سورة الإسراء
مقدمة
لقاؤنا مع سورة الإسراء، وسورة الإسراء من السور المكية التي تعتني بأصول العقيدة ، تهتم سورة الإسراء بعقيدة التوحيد ، بالرسالة ، بالبعث ، ويظهر فيها معجزة خاصة بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وهي مظهر من مظاهر التكريم الإلهي لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) وتتحدث السورة عن بني إسرائيل ، وعن إفسادين يفسدونهما في الأرض ، وتبيّن تعنت المشركين مع النبي (صلى الله عليه وسلم) حيث رفضوا القرآن ، وطلبوا أن يرقى في السماء أو أن يأتي بالله والملائكة قبيلا ، وتتحدث السورة عن الآيات الكونية التي تدل عن القدرة والوحدانية ، آيتي الليل والنهار ، وتتحدث السورة عن سفاهة المشركين في زعمهم لله الولد ، بل نسبوا إليه البنات وهم يكرهون البنات ، تتكلم السورة عن البعث ، تبيّن صدق النبي (صلى الله عليه وسلم) تدلل على حقيقة الوحدانية ، تتكلم عن البعث ، عن الجزاء ، وتُختم السورة بتنزيه الله (عز وجل) عن الشريك وعن الولد.
سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًۭا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنْ ءَايَـٰتِنَآ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ﴿1﴾
إذاً فالأمر لا يناقش ولا يُشك فيه ، وصدق رسول (صلى الله عليه وسلم) حيث حكى عن نفسه: (أَنَّهُ أُسْرَى بِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَرَكِبَ البُرَاقَ وَهُوَ دَابّةُ الْأَنْبِيَاءِ وَصَلّى بِالَأنْبِيَاءِ فِي الْمَسْجِدِ الْأقْصَى ثَمَّ أُتَى بِالمِعْرَاجِ وَعُرِج بِه إِلَى السَّمَاوَاتِ العُلى إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى إِلَى مُسْتَوَى سَمِعَ فَيْهٍ صَرِيفَ الْأقْلَامِ وَكَلّمَهُ رَبُّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) وَفَرَضَ عَلَيِهِ الْصَّلَاةُ ) ، وَكَانَتِ هذه القصة في السنة الأخيرة من إقامته بمكة أي قبل الهجرة إلى المدينة المنورة بسنة واحدة وذاك على أرجح الأقوال.
وَءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلْنَـٰهُ هُدًۭى لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِى وَكِيلًۭا ﴿2﴾
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبْدًۭا شَكُورًۭا ﴿3﴾
فقيل إن الشكر معناه: أن تمتلئ بنعمة الله (عز وجل) وتشعر بهذه النعمة وتنسب النعمة إلى المنعم ، ثم تفيض بهذه النعمة ، أو بما زاد عن حاجتك منها ، إلى من هم حولك ، وإلى من هم يستحقون ذلك ذاك هو الشكر.
أيها الأخ المسلم: شكر الله (عز وجل) عمل ومتنوع ولكل نعمة شكر ، فالشكر على نعمة الصحة ، يختلف عن الشكر على نعمة المال ، يختلف عن الشكر على نعمة الجاه ، فلكل نعمة شكر.
فقد حدثتنا سورة الإسراء عن أمر يخص بني إسرائيل ، والخطاب لهم ، والعبرة لنا ولكل من يصلح للخطاب ، وقد يكون الخطاب حدث في زمانهم ، في زمن موسى وزمن نزول التوراة ، وقد يكون الخطاب لبني إسرائيل الذين عاصروا النبي (صلى الله عليه وسلم) واختلف الناس كثيرا في هذا الأمر المخبر به ، بقول الله (عز وجل):
وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّۭا كَبِيرًۭا ﴿4﴾
فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًۭا لَّنَآ أُو۟لِى بَأْسٍۢ شَدِيدٍۢ فَجَاسُوا۟ خِلَـٰلَ ٱلدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًۭا مَّفْعُولًۭا ﴿5﴾
ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَـٰكُم بِأَمْوَٰلٍۢ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَـٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ﴿6﴾
إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ لِيَسُـۥٓـُٔوا۟ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَلِيُتَبِّرُوا۟ مَا عَلَوْا۟ تَتْبِيرًا ﴿7﴾
عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ حَصِيرًا ﴿8﴾
من هنا اختلفت الروايات والقصص ، ربنا (تبارك وتعالى) لم يحدثنا عن المرتين ، ولم يذكر لنا شأن المرتين ، ولا تاريخ المرتين ، ولا نوع الإفساد الذي أفسدوه ، من هنا يجب السكوت عن ذلك ، وتفويض العلم لله (عز وجل) ولو شاء الله أن يخبرنا لأخبرنا ، من هنا نعلم خلاصة الكلام: أن هؤلاء الناس أنعم الله عليهم ، وأنزل عليهم التوراة مكتوبة ، وجعل فيهم الأنبياء ، وجعل منهم ملوكا ، وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين ، ومع ذلك أفسدوا وحرّفوا التوراة ، وقتلوا الأنبياء ، فسلّط عليهم بذنوبهم من لم يرحمهم ، ثم تابوا فتاب الله عليهم في زمن داود كما قيل ، أو في زمن غيره ورد إليهم أرضهم ، ورد إليهم عزهم ، وجعلهم أكثر عدداً ومالاً ، فأفسدوا مرة أخرى فانتقم منهم مرة أخرى بأن سلّط عليهم أعداءهم وهكذا وأصبحت القاعدة ،(وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ) أو إن أحسنتم أحسن الله إليكم ، وإن أسأتم أساء الله إليكم ، هذه هي القصة دون الدخول في تفاصيل وأسماء وحكايات لا نعلم إن كانت حقا حدثت أم لم تحدث.
(وَقَضَيْنَآ) أوحينا وحياً مبتوتاً ، (وَقَضَيْنَآ) حكمنا ، والقضاء أصلا: الفراغ من الشيء وإحكام الشيء ، وتأتي كلمة (وَقَضَيْنَآ) بمعنى حكمنا ، وتأتي بمعنى أوحينا ، أعلمنا ،(وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ) أعلمناهم وأوحينا إليهم ، (فِى ٱلْكِتَـٰبِ) في التوراة ، (فِى ٱلْكِتَـٰبِ) في اللوح المحفوظ ، (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتب) قراءة ، (وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ)،(لَتُفْسِدُنَّ) (لتَفْسُدُنَّ) قراءتان ، إذ لو فسدوا لأفسدوا ، ولو أفسدوا في الأرض لفسدوا ، (لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّۭا كَبِيرًۭا (٤)) العلو: التفاخر التكبر التعاظم ، الظلم للغير استخدام النعمة في غير ما خُلقت له ، أن يستغل الإنسان قدرته في البطش بغيره ، ذاك هو العلوّ الذي نهى عنه الله وقال في شأنه: (تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّۭا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًۭا ۚ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)) [سورة القصص آية: ٨٣]، (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّۭا كَبِيرًۭا (٤)) بالمال ، بالأولاد ، بالسلاح ، يتعاظم أمرهم ، فبدلاً من نشر الدعوة والتواضع لله نشر دين الله والشكر لله ، بل البطش والظلم والجبروت والقتل والسبي لمن لا يستحق ذلك.
(فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَىٰهُمَا) أي أولى الإفسادتين ، جاء وعد أي الوعد الذي وعده الله بعقوبتهم على ذلك ، أي جاءت العقوبة ،(بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ) سلّطنا عليكم ،(عِبَادًۭا لَّنَآ) لا يعني أنهم من الأتقياء لا يشترط ،( أُو۟لِى بَأْسٍۢ شَدِيدٍۢ ) قوة وبطش وشدة في الحرب ، والبأس: الشدة،(فَجَاسُوا۟) (فحاسوا) قراءتان ، الجَوْس والحَوْسْ: الطواف بالليل ذهابا وإياباً بين البيوت للتقصي ، كأنهم سوف يطوفون في شوارعهم وأزقتهم ليلا ذاهبين جائين يبحثون عنهم ليقّتلوهم ويذبحوهم ويخربوا ديارهم ، ويأخذوا أموالهم ذاك هو الوصف ، (وَكَانَ وَعْدًۭا مَّفْعُولًۭا (٥)) أي قضاءً مبرماً قضاه الله ، تبارك وتعالى، لا رادّ له.
(ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ) الكرّة: المرة من الشيء ، كرّ يكِرُّ كراً: رجع ، وهي المرة من الشيء ،(ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ) الدولة ، والأيام دول ، حين تابوا وأنابوا وبعث الله فيهم أنبياء ، فاستغاثوا بنبيهم ، فدعا الله ، أفاقوا تابوا في زمن داود ، أو في زمن غيره يعلم الله حين قالوا: (ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًۭا نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ ) [سورة البقرة آية: ٢٤٦] ، الله أعلم بالمدة والزمن ،(وَجَعَلْنَـٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)) النفير والنافر: من يخرج مع القائد من قومه لقتال العدو ، النفير: من يخرج مع غيره من نفس العشيرة لقتال العدو(وَجَعَلْنَـٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)): أكثر عدداً ، لا نفيراً: صوتا كما قال بعض الناس ، إنما النفير: القوة الخارجة لقتال العدو.
(إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ ) ها هم غلبوا وأصبحوا ذَووا قوة ، (إِنْ أَحْسَنتُمْ) واستخدمتم النعمة فيما خُلقت لها وتواضعتم لله ، وأعمرتم ثم الأرض بما يجب أن تعمر به الأرض (أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ ) إذ الثواب لكم ، والنفع لكم والفائدة لكم ، (وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ ) أي وإن أسأتم فعليها "لها" بمعنى "عليها" ، أو وإن أسأتم فإليها لها بمعنى إليها ، أي الإساءة إساءة إلى النفس ترجع إليها ، أو وإن أسأتم فلها الجزاء والعقوبة ، هذا التعبير اللام بمعنى "على " أو بمعنى "إلى " ، أو كما هي "فلها" ،(فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ) المرة الثانية من الإفساد ، وقد حدثت المرتان ، وذاك أرجح الأقوال ، فلا تنتظروا أن يبعث الله عباداً له أولي بأس فيردون إليكم المسجد الأقصى ، لا تنظروا ذلك ، إن أردتم استرداده فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ،(فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ) المرة الثانية بعد ما رد الله لهم الكرة عليهم وأعطاهم ، (لِيَسُـۥٓـُٔوا۟) والكلام فيه حذف تقديره ،(فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ) أي الإساءة للمرة الثانية منكم والإفساد ، بعثناهم عليكم مرة ثانية هم نفس العباد الذين قتلوهم في المرة الأولى ،( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًۭا لَّنَآ أُو۟لِى بَأْسٍۢ شَدِيدٍۢ فَجَاسُوا۟ خِلَـٰلَ ٱلدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًۭا مَّفْعُولًۭا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) على ذلك العدو (وَأَمْدَدْنَـٰكُم بِأَمْوَٰلٍۢ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَـٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦))، (فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ لِيَسُـۥٓـُٔوا۟) من هم؟ نفس المذكورين في الأول ، وانتبهوا ، فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم عليكم مرة أخرى ذاك هو التقدير وقويناهم عليكم ،(لِيَسُـۥٓـُٔوا۟ وُجُوهَكُمْ) تظهر أثر المساءة على الوجوه والإساءة ، الوجوه: جمع وجه ، أو الوجوه: الوجهاء فإن ذلّ الوجهاء فكيف بالعامّة ، إذا ذلّ الرؤساء فكيف بالمرؤوسين ، فإما الوجوه ، الوجوه حقيقة تظهر المساءة على أثر الوجه وإما الوجوه: الرؤساء فإن ذل الرؤساء ذل الجميع ، (لِيَسُـۥٓـُٔوا۟ وُجُوهَكُمْ) الأعداء ، (لنسوءَ وجوهكم) قراءة والكلام لله (ليسوءَ وجوهكم) الوعد (ليسُوءَ وجوهكم) الله (لنَسُوءنَّ وجوهكم) قراءات ،(وَلِيَدْخُلُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ) المسجد: بيت المقدس ، فالكلام ليس عن أناس سوف يأتون ، ونحن الآن تنتظرهم كما يقول ويزعم بعض الناس ، وإنما المسألة انتهت ، والعباد الذين جاسوا خلال الديار في المرة الأولى ، هم الذين دخلوا المسجد في المرة الثانية ، هم هم إذاً فهي دول ، دولة دالت لهم ثم دالت عليهم ،(وَلِيُتَبِّرُوا۟) التتبير: الإهلاك تبّرهُ تبراً وتبّرهُ تتبيراً: دمّره (وَلِيُتَبِّرُوا۟) يدمروا ويهلكوا ،(مَا عَلَوْا۟) ما ظهروا عليه ، (تَتْبِيرًا (٧)) معنى ذاك أن الأعداء إذا دخلوا على بنى إسرائيل ، هدموا البيوت ، وخرّبوا البيوت ، وأخذوا الأموال ، وقتلوا الأولاد والرجال ، وسبوا النساء ، واستولوا على المسجد وخربوه ، وكلما ظهروا وانتصروا في مكان دمروه وأهلكوه وهدموه.
(عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ ) "عسى " كلمة تفيد الترجي ، وهي في حق الله واجبة ، إذاً فالكلام ليس لبني إسرائيل اليوم ، هل يمكن أن يرحمهم اليوم ، وقد حرّفوا التوراة وكذبوا الأنبياء وكذّبوا نبينا (صلى الله عليه وسلم) هل؟ هل ممكن؟ (عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ ) إن تبتم وأقمتم التوراة: (لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ) [سورة المائدة آية: ١٢] ، فذاك وعد لهم في زمانهم ، حين يقول:(عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ ) وعد إن تابوا ، (وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ) وإن عدتم إلى الإفساد عُدنا إلى العقوبة ، فقيل أنهم عادوا أيام النبي (صلى الله عليه وسلم)، فعاد الله عليهم بإجلائهم كلام يعلم الله مدى صدقه ، (وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ حَصِيرًا (٨)) حصيراً: محبساً وسجناً حصره: حبسه (وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ) [سورة التوبة آية: ٥] (وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ حَصِيرًا (٨)) محبسا وسجنا يسجنون فيه ، أو حصيراً بمعنى فراشاً ومهاداً ، جعلنا لهم جهنم مهاداً من الحصير الذي يفرش على الأرض ،(إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ ) ذاك كلام يسري على كل الناس ، من أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها. أيها الأخ المسلم: ربنا (تبارك وتعالى) ينعم على الإنسان بنعم لا تعد ولا تُحصى وهي خارجة عن حدود الحصر ، والنعمة تحتاج الأمور الأمر الأول: أن تعلم أن النعمة من الله لا بجهدك ولا بكدّك ولا بذكائك ، بل هو محض فضل من الله ، فلا تغفل عن المنعم ، ولا تحجب النعمة عينك عن رؤية يد المنعم التي امتدت إليك بالنعم. الأمر الثاني: أن تستخدم النعمة فيما خُلقت له النعمة ، وتعلم لم أنعم الله عليك ، ليختبرك ليمتحنك ، (وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ ۖ ) [سورة الأنبياء آية: ٣٥] ، فهي امتحان ، إذاً كي تنجح في هذا الامتحان لا بد وأن تعلم أن النعمة من الله ، وأنه محض فضل ، ثم تعلم أن النعمة لها أبواب ، ولها استخدام فستخدم النعمة فيما خُلقت له ، وإياك أن تحارب الله (تبارك وتعالى) بما أنعم عليك ، ثم تحمد الله (تبارك وتعالى) بلسانك وتكثر من الحمد ، ثم تشكر الله (تبارك وتعالى) على النعمة (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ ) [سورة إبراهيم آية: ٧] ، والشكر كما قلنا عمل ، فيعود الإنسان بماله على غيره ، بجاهه على المظلوم ، بصحته على المريض ، وهكذا يستخدم النعمة في إسعاد الآخرين.
فالكلام عن القرآن ، والواصف للقرآن هو المتكلم به هو الله ، بعد أن افتتحت سورة الإسراء بتكريم النبي (صلى الله عليه وسلم) وببيان الإنعام عليه من الله (عز وجل) حيث جعله إماماً للأنبياء والمرسلين ، وبعد ما ذكرت الآيات فضل الله على موسى ، إذ أتاه الكتاب وجعله هدي لبني إسرائيل ، وبعد الحكاية عن الإفسادتين اللتين كتبنا على بني إسرائيل ، يأتي الكلام عن القرآن ، أي كما آتينا موسى الكتاب آتينا محمداً كذلك القرآن ، ويصف ربنا (تبارك وتعالى) القرآن في وصف معجز موجز:
إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًۭا كَبِيرًۭا ﴿9﴾
وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا ﴿10﴾
(وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ) أي بأن لهم ، (أَجْرًۭا كَبِيرًۭا (٩)) نكرة للتفخيم ، إذ لا يمكن لعقل بشر أن يقدّر هذا الأجر فهو من الله ولا يعرف قدره إلا الله ، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
(وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا (١٠)) أي يبشّر القرآن المؤمنين ببشارتين بالنصر لهم وبأن لهم الأجر الكبير وبأن لأعدائهم الهزيمة والخذلان والخزي والعقاب الأليم ، (وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا (١٠)) أعتدنا: أعد لهم وجهّز لهم عذاباً أليما.
وَيَدْعُ ٱلْإِنسَـٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلْخَيْرِ ۖ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ عَجُولًۭا ﴿11﴾
ينتقل الكلام ، وتتبّع وصف القرآن ، الكلام عن الإنسان ، الانتقال إلى الآيات الكونية ، والدلائل على وجود الواحد القهار:
وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ ٱلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةًۭ لِّتَبْتَغُوا۟ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَىْءٍۢ فَصَّلْنَـٰهُ تَفْصِيلًۭا ﴿12﴾
وانتقل الكلام فجأة عن النتيجة ، فالبداية الكلام عن القرآن ووصف القرآن والهدف من القرآن ، والتبشير والترهيب فهو ترغيب وترهيب ، (وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًۭا كَبِيرًۭا (٩) وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا (١٠))، فهو ترغيب وترهيب ، ثم الكلام عن الإنسان ، وتعجّل الإنسان وغض بصره عن العواقب والطيش والعجلة والتسرع ، ثم الكلام عن الآيات الكونية التي جعلها الله (تبارك وتعالى) لتصلح بها الحياة ويصلح بها المعايش ، وينتظم أمر الناس ، ودليل على وجود الله الذي بدأ ، وكما بدأ أول خلق يعيده ، ويأتي الكلام عن النتيجة في النهاية:
وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُۥ فِى عُنُقِهِۦ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًۭا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا ﴿13﴾
ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًۭا ﴿14﴾
(ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ) الكلام فيه اختصار على إرادة القول ، أي يقال له اقرأ إن كان لا يعرف القراءة والكتابة هل يقرأ؟ نعم يقرأ ، يقرأ لأن الآمر خالق ، أمر تكوين فالأمر أمر تكليف ، وأمر تكوين ، أمر التكليف: أقم الصلاة ، أمر التكوين: كن فيكون ،( ٱقْرَأْ) أهو كلام مكتوب؟ أم هي مشاهد ، أم أن الأمر يعاد؟ يعاد الأمر (يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَآءَ كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ ) [سورة الأنبياء آية: ١٠٤] ، يعلم الله الإنسان يتأمل في هذه الآية ، كيف يُنشر هذا الكتاب؟! كيف ينشر الديوان؟ ما هو النشر؟ أهي قراءة؟ أهو كلام مكتوب؟ وبأي لغة؟ باللغة العربية ، هي اللغة الأصل ، وهي لغة أهل الجنة ، وهي لغة القرآن ، والذي لا يعرف العربية يعرفها يوم القيامة يُخلق العلم بها فيه وفي قلبه ، أهي مشاهد؟ كلنا يعلم أن هذا المشهد الذي نحن فيه الآن ، يمكن لك أن تراه بعد انتهائه مباشرة بالتصوير ، بهذا الذي يصور ما نحن فيه ويحصي علينا الكلام ، وبعد انتهائنا من هذا ، يُعرض على الشاشات فنراه بحذافيره بالصوت بالصورة بالحركة ، ذاك فعل الإنسان ، تُرى كيف يكون فعل الله؟ بل ولا ينفي العلم الحديث هذا ، إذ أن العلم الحديث الذي وصل إليه علماء الدنيا يقول: إن الصور والمشاهد والحركة في هذه الدنيا تنتقل في الفضاء صورة تُلتقط كما يلتقط صورتنا الآن ، وكما تلتقط الأقمار الصناعية الصور؟ كيف تلتقط الصور؟ تنتقل الصور انتقال الضوء ولها سرعة ، فلو افترضنا أنك سافرت في لحظة فوصلت إلى نجم أو إلى كوكب يبعد عن الأرض سنين كثيرة ضوئية ، ووصلت أنت في لحظة ونظرت لوجدت بدء الخلق ، لوجدت موسى يجتاز البحر حقيقة ، إذ أن الصورة لها سرعة تصل إلى أين؟ ضوء الشمس يصل بعد ثمان دقائق ، بمعنى تشرق الشمس ولا يراها مخلوق أبدا ، هي قد أشرقت وظهرت فعلا على الأفق ، نرى ذاك بعد ثمان دقائق ، إلى حين يصل إلينا ضوءها أي صورتها ، وبالتالي صور الكون وصور الأرض لا زالت موجودة في الفضاء تسافر ، وكلما ابتعد الإنسان ووصل بسرعة قبل وصول الصورة ، لتلقّي الصورة ، ولذا قال علماء الدنيا: لو أن إنسان اختصر مسافة خمسين سنة مثلاً في سفرة واحدة وجلس ينظر إلى الأرض لرأي أمه وهي تلده ، ولرأي أباه وهو يحمله ، ولرأي نفسه رضيعاً أذ لم تصل الصورة بعد ، وهو اختصر المسافة ذاك كلام ، فلو افترضنا أن ما حدث في الأرض من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة موجود كصور في الفضاء ، حصول هذه الصور ، وتحصيل هذه الصور ممكن ، وعليه فقد يكون مشهد القيامة أن يتواجد الإنسان في مكان فيرى نفسه حقيقة بتصرفه وسلوكه ، ليس صورة وليس كتابا مقروءاً ولا صوتا مسجلاً ولا صورة مصورة ، وإنما الحقيقة فكيف ينكر وهنا شهادة الأيدي والأرجل والجلود شهادة فعلية واقعية ، (ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ) كيف تكون القراءة؟ يعلم الله فهي قراءة ، قراءة بالعين ، أياً كانت ، (كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًۭا (١٤)) هل يحتاج لمحاسب؟ هل يحتاج لشاهد؟ (كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًۭا (١٤)) أي محاسبا كجليس بمعنى مجالس ، أو حاسبا كصريم بمعنى صارم ، (كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًۭا (١٤)) أي تحاسب نفسك بنفسك.
أيها الأخ المسلم: لو تأملت في هذه المعاني ، ولو تأملت في هذه المواقف ، كيف يكون التصرف؟ كيف يكون السلوك؟ والحركة والسكون واللفتة كل ذلك موجود لم يندثر ، فالصورة لا تتلاشى أبدا ولا تُمحى من الفضاء أبداً ، لدرجة أن بعض العلماء يتخيل أن في استطاعته أن يجلب صور المعارك الحربية التي تمت في التاريخ القديم ، يجلبها على شاشة الأجهزة المرئية بواسطة الأقمار الصناعية التي تدور في الأفلاك هل يمكن؟ إذ أن العلم يقرر أن الأصوات لا تتلاشى ، كل ما هنالك كلما ابتعدت كلما خفت الصوت ، فإذا وضعت مكبراً للصوت انتقل الصوت إلى مسافة أكبر ، فإذا وضعت مكبرا آخر مكبر يأخذ من مكبر ، ومكبر يأخذ من مكبر ، وهكذا ، هل ينتهي الصوت؟ إذا فالصوت لا ينتهي ولا يتلاشى وكل كلمة يلفظ بها ابن آدم بلا مكبرات ، الله (تبارك وتعالى) حافظ لها ، فهو الحفيظ ، موجودة نفس الكلمة موجودة يمكن لك أن تسمعها في مكان ما ، في وقت ٍما ، نفس الكلمة ، وكذلك الصورة لا تتلاشى ولا تنمحي أبداً ، أي الصورة لا تتلاشى ولا تنمحي أبدا ، حتى ولو كان الوقت ليلاً ، وهم يصورون في شدة الظلام كل شيء بالأشعة تحت الحمراء ، مهما كان الوقت ليلا أو نهاراً ، الصورة لا تتلاشى ولا تُمحى ، تحفظ محفوظة في الأجواء ، وفي القضاء ، ويمكن لك أن ترى صورتك الآن وأنت تحك جلدك وأنت تتحرك وأنت تقوم وأنت تجلس في يوم ما في وقت ما في مكان ما ، إذا أراد الله (تبارك وتعالى) ذلك ، فإذا علمنا ذلك وتنبهنا ، حافظنا على سلوكنا ، وتصرنا ، وكلامنا وحركتنا ، ولساننا ، فكل شيء موجود مرصود ، وسبحان من لا يضل ولا ينسى. فقدر تبين لنا في سلاسة واختصار وإيجاز معجز القرآن ، والهدف ، والغاية منه ، الإنسان وحال الإنسان ، تبيّن لنا الآيات الكونية الدالة على وجود الله ، عرفنا أن لكل بداية نهاية ، وأن هناك يوم للحساب ويقال فيه للإنسان (كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًۭا (١٤))، وعلمنا ضمنا أن ما قُدر لا بد وأن يكون ، وأن كل إنسان لزمه قدره وخيره وشره لزوم القلادة في العنق ، لا تبديل ولا تغيير ولا تحويل ، وما قُضى وقُدر لا بد واقع وكائن لا محالة ، كل ذلك يتضح بعد أن الإنسان إذا رُزق الخير فلنفسه ، وإذا اختار الشر فعلى نفسه ، ولا يحمل إنسان وزر إنسان آخر ، فيقول عز من قائل:
مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا ﴿15﴾
فتُوفَّق وتُسدَّد في تصرفك وفي حياتك ، وفي كل ما يتعلق بدنياك وآخرتك ، (مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ )، (وَمَن ضَلَّ) غاب وتاه وابتعد عن الطريق المستقيم ،( فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ ) فإنما يعود الضلال عليه بالمرض والعجز والشيخوخة المبكرة والخرف ، وذهاب العقل وما إلى ذلك ، وكره الناس وبغض الناس ، كل ذلك في الدنيا ، ثم يعود بعد ذلك في الآخرة ويلقي فيها ما يلقي والعياذ بالله ، (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ) الوزر: الثقل المُثقل ، الحمل الشديد الذي يُثقل حامله (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ) يَزِرْ وَزَرَ يَزِرُ وَزْراً وِزراً: تحمل الإثم أو حمل حملا ثقيلا ، فالأوزار: الأثقال والأحمال ،( وَلَا تَزِرُ) لا تحمل (وَازِرَةٌۭ) حاملة ، (وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ) حمل أخرى ، أي كل إنسان يحمل كل ما يتعلق به ، ولا يحمل أحد عن أحد ٍ شيئا ، وتأتي الرحمة: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا)، (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٤٦)) [سورة فصلت آية: ٤٦]،
إذا معرفة الله لا تجب بالعقل ، بل تجب بالشرع والنقل ، والأوامر والتكليفات ليست باختراع الناس وإنما بالوحي ، وربنا (تبارك وتعالى) لا يسائل ولا يعاتب ولا يعذب إلا بعد أن يُنذر ويُعلم (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا (١٥)) إذاً فأهل الفترة الذين لم يرسل لهم رسل أو لم يسمعوا بأنبياء في مكان سحيق أو بعيد ، أو في زمن لم يكن فيه رسل هم أهل فترة ، من الفتور يعني بطء ، يعني لا توجد الرسل ، هؤلاء أمرهم إلى الله ، لا يحاسبون على شيء إذ لا يمكن للعقل أن يهدي الإنسان إلى معرفة الله ، أو معرفة ما يجب عليه ، من هنا من رحمة الله (تبارك وتعالى) يقول:( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا (١٥)) فإذا بعث الرسل ، وأعلموا الناس بالرسالات ، وبشروا وأنذروا ، لا حجة لأحد بعد ذلك.
وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَـٰهَا تَدْمِيرًۭا ﴿16﴾
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِنۢ بَعْدِ نُوحٍۢ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًۭا ﴿17﴾
(أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا) هذا بمعنى: أمرته فعصاني حين تقول: لِمَ تعاقب فلان؟ أعاقبه لأني أمرته فعصاني ، فكذلك أمرناهم ففسقوا أي أمرناهم بالطاعة ففسقوا ذاك معنى (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟) أي أمرناهم بطاعة الله ففسقوا بدلا من الطاعة ، فحق عليها القول ذاك معنى (آمرنا مترفيها ) كثّرنا العدد أمِرَ أمْره: كثر أمره وعظُم وانتشر ، أمر أمر بني فلان ، أمر أمر اب فلان (آمرنا مترفيها ) أي كثّرنا العدد وأمددناهم بالنعم الوفيرة فأبطرتهم (آمرنا مترفيها ) المترفين: المنعمّين من التُرفة: النعمة والشيء المستحسن والمستحب والمستلذ ، ترف الرجل: تنعّم فأبطرته النعمة ، ترف: تنعم ، فالمتنعم هو المترف ، المترفين: الذين أفاض الله عليهم بالنعم الكثيرة فأبطرتهم النعمة فتفاخروا وتكاثروا وافتخروا واستكبروا وتكبروا وتجبروا ، واستخدموا النعمة فيما لم تُخلق لأجله ، وفسقوا ، (آمرنا مترفيها ) أمرناهم كثّرنا عددهم وانتشر الفسق والفجور ، فحق القول على أهل القرية فدمّرهم ، (أمّرنا مترفيها) سلّطنا المترفين الأشرار عليهم (لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوْفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسَلِطَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ وَيَدْعُو خِيَارُكُمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ) ، (أمّرنا مترفيها) أي سلّطنا الأشرار عليهم ، أو (أمّرناهم) جعلناهم أمراء ، فَيُؤَمَّر ربنا الملوك والرؤساء الفسقة الفجرة ،( فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَـٰهَا) التدمير: الإهلاك مع طمس الأثر ، الفرق بين التدمير والإهلاك: الإهلاك إهلاك ومحو مع بقاء الأثر ، أما التدمير: فهو الإهلاك مع طمس الأثر ، كأن لم يكن هناك شيء ، (فَدَمَّرْنَـٰهَا تَدْمِيرًۭا (١٦)) قال العلماء في هذا: الفسقة أو المترفين الذين أمرهم الله فعصوا ، أو آمرهم أي كثرهم أو أو أمّرهم فسلطهم وساروا أمراء هم فسقوا ، فلم دمّر الله أهل القرية؟ هل كل أهل القرية من المترفين (وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا) كلها القول؟ (فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَـٰهَا تَدْمِيرًۭا (١٦)) قالوا: الأغنياء والمترفون وأصحاب النفوذ وأصحاب السلطان قدوة ، وعامة الناس إذا انعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم ، قلدوا الرؤساء وقلدوا الأثرياء ، وساروا على دربهم فهُم لهم في الفسق تبع ، فحق عليهم القول فدمّرهم الله مع من دمّر ، وانتبه للمعنى وانتبه لما نراه ، انتبه للمعنى وانتبه لما نراه ، فتصفيف الشعر والوشم الذي اخترع حديثا ، ولا زالت الإعلانات تترى في الصحف ووسائل الإعلام عن مراكز التجميل والوشم والتبديل والتعديل لا يقدر عليه إلا المترفون ، فإذا رأى الفقراء ذلك أحبوا أن يقتدوا بهم ويقلدوهم ، وكلما رأى الفقير شيئا في وسائل الإعلام ، كلما أحب أن يحظى به ، ويحصل عليه ، الكلام كثير ويضيق صدري ولا ينطلق لساني ، المانع للاقتداء بالمترفين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو وجود الدعاة ووجود الدين ظاهراً في حياتنا ، أما إذا غاب الدين ، واحتجب الدعاة وامتنع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، سار الكل في ركاب المترفين الذين يملكون الثروة والنعمة ، والقدرة على فعل ما يشاءون ، والناس لهم في ذلك تبع يحاكون فعلهم ، وانظر إلى الملابس التي يرتديها المترفون والمترفات إذا ظهرت ، فتلك صفة هذا العام ، أو ما يجب ويُستحب في هذا الموسم ، وإذا بكل الناس في كل مكان يلبسون نفس الملابس ، إذا ظهر المترف وقد أطال شعره ، ترى الفقير المستجدي قد أطال شعره ، إذا ظهرت المترفة وقد انحسرت الثياب عن فخذيها ، إذا بالفقيرة غير القادرة التي لا تجد مأوى لها قد انحسرت ثيابها أيضا عن فخذيها وهكذا ، وأنتم ترون الآن في دنيانا وعصرنا هذا ، كيف تكون سلطة المترفين بالإعلام ، معه من النقود ما يستطيع به أن يشتري صحائف كاملة وصفحات كاملة ، فينشر فيها ما يشاء ، ودقائق وثوان ووقت في الإذاعات المرئية والناس مشدوهة من الطفولة إلى الكهولة ، الكل ينظر إلى هذا الذي يراه أمامه ويتمناه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فقد سألت أم المؤمنين " زينب بنت جحش " رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قائلة يا رسول الله : ( أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ) هذه الإجابة تبيّن لنا لم أهلكت القرون الأولى وتشرح لنا قول الله (عز وجل): (وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَـٰهَا تَدْمِيرًۭا (١٦)) ما من قرية إلا وفيها الصالحون وفيها الطالحون ، فيها الطائع وفيها العاصي ، والكافر والظالم ، والمشرك يستحق التدمير بعد الإنذار حيث قضى الله (تبارك وتعالى) بإرادته ألا يعذب أمة إلا بعد أن يبعث إليها رسولا (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا (١٥)) من فضله من إحسانه ، إذ لو أرد أن يهلك الناس جميعا بغير إنذار لكان ذاك منتهى العدل فمن حكم فيما ملك فما ظلم ، وقد قال هو (عز وجل) بنفسه: (قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ (١٧)) [سورة المائدة آية: ١٧] ، فلو أهلك الناس جميعا ما كان ذلك ظلما ، فالله (تبارك وتعالى) ليس بظلام للعبيد ، بمعنى أنه ليس بذي ظلم أصلا ، فمهما فعل لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون ، وأفعال الله (تبارك وتعالى) تُصان عن العبث ، ولا تخلو من الحكمة ولا تُعلل بالعلل والأغراض ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فقضى بفضله ومن إحسانه ألا يعذب أمه إلا إذا عصت رسولها ، فهو يرسل الرسل مبشرين ومنذرين ، من آمن وأصلح فجزاؤه الحسنى ، ومن كفر وأفسد فجزاؤه النار ، لكن السؤال الذي يثور إذا كان هناك المفسدون المستحقون للإهلاك والتدمير فهناك الصالحون الذين يستحقون الرحمة: هناك حالتان: حالة يقل عدد الصالحين لكنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في هذه الحالة ينجي الله ، (تبارك وتعالى) الصالحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر مصداقا لقوله (عز وجل) حكاية عمن كان قبلنا: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌۭ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا ۖ قَالُوا۟ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ (١٦٥)) [سورة الأعراف آية: ١٦٤- ١٦٥] تلك حالة، الحالة الأخرى: أن يقف الصالحون موقفا سلبياً من معاصي وفساد المفسدين كل يقول عليّ نفسي لا شأن لي ما يدور ، طالما عصمت نفسي فلا شأن لي بغيري ، فيمتنع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهنا لا ينجو الصالحون أبداً ، بل يهلكهم ربنا (تبارك وتعالى) مع المفسدين ، وذاك لأنهم توقفوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو من الوجبات الشرعية ، وقد لُعن بنو إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم كما حكى ربنا (تبارك وتعالى) بقوله وحدد السبب: (لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍۢ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ (٧٩)) [سورة المائدة آية: ٧٨ - ٧٩] ، والأحاديث واضحة وصريحة (لَتَامُرُنَّ بِالْمَعْرُوْفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيَعُمَّكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ) (لَتَامُرُنَّ بِالْمَعْرُوْفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسَلِطَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُم وَيَدْعُو خِيَارُكُمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ) من هنا كانت الحالة الثانية وهي توقف الصالحين عن النهي عن المنكر ، وقد نبّه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للنهي عن المنكر وحدد له مراحل ثلاث أو درجات ثلاث: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ) بل وليس بعد ذلك من الإيمان شيء ، مقاومة المنكر باليد تلك مهمة الحكام ، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ومهمة كل من يملك كالرجل في بيته مع امرأته وأولاده ، كل إنسان سلطانه يجب عليه أن يمنع المنكر بيده ، أما النهي عن المنكر باللسان ، فذاك مسئولية العلماء أولاً ، ثم هي مسئولية كل مسلم ، إذ يجب على المسلم أن ينصح ، وقد بايع الصحابة رسول (صلى الله عليه وسلم) على النصح لكل مسلم ، بايعوه على النصيحة وحين سألوا لمن؟ قال: (لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ) إذاً فالنهي عن المنكر واجب على كل مسلم ، إما باليد في سلطانه ، وإما باللسان لمن يملك أن يتكلم معه ، وإما بقلبه إذا لم يستطع أن يمنع بيده ، إذ أن الأمر خارج سلطانه ، أو لم يستطع أن يتكلم أو ينصح ، في هذه الحالة وجب عليه أن ينكر بقلبه ، وقال العلماء: الإنكار بالقلب أن يقول "اللهم إن هذا منكر لا يرضيك" ويغض الطرف ويبتعد قدر جهده ، إذ إن المسلم أو الصالح مهما كان على درجة من الصلاح إذا جلس في مجلس الفسق أو الفجور عمّه الله بالعذاب ، وقد نهى ربنا (تبارك وتعالى) المؤمنين عن مجالسة المنافقين وهدد بقوله: (إِنَّكُمْ إِذًۭا مِّثْلُهُمْ ۗ ) [سورة النساء آية: ١٤٠] ، وقال لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم): (وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٦٨)) [سورة الأنعام آية: ٦٨] ، من هنا حين يقول الله (تبارك وتعالى) (وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) على المعاني المختلفة لكلمة أمرنا وآمرنا وأمّرنا (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) المتنعمين (فَفَسَقُوا۟ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ) على أهل القرية جميعا بما فيها من صالحين ، قيل لأنهم لم يتناهوا عن المنكر ، توقفوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقال بعض العلماء: المتنعون قدوة ومَثَل وطبيعة الإنسان ، الطبيعة البشرية أن يطمح وأن يطمع في الزيادة من نعيم الدنيا ، يتطلع ، فمن ليس عنده المال يتطلع إلى المال والآخر يتطلع إلى الجاه والآخر يتطلع إلى المسكن الواسع والحدائق الغنّاء ، والآخر يتطلع وهكذا طبيعة البشر ، ولذا نبّهنا ربنا بقوله: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ) [سورة طه آية: ١٣١] ، إذاً فإذا انتشر الفساد في وسط المترفين المتنعمين ، وحاول الآخرون أن يقلدوهم فيما هم عليه ، هلكوا معهم سواءً أَوَصلوا لذاك أم لم يصلوا ، فليس كل متمنٍ يجد متمنّاه ، وليس كل أحد يلقى ما يهواه ، من هنا نجد أن الآيات التالية معبّرة بإعجاز غاية التعبير عن الموقف الذي يمكن أن يشاهده كل متأمل متدبر ، واسمع: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِنۢ بَعْدِ نُوحٍۢ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًۭا (١٧)) إذاً هي سنّة ، سنّة الله في خلقه ، قرية قرون ، أقوام يرثون أقواما ودول بعد دول ، وأناس بعد أناس ، يرسل الرسل للتبشير وللإنذار نجا من نجا وهلك من هلك ، فإذا اجتمعوا على الفساد هلكوا ، وإذا فسد المتنعمون وسكت الآخرون ، هلك الجميع ، وهذا تكرر وتعدد منذ نوح الأب الثاني للبشر ، منذ الطوفان حيث أهلك الله الأرض وما عليها ، ولم ينج سوى نوح ومن أمن معه ، حتى البهائم أُهلكت ، حتى الطيور أُهلكت ، حتى النبات اقتُلع ، كل ما على الأرض أُهلك: الكفار الدواب الوحوش الحشرات فلم يخرج نوح إلا بفئة قليلة لقول الله: (وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ (٤٠)) [سورة هود آية: ٤٠] ، وقال له: (ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ ) [سورة هود آية: ٤٠] ، أما باقي المخلوقات دُمرت ، ولله أن يفعل ما يشاء.
أيها الأخ المسلم: في الزمن الماضي كان المتنعمون إذا فسقوا انحصر فسقهم في مجتمعهم في قصورهم في بيوتهم ، فلم ير الآخرون شيئا قد يسمعون من الخدم من الحشم من الحرس لكنهم لا يرون شيئا ، حين خرج فسق المتنعمين على الملأ اختلف الوضع والإشارة لهذا جاءت في قوم عاد حيث قال الله لهم على لسان رسوله هود: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةًۭ تَعْبَثُونَ (١٢٨)) [سورة الشعراء آية: ١٢٨] ، والريع: المكان المتسع الميدان ، والآية البناء الصرح المدهش المزخرف (تَعْبَثُونَ (١٢٨)) إذا فقد كان الناس يشاهدون ما يحدث ، من هنا حدث التدمير ، في زماننا هذا للأسف الشديد نرى وسائل الإعلام من صحف ومجلات وإذاعة مرئية على وجه الخصوص: برامج ومسلسلات وتصرفات لم تكن تخطر ببال ، ولو استيقظ أحد الأموات فرأى ما نراه لاعتقد أنه خارج مصر ، بل خارج أي دولة إسلامية ، ترون البرامج فيها الترفّه والتنعّم الفائق المتجاوز للحد ، والعري المتجاوز للحد ، وأستحيي أن أذكر أسماء البرامج ، ومنها برنامج - أعيد - لأحد الرجال الذين يطلقون عليه فنان ، وجاء بالفتيات من دول الكفر ، جاء بهن وعلمهن الرقص والخلاعة ، وكشف العورات كل ذلك نراه ويراه أولادنا ، ما هو الشعور وأنت ترى هذا؟ سل نفسك ، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ، هل تغلق الجهاز أم تستمرئ في المشاهدة ، يأتي بالفنانة ويسألها ثم يراقصها ، ثم يقبلها وتقبله ، ثم يأتي بالرقصات ، ثم يأتي بفلان الزوج والزوجة وكلام وحوار وتنعم وترفه هل تغلق؟ أم تواصل المشاهدة سل نفسك ، سل نفسك ، الإعلانات عن القصور والبيوت والقصور والسيارات هذا التنعّم الغريب للتسويق ، نحن لا تعترض ولكن نقول لو لم تملك ما تحصل عليه ، أتتطلع أم تحمد ربك على ما أنت فيه ، ليس لي سيارة أحمد الله (تبارك وتعالى) وأشكره على الصحة ، وعلى القدمين اللذين يحملاني حيث أريد ، أم أقول لماذا ولماذا هؤلاء ، ولم لا يكون لي ما لهم ماذا تفعل؟ ماذا تقول؟ كل ذلك يتضح بإعجاز وبإيجاز في قول العزيز الحكيم:
مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًۭا مَّدْحُورًۭا ﴿18﴾
وَمَنْ أَرَادَ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًۭا ﴿19﴾
كُلًّۭا نُّمِدُّ هَـٰٓؤُلَآءِ وَهَـٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴿20﴾
ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ وَلَلْـَٔاخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍۢ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًۭا ﴿21﴾
فقد علمنا مصير من تمنى الدنيا وأراد العاجلة ، وعرفنا أنه قد يحظى بما تمنى وقد لا يحظى بما تمنى ، د يحظى وقد لا يحظى ، والأمر مرهون بمشيئة الله (عز وجل) وبإرادته ، هلمّ بنا نرى من كان يريد الآخرة يقول الله (تبارك وتعالى): (وَمَنْ أَرَادَ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًۭا (١٩)) شروط ثلاثة وانتبه ، (وَمَنْ أَرَادَ ٱلْـَٔاخِرَةَ) الإرادة أي النية أي الرغبة في الآخرة ، أي في ما عند الله ، الآجلة والآخرة عند الله (وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا)، لم يقل سعى سعيها ، قال سعى لها ، وهذه اللام تفيد الإخلاص لتبيّن أن السعي لا بد وأن يكون بإخلاص ، (وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا) ذاك هو الشرط الثاني ، السعي بإخلاص ، سعى: عمل ، لها أي لا يريد سواها ، مخلصا في طلبها ،(وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ) ذاك هو الشرط الثالث ، إذاً فهي شروط ثلاثة: النية ، والعمل بإخلاص ، وأن يكون مؤمناً إذ أن الكافر لا يُقبل عمله في الآخرة بل يُوفَّى أجره في الدنيا ، (فَأُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًۭا (١٩)) مشكوراً من الله أي مثابا عليه غير مردود ، مقبولا مثابا عليه مشكورا من الله. (كُلًّۭا) أي كلاً من الفريقين: من أراد العاجلة ، ومن أراد الآخرة ، (كُلًّۭا نُّمِدُّ) الإمداد: الإعطاء مرة بعد مرة الزيادة ، كمن أمد الجيش ، أرسل إليه جيوشا ثم مدّه فأرسل إليه ، فالإمداد: الإعطاء مرة بعد مرة ، (كُلًّۭا نُّمِدُّ) أي نعطي هؤلاء وهؤلاء ، (مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ۚ ) من أراد الآخرة يعطيه ربنا في الآخرة ، ويُعد له ويجهّز له ويهيئ له في الآخرة ، لأنه يطلبها فإذا فالمطلوب في الآخرة ، فالمطلوب ، من سعى للآخرة أين هو مطلوبه؟ في الآخرة ، إذا فربنا يعد له ويزيد له ويكتب له ويجهز له ، ويهيئ له في الآخرة ، أما في الدنيا فيمده بأسباب الوصول إلى رضوانه: لم يكن يفهم معاني القرآن ، فيرزقه الفهم ، لم يكن يصلي القيام ، فيرزقه القيام ، فيوفّقه الله للمزيد من أعمال صالحة ترضى الله عنه ، أما من أراد العاجلة يمده الله ، يمده بما يريده طبقا ووفقا لمشيئة الله ، إذا لم يمد (كُلًّۭا نُّمِدُّ هَـٰٓؤُلَآءِ) كما قال في الآية السابقة: (عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ) إذا تمنى ولم يعِط شيء كيف يُمِّد؟ يُمد بالمزيد من الطمع ، بالمزيد من الطموح ، بالمزيد من الشهوة الغالبة التي تغلب عليه ، فيتمنى ثم يتمنى ويبيت ليله يتمنى ويتحسر على عدم حصوله على ما تمنّى ، (كُلًّۭا نُّمِدُّ هَـٰٓؤُلَآءِ وَهَـٰٓؤُلَآءِ) ذاك معنى ، وقد يكون المعنى: (كُلًّۭا نُّمِدُّ هَـٰٓؤُلَآءِ وَهَـٰٓؤُلَآءِ) من عطاء الدنيا ، أي نغني هذا ، ونغني هذا ، ونعطي هذا ، ونعطي هذا ، ونرزق هذا ، ونرزق هذا ، فربنا يرزق الكافر ، ويرزق المؤمن ، يرزق الطائع ، ويرزق العاصي ، كلاً منهم مرزوق برزق الله ، (كُلًّۭا نُّمِدُّ هَـٰٓؤُلَآءِ وَهَـٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ۚ ) في الدنيا ، (وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)) ممنوعاً ، حظر يحظر: منع والحظار: المانع (وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)) فما كان عطاء ربك ممنوعاً فهو يعطي الكافر ، ويعطي المسلم ويعطي الطائع ، وقد يحرم الطائع كما ورد في الحديث: (إِذَا سَأَلَنِي الْجَنَّةَ بِحَذَافِيْرِهَا أَعْطَيْتُهُ وَإِذَا سَأَلَنِي غِلَافَ سَوْطٍ لَمْ أَعْطِه ) يحميه ، ربنا يحمي العبد الصالح من الدنيا ، فيحرمه منها ويرزقه الرغبة في الآخرة ويعوّضه ، وأما الآخرين فيمد لهم ويعطي لهم ويستدرجهم ، وإذا رأيت الله منعماً على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أن ذلك منه استدراج.
(ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ ) في أي شيء؟ في الشكل في الجسم ، في الصحة ، في القوة ، في العقل ، في الغنى ، في الفقر ، انظر التفاوت في الدنيا ، من يمشي حافيا ، من لا يجد ما يدفئه ، من لا يجد ما يقيم أوده ، من لا يجد الطعام ، وهناك من يطعم الكلاب بطعام لو على أهل البلد لكفاهم ، (ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا) انظر القصور والبيوت ، الجزر الكاملة المملوكة لبعض الناس بما عليها من قصور وبيوت وأناس ، تفضيل ، هذا التفضيل لا يساوي شيئا إلى جوار التفاوت في الآخرة ، (وَلَلْـَٔاخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍۢ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًۭا (٢١)) كيف؟ أنت في الدنيا الكل يمشي على الأرض ، الكل ينام ، الكل يستيقظ ، الكل له عمر ، الكل ينال من رزقه ما كُتب له ، هناك تفاوت شديد نعم ، لكن هذا التفاوت أولا: غير مستمر ثانيا: هذا التفاوت في أمر زائل.
ثالثا: هذا التفاوت قد لا يدوم.
رابعا: هذا التفاوت قد لا يتمتع به المفضل ، فقد يكون غنياً ممنوعاً من الأكل ، أو ممنوعاً عن الحركة أو مشلولاً في فراشه ، وانظر إلى الآخرة ودرجاتها: الجنة درجات بين كل درجة ودرجة ما بين السماء والأرض ، ونار دركات كيف يكون التفاوت بين الجنة ودرجاتها ، وبين النار ودركاتها ، وذاك التفاوت كل يشعر بما فيه ، فالدنيا قد لا يشعر الغني بغناه قد لا يستمتع بماله ، أما الجنة فكل من دخلها استمتاع ، نعيم دائم غير منقطع ، عطاء غير مجذوذ لا مقطوع ولا ممنوع ، وفاكهه كثيرة ، لحم طير ما يشتهون ، حور عين ، كأمثال اللؤلؤ المكنون ، نعيم دائم ، وتفاوت غريب ، وأما في النار فهو الجحيم والعذاب الأليم ، ويقال له: ذق إنك أنت العزيز الكريم ، كما كنت تدعي ذلك في الدنيا ويُصب من فوق رءوسهم الحميم ، ولا طعام لهم إلا من ضريع ، ويأكلون من شجر الزقوم ، يملئون منها البطون ، ثم يشربون عليها من الحميم ، كشرب الهيم ، دركات وتفاوت في العذاب ، وإلى الأبد إن كان كافراً ، (ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ وَلَلْـَٔاخِرَةُ) اجعل نظرك للآخرة ، إذا رأيت التفاوت في الدنيا ، كي تمنع نفسك من الطموح ، الطمع أو التطلع ، تنبّه أن هذا التفاوت لا شيء ، أما التفاوت فهناك ، انظر ، انظر ، انظر (ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ وَلَلْـَٔاخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍۢ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًۭا (٢١)).
أيها الأخ المسلم: يقول (صلى الله عليه وسلم): ( كُوْنُوا مَنْ أَبْنَاءِ الْآَخِرَةِ وَلَا تَكُوْنُوْا مِنْ أَبْنَاءِ الْدُّنْيَا فَكُلُّ أُمٍّ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا ).
فقد بينت الآيات من سورة الإسراء موقف الناس ، وقسّمت الناس إلى فريقين: فريق يريد الدنيا ، وفريق يريد الآخرة ، الذين أرادوا الدنيا قد ينالون منها ما أرادوا وقد لا ، والفريق الآخرة من أراد الآخرة واستوفى الشروط: الإيمان ، النية الصادقة ، الإخلاص ، والعمل: (مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًۭا مَّدْحُورًۭا (١٨)) ، وبيّن لنا ربنا ، تبارك وتعالى، أن التفاوت في الدرجات في الآخرة تفاوت فوق الخيال ، ولكي تصل إلى علامات التفاوت انظر إلى التفاوت في الدنيا: في كل شيء ، في الجمال جمال فائق ، قبح فظيع ، صحة متناهية كاملة ، وسقم فظيع ، غنى وترف فوق الخيال ، وفقر مدقع ، تفاوت ، هذا التفاوت الكبير في الدنيا ، لا يقاس بالتفاوت في الآخرة ، إذ الدنيا عمرها قصير وخطرها حقير ، وزادها قليل ، ومهما اغتنى الإنسان لن يأكل أكثر من طاقته ، ولم يلبس أكثر مما يجب وهكذا ، أما في الآخرة فخلد ، خلود ودرجات ودركات ، التفاوت في الآخرة كبير ، لا يخطر ببال ، والسؤال عمن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ، نريد أن نكون منهم بفضل الله ، كيف السبيل؟ ما معنى سعى لها سعيها وهو مؤمن كيف السبيل؟ ما معنى سعى لها سعيها؟ ما هو السعي الواجب للآخرة؟ ذاك إجمال (وَمَنْ أَرَادَ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًۭا (١٩)) نحن نريد والنية موجودة قائمة ، والإخلاص بفضل الله متوفر ، نريد أن نعرف ما هو السعي المطلوب ، واسمع لم يدعك تتساءل أتاك بالجواب.
أولا: لا تجعل مع الله إلها آخر.
ثانيا: قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه.
ثالثا: بالوالدين إحسانا.
رابعا: آت ذا القربى حقه.
والمسكين وابن السبيل خامسا.
وهكذا درجات ، وهكذا بيّن لنا ربنا (تبارك وتعالى) السعي إلى الآخرة ، من أراد السعي إلى الآخرة ها هو الطريق ، ها هي المراتب هي المراتب ها هي الدرجات ، وبهذا الأسلوب تنصلح أحوال المجتمعات ، وينصلح حال الأسرة ، وينصلح حال المجتمع وينصلح حال الأمة الإسلامية ، هذه المبادئ والأخلاقيات والأوامر والنواهي ، التي جاءت في سورة الإسراء تفصيلا لما أجمله قوله (عز وجل): (وَمَنْ أَرَادَ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًۭا (١٩)) وهاك الطريق وبالترتيب وبالأولوية وانتبه وتأمل:
لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًۭا مَّخْذُولًۭا ﴿22﴾
وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّۢ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًۭا كَرِيمًۭا ﴿23﴾
وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًۭا ﴿24﴾
١- القضاء بمعنى الأمر: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ) أمر.
٢- القضاء بمعنى الحكم (فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ (٧٢)) [سورة طه آية: ٧٢].
٣- القضاء بمعنى الإرادة (وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (١١٧)) [سورة البقرة آية: ١١٧].
٤- القضاء بمعنى العهد (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلْأَمْرَ) [سورة القصص آية: ٤٤] ، قضينا إلى موسى الأمر: عهدنا إليه.
٥- القضاء بمعنى الفراغ (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ) [سورة البقرة آية: ٢٠٠].
٦- القضاء بمعنى الخلْق (فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍۢ) [سورة فصلت آية: ١٢] ،
إذاً فكلمة قضاء تأتي على وجوه ستة بمعنى الأمر ، الحكم ، الفراغ ، العهد ، الخلق ، القضاء بمعنى الإرادة ست وجوه بمعنى القضاء ، هنا بمعنى الأمر اللازم (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۚ ) أي وبالإحسان إلى الوالدين إحساناً ، أو وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحساناً (سبحانه وتعالى) قرن بعبادته بر الوالدين ، (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۚ ) وقرن شكره بشكرهما ، في قوله (أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ (١٤)) [سورة لقمان آية: ١٤].
مما يعني ويبيّن أهمية بر الوالدين ، (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ) "إما" "إن" الشرطية زيدت عليها "ما" تأكيداً فأصبحت "إما" ، (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ) أي في كنفك ، في رعايتك ، أو في كفالتك ، أو في بيتك (ٱلْكِبَرَ) كبر السن ، (أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّۢ وَلَا تَنْهَرْهُمَا) أصل كلمة أوف نفخ (فْ) بالفم على الغبار ، أو نفخ في الثوب ، نفخ القذى ، نفخ لإزالة الغبار أو الوسخ ، وأصبحت اسم فعل كما يقولون: بمعنى التأفف ، بمعنى التضجر ، بمعنى الملل وما إلى ذلك ، وكلمة "أف" فيها عشر لغات- ليس قراءات - (أفُ أفّ أفاً أُفَا أفِ أُفُ أُفَهْ أَفْ إفْ أُفْ) عشر لغات لكن القراءة قُرأت بثلاث قراءات (أُفِّ وأُفّاً وأُفٌ) بثلاث قراءات تقريبا ، (فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّۢ ) التضجر أو الملل أو الاعتراض ، مجرد نفح بالفم ، ذاك الذي نهى عنه الله ، فكيف بما فوق ذلك ، إذاً فالتأفف أو التضرر من أي تصرف يحدث ، الكبير في السن يكون له من التصرفات ما لا تكون للشباب ، ربنا (تبارك وتعالى) قال: (وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)) [سورة يس آية: ٦٨] ، فينسى بعد ما كان يتذكر ، يضعف بعد ما كان قوياً ، يقل نومه تقل شهيته ، يقل ذكاؤه ، تقل حركته ، وقد ، وقد ، وقد ، وقد يصاب بالمرض ويشعر الابن بأنه يلي من أمره ما كان الأب يليَهُ منه في صغره يغيّر ملابسه يغسّله يوضئه يسنّده وهكذا ، وقد يتضرر الابن أو البنت من بعض التصرفات ، ولأدبه الشديد يقول أف ، كثرت طلباته ، كثرت طلبات الأب ، أو كثرت طلبات الأم فيتأفف الابن بقول أف إثم وذنب وعصيان لله ، (فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّۢ وَلَا تَنْهَرْهُمَا) النهْر: النهي بغلظة ، الزجر ، كيف فعلت ذلك ، لِمَ لمْ تفعل كذا ، النهر كأنك تزجر أو تنهى بشيء من الغلظة والشدة ذاك ممنوع النهر الزجر ، حتى مجرد كلمة "أوف" ممنوعة والأمر ، (وَقُل لَّهُمَا قَوْلًۭا كَرِيمًۭا (٢٣)) القول الكرم: حين سئل عنه بعض الأصحاب قال: القول الكريم هو قول العبد الذليل للسيد المالك ، العبد الذليل المذنب الخاطئ إذا وقف أمام السيد المالك كيف يتكلم ، ذاك هو القول الكريم. ليس بالقول فقط والفعل: (وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ) جعل للذل جناحا ، وأمر بخفض هذا الجناح ، أو بمعنى واخفض جناحك والإضافة للمبالغة ، (جَنَاحَ ٱلذُّلِّ) والذل: ذل يذل ذلا منتهى الضعف ، منتهى الافتقار ، منتهى ما تعنيه الكلمة ، وقُرئت " جناح الذِلِّ" من قولهم دابة ذلول منقادة سهلة الانقياد ومستكينة ، ذلّل الله لنا ما في الأرض وذلّل البهائم ، جعل لنا الأرض ذلولاً مذللة فقُرئت (الذِلِّ) بمعنى الاستكانة والضعف والخضوع والطاعة وكل ما تعنيه الكلمة ، (وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ) إذاً يجب أن يكون الفعل ناشئ من الرحمة ، لا رياءً ولا نفاقاً ، ولا لكي لا تُحرم من الميراث أو أو إلى آخره بلا غرض ، خفض جناح الذل من الرحمة تتذكر كيف رحماك في صغرك ، وهما الآن محتاجون إلى من كان أفقر خلق الله إليهما ، (وَقُل لَّهُمَا قَوْلًۭا كَرِيمًۭا (٢٣)) أمر آخر (وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ)، (وَقُل لَّهُمَا قَوْلًۭا كَرِيمًۭا (٢٣)) أيضا ، إذاً فالمطلوب القول الكريم ، التواضع ، الاستكانة ، الطاعة ، أن ينبعث ذلك من الرحمة هل يُكتفي بذاك؟ أبداً لا بد من الدعاء أيضا ، لا بد من الدعاء كذلك ، يأمرنا ربنا أن ندعو لهما (فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّۢ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًۭا كَرِيمًۭا (٢٣) وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ) (وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًۭا (٢٤)) أي حقق وعدك يا الله معهم فأنت ترحم من عبادك الرحماء ، وقد رحمني أبواي في صغري فارحمهما في كبري ، وارحمهما في الآخرة كما رحماني في صغري إذ أنك ترحم من عبادك الرحماء ، (وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًۭا (٢٤)) والآية تبين أن البر بالوالدين واجب في كل الأعمار ، خص حالة الكبر بالذكر لأنهما في كبرهما يحتاجان للرعاية والعناية ، أما الأب إن كان شاباً قويا ويرتزق وغير محتاج فلا يشعر بعقوق الابن ولا يؤثر فيه قوته وشبابه قد لا تجعله محتاجا لبر الابن ، أما في حالة الكبر فالوضع يختلف ، في حالة الكبر أشد احتياجاً لبر الابن ، من هنا خصها بالذكر ربنا (تبارك وتعالى) خصها بالذكر ، إذاً فالنهي عن التأفف والتضجر مهما حدث ، قد يبول الأب على نفسه ، قد تقضي الأم الحاجة في فراشها وهي مشلولة ، ويأتي الابن أو البنت يغيّر الملابس ويغسل وينظف ، إذا تأفف أثم ، إذا نهى: لم مكثت ، لِمَ لمْ تقم إلى الحمام ، لمَ لمْ تنادي عليّ؟ ذاك هو النهر (وَلَا تَنْهَرْهُمَا) لم لم ْ توقظني ، لِمَ لم تناد علي وهكذا ، (وَقُل لَّهُمَا قَوْلًۭا كَرِيمًۭا (٢٣)) بمناسبة وبغير مناسبة: كيف أصبحت يا أبت؟ أتريد شيئا؟ أنا خادمك المطيع ، أرجوك ارض عنّي ادع لي بخير وهكذا ، القول الكريم المستمر آناء الليل وأطراف النهار ، (وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ) إذا جلست فلا تجلس جلسة المتمكن واضعا ساقا على ساق ، جلسة المتمكن ، أنت تنفق وأنت القوي وأنت رب البيت ، وهم في كبرهما في ذلة في استكانة وضعف ، أبدا لا بد وأنت تعتبر نفسك عبداً لهما مِلْك يمين أو أسير لديهم ، (وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا) الدعاء المستمر ، (وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًۭا (٢٤)) الإنسان إذا سمع هذه الآيات يضطرب وترتعد منه الفرائص ، الأوامر شديدة والنهي مؤكد ، والإنسان بشر خطاء قد تفلت منه كلمة ، وقد يبدر منه تصرف ، وقع هلك ، هلك؟ نعم ، كيف؟ لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: (مَنْ أَمْسَى مُرْضِيَا لِوَالِدَيْهِ وَأَصْبحَ أَمْسَى وَأَصْبحَ وَلَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إِلَى الْجَنَّة ، وَإِنْ وَاحِدَاً - أبا أو أما - فَوَاحِدَا ، وَمَنْ أَمْسَى مُسْخِطَاً لِوَالِدِيهِ أَمْسَى وَأَصْبحَ وَلَهُ بَابَانِ مَفْتُوْحَانِ إِلَى جَهَنَّمَ وَإِنْ وَاحِدَاً فَوَاحِدَا) ما العمل؟ رحمة الله واسعة ، من هنا تداركنا برحمته وبسعة عفوه (عز وجل) فقال:
رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا۟ صَـٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلْأَوَّٰبِينَ غَفُورًۭا ﴿25﴾
( فقد ذهب رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول يا رسول الله إن أبوي بلغا من الكبر ما أليَ منهما ما وليا مني في صغري فهل جزيتهما؟ - الأبوان في حالة الكبر ، والابن يقوم بالتصرف معهما كما كانا يتصرفان معه في صغره ، لك أن تفهم كيف كان تصرف الأب والأم مع الطفل في صغره ، أصبح الأب والأم الآن كالطفل في صغره ، والابن يفعل ويلي من أمرهما ما وليا من أمره في صغره فيتساءل: هل جزيتهما يا رسول الله ، قال: ( لَا إِنَّهُمَا كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ وَيُحِبَّانِ بَقَاءَكَ ، وَأَنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَتُرِيْدُ مَوْتَهُمَا ) ، حقا إذا كبر الأب أو الأم ومرض واحتاج للخدمة وما إلى ذلك ، يقول الابن ربنا (تبارك وتعالى) يتولاه يرحمه ، يتمنى للأب أو الأم الموت ، لكن الأم مهما ولدت طفلا مشوّها معاقا ، مهما كان فيه من العيوب ماذا تفعل؟ تتمنى الموت له ، أم تحمله ولو كان عظاما على رأسها ، وتذهب به إلى الطبيب هذا ، وإلى الطبيب هذا ، وتفعل وتسهر ، والأب كذلك ، ينفق كل ما يملك على ذلك الابن الذي لا أمل فيه ، إذاً فهما يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك ، وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما ، الأم يجب أن تنال من البر والرعاية والحب ثلاثة أضعاف ما يناله الأب ، حيث: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أَبُوكَ) فقال العلماء: ثلاثة أضعاف لأنها تتحمل ثلاثة أمور لا يشاركها فيها الرجل: الحمل ، الولادة ، الرضاعة ، ثلاثة أمور لا يشاركها فيها الرجل ، لذا كان لها من الحب ثلاثة أضعاف ما للأب، ذهب رجل لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكانت الصحابة تبحث عن أفضل الأعمال ، أحب الأشياء إلى الله ، فمن قائل أي شيء أحب أو (أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) إذاً بر الوالدين أولى وأهم من الجهاد ، بر الوالدين بعد الصلاة التي هي عماد الدين ، ويكفي أن القرآن بيّن أن بر الوالدين مقرون بعبادة الله ، وشكرهما مقرون بشكره ، ( وَذَهَبَ رَجُل يبحث عن بر أبويه حتى بعد الممات ، فقال يا رسول الله: هل بقي من بر أبويّ بعد موتهما شيء أبرهما به؟ قال: نَعَمْ: - وانظر إلى الناس كيف يبحثون عن الطريق وعن الصلاح وعن العمل الطيب ، قال: نَعَمْ: الْصَّلَاةُ عَلِيْهِمَا ، وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا ، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا ، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهُمَا ، وَصِلةُ الْرَّحِمِ الّْتِي لَا رَحِمَ لَكَ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِمَا) هذا الذي بقي عليك ، ويلفت النظر كلمة: (إِكْرَامُ صَدِيقِهُمَا) هذه الكلمة تلفت النظر ، لأن الكثير من الأبناء يتغافلون عن صلة أصدقاء الأب بعد موته ، أو صلة أصدقاء الأم ، وكان النبي الله ، صلى الله عليه وسلم، يصل أحباب وصديقات السيدة خديجة ، فيصلهن ويرسل إليهن بالهدايا ويقول (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ ) بعد أن يولي ، كذلك يقول الصحابة ويروون الأحاديث كثيرة كلها عن ابن مسعود وابن عمرو ، وابن عمر وكلها من مسلم ومن البخاري الأحاديث صحيحة واسمع بعضها دون إطالة بذكر السند ( جاء رجل إلى رسول (صلى الله عليه وسلم) يستأذنه في الجهاد فقال: ( أَحيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَفِيْهِمَا فَجَاهِدْ ) رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وذهب رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يبايعه على الهجرة ، وترك أبويه يبكيان ، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم): ( اِرْجِعْ فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا ) رواه البخاري عن عبد الله بن عمر ، ولذا قال العلماء لا يصح للولد أن يذهب للجهاد بغير استئذان أبويه ، فإن منعاه امتنع ، ما لم يكن الجهاد متعيناً ، بمعنى الجهاد فرض كفاية يجاهد البعض ويبقى البعض (وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةًۭ ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍۢ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌۭ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)) [سورة التوبة آية: ١٢٢] ، فإذا كان الجهاد فرض كفاية ، لا يخرج المسلم إلى الجهاد إلا برضا الأبوين معاً ، أما إذا تعيّن بمعنى هو مطلوب بالذات بالاسم ، فلا استئذان فيه ، قيل إن كان الأبويين مشركان؟ اختلف العلماء: بعضهم قال يستأذن والبعض قال لا يستأذن ، أسماء بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ورضي الله عنها كانت لها أم مشركة في ذلك الوقت وهي ليست أم عائشة التي أسلمت قديما قديما واسمها أم رومان ، أما أم أسماء فهي امرأة أخرى فهي ليست شقيقة لعائشة ، هما أختان لأب ، أم أسماء كانت مشركة في البداية وحين تعاهد رسول الله مع قريش في المدة والعهد وكف القتال ، جاءت أم أسماء إلى المدينة فتحكي أسماء وتقول (أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) آصِلُهَا قَالَ نَعَمْ ) (قَالَ نَعَمْ ، صِلِي أُمَّكِ ) وقالوا كلمة راغبة أي راغبة في صلتي ، وقيل بل راغبة عن الإسلام ، كناية عن كونها مشركة ، لأن الله (تبارك وتعالى) يقول: (لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ (٨)) [سورة الممتحنة آية: ٨].
ونزلت هذه الآية بخصوص حادثة أسماء ، والصحابة يجلسون يوماً ويسمعون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ قِيلَ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ) ويقول (صلى الله عليه وسلم) (رَغِمَ أَنْفُ: مَنْ ذُكِرتُ عِنْدَهُ وَلَمْ يُصَلِّ عَليّ ، رَغِمَ أَنْفُ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ ، رَغِمَ أَنْفُ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ).
فقد جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) والقصة يرويها جابر بن عبد الله وإن لم ترد في كتب الصحاح لكنها وردت في بعض الكتب يقول جابر: ( جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله إن أبي أخذ مالي قال: (فَائتِنِي بَأَبِيْكَ) فنزل جبريل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول يا محمد إن الله يقرئك السلام ، ويقول لك إذا جاء الشيخ فاسأله عن قول قاله في نفسه ما سمعته أذناه ، فلم يلبث إلا قليلا وجاء الابن بأبيه ، فقال له النبي للرجل للأب: (مَالُ اِبْنِكَ يَشْكُوْكَ أَتُرِيدُ أَنْ تَأْخُذَ مَالَهُ؟) قال سله يا رسول الله: هل أنفقه إلا على إحدى عماته أو خالاته أو على نفسي ، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) (إِيْه دَعْنَا مِنْ هَذَا ، أَخْبِرْنِي عَنْ شَيْءٍ قُلْتَهُ فَيْ نَفْسِكَ لَمْ تَسْمَعُهُ أُذنُاكَ) ، فقال الرجل: والله يا رسول الله ما زال الله يزيدنا بك يقينا ، لقد قلت شيئا في نفسي ما سمعته أذناي ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (قُلْ وَأَنَا أَسْمَعُ) فأنشد الرجل:
غذوتك مولودا وعلتك (ومنتك) يافعا تغل بما أجني عليك وتنهل
الرجل يتكلم عما فعله مع ابنه ، غذوتك الغذاء ، أنفقت عليك وأطعمتك مولوداً رضيعا ، ومنتك: مؤنتك وأعطيتك يافعا شابا ، تُغَلُّ بما أجني عليك ، بعملي وكسبي وتعبي تغل تأتيك الغلة والرزق وتنهل تشرب وتروى وتطعم
إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا ساهراً أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني فعيناي تهمل
ليلة من الليالي تعبت أم سخنت مرضت ، لم أبت طوال الليل إلا ساهرا لا يأتيني النوم أتململ وأتقلب على فراشي ، كأني المريض ولست أنت المريض ، وعيناي تدمعان وتذرفان
تخاف الردى عليك نفسي وإنها لتعلم أن الموت وقت مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المصاحب يفعل
فأوليتني حق الجوار ولم تكن علي بمالي دون مالك تبخل
فحينئذ أخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) بتلابيب الولد وقال: (أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ) ، بر الوالدين يطول فيه الحديث ولا ينتهي ، عقوق الوالدين أفظع ما يمكن أن يرتكبه إنسان على وجه الأرض ، بعد الشرك بالله ، الوالدان قد لا يدري الإنسان فضلهما إلا بعد فوات الأوان ، يكبر يتزوج ينجب يبدأ يعاني ما عاناه الأب ، فيتنبه لما كان يفعله أبوه ، فيحاول أن يتدارك ، وإذا بالأب قد مات فكيف؟ ، كيف يتدارك الأمر ، ونبينا (صلى الله عليه وسلم) يقول وينبّه: (إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ) أي إذا شتم رجل رجلاً آخر يا ابن كذا ويا ابن كذا ، رد عليه ، إذاً فقد أتى بالشتم لوالديه من الكبائر كالزنا ، كقتل النفس ، كشرب الخمر ، كالسرقة كالربا ، (إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ) ، وتخرج علينا وسائل الإعلام بالمسلسلات والمسرحيات والأفلام وفيها الشتم ، لا يشتم الرجل أبا الرجل بل يشتم نفسه أبا نفسه ، يشتم أباه ويشتم أمه ويتضاحك الناس على ذلك. أيها الأخ المسلم: الأم لها ثلاثة أضعاف العناية بالأب ، لها ثلاثة أرباع الحب ، والأب له الربع ، فقد حملت وولدت وأرضعت ، ثلاثة أشياء لا يشاركها فيها الرجل.
الآيات ترسم الطريق لكل من أراد الآخرة وسعى لها سعيها ، وتحدد معالم المجتمع الفاضل ، ولو اكتفينا بهذه المبادئ فقط ، ورُبّي الصبيان والفتيات في المدارس عليها من أول: (لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ) إلى آخر الآيات ، هذه التعليمات لو رُبيّ عليها شبابنا لكفى الأمة ذلك ، لا تشرك بالله ، (لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ)، ثم العبادة والطاعة وأداء الفرائض ، (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ) ثم الوالدين وبر الوالدين ، بعد ذلك تتسع الدائرة ويصعد السالك السلم درجة ، درجة بعد الوالدين ، الأقارب ، العائلة ، بعد الأسرة الصغيرة نواة المجتمع ، تأتي الأسرة الكبيرة فيقول الله (عز وجل):
وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴿26﴾
إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا۟ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ ۖ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورًۭا ﴿27﴾
(إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا۟ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ ۖ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورًۭا (٢٧)) ، (إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا۟ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ ۖ ) الأخوة هنا ليست أخوة النسب ، إنما الأخوة هنا أخوة الفعل ، أخوة الاشتراك في الهدف ، أو الاشتراك في الإحساس والشعور ، أو الاشتراك في النتائج ، الأخوة (إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌۭ) [سورة الحجرات آية: ١٠] ، أخوة الإيمان مشتركة في السعي والنية والهدف والمصير ودخول الجنة ، تبقى الأخوة (ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ (٦٧)) [سورة الزخرف آية: ٦٧] ، أخوة المبذرين للشياطين ما هي؟ كذلك هي أخوة مستمرة ، إخوة في الإحساس ، في الشعور في السلوك ، في الهدف ، في النتيجة ، (وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورًۭا (٢٧)) وهي تشرح ، هذه الكلمة ، تشرح الماضي ، الشيطان كان لربه كفوراً ، شديد الكفر ، مبالغ في الكفر ، مبالغ في كفره بنعمة الله (عز وجل) فكذلك المبذر مبالغ في كفران النعمة ، المال نعمة عدم تقدير النعمة بأن ترمى حيث لا يجب ، أن توضع حيث لا يجب ، ذاك كفران للنعمة ، والشيطان كان لربه كفوراً ، فكذلك المبذر إخوته للشيطان من حيث أنه كفر بنعمة الله ، فوضع المال حيث لا يجب ، أيضا أخوة المبذرين للشياطين في السلوك: الشياطين يفسدون في الأرض ويريدون الإفساد ، وكذلك المبذرين يفسدون في الأرض ويريدون الإفساد بتبذيرهم ، الشياطين مآلهم جهنم والمبذرون إخوان لهم في جهنم إذاً فهم مشتركون في المصير أيضا.
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍۢ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًۭا مَّيْسُورًۭا ﴿28﴾
فتوجّه الآيات المؤمن الذي أراد الآخرة وأراد أن يسعى لها سعيها توجهه إلى الوسطية السمحة المميزة للدين الإسلامي ، دين الوسطية (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا) [سورة البقرة آية: ١٤٣] ، فخير الأمور أواسطها يقول الله (تبارك وتعالى) بعد ما أمر بإيتاء الحقوق لذوي القربى والمساكين وابن السبيل ، ونبّه ونهى عن التبذير ، والتبذير وضع المال في غير موضعه ، ووضع الشيء في غير موضعه ، والتبذير قد يكون في المال ، وقد يكون في غير المال ، قد يكون في النصيحة: أن تنصح من لا ينتصح ، أن تضع القول السليم في المكان غير السليم وهكذا ، توجه الآيات النظر إلى الوسطية والقصد والاعتدال في الإنفاق:
وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًۭا مَّحْسُورًا ﴿29﴾
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًۭا ﴿30﴾
(إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًۭا (٣٠)) وهذه الآية غاية في الدقة في هذا الموضع ، وتشعر بمعان كثيرة ، وذاك قول العلماء ، منها ما قاله أحد العلماء: أن الآية تشعر بأن الله يقول لك إن الله يبسط تارة ، ويقبض تارة ، فتخلّق بأخلاق الله ، لا تقبض طوال الوقت ، ولا تبسط طوال الوقت رأي والآية تحتمل ، ومن قائل: إن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر لأنه هو العليم الحكيم الخبير ، يعلم متى يبسط ومتى يقبض ، فإن قبض ، قبض لحكمة ، وإن بسط ، بسط لحكمة ، أما أنت فلا تقبض ولا تبسط ، وكن وسطا بين ذلك رأي ، والآية تحتمل ،(إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ) يعطي بلا حساب (وَيَقْدِرُ ۚ ) ويضيق شدة الضيق ، (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًۭا (٣٠)) يعلم الظواهر ويعلم البواطن ، فإن ضيّق فبحكمة ، وإن بسط فبحكمة ، أما أنت إن جعلت يدك مغلولة وضيّفت فلغير حكمة وبغير حكمة ، وإن بسطت فلغير حكمة وبغير حكمة ، ذاك فعل الله يقبض الله يقبض ويبسط ، أما أنت فإياك معنى ، (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًۭا (٣٠)) إذا فمهما رأيت من فقير محتاج ، فلا تأخذك الشفقة به فتعطيه مالك كله ، وتقعد أنت ملوماً محسوراً ، لأن الله حين قبض عنه الرزق قبضه لحكمة ولحكمة ، وليبتليه بالقبض وليبتليك أنت أتنفق أم لا لكن ليس معنى ذلك أن تأخذك الرحمة والشفقة فتعطيه من الذي قبض؟ يقبض بحكمة ويقبض لحكمة.
فلا زلنا المسيرة، مسيرة الآيات التي ترسم لنا طريق الوصول إلى الرضا والرضوان، طريق الحصول على الأمن والأمان، طريق الوقوف تحت ظل الملك الديان.
(وَمَنْ أَرَادَ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًۭا ﴿١۹﴾) ، كيف يكون ذلك السعي، وما هو، وتأتي الآيات لترسم الطريق، والمتأمل في هذا الطريق لا يجد أنه طريق السعادة لسالكه فقط بل هو طريق الإصلاح الشامل العام للفرد والأسرة والمجتمع، طريق يكوّن أمة متماسكة متمالكة لجأشها ولعقلها، نهى عن الشرك ، أمر بالتوحيد، أمر بعبادة الله، تلك هي الحرية التي لا فوقها حرية، أن تشعر ألا سلطان لأحد عليك إلا لله، بيده حياتك، بيده موتك، بيده رزقك، بيده سعادتك، بيده حركتك وسكونك، تلك هي الحرية، تلك هي العزة، العزة لمن أحسها وذاق طعمها، الأمر ببر الوالدين، وهنا الأسرة والفرد، إذ ببركة دعاء والديه ينجو دنيا وأخرى، بر الوالدين، إيتاء ذي القربى، المساكين، ابن السبيل وما إلى ذلك، ثم تبدأ بعض المنهيات والمأمورات، ولو عددنا لوجدنا أن الطريق المرسوم فيه خمس عشرون خطوة، الأوامر والنواهي خمس وعشرون من أول قوله (عز وجل): (لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًۭا مَّخْذُولًۭا (٢٢)) [سورة الإسراء آية: ٢٢] إلى قوله (عز وجل): (وَلَا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ) [سورة الإسراء آية: ٣٩]، خمس وعشرون. تأمل:
ثلاثة عشر أمرا، واثنا عشر نهيا، فالكل خمس وعشرون، اعتادت العرب عبدة الأصنام على التشاؤم واعتبار البنت عاراِ يلحق بالأب، فهي أولا لا تتكسب، ولا تعمل بل هي عالة على الأب.
ثانيا: قد تتزوج وقد لا تتزوج، وإن تزوجت قد تغضب وقد تطلق، وهي وهي وهي، كل ذلك ناشئ من عدم الثقة بالله إذ أن الله (تبارك وتعالى) هو المدبّر وهو المتصرف وهو المهيمن وهو الرزاق وهو الستار وهو العفوّ هو الله، فعدم ثقة المشركين بالله جعلتهم يئدون البنات، فإذا ولدت امرأته بنتا وأدها، دفنها حية، تخلصاً من عارها المحتمل، أيضا عدم احتمال الإنفاق عليها خشية الفقر لذا يقول الله (تبارك وتعالى):
وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍۢ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْـًۭٔا كَبِيرًۭا ﴿31﴾
(وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍۢ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ ) [سورة الأنعام آية: ١٥١]، لا تقتلوا أولادكم من إملاق إذا فالخطاب للأب الفقير الذي يمنعه فقره من أن يتوقع ولداً جديداً لذا يخاطبه ربنا ويقول نحن نرزقك، رزقك علينا لا تخاف نحن نرزقكم وإياهم، فقدم رزق الآباء لأن الكلام عن الأب الفقير، لا تقتلوا أولادكم من إملاق حال كونكم فقراء، أما هنا في سورة الإسراء فالخطاب للمتيسر الأب الذي يجد ما يأكله والذي يجد رزقه، لكنه يخشى أن يشاركه في رزقه مولود جديد، من هنا يقول إن المولود الذي تخشى أن يشاركك في رزقك، أو يعرضك للفقر يأتي ويأتي معه رزقه، لأن الله هو الرزاق من هنا قدّم رزق الأولاد على رزق الآباء.
وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلزِّنَىٰٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةًۭ وَسَآءَ سَبِيلًۭا ﴿32﴾
وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًۭا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًۭا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًۭا ﴿33﴾
- القصاص، أن يقتل القاتل، وبنفس الكيفية التي قتل بها المقتول ظلما، فإن كان قد قتله بالسم، أعطاه السم يتحساه حتى يشعر بما شعر به المقتول، وإن كان قد قتله بالسيف قتل بالسيف وهكذا، وإن كان قد قتله بالخنق قتل خنقاً، لا بد أن يكون القصاص مماثل للجريمة، حتى يخشى الناس من ارتكاب ما يوقعهم في ذلك، وحتى يشعر الظالم بما شعر به المظلوم، فإن حبسه ومنع عنه الطعام والشراب أياماً وليالي وعذبه بالكي بالنار مثلا، وفعل وفعل ثم علقه من أقدامه حتى مات، إذا أردنا أن نقتص هل نضرب القاتل بالرصاص؟ فيموت في ثانية، أو في لحظة، هل تعلق له المشنقة؟ أبدا، يفعل به ما فعله بمن قتله ظلما بنفس الكيفية، إلا أن يكون الفعل حراما كأن يكون قد سقاه خمرا، سقاه خمرا وسقاه خمرا حتى مات فلا يصح أن نقتص بأن نسقيه خمرا، لأن شرب الخمر حرام، إذا فالسلطان إما القصاص بنفس الكيفية.
- وإما العفو: قُتل أبوه وقبض على القاتل وجاء فقال عفوت عنه من شأنه، إما العفو وإما الدية.
- وإما الدية: والدية معناها: التعويض المادي بدلاً من الدم، والدية رحمة من الله لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) لأن فيها حقن للدماء، ولقد كانت الأمم من قبلنا، أمة منع عليهم الدية، وكان لا بد من القصاص، لا يصح العفو ولا تصح الدية، وأمة تالية كان يجب عليهم العفو ولا تصح الدية، ولا يصح القصاص إذا ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر القصاص ممنوع والدية ممنوعة، العفو، فجاءت أمة محمد فأعطاها ربنا (تبارك وتعالى) الثلاث، إما القصاص، وإما العفو، وإما الدية، فهي خير أمة أخرجت للناس، من هنا يسمي ربنا (تبارك وتعالى) ذاك سلطانا، (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًۭا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًۭا) الولي: إما الذكر، فقط على رأي بعض الأئمة، وإما الولي: الوارث يدخل فيه الذكر ويدخل فيه الأنثى، ويصبح للأنثى الحق في المطالبة بالقصاص، ولها الحق في العفو، ولها الحق في أخذ الدية، أما إذا كان الولي ذكرا فقط على هذا القول فليس للنساء أو لعفوهن أثر، ولا لمطالبتهن بالقصاص أثر، (فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ ) الخطاب هنا للولي (جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًۭا فَلَا يُسْرِف) والإسراف: تجاوز الحد، كانوا إذا قتل منهم قتيل قتلوا به اثنين أو ثلاثة، كانوا إذا قتل لهم قتيل مثّلوا بالقاتل صلموا أذنه وجدعوا أنفه وبقروا بطنه وقطعوا يده، وما إلى ذلك، (فَلَا يُسْرِف) إذاً ربنا (تبارك وتعالى) ينهي المقتص الولي عن الإسراف بمعنى أن القصاص من جنس العمل والجريمة، فلا يصح أن يقتل أكثر من القاتل، ولا يصح أبداً أن يمثَّل بالقاتل، ولا يصح أبداً أن يزاد عن العدد أو عن المثلية في الفعل،(إِنَّهُۥ) أي الولي (كَانَ مَنصُورًۭا (٣٣)) لأن الله جعل له سلطانا، وأمر الولاة أن يقفوا إلى جواره ويناصرونه حتى يأخذ بحقه من ذاك الذي قتل قريبه أو أو (فلا تسرف في القتل) قراءة ويصبح الخطاب هنا للولي أي (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًۭا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًۭا) ثم يتحول الخطاب للولي، ( فلا تسرف) أيها الولي، أو ( فلا تسرف في القتل ) والخطاب للقاتل الأول، (وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ ) (فلا تسرف) أيها السامع في القتل، (إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًۭا (٣٣)) المقتول منصوراً في الدنيا بأن فرض الله له القصاص لورثته وأثابه في الآخرة، ثم عاقبك أنت كأنك قتلت الناس جميعا، فلا تسرف، وكأنه خطاب للقاتل كي يمتنع، وذاك رأي مرجوح، لأن الإسراف معناه تجاوز ( لا تسرف في القتل ) إذاً فله الحق في القتل المعتدل، ولا حق له في التجاوز، إذاً فهو رأي لا بد وأن يكون مرجوحاً، وقراءة (فلا تسرفوا في القتل) للولاة الحكام الذين يقومون بإحقاق العدل لا تسرفوا في الأخذ بالقصاص لا تسرفوا في القتل، لا تتجاوزوا الحدود التي حدها الله (تبارك وتعالى) (إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًۭا (٣٣)) من؟ الولي بما جعل الله له من سلطان، (إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًۭا (٣٣)) المقتول بأن جعل الله له القصاص في الدنيا، والثواب في الآخرة، وعقوبة القاتل، إذ يأتي المقتول يوم القيامة ودماؤه عليه تسيل، آخذ بتلابيب القاتل، ذاهباً به إلى الله تحت العرش، يقول: خذ لي حقي منه يا رب،( إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًۭا (٣٣)) المقتول ظلما بعد الاقتصاص أي من أسرف فيه (فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ إِنَّهُۥ) لو قتل زائدا على القصاص (إِنَّهُۥ) الذي تجاوزت أيها المقتص بقتله، قتل الرجل القاتل وابنه، الأب هو القاتل وأراد أن ينتقم فقتل الأب القاتل وابنه الابن ذاك الإسراف (إِنَّهُۥ) الابن (كَانَ مَنصُورًۭا (٣٣)) بأن يقتص مرة أخرى من القاتل المقتص ظلما.
الدماء وحرمة الدماء وخطورة القتل العشوائي، ونبينا (صلى الله عليه وسلم) يحدثنا عن علامات الساعة ويخبرنا أن من بين علامات الساعة الهرْج قال: ( وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ. قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: الْقَتْلُ الْقَتْلُ ) أي يكثر فيكم القتل، وحين يكثر القتل لا يعرف القاتل لِمَ قتل ولا يدري المقتول لم قُتل، وذاك بدأت مظاهره في الأمة الإسلامية، السيارات المفخخة من قتل فيها لم قتل؟ ومن فخخها وأعدها؟ أعدها لمن ولماذا؟ ذاك هو الهرج الذي أخبر عنه النبي (صلى الله عليه وسلم) ذاك هو الهرج، كثير من الجرائم حين تسمع عنها الآن لم تكن تسمع عنها من قبل، شاب يعاكس فتاة وفي رمضان فلا تستجيب له فلقي في وجهها بماء النار فيشوهها حادثة في الجرائد، في الجريدة الرسمية كيف؟! ما الذي دفعه لذلك؟! وفي رمضان؟!، وفي رمضان؟! ما الذي حرك غرائزه؟ وللرجل غريزة لا تتحرك من تلقاء نفسها لا بد من محرّك، النظر مثلا لذا قال الله (تبارك وتعالى): (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ) [سورة النور آية: ٣٠] فإلى أي شيء نظر الرجل؟ أكانت سافرة؟ عارية؟ فتنة طاغية لم يملك نفسه فنسي الصوم ونسي رمضان ونسي الملك الديان، هل تحتمل ذلك؟ قد، وما الذي جعلها تفعل ذلك في رمضان؟ من الذي رباها؟ من الذي علّمها؟ من الذي وجهها؟ أين السلطان؟ أم أن الرجل لم تثر غريزته بسببها، فقد كانت محتشمة مهذبة ممتنعة فأغاظه امتناعها كيف وما يراه حوله وما يعرض عليه ليل ونهار، ليس فيه تمنع ولا امتناع، ليس فيه حياء ولا خجل، عري، وعري، ورقص، وطبل، وزمر، ليس هناك امتناع، وذاك يقبل هذه، وتلك تقبل هذا في اجتماعات وفي حفلات وعلانية، ويراها الناس، مقدّم البرامج يأتي بالمستدعاة فتسلّم عليه ويقبلها وهكذا والتصوير، ولا امتناع ولا تمنع، ولا شيء، ما الذي جرى لهذه الفتاة لم لا تستجيب؟ لم تمنعت؟ فثارت غريزته، وثار جنونه، فقذفها بماء النار أهو ذلك؟ لا بد من علاج الأسباب علاجاً جذرياً، ليس بالقبض على القاتل، ونقل الفتاة في حالة سيئة إلى المصحات وانتهت وتشوه وجهها وضاع مستقبلها ، وانتهت بلا جريرة، بلا ذنب غير أنها لم تتعلم كيف تخرج، وكيف تمشي، وكيف تلبس، وهو ضاع دينه، وضاعت دنياه، وضاعت أُخراه، وضاع حاضره ومستقبله، وضاعت أسرته، ولزمه العار، لأنه لم يجد من يعلمه، من يربيه، من ينصحه، من يوجههه، لم يجد القدوة الحسنة ، وجد القدوة السيئة، وجد الدعارة تسمى بغير اسمها، وجد الزنا يباح ويصورَّ بصور شتى، وأشكال شتى، أين تأتي الأخلاق؟ كيف، (وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ ) ذاك قتل معنوي.
أربع شبان يختطفون فتاه تحت تهديد الأسلحة البيضاء نهارا كيف؟ حادثة من الحوادث واقرأوا الجرائد يوميا كيف ولماذا؟ كل ذلك قتل نفس قتل معنوي، تخيل الفتاة حتى لو أنقذت، حتى لو أدركتها الشرطة وأنقذت، كيف يكون إحساس هذه الفتاة بعد ذلك نحو الرجال عموما، نحو الزوج، نحو الأب ، نحو الابن، نحو الأخ كيف وغيرها وغيرها، كل ذلك أصناف من القتل والعياذ بالله، قتل نفس وقتل معنوي يؤدي إلى القتل الأكبر وهو قتل النفس بغير حق يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما يروى عنه محذراً ويشرح إن بعض الناس قد يعمل من الأعمال ما يؤدي به إلى الجنة ويذهب إلى الجنة ويقف على بابها فيمنع بملء محجنة من دم امرئ مسلم سفكه بغير حق.
اتقوا الله في أنفسكم رسول الله يحذر ويوصي في رحلة وداعه في حجة الوادع: ( فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) ويقول: (لَا يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ) مهما فعل فهو في فسحة من دينه يتوب ويتوب الله على من تاب ويغفر لمن أناب، (لَاْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا )، وقال ابن عباس: (أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة).
فلا زلنا مع مسيرة النور مع مسيرة الهداية مع مسيرة الإصلاح مع مسيرة السعادة يقول الله (تبارك وتعالى):
وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۚ وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًۭا ﴿34﴾
(وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ) الأمانة تربية الضمير، اليتيم لا يعرف قدر ماله، اليتيم لا يستطيع أن يقاوم مغتصب ماله، اليتيم لا صوت له، اليتيم لا ظهر له، اليتيم لا سند له، لكن الله وكيل لمن ليس له وكيل، ربنا ينهى ويبين ويختبر بعد ذلك، فمن أكل أموال اليتامى ظلما لا يأكل في بطنه إلا ناراً وسيصلى يوم القيامة سعيرا، (وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) والتعبير هنا أيضا (وَلَا تَقْرَبُوا۟) كالتعبير في النهي عن الزنا كيف؟ الزنا له مقدمات: النظر واللقاء والموعد والخلوة والقبلة واللمس وما إلى ذلك، ما هي مقدمات أكل مال اليتيم؟ الترخّص، معنى الترخّص: أن تستحقر ما تأخذ، أن تستحقر ما تحتسبه من تكاليف، إذا فعلت ذلك فتلك رخصة تترخصها، فكأنك تقترب تدريجيا من أكل المال، (وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) معنى "أحسن" أي الطريقة المثلى والحسنى التي تجعلك تقترب من ماله بحرص لاستثماره، كلمة "القرب" هنا أيضا تبيّن أنك مهما كنت سليم النية، قاصدا للخير فاحترس حين تنمي مال اليتيم وتستخدمه في تجارة، أو تشاركه فيها، فلا تقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، أي في الاستثمار والتنمية حتى لو فعلت ذاك فعليك بالاقتراب منه بحرص وحذر لا تأخذ كل المال فتتاجر به فتخسره مرة واحدة مثلا،(حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۚ ) يبلغ أشده معناها: أي يبلغ التصرف السليم، العقل الاتزان، أن يصبح قادراً على التصرف في ماله بحكمة، كما نصحنا ربنا (تبارك وتعالى) في موضع آخر: (وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًۭا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ ) [سورة النساء آية: ٦].
(وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًۭا (٣٤)) العهد: أمر الله لك عهد، حين أمرك بالصلاة عهد إليك، ألم تسمع إلى قول الله: (وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ) [سورة البقرة آية: ١٢٥]، إذا ً فقد كان الأمر عهداً، فكل أوامر ربنا (تبارك وتعالى) للإنسان عهود، وكل النواهي عهود ، (وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ ) ، (وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًۭا (١١٥)) [سورة طه آية: ١١٥]، ما هو العهد؟ إياك وهذه الشجرة، فكل أمر لله عهد، وكل نهي لله عهد، وأنت مسئول عن المحافظة على هذا العهد، وإياك والنقض وإياك والنكث، كما أن العهود بين الناس، وكل ميثاق وكل تعاقد بين الناس عهد، الجيرة وحق الجار عهد، حق الزوج على الزوجة عهد، حق الزوجة على الزوج عهد، حق الأب على ابنه عهد، حق الابن على أبيه أن يختار له اسما لا يعيَّر به بين الناس ولا يستهزئ به إلى آخره، الحقوق أن يختار له الرحم التي سوف يضعه فيها إلى آخره، كل تلك حقوق، ربنا يقول عن العهود هذه: (وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًۭا (٣٤)) من هو المسئول؟ صاحب العهد، إن العهد الإنسان كان عنه مسئولا، إن العهد كان مسئولا عنه، (إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًۭا (٣٤)) لذا قال العلماء: تحتمل الآية المعاني المختلفة: كل معاهد مسئول عن الحفاظ عن العهد بمعنى (إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًۭا (٣٤)) أي إن العهد كان مطلوبا أي مطلوباً منك الوفاء به،( إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًۭا (٣٤)) عنه المعاهد، (إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًۭا (٣٤)) يُسأل عنه من نكث، الناكت لم نكثت العهد (لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)) [سورة الأنفال آية: ٢٧]، لم نكثت، لم خنت، إذاً فكل معاهد وكل إنسان مسئول عن عهوده يوم القيامة لم نكث، وأرجح الأقوال وأقربها (إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًۭا (٣٤)) يؤتي بالعهد يوم القيامة بنفس العهد، يمثَّل ويُشخَّص ويجسد ويسأل: يا أيها العهد لم نُكثت ولم نُقضت ومن الذي نكثك ومن الذي نقضك؟ فيشهد العهد على من نكثه ونقضه، كما يفعل بالموءدة: (وَإِذَا ٱلْمَوْءُۥدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَىِّ ذَنۢبٍۢ قُتِلَتْ (٩)) [سورة التكوير آية: ٨- ٩].
فإن الأمانة أساس صلاح المجتمع وأساس "استقرار الأحوال وأساس الرخاء لكل الناس، والخيانة بئست البطانة، والغش يُخرج من الملة، وقال سيد الخلْق (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ غَشَنَّا لَيْسَ مِنَّا ) وقيل إن الكلام خرج مخرج التغليظ، أي أنه لم يخرج من الملة ولم يكفر لكن ليس على السنّة، وقال نبينا (صلى الله عليه وسلم) (أَدِّ الأَمَانَةَ لِمَنْ ائْنَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ)، كان يدعو ويقول: (اللَّهُمَّ إِنَّي أَعُوْذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ فَاِنَّهُ بِئْسَ الْضَّجِيعَ وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَة) ، وقد أهلكت أمة بكاملها من أجل الغش، وكان سببا رئيسيا لهلاكهم قوم شعيب حين جاءهم وأمرهم بأمر الله: (وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا۟ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)) [سورة الشعراء آية: ١٨٠- ١٨٣]، فما ارتدعوا وما انتصحوا فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم، بل ويحذر ربنا (تبارك وتعالى) في سورة ولها اسم غريب ملفت، المطففين سورة كاملة في القرآن يفتتحها ربنا (تبارك وتعالى) بقوله: (وَيْلٌۭ لِّلْمُطَفِّفِينَ (١) ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍۢ (٥) يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٦)) [سورة المطففين آية: ١- ٦]، إيفاء الكيل والوزن بالقسط من أهم الأمور التي اهتم بها القرآن، ونبّه عليها، واهتم بها سيد الخلق ، عليه الصلاة والسلام ، وشددّ في التنبيه فيها، إذ بهذه الأمانة في التعامل، يأمن الناس، تنتظم الأسواق، التجارات تربح، تروج التجارات، ويتعامل الناس بأمانة وثقة، فلا غش ولا خيانة، ترتفع الأمة، ويرتفع مستوى الأمة اقتصاديا، ويحدث الرخاء، ويتحول المجتمع من مجتمع العَوَزْ، إلى مجتمع الوفرة، ولا زلنا في مسيرة الإصلاح، في مسيرة الطالبين لرضوان الله، مجموع الأخلاق والأحكام والآداب، التي بها ينصلح حال الفرد وحال الأسرة وحال الأمة واسمع:
وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا۟ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًۭا ﴿35﴾
وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًۭا ﴿36﴾
وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولًۭا ﴿37﴾
كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًۭا ﴿38﴾
ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰٓ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًۭا مَّدْحُورًا ﴿39﴾
أَفَأَصْفَىٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنَـٰثًا ۚ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًۭا ﴿40﴾
(أَفَأَصْفَىٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنَـٰثًا ۚ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًۭا (٤٠)) قولا خطيرا عظيما في جرمه.
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُوا۟ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًۭا ﴿41﴾
ابتعادا وجرياً، كأنهم يهربون من ضرر، أو من شرر أو من شر، أو من حيه أو أسد،(وَمَا يَزِيدُهُمْ) هذا التصريف والبيان والحكمة والمنطق (إِلَّا نُفُورًۭا (٤١)) ابتعادا وبعدا عن الله (عز وجل) وعن الحق.
قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٌۭ كَمَا يَقُولُونَ إِذًۭا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًۭا ﴿42﴾
سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّۭا كَبِيرًۭا ﴿43﴾
(سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّۭا كَبِيرًۭا (٤٣))، (سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ)، (سبحانه وتعالى عما تقولون) قراءتان، (سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ) نزّه نفسه ، عز وجل، نزَّه نفسه عما لا يليق بجلاله وكماله، هو الذي نزه نفسه، (سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّۭا كَبِيرًۭا (٤٣)).
تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًۭا ﴿44﴾
فريق يقول: هذا التسبيح تسبيح دلالة، ليس تسبيح بالكلام أو بالقول أو تسبيح عبادة، إنما تسبيح دلالة، ومعنى الدلالة أنك إذا رأيت الشيء منتظما علمت أن له مدبّر منظم، فكأن الشيء يقول لك بحاله أنه مخلوق وأن له إله، لو نظرت إلى الأرض الميتة كيف حيت، كيف أنبتت، إلى الزهرة كيف تتفتح، إلى الألوان، إذا نظرت إليها دعاك ذاك أن تفهم أن الله موجود وأن الخالق موجود، فهذا التسبيح تسبيح دلالة يدل حالها على وجود الله، يدل حال الشمس في شروقها وغربها على وجود الله، ويدل حال القمر في شروقه وتحوله من هلال إلى بدر إلى محاق على ذلك وجود الله المدبّر، إذاً فكأنه يسبح بحمد الله، حاله يدل على وجود الله لكن لا ينطق ولا لسان له ولا لغة له، التسبيح تسبيح دلالة، ذاك قول.
القول الآخر: يقول التسبيح نوعان: تسبيح باللفظ بالكلام تسبيح عبادة، وتسبيح دلالة كل حي ونام يسبح بتسبيح الكلام واللفظ، وكل جماد يسبح تسبيح دلالة،(تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ ) من العقلاء، هؤلاء هم الذين يسبّحون، (وَإِن مِّن شَىْءٍ) بعد ذلك عموم (إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ) فلا تسبيح باللسان، وإنما تسبيح دلالة ذاك الرأي الأول (وَمَن فِيهِنَّ ۚ ) الكلام عن العقلاء (وَمَن) للعاقل للسموات والأرض، خاطبها خطاب العقلاء باعتبار ما فيها من ملائكة وإنس وجن، فهذه يسبح باللسان تسبيح عبادة، (وَإِن مِّن شَىْءٍ) جميع الأشياء بعد ذلك نبات وجماد وأرض وسائل وماء وما إلى ذلك، وسماوات وأرض ونجوم وشموس، تسبيحها تسبيح دلالة ذاك الرأي الأول.
الرأي الثاني: تسبيح المقال لكل حي إنس وجن وملائكة ونام كالزرع والشجر، أما الجمادات فتسبيح دلالة، ذاك الرأي الثاني، واستند هذا الرأي إلى أدلة غريبة منها (مَرَّ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم )يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ثُمَّ قَالَ بَلَى كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ وَكَانَ الْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا أَوْ إِلَى أَنْ يَيْبَسَا ) إذاً فالعسيب الأخضر يخفف لأنه يسبح، فإن يبس تحول إلى جماد فلا يسبّح، إذا فالجماد لا يسبّح إنما النامي هو الذي يسبّح، واستدلوا بالحديث على أمور كثيرة منها: أن القرآن على القبر ينفع، إذا كان تسبيح الشجر ينفع فكيف بتسبيح الإنسان، إذا كان تسبيح الشجر ينفع الميت ويخفف عنه عذاب قبره فما بالك بكلام الله، القرآن.
إذا كان تسبيح الشجر يصل ثوابه للميت، فكيف بثواب قراءة القرآن كلام الله، أمور كثيرة، ذاك رأي يقول: إن التسبيح تسبيح كل حي ونام تسبيح قول، أما الجمادات فلا تسبيح لها بدليل ذلك.
وهناك رأي آخر يقول: التسبيح تسبيح لفظ يا إخواني، التسبيح تسبيح كلام، كله يسبّح، أما أن هذه الشجرة تسبح لأنها نامية، وهذا العمود الاسطوانة لا تسبح لأنها جماد، شيء مردود، الكل يسبح، والكل له لغة، والكل له لسان، (وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ ) تدل على أن هناك تسبيح يُفقه، أنتم لا تفقهون لأن اللغة مختلفة.
رد عليهم الأولون الذين قالوا تسبيح دلالة قالوا: (وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ ) ليس معناه لا تسمع أو تفهم لغة لا تفقه أي لا تتدبر، رغم أن الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فبحر له أمواج، وأرض فيها فجاج، وسماء ذات أبراج لا تدل على الحكيم الخبير، (وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ ) أي أن الأشياء تسبح تسبيح دلالة، تدل على وجود الخالق المدبر المهيمن، ولكنكم لا تفهمون ولا تتعظون ولا تعتبرون، ليس المسألة مسألة فهم الكلام، وتسبيح، منطق، واسمع للمنطق الآخر الذي نعتقد والله أعلم أنه الأرجح: (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ) باللسان، بالكلام، إن جاز أن نطلق على تسبيحها لسان وكلام، لكنه تسبيح باللفظ تسبيح عبادة وليس تسبيح دلالة، واسمع: (وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلْجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ (١٨)) [سورة ص آية: ١٧- ١٨]، الجبال جماد أم حي؟ جماد نامي أم غير نام؟ غير نام، فكيف كانت الجبال تسبح؟ إن كان تسبيح دلالة فلا فضل لداود فيها حتى يُحكى علينا في القرآن (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضْلًۭا ۖ يَـٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُۥ وَٱلطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ (١٠)) [سورة سبأ آية: ١٠]، فإن كان التسبيح تسبيح دلالة، فهي تسبح دلالة من قبل داود، ومن بعد داود، فما الفضل لداود الذي يُحكى علينا هذا (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضْلًۭا ۖ يَـٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُۥ) [سورة سبأ آية: ١٠]، الجبال، واسمع وتأمل: (تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلْأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)) [سورة مريم آية: ٩٠]، لماذا؟ (أَن دَعَوْا۟ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدًۭا (٩١)) [سورة مريم آية: ٩١]، (وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَدًۭا ﴿۸۸﴾ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـًٔا إِدًّۭا ﴿۸۹﴾)
(تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ) هل سمعت (وَتَنشَقُّ ٱلْأَرْضُ) هل فهمت (ٱلْأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدًّا (٩٠))، فإذا كانت الجبال تسمع قول الزور، ألا تسمع قول الخير، ألا تسمع التسبيح!! إذا كانت تسمع قول الزور وتفهم وتكاد تنهد، فإذا قلنا سبحان الله، ألا تسمع وتردد معنا، الجبال، والكثير من الآيات الموجودة بالقرآن يدل على ذلك: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ وَمَا كَانُوا۟ مُنظَرِينَ (٢٩)) [سورة الدخان آية: ٢٩]، كيف؟ أتبكي؟ هل تبكي السماء ، وهل تبكي الأرض؟! إذاً (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ ) ونبينا ، صلى الله عليه وسلم، يقول (إِنَّي أَعْرِفُ حَجَرَاً بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَي قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ )، وحين وقف في مسجده وخطب، واستند إلى جذع نخلة ميت، جذع ميت مدة، ثم صنع له المنبر ووقف على المنبر، وفوجئ رواد المسجد بالكامل، الصحابة، بهذا الجذع الذي تركه النبي يئن أنين الصبي، ويبكي وينزل النبي (صلى الله عليه وسلم) من على المنبر ويذهب إليه ويحتضنه ويربت عليه ويبشره بالجنة فيقولون والله لقد سمعنا كالصبي يسكَّت، هذا الجذع كيف شعر بكل ذلك وكيف أحس؟ (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ ) بل وساقت كتب الحديث وعلى رأسها البخاري قول الصحابة ومنهم ابن مسعود "لقد كنا نسمع تسبيح الطعام ونحن نأكله مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)" تسبيح الطعام، سبّح الحصى في كفه بخير الأسماء وحين ظمأ أصحابه نبع من بين أصابعه الماء، (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ) ذاك هو الرأي الثالث، والذي نعتقد والله أعلم أنه الأرجح.
(إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًۭا (٤٤)) الحلم، تأمل في حلم الله، هل ترى المعاصي؟ هل تسمع عن الفجور؟ هل تسمع عن الكفر؟ هل سمعت رجلا طار في الفضاء في آلة، وسُمي برائد الفضاء، ينزل مختالاً ويقول بحثت عن الله فلم أجده، ألم يحدث هذا؟ هل سمعه الله؟ لا يخفى عليه شيء؟ هل رآه؟ كيف تركه؟ حليم حلم فوق الخيال، حلم لا يتصور، ربنا لا أول له ولا آخر، وحلمه لا أول له ولا آخر، حلم فوق التصور، من أجل هذا الحلم ترى الدنيا قائمة، يخلقهم ويعبدون غيره، ويرزقهم ويشكرون غيره، ويُنعم عليهم فيحاربونه بنعمه، إذا رزقها الجمال تعرت ورقصت وصارت فتنة طاغية تحارب الله بجمالها، الذي منحها إياه، إذا أعطاه مالاً افتتح صالات القمار، وافتتح النوادي الليلية، وأتى بالراقصات وبالخمور وصرف، والمال مال الله هو الذي رزقه للمال، جميع المعاصي تُرتكب في الأرض بنعم الله، يُحارب ربنا بمنّه وعطائه ومنحه، والإنسان لا يملك شيئا، ومع ذلك تجد ربنا (تبارك وتعالى) حليما ستارا، (إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا) حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، وزعمتم أن له الولد، وزعمتم أن له البنات ولكم البنون، وأسأتم الأدب، واخترتم له ما تكرهون، ولأنفسكم ما تحبون، ونسبتم إليه الولد والولد عجز، فان، والجسد فان، وربنا (تبارك وتعالى) منزه عن التجسد، (غَفُورًۭا (٤٤)) يغفر لمن تاب، وانتبه: لأنه كان حليما غفورا تركك حِلما وليس عجزا، ومع ذلك يقول: تعال تُب، استغفرني أغفر لك.
فإن القرآن كلام الله، وأغيظ ما يكون الشيطان حين يسمع كلام الله يتلى، وقد قال نبينا (صلى الله عليه وسلم) ونبّه وأخبرنا أن: (إِذَا أُذِّنَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ ، يفعل ذلك من الخوف والرعب، أو يفتعل ذلك حتى لا يسمع صوت المؤذن - فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوِّبَ أَدْبَرَ فَإِذَا سَكَتَ ، فإذا انتهت الإقامة رجع - أَقْبَلَ فَلَا يَزَالُ بِالْمَرْءِ يَقُولُ لَهُ اذْكُرْ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى) من هنا نعلم أن الشيطان لا يفر إلا عند ذكر الله أو الاستعاذة بالله، أو توحيد الله (عز وجل) ولذلك امر الله نبينا (صلى الله عليه وسلم) وأمر الأمة بالاستعادة عند قراءه القرآن: (فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ (٩٨)) [سورة النحل آية: ٩٨]، هذا ما يخص أو يتعلق بالشيطان، لكن الإنسان الذي يسمع القرآن، خصوصا إذا كان عربيا يتكلم العربية، في زمن البلاغة، والقارئ للقرآن هو العربي الأمي القرشي محمد بن عبد الله الصادق والأمين، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هذا القرآن المعجز في لفظه ونظمه، المعجز في معناه، كيف يسمعه العرب ولا يؤمنون؟ كيف يفوتهم هذا الإعجاز في اللفظ في النظم في السياق في القصص في المعنى، في الإخبار بالمغيبات، في الإخبار عن الزمن الماضي، في الإخبار عن المستقبل، في الأمر بالصلة والعفاف والصدق والصدقة والبر، والنهي عن الزنا والخمر والفحشاء والمنكر، كيف؟ خاصة أن الجاهلية مهما كان فيها من أمور بشعة كوأد البنات وعقوق الأمهات، والبغاء والربا والفواحش وما إلى ذلك، إلا أنهم كانوا على قدر من الفهم والقيم والتقدير، خاصة لثورة ذلك العصر ألا وهي اللغة، فقد كان للشعراء شأن عظيم، وكانت قصائدهم تُعلق، وسميت المعلقات، وكانت القصائد تُنشد في المواسم، أسواق تُقام ويأتي الشعراء من كل فج لإنشاء شعرهم، فكيف فاتهم إعجاز القرآن، كيف لم يلفت نظرهم؟ كيف لم يؤمنوا بأنه الحق ومن عند الله، سؤال واسمع الإجابة وصدق القائل: (مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ) [سورة الأنعام آية: ٣٨].
واسمع الإجابة:
وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ حِجَابًۭا مَّسْتُورًۭا ﴿45﴾
وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ وَلَّوْا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُورًۭا ﴿46﴾
نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًۭا مَّسْحُورًا ﴿47﴾
ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَالَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًۭا ﴿48﴾
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد كما ينكر الفم طعم الماء من سقم.
إذاً فالمسألة ببساطة أن النبي(صلى الله عليه وسلم) حين يقرأ القرآن عليهم، يوضع حجاب فلا يرون النور، وتصاب الآذان بالصمم فلا يسمعوا الهدي، ومن هنا لم يحدث الإيمان كيف ذلك؟ واسمع الإجابة:
(نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًۭا مَّسْحُورًا (٤٧) ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَالَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًۭا (٤٨))
إجابة تلو إجابة، ونور فوق نور والقرآن هدى لمن أراد الله له الهداية، حين كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يقرأن القرآن على قومه، الناس في استماعهم صنفان: صنف برّأ نفسه من الهوى وأراد أن يسمع ليعلم وينظر أحق هو أم لا، فشرح الله صدره للإسلام لأنه يريد أن يعرف الحقيقة، ويريد أن يصل الحق، لا يعنينه من المتكلم أفقير هو أم غني، أكبير هو أم صغير، يعنيه أمر واحد، هل المتكلم عاقل ذو رَشَد، صادق أمين، نعرفه نعرف نسبه؟ نعم فلننظر في كلامه ولنتأمل ونرى إن كان يقول صدق أم لا، ذاك مبرّأ من الهوى، يريد الحق، يهدف إلى الوصول للحقيقة، فشرح الله صدره للإسلام، ببساطة من أراد الهدى رُزق في سبيله التسخير، الصنف الآخر: من المتكلم يتيم أبي طالب يزعم أنه نبي، وتحدث القهقهة، ويحدث الاستهزاء، نبي آخر الزمان يتيم بني طالب؟ ولِمَ لمْ يكن رجلا من القريتين عظيم؟ ومن تبعه؟ الفقراء والعبيد والسفهاء، دعكم منه، حكموا الحكم مسبقاً، لم يسمعوا، لم يتركوا لأنفسهم الفرصة في الوصول للحقيقة، استهزأوا به، وسخروا منه لِمَ يقول ذلك؟ فينبري أحدهم: إنه ساحر يريد أن يسحر الناس، والآخر: لا بل هو مسحور سُحر، ويرد الثالث: ويقول: لا لا ما هو بسحر، بل هو شعر، ويقول الآخر: ليسر بالشعر ليس مُقَفَّى، ولم تعهد العرب مثل هذا الكلام، إذاً هو أساطير الأولين، ويقول الآخر: بل هو به جنّة تخطفته الجن أو هو مجنون، كلٌ برأيه، كل ذلك ولم يفكروا للحظة أن يستمعوا لكلامه، ولم يتدبروا لحظة، فيما يقوله، ولم يسألوا أنفسهم للمحة، ماذا يبغي، وبما يأمر، وعمّا ينهى، من هنا حكموا على أنفسهم بداية بالضلال، فهل ظلمهم الله إذ وضع بينهم وبين النور حجاباً مستوراً، أم هم الذين أرادوا ذلك؟ هل ظلمهم الله بأن اصابهم بالصمم عند قراءة القرآن، أم هم فعلوا بأنفسهم ذلك، من هنا كان الكلام، واسمع وتأمل: (وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ) والكلام لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) (جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ) إذاً فهم لا يؤمنون بالآخرة أصلا، وإلا لتساءل المرء ولم يا الله، ولم تحجبهم عن النور ماذا فعلوا؟ ها هو ما فعلوه، لا يؤمنون بالآخرة، أيضا سوف يأتي الكلام ويتبين لم فعل الله بهم ذلك،( حِجَابًۭا مَّسْتُورًۭا ﴿٤٥)) الحجاب: الحاجب الذي يمنع اتصال الشيئين، أو يمنع رؤية الأشياء للآخر أو اختلاط الأشياء ذاك هو الحجاب، كالجدار،(جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ حِجَابًۭا) الحجاب: ساتر فكيف يكون مستوراً؟ قال بعض المفسرين مستوراً بمعنى ساتراً أي حجابا ساترا، وقال البعض: بل حجابا أي ساتر مستوراً نفس الحجاب مستور كيف ولماذا؟ قال: لأنهم حين يقرأ القرآن لا يفهمون ولا يفهمون أنهم لا يفهمون، ذاك هو الحجاب المستور، إذ إن الإنسان لو رأى حجابا بينه وبين شيء لأزاله كي يرى الشيء أو يستمع الصوت، فيزيل المانع، فإذا كان المانع نفسه مستورا، إذاً فأنت لا تسمع ولا تعلم أنك لا تسمع، لا ترى ولا تعلم أنك لا ترى، لا تفقه ولا تفقه أنك لا تفقه، ذاك هو معنى حجاباً مستوراً وكأن الحجاب الساتر له ساتر يستره، فلا يدري أنه بينه وبين النور ساتر والعياذ بالله، ظلام وضلالة. قال بعض الناس: ليس هناك حجاب وليس هناك ساتر، وإنما الكلام تمثيل يبيّن مدى صدود هؤلاء عن القرآن، ومدى عدم انتفاعهم بالقرآن، كالذي بينه وبين الشيء حجاباً مستوراً، والقول الأول أرجح وأضح وأوقع.
ليس ذاك فقط إذ قد تمنع الرؤية ويميز السمع، قد تمنع الرؤية لكن السمع يميز، فتسمع الصوت فتعرف أن ذاك صوت فلان، ذاك صوت جميل، ذاك صوت كذا، فلم يكتفي بوضع الحجاب لمنع الرؤية، بل أيضا وضع في الآذان الوقر، الوقر: الصمم، الوقر: الثقل في الأذن، وكأن خبط مستمر، خبط مستمر، خبط مستمر يمنع صول الأصوات للأذن، الوقر: الصمم، (وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ ) الأكنّة: الأغطية، غُطيت القلوب وطالما غطيت القلوب فلا فهم، ولا فقه ولا معرفة، (أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ) كراهة أن يفقهوه،(أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ) لئلا يفقهوه كأن الله وضع الحجاب ثم ستر الحجاب بساتر آخر، ثم غطى القلوب حتى لا يصيبها فهم ولا يصل إليها إدراك، فلا يتأملون اللفظ ولا يتدبرون في المعنى، وفي آذانهم وقرا أن يسمعوه ذاك تقدير الكلام والكلام فيه إضمار، (وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ ) الوقر: الصم الثقل إذا قرأ النبي (صلى الله عليه وسلم) القرآن وضع الحجاب بينه وبين الكفار، ثم ستر الحجاب فهم لا يعرفون أنهم محجوبون، ولا يرون الحجاب، وضعت على قلوبهم الأكنة فهم لا يفقهون، ولا يفقهون أنهم لا يفقهون، وضع في آذانهم الوقر والصمم فهم لا يسمعون، ولا يعرفون أنهم لا يسمعون.(وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ وَلَّوْا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُورًۭا ﴿٤٦﴾) (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ) أي إذا ذكرت ربك في القرآن دون ذكْر أصنامهم التي يزعمون أنها تشفع لهم، فحين يُذكر بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا هو رفيع الدرجات ذو العريش، حين يُذكر ربنا في القرآن وحده ليس مشفوعاً بالأصنام وبالآلهة التي يزعمونها، (وَلَّوْا۟) انصرفوا وأدبروا مسرعين،(عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِمْ) على أعقابهم،(نُفُورًۭا ﴿٤٦﴾) جمع نافر أي كلهم نافر، نافر، موِلّى مُدبر مُعرض، أو(نُفُورًۭا ﴿٤٦﴾) يعمل عمل المصدر كأنه مصدر أي (وَلَّوْا۟) أي نفروا على أدبارهم نفوراً، يعني إدبارا شديداً وكراهة للسمع، وكراهة لتوحيد الله، ذاك شعورهم بالنسبة للتوحيد، وافهم إذا كان هذا إحساسهم وشعورهم بالنسبة لتوحيد الله، إذا ذكر الله وحده لا إله إلا الله، (وَلَّوْا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُورًۭا ﴿٤٦﴾) فعلوا فعْل الشيطان حين يسمع المؤذن وهو يقول أشهد ألا إله إلا الله، ذاك هو الحال والتصوير والوصف للموقف، ولكي لا تتساءل ولم حكم عليهم بذلك، واسمع الإجابة، إذا لم تكفك كلمة (جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ) هذه الإشارة، وهذه الكلمة، يأتي تفصيلها وتأتيك الإجابة واضحة صريحة مفصلة:
(نَّحْنُ أَعْلَمُ) أي نعلم، الأعلم هو العليم، والأكبر هو الكبير، ليس أفعل تفضيل إذ لا كبير إلا الله، ولا عليم إلا الله، وهو أعلم أي العليم، إذ ليس هناك عالم وعالم ثم ربنا أعلم، ربنا أعلم بمعنى هو العليم بحق، (نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًۭا مَّسْحُورًا ﴿٤۷﴾) إذاً فقد أعدوا أنفسهم أصلا حين الاستماع، جاءوا للاستماع لماذا؟ قال بعضهم لبعض: هلم بنا نسمع له ونستهزئ به، ونسخر منه ونُضحك الناس عليه، ونصد الناس عنه، ذاك هو الهدف والغرض في مجيئهم للاستماع (نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ) قال بعضهم: الباء زائدة أي بما يستمعونه والأصوب أو الأرجح "به" أي متلبسين به، ما هو الإحساس الذي يملئهم حين الاستماع (نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ) أي بما يستعمون لأجله، أو يستمعون وهم متلبسين بماذا؟ بأي شيء؟ بالاستهزاء بالسخرية، أضمروا في أنفسهم الاستهزاء بسيد الخلق والسخرية والتشويش عليه وصدّ الناس عنه، (إِذْ يَسْتَمِعُونَ) أي حين يجيئون ويستمعون، نحن أعلم يستمعون لماذا، يستمعون متلبسين بماذا، يستمعون لأي غرض، (وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ) نجوى: جمع "نجيّ" يتناجى كل مع الآخر، أو "نجوى" حال كونهم ذوو نجوى مصدر وإذ هم نجوى في السر، يسرّون الحديث مع بعضهم ماذا يقولون؟ (إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ) " الظالمون" هنا جاءت محل الضمير، إذ تقدير الكلام (نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ) (إذ يقولون) فقال: (إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ) ليبيّن لك أنهم قد التبسوا بالظلم، وتلبّسوا به وما فعلوه من استهزاء ومسارة في شأنه بكل ذاك فذاك ظلم وظلم بين،(إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ) يقولون للمؤمنين لمن أراد أن يسمع سماع تعقل وتدبّر، (إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًۭا مَّسْحُورًا ﴿٤۷﴾) مسحوراً: سحرته الجن، مسحوراً: مخدوعاً، معنى آخر (فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ (٨٩)) [سورة المؤمنون آية: ٨٩]، فأنى تخدعون، أو مسحوراً: سحْر خلط عقله، مسحورا: ذا سحر، السحْر: الرئة وعائشة (رضي الله عنها) تقول: قُبض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ورأسه بين سحْري ونحري، أي الرأس على الصدر، فالسحر: الرئة، والعرب تقول للرجل الذي يأكل ويشرب ويتنفس "رجل مسحور " أي هو رجل يتنفس ويأكل ويشرب بشر مثلكم فكيف تتبعون بشراً ذاك بعض الآراء، لكن كلمة "مسحورا " هنا الأوقع والأرجح تفيد أنه ساحر أو سُحر أو خُلّطِ عقله، إذاً فهذه هي النية حين مجيء هؤلاء للاستماع، النية ما يستمعون به، ربنا أعلم، فعلم نيتهم وعلم ما يريدون وعلم استهزائهم، وعلم ما أسروه لبعضهم قبل أن يأتوا إليه، (وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ) وعلم ضلالهم، وعلِم انطباعهم على الكفر، وعلم إرادتهم الاستهزاء والصد عنه، فجعل بينهم بين الهدى حجاباً مستوراً، الآن اتضحت الصورة.
(ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَالَ فَضَلُّوا۟) يُعجِّب حبيبه (صلى الله عليه وسلم) يُعجِّب حبيبه ويسلّيه، ويقول له (ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَالَ) تأمل: ضربوا لك الأمثال فقالوا عنك: تارة قالوا ساحر، وتارة قالوا شاعر، وتارة قالوا مجنون، وتارة قالوا مسحور، وتارة قالوا أساطير الأولين تُملى عليه، وتارة قالوا، وتارة قالوا، هذا معنى انظر وتأمل (كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَالَ فَضَلُّوا۟) في شأنك وتحيّروا ماذا يقولون فيك وتأمل وتعجب، لا يمكن أن يكون الشاعر ساحر، ولا يمكن أن يكون الساحر مجنوناً ولا يمكن أن يكون المجنون كذا فكيف تحيّروا وتخبّطوا، فيجيبه ربنا يسلّيه ويسرّي عنه (ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَالَ فَضَلُّوا۟) فلم يعرفوك، ويعرفوا حقيقتك ، ولم يتفقوا على رأي حتى في الهجوم عليك لم يتفقوا على رأي (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًۭا ﴿٤۸﴾) فلا يستطيعون سبيلا إلى الصدّ عنك (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًۭا ﴿٤۸﴾) إلى معرفة حقيقتك، والسبيل: الطريق، (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًۭا ﴿٤۸﴾) إلى الهدى، نتيجة إيذائهم لك، وقولهم فيك، وضلالتهم التي ينشرونها، ختم الله على قلوبهم، وجعل بينه وبينهم الحجاب المستور، ومنعهم من الهدى، وعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار من أجل حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) إذ لم يؤمنوا به، كما قال في شأن هود: (أَلَآ إِنَّ عَادًۭا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّعَادٍۢ قَوْمِ هُودٍۢ (٦٠)) [سورة هود آية: ٦٠]، فكأن الكافر استحق بكفره ما يُفعل به، وكأن الضال استحق الإضلال لأنه بيّت النية أصلا على الضلالة، ولو جاءوا يستمعون مبرءون من الهوى قاصدين معرفة الحق، لهداهم الله (تبارك وتعالى) (ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَالَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًۭا ﴿٤۸﴾) هناك رأي لبعض العلماء يقول في نفس الآيات أمانة العلم تقتضي أن نقول ذاك الرأي بعد أن بيّنا الآراء الأخرى أو الرأي الأرجح، قيل الكلام كله نزل بسبب أن الكفار كانوا يؤذون رسول لله (صلى الله عليه وسلم) بالكلام خاصة أم جميل امرأة ابي لهب حين نزل قول الله تعالى: (تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍۢ وَتَبَّ (١) مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَىٰ نَارًۭا ذَاتَ لَهَبٍۢ (٣) وَٱمْرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ (٤) فِى جِيدِهَا حَبْلٌۭ مِّن مَّسَدٍۭ (٥)) [سورة المسد آية: ١- ٥].
واستشاطت غضباً فكانوا يسبّون النبي (صلى الله عليه وسلم) ويشتمونه فيتأذَّى من ذلك فحماية له جعل ربنا (تبارك وتعالى) حين يقرأ القرآن لا يراه أحد، كما فعل حين خرج من بيته لما حاصروه هذه الآية نزلت لكي تتلى معها أول سورة يس وآية: (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ (١٠٨)) [سورة النحل آية: ١٠٨]، هم أربع أو خمس آيات تذكر أن الله جعل على أبصارهم غشاوة وجعل على قلوبهم أكنة فكان إذا قرأ الآية لا يراه أحد، وضربوا لذلك مثلا قصة وقالوا كان نبينا ، صلى الله عليه وسلم، يجلس في ظل الكعبة ومعه أبو بكر فجاءت امرأة أبي لهب ورآها أبو بكر من بعيد قال يا رسول الله تنحى عنها فإنها آتية ولو رأتك لقالت ما يؤذيك فقال: لن تراني وأخذ يقرأ القرآن، فجاءت امرأة أبي لهب ووقفت على رأس أبي بكر ورسول الله إلى جواره لم تره، قالت يا أبا بكر صاحبك يقول وتتكلم مع أبي بكر وسيد الخلْق جالس إلى جواره لا تراه، قالوا هذا، وقالوا هذه الآيات معناها (وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ حِجَابًۭا مَّسْتُورًۭا ﴿٤٥﴾) قد، وقد يحدث كما حدث عندما خرج ووضع التراب على رءوس الناس، لكن ذلك كله بأمر الله ، عز وجل، لأن القرآن والمعاني في الألفاظ (وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ) المسألة ليست مسالة رؤية فقط، ولو كانت مسألة رؤية فقط كان يُكتفي بقول:(وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ حِجَابًۭا مَّسْتُورًۭا ﴿٤٥﴾) أو بالذين يؤذونك حجابا أما (وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ وَلَّوْا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُورًۭا ﴿٤٦﴾ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًۭا مَّسْحُورًا ﴿٤۷﴾ ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَالَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًۭا ﴿٤۸)) قلنا الرأي الآخر لأمانة العلم، لأنه ورد في كتب كثيرة، لكن ها هي الآيات وها هو التصوير، ها هي المعاني تتضح، ويتضح لنا أن الله لا يريد ظلما لأحد (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٤٦)) [سورة فصلت آية: ٤٦] وكم تساءل العبد منا لم لم ْ يُهدى هؤلاء؟ كيف غابت عنهم حكمة القرآن؟ كيف لم يروا إعجاز اللفظ والنظْم؟ كيف لم يتدبروا المعنى؟ كيف وكيف؟ وها هي الإجابة تشرح صدورنا، ونعلم أن الله (تبارك وتعالى) لطيف بالعباد، وأن الله (تبارك وتعالى) أرسل رسوله بالهدى والنور، فمن أراد الهدى رُزق في سبيله التسخير، ومن اختار الضلالة وجد في طرقها التيسير.
إن الكفار كانوا ينظرون إلى الأشياء نظرة مادية بحتة، وكانوا ينسبون إلى الله (تبارك وتعالى) المستحيل، فنسبوا له الولد، وادّعوا أن الملائكة بنات الله (سبحانه وتعالى) عما يقولون علواً كبيراً، كذبوا رسوله وقالوا من ضمن ما قالوا:
وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًۭا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًۭا جَدِيدًۭا ﴿49﴾
قُلْ كُونُوا۟ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ﴿50﴾
أَوْ خَلْقًۭا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبًۭا ﴿51﴾
(قُلْ كُونُوا۟ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًۭا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبًۭا (٥١))، (قُلْ) أي قٌل لهم يا محمد، لهؤلاء المستبعدين للبعث، استبعادهم للبعث بسبب أن الرفات متكسّر محطم، والعظام بالية نخرة ، إذا كنتم حجارة وهي أبعد عن قبول الحياة من العظم، إذ أن العظم كانت فيه الحياة ، (قُلْ كُونُوا۟ حِجَارَةً)، أو أشد من الحجارة الحديد، الحديد صعب شديد، لا يقبل الحياة، كيف يصبح الحديد حياً، تخيلوا أنفسكم (قُلْ كُونُوا۟ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠)) الذي خلق الحجارة وخلق الحديد قادر على أن يخلق فيها الحياة، والذي خلق الحياة وخلق الموت، قادر أن يعيد الحياة بعد الموت، (أَوْ خَلْقًۭا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ ۚ ) أي يكبر عن قبول الإحياء كالجبل كالسماوات كالأرض، فكر كيف شئت تخيل نفسك أي نوع من أنواع المواد (أَوْ خَلْقًۭا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ ۚ ) أي يكبر عن الإحياء، يكبر عن قبول الإحياء، إن كان يعيدكم الله لا يعجزه شيء، (فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ ) إذا كنا حجارة أو حديدا أو كنا أو كنا، من الذي يعيدنا إلى الحياة، ببساطة الإجابة سهلة (قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۚ ) خلقكم من العدم، لم تكن هناك حياة أصلا ولم يكن هناك عظام أصلاً ولم يكن هناك جسد أصلا، كنتم ترابا وقبل التراب لم تكونوا شيئا، خلقكم من العدم، هو الذي يعيدكم، والإعادة أسهل من الابتداء، ومن قدر على الابتداء قدر على الإعادة بعد الإفناء، (قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۚ ) أوجدكم من العدم، أنشأكم أول مرة، (فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ) نغض رأسه: تحرك، نَغَض ينغُض وينغضِن ونغوضاً، أنغض رأسه حرّكه تعجباً، أنغض الرجل رأسه: حركه تعجبا، فحين تقول إجابة (قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۚ ) يحركون إليك رءوسهم تعجبا، تعجبا من أي شيء؟ ألستم موجودين، ألست أنت الآن موجودا، ألستم موجودين على قيد الحياة، من أنشاكم، من جعلكم تمشون وتتحركون؟ لا بد أن هناك خالقا، الذي أوجدك أول مرة قادر على إعادتك أمر سهل، (فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ) تعجبا، لم يقتنعوا بالإجابة (قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۚ ) لم يرتدعوا لم يخشعوا وبدأوا في الاستهزاء، (وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ ) متى يكون ذلك؟ هل السؤال عن هل هو حاصل أم لا، أم السؤال عن أين ومتى؟ السؤال إن كان حاصلا استعددنا له وآمنا بالقائل ذاك هو الذي يجب أن يتدبر فيه الإنسان ، أما أن يسال أين ومتى ؟، سؤال تعنت واستهزاء (قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبًۭا (٥١)) (عَسَىٰٓ) واجب، طالما قالها الله (عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبًۭا (٥١)) إذاً فالقيامة والبعث قريب جداً، أقرب مما نتصور، وكل آتٍ قريب، ومهما طال الزمان بعد ما يمضي وتنظر إلى الوراء تشعر بأن الأمر ولم يكن إلا لحظة وها هو رمضان قد انقضى وكأنه لم يكن شهرا، كأنه كان يوما، وكل آت قريب.
يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا ﴿52﴾
وقال بعضهم: بل يقوم الكافر من بعثه يقول سبحان الله وبحمده لكن لا تنفعه،(فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ) يقول: سبحان الله وبحمده لكنها لا تنفعه حيث يقوم،(وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا (٥٢)) إن لبثتم إلا قليلا أي في الدنيا، (وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا (٥٢)) أي في القبر، (وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا (٥٢)) بين الصيحتين، أو النفختين، وقالوا: النفخة الأولى نفخة الصعق: (وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌۭ يَنظُرُونَ (٦٨)) [سورة الزمر آية: ٦٨]
بين النفختين أربعون عاما، يهجع الكفار فيها وينامون ويرفع عنهم العذاب، هم يعذبون في قبورهم: (ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّۭا وَعَشِيًّۭا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ (٤٦)) [سورة غافر آية: ٤٦]، فيُرفع عنهم العذاب بين النفختين أربعون عاما، فهنا يقول: (إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا (٥٢)) أي بين النفختين، أو في القبور، أو في زمن الدنيا، والأرجح الكلام عن زمن الدنيا، إذ مهما طال العمر في الدنيا وجاء الموت ما من إنسان إلا وينظر وراءه إلا ويشعر أن العمر قد مر وولّى أسرع من الريح.
أيها الأخ المسلم: أيها الأخ الكريم أيها العاقل أيها الرشيد أيها الطائع أيها القادم إلى بيت الله ترجو رحمته وتخشى عذابه، تأمل: هب أنك عشت عمر نوح وأوتيت كنوز قارون، ومنحت ملك سليمان، أليس لذلك نهاية، أليس بعد ذلك موت، أليس بعد ذلك نشور؟ كم أكلت، كم تلذذت بألوان الطعام، هل تشعر بلذة الطعام الآن؟ أين ذهبت لذة الطعام أين، أين ذهبت برودة الشراب المثلج الحلو في يوم شديد الحر؟ أين الدفء في يوم شات؟ أين الهواء العليل في يوم حار؟ أين النعيم والنعم؟ أين كل ذلك؟ أتشعر بها الآن أم ذهبت وولت؟ كل العمر يولّي كذلك أين المنصب؟ أين الرئاسة؟ أين الجاه؟ أين ملك الملوك؟ أرأيتم الملك حين خرج أمام رعيته والكل يصف له ورفعت له الأعلام ونثرت في طريقه الزهور وتغنت بأمجاده الحور أرأيتم كل ذلك أين هو؟ أين ملكه؟ أرأيتم الرؤساء حملوا الذين على الأعناق؟ أرأيتم كيف شُبعوا كما تشبع الأبطال؟ أرأيتم كيف أُسبغ عليه من الصفات حتى الخلد حتى قيل إنه الخالد أين هذه الصفات وأين هو؟ أين الجنود؟ ، أين الحرس ؟، أين كل ذلك (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍۢ (٢٦) وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ (٢٧)) [سورة الرحمن آية: ٢٦ - ٢٧].
فالكلمة الطيبة صدقة هكذا أخبرنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) (وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ)، وتمشي بنا الآيات من سورة الإسراء ترسم لنا الطريق لرضوان الله (عز وجل) وتبين لمن أراد الآخرة وسعى لها سعيها، كيف يكون السعي، وتبيّن المبادئ والقيم والمثل والأخلاقيات التي يجب أن يتصف بها الفرد المسلم، والمجتمع المسلم، فينصلح حال الأمة، ويعيش الناس في أمان واطمئنان، وأخوة ومحبة، وتتوجه الآيات لهؤلاء المنكرين للبعث الذين استعظموا على الله (تبارك وتعالى) أن يعيدهم بعدما أصبحوا ترابا ورفاتا، تبين لهم أن الله لا يعجزه شيء، وإنه كما قدر على الإحياء والإماتة، قدر على الإعادة بعد الإفناء، وأنه كما قدر على أن يجعل الطين يرى ويسمع ويشم ويذوق، قادر على أن يخلق الحياة في الحجارة وفي الحديد، فلو كانوا حجارة أو حديداً لأعادهم الله (تبارك وتعالى) إذ إن الحجارة والحديد أبعد ما تكون عن قبول الحياة، فربنا (تبارك وتعالى) يبين لهم أن ما كان بعيدا كل البعد عن قبول الحياة، خالق الحياة قادر على أن يخلق الحياة فيما يشاء، ويؤكد ربنا (تبارك وتعالى) وتؤكد الآيات على حقيقة البعث، وأن الدعوة إلى القيام ما هي إلا دعوة بصيحة بنفخة بكلمة، قيام الناس من القبور كاستجابة المدعو إلى من دعاه دون تراخ (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا (٥٢)) وتتوجه الآيات بعد ذلك بالخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وترسم له طريق الدعوة إلى الله فيقول عز من قائل:
وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا۟ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوًّۭا مُّبِينًۭا ﴿53﴾
رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ۖ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ۚ وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًۭا ﴿54﴾
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۖ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًۭا ﴿55﴾
ثم يتوجه الكلام بمنتهى الحكمة والموعظة والرقة والمنطق والعقل لكل ذي عقل أو ذرة من عقل:
قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ﴿56﴾
أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًۭا ﴿57﴾
(قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِۦ) آية تدعو إلى التأمل ، قل لهؤلاء الذين عبدوا الأصنام، وزعموا أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، قل لهؤلاء الذين زعموا أن الملائكة بنات الله فعبدوهم، قل لهؤلاء الذين قالوا المسيح ابن الله، قل للذين قالوا عزير ابن الله قل لجميع هؤلاء (قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِۦ) أي من دون الله، وزعمتم أنها تشفع أو تنفع أو أنها آلهة أيا كانت الملائكة أو عزير أو عيسى أو الجن أو الأصنام، (فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمْ) شفاء الأمراض، غنى بعد فقر، صحة بعد سقم، هل يملكون ذلك، وقيل إن الآية نزلت لكفار مكة بعد ما أصابهم القحط بدعوة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عليهم "سِنِينَ كَسِنِي يُوْسُفَ" هل يملكون أن يحولوا هذا القحط إلى رخاء، هل يملكون أن تنزل المياه من السماء، أو ينزل المطر أو تنبت الأرض، (فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)) أي تحويل الحال من حال إلى حال، أو تحويل الضر عنكم إلى غيركم، فيأخذ ما أصابك فيعطيه لغيرك هل يملكون ذلك. (أُو۟لَـٰٓئِكَ) (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًۭا (٥٧)) الإشارة لمن عبد من دون الله أولئك المزعمون جن ملائكة مسيح عزير أصنام (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ) ( أولئك الذين تدعون ) أيها المشركون تدعونهم آلهة وتتوجهون إليهم بالقرابين وبطلب الشفاعة (يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ) هم أنفسهم عباد يطلبون القربى إلى الله، يطلبون التزلف إليه، يسعون إلى رضائه، يتمنون رضا الله، يبتغون إليه الوسيلة، الوسيلة قيل هي الجنة، والوسيلة قيل هي السبب أي الأسباب توصل إلى الله؟ أي الطرق أقصر؟ أي الوسائل تقربنا من رضوانه؟ هؤلاء الذين تدعونهم آلهة هم أنفسهم يتمنون الرضا والرضوان يسعون إلى جنة الرحمن، (أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) بدل من الواو في "يدعون" أي المقرّب منهم يتمنى الرضا ويسعى إلى رضوان الله، ويسعى إلى رضائه، فما بالكم بغير المقرّب، المقربون ممن تدعونهم آلهة، المقربون منهم هم أشد الناس أشد العبّاد تزلفا وتقرّبا إلى الله وطلب لرضوانه والخوف من عذابه والرجاء في رحمته، فكيف بغير المقرّب فيمن زعمتم الأقرب منهم إلى الله يبتغون إلى ربهم الوسيلة، (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ ۚ ) فكيف لا ترجون أنتم رحمة الله ولا تخافون عذابه، إذا كان من زعمتم أنهم آلهة يسعون إلى رضوان الله، ويخافون عذابه، (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًۭا (٥٧)) يحذره الجميع المقرّب قبل غير المقرّب، وكلما اقترب العبد كلما خاف (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًۭا (٥٧)) حقيق بأن يُخاف، حقيق بأن يُتقى.
م يأتي التهديد بعد الترغيب وبعد الكلام بالمنطق وبالعقل يأتي التهديد لهؤلاء الذين أصموا آذانهم.
وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًۭا شَدِيدًۭا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًۭا ﴿58﴾
وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْـَٔايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ ۚ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةًۭ فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْـَٔايَـٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًۭا ﴿59﴾
فلما كشف الله عنهم العذاب نكثوا ونادى فرعون في قومه بعد ذلك وقال: (وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)) [سورة الزخرف آية: ٥١] إذاً فالآيات التي ترسل لا ترسل لكي يؤمن الناس، فالإيمان لا يكون قهراً فإنما ترسل للتخويف فقط (وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْـَٔايَـٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًۭا (٥٩))، هل أجدت ناقت صالح، وهكذا، (وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْـَٔايَـٰتِ) وقيل في الآيات: الآيات المقترحة، وقيل آيات القرآن (وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْـَٔايَـٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًۭا (٥٩)) آيات القرآن التي تنزل على النبي (صلى الله عليه وسلم) تتكلم عن الآخرة والحساب والعقاب والعذاب والنار وما إلى ذلك، هذه الآيات تنزل لتخويف الكفار، ومع ذلك هم لا يخافون، وقيل في الآيات: تقلّب الأحوال أنت طفل رضيع ثم تحبو ثم تقف وتعتدل وتمشي ثم تبلغ مرحلة الشباب ثم مرحلة الكهولة ثم تبلغ مرحلة المشيب آيات تقلّب الأحوال لعلك تخاف، وتعرف أن لكل بداية نهاية، الآيات القحط، الجدب، الرخاء، تقلب الأحوال، الفقر والغنى، الصحة والمرض، أقوال أرجحها أن الكلام عن الآيات التي اقترحها كفار مكة، وعن الآيات التي نزلت قبل ذلك ما جاءت إلا تخويفا وقومك لا يحتاجون إلى التخويف، وكفى بالقرآن واعظا.
أيها الأخ المسلم: الإيمان منحة الإيمان هبة الإيمان عطية لا يمكن لعبد أن يؤمن أبداً إلا أن يرزقه الله الإيمان (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ ) [سورة يونس آية: ١٠٠]، لكن الإيمان هذا الهدف الغالي هذه السعادة الدنيوية والأخروية، هذا الإحساس الذي يُشعر المؤمن بأنه فوق كل شيء، وهذه الفوقية التي يشعر بها تزيده تذللا لله وخضوعا، إحساس الإيمان إحساس يذاق لا يشرح ولا يوصف، كيف السبيل إليه؟ بالإسلام، الإسلام: هو الاستسلام هو الطاعة، فإذا أبدى العبد استعداده لطاعة الله (عز وجل) والاستسلام لقضائه وقدره، والاستسلام له في أوامره ونواهيه إذا أبدى العبد ذلك الاستعداد وظهر منه، وهبه الله الإيمان (قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ ) [سورة الحجرات آية: ١٤]، ها هي الطريقة للوصول إلى الإيمان، أن تستلم لله، أن يكون إسلامك صحيحاً، أن تكون طائعاً لله في أوامره ونواهيه، مهما وجدت في ذلك مشقة أو تعب أو أو إن فعلت ذلك رزقك الله الإيمان وأدخله في قلبك، فشعرت به فالإيمان نور يقذفه الله (تبارك وتعالى) في قلب العبد فيشعر به.
فقد أنبأ الله (تبارك وتعالى) رسوله بأمور تحدث، أنبأه بفتح مكة وبشّره بذلك، وأخبره بوقعة بدر وذهب إليها قبل أن تحدث بليلة وأشار بعصاه إلى أماكن قال هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان فما تعدى أحدهم مصرعه، وأخبر بأمور كثيرة ويبدو أن النبي (صلى الله عليه وسلم) حين يُخبر بذلك كان كفار مكة يستهزئون به ويسخرون منه ويقول الله (تبارك وتعالى) له:
وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِىٓ أَرَيْنَـٰكَ إِلَّا فِتْنَةًۭ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلْقُرْءَانِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَـٰنًۭا كَبِيرًۭا ﴿60﴾
ولله أن يمتحن عباده بما يشاء (أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)) [سورة العنكبوت آية: ٢].
(وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلْقُرْءَانِ ۚ ) والكلام فيه تقديم وتأخير أي "وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة " فهي معطوفة على الرؤيا، الشجرة الملعونة ما هي؟ هي شجرة الزقوم (إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ ٱلْأَثِيمِ (٤٤) كَٱلْمُهْلِ يَغْلِى فِى ٱلْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْىِ ٱلْحَمِيمِ (٤٦)) [سورة الدخان آية: ٤٣- ٤٦]، هذه الشجرة التي قيل فيها (أَذَٰلِكَ خَيْرٌۭ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةًۭ لِّلظَّـٰلِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌۭ تَخْرُجُ فِىٓ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ (٦٥)) [سورة الصافات آية: ٦٢- ٦٥]، حين خوفهم ربنا (وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْـَٔايَـٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًۭا ﴿٥۹﴾) تؤكد قول من قال إن الآيات هي آيات القرآن، حين نزلت هذه الآية وخوفهم نبينا ، صلى الله عليه وسلم، بشجرة الزقوم اجتمع المشركون وعلى رأسهم أبو جهل وقال ها هو محمد يخبركم أن النار تحرق الحجارة (فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ ) [سورة البقرة آية: ٢٤]، ثم يخبركم بأن النار تحرق الحجارة، ثم يخبركم بأن النار تنبت فيها شجرة كيف؟ وكيف لا تحرق هذه الشجرة؟ وغفل عن أن الله (تبارك وتعالى) قادر على كل شيء وذاك شيء نراه في حياتنا، فهناك بعض الثمار يقال له "أبو فروة" أو شيبه له على الغلاف الخارجي وبر لو وضعته في النار وسويته واستوى لوجدت أن النار لم تؤثر في هذا الوبر، أمثلة كثيرة في حياتنا هذه تبين قدره الله (عز وجل) وقد أخبرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) أن هناك ملكا قد رآه نصفه ثلج ونصفه نار، ربنا قادر على كل شيء، استهزءوا برسول الله وطلب أبو جهل من جاريته أن تأتيه ببعض التمر وبعض الزبد، وقال تزقموا تزقموا ها هو الزقوم ما نعرف الزقوم إلا أنه التمر والزبد، وجاء بالتمر وقال تزقموا وأخذ يستهزئ فربنا يقول لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) (وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِىٓ أَرَيْنَـٰكَ) قصة الإسراء، (وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلْقُرْءَانِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ) بهذه الآيات، (فَمَا يَزِيدُهُمْ) هذا التخويف، (إِلَّا طُغْيَـٰنًۭا كَبِيرًۭا ﴿٦۰﴾).
أيها الأخ المسلم: الخوف من الله إحساس وشعور ما أجمله، إي وربي، على قدر السعادة بالرجاء، على قدر السعادة بالخوف، ولا يشعر بذلك إلا المؤمن من ثبت الإيمان في قلبه ورسخ، إذا رجى سعد وإذا خاف سعد، وإذا فاضت من عينيه الدموع سعد بدموعه خوف من الله ، فالخوف ألوان، والخوف أنواع، من الخوف خوف العصاة، ومن الخوف خوف الطائعين، ومن الخوف خوف المقربين ومن الخوف خوف الملائكة.
(وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِۦ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِۦ) [سورة الرعد آية: ١٣]، أيعذبون؟ أهم مكلفون؟ ألهم جنة ونار؟ أبداً فهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ومع ذلك يسبحون بحمده من خيفته، ترى أي طعم لذلك الخوف أهو مثل خوف العاصي، أم مثل خوف المذنب؟ لذا كان للمؤمن جناحان يحلق بهما في سماء الرضوان، جناح الرجاء، وجناح الخوف، وجناح واحد يصيبه بالسقوط، فإن رجى فقط اطمئن فهلك وضاع، وإن خاف فقط يئس وقنط وهلك وضاع، فلا بد من الخوف، ولا بد من الرجاء، لذا يقول الله (تبارك وتعالى) عن المقربين: (قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ ۚ ) [سورة الإسراء آية: ٥٦- ٥٧].
يقول الله (تبارك وتعالى) لحبيبه (صلى الله عليه وسلم) (وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَـٰنًۭا كَبِيرًۭا ﴿٦۰﴾) التخويف الذي حدث: القحط الذي أصاب مشركي مكة سبع سنين، التخويف الذي حدث الآيات التي تنزل تتوعد الكفار والمشركين، التخويف الذي حدث، ما ذكره الله (تبارك وتعالى) عن النار وما فيها، وعن شجرة الزقوم، فاتخذوا الكلام هزوا، وسخروا من النبي (صلى الله عليه وسلم) ونبينا (صلى الله عليه وسلم) كان يتمنى أن تنزل آية، أو معجزة تلجئهم للإيمان، وبيّن الله (تبارك وتعالى) له أن سنته قد مضت في الأولين إذا اقترحوا الآية ونزلت ولم يؤمنوا، حق عليهم العذاب، وإن استأنى النبي (صلى الله عليه وسلم) بهم قد يُخرج الله من أصلابهم من يوحد بالله ويؤمن بالله.
وها هو ربنا (تبارك وتعالى) يذكّر النبي (صلى الله عليه وسلم) بقصة آدم وقصة إبليس، وإن كان مشركو مكة قد زادهم التخويف طغيانا كبيرا، فهناك طغيان آخر حدث من إبليس الذي كان في الملأ الأعلى، وكان من بين الملائكة، وعلم إبليس لا يضاهيه علم، فقد كان في الملأ الأعلى يرى ويسمع ويعلم، ومع ذلك تحدى وطغى وعصى واسمع:
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًۭا ﴿61﴾
قَالَ أَرَءَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلًۭا ﴿62﴾
قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَآءًۭ مَّوْفُورًۭا ﴿63﴾
وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا ﴿64﴾
إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌۭ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًۭا ﴿65﴾
(وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤)) الاستفزاز: الاستخفاف بمعنى: استفزه استخفه وحمله على فعل ما يريد، فلو ترك الإنسان لنفسه قد لا يقدم على فعل أمر ما، فإذا أردت أن تحمله على فعل ذلك الأمر تستخفه، تستفزه، تخدعه، تثير أعصابه، تثيره، فيندفع إلى فعل ما أردته أنت منه دون أن يدري، ذاك هو الاستفزاز، الاستفزاز: أن تحمل الشخص على فعل ما يكره، أو على فعل ما تريد أنت منه أن يفعله بأسلوبك بأسلوب الكلام بأسلوب الإثارة بأي أسلوب، (وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم) إذاً فهو لا يمكن أن يستفز الجميع، لم يقل واستفزهم، قال استفزز من استطعت رحمة من الله، (وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ) هذا الصوت الذي يستفز به ما هو؟! (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم) الإجلاب في الأصل: السوْق بجلبة من السائق، كمن يسوق البهائم، فيقول أصوات مرتفعة تجعل البهائم تساق ذاك هو الإجلاب، الصوت بجلبة الجلب والجَلَبَة: الأصوات المرتفعة المختلفة، (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) الخيل: الركبان يا خيل الله اركبي أو امضي الرجل: (ورَجْلك ورجِلِك ورجالك) ثلاث قراءات الرَجْل والرجِل جمع رَاجل: الذي يمشي على رجليه، كركب جمع راكب، وصحب جمع صاحب، رجل اسم جمع للراجل الذي يمشي على رجليه، (وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤)) إمكانات مهولة، وقوة كبيرة، ولنتأمل في هذه الإمكانات وهذه الأسلحة، أولا الاستفزاز: الاستفزاز أن يستخفك الشيطان، وأن يدفعك إلى فعل ما لا يجب، وأن يحملك على فعل ما يريد هو لا ما تريده أنت، (بِصَوْتِكَ) ما هو ذلك الصوت؟ هل سمع أحدكم صوت إبليس؟ هل له صوت مسموع؟ ما هو ذلك الصوت؟ قالوا: الصوت: الوسوسة عُبِّر عنها بالصوت إذ الوسوسة صوت خفي، (وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ) أي بوسوستك، وقال آخرون: الصوت كل داع إلى ضلالة من الإنس والجن، وقالوا: الصوت مزامير الشيطان، الغناء، والموسيقى، واللهو وما إلى ذلك، أصوات تجذب انتباه الإنسان، تحرضه على الفسق، تحرضه على العصيان، تحرك الشهوات، فكل صوت يحرك الشهوة الحرام، وكل صوت يدعو إلى ضلالة أو إلى عصيان، أو إلى معصية هو صوت الشيطان، سواء أكان الصوت وسوسة منه أو من القرين، أو من الإنس، من أصدقاء السوء، أو من القيان - المغنيات اللاتي يتغنين بما يثير الغرائز والشهوة ويتكسرن في كلامهن ويتميعن، وما نراه الآن منتشراً بين الناس، يذاع عليهم ليلا ونهارا، (وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ) مقالات الكفار والمتشككين والداعين إلى الضلالة، سواءً أكانت بالكلمة المقروءة، أو الكلمة المسموعة، أو الكلمة المرئية، كل ذلك يعبر عنه بالصوت، (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) قال بعض الناس: الأمر تمثيل لموقف، تمثيل بقائد مغوار يركب ومعه جنود رجالاً وركباناً، وهجم فجأة على أهل قرية، فصاح بهم وصاح جنوده والناس نيام ففزعوا، وخرجوا من بيوتهم، وخرجوا من حصونهم وذاك ما يريده، الاستفزاز أن يخرجك من مكانك، أن يقيمك من مجلسك، أن يخرجك من حصنك فيستطيع أن يستولي عليك، فإذا صاح القائد والجنود بالناس وهم في غفلة واستفزهم وخرجوا وقاموا وحدث الارتباك، أحاط بهم فاستأصلهم وأهلكهم، فهو تمثيل لما يفعله إبليس وجنوده، وقال بعضهم: بل الكلام عن إبليس وعن جنود إبليس ، وما يفعلونه على الحقيقة، الصوت كل صوت يدعو إلى ضلال، (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) كل راكب، وكل ماش في معصية الله، فلا جنود ولا خيل ولا ركبان ولا رجال، وإنما الكلام عن جنود إبليس، عن الناس، عن الإنس الذين استفزهم واستغلهم واستولى عليهم، وأصبحوا من حزبه: (أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱلشَّيْطَـٰنِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ (١٩)) [سورة المجادلة آية: ١٩]، فكل راكب وماش في معصية هو من رجاله ومن ركبانه، (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) إذاً فالآية تشعر بأن الداعين إلى العصيان، والمحرضين على الفسق والأمثلة كثيرة لا يتسع لها المقام، وقد أربأ بمقامي هذا عن الكلام عن هذه الأمثلة، ويكفي أن تقرأ ما ينشر في الصحف والمجلات، ويكفي أن تشاهد ما يذاع، وأن تسمع ما يذاع، لترى أي دعوة هذه وإلى أشيء تدعى، لتعلم أن هذا مثال لما جاء في الآية (وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ)، (وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ) كيف؟ مشاركة إبليس في الأموال كيف تكون؟ قالوا: أن يحملك على اكتسابها من حرام إذاً فهو شريك لك بالمشورة، وقد يشارك الإنسان إنسانا آخر، هو بالرأي والمشورة والآخر بالمال أو بالمجهود، فهي مشاركة هو يشارك بالمشورة بالوسوسة بالدعوة إلى اكتساب المال من حرام، فتطيع فتكتسب من حرام فيصبح شريكا لك، أيضا يدعوك للإنفاق فيما لا يجب، في الفسق والعصيان والفجور، ومحاربة الله (عز وجل) ومحاربة سنّة رسوله، فاكتساب المال من حرام وإنفاقه في الحرام، مشاركة من إبليس في المال، (وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ) السرقة، السارق حين سرق شاركه إبليس في فعله بالوسوسة بالدفع بالتحريض، وهكذا، والأولاد، كيف تكون المشاركة في الأولاد؟ قالوا: بنشر الفسق والفجور والاختلاط غير المرغوب فيه، فيحدث الزنا، فإن حدث الزنا، فأولاد الزنا أولاده، شارك فيهم إذاً فمشاركته في الأولاد هو التحريض على الزنا حتى ينتج من هذا الزنا أولاد الزنا، أيضا المشاركة في الأولاد: ما حرضهم عليه من وأد البنات، فحين وأدوا البنات شاركهم في قتلهن، المشاركة حين حرضهم على تسميتهم عبد الحارث عبد العزى عبد مناف عبد اللات، فأطلقوا عليهم أسماء عبدة للأصنام فهي مشاركة، قالوا أيضا: المشاركة في الأولاد تحريض الأب على التهويد والتنصير والتمجيس، حيث قال نبينا (صلى الله عليه وسلم) (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) فتلك أيضا مشاركة، (وَعِدْهُمْ ۚ) الوعد والتمنية بماذا؟ يعدهم بحصول اللذة والمتعة من الحرام، أن يشرب الخمر فينتشي لذة ، يعدهم بحدوث اللذة في كل معصية يحرضهم عليها، يعدهم بطول الأجل، فينسيهم الموت، وتجده يمشي في جنازة يشيّع ميتاً ويناديه النعش انظر إليّ بعقلك، أنا المهيأ لحملك، أنا سرير المنايا، كم سار مثلي بمثلك، ولا يعتبر ولا يتعظ ولا يسمع، وتراه يتكلم مع جاره من المشيعين، أين تذهب بعد التشييع هلمّ بنا نفعل كذا وكذا، ويفكر في معصية والموت أبعد ما يكون عنه، وهو أمامه، كذلك يعدهم بالمغفرة يوم الجحيم ربك رحيم، ماذا أفعل أنا لا أضر أحداً، أنا لا أفعل كذا، فيشرب الخمر ويقول إنه يشربها في بيته ولا يضر أحداً، بل يصلح المعدة، ويجرّي الدم وما إلى ذلك، الكلام الذي يُقال في مثل هذه الأحوال كلها وعد باطل، عِدْهم بأن الأصنام تشفع لهم، عدهم بأنه لا ثواب ولا عقاب ولا حساب، وإن كان فأنتم أولى بالجنة من غيركم، كما قال الكفار عن المؤمنين حين آمنوا: (وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْ كَانَ خَيْرًۭا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ۚ ) [سورة الأحقاف آية: ١١]، نحن أوْلى به منهم ، وكالقائل: (وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةًۭ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًۭا مِّنْهَا مُنقَلَبًۭا (٣٦)) [سورة الكهف آية: ٣٦]، (وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ ) [سورة فصلت آية: ٥٠]، هو يشك في الرجوع، ومع ذلك يقول إن كان هناك رجوع فكما أكرمني في الدنيا بالغنى والمال والجاه فلا بد وأن يكرمني في الآخرة، ذاك من مواعيد الشيطان، (وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤)) الغرور: تزيين الباطل حتى يتوهم أنه الحق، تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب، ذاك هو الغرور، غره وأخذه على غرة، والغرور أن يزين الباطل بما يوهم أنه حق، أو يزين الخطأ بما يوهم أنه صواب وهكذا، إبليس يزين للناس.
(إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌۭ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًۭا (٦٥)) ما أجملها من كلمة، وما أحلاها من آية، وما أعظمه من أمل وبشرى، (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌۭ ۚ ) ترى: المقصود بالعباد هنا: الطائعين والمؤمنين والأولياء، أم هم الناس جميعا؟ إن كان المقصود الناس جميعا (إِنَّ عِبَادِى) أي الخلق عموما، (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌۭ ۚ ) إذاً فلا سلطان للشيطان على الناس، السلطان معناه تسلّط، السلطان معناه أن يدفعك إلى فعل الشيء رغم أنفك، السلطان معناه ان يملك القهر فلا تجد لنفسك دافعا أولا تجد لنفسك مخرجاً، أو تُضطر إلى فعل الشيء ليس له سلطان وإنما هو يدعو يوسوس يزين فقط ولا سلطان له، بمعنى من سرق زُينت له السرقة ووسوس له الشيطان ومنّاه بالسلامة، ووعده بالغنى هل أخذه من تلابيبه وأخرجه من داره ودفعه إلى المكان، وأخذ يده فمدها إلى الشيء المسروق؟ هل فعل ذلك، فِعْلًه وسوسة فقط وتزيين، (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌۭ ۚ) وذاك يصدّقه ما سوف يحدث يوم القيامة، حيث يقف إبليس خطيبا في الجمع: (وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلْأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم ۖ ) [سورة إبراهيم آية: ٢٢]،
(إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌۭ ۚ ) وإذا كان الأمر كذلك، فلا حجة لعاص ولا حجة لكافر، وما يقوله بعض الناس: الشيطان شاطر كذب وافتراء، لأن الله يقول:(إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)) [سورة النساء آية: ٧٦]، ومن يقول لقد أرغمت أو دفعت أو لم أجد سيطرة على نفسي أو أو إلى آخره، ونسبة الأفعال السيئة للشيطان وما إلى ذلك وأن سلطانه قائم كلام لا أساس له، (وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًۭا (٦٥)) أي مسئولاً عنهم متوكلا بأمورهم يحفظهم من سلطانك، لكن لا يحفظهم من وسوستك ومن إغوائك فما أنت إلا فتنة وما أنت إلا اختبار، بك يختبر الخلائق، ربنا حين قال له: (قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَآءًۭ مَّوْفُورًۭا ﴿٦۳﴾) قال البعض: هذا وإن كان أمر إهانة أو استخفاف به وبمن تبعه، إلا أنه تخلية بينه وبين ما سوّلت له به نفسه، هو قال: لئن أخرتني لأفعلن ولأفعلن، فربنا (تبارك وتعالى) تركه وما يريد، وخلّى بينه وبين ما يريد، وسمح بذلك وأذن، لكن ليس معنى هذا أن له سلطان على أحد، بمعنى إذا قال ابنك لك: إني خارج وفاعل كذا وكذا والأمر لا يرضيك، ولم ترد أن تمنعه، وأردت أن يجرَب العصيان وأن يقع في الخطأ أردت ذلك من ابنك، فقلت له: افعل ما شئت، معنى ذلك أنك راضِ؟ أبداً، افعل ما شئت، أنت لست راضٍ عن فعله، وأنت لم تساعده في فعله، وإنما تركته وما يريد، خلّيت بينه وبين ما يريد، وقد كان الله (تبارك وتعالى) قادراً على منعه، لكن الله أراد أن يختبر الناس، وأن يبتلي الناس، وأن يميز الطائع من العاصي، فكلمة " اذهب " تخلية بينه وبين ما أراد، أي سمح له حين سمح له وأذن له وخلى بينه وبين ما أراد أو بينه وبين ما سوَلت له به نفسه، حدث الاختبار وحدث الابتلاء، (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌۭ ۚ ) هي تخلية، أنت تدعوهم وتزعم، وتزعم افعل ما تشاء، من تبعك فإن جهنم جزاؤك وجزاؤهم جزاء موفوراً، ومن لم يتبعك وكان قوياً وتغلّب على صوتك وعلى وسوستك ولم يستمع أو ينقاد لخيلك ورجلك الذين أجلبت بهم عليه، فكفى بربك وكيلا، وقد يكون المقصود بكلمة (عبادي) هذه النسبة (إِنَّ عِبَادِى) تشريف فقد يُقصد بهم الذين لم يستجيبوا للشيطان ولم يستمعوا لوسوسته واعتصموا بالله (عز وجل) والتجأوا إليه، وتوكلوا عليه فكفاهم وحماهم وعصمهم، (إِنَّ عِبَادِى) المتوكلين علي، المفوضين أمورهم إلى ّ الطائعين لأمري، (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌۭ ۚ ) أي حين قال: (وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ) إذاً فهناك من لا يستطيع أن يستفزه، من هم؟ عباد الله، عباد الرحمن، (وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًۭا (٦٥)) يتوكلون عليه، ويفوضون أمورهم إليه، يحميهم ويكفيهم، ويمنع عنهم غرور الشيطان ووسوسة الشيطان.
فيذكر الله (تبارك وتعالى) الناس ببعض نعمه فيقول:
رَّبُّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِى ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا ﴿66﴾
وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ كَفُورًا ﴿67﴾
(وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ) الضُر: الغرق، الضرّ: سكون الريح، الضرّ: تعطل السفينة، الضرّ: كل ما يخشى منه وكل ما يعرّض للهلاك، (ضَلَّ) ضل ّ: غاب وتلف وضاع (ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ ۖ ) غاب عنكم الأصنام، غاب عنكم كل من تدعونه من دون الله، ولم تتذكروا في تلك اللحظة إلا الله، والاستثناء هنا قد يكون متصلا وقد يكون منفصلا، (ضَلَّ مَن تَدْعُونَ) أي الأصنام والآلهة والملائكة والجن وما إلى ذلك، إلا الله أي لكن الله هو الذي تتوجهون إليه، (ضَلَّ مَن تَدْعُونَ) إذا كان من تدعون الأصنام والآلهة والله كذلك، فالكل ضل إلا الله سمع وأجاب ونجى (فَلَمَّا نَجَّىٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ) لما نجاكم حين دعوتموه نجاكم إلى البر أعرضتم كفرتم نسيتم عدتم إلى كفركم، عدتم إلى شرككم، والغريب أن الله (تبارك وتعالى) يعلم ما يكون، ويعلم أنهم سوف يعرضون، ومع ذلك يستجيب لهم فينجيهم، (إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا ﴿٦٦﴾) حقا وصدقا، (وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ كَفُورًا ﴿٦۷﴾) الإنسان هنا الكافر عابد الصنم الذي يلجأ إلى الله في الشدائد، فإذا أزال عنه الشدة نسى الله، وعاد إلى ما كان عليه من كفره، (وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ كَفُورًا ﴿٦۷﴾) أي شديداً في كفره مبالغا فيه، أو الإنسان عموما جبل الناس على كفران النعمة إلا من عصمه الله (إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًۭا جَهُولًۭا (٧٢)) [سورة الأحزاب آية: ٧٢]، (وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ عَجُولًۭا (١١)) [سورة الإسراء آية: ١١]، صفات للإنسان عموما، لكن من عصمه الله شيء آخر، (إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًۭا (٢٠)) [سورة المعارج آية: ١٩- ٢٠]
صفة في كل الناس كل الناس (وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا ٱلْمُصَلِّينَ (٢٢) ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَآئِمُونَ (٢٣)) [سورة المعارج آية: ٢١- ٢٣]، جعلنا الله منهم.
إذاً فقد يكون المقصود (وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ كَفُورًا ﴿٦۷﴾) أن كفران النعمة من صفة الناس عموما، إلا من عصمه الله، أو الكلام عن الكافر على وجه الخصوص. ( وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ كَفُورًا ﴿٦۷﴾).
أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًۭا ثُمَّ لَا تَجِدُوا۟ لَكُمْ وَكِيلًا ﴿68﴾
كلمة (جَانِبَ) لأن البر جانب والبحر جانب، أو الكلمة قصد بها الإشعار بأنه بمجرد أن وضع قدمه على البر ومشى على رجله، كفر لم ينتظر حتى يذهب إلى بيته أو لم ينتظر لليوم التالي أو ينتظر حتى يبتعد عن البحر، وإنما بمجرد أن رست السفينة ونجا من الهلاك ووضع رجله على البر كفر كلمة (جَانِبَ) تشعر بهذا، (أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ) والخسيف وجمعه خُسُف: ما غاب في الأرض، وخسفت الشمس: غابت عن الناس، وغاب ضوؤها عن الوجود، يخسف بكم الأرض: يُدفن الناس فيها تنخسف بهم وتهبط الأرض وإذا بهم قد أصبحوا في باطن الأرض بعد أن كانوا في ظاهرها وقلبت بهم، (َفَأَمِنتُمْ) من استطاع أن يهلككم في البحر يمكن أن يهلككم في البر، فهو رب البحر ورب البر، هو الذي خلق وهو الذي خلق البر، فإن كان قد عرّضكم في البحر ونجّاكم، فهو قادر على أن يعرضكم للهلاك في البر، فكيف أمنتم؟ كيف؟ من أين حدث لكم الأمن؟ من أين جئتم بالأمان، ما حدث في البحر يمكن أن يحدث في البر، يحدث في البحر بالغرق ويحدث في البر بالخسف، أمر غريب، أمر عجيب، (أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًۭا ثُمَّ لَا تَجِدُوا۟ لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)) الحاصب: الريح التي تقذف بالحصباء، والحصباء الحصى الصغير، والرياح التي تحمل الأتربة والغبار والحصى رياح شديدة تؤذي وتدمر.
أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًۭا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ۙ ثُمَّ لَا تَجِدُوا۟ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِۦ تَبِيعًۭا ﴿69﴾
فقد ذكرت الآيات إنعام الله (تبارك وتعالى) على عباده بتسيير السفن وحملهم في البحر، وابتغاؤهم من فضل الله، ثم خوّفت الخلائق الذين يغفلون عن نعمة الله (عز وجل) ويعودون إلى شركهم وعصيانهم، وجاء الترهيب والتخويف بخسف الأرض، أو الإعادة إلى البحر حيث الإغراق.
ثم تأتي الآيات فتذكّر وتعدد نعمة الله (تبارك وتعالى) على خلقه وعظيم منته:
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍۢ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًۭا ﴿70﴾
يَوْمَ نَدْعُوا۟ كُلَّ أُنَاسٍۭ بِإِمَـٰمِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَـٰبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًۭا ﴿71﴾
(وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًۭا (٧١)) الفتيل: الخيط الرقيق الموجود في شق النواة، نواة البلحة، القشرة قطمير، النقرة فيها نقير، الفتيل الصغير الخيط الرفيع في شق النواة ذاك هو الفتيل، (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًۭا (٧١)) أي لا ينقص من أجورهم شيئا ولو كان قدر القتيل حقاً وكفى بالله حسيباً. (وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ ) [سورة الأنبياء آية: ٤٧].
وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًۭا ﴿72﴾
وينتقل الكلام إلى حكاية مكايد المشركين، وكيف تفضل الله على حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) فعصمه ورفع قدره:
وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُۥ ۖ وَإِذًۭا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلًۭا ﴿73﴾
وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًۭٔا قَلِيلًا ﴿74﴾
إِذًۭا لَّأَذَقْنَـٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًۭا ﴿75﴾
وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًۭا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلَّا قَلِيلًۭا ﴿76﴾
سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ﴿77﴾
أيها الأخ المسلم: القرآن كلام الله، القرآن منهج، القرآن سلوك، القرآن خُلُق، القرآن نزل لسعادة الدارين، القرآن نزل ليرسم للإنسان الطريق كي يسير فيه في أمور الدنيا، وكذلك يرسم له الطريق إلى رضوان الله (عز وجل) من ابتغى الهدى في غيره أضله الله، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، عودوا إلى كتاب ربكم، وإياكم أن يفتنكم الكفار عن كتاب ربكم، عودوا إليه، واحكموا به، واعملوا بما جاء فيه، وتأملوا في آياته واقرأوه آناء الليل وأطراف النهار فقد نزل ليُصلى به، وليُقرأ في الصلاة، وليقرأ في غير الصلاة، وما نزل للتبرك، أو للتعليق في الصدور أو على الحوائط، أو لكي يُقرأ في المآتم وعلى القبور، كتاب حكم، كتاب دستور، كتاب منهج. تحدثت الآيات عن مكايد المشركين، وعن الخطر المحدق بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وبالمسلمين، محاولة الفتنة والصرف عما أوحى به الله إليه، محاولة الإخراج من الأرض، ومحاربة الدين محاولات ومكايد، الاتقاء كان بعصمة سيد الخلْق، عصم الله حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) من هذا وذاك، (وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ) لكن الله يقول (وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ) ، (وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ) لكن الله لم يرد ذلك وأمهلهم، أين الملجأ؟ (أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ) يا سلام على الرباط رباط الآيات ما ظهر وما خفي، ما من آية إلا وهي مربوطة بما قبلها وما بعدها برباط غاية في الإعجاز والدقة.
أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًۭا ﴿78﴾
وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةًۭ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًۭا مَّحْمُودًۭا ﴿79﴾
وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍۢ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍۢ وَٱجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَـٰنًۭا نَّصِيرًۭا ﴿80﴾
وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًۭا ﴿81﴾
الأمر الثاني: لكي يحدث الاستمرار على الطاعة لا تقل أبدا إني فعلت، لا تقل أبدا إني عملت، فالله خلقكم وما تعملون قل: استعملني الله، فإن قلت حفظت القرآن فأنت قد فعلت وان قلت: استعملني الله، فإن قلت حفظت القرآن فأنت قد فعلت، وإن قلت استعملني الله بأن حفظني القرآن فالله قد فعل، حين تقول أنا فعلت: قد تملّ وقد تنسب لنفسك الفعل فتقلل منه وقتما تشاء للملل أو للانشغال، أو أن تلهى عن ذاك، أو يستدرجك الشيطان، أو يتملكك الغرور، أو تصاب بالعُجب، أما إن أحسست أن الله قد استعملك، إذاً فقيامك للصلاة بالليل إيقاظ منه لك، هو الذي أقامك وهو الذي أعطاك، وهو الذي منّ عليك، فإن أحسست بذلك خشيت أن يذهب ذاك عنك.
فقد كان نبينا (صلى الله عليه وسلم) يفزع إلى الصلاة كلما حزبه أمر ويقول: (أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ) (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ ) وقد جُمعت الصلوات الخمس في آية حيث يقول الله (تبارك وتعالى): (أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًۭا (٧٨)) جمعت الصلوات الخمس، إقامة الصلاة: الإتيان بها على وجهها بتعديل أركانها والخشوع فيها وما إلى ذلك، (لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ) الدلوك: يُطلق على ما بعد الزوال، حيث تميل الشمس، يطلق أيضا على الغروب، ومادة "دَلَك" تفيد التحول والانتقال، والدالك بيده لا تستقر يده، كما أن الإنسان إذا نظر إلى الشمس في وقت الظهيرة دلك عينيه، حماية لها من شعاعها، حماية لعينيه من شعاع الشمس، دلك: مال أو تحوّل أو انتقل، (أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ) لميل الشمس، وميل الشمس يبدأ من بعد الزوال، ينتهي بالغروب، (إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ) إلى ظلمة الليل وسواده، وغَسَقَ: سال، وغَسَقَت وغَسِقَت العين: سال دمعها، وكأن ظلمة الليل تنصب على الأرض وتسيل عليها، فسُمي انتشار الظلام وسواد الليل بالغسق لأنه يغطي ويسيل على الأرض، (أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ) إذاً فقد ذكرت صلاة الظهر بعد الزوال والعصر والمغرب والعشاء، إذ إن الشمس تبدأ في الميل بعد الزوال وهو وقت الظهر، وتنتهي عند الغروب وهو وقت المغرب، فيدخل فيها المغرب، أو يدخل المغرب في الغَسَق، (وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ ) ها هو الفجر جاء ذكره أي صلاة الصبح، (وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ ) منصوبة على الإغراء، أو الأرجح أنها منصوبة عطفا، (أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ) وأقم قرآن الفجر، وسُميت صلاة الفجر بذلك لأن القراءة فيها مجهور بها، ويجب أن يطيل القارئ قراءته في صلاة الفجر فذاك من السنّة، وتسمى الصلاة ببعض أجزائها فيسمى الكل باسم الجزء فسُميت الصلاة بأركانها سُميت ركوعا وسُميت سجوداً وسُميت قنوتاً وسًميت قُرآنا، والآية دليل على أن القراءة في الصلاة ركن من أركانها، فكما أن الركوع ركن وسميت الصلاة بالركوع، والسجود ركن وسُميت الصلاة بالسجود، فحين تسمى الصلاة بالقرآن إذاً فالقرآن فيها ركن، ولذا قال العلماء القراءة في الصلاة ركن من أركانها، بغير القراءة لا تصح الصلاة، وقالوا إن القرآن التي هي الركن هي قراءة الفاتحة، وأرجح الأقوال أنها تجب على الإمام والمنفرد والمأموم في جميع الركعات، (وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًۭا (٧٨)) تشهده الملائكة لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) (الْمَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ).
(وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةًۭ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًۭا مَّحْمُودًۭا (٧٩)) ، (وَمِنَ ٱلَّيْلِ) "من" هنا للتبعيض أي من بعض الليل، جزء أو أجزاء (وَمِنَ ٱلَّيْلِ) ليس الليل كله وإنما بعض الليل، (وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ) الهجود: النوم بالليل، الهجود: النوم بالليل، الهجود: الاستيقاظ فهو من الأضداد، اللفظ يستخدم في الشيء وفي ضده ذاك رأي، والرأي الأرجح هجد: نام ليلاً، تهجد: ترك النوم، إذ إن التضعيف للفعل يسلبه أو يزيله، كهمزة السلب في بعض الأفعال مثل: خفر وأخفر، فكذلك التشديد: مرض ومُرِّض: أزيل مرضه، تهجد: أزال الهجود عن نفسه تأثم: أزال الإثم، تحنّث: أزال الحنث، تحرّج: ترك الحرج وأزاله عنه، (وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ) أي اترك الهجود وهو النوم بالليل، (وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ) "فتهجد" والفاء هنا عاطفة على مقدَّر على مضمر أي ومن الليل قم فتهجد، (بِهِۦ) بالقرآن (نَافِلَةًۭ لَّكَ) النافلة: الزيادة، ونفله أعطاه، والنافلة: العطية، النافلة: المنحة ، وهنا اختلف العلماء: الخطاب في الآية لسيد الخلْق (صلى الله عليه وسلم) (وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ) وقوله (عز وجل): (أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ) وإن كان الخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) لكن الخطاب له وللأمة، إذ إن الصلاة مفروضة على الجميع، لكن التخصيص في قوله: (نَافِلَةًۭ لَّكَ) هنا خص سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) لِمَ خص بالتهجد؟ قال بعضهم: القيام بالليل للصلاة والتهجد بالقرآن فريضة عليه زائدة عن الفرائض المفروضة على الأمة (قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًۭا (٢)) [سورة المزمل آية: ٢]
إذاً فقيام الليل مفروض عليه (صلى الله عليه وسلم) لذل قال: (نَافِلَةًۭ لَّكَ) أي زيادة عن الفرائض المفروضة على الأمة، وقال بعضهم بل نسخ فرض القيام عليه كما نسخ في حق الأمة: (عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ ۚ ) [سورة المزمل آية: ٢٠]، إذاً فقد نُسخ القيام والتهجد في حقه كما نُسخ في حق الأمة، أما كلمة (نَافِلَةًۭ لَّكَ) أي زيادة عطاء لك على وجه الخصوص، لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فإن أتى بما ليس مفروضاً عليه وتطوع كان ذاك زيادة في درجاته ورفعة لمقامه (نَافِلَةًۭ لَّكَ)، وأكبر كرامة التوفيق إلى الطاعة، وما من عبادة يُرزقها العبد إلا وتورثه السعادة في الدنيا وفي الآخرة، وإن كان القيام منسوخاً في حقه، إلا أنه لو قام وهو معفور الذنب، كان ذلك زيادة ورفعة لدرجاته، أما الأمة فالنوافل بالنسبة للأمة كفارات وتعويض عن الخلل الذي قد يلحق الفريضة، بمعنى لو صام الإنسان تطوعا (مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا) من صام تطوعا حين يحاسب على الصيام إن كان هناك خلل في صيام الفريضة عُوَّض الخلل بصيام النفل، وإن صلّى السنن الرواتب الذي سنّها لنا الرؤوف الرحيم بنا سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فإن حوسب على الصلاة فكان في بعضها خلل، تدورك ذاك الخلل بما أدّاه من نوافل، فالتطوع في حق الأمة كفارة للسيئات، وتداركاً لخلل قد يقع في الفريضة، أما المعصوم (صلى الله عليه وسلم) فالتطوع بالنسبة له زيادة في درجاته، لذا خُتمت الآية بقوله (عز وجل): (عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًۭا مَّحْمُودًۭا (٧٩)) وذاك الرأي أرجح، الرأي القائل بأن فرض القيام بالليل نسخ في حقه، كما نسخ في حق الأمة (عسى) من الله واجبة (عسى) في كلام البشر تفيد الترجي، والذي قد يتحقق أولا يتحقق، عسى أن أعطيك شيئا، عسى أن أمنحك عسى أن آتيك، قد وقد، أما في حق الله (عز وجل) فعسى منه واجبة، لأنه قادر لا يمنعه شيء ولا يعجزه شيء، وإن وعد وفى، وإن أعطاك الأمل لا يخيب فيه رجاءك، فحين يقول الله (تبارك وتعالى) "عسى" إذاً فهي متحققة، (عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًۭا مَّحْمُودًۭا (٧٩)) المقام: كل موضوع يقف فيه الإنسان لأمر جليل لأمر خطير، المحمود: الذي يُحمد القائم فيه يحمد نفسه إن قام ذاك المقام ويحمده الآخرون (عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ) إذاً فالبعث لهذا المقام متحقق، (مَقَامًۭا) موقفاً (مَّحْمُودًۭا (٧٩)) تحمده أنت، ويحمده الخلائق جميعا، ترى ما هو ذاك المقام؟ قالوا: وهو أرجح الأقوال على الإطلاق هو مقام الشفاعة العظمى، (عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًۭا مَّحْمُودًۭا (٧٩)) إذ إن يوم القيامة حين: (يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ فَيَقُولُ النَّاسُ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ عَلَيْكُمْ بِآدَمَ فَيَأْتُونَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَيَقُولُونَ لَهُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ آدَمُ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ
قَدْ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ
وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّي (عَزَّ وَجَلَّ) قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي نَفْسِي
نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ فَذَكَرَهُنَّ
أَبُو حَيَّانَ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَضَّلَكَ اللَّهُ
بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ
اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ عِيسَى إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ
الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا
فَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتِمُ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي ثُمَّ يُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ) ، وذلك هو موقف الشفاعة العامة التي يحمده عليها جميع الخلائق، واختلف الناس في شفاعة النبي (صلى الله عليه وسلم) كم شفاعة هي؟ قالوا شفاعتان: شفاعة عامة وشفاعة خاصة، الشفاعة العامة للخلائق: كي يقضي الله (تبارك وتعالى) بين العباد فيُنشر الديوان ويُنصب الميزان، وشفاعة خاصة: لأمته (صلى الله عليه وسلم) فهما شفاعتان، الشفاعة العامة لا يشاركه فيها أحد، أما الشفاعة الخاصة لأمته، فكل نبي يشفع لأمته، وقال بعضهم: بل هي ثلاث شفاعات: شفاعة عامة، وشفاعة في السبق إلى الجنة، حيث يدخل أناس الجنة بغير حساب بشفاعته، وشفاعة ثالثة وهي الشفاعة لأهل الكبائر، وقال بعضهم بل هي خمس شفاعات: شفاعة عامة التي يُحمد عليها ولا يشاركه فيها أحد، ثم شفاعة في السبق إلى الجنة، أولئك الين يدخلون الجنة بغير حساب، ثم شفاعة في قوم من الموحدين استوجبوا النار ببعض ذنوبهم، فيشفع لهم فلا يدخلون النار، وشفاعة للمذبين الذين أُدخلوا النار فيُجد له فيخرجهم من النار، والشفاعة الخامسة لرفعة الدرجات في الجنة لأهلها فهي خمس شفاعات، (عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًۭا مَّحْمُودًۭا (٧٩)) وقال سيد الخلْق (صلى الله عليه وسلم) (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ ).
(وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍۢ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍۢ وَٱجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَـٰنًۭا نَّصِيرًۭا ﴿۸۰﴾) الأقوال في هذه الآية كثيرة: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍۢ) أدخلني القبر إدخالاً مرضيا، (وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍۢ) وأخرجني من القبر يوم البعث إخراجاً مرضيا، فالمدخل بمعنى الإدخال، والمخرج بمعنى الإخراج، إذ أن الآية السابقة لها (عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًۭا مَّحْمُودًۭا (٧٩)) فعلّمه الدعاء أدخلني القبر وأخرجني من القبر، إذ جاء ذكر البعث، وقال بعضهم: أدخلني المدينة، وأخرجني من مكة في الهجرة، وقال آخرون: أدخلني الغار وأخرجني من الغار حين خرج وخرجت وراءه قريش، وقال بعضهم: أدخلني مكة يوم الفتح منصورا ، إدخالا مرضيا وأخرجني منها بعد الفتح آمنا من المشركين، وأرجح الأقوال هو ما يجمع كل ذلك: أدخلني في كل أمر، في كل مكان، في كل سفر، ما من أمر يدخل فيه بالقول أو بالفعل أو بالحركة أو بالانتقال أو بالسفر ومنه النبوة كما قيل أدخلني فيما كلفتني به من أمر النبوة، وأخرجني، والقبر والخروج من القبر، دخول المدينة، الخروج من مكة ودخول مكة، دخول الغار كل ذلك يندرج تحت العموم، والعموم أفضل، (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى) أي اجعل وردي في كل الأمور وصدري في كل الأمور مرضياً (وقل رب أدخلني مَدْخَل صدق وأخرجني مَخَرج صدق) قراءة المَدْخل: الدخول، والمَخْرج المُدْخل: الإدخال، المُخرج الإخراج، أدخلني مدخل صدق أي أدخلني دخولا مرضيا، أخرجني مخرج صدق أي فأخرج خروجا صادقا.
(وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍۢ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍۢ) قال بعضهم: أخرجني وأدخلني في كل الأمور بالصدق وبالحق، وكأنه يستعيذ بالله أن يدخل بوجه ويخرج بوجه، فذو الوجهين يوم القيامة أنتم تعلمون مصيره، فهو دعاء يعلمه ربنا لنبيه (صلى الله عليه وسلم) ولا بأس للمسلم أن يدعو به، (وَٱجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَـٰنًۭا نَّصِيرًۭا ﴿۸۰﴾) حجة وبرهانا وقوة ينصرني بها على أعدائي وعلى الشيطان.
(وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًۭا ﴿۸١﴾) جاء الحق: الإسلام، جاء الحق: الدين والشرع جاء الحق: القرآن، وزهق: زال، الزهوق: الاضمحلال والزوال، (وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ ) الباطل: الشيطان، الباطل: الشرك، الباطل: الكفر، الباطل: الأصنام، (إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًۭا ﴿۸١﴾) زائلا لا ثبات له ولا استقرار، ومهما كان للباطل صولة لا بد وأن تضمحل، ولا بد وأن يزول، فدولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى أن تقوم الساعة، (وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًۭا ﴿۸١﴾) وقيل: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) حين دخل مكة فاتحا كان فيها ثلاثمائة وستون صنما وكان في يده مخصره عصا قصيرة فأخذ يطعن الأصنام واحداً بعد الآخر وهي مثبتة يطعنها بهذه المخصرة ويقول: (وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًۭا ﴿۸١﴾) فما من صنم طعنه (صلى الله عليه وسلم) إلا وكُبَّ على جهه.
وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌۭ وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًۭا ﴿82﴾
وقالوا: لو أن الشفاء هنا مقصود به شفاء الأبدان لكان القرآن إذا قُرئ على المريض المسلم شُفى، وإذا قُرئَ على المريض الكافر مات أو هلك، فهل ذاك يحدث؟ وهل تداوي الجروح بالقرآن، وحين جُرح النبي (صلى الله عليه وسلم) في غزوة أحد وجاءت ابنته فاطمة بحصير وحرقته ووضعته على الجرح لتكتم الدم، هل عولج الجرح بالقرآن أم عولج بحرق الحصير، وهل وهل ، أسئلة كثيره، وربنا (تبارك وتعالى) أعلم بمراده ونحن نعتقد أن الأرجح هو قول من قال إن الشفاء مقصود به شفاء القلوب، شفاء الصدور من الشك، من شبهات الشرك، من الجهالة، وشفاء النفوس، وتكفير الذنوب، وتطهير العيوب، وتكفير الذنوب، ذاك كله شفاء، (وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌۭ وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًۭا (٨٢)) ولكن لا بأس بالرقية، والتي وردت في حديث أبي سعيد الخدري، والتي وردت في حديث عائشة، النفث بالمعوذات، كل ذلك لا يُقصد به الشفاء من الأمراض العضال رجل يحتاج لعملية جراحية كاستئصال الزائدة الدودية مثلا هل تقرأ عليه القرآن فتستأصل أو تشفي؟ رجل أصيبت في جاءت هل تقرأ عليه القرآن ولا ننقله إلى العلاج؟ القرآن نزل فيه حكم ما بينكم، وخبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، منزل للحكم: (إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًۭا (١٠٥)) [سورة النساء آية: ١٠٥]، يحكم بين الناس بالحق، يحكم بين الناس بالعدل، (وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌۭ وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًۭا (٨٢)) لأن القرآن كلما نزل منه آية، كفر بها الكفار فزاد كفرهم على كفر، من هنا الخسار والخسران: الخيبة والضياع والتلف والهلاك لأن كفرهم يتجدد ويزيد، كفروا أولا ببعض الآيات، ثم كفروا بما نزل، ثم يكفرون بما ينزل، وهكذا كلما نزل من القرآن كفروا به فازداد كفرهم كفرا وزادوا كفرا على كفرهم.
أيها الأخ المسلم: علمنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) بعض الرقى منها: المعوذات وتلك تريح نفسية العبد الذي يعتقد أنه قد حُسد أو قد يقع في الحسد منها الفاتحة منها قوله (صلى الله عليه وسلم) فيمن شعر بألم مجرد ألم ليس مرضا (ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ )، والعبرة باعتقاد القارئ، أو باعتقاد الراقي وطهارة الراقي وحسن وصدق نية من يُرقي، وقد قيل لبعض الناس من الصحابة لقد كان عُمر يرقي بالفاتحة هلا فعلت ذلك؟ فقال ها هي الفاتحة وأين عمر.
وتتحدث الآيات بعد ذلك عن طبيعة الإنسان المتباعد عن ذكر الله (عز وجل) الغافل عن تقديره وعن قضائه، وعن حكمه فيما يريد، يقول الله (تبارك وتعالى):
وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسًۭا ﴿83﴾
قُلْ كُلٌّۭ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًۭا ﴿84﴾
(وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ ۖ ) النأْي: البعد، كناية عن الاستكبار والغرور والعزة بالنفس بالباطل، كما قال قارون: (قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ ۚ ) [سورة القصص آية: ٧٨]،
(وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ) بالغنى بالصحة بالتوفيق بالجاه بالستر بكثرة الأولاد، (أَعْرَضَ) أعرض عن ذكر الله وعن شكر الله على نعمه، وعن استخدام النعم فيما يرضي الله ونأى وابتعد، (بِجَانِبِهِۦ ۖ) الجانب كناية عن الذات، كناية عن النفس، (وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ ۖ ) أي نأي بنفسه وقُرأت (أعرض وناء بجانبه) "ناء " قام ونهض أي قام وابتعد عن الله (تبارك وتعالى) معرضا عن شكره، (وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسًۭا (٨٣)) شديد اليأس من روح الله، شديد القنوط من روح الله. (قُلْ كُلٌّۭ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًۭا ﴿۸٤﴾) الشاكلة والشكْل: المثْل والنظير والشبيه، كقوله (عز وجل): (وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِۦٓ أَزْوَٰجٌ (٥٨)) [سورة ص آية: ٥٨]، (قُلْ كُلٌّۭ يَعْمَلُ)على شاكلته كل من الطائع والعاصي المؤمن والكافر الشاكر والجاحد، (قُلْ كُلٌّۭ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ) كل يعمل على طبعه وطبيعته، على اعتقاده، على دينه، على ما يعتقد، على ما ينبع منه، على ما تكونت عليه نفسه، كقولهم كل إناء ينضح بما فيه (فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًۭا ﴿۸٤﴾) أسدّ طريقا وأبْين منهجا وأوضح سلوكاً، (فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًۭا ﴿۸٤﴾) فكل الناس يعملون، كل يعمل على ما يشاكل حاله من الإيمان والكفر، من التواضع أو الطغيان، من الجحود أو الشكر.
وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا ﴿85﴾
قال بعضهم: الروح القرآن: (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًۭا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ ) [سورة الشورى آية: ٥٢]، وقال بعضهم: الروح عيسى بن مريم (إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌۭ مِّنْهُ ۖ ) [سورة النساء آية: ١٧١]، وقال بعضهم: الروح هو ما تحيا به الأبدان وبانتزاعه يموت الإنسان وذاك هو الصواب وهو الأرجح، (قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى) الأمر واحد الأوامر، مفرد الأوامر، والأمر مفرد الأمور كذلك، لذا قال بعضهم: (مِنْ أَمْرِ رَبِّى) أي أن الروح لم يتولد من مادة، ولم يتحصل من شيء وإنما الروح وجد بكلمة "كن" من غير مادة، وقال بعضهم: (قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى) أي هو شيء خطير، وشيء عظيم، وسر لا يعلمه إلا الله، فلم يطلّع ملك مقرّب، ولا نبي مرسل على كُنه الروح، (قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا (٨٥)) الخطاب لمن؟ (وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا (٨٥)) قيل الخطاب للسائلين الذين سألوا عن الروح، وقيل بل الخطاب لليهود عامة، وقيل بل الخطاب للعالم (وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا (٨٥)) والآية تشعر الإنسان بأنه إذا كان عاجزا عن معرفة كنه أقرب الأشياء إليه وما به حياته، كان عن إدراك ما بعُد عنه أعجز، فإذا كنت عاجزا عن معرفة ما فيك ما به حياتك وبانتزاعه يكون مماتك، فأنت عن إدراك الخالق أعجز وأشد عجزاً، أقرب شيء إلى الإنسان روحه، فإذا كنت لا تدري ما هي روحك فكيف تدري عن غيرك وعن غيرها مما هو لا يقع تحت طائلة الحواس أو يخضع لفكر أو لعقل.
وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيْنَا وَكِيلًا ﴿86﴾
إِلَّا رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّ فَضْلَهُۥ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًۭا ﴿87﴾
فما أعظم القرآن وما أوضحه وما أبينه وما أفصحه وما أصدقه، ولا شك أن إحساسنا بإعجاز هذا القرآن، يختلف عن إحساس من نزل عليهم، فالبوْن بيننا وبينهم شاسع، فقد بعدنا عن اللغة العربية وأصولها، أما هم فقد كانوا أهل اللسان، أهل الخطابة، أهل الشعر، أهل الفصاحة والبراعة، ومع ذلك كفروا به، وحين تلاه عليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قالوا مكابرين معاندين (قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَآ ۙ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ (٣١)) [سورة الأنفال آية: ٣١]، كما حكى عنهم القرآن في سورة الأنفال، (قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَآ ۙ إِنْ هَـٰذَآ) فأكذبهم الله (عز وجل) وبيّن عجزهم فقال عز من قائل:
قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍۢ ظَهِيرًۭا ﴿88﴾
كما حكى عنه القرآن، هل حاول أحد من العرب أن يسمي ابنه بعد نزول الآية (الله) لتكذيب محمد (صلى الله عليه وسلم) لم يحدث في الماضي ولا في الحاضر، ولن يحدث في المستقبل، ما أعظمه وما أفصحه وما أبينه، مليء بالإعجاز ومع ذلك جحدوا به.
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍۢ فَأَبَىٰٓ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًۭا ﴿89﴾
فبدأوا في التعنت واقترحوا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اقتراحات ست واسمع وتأمل في طلباتهم:
وَقَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلْأَرْضِ يَنۢبُوعًا ﴿90﴾
أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌۭ مِّن نَّخِيلٍۢ وَعِنَبٍۢ فَتُفَجِّرَ ٱلْأَنْهَـٰرَ خِلَـٰلَهَا تَفْجِيرًا ﴿91﴾
أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ قَبِيلًا ﴿92﴾
أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌۭ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَـٰبًۭا نَّقْرَؤُهُۥ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًۭا رَّسُولًۭا ﴿93﴾
(أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌۭ مِّن زُخْرُفٍ) من ذهب والزخرف في الأصل الزينة وهي في هذه الآية بمعنى الذهب، (أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَآءِ) رقِىَ يرْقَى رقْياً ورُقِياً: صعد (أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَآءِ) تصعد في معارج السماء، وإن حدث ورقيت لن نؤمن من أجل رقيك، بل لا بد وأن تنزل ومعك كتاب لكل منا، كما قال عز من قائل في موضوع آخر: (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِئٍۢ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًۭا مُّنَشَّرَةًۭ (٥٢)) [سورة المدثر آية: ٥٢]، (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى) (قال سبحان ربي) قراءة (هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًۭا رَّسُولًۭا (٩٣)) أي قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لهم حين حاوروه وسألوه عن هذا الأشياء (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى) تنزيها لله (عز وجل) من العجز، أو تعجباًمن طلباتهم،(سُبْحَانَ رَبِّى) تعجبا من هذا التعنت، وهذا الجحود وهذه الطلبات، أو تنزيها لله (عز وجل) أن يُقترح عليه شيء، أو أن يعجز عن شيء،(هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًۭا) بشر مثل البشر لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعا عبد كسائر العبيد، (رَّسُولًۭا (٩٣)) كسائر الرسل، ما كان لرسول أن يقترح على ربه آية أو معجزة، وإنما كل رسول جاء بمعجزة من اختيار ومن تدبير الله بما يتلاءم مع حال قومه، وما اقترح الرسول على ربنا (تبارك وتعالى) شيئا (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًۭا رَّسُولًۭا ﴿۹۳﴾)، والاختيار لله والتدبير لله، ولو أن سُمح للناس باقتراح الآيات، فاقترح أحدهم آية فنزلت، لقال الآخر أنا لا أريد هذه الآية، وإنما أريد كذا، ولاختار كل منهم شيئا، ولاختاروا أيضا من يبعث إليهم، ولأصبح الاختيار والتدبير للناس وليس لله (عز وجل).
وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًۭا رَّسُولًۭا ﴿94﴾
قُل لَّوْ كَانَ فِى ٱلْأَرْضِ مَلَـٰٓئِكَةٌۭ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًۭا رَّسُولًۭا ﴿95﴾
لم يجدوا شيئا يتعنتون به بعد ذلك إلا أن قالوا ومن يشهد لك بأنك رسول فنزل قول الله (عز وجل):
قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًۭا ﴿96﴾
وتأتي الآية التي توضح سنّة الله في خلقه من حيث الهدى والضلال:
وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِۦ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًۭا وَبُكْمًۭا وَصُمًّۭا ۖ مَّأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًۭا ﴿97﴾
ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًۭا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًۭا جَدِيدًا ﴿98﴾
(قَالُوا۟ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا) [سورة المؤمنون آية: ١٠٦]
وطلبوا الخروج حين يقال لهم: (قَالَ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)) [سورة المؤمنون آية: ١٠٨] أصيبوا بالبكم فلا نطق بعدئذ،( مَّأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ ) مصيرهم ومقرهم ومستقرهم، (كُلَّمَا خَبَتْ) طفئت، هل تطفأ النار؟ هل يخبو سعيرها؟ (كُلَّمَا خَبَتْ) قيل إذا أكلت النار جلودهم وأعضاؤهم، ضعف أوارها، وقل سعيرها (خَبَتْ) أي أصبح عليها خباء من الرماد، خباء من رماد، ناتج احتراق الجلود واللحوم والأعضاء، دون أن يقل عذابهم، فإن حدث ذلك زاد السعير، وزاد اللهيب، (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًۭا (٩٧)) وقيل لا تخبوا النار أبداً وإنما (كُلَّمَا خَبَتْ) أي كلما أرادت أن تخبو كقوله: (فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ (٩٨)) [سورة النحل آية: ٩٨]، أي إذا أرادت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وهنا (كُلَّمَا خَبَتْ) أي كلما أرادت (زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًۭا (٩٧)).
(ذَٰلِكَ) العقاب (ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟) أي بسبب كفرهم، حين تعنتوا وقالوا: (أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًۭا وَرُفَـٰتًا) متفتتين كالتراب متحولين إلى أجزاء متناثرة متباعدة متفتتة (أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًۭا جَدِيدًۭا (٤٩)) [سورة الإسراء آية: ٤٩]، استحالوا الإعادة، ونسبوا إلى الله العجز (عز وجل) (سبحانه)، (ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًۭا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًۭا جَدِيدًا (٩٨)) والجزاء من جنس العمل، هم حين كفروا استبعدوا الإعادة بعد الإفناء، واستبعدوا البعث، وكذبوا بذلك، جزاؤهم في جهنم الإفناء ثم الإعادة ، الإفناء ثم الإعادة، الإفناء ثم الإعادة: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ) [سورة النساء آية: ٥٦] وكأن الجزاء من جنس العمل (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًۭا (٩٧)) إذاً فهم يحترفون فيها، وتؤكل لحومهم وعظامهم، ثم بعد ذلك تعاد لهم الحياة، وتعاد اللحوم وتعاد الأجساد ثم تُحرق وتؤكل وهكذا إفناء وإعادة وإفناء وإعادة وهكذا لأنهم قالوا: (أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًۭا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًۭا جَدِيدًا (٩٨)).
الكافر كفر بغير الحق، والكافر لم يكفر لأن الآيات غير موجودة، أو لأن الآيات غير موجودة، أو لأن الآيات غير واضحة، ولو نظر الإنسان حوله لتيقن من وجود الله في أي شيء ولو نظر في نفسه لتيقن من وجود الخالق، كيف تتنفس؟ كيف تأكل، كيف تشعر بالجوع؟ كيف تشعر بالشبع؟ وعاء، المعدة وعاء كيف تشعر بأنها خاوية؟ فتشعر بالجوع فإذا أكلت توقفت في لحظة لإحساسك بالشبع، هل تحسست معدتك، هل تحسست بطنك لترى هل امتلأت أم لا؟ ما هو الإحساس بالجوع؟ ما هو الإحساس بالشبع؟ ما هو الإحساس بالرضا؟ ما هو الإحساس بالغضب؟ كيف تتنفس؟ كيف تدخل الطعام والشراب من مدخل واحد، فإذا به يتوزع فيخرج السائل من مخرج ويخرج الجامد من مخرج، من الذي وزعه؟ كيف تشعر بالحاجة إلى دخولك لدورة المياه؟ ومن الذي يخرج الفضلات؟ وكيف تخرج، من تلقاء نفسها وكيف؟ وكيف؟ (وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)) [سورة الذاريات آية: ٢١]، فما من كافر له عذر، وما من كافر كفر وله حجة أبداً، خاصة بعد بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) ونزول القرآن، ولو افترضنا وجود إنسان في مكان منعزل لم يسمع بالرسل، ولم يسمع بالكتب، ولم يقرأ ولم يكتب، لدله عقله ولدلته فطرته على وجود إله، لكن قد لا يصل إلى الصفات، قد لا يصل إلى العبادات، قد لا يصل إلى ما يجب وما لا يجب، لكنه لا بد وأن يتيقن من وجود القوة الأزلية الأبدية القاهرة الخالقة المدبرة لا بد وأن يصل إلى ذلك بعقله وفطرته السليمة، ومع ذاك فقد اقتضت رحمة الله (تبارك وتعالى) ألا يؤاخذ أحدا حتى يبعث إليه الرسول أو النذير (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا (١٥)) [سورة الإسراء آية: ١٥]، فقد جاءت الآيات لتبين ضعف حجتهم وتدلك على أن من قدر على الإنشاء قدر على الإعادة بعد الإفناء فيقول عز من قائل:
أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًۭا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّـٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورًۭا ﴿99﴾
قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّىٓ إِذًۭا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ قَتُورًۭا ﴿100﴾
وتأتي الآية تلو الآية، يسألون فيجيب، ويسألون فيجيب، ويتعنتون ويقترحون وتأتي الآيات سهلة ميسرة واضحة بينة، ومع ذلك لا أمل (مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيًّۭا مُّرْشِدًۭا (١٧)) [سورة الكهف آية: ١٧].
فقد تحير مشركو مكة في وصف النبي (صلى الله عليه وسلم) بأوصاف عديدة فيها الإهانة، وفيها التكذيب، فقالوا ساحر، وقالوا كاهن، وقالوا كاذب، وقالوا عن القرآن أساطير، وقالوا بل يتلى عليه، بل يملى عليه، بل يعلمه بشر، بل هو سحر، بل هو مسحور، بل هو ساحر، وتحيروا وتخبطوا، فعجّب الله نبيه (صلى الله عليه وسلم) قائلا له: (ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَالَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًۭا (٤٨)) [سورة الإسراء آية: ٤٨].
وحين تُليت عليهم آيات القرآن زعموا أنهم قادرون على الإتيان بمثله (لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَآ ۙ إِنْ هَـٰذَآ) [سورة الأنفال آية: ٣١]، فكذبهم الله (تبارك وتعالى) قائلا: (قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍۢ ظَهِيرًۭا (٨٨)) [سورة الإسراء آية: ٨٨].
ثم انتقلوا إلى التكذيب بالحياة الآخرة، والتكذيب بالبعث والحساب، وتعجبوا قائلين كما حكى القرآن عنهم: (وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًۭا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًۭا جَدِيدًۭا (٤٩)) [سورة الإسراء آية: ٤٩]، فرد عليهم ربنا (تبارك وتعالى) قائلا: (قُلْ كُونُوا۟ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًۭا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ ۚ ) [سورة الإسراء آية: ٥٠- ٥١]، وسألوا النبي (صلى الله عليه وسلم) متعنتين أن ينزّل عليهم آية من السماء ومعجزة، ولم يتفقوا على المعجزة المطلوبة، فمنهم من قال: لن نؤمن لك حتى ترقي في السماء، ومنهم من عقّب قائلا لن نؤمن لرقيك وإن رقيت حتى تنزل علينا كتابا نقرأه، ومنهم من قال: هلا فجرت لنا الأرض ينابيع، ومنهم من قال حوِّل لنا جبال مكة ذهباً، ومنهم من قال أفسح لنا هذه الجبال،
ووسع لنا في الأرض، ومنهم من قال هلا منحك ربك جنة من نخيل وعنب وتفجّر الأنهار خلالها تفجيرا، ومنهم من قال لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة كذلك فنراهم أمامنا، ومنهم من قال لولا أنزل عليه ملك، أقوال وأقوال، وربنا (تبارك وتعالى) يبيّن لنبيه (صلى الله عليه وسلم) أن الآيات التي جاء بها يبيّن لنبيه (صلى الله عليه وسلم) أن الآيات التي جاء بها المرسلون من قبل لم تكن من أجل أن يؤمن الناس، بل كانت لتخويفهم، فإذا طغوا وتكبروا وعاندوا حقت عليهم كلمة العذاب، فدمّرهم ربنا تدميرا، ومع ذلك يأخذهم ربنا (تبارك وتعالى) بالحلم الذي لا حلم مثله ويقول عز من قائل:
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ ۖ فَسْـَٔلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُۥ فِرْعَوْنُ إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰمُوسَىٰ مَسْحُورًۭا ﴿101﴾
هذا الآيات: اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص الثمرات والسنين، (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ ۖ فَسْـَٔلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ) تحتمل الآية خمس وجوه: (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ ۖ فَسْـَٔلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ) أي قلنا له سلْ فرعون بني إسرائيل أي سلْهُ أن يرسلهم معك كما قال له أرسل معي بني إسرائيل سلْه أن يطلق سراحهم ولذا قرأت (فَسَالَ بني إسرائيل) قراءة على الماضي مع تسهل الهمزة، أو (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ ۖ فَسْـَٔلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ) أي فاسأل يا محمد بني إسرائيل عن إيمانهم وأحوال دينهم بعد نزول هذه الآيات، أو فاسْأل يا محمد بني إسرائيل عما جرى بين موسى وفرعون حين جاءه بالآيات، أو فاسْأل يا محمد بني إسرائيل عن الآيات التي ذكرتها ليتبين للمشركين صدقك، فمن أين له أن يعلم بشأن اليد والعصا والطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم وما إلى ذلك، فإن سألهم وأقروا تبين للمشركين صدق النبي (صلى الله عليه وسلم) أو فاسأل بني إسرائيل هل أجدت الآيات مع فرعون (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ ۖ ) واضحة دالة على صدقه، برهانها ساطع، ودليلها واضح (فَسْـَٔلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ) هل آمن فرعون وقومه، هل نفعت الآيات، هل أجدت أم حدث العكس، فعاند وجحد وكفر وتجبر، وقال لموسى متهما له: (إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰمُوسَىٰ مَسْحُورًۭا (١٠١)) وكأن الله (تبارك وتعالى) يقول لنبيه (صلى الله عليه وسلم) إن كنت تأمل في إيمان قومك بإنزال المعجزات التي اقترحوها، ها هو فرعون جاءه موسى بتسع آيات بينات معجزات دالات واضحات على صدقه، فاسأل بني إسرائيل ماذا حدث هل نفعت؟ هل آمن، لم يؤمن فأغرقناه ومن معه جميعا، فلو نزلت الآيات المقترحة على قومك فكذبوا لحق عليهم القول ودمرهم ربنا تدميرا، (فَقَالَ لَهُۥ فِرْعَوْنُ إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰمُوسَىٰ مَسْحُورًۭا (١٠١)) مخدوعاً خُلِّيط عليك، اختلط عقلك سُحرت وخدعت وخلط عليك الأمر.
قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰفِرْعَوْنُ مَثْبُورًۭا ﴿102﴾
فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعًۭا ﴿103﴾
وَقُلْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ لِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱسْكُنُوا۟ ٱلْأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًۭا ﴿104﴾
ها هي الأرض التي أراد أن يحرجهم منها، وأن يستأصلهم أغرقه الله هو ومن معه، وأورث الأرض بني إسرائيل أرض مصر وأرض الشام، (فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ) البعث القيامة، (جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًۭا (١٠٤)) اللفيف: اسم جمع لا مفرد من جنسه ككلمة "جميع " واللفيف: أخلاط من الناس مجتمعين، وهم من قبائل شتى، اللفيف: جماعات من قبائل شتى، لا تجمعهم قبيلة، ولا يجمعهم جنس أو لون بل هم من قبائل شتى، (جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًۭا (١٠٤)) أي إذا جاء يوم القيامة جئنا بكم يا بني إسرائيل من جميع أنحاء الأرض، ومن أصلاب مختلفة، أو جئنا بكم وبهم بفرعون ومن معه، الذين أغرقهم الله، (جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًۭا (١٠٤)) أي مختلطين ثم نثيب المؤمن ونعاقب الكافر، أو (جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًۭا (١٠٤)) أي جئنا بكم بمؤمنكم وكافركم.
ثم ينتقل الكلام عن القرآن يؤكد ربنا (تبارك وتعالى) صدقه وأن المشركين في كفرهم بالقرآن لا حجة لهم فيقول (عز وجل):
وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَـٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًۭا وَنَذِيرًۭا ﴿105﴾
وَقُرْءَانًۭا فَرَقْنَـٰهُ لِتَقْرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍۢ وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنزِيلًۭا ﴿106﴾
تجويد القرآن حتم لازم من لم يجود القرآن آثم
قالوا ذلك، لأن التجويد إعطاء الحرف حقه ومستحقه، وإخراج الحرف من مخرجه، والقراءة على تمهل (عَلَىٰ مُكْثٍۢ ) بتؤدة ليس هزاً كهز الشعر، وإنما قراءة خاصة أُخذت من فيّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقرأ الأصحاب بقراءته، وقرأ التابعون بقراءة الأصحاب، وهكذا حتى وصل إلينا علم القراءة وفن التجويد، بل وسخّر الله (تبارك وتعالى) من قنّن ذاك العلم، فقد أُخذ مشافهة سمعوا النبي (صلى الله عليه وسلم) كيف يقرأ ألفِ لام ميم سمعوا فقلدوه، اختلطت اللغات واختلط الناس ودخل الأخلاط في الإسلام، وكادت الحروف تضيع من ألسنة الناس في النطق، فسخّر الله من قنّن ذاك ووضعه في قواعد وأبيات وأشعار يسهل حفظها، ليبين للناس كيف ينطق الحرف، وقد كانت مدارسنا في زمن مضى تعلّم أطفالنا كيف ينطقون بالحروف، القاف والكاف، الراء والذال، كانوا يعلمون الأطفال كيف ينطقون الحروف، ويؤتى بالكلمة مشكلة فتنطق حرفا حرفا ثم تُجمع الحروف ككلمة، كالزاي فتحة زَ، ورا فتحة رَ، والعين فتحة عَ ثم يقول زرع فكان الناس يتكلمون بلسان عربي فصيح مفهوما واضحا، وتأمل الآن فيما تسمع من خطابات وخطب لبعض المسئولين، وكلام لبعض المذيعين، واسمع وتعجب فقد انقلبت القاف كافا، وانقلبت الراء لاما، وانقلبت الطاء دالا، واختلطت التاء بالطاء، واختلطت الزاي بالذال، ألا تسمعون ذلك، ذاك حدث لأن التعليم خرج عن أصوله وأرادوا التقليد لبعض دول الغرب، صور في الكتب ونطق ومن يُنطق التلاميذ ويطلب منهم النطق لا يعرف كيف ينطق، (وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنزِيلًۭا (١٠٦)) أي نزل منجماً آية آية سورة سورة، بعض الآيات ثم بعض الآيات شيئا فشيئا، نزل على مدار عشرين سنة أو ثلاث وعشرين سنة أو خمس وعشرين سنة حسب اختلاف الأقوال ذاك وصف القرآن.
ويتوجه الخطاب التهديدي في صيغة التخيير:
قُلْ ءَامِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوْ لَا تُؤْمِنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِۦٓ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًۭا ﴿107﴾
وَيَقُولُونَ سُبْحَـٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًۭا ﴿108﴾
وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًۭا ۩ ﴿109﴾
فقد سمع المشركون نبينا (صلى الله عليه وسلم) يدعوا ويقول: يا الله يا رحمن فاستهزءوا قائلين ها هو ينهانا عن عبادة آلهة أخرى، ويزعم أن إلههُ واحدا ثم ها هو يدعو إلهين اثنين، انتهاز الفرصة والمجادلة بالباطل، والبحث والتفتيش عن العيوب، والعمى عن الحق، والمجادلة بالباطل فنزل قول الله (عز وجل):
قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُوا۟ ٱلرَّحْمَـٰنَ ۖ أَيًّۭا مَّا تَدْعُوا۟ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًۭا ﴿110﴾
هذا في شأن القرآن وفي شأن الدعاء، وفي تسمية الله (عز وجل) أما في شأن الصلاة فقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) مستخفٍ بمكة يصلي بأصحابه في البيت الذي كان مختبئا فيه، فإن صلى بهم وقرأ القرآن رفع صوته بالقراءة فسمعه المشركون، فسبُّوا القرآن ومن أَنزل القرآن ومن أُنزل عليه القرآن، فنزل التوجيه الإلهي (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًۭا (١١٠))، (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ) سُمى القرآن والقراءة صلاة، كما سُميت الصلاة قرآنا في نفس السورة (وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًۭا (٧٨)) [سورة الإسراء آية: ٧٨]، الكلام عن الصلاة، وسُميت قرآنا لأنه واجب فيها، وها هو الكلام عن القرآن بالصلاة، التعبير عنه بالصلاة، (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ) أي بقراءتك للقرآن فترفع الصوت فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، (وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) ولا تخفض الصوت خفضا كبيرا فلا يسمعك من يأتمَّ بك، إذا فلا ترفع الصوت حتى يسمعه المشركون، ولا تخفض الصوت فلا يسمعه المؤتمُّون بك (وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ) اطلب بين ذلك وبين رفع الصوت وبين خفض الصوت الوسط، وخير الأمور الوسط، (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًۭا (١١٠)) وقال بعض الناس: الآية نزلت في شأن الصلوات الخمس، وقد جاء ذكر الصلوات الخمس في نفس السورة (أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًۭا (٧٨)) [سورة الإسراء آية: ٧٨]، فتبين الآية أن الصلوات الخمس فيها صلوات جهرية، وفيها صلوات سرية فلا تجهر فيها كلها، ولا تخافت فيها كلها، فاجهر في صلاة الليل، وخافت في صلاة النهار ، بعض العلماء قالوا ذاك هو المعنى، والمعنى الأول أرجح، وسبب النزول كما قلنا استماع المشركين للقراءة ووقوعهم في القرآن بالتكذيب والسب وما إلى ذلك.
وتُختم السورة بأكمل ختام: