وضع للتثنية، فإن جاء بعده اسم ظاهر فهو في الرفع، والنصب، والخفض سواء، فتقول‫:‬ جاءني كلا الرجلان، ومررت بكلا الرجلين، ورأيت كلا الرجلين، وهكذا أما إذا جاء الاسم بعد (كلا) (كلتا) مضمر قُلبت الألف ياء في النصب، والجر، فتقول‫:‬ مررت بكليهما، ورأيت كليهما، وجاءني كلاهما، ذاك أرجح الأقوال من حيث النحو (كلا) اسم مفرد، مثل (نحن) يدل على التثنية؛ لذا قال (كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا) ولم يقل (آتتا) (كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ) أي كل واحدة من الجنتين أثمرت، وآتت (أُكُلَهَا) ثمارها (وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْـًۭٔا ۚ ) فلم تنقص منه شيئا، الثمار كاملة (وَفَجَّرْنَا خِلَـٰلَهُمَا نَهَرًۭا ﴿۳۳﴾) وسط الجنتين جرى نهر جاري، ماؤه ظاهر، إذاً فالماء متوفر، والري مستمر، والثمار كاملة، ولا آفة هناك، ولا نقص، بل الثمار كاملة وارفة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٌۭ فَقَالَ لِصَـٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًۭا وَأَعَزُّ نَفَرًۭا ﴿34﴾ وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِۦٓ أَبَدًۭا ﴿35﴾ وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةًۭ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًۭا مِّنْهَا مُنقَلَبًۭا ﴿36﴾
‫(وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٌۭ) الثَمَر جمع ثَمَرة، ويُجمع على ثمار، الثمر‫:‬ ما يؤكل، وما ينبت، وما ينضج على الشجر (وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٌۭ) أي ثمر كثير، والثمر أيضا‫:‬ المال المثمر؛ ولذا قرأت (وكان له ثُمُر) ثُمُر مال كثير، ذهب وفضة بالإضافة للجنتين، إما (له ثمر) أي ثمار كثيرة، وإما (له ثمر) أي مال مثمّر مضاف إلى الجنتين (فَقَالَ لِصَـٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ) إذاً فالكلام يوحي بأن الغنى أخذ الفقير ودخل به الجنان، وأخذ يراجعه في الكلام، حار يحور‫:‬ رجع، أحار إليه الكلام، أو الجواب ورجع إليه، سألته فلم يُحر جوابا، لم يرد عليّ جواباً (فَقَالَ لِصَـٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ) يراجعه في الكلام (أَنَا۠ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًۭا وَأَعَزُّ نَفَرًۭا ﴿۳٤﴾) العزة بالمال، والاغترار بالدنيا، والفخر بالغنى، والخيلاء، والكِبْر، والافتخار على الغير، النفر‫:‬ الرهط دون العشرة من الرجال، والنفر‫:‬ الحشم، والخدم، النفر‫:‬ من ينفرون مع الرجل لمقاتلة عدوه، والنفر‫:‬ أولاد (وَأَعَزُّ نَفَرًۭا ﴿۳٤﴾) أكثر، وأغلب، وأشد منعة بهؤلاء النفر، الذين هم حوله من الأولاد، والخدم، والحشم، والعوام (وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ) هو له جنتان، وهنا يقول (وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ) مفرد، قيل‫:‬ لأنه إذا دخل الجنتين لابد وأن يدخل جنة، ثم يدخل الأخرى، وقيل (جَنَّتَهُۥ) لأن الجنتين متصلتان، فكأنهما جنة واحدة، وقيل‫:‬ بل هي إشارة إلى أن هذا حظه من الدنيا، جنته في الدنيا، وليس له جنة في الآخرة، كما للمتقين جنة، كناية أو إشارة يفهمها أولو الألباب (وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ) لأن من أشرك بالله، واغتر بماله عرّض نفسه للهلاك، والعذاب، فكأنه قد ظلم نفسه، إذاً فهو مشرك كافر بالله (قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِۦٓ أَبَدًۭا ﴿۳٥﴾) باد يبيد بَيداً فَنِي، وهلك، لم يتوقع خسراناً، ولا هلاكاً لجنته؛ لأن السنين مرت، وآتت كل جنة أُكُلُها كاملا لم تنقص، ولم تظلم منه شيئا، فتوقع الاستمرار؛ لذا يقول‫:‬ ما أظن أن تبيد هذه أبداً، وتطاول، واستكبر، وخرج عن الحدود بقوله (وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةًۭ) أنكر البعث، أنكر الإعادة، أنكر يوم القيامة (وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًۭا مِّنْهَا مُنقَلَبًۭا ﴿۳٦﴾) الكلام يشعر بأن الحوار كان دائراً بين الاثنين، المؤمن يذكّره بيوم القيامة، كما ذكّر المؤمنون قارون (وَٱبْتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ (٧٧)) [سورة القصص آية‫:‬ ٧٧]، الحوار يُشعر بذلك، ويُشعر بأن الفقير المؤمن يذكّر الغني الكافر بالآخرة، وبالبعث، فيرد عليه الكافر مستكبرا، مستعليا، منكراً، ما أظن الساعة قائمة، أي أن لن تحدث، ولا بعث هناك، فإن حدث فرضا جدلاً أن هناك ساعة، وقيامة، فلابد أن أجد هناك أفضل، وأحسن من هذه الجنة، إذاً فقد اعتقد أن ما عنده من مال بسبب فضل له هو يستحق هذا الفضل، اعتقد أن ما عنده من مال، وغنى، ونفر، وأولاد وما إلى ذلك؛ لأنه أهل لذلك، مستحق لذلك، فطالما مُنح ذلك في الدنيا، فلابد وأن يُمنح ذلك أيضا في الآخرة (وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًۭا مِّنْهَا مُنقَلَبًۭا ﴿۳٦﴾) خيراً من هذه الجنة مرجعاً، إذاً فقد أنكر البعث، اعتز بماله، وغناه، اعتقد دوام الحال وافترض فرضا جدليا أن الساعة إن قامت فهو ينكر قيامها أصلا، فطالما كان هذا حاله في الدنيا، فلابد وأن يكون هو نفس الحال في الآخرة؛ لأنه هو بذاته أهل للفضل‫:‬‬‬‬
قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلًۭا ﴿37﴾ لَّـٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّى وَلَآ أُشْرِكُ بِرَبِّىٓ أَحَدًۭا ﴿38﴾ وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالًۭا وَوَلَدًۭا ﴿39﴾ فَعَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًۭا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًۭا زَلَقًا ﴿40﴾ أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًۭا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبًۭا ﴿41﴾
‫(قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ) صاحبه المؤمن، واستمع إلى الكلمات الموجزة النيّرة (أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلًۭا ﴿۳۷﴾) كلام موجز، مختصر، معجز، يبين النشأة، يبين أن من قدر على الإنشاء، قدر على الإعادة بعد الإفناء، وأن الأرض، وهذه الجنة كانت أرضا لا نبات فيها، ثم أنبتت، ونزل عليها الماء، ثم الثمار أوشكت على النضج ها هي قد أنضجت، ها هو صاحبها قد حصدها، وجمعها فعادت كما كانت، ثم بدأت تثمر، وهكذا فهي دورة ابتداء، ثم إنهاء، ثم إعادة، فكذلك خلقك من تراب، فأصل مادتك التراب، خلقك من تراب، ثم من نطفة تُقذ في وقت لا يبالي صاحبها به، ولا يتوقع ما تثمر، أو تنتج، والكلام عن التراب كثير، والتأمل في النطفة ملفت للنظر، كيف نشأت؟ من أين نزلت؟ ماذا حدث لها، ثم كيف اكتملت؟ وكيف خرجت؟ ثم كيف؟ ثم كيف؟ (ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلًۭا ﴿۳۷﴾) جعلك ذكرا معتدل الخلْق، قائما معتمداً على نفسك (لَّـٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّى) (لَّـٰكِنَّا۠) بالألف في المصحف، والنون مشددة، وتقرأ بحذف الألف في الوصل، وبإثبات الألف في الوقف، تلك هي القراءة المعتمدة، والمنتشرة، وقرأت (لكن هو الله ربي) أي لكن الشأن، والأمر أن الله هو ربي، وأنا أقول ذلك، وقرأت بإثبات الألف في الوصل لا خلاف في إثبات الألف في الوقف لدى جميع القراء، تثبت على جميع القراءات، والخلاف في الوصل، منهم من أثبتها في الوصل، ومنهم من حذفها في الوصل، (لكنّ هو الله ربي)، (لكنّا هو الله ربي)، (لكنْ هو الله ربي) قراءات (لكن أنا هو الله ربي) قراءة أصل كلمة (لكنّا) لكن أنا هو الله ربي، أي لكن أنا أقول، وأقر، هو الله ربي، أصل الكلمة (لكن أنا) نُقلت حركة الهمزة إلى النون، لكنْ سكون (أنا) لكنا ففُتحت النون، فالتقت بالنون نون أنا فأُدغمت النون في النون، فشُددت (لكنّا) وأبقى على الألف للدلالة على الحركة، هذا هو أصل الكلمة (وَلَآ أُشْرِكُ بِرَبِّىٓ أَحَدًۭا ﴿۳۸﴾) دل على أن الغنى كان مشركا (وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ ) ها هنا يُعلِّم المؤمن الكافر التصرف السليم، والطريق القويم فيقول له (وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ) (لولا) كلمة تحضيض مثل (هلا) أي أدعوك لفعل الشيء، أحضك عليه (هلا) كلمة تحضيض، و (لولا) كلمة تحضيض لكنها إذا دخلت على الفعل الماضي أفادت التوبيخ، والتقريع (قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ) أي قلت هذا ما شاء الله، أي هذه الجنة هي مشيئة الله، ذاك هو التقدير (مَا) في محل رفع موصولة أو (قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ) جوابه مضمر تقديره‫:‬ ما شاء الله كان، وما يشاء لا يكون، تحتمل هذا المعنى، وهذا المعنى (لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ ) أي أن هذه الجنة، وهذا الثمر، كان بقدرة الله، وتقديره، وقوته، وليس بتقديري، ولا بقوتي، هي مشيئة الله أن يمنحني هذا الفضل، وهي قدرة الله، وقوته، لا قوة لي، ولا قدرة لي على أن أفعل ذلك، أو أن أوجد هذا، ثم يعلّمه أمراً آخر فيقول‫:‬ (إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالًۭا وَوَلَدًۭا ﴿۳۹﴾ فَعَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًۭا مِّن جَنَّتِكَ) (أَقَلَّ) (أقلُ) قراءة (أَنَا۠) مبتدأ (أقلُ) خبر، والجملة مفعول ثان، والمفعول الأول النون والياء في كلمة (ترني) يختلف الإعراب لكن المعنى واحد (فَعَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًۭا مِّن جَنَّتِكَ) فإن رأيتني أقل منك مالا، وولداً، وأنا فقير، فدوام الحال من المحال، وقد يمنحني الله مثل ما منحك، أو أفضل، أو أكثر، هو الذي أعطاك قد يعطيني جنة خير من جنتك، أما جنتك التي تتفاخر بها، وتستكبر، وتعتز بها، فقد يهلكها الله (وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًۭا زَلَقًا ﴿٤۰﴾) الحسبان‫:‬ العذاب، أصل كلمة (حسبان) جمع حسبانة، والحسبانة‫:‬ السحابة الصاعقة، (حُسْبَانًۭا) أي صواعق من السماء، أو هي مصدر بمعنى الحساب، فإن كانت بمعنى الحساب فالتقدير، ويرسل عليها عذاب حسابِك على أعمالك السيئة، وكفرك، فإما الحساب بمعنى العذاب المحسوب، أو العذاب نتيجة الحساب، أو الحسبان بمعنى الصواعق حسب تأصيل الكلمة (فَتُصْبِحَ صَعِيدًۭا زَلَقًا ﴿٤۰﴾) الصعيد‫:‬ وجه الأرض، التراب، (صَعِيدًۭا زَلَقًا ﴿٤۰﴾): مزلقة لا تثبت عليها القدم، كأن النفع انعدم منها، نفع الثمار، ونفع المشي عليها، فانعدم النفع من حيث الثمر، ومن حيث ثبات القدم عليها، والمشي، وكأنها تصبح دحض لا يدخلها إنسان، ولا ينتفع بها، حتى بالمشي، (زَلَقًا ﴿٤۰﴾): مزلقة، محلوقة، زلق رأسه يزلقه‫:‬ حلقه، والزلق‫:‬ المحلوق، فتصبح صعيداً زلقا، كالرأس المحلوقة، بيضاء لا شعر فيها، فكذلك هذه الجنة، إذا أرسل الله عليها الحسبان أصبحت تراباً، محلوقاً لا نبات فيها، ولا زرع (أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًۭا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبًۭا ﴿٤١﴾) (غَوْرًۭا) مصدر بمعنى اسم الفاعل، أي غائراً، أو ذي غور، أو يصبح ماؤها غائراً في الأرض بعد أن كان نهراً جارياً يُعاين، ويُرى، ويُروي الثمر، والشجر بغير جهد، إذا بالماء ينقطع فلن تستطيع له طلبا لهذا الماء، أو لأي ماء، للماء عموما، وانتهى الحوار، وذهب كل إلى بيته، وفجأة تنقلنا الآيات من منظر البهجة، والازدهار، إلى منظر الدمار، والبوار، وانظر إلى التصوير القرآني للموقف، كيف صوّر الجنتين؟ كيف صوّر البهجة، والازدهار؟ وتخيل الأعناب في كل مكان، النخل محيط بكل مكان، النهر الجاري، أنواع الزروع، كل ما يؤكل من حلو، وغير حلو، فواكه، وحبوب من جميع الأنواع (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًۭا ﴿۳٢﴾) كل أنواع الزرع التي تخطر على بالك، من أخضر، ومن حب، مما يؤكل، مما ينتفع به، والثمار، والفواكه، والأعناب، والبلح بأنواعه، والنهر الجاري، الماء العذب، تصوير للبهجة، والازدهار، تنقلك الآيات فجأة إلى منظر الدمار، والبوار، بكلمتين‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّىٓ أَحَدًۭا ﴿42﴾ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٌۭ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ﴿43﴾
‫(وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ) الإحاطة أصلاً من قولهم أحاط بهم العدو، واستدار حولهم من كل جانب، ومن أحاط به عدوه انهزم وهلك ودمرت بيوته وحصونه وسبيت نساؤه وذراريه، فالتصوير بكلمة (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ) دمار بوار (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا) إذاً ما حدث للجنتين، حدث بالليل وهو نائم، مطمئن في غفلة (يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ) يضرب كف على الأخرى، فعل النادم، فعل المتحسّر (وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا) (خَاوِيَةٌ): خالية، ساقطة، (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةًۢ بِمَا ظَلَمُوٓا۟ ۗ ) [سورة النمل آية‫:‬ ٥٢]، ساقطة، خَوَت‫:‬ خَلَت سقطت (عَلَىٰ عُرُوشِهَا) سقوفها، أصبحت السقوف في الأرض، والجدران فوق السقوف، وتخيل الأعناب وعروش الأعناب كلها تغطي الأرض، والزروع، فإذا بهذه العروش قد سقطت، وسقط العنب فوقها، وسقط النخل فوقها، وأصبح الكل مختلطا يابسا مهشماً، أهلكته الصواعق، وأهلكه الماء، وأهلكه المطر، وغار الماء ولم يكن هناك نهر، ولا غيْر، خاوية على عروشها (وَيَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّىٓ أَحَدًۭا ﴿٤٢﴾) ترى هل قال ذلك ندما حيث لا ينفع الندم، أم قالها توبة؟ يعلم الله، قال البعض عن الرجلين‫:‬ ذاك حالهما في الدنيا، ولهما حال في الآخرة، ذكر في القرآن في سورة الصفات‫:‬‬
‫(قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌۭ (٥١) يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ (٥٤) فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ (٥٧)) [سورة الصافات آية‫:‬ ٥١ - ٥٧]‬
‫وقال البعض‫:‬ بل حين قال (يَـٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّىٓ أَحَدًۭا ﴿٤٢﴾) ندم، توبة، وطالما تاب الحي قبل الموت، وقبل أن يغرغر قُبلت توبته، يعلم الله، لكنه حين قلب كفيه على جنته، ورآها خاوية على عروشها، قال ليتني لم أشرك بربي أحداً (وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٌۭ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ﴿٤۳﴾) الفئة التي اعتز بها (أَنَا۠ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًۭا وَأَعَزُّ نَفَرًۭا ﴿۳٤﴾) أين النفر؟ ماذا فعلوا له؟ هل منعوا عنه الصواعق، والخراب، والدمار؟ هل امتنع هو بنفسه؟ أين كبرياؤه؟ أين قوته؟ أين استكباره؟ أين؟ وأين؟ (وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٌۭ يَنصُرُونَهُۥ) أي جماعة ينصرونه من دون الله (وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ﴿٤۳﴾) بنفسه، أي وما كان ممتنعا عن انتقام الله بنفسه، وما وجد من يمنع عنه انتقام الله‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
هُنَالِكَ ٱلْوَلَـٰيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌۭ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌ عُقْبًۭا ﴿44﴾
‫(هُنَالِكَ) ظرف إذاً فالكلام عن الموقف هنالك، حيث حدث الدمار، حدث البوار، حدث الإهلاك، حدث الانتقام، هنالك الولاية لله الذي يتولّى الأمور، ويصلحها، هو الذي يفعل ما يشاء، هنالك حيث حدث الدمار، لم يكن له فئة ينصرونه من دون الله، وما كان منتصراً لأن الولاية لله، أو انتهى الكلام و (هُنَالِكَ) إشارة إلى الآخرة، هنالك أي في يوم القيامة ظرف العامل فيه، ما جاء بعده هناك الوِلايةَ لله، الوَلاية لله، الوِلاية، والوَلاية بمعنى واحد، مثل الرِضاعة الرَضاعة، والأصح أو الأقرب إلى الصواب الوِلاية‫:‬ الملك، السلطان، الوَلاية‫:‬ الموالاة‫:‬ النصر والإعانة، هنالك في يوم القيامة الوَلاية لله، هو الذي ينصر، هو الذي يتولى (ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٥٧]، أو هنالك الوِلاية (لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ (١٦)) [سورة غافر آية‫:‬ ١٦]، أي المُلك، والسلطان (لله الحقِّ)، (لله الحقُ)، (لله الحقَ) قراءات (للهِ الحقُ) نعت للولاية، الولايةُ الحقُ (لله الحقِّ) للهِ ذي الحق (لله الحقَ) مصدر مؤكد (هُوَ) الله (هُوَ خَيْرٌۭ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌ عُقْبًۭا ﴿٤٤﴾) هل هناك من له ثواب غير الله؟ هل هناك من له خير عاقبة غير الله؟ (هُوَ خَيْرٌۭ ثَوَابًۭا)، أي إذا ظن الجاهلون أن هناك ثواباً أو عاقبة، كما قال الكافر (لَأَجِدَنَّ خَيْرًۭا مِّنْهَا مُنقَلَبًۭا ﴿۳٦﴾) لا ثواب، ولا عقبى، ولا خير إلا من قبيل الله (عز وجل) هو خير مما يظن الجاهلون في ظن، أو على تقدير ما ظنه الجاهلون، كما يقول (لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ ) [سورة غافر آية‫:‬ ١٦] الملك لله في الدنيا، وفي الآخرة، لكن في الآخرة تسقط الدعاوي، ففي الدنيا من يدّعي الشفاعة للأصنام، والخير في الأصنام، والثواب عند الأصنام ادعاءات لهؤلاء، بقدر أو على حسب ظنهم، خير الثواب، وخير العاقبة عند الله، أربع أمان من أربع، وانتبه، واحفظ (من قال أربع أمن من أربعة‫:‬ من قال‫:‬ ما شاء الله لا قوة إلا بالله، أمن من العين، ومن قال حسبنا الله ونعم الوكيل، أمن من كيد الشيطان، ومن قال وأفوّض أمري إلى الله، أمن مكر الناس، ومن قال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أمن من الغم)، (إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ ، فَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ، قَالَ لَهُ الْمَلَكُ : هُدِيتَ ، وَإِذَا قَالَ : لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ قَالَ لَهُ الْمَلَكُ : وُقِيتَ ، وَإِذَا قَالَ : تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ قَالَ لَهُ الْمَلَكُ : كُفِيتَ) تروى أحاديث كثيرة، يرويها أبو هريرة، يرويها عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري عن النبي (صلى الله عليه وسلم) حين سألهم أو قال لهم‫:‬ (أَلا أُعَلِّمُكَ , أَوْ قَالَ : أَلا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ ؟ , تَقُولُ : لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ)، (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ) ما شاء الله لا قوة إلا بالله أمان من العين، وعلى المسلم كلما رأى نعمة من نعم الله عليه أن يقول‫:‬ ما شاء الله لا قوة إلا بالله، أي هذا هو ما شاء الله، تلك مشيئة الله، هو صاحب القوة، والقدرة لا قوة لي ولا قدرة، فإذا فوّض الأمر إلى الله قال الله‫:‬ أسلم عبدي، واستسلم، وحفظ له ماله، وحفظت له النعمة، وأمن من حسد الحاسدين، وإذا خرج الرجل من باب داره أو بيته، فقال‫:‬ (إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُ حِينَئِذٍ: وُقِيتَ، وَهُدِيتَ، وَكُفِيتَ) ويضرب مثل آخر غاية في الغرابة، وغاية في الصدق، والواقعية‫.‬‬‬‬
وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًۭا تَذْرُوهُ ٱلرِّيَـٰحُ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقْتَدِرًا ﴿45﴾
يضرب الله المثل للكفار، الذين اعتزوا بمالهم، وقالوا‫:‬ اطرد عنا هؤلاء الكفار، ها هي الحياة الدنيا، ها هو مثل الحياة الدنيا، واستمع وتأمل (وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ) والسماء‫:‬ كل ما علاك فهو سماء (فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ) اختلط النبات بالماء، فأينع، وأورق، وأثمر أو اختلط به بسببه النبات، فاختلط النبات ببعضه من كثرته، من كثرة الثمار، من كثرة الأوراق، والأغصان، والأشجار، تكاثفت، والتفت، واختلطت ببعضها من كثرتها، ورونقها، وإثمارها، وينوعها (فَأَصْبَحَ هَشِيمًۭا) الكلام فيه إضمار، ولك أن تقدّر، والكلام فيه حذف، واختصار، ثقة بفهم السامع، كيف أصبح؟ امتنع الماء وحدث الجفاف، وحدث القحط، ماذا يحدث للنبات؟ يتيبّس، ثم يتكسّر، ثم يتقطع، ثم يصبح فتاتاً، أو بعد ما أنبت، وأزهر، وأثمر، وحصد، جف كما يحدث للتبن، والأعواد المختلفة الخضراء، وإذا تركت أصبحت حطباً وهكذا، الهشْيم‫:‬ التحطيم، وسُمِّي هاشم جد النبي (صلى الله عليه وسلم) هاشم لأنه في زمن مجاعة، هشم الطعام لأهل مكة جمعيا (فَأَصْبَحَ هَشِيمًۭا) محطماً، متفتتاً، متكسراً (تَذْرِيه الرياح)، (تُذْريه الرياح) أذرته‫:‬ نسفته، فرّقته، دمّرته طيّرته في الهواء، نبات يبس، وتحطم، وتفتت، وتكسر، وأصبح كالتبن، كلكم يعرف التبن، إذا جاء الريح على التبن ماذا يحدث؟ يطير في الهواء، ولا يبقى له أثر، فكذلك هذا النبات أصبح هشيما تذروه الرياح (وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقْتَدِرًا ﴿٤٥﴾) قادراً على الإنشاء، قادراً على الإفناء، قادراً على الإعادة‫.‬‬‬‬
ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌ أَمَلًۭا ﴿46﴾
المال فيه الجمال، والنفع، والبنون فيهم القوة، من أجل ذلك كان المال والبنون زينة، لكن من طبيعة الزينة أن تقام، ثم تُفض، ولا دوام لها (وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌ أَمَلًۭا (٤٦)) خيْر ثوابا‫:‬ عاقبة، جزاء، أجر، (وَخَيْرٌ أَمَلًۭا (٤٦))؛ لأن صاحب الأعمال الطيبة صاحب الباقيات الصالحات، كان يأمل بها في الدنيا أمراً فتحقق أمله بها في الآخرة، أمران في الآيتين في كل آية أمر (وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ) هل المثل المضروب وتشبيه حال الدنيا بالأرض، والنبات الذي أصبح هشيماً أخضر، وأينع، وأثمر، والتفّت الأشجار، والتفّت الأغصان، وتدلت الثمار، ثم فجأة حدث الجفاف، والقحط، وحدث اليبس، حدث التفتت، والتكسر، وجاءت الرياح فجعلت الأرض خرابا، فهل تشبيه الدنيا بالزرع لا يبقى على حال تراه أخضر، ثم يصفر، ثم يحمر، وهكذا ثم بعد ذلك يصبح كأن لم يكن أم التشبيه بالماء، وما يفعله الماء في الأرض، تفعله الدنيا في الإنسان، الماء لا يستقر عند أحد أبداً، إليكم النهر ها هو الماء في النهر يجري، هل يثبت عند أحد من الناس أم ينصرف من مكان إلى مكان، من السودان إلى أسوان، إلى النوبة، إلى، إلى البحر، وكذلك الدنيا لا تبقي لأحد، ولا تستقر عنده، فمنك إليه، ولو دامت لغيرك ما أتت إليك، الماء لا يستقيم سائل مائع، يأخذ شكل الإناء الذي يوضع فيه، وكذلك الدنيا لا تستقيم أبداً، فهي ساعة، وساعة، وإن أضحكت يوما، أبكتك أياماً، الماء لا يبقى على حاله أبداً، يتبخر بالحرارة، ويتجمد بالبرودة، وكذلك الدنيا لا تبقى على حال، الماء إذا نزل بقدرٍ كان نافعا منبتاً، وإذا تجاوز المقدار كان ضاراً مهلكاً، ولذلك كانت السماء إذا أمطرت كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول‫:‬ ( للَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا) فإذا زاد الماء عن حده حدث الضرر، والهلاك، والدمار، وسقطت البيوت، وإذا كان بمقدار حدث النفع، وحدث النبات، وكذلك الدنيا، والمال إذا كان بمقدار كان نافعا، وإذا زاد عن الحد كان مطغيا؛ لذا قال سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم): ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ , وَرُزِقَ كَفَافًا , وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا أَتَاهُ) أيضا هل يمكن أن تدخل الماء ولا تبتل؟ كذلك الدنيا إن دخلت فيها لابد وأن تفتن، ولا تسلم أبداً، كما لا يسلم الداخل في الماء من البلل، لا يسلم الداخل في الدنيا من الفتن، انظر للتشبيه، وانظر للتمثيل المعجز إن شئت، التشبيه بين الدنيا، وبين الماء، أو بين الدنيا، وبين الزرع، والنبات (ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ) ما هي الباقيات الصالحات؟ قالوا‫:‬ الصلوات الخمس، قال كل عمل وقول، صالح ونافع، من حج، وصيام، من صدقة، كل الأعمال الصالحة هي الباقيات الصالحات، وقال بعضهم‫:‬ بل الباقيات الصالحات هي (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) وأوردوا في هذا الشأن أحاديث للنبي (صلى الله عليه وسلم) منها‫:‬ (لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ) وقيل أيضا في سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يحططن الخطايا كما تحط الشجرة أورقها، قيل فيها الكثير، وسيقت الأحاديث للتدليل على هذا، هي غراس الجنة، وهي التي تحط الخطايا عن قائلها، كما تحط الشجرة أوراقها، وهي أيضا الباقيات الصالحات النافعة، يوم لا ينفع مال، ولا بنون (ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌ أَمَلًۭا (٤٦)).‬
‫فتذكر لنا الآيات من سورة الكهف مشهداً من مشاهد الآخرة، بعد أن جاء ذكر الدنيا ومصيرها، وكيف شُبهت الدنيا بالزرع، لم يكن شيئا ثم نبت، ثم تراه مصفراً، تراه مخضراً، تراه يانعا، تراه مثمراً، ثم يُحصد، وتعود الأرض إلى ما كانت عليه، وكأنها لم تُزرع من قبل، أو شبّه الدنيا بالماء في جريانه، وعدم استقراره، وعدم تشكلّه، وتبخّره، وفنائه، والقليل منه نافع، والكثير منه ضار، ولا يسلم من دخله كما لا يسلم من دخل الدنيا من الفتن، شبّه الدنيا بالماء، لا يستقر، لا يبقى، ثم تأتي بعد ذلك الآيات لتصوّر لنا مشهدا من مشاهد الآخرة، ترى هل يراه الناس؟ أم لا يراه الناس؟‬
‫نسمع لقول الله (عز وجل) ووصفه حيث يقول وهو أصدق القائلين‫:
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ بَارِزَةًۭ وَحَشَرْنَـٰهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًۭا ﴿47﴾ وَعُرِضُوا۟ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّۭا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۭ ۚ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًۭا ﴿48﴾ وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَـٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًۭا ﴿49﴾
يا له من مشهد، ويا له من تصوير (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ) تقلع الجبال من الأرض من مكانها، وتسير في الهواء، وتصبح كالصوف المنتوف، تصبح هباء منثوراً، تسير كما يسير السحاب، تفنى الجبال، تهدم المباني، يهد كل ما هو على الأرض، لا يبقى على الأرض شيء ظاهر مطلقا، وإذا بالأرض بارزة، ظاهرة، واضحة، لا يسترها شيء، وجُمع الناس أولهم وآخرهم، إنسهم وجنهم، برهم وفاجرهم، لم يترك منهم أحد، وتم العرض (ويوم نُسَيِّرُ الجبال َ - ويوم تَسيُر الجبالُ - ويوم تُسَيَّرُ الجبالُ) قراءات، وكلها لها أصل في القرآن، (وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ) [سورة النبأ آية‫:‬ ٢٠]، (وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْرًۭا (١٠)) [سورة الطور آية‫:‬ ١٠]، (وَتَرَى ٱلْأَرْضَ) (وتُرى الأرضُ) قراءة، (وحشرناهم فلم يغادر منهم أحدا) قراءات، وكلها تؤدي إلى نفس المعنى، لكن الملفت في الآية (يوم تسيُر الجبال، أو نُسيّر الجبال)، أي تُسيَر الجبال، (وترى الأرض) أفعال مضارعة (وَحَشَرْنَـٰهُمْ) فعل ماض، وهذا الفعل الماضي لأمر لم يحدث بعد، معناه أن الحشر متحقق كائن لا محالة، وكأنه قد وقع، فالتعبير بالماضي عن أمر مستقبل معناه أن الأمر متحقق الوقوع، حادث لا محالة، ذاك هو ما يظهر من المعنى لأول وهلة، أو من وضع اللفظ، أم أن الحشر قبل التسيير، حشرناهم ثم نسيّر الجبال فترى الأرض بارزة، (وَحَشَرْنَـٰهُمْ) أي أن الحشر وقع قبل التسيير، ففعل الحشر ماض، إما لتحقق الوقوع، وإما لأن الحشر يقع قبل التسيير، أي حشرناهم أولا، ثم تسير الجبال ليرى الكفار ما وعدهم الله، وليرى الناس كيف تزول الجبال، وكيف تبرز الأرض، وكيف يُحشر الناس، وكيف، وكيف، وكيف (وَحَشَرْنَـٰهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًۭا ﴿٤۷﴾) المغادرة‫:‬ الترك، غادره‫:‬ تركه؛ ولذا سمي الغدر غدراً؛ لأنه ترك للوفاء، والغدير؛ لأن السيل تركه، الماء القليل، و الغدائر ضفائر المرأة؛ لأنها تجعلها خلفها، لم نغادر منهم أحدا، لم نترك منهم أحدا ً (وَعُرِضُوا۟ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّۭا) صفوف كصفوف الصلاة، كل أمة تقف في صف، كل زمرة تقف في صف، فهم صفوف، وليسوا صفاً واحداً، أو صفاً واحداً، والله على كل شيء قدير أو (صَفًّۭا) أي جمعيا كما جاء في قوله (فَأَجْمِعُوا۟ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّۭا ۚ ) [سورة طه آية‫:‬ ٦٤]، أو (صَفًّۭا) بمعنى قياماً (وَعُرِضُوا۟ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّۭا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۭ ۚ ) على إرادة القول يقال لهم، والقول هنا ليس للناس كافة، بل الكفار خاصة فالكلام (بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًۭا ﴿٤۸﴾) لمنكري البعث، الذين أنكروا البعث وجحدوا بالقيامة، (جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۭ ۚ )، كما جاء في موضع آخر، فرادى لا مال، ولا ولد، لا أهل، ولا عشيرة، لا جاه ولا سلطان، عراة، حفاة، غرلاً كما أخبرنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) (يُحْشَرُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا) أي غير مختونين على أصل الخلقة، على أصل الفطرة كما نزل من بطن أمه (بَلْ زَعَمْتُمْ) (بَلْ) هنا للخروج من كلام إلى كلام، أو من قصة إلى قصة (زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًۭا ﴿٤۸﴾) أنكرتم البعث، وأنكرتم القيامة (وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ) الكتاب هنا كناية عن الحساب، أي وضع الحساب، لأن الحساب يكون بناء عما هو مكتوب أو (وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ) صحائف الأعمال، أين توضع؟ في الأيمان، والشمائل، ومن أًوتي كتابه بيمينه، ومن أُوتي كتابه بشماله، أو توضع في الميزان، أو وضعت أمام الخلائق ظاهرة بارزة (فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ) خائفين، وجلين مرتعبين، المجرمون هنا هم الكافرون، منكرو البعث، (مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ)، أي مما سُطِر فيه (وَيَقُولُونَ يَـٰوَيْلَتَنَا) الويلة‫:‬ الهلاك، وحضور الشر، وما يسيء، والخزي والعار، وكأنهم ينادون على الويل بأنفسهم، أي تعال يا أيها الويل، فذاك موعدك (وَيَقُولُونَ يَـٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ ) أي وجدوا جزاء ما عملوا، أو المسطور من أعمالهم (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًۭا ﴿٤۹﴾) بإنقاص ثواب الطائع، أو بزيادة عقاب العاصي، أو بتحميله ما لم يعمل، أو بتحميله وزرا أحد آخر، كل ٌ يحمل جرمه، ولا يظلم ربك أحداً، هل اشتكي أحد الظلم؟ إنما اشتكوا الإحصاء (مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ ) كتبها، ودوّنها إذاً، فالشكوى من الإحصاء، وليس الشكوى من الظلم، من هنا ننبه إياكم ومحقِّرات الذنوب، الذنوب الصغيرة التي يحتقرها العبد، ويعتبر أنها لا تساوي شيئا، أو لن يؤاخذه الله عليها، هذه الصغائر إذا اجتمعت عليه أهلكته، كقوم في سفر وأرادوا إيقاد نار فذهب هذا، وجاء بعود، وذهب هذا فجاء بعود، فاجتمعت الأعواد فنشأت منها نار عظيمة، كذلك الصغائر قد لا ينتبه إليها الإنسان (وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ ) وهنا يسمح الإنسان لنفسه ببعض التأمل، قال أسيادنا، أشياخنا العلماء (وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟) أي إحصاء ما عملوا، أي ثواب ما عملوا، لو أنهم وجدوا ما عملوا فعلاً ليس الإحصاء، وليس الثواب، بل العمل نفسه، هل يمكن؟ بقليل من التأمل نجد أن ذاك ممكن؛ إذ إنك اليوم ترى أفلاما، وصورا، وحركة، وكلام، وذهاب ومجيء لأناس قد ماتوا من زمن بعيد، وكلكم يشاهد أجهزة الإرسال المرئية، ألا ترون من مات يتحرك، ويتكلم في الأفلام القديمة، لو أنه أوقظ من قبره، ووضع له مثل هذا الجهاز، وقيل له أنظر لوجد ما عمل، فإذا كان الإنسان قد قدر على ذلك فكيف برب القدرة؟ بل يحدثنا العلماء في أيامنا هذه بأن رؤية الأشياء هو عبارة عن انتقال الضوء المنعكس على الأشياء، الضوء لا يرى، النور لا يرى، وإنما يرى أثره بانعكاسه على الأشياء، فإذا انعكس الضوء على الجدار رأيت الجدار، والضوء له سرعة، كسرعة السيارة، وسرعة الطيارة، وسرعة الهواء، سرعة الضوء محسوبة معلومة، من هنا نرى الأشياء بعد تواجدها بزمن يساوي سرعة الضوء التي سار بها حتى يصل إلى عيون المشاهد، مثال ذلك‫:‬ الشمس حين تشرق نراها كيف رأيناها؟ وصل ضوؤها إلينا هذا الضوء كي يصل إلينا يستغرق من الزمن ثمان دقائق، بمعنى أن الشمس إذا برزت فعلا، وظهرت فعلا، لا نراها حينئذ، بل نرى ذلك بعد ثمان دقائق من الشروق، ذاك ثابت علميا، وعليه فإذا كان أقرب نجم إلينا يبعد عن الأرض بأربع سنين ضوئية، هذه المسافة التي يقطعها الضوء بسرعته مسافرا إلينا في أربعة سنوات، معنى ذلك أنك إذا نظرت إلى ذاك النجم فرأيته، فما تراه هو النجم منذ أربع سنوات، وقد لا يكون موجوداً الآن، وعليه لا توجد سرعة أسرع من الضوء في دنيانا، الصوت له سرعة أقل، والسيارة، والطيارة، والإنسان، سرعات تختلف، أسرع ما علم الآن هو الضوء، فإن حدث ووجدت سرعة أكبر من الضوء لوصلت إلى مكان الشيء قبل أن يرسل ضوءه إلى مكانك الأصلي، وعليه فهذه المشاهد وما نحن فيه الآن وذاك المشهد يصور، نراه بعد ذلك، هذا المشهد قائم لا يزال مطلقا، بل هو قائم يُرى على مسافات، وعلى أزمنة، بحسب انتقال المشهد إلى المكان، فكلما بعد المكان كلما تأخر وصول هذا المشهد إليه، وعليه لو أن الله رفع الإنسان فجأة إلى مكان يبعد ألف سنة ضوئية، ونظر إلى الأرض، وأعطاه البصر الحديد (لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍۢ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌۭ (٢٢)) [سورة ق آية‫:‬ ٢٢]، لرأى نفسه قبل أن يولد، ورأى أباه، وأمه، وهما يتزوجان، بل ولرأى أمه، وهي تلده، واقع، فعل، حقيقة، وليس صورة، فلو أن الله (تبارك وتعالى) أعاد مشاهد الدنيا لا يعيدها، وإنما المشاهد منذ خُلقت الدنيا موجودة في الكون، موجودة في الفضاء، لو جمعها الله (تبارك وتعالى) (كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍۢ نُّعِيدُهُۥ ۚ ) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١٠٤] كما تنتهي من الكتاب، ثم تعيد فتح الكتاب من الصفحة الأولى، ووقف الناس لرأوا آدم والملائكة تسجد له، ولرأوا آدم وهو يدخل الجنة، ولرأوه وهو يخرج، وفي هذه الحالة هل يمكن للإنسان أن ينكر شيئا من أعماله؟ ذاك تأمل، وليس تفسير، مجرد تأمل لكي تستشعر قول الله (عز وجل) (وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ ) ولكي تستشعر معنى شهادة الأعضاء، حيث ينكر الإنسان ما سُطر في الصحائف، فيختم على فمه، وتنطق يده، وتنطق قدمه، وتنطق الجلود بما حدث، كل ذلك يجعلك تستشعر هذا التأمل، تستشعر صدق الله (عز وجل) فيما قال (وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ ) حقا وصدقا (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًۭا ﴿٤۹﴾) هذا المشهد الذي يجعل الإنسان يرتعد، ويخشى، ويخاف، ويسأل الله الستر، والسلامة، الستر حتى لا يُفضح على رءوس الخلائق، والسلامة من الحساب، والأمان، ها هو المشهد، مشهد النهاية فيذكر ربنا بالبداية التي أدّت إلى هذه النهاية، ويحذر‫.‬‬‬‬
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّۢ ۚ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلًۭا ﴿50﴾
تلك كانت البداية فانتبه أيها العاصي، انتبه أيها الكافر، انتبه أيها المؤمن، انتبه أيها السامع ها هي البداية، فإذا انتبهت للبداية أمنت خوف النهاية (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ ۗ ) البداية أمر للملائكة بالسجود لآدم، سجود تحية، سجود تكريم، وليس سجود عبادة، وتكلمنا من قبل عن هذا الموقف، وكأن السجود لله وآدم كان قبله كما تسجد أنت لله، والقبلة الكعبة وأنت تتجه إليها، وتسجد فأنت لا تسجد للكعبة، ولكن تسجد لرب الكعبة، هل كان قبلة للملائكة، وكان السجود لله أم هو سجود تحية، وتعظيم، وتكريم، كما سجد إخوة يوسف ليوسف يعلم الله، هو أمر للملائكة بالسجود لآدم فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس كان من الجن، وكأن الكلام فيه تقدير‫:‬ إلا إبليس لِم لم يسجد؟ قيل‫:‬ كان من الجن، ففسق عن أمر ربه، إذاً إبليس ليس من الملائكة، وذاك بنص الآية، رد على من زعم أن إبليس كان من الملائكة، كان من الجن، والجن مخلوق من النار، والملائكة مخلوقة من النور، والإنسان مخلوق من الطين مواد مختلفة (كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ ۗ ) خرج عن طاعة الله، الفسوق‫:‬ الخروج، من قولهم‫:‬ فسق الرطب‫:‬ خرج عن قشره، والفِسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، فمهما قلّ الذنب فصاحبه قد فسق، ومهما عظم الذنب فصاحبه قد فسق، أي خرج عن الطاعة، لكنه قد تعارف الناس على إطلاق الفسق على الكبير من الذنوب، ولفظ الفسق أعمّ من الكفر، فيقال للعاصي فاسق، ويقال للكافر فاسق، ويقال للعاصي فاسق؛ لأنه خرج عن الطاعة، ويقال للكافر فاسق؛ لأنه خرج عما ألزمه العقل، واقتضته الفطرة السليمة، كان من الجن ففسق، كفر بخروجه عن طاعة الله (أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّۢ ۚ ) الهمز هنا، والسؤال للإنكار، والتعجيب، وتعجب أيها السامع هذا كان من الجن، خرج عن طاعة الله، رفض السجود لأبيك، عداوته ظاهرة، حقده ظاهر، عصيانه ظاهر، فسقه واضح، كيف ترتضيه بديلاً عن الله (أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى) تناصرونهم، وتتولونهم (أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى) من دون الله الذي خلق، ورزق، وسوّى، وعدل (وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّۢ ۚ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلًۭا ﴿٥۰﴾) الظالمين‫:‬ الكافرين الذين اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله (بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلًۭا ﴿٥۰﴾) أي إبليس بدلا من الله، ظهرت عداوة إبليس من البداية؛ لأنه رفض السجود، وقصة إبليس مع آدم، وإخراجه من الجنة، ووسوسة إبليس، كل ذلك معلوم، فأي عاقل يتخذ عدوه نصيرا ؟ هل هناك عاقل يتخذ من عدوه نصيرا، أو ولياً أو مرشدا؟ تعجب، والملفت في الآية (أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ) الشيطان (وَذُرِّيَّتَهُۥٓ) هل للشيطان ذرية؟ هل له أولاد من صلبه؟ هل له زوجة؟ ما قصتها؟ وهل كانت مثله؟ وهل رفضت السجود؟ أم له زوجات يصطفيهن من بين الجن، تكون على شاكلته عاصية كافرة؟ وهل تنجب؟ سُئل أحد السابقين هل كان لإبليس زوجة؟ قال‫:‬ ذاك عُرس لم أشهده، ثم يقول ذاك العالم الجليل، ثم تفكرت فوجدت الله يقول (أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ) فعلمت أن له ذرية، وطالما كان له ذرية فلابد وأن تكون له زوجة ذاك قول، القول الآخر ليس لإبليس زوجة، لم يرد ذكر مطلقاً في القرآن، فكيف تكون له زوجة، أما الذرية فهم الأتباع الذين تبعوه، وتقيدوا بطريقه، وتمثلوا به، واتخذوه أسوة، فكانوا كالذرية للأب، كانوا كالولد من حيث الشبه، من حيث السلوك، من حيث توارث الصفات، لكن لا الذرية لإبليس، ولا زوجة له، ذاك رأي آخر، أما الرأي الثالث فقال صاحبه‫:‬ ليس لإبليس زوجة، لكن له ذرية من صلبه، كيف؟ قيل‫:‬ يبيض، واستند إلى قول النبي (صلى الله عليه وسلم) عن السوق (لا تَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ ، وَلا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا ، فَفِيهَا بَاضَ الشَّيْطَانُ وَفَرَّخَ) فقالوا‫:‬ إذاً الشيطان يبيض، وقالوا‫:‬ يخرج من البيض سبعون شيطان من كل بيضة، وقالوا‫:‬ له فرجان ذكر وأنثى، فينكح نفسه، ويبيض، أقوال، هل ذكر القرآن شيئا عن ذلك؟ ما سكت القرآن عنه لا يصح لنا أن نفتش فيه، أو نبح فيه، ربنا يقول (أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ) قد يكون له ذرية من صلبه، كيف؟ لم يخبرنا الله عن الكيفية، وقد يكون المقصود بالذرية الأتباع، والأعوان من الجن، ومن الإنس
مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًۭا ﴿51﴾
كيف تتخذونه وذريته أولياء؟ ما السبب؟ ما العلة؟ ما الدليل؟ من أين ذاك الاستحقاق الذي استحقه إبليس؟ أين يُتبع، وأين يسمع كلامه؟ (مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) هل كانوا مع الله حين خلق السماوات والأرض؟ هل جاء بهم شهود فشهدوا، وعلموا الغيب، وعلموا كل شيء (وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ) لم يشهد إبليس كيف خلقه الله، لم يشهد خلْق نفسه، ولم يشهد الشيطان خلق الشياطين الآخرين، أو ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلْق أنفسهم، أي نفس الذين اتخذوهم أولياء، فالمشرك حين خُلق لم يشهد الشيطان خلقه، ولم يحضر، فكيف يتخذه ولياً من دون الله؟ هذه الربوبية من أين تأتي؟ تأتي لأن الرب هو الخالق، هو الموجد، فهل حضر إبليس الخلْق؟ هل شاهد الخلق؟ أو الكلام عن المشركين (مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ) أي مشركي مكة الذين زعموا أنهم لو آمنوا لآمن الناس، حين قالوا‫:‬ اطرد هؤلاء الفقراء نحن أشراف مكة، لو آمنا آمن الناس، فربنا (تبارك وتعالى) ينبّه (مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ) إما الشياطين، وإما المشركين (خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًۭا ﴿٥١﴾) ما كنت أنا، ربنا يتكلم عن نفسه متخذ المضلين الذين أضلّوا الناس، الذين في طبيعتهم الإضلال، (عَضُدًۭا ): عونا، ونصيرا، وقرأت (ما كنت متخذَ المضلين - وما كنت متخذاً المضلين) (عَضُداً- عُضُداً - عَضَداً- عُضْدَا -عِضَدَاً) قراءات، والعضَد في الأصل من الذراع، ما بين المرفق إلى الكتف، وهو قوام الذراع، يُعبَّر بالكلمة عن الإعانة، عن النصر ربنا يقول (وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًۭا ﴿٥١﴾) عوناً، ونصيرا لي في خلق السموات والأرض، أو في خلقهم وهناك قراءة أخرى (وما كنتَ) والخطاب لسيد الخلق، وما كنت يا محمد متخذ المضلين عضدا، أي الكافرين من المشركين، أهل مكة، ما كنت متخذاً لهم عونا، ونصيرا على إيمان الناس، لكن الله يهدي من يشاء، فحين قالوا لك اطرد هؤلاء الفقراء ونحن نجلس معك فإن آمنا آمن الكل كذب، ولا يجب أن تستعين بهم، ولا تتخذ المضل عونا ونصيرا، كيف وهو مضل وأنت تدعو إلى الهداية، وتنتقل الآيات إلى مشهد آخر من مشاهد القيامة يتأمل فيها الإنسان، ويسأل الله (تبارك وتعالى) الستر والسلامة، ويوم القيامة آت لا محالة، وما من إنسان إلا ويرى الحق رؤية عين، بمجرد خروج الروح، أيام تمضي، أو شهور، أو سنون ولكن لها نهاية، وما له بداية فلا بد أن تكون له نهاية، فاحرصوا على حسن الختام، ها هو مشهد آخر، والقيامة مشاهد‫.‬‬‬‬‬‬
وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا۟ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًۭا ﴿52﴾ وَرَءَا ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا۟ عَنْهَا مَصْرِفًۭا ﴿53﴾
‫(وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا۟ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ) (ويوم نقول) قراءة، يقول الله تبارك وتعالى للمشركين‫:‬ زعمتم أن الأصنام تشفع هلمّ فادعوها لتشفع، يُقال لكل من أشرك صنما، أو أشرك شجرا، أو أشرك إنساناً، أو أشرك ملائكة، أو أشرك جنيا، كيفما أشرك (وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا۟ شُرَكَآءِىَ) على زعمهم، والله ليس له شركاء (فَدَعَوْهُمْ) دعوهم فعلا لأن الآمر مطاع في ذاك اليوم، لا عصيان، فالعصيان في الدنيا، وادعاء التصريف في الملك، أو في الأمور في الدنيا، أما يوم القيامة تسقط الدعاوي (لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ (١٦)) [سورة غافر آية‫:‬ ١٦]، (فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًۭا ﴿٥٢﴾) الموْبق‫:‬ المهلك، وبق يبق وبوقا، وبق يوبق وبقاً (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم) بين المشركين، وبين الشركاء، بين المشركين والأصنام، بين المشركين وما أشركوا (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًۭا ﴿٥٢﴾) مهلكا، قيل‫:‬ مكان في جهنم، وقيل‫:‬ البَيْن هنا ليس في المسافة بين المشرك وبين من أشركه، وإنما البيْن‫:‬ الوصل أي الصلة التي كانت بينهم في الدنيا سبباً للهلاك، والدمار، والعذاب (فَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا) من بعيد، إذا رأتهم سمعوا لها تغيظا، وزفيرا (ظنوا) هنا بمعنى اليقين (قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍۢ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةًۭ كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ (٢٤٩)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٤٩] أي يتيقنون، أو الظن بمعنى الظن حيث رأوا النار من بعيد على مسيرة خمسمائة عام، فظنوا أنهم مواقعوها حالاً مكان ينصرفون إليه، مشهد لا يلومنّ الإنسان إلا نفسه، وها هو ربنا (تبارك وتعالى) يزيل عذر كل إنسان، فلا عذر لأحد، ولا حجة لأحد‫.‬‬‬‬
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍۢ ۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىْءٍۢ جَدَلًۭا ﴿54﴾
صرّفنا‫: نوّعنا، عدّدنا، كررنا قصص، أخبار الأمم السابقة، أخبار الأنبياء، أخبار الحشر، أخبار النشر، أخبار يوم القيامة، نبأ من قبلنا، وخبر من بعدنا، وحكم ما بيننا، أمثال، وقصص، أمر، نهي، وبيان متنوع، متعدد، متكرر (وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىْءٍۢ جَدَلًۭا ﴿٥٤﴾) الإنسان هنا الكافر؛ لأن المؤمن لا يجادل، المؤمن طائع مستسلم لله‫.
وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّهُمْ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلًۭا ﴿55﴾
انتظارهم للعذاب، واستعجالهم للعذاب، واستهزاؤهم بالعذاب، كل ذلك كان مانعا لإيمانهم (وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ) الرسول (صلى الله عليه وسلم) الهدى‫:‬ القرآن، الوحي، ما منعهم أن يؤمنوا حين جاءهم القرآن، والرسول، والهدى، ويستغفروا ربهم عما سلف من أمورهم، من شرك، ومعصية، وقتل، وهتك للعرض وما إلى ذلك (إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ) إلا إتيان سنّة الأولين، أي الإهلاك للأمم السابقة، إلا حكم الله عليهم بمنعهم من الإيمان، حتى يأتي العذاب فيستأصلهم أو إلا طلبهم حيث قالوا‫:‬ (وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٢)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٢]، وما من أمة إلا وقالوا لرسولهم ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين (أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلًۭا ﴿٥٥﴾) (قِبَلا)، : تحمل معنيين مقابلة عيانا، يرون العذاب بأعينهم، أو (قُبُلًۭا ): أنواعا متنوعا قُبُل جمع قبيل، كسُبُل جمع سبيل، (قُبُلًۭا ): أنواعا، متعددا، فالعذاب أنواع كما حدث مع فرعون، وقومه‫:‬ الجراد، القمل، الضفادع، الدم، وهكذا.
وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۚ وَيُجَـٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ ۖ وَٱتَّخَذُوٓا۟ ءَايَـٰتِى وَمَآ أُنذِرُوا۟ هُزُوًۭا ﴿56﴾
أي وما نرسل المرسلين إلا للهداية، والإنذار، والبشارة للطائعين، والإنذار للكافرين، لم نرسل الرسل للإهلاك والتدمير (وَيُجَـٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ ۖ ) الدحض في الأصل‫:‬ الطين، وأدحضه‫:‬ أزلقه، أي يأتوا بالجدل الباطل لإزهاق الحق، ولإبطال الحق بهذا الباطل (وَٱتَّخَذُوٓا۟ ءَايَـٰتِى) القرآن (وَمَآ أُنذِرُوا۟ هُزُوًۭا ﴿٥٦﴾) (هُزْءا) قراءتان، استهزاء، وسخرية، قالوا عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ساحر، قالوا‫:‬ شاعر، قالوا‫:‬ مجنون، قالوا‫:‬ أساطير الأولين، تكلموا عن القرآن، واستهزؤوا بآيات الله (تبارك وتعالى).‬‬‬
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوٓا۟ إِذًا أَبَدًۭا ﴿57﴾
لا أحد أظلم ممن ذكّر بآيات ربه فأعرض عنها، والأنبياء مذكّرون، والعلماء مذكرون، فإذا ذُكّرت بآيات الله لابد وأن تسمع، لابد وأن تعقل، لابد وأن ترجع عن غيك، لابد وأن تسأل الله الغفران، أما أن يُذكّر الإنسان بآيات الله فيشتد في غلوه، ويزيد في عصيانه، لا أظلم من هذا (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ) أكِنَّة‫:‬ جمع كنان، والكنان‫:‬ الغطاء، ربنا تبارك وتعالى غطى على قلوبهم، وأصابهم بالصمم المعنوي؛ لأنهم جادلوا بالباطل، وما ربك بظلام للعبيد، هم ذُكّروا بآيات الله، فاتخذوا الآيات هزوا، جاءهم الرسل، فجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، وهكذا، من هنا يقول الله (تبارك وتعالى): (فَلَن يَهْتَدُوٓا۟ إِذًا أَبَدًۭا ﴿٥۷﴾) حكم عليهم بالضلال الأبدي، وذاك فيمن يموت على كفره، كيف ضلَ وكُتب عليه الضلال إلى الأبد؟ لأن الله جعل على قلوبهم أكنّة، أغطية فلا يدخل فيها النور (وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۖ ) الوقر‫:‬ الصم، الثقل (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ) يفهموه، أو يستمعوه، استماع تدبر (وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ) والكلام للنبي (صلى الله عليه وسلم) (فَلَن يَهْتَدُوٓا۟ إِذًا أَبَدًۭا ﴿٥۷﴾).‬‬‬‬‬‬
وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا۟ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ ۚ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌۭ لَّن يَجِدُوا۟ مِن دُونِهِۦ مَوْئِلًۭا ﴿58﴾
‫( وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ) ذو المغفرة، والرحمة الواسعة (لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا۟) في التو واللحظة، في الحال (لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ ۚ ) لكن يؤخرهم يمهلهم، ولا يهملهم لعل العاصي يتوب، ولعل الكافر يؤمن، ولعل المذنب يرجع (بَل لَّهُم مَّوْعِدٌۭ لَّن يَجِدُوا۟ مِن دُونِهِۦ مَوْئِلًۭا ﴿٥۸﴾) الموئل‫:‬ الملجأ، وَأَلَ يَئِلُ وَأْلاً ووؤولا‫:‬ لجأ آل إليه، لجأ إليه، والموئل‫:‬ المنجي لن يجدوا من دونه موئلا‫:‬ مكانا يلجئون إليه، أو يحتمون به‫.‬‬‬‬
وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰٓ أَهْلَكْنَـٰهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًۭا ﴿59﴾
‫(وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰٓ) التي قصصنا عليك قصصها، عاد، وثمود، وقوم فرعون (أَهْلَكْنَـٰهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟) هم ظلموا أنفسهم، وما ظلمهم الله (وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًۭا ﴿٥۹﴾) (لمَهْلكهِم - لمُهْلكهم) مَهْلَكهم‫:‬ مصدر هلك، مُهْلكهم من أُهلك (وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًۭا ﴿٥۹﴾) هنا ينتهي تصوير بعض مشاهد الآخرة، أيضا سيق في سياق الآيات‫:‬ العظة، التهديد، الإنذار، الحجة البالغة لله، إبطال حجة المشرك، فلا حجة له، بيان أن المانع من الإيمان الجدل بالباطل، بيان أن الله لا يظلم أحد، وإنما الإنسان يظلم نفسه بسوء عمله، ثم تبدأ الآيات بعد ذلك في حكاية قصة من أعجب القصص، ألا وهي قصة موسى والخضر، فقد خطب موسى (عليه السلام) في بني إسرائيل، فسأله رجل‫:‬ يا موسى من أعلم الناس؟ فقال أنا، فعتب الله عليه؛ إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه أن لي عبداً بمجمع البحرين، هو أعلم منك، فقال موسى‫:‬ يا رب، وكيف لي به؟ أي سأله أن يلقاه، فأوحى الله إليه أن يأخذ حوتا في مكتل، وحيث فقد الحوت فثمَّ هو، فأخذ موسى حوتا في مكتل، وأخذ فتاه معه، وسار حتى وصل إلى صخرة، فجلس موسى، وجلس الفتى، ثم أخذتهما سنة من النوم، فاضطرب الحوت في المكتل، ونزل في البحر، وسار في البحر، وأمسك الله عليه جرية الماء، فكأن الماء قد تجمد حوله، وكأنه أصبح كالحجر، فإذا مسار الحوت في البحر كالطاق، واستيقظ موسى، واستيقظ الفتى، وسار ليلتهما ومن الغد، ثم أدرك موسى التعب، والنصب، ولم يدركه النصب إلا بعدما جاوز المكان حيث فقدا الحوت، ونسي الفتى الحوت، أو نسي أن يذكر موسى بما رآه من شأن الحوت، وقيل‫:‬ إنهما حيث نزلا توجد عين الحياة، ماؤها إذا مس شيئا حَييَ، فلا يموت، وأصاب الحوت بعض الماء، فحيِىَ وكان مشوياً، وقيل‫:‬ كانا يأكلان منه، وقيل‫:‬ بل هو حوت مشوي، وكان لهما زاد آخر، حين تعب موسى، أو بلغه التعب، وأحس بالجوع، ولم يشعر موسى بالجوع، ولا بالتعب إلا بعدما جاوز المكان، قال لفتاه‫:‬ آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، هنا تذكر الفتى وقال له‫:‬ (أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُۥ ۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًۭا (٦٣)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٦٣] فكان الطريق للحوت سرباً، وكان لموسى وفتاه عجباً، فرجع موسى يقتص أثره حتى لا يضل الطريق، أثر أقدام موسى، وأقدام الفتى، فوجدا خضر على طنفسة خضراء في كبد البحر، مسجيً بثوبه، وضع طرف الثوب تحت قدميه، والطرف الآخر تحت رأسه، فسلّم عليه موسى فكشف الخضر عن وجهه، وقال‫:‬ أنّى بأرضك السلام، من أنت؟ قال‫:‬ أنا موسى، قال‫:‬ موسى بني إسرائيل؟ قال‫:‬ نعم، قال‫:‬ ماذا تريد؟ قال‫:‬ هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً، قال‫:‬ إنك لن تستطيع معي صبراً، نفى عنه استطاعة الصبر، وعلل ذلك بقوله‫:‬ وكيف تصبر على مالم تُحط به خبراً؟ قال‫:‬ ستجدني إن شاء الله صابراً، ولا أعصي لك أمراً، فشرط عليه الخضر فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء، حتى أحدث لك منه ذكرا، وقال الخضر لموسى‫:‬ يا موسى إني على علم من علم الله لا تعلمه علمنيه، وأنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه، وسارا على الشاطئ حتى وجدا سفينة فسألهم الخضر أن يحملهما فعرف القوم الخضر فحملهما بغير أجر، ركبا في السفينة، وفوجئ موسى بالخضر يأخذ قادوما، وينزع لوحاً من ألواح السفينة، فيدخل ماء البحر إليه، فقال له‫:‬ عمدت إلى قوم حملونا بغير نولٍ لتخرق سفينتهم وتغرقهم، هنا ذكّره الخضر، وقال‫:‬ ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً، قال‫:‬ لا تؤاخذني بما نسيت، ولا ترهقني من أمري عسراً، فكانت الأولى من موسى نسياناً، وجاء عصفور فوقف على حرف السفينة، ونقر نقرة من البحر، فقال الخضر‫:‬ يا موسى ما علمي، وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر، والعلم بمعنى المعلوم، ومعلومات الله (تبارك وتعالى) لا نقص فيها، ولا نهاية لها، لكنه تمثيل، ثم نزلا من السفينة، وسارا في الطريق، فوجدا بعض الغلمان يلعبون، فعمد الخضر إلى أوضأ غلام منهم، فأخذ رأسه فاقتلعه، ولم يستطع موسى أن يرى ذلك، ويسكت، قال‫:‬ أقتلت نفسا زكية بغير نفس، لقد جئت شيئا نكراً، هنا قال له الخضر‫:‬ ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا، فشرط موسى على نفسه إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً، فانطلقا ووصلا إلى قريةٍ أهلها لئام، لا يضيفون الضيف، ولا يطعمون الطعام، فسألوهم الطعام فرفض القوم، فوجد الخضر جدار مائل على وشك الانهدام، فأقامه بيده، أو أشار إليه فاستقام، فتعجب موسى، وقال‫:‬ لو شئت لاتخذت عليه أجرا، هنا قال الخضر‫:‬ هذا فراق بيني وبينك، كما شرطت أنت، سأنبئك بتأويل مالم تستطع عليه صبراً، وبدأ يعلل له تلك التصرفات، هذا ملخص ما جاء في حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي رواه أَبي بن كعب، وجاء في الصحيحين، هذه هي القصة الثالثة في سورة الكهف، لم يسأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عنها إنما سُئل عن الفتية، وسُئل عن الرجل الذي بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وسُئل عن الروح، وأجاب ربنا (تبارك وتعالى) نبيه عن كل ذلك، وزاده هذه القصة، قصة موسى مع الخضر، واختلف الناس كثيرا في شأن الفتى أهو عبد (قَالَ لِفَتَىٰهُ) ونبينا (صلى الله عليه وسلم) ينبّه، ويقول‫:‬ (وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي، وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي) ويُطلق الفتى على العبد، قيل‫:‬ بل هو يوشع بن نون حفيد يوسف الصديق، وقيل‫:‬ بل هو ابن أخت موسى، وكما قلنا من قبل العبرة في القصة بما دلت عليه، وبمضمونها، وأما الأسماء وما إلى ذلك فالبحث عنها تكلف لا يصح، اختلفوا أيضا في الخضر أهو نبي؟ أهو ولي؟ أهو ملك؟ خلافات، ولكلٍ حجة، لكل دليل، واختلفوا أيضا في المكان مجمع البحرين الأبيض والأحمر، في جنوب البحر الأحمر مع المحيط، أم في الشمال بحر القلزم، واختلفوا أيضا في الخضر أهو حي، ولا يزال حياً، أم قد مات، واختلفوا في الفتى لم يأت ذكر للفتى طوال القصة، هل صحبه موسى معه حين ركبوا في السفينة أم تركه، واختلفوا أيضا في الغلام المقتول هل بلغ الحلم، أم لم يبلغ الحلم، اختلافات كثيرة امتلأت بها كتب التفسير، والدخول في هذه الخلافات تكلف لا طائل وراءه، وما سكت القرآن عنه لا يجب أن نسأل عنه، وكما كان الصحابة يفعلون، ويقولون‫:‬ ما فهمناه عملنا به، وما لم نفهمه آمنا به، يقول الله (تبارك وتعالى):
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبْرَحُ حَتَّىٰٓ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًۭا ﴿60﴾
‫(وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ) هو فتىً أياً كان خادم، عبد، ابن أخت موسى، حفيد يوسف، قال لفتاه الذي سار معه (لِفَتَىٰهُ لَآ أَبْرَحُ حَتَّىٰٓ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ) أي لا أزول عما أنا عليه من السفر، والسير حتى أصل إلى غاية، أو لا أزال مسافرا حتى أصل إلى المكان (مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ) بحران يلتقيان، يعلم الله أين مكان البحرين، لم يُذكر المكان في القرآن، ولم يُذكر في حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًۭا ﴿٦۰﴾) زمانا طويلا الحقب:الزمان الطويل وجمعه (أحقاب)، وقيل‫:‬ الحقْب ثمانون سنة، سبعون سنة، خلافات‫.‬ الحقب‫:‬ الزمان الطويل أياً كان عدد السنين فيه‫.
فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ سَرَبًۭا ﴿61﴾
‫(فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا) وصلا إلى المكان عند الصخرة (نَسِيَا حُوتَهُمَا) نُسب النسيان إلى موسى، وإلى الفتى، وانتبه، ثم جاء بعد ذلك (فَإِنِّى نَسِيتُ) ونسب الفتى النسيان إلى نفسه (نَسِيَا حُوتَهُمَا) والناسي هو الفتى، ونُسب النسيان لهما للصحبة أو (نَسِيَا حُوتَهُمَا) أي نسي موسى أن يسأل عن الحوت ويتفقد أمره، ونسي الفتى أن يذكر شأن الحوت لموسى أو (نَسِيَا حُوتَهُمَا) تركاه (فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ سَرَبًۭا ﴿٦١﴾) السَرَبْ: المسلك منه قول الله تعالى (وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ (١٠)) [سورة الرعد آية‫:‬ ١٠]، والسَرَبْ أيضا‫:‬ النفق، اتخذ الحوت سبيلا في البحر سرباً كأنه نفق مثل الطاق، وأوقف الله جرية الماء، معجزة للخضر، لموسى، للفتى‫.
فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَبًۭا ﴿62﴾
‫(فَلَمَّا جَاوَزَا) أي تركا المكان، مكان الصخرة، مكان الخضر، المكان المفروض (قَالَ لِفَتَىٰهُ) قال موسى (ءَاتِنَا غَدَآءَنَا) طعامنا (لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَبًۭا ﴿٦٢﴾) النصب‫:‬ التعب، والمشقة، وهذا هو السفر الوحيد الذي لقي فيه موسى التعب، والنصب؛ لذا ذُكر باسم الإشارة (سَفَرِنَا هَـٰذَا) وقد سافر موسى كثيرا، سافر من مصر إلى اليمن هربا من فرعون، وسافر بأهله بعد ما قضى الأجل إلى الطور، حيث رأى النار، لم يجد موسى تعبا ولا نصبا في سفر من أسفاره إلا في هذا السفر، تُرى لِمَ وذاك من التأملات التي قد تُذكر بعد انتهاء القصة؛ لأن فيها من التأملات ما لا يتسع له المقام، إذاً هذا هو السفر الوحيد الذي لقي فيه موسى التعب، ولم يلق بالتعب، أو يشعر بالجوع إلا بعد ما جاوز المكان الذي حدده الله له، فالسير أولاً كان طاعة لله، والسفر بعد ما فُقد الحوت كان في غير حاجة، هنا تذكّر الفتى‫.
قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُۥ ۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًۭا ﴿63﴾
(قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ) نرجع إلى الصخرة التي نمنا عندها (فَإِنِّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ) ونسب النسيان لنفسه، كأنه كان مسئولاً عن حمله، وكأن موسى أخبره حين تفقد الحوت أخبرني، وهنا يثور التساؤل إذا كان الحوت مشويا، وانطلق من المكتل، وقفز إلى البحر، وسار في طريقه، وكأنه كالطاق ورأى الفتى ذلك هل هذا أمر يُنسى؟ كيف نسي الفتى؟ لا تعليل إلا أن الله أراد ذلك، وقال العلماء في تعليلهم لذلك من كثرة ما رأى الفتى من كرامات ومعجزات موسى كان ذلك أمراً عاديا بالنسبة له، وقالوا: وساوس الشيطان، وقالوا: أخذ يفكر في شأن الحوت كيف حدث، وكيف حدث، فنسي أن يذكر ذلك لموسى، قالوا، قالوا، لكن التعليل هو أن الله أراد ذلك، لكن الأدب مع الله أن ينسب الإنسان دائما وأبداً الشر، أو الخطأ لنفسه أو للشيطان كما قال أيوب: (وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍۢ وَعَذَابٍ ﴿٤١﴾)[سورة ص آية: ٤١] وكما قال إبراهيم:
(وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴿۸۰﴾) [سورة الشعراء آية: ٨٠]، (وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُۥ ۚ ) أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان والكلام له تعليل نحوي كثير فيه خلاف (أَنْ أَذْكُرَهُۥ ۚ ) (أَنْ) مع الفعل تفيدا المصدر، أي ذكره أي من أنساني ذكره إلا الشيطان (وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًۭا ﴿٦۳﴾) من القائل؟ قالوا الفتى (وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ) أي الحوت (فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًۭا ﴿٦۳﴾) وقالوا: الفتى انتهى كلامه عند قوله (وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًۭا ﴿٦۳﴾) ثم سكت، ثم قال مستأنفا (عَجَبًۭا ﴿٦۳﴾) متعجبا من شأن الحوت، وقيل القائل: هو الله يحكي عن الحوت (وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًۭا ﴿٦۳﴾) أي مسلكا عجباً، أو مسلكاً يُتعجب منه، فكان لموسى عجباً أي عجّبه الله من مسلك الحوت.
قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًۭا ﴿64﴾
(قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ ) البغاء: الطلب، رد موسى عليه: ذلك ما كنا نطلب (فَٱرْتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًۭا ﴿٦٤﴾) أي فارتدا على آثارهما يقصان أثرهما قصصا، وقص الأثر تتبعه
فَوَجَدَا عَبْدًۭا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَـٰهُ رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًۭا ﴿65﴾
وهنا وصف الخضر بالعبودية، وهي أشرف مقام؛ ولذا خُيِّر النبي (صلى الله عليه وسلم) في أن يكون ملكاً رسولاً، أو عبداً رسولاً فاختار أن يكون عبداً رسولاً، فمقام العبودية أشرف مقام على الإطلاق، ويأتي في مقام الثناء كما قال ربنا (تبارك وتعالى):
(سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ) [سورة الإسراء آية: ١]، وصفه الله بالعبودية، وذاك أشرف مقام، أكان نبيا؟ أ كان وليا؟ أكان ملكا؟ يعلم الله، قالوا: كيف يكون نبي ولا نبي بعد النبي وهو حي إلى الآن؟ وقال آخرون: حتى ولو كان حياً إلى الآن فرضا، فهو ليس بعد النبي، يزعم النبوة، بل هو لا يُرى، ويموت بعد ذلك، وقيل، والقائل ابن القيم كل الأحاديث والكلام الذي جاء في حياة الخضر كذب محض، وافتراء، هل يصح للرسول أن يتعلم مما هو أدنى منه منزلة، وحتى لو كان نبيا، فإن موسى كان رسولا والرسول أعلى مقام من النبي، فكيف يكون ولياً، ويتعلم منه موسى؟ قالوا: إن الفاضل يتعلم من المفضول، الرسول لا يصح له أن يتعلم شيئا من أمور رسالته، فهو أعلم الناس بها؛ لأن الله أوحى إليه، أما في الأمور الأخرى فممكن أن يتعلم من غيره طالما لم يكن أمراً من أمور الدين، والرسالة التي أرسل بها (ءَاتَيْنَـٰهُ رَحْمَةًۭ) رحمة: نبوة عند الذين قالوا أنه نبي، ونعمة عند الذين قالوا إنه ولي (رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًۭا ﴿٦٥﴾) أي علما يختص بنا لا يُعلم إلا بتوفيقنا، وقيل: هو علام الغيوب، العلم اللدني كما يقولون، أي العلم الذي يختص بالله (عز وجل) ولا يُعلم إلا بتوفيقه، لا يُكتسب، وإنما يوهب.
قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًۭا ﴿66﴾
والسؤال هنا غاية في اللطف، والأدب، والتأدب، والرفق، استجهل نفسه، وطلب العلم، واستأذن في الصحبة، وسأل بعضا من علمه، لم يقل أن تعلمني علمك كاملا، ولكن قال (مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًۭا ﴿٦٦﴾) وقرأت (رَشَداً) أي علما ذا رشد، ينفعني في آخرتي، أو ينفعني في مسيري، ومسلكي، وحياتي.
قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا ﴿67﴾ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ خُبْرًۭا ﴿68﴾
كلام مؤكد بوجوه التوكيد (إِنَّكَ) (لَن) نفي عنه الصبر على الصحبة بوجوه من التوكيد، ثم علل ذلك بقوله: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ خُبْرًۭا ﴿٦۸﴾) عِلماً، خَبَر الأمر يخبره: علمه، وصار به خبيراً، والخبير العالم ببواطن، وخفايا الأمور؛ لأن موسى سوف يرى من الأعمال الظاهرة ما ينكرها شرعه، ولها خفايا لا يعلمها إلا الخضر، من هنا قال: وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا.
قَالَ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًۭا وَلَآ أَعْصِى لَكَ أَمْرًۭا ﴿69﴾
وهنا قدّم موسى المشيئة، ستجدني إن شاء الله صابرا على صحبتك، لا أَمَلّ، ولا أعصى لك أمراً، لكن الصياغة تثير التساؤل، فهل الصبر، وعدم العصيان دخلا تحت تقديم المشيئة، أم أنه قال‫:‬ أصبر إن شاء الله، وقدم المشيئة في شأن الصبر، ثم قال عازما لا أعصى لك أمراً، قال بعضهم‫:‬ نعم كقوله‫:‬ (وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٣٥]، أي والذاكرات الله كثيرا أيضا، ستجدني إن شاء الله صابرا، وإن شاء الله لا أعصى لك أمراً، وقال بعضهم‫:‬ أبداً، الصبر أمر مستقبل ولا يدري موسى كيف يكون حاله، أما عدم العصيان فهو أمر في الحال عزم عليه، عزم على عدم العصيان، أما الصبر فهو في المستقبل، ولا يدري كيف يكون الأمر، من هنا قال‫:‬ إن شاء الله صابراً، وقال بعضهم‫:‬ الصبر ليس مكتسبا الصبر من الله‫.‬‬
‫(وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ ) [سورة النحل آية‫:‬ ١٢٧] فهو لا يقوى على الصبر إلا أن يشاء الله أما العصيان، وعدم العصيان بيد الإنسان، فهو مكتسب؛ لذا يحاسب الإنسان على عصيانه، أما الصبر فهو موهبة، من هنا قال في شأن الله، ولم يقل في شأن العصيان، أو عدم العصيان إن شاء الله؛ لأن الصبر لا يكتسب، وعدم العصيان مكتسب.
قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْـَٔلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىٰٓ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًۭا ﴿70﴾
ذاك كان الشرط إن اتبعتني، وصاحبتني لا تسألني عن أي شيء، أو تعليل أي شيء، أو تفسير أي شيء تراه، حتى أكون أنا الذي أخبرك به‫.
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِى ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا إِمْرًۭا ﴿71﴾
‫(فَٱنطَلَقَا) سار سويا، ولم يأت ذكر للفتى، لم يقل فانطلقوا، هل ترك موسى فتاه؟ هل سار معهما، ولا داعي لذكره؛ لأنه لا شأن له في القصة؟ يعلم الله (فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِى ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ ) خرقها الخضر، وطبعا لم يره القوم؛ إذ لو رأوه لمنعوه، لكنه تخفى، وقيل‫: لم يكن يُرى إلا أن يشاء، وقيل‫: بل في خفاء عمد إلى لوح من ألواح السفينة فانتزعه، لم يصبر موسى لأن ما رآه منكراً في شريعته، وفي كل الشرائع قوم حملوهم بغير أجر، وأكرموهم هل جزاء الإحسان إلا الإحسان (قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) والغريب أنه لم يقل لتغرقنا، ما يدل على أن مقالة موسى كانت من شدة إشفاقه على القوم، لم يبال بنفسه، بل أشفق على الناس الذين حملوهم بغير أجر (لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) (لتُغَرِّق) (ليغرق أهلُها) قراءات (لَقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا إِمْرًۭا (٧١)) شديداً صعبا، غاية في البشاعة، أَمِر يأمَر أمرُه‫: كثر، واشتد، وأمِر أمر القوم‫: كثروا فالإمر‫: الإثم، الأمر الشديد الفظيع‫.
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا ﴿72﴾
ذكره بمقالته، وأكد رأيه (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا)
قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًۭا ﴿73﴾
إذاً فقد كانت نسيانا من موسى، إذاً النسيان لا يؤاخذ عليه، استدل العلماء من الآية على أن النسيان لا يؤاخذ عليه؛ لذا ربنا (تبارك وتعالى) لا يؤاخذ العبيد على نسيانهم، من نسي صلاة فليصلها حين يذكرها (وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًۭا ﴿۷۳﴾) الإرهاق‫: تحمل النفس بما لا تطيق، أي لا تحمّلني ما لا أطيق، عسرا‫: صعوبة، والعسر ضد اليسر‫.
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَـٰمًۭا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًۭا زَكِيَّةًۢ بِغَيْرِ نَفْسٍۢ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْـًۭٔا نُّكْرًۭا ﴿74﴾
والغلام من ناهز الاحتلام، وهنا اختلف العلماء، هل كان الغلام محتلماً أي مكلفاً، أم لم يكن كذلك؟!! قتله الخضر بأن اقتلع رأسه من جسده بيده، وقيل‫:‬ بل أضجعه، وذبحه بالسكين، كلام وخلافات، المهم أنه قتله (قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًۭا زَكِيَّةًۢ بِغَيْرِ نَفْسٍۢ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْـًۭٔا نُّكْرًۭا) (نُكُراً)، (نفسا زاكية) زكيّة، وزاكية بمعنى واحد، زاكية‫:‬ التي لم تذنب قط، زكيّة‫:‬ أذنبت واستغفرت، وغُفر لها أقوال، وقراءات (أَقَتَلْتَ نَفْسًۭا زَكِيَّةًۢ) هنا قال العلماء‫:‬ إذاً الغلام لم يبلغ الاحتلام لأنه نسبه إلى الطهر، والعفاف، والطاهر الذي لم يذنب قط، وهو الذي لم يبلغ الحلم، وقال بعضهم‫:‬ (بِغَيْرِ نَفْسٍۢ ) ولو كان يبلغ لم الحلُم، وقتل نفسا لا يُقتل به؛ لأنه غير مكلّف، حين قال (بِغَيْرِ نَفْسٍۢ ) إذاً كان الغلام محتلما، والآية تدل على أن القتل لا يباح إلا حداً، أو قصاصاً، وحكايات كثيرة ساقها المفسرون، والعلماء أن الخضر غضب حين قال له موسى ذلك، والغلام لم يبلغ الحلُم، وهنا مسك الخضر كتف الغلام الأيسر، ونزع اللحم، فقرأ موسى على عظام الفتى مطبوع كافر، حكايات لم يرد فيها نص يعتمد عليه‫.‬‬

‫الجُزءُ السادس عشر‬
قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا ﴿75﴾
وهنا قال (لَّكَ) والفارق في أول الأمر قال (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا) ولم يوجّه الكلام لموسى على التخصيص، هنا أكدّ بعد ما غضب، أو بعد ما أخطأ موسى للمرة الثانية، ألم أقل لك أنت بالذات على التعيين إنك لن تستطيع معي صبراً.
قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍۭ بَعْدَهَا فَلَا تُصَـٰحِبْنِى ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًۭا ﴿76﴾
‫(قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍۭ بَعْدَهَا) بعد هذه القصة (فَلَا تُصَـٰحِبْنِى ۖ ) (فلا تَصْحَبَنِّي) (تُصْحِبْنِي) أي لا تجعلني صاحبك (قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًۭا ﴿۷٦﴾) (من لَدُنِي)، (من لَدَنِي)، (من لَدْني) عُذُراً قراءات ، شرط موسى على نفسه، وهنا قبل الخضر الشرط، وانطلقا لإكمال المسيرة، والشرط هنا واجب التفاذ، فالمؤمنون على شروطهم، وصدق النبي (صلى الله عليه وسلم) حيث يقول‫: ( يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى ، لَوْ كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِ).
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْا۟ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًۭا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًۭا ﴿77﴾
‫(فَٱنطَلَقَا) بعد هذا الشرط الذي شرطه موسى على نفسه، (إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍۭ بَعْدَهَا فَلَا تُصَـٰحِبْنِى ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًۭا ﴿۷٦﴾)، أي وصلت إلى الغاية التي تُعذر لو لم تصاحبني (حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْا۟ أَن يُضَيِّفُوهُمَا) (يُضيفهما) قراءة، أضافه، وضافه بمعنى الميل، ضاف إليه‫:‬ مال إليه ضافه، وأضافه، وضيفه، (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًۭا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ) وهنا نُسبت الإرادة إلى الجدار، والجدار والجَدْر بمعنى واحد، جماد لا إرادة له، فكيف تُنسب إليه الإرادة؟ هل نُسبت إليه استعارة، مجاز؟ أم نُسبت إليه الإرادة حتى يطيع الخضر، إذا أشار إليه فيستقيم؛ لأنه فَعَل فِعْل العقلاء حين أشار له الخضر بيده فانعدل، وذاك فعْل العقلاء فهل نُسبت إليه الإرادة من أجل ذلك، أم هي استعارة، والكلام على سبيل المجاز؟ وقال بعض الناس‫:‬ هدمه، ثم بناه، وذاك قول مرجوح؛ إذ ما ورد في الأحاديث أنه قال بيده كما جاء في حديث النبي (صلى الله عليه وسلم): ( فَقَالَ لَهُ بِيَدِهِ) ويُنسب القول إلى اليد، قال بيده أشار له فاعتدل الجدار (فَأَقَامَهُۥ ۖ ) (قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًۭا ﴿۷۷﴾) (لَتَخِذْتَ) قراءة هنا موسى تعجب، هم في حال سفر، وطالما استطعما أهل القرية، إذاً فقد كانا على حال من الجوع دعاهما إلى السؤال، والقوم لئام لا يكرمون الضيف، ولا يطعمون الطعام، فكيف تفعل ذلك لأهلها، وبغير أجر، لو شئت لاتخذت أجراً على ذلك، وطعمنا، وأكلنا، وهنا يثور تساؤل أيضا حين خرج موسى من مصر هاربا من فرعون، ورد ماء مدين، وجد عليه أمة من الناس يسقون، ووجد من دونهم امرأتين تزودان، قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء، وأبونا شيخ كبير، فسقى لهما، ولم يطلب أجراً، وكان على سفر، وفرغ منه الزاد، ولم يطلب أجرا على ذلك بل جلس في الظل، ولجأ إلى الله‬
‫(فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍۢ فَقِيرٌۭ (٢٤)) [سورة القصص آية‫:‬ ٢٤]، فكيف يطلب الأجر هنا؟ سؤال مجرد سؤال، قيل‫:‬ لم يكن وحده، في مدين كان وحيداً، أما هنا معه الخضر، فمن أجل أن يطعم الخضر، أقوال، لكن قد تعلم السر في نهاية القصة حين يتضح لنا أن السفر حدث للتأديب، وليس للتعليم، والذي يؤدب قد يشق عليه، والذي يعلم قد يرفق به، فالتعليم بالرفق، والتأديب بالشدة، هنا انتهت القصة، وأنهى موسى اللقاء بهذا التعجل، ويتضح أن الأولى كانت نسيانا، وأن موسى قال واعترض بغير تروي حتى أنه اعتذر (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ) الأمر الثاني في قتل الغلام كان أمراً بشعا لم يستطع أن يصبر عليه؛ لأنه يخالف كل الشرائع، الأمر الثالث لم يكن اعتراضا بقدر ما هو عرْضا، هو يعرض (لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًۭا ﴿۷۷﴾) لم يعترض على إقامة الجدار، وإنما عرض عليه أن يأخذ أجرا، أما الأولى فكان اعتراضا بغير تروّي، وأما الثانية فكان اعتراضا عمدا حتى أنه قال (قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًۭا ﴿۷٦﴾) أما الثالثة فكانت عرْضاً، لكن طالما قد شرط، فقد وجب تحقيق الشرط؛ ولذا قال الخضر‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ﴿78﴾
وهنا بدأ الخضر يبرر التصرفات، ويعلل ما حدث، ترى لو أنا تأملنا في الأمور الثلاثة لوجدنا‫:‬‬
‫الأمر الأول‫:‬ خاص بأصحاب السفينة، ظاهره شر وباطنه خير، والأمر الثاني كذلك‫:‬ ظاهره شر وباطنه خير، الأمر الثالث‫:‬ ظاهره خير وباطنه خير، أمور من القضاء والقدر، الأمر الأول في شأن أصحاب السفينة أمر متعلق بالرزق يرتزقون منها، يصيدون، يأكلون بحمل الناس، وبصيد السمك، وما إلى ذلك فهو أمر يتعلق بالرزق، أمر متعلق بالمال،‬
‫الأمر الثاني‫:‬ أمر متعلق بالنفس‫.‬‬
‫الأمر الثالث‫:‬ متعلق بالمستقبل، ليس متعلقا بالحاضر، ولا بالماضي، بالمستقبل بنى الجدار حتى لا يقع، وإن وقع تشرد الغلامان وضاع الكنز، هذه الأمور التي حدثت حين رآها موسى وأنكرها كان له كل الحق في الإنكار؛ لأن ما رآه من حيث الظاهر يخالف شرعه، ولكن من حيث الباطن أمر فيه الحكمة‫.‬‬
‫من هنا وجب على الإنسان ألا يحكم على ظواهر الأمور أبداً؛ لأن الله (تبارك وتعالى) هو العليم ببواطن الأمر، فإياك أن تحكم على ظاهر الأمر أبداً، سواءً كان الأمر يتعلق بك من أمور القضاء والقدر، أو كان الأمر يتعلق بغيرك من سلوك، وتصرف، لا تحكم على ظواهر الأمور، والحكم على الناس صعب، فقد تراه في حال تأخذه عليه، أو تعيب عليه، ولكنك لا تراه في حال قد تجلّى الله عليه بغفرانه، أنت رأيته في نهاره يلهو، أو يلعب، هل رأيته في ليله كيف سجد باكيا مستغفراً؟ من هنا نبّهنا الشيوخ، رحمة الله عليهم، ألا نعترض على شيء من أمور القضاء والقدر.
(وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ ) [سورة البقرة آية : ٢١٦]
‫كما نبّهنا الشيوخ، رحمة الله عليهم، ألا نعترض على سلوك حتى الفاسق المجاهر بفسقه، قيل لنا‫:‬ اكره المعصية، ولا تكره العاصي، عِبْ على السلوك، ولا تَعِبْ السالك، ذاك الفعل يخالف الشرع، ذاك الفعل يعارض السنّة، ذاك الفعل حرام، ذاك الفعل لا يصح، أما الفاعل فأمره إلى الله، إن شاء غفر، وإن شاء آخذ، من هنا كانت النصيحة اذكروا محاسن موتاكم، وحين يؤتى بذكر رجل قد مات، يُقال‫:‬ أفضى إلى ما قدم من عمل إن شاء غفر له‫.‬‬
‫(يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ١٨]‬
‫(إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ٤٨] ( يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً) ربنا الغفور، ربنا المدبر، ربنا المتصرف في ملكه كيف شاء، لا معقب على حكمه، ولا راد لقضائه، والناس عبيد لله، والعبرة بالخواتيم، ولا تدري كيف يُختم لك، ولا تدري كيف يُختم لغيرك، ولذلك قيل‫:‬ لا تلعن الكافر بعينه، العن الكفر، ولا تلعن الكافر، فقد يسلم قبل أن يموت، ولو بلحظة؛ لذا لا يصح أن تحدد اللعنة إلا على من حددهم الله في كتابه، لعن فرعون، ولعن إبليس على وجه الخصوص، لكن مهما رأيت ظالما فلا تلعن، ولكن قل لعنة الله على الظالمين، لعنة الله على الكافرين بالتعميم، وليس بالتخصيص؛ لأنك لا تدري ما تكون عاقبة ذلك الفاسق، أو ذاك الكافر، من هنا كان الخلق للمسلم خلقا رفيعا، قدوة في سلوكه، رحيما بالناس، وانظر إلى إبراهيم حين قال (فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (٣٦)) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٣٦]، ولم يقل، ومن عصاني فافعل به، وافعل به، وانظر إلى عيسى في يوم الفزع الأكبر في يوم السؤال (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ) [سورة المائدة آية‫:‬ ١١٧] وقال (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ (١١٨)) [سورة المائدة آية‫:‬ ١١٨]، من هنا من أهم ما يجب أن تتخلق به، وتنتصح به، دع الخلْق للخالق، وانظر إلى عيوب نفسك، ورحم الله من شغلته عيوبه عن عيوب الناس، فقد تعيّن الفراق بين موسى والخضر، وفقاً لما شرطه موسى على نفسه (قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍۭ بَعْدَهَا فَلَا تُصَـٰحِبْنِى ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًۭا ﴿۷٦﴾) لكن الخضر أراد أن يوضح لموسى ما خفي عليه من حكمة في أفعاله التي اعترض موسى عليها من حيث الظاهر، فقال كما يحكي عنه القرآن‫:‬‬‬‬‬
أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌۭ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًۭا ﴿79﴾
وبدأ طبقا لترتيب الحوادث السفينة، ثم الغلام، ثم الجدار، السفينة التي خرقها، وحمله أهلها من غير نول، واعترض موسى على ظاهر الأمر (خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا إِمْرًۭا ﴿۷١﴾) ها هو يبيّن له السفينة كانت لمساكين، جمع مسكين، والمسكين وفقا للآية، وطبقا للفظها ومعناها، هو من يملك ما لا يكفيه، إذاً فالمسكين أفضل حالا من الفقير، وذاك طبقا لما حدده العلماء بعد ذلك في مصارف الزكاة للمساكين، والفقراء، من هو المسكين؟ ومن هو الفقير؟ الفقير‫:‬ الذي لا يجد ما يقتات به، أو لا يجد شيئا على الإطلاق، أما المسكين فمن يجد، لكن ما يجد لا يكفيه بدليل هذه الآية، كانت لهم سفينة، وكانوا يعملون عليها، لكن الرزق لا يكفيهم، أو يكفيهم بالكاد، وقال آخرون‫:‬ المسكين ليس المقصود هنا من حيث لا يملك، ولكن هم مساكين لضعفهم، ولعدم قدرتهم على مقاومة الظلم، والوقوف أمام الملك الظالم؛ ولذا في الآية تقدير الكلام (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر، فأردت عيبها، وكان وراءهم ملك ظالم يأخذ كل سفينة صالحة غصباً) لأنه إذا أعابها لم يأخذها الملك، إذاً فهو يأخذ كل سفينة صالحة، لك أن تقدّر هذا الكلام فهو كلام محذوف اختصارا، وليس كل ملك يأخذ أموال الناس بغير حق، وإنما من يفعل ذلك هو الملك الظالم فقط، السفينة كانت لمساكين يعملون في البحر بالصيد، أو بنقل الناس (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا) أجعلها ذات عيب (وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌۭ) والتقدير في الكلام بحسب تقديرنا نحن أن يأتي السبب أولا‫:‬ (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر، وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا فأردت أن أعيبها) فلِمَ قُدِّم؟ لم حدث هذا النسق؟ قيل‫:‬ هناك سببان لإرادة العيب‫:‬ وجود الظالم الذي يأخذ السفن غصباً، ومسكنة أصحاب السفينة، فقدم السبب الأهم، وهو المسكنة، ووجوب الوقوف إلى جوار الضعيف، فالمسكنة هي السبب الأساس والرئيسي لما فعله الخضر، من هنا قدم السبب وأُخِرَّ السبب الآخر (وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌۭ) من الغريب أن بعض القراء قرأ (أمامهم) قراءة تفسيرية، وليست قراءة للتلاوة، فهناك قراءات للتفسير يفعلها بعض الناس من الصحابة، أو التابعين، قال بعض العلماء‫:‬ (وراء) (وأمام) من الأضداد، وذاك رأي مرجوح، وقال بعضهم‫:‬ (وراء) تستخدم بمعنى (أمام) في الأزمنة، والمواقيت، وهناك من قال أنهما بمعنى واحد، واستند لقوله (عز وجل) (مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ١٦]، والقول الراجح، والسليم فيما نعتقد، والله أعلم في شأن كلمة (وراء) من تتبع شيئا، وتعقبه فهو وراءه بحثاً، واستقصاءً، سواء أتاه من أمام، أو من الخلف، فلان وراء كذا، إذاً فهو يبحث ويستقصي، صادفه من أمامه، أو صادفه من خلفه، وكلمة (وراء) أصلا بمعنى توارى، وهو ما استتر عنك، كان أمامك، أو كان خلفك، وعليه قد كان الملك وراء كل سفينة صالحة، هل كان الملك خلفهم من حيث المكان فهو يلحق بهم، فإن لحقهم، ووجد السفينة معطوبة تركها وانصرف، أو كان أمامهم في المكان، فإن تعطلت السفينة، وتوقفت يوما، أو يومين، أو بعض يوم لم يدركوا الملك، وانصرف، قبل أن يدركوه، أو يلحقوه، فنَجوْا‫.‬‬
‫من هنا حدث الخلاف، ومنهم من استند إلى قول النبي (صلى الله عليه وسلم) في رحلة حجة الوداع في عودته حيث أُذِّن للمغرب، وهو في طريقه من عرفة إلى المزدلفة، وقيل له‫:‬ ( الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : الصَّلَاةُ أَمَامَكَ) وكان قد أُذِّن له، أي المكان، من هنا كلمة (وراء)، قد تستخدم بمعنى الأمام في أحيان، وأحوال خاصة من هنا (وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌۭ) هل كان خلفهم مدركهم لا محالة، فإن وجدها معطوبة تركها، وانصرف أم كان أمامهم؟ ظاهر اللفظ، وما جاء في الأحاديث يفيد أنه كان وراءهم، وخلفهم مكانا، ومن قرأ (أمامهم) وأراد بهذا الأمام بمعنى الزمان، فهم في الزمان الحالي سائرون بسفينتهم، وهناك زمان آت فيه الملك يدركهم، أو يصادفهم، ويأخذ كل سفينة غصباً، هذه هي القصة الأولى، وهذا هو التعليل، والقصة الثانية‫.‬‬‬‬
وَأَمَّا ٱلْغُلَـٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَـٰنًۭا وَكُفْرًۭا ﴿80﴾
إذا فقد كان كافراً، طُبع يوم طبع كافراً، ولم يبلغ الحلم، أو كان قد بلغ الحلُم خلافات كما قلنا (فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَـٰنًۭا وَكُفْرًۭا ﴿۸۰﴾) خشينا‫: خفنا، والخشية تأتي بمعنى الكراهة، فرّقت بينهما خشية أن يقتتلا، أي كراهة أن يقتتلا، وتأتي الخشية بمعنى الخوف، ويأتي الخوف بمعنى العلم (إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۖ ) [سورة البقرة آية‫: ٢٢٩]، في هذه الحالة (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ ) [سورة البقرة آية‫: ٢٢٩]، (فَخَشِينَآ) بمعنى العلم أي أعلمه الله (فَخَشِينَآ) من قول الخضر، أو من قول الله (عز وجل) يعبر عنه الخضر أقوال، لكن السياق يدل على أن القائل الخضر (فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا) يغشاهما طغيانا، وكفرا بنعمتهما عليه في التربية، فيبدو العقوق منه، فيرهقهما بعقوقه، والطغيان تجاوز الحد في العقوق فيصيبهما منه شر بليغ، وألم، وحسرة، وندم أو (يُرْهِقَهُمَا طُغْيَـٰنًۭا وَكُفْرًۭا ﴿۸۰﴾) بمعنى يجتمع في بيت واحد، مؤمنان، وكافر طاغي أو (يُرْهِقَهُمَا طُغْيَـٰنًۭا وَكُفْرًۭا ﴿۸۰﴾) يحملهما حبهما له على ممالأته في الإفساد، والطغيان، فيكفرا بذلك، أو تنتقل إليهما العدوى منه، فيضلهما، كل هذه المعاني واردة وتحتملها الألفاظ‫.
فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًۭا مِّنْهُ زَكَوٰةًۭ وَأَقْرَبَ رُحْمًۭا ﴿81﴾
‫(يُبْدِلَهُمَا) (يُبدِّلهما) قراءتان بمعنى واحد (رُحْمًۭا ﴿۸١﴾) (رُحُما) قراءتان (يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًۭا مِّنْهُ) ولد آخر بعد مقتل هذا الغلام، يرزقهما الله (تبارك وتعالى) بولد آخر، قيل فيها الكثير، بنت تزوجت من نبي، وقيل، وقيل‫: أراد أن يبدلهما ربهما خيراً من هذا الغلام (زَكَوٰةًۭ) طهارة من الذنوب، والعيوب (وَأَقْرَبَ رُحْمًۭا ﴿۸١﴾) الرُحْم بمعنى الرحمة، والرُحْم، بمعنى الرحم (وَأَقْرَبَ رُحْمًۭا ﴿۸١﴾) أي أكثر، وأشد رحمة بهما أو (وَأَقْرَبَ رُحْمًۭا ﴿۸١﴾) أوصل رَحِما، ذاك تعليل قتل الغلام، وأما التعليل الثالث لمسألة الجدار‫.
وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُۥ كَنزٌۭ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحًۭا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًۭا ﴿82﴾
‫(وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ) إذاً لم يبلغا الحلُم؛ لأن اليتم ينتهي بالبلوغ كما قال سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم): (وَلا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ)، فكلمة (غلام) كما حدث فيها الاختلاف تطلق على من لم يبلغ الحلم، وتطلق أيضا على من بلغ وناهز الاحتلام، من هنا حدث الاختلاف في الغلام الذي قتل (لَقِيَا غُلَـٰمًۭا فَقَتَلَهُۥ) هل بلغ الحلُم أم لم يبلغ الحلم، لم يبلغ الحلُم لِم قتله بغير نفس، أو بغير فساد في الأرض، وكيف يفسد، وكيف يقتل وهو غير مكلف، وإن فعل فلا عقوبة عليه، إذاً لم يبلغ الحلم، وعلم الخضر أنه طُبع كافراً، أو بلغ الحلُم وعلم الخضر كذلك منه الإفساد، أما هنا فلا خلاف في أن الغلامين لم يبلغا الحلُم لقوله (عز وجل) (يَتِيمَيْنِ) واليتيم من لم يبلغ الحلم، واليُتم في الإنسان من قبل فقد الأب، وليس الأم، أما اليُتم في الحيوان فمن قبل فقد الأم (وَكَانَ تَحْتَهُۥ كَنزٌۭ لَّهُمَا) تحت الجدار لو سقط الجدار تشرد الغلامان، وضاع الكنز، ولو أُقيم الجدار بقي الغلامان، فإن بلغا أشدهما، وأرادا تعديل الجدار بقوة، وهم على قوة، وعلى إمكان من هذا الفعل وجدا الكنز، وأثارت كلمة كنز بعض العلماء، ربنا تبارك وتعالى يقول (وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٤)) [سورة التوبة آية‫:‬ ٣٤]، فكيف يسمح بوجود هذا الكنز، بل ويحافظ للغلامين؟ قالوا في التعليل‫:‬ ما أُخرج زكاته، فليس بكنز، والكنز المذموم هو الذي لا يخرج زكاته، أو لا يؤدي حقه، فهذا الكنز كان من ذهب، وكان من فضة، أخرج الأب زكاة ذاك الكنز في حياته، وعلّم الأولاد دينهم، فإن كبروا أخرجوا زكاة هذا الكنز عن المدة السابقة، وقال آخرون‫:‬ الكنز صحائف مسطر فيها علم، والعلم كنز، وقال بعضهم‫:‬ بل هو لوح من نحاس، أو رصاص، أو من معدن مكتوب فيه (بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن آمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن آمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن آمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن آمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن آمن بالدنيا، وتقلّبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله) أقوال يعلم الله بصحتها، وكما قلنا من قبل ما سكت عنه القرآن البحث فيه تكلف لا يليق، ربنا أطلق على ما تحت الجدار كلمة كنز (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحًۭا) سياق الكلام يدل على أنه الأب المباشر، وقال البعض‫:‬ كان الجد السابع، وقالوا‫:‬ إن الله تبارك وتعالى يحفظ الصالح في نفسه، وولده، إلى سبعة أجيال، واستدلوا بقوله (عز وجل) (إِنَّ وَلِـِّۧىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ (١٩٦)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٩٦] وظهرت العلة في إقامة الجدار بغير أجر، وهو صلاح الأب، من أجل صلاح الأب حُفظ الكنز للأولاد (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا) قوة الجسم، قوة العقل، بلوغ الحلُم (وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ ۚ ) أي مرحومين من ربك، رحمة بالغلامين من ربك، أو على تقدير فعلتُ ما فعلت رحمة من ربك (وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى ۚ ) في المسائل الثلاثة، ما فعلت ما اعترضت عليه أنت يا موسى عن أمري، بتفكيري، أو بتقديري، أو بإرادتي، وإنما فعلته بأمر الله (عز وجل) ومن هنا استند من قال‫:‬ إن الخضر نبي إلى هذا (ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًۭا ﴿۸٢﴾) وقرأت (ما لم تستطع) ويقال‫:‬ إن التاء إذا دخلت على الفعل تفيد المحاولة، فحين قال‫:‬ (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا) أعطاه شيئا من الملاحظة، وكأنه حاول ولم يستطع، وحين فسّر له بعد ذلك قال (مَا لَمْ تَسْطِع) أي لم تحاول الصبر عليه‫.‬‬
‫بعد هذا الفراق، وبعد هذا التأويل، قيل‫:‬ إن موسى قال للخضر‫:‬ أوصني، فقال له الخضر‫:‬ (يا موسى كن بساما، ولا تكن ضحاكا، ودع اللجاجة، ولا تمشي في غير حاجة، ولا تعيب على الخطائين خطاياهم، وابك على خطيئتك يا ابن عمران).‬
‫تلك كانت قصة الخضر مع موسى، وفيها كثير من اللفتات التي يجب أن يتنبه إليها المسلم، يلاحظ في الآيات أمور في شأن السفينة، قال الخضر كما يحكى عنه القرآن (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا) فنسب الفعل لنفسه، وفي شأن الغلام نجد القول يتغير أو يختلف (فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًۭا مِّنْهُ) وأما الجدار فيقول (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا) هذا التغير في النسق في شأن السفينة، فيها إعابة، فنسب الإعابة إلى نفسه تأدباً مع الله، كما قال إبراهيم فيما يحكي عنه القرآن (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٨٠]، كما يقول الله (عز وجل) (بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ (٢٦)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٢٦]، والشر بيد من؟ ولم يقل‫:‬ بيدك الشر‫.‬ التأدب مع الله في الكلام (مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ (٨٣)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٨٣]، (مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍۢ وَعَذَابٍ (٤١)) [سورة ص آية‫:‬ ٤١]، من هنا قال العلماء‫:‬ له (عز وجل) أن يطلق على نفسه ما يشاء من صفات، ولا يصح لنا نحن أن نطلق عليه إلا ما أطلق هو على نفسه، كما يجب على المسلم تأدبا مع الله بأن ينسب الخير إليه، وأن ينسب الشر إلى نفسه (مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍۢ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ٧٩]، والكل من عند الله من هنا قال (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا) ومن حيث الظاهر شر مطلق، فنسب الشر من حيث الظاهر إلى نفسه تأدباً مع الله، في القصة الثانية (فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا) (فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا) وهناك أمران‫:‬ قتل، وإيجاد، قتل الغلام ذاك، وإيجاد خيرا منه زكاة، وأقرب رحما فعْل آخر، إذاً فهما فعلان فعل القتل منسوب للخضر، وفعل الإيجاد منسوب إلى الله (فَخَشِينَآ) هو بالعلم الذي علمه من الله خاف على الأبوين، والله (تبارك وتعالى) بأمره للخضر بقتل الغلام كره أن يضر أبويه، يُطغي أبويه، أو يسيء إلى أبويه، وأما الإرادة (فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا) تتحقق الإرادة بقتل هذا، ثم بحمل هذه، والإماتة، والإحياء من فعل الله، والقاتل يفسد الآلة فقط، فكم من مصاب عاش، وكم من صحيح مات، فلا يشترط لمن أطلق عليه الرصاص أن يموت، قد تنجو، قد تحيا، الله يحيى ويميت، أما الإنسان فيفسد الآلة، يفسد الجسم، فمهما فعل في الجسم قد تخرج الروح، وقد لا تخرج (ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ) [سورة الزمر آية‫:‬ ٤٢].‬
‫من هنا قال (فَخَشِينَآ) أن يرهقهما طغيانا وكفرا، فأردنا أن يبدلهما ربهما، وهنا وحّد (يُبْدِلَهُمَا)؛ لأن المبدّل هو الله، يبدّل ولا يتبدل، هو يغيّر ولا يعتريه تغيير، وأما الثالثة فالأمر متعلق بمستقبل، وغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، والمستقبل بيد الله، فبلوغ الأشد من فعل الله، استخراج الكنز بإرادة الله، وليس للخضر مدخل في ذلك، مدخله في إقامة الجدار، أشار إليه فاعتدل فقط، أما بلوغ الأشد من فعل الله، واستخراج الكنز بإرادة الله، وهو خير محض فنسب إلى الله، خرق السفينة شر محض فنسبه إلى نفسه، وقتل الغلام وإبداله بخير منه شر، وخير، فنسب إليه مع الله (عز وجل) حين عاب السفينة تعطل الناس، وتعطلت أرزاقهم‫.‬‬
‫من هنا قيل في شأن المصالح كيف تراعي المصلحة، وكيف يفسد بعض المال من أجل صلاح بقيته، وكيف إذا تواجد ضرران يختار أهون الضررين، تعطل بعض الوقت، أم التعطل كل الوقت؟ أن يحرم المساكين من الرزق كل الأيام، من هنا اختار الخضر أهون الضررين بإعابة السفينة، في شأن الغلام حين ولد الغلام كم كانت فرحة الأبوين؟ حين قتل الغلام كم كان حزن الأبوين؟ ترى هل كان الفرح في محله، وترى هل كان الحزن في موضعه؟ حين مات الصالح، وترك الكنز، ولم يستطع أن يخبر الأطفال من الذي حفظ له كنزه؟ من الذي تولى الأيتام؟ تولاهما الله لأي سبب؟ بسبب صلاح الأب، فصلاح الأب ينفع الأولاد دنيا وأخرى، يستفاد من هذه القصص الثلاث أمور‫:‬‬
‫فمنها أن الإنسان لا يحق له أن يتفاخر بعلمه أبداً، بل ينسب العلم إلى الله، ويتواضع، ويحمد الله على ما منحه من العلم، ولنا في مقالة الملائكة أسوة (قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ (٣٢)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٣٢]، ولنا في التوجيه الإلهي للنبي (وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا (١١٤)) [سورة طه آية‫:‬ ١١٤]، أيضا مهما بلغ الإنسان من درجات العلم يجب أن يسعى إلى المزيد من العلم، ها هو موسى يسعى، ويمشي، ويكّد، ويتعب من أجل أن يلقي ذلك العبد الصالح، يتعلم منه فلا يكتفي العالم، وصدق النبي (صلى الله عليه وسلم) حين يقول‫:‬ ( مَنْهُومَانِ لا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْمٍ، وَطَالِبُ دُنْيَا) فيجب على الإنسان مهما بلغ من درجات العلم أن يسعى لمزيد من العلم، والعلم لا نهاية له؛ إذ إن العلم من علم الله، وكما قال الخضر‫:‬ ما علمي وعلمك من علم الله، إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر، فعلم الله لا نهاية له، وربنا هو المعلم الذي يعلّم الناس (عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)) [سورة العلق آية‫:‬ ٥]، أيضا على طالب العلم أن يتواضع، وأن يتأدب في المقال، وأن يعرف فضل العالم عليه، وانظر إلى تأدب موسى مع الخضر (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًۭا ﴿٦٦﴾) رغم المقابلة الغريبة التي حدثت حين لقيه موسى مُسجيً بثوبه، قد غطى وجهه، سلّم عليه السلام عليكم ورحمة الله، فكشف وجهه قائلا‫:‬ وأنّي بأرضك السلام، رد غريب (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ ) [سورة النساء آية‫:‬ ٨٦]، ثم نظر إلى مقالته من أنت؟ أنا موسى، موسى بني إسرائيل؟ انظر إليه حين يقول (قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا ﴿٦۷﴾ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ خُبْرًۭا ﴿٦۸﴾) وانظر إلى الرد (قَالَ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًۭا) إذاً فقد ترك الحكم له ليس لنفسه، لا يقول‫:‬ أنا سوف أكون كذا، بل قدّم المشيئة فوّض الأمر إلى الله، التجأ إلى الله، ثم ترك الحكم عليه للخضر، للمعلم، من هنا كانت المقالة الأخيرة والشرط (إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍۭ بَعْدَهَا فَلَا تُصَـٰحِبْنِى ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًۭا ﴿۷٦﴾) الأدب في الكلام، وفي طلب العلم مما يستفاد أيضا أن الأفعال لها ظواهر، ولها بواطن، وما قد ينكره الإنسان من حيث الظاهر، قد لا ينكره لو علم الباطن‫.‬‬
‫من هنا كانت النصيحة لا تُعيب على الخطائين خطاياهم، وابك على خطيئتك، أنت تستطيع أن تحكم على نفسك، أما فعل الناس فالحكم هو الله، وصدق النبي (صلى الله عليه وسلم) في نصيحته ( وَلا تَكْلَفُوا مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ مَا لَمْ تَكْلَفُوا , وَلا تُحَاسِبُوا الْعِبَادَ دُونَ رَبِّهِمْ) أيضا إنكار المنكر واجب، وما فعله موسى بغض النظر عن الشرط والأمر الذي أمر، الذي أمره به الخضر كان متوائماً مع شريعته ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ) في كل الشرائع خرْق السفينة منكر من حيث الظاهر، قتل الغلام منكر من حيث الظاهر، فحين اعترض موسى بغض النظر عن النتائج، وبغض النظر عن القصة، هل كان يجب عليه أن يعترض أم لا يجب؟ لا يجب من حيث القصة، ومن حيث الشرط، ومن حيث وحي الله له باتباع الخضر، وما إلى ذلك، لكن من حيث الحكم العام يجب على الإنسان أن ينكر المنكر، وأن ينصح المخطئ، فإن تبين له أن وراء ذلك علّة صحيحة رجع عن تخطئته أو رجع عن كلامه، وتوجيهه طالما عرفت العلة، أيضا من القصة أن موسى حين أُلحق بالخضر أَلحق به للتأديب، وليس للتعليم، هل تعلّم موسى من الخضر؟ ذاك هو السؤال (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ) ذاك كان طلب موسى، التوقّع من الخضر (لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا ﴿٦۷﴾) التعليل كيف تصبر على ما لم تحط به خبرا، في النتيجة هل تعلّم موسى من الخضر شيئا؟ أبداً، رأي أموراً، وأنكرها، ثم عللت له الأمور، ذاك تأديب، وليس تعليم، فالتعليم أن يستطيع أن يفعل ما فعله الخضر، من هنا قيل‫:‬ إن موسى ألحق بالخضر للتأديب، وليس للتعليم، والتأديب سببه حين سئل موسى من أعلم الناس؟ قال أنا، أيضا يتبين لنا رعاية الله (عز وجل) بعباده المخلصين، هي كلمة قالها موسى، كان من نتيجتها رحلة، وحوادث، وليته صبر كما قال نبينا (صلى الله عليه وسلم) حتى يقص الله علينا من أخبارهما، وانظر إلى عناية الله، ورعاية الله بأنبيائه، ورسله وكيف يؤدبهم، ويعلمهم، وانظر أيضا لولاية الله للصالحين كيف حفظ الكنز للغلامين، بسبب صلاح الأب، يتبين لنا أيضا واقع لقول الله (وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢١٦]، لا شك أن أصحاب السفينة حين فوجئوا بالماء يتدفق إلى داخلها، اضطربوا، وحزنوا، وفزعوا، ووقفوا، هل أحبوا ذاك، أم كرهوا؟ هل كان خيراً أم كان شراً؟ كان خيرا، قِسْ لو أنت بسيارتك في طريق، وانفجر إطار السيارة، وتوقفت لإصلاحه سواءً كنت عاملاً عليها، أو مالكاً لها فمن يدريك أن هذا الانفجار لهذا الإطار كان خيراً لك، يحميك الله (تبارك وتعالى) من شيء أمامك لا تراه، هل رأى أصحاب السفينة الملك؟ هل علموا بوجوده؟ لو لم يخبر ربنا (تبارك وتعالى) الخضر ماذا كان يحدث؟ لسقطت السفينة في أيدي الملك، وضاع عليهم وسيلة الرزق، فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، الصالح لا يخشى على نفسه، ولا على ولده، والتأمين مضمون، التأمين عند الله، عند من يملك، وليس التأمين في الشركات، ما هو التأمين؟ وما هو القسط الذي يُدفع؟ وما هو المبلغ؟ وما هي النتيجة؟ هلمّ نرى دعوة، ربنا لنا كي نؤمن على أنفسنا وأهلنا‫:‬ (وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَـٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا (٩)) [سورة النساء آية‫:‬ ٩]، هذه هي وثيقة التأمين يا من خفت على أولادك من يخاف على أولاده أن يموت ويتركهم في سن صغيرة، من يرعاهم، من يربهم؟ من يتولاهم؟ ها هي الوثيقة (وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَـٰفًا) ماذا يفعلون؟ (فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا (٩)) [سورة النساء آية‫:‬ ٩]، وانظر إلى التأمين الآخر، والوثيقة الأخرى، والغريب أنها نفس الوثيقة (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا ﴿۷۰﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿۷١﴾) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٧٠ - ٧١] ذاك هو التأمين، إن أردت أن تؤمن على تجارتك كي لا تخسر، على سفينتك كي لا تغرق، على سيارتك كي لا تحرق، أو تسرق، إذا أردت أن تؤمن على مالك، وعملك، ومصالحك، التقوى، والقول السديد يصلح لكم أعمالكم، ويغفر لكم ذنوبكم، يا لرحمته، ويا لسعة عفوه، وعظيم منته، التقوى، والقول السديد، تلك هي وثيقة التأمين عند من يملك، ويقدر، الفعّال لما يريد (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحًۭا) الغلام الذي قُتل كم فرح أبواه بمولده، وكم حزن أبواه بمقتله، وكان الفرح في موضع الحزن، وكان الحزن في موضع الفرح، ولو علمتم الغيب لاخترتم الواقع، ولو علم الأبوان لحزنا حين ولد، ولفرحا حين قتل، أليس كذلك؟ بلى، يقول الله (عز وجل) في حديث قدسي يرويه الترمذي (إِذَا وَجَّهْتُ إِلَى عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِي مُصِيبَةً فِي بُدْنِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ ذَلِكَ بِصَبِرٍ جَمِيلٍ ، اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ أَنْصِبَ لَهُ مِيزَانا ، أَوْ أَنْشُرَ لَهُ دِيوَانا) والصبر الجميل الذي لا شكوى معه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، يقول الله (تبارك وتعالى) لملائكته، أو لبعض ملائكته صبوا على عبدي البلاء صبا، فيصبوا عليه البلاء، ويقولون‫:‬ يا رب صببنا عليه البلاء فحمدك، فيقول‫:‬ ارجعوا فإني أحب أن أسمع صوته‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، الصبر، والرضا، الرضا بقضاء الله سعادة ما بعدها سعادة، والرضا لمن يرضى، إذا أردت رضاء الله فارض أنت عن الله (رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ) [سورة المجادلة آية‫:‬ ٢٢]، والرضا عن الله بمعنى أن ترضى بقضائه، وقدره، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبحمد (صلى الله عليه وسلم) نبياً، ورسولاً، أجاب الوحي على سؤال يهود المدينة الذي أوعزوا به إلى مشركي مكة، حيث قال اليهود المدينة لمشركي مكة سلوا محمداً عن أمور ثلاثة‫:‬ الفتية أهل الكهف، سلوه عن الروح، ومن ضمن الأسئلة كان السؤال الثالث‫:‬ سلوه عن رجل طوّاف بلغ مشارق الأرض، ومغاربها نزل القرآن على النبي (صلى الله عليه وسلم) بالإجابة يقول عز من قائل:
وَيَسْـَٔلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُوا۟ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا ﴿83﴾ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ وَءَاتَيْنَـٰهُ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ سَبَبًۭا ﴿84﴾ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴿85﴾
ذو القرنين اختلف الناس في اسمه اختلافا كثيراً، من ضمن أقوالهم أنه الإسكندر الأكبر الذي بنى مدينة الإسكندرية، وذاك قول مرفوض، اختلفوا أيضا في زمانه، فمنهم من زعم أنه كان في زمان إبراهيم، عليه السلام، ومنهم من زعم أنه كان في الفترة ما بين موسى وعيسى، عليهما السلام، ومنهم من زعم كان في الفترة بعد عيسى، عليه السلام، وقبل سيدنا محمد، (صلى الله عليه وسلم) واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، وذو القرنين كُنية حين سأل اليهود النبي (صلى الله عليه وسلم) من خلال مشركي مكة لم يذكروا له اسما، ولا كنية، فنزل القرآن بالتحديد، يحدد كنيته (وَيَسْـَٔلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ ۖ ) قيل‫:‬ القرنان ضفيرتان له في شعره، وقيل‫:‬ القرنان قرنان في تاجه الذي كان على رأسه، وقيل‫:‬ بلغ مشارق الأرض ومغاربها فكأنه قد حاز قرني الدنيا، وقيل‫:‬ هلك في زمانه قرنان من الناس، وهو حي، وقيل‫:‬ كان إذا قاتل قاتل بيديه، وركابيه معاً، وقيل‫:‬ لأنه بلغ مشرق الأرض ومغاربها، وملك المشرق والمغرب، فكأنه حاز قرني الدنيا أقوال يعلم الله بصحتها، لكن القرآن سكت عن هذا (قُلْ سَأَتْلُوا۟ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا ﴿۸۳﴾) (مِّنْهُ) الضمير عائد إلى الله (عز وجل) (مِّنْهُ) أي من وحي الله، من كلام الله من الله أو (سَأَتْلُوا۟ عَلَيْكُم مِّنْهُ) من أمره من شأن ذي القرنين من قصته (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ) مكنا له أمره في التصرف فيها كيف يشاء (وَءَاتَيْنَـٰهُ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ) من كل شيء أراده، وتوجّه إليه (سَبَبًۭا ) السبب في الأصل الحبل، ويُطلق السبب على كل ما يوصّل إلى الشيء، أي آتينا من كل شيء أراده، وتوجّه إليه، وصلة توصّله إلى ما يريد، من علم، من قدرة، من قوة يعلم الله (فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴿۸٥﴾) (فاتّبع سببا) قراءة تبع واتبع‫:‬ مشى وراءه، ولم يلحقه، أتبعه‫:‬ سار وراءه ولحقه (فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ (٦٠)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٦٠]، (فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ ثَاقِبٌۭ (١٠)) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٠] وقيل‫:‬ بل الكل بمعنى واحد‫:‬ تبع، واتبّع، وأتبع دون تفرقة‫.‬‬‬‬
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍۢ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًۭا ۗ قُلْنَا يَـٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًۭا ﴿86﴾
‫(حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ) لا يعني هذا أنه بلغ مكان الشمس، وجرم الشمس فلمسها، فالشمس بعيدة، وتدور في هذه المجرة، وهذا الكون في مدارها الذي أراده الله لها، وتبعد عن الأرض مسافات، ومسافات (بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ) أي المكان الذي تغرب عليه الشمس في الأرض، أقصى الأرض من جهة المغرب، أقصى المعمورة ليس وراء ذلك من العمار شيئا (وَجَدَهَا تَغْرُبُ) في يعنيه، لم يقل (تغرب) بل قال (وَجَدَهَا تَغْرُبُ) بحسب رؤيته بحسب ما ظهر لعينيه (تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍۢ) حمئة‫:‬ أي ذات طين أسود، حمئت البئر ازداد طينها، وكثر الطين فيها، وحمئت البئر‫:‬ استخلصت الطين منها، العين الحمئة‫:‬ حفرة كبيرة عظيمة، فيها طين أسود، حامية أي ملتهبة على قراءة من قرأ (وجدها تغرب في عينة حامية) وقد يتفق المعنى مع القراءتين فهي حمئة، وحامية ملتهبة، وذات طين أسود، ولنتأمل لو أنك في البحر المحيط في سفينة لا ترى الشاطئ، ونظرت إلى الشمس حال غروبها حين تراها، تراها تغرب في البحر، وكأنها تسقط في الماء، فإذا قلت وجدت الشمس تغرب في الماء ذاك بحسب رؤيتك، وإن كنت في صحراء لا بناء فيها ولا جبل ممتدة على مرمى البصر، ونظرت إلى مغرب الشمس لوجدتها تغرب في الأرض، وكأنها تسقط في الأرض، وتدخل في الأرض، وذاك أمر يخالف الواقع، والوصف بحسب رؤية ذي القرنين لمغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة (وَوَجَدَ عِندَهَا) عند العين، وليس عند الشمس (قَوْمًۭا ۗ ) (قُلْنَا يَـٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًۭا ﴿۸٦﴾) هذه الآية، وهذا الخطاب يدل على أنه نبي، فالخطاب مباشرة من الله له، وقال الآخرون‫:‬ بل كان الخطاب بالإلهام، كما ألهمت مريم، وكما ألهمت أم موسى، وقال بعضهم‫:‬ قد يجوز أن يكون القول على لسان نبي في عصر ذي القرنين، فتم الوحي للنبي، وأبلغ النبي ذا القرنين بوحي الله، يعلم الله، نبي، ولي، عبد صالح، سُخر له السحاب، ومدت له الأسباب، ومد له في النور، فكان الليل والنهار عليه سواء، أعطي ما لم يعط أحد مثل هذا العطاء (قُلْنَا يَـٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًۭا ﴿۸٦﴾) الأمر للتخيير يفيد أن القوم كانوا كفارا، وخُير ذو القرنين بين القتل، وبين الأسر، وسُمي الأسر (حُسْنًۭا) لمقابلته بالقتل، أو خُير بين القتل، وبين الدعوة والإرشاد، إما أن تعذبهم بقتلهم، وإما أن تتخذ فيهم حسنا بدعوتهم إلى عبادة الواحد الأحد، وإرشادهم إلى الدين القويم، وقال بعض النحاة‫:‬ (إما) ليست للتخيير، بل هي للتقسيم (إما، وإما) أي ليكن شأنك معهم التعذيب، أو الإرشاد.
قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا نُّكْرًۭا ﴿87﴾ وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًۭا ﴿88﴾ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴿89﴾
ها هو الاختيار اختيار الدعوة، واختار الإرشاد، واختار التعليم، واختار الحسنى، فمن أصر على كفره (أَمَّا مَن ظَلَمَ) بالكفر، بالشرك وعدم تقبل الدعوة (فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُۥ) أنا ومن معي، أنا وجنودي (ثُمَّ يُرَدُّ) بعد موته، أو بعد قتله (إِلَىٰ رَبِّهِۦ) يوم القيامة (فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا نُّكْرًۭا ﴿۸۷﴾) عذابا لا يقوى على تحمله مخلوق، عذاب شديد، فظيع، منكر (وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا) آمن بالدعوة، وعمل بمقتضى الإيمان؛ إذ الإيمان بلا عمل كَلا إيمان (فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ ۖ )، (جزاءٌ - جزاءَ - جزاءُ) أربع قراءات، ولها تفسير لغوي من حيث النحو (فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ ۖ ) أي له جزاءً المثوبة الحسنى (فله جزاءٌ الحسنى) جزاءٌ مبتدأ، الحسنى‫: الجنة جزاء الحسنى التي هي الجنة (جزاءُ الحسنى) أي جزاء عمله الحسن، إذ العمل الصالح مع الإيمان هو الحسنى (وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًۭا ﴿۸۸﴾) (يُسُرا) قراءتان، قولاً ذا يسر (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴿۸۹﴾) (ثم اتبع سبا) قراءتان‫.
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍۢ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًۭا ﴿90﴾ كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًۭا ﴿91﴾ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴿92﴾
‫(حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ) (مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ): مكان طلوع الشمس على الأرض، أي مكان الذي تطلع عليه الشمس من الأرض، أي المكان الذي تطلع عليه الشمس من الأرض من أقصى المشرق في المعمورة في الأرض (وَجَدَهَا) وجد الشمس أيضا في رؤية عينه (وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍۢ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًۭا ﴿۹۰﴾) حين بلغ مطلع الشمس بسبب يعلمه الله هذا السبب، هل طار في الهواء؟ بلغ المكان، أو الناس الذين تطلع عليهم الشمس أولا (لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًۭا ﴿۹۰﴾) من دون الشمس (سِتْرًۭا) حجاباً، أو ساتراً، معنى ذلك لم تكن لهم أبنية، لم يكن هناك شجر، لم تكن هناك جبال فيها مغارات، أو كهوف، أين كانوا؟ واختلف الناس في ذاك فقالوا‫: كانوا في أسراب تحت الأرض إذا زالت الشمس خرجوا، وإذا طلعت الشمس دخلوا فيها، قال بعضهم‫: هم عراة لا ساتر لهم حتى من الثياب، كانوا ينزلون البحر حين تطلع الشمس، ويخرجون من الماء حين تزول الشمس، أقوال للتابعين يعلم الله بصحتها، سكت القرآن عن خفايا هذا الأمر، هل تطلع الشمس عليهم في اليوم كاملاً في أربع وعشرين ساعة كما في بعض الأماكن في الأرض (كَذَٰلِكَ) أي كذلك شأنهم مثل شأن أهل المغرب من الكفر، والحكم يعذّب أو يتخذ فيهم حسنا، أو كذلك شأنه فيهم كشأنه في أهل المغرب، أي قيل له‫: إما أن تعذب، وإما أن تتخذ فيهم حسنا ورد برده السابق أي إما كذلك شأنه، وكذلك سلطانه، ومُلكه، وما أوتي أو كذلك شأن هؤلاء القوم الذي تطلع عليهم الشمس (وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًۭا ﴿۹١﴾) أحطنا بما عنده من قوة، وعلم، وآلة، وأدوات، وجنود (خُبْرًۭا) علما يقينا، والآية تفيد أن ما عند ذي القرنين يستحيل أن يحيط به علم أحد من الخلْق، وهو من الكثرة، والغرابة، والقوة بحيث لا يحيط به إلا علم العليم الخبير؛ لذا قال (وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًۭا ﴿۹١﴾) أي لا يمكن للناس أن يحيطوا بما كان عند ذي القرنين من علم، أو قوة، أو قدرة، أو آلة، أو جنود (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴿۹٢﴾).
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ ٱلسَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًۭا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًۭا ﴿93﴾ قَالُوا۟ يَـٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰٓ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّۭا ﴿94﴾ قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌۭ فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴿95﴾ ءَاتُونِى زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ قَالَ ٱنفُخُوا۟ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارًۭا قَالَ ءَاتُونِىٓ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًۭا ﴿96﴾ فَمَا ٱسْطَـٰعُوٓا۟ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ لَهُۥ نَقْبًۭا ﴿97﴾ قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌۭ مِّن رَّبِّى ۖ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُۥ دَكَّآءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّۭا ﴿98﴾
‫(حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ ٱلسَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًۭا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًۭا ﴿۹۳﴾) السَُدين (يُفقهون) السَّد والسُّد كلمتان بمعنى واحد، وقيل‫:‬ السُّد لما خلقه الله (السَّد) لما عملته الأيدي، وهنا حاص المفسرون في شأن السدين، قيل‫:‬ هم جبلان بين أرمينية، وأذربيجان، وحددوا المكان والله أعلم (بَلَغَ بَيْنَ ٱلسَّدَّيْنِ) الجبلين (وَجَدَ مِن دُونِهِمَا) وراء السدين (قَوْمًۭا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًۭا ﴿۹۳﴾) (لا يُفقهون) لا يفهمون، ولا يُفهمون ، والكلمتان والقراءتان تفيدان أنهم لا يفهمون منك، وطالما لم يفهم منك لن يستطيع أن يفهمك، كذلك فهم لا يفهمون، ولا يُفقهون (قَالُوا۟ يَـٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ) قالوا‫:‬ عن طريق الترجمان لا يفقهون، ولا يُفقهون، فكيف قالوا؟ (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ) يأجوج ومأجوج لفظان أعجميان ممنوعان من التصريف للعُجمى، والتعريف، والتأنيث غير مشتقين من شيء، وقيل‫:‬ بل هما لفظان معرّبان مشتقان من (أج) أجج النار، وأجيج النار، ومج أج ومج، مشتقان فهما معربان، ممنوعان من التصريف للتأنيث والتعريف، وليس للعُجمى يعلم الله، تكلم المفسرون في شأن يأجوج ومأجوج كثيرا، مختلفا متضاربا، أحجام كبيرة جدا، أحجام صغيرة كالشبر، للفرد منهم أذنان، أذن ينام عليها، وأذن يتغطى بها، أذنان إحداهما شتوية، والأخرى صيفية، يدخل في الشتوية في الشتاء، ويدخل في الصيفية في الصيف، فتلك وبر، وشعر، تبث الدفء والأخرى غير ذلك، قيل كانوا قبائل تزيد عن العشرين قبيلة، منهم قبيلة الترك، وقد تُركت الترك، وحدث السد على عشرين قبيلة، وحددوا المكان، هناك أقوال يعلم الله بصحتها (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ) هل كانوا مفسدون في ذاك الوقت، أم توقّع منهم الفساد؟ واختلفوا في فسادهم، قالوا‫:‬ كانوا يخرجون في الربيع فما اخضر أكلوه، وما يبس احتملوه، وقالوا‫:‬ الإفساد بقتل الناس، وقالوا‫:‬ من أكلة اللحوم، وقالوا‫:‬ من قبائل الزنج، وقالوا، وقالوا في شأن الإفساد، ويعلم الله ما هو نوع إفسادهم الذي أخبر به القوم (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰٓ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّۭا ﴿۹٤﴾) خراجاً، الخرْج والخراج‫:‬ ما يُخرج من أموال في الفرائض كالزكاة، وكخراج الزرع وما إلى ذلك، هل نجعل لك خراجا على أن تجعل بين يأجوج ومأجوج سدا مانعا، يمنعهم من الوصول إلينا، عرضوا عليه الأجر (قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌۭ فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴿۹٥﴾) (ما مكنني) الردم أقوى من السد، السد حاجز كالجدار، بناء، أما الردم فهو طبقات بعضها فوق بعض، من قولهم سحاب مُردَّم أي كثيف، طبقات بعضها فوق بعض، وثوب مُردَّم‫:‬ مرقّع الرقاع فوق بعضها، رقعة ثم رقعة، وهكذا، فالردم معناه أن يضع الحجارة، أو يضع ما يضع، ثم فوقها طبقة أخرى ثم طبقة أخرى، وهكذا فيكتمل بناء الردم، وهو أقوى من السد (قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌۭ) ما مكنني فيه من مال خير من المال الذي تعرضونه عليّ، إذاً فقد رفض الأجر لكنهم عرضوه بتأدب، بلباقة بلطف (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰٓ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّۭا ﴿۹٤﴾) منتهى التأدب في السؤال، والتأدب في عرض الأجر، لكن الأسلوب واحد، سليمان حين جاءته الهدايا (فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَـٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍۢ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيْرٌۭ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُم) [سورة النمل آية‫:‬ ٣٦] (وَيَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ ) [سورة هود آية‫:‬ ٢٩] وقالها الرسل، وقالها نبينا (صلى الله عليه وسلم) (أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًۭا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ (٧٢)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٧٢]، وهكذا ديدن الأنبياء، والعلماء لا يأخذون أجراً من أحد أبداً إلا من الله (مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌۭ) لكنه طلب منهم التعاون، والعمل؛ إذ إن السكوت على الظلم خطيئة، ويجب على الإنسان المسلم أن يدافع عن نفسه، ولا يرضى بالظلم أبداً، فضربة سيف في عز، خير من ضربة سوْط في ذل، والأعمار بيد الله، والأرزاق بيد الله، والمسلم لا يرضى أبداً بالذل، ولا يقبل الضيم، مهما حدث‫.‬‬
‫من هنا وجههم للعمل، وجههم لبذل المجهود، لمقاومة الظلم (فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ) بالأيدي العاملة، بالآلات والأدوات، اعملوا معي لا أريد أجراً إلا من الله، لكن المشاركة والعمل (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴿۹٥﴾) أفضل مما تطلبون بالتعاون (ءَاتُونِى زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ ۖ ) (إئتوني زبر الحديد) قراءة (ءَاتُونِى) أي جيئوني بقطع الحديد، زُبر الحديد‫:‬ جمع زُبرة والزُبرة‫:‬ القطعة العظيمة من الحديد، أصل مادة الكلمة‫:‬ الاجتماع، منه زبرة الأسد للشعر المتكاثف على كاهليه، ومنه زبرت الكتاب‫:‬ جمعت حروفه، الزبور‫:‬ الكتاب المجموع حروفه في كلمات (حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ) الصدفين‫:‬ طرفي الجبلين، والصدف لا يطلق على شيء واحد، لابد أن يطلق على شيئين اثنين، فلا يطلق على المفرد (صدف)؛ إذ الصدف من المصادفة أي المقابلة، أو من الصدوف، فكأن ذاك مال عن ذاك صدف عنه، ابتعد، وذاك صدف عنه، فلابد وأن يكونا متقابلين حتى يقال في شأنهما صدفين، ومنه صادفت فلانا أي لقيته، وقابلته مصادفة، الصدفين‫:‬ جانبي الجبلين وقُرأت بقراءات كلها تدل على نفس المعنى (الصَدَفيْن)، (الصُدُفَيْن) (الصَدْفين)، (الصُدْفين)، (الصَدُفَيْن) قراءات كلها تؤدي إلى نفس المعنى (سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ) أي ساوى بين الردم، وبين الصدفين، ساوى بين البناء الذي يبنيه، وبين جانبي الجبل (قَالَ ٱنفُخُوا۟ ۖ ) إذاً فقد كان هناك نار، كير، أو أكوار، ومنافيخ، ووضع قطع الحديد، وأمرهم النفخ فيها، إذاً فقد اشتغلوا، وعملوا، وحملوا، وهاهم ينفخون في الكير ينفخون بالمنافيخ (حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارًۭا قَالَ ءَاتُونِىٓ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًۭا ﴿۹٦﴾) الحديد (نَارًۭا) أي كالنار في اشتغاله (أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًۭا ﴿۹٦﴾) آتوني أفرغ قِطراً عليه، هذا هو المعنى أي آتوني قطراً جيئوني بالقطر، وهو النحاس المذاب أصبه على الحديد المحمي الذي أصبح كالنار، فإذا صُب النحاس المذاب على الحديد المشتعل كالنار، اختلط النحاس بالحديد، وأصبح سبيكة واحدة (فَمَا ٱسْطَـٰعُوٓا۟ أَن يَظْهَرُوهُ) (فما استطاعوا)، (فما اصطاعوا) مع قلب السين صاد قراءات (فَمَا ٱسْطَـٰعُوٓا۟ أَن يَظْهَرُوهُ) يتسلقوه، أو يعلو أحدهم عليه، أو يرتقيه (وَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ لَهُۥ نَقْبًۭا ﴿۹۷﴾) خرقاً أملس، مرتفع جدا، يئسوا من أن يظهروه، ثخين صلب، شديد، ما استطاعوا أن يخرقوه (قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌۭ مِّن رَّبِّى ۖ ) القائل ذو القرنين، قال هذا البناء رحمة بكم، وبمن يأتي من بعدكم (فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى) بانهدامه، أو بقيام الساعة، فهو من علامات الساعة (جَعَلَهُۥ دَكَّآءَ ۖ ) مستوياً، مدكوكاً بالأرض، ويقال للناقة التي لا سنام لها دكاء، ويقال للأرض المستوية دكاء، أي مدكوكا دكاً، محطما تحطيماً (جَعَلَهُۥ) مذكر (دَكَّآءَ ۖ ) مؤنث أي جعله مثل الأرض الدكاء (وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّۭا ﴿۹۸﴾) بانهدامه (حَقًّۭا ﴿۹۸﴾) واقعا لا محالة.
وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ يَمُوجُ فِى بَعْضٍۢ ۖ وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَـٰهُمْ جَمْعًۭا ﴿99﴾
‫(وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ) إما تركنا يأجوج ومأجوج بعد اكتمال الردم حيارى، مترددين لا يستطيعون تصرفاً أو (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ ) يوم انهدامه، خرج منه يأجوج ومأجوج يموجون في الناس، في الخلائق، أو الكلام عن الناس، والإنس، والجن يوم الساعة (وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَـٰهُمْ جَمْعًۭا ﴿۹۹﴾) إذاً الموج بعد النفخة الأولى، ثم النفخة الثانية للبعث، علمنا من نبينا (صلى الله عليه وسلم) أن يأجوج ومأجوج يحاولون خرق السد، هم ما استطاعوا أن يظهروه، وما حاولوا، ولن يحاولوا، وإنما هم يحاولون الخرق، فيحفرون فيه كل يوم حتى يكادوا يرون شعاع الشمس، قال رئيسهم لهم‫:‬ ارجعوا فسنكمل في الغد، حين يعودون في الغد يعود الردم كما كان، وكأنهم لم يحفروا فيه شيئا، بل يصبح أشد صلابة، فيحاولون ويحفرون حتى إذا كان الليل، وكادوا يرون شعاع الشمس، مدة الحفر يعلمها الله يوما، أو يوما وليلة، النهار والليل بالنسبة لهم يعلمه الله، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس كادوا يخرقونه، يقال لهم‫:‬ ارجعوا وسنحفره في الغد، فإذا جاء وعد الله، وجاء الموعد يحفرون فيه حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس يقول الذي عليهم‫:‬ ارجعوا فسنحفره غداً إن شاء الله، الله تعالى لأول مرة يقولها بإرادة الله، فيقدم المشيئة، فيأتون في اليوم التالي فيجدونه كما تركوه محفورا، جاهزا فيحفرونه ويخرجون على الناس، فينشفون الماء، وما ورد في شأنهم من أمور عديدة يعلم الله (تبارك وتعالى) بصحتها، لكن خروج يأجوج ومأجوج قبل قيام الساعة أمر واقع (حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍۢ يَنسِلُونَ (٩٦)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٩٦]، فخروج يأجوج ومأجوج واقع، متحقق، من علامات الساعة الكبرى‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، تلك كانت الإجابة على السؤال، إن كانت أخرست السائلين، ودلت على صدق سيد المرسلين، عليه أفضل صلاة، وأكمل تسليم، إلا أنها لم توضح أموراً عديدة، سكت عنها القرآن، ولكن قد يتأمل الإنسان فيها تأملا ً يزيده إيمانا بصدق الكتاب، ويقينا بقدرة الملك الوهاب، لو تتعبنا القصة من أولها لوجدنا فيها الكثير، وصدق ربي حيث يقول‫:‬ (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ (٢٤)) [سورة محمد آية‫:‬ ٢٤]، بالتأمل في قصة ذي القرنين تثور تساؤلات‫:‬ ما هي القوة التي منحها؟ كونه نبيا، أو ولياً، أو عبداً صالحا، أمراً لا نبحث فيه، فهو كالخضر قد، وقد، التمكين في الأرض، لم يذكر كيف مكن له، أتاه ربنا من كل شيء أراده، وتوجّه إليه، وصلة توصله، أهي كلمات يقولها؟! أهي أسماء لله، عز وجل، لها سر، فإذا نطق بها مُكِّن، أهو علم؟ أهي قدرة؟ أهي آلة؟ أهي الحكمة؟ حين أراد أن يصل إلى مغرب الشمس هل هو مجرد سفر؟ أهي نزهة؟ أهي بحث، وسير في الأرض ليرى من آيات الله ما يشاء، أم هو تكليف بنشر الدعوة، بنشر الإيمان بالدعوة إلى الواحد الديّان؟ مغرب الشمس أين كان مكانه، وهل كان في مكان كقارة إفريقيا مثلا، غربها محيط، وشرقها محيط، فالمشرق والمغرب هو نهاية الأرض؟ هل كانت الرحلات على الكرة الأرضية، أم كانت في الفضاء؟ هل وصل إلى كواكب أخرى، هل مغرب الشمس، ومطلع الشمس في كواكب أخرى، أم كان ذلك في الأرض؟ أسئلة، حين مكن، وخير إما أن تعذب، وإما أن تتخذ فيهم حسنا، أكان ذلك من قبيل ما مُنحه سليمان (هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ (٣٩)) [سورة ص آية‫:‬ ٣٩]، بلغ مطلع الشمس، هؤلاء القوم أين كانوا؟ الأرض لم يكن عليها بناء، أمَا كانوا يعرفون فن البناء، والبناء ليس فناً في بداية الخليقة، حجر فوق حجر، ألم يكن من الممكن أن يعملوا بناءً عريشا من جريد النخل، من أوراق الشجر، ألم يكن عندهم شجر يستظلون به؟ ماذا كانوا يأكلون؟ هل كانوا يعيشون في الماء في البحر، حتى لو كانوا على الجزر فكثير من الجزر عليها بناء، هل كانوا على الماء أم كانوا في الفضاء؟ هل كانوا عراة بلا ثياب؟ سكت القرآن (كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًۭا ﴿۹١﴾) وسكت هل كان شأنه معهم كشأنه مع أهل المغرب، كما قال المفسرون، إما أن تعذب، وإما أن تتخذ فيهم حسنا؟ لم ليست لهم أبنية؟ أين ينامون؟ قالوا‫:‬ يتسافدون كما تتسافد البهائم، كيف؟ يدخلون في الماء طول النهار، يأكلون ما تنضجه الشمس، ألم تكن لديهم نيران؟ ألم يعرفوها؟ كيف كانوا يعيشون؟ سبحانه يخلق ما لا تعلمون، الأعجب هؤلاء الذين يعيشون بين السدين، والكلام كثير ولا نريد أن نخوض فيه؛ لأنه بعيد، بعيد، حتى اعتبروا يأجوج ومأجوج الترك، وأوردوا حديث‫:‬ ( اتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ) هل الترك قبيلة منهم؟ كيف تكلموا معه؟ هل كان عن طريق ترجمان، والترجمان كان يعرف لغة ذي القرنين، من أين وكيف عرفها؟ أين تعلم الترجمان لغة ذي القرنين، إن كان منهم أم أن ذا القرنين أخذ معه من يعرف لغتهم؟ كيف كان بناء الردم؟ هل كما قيل طبقة من الحديد فوقها حجارة، ثم الحطب ثم نفخ في الحطب فاشتعل الحديد ثم جاء بطبقة أخرى من الحديد وطبقة من الحجارة، وطبقة من الحطب، ونفخ وهكذا؟ أين أذيب النحاس الذي يكفي لكي يصب على هذا الردم؟ من أين جيء بالحديد، وطالما كانوا يقدرون على الإتيان به ألم يكن لديهم سيوف، ألم تكن لديهم أسلحة يدافعون بها عن أنفسهم ضد يأجوج ومأجوج، الأغرب من ذاك أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض، ومن علامات الساعة خروج يأجوج ومأجوج، والبشر لا طاقة لهم، ولا قبل لهم بيأجوج ومأجوج، ينشفون الماء، يشربون أمواه البحار، والأنهار، ويأكلون الزرع، والأخضر، واليابس، ويعيثون في الأرض فسادا، ويموجون في الناس موْجاً، ولا يقضي عليهم إلا بآفة في أقفيتهم دودة تهلكهم، يسلطها الله عليهم، حتى تسمن بهائم الأرض من لحومهم، هذه القوة المهولة ليأجوج ومأجوج، أين كانت حين كان ذو القرنين يبني الردم، وكيف سكتوا لِم لم يقاوموا هذا؟ هل بنى الردم في لحظة؟ أذاب النحاس في غمضة عين؟ بنى الردم في ساعة كانوا يتنزهون، وإن كانوا قد خرجوا إلى مكانٍ ما فجاءوا فوجدوا الردم لِم لم يعودوا إلى المكان الذي كانوا فيه وداروا حول الردمْ؟ هل رأوا ما يفعل فألجمتهم الهيبة، وملأهم الرعب من ذي القرنين كما كان رعب الجن من سليمان؟ هل وقفوا منتظرين الدفن بالحياة؟ هل حدث ذلك أم كانوا نوُماً، أم كانوا في مكان آخر؟ الأغرب من كل ذلك أين هذا السد؟ هو قائم وموجود لا محالة، يحفرونه كل يوم حقا وصدقا، إذاً فهم الآن موجودون، أهم على قيد الحياة هم، هم لم يموتوا من زمن ذي القرنين، أم أنهم يتناسلون؟ أين يعيشون، وكيف يأكلون، وقد امتنعت عنهم الشمس، والهواء، الأقمار الصناعية، وسفن الفضاء تطوف حول الأرض تصور الفلاح في أرضه، وتصور طعامه أهو فجل أم جرجير، هذه القدرة على التصوير، والمسح الجوي، ومعرفة ما في باطن الأرض من المعادن بالأجهزة المختلفة، كيف لم يكتشف مكان يأجوج ومأجوج الآن؟!! فمن العلامات الكبرى للساعة أن يدك ردم يأجوج ومأجوج (فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُۥ دَكَّآءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّۭا ﴿۹۸﴾) يخرج يأجوج ومأجوج من السد يعيثون في الأرض فسادا، يموجون في الناس، ويموج بعضهم في بعض، تقترب الساعة يقول الله (تبارك وتعالى) (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ يَمُوجُ فِى بَعْضٍۢ ۖ وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَـٰهُمْ جَمْعًۭا ﴿۹۹﴾) للصور نفختان‫:‬ نفخة أولى ونفخة، وثانية، بينهما أربعون، أربعون يوما، كما سُئل أبو هريرة، فقال‫:‬ أبيْت أربعون شهرا؟ فقال أبيْت، أربعون سنة؟ قال‫:‬ أبيْت، يعلم الله، أربعون قرنا، أربعون عاما بين النفختين أربعون‫.‬ وتلك هي الراحة التي يستريحها المعذبون في قبورهم، تلك هي الفترة التي لا يشعر فيها مخلوق بشيء، ولا يبقى في الوجود إلا الموجود بحق؛ لذا حين يبعثون بعد النفخة الثانية يظنون إن لبثوا إلا قليلا أي في فترة الراحة حين يرفع عنهم العذاب، النفخة الثانية حين تُنفخ يبعث كل حي، الإنس، الجن، القرون التي اندثرت من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة، الوحوش، الحشرات، الطيور، السباع، الزواحف، الأسماك، كل من كان له حياة في الدنيا يبعث؛ ولذا قال بعض الناس (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ يَمُوجُ فِى بَعْضٍۢ ۖ وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَـٰهُمْ جَمْعًۭا ﴿۹۹﴾) الإنس، والجن، والوحوش، والطير الكل محشور في صعيد واحد، الكل عرايا، والكل في وجل، جمعهم ربنا (تبارك وتعالى) جمعا ولم يغادر منهم أحد‫.
وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْكَـٰفِرِينَ عَرْضًا ﴿100﴾ ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُوا۟ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴿101﴾
كيف تُعرض جهنم؟ تلك أمور نؤمن بها، ولا ندري كيفيتها، قيل يؤتى بجهنم يجرها سبعون ألف ملك، ولها سبعون ألف زمام، وتكاد تنفلت منهم، والله لو تفلتت لأحرقت أهل الموقف جمعيا، كيف تعرض جهنم؟ وهل تعرض على الجميع؟ أبداً، المؤمنون في أمان، المؤمنون لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، هم في ظل العرش، منهم من هم عن يمين الرحمن، وكلتا يدي الرحمن يمين، ومنهم المستظلون بظل العرش الآمنون من الفزع؛ لذا يقول الله (عز وجل) مطمئنا كل مؤمن (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْكَـٰفِرِينَ عَرْضًا ﴿١۰۰﴾) من هم؟ (ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُوا۟ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴿١۰١﴾)) التعبير غاية في الدقة، هل الذكر بالعيون أم الذكر بالألسنة؟ الذكر بالألسنة، لكن الذكر بالألسنة ينشأ من رؤية، من تفكر، من نظر، واعتبار، فإنك إن نظرت إلى الدلائل والآيات، والكون المترامي الواسع، إذا نظرت إلى النجوم، إلى الأقمار، إلى الشموس، إلى الأفلاك، إلى البحار، إلى الأنهار، إلى الأمطار، إلى الزروع والأشجار، إذا نظر إلى كل ذلك بعينك تذكرت الواحد الأحد، وذكرك كل ذلك بالتوحيد لله، والتعظيم له، من هنا يقول عز من قائل (ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُوا۟ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴿١۰١﴾)) وكأنهم كانوا في هذه الدنيا عميا، وصما، يمرون على الآيات ولا يتنبهون، ولا يذكرون، وصدق ربي حيث يقول (وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)) [سورة يوسف آية‫:‬ ١٠٥]، نعم (ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُوا۟ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴿١۰١﴾)) صُم لكن الأصم الذي لا يسمع، إذا صيح به سمع إلى حد ما، مهما كان أصماً إذا رفعت الصوت، وصحت به بصوت عال قد يسمع، أما هؤلاء فصممهم صمم لا علاج له، صمم مطبق للصمم الذي ليس كمثله صمم، أم لأنهم كانوا لا يطيقون سماع الذكر، لا يطيقون سماع القرآن، كما قيل في شأنهم (وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ) [سورة فصلت آية‫:‬ ٢٦]، أهو ذاك أم ذاك؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَن يَتَّخِذُوا۟ عِبَادِى مِن دُونِىٓ أَوْلِيَآءَ ۚ إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ نُزُلًۭا ﴿102﴾
‫(أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَن يَتَّخِذُوا۟ عِبَادِى مِن دُونِىٓ أَوْلِيَآءَ ۚ ) فأين الإجابة؟ الإجابة محذوفة ثقة بفهم السامع، (عِبَادِى مِن دُونِىٓ أَوْلِيَآءَ ۚ ) عبادي الملائكة الذين قالت قريش هم بنات الله، عزير الذي زعم اليهود أنه ابن الله، المسيح الذي زعمت النصارى أنه ابن الله (مِن دُونِىٓ أَوْلِيَآءَ ۚ ) يتولونهم بالعبادة، والتوجه، والدعاء، ولا أعاقبهم، أو أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء، فينفعهم ذلك (أفَحَسْب) قراءة أي أفكافيهم في النجاة، أن يعبدون هؤلاء أن يعبدوا العبيد، ويتركوا عبادة الملك الواحد، الأحد، القهار (إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ نُزُلًۭا ﴿١۰٢﴾) والآية فيها من السخرية ما فيها، وفيها من الاستهزاء ما فيها، النُزُل‫: المنزل الذي يُهيأ، ويعد للنزيل‫: للضيف وما يقدم له تكريما له، ما يعد للنزيل، لتكريمه، وتشريفه، من مكان مريح، يتكئ فيه، ويجلس عليه، ويستريح فيه من طعام وشراب، ضيافة، فكيف تكون جهنم نُزُلاً للكافرين، وتأمل في التهكم والسخرية، والتوعد، والتهديد، جهنم للكافرين نزلاً، والنزل أيضا أول ما يقدم للضيف، إن جاءك ضيف على العشاء، أو الغذاء، فأنت تهيئ له مجلساً، تقدم له الماء يغسل يديه، تقدم له مشروباً، بارداً، أو مشروباً ساخناً، تقدم له شيئا من الحلوى، إلى أن يحين موعد الغذاء، أو يحين موعد العشاء، أو يُهيأ الطعام، فإن كانت جهنم هي النُزُل، ترى ما هو وراء النزول؟؟ فكأن الآية توحي، وتشعر بأن جهنم وراءها من العذاب ما لا يخطر ببال‫.
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلْأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلًا ﴿103﴾ ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴿104﴾ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْنًۭا ﴿105﴾ ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا۟ وَٱتَّخَذُوٓا۟ ءَايَـٰتِى وَرُسُلِى هُزُوًا ﴿106﴾
‫(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلْأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلًا ﴿١۰۳﴾) الكلام لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) أي قل لهم يا محمد، هل أخبركم بمن هو أخسر الناس يوم القيامة عند الله؟ (ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴿١۰٤﴾) مخيفة وغريبة، كيف يعتقد الإنسان أنه محسن في عمله مصلح فيه، وذاك العمل فاسد غير مقبول (ضَلَّ سَعْيُهُمْ) غاب، وبُعد، واضمحل، وتاه، تلك الآية تخيف كل إنسان عاقل، إلا ما يليها من آيات تُطمئن حيث تفصّل ما أجمل، أو تشرح ما غمض (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْنًۭا ﴿١۰٥﴾) إذاً فالآية خاصة بمن كفر بالبعث، قال بعض الناس‫: هم اليهود، وقال بعض الناس‫: النصارى أهل كتاب الذين ضلّوا، القسيسين، والرهبان الذين أفنوا حياتهم في الصوامع والمعابد، وهم يحسبون أنهم يعبدون الله، وقال بعضهم‫: الآية خاصة بمن كفر بالبعث، والكافرون بالبعث هم كفار مكة، ويعلم الله (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْنًۭا ﴿١۰٥﴾) (فلا يقيم ) قراءة (ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ) كفروا بالقرآن، كفروا بالكتب المنزّلة، وكفروا بالبعث، وكفروا بالنشور، كفروا بلقاء الله، عز وجل، إذاً هم كافرون بالبعث (وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًۭا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًۭا جَدِيدًۭا (٤٩)) [سورة الإسراء آية‫: ٤٩]، وذاك قولهم كما حكى عنهم القرآن (فَحَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ) كلمة (حبطت) أتت كثيرا في القرآن، والحبوط أصلا يطلق في حالة هي إذا استحلت البهيمة المرعى، فرعت، وأكلت، وظلت تأكل حتى انتفخت فماتت، ذاك هو الحبوط، هذا التعبير يفيد في استخدامه عن الناس الذين حبطت أعمالهم، أنهم كانوا يستحلون الأعمال، ويتلذذون بها، ويتوقعون نفعها، فإذا فيها هلاكهم من حيث لم يدري، إن السم في الدسم (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْنًۭا ﴿١۰٥﴾) (فلا يقوم لهم) قراءة، لا قدر لهم عند الله لا اعتبار لهم، أو لا توزن أعمالهم؛ إذ إن أعمالهم قد حبطت، وهلكت، وضاعت لا أثر لها، والآية تحتمل المعنيين، وإن كان هناك حديث يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) فيه ( إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَقَالَ: اقْرَءُوا (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْنًۭا ﴿١۰٥﴾)) (ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا۟) جزاؤهم جهنم جزاءً وفاقا، كفروا بلقاء الله، كفروا بالبعث، اتجهوا اتجاهات غير صحيحة، عبدوا الأصنام، عبدوا الأوثان، عبدوا الشمس، عبدوا القمر، فلا يقام لهم يوم القيامة وزناً، وبضدها تتميز الأشياء‫.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴿107﴾ خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًۭا ﴿108﴾
هكذا يتبين الفارق أنه ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، والناس يوم القيامة فريقان‫:‬‬
‫فريق في الجنة، وفريق في السعير، هؤلاء الذين اتخذوا آيات الله هزوا، استهزءوا بها، قالوا‫:‬ سحر، قالوا‫:‬ كهانة، قالوا‫:‬ أساطير الأولين، والذين استهزءوا بالرسل، وما من رسول بعث إلا وقيل له‫:‬ ساحر مجنون، حتى إن القرآن يقول (أَتَوَاصَوْا۟ بِهِۦ ۚ ) [سورة الذاريات آية‫:‬ ٥٣]، وقيل‫:‬ هذا في شأن نبينا (عليه الصلاة والسلام) ونفى الله (تبارك وتعالى) عنه كل ذلك، وقال (فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍۢ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)) [سورة الطور آية‫:‬ ٢٩]، أما المؤمنون فها هو جزاؤهم (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴿١۰۷﴾) الفردوس‫:‬ لفظ عربي يجمع على فراديس، وقالوا‫:‬ بل هو لفظ معرّب، ومعناه البستان الذي يجمع ما في البساتين، أما من حيث ما أخبر به نبينا (صلى الله عليه وسلم) عن الفردوس فقد قال‫:‬ ( إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ تَعَالَى فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ ، فَإِنَّهَا وَسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلاهَا ، وَفَوْقَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ ، وَمِنْهَا تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ)، يا له من نعيم ذلك الذي يبشر الله (تبارك وتعالى) به عباده، الذين آمنوا عملوا الصالحات لهم جنات الفردوس نزلا، مقابلة النُزُل بالنزل (إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ نُزُلًۭا ﴿١۰٢﴾) أما هنا فجنة الفردوس للمؤمنين نُزُلا، تُرى ماذا وراء النُزُل؟ ترى ماذا بعد النزل من نعيم؟ ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأعلى عطاء هو النظر إلى وجه ذي الجلال والإكرام (خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًۭا ﴿١۰۸﴾) خالدين فيها، لا خروج، ولا موت، ولا نوم، ولا غفلة، ولا ملل، ولا كلل، ولا أذى، ولا حزن، ولا قلق، ولا غل، ولا حقد، ولا غيرة، بل أخوة، ومحبة، ومودة، ونعيم دائم (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًۭا ﴿١۰۸﴾) لا يريدون أن يتحولوا عنها أبداً؛ إذ لا يجدون ما هو أفضل منها، إذاً فهم لا يريدون أن يتحولوا عنها أبداً، والكلام تأكيد للخلد، هم خالدون فيها، وهم لا يريدون أيضا أن يتحولوا عنها، وكأنهم دائمون إلى الأبد، كان اليهود من ضمن تعنتهم، يقولون للمؤمنين يقول كتابكم (يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ۗ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٦٩]، ويقول كتابكم (وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا (٨٥)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٨٥]، يريدون التعارض، يريدون التعنت، فنزل قول الله (عز وجل):‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَادًۭا لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّى لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِۦ مَدَدًۭا ﴿109﴾
‫(قَبْلَ أَن تَنفَدَ) (قبل أن ينفذ) قراءة (وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِۦ مَدَدًۭا ﴿١۰۹﴾) (ولو جئنا بمثله مدادا) قراءة (قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَادًۭا لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّى) البحر‫:‬ اسم جنس لجميع البحار، والمحيطات والمياه الموجودة في هذه الدنيا، لو كانت هذه البحار حبراً مداداً لكتابة كلمات الله لنفذ جنس البحر، فني، وفرغ، وانتهى قبل أن تنفذ كلمات الله، وذاك مصداقا لقوله (وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَـٰمٌۭ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ سَبْعَةُ أَبْحُرٍۢ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَـٰتُ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ (٢٧)) [سورة لقمان آية‫:‬ ٢٧]، ما هي الكلمات؟ قيل الكلمات‫:‬ العبارات، والدلالات التي تدل على مفهومات معاني كلام الله (عز وجل) وقيل الكلمات‫:‬ الكلام القديم الأزلي، القائم بذات الله، عز وجل، كلام غير منته كالعلم غير منته، فعلم الله لا نهاية له، وكلام الله لا نهاية له، ولو أردنا أن نتأمل قليلا لوجدنا أن عيسى بن مريم بما يمثله المسيح، كلمة من كلمات الله (يَـٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍۢ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٤٥] الحكم، والمواعظ الذكر، وقيل‫:‬ ثواب الله باعتبار أن الآية السابقة (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴿١۰۷﴾ خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًۭا ﴿١۰۸﴾ قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَادًۭا لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّى) أي لعطائه لثوابه‫.‬‬‬‬‬‬‬
قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا ﴿110﴾
رسولنا (صلى الله عليه وسلم) أُمر أن يتكلم عن نفسه، ويبيّن حقيقة أمره، بشر وُلد من أب وأم، يأكل، ويشرب، ويقضي الحاجة، ويمشي في الأسواق، ويتألم، ويمرض، ويموت (قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ) هذا هو الفارق، ويا له من فارق بكلمة الله اصطفاه الله، خلقه وربّاه، بالعلم جمّله، وبالحلم كمّله، رسول الله، هو بشر في الهيئة بشر، بشر ليفهم عنه الناس، يتكلم بلسانهم (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٤]، بشر في الهيئة، بشر في الكلام، بشر في كل ما يجوز على البشر، لكن من حيث الحقيقة لا يعلمها إلا الله، مقام النبي فوق كل خيال، فوق كل تقدير، مهما مدح، ومهما أثنى عليه، ومهما قيل في شأنه، لن يصل مخلوق إلى معرفة حقيقة ذات المصطفى (صلى الله عليه وسلم) تلك الذات التي سمّاها ربنا (تبارك وتعالى) نور (قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَـٰبٌۭ مُّبِينٌۭ (١٥)) [سورة المائدة آية‫:‬ ١٥]، الكتاب هو القرآن، فما هو النور؟ هو سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) (يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ ) التوحيد أساس العقائد، أساس كل شيء التوحيد؛ إذ إن حبوط العمل الذي جاء في الآيات السابقة، لا يحدث إلا في حالتين على وجه التحديد‫:‬ فساد الاعتقاد، أو الرياء، ذكر فساد الاعتقاد في قوله‫: (ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴿١۰٤﴾ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ)‬ ذلك هو السبب الأول في حبوط العمل ألا وهو الكفر، ها هي الآية تدل على أن هناك سببا آخر لحبوط العمل غير الكفر (فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا ﴿١١۰﴾) كيف؟ أي من يؤمن بلقاء ربه، ويتمنى ثواب أعماله في ذاك اللقاء، ويرجو الرحمة ويخشى العذاب، فليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه أحداً، إذاً فقد جمعت الآية خلاصتي العلم، والعمل، خلاصة العلم‫:‬ التوحيد؛ إذ إن أشرف العلوم على الإطلاق العلم بالله، وخلاصة العمل أن يكون خالصا لوجه الله، الإخلاص لا يشرك بعبادة ربه أحداً، إذاً فقد جمعت الآية بين التوحيد، وبين الإخلاص في الطاعة‫.‬‬
‫ما هو الرياء؟ وهل الآية تحذّر من الرياء؟ نعم الرياء شرك، واسمع شداد بن الأوس صحابي جليل، دخل يوما على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فوجد وجهه متغيرا، وكان نبينا (صلى الله عليه وسلم) يُقرأ، إذا سُرَّ استنار وجهه، فعلم الناس، وإذا غضب أو ساءه شيء ظهر ذاك في وجهه، وكان (صلى الله عليه وسلم) باطنا وظاهراً شيئاً واحداً، (قَالَ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ) إِذْ رَأَيْتُ بِوَجْهِهِ أَمْرًا سَاءَنِي، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الَّذِي أَرَى بِوَجْهِكَ؟ قَالَ: أَمْرٌ أَتَخَوَّفُهُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي، قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الشِّرْكُ، وَشَهْوَةٌ خَفِيَّةٌ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: يَا شَدَّادُ، أَمَا إِنَّهُمْ لا يَعْبُدُونَ شَمْسًا، وَلا قَمَرًا، وَلا وَثَنًا، وَلا حَجَرًا، وَلَكِنْ يُرَاءُونَ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّيَاءُ، شِرْكٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ) إذا فالرياء شرك كيف نتقي شر الرياء؟ قال أشياخنا‫:‬ علاج الرياء ودواؤه كتمان العمل، وأيضا نبهنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيما يرويه معقل بن يسار، ويقول أبو بكر يشهد به على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث (ذَكَرَ الشِّرْكَ، فَقَالَ: هُوَ أَخْفَى فِيكُمْ مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلِ الشِّرْكُ إِلَّّا أَنْ يُجْعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، الشِّرْكُ أَخْفَى فِيكُمْ مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، وَسَأَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ صِغَارُ الشِّرْكِ وَكِبَارُهُ، أَوْ صَغِيرُ الشِّرْكِ وَكَبِيرُهُ، قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ) تقولها ثلاث مرات، هل معنى ذلك أنه يمكن للإنسان أن يشرك دون أن يدري؟ نعم، بالرياء، والرياء درجات أقصاها، وأفظعها، وأخطرها، أن يظهر الإسلام، ويبطن الكفر (إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًۭا (١٤٢)) [سورة النساء آية‫:‬ ١٤٢]، إذا فالنفاق نوع من أنواع الرياء وذاك أخطر أنواعه، وهو كفر بواح، كفر صراح، من الرياء أيضا أن يكون الإنسان مسلماً لكنه يرائي بعمله (ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴿٥﴾ ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ﴿٦﴾ وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ ﴿۷﴾) [سورة الماعون آية‫:‬ ٥ - ٧] هو لا يصلي منفردا لكنه أمام الناس يصلي؛ ليقال عنه أنه يصلي، ذاك من أشد أنواع الرياء في المسلم إن كان مسلما، فذاك أشد أنواع الرياء أن يظهر الطاعة لتذكر عنه، هناك نوع أقل من الرياء، وهو أن يحسن مظهر العبادة أمام الناس، بمعنى إن صلى منفرداً صلى متعجلا، وإن صلى أمام الناس خشع في صلاته، وركع، وسجد، واطمأن في ركوعه، وسجوده، وقد رأى عمر بن الخطاب يوما رجلا يطأطئ رقبته في الصلاة، فقال يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك، فإن الخشوع في القلوب، وليس في الرقاب، قيل أيضا‫:‬ من ضمن درجات الرياء أن يدخل الإنسان في العمل مخلصا لله، ثم يعرض عليه الرياء، فالنية غير خالصة أصلا، أو يبدأ بنية خالصة، ثم يدخله الرياء دون أن يدري كيف؟ وقف يصلي منفرداً مخلصا لله، وقرأ ما تيسر فسمع صوت أناس يدخلون فحسّن قراءته، وجمّل صوته رياء، الرياء من الرؤية، الرياء معناها أن تحب أن يرى الناس أعمالك، الرياء أن تبتغي الدنيا بما يُبتغى به وجه الله، الرياء أن تحب مدح الناس، وثناءهم؛ ولذا جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال‫:‬ (يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ أَلْتَمِسُ بِهَا الْحَمْدَ وَالأَجْرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): لا شَرِيكَ لَهُ تَعَالَى‫.‬ فَنَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا ﴿١١۰﴾)) ؛ لذا قالوا‫:‬ دواء الرياء كتمان العمل؛ لأنك لا تضمن أن يدخل إليك العُجب، أن تُسرّ فلان متصدق، فلان كريم، فلان طيب، فلان يحب الخير، فلان يصلي، فلان يقرأ القرآن كما أُنزل، الإنسان رغم أنفه لابد وأن يسر‫.‬‬
‫من هنا قالوا‫:‬ كتمان العمل، كيف يكتم العمل؟ كيف تكتمون صلاة الجمعة؟ كيف أكتم أنا هذا الذي أقول على هذا المنبر، كيف؟ كيف تكتم صومك؟ كيف تكتم حجك؟ قيل‫:‬ العبادات نوعان‫:‬ نوع لابد وأن يظهر، التكاليف الشرعية‫:‬ صلاة الجماعة، صيام رمضان، الحج، وما إلى ذلك، لكن هناك من الأعمال ما يمكن أن يُخفى، ونصيحة النبي (صلى الله عليه وسلم) (صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَجْعَلُوهَا قُبُورًا) أين أنت من قيام الليل؟ هل يراك أحد؟ إن حدث فلا تتكلم به، حتى لا يُثنى عليك، حتى لا يحمد لك ذلك، حتى لا يسرك أن يعرف الناس، أين أنت من ذكر الله سراً؟ أين أنت من قلبك المعلق بحب الله، وذكر الله، فهناك من الأعمال الكثير الذي يمكن أن يكتم، ويخفى، كي تبرأ من الرياء، أما الأعمال الظاهرة، والتي يجب أن تظهر فلا حيلة لنا فيها، وفي إظهارها، ولا يمكن لنا أن نكتمها، ووردت أخبار كثيرة عن أناس سألت النبي (صلى الله عليه وسلم) (عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وكلنا يعلم عن الثلاثة الذي يقضى عليهم ( أَوَّلُ النَّاسِ يُقْضَى فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَتَى بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى قُتِلْتُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَرِئٌ، وَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأَتَى بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ فِيكَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ الْقُرْآنَ فِيكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ: هُوَ عَالِمٌ، وَقَدْ قِيلَ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأَتَى بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهِ؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلا أَنْفَقْتُ فِيهَا، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ).‬
‫أيها الأخ المسلم، الرياء كدبيب النمل، الرياء شرك خفي، فالشرك منه الجليّ، وهو المجاهرة بالكفر، والشرك منه الخفي، وهو أخفى من دبيب النمل، إياك أن تبتغي بعملك أحدا من الناس، أو نفع دنيوي، فمن الناس من يبتغي بعمله الأجر الدنيوي، فيقال له قد أخذت أجرك، رجل يريد أن يتزوج ابنة رجل صالح، فيذهب إلى المسجد فيصلي فيراه الأب فيعتقد في صلاحه فيقبل تزويجه من ابنته، فهذا ابتغى بصلاته الزواج والزواج أمر دنيوي، وهكذا فابتغاء الدنيا بما يبتغى به وجه الله، هو الشرك الخفي وهو درجات أعاذنا الله وإياكم منه.