سورة الكهف
فلقاؤنا اليوم مع سورة نزلت يشيّعها سبعون ألف مَلَك، لقاؤنا اليوم مع سورة من حفظ عشر آيات من أولها عُصم من الدجال، ومن حفظها دخل الجنة، سورة الكهف سورة افتُتحت بالحمد، من بين خمس سور افتتحت بالحمد: (الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر) سورة الكهف سورة مكية، نزلت بمكة، نزلت تجيب على أسئلة سُئلها النبي (صلى الله عليه وسلم) وتضيف إليها، فقد حاول المشركون بمكة أن يتلمسوا له عيبا من أهل الكتاب السابق، فأرسلوا وفدا إلى المدينة ليسألوا يهود المدينة عن هذا الذي يزعم أنه نبي، باعتبارهم أهل كتاب يعرفون صفات الأنبياء، وأحوال الأنبياء، فقالت يهود لوفد مشركي مكة: سلوه عن ثلاثة أشياء: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم؟ وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وسلوه عن الروح، فإن أجابكم فهو نبي، وإن لم يجب فهو متقوّل، فاصنعوا به ما بدا لكم، وعاد الوفد، وكان منهم عقبة بن أبي معيط من صناديد قريش، وقد قُتل ببدر، عادوا إلى مكة واجتمعوا، وقرروا أن يسألوا النبي، وذهبوا إليه، وسألوه فقال (صلى الله عليه وسلم): (أُخْبِرْكُمْ عَمَّا سَأَلْتُمْ عَنْهُ غَدَاً)، ولم يستثنِ، ولم يقل إن شاء الله، ومكث خمس عشرة ليلة لا يوحى إليه، ولا ينزل عليه جبريل، حتى أرجف أهل مكة في شأنه، وقالوا، وقالوا، زعم أن يخبرنا غدا، وقد مضى خمس عشرة ليلة ولم يخبرنا بشيء، وحزن النبي (صلى الله عليه وسلم) حزنا شديداً، وكرب كرباً عظيما، ثم نزل جبريل، ونزلت سورة الكهف يشيعها سبعون ألف ملك، نزلت تخبر عما سُئل عنه النبي (صلى الله عليه وسلم) قصة أهل الكهف، قصة ذي القرنين، الإجابة عن الروح، وأضافت قصة موسى مع الخضر، وكأنها تُشعر يهود المدينة أن ما تعنتم في السؤال، وأوعزتم إلى أهل مكة أن يسألوه عن أشياء، ولم يخطر ببالكم أن يخبركم عنها، ها هو يخبركم بشأن نبيكم مع الخضر، ولم تسألوه عنه، نزلت فيها ثلاث قصص: قصة أهل الكهف، وقصة موسى مع الخضر، وقصة ذي القرنين، بالإضافة للإجابة عن الروح، ونزلت تنبّه النبي (صلى الله عليه وسلم) بوجوب الاستثناء فيما يخبر عنه، أو فيما يعزم عليه، (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌۭ ذَٰلِكَ غَدًا ﴿٢۳﴾ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًۭا ﴿٢٤﴾) [سورة الكهف آية: ٢٣ - ٢٤ ]، ونزلت السورة وفيها ثلاث قصص، وفيها ثلاث أمثلة واقعية، أما المثال الأول: فهو مثال الغنى المعتز بماله، المزهو بغناه، والفقير المعتز بدينه، وإيمانه، في قصة الرجلين، وقصة الجنة، (وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًۭا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ) [سورة الكهف آية: ٣٢]، ونزل فيها مثال للدنيا، وكيف يلحقها الغناء، (وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ) [سورة الكهف آية: ٤٥]، وأيضا ذُكر فيها مثال لما يلحق المغرور، المتكبر، المستكبر، العاصي المعتز بنفسه باطلا، فيما حكت السورة عن امتناع إبليس عن السجود لآدم، وكيف كانت عاقبة ذاك الامتناع، افتتُحت السورة بالحمد، فقال عز من قائل:
ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا ۜ ﴿1﴾
قَيِّمًۭا لِّيُنذِرَ بَأْسًۭا شَدِيدًۭا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًۭا ﴿2﴾
مَّـٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدًۭا ﴿3﴾
وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ﴿4﴾
مَّا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍۢ وَلَا لِـَٔابَآئِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةًۭ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًۭا ﴿5﴾
البأس: الأصل فيها الشدة في الحرب، يُقصد به العذاب الشديد في الدنيا، والعذاب الشديد في الآخرة، ينذر من؟ هناك إضمار، والمضمر تقديره: لينذر الذين كفروا بأساً شديدا من لدنه، من عند الله، وانتبه لهذا الإضمار (لِّيُنذِرَ بَأْسًۭا شَدِيدًۭا) فالإنذار هنا إنذار عام، (وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًۭا ﴿٢﴾) الذين آمنوا بالله، ورسله، وبكتبه، وباليوم الآخر، وبقضائه، وبقدره خيره، وشره، ويعملون الصالحات الذي يقتضيها إيمانهم، وتصديقهم يبشرهم بالأجر الحسن، والأجر الحسن هو الثواب العظيم المؤدي إلى الجنة، (مَّـٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدًۭا ﴿۳﴾) والمكث: اللبث مدة طويلة ماكثين فيه أي في هذا الأجر، وما يؤدي إليه، أي في الجنة إلى غير نهاية، إذاً فهم مخلدون في الجنة (وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ﴿٤﴾) هنا ذُكر المُنذرون، فالإنذار الأول إنذار عام، المُنذرون مضمر، الإنذار هنا إنذار خاص، ينذر الذين قالوا: اتخذ الله ولدا، خصّهم بالذكر لشناعة، وعظيم قُبح ما اقترفوه في حق الله (عز وجل) إذ زعموا له الولد، وأضمر المنذر به، أنذرهم بأي شيء؟ بالبأس الشديد الذي ذُكر في الآية الأولى، إذاً هذه الفصاحة، وهذه البلاغة في إضمار المُنذرين في الآية الأولى، وإضمار المنذر به في الآية الثانية ثقة بفهم السامع، ولك أنت أن تقدّر المضمر، من هم الذين قالوا: اتخذ الله ولدا؟ يهود قالوا: عزير ابن الله، النصارى قالوا: المسيح ابن الله، مشركو مكة قالوا: الملائكة بنات الله، وخص الذين قالوا: اتخذ الله ولدا؛ إذ ليس هناك أقبح، ولا أشنع، ولا أفظع من زعم الولد لله؛ لذا يقول الله (تبارك وتعالى) (مَّا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍۢ وَلَا لِـَٔابَآئِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةًۭ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًۭا ﴿٥﴾) (مَّا لَهُم) بالقول الذي قالوه ما لهم (بِهِۦ) بالله (عز وجل) إذ لو عرفوا الله لخروا سُجداً لعظمته، وجلاله، وما زعموا له الولد، (مَّا لَهُم بِهِۦ) : بالولد الذي زعموه (مَّا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍۢ) من أدنى علم، مجرد قول (وَلَا لِـَٔابَآئِهِمْ ۚ ) الذين يقلدونهم فيما زعموه، إذ يقولون ما قاله الآباء من قبل، فهُم مقلدون في هذه المقالة لا عن علم، ولا عن دليل، ولا عن برهان، ولكن عن تقليد (كَبُرَتْ كَلِمَةًۭ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ ۚ ) (كلمةٌ) قراءة بالرفع فاعل (كَلِمَةًۭ) قراءة حفص منصوبة على التمييز، أو البيان بمعنى كبُرت، هي كلمة كَبُرت، تلك الكلمةُ كلمةً تخرج من أفواههم على هذه القراءة لابد من التقدير (كَبُرَتْ كَلِمَةًۭ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ ۚ ) إذاً هذا التعبير يفيد اجتراء هؤلاء على إخراج الكلمة من أفواههم، كما تُشعر بأن القول مجرد هواء خرج من موضع النُطق، إذا الكلام هواء يخرج من الفم، فهذا الزعم ما هو إلا كلمة خارجة من موضوع النُطق لا أصل لها، ولا دليل، ولا برهان، (إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًۭا ﴿٥﴾) أي ما يقولون إلا كذبا، هذا كذبٌ محضٌ، وافتراءٌ.
فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا ﴿6﴾
إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةًۭ لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ﴿7﴾
وَإِنَّا لَجَـٰعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًۭا جُرُزًا ﴿8﴾
أيها الأخ المسلم، تلك حال الدنيا، بداية لها نهاية، والعاقل من علم أن ما على الدنيا زينة، والزينة تخفي الحقيقة، الزينة تقام لفترة ثم تُفض، الزينة للاختبار، وعليه فوجود الإنسان في هذه الدنيا مؤقت، ولهدف وهو اختباره، وامتحانه، من أحْسن العمل نجا، ومن أساء العمل هلك، والآخرة ليس فيها استثناء، وليس فيها رجوع، والآخرة قضاء يُقضى لا نقض فيه، ولا إبرام، فقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم، (أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا " ، قَالُوا : وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ، قَالَ : " بَرَكَاتُ الْأَرْضِ) وقال، صلى الله عليه وسلم، ( إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا ، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)، وقال، صلى الله عليه وسلم، ( إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) وقال، صلى الله عليه وسلم، ( كُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ، فَإِنَّ كُلَّ أُمٍّ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا)، الدنيا إلى زوال، الدنيا إلى فناء، وهكذا نزلت سورة الكهف مفتتحة بالحمد للإشعار بالنعمة الكبرى، بإنزال الكتاب، ونزلت شاهدة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالنبوة، وبالرسالة، ثم بينت لرسول، صلى الله عليه وسلم، أن الأمور تجري بالقضاء، وأنه لا راد لقضاء الله، وأن الدنيا إلى زوال، وأن الدنيا جعلت للاختبار، والامتحان، فلا تحزن، ولا تأسى عليهم، من آمن وعمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها، ويوم القيامة وشيك، وإنا منتقمون لك ممن كذّبك، وآذاك، ثم ينتقل الكلام وتدخل السورة مباشرة في الإجابة عن الأسئلة التي سئلها، صلى الله عليه وسلم، وتحكي لنا قصة أهل الكهف، فيقول عز من قائل:
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُوا۟ مِنْ ءَايَـٰتِنَا عَجَبًا ﴿9﴾
(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ) الكهف: النقب في الجبل الواسع، فإذا لم يكن فيه سعة فهو غار، كالذي دخل فيه النبي، صلى الله عليه وسلم، للتحنث في غار حراء، وغار ثور، الغار: النقب الضيق، الكهف: النقب الواسع فيه ساحة متسعة.
ما هو الرقيم؟ الرقيم: اسم القرية التي خرج منها أهل الكهف، اسم الجبل الذي كان فيه الكهف، اسم الصخرة التي كانت على باب الكهف، اسم الكلب الذي كان معهم، الرقيم: بمعنى المرقوم أي المكتوب الذي فيه رقم، (كِتَـٰبٌۭ مَّرْقُومٌۭ (٢٠)) [سورة المطففين آية: ٢٠]، فالرقْم: الكتابة إذاً فالرقيم لوح من حجر، أو من رصاص كتب عليه أسماء أهل الكهف، وقصة أهل الكهف، ووُضعت على باب الكهف بعد ما بنوا عليه مسجداً، أو الرقيم بقية شرع كانت مع الفتية، حيث تبعوا ذاك الشرع، وقيل: إن قصتهم حدثت بعد زمن عيسى بن مريم، وقيل: بل حدثت قبل زمن عيسى بن مريم، أو الرقيم له قصة (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُوا۟ مِنْ ءَايَـٰتِنَا عَجَبًا ﴿۹﴾) فحكى لنا قصة أهل الكهف، وسكت عن قصة أهل الرقيم، وما سكت عنه القرآن لا يصح أن نخوض فيه، وقيل في شأن أصحاب الرقيم استنتاجاً من العلماء، هم الثلاثة الذين خرجوا إلى الخلاء، فأصابتهم السماء فأووا إلى الكهف، أو غار في جبل يحتمون فيه من المطر الشديد، فانحطت صخرة فسدّت عليهم الغار، وأظلمت الدنيا، وقال بعضهم لبعض كلٌ منّا يذكر أرجى عمل عمله في حياته، نسأل الله به أن يفرّج علينا فذكر كل واحد منهم عملاً له، الذي استأجر أجيرا، ورفض أن يأكل أجره، ونمّاه له ثم أعطاه، والذي كان له أبوين كبيرين وجاء باللبن فوجدها قد ناما، فمكث حاملاً اللبن إلى أن استيقظا في الصباح، ولم يسق أولاده، والثالث الذي عرضت امرأة نفسها عليه من أجل المال، ثم عف عنها، قصة في حديث صحيح تُرى أهم أصحاب الرقيم؟ قول لا دليل عليه، ولا سند، لكن قد يكون هناك أصحابٌ للرقيم لم يذكر القرآن شأنهم، وقد قال ابن عباس: خمس لا أعلمهم من القرآن: الغسلين، والحنان ومنها الرقيم.
إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ فَقَالُوا۟ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةًۭ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًۭا ﴿10﴾
فَضَرَبْنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمْ فِى ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًۭا ﴿11﴾
ثُمَّ بَعَثْنَـٰهُمْ لِنَعْلَمَ أَىُّ ٱلْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓا۟ أَمَدًۭا ﴿12﴾
نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًۭى ﴿13﴾
وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَا۟ مِن دُونِهِۦٓ إِلَـٰهًۭا ۖ لَّقَدْ قُلْنَآ إِذًۭا شَطَطًا ﴿14﴾
هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةًۭ ۖ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَـٰنٍۭ بَيِّنٍۢ ۖ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا ﴿15﴾
وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأْوُۥٓا۟ إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِۦ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًۭا ﴿16﴾
(لَن نَّدْعُوَا۟ مِن دُونِهِۦٓ إِلَـٰهًۭا ۖ لَّقَدْ قُلْنَآ إِذًۭا شَطَطًا ﴿١٤﴾) أي في حالة دعوة غير الله بعدنا عن الحق بعداً شديداً، شطَّ يشِطُّ ويَشُطُّ شططاً، وشطوطا: بَعُد عن الحق، فإن دعَوْا غير الله فقد بعدوا عن الحق بعداً شديداً (هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةًۭ ۖ ) الكلام مستمر، فإذا كانت الجملة الأولى، والمقولة الأولى، ربنا رب السموات والأرض بين يدي الملك، فالجملة الثانية قالوها بعضهم لبعض، والأرجح حيث إن الكلام متصل، أنهم قاموا هم مع أنفسهم، ولم يكن الكلام بين يدي الملك، حتى يتصل الكلام، ويبدوا أن المقصود (إِذْ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟) ذاك منبعث في نفوسهم، وتعاهدوا على عبادة الله الواحد الأحد، وقالوا ذاك الكلام بينهم وبين بعضهم البعض، وليس بين يدي الملك (هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةًۭ ۖ ) من دون الله، إذاً فقد كانوا يعبدون الأصنام (لَّوْلَا) كلمة تخصيص بمعنى (هلّا) لكن معناها التعجيل؛ إذ هم واثقون من وحدانية الله، متيقنون من أن عبادة الأصنام باطلة (لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم) على عبادتهم، على أنفسهم في سلوكهم، على الآلهة (بِسُلْطَـٰنٍۭ بَيِّنٍۢ ۖ) بحجة واضحة، وبدليل ساطع (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا ﴿١٥﴾) استفهام يقصد به النفي، أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، فزعم له الشريك، أو زعم له الولد (وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ) الاعتزال: البُعد، والتجنب، أرادوا أن يعتزلوا قومهم، ويعتزلوا عبادتهم (إِلَّا ٱللَّهَ) ذاك الاستثناء، إما استثناء متصل، وإما استثناء منفصل، والفرق إذا كان القوم يعبدون الأصنام ويقرُّون بوجود الله كمشركي مكة (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ ) [سورة الزمر آية: ٣٨]، وفي نفس الوقت يعبدون الأصنام، ويقولون تقربنا إلى الله زلفى، فهم يشركون الأصنام مع الله، فإذا كان القول كذلك فالاستثناء هنا متصل (وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ) أي اعتزلتم عبادتهم للأصنام، ولم تعتزلوا عبادة الله، وإذا كان القوم لا يعرفون الله، ويعبدون الأصنام فقط، فالاستثناء هنا منفصل (وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ) بمعنى اعتزلتموهم، واعتزلتم عبادتهم، لكن عبادتكم لله قائمة مستمرة دائمة (فَأْوُۥٓا۟ إِلَى ٱلْكَهْفِ) أوى إلى المكان: لجأ إليه، واستقر به، والكهف: النقب المتسع في الجبل، فإن لم يكن فيه سعة فهو غار (فَأْوُۥٓا۟ إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِۦ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًۭا ﴿١٦﴾) الغريب في الكلام هنا الوثوق، والجزم بالرحمة، وبتهيئة المرفق، البعض قال هو دعاء جاء في صيغة الخبر، لكن الكلام يوحي بأنهم قالوا ما قالوا جازمين بحدوثه، متيقنين من فضل الله، واثقين من رحمته (يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِۦ) يبسط عليكم رحمته في الدنيا، وفي الآخرة (وَيُهَيِّئْ) والتهيئة: إحداث هيئة الشيء (وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًۭا ﴿١٦﴾) (مَرْفقاً) قراءتان بمعنى واحد المرفق: ما يُرتفق به أي ما يعتمد عليه، ومنه مرفق الرجل: الذراع، (وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًۭا ﴿١٦﴾): ما تنتفعون به، ولجأوا إلى الكهف، وهربوا بدينهم، وذاك أمر محمود في بعض الظروف، مطلوب في ظروف أخرى، واجب في بعض الظروف، حيث أنبأنا النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الزمان يتغير، ويأتي زمان يكون فيه (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شِعَافَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ)، وسُئل مرة ( مَا النَّجَاةُ ؟ قَالَ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ)، أزمنة!!
وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍۢ مِّنْهُ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ۗ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيًّۭا مُّرْشِدًۭا ﴿17﴾
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًۭا وَهُمْ رُقُودٌۭ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُم بَـٰسِطٌۭ ذِرَاعَيْهِ بِٱلْوَصِيدِ ۚ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًۭا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًۭا ﴿18﴾
وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا۟ بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ ۚ قَالُوا۟ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَٱبْعَثُوٓا۟ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَامًۭا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍۢ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴿19﴾
إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوٓا۟ إِذًا أَبَدًۭا ﴿20﴾
الوكالة: وهو تفويض شخص غيره في أمره، فيما تصح فيه النيابة، والشركة، والاختلاط في الطعام، هم أوكلوا أحدهم ليأتيهم بالطعام، تلك وكالة.
الأمر الثاني: الشركة (بِوَرِقِكُمْ) إذاً فقد كان المال مشتركا بينهم فالشركة صحيحة، وتصح، فإن جيء بالطعام أكلوا جمعيا من الطعام، بغض النظر من يأكل أكثر من الآخر، فقد جاء ذاك في القرآن منبهاً المسلمين في الطعام مع اليتامى (وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ ۚ ) [سورة البقرة آية: ٢٢٠]، وأيضا في الأكل (أَن تَأْكُلُوا۟ مِنۢ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ) [سورة النور آية: ٦١]، (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا۟ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًۭا ۚ ) [سورة النور آية: ٦١]، فالاختلاط في الطعام، والشركة في ثمنه جائزة بغض النظر عن الكمية التي يأكلها كل واحد من الشركاء.
أيها الأخ المسلم، عبرة، وعظة في قصة أهل الكهف، الإيمان، القوة، اللجوء إلى الله نتيجة التوكل على الله، من توكل على الله كفاه، أرسل الفتية أحدهم إلى المدينة، وقد مرت سنون وقرون، وتغير الحال، وأصبح أهل المدينة على دين قويم، دخل الفتى بملابس تختلف عن ملابس العصر، لك أن تستنبط ذلك، أو على الأقل بدراهم مضروبة في عصر مخالف العصر. من هنا عرف الفتى؛ إذ إن الفتى حين قدّم الدراهم، ورآها التاجر، تعجب من أين لك بها؟ هل عثرت على كنز؟ عثر عليه بسبب الفضة، الدراهم المضروبة (إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوٓا۟ إِذًا أَبَدًۭا ﴿٢۰﴾) أصل كلمة ظهر: صار على ظهر الأرض، وما صار على ظهر الأرض أصبح مشاهداً متمكنا منه، فكلمة (ظهر) تفيد معنى اطلع، تفيد أيضا معنى تمكن فيتعدَّى بكلمة (على) ظهر عليه أي اطلّع عليه، أو تمكّن منه، أظهره الله: نصره وغلّبه (إِنَّهُمْ) أهل المدينة (إِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ) يطّلعون عليكم، أو يتمكنوا منكم (يَرْجُمُوكُمْ) يقتلوكم بالرجم لمخالفتكم لدينهم (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ) هل كانوا على ملّتهم وتركوها، أم المقصود بكلمة (يُعِيدُوكُمْ) يصيّروكم؟ قد، وقد، وقد تعني أنهم كانوا على ملة الآباء في عبادة الأصنام، ثم أفاقوا، وهداهم الله، وأنار بصائرهم، أو لم يكونوا على ملة الآباء قط، وكلمة (يعيد) بمعنى يصيّر (وَلَن تُفْلِحُوٓا۟ إِذًا أَبَدًۭا ﴿٢۰﴾) إذا عدتم إلى ملتهم.
وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَآ إِذْ يَتَنَـٰزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ۖ فَقَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ عَلَيْهِم بُنْيَـٰنًۭا ۖ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًۭا ﴿21﴾
سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌۭ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌۭ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًۢا بِٱلْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌۭ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّىٓ أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌۭ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَآءًۭ ظَـٰهِرًۭا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًۭا ﴿22﴾
(عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًۭا مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍۢ مُّؤْمِنَـٰتٍۢ قَـٰنِتَـٰتٍۢ تَـٰٓئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍۢ سَـٰٓئِحَـٰتٍۢ ثَيِّبَـٰتٍۢ وَأَبْكَارًۭا (٥)) [سورة التحريم آية: ٥] وحين ذكر النار قال في شأنها
(حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا) [سورة الزمر آية: ٧١]، وجاء في شأن الجنة
(حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا) [سورة الزمر آية: ٧٣]، لأن أبواب النار سبعة، وأبواب الجنة ثمانية، فهي واو الثمانية، قول عجيب ملفت لكن عليه رد ورد لا يهمل، قال الذين ردوا على هذا الكلام لا واو للثمانية، والواو وجودها كعدمها، ووجدت في بعض الأحوال ولم توجد في بعض الأحوال، وضربوا مثلا بما جاء في سورة الحجر، وسورة الشعراء (وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌۭ مَّعْلُومٌۭ (٤)) [سورة الحجر آية: ٤] في سورة الحجر، وفي سورة الشعراء (وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ (٢٠٨)) [سورة الشعراء آية: ٢٠٨]، بغير واو فما الفارق بل ساقوا حجة أخرى أقوى، وأشد، قالوا: اقرأ، وإن شئتم (هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَـٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)) [سورة الحشر آية: ٢٣]، الاسم الثامن بغير واو، قالوا: حين ذكرت الواو في هذا المحل ذكرت، ولم تذكر لها علة، وتتبع العلة في وجود الواو في هذا المحل، تكلف لا يصح، هي الواو عاطفة، أو هي واو المقصود منها بيان أن هذا هو العدد الصحيح، أو هي واو حلية للكلام (قُل رَّبِّىٓ أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم) إذاً فمعنى هذا أن الثلاثة أقوال خارج عن الحقيقة، يؤيد هذا قول القائلين أن القول بأنهم ثلاثة، أو خمسة، أو سبعة، أقوال لم يحدد القرآن أيها أصح، فعقّب القولين بقوله (رَجْمًۢا بِٱلْغَيْبِ ۖ ) لرفضها، وسكت عن القول الثالث لكنه رده بقوله (قُل رَّبِّىٓ أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌۭ ۗ ) فنسب العلم لنفسه بعددهم، وفي نفس الوقت نسب العلم إلى بعض الناس، وهم قلة الذين عاصروهم، أو الذين عثروا عليهم، أو الذين أخبرهم الله بشأنهم كالنبي، صلى الله عليه وسلم، قد يكون أخبره بعددهم (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَآءًۭ ظَـٰهِرًۭا) المراء: المجادلة، والمراء في القرآن مذموم (إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِى ٱلسَّاعَةِ لَفِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍ (١٨)) [سورة الشورى آية: ١٨]، لكن هنا المراء لكي يخرج عن المراء المذموم قيّده ربنا بقوله (مِرَآءًۭ ظَـٰهِرًۭا) فخرج عن المراء المذموم، والمراء الظاهر هو عدم المجادلة، وإنما أن ترد على من يجادل بقولك: ليس كما تقول: ليس الأمر كذلك، لا أعتقد هذا وتسكت، أو المقصود مراءً ظاهراً بأن تتلو عليهم ما أوحينا إليك، من هم؟ ما قصتهم؟ فتية ربط الله على قلوبهم، فتية ضرب الله على آذانهم، لبثوا في كهف سنين عددا، تتلو عليهم ما أوحينا إليك (وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًۭا ﴿٢٢﴾) لا تسترشد، لا تسأل سؤال مسترشد، ففيما أوحى إليك مندوحة عن ذلك، في القرآن الكفاية، فلا تسأل أحداً من أهل الكتاب عن قصتهم، ولا تسأل سؤال متعنت لتبين جهلهم، أو رجمهم بالغيب، وقال العلماء في هذه الآية: هي إرشاد، وتوجيه للأمة، وللمسلمين كافة، ألا يسألوا أهل الكتاب عن أي أمر، أو أي شيء، ففي القرآن الكفاية، ثم يأتي العتاب الرقيق لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، تذكرون أنه قد رُوي أن يهود المدينة حين حرّضوا المشركين على سؤال النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ثلاثة أشياء: أهل الكهف، ذو القرنين، الروح، قال: أخبركم غداً، ولم يقل: إن شاء الله، فجاء التنبيه، والتأديب، والإرشاد في قوله (عز وجل):
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌۭ ذَٰلِكَ غَدًا ﴿23﴾
إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًۭا ﴿24﴾
(وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًۭا ﴿٢٤﴾) أي عسى أن يهديني ربي لأدنى، وأقرب خيراً من الأمر الذي نسيت تقديم المشيئة فيه.
وَلَبِثُوا۟ فِى كَهْفِهِمْ ثَلَـٰثَ مِا۟ئَةٍۢ سِنِينَ وَٱزْدَادُوا۟ تِسْعًۭا ﴿25﴾
قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ ۖ لَهُۥ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِۦ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِۦٓ أَحَدًۭا ﴿26﴾
وَٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلْتَحَدًۭا ﴿27﴾
وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُۥ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمْرُهُۥ فُرُطًۭا ﴿28﴾
وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍۢ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا ﴿29﴾
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴿30﴾
أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًۭا مِّن سُندُسٍۢ وَإِسْتَبْرَقٍۢ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ ۚ نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًۭا ﴿31﴾
وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًۭا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَـٰبٍۢ وَحَفَفْنَـٰهُمَا بِنَخْلٍۢ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًۭا ﴿32﴾
كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْـًۭٔا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَـٰلَهُمَا نَهَرًۭا ﴿33﴾
وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٌۭ فَقَالَ لِصَـٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًۭا وَأَعَزُّ نَفَرًۭا ﴿34﴾
وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِۦٓ أَبَدًۭا ﴿35﴾
وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةًۭ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًۭا مِّنْهَا مُنقَلَبًۭا ﴿36﴾
قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلًۭا ﴿37﴾
لَّـٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّى وَلَآ أُشْرِكُ بِرَبِّىٓ أَحَدًۭا ﴿38﴾
وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالًۭا وَوَلَدًۭا ﴿39﴾
فَعَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًۭا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًۭا زَلَقًا ﴿40﴾
أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًۭا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبًۭا ﴿41﴾
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّىٓ أَحَدًۭا ﴿42﴾
وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٌۭ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ﴿43﴾
(قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌۭ (٥١) يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًۭا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ (٥٤) فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ (٥٧)) [سورة الصافات آية: ٥١ - ٥٧]
وقال البعض: بل حين قال (يَـٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّىٓ أَحَدًۭا ﴿٤٢﴾) ندم، توبة، وطالما تاب الحي قبل الموت، وقبل أن يغرغر قُبلت توبته، يعلم الله، لكنه حين قلب كفيه على جنته، ورآها خاوية على عروشها، قال ليتني لم أشرك بربي أحداً (وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٌۭ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ﴿٤۳﴾) الفئة التي اعتز بها (أَنَا۠ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًۭا وَأَعَزُّ نَفَرًۭا ﴿۳٤﴾) أين النفر؟ ماذا فعلوا له؟ هل منعوا عنه الصواعق، والخراب، والدمار؟ هل امتنع هو بنفسه؟ أين كبرياؤه؟ أين قوته؟ أين استكباره؟ أين؟ وأين؟ (وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٌۭ يَنصُرُونَهُۥ) أي جماعة ينصرونه من دون الله (وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ﴿٤۳﴾) بنفسه، أي وما كان ممتنعا عن انتقام الله بنفسه، وما وجد من يمنع عنه انتقام الله.
هُنَالِكَ ٱلْوَلَـٰيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌۭ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌ عُقْبًۭا ﴿44﴾
وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًۭا تَذْرُوهُ ٱلرِّيَـٰحُ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقْتَدِرًا ﴿45﴾
ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌ أَمَلًۭا ﴿46﴾
فتذكر لنا الآيات من سورة الكهف مشهداً من مشاهد الآخرة، بعد أن جاء ذكر الدنيا ومصيرها، وكيف شُبهت الدنيا بالزرع، لم يكن شيئا ثم نبت، ثم تراه مصفراً، تراه مخضراً، تراه يانعا، تراه مثمراً، ثم يُحصد، وتعود الأرض إلى ما كانت عليه، وكأنها لم تُزرع من قبل، أو شبّه الدنيا بالماء في جريانه، وعدم استقراره، وعدم تشكلّه، وتبخّره، وفنائه، والقليل منه نافع، والكثير منه ضار، ولا يسلم من دخله كما لا يسلم من دخل الدنيا من الفتن، شبّه الدنيا بالماء، لا يستقر، لا يبقى، ثم تأتي بعد ذلك الآيات لتصوّر لنا مشهدا من مشاهد الآخرة، ترى هل يراه الناس؟ أم لا يراه الناس؟
نسمع لقول الله (عز وجل) ووصفه حيث يقول وهو أصدق القائلين:
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ بَارِزَةًۭ وَحَشَرْنَـٰهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًۭا ﴿47﴾
وَعُرِضُوا۟ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّۭا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۭ ۚ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًۭا ﴿48﴾
وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَـٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًۭا ﴿49﴾
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّۢ ۚ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلًۭا ﴿50﴾
مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًۭا ﴿51﴾
وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا۟ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًۭا ﴿52﴾
وَرَءَا ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا۟ عَنْهَا مَصْرِفًۭا ﴿53﴾
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍۢ ۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىْءٍۢ جَدَلًۭا ﴿54﴾
وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّهُمْ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلًۭا ﴿55﴾
وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۚ وَيُجَـٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ ۖ وَٱتَّخَذُوٓا۟ ءَايَـٰتِى وَمَآ أُنذِرُوا۟ هُزُوًۭا ﴿56﴾
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوٓا۟ إِذًا أَبَدًۭا ﴿57﴾
وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا۟ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ ۚ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌۭ لَّن يَجِدُوا۟ مِن دُونِهِۦ مَوْئِلًۭا ﴿58﴾
وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰٓ أَهْلَكْنَـٰهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًۭا ﴿59﴾
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبْرَحُ حَتَّىٰٓ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًۭا ﴿60﴾
فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ سَرَبًۭا ﴿61﴾
فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَبًۭا ﴿62﴾
قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُۥ ۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًۭا ﴿63﴾
(وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴿۸۰﴾) [سورة الشعراء آية: ٨٠]، (وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُۥ ۚ ) أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان والكلام له تعليل نحوي كثير فيه خلاف (أَنْ أَذْكُرَهُۥ ۚ ) (أَنْ) مع الفعل تفيدا المصدر، أي ذكره أي من أنساني ذكره إلا الشيطان (وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًۭا ﴿٦۳﴾) من القائل؟ قالوا الفتى (وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ) أي الحوت (فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًۭا ﴿٦۳﴾) وقالوا: الفتى انتهى كلامه عند قوله (وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًۭا ﴿٦۳﴾) ثم سكت، ثم قال مستأنفا (عَجَبًۭا ﴿٦۳﴾) متعجبا من شأن الحوت، وقيل القائل: هو الله يحكي عن الحوت (وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًۭا ﴿٦۳﴾) أي مسلكا عجباً، أو مسلكاً يُتعجب منه، فكان لموسى عجباً أي عجّبه الله من مسلك الحوت.
قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًۭا ﴿64﴾
فَوَجَدَا عَبْدًۭا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَـٰهُ رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًۭا ﴿65﴾
(سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ) [سورة الإسراء آية: ١]، وصفه الله بالعبودية، وذاك أشرف مقام، أكان نبيا؟ أ كان وليا؟ أكان ملكا؟ يعلم الله، قالوا: كيف يكون نبي ولا نبي بعد النبي وهو حي إلى الآن؟ وقال آخرون: حتى ولو كان حياً إلى الآن فرضا، فهو ليس بعد النبي، يزعم النبوة، بل هو لا يُرى، ويموت بعد ذلك، وقيل، والقائل ابن القيم كل الأحاديث والكلام الذي جاء في حياة الخضر كذب محض، وافتراء، هل يصح للرسول أن يتعلم مما هو أدنى منه منزلة، وحتى لو كان نبيا، فإن موسى كان رسولا والرسول أعلى مقام من النبي، فكيف يكون ولياً، ويتعلم منه موسى؟ قالوا: إن الفاضل يتعلم من المفضول، الرسول لا يصح له أن يتعلم شيئا من أمور رسالته، فهو أعلم الناس بها؛ لأن الله أوحى إليه، أما في الأمور الأخرى فممكن أن يتعلم من غيره طالما لم يكن أمراً من أمور الدين، والرسالة التي أرسل بها (ءَاتَيْنَـٰهُ رَحْمَةًۭ) رحمة: نبوة عند الذين قالوا أنه نبي، ونعمة عند الذين قالوا إنه ولي (رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًۭا ﴿٦٥﴾) أي علما يختص بنا لا يُعلم إلا بتوفيقنا، وقيل: هو علام الغيوب، العلم اللدني كما يقولون، أي العلم الذي يختص بالله (عز وجل) ولا يُعلم إلا بتوفيقه، لا يُكتسب، وإنما يوهب.
قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًۭا ﴿66﴾
قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا ﴿67﴾
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ خُبْرًۭا ﴿68﴾
قَالَ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًۭا وَلَآ أَعْصِى لَكَ أَمْرًۭا ﴿69﴾
(وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ ) [سورة النحل آية: ١٢٧] فهو لا يقوى على الصبر إلا أن يشاء الله أما العصيان، وعدم العصيان بيد الإنسان، فهو مكتسب؛ لذا يحاسب الإنسان على عصيانه، أما الصبر فهو موهبة، من هنا قال في شأن الله، ولم يقل في شأن العصيان، أو عدم العصيان إن شاء الله؛ لأن الصبر لا يكتسب، وعدم العصيان مكتسب.
قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْـَٔلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىٰٓ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًۭا ﴿70﴾
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِى ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا إِمْرًۭا ﴿71﴾
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا ﴿72﴾
قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًۭا ﴿73﴾
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَـٰمًۭا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًۭا زَكِيَّةًۢ بِغَيْرِ نَفْسٍۢ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْـًۭٔا نُّكْرًۭا ﴿74﴾
الجُزءُ السادس عشر
قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا ﴿75﴾
قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍۭ بَعْدَهَا فَلَا تُصَـٰحِبْنِى ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًۭا ﴿76﴾
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْا۟ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًۭا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًۭا ﴿77﴾
(فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍۢ فَقِيرٌۭ (٢٤)) [سورة القصص آية: ٢٤]، فكيف يطلب الأجر هنا؟ سؤال مجرد سؤال، قيل: لم يكن وحده، في مدين كان وحيداً، أما هنا معه الخضر، فمن أجل أن يطعم الخضر، أقوال، لكن قد تعلم السر في نهاية القصة حين يتضح لنا أن السفر حدث للتأديب، وليس للتعليم، والذي يؤدب قد يشق عليه، والذي يعلم قد يرفق به، فالتعليم بالرفق، والتأديب بالشدة، هنا انتهت القصة، وأنهى موسى اللقاء بهذا التعجل، ويتضح أن الأولى كانت نسيانا، وأن موسى قال واعترض بغير تروي حتى أنه اعتذر (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ) الأمر الثاني في قتل الغلام كان أمراً بشعا لم يستطع أن يصبر عليه؛ لأنه يخالف كل الشرائع، الأمر الثالث لم يكن اعتراضا بقدر ما هو عرْضا، هو يعرض (لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًۭا ﴿۷۷﴾) لم يعترض على إقامة الجدار، وإنما عرض عليه أن يأخذ أجرا، أما الأولى فكان اعتراضا بغير تروّي، وأما الثانية فكان اعتراضا عمدا حتى أنه قال (قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًۭا ﴿۷٦﴾) أما الثالثة فكانت عرْضاً، لكن طالما قد شرط، فقد وجب تحقيق الشرط؛ ولذا قال الخضر:
قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ﴿78﴾
الأمر الأول: خاص بأصحاب السفينة، ظاهره شر وباطنه خير، والأمر الثاني كذلك: ظاهره شر وباطنه خير، الأمر الثالث: ظاهره خير وباطنه خير، أمور من القضاء والقدر، الأمر الأول في شأن أصحاب السفينة أمر متعلق بالرزق يرتزقون منها، يصيدون، يأكلون بحمل الناس، وبصيد السمك، وما إلى ذلك فهو أمر يتعلق بالرزق، أمر متعلق بالمال،
الأمر الثاني: أمر متعلق بالنفس.
الأمر الثالث: متعلق بالمستقبل، ليس متعلقا بالحاضر، ولا بالماضي، بالمستقبل بنى الجدار حتى لا يقع، وإن وقع تشرد الغلامان وضاع الكنز، هذه الأمور التي حدثت حين رآها موسى وأنكرها كان له كل الحق في الإنكار؛ لأن ما رآه من حيث الظاهر يخالف شرعه، ولكن من حيث الباطن أمر فيه الحكمة.
من هنا وجب على الإنسان ألا يحكم على ظواهر الأمور أبداً؛ لأن الله (تبارك وتعالى) هو العليم ببواطن الأمر، فإياك أن تحكم على ظاهر الأمر أبداً، سواءً كان الأمر يتعلق بك من أمور القضاء والقدر، أو كان الأمر يتعلق بغيرك من سلوك، وتصرف، لا تحكم على ظواهر الأمور، والحكم على الناس صعب، فقد تراه في حال تأخذه عليه، أو تعيب عليه، ولكنك لا تراه في حال قد تجلّى الله عليه بغفرانه، أنت رأيته في نهاره يلهو، أو يلعب، هل رأيته في ليله كيف سجد باكيا مستغفراً؟ من هنا نبّهنا الشيوخ، رحمة الله عليهم، ألا نعترض على شيء من أمور القضاء والقدر.
(وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ ) [سورة البقرة آية : ٢١٦]
كما نبّهنا الشيوخ، رحمة الله عليهم، ألا نعترض على سلوك حتى الفاسق المجاهر بفسقه، قيل لنا: اكره المعصية، ولا تكره العاصي، عِبْ على السلوك، ولا تَعِبْ السالك، ذاك الفعل يخالف الشرع، ذاك الفعل يعارض السنّة، ذاك الفعل حرام، ذاك الفعل لا يصح، أما الفاعل فأمره إلى الله، إن شاء غفر، وإن شاء آخذ، من هنا كانت النصيحة اذكروا محاسن موتاكم، وحين يؤتى بذكر رجل قد مات، يُقال: أفضى إلى ما قدم من عمل إن شاء غفر له.
(يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ ) [سورة المائدة آية: ١٨]
(إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ ) [سورة النساء آية: ٤٨] ( يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً) ربنا الغفور، ربنا المدبر، ربنا المتصرف في ملكه كيف شاء، لا معقب على حكمه، ولا راد لقضائه، والناس عبيد لله، والعبرة بالخواتيم، ولا تدري كيف يُختم لك، ولا تدري كيف يُختم لغيرك، ولذلك قيل: لا تلعن الكافر بعينه، العن الكفر، ولا تلعن الكافر، فقد يسلم قبل أن يموت، ولو بلحظة؛ لذا لا يصح أن تحدد اللعنة إلا على من حددهم الله في كتابه، لعن فرعون، ولعن إبليس على وجه الخصوص، لكن مهما رأيت ظالما فلا تلعن، ولكن قل لعنة الله على الظالمين، لعنة الله على الكافرين بالتعميم، وليس بالتخصيص؛ لأنك لا تدري ما تكون عاقبة ذلك الفاسق، أو ذاك الكافر، من هنا كان الخلق للمسلم خلقا رفيعا، قدوة في سلوكه، رحيما بالناس، وانظر إلى إبراهيم حين قال (فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (٣٦)) [سورة إبراهيم آية: ٣٦]، ولم يقل، ومن عصاني فافعل به، وافعل به، وانظر إلى عيسى في يوم الفزع الأكبر في يوم السؤال (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ) [سورة المائدة آية: ١١٧] وقال (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ (١١٨)) [سورة المائدة آية: ١١٨]، من هنا من أهم ما يجب أن تتخلق به، وتنتصح به، دع الخلْق للخالق، وانظر إلى عيوب نفسك، ورحم الله من شغلته عيوبه عن عيوب الناس، فقد تعيّن الفراق بين موسى والخضر، وفقاً لما شرطه موسى على نفسه (قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍۭ بَعْدَهَا فَلَا تُصَـٰحِبْنِى ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًۭا ﴿۷٦﴾) لكن الخضر أراد أن يوضح لموسى ما خفي عليه من حكمة في أفعاله التي اعترض موسى عليها من حيث الظاهر، فقال كما يحكي عنه القرآن:
أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌۭ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًۭا ﴿79﴾
من هنا حدث الخلاف، ومنهم من استند إلى قول النبي (صلى الله عليه وسلم) في رحلة حجة الوداع في عودته حيث أُذِّن للمغرب، وهو في طريقه من عرفة إلى المزدلفة، وقيل له: ( الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : الصَّلَاةُ أَمَامَكَ) وكان قد أُذِّن له، أي المكان، من هنا كلمة (وراء)، قد تستخدم بمعنى الأمام في أحيان، وأحوال خاصة من هنا (وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌۭ) هل كان خلفهم مدركهم لا محالة، فإن وجدها معطوبة تركها، وانصرف أم كان أمامهم؟ ظاهر اللفظ، وما جاء في الأحاديث يفيد أنه كان وراءهم، وخلفهم مكانا، ومن قرأ (أمامهم) وأراد بهذا الأمام بمعنى الزمان، فهم في الزمان الحالي سائرون بسفينتهم، وهناك زمان آت فيه الملك يدركهم، أو يصادفهم، ويأخذ كل سفينة غصباً، هذه هي القصة الأولى، وهذا هو التعليل، والقصة الثانية.
وَأَمَّا ٱلْغُلَـٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَـٰنًۭا وَكُفْرًۭا ﴿80﴾
فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًۭا مِّنْهُ زَكَوٰةًۭ وَأَقْرَبَ رُحْمًۭا ﴿81﴾
وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُۥ كَنزٌۭ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحًۭا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًۭا ﴿82﴾
بعد هذا الفراق، وبعد هذا التأويل، قيل: إن موسى قال للخضر: أوصني، فقال له الخضر: (يا موسى كن بساما، ولا تكن ضحاكا، ودع اللجاجة، ولا تمشي في غير حاجة، ولا تعيب على الخطائين خطاياهم، وابك على خطيئتك يا ابن عمران).
تلك كانت قصة الخضر مع موسى، وفيها كثير من اللفتات التي يجب أن يتنبه إليها المسلم، يلاحظ في الآيات أمور في شأن السفينة، قال الخضر كما يحكى عنه القرآن (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا) فنسب الفعل لنفسه، وفي شأن الغلام نجد القول يتغير أو يختلف (فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًۭا مِّنْهُ) وأما الجدار فيقول (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا) هذا التغير في النسق في شأن السفينة، فيها إعابة، فنسب الإعابة إلى نفسه تأدباً مع الله، كما قال إبراهيم فيما يحكي عنه القرآن (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)) [سورة الشعراء آية: ٨٠]، كما يقول الله (عز وجل) (بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ (٢٦)) [سورة آل عمران آية: ٢٦]، والشر بيد من؟ ولم يقل: بيدك الشر. التأدب مع الله في الكلام (مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ (٨٣)) [سورة الأنبياء آية: ٨٣]، (مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍۢ وَعَذَابٍ (٤١)) [سورة ص آية: ٤١]، من هنا قال العلماء: له (عز وجل) أن يطلق على نفسه ما يشاء من صفات، ولا يصح لنا نحن أن نطلق عليه إلا ما أطلق هو على نفسه، كما يجب على المسلم تأدبا مع الله بأن ينسب الخير إليه، وأن ينسب الشر إلى نفسه (مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍۢ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ ) [سورة النساء آية: ٧٩]، والكل من عند الله من هنا قال (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا) ومن حيث الظاهر شر مطلق، فنسب الشر من حيث الظاهر إلى نفسه تأدباً مع الله، في القصة الثانية (فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا) (فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا) وهناك أمران: قتل، وإيجاد، قتل الغلام ذاك، وإيجاد خيرا منه زكاة، وأقرب رحما فعْل آخر، إذاً فهما فعلان فعل القتل منسوب للخضر، وفعل الإيجاد منسوب إلى الله (فَخَشِينَآ) هو بالعلم الذي علمه من الله خاف على الأبوين، والله (تبارك وتعالى) بأمره للخضر بقتل الغلام كره أن يضر أبويه، يُطغي أبويه، أو يسيء إلى أبويه، وأما الإرادة (فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا) تتحقق الإرادة بقتل هذا، ثم بحمل هذه، والإماتة، والإحياء من فعل الله، والقاتل يفسد الآلة فقط، فكم من مصاب عاش، وكم من صحيح مات، فلا يشترط لمن أطلق عليه الرصاص أن يموت، قد تنجو، قد تحيا، الله يحيى ويميت، أما الإنسان فيفسد الآلة، يفسد الجسم، فمهما فعل في الجسم قد تخرج الروح، وقد لا تخرج (ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ) [سورة الزمر آية: ٤٢].
من هنا قال (فَخَشِينَآ) أن يرهقهما طغيانا وكفرا، فأردنا أن يبدلهما ربهما، وهنا وحّد (يُبْدِلَهُمَا)؛ لأن المبدّل هو الله، يبدّل ولا يتبدل، هو يغيّر ولا يعتريه تغيير، وأما الثالثة فالأمر متعلق بمستقبل، وغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، والمستقبل بيد الله، فبلوغ الأشد من فعل الله، استخراج الكنز بإرادة الله، وليس للخضر مدخل في ذلك، مدخله في إقامة الجدار، أشار إليه فاعتدل فقط، أما بلوغ الأشد من فعل الله، واستخراج الكنز بإرادة الله، وهو خير محض فنسب إلى الله، خرق السفينة شر محض فنسبه إلى نفسه، وقتل الغلام وإبداله بخير منه شر، وخير، فنسب إليه مع الله (عز وجل) حين عاب السفينة تعطل الناس، وتعطلت أرزاقهم.
من هنا قيل في شأن المصالح كيف تراعي المصلحة، وكيف يفسد بعض المال من أجل صلاح بقيته، وكيف إذا تواجد ضرران يختار أهون الضررين، تعطل بعض الوقت، أم التعطل كل الوقت؟ أن يحرم المساكين من الرزق كل الأيام، من هنا اختار الخضر أهون الضررين بإعابة السفينة، في شأن الغلام حين ولد الغلام كم كانت فرحة الأبوين؟ حين قتل الغلام كم كان حزن الأبوين؟ ترى هل كان الفرح في محله، وترى هل كان الحزن في موضعه؟ حين مات الصالح، وترك الكنز، ولم يستطع أن يخبر الأطفال من الذي حفظ له كنزه؟ من الذي تولى الأيتام؟ تولاهما الله لأي سبب؟ بسبب صلاح الأب، فصلاح الأب ينفع الأولاد دنيا وأخرى، يستفاد من هذه القصص الثلاث أمور:
فمنها أن الإنسان لا يحق له أن يتفاخر بعلمه أبداً، بل ينسب العلم إلى الله، ويتواضع، ويحمد الله على ما منحه من العلم، ولنا في مقالة الملائكة أسوة (قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ (٣٢)) [سورة البقرة آية: ٣٢]، ولنا في التوجيه الإلهي للنبي (وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا (١١٤)) [سورة طه آية: ١١٤]، أيضا مهما بلغ الإنسان من درجات العلم يجب أن يسعى إلى المزيد من العلم، ها هو موسى يسعى، ويمشي، ويكّد، ويتعب من أجل أن يلقي ذلك العبد الصالح، يتعلم منه فلا يكتفي العالم، وصدق النبي (صلى الله عليه وسلم) حين يقول: ( مَنْهُومَانِ لا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْمٍ، وَطَالِبُ دُنْيَا) فيجب على الإنسان مهما بلغ من درجات العلم أن يسعى لمزيد من العلم، والعلم لا نهاية له؛ إذ إن العلم من علم الله، وكما قال الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله، إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر، فعلم الله لا نهاية له، وربنا هو المعلم الذي يعلّم الناس (عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)) [سورة العلق آية: ٥]، أيضا على طالب العلم أن يتواضع، وأن يتأدب في المقال، وأن يعرف فضل العالم عليه، وانظر إلى تأدب موسى مع الخضر (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًۭا ﴿٦٦﴾) رغم المقابلة الغريبة التي حدثت حين لقيه موسى مُسجيً بثوبه، قد غطى وجهه، سلّم عليه السلام عليكم ورحمة الله، فكشف وجهه قائلا: وأنّي بأرضك السلام، رد غريب (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ ) [سورة النساء آية: ٨٦]، ثم نظر إلى مقالته من أنت؟ أنا موسى، موسى بني إسرائيل؟ انظر إليه حين يقول (قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا ﴿٦۷﴾ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ خُبْرًۭا ﴿٦۸﴾) وانظر إلى الرد (قَالَ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًۭا) إذاً فقد ترك الحكم له ليس لنفسه، لا يقول: أنا سوف أكون كذا، بل قدّم المشيئة فوّض الأمر إلى الله، التجأ إلى الله، ثم ترك الحكم عليه للخضر، للمعلم، من هنا كانت المقالة الأخيرة والشرط (إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍۭ بَعْدَهَا فَلَا تُصَـٰحِبْنِى ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًۭا ﴿۷٦﴾) الأدب في الكلام، وفي طلب العلم مما يستفاد أيضا أن الأفعال لها ظواهر، ولها بواطن، وما قد ينكره الإنسان من حيث الظاهر، قد لا ينكره لو علم الباطن.
من هنا كانت النصيحة لا تُعيب على الخطائين خطاياهم، وابك على خطيئتك، أنت تستطيع أن تحكم على نفسك، أما فعل الناس فالحكم هو الله، وصدق النبي (صلى الله عليه وسلم) في نصيحته ( وَلا تَكْلَفُوا مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ مَا لَمْ تَكْلَفُوا , وَلا تُحَاسِبُوا الْعِبَادَ دُونَ رَبِّهِمْ) أيضا إنكار المنكر واجب، وما فعله موسى بغض النظر عن الشرط والأمر الذي أمر، الذي أمره به الخضر كان متوائماً مع شريعته ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ) في كل الشرائع خرْق السفينة منكر من حيث الظاهر، قتل الغلام منكر من حيث الظاهر، فحين اعترض موسى بغض النظر عن النتائج، وبغض النظر عن القصة، هل كان يجب عليه أن يعترض أم لا يجب؟ لا يجب من حيث القصة، ومن حيث الشرط، ومن حيث وحي الله له باتباع الخضر، وما إلى ذلك، لكن من حيث الحكم العام يجب على الإنسان أن ينكر المنكر، وأن ينصح المخطئ، فإن تبين له أن وراء ذلك علّة صحيحة رجع عن تخطئته أو رجع عن كلامه، وتوجيهه طالما عرفت العلة، أيضا من القصة أن موسى حين أُلحق بالخضر أَلحق به للتأديب، وليس للتعليم، هل تعلّم موسى من الخضر؟ ذاك هو السؤال (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ) ذاك كان طلب موسى، التوقّع من الخضر (لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا ﴿٦۷﴾) التعليل كيف تصبر على ما لم تحط به خبرا، في النتيجة هل تعلّم موسى من الخضر شيئا؟ أبداً، رأي أموراً، وأنكرها، ثم عللت له الأمور، ذاك تأديب، وليس تعليم، فالتعليم أن يستطيع أن يفعل ما فعله الخضر، من هنا قيل: إن موسى ألحق بالخضر للتأديب، وليس للتعليم، والتأديب سببه حين سئل موسى من أعلم الناس؟ قال أنا، أيضا يتبين لنا رعاية الله (عز وجل) بعباده المخلصين، هي كلمة قالها موسى، كان من نتيجتها رحلة، وحوادث، وليته صبر كما قال نبينا (صلى الله عليه وسلم) حتى يقص الله علينا من أخبارهما، وانظر إلى عناية الله، ورعاية الله بأنبيائه، ورسله وكيف يؤدبهم، ويعلمهم، وانظر أيضا لولاية الله للصالحين كيف حفظ الكنز للغلامين، بسبب صلاح الأب، يتبين لنا أيضا واقع لقول الله (وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)) [سورة البقرة آية: ٢١٦]، لا شك أن أصحاب السفينة حين فوجئوا بالماء يتدفق إلى داخلها، اضطربوا، وحزنوا، وفزعوا، ووقفوا، هل أحبوا ذاك، أم كرهوا؟ هل كان خيراً أم كان شراً؟ كان خيرا، قِسْ لو أنت بسيارتك في طريق، وانفجر إطار السيارة، وتوقفت لإصلاحه سواءً كنت عاملاً عليها، أو مالكاً لها فمن يدريك أن هذا الانفجار لهذا الإطار كان خيراً لك، يحميك الله (تبارك وتعالى) من شيء أمامك لا تراه، هل رأى أصحاب السفينة الملك؟ هل علموا بوجوده؟ لو لم يخبر ربنا (تبارك وتعالى) الخضر ماذا كان يحدث؟ لسقطت السفينة في أيدي الملك، وضاع عليهم وسيلة الرزق، فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، الصالح لا يخشى على نفسه، ولا على ولده، والتأمين مضمون، التأمين عند الله، عند من يملك، وليس التأمين في الشركات، ما هو التأمين؟ وما هو القسط الذي يُدفع؟ وما هو المبلغ؟ وما هي النتيجة؟ هلمّ نرى دعوة، ربنا لنا كي نؤمن على أنفسنا وأهلنا: (وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَـٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا (٩)) [سورة النساء آية: ٩]، هذه هي وثيقة التأمين يا من خفت على أولادك من يخاف على أولاده أن يموت ويتركهم في سن صغيرة، من يرعاهم، من يربهم؟ من يتولاهم؟ ها هي الوثيقة (وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَـٰفًا) ماذا يفعلون؟ (فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا (٩)) [سورة النساء آية: ٩]، وانظر إلى التأمين الآخر، والوثيقة الأخرى، والغريب أنها نفس الوثيقة (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا ﴿۷۰﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿۷١﴾) [سورة الأحزاب آية: ٧٠ - ٧١] ذاك هو التأمين، إن أردت أن تؤمن على تجارتك كي لا تخسر، على سفينتك كي لا تغرق، على سيارتك كي لا تحرق، أو تسرق، إذا أردت أن تؤمن على مالك، وعملك، ومصالحك، التقوى، والقول السديد يصلح لكم أعمالكم، ويغفر لكم ذنوبكم، يا لرحمته، ويا لسعة عفوه، وعظيم منته، التقوى، والقول السديد، تلك هي وثيقة التأمين عند من يملك، ويقدر، الفعّال لما يريد (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحًۭا) الغلام الذي قُتل كم فرح أبواه بمولده، وكم حزن أبواه بمقتله، وكان الفرح في موضع الحزن، وكان الحزن في موضع الفرح، ولو علمتم الغيب لاخترتم الواقع، ولو علم الأبوان لحزنا حين ولد، ولفرحا حين قتل، أليس كذلك؟ بلى، يقول الله (عز وجل) في حديث قدسي يرويه الترمذي (إِذَا وَجَّهْتُ إِلَى عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِي مُصِيبَةً فِي بُدْنِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ ذَلِكَ بِصَبِرٍ جَمِيلٍ ، اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ أَنْصِبَ لَهُ مِيزَانا ، أَوْ أَنْشُرَ لَهُ دِيوَانا) والصبر الجميل الذي لا شكوى معه.
أيها الأخ المسلم، يقول الله (تبارك وتعالى) لملائكته، أو لبعض ملائكته صبوا على عبدي البلاء صبا، فيصبوا عليه البلاء، ويقولون: يا رب صببنا عليه البلاء فحمدك، فيقول: ارجعوا فإني أحب أن أسمع صوته.
أيها الأخ المسلم، الصبر، والرضا، الرضا بقضاء الله سعادة ما بعدها سعادة، والرضا لمن يرضى، إذا أردت رضاء الله فارض أنت عن الله (رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ) [سورة المجادلة آية: ٢٢]، والرضا عن الله بمعنى أن ترضى بقضائه، وقدره، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبحمد (صلى الله عليه وسلم) نبياً، ورسولاً، أجاب الوحي على سؤال يهود المدينة الذي أوعزوا به إلى مشركي مكة، حيث قال اليهود المدينة لمشركي مكة سلوا محمداً عن أمور ثلاثة: الفتية أهل الكهف، سلوه عن الروح، ومن ضمن الأسئلة كان السؤال الثالث: سلوه عن رجل طوّاف بلغ مشارق الأرض، ومغاربها نزل القرآن على النبي (صلى الله عليه وسلم) بالإجابة يقول عز من قائل:
وَيَسْـَٔلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُوا۟ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا ﴿83﴾
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ وَءَاتَيْنَـٰهُ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ سَبَبًۭا ﴿84﴾
فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴿85﴾
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍۢ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًۭا ۗ قُلْنَا يَـٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًۭا ﴿86﴾
قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا نُّكْرًۭا ﴿87﴾
وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًۭا ﴿88﴾
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴿89﴾
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍۢ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًۭا ﴿90﴾
كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًۭا ﴿91﴾
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴿92﴾
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ ٱلسَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًۭا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًۭا ﴿93﴾
قَالُوا۟ يَـٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰٓ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّۭا ﴿94﴾
قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌۭ فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴿95﴾
ءَاتُونِى زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ قَالَ ٱنفُخُوا۟ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارًۭا قَالَ ءَاتُونِىٓ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًۭا ﴿96﴾
فَمَا ٱسْطَـٰعُوٓا۟ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ لَهُۥ نَقْبًۭا ﴿97﴾
قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌۭ مِّن رَّبِّى ۖ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُۥ دَكَّآءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّۭا ﴿98﴾
من هنا وجههم للعمل، وجههم لبذل المجهود، لمقاومة الظلم (فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ) بالأيدي العاملة، بالآلات والأدوات، اعملوا معي لا أريد أجراً إلا من الله، لكن المشاركة والعمل (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴿۹٥﴾) أفضل مما تطلبون بالتعاون (ءَاتُونِى زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ ۖ ) (إئتوني زبر الحديد) قراءة (ءَاتُونِى) أي جيئوني بقطع الحديد، زُبر الحديد: جمع زُبرة والزُبرة: القطعة العظيمة من الحديد، أصل مادة الكلمة: الاجتماع، منه زبرة الأسد للشعر المتكاثف على كاهليه، ومنه زبرت الكتاب: جمعت حروفه، الزبور: الكتاب المجموع حروفه في كلمات (حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ) الصدفين: طرفي الجبلين، والصدف لا يطلق على شيء واحد، لابد أن يطلق على شيئين اثنين، فلا يطلق على المفرد (صدف)؛ إذ الصدف من المصادفة أي المقابلة، أو من الصدوف، فكأن ذاك مال عن ذاك صدف عنه، ابتعد، وذاك صدف عنه، فلابد وأن يكونا متقابلين حتى يقال في شأنهما صدفين، ومنه صادفت فلانا أي لقيته، وقابلته مصادفة، الصدفين: جانبي الجبلين وقُرأت بقراءات كلها تدل على نفس المعنى (الصَدَفيْن)، (الصُدُفَيْن) (الصَدْفين)، (الصُدْفين)، (الصَدُفَيْن) قراءات كلها تؤدي إلى نفس المعنى (سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ) أي ساوى بين الردم، وبين الصدفين، ساوى بين البناء الذي يبنيه، وبين جانبي الجبل (قَالَ ٱنفُخُوا۟ ۖ ) إذاً فقد كان هناك نار، كير، أو أكوار، ومنافيخ، ووضع قطع الحديد، وأمرهم النفخ فيها، إذاً فقد اشتغلوا، وعملوا، وحملوا، وهاهم ينفخون في الكير ينفخون بالمنافيخ (حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارًۭا قَالَ ءَاتُونِىٓ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًۭا ﴿۹٦﴾) الحديد (نَارًۭا) أي كالنار في اشتغاله (أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًۭا ﴿۹٦﴾) آتوني أفرغ قِطراً عليه، هذا هو المعنى أي آتوني قطراً جيئوني بالقطر، وهو النحاس المذاب أصبه على الحديد المحمي الذي أصبح كالنار، فإذا صُب النحاس المذاب على الحديد المشتعل كالنار، اختلط النحاس بالحديد، وأصبح سبيكة واحدة (فَمَا ٱسْطَـٰعُوٓا۟ أَن يَظْهَرُوهُ) (فما استطاعوا)، (فما اصطاعوا) مع قلب السين صاد قراءات (فَمَا ٱسْطَـٰعُوٓا۟ أَن يَظْهَرُوهُ) يتسلقوه، أو يعلو أحدهم عليه، أو يرتقيه (وَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ لَهُۥ نَقْبًۭا ﴿۹۷﴾) خرقاً أملس، مرتفع جدا، يئسوا من أن يظهروه، ثخين صلب، شديد، ما استطاعوا أن يخرقوه (قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌۭ مِّن رَّبِّى ۖ ) القائل ذو القرنين، قال هذا البناء رحمة بكم، وبمن يأتي من بعدكم (فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى) بانهدامه، أو بقيام الساعة، فهو من علامات الساعة (جَعَلَهُۥ دَكَّآءَ ۖ ) مستوياً، مدكوكاً بالأرض، ويقال للناقة التي لا سنام لها دكاء، ويقال للأرض المستوية دكاء، أي مدكوكا دكاً، محطما تحطيماً (جَعَلَهُۥ) مذكر (دَكَّآءَ ۖ ) مؤنث أي جعله مثل الأرض الدكاء (وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّۭا ﴿۹۸﴾) بانهدامه (حَقًّۭا ﴿۹۸﴾) واقعا لا محالة.
وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ يَمُوجُ فِى بَعْضٍۢ ۖ وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَـٰهُمْ جَمْعًۭا ﴿99﴾
أيها الأخ المسلم، تلك كانت الإجابة على السؤال، إن كانت أخرست السائلين، ودلت على صدق سيد المرسلين، عليه أفضل صلاة، وأكمل تسليم، إلا أنها لم توضح أموراً عديدة، سكت عنها القرآن، ولكن قد يتأمل الإنسان فيها تأملا ً يزيده إيمانا بصدق الكتاب، ويقينا بقدرة الملك الوهاب، لو تتعبنا القصة من أولها لوجدنا فيها الكثير، وصدق ربي حيث يقول: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ (٢٤)) [سورة محمد آية: ٢٤]، بالتأمل في قصة ذي القرنين تثور تساؤلات: ما هي القوة التي منحها؟ كونه نبيا، أو ولياً، أو عبداً صالحا، أمراً لا نبحث فيه، فهو كالخضر قد، وقد، التمكين في الأرض، لم يذكر كيف مكن له، أتاه ربنا من كل شيء أراده، وتوجّه إليه، وصلة توصله، أهي كلمات يقولها؟! أهي أسماء لله، عز وجل، لها سر، فإذا نطق بها مُكِّن، أهو علم؟ أهي قدرة؟ أهي آلة؟ أهي الحكمة؟ حين أراد أن يصل إلى مغرب الشمس هل هو مجرد سفر؟ أهي نزهة؟ أهي بحث، وسير في الأرض ليرى من آيات الله ما يشاء، أم هو تكليف بنشر الدعوة، بنشر الإيمان بالدعوة إلى الواحد الديّان؟ مغرب الشمس أين كان مكانه، وهل كان في مكان كقارة إفريقيا مثلا، غربها محيط، وشرقها محيط، فالمشرق والمغرب هو نهاية الأرض؟ هل كانت الرحلات على الكرة الأرضية، أم كانت في الفضاء؟ هل وصل إلى كواكب أخرى، هل مغرب الشمس، ومطلع الشمس في كواكب أخرى، أم كان ذلك في الأرض؟ أسئلة، حين مكن، وخير إما أن تعذب، وإما أن تتخذ فيهم حسنا، أكان ذلك من قبيل ما مُنحه سليمان (هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ (٣٩)) [سورة ص آية: ٣٩]، بلغ مطلع الشمس، هؤلاء القوم أين كانوا؟ الأرض لم يكن عليها بناء، أمَا كانوا يعرفون فن البناء، والبناء ليس فناً في بداية الخليقة، حجر فوق حجر، ألم يكن من الممكن أن يعملوا بناءً عريشا من جريد النخل، من أوراق الشجر، ألم يكن عندهم شجر يستظلون به؟ ماذا كانوا يأكلون؟ هل كانوا يعيشون في الماء في البحر، حتى لو كانوا على الجزر فكثير من الجزر عليها بناء، هل كانوا على الماء أم كانوا في الفضاء؟ هل كانوا عراة بلا ثياب؟ سكت القرآن (كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًۭا ﴿۹١﴾) وسكت هل كان شأنه معهم كشأنه مع أهل المغرب، كما قال المفسرون، إما أن تعذب، وإما أن تتخذ فيهم حسنا؟ لم ليست لهم أبنية؟ أين ينامون؟ قالوا: يتسافدون كما تتسافد البهائم، كيف؟ يدخلون في الماء طول النهار، يأكلون ما تنضجه الشمس، ألم تكن لديهم نيران؟ ألم يعرفوها؟ كيف كانوا يعيشون؟ سبحانه يخلق ما لا تعلمون، الأعجب هؤلاء الذين يعيشون بين السدين، والكلام كثير ولا نريد أن نخوض فيه؛ لأنه بعيد، بعيد، حتى اعتبروا يأجوج ومأجوج الترك، وأوردوا حديث: ( اتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ) هل الترك قبيلة منهم؟ كيف تكلموا معه؟ هل كان عن طريق ترجمان، والترجمان كان يعرف لغة ذي القرنين، من أين وكيف عرفها؟ أين تعلم الترجمان لغة ذي القرنين، إن كان منهم أم أن ذا القرنين أخذ معه من يعرف لغتهم؟ كيف كان بناء الردم؟ هل كما قيل طبقة من الحديد فوقها حجارة، ثم الحطب ثم نفخ في الحطب فاشتعل الحديد ثم جاء بطبقة أخرى من الحديد وطبقة من الحجارة، وطبقة من الحطب، ونفخ وهكذا؟ أين أذيب النحاس الذي يكفي لكي يصب على هذا الردم؟ من أين جيء بالحديد، وطالما كانوا يقدرون على الإتيان به ألم يكن لديهم سيوف، ألم تكن لديهم أسلحة يدافعون بها عن أنفسهم ضد يأجوج ومأجوج، الأغرب من ذاك أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض، ومن علامات الساعة خروج يأجوج ومأجوج، والبشر لا طاقة لهم، ولا قبل لهم بيأجوج ومأجوج، ينشفون الماء، يشربون أمواه البحار، والأنهار، ويأكلون الزرع، والأخضر، واليابس، ويعيثون في الأرض فسادا، ويموجون في الناس موْجاً، ولا يقضي عليهم إلا بآفة في أقفيتهم دودة تهلكهم، يسلطها الله عليهم، حتى تسمن بهائم الأرض من لحومهم، هذه القوة المهولة ليأجوج ومأجوج، أين كانت حين كان ذو القرنين يبني الردم، وكيف سكتوا لِم لم يقاوموا هذا؟ هل بنى الردم في لحظة؟ أذاب النحاس في غمضة عين؟ بنى الردم في ساعة كانوا يتنزهون، وإن كانوا قد خرجوا إلى مكانٍ ما فجاءوا فوجدوا الردم لِم لم يعودوا إلى المكان الذي كانوا فيه وداروا حول الردمْ؟ هل رأوا ما يفعل فألجمتهم الهيبة، وملأهم الرعب من ذي القرنين كما كان رعب الجن من سليمان؟ هل وقفوا منتظرين الدفن بالحياة؟ هل حدث ذلك أم كانوا نوُماً، أم كانوا في مكان آخر؟ الأغرب من كل ذلك أين هذا السد؟ هو قائم وموجود لا محالة، يحفرونه كل يوم حقا وصدقا، إذاً فهم الآن موجودون، أهم على قيد الحياة هم، هم لم يموتوا من زمن ذي القرنين، أم أنهم يتناسلون؟ أين يعيشون، وكيف يأكلون، وقد امتنعت عنهم الشمس، والهواء، الأقمار الصناعية، وسفن الفضاء تطوف حول الأرض تصور الفلاح في أرضه، وتصور طعامه أهو فجل أم جرجير، هذه القدرة على التصوير، والمسح الجوي، ومعرفة ما في باطن الأرض من المعادن بالأجهزة المختلفة، كيف لم يكتشف مكان يأجوج ومأجوج الآن؟!! فمن العلامات الكبرى للساعة أن يدك ردم يأجوج ومأجوج (فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُۥ دَكَّآءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّۭا ﴿۹۸﴾) يخرج يأجوج ومأجوج من السد يعيثون في الأرض فسادا، يموجون في الناس، ويموج بعضهم في بعض، تقترب الساعة يقول الله (تبارك وتعالى) (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ يَمُوجُ فِى بَعْضٍۢ ۖ وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَـٰهُمْ جَمْعًۭا ﴿۹۹﴾) للصور نفختان: نفخة أولى ونفخة، وثانية، بينهما أربعون، أربعون يوما، كما سُئل أبو هريرة، فقال: أبيْت أربعون شهرا؟ فقال أبيْت، أربعون سنة؟ قال: أبيْت، يعلم الله، أربعون قرنا، أربعون عاما بين النفختين أربعون. وتلك هي الراحة التي يستريحها المعذبون في قبورهم، تلك هي الفترة التي لا يشعر فيها مخلوق بشيء، ولا يبقى في الوجود إلا الموجود بحق؛ لذا حين يبعثون بعد النفخة الثانية يظنون إن لبثوا إلا قليلا أي في فترة الراحة حين يرفع عنهم العذاب، النفخة الثانية حين تُنفخ يبعث كل حي، الإنس، الجن، القرون التي اندثرت من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة، الوحوش، الحشرات، الطيور، السباع، الزواحف، الأسماك، كل من كان له حياة في الدنيا يبعث؛ ولذا قال بعض الناس (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ يَمُوجُ فِى بَعْضٍۢ ۖ وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَـٰهُمْ جَمْعًۭا ﴿۹۹﴾) الإنس، والجن، والوحوش، والطير الكل محشور في صعيد واحد، الكل عرايا، والكل في وجل، جمعهم ربنا (تبارك وتعالى) جمعا ولم يغادر منهم أحد.
وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْكَـٰفِرِينَ عَرْضًا ﴿100﴾
ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُوا۟ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴿101﴾
أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَن يَتَّخِذُوا۟ عِبَادِى مِن دُونِىٓ أَوْلِيَآءَ ۚ إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ نُزُلًۭا ﴿102﴾
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلْأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلًا ﴿103﴾
ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴿104﴾
أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْنًۭا ﴿105﴾
ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا۟ وَٱتَّخَذُوٓا۟ ءَايَـٰتِى وَرُسُلِى هُزُوًا ﴿106﴾
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴿107﴾
خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًۭا ﴿108﴾
فريق في الجنة، وفريق في السعير، هؤلاء الذين اتخذوا آيات الله هزوا، استهزءوا بها، قالوا: سحر، قالوا: كهانة، قالوا: أساطير الأولين، والذين استهزءوا بالرسل، وما من رسول بعث إلا وقيل له: ساحر مجنون، حتى إن القرآن يقول (أَتَوَاصَوْا۟ بِهِۦ ۚ ) [سورة الذاريات آية: ٥٣]، وقيل: هذا في شأن نبينا (عليه الصلاة والسلام) ونفى الله (تبارك وتعالى) عنه كل ذلك، وقال (فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍۢ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)) [سورة الطور آية: ٢٩]، أما المؤمنون فها هو جزاؤهم (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴿١۰۷﴾) الفردوس: لفظ عربي يجمع على فراديس، وقالوا: بل هو لفظ معرّب، ومعناه البستان الذي يجمع ما في البساتين، أما من حيث ما أخبر به نبينا (صلى الله عليه وسلم) عن الفردوس فقد قال: ( إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ تَعَالَى فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ ، فَإِنَّهَا وَسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلاهَا ، وَفَوْقَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ ، وَمِنْهَا تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ)، يا له من نعيم ذلك الذي يبشر الله (تبارك وتعالى) به عباده، الذين آمنوا عملوا الصالحات لهم جنات الفردوس نزلا، مقابلة النُزُل بالنزل (إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ نُزُلًۭا ﴿١۰٢﴾) أما هنا فجنة الفردوس للمؤمنين نُزُلا، تُرى ماذا وراء النُزُل؟ ترى ماذا بعد النزل من نعيم؟ ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأعلى عطاء هو النظر إلى وجه ذي الجلال والإكرام (خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًۭا ﴿١۰۸﴾) خالدين فيها، لا خروج، ولا موت، ولا نوم، ولا غفلة، ولا ملل، ولا كلل، ولا أذى، ولا حزن، ولا قلق، ولا غل، ولا حقد، ولا غيرة، بل أخوة، ومحبة، ومودة، ونعيم دائم (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًۭا ﴿١۰۸﴾) لا يريدون أن يتحولوا عنها أبداً؛ إذ لا يجدون ما هو أفضل منها، إذاً فهم لا يريدون أن يتحولوا عنها أبداً، والكلام تأكيد للخلد، هم خالدون فيها، وهم لا يريدون أيضا أن يتحولوا عنها، وكأنهم دائمون إلى الأبد، كان اليهود من ضمن تعنتهم، يقولون للمؤمنين يقول كتابكم (يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ۗ ) [سورة البقرة آية: ٢٦٩]، ويقول كتابكم (وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا (٨٥)) [سورة الإسراء آية: ٨٥]، يريدون التعارض، يريدون التعنت، فنزل قول الله (عز وجل):
قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَادًۭا لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّى لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِۦ مَدَدًۭا ﴿109﴾
قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا ﴿110﴾
ما هو الرياء؟ وهل الآية تحذّر من الرياء؟ نعم الرياء شرك، واسمع شداد بن الأوس صحابي جليل، دخل يوما على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فوجد وجهه متغيرا، وكان نبينا (صلى الله عليه وسلم) يُقرأ، إذا سُرَّ استنار وجهه، فعلم الناس، وإذا غضب أو ساءه شيء ظهر ذاك في وجهه، وكان (صلى الله عليه وسلم) باطنا وظاهراً شيئاً واحداً، (قَالَ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ) إِذْ رَأَيْتُ بِوَجْهِهِ أَمْرًا سَاءَنِي، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الَّذِي أَرَى بِوَجْهِكَ؟ قَالَ: أَمْرٌ أَتَخَوَّفُهُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي، قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الشِّرْكُ، وَشَهْوَةٌ خَفِيَّةٌ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: يَا شَدَّادُ، أَمَا إِنَّهُمْ لا يَعْبُدُونَ شَمْسًا، وَلا قَمَرًا، وَلا وَثَنًا، وَلا حَجَرًا، وَلَكِنْ يُرَاءُونَ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّيَاءُ، شِرْكٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ) إذا فالرياء شرك كيف نتقي شر الرياء؟ قال أشياخنا: علاج الرياء ودواؤه كتمان العمل، وأيضا نبهنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيما يرويه معقل بن يسار، ويقول أبو بكر يشهد به على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث (ذَكَرَ الشِّرْكَ، فَقَالَ: هُوَ أَخْفَى فِيكُمْ مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلِ الشِّرْكُ إِلَّّا أَنْ يُجْعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، الشِّرْكُ أَخْفَى فِيكُمْ مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، وَسَأَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ صِغَارُ الشِّرْكِ وَكِبَارُهُ، أَوْ صَغِيرُ الشِّرْكِ وَكَبِيرُهُ، قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ) تقولها ثلاث مرات، هل معنى ذلك أنه يمكن للإنسان أن يشرك دون أن يدري؟ نعم، بالرياء، والرياء درجات أقصاها، وأفظعها، وأخطرها، أن يظهر الإسلام، ويبطن الكفر (إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًۭا (١٤٢)) [سورة النساء آية: ١٤٢]، إذا فالنفاق نوع من أنواع الرياء وذاك أخطر أنواعه، وهو كفر بواح، كفر صراح، من الرياء أيضا أن يكون الإنسان مسلماً لكنه يرائي بعمله (ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴿٥﴾ ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ﴿٦﴾ وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ ﴿۷﴾) [سورة الماعون آية: ٥ - ٧] هو لا يصلي منفردا لكنه أمام الناس يصلي؛ ليقال عنه أنه يصلي، ذاك من أشد أنواع الرياء في المسلم إن كان مسلما، فذاك أشد أنواع الرياء أن يظهر الطاعة لتذكر عنه، هناك نوع أقل من الرياء، وهو أن يحسن مظهر العبادة أمام الناس، بمعنى إن صلى منفرداً صلى متعجلا، وإن صلى أمام الناس خشع في صلاته، وركع، وسجد، واطمأن في ركوعه، وسجوده، وقد رأى عمر بن الخطاب يوما رجلا يطأطئ رقبته في الصلاة، فقال يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك، فإن الخشوع في القلوب، وليس في الرقاب، قيل أيضا: من ضمن درجات الرياء أن يدخل الإنسان في العمل مخلصا لله، ثم يعرض عليه الرياء، فالنية غير خالصة أصلا، أو يبدأ بنية خالصة، ثم يدخله الرياء دون أن يدري كيف؟ وقف يصلي منفرداً مخلصا لله، وقرأ ما تيسر فسمع صوت أناس يدخلون فحسّن قراءته، وجمّل صوته رياء، الرياء من الرؤية، الرياء معناها أن تحب أن يرى الناس أعمالك، الرياء أن تبتغي الدنيا بما يُبتغى به وجه الله، الرياء أن تحب مدح الناس، وثناءهم؛ ولذا جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال: (يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ أَلْتَمِسُ بِهَا الْحَمْدَ وَالأَجْرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): لا شَرِيكَ لَهُ تَعَالَى. فَنَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا ﴿١١۰﴾)) ؛ لذا قالوا: دواء الرياء كتمان العمل؛ لأنك لا تضمن أن يدخل إليك العُجب، أن تُسرّ فلان متصدق، فلان كريم، فلان طيب، فلان يحب الخير، فلان يصلي، فلان يقرأ القرآن كما أُنزل، الإنسان رغم أنفه لابد وأن يسر.
من هنا قالوا: كتمان العمل، كيف يكتم العمل؟ كيف تكتمون صلاة الجمعة؟ كيف أكتم أنا هذا الذي أقول على هذا المنبر، كيف؟ كيف تكتم صومك؟ كيف تكتم حجك؟ قيل: العبادات نوعان: نوع لابد وأن يظهر، التكاليف الشرعية: صلاة الجماعة، صيام رمضان، الحج، وما إلى ذلك، لكن هناك من الأعمال ما يمكن أن يُخفى، ونصيحة النبي (صلى الله عليه وسلم) (صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَجْعَلُوهَا قُبُورًا) أين أنت من قيام الليل؟ هل يراك أحد؟ إن حدث فلا تتكلم به، حتى لا يُثنى عليك، حتى لا يحمد لك ذلك، حتى لا يسرك أن يعرف الناس، أين أنت من ذكر الله سراً؟ أين أنت من قلبك المعلق بحب الله، وذكر الله، فهناك من الأعمال الكثير الذي يمكن أن يكتم، ويخفى، كي تبرأ من الرياء، أما الأعمال الظاهرة، والتي يجب أن تظهر فلا حيلة لنا فيها، وفي إظهارها، ولا يمكن لنا أن نكتمها، ووردت أخبار كثيرة عن أناس سألت النبي (صلى الله عليه وسلم) (عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وكلنا يعلم عن الثلاثة الذي يقضى عليهم ( أَوَّلُ النَّاسِ يُقْضَى فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَتَى بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى قُتِلْتُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَرِئٌ، وَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأَتَى بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ فِيكَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ الْقُرْآنَ فِيكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ: هُوَ عَالِمٌ، وَقَدْ قِيلَ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأَتَى بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهِ؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلا أَنْفَقْتُ فِيهَا، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ).
أيها الأخ المسلم، الرياء كدبيب النمل، الرياء شرك خفي، فالشرك منه الجليّ، وهو المجاهرة بالكفر، والشرك منه الخفي، وهو أخفى من دبيب النمل، إياك أن تبتغي بعملك أحدا من الناس، أو نفع دنيوي، فمن الناس من يبتغي بعمله الأجر الدنيوي، فيقال له قد أخذت أجرك، رجل يريد أن يتزوج ابنة رجل صالح، فيذهب إلى المسجد فيصلي فيراه الأب فيعتقد في صلاحه فيقبل تزويجه من ابنته، فهذا ابتغى بصلاته الزواج والزواج أمر دنيوي، وهكذا فابتغاء الدنيا بما يبتغى به وجه الله، هو الشرك الخفي وهو درجات أعاذنا الله وإياكم منه.