القرآن الكريم / سورة النحل / التفسير المقروء

سورة النحل

مقدمة‬
‫فلقاؤنا مع سورة النحل سورة النِعَم، سورة النحل سُميت بهذا الاسم لورود ذكر آية من آيات الإعجاز في خلق الله (عز وجل) النحل الذي يخرج من بطونه شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس سورة النحل وتسمى سورة النعم لكثرة ما عُدِد فيها من نِعَمْ، سورة النحل سورة مكية نزلت بمكة، ورُوى في سبب نزولها أن الله (تبارك وتعالى) حين أنزل على رسوله (صلى الله عليه وسلم) قوله‫:‬ (ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ (١)) [سورة القمر آية‫:‬ ١] قال مشركو مكة‫:‬ ها هو محمد أوعدكم بقيام الساعة وتهددكم فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر، مرت الأيام ولم يحدث شيء فاستهزءوا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) واستعجلوه أين ما كنت تزعم، ومنهم من قال‫:‬ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فنزل قول الله (عز وجل) (ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍۢ مُّعْرِضُونَ (١)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ١]، قالوا ها هو يتوعدكم ويهددكم باقتراب العذاب فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون، ننظر ومرت الأيام ولم يحدث شيء فأعادوا الاستهزاء والسخرية فنزل قوله (عز وجل):‬

أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿1﴾
ورُوي أن هذه الآية حين نزلت (أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ) على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وثب ورفع الأصحاب أبصارهم إلى السماء فنزلت‫:‬ (فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ ) فاطمأن سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم).‬
‫سورة النحل على نسق السور المكية تهتم ببيان أصول العقيدة، تهتم بإبراز الأدلة على وجود الواحد الأحد، الخالق لكل شيء، المعبود بحق، تهتم السور بإبراز الأدلة على التوحيد، وتنذر الكفار من عذاب آت لا محالة، وتسوق الدليل تلو الدليل، ثم تعدد النعم التي لا عدّ لها ولا حصر، ثم تبين مصير أهل الشقاوة، ومصير أهل السعادة، وتبين أيضا بعضا من مكارم الأخلاق التي أمر بها الإسلام ونزل لتحقيقها، وتختم السورة بأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بالعفو والصفح، سورة النحل كلها مكية إلا بعض آيات‫.‬ افتُتحت هذه السورة بقرار من الواحد القهار (أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ) والفعل ماض والتعبير عن المتوقع بما هو واقع (أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ) أمر متوقع القيامة، لكن الله (تبارك وتعالى) قال‫:‬ (أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ) لأن إخبار الله، وإخبار الله التي يخبرنا بها تستوي في الماضٍي والحاضر والمستقبل لأن القائل صادق قادر يحقق ما يريد (فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ ) استعجالكم للعذاب أو للساعة لن يفيدكم ولن تجدوا مُخلَّصاً لكم منها (أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ) العذاب الذي أوعدهم النبي (صلى الله عليه وسلم) به كما حدث في غزوة بدر من قتل وأسّر وتشريد وخراب للبيوت وما إلى ذلك، أو (أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ) أي الساعة والقيامة (فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ ) لأن الاستعجال لا فائدة منه فهو واقع لا محالة لكنه حين يقع، يقع في الوقت الذي حدده الله بحكمته وإرادته‫.‬ (سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)) (سبحانه وتعالى عما تشركون) قراءة، تعالى وتنّزه وتقدّس وجلّت ذاته وتعاظمت صفاته عن أن يُشرك به حيث زعموا إن كان أمر الله آت لا محالة فالأصنام تشفع لنا فيرد عليهم بقوله‫:‬ (سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)) تقدّس وتنزّه وتعالت ذاته وتعاظمت صفاته عن أن يكون له شريك يشفع أو يمنع عنهم ما أرده الله بهم‫.‬ والدليل‫:‬ (خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ ) تأتي الأدلة بغد ذلك، لكن السؤال‫:‬ من أين علم محمد (صلى الله عليه وسلم) بإتيان الأمر وبأنه آت لا محالة؟ من أين (أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)).‬‬‬
يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ أَنْ أَنذِرُوٓا۟ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ ﴿2﴾
إذاً فعلْم محمد بقيام الساعة ناشئ من إعلام الله له بالوحي والآية تدل على أمور وتُشعر بأمور (نُنَزِّل الملائكة) - (تُنَزَّلُ الملائكة) - (تَنَزَّلُ الملائكة) - (يُنَزِّل الملائكة) - (تَنْزِل الملائكةُ) قراءات خمس (يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ) الروح‫: الوحي الروح‫: القرآن وسُمِي الوحي روحا لأن به تحيا القلوب من داء الجهل من موت الكفر، كما تحيا الأبدان بالأرواح، النازل بالوحي جبريل لكن حين تُذكر الملائكة (يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ) قيل جبريل وحفظة الوحي ينزلون معه، وقيل بل هو جبريل منفردٌ بالنزول ويسمى "العظيم" بالجمع تعظيماً له (نُنَزِّل الملائكة) - (تُنَزَّلُ الملائكة) - (تَنَزَّلُ الملائكة) (يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ) بأمره، إذاً فالنبوة عطائية ذلك أمر مما تُشعر به الآية أن النبي (صلى الله عليه وسلم) عَلِمَ بالوحي، وأن الوحي ينزل به جبريل هو الواسطة بين الله وأنبيائه، وأن النبوة عطائية، (أَنْ أَنذِرُوٓا۟ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ (٢)) أي بأن أنذروا أنه لا إله إلا أنا ، تقرير للتوحيد ، الأمر بالتقوى في هذه الآية هذه الأمور الخمسة (يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ أَنْ أَنذِرُوٓا۟) انذروا‫: أعلموا، الإنذار‫: بمعنى الإعلام وبمعنى التخويف أنذرته‫: أعلمه أنذرته‫: خوفته وهددته مع إعطائه مهلة تتسع لاتقاء ما خوفته به.
خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿3﴾
‫(خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ ) لا عبثاً ولا لعباً طالما أمر الإله وطالما استحق العبادة، وطالما كان هناك مؤمن وكافر، لا بد وأن يكون هناك حساب وثواب وعقاب، من أجل ذلك خُلقت السموات والأرض، (خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ ) خلقاً متلبساً بالحق لحكمة، (تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)) تعالى علواً كبيراً عما يشرك هؤلاء المشركون أصنام وأوثان وأحجار لا تخلق شيئا‫.
خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿4﴾
بعد بيان خلق السموات والأرض من خُلقت لأجله السموات والأرض؟ الإنسان من أي شيء خُلق؟ من نطفة، النُطفة من نَطَفَ: تقاطر القطرة فيها السيلان وفيها القلة، خلق من نطفة، نطفت القربة‫: تنطُف وتنطِف نطْفاً: تقاطر منها الماء، هذا المنيّ فيه السيولة وفيه اللزوجة وفيه القِلة جماد لا حياة فيه ذاك ما خُلق منه الإنسان (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ (٤)) بعد ما تكامل الخلْق وشبّ عن الطوق وأصبح متكلما سميعا بصيرا ها هو بدلاً من أن يكون عبداً صار ضداً (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ (٤)) خَصَمَ يَخْصِمُ فهو خَصِمْ وهو خصيم شديد الخصومة مبين‫: مبيّنُ لخصومته يجاهر بها مجادل محاج يوضح ويبيّن خصومته ويظهرها.
وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌۭ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿5﴾
‫(وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ) وها هي الآيات تتوالى تعدد النعم التي تدل على سعة رحمته وعظيم مغفرته، وشمول عنايته ورعايته، والأدلة على وجوده وخلْقه وتصريفه وتدبيره، (وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌۭ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)) هو الذي خلق الأنعام، بعد ما ذكر خلْق السموات والأرض، وذكّر خلْق الإنسان، ثم ها هو يذكر ما خلقه لانتفاع الإنسان التدبير، انظر إلى التدبير كيف بنى وكيف هيأ للإنسان ما يصلح لمعيشته، ثم كيف خلقه، ثم ها هو يخاصم ويجادل، ثم كيف خلق له ما ينتفع به، وعدّد النعم التي لا يمكن عدها بمعرفة الإنسان، (لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌۭ) الدفء ضد البرد والدفء يُطلق على ما يُستدفأ به من أصواف وأوبار وأشعار، (لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌۭ) أي تستدفئون بأصوافها وأوبارها وأشعارها، دَفِيء الرجل يَدْفَأ فهو دَفِيءْ ودفآن وهي دفأَى، (وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)) الأنعام الإبل والبقر والغنم كل ما فيها منافع‫: الأصواف، الأوبار الأشعارمنافع، اللحم منافع، الدّرّ واللبن منافع، النسل منافع، حتى الفضلات سماد للأرض، لا يوجد فيها شيء ضار، أو شيء لا ينتفع به مطلقاً في هذه الأنعام، وتأمل فيها وفي خلقتها وكيف ذُلِلَت وكيف سُخرت وكيف تعددت المنافع‫: اللبن السمن الحم الشحم القرون حتى الأمعاء تستخدم‫: تؤكل أو يُصنع منها خيوط الجراحة، الفضلات سماد، كل شيء فيها نافع، وعُبِّر بكلمة "منافع" ليُدخل في المنافع الثمن العِوضّ من ربّاها للتجارة ينتفع بثمنها، (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)) وكأنها هي الغذاء الرئيسي من اللحم وتقديم الضمير "منها" للتخصيص (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)) أو للحفاظ على رءوس الآي، تأكلون، تعالى عما يشركون وهكذا، أو كما قال بعض العلماء تخصيص لبيان أن أساس الغذاء من حيث اللحم من الأنعام، أما ما سوى ذلك فهو للتفكّه أو للتداوي أو لغير ذلك من لحوم‫.
وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴿6﴾
‫(وَلَكُمْ فِيهَا) في الأنعام (جَمَالٌ) حُسن زينة (حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)) وقُرأت (حيناً تُريحون) أي تريحون فيه (وحيناً تسرحون) أي وقتاً تريحونها فيه ووقتاً تسرّحونها، (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ) زينة عز فخر جمال، مناظر يراها الإنسان بعينة فيسعد لذلك والجمال حُسن المنظر تقع عليه الأبصار فتسعد فتسُر، (حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)) سَرَحَتْ وسَرَحْتُهَا سَرَحَهَا يَسْرَحُهَا سَرْحا وسّرَّحاً يُسَرِّحُها تسريحاً وأَسْرَحَهَا وسَرَحتْ هي‫: ذهبت إلى المرعى، أراحها يريحها إراحة‫: أعادها إلى المَرَاحْ مكان إقامتها حين يعود بها في الرواح بعد الظهر بعد العصر قبل المغرب، (حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)) أي حين تأخذونها للمرعى وحين تعودون بها بعد المرعى، وقدّم الإراحة (حِينَ تُرِيحُونَ) والأصل أنك تأخذ الأنعام تسرح بها ثم تروح، قدّم الإراحة لأن الجمال حين الرواح أكثر حيث أكلت وانتفخت وانتفشت ورعت، فجمالها حينئذ أكثر من جمالها حين تسرح، لا زالت فارغة البطون والضروع‫.
وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍۢ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَـٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿7﴾
(وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍۢ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَـٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ ) ‫(إلا بشَقِّ الأنفس) إلأثقال‫: جمع ثقْلْ والثقْل‫: الحمْل الذي يُثقل الإنسان حملة من متاع وغيره، والكلام هنا مختص بالإبل إذ لا حَمْل على البقر ولا حمْل على الغنم (وَتَحْمِلُ) أي الإبل (إِلَىٰ بَلَدٍۢ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَـٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ ) الشِقْ والشَقْ قراءتان‫: المشقة وهما لغتان بمعنى واحد، وقيل الشِق‫: النصف لم تكونوا بالغيه إلا بشِقْ أنفسكم أي بشِق قوتكم أي تذهب نصف قوتكم إذا حملتم هذه الأحمال بأنفسكم كأن الإنسان يتعرض للهلاك كيف تحمل هذه الأحمال، فلا يمكن أن تبلغ ما تريد من أمكان بأن تحمل إلا وقد ذهبت نصف قوتك وحدث لك الإعياء والتعب (بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ ) شقّ عليه‫: أوجد عليه المشقة والتعب، (إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ (٧)) رءوف بكم رحيم ُ بكم، ها هو يحنو عليكم ويخلق لكم من الطعام من الشراب من المنافع أشياء وأشياء وأشياء حتى الحمْل سخّر لكم ما يحمل عنكم أثقالكم‫.
وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًۭ ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿8﴾
‫(والخيل ُ والبغال ُ والحميرُ لتركبوها وزينة ) قراءات‬
‫تغيير النظْم في الآية ملفت فالنظم المعتاد (والخيل والبغال والحمير لتركبوها ولتتزينوا ) ذاك هو النظم المعتاد، لكن النظم هنا تغير (لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًۭ ۚ ) فاختلف فيها العلماء فمن قائل "لتركبوها ولتتزينوا بها زينة " هذا هو التقدير‫:‬ "لتركبوها ولتتزينوا بها زينة "، وقال آخرون‫:‬ بل تغيير النظم للإشعار بأمرين‫:‬ الأمر الأول‫:‬ (وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا) إذا فالركوب منك انت تركب، (وَزِينَةًۭ ۚ ) من الله هو الذي صوّرها وخلقها وجعلها على هذا الشكل، وقال آخرون‫:‬ (وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًۭ ۚ ) إذا فالغرض من خلقها الركوب، أما الزينة فبالعَرَض، لتركبوها ذاك هو الأصل ذاك هو الغرض من الخلْق، الخيل والبغال والحمير للركوب، أما مسألة الزينة فأمر جاء بالعَرَض، لأن الله خلق كل شيء جميل، وقبح القبح من حيثه جميل فالزينة هي كل ما خلقة الله (تبارك وتعالى) لأنه الخلاّق البديع بديع الصنع، (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)) قال الأوائل‫:‬ الهوام والحشرات وما إلى ذلك من دواب الأرض، وقال بعضهم‫:‬ الكلام عن الجنة والنار (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨))، وقال آخرون‫:‬ الملائكة والخلائق وما في المحيطات والبحار وما إلى ذلك، وقال آخرون وهم الذين عاصروا التغير والتمدين والصناعات، ربنا حين يقول (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)) يهيئ القلوب والنفوس لاستقبال ما ينشأ من تعليم الله للناس، فيخترعون من وسائل النقل والحمل ما لا يخطر لهم ببال (وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ) ذاك هو الأصل (لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًۭ ۚ ) بالإضافة (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)) لم يأت زمانه ، سوف يأتي زمانه يوماً ما حيث السيارات والطائرات والبواخر المراكب وما إلى ذلك فيهيئ النفوس ويهيئ القلوب لتقبّل ما يكتشفه العلم وما يخترعه الإنسان بفضل الله (عز وجل) فيستخدم كل ذلك عارفاً بفضل الله مطمئناً له، وإلا حين يرى السيارة لا يركبها - من فعل الشيطان - من أين أتت!! ربنا خلق الخيل والبغال والحمير لتركبوها فقط، فلا يصح أن نركب غيرها، فإذا رأوا القطار أو السيارة فزعوا أو اعتبروها كما فعل بعض الناس من غير دين الإسلام، حين اختُرعت هذه الأشياء واعتبروها من فعل الشيطان ربنا يهيئ نفس المسلم ويهيئ قلبه ويمهد له استخدام ما تأتي به العلوم فكلها من خلْقه.
وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿9﴾
السبيل‫:‬ الطريق المستقيم يقال طريق قَصْدْ ويقال‫:‬ طريق قاصد، وسُمِيَ بذلك لأن المتجه فيه يقصد مباشرة إلى وجهته دون التفات، دون ضلال دون تيه فالسبيل القاصد والقصد‫:‬ السبيل المستقيم الذي يؤدي إلى وجهتك مباشرة (وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ) أي بيان قصد السبيل، توضيح وبيان السبيل القاصد بإنزال الكتب بإرسال الرسل بالرسل بالعلامات والدلالات والآيات يتضح لك السبيل القصد، والطريق المستقيم فربنا هو الذي يبيّن ذلك ويوضح ذلك برسله وكتبه وآياته المقروءة وآياته الكونية المرئية‫.‬‬
‫وقيل (وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ) معنى ذلك أن من سعى إلى الله وصل (وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ ) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٦٩]، (وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ) إذاً فبمجرد أن تبدر منك الباردة، مجرد أن تصدق منك النية، مجرد الخطوة الأولى يأخذ بيدك إلى السبيل، إذاً فأنت واصل لا محالة إلى الله إذا صدقت منك النية،(وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ) بيان الطريق (وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ) إليه يصل السالك لا محالة، (وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ ) وتغيّر النظم تغيراً غريبا (وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ )، (وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ ) أي من السبيل هنا اسم جنس أي من هذا السبيل نوع آخر جائر منحرف، من الجوْر وهو ضد العدل وضد القصْد، (وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ ) لدرجة أن بعض الناس قرأ (ومنكم جائر) قراءة غير معتمدة، قراءة ضعيفة، (وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ ) إذاً فربنا تكفَل بإيصالك إليه - أوصلنا إليك يا رب - تكفَل بإيصالك إليه بصدق نيتك، وتكفّل بإيضاح معالم الطريق المستقيم، أما الطريق الضال فلا يوصلك إليه، ولا يرسمه لك، ولا يوضحه لك، فعليه بيان الطريق المستقيم الواضح بنصب الأدلة وبإنزال الكتب وبإرسال الرسل، وبتسهيل وصولك وما إلى ذلك، (وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)) ولو شاء الله لهدى الناس جميعا هداية مستلزمة للاهتداء، والهداية كما قلنا من قبل درجات وأنواع‫:‬ هداية الفطرة، هداية الوجدان، هداية الحواس، هداية العقل، هداية الرسل هداية الله، وهداية الله معناها أن الله إذا هدى هُدِى من هداه هدايته مستلزمة للاهتداء، أما هداية الرسل فهو مجرد بيان للطريق، وهداية الرسل كأن تسأل أحداًعن الطريق إلى كذا فيقول‫:‬ سرْ يمينا ثم انعطف يساراً ثم ، ثم ، يصف لك، قد تصل إذا استوعبت وقد لا تصل، تلك مثال لهداية الرسل، هداية الله كأنك تسأل أين الطريق إلى كذا فيقول لك اركب معي سيارتي أوصلك إلى حيث تريد فيأخذك ويضعك حيث تريد دون أجر دون كلفة، دون تعب، هداية الله مستلزمة للاهداء، من هنا يقول‫: (وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ (٩))‬ لأصبح الكل على قلب رجل واحد من أتقى الرجال لأصبح الناس جميعا على مستوى الرسل والأنبياء لو شاء لكنه لم يفعل ذلك ولم يشأ، ليكون هناك الاختيار الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، فلو لم يكن اختيار وكان الكل كالملائكة فلِمَ الجنة ولِمَ النار؟ إذاً فلا بد من الاختيار حتى يترتب عليه الثواب والعقاب، من هنا يقول الله (عز وجل) إنه كان قادراًعلى هداية الكل (وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)) لكنه لم يشأ‫.‬‬
‫ثم تتوالى الآيات تعدد النعم التي يكفي منها نعمة واحدة في هداية الإنسان إلى الله وإقراره بوجوده وسجوده لشكره‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌۭ وَمِنْهُ شَجَرٌۭ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴿10﴾ يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلْأَعْنَـٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿11﴾
النظم في سورة النحل من أشد ما جاء من إعجاز والقرآن كله معجز، ولكن النظّم في سورة النحل كالنظّم في سورة الرعد سور تجد فيها النظّم خصوصا في السور المكية كأن الله (تبارك وتعالى) يقول لفصحاء العرب ها هو القرآن لا يمكن لبشر أن يأتي بمثله، (قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍۢ ظَهِيرًۭا (٨٨)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٨٨]، (هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ) من جهة السماء كل ما علاك فهو سماء من السحاب، من جهة السماء (هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌۭ) وكأن الماء هو الأساس فيما يُشرب، إذ به الحياة وبه الرِيّ مهما خُلق من أشربة أخرى، (لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌۭ وَمِنْهُ شَجَرٌۭ) كل الثمار كل ما نبت من الأرض (فِيهِ) في الشجر (تُسِيمُونَ (١٠)) ترعون ماشيتكم وأنعاكم، سام إبله وسامت هي تسوم سوْماً وأسامها هو يسيمها إسامة وأصل الكلمة من السُومة أو السَوم أي السيمة‫:‬ العلامة إذا أن الماشية إذا ذهبت إلى المرعى تركت علامات في الأرض من سيرها ومشيها فسُميت "سائمة"، أو يعلمها صاحبها من الكيّ في الجلود حتى تُعلَّم قبل أن تخرج إلى المرعى كي لا تختلط بغيرها من ماشية آخرين (وَمِنْهُ شَجَرٌۭ) من نفس الماء (فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)) أي ترعون ماشيتكم وأغنامكم‫.‬‬
(يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلْأَعْنَـٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۗ )، "ننبت لكم" قراءة بنون التعظيم (يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلْأَعْنَـٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۗ) كله نبت من الماء، والماء نزل من السماء، والماء واحد، والأرض واحدة، وتخرج الثمار مختلفة زرع زيتون، وانظر إلى شكل الزيتون، وانظر إلى شكل العنب، انظر إلى طعم الزيتون، وانظر إلى طعم العنب، انظر إلى الساق في النخلة، وانظر إلى التعريش للعنب، وانظر إلى الزيتونة كيف خرجت جميع أنواع الزرع التي يعجز الإنسان عن عدها وحصرها، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ (١١))، إذاًيطلب ربنا منا الفكر، التفكّر التأمل أن ننظر في هذه الزروع في هذه الثمار في هذه الأشجار كيف وكيف وكيف!! أن ترى الحبة جافة كحبة القمح مثلا صغيرة لا روح فيها ولا حياة جماد تضعها في الأرض، فإذا وضعتها في الأرض ونالت من رطوبة الأرض شيئا انتفشت، انتفخت وشُقت، وخرج من أعلاها ساق شق الأرض حتى ظهر للأبصار، وخرج من أسفلها جذر شق الأرض وسعى فيها، ذاك يطلب الضوء وذلك يطلب الظلمة ذاك يُرى وينشأ منه ساق فروع أوراق ثمار أشكال ألوان مختلفة هي حبة، انظر إلى ساق الشجرة ساق النخلة ما شكله؟ المادة‫:‬ الخشب القوة‫:‬ صلب صلابة، حتى الساق ليس أملساً حتى يسهل للجاني أن يصعد عليه، فيه بروزات انظر إلى المادة واللون والشكل، ثم انظر إلى الفروع ثم انظر إلى الأوراق ثم انظر إلى الثمار، كل ذلك من النواة، واحفر في الأرض وانزل واعجب كيف سعت هذه الجذور في كافة الاتجاهات لتستمد الماء من الأرض.
وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ﴿12﴾
‫(وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ (١٢)) (وسخَّر لكم الليلَ والنهارَ والشمسَ والقَمَرَ والنجومَ مسخراتٍ بأمره)‬
‫(وسخَر لكم الليلَ والنهارَ والشمسُ والقَمَرُ والنجومُ مسخراتٌ بأمره)، (وسخَرَ لكم الليلَ والنهارَ والشمسَ والقَمَرَ والنجومَ مسخراتُ بأمره)،‬
‫قراءات، (وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ) ها هو الليل، ها هو النهار يقلب الليل، ويقلب النهار تارة يطول النهار وتارة يقصر النهار، ومن أغرب الأمور إذا تأملت متى يطول النهار في أي الفصول؟ في الصيف، ومتى يقصر النهار في أي الفصول؟ في الشتاء تأمل لماذا؟ لِمَ لمْ يكن العكس؟ تأمل وتفكر لا بد هناك حكمة، لا بد هناك غاية أفي النهار سبْحاً طويلا والجو محتمل ومن أجل الزروع وضوء الشمس والزرع والجني وما إلى ذلك، أفي الشتاء برد يريد الإنسان أن يدفأ ويستدفئ فيقصر له النهار حتى يعود مبكراً إلى بيته ليشعر بالدفء أهو كذلك؟ تفكّر، ربنا يطلب منك الفكر والعقل والتفكر يطلب منك التأمل كيف شئت، تأمل وتفكر، قد تصل وقد لا تصل، وصلت أو لم تصل في النهاية سوف تقول سبحانك ما أعظم شانك، سبحانك، هذا الاختلاف في كل شيء يدل على التخصيص، معنى التخصيص، لو أن كل شيء متفق في اللون والصنف والانتفاع، وفي كل شيء فلا تخصيص هناك، أما إذا اختلفت المسائل واختلفت الأشياء واختلفت الألوان واختلفت الأمور‫:‬ برد حر، جو جميل طول في النهار قصر في النهار العكس يحدث شمس قمر، هناك تخصيص، طالما هناك تخصيص فلا بد أن يكون هناك مخصص، لا بد، الذي اختار أن تكون الشمس هكذا وأن يكون القمر هكذا لا بد أن يكون هناك مخصص يطيل النهار وقتما يشاء، ويطيل الليل وقتما يشاء لحكمة، وجود التخصيص دليل على وجود المخصص الذي اختار كل شيء بحكمة ولحكمة (وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ ) كل ذلك مذلل لانتفاعكم، والتسخير نوعان‫:‬ وانتبه، تسخير بمعنى التذليل كتسخير البهائم فترى الجمل الكبير يقوده الطفل الصغير وترى البقرة السمينة ذات الولد يأتيها الطفل أو الطفلة فتسلمها ضرعها فتحلب ما تشاء لا تبخل ولا تمتنع رغم إن ذاك طعام لصغيرها، وحاول أن تحلب قطة حاول هل يمكن؟ قطة، حاول أن تحلب أنثى الكلب هل يمكن؟ هل تسمح لك؟ حاول أن تقترب من أطفال القطة أو أطفال الكلب، هل يُسمح لك؟ فكيف سمحت البقرة وكيف سمحت الناقة؟ ذاك تذليل ذاك تسخير نوع من التسخير، والنوع الآخر من التسخير أن يخلق الشيء ويخلق له سُنن وقوانين، ثم يلهمك كيف تكتشفها وكيف تستخدمها، كتسخير البحر، سنة الطفو يلهمك كيف وكيف، يلهمك كيف تستخدم الأشياء كيف تنتفع بما خلقه الله فيها لك ذاك أيضا تسخير‫.‬ فتسخير البهائم والأنعام يختلف عن تسخير الشمس والقمر، فالشمس مسخرة لا شأن لك بها، لا تقودها لا تدفعها إلى المشرق ولا تدفعها إلى المغرب، لكنها مسخرة إذاًفهي مذللة لنفعك مهيأة لانتفاعك بل وهُديت أنت وعلمت كيف تنتفع بأشعة الشمس حتى وصلت للسخانات الشمسية كما يقولون، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ (١٢)) في الآية السابقة "لآية" هنا "لآيات" وراءها (وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ) هناك "يتفكرون" هنا "يعقلون" في الآية التالية "يذكرون" آيات وصدق القائل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
(لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٥٧﴾) [سورة غافر آية‫:‬ ٥٧]
‫آيات يصل إليها العقل دون إعمال للفكر، مجرد رؤية الشمس والقمر والليل والنهار وتقلّب الليل والنهار مجرد الإحساس بذلك يعقل الإنسان فوراً دون إعمال للفكر لا داعي للتفكير، إذ يصل العقل مباشرة إلى وجود الخالق المخصص المصرِّف والمدبِّر، أما في الزرع واختلاف الألوان لآية لقوم يتفكرون يحتاج وتأمل وتفكّر فيه‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ ﴿13﴾
‫(وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ) ذرأ‫:‬ خلق أصل الذرء والذرو‫:‬ التفريق عن جمع ومنه الذّرية تذروه الرياح‫:‬ تفرّقه، فالذرء والذرو‫:‬ التفريق عن جمع، (وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ) خلق وبرأ من كل ما يخطر على البال (مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ ) يدخل فيه الزرع - جاء ذكره - يدخل فيه المعادن الذهب والفضة النحاس المنجنيز الفحم، الماس البترول، (أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ ) ليس اللون بمعنى الأحمر والأخضر، ألوانه‫:‬ أصنافه أنواعه أشكاله منافعه مظاهره هيئاته سائل مائع جامد ما ذرأ لكم الأرض‫:‬ كل ما في الأرض اختلفت أشكاله وأنواعه وأصنافه ومنافعه، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ (١٣)) يتذكر ويعلم أن كل ذلك من فضل الواحد الأحد القيوم من الأزل إلى الأبد، (سبحانه وتعالى).‬
‫فما زالت النحل تسوق من النعم الظاهرة ما تؤكد وتدلل على وحدانية الخالق، (سبحانه وتعالى)، وعظيم قدرته وتناهي حكمته وسعة رحمته عز من قائل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا۟ مِنْهُ لَحْمًۭا طَرِيًّۭا وَتَسْتَخْرِجُوا۟ مِنْهُ حِلْيَةًۭ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿14﴾
‫(وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا۟ مِنْهُ لَحْمًۭا طَرِيًّۭا) التسخير‫:‬ التذليل، والتسخير‫:‬ تهيئة الشيء للانتفاع به، والتسخير‫:‬ إلهام الخلْق كيف يستفيدون مما خلق الله لهم، (سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ) هيأه لهم وذلّله وألهمكم كيف تستخدمون هذا البحر الخضّم المتلاطم الأمواج في الركوب والصيد والغوص، وقد سنّ لهذا البحر سنن وقوانين ألهمكم اكتشافها، فعرفتم كيف تستغلون خيره وتتقون شره، وكل ما يخرج من البحر حلال أكله بل وميتة البحر كذلك مباحة حلال أكلها، وهذا الوصف للحم بالطراوة لم يرد إلا فيما خرج من البحر، وذاك مشاهد لكل إنسان، (وَتَسْتَخْرِجُوا۟ مِنْهُ حِلْيَةًۭ تَلْبَسُونَهَا) الحلية‫:‬ جمعها حِلىً وحُلىً ، أما الحَلْي فجمعه حُلِيّ وهو ما يتزين به الإنسان، والتعميم في ذِكر النعمة، (وَتَسْتَخْرِجُوا۟ مِنْهُ حِلْيَةًۭ تَلْبَسُونَهَا) يبيّن أن ما يُستخرج من البحر من حلْي يباح للرجال التزيّن به وكذلك للنساء إذ لم يخص النساء بذلك، وإن كان بعض المفسرين قالوا بالتخصيص، لكن اللؤلؤ والمرجان يصح للرجال التحلي به، وإنما لا يصح لهم لبس الذهب والحرير، (وَتَرَى ٱلْفُلْكَ) والفُلك يُذكر ويؤنث ويُفرد ويُجمع، الفلك كلمة يعبر بها عن المذكر والمؤنث والمفرد والجمع، (وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ) جاريات (مَوَاخِرَ فِيهِ) في البحر، تمخَر السفينة تمخُر مخْراً ومخوراً مخرت‫:‬ شقت الماء بمقدّمها يمنة ويسرة مع صوت الماء، المخر‫:‬ شق الماء يمنة ويسرة بصوت، فجري السفن في الماء تشق الماء بمقدّمها عن اليمين وعن الشمال ذاك هو المخْر، (وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ) لتطلبوا المعايش والأرزاق بالتجارة المنقولة بحراً من بلد إلى بلد، (وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)) رجاء أن تعرفوا نعمة الله (عز وجل) فتؤدوا حقها‫.‬‬ (وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا۟ مِنْهُ لَحْمًۭا طَرِيًّۭا وَتَسْتَخْرِجُوا۟ مِنْهُ حِلْيَةًۭ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)) ‫تعرفوا نعمة الله وتؤدوا حقها.
وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَـٰرًۭا وَسُبُلًۭا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿15﴾
‫(وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ) الرواسي‫: الجبال رَسى يرسو‫: ثبت وأقام، (وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ) ثوابت كي لا تميد كراهية أن تميد أو لئلا تميد، (أَن تَمِيدَ بِكُمْ) ماد يميد ميداً:حركة فيها الاضطراب، ولولا الجبال لمادت الأرض، فحين أرسى الله رست الأرض وثبتت (وَأَنْهَـٰرًۭا) أي وألقى فيها أنهاراً كذلك، (وَسُبُلًۭا) طرقاً (لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥)) تهتدون إلى مقاصدكم، أو لعلكم تهتدون إلى معرفة الخالق (سبحانه وتعالى) هذه الرواسي في الأرض وهذه الأنهار وهذه المسالك والطرق ذُلِلت كي يستطيع الإنسان أن يمشي على الأرض، وأن يعرف الجهة التي يقصدها بالجبال علامات وأنهار وسبل وطُرق ووديان وهكذا‫.
وَعَلَـٰمَـٰتٍۢ ۚ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿16﴾
‫(وَعَلَـٰمَـٰتٍۢ ۚ ) كذلك جُعلت في الأرض علامات مختلفة بها تعرف الطريق (وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦))، (وَبِٱلنَّجْمِ) هنا بمعنى النجوم جنس النجم ولذا قُرأت "بالنُجُم هم يهتدون" نُجُم جمع "نجم" كسُقُف جمع سقْفْ " وقرأت "بالنُجْم" بإسكان الجيم تخفيفا (وبالنُجْم هم يهتدون)" واللافت للنظر تغيير سَنَنْ الخطاب، وتأمل في النظم واسمع‫: (وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا۟ مِنْهُ لَحْمًۭا طَرِيًّۭا) خطاب (وَتَسْتَخْرِجُوا۟ مِنْهُ حِلْيَةًۭ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤))، (وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَـٰرًۭا وَسُبُلًۭا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥))، ثم غيّر النظْم‫: (وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)) و"بالنجم " وإقحام الضمير "هم" (وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)) ليشعر أن العرب بالذات كانوا أهل علم بالنجوم وحركة النجوم، ولكثرة أسفارهم إلى الشام وإلى اليمن لم يكن لهم دليل سوى النجوم، فكأن الآية تلفت النظر (وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)) هؤلاء بالذات الذين كذبوك، هؤلاء هم الذين جحدوا بآيات الله، هؤلاء الذين عبدوا الأصنام هم أول الناس يجب أن يؤمنوا ويستدلوا على وجود الخالق إذ هم على وجه الخصوص يستدلون بالنجوم في طريقهم‫.
أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿17﴾
‫(أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ ) ها هي بعض النعم الظاهرة التي تدلل وتؤكد على وجود الخالق المتصرِّف المدبِّر القادر الحكيم، الرحيم، (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)) أفلا تتفكرون فتعلمون أن الخالق هو المستحق للعبادة، كيف تسوون بين ومن يخلق ومن لا يخلق؟! كيف تعبدون الأصنام، وتسوون بين الأوثان التي لا تخلق بل هو تُخلق، وبين من يخلق سؤال إنكاري فيه التوبيخ فيه التبكيت‫.
وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿18﴾
‫(وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ ) النعم التي ذُكرت في سورة النِعَمْ - في سورة النحل - نعَمْ ظاهرة، وراء هذه النعم نِعَمْ باطنة تخرج عن حدود الحصْر، (وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ ) إذا فالآية تشعر بأن وراء ما ذكر من النعم لا تضبطوا عددها، فضلاً عن أن تطيقوا شكرها، لأن النعمة تستحق الشكر ولكي تشكر على النعمة لا بد وأن تعرفها فإذا عرفت النعمة أديت حقها من الشكر فإذا كانت هناك نعمة وأنت لا تعرف إذاً فأنت لا تشكر، فالآية تُشعر وراء هذه النعم التي ذُكرت وغيرها مما نعرف نعماً أخرى فوق الحصر، من هنا كان الله غفوراً لنا في تقصيرنا على الشكر على هذه النعم رحيماً بنا فلم يقطع عنا تلك النعم ولذا تجد سياق الآية (وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ ) "نعمة " بمعنى "النعم" (وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (١٨)) لغفور على تقصيركم في الشكر، رحيم فلم تقطع عنكم نعمةُ رغم تقصيركم في الشكر وجحودكم لهذه النِعَمْ.
وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴿19﴾
‫(والله يعلم ما يسرون وما يعلنون) قراءة يعلم ما خفي وما ظهر، يعلم النوايا ويعلم الأقوال ويعلم الأفعال يسمع هواجس الضمير ويرى خفايا الوهم والتفكير‫.
وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿20﴾ أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿21﴾
‫(وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ)، (والذين تدعون) قراءات، الثلاثة بالياء، الثلاثة بالتاء، تسرون وتعلنون بالتاء، (وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ) قراءة، (وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ) كالأوثان والأصنام (لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)) بعد أن سأل سؤال الإنكار سؤال التوبيخ‫:‬ (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ ) لأي عاقل لأي إنسان يعي الكلام ويسمع، من يخلق كمن لا يخلق؟ يستحيل، ما تدعون من دون الله لا يخلقون فكيف تسوون بينهم وبين من يخلق، الأغرب من ذاك أنهم لا يخلقون بل هم أيضا يُخلقون، إذاً فهُم محتاجون للموجد، محتاجون للمنشئ لا بقاء لها ولا حياة لها ولا وجود لها إلا بوجود الصانع‫.‬‬
‫(أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)) الآية بحر أولا‫:‬ عبّر عن الأصنام التي لا تعقل كما يعبّر عن يعقل، أخبر عنها بصيغة من يعقل (وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)) عبر وأخبر عنها بصيغة من يعقل كما يخبر عمن يعقل، قيل كي يشمل الكلام الأصنام والأوثان وكل ما عُبد من غير الله كالأنبياء والملائكة، فغلّب من يعقل، وقيل بل خاطبهم على ما يزعمون، إذ هم قد زعموا أنها تعقل وأنها تشفع، وأنها تعلم بعبادتهم، فخاطبهم على ما يزعمون، وقيل بل الأصنام يوم القيامة يخلق الله فيها حياة فتنطق وتتبرأ من عبادتهم‫.‬ (وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)) إذاً فهي محتاجة في إيجادها لموجد لصانع، حتى لو كان الصانع إنسانا فالإنسان بجوارحه وبقوته وبأدواته مخلوق لله، والحجر الذي صنع منه الصنم مخلوق لله، والأداة التي نحت بها الحجر مخلوقة لله، كل ذلك مخلوق له، إذاً فهي محتاجة في وجودها لغيرها (أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ ) الأصنام والأوثان ميتة جماد لا تشعر لا تسمع لا تبصر لا تعقل، ليس هذا فقط بل (وما يشعرون إيّان) قراءة، (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)) أي لا تشعر الأصنام بموعد البعث أو بالساعة، أو لا تشعر الأصنام بموعد البعث للعبدة الذين عبدوهم، (وَمَا يَشْعُرُونَ) الأصنام (أَيَّانَ) متى (يُبْعَثُونَ (٢١)) الأصنام متى تبعث متى الساعة، (وَمَا يَشْعُرُونَ) الأصنام (أَيَّانَ) متى (يُبْعَثُونَ (٢١)) الذين عبدوهم، واللافت للنظر هنا أن المعبود إذا كلّف العبد بعمل لا بد وأن يأتي به يوماًليثيب الطائع ويعاقب العاصي، بديهة العقل تقول الآمر لمأمور لا بد وأن يكون في استطاعته وقدرته أن يحاسب الطائع ويحاسب العاصي، ولكي يفعل ذلك لا بد من يوم يجمع فيه المأمورين ليحاسبهم، الأصنام التي عُبدت من دون الله لا تشعر أن هناك بعثا لا لها ولا للعبدة، فأين يوم الجزاء الذي يمكن أن يثاب فيه الطائع ويعاقب فيه العاصي؟ ذاك دليل دامغ على أن عبادة الأصنام جهل محض هناك قراءة أخرى بالوقف‫:‬ (وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)) وقف (أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)) الكلام انتقل حكاية عن مشركي مكة وانتهى الكلام عن الأصنام والأوثان ومن عُبد من دون الله، (وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)) وانتقل إلى الكلام عن هؤلاء الذين عبدوا الأصنام (أموات) حالاً أو مآلاً، حالا موت الكفر، فالكفر موت والإيمان حياة، (أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ ) أموات بكفرهم، (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)) وما يعلمون متى يبعثون فهم منكرون للبعث أصلا‫.‬ بعد أن دللت الآيات على سفاهة المشركين، وأكدت على وجوب العبادة للواحد الخالق (سبحانه وتعالى) ودللت على ذلك، تقرر أن المعبود بحق واحد لا شريك له‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌۭ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ﴿22﴾ لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ ﴿23﴾
‫(إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ ) الخالق واحد، المعبود بحق واحد، المستحق للعبادة هو الله، من يخلق؟!! الذي عدّد لكم هذه النعم الظاهرة والتي من ورائها نعم لا تُعد ولا تحصى، (فَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ) يكذبّون بالبعث ويقولون لا حساب ولا عقاب ولا ثواب، (قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌۭ) القلوب تحولت، القلوب امتلأت بالظلام، القلوب جحدت وأنكرت، والدافع لهذا الكِبْر، والغريب الكِبْر أساس المعاصي الكبْر أخطر معصية، الكبْر بسببه حدثت أول معصية في السماء، الكِبْر المعصية الوحيدة التي لا يستطيع الإنسان إخفاؤها، كل المعاصي تُخفى تستطيع أن تفعلها في الخفاء، إلا الكِبْر لا بد وأن يظهر على الجوارح في المشية في الطريقة في الكلام في الاستعلاء، المعصية الوحيدة التي يجهر بها ابن آدم رغماً عنه، (وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (٢٢)) مستكبرون عن الإيمان، مستكبرون عن اتباع الرسول (عليه الصلاة والسلام).‬
‫(لَا جَرَمَ) حقاً " لا جرم" كما قلنا عنها من قبل مكونة ومركبّة من "لا" و"جرم" تركيب خمسة عشر معنى الكلمة بعد التركيب معنى فِعْل‫:‬ حق وثبت جاءت في القرآن في خمسة مواضع متلوّة ب"أنَّ" واسمها والجملة بعدها فاعله (لَا جَرَمَ أَنَّ) أي حق وثبت (لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)) أصلا فضلا عمن استكبر عن عبادته، (لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)) الذين يتكبرون على الخلائق، فما بالك بمن يتكبر على الخالق، (لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ ) فيجازيهم عليه، (لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ ) حقا يعلم ما يسرون وما يعلنون فيجازيهم عليه لأنه‫:‬ (لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿24﴾
‫(وَإِذَا قِيلَ لَهُم) سؤال (مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ (٢٤)) قيل‫: إن مشركي مكة قسّموا أنفسهم جماعات تقف على رءوس الطرق في مواسم التجارة يستقبلون القوافل يحذرونهم من السماع لابن عبد المطلب، فكانت الناس تأتي فتسأل عن هذا الذي يزعم أنه نبي كما وصلهم، فيقولون لهم هو شاعر هو ساحر هو كاذب هو مجنون إلى آخره، فإذا سألوا المؤمنين عنه قالوا‫: أنزل لنا الرحمة وجاءنا بالخير والهدى يحكي القرآن عنهم في أحد الأقوال‫: (وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ) يقولون بعضهم لبعض، أو يقولون لمن يسأل من القوافل (قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ (٢٤)) والكلمة مرفوعة ولو قالوا "أساطيرَ" كنَسَق اللغة العربية والإعراب، لاعترفوا بالإنزال أصلاً وأنكروا ما نزل، لكنهم لم يعترفوا بالإنزال أصلا فخرجوا عن إعراب اللغة وعن نَسَقْ الكلام ونظمه فقالوا "أساطيرُ" أي ما نزل من شيء بل هذا الذي يقوله ما هو إلا أساطير جمع أسطورة كأعاجيب جمع أعجوبة، وقيل بل هو جمع لا مفرد له أساطير‫: ما سطّره الأولون من تُرَّاهات وأباطيل وأقاصيص لا أصل لها، (وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ (٢٤)) هذا الرفع لكلمة أساطير هنا من أدلة إعجاز القرآن بل ومن أدلة أن هذا الكلام كلام الله، (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًۭا كَثِيرًۭا (٨٢)) [سورة النساء آية‫: ٨٢].
لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةًۭ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴿25﴾
‫(لِيَحْمِلُوٓا۟) اللام هنا تحتمل ثلاثة وجوه‫:‬ لام "لكي" أي لكي يحملوا أوزارهم، الأوزار‫:‬ الذنوب، الأوزار‫:‬ الأحمال والأثقال، أو لام العاقبة أي قالوا ذاك وادعوا لتكون العاقبة أن يحملوا أوزارهم كقوله (فَٱلْتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّۭا وَحَزَنًا ۗ ) [سورة القصص آية‫:‬ ٨]، أي في المستقبل في العاقبة‬
‫، إذاً فهُم قالوا أساطير الأولين ليكون المستقبل والعاقبة لهم أن يحملوا أوزارهم ، وقيل بل اللام لام الأمر والكلام خرج مخرج التهديد، وفي القرآن كثير من المواضع يأتي فيها الأمر للتهديد أو للإهانة أو كما قلنا أكثر من ثلاثين نوعا من أنواع الأمر في القرآن فاللام هنا لام الأمر، (لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةًۭ) أي لا يُكفِّر منها شيء كاملة، لأن المسلم إذا أخطأ في دنياه وفي حياته يُكفِّر الله عنه الخطايا بنقص مال بنقص أنفس بمرض بوصب بنصب، بحزن بظلم، حتى الشوكة يشاكها يكفّر الله بها من سيئاته، أما هؤلاء فلا تكفير لهم مهما أصابهم من مصائب وبلايا في هذه الدنيا فلا كفارة أوزارهم كاملة على ظهورهم، (وَمِنْ أَوْزَارِ) "من" هنا ليست للتبعيض بل للبيان، لبيان الجنس، (وَمِنْ أَوْزَارِ) أي ومن أثقال، (ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ ) إذ لو علموا نتيجة الإضلال وعقاب من أضل غيره، ما فعلوه إذاً فهم أضلّوا الناس بغير علم منهم، أو أضلوا الناس بغير علم من الناس أن ما يقوله هؤلاء ضلال، (لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةًۭ) بسبب ضلالهم، (وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم) كذلك بسبب الإضلال، فهم حملوا أوزار الضلال والإضلال، (بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ ) منهم المضلون، (بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ ) من المُضَلّين، وإذا كان كذلك فالجهل لا يعفي من المسئولية، إذا كان المقصود بغير علم ممن ضل بكلامهم فجهله وعدم علمه لا يعفيه من المسئولية إذ كان يجب عليه أن يكفر ويتذكر ويتدبر ويبحث ويتعلم والناس ثلاثة‫:‬ عالم ومتعلم والثالث همج لا خير فيهم‫.‬ (أَلَا)، (أَلَا) تنبيه، كلمة تنبيه للسامع (أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)) ما يحملونه من أثقال وذنوب وأوزار يا له من سيء، ويا لنتيجته من وبال‫.‬‬
‫ويسرّي عن حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) وكأنه يقول له لا تعبأ بمكرهم ولا تعبأ بما فعلوه، ولا تعبأ بضلالهم وإضلالهم، ولا تعبأ باتهاماتهم وكذبهم فقد حدث ذلك ممن كان قبلهم، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿26﴾ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿27﴾ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿28﴾ فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ﴿29﴾
‫(قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) المكر‫:‬ التدبير والحيلة في الخفاء، وقد يكون محموداً وقد يكون مذموماً (فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ) (فخر عليهم السُّقُف) (فخر عليهم السُّقْف ) (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)) قراءات ثلاث‫:‬ السقْفُ جمع اسم جنس، جنس السُقُف جمع السُقْف (جمع ولكن مع إسكان القاف تخفيفا ) ثلاث قراءات، الآية حيّرت العلماء، إما الكلام على الحقيقة، وإما الكلام على التمثيل - الاستعارة التمثيلية - فإن كان الكلام على التمثيل (قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) دبروا لرسلهم المكائد واحتالوا عليهم كمن يبني بناءً لبقائه ولأمنه وأمانه، فإذا بالبناء يخر عليه، فما فعله ليكون سببا لبقائه صار سببا لهلاكه، فهو تمثيل بانهزامهم وضياع مكرهم وإبطال أعمالهم، تمثيل لمن يبني بناء ليعيش فيه فيكون سببا لبقائه ولحياته وأمنه، فإذا به سببا، فإذا به نفس البناء سبب لهلاكه تمثيل، وقيل بل هو على الحقيقة والكلام عن انهدام البيوت والبناء عليهم كنوع من أنواع العذاب (قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُم) بيوتهم بنيان (مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ) من الأساس، من الأسس (فَخَرَّ) سقط (عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ)، وقال‫:‬ (مِن فَوْقِهِمْ) أين يكون السقف؟ فوق أم تحت، فإذا قلنا "خر السقف" كفى لأن السقف حين يخر من فوق فقال‫:‬ (مِن فَوْقِهِمْ) تأكيدا لتعلم أيها السامع أنه حين خر السقف كانوا هم تحته، إذ قد يخر السقف وهم في الخارج، كما يقال في اللغة العربية خر السقف علينا، إذا كانوا يملكون البيت وهم في خارجه، أما كلمة (مِن فَوْقِهِمْ) توكيد لوجودهم تحت السقف‫.‬ من هنا قد يكون الكلام على الحقيقة، والسقف‫:‬ فكل ما علاك فهو سقف، سقف البيت، وقال بعض الناس "السقف" السماء أي أتاهم العذاب من السماء، والقول الأرجح أن الكلام عن بيوت وعن بناء أتى الله بنيانها، أي أتى أمره من القواعد، فأُزيلت القواعد فخّر البناء وخرّ السقف وكانوا هم تحت سقوفهم في آمن ما يكونون، (أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتًۭا وَهُمْ نَآئِمُونَ (٩٧)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٩٧]، فكذلك هم في آمن ما يكونون فخر عليهم‫.‬‬
‫(ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ) الخزي‫:‬ الذل والهوان (وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ) شركائي على زعمهم، والكلام للتوبيخ والتبكيت ( ويقول أين شركاي ) قراءة، أين هم حتى يشفعوا لكم كما زعمتم (أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ ) أي تعادون الأنبياء وتعادون المؤمنين وتجادلون بغير حجة، أين هم الشركاء الذين زعمتم الذين أنهم شركائي (ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ) من المشاقّة أن تكون في شق غير شقّه، معاداة ومخاصمة (ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ) فعل تشاقون‫:‬ المؤمنين والأنبياء (تشاقونِ) بكسر النون قراءة، أي تشاقونني، تشاقوني أي تعادوني ومعاداة أولياء الله معاداة لله، ومعاداة الرسل معاداة لله‫.‬‬
‫(قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ (٢٧)) الذين أتوا العلم‫:‬ المؤمنون، الذين أتوا العلم‫:‬ الملائكة، الذين أتوا العلم‫:‬ الأنبياء والدعاة (إِنَّ ٱلْخِزْىَ) الذل والهوان وسوء العذاب، (ٱلْيَوْمَ) يوم القيامة (عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ (٢٧)).‬
‫(ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ ۚ ) (فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ) أي الاستسلام، (ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ) قراءة، (الذين توفّاهم الملائكة ) قراءة، (الذين يتوفاهم الملائكة) قراءة، توفتهم الملائكة حال كونهم أشرار حال كونهم كفارا توفتهم ظالمي أنفسهم بالشرك أوردوها موارد التهلكة (فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ) أي الاستسلام حيث لا ينفع الاستسلام، حين الموت لا ينفع الاستسلام، بل ويكذبون كما يكذبون في الدنيا وكما يكذبون على الله يوم القيامة بقولهم‫:‬ (وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٢٣]‬
‫أو في زعمهم‫:‬ (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)) الرد من الملائكة، أو التعقيب من الله‫. (فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ )‬ أبواب جهنم‫:‬ قيل أصناف العذاب، قيل أبواب لكل طائفة باب (لِّكُلِّ بَابٍۢ مِّنْهُمْ جُزْءٌۭ مَّقْسُومٌ (٤٤)) [سورة الحجر آية‫:‬ ٤٤].‬
‫قيل أول أبواب جهنم القبر للكفار، إذاً فهو باب يتلوه باب يتلوه باب كأصناف العذاب، أو هي أبواب حسب أنواع الناس وكفرهم واستحقاقهم، (خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ ) ماكثين فيها أبدا، بلا نهاية للتعب أو للنصب أو للعذاب، بلا انتهاء، (فَلَبِئْسَ مَثْوَى) مثوى هؤلاء الظالمين جهنم (فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)) جهنم‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ آيات وآيات تدل على وجود الله (عز وجل) تدل على وحدانيته، على عظيم قدرته على تناهي حكمته على سعة رحمته، ومع ذلك فالناس عن ربهم غافلون وعن شكر نعمته ساهون، وكفى بقوله (عز وجل): (وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (١٨)) وكفى بالإسلام نعمة وبضدها تتميز الأشياء، إذا قيل للين كفروا‫:‬ (مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ (٢٤))، أما المؤمنين الطيبين المتقين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً.‬‬‬‬‬
وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًۭا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌۭ ۚ وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿30﴾
‫(وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًۭا ۗ ) منصوبة أي أنزل خيراً، إذاً فهُم مقرُّون بالإنزال، مقرون بإرسال النبي (صلى الله عليه وسلم) وبأن ما نزل هو الحق والخير‫.‬‬
‫(وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ ) الكلام عن هؤلاء الذين وقفوا على رءوس الطرق، الكلام عن الإجابة على القوافل والوفود التي كانت تأتي إلى مكة تسأل عن ذاك النبي الذي يزعم أنه أرسل للناس كافة، أو الكلام عن المستقبل وجاء بصيغة الماضي لتحقق وقوعه، المستقبل إما الموت كسؤال القبر، أو حين قبض الروح، وإما في يوم القيامة يعلم الله، (وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًۭا ۗ ) أليس في القبر نُسأل ماذا كنت تقول في ذلك الرجل، فكذلك‫:‬‬
‫من كانت الأولى جُلُّ مطلبه حار ولم يجد للجواب لسانا‬
‫ومن كانت الأخرى له سعيا نطق بالتوحيد فصاحة وبياناً‬
‫(وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًۭا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌۭ ۚ وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ (٣٠)) أمن كلامهم هذا؟ حكاية عن قولهم تتمّة لكلامهم، أم هو من كلام الله (عز وجل، الله أعلم) (مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًۭا ۗ ) خير الدنيا وخير الآخرة، (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟) كلامهم، وعد من الله لهم، إما تتمة لكلامهم، وإما وعد من الله، (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌۭ ۚ ) الحياة الطيبة الهدوء السكينة، يستخلفكم في الأرض، يمكّن لكم دينكم الذي ارتضى لكم، يبدلكم من بعد خوفكم أمنا، (وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ ۚ ) إذاً فهي خير من الدنيا، والثواب الآجل أهم وأبقى من الثواب العاجل، إذ أن الدنيا فانية والآخرة باقية، (وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ (٣٠)) دار الآخرة، والكلام فيه حذف وأنت تقدّر ولنعم دار المتقين دار الآخرة التي جاء ذكرها من قبل (وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ (٣٠))، هذه الدار، الدار الآخرة، وقال بعض الناس بل الدار الدنيا (وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ (٣٠)) دار الدنيا كيف؟ نعم‫:‬ لأن الدنيا كانت حرثاً للآخرة، فنعم الدار للمتقين دار الدنيا، إذ هي السبب والوسيلة التي توصل إلى الجنة وإلى رضوان الله بالعمل الصالح (وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ (٣٠))، والأرجح الدار الآخرة التي هي‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿31﴾
‫(جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ ) العدن‫: الإقامة عَدَنَ بالمكان‫: أقام به، (جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا) أي داخلين فيها (تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ ) من خلال أشجارها وبيوتها وقصورها (لَهُمْ فِيهَا) تقديم الظرف "فيها" لم يقل لهم ما يشاءون فيها وإنما قال‫: (لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ ۚ ) ليشعر بأن الدار الوحيدة التي لك فيها كل ما تشتهي دون نقص هي الجنة، والجنة فقط، (لَهُمْ فِيهَا) وليس في غيرها، هي الوحيدة التي يمكن لك أن تحصل على كل ما تشتهي فيها، (كَذَٰلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ (٣١)) هكذا جزاؤه لكل من اتقى الله في كل زمان ومكان، أتباع الرسل في كل الأزمنة‫.
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿32﴾
‫(ٱلَّذِينَ) تعريف، (ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢))، (ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ ) طيبين‫:‬ جاء فيها الكثير من الأقوال‫:‬ طيبين‫:‬ صالحين، طيبين‫:‬ متقين، طيبين‫:‬ تبرءوا من الخبث والخبائث في كل شيء، طيبين‫:‬ طائعين، طيبين‫:‬ طيبة نفوسهم، طيبين‫:‬ طاهرين، طيبين‫:‬ طيبة نفوسهم بلقاء الله (عز وجل) ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، فهم يستبشرون بلقاء الله إذا جاءتهم ملائكة الموت طيبة نفوسهم لهذا اللقاء، (ۙ يَقُولُونَ) الملائكة تقول‫:‬ (سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ) إذاً فهو أمن وأمان (سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ) تسليم، بشرى بالأمن بشرى الأمان، (ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ) أول أبواب الجنة للمؤمنين القبر، فالقبر إما حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، أبواب الجنة أو الكلام عن الآخرة والكلام في الآخرة أبواب الجنة درجات الجنة بحسب أعمالهم، (بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)) بسبب أعمالكم وانتبه العمل لا يُدخل الجنة (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ) ذكر العمل في الآيات ذكُر السبب الظاهر، (ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)) بسبب أعمالكم، ذاك هو السبب الظاهر للناس، أما السبب الحقيقي فهو فضل الله كيف؟ العمل، من وفقك للعمل الصالح؟ الله من تفضل عليك بتعليمك ما هو العمل الصالح؟ الله، من تفضل عليك بالقبول؟ الله، من تفضل بجعل العمل الصالح سببا لدخول الجنة؟ الله، إذا فالسبب الحقيقي هو رحمة الله، تدخلون الجنة‬
‫برحمته وتقتسمونها بأعمالكم‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ حين تأتي ملائكة الموت للمسلم تقول له‫:‬ ربك يقرؤك السلام أو تسلّم عليه‫:‬ السلام عليك يا وليّ الله حين ينزعون الروح كيف تُنزع؟ تُسلّ، إذ إن الذين تتوفاهم الملائكة طيبين موتهم طيب لا مشقة فيه، حين ينزعون الروح ينزعونها، بآية السلام عليك يا وليّ الله ثم يقولون ربك يقرؤك السلام ثم يقولون‫:‬ (ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)) فتخرج روحة بسهولة بفرحة لو خُيِر في البقاء في الدنيا والله ما اختارها، وإنما يختار لقاء الله جعلنا الله وإياكم منهم (ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ).‬
‫فتأتي الآيات لتسأل سؤال توبيخ وتبكيت لكفار مكة، جاءهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالهدى والحق، يعرفون نسبة يثقون في صدقه كذّبوه واتهموه وبكل نقيصة رموه، يقول الله (تبارك وتعالى) لهؤلاء:
هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿33﴾
‫(هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ ۚ ) ماذا ينتظر هؤلاء؟ لا بد من مجيء أحد أمرين‫: الموت والموت الحق، وهم لا ينكرون ذلك، أو القيامة والساعة والبعث والحساب والثواب والعقاب، ماذا ينتظر هؤلاء (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ) أي ملائكة الموت لقبض أرواحهم، (أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ ۚ ) أمره بإذلالهم، أمره بهزيمتهم، أمره بقتلهم، أمره بإهلاكهم، أو أمره بقيام الساعة ماذا يفعلون؟ لم يعملوا حسابا لذلك، كما فعل الذين من قبلهم، (كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣)) أي الكفار في كل زمان كذّبوا الرسل، الكفار في كل زمان جحدوا بالبعث وبقيام الساعة، فحين أصابهم عقاب الله لم يكن ربنا قد ظلمهم بذلك بل هم الذين ظلموا أنفسهم بالتكذيب، والآية فيها تقديم وتأخير، والتقدير "كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون وما ظلمهم الله لكن كانوا أنفسهم يظلمون" هذا هو التقدير أما الآيات فجاءت‫:
فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿34﴾
‫( كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ (٣٤)) أي أصابهم جزاء سيئاتهم، أصابهم العقاب الحق جزاء أعمالهم السيئة، أحاط بهم والحيْق لا يستعمل إلا في الشر "أحاط" تُستعمل في الخير وقد تُستعمل في الشر، أما حاق فلا يستعمل إلا في الشر، (وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ (٣٤)) أي أحاط بهم العذاب والعقاب، وانتقام ربنا (تبارك وتعالى) الذي كانوا به يستهزئون‫.
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ﴿35﴾
‫(وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟) حكاية عن كلامهم (وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ (٣٥)) [سورة النحل آية‫: ٣٥]، كلمة حق أريد بها الباطل، لو أنهم قالوا هذا الكلام صدقا واعتقاداً، لكانوا من المؤمنين، ولكنهم قالوه استهزاءً وسخرية وهم يعرفون بطلان حجتهم (وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ ۚ ) بمعنى أن عبادتهم للأصنام، وعبادة آبائهم للأصنام، يرضى الله عنها، لأنه لو لم يرضى لمنعهم، طالما تركهم يفعلون ذلك إذاً هو راضٍ عنهم، كما أنهم حين عبدوا الأصنام، هذه العبادة حين وقعت في هذا الكون وقعت بمشيئة الله، إذ لا يقع في ملكة إلا ما يريد، ذاك قولهم حقا وصدقا لو شاء الله ما أشركوا، لو شاء الله لهدى الناس جمعيا، لا يقع في ملكة إلا ما يريد، لكن من قالها إيمانا واعتقاداً فهو المؤمن، أما هم فقد قالوها استهزاءً بدليل‫: لو أن جلا دخل على رجل فوجده في بيته يزني بامرأته فسأله فقال لو شاء الله ما فعلت هل يُترك؟ هل يقبلون ذلك؟ لو أن رجلا قتل ابناً لهم أو أراد أن يقتله، وحين همّوا بمنعه قال‫: لو شاء الله ما قتلت هل يُقبل هذا؟ هل يُقبل هذه الحجة؟ هم يعلمون بطلان احتجاجهم، لكنهم يقولون مقالة الحق يقولونها استهزاءً وسخرية (وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا) كذلك، (وَلَا حَرَّمْنَا) أيضا السوائب والوصائل والحوام، ما حرموه من البهائم، ما في بطون هذه الأنعام محرم ومحلل وهكذا، () مثل هذا القول قاله المشركون في الأمم السابقة، وكأن المشركين بمكة يقلدون مشركي الأمم السابقة يقولون مثل مقالتهم، وكأنهم تواصوا به، (كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ ) تلك وظيفة الرسل أن يبلّغوا عن ربهم ويرشدوا للطريق المستقيم ويحذروا الناس من حساب الله وعقابه، (فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ (٣٥)) رسالة الرسل واحدة لذا يقول الله (تبارك وتعالى).
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴿36﴾
في كل أمة أرسل الله (تبارك وتعالى) رسولا، وبعث الرسول للأمة بأمر واحد أن اعبدوا الله وحده لا شريك له (أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ) أي بأن اعبدوا الله، (وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ ) الطاغوت‫:‬ من الطغيان، الطاغوت‫:‬ بطلق على كل رأس في الضلال، الطاغوت‫:‬ يطلق على الشيطان، يُطلق على الصنم، يُطلق على كل داعٍ إلى ضلالة مُتبع فيها، ما من رسول بُعث إلا وأمر قومه بعبادة الله الواحد الأحد وترك عبادة الأصنام واتباع الشيطان، (فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۚ ) إذاً فالرسول من الرسل يُبعث إلى قومه بلسانهم يبيّن لهم، مُؤيد بالمعجزات، يدعوهم إلى عبادة الله الواحد الأحد، فمن صدّق وآمن هداه الله إلى صراطه المستقيم، ومن كفر وعاند حقّت عليه الضلالة، أي كتب الله له الضلالة، أي خلق في قلبه الضلالة لسوء اختياره وفساد استعداده (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٤٦)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٦]، فالرسول من الرسل يأتي إلى قومه مؤيد بالمعجزات يدعوهم فمن انشرح صدره واستمع هداه الله، ومن أغلق سمعه وضاق صدره عن الاستماع وعاند ضل وأضله الله، (فَمِنْهُم) من الناس (فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ) أي هداه الله ، وفقه الله للهداية، وفقه لاتباع طريقه المستقيم، (وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۚ ) وجبت وثبتت عليه الضلالة، (فَسِيرُوا۟) يا أهل مكة والخطاب للمكذبين في عصر النبي (صلى الله عليه وسلم) (فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ (٣٦)) سيروا في الأرض معتبرين متأملين، كيف كان عاقبة المكذبين، وهم في أسفارهم يمرون على ديار ثمود، وفي أسفارهم يمرون على ديار عاد ويمرون على ديار لوط وهكذا‫.‬‬
‫ثم يتوجه الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ونبينا كان رءوفا رحيما حزينا على قومه، آسفا عليهم يتمنى لهم الهدى أهله قومه عشيرته، لا ينام الليل حزنا عليهم تكاد تنفطر نفسه من الأسى والآسف يقول الله (تبارك وتعالى) له:
إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَىٰهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ﴿37﴾
‫(إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَىٰهُمْ) أي مهما بذلت الجهد والحرص أي الوسع والطاقة الذي يبذله النبي (صلى الله عليه وسلم) حريص على إيمانهم مهتم بشأنهم إن تحرص وتجتهد وتهتم بهدايتهم (فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ ۖ ) ربنا أضلّهم نتيجة سوء اختيارهم وفساد استعدادهم، واستحقاقهم للضلالة، فحين أضلّهم الله كيف تهديهم، ومن يهدي من أضل الله، (وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ (٣٧)) يمنعون عنهم العذاب أو ينقذونهم من أخذة الله (تبارك وتعالى).‬
‫ويُضرب مثل استهزاء هؤلاء القوم لسفاهاتهم وتكذيبهم وكفرهم ودليل على أنهم استحقوا الضلالة فعلا واسمع:
وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿38﴾ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰذِبِينَ ﴿39﴾
‫(وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ ) تعجّب حين أقسموا بالله جهد أيمانهم، الجهْد‫:‬ الوسع والطاقة، حلفوا بالله وغلّظوا الأيمان، طالما حلفوا بالله وأقسموا بالله إذاً فهم يعظمونه، إذ الإنسان لا يحلف إلا بكل عظيم، ومن أقسم بشيء فقد عظم ما أقسم به، طالما أقسموا بالله جهد أيمانهم فهم يعظمونه، وفي نفس الوقت يعجزونه عن أن يبعث الموتى، تعجب (وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ ) طالما كان الله عظيما أقسمتم به واجتهدتم في القسم فكيف يعجزونه عن بعث الموتى وقد خلقهم أصلا من غير شيء، يرد الله عليهم (بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا) أي بلى ليبعثنهم ، ووعْدُ البعث وعداً حقاً وعداً عليه إنجازه وتنفيذه، (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا) أي وعدا مصدر مؤكد لنفسه، أي وعد وعداً مؤكد هذا الوعد، (عَلَيْهِ) على الله إنجازه وتنفيذه، إذ هو القادر على كل شيء، (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨)) لا يعلمون أنهم يبعثون إما لعنادهم وإما لجهلهم‫.‬‬
‫(لِيُبَيِّنَ لَهُمُ) أي ليبعثنهم ليبيّن لهم أنه القادر على البعث، وليحاسبهم ويعاقبهم ويثيب الطائع، ويعاقب العاصي، (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ) من أمر البعث والقيامة والحساب، (وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰذِبِينَ (٣٩)) إذاً فمن حكمة البعث ومن مقتضيات البعث، أن يتبيّن للكفار أن البعث حق، وليحق ربنا الحق ويبطل الباطل، ويثيب الطائع، ويعاقب العاصي‫.‬‬
‫ثم يبين ربنا (تبارك وتعالى) قدرته، وأن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة بعد الإفناء، وأن الله لا يعجزه شيء فيقول عز من قائل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَـٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ﴿40﴾
هذه الآية وقد تكلمنا عنها في سورة البقرة في الآية السابعة عشر بعد المائة، هذه الآية تكلم فيها العلماء بكلام كثير ترى هل الآية تبين كيف يوجد ربنا الأشياء وقد جرت السنّة الإلهية بإيجاد الأشياء بكلمة "كن"؟، أم أن الكلام لتأثير قدرته تعالى في مراده كأمر المطاع للمطيع بحصول المطلوب دون تراخ ودون توقف أو تمهل، وبلا احتياج لاستخدام آلة أو جارحة، وكذا اختلفت القراءة (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَـٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (٤٠)) مرفوعة على الاستئناف أي فهو يكونُ، أراد تكوين شيء فيقول له للشيء كن فيكونُ أي فهو يكون، معنى أن يكون الشيء يكون كائناً بعد الأمر يقول له كن فإذا قال كن كان الشيء فيكون بعد الأمر‫.‬ (إنما قولنا لشيء إذا أردنا أن نقول له كن فيكونَ) بالنصب معطوفة على "نقول" في هذه الحالة فالأمر يكون ويصبح كائناً مع القول مع الأمر، لا يتأخر وجوده، ولا يتقدم وجوده عن الأمر، فهو كائن مع الأمر، بمعنى أنه لا يكون الشيء مأموراً بالوجود إلا وهو موجود بالأمر، ولا يكون موجوداً إلا وهو مأمور بالوجود، وكما قال السادة الصوفية أمره بين الكاف والنون، فإذا كان الشيء يقال له "كن فيكون" فوجوده بعد صدور الأمر، أو يكون الشيء موجودا مع صدور الأمر، لا الأمر يتقدم الوجود، ولا الوجود يتأخر عن الأمر ، فالأمر والوجود في نفس الوقت هذت بقراءة النصب ( كن فيكونَ) هنا تساءل العلماء (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له) للشيء، فهل الأمر للشيء قبل وجوده، فكيف تأمر معدوماً؟ أم أن الأمر للشيء وهو موجود، فكيف تأمر موجوداً بالوجود؟ (قولنا لشيء إذا أردناه) إذا فهو يقول للشيء إذا أراد وجوده "كن" كيف يقول له كن ولم يكن موجودا؟ وإن كان موجودا وقال له كن فكيف يأمره بالوجود وهو موجود فعلا، هذه التساؤلات في آية الغرض منها‫:‬ أنه لا هناك قول ولا هناك أمر ولا هناك كلمة "كن" ، وإنما الأمر تمثيل لنفاذ قدرته ومشيئته (جلّ وعز) في مراده يمثل لنا، من أراد شيئا وهو مطاع وأمر من يطيع وينفّذ بلا إمهال بلا تخلّف، افعل لفعل، فكذلك أمر الله بإيجاد الأشياء وإرادته لإيجاد الشيء، طالما تعلقت الإرادة بوجود الشيء وُجد من غير كلمة "كن" كآمر يأمر فيطاع، تمثيل لنفاذ وتأثير قدرته ي مراده، لكن الآخرين ردوا على التساؤل كيف يقول للشيء كن؟ إن كان الشيء غير موجود امتنع الأمر كيف تأمر غير موجود؟! كيف تأمر معدوما؟ وإن كان الشيء موجودا طالما وُجد فكيف نقول له كن؟ رد العلماء على هذا التساؤل بقولهم‫:‬ الشيء قبل وجوده موجود في علم الله، علم الله أزلي، وقدرة الله أزلية، رغم تأخر المقدورات وتأخر المعلومات في الوجود، لكنه لم يزل آمراً للمعدومات بشرط وجودها مع تأخر المقدورات وتأخر المعلومات، وكل ما في الآية من استقبال بحسب المأمورات لا بحسب الآمر (سبحانه وتعالى) وبالتالي فالشيء المراد مراد أزلاً معلوم لله أزلاً: الصفة الشكل الوقت المقدار المكان الزمان، تفصيلا معلوم لديه، طالما كان معلوماً لديه أزلاً فحين بأمر المعلوم بالوجود يأمر موجوداً في علمه، بأن يكون موجوداً في مُلكة، إذاً يصح أن يقال (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ) في علمه، يقول للمعلوم في علمه (إِذَآ أَرَدْنَـٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ) وهو في العلم (كُن فَيَكُونُ (٤٠)) في الوجود طبقا لما هو معلوم‫.‬‬
‫ربنا (تبارك وتعالى) يقارن بين هؤلاء الكفار وبين المؤمنين، هؤلاء الكفار الذين زعموا أن الله لا يبعث من يموت وأقسموا على ذلك بجهد أيمانهم ورد الله (تبارك وتعالى) عليهم أنه غير محتاج لآلة أو أداة أو مادة، فربنا حين خلق الخلْق لم يكن هناك شيء كان الله ولم يكن شيء، خلق من العدم بغير استخدام آلة بغير استخدام جارحة، ومثّل لنا خلقه بقول‫:‬ (كُن فَيَكُونُ (٤٠))، أو جبرت سنته الإلهية على إيجاد الأشياء بكلمة "كن" يعلم الله (تبارك وتعالى) لكن هناك أناس آمنوا وضحوا وتقدموا وتعذبوا وذاقوا ألوان العذاب في سبيل عقيدتهم، يبشّرهم الله (تبارك وتعالى) بكل خير في الدنيا وبكل خير في الآخرة فيقول في شأنهم‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ﴿41﴾ ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿42﴾
‫(وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟) من بعد ما أوذوا وعُذبوا، كم عذّب المشركون الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) كم أوذي النبي (صلى الله عليه وسلم) بلال صهيب سلمان كلنا يعرف ويعلم كم لقي هؤلاء من عنت وتعذيب وإيذاء، وسمح الله لهم وأذن لهم بالهجرة وهاجروا، بعد ما ظلموا وأوذوا وعُذبوا ربنا يعدهم فيقول‫:‬ (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ ) بوْأه وبوّأ له‫:‬ (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ) [سورة الحج آية‫:‬ ٢٦]، أعدّ له وهيأ، بوأه منزلا‫:‬ هيأه له وأعدّه لسكناه، (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ ) ترى ما هي الحسنة؟ قالوا‫:‬ المدينة المنورة حيث يأزر إليها الإيمان كما تأزر الحية إلى حجرها وأول من تنشق عنهم الأرض يوم القيامة من دُفن بالمدينة، وقيل‫:‬ الذكْر الحسن الثناء إذا ذُكر الصحابي قال السامع‫:‬ رضي الله عنه، الذكر الحسن والثناء الجميل في هذه الدنيا، النصر‫:‬ الغنيمة .الفتوحات، (وَلَأَجْرُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ ) أكبر من أن يعلمه أحد لم يشاهد، أكبر مما منح لهم في الدنيا، (وَلَأَجْرُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ ) مما أعطاهم في الدنيا، أعظم وأجلّ وأبقى، أو أكبر من أن يعلمه أحد، (لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ (٤١)) الكلام عن من (لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ (٤١)) الضمير عائد على الكفار، (لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ (٤١)) أن الله (تبارك وتعالى) سيبوئ المؤمنين في الدنيا مباءة حسنة، ويعد لهم في الآخرة أجراً كبيرا، ما فعلوا ما فعلوا ولوافقوهم ولآمنوا معهم، أو الضمير للذين هاجروا في الله‫:‬ أي في سبيل الله في حق الله، في بمعنى اللام لله، أو في سبيل الله في حق الله، الذين هاجروا في الله (لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ (٤١)) - والكلام لهم - ما أُعد لهم في الآخرة، وأن أجر الآخرة أكبر لاجتهدوا وازداد صبرهم وفرحوا بكل ما نالهم من تعذيب وإيذاء، (لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ (٤١)) لاجتهدوا أكثر وفعلوا وصبروا أكثر، وتوكلوا على الله وفوضوا الأمور له‫.‬‬
‫(ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)) أي هم الذين صبروا على الإيذاء وتوكلوا على الله وفوضوا الأمور له‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ مهما أُوذي الإنسان في الله، فالدنيا عمرها قصير وخطرها حقير، والموت آت لا محالة، وكل الناس ميت وكلما صبر الإنسان على ما يلقاه في هذه الدنيا، كلما عظم أجرهم إذ يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، والإنسان في هذه الدنيا يُبتلى ليظهر صدق إيمانه وليمحص ربنا ما في قلبه، وقد نبهنا الله لذلك قائلا (لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٨٦]، وقال‫:‬ (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ (١٥٥)) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٥٥]‬
‫وبشّرنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) فقال " مَا مِنْ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ إِلَّا كُفِّرَ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا " الشوكة التي تصيب الإصبع عن غير قصد حتى الشوكة، أو أن تتعثر في الطريق أي شيء يؤدي المسلم أي شيء يؤلم المسلم، يُكتب له حسنات ورفعة للدرجات وكفارة للسيئات‫.‬‬
‫فقد زعم مشركو مكة أن الله (تبارك وتعالى) لا يبعث بشراً رسولا وقالوا‫:‬ الله أعظم من أن يجعل رسوله بشراً فهلا ّ أرسل ملكاً، ربنا (تبارك وتعالى) يقول لهم أن السنة الإلهية جرت بإرسال الرسل من البشر كي يفقه الناس عنهم (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٤]، كما أن البشر يُرى ويُسمع ويُفهم، والملك لا يُرى فلا بد من أن يكون الرسول من جنس من أُرسل إليهم، ومع ذلك قد كان في الأمم السابقة رسل كثير، هل كانوا من البشر أم كانوا من الملائكة إن كنتم تعلمون فلم تجحدون بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم)؟ وإن كنتم لا تعلمون فاسألوا من يعلم لذا يقول الله (تبارك وتعالى):‬‬‬
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿43﴾ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿44﴾
‫(وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ ) ( يوحى إليهم ) قراءتان، (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ ) والآية دليل على أن الله (تبارك وتعالى) لم يبعث ملكا لدعوة عامة ولا امرأة، قالوا‫:‬ الآية دليل على أن الرسل كانوا رجالا من البشر، وهي دليل على أنه لم تكن هناك امرأة نبيّة لأن الله يقول‫:‬ (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)) أهل الذكر‫:‬ أهل الكتاب، أهل العلم، أهل الأخبار، سلوهم وإن كذبوا النبي (صلى الله عليه وسلم) وببعثته إلا أنهم مقرّين بوجود الرسل من قبله فهم يؤمنون بموسى اليهود، والنصارى يؤمنون بعيسى سلوهم‫:‬ هل كانت الرسل من البشر‫.‬ (بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ ) البيّنات‫:‬ الدلائل والمعجزات الدالة على صدقهم، والزبر‫:‬ الكتب التي بيّن الله فيها أحكام الشرائع والحلال والحرام، والزبر‫:‬ جمع زبور أي مزبور مكتوب، زبر الكتاب كتبه كتابة عظيمة، والآية إما فيها تقديم وتأخير كقول البعض (وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ذاك رأي، ورأي آخر يقول ما قبل "إلا" لا يعمل فيما بعد "إلا" رفض ذاك التخريج التقديم والتأخير، وقال إن هناك حذف، اختصار بالحذف والمحذوف فعل تقديره (وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) هناك كلمة أرسلناهم بالبينات والزبر فعل مقدّر‫.‬‬
‫(وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤))، (وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ) الذكر‫:‬ القرآن وسُمي القرآن بالذكر لأنه يذكّر الناس ويوقظ القلوب ويحيي الأرواح، (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) إذاً فرسولنا (صلى الله عليه وسلم) مبيّن موضِّح ما أجمله القرآن فصّلته السنّة، وقد بيّن لنا النبي (صلى الله عليه وسلم) مراد الله وتكليفات الله بيّنها بسنته الفعلية وبسنته القولية، وبدون السنّة لا يمكن أن يصل الإنسان لمعرفة مراد الله، ربنا آمر بالصلاة ما كيفية الصلاة؟ أمرنا بالحج (وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا ۚ ) كيف تؤدى المناسك؟ لذا بيّن لنا وقال‫:‬ (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلَّي)، وقال في الحج‫:‬ (خُذُوْا عَنِّيْ مَنَاسِكَكُم فَلَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا ) فبين لنا (صلى الله عليه وسلم) ما أُجمل ذكره في القرآن فصّله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تفصيلا، (وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)) إذاً فالتفكر والتذكّر والتأمل في سنة النبي (صلى الله عليه وسلم) يؤدي إلى الفهم الكامل لمراد الله ولتكليفات الله ولأوامر الله (عز وجل) ولنواهيه‫.‬‬
‫ثم يهدد ربنا (تبارك وتعالى) ويتوعد الكفار:
أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿45﴾ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ﴿46﴾ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍۢ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ ﴿47﴾
‫(أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ) أفأمنوا، أفأمن هؤلاء الذين كفروا وجحدوا وكذبوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واحتالوا وتآمروا، هل يأمن هؤلاء أن تنخسف بهم الأرض (أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ) أي الماكرات السيئات، أو المكر السيئ أو الأفعال السيئة الاحتيال والإيذاء لرسول الله والتآمر عليه وعلى المؤمنين، (أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ) خَسَفَ الشيء‫:‬ غاب في الأرض، وخسفه‫:‬ غيّبه في الأرض، هل أمنوا أن يخسف الله بهم الأرض كما فعل بقارون، يمشي فجأة تنخسف به الأرض فيغيب فيها تغيب به الأرض أو يغيب في الأرض، (أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ) يملكها يفعل فيها ما يشاء، (أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥)) فجأة من حيث لا يتوقع يأتيه العذاب‫.‬‬
‫(أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ) في أسفارهم وذهابهم ومجيئهم، أو تقلبهم في الفرُش، نائم يتقلب يمنة ويسرة من الذي يقلبه وهو نائم؟ هل أمن الإنسان أن يؤخذ في تقلبه، في ذهابه ومجيئه وفي سفره أو في فراشه، (فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (٤٦)) ما هم بفائتين هل يعجز ربنا (تبارك وتعالى) أن يعذب من يشاء، أو يأخذ من يشاء أو يخسف الأرض بمن يشاء‫.‬‬
‫(أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍۢ ) التخوف، إذاً ربنا (تبارك وتعالى) قد هددهم بأنواع وأصناف من العذاب، أن تنخسف بهم الأرض به فجأة، أن يؤخذ من حيث لا يشعر ولا يتوقع، أن يؤخذ في سفره، أو في تقلّبه في فراشة وهو نائم، أو وهو مستيقظ، أو هو يلعب، أو وهو يسير، (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍۢ) أي يقذف في قلبه الخوف والتوقع والانتظار حتى يأتيه العذاب كيف؟ قرى متجاورة فإن خسف بقرية ماذا يفعل أهل القرية الأخرى، القرية المجاورة خسفت، يتوقعون الخسف فيتربصون ويخافون ويتسلط عليهم الخوف والرعب ثم يأخذهم وهم في هذه الحالة، (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍۢ) وقال بعض الناس التخوف‫:‬ التنقّص، خوفته تنقصته كيف؟ ينقص ربنا منهم شيئا فشيئا، (عَلَىٰ تَخَوُّفٍۢ) على تنقص، فإن كانوا كثيرا، إذا بفلان يموت ثم فلان يموت نقص في الأنفس، نقص في الأموال، نقص في الثمار، يسلب منهم النعمة شيئا فشيئا، بعد ما كانوا في عز وفي منعة، في كثرة في غنى، ينقص منهم شيئا فشيئا فيتوقعون، ما الذي يحدث بعد ذلك يتربصون يتألمون ويخافون، (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ (٤٧)) إذ لم يعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلهم، ولعل العاصي يتوب‫.‬‬
‫فتتساءل الآيات وتعجب السامعين من هؤلاء الكفار، ألم تكن لهم عيون، ألم يروا هذا الكون المترامي الأطراف، وما فيه من أشياء قد انتظمت في وحدة الوجود، وانقادت في حركتها وسكونها للخالق المدبّر (سبحانه وتعالى) ألم يروا إلى ما حولهم؟! ألم ينظروا إلى ما فوقهم؟! ألم يتأملوا؟ ! ألم يتفكروا؟! البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، سماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، ألا يدل ذلك على الحكيم الخبير يقول الله (عز وجل):
أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ يَتَفَيَّؤُا۟ ظِلَـٰلُهُۥ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدًۭا لِّلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ ﴿48﴾
والكلام عنهم، عن هؤلاء الذين هُدِدوا في الآيات السابقة بقوله‫:‬ (أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍۢ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ (٤٧))، وقُرأت (أولم تروا إلى ما خلق الله من شيء تتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون). والخطاب بهذه القراءة للناس كافة، لكل من يصلح للخطاب، (أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ) من كل شيء من كل جسم، الأجرام لها ظلال هذه الظلال تتفيأ‫:‬ ترجع، فاء يفيء فيْئا‫:‬ رجع، وأفاءه‫:‬ أرجعه وفيئّه‫:‬ رجّعه، هذه الظلال التي تتحول من اليمين، - واليمين هنا بمعنى الجمع - إلى الشمال لحظة بلحظة، درجة بدرجة بانتظام كل الظلال، هذه الظلال في حركتها بعد شروق الشمس وإلى الغروب في حركتها من اليمين إلى الشمال، أي من يمين الجسم إلى شماله، هذه الظلال التي تتحرك هذه الحركة المنتظمة دليل على مسخّر ومدبّر ومخصصّ ومهمين، هذا التحرك خضوع وانقياد انقياداً يعم من يعقل ومن لا يعقل، لذا عُبِّر بالتعبير عن العاقل فقال "داخرون" جمع بالواو، أو عُبِّر بذلك لأن الدخور من صفة العقلاء، والكلام عن الجمادات، لكن الظلال والأجسام والأجرام منها ما هو منقاد طَبْعاً، ومنها ما هو منقاد طوْعاً، (سُجَّدًۭا لِّلَّهِ) سجود انقياد سجود طاعة، (وَهُمْ دَٰخِرُونَ (٤٨)) منقادون أذلاء طائعون، دخَر يدخر دحوراً ودَخَر يدخِر دخَراً ذلّ وانقاد وأطاع، وتأتي آية السجدة، وآية السجدة إذا تُليت على المنبر كما قلنا نزل الإمام وسجد وسجد الناس، أو لم ينزل كما فعل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في هذه السورة - في سورة النحل - قرأها في جمعة على الناس، ونزل وسجد، وسجد الناس، وقرأها في الجمعة التالية ولم ينزل ونبّه الناس أنه وهو على المنبر إن شاء نزل، وإن شاء لم ينزل، هذا السجود الذي تتحدث عنه الآية.
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍۢ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿49﴾
‫(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍۢ ) والدبيب صفة الأجسام سواءً أكانت تمشي على الأرض، أو تطير في الهواء، أم تسبح في الماء، من هنا حين أفرد الملائكة بالذكر، (مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍۢ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ) أفرد الملائكة رفعة لشأنهم، وإشعارا بعظيم مقامهم رغم دخولهم في قوله‫: (مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ)، أو الدبيب يختص بالأجسام التي تدب فقط، وأفرد الملائكة بالذكر لأنها لا تدب، بل تطير بأجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء، (وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)) لا يتعاظمون ولا يمتنعون عن عبادته، إذ أن عبادة الله والإيمان بالله يتنافى مع الكِبْر إذ الكبر صفة الله (عز وجل) وهو المتكبّر بحق‫.
يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ۩ ﴿50﴾
‫(يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ) الكلام عن الملائكة، أو الكلام عن كل من سجد، والساجد إما سجد خضوعا لإرادة الله، عز وجل، طوعاً، وإما انقياداً لمشيئته طبْعاً، (يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ) أي يخافون عذاب ربهم من فوقهم، إذ العذاب عادة ينزل من السماء، أو يخافون ربهم من فوقهم بقهره، إذ هو القاهر فوق عباده، وكذلك تبيّن الآيات أن العصيان ليس موجوداً عند هؤلاء، لأنهم يفعلون ما يؤمرون، إذاً هم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، والكلام عن الملائكة الذين أفردهم الله، تبارك وتعالى، بالذكر بياناً لشريف منزلتهم وعظيم مقامهم، وقد ينطبق الكلام على كل من سجد طبْعاً أو طوعاً.‬
‫ويتوجه الأمر من الآمر (سبحانه وتعالى):‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ ﴿51﴾
‫(وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ ) ذكر العدد مع أن المعدود يدل عليه "إلهين" إذاً فهما اثنان، قال اثنين تأكيداً، ولنفي التعدد في الألوهية ( وقال الله لا تتخذوا اثنين إلهين) ذاك هو المعنى، (إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ ) أيضا كلمة "واحد" جاءت للتأكيد، إذ أن كلمة "إله" تعني الواحد، (فَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ (٥١))، وتغيّر النسق في الكلام، (وَقَالَ ٱللَّهُ) الكلام في الغيبة، (وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ ) فكان تقدير الكلام فإياه فارهبوه ذاك التقدير لكنه عدل إلى الخطاب والتكلم فقال‫: (فَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ (٥١))، وكأن الكلام يعني "إنما هو إله واحد، وذلك الإله الواحد هو أنا، فإن رهبتم فإياي فارهبون" فأنا المستحق للعبادة الأحق بأن يُرهب ذاك تعيير نسق الكلام، (فَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ (٥١)) والرهبة‫: خوف معه تحرز، الفرق بين الخوف والرهبة، الخوف مطلق، الرهبة خوف فيه احتراز واحتراس‫.
وَلَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا ۚ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ﴿52﴾
‫(وَلَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) ملْكاً وخَلْقاً وتقديراً وتدبيراً وتصريفاً (وَلَهُ ٱلدِّينُ) يعني الجزاء يوم الدين، الدين‫: الشريعة، الدين‫: يعني الطاعة الدين يعني الانقياد، (وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا ۚ ) دائما لازما، أو ثابتا وَصَبَ يَصِبُ وُصُوباً دام وثبت، أي له الطاعة وله الانقياد أزلاً وأبداً، أو له الثواب يوم الدين الدائم الثابت فعقاب الكفار لا نهاية له، وثواب المؤمنين لا نهاية له، وقال بعض الناس وصب‫: تعب (وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا ۚ ) أي التشريع ذو الكلفة، أي يجب على الطائع أن يتعب ويجهد ويحفد لطاعة الله (عز وجل) (وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا ۚ ) دائما واجبا ثابتا لازما، أو مهما تعب العبد في طاعة الله، فذاك واجب عليه، (أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)) سؤال فيه الإنكار وفيه التوبيخ وفيه التقريع، (أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)) أي تخافوه أي تتقوا عقابه.
وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـَٔرُونَ ﴿53﴾ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴿54﴾
آيات لو أُذِن للحجر لتحرك ولخّر ساجداً، آيات تحرّك الجامد تحرّك الصخر وصدق القائل (لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍۢ لَّرَأَيْتَهُۥ خَـٰشِعًۭا مُّتَصَدِّعًۭا مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۚ ) [سورة الحشر آية‫:‬ ٢١]، (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ ) تقدير الكلام "وما بكم من نعمة فمن الله هي"، أو " وما يكن بكم من نعمة فمن الله " باعتبار "ما" موصولة، أو شرطية أو موصولة فيها معنى الشرط (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍۢ ) أياً كانت النعمة، مهما كان نوعها فمن الله هي، ممن الحياة الرزق النَفَسْ الحركة السكون العقل السمع البصر كل الوجود مليء بنعم لا تُعد ولا تُحصى، (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ) سُلبت بعض النعم، مسّكم الضر في البدن بالسقم في الأموال بالنقص، في الأولاد بالموت، لا إلى غيره، وهنا صيغة القصر (فَإِلَيْهِ تَجْـَٔرُونَ (٥٣)) تقديم كلمة "إليه " تفيد معنى القصر، أي لا تجأرون لا تلجئون لأحدٍ سواه، والكلام للمشركين، (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـَٔرُونَ (٥٣)) تنسون ما تشركون وتنسون الأصنام ولا تلجئون إلا إليه والجُآر‫:‬ رفع الصوت بالاستغاثة أو الدعاء جأَرَ يجْأر جُآراً: رفع صوته بالاستغاثة، بالدعاء، إذا مس الضر هذا الإنسان والكلام عن الكافر، لأن المؤمن إذا مسه الضر صبر وإذا مسّه الخير شكر‫.‬‬
‫(ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)) من المعاني العميقة، ومن الآيات المدهشة التي تدل على سعة حلمه ورأفته وفضله، (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ) إذا جآر المضرور إلى الله سواء أكان مؤمنا أم كان كافراًاستجاب وكشف الضر عنه، رغم علمه بأنه سوف يعود إلى كفره، وتعجب (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنكُم) الكفار(بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)) تعجيب من الإشراك بعد النحاة من الهلاك، جأرتم إلى الله ولم تلجئوا إلى أحدٍ سواه، فلما نجّاكم عدتم إلى شرككم.
لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿55﴾
‫(لِيَكْفُرُوا۟) اللام هنا لام "لكي"، أو هي لام العاقبة، والمعنى في الأولى (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا۟) أي لكي يكفروا، أي أشركوا لكي يجحدوا نعمة الله وينكرون أنها منه، وأن النجاة لم تكن منه، فكأن إشراكهم من أجل ذلك، من أجل الجحود من أجل إنكار نعمة الله عليهم بالنجاة، وعلى الحال الآخر إذا كانت اللام لام العاقبة، (إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)) لتكون العاقبة، لتكون عاقبة هؤلاء الكفر الذي يؤدي إلى جهنم وبئس القرار، (لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ ۚ ) من نِعَم، من نعمة النجاة، من نعمة الاستجابة، من نعمة العطاء، ويتغير الخطاب ويتوجه إليهم في أبلغ صيغ التهديد، (فَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)) أي تمتعوا بدنياكم، وتمتعوا بما منحناكم وأعطيناكم، (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)) عاقبة كل ذلك حين يمسكم عذاب يوم القيامة‫.‬‬
‫ثم تتحدث الآيات عن جهالات المشركين خاصة مشركي مكة‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًۭا مِّمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ ۗ تَٱللَّهِ لَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ ﴿56﴾
أيضا يتغير النسق حكاية عنهم، ثم يتوجه الخطاب مباشرة إليهم للتهديد (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ) أي المشركون يجعلون للأصنام التي لا يعلمون أنها لا تنفع ولا تضر لا يعلمون ألوهيتها بحجة أو سلطان أو برهان، (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ) أي جاهلين، (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًۭا مِّمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ ۗ ) من الأموال فيذبحوا لها الذبائح، وينحروا لها النحائر، ويقدموا لها القرابين ويتقربون إليها ويسجدون لها ويطوفون بها، أو (وَيَجْعَلُونَ) المشركون، (لِمَا لَا يَعْلَمُونَ) للأصنام التي لا تعلم شيئا فهي جمادات لا تسمع ولا تبصر لا تنفع لا تضر، يعلمون تتعلق بالأصنام، (نَصِيبًۭا) جزءاً، (مِّمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ ۗ ) من أموال، يتوجه الخطاب إليهم، (تَٱللَّهِ) قسم، ربنا (تبارك وتعالى) يُقسم بذاته العليّة، (لَتُسْـَٔلُنَّ) أي يوم القيامة، (عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ) تختلفون من كذب والفِريْ والافتراء أشد أنواع الكذب‫. ثم يأتي الأعجب‫:
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ﴿57﴾ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا وَهُوَ كَظِيمٌۭ ﴿58﴾ يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿59﴾
‫(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ ) زعم مشركو مكة أو بعضهم من قبائل خزاعة وغيرها، أن الملائكة بنات الله‫:‬ (وَجَعَلُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَـٰدُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثًا ۚ ) [سورة الزخرف آية‫:‬ ١٩]، (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ ) كلمة اعتراضية إسراعا في تنزيه ذاته (عز وجل) عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله، (وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ (٥٧)) يتمنون لأنفسهم الذكور، وينسبون إلى الله سبحانه البنات‫.‬‬
‫(وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ) حكاية عن أحوالهم وعن سفاهتهم في نسبة الأولاد لهم والبنات لله، أو رغبتهم في الولد وكراهيتهم للبنات، وكيف يجعلون لله ما يكرهون، (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا وَهُوَ كَظِيمٌۭ (٥٨))، فإذا قيل له ولدت امرأتك وجاءت ببنت اسود وجهه لا يتغير إلى السواد من حيث اللون، ولكن كناية عن الغم والهمّ وشدة الحزن، (وَهُوَ كَظِيمٌۭ (٥٨)) مملوء بالغيظ، والكظْم‫:‬ حبس الشيء والكاظم لغيظه‫:‬ أغلق فمه فلا يتكلم من كظم القربة وضع فيها الماء ثم أغلق الفم وربطه برباط ذاك هو الكظم الحبس، (ظَلَّ) أي دام وصار (وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا) : أي دام وصار وجهه مسوداً طوال النهار لا للحظة ثم يفيق أبداً، استمرار الهمّ والغم لأنه بُشّر بالأنثى‫.‬‬
‫(يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩))،‬ (يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ)
‫بلية، نعمة الله وهبة الله له بالبنت يعتبرها بليّة وبلاء وعار وذلّ يجعله يختفي ويتوارى ويختبئ من الناس، ما الذي جعله يتوارى؟ (مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ )، إذاً هذه البشرى التي توجب الفرح وتوجب الحمد لله (عز وجل) يعتبرها بليّه ونقمة تستدعي أن يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، ثم يفكّر ويقدّر ماذا يقرر، إما أن يمسك الوليد الذي بُشر به بأنه أنثى يمسكه على هُون والهُون والهوان شيء واحد‫:‬ الذل الخزي العار، والهُون إما يتعلق بالبنت، وإما يتعلق بالوالد (أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ) أي يمسك الابنة وتبقى معه ذليلة في هوان وفي ذل، أو المعنى‫:‬ أي هو يمسكها على هُون ويظل في هوان وفي ذل وفي عار وفي خزي، لأنه أنجب قد بنتا يفكّر إما ذاك يمسكه على هون، (أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ ) يخفيه، والدس إخفاء الشيء في الشيء يدسه في التراب يئد البنت، يدفن البنت حية‫:‬ يحفر ثم يخفيها في التراب ويهيل التراب عليها (أَلَا) اسمع وانتبه "ألا" كلمة تنبيه (أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩))، ساء ما يدبّرون وما يفكّرون وما يخططون، ساء ما يحكمون به من نسبة البنات إلى الله التي هي بالنسبة لهم ذل وهوان وعار، كيف ترضى الله ما لا ترضاه لنفسك بافتراض ما هم عليه وما يعتقدونه، (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا وَهُوَ كَظِيمٌۭ (٥٨)) خطأ، خطأ لا يقر الله ذلك، ثم في تفسير (أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)) من قال إن البنت بليّة؟ من قال أنها هوان؟ من قال إن إمساكها يعرِّض الإنسان إلى الذل أو لنقص الرزق خشية الإملاق ألا ساء ما يحكمون.
لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿60﴾
‫(لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ۖ ) السَوْء‫: مصدر ساءه يسوءه سوْءاً، فَعَل به ما يكره فاستاء، صفة السوء من الجهل والرغبة في الولد خوفاً من الموت، واشتهاء الولد للمساعدة في الكبر والإعانة، والخوف من قلة الرزق وسوء التدبير والتقدير، كل ذلك من صفة الذين لا يؤمنون، أما صفة الله (وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ ۚ ) فله الأسماء الحسنى، وله الصفات العليا فهو الواحد الغني لا يحتاج إلى الولد، الحي فلا يخشى الموت، الرجل منهم يتمنى الولد ليبقى ذِكْرُه في الدنيا، يعينه في كبره، يعمل ويرتزق ولا يكلفه أن ينفق عليه، إن مات ورثه، أسباب الرغبة في الولد عندهم، ربنا (تبارك وتعالى) حي دائم، غني قائم، لا يحتاج إلى عون أحد إنما أمره أذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، (وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ (٦٠)) العزيز في مُلكه، الحكيم في صنعه وتدبيره‫. وتأتي آية كلما مر عليها الإنسان اندهش من حلم الله سبحانه‫:
وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍۢ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴿61﴾
‫(وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍۢ )، (عَلَيْهَا) كناية عن غير مذكور، وهي الأرض دلّ عليها كلام في الآية (مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا) على الأرض (مِن دَآبَّةٍۢ) إذاً لو آخذ الله الناس بظلم الظالمين منهم لهلك الجميع بما فيهم الدواب، بما فيهم الصالحون، بما فيهم الأنبياء، لهلك الكل، ما ذنب الطائعين؟ ما ذنب الحشرات والطيور والحيوانات يُبعث الكل بعد ذلك على نيّاتهم، لكنه إن أخذ، أخذ الكل، وأخذ الصالح بذنب الطالح أو بشؤم الطالح، كما فُعل بالأرض في زمن نوح، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍۢ)، وقيل لو أهلك الآباء بكفرهم لم يكن أبناء، وقيل‫:‬(وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم) أي من ظلم منهم بالشرك بالكفر (مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍۢ) سواءً كان المأخوذ صالحا أو طالحا، لكنه يعامل بالفضل والعفو (وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ (٣٠)) [سورة الشورى آية‫:‬ ٣٠]، وكأن الظلم في الأرض درجات، ولو آخذ الله ما على الأرض بالظلم بالشرك بالكفر بالتظالم بالاغتصاب بالغش في البيع، بالغش في الميزان، بالسرقة بالمعاصي بالصغائر بالكبائر، ما نجى أحد حتى الأنبياء، فالكمال المطلق لله، (وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۖ ) وهو انتهاء أعمارهم، الأجل المسمى المعلوم عند الله (تبارك وتعالى) المكتوب عنده سواءً نهاية الأعمار أو قيام الساعة، (فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ) انتهى العمر (لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ ) الساعة‫:‬ الطائفة من الزمان (وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)) إذاً فالأجل محتوم وله موعد لا يتقدم ولا يتأخر، هؤلاء الذين اسودت وجوههم من ميلاد البنات وأدوا البنات وعقُّوا الأمهات، وكانت الأنثى في نظرهم خزي أو سببا للخزي سببا للذل، سببا للهوان سببا للعار، وكانت المرأة في عرفهم توّرث كما يوّرث المتاع أياً كانت الأم مات الأب الابن يرث والأم لا ترث، ويحبسها الابن تخدمه، زوجة الأب إن شاء زوّجها، وإن شاء حبسها وهكذا، أفعال بالنساء لا تخطر على بال، ولم تعط المرأة حقها في تاريخ البشرية إلا بنزول القرآن وبشريعة الإسلام، وما أعطاه الإسلام للمرأة لن يكن لمخلوق على وجه الأرض أن يعطيها فوق ما أعطاها الإسلام من حق وألزمها بواجب وكل ما يقال وما يُشاع وما يُدبَّر من مؤتمرات وأوراق عمل واجتماعات وما إلى ذلك لإعطاء المرأة حقوقها ما هي إلا خزعبلات وكلام جهلاء، لا يعرفون الإسلام ولا يعرفون حق المرأة في الإسلام، إنما هي فوضى وإرادة لخروج الناموس البشري عن سنن الله الذي أوجده وعن فطرة الله التي فطر الناس عليها، فالرجل رجل والمرأة مرأة والرجال قوامون على النساء‫.‬ يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) وذاك مثلْ من أمثلة تقدير الإسلام للمرأة واسمع‫:‬ (مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ الْبَنَات بشيء فأحسن إليهم كن له ستراً من النار) أمر لا يمكن أن تحصل عليه بإنجاب الولد، لا يمكن أن تحصل عليه بإنجاب الذكور، بل بإنجاب البنات (مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ الْبَنَات بشيء فأحسن إليهم كن له ستراً من النار)، من قول المصطفى (صلى الله عليه وسلم) الذي قال له الله (وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) في هذه السورة، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): ( مَنْ رَزَقَهُ اللهُ بِبْنتٍ فَأَدَّبَهَا - بنت واحدة - فَأَحْسَنَ تَأْدِيْبَهَا وَعَلّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا وَأَسبْغَ عَلَيْهَا مِنْ نِعَمِ اللهِ الَّتِي أَسْبَغَ عَلِيْهِ كَانَتْ لَهُ سِتْراً أَوْ حِجَابَا مِنَ الْنَّارِ) بنت، هذا هو الإسلام، وهذا نبي الإسلام بعظ وينبه ويعد ويبيّن وذاك فعل الجاهلية، (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا وَهُوَ كَظِيمٌۭ ﴿٥۸﴾) وصدق الله (تبارك وتعالى) حين يعلق على ذلك بقوله‫:‬ (أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿٥۹﴾).‬
‫فتأتي الآيات تكرر جهالات القوم وتعجّب من سفاهاتهم وأفعالهم‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ ﴿62﴾
‫(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ) البنات كرهوها ووأدوها، وإن أمسكوها، أمسكوها على هُون وإلا واروها التراب، (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ) سفاهة جهالة، كيف ترضى لمن خلقك ما لا ترضاه لنفسك كيف، أي سفاهة وأي جرأة أي ظلم، شيء فوق الخيال (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ) ( وتصف ألسنتهم الكُذُبَ) الكذب جمع كذوب، كرسل جمع رسول، ( وتصف ألسنتهم الكُذُبَ) أي الألسنة الكاذبة، أو (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ) أي تنطق الألسنة بالكذب، (أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۖ ) والحسنى تأنيث الأحسن، أي الدار الآخرة والجنة، كما قيل عن بعضهم حكاية عن قوله‫:‬ (وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ ) [سورة فصلت آية‫:‬ ٥٠]، يزعمون أنهم أصحاب الجنة، يزعمون أن الأصنام تشفع لهم، يزعمون أنه إن كان هناك بعث فهُم أوْلى بالنعيم من هؤلاء الذين آمنوا وصدّقوا، (لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ) لا جرم‫:‬ بمعنى "حقا" وهي مركْبة من "لا" و"جرم " تركيب خمسة عشر، قلنا فيها تعني حق وثبت، وقال بعض الناس "لا" منفصلة عن "جرم" "لا" رد الكلام سابق "جرم" تأكيد لما هو آت أي حقا ، " لا " أي يجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا‬
‫جرم أن لهم النار (لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ) أي حقا لهم النار، ليست الحسنى، وإنما لهم السوأى، لهم النار، (وأنهم مُفرَّطون) (وأنهم مُفْرِطون) (وأنهم مُفرِّطون) قراءات، ويتغير المعنى مُفْرَطون‫:‬ مُقدُّمون إلى النار، والفَرَط‫:‬ من تقدّم قومه وصدق سيدي وحبيبي ومولاي (صلى الله عليه وسلم) حيث يقول (أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ) فهو المتقدم إلى الكوثر، يُعدِ الأكواب يسقي بها كل مؤمن به مصدِّق لما جاء به‫.‬ (لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ (٦٢)) مقدّمون إلى النار أو متروكون منسيون في النار من فُرَطهُ نسيه، مُفَرَّطون‫:‬ نفس المعنى مُقَدَّم فرَّطه قدَّمه لكن فيها التشديد للتأكيد أو للتكثير، مُفرِطون‫:‬ من الإفراط، الإفراط في المعاصي تجاوز الحد، الإكثار من الجهل والشرْك والكفر والمعاصي، (وأنهم مُفْرِطون) أي أفرطوا بأن جعلوا لله ما يكرهون، ووصفوا لأنفسهم الحسنى أفرطوا في ذلك وتجاوزوا الحد من الإفراط، (وأنهم مُفرِّطون): من التفريط فرّطوا في حق أنفسهم فأوردوها موارد التهلكة، وهكذا يتغير المعنى بحسب التشكيل، والقراءات كلها صحيحة وواردة‫.‬‬
‫وبعد والكلام عنهم وعن مآسيهم وعن المعاصي وعن الجهالات وعن السفاهات وكل ذلك عن قوم الحبيب (صلى الله عليه وسلم) الذي كان حزينا عليهم أسيفاً على أحوالهم، يكاد يهلك نفسه من الحزن والتأسف عليهم، لذا جاءت التسرية عنه، والتسلية له، هؤلاء قومك وما حُكى عن سفاهاتهم وليسوا بدعاً في الأقوام، ولست بدعاً في الرسل، ولست الوحيد الذي قُصد بذلك، فكم من رسول بُعث من قبلك وحدث له ما حدث لك فلا تحزن ولا تأسف تلك سنة الله في خلقه:
تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿63﴾
‫(تَٱللَّهِ) قسمْ من الله وهو غير محتاج للقَسم فهو الصادق (عز وجل) ومن أصدق من الله حديثا، ومن أصدق من الله قيلا، (تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (٦٣)) حدث هذا مع الرسل من قبلك ما فعله كفار مكة وما فعله مشركو قومك، فعله المشركون من قبل، وكم من رسول بُعث وكل رسول كُذِّب وكل رسول أوذي وكلهم صبر (فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ) للكفار (فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ) أي يوم؟ حكاية عن الحال الماضية "اليوم" أي الزمان الذي أضلهم فيه؟، أو حكاية عن الزمان الآتي يوم القيامة؟، (فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ) يوم القيامة، والولي ّ: القرين الناصر، إذاً فلا ناصر لهم إذا كان وليّهم الشيطان فهم معه حيث يصير إلى جهنم وبئس المصير، أو (فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ) يوم أضلهم يوم زين لهم أعمالهم، (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (٦٣)) في يوم القيامة! إذاً فهي تسرية وتسلية لسيد الخلق، ولست بدعا من الرسل وحدث مع الرسل ما يحدث معك فما العمل؟ وماذا عليه أن يعمل؟‬‬‬‬‬‬‬
وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۙ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ﴿64﴾
ذاك هو خلاصة القول، ليس عليك هداهم ولا تحزن عليهم ولا تأسف، وأفعالهم أفعال الكفار من قبل، أنت عليك البلاغ نزّل عليك القرآن لتلزمهم الحجة بما تتلوه عليهم من آيات دالّة على وجود الله، وعلى وحدانية الله، تبصرهم بالآيات في كل مكان، ومع ذلك آمن من آمن بهدى الله، وضلّ من ضلّ بإرادة الله، هذا القرآن أنزل عليك لتلزمهم الحجة، وفي نفس الوقت أُنزل عليك لهداية المؤمنين ورحمة للمؤمنين (وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۙ ) من الميعاد، من الموعد، من الثواب، من العقاب، من البعث، من وحدانية الله، اختلفوا وذهبوا مذاهب عدة وتشتتوا، وزعموا أن الله البنات، وزعموا أن الأصنام تشفع، وزعموا وزعموا، نزل الكتاب ليبيّن لهم الحقائق، ويلزمهم الحجة (وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ (٦٤)) وأنزلناه أيضا هدى ورحمة لقوم يؤمنون‫.‬‬
‫فها هي الآيات تتوالى تعدد نعم التي لا تعد ولا تحصى، تدلل على عظيم قدرته وواسع رحمته فيقول عز من قائل:
وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ ﴿65﴾
ربنا (تبارك وتعالى) أنزل من السماء، وكما قلنا كل ما علاك يسمى سماء، أي أنزل من السحاب، أنزل من جهة العلو ماء، هذا الماء واحد ينزل على الأرض الميتة، فإذا بها تحيا وتنبت وتخرج من أصناف الزروع والثمار ما لا عد له ولا حصر، قدرة تدبير تخصيص رحمة، ولو شاء لجعل طعام الناس واحداً، صنفا واحدا، ولكنه عدّد الألوان والأصناف والطعوم رحمة بخلقه، الأصناف، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ (٦٥)) يسمعون بقلوبهم لا بآذانهم فقط، يسمعون عن الله ومن الله فيتدبرون الكلام‫.
وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍۢ وَدَمٍۢ لَّبَنًا خَالِصًۭا سَآئِغًۭا لِّلشَّـٰرِبِينَ ﴿66﴾
‫(وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ ) الأنعام‫:‬ الإبل والبقر والضأن والمعز، (لَعِبْرَةًۭ ۖ )، يا لها من عبر، العبرة من العبور‫:‬ التجاوز من مكان إلى مكان أو من حال إلى حال عَبَرَ الوادي‫:‬ تجاوزه من عِبْرهِ إلى عِيره، وعبر النهر من شاطئ إلى شاطئ، وسُمِّي الاتعاظ عبوراً لأن المتعظ يعبر به من الجهل إلى العلم، ومن الهلاك إلى النجاة، (وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ ) ولو نظرت لأول العِبر لوجدت طائعا يحمل عاصيا، فالأنعام طائعة والجمل لا يعصي ربه، وحين أمره بأن يكون مذللاً لابن آدم أطاع، وحين يركبه ابن آدم يتعالى ويستكبر عن عبادة من سخّر له ما ركب، طائع يحمل عاصيا، وبريئا يحمل مذنباً، تلك أول العبر، أضف إليها أنك ترى الأحجام الكبيرة لهذه الأنعام خاضعة للطفل الصغير يقودها كيف شاء من ذللها؟! (نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍۢ وَدَمٍۢ لَّبَنًا خَالِصًۭا سَآئِغًۭا لِّلشَّـٰرِبِينَ (٦٦))، (نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ) ذكّر هنا وأنث في سورة المؤمنون، ذكر باعتبار لفظ الجمع، وأنث باعتبار لفظ الجماعة، ولذا قالوا‫:‬ الأنعام تذكّر وتؤنث (نَسقَيكم مما في بطونه) (نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ)، ثلاث قراءات، (يُسقيكم مما في بطونه ) أي الله (نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ) أي من بطون بعضه، فالإناث تُحلب، والذكور لا لبن لها أو مما في بعض بطونه فليس كل ما في البطون لبن، (مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍۢ وَدَمٍۢ) الفرث‫:‬ الطعام المهضوم طالما ظل في الكَرِشْ، فإذا خرج فهو الروث، (لَّبَنًا خَالِصًۭا) خالصا من لون وحمرة الدم، ومن لون الفرث ورائحة الفرث في كرش الأنعام، فرث ودم كيف خرج اللبن أبيض صافيا ناصع البياض ليس فيه لون الدم ولا لزوجة الدم، وليس فيه نجاسة الفرث ولا رائحة الفرث ولا لون الفرث؟ كيف خرج وكيف ذُللِت وكيف سمحت البهيمة للطفل أو الطفلة بحلبها وأخذ لبنها، (سَآئِغًۭا) سائغاً سيّغاً سيَّغاً (لِّلشَّـٰرِبِينَ (٦٦)) قراءات، السائغ‫:‬ الذي يمر في الحلق بسهولة ويسر ويتلذذ به شاربه، ساغ يسوغ وأساغه يسيغه، ساغ الشراب نزل سهلاً ليناً في الحلق، ولذا قيل ما شرق أحد باللبن مطلقاً آيات وعبر‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ﴿67﴾
‫(وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ) قالوا الكلام فيه حذف وتقديره (ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه) حُذفت "ما" دل عليها أو على حذفها كلمة "من"، وقيل بل التقدير (ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا)، وقيل الأمر لا يحتاج إلى تقدير ويكفي قول "منه" (ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه ) أي مما ذُكر‫.‬‬
‫(وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا) "السَكَر" مصدر سُمِّي به الخمر، (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ ) السكر‫:‬ الشراب المسكر، والرزق الحسن‫:‬ ما يؤكل من هاتين الشجرتين، من العنب ومن البلح، الآية نزلت قبل تحريم الخمر، من هنا قال العلماء حين يمتن ربنا على عباده لا بد وأن يمتن بمُحلّلّ وليس بمحرم، في مجال الامتنان هنا مجال امتنان‫:‬ (وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ ) إذاً فالسَكَر هنا ليس بمعنى المُسكر، وإنما بمعنى الشراب الحلو (سَكَرًۭا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ ) لأن الكلام عن الامتنان، وما كان الله ليمتن بما حرم على عباده، ذاك قول، القول الآخر السَكَر المُسكرِ والآية نزلت قبل تحريم الخمر، ونُسخ هذا الحكم (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا) وإن كانت الآية في معرض الامتنان، إلا أنها تشعر بالعتاب، لأنك لو قارنت بين السكر والرزق الحسن، لعلمت أن السَكَر ليس بحَسَن، (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ ) فالمقابلة هنا تدل على أن السَكر ليس من الرزق الحسن، فهي تمهيد لتحريم الخمر، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ (٦٧)) وناسب ذكر العقل هنا لأن العقل أشرف ما في الإنسان، والآية فيها ذكر للسَكَر، وكأن السكر يذهب العقل، فإن ذهب العقل أصبح الإنسان بغير عقل كالبهائم لا يعقل ولا يتفكر، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ (٦٧)) يستخدمون عقولهم في تدبّر الآيات والوصول إلى معرفة الله (عز وجل) وتقديره وتصريفه وعظيم حكمته‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿68﴾ ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًۭا ۚ يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌۭ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿69﴾
‫(وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ) الإيحاء يأتي بمعان كثيرة، والإيحاء هنا بمعنى الإلهام، أي ألهم ربنا النحل، والإلهام‫:‬ الإخبار في خفية، والوحي له وسائل عديدة، الوحي بنزول جبريل، الوحي برؤيا الأنبياء، الوحي بمعنى الإلهام، وما إلى ذلك، الوحي هنا بمعنى الإلهام، وسُمِّي نحلاً لأن الله نحله العسل أي منحه وأعطاه، والنحل في لغة أهل الحجاز‫:‬ يؤنث وكل جمع ليس بينه وبين واحُده إلا الهاء يؤنث‫:‬ النمل‫:‬ نملة النحل‫:‬ نحلة، (وأوحى ربك إلى النحل ) بفتح الحاء قراءة، (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى) أي بأن اتخذي أو "أن " هنا مفسرة، لأن الإيحاء يتضمن معنى القول، (أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)) ثلاثة أماكن، من بعضها، "من" هنا للتبعيض إذ ليس من كل الجبال ولا من كل الشجر (مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ) أي تجاويف الشجر في جذوع الشجر الكبير، قد تكون هناك التجاويف يأوي إليها النحل ويبني البيوت فيها، (وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨))، (ومما يعرُشون) قراءتان، عَرَش يعرِش ويعرُش عريشا‫:‬ بنى العريش، ومنه عريش النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي بُني له، يؤخذ من الأغصان ومن الأخشاب ومن فروع الشجر، أو من العرش وهو سقف البيت عَرَش وعَرَّش يُعرِّش‫.‬‬
‫(ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ) الحلو والمر، (فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًۭا ۚ ) سلك الشيء أدخل الشيء في الشيء (سُبُلَ) سبل‫:‬ طرق، قالوا‫:‬ فاسلكي ما أكلتيه في مجاريه في جسمك حتى يخرج منه العسل، (سُبُلَ رَبِّكِ) طرق ربك، وأضافها إليه لأنه الخالق المدبر (سبحانه وتعالى) (سُبُلَ رَبِّكِ) أي الطرق التي أوحينا إليك استخدامها لصنع العسل، أو فاسلكي أنت بطيرانك وتحركاتك وتنقلاتك (سُبُلَ رَبِّكِ) طرق ربك في الذهاب والإياب، (ذُلُلًۭا ۚ ) مذللة، مهيأة، مطوّعة حال من النحل أي افعلي ذلك واتخذي من الجبال ومن الشجر ومما يعرشون بيوتا، مهيأ لك كل ذلك بسهولة ويسر لا يصعب عليك، وطيري حيث شئت وكلي من حيث شئت وعودي لا تضلي الطريق، فقد ذُللت الطرق لك، إذاً (فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًۭا ۚ ) حال من النحل أي وأنت مذللة خاضعة منقادة لما خلقك الله له، أو الطرق مذللة فتجد النحل يخرج من خليته ويذهب كل مذهب يُمنة ويُسرة مسافات شاسعة ويعود، فإذا عاد هل يضل الطريق أم يعود إلى خليته ، لا يمكن أن يضل الطريق أبداً، (يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌۭ) الخطاب للنحل، (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ)، (أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)) الخطاب للنحل – (ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ) الأمر للنحل، (فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًۭا ۚ ) وعدل عن الخطاب مع النحل إلى خطاب الناس، لأنهم هم المقصودون بالإنعام (يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌۭ لِّلنَّاسِ ۗ ) عدل عن خطاب النحل إلى خطاب الخلائق الذين يعدد الله عليهم نعمه الظاهرة، أو بعض النعم الظاهرة، (يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ) هذا الشراب المختلف ألوانه أبيض وأصفر وأحمر وأسود وبل مختلف الطعوم حسب المرعى، (فِيهِ شِفَآءٌۭ لِّلنَّاسِ ۗ ) قال بعض العلماء‫:‬ العسل شفاء لكل داء، وقال البعض الآخر‫:‬ وهو الأرجح شفاء لبعض الأدواء، لبعض الناس إذ كلمة "شفاء" نكرة في سياق الإثبات، إذاً فهي ليست على عمومها فيه شفاء بنفسه أو مع غيره بخلطه بشيء آخر فيه شفاء للناس، هذا الشفاء يتوقف على نوع الداء، وعلى مدى العقيدة في صدق الآية واليقين بما جاء فيها لذا رُوى‫:‬ (أنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلًا ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلًا ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلًا ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ قَدْ فَعَلْتُ فَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ اسْقِهِ عَسَلًا فَسَقَاهُ فَبَرَأَ )، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)) يتفكرون ويتأملون في هذه الآيات الغريبة والعجيبة، النحل مخلوق صغير ضعيف، كيف بنى بيوته مسدسَة الأضلاع، والشكل المسدس إذا التصق ببعض يستحيل أن يترك ثغرة، المسدسات متساوية، لا تحد مسدسا أكبر أو أصغر من غيره، لا يستطيع المهندسون بأدق الآلات أن يتفوقوا على النحل في بناء هذه الخلايا المسدسة المتكاملة الأعضاء المتساوية الأضلاع يستحيل كيف؟ وكيف تهيئ له فيطيع وكيف يعرف طريقه وكيف يأكل من كل الثمرات حلو أو مر؟ وكيف يتحول كل ذلك إلى العسل الحلو الشهي، وهذا النحل يولّي أمره لنحلة ملكة النحل تأمر فتطلع كيف؟ بل وفي كل خليّة من خلايا النحل حجّاب على أبوابها يمنعون غير أهلها من دخولها، فلا يمكن أن تدخل نحلة من خليّة إلى خليّة أخرى أبداً تمنع، كيف يكون ذلك؟ من الذي دبّر كل ذلك؟ (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)).‬‬‬‬
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍۢ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ ﴿70﴾
‫(وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمْ ۚ ) طالما خلق وأحيا وأمات فهو قادر على البعث، (وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمْ ۚ ) باختلاف آجالكم، (وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ) أخسّ العمر وأردئه، الكِبر والهِرم نقص القوة، ونقص العلم، (لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍۢ شَيْـًٔا ۚ ) تصبح زيادته في نقصان، ويصبح نقصانه في زيادة، ما علمه ينساه ولا يمكن أن يضاف إلى علمه علم آخر، يعاد إلى مرحلة الطفولة في تصرفه وسلوكه وضعف عقله، (لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍۢ شَيْـًٔا ۚ ) الذي رده إلى أرذل العمر قادر على أن يبعثه، هذا التحوّل من الطفولة إلى الشباب إلى الرجولة إلى الكهولة إلى الهِرَمَ إلى الخِرَفْ إلى النسيان إلى التصرف الطفولي، كل ذلك لا يكون إلا بتدبير العليم الحكيم، (إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ (٧٠)) ترى الله (تبارك وتعالى) يميت الشاب القوي بلا سبب، ينام فيموت، يمشي فيقع ويُبقي على الشيخ الفاني الذي يمشي على ثلاث رجليه وعصاه، أو على أربع يحبو كما يحبو الطفل، يبقي على الشيخ الفاني ويميت القوي، إذاً فالإحياء والإماتة لا بد أن تكون بعلم وبتقدير (إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ (٧٠)).‬‬‬‬‬‬‬
وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿71﴾
‫(أفبنعمة الله تجحدون )، قراءة (وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ ) إذاً فالرزق بيد الله، والغني الله أغناه، والفقير الله أفقره، ومهما سعى الإنسان مهما جهدّ واجتهد لن يحصّل إلا ما كُتب له من رزقه، ها هو ربنا (تبارك وتعالى) يقول‫:‬ (وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ ) وكما قال‫:‬ (وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)) [سورة الذاريات آية‫:‬ ٢٢]، وكما قال بعض الحكماء‫:‬ (من كان رزقه على الله فلا يحزن)، وقد روى أيضا " يا ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب وقسمت لك رزقك فلا تتعب إن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت بدنك وعقلك وكنت عندي محموداً وإن لم ترض بما قسمته لك أتعبت بدنك وعقلك وكنت عندي مذموما، وعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في الفلاة ولا تصيب منها إلا ما كتبته لك"، (وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ ) وتأمل في الآية‫:‬ (فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ ) الآية فيها إنكار على المشركين ولفت للأنظار، رجل أغناه الله فهو في سعة، وله من الممتلكات الكثير، وله عبد مملوك هل يُعقل أن يأتي الرجل بعبده بمملوكه فيشركه في ماله فيصبح هو والسيد المالك سواء في المال يتصرف فيه تصرف السيد هل يُعقل؟ هل رأيت رجلا يملك أرضا زراعية فجاء بالأجير فقال له لك نصف الأرض ولي نصف الأرض هل يُعقل هذا؟ إذا كان هذا غير معقول ولا يمكن أن يحدث ولا يرتضيه إنسان، فكيف أشركتم مع الله خالقا؟ كيف زعمتم أن الأصنام تشفع أو تملك أو تضر أو تنفع تأمل، (فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟) لم يحدث، (فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)) (أفبنعمة الله تجحدون)، الجحود‫:‬ الإنكار، الجحود‫:‬ الكفر، الجحود‫:‬ الإخفاء، جحدوا نعمة الله، أنكروا أنه المنعم، أعمتهم النعمة عن يد المنعم التي مدها لهم بالنعمة، نسبوا النعم للأصنام واعتقدوا أن لأصنام تُنعم عليهم وتبارك لهم في أرزاقهم فقدموا لها القرابين، (أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)) وجاء بالباء في كلمة "نعمة" (أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)) لتضمين الجحود معنى الكفر، جحد بالشيء‫:‬ كفر بالشيء، (أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)) أي يكفرون نعمة الله (تبارك وتعالى) وينكرون نعمة الله (تبارك وتعالى) وينسبون نعمة الله لغيره‫.‬ آيات وآيات في سورة النحل تعدد النعم، ولذا سُميت بسورة النِعَمْ، اللبن السائغ الصافي يقول فيه الرسول (صلى الله عليه وسلم) معلِماً للأمة‫:‬ (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامَا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيْهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرَاًمَنْهُ وَإِذَا سُقيَ لَبَنَاً فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيْهِ وَزِدْنَا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ عَنِ الْطَّعَامِ وَالْشَّرَابِ إِلَّا اللَّبَن ) ولذا في الجنة أنهار من عسل، وأنهار من لبن، كتبها الله لنا ولكم‫.‬ تتوالى الآيات تعدد النعم وتدلل على قدرة الله (عز وجل) وما أحلم الله (تبارك وتعالى) وهو القائل (وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٤٥]، لكن يعدد النعم ويدلل ويسوق الآية تلو الآية، والدليل تلو الدليل، ويخاطب هؤلاء الكفار ويمن ّ عليهم ويطعمهم ويكسوهم ويرزقهم، وهم مقيمون على كفرهم (سبحانه وتعالى) واسمع من ضمن النعم السابغة‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةًۭ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴿72﴾
‫(وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةًۭ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ ) "جعل" هنا بمعنى خلق (جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا) خُلقت حواء من ضلع، من أضلاع آدم، أو (جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ) أي من جنسكم على شاكلتكم، كقوله عن النبي (صلى الله عليه وسلم) (لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ أَنفُسِكُمْ) [سورة التوبة آية‫:‬ ١٢٨]، هذه الآية وهذه الكلمة تكذّب كل من ادعى علاقةً بالجن، فقد زعم بعض جهلاء الجاهلية، أن منهم من يتزوج بالجن، ولا زالت هذه الجهالة تسري بين بعض البسطاء أو الذين ابتعدوا عن دينهم، أو لم يلقوا آذانهم إلى القرآن، (وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا) إذاً لا يمكن أن يتزاوج جنس من جنس آخر، لا يمكن أن يحدث هذا، (وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةًۭ) أي وجعل لكم من أزواجكم بنين، ومن البنين حفدة، والحفدة‫:‬ أولاد الأولاد في أرجح الأقوال، أصل الكلمة‫:‬ حفد يحفد حفداً وحفوداً: سعى في طاعة الآمر، ولذا تُطلق كلمة "حفدة" على الخدم والأعوان، حافد وحفدة ككافر وكفرة، وحافد وحفد كخادم وخدم، ومنه قولنا في دعاء القنوت "وإليك نسعى ونحفد" أي نسارع في الطاعة، ونسارع في إرضائك يا رب، فالحفود‫:‬ الخدمة والإعانة، (وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةًۭ) أي أعوان يخدمونكم، وهم أبناء الأبناء، ولذا قال بعض العلماء‫:‬ هذه الآية تدل على وجوب خدمة الزوجة لزوجها، وخدمة الأبناء لأبيهم، وخدمة الأحفاد للجد ، لأن الله يقول‫: (وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةًۭ)‬ الحفدة العون والخدمة، من الأزواج أي وجعل لكم من أزواجكم حفدة‫:‬ إعانة وخدمة، أو جعل لكم من البنين كذلك، الحفدة كما قلنا‫:‬ الخدم والأعوان، والحفدة أبناء الأبناء، وسُمّوا بذلك لأن الحفيد أسرع في خدمة الجد من الابن، وعلاقة الجد أحفاده دائما وأبداً ما تكون أرّق وفيها الحنان أكثر وفيها الحب أشمل مما يزرع المودة والحب في قلب الحفيد فيسارع إلى خدمة الجد، (وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ ) الحلال المستلذ طيب الطعم، (أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)) الباطل‫:‬ الأصنام، (أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ) يؤمنون بالأصنام الباطلة التي صنعت بأيديهم التي لا تسمع ولا تبصر ولا ولا تضر ولا تنفع، يجعلون لها نصيبا مما رزقهم الله، كما قيل في آية سابقة في نفس السورة (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًۭا مِّمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ ۗ ) [سورة النحل آية‫:‬ ٥٦]، (أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)) هذه النعم التي لا عد لها ولا حصر، يكفرون بهذه النعم فينسبونها لغير الله (عز وجل) وقد ينسب الإنسان نعمة الله لنفسه عن غير قصد، أو عن عمد، فمن نسب عن عمد كقارون حين قال‫:‬ (قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ ۚ ) [سورة القصص آية‫:‬ ٧٨]، فخسف الله به الأرض، ومن الناس من ينسب إلى نفسه جهلاً كقوله دبّرت وفكّرت وفعلت واكتسبت وهكذا، ينسب لنفسه الرزق وربنا يقول‫:‬ (لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًۭا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ ) [سورة طه آية‫:‬ ١٣٢]، أي لا نكلفك أن ترزق نفسك بل الله هو الرزاق ذو القوة المتين، بل وقال بعضهم‫:‬ قد يُشرك المرء كلبه مع الله قيل‫:‬ كيف ذلك قال‫:‬ يقول‫:‬ لولا الكلب لسُرقنا البارحة، أي أن الكلب هو الذي عصمه وحماه من السرقة، وكلنا قد يقع فيها، لولا الطبيب لمات الولد لولا الدواء لحدث كذا لولا أني ذاكرت جيداً ما نجحت لولا أني تدبرت أمري لفشلت، لولا أني فهمت قصده لاحتال عليّ وهكذا كلمة "لولا" على لسان الإنسان عن غير قصد فانتبهوا فالله هو الفعّال لما يريد، لا يسوق الخير إلا هو، ولا يصرف السوء إلا هو‫.‬ (أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢))، الأدهى من ذلك والأغرب وتعجب‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًۭا مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ شَيْـًۭٔا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿73﴾
‫(وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًۭا مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) إنزال الماء، إنزال المطر، إجراء السحاب، تسخير الرياح، كل ذلك، والنبات الخارج من الأرض، الأنهار الآبار العيون والنبات والشجر والثمر والأعناب والنخيل من كل الثمرات، هل تملك الأصنام شيئا من ذلك إن أرادت هل تستطيع، (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًۭا مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ شَيْـًۭٔا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)) حتى لو أرادوا ذلك‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿74﴾
‫(فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ ) الأمثال‫:‬ جمع "مِثْل" والأمثال جمع "مَثَلْ" فإن كانت جمع مِثْل فلا تضربوا لله الأمثال : أي لم يكن له كفوا أحد، فلا مِثْل له ولا ندّ له، لا نظير هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وإن كانت جمع مَثَلْ (فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ ) المثل تشبيه حال بحال، (فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ ) أي لا تمثلوه بأحدٍ من خلقه، أو لا تمثلوا فعله بفعل أحد، فليس كهو شيء، ليس كمثله شيء، وليس كفعله فِعّل، وليس كأسمائه أو صفاته شيء شبيه أو مثيل، (إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ) يعلم كُنْهْ الأشياء، ما خفى وما ظهر، (وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)) شيئا وما من علم في هذه الدنيا إلا وهو علم بظاهر الأمور، أما كُنْهْ الأشياء وحقائق الأشياء، فلا تُعلم ولن تُعلم جميع العلوم لقول الله (عز وجل): (يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًۭا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا) [سورة الروم آية‫:‬ ٧]، ظاهر الأمور في كل شيء، فأنت تستخدم قوى الكهرباء، ولكن ما هو كُنْهْ الكهرباء ما هي؟ أنت تعرف المغناطيسية واستطعت أن تسخّر هذا الشيء بفضل الله وبتوفيقه وباكتشافك لهذا لكن ما هي؟ ما سر التجاذب بين الموجب والسالب؟ وما سر التنافر بين الموجب والموجب والسالب والسالب لماذا ما هي؟ ما هي الجاذبية وما هي المغناطيسية؟ حتى ما نراه في السماء من نجوم ومواقع ما تراه أنت الآن غير موجود ليس حقيقي لأن النجم الذي تراه الآن هذه الصورة صورة النجم من خمسة الآلف سنة أو من خمسين ألف سنة أو من مليون سنة، أو من أربعة آلاف سنة على حاله في ذاك الوقت إذ إن الصورة حين وصلت إلى عينك استغرقت هذه السنين وهو الآن في غير هذا المحل، الشمس قالوا إنها تدور حول الأرض وثبت أنها لا تدور والأرض هي التي تدور وغيرها، وغيرها، حتى الجسم، جسم الإنسان رغم الاكتشافات الطيبة، ما اكتشف لا يزيد عن عشرة بالمائة من أسرار هذا الجسم، هذا المخ لم يصل إليه العلماء، الإشارات الكهربائية التي تصل عبر الجسم، الخلايا وغيرها، وغيرها، وغيرها، أسرار، أنت ترى الظاهر فقط وعلمك علم بظواهر الأشياء، أما الحقائق فلا يعلمها إلا الله، (إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤))، وقال بعض الناس‫:‬ في الآية معنى دقيق "فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم كيف يُضرب المَثَلْ الحق وأنتم لا تعلمون" ثم علمهم كيف يُضرب المثل فقال‫:‬ (ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًۭا مَّمْلُوكًۭا) في الآيات التالية ضرب المثل بالرجل الغني والرجل الفقير بالمبصر بالأكمه بالذي لا يستطيع أن يفعل شيئا، ها هي الأمثال كيف تُضرب‫:‬ (ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًۭا مَّمْلُوكًۭا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَمَن رَّزَقْنَـٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًۭا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّۭا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٧٥﴾).‬
‫فبعد أن بيّن الله (تبارك وتعالى) سفاهة المشركين وكيف غابت عقولهم وعميت أبصارهم وصُمَّت آذانهم يتلطف ويضرب الأمثال، وبيّن ويدلّل ويخاطب العقول، أو من له أدنى ذرة من عقل، نهاهم عن ضرب الأمثال (فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)) وعلّمهم ضرب المثل وبيّن لهم كيف يُضرب المثل واسمع‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًۭا مَّمْلُوكًۭا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَمَن رَّزَقْنَـٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًۭا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّۭا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿75﴾
‫(ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا) ضرب الله (تبارك وتعالى) مثلاً لنفسه وللأصنام بما يعقله كل إنسان له ذرّة من عقل، أو توقف لحظة ليتفكر، عبد مملوك، إذاً فالعبد هذا لا يملك شيئا من نفسه ولا جسده فهو مِلْك لسيده، بل هو وما ملكت يمينه مِلْك لسيده، لا يملك أن يتزوج، أو يختار لنفسه زوجة بل مالكه يزوجه ويطلقه لا يملك أن يتحرك إلا بإذن سيده، هذا العبد المملوك الذي لا يملك شيئا ولا يقدر على شيء، فهو كالمتاع، يقابله رجل حر غني يملك من المال ما يكفيه ويزيد عن كفايته، فينفق من ماله كيف شاء بغير حساب في السر وفي العلانية، في الليل وفي النهار دون خوف أو وجل أو حساب، هل يستوي هذا العبد المملوك الذي لا يملك بل يُملك، ولا يقدر على شيء هل يستوي في نظركم مع الحر الغني الذي يتصرف في نفسه وماله كيف شاء؟، لا يمكن لا تسوُّون بينها رغم اشتراكهم في الإنسيّة، فذاك إنسان وذاك إنسان، وفي الخلْق فذاك مخلوق وذاك مخلوق، وفي العبودية لله فذاك عبد الله وذاك عبد لله، بل والغني لا يملك ماله وإنما ملّكه الله إياه، رغم هذا الاشتراك في الخِلْقة، في الإنسانية، في كل شيء من حيث الشكل والمظهر، وأن ما يملكه الغني وما ينفقه ليس بيده، فأنتم لا تسوُّون بينهما، فكيف تسُّوون بين الله الخلق القادر الرازق الغني القوي وبين الأصنام والأحجار والأوثان، أفلا تعقلون، لذا يقول الله (تبارك وتعالى): (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ ) أي الحمد كله لله وليس لأحدٍ سواه، فهو الذي يعطينا ويغنينا ويشفينا ويؤوينا هو الملك والخالق والرازق والقادر الحمد له، فهو صاحب النعم وهو المنعم، (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)) أكثر المشركين لا يعلمون، أو كثر الخلق لا يعلمون، أكثر المشركين لا يعلمون وكلمة "أكثر" المقصود بها الكل فكل المشركين لا يعلمون ذلك، أو المقصود بها أكثر الخلْق‫.‬‬
‫وينتقل بهم إلى مثل آخر وانظر إلى لطف الله وحلم الله وعناية الله لخلْقه‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿76﴾
‫(وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ) وقرأت (أينما توجه ) وقرأت (أينما يوجه) (لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (٧٦)) مثل آخر آكد وأشد وضوحاً، رجلان أحدهما أبكم أي وُلد أخرس، لا ينطق ولا يفهم ولا يُفهم لأن البُكم ناشئ عن الصم، فهو لا يفهم ولا يُفهم غيره، (لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ ) لعدم فهمه، ولعدم استطاعته الإفهام، (وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ) الكلّ: الضعيف العالة وجمعه "كلول"، والكل يطلق على من لا والد له ولا ولد، الكل يطلق على الضعيف، الكل يطلق على اليتيم، الكل يُطلق على الذي يحتاج لغيره، فهو عالة حمْل، لا بد وأن يرعاه غيره هذا العبد، أو هذا الرجل الأبكم الذي لا يقدر على شيء ثقْل وحمْل على من يرعاه كَلُ ُ على مولاه، إذا له صفات أخرى من صفات الضعيف غير البكم، لا يفهم ولا يُفهم، ولا يقدر على شيء عاجز عن التصرف، محمول على رعاية مولاه، وهذا الذي يرعاه متضرر من هذه الرعاية، (وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ) أي يشعر المولى بثقله، (أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ) وهذا القراءة تتفق مع رسم المصحف، (أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ ) مهما أرسله مولاه، اذهب إلى فلان، أو اشتر كذا، أو بعْ كذا، أو افعل كذا، لا يمكن أن ينجح في مسعاه، كيف وهو لا يقدر على شيء، ولا يفهم ولا يُفهم، (أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ)، (أينما توجَّه)، (أينما يُوَجَّهْ)، لا يأت بخير (هَلْ يَسْتَوِى) هذا الرجل هو ومن (وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (٧٦)) والذي يأمر بالعدل هذا رجل فَهِمْ منطيق عالم داع للخير ينفع الناس، يأمرهم بمكارم الأخلاق، إذ العدل يشمل كل ذلك، هل يستوي هذا الذي لا يفهم ولا يُفهم، مع الفَهِمْ المنطيق الذي يُعلّم الناس ويرشد الناس ويُفهم الناس، وهو في نفسه أيضا رغم ذلك على صراط مستقيم، ناجح في مسعاه، موفق في ممشاه، يأتي بكل خير، وهو في خير وعلى خير، ويدعو الناس إلى الخير هل يستوي هذا مع ذلك؟ مثال آخر ضربه الله (تبارك وتعالى) للناس الذين يسوون بين الأحجار والأوثان والأصنام‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿77﴾
‫(وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ ) والغيب‫: ما غاب عنك بأن لم يكن محسوسا ولم يدل عليه المحسوس، الغيب‫: ما لا تدركه الحاسة أو تدل عليه الحاسة، (وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ ) علم كل ما غاب عنا، ربنا (تبارك وتعالى) يعلمه، (وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ ) أمر الساعة‫: القيامة، وسُميت القيامة ساعة لأنها تأتي الناس بغتة في ساعة، في زمن محدد ووقت محدود، أمرها‫: أي قيامها (إِلَّا كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ) لمحه لمحاً ولمحَاناً اللمح‫: النظر بسرعة، أو انتقال العين من أعلى الحدقة لأسفلها، أو غمض الجفن ذاك هو لمح البصر النظر بسرعة، يشبّه ربنا (تبارك وتعالى) قيام الساعة بأنها تقوم في لحظة كلمح البصر، النظر بسرعة (أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ ) "أو" تأتي للتخيير وتأتي للشك "أو" هنا غالبا والأرجح بمعنى "بل" لأن الشك يأتي في كلام الله إلا إذا كان الشك للمخاطب، أو للتخيير في التمثيل بين ذا وذا، لكنها هنا غالبا تعني "بل" كقوله (وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)) [سورة الصافات آية‫: ١٤٧]، إذاً فقد كانوا يزيدون، (كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ ) أقرب من لمح البصر، قيام الساعة، إذ لا تحتاج الساعة في قيامها إلا كلمة "كن" وأمره بين الكاف والنون، لا يسبق الحدوث أمره، ولا يتراخى الحدوث عن أمره، أو المقصود بالوقت المنتظر (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُۥ بَعِيدًۭا (٦) وَنَرَىٰهُ قَرِيبًۭا (٧)) [سورة المعارج آية‫: ٦- ٧]، فأنتم تعتقدون بُعد الساعة وبُعد القيامة، وأن الزمان يطول قبل أن تقوم الساعة، لكن المدة الباقية على قيام الساعة عند الله كلمح البصر بالنسبة للأزل والأبد، فالله (تبارك وتعالى) أزلي أبدي، (إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ (٧٧)) يبيّن ربنا (تبارك وتعالى) علمه بالغيب، وقدرته على قيام الساعة وبعث الموتى يبيّن ذلك، بعد ما ضرب الأمثال لكل ذي عقل أو فهم، ثم يدلل على قدرته بالمحسوسات التي يشعر بها كل مخلوق، ويؤكد على هذه القدرة معدداً نعمة على خلقه:
وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿78﴾
جعل هنا بمنعى صير أو جعل هنا بمعنى خلق (وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ ) متى جعل الأسماع؟ جعلها في البطون وهم أجنة لكن الانتفاع بها لم يحدث إلا بعد الولادة، (وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ) هذه واحدة كيف يخرج الجنين من بطن أمه في لحظة لا تتقدم ولا تتأخر كيف؟ كيف يخرج هذا الجنين؟ الله أخرجه، وخرج لا يعلم شيئا ولا يدري عن شيء، لا يبصر ولا يسمع ولا يعقل ولا يفهم ولا يعي، (وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ)، لأن السمع يدل عليه إذ من يسمع ينطق، (وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ ) جمع فؤاد، والفؤاد‫:‬ وسط القلب والفؤاد من القلب كالقلب من الصدر، وهو ما يعقل به الإنسان‫.‬ يمنّ ربنا (تبارك وتعالى) علينا بأمور‫:‬ الخروج من بطون الأمهات دون عناء بإرادته وقتما يشاء، ثم الحواس التي بها نميز بها بين الأشياء فالعيون والأسماع والعقل لتصحيح خطأ الحاسة وللاختيار بين البدائل وليميّز به الإنسان عن الحيوان (وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ) قراءة (إِمَّهاتكم) قراءة (إِمِّهاتكم) قراءة ضم الهمزة وفتح الميم وكسر الهمزة وفتح الميم وكسر الهمزة وكسر الميم قراءات ثلاثة، (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)) والشكر على هذه النعم باستخدامها فيما خُلقت له، فإذا أبصرت ، أبصرت الآيات والدلائل على وجود الخالق فخضعت له، وإذا سمعت، سمعت الآيات، وسمعت القرآن، وسمعت القول فاتبعت أحسنه، ذاك هو الشكر على الحواس، وإذا عقلت استخدمت عقلك واستخدمت فكرك في التفكر في آلاء الله والتفكّر في نعمائه، والتفكر في آياته فقادك كل ذلك إلى الإقرار به رباً وإلهاً خالقاً منعما على خلقه‫.‬‬
‫ويوجه النظر إلى آية أخرى:
أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍۢ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ﴿79﴾
‫(أَلَمْ يَرَوْا۟) وقرأت " (ألم تروا ) على الخطاب، (أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ) على جميع أنواعه، (مُسَخَّرَٰتٍۢ ) مذللات لله منقادات لأمره، أو مذللات لكم، فمنها نأكل، ومنها تتبادل الرسائل بالحمام الزاجل، ومنها نعرف أموراً كثيرة، بل ولم نتعلم الطيران وتخترع المناطيد والطائرات وما إلى ذلك، إلا بمراقبتنا للطير، هو الذي دللّ مع اختلاف أشكاله، تجد العصفور الصغير، تجد الذبابة، تجد البعوضة، تجد النسر وتجد الصقر أشكال وأنواع من الطيور، أشكال الطيور مختلفة، أشكالها مختلفة، وأحجامها متباينة ومع ذلك كلها يطير في‫:‬ (فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ) والجو‫:‬ ما بين السماء والأرض، وأضيف إلى السماء لأنه مرتفع عن الأرض، (مَا يُمْسِكُهُنَّ) عن الوقوع (إِلَّا ٱللَّهُ ۗ ) خلق لها من الوسائل ما يمكنها من الطيران، وعلّمها كيف تطير أرأيت الفرخ الصغير في عشه من الذي علّمه الطيران؟ حين ينبت له الريش وحين يقوى جسده وتشتد أجنحته يطير من عشه دون تعليم دون تدريب يطير، من علّمه الطيران؟! ويرتفع وينخفض ويبسط أجنحته ويقبض أجنحته، ما أخطأ طريقه، مهما طار الفرخ مهما طار الطائر سعيا وراء رزقه، إذا أراد أن يعود هل هناك عناوين؟! هل هناك شوارع؟! هل هناك طرق؟! هل يتوقف فيسأل أين عشي؟، أرأيتم طائرا قد تاه لا يدري أين البيت؟ قد يتوه الإنسان ويتيه، لكن الطيور أبداً لا تفقد طريقها، (أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍۢ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ) كيف تبني عشها؟ وكيف ترقد على بيضها، وكيف ترعى أفراخها، وكيف تُرزق هل تزرع؟ هل تحصد؟ هل تختزن طعاما؟ً (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ ) دلائل واضحة على وجود المذلِّلْ المسخِّر المصرِّف المقدِّرْ الخالق المختار، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ (٧٩)) وخص المؤمنين بالذكر لأنهم هم المنتفعون بهذا الكلام‫.‬‬
‫ويعدد نعمه (جل وعلا) فيقول‫:‬‬‬‬‬
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَنًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَـٰمِ بُيُوتًۭا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَـٰثًۭا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ ﴿80﴾
غريب، آية ربما لا يلتفت إليها الإنسان، لكن تأمل معي‫:‬ مخلوقات الله (تبارك وتعالى) منها الساكن كالجبل، والجامد لا ينمو ولا يتحرك، ومنها ما هو ثابت ولكنه ينمو ويزهو كالشجر لكنه ثابت، ومنها ما هو متردد لا يتوقف أبداً ولا يسكن عن حركته، كالقمر والشمس والنجوم وأمواج البحر والريح والسحاب، ومنها ما هو متردد على غير هدى كالوحوش، ومنها ومنها، وخُلق الإنسان وسطاً بين كل ذلك، فلا هو متحرك أبداً لا يتوقف ولا يثبت، ولا هو ساكن أبدا لا يتحرك ولا يتصرف، فجعله متحركاً وساكناً، ومن أجل السكون علّمه كيف يبني البيوت، وخلق له المواد التي منها تشيد المباني هو الذي فعل ذلك، (وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَنًۭا) أي مسكوناً تسكنون فيه تهدأ جوارحكم، وقد يكون الإنسان متحركا في بيته ساكناً في خارج البيت، لكن الأغلب أن يسكن الإنسان في بيته وتهدأ جوارحه وتهدأ نفسه ويطمئن، هذا في الحضر، ولم ينس عبده في السفر، فهو محتاج لأن يُكَنّ من الريح من المطر من الشمس من الوحوش من الهوام، فجعل له أيضا بيوتاً للسفر، لكن لا بد وأن تكون خفيفة تُحمل بسهولة تُنصب وتُفَك وتُحمل، فيمنّ علينا ويقول‫:‬ (وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَـٰمِ بُيُوتًۭا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ)، (وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَـٰمِ بُيُوتًۭا) الخيام من الشعر أو من أو من، (تَسْتَخِفُّونَهَا) خفيفة الحمل، خفيفة النصب والبناء، ثم خفيفة الجمع (يَوْمَ ظَعْنِكُمْ) ( يوم ظعَنكم) ظَعَنَ ظَعْناً وظَعناً: سار وسافر، (وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ ) كذلك إذاً في حال السفر أنت تحملها خفيفة، فإذا أقمت في السفر للاستراحة ونزلت في الطريق فهي أيضا خفيفة يسهل فكها، (وَمِنْ أَصْوَافِهَا) الأنعام، الكلام عن الأنعام، (وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَـٰمِ بُيُوتًۭا) من أصوافها وأوبارها وأشعارها، الأصواف للغنم، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز، (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ) كذلك بيوتا لم يذكر القطن ولم يذكر الكتان لأنهم لم يكونوا يعرفوه فيخاطبهم بما بين أيديهم، وكل يُصنع به الخيام وغيره، فهو نفس المنطق أو نفس الإنعام فالمصدر واحد هي نعمة الله، (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ) ابتداء كلام، افتتاح كلام، وانتهى الكلام عند (تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ ) والجلود شُملت الشعر وشملت الوبر لأنها تحمل الشعر والصوف والوبر، وأنشأ كلاما (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَـٰثًۭا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ (٨٠)) الأثاث‫:‬ المال، الأثاث‫:‬ الثياب، الأثاث‫:‬ المفروشات، الأثاث‫:‬ متاع البيت أصل الكلمة‫:‬ أثَ يئِثْ يأَثُ يأُث أثاثهً وأثاثاً: كثف وتكاثر، أث شعره تكاثف (يأث يئث يأُث) مثلثة الهمزة الأثاث‫:‬ المتاع، والمتاع والأثاث شيء واحد وتغيير اللفظ للتلوين، أو الأثاث‫:‬ اللباس والفراش، والمتاع‫:‬ ما ينتفع به من تجارة وبيع وشراء وما إلى ذلك، (أَثَـٰثًۭا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ (٨٠)) والحين‫:‬ المدة من الزمان، إما انقضاء الانتفاع أو الحاجة، أو أن يبلى الثوب، أو إلى حين الممات‫.‬ ثم خاطبهم أيضا بما يشاهدونه في البيئة ويحتاجون إليه‫:
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًۭا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴿81﴾
‫(وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًۭا) فهم يحتاجون للظل إذ بلادهم تشتهر بالحر أكثر من البرد، (وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ) من الأشجار والجبال والأبنية وما إلى ذلك، سُنّة أن تحجب ضوء الشمس ولو شاء ما حجبت، وأنتم ترون أن من الأشعة أنواعاً تجتاز الجسم - الأشعة التي تعمل الآن على الصدر وعلى البطن وعلى المخ مختلفة تخترق الجسم - هذه الأشعة جزء من الضوء ولو شاء ربنا لاخترق الضوء كل شيء وما أصبح هناك ظل ولاجتازت بضوئها وحرارتها الجبال لكن الله سنّ ذلك تلك قوانين هو الذي وضعها، (وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًۭا) الأكنان جمع كِنّ، كِنّ الشيء‫:‬ ستره ووقائه، كَنَّه‫:‬ ستره ووقاه ويُجمع على "أكِنَّة" أيضا جعل لكم من الجبال أيضا أكناناً فيها المغارات وكلنا لا ينسى غار حراء وغار ثور المغارات في الجبال أكنّة المسافر يؤوي إليها يحتمي بها من الوحوش من الريح من المطر من الشمس يستريح فيها، (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ) سرابيل‫:‬ جمع سربال والسربال‫:‬ القميص والسرابيل‫:‬ القُمُص على اختلاف أشكالها وألوانها، (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ) ولم يذكر البرد اكتفاء بذكر أحد الضدين، وأنت تفهم اختصار أو إيجاز بالحذف، أو خص الحر بالذكر إذ الحر عندهم أكثر، وذكر الجبل ولم يذكر السهل، لأنهم أهل جبال‫:‬ جبال غليظة فظيعة شديدة كثيرة، (وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ ) الدروع إذاً يجوز للإنسان أن يتدرع، وصناعة الدروع جائزة، والاستعداد للعدو جائز، كل ذلك جائز، (وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ ) والبأس‫:‬ الشدة في الحرب، (كَذَٰلِكَ) كهذه النعمة التي ذُكرت وغيرها مما لم يُذكر، (يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١))، وقرأت (تتم نعمته عليكم ) النعمة تتم، (لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)) وقرأت (لعلكم تَسْلَمون) وإن كان سندها ضعيف إلى حد ما، أي تسلمون في حالة الحروب من الجرح ومن القتل بهذه الدروع، وتسلمون من الحر، وتسلمون من البرد، (لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)) تسلمون‫:‬ تنقادون لله، تسلمون‫:‬ تستسلمون له تُسلمون‫:‬ تعرفون نعمه وتنقادون إلى الدعوة إلى عبادته وإلى شكره فهو المنعم الأوحد‫.‬‬
‫ثم يخاطب النبي (صلى الله عليه وسلم) المأمور بالإبلاغ‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ﴿82﴾
‫(فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ (٨٢)) بعد كل ذلك، بعد كل هذا الإيضاح والبيان والوصف والتمثيل والشرح، بعد كل ذلك إن تولّوْا عنك ولم يؤمنوا لك، ولم يؤمنوا بالله وظلوا على شركهم وسفاهتهم (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ (٨٢)) البلاغ الواضح، هل هناك أوضح من هذا الكلام؟ هل هناك حجة أظهر وأبيّن وأسطع من هذه الحجج، ومع ذلك من شاء الله هداه ومن شاء أضله وأعماه، ولله في خلقه شئون‫.‬‬
‫يأتي التعليق على هذه النعم واحتمال التولّي رغم الوضوح (فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ (٨٢)) يأتي التعليل، أو يأتي التوضيح أو تأتي الإجابة على التساؤل كيف ذلك، أو كيف لا ولم؟ ولماذا؟ بعد كل هذا فيقول الله (تبارك وتعالى):‬‬
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ﴿83﴾
إذاً فالأمر واضح، إذاً فالأمر بيّن، إذاً فالكلام صادق معقول يعقله كل من يسمع، هؤلاء الذين كفروا وأشركوا يقرون بكل ذلك، (وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ) [سورة النمل آية‫:‬ ١٤]، كقوم فرعون، كهؤلاء، فهؤلاء يعرفون نعمة الله، يعرفون نعمة الله بألسنتهم وينكرونها بقلوبهم، يعرفونها إقراراً وينكرونها فعلا وشكراً، إن سألتهم أقروا لكنهم يقولون إن هذا يحدث، ذاك الإنعام بشفاعة الأصنام، شفاعة الأصنام ترزقهم، بركة الأصنام تحميهم وهكذا، (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ) النعمة هنا هي محمد (صلى الله عليه وسلم) قالها بعض الناس، (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ) أي يؤمنون بنبوتك ويصدقون بك في قلوبهم، لكنهم ينكرون ذلك بألسنتهم جحوداً وحسداً، (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ) هذه النعم التي ذُكرت من البيوت ومن السكن ومن الجلود ومن الأصواف والأوبار والأشعار وأكنة الجبال والسمع والبصر والفؤاد كل ذلك معلوم معروف، يعرفونها وأنها من الله لكنهم لا يؤدون الشكر عليه لكنهم لا يقرون بألسنتهم، لكنهم لا يشكرون المنعم، وهناك أنواع‫:‬ عابد الوثن والصنم الذي اعتقد أن النعمة منه، منكر الألوهية والذي اعتقد أن ذاك تصرف الطبيعة والذي يقول لولا فلان لكان كذا، ولولا كذا ما حدث كذا ينسب النعمة لغير الله، أيضا من هؤلاء الذين يقرون بنعمة الله لا يقومون بالشكر عليها، إذ أن الإقرار بالنعمة معناه طالما عرفت أن الله هو الذي أنعم عليك بنعمة فعليك أن تُقر بقلبك ولسانك ثم تستخدم النعمة فيما خُلقت له ثم تشكر الله (تبارك وتعالى) على هذه النعمة بأن تستفيد بها وتتمتع بها ثم يعود النفع بعد ذلك من الزيادة عن حاجتك إلى المحتاج، نعمة المال فإن أغناك الله بالمال لابد أن تقر أن ذلك من فضل الله لا من كسبك وعقلك وجهدك وما إلى ذلك، ثم تنتفع بالمال فيكفيك ويغنيك ويغني أسرتك وعيالك، ثم ما زاد عن حاجتك وكفايتك لا بد وأن تفيض على المحتاج فلا تبخل ذاك هو الشكر، أما من قال إن المال من كسبه فهو كقارون الذي قال (قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ ۚ ) [سورة القصص آية‫:‬ ٧٨].‬
‫(يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ (٨٣)) "أكثرهم" هنا أيضا بمعنى "كلهم"، أو أكثرهم أكثر الخلق، أو أكثرهم إشارة وإعطاء أمل بأن من هؤلاء من يُسلم ويؤمن ويتوب، والأكثر يموت على كفره، (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا) وكلمة "ثم" هنا للاستبعاد، (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا) أي استبعاد الأنكار كيف تعرف النعمة وتراها كالشمس ثم تنكر‫.‬‬
‫وهنا تنتهي الرواية والقصة قصة الدنيا قصة الخلْق حيث تقوم الساعة، فلا دنيا ولا تكليف ولا سؤال ولا عتاب ولا سعي، وإنما الجزاء حين تقوم الساعة، ويُبعث الناس ويُهيئ للإنسان أن الدنيا لم تكن إلا لحظة، والمتأملون في حياتهم ينظرون إلى الوراء ويرون أن السنين قد مرت وهم لا يشعرون بها، ولو سألت رجلا في الستين من عمره هل استوعبت أو شعرت بستين سنة، لقال لك‫:‬ بل وُلدت بالأمس، ومهما عاش الإنسان وعمّر فالعمر لحظة، بل وحين يُبعث الناس يتساءلون ويقولون‫:‬ ما لبثنا إلا ساعة من نهار، الدنيا بالنسبة للأبد كلمح البصر كلحظة، وهناك مواقف ليوم القيامة‫:‬ موقف الكل موقوف، موقف الكل على الركب، ترى كل أمة جاثية، موقف فيه الاستغاثة، موقف لا تسمع فيه إلا همساً، موقف يحدث فيه السؤال، وموقف لا يؤذن فيه بالعتاب، موقف تُنشر فيه الصحائف، وموقف تُنصب فيه الموازين وتُنشر الدواوين، وموقف يحدث فيه الأخذ والرد (قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٢٣]، موقف يحدث فيه السؤال (أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٢٢]، وموقف لا يؤذن فيه لهم ولا يعتذرون، مواقف، هناك الحائر، هناك الأعمى (وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ (١٢٤)) [سورة طه آية‫:‬ ١٢٤]، هناك المبصر، هناك من يجد نفسه في وسط الحشْر كالنملة أو البرغوث، الكل أحجامه كبيرة ضرس الكافر في جهنم كجبل أحد، ما بين المنكبين عرض الظهر مسيرة ثلاثة أيام ذاك حجمه في جهنم ليذوق العذاب موقف، وموقف يُحشر فيه المتكبرون كهشيم الذر النمل الضعيف حين يُقتل أو حين تدوسه الأقدام يطأهم الناس لهوانهم على الله، موقف يُحشر فيه النمل والبراغيث والذباب والطيور والأسماك بلا بحار، والطيور بلا هواء، والناس بلا نفس (وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَـٰٓئِرٍۢ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٣٨]، الكل، مواقف، مدة ذاك اليوم خمسون ألف سنة، تُرى كيف تمر هذه الأعوام؟ الألوف من السنين، أهي من سنين الدنيا خمسون ألف سنة، كل سنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوما أو ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما سنة عربي، أم هي من السنين التي قال فيها ربنا (وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍۢ مِّمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)) [سورة الحج آية‫:‬ ٤٧]، خمسون ألف سنة، يفر المر من أخيه، من أمة وأبيه، من صاحبته وبنيه، يريد أن يفتدي من عذاب يومئذ بمن في الأرض جميعا ثم ينجيه، أين الخلق؟ أين؟ تنادي الأم على ابنها‫:‬ ألم يكن بطني لك وعاءً وصدري لك غذاءً وحجري وطاءً يا بني فيقول‫:‬ إليك عني فإني بذنبي اليوم عنك مشغول، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، مواقف مذهلة أين نحن من كل ذلك؟ أين نحن من ذلك اليوم الذي لا تسمع فيه إلا همساً، والهمْس همْس الرسل حيث يقولون يا رب سلِّمْ سلِّمْ يا رب إبراهيم الأواه المنيب الحليم يقول نفسي ثم نفسي، آدم أبونا أبو البشر خلقه الله بيده وأسكنه جنته وأسجد له ملائكته يقول‫:‬ نفسي ثم نفسي ويتخلّى عن أبنائه، موسى كليم الله الجريء في السؤال موسى ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه، موسى الذي قال رب أرني أنظر إليك موسى يقول‫:‬ نفسي ثم نفسي، عيسى كلمة الله وروحه يقول نفسي ثم نفسي، أين نحن من ذلك اليوم، أتدرون ما بُشِر به المتقون؟ يمر ذلك اليوم بطوله ومواقفه ومشاهده على المؤمن التقي كوقت أداء فريضة، ما الوقت الذي تؤدي فيه صلاه الصبح، ما الوقت الذي تؤدي فيه صلاة العشاء مهما أطلت القراءة، تمر عليك الساعة كأدائك لفريضة واحدة، ولا تشعر بمرور الزمن، ومنا بل كلنا بفضل الله إن شاء الله نستظل بظل العرش على منابر من نور، المتحابون في جلال الله، وكلنا متحابون في جلال الله والحمد لله، المتحابون في جلال الله على منابر من نور عن يمين العرش، عن يمين الرحمن وكلتا يدي الرحمن يمين لا يحزنون إذا حزن الناس ولا يفزعون إذا فزع الناس (أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)) [سورة يونس آية‫:‬ ٦٢].‬
‫ومن مواقف يوم القيامة موقف الشهود، موقف الشهادة، مواقف يوم القيامة وما أدراك ما مواقف يوم القيامة، خمسون ألف سنة مواقف ومواقف، من هذه المواقف أنك ترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها، ترى ربنا (تبارك وتعالى) يأخذ من كل أمة شهيدا يشهد لأمته أو على أمته، يقول عز من قائل:
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًۭا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴿84﴾ وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ﴿85﴾ وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ ﴿86﴾ وَأَلْقَوْا۟ إِلَى ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿87﴾
الشهداء يوم القيامة قيل هم الأنبياء (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًۭا) هو نبيها، أما الأزمنة التي ليس فيها نبي فقيل هم العلماء ورثة الأنبياء الذين حفظوا شرائع الله وأبلغوها للناس، وقيل هم أئمة الهدى في كل زمان ومكان، فإذا جاء الشهيد سُئل فشهد للمؤمنين بالإيمان، وعلى الكافرين بالكفر والعصيان فتؤخذ شهادته إذ هم العدول وأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) هم الشهداء على الأمم (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٤٣].‬
‫(ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟) "ثم" هنا والتي تفيد التراخي كأنها تبين أو تشعر بأن الرجوع إلى الدنيا، أو الأمل في الرجوع، أو الخروج من جهنم، أو محاولة الاعتذار مستبعدة تماما، لذا يقول‫:‬ (ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)) لا يؤذن لهم في أي شيء، لا يؤذن لهم في الرجوع إلى الدنيا كما ورد عنهم قالوا‫:‬ (رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ (١٠٧)) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١٠٧]، فلا يؤذن لهم في الرجوع، أو لا يؤذن لهم في الاعتذار أو التبرير (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)) الاستعتاب‫:‬ أصل الكلمة من العَتْب العَتْب‫:‬ الموجدة في النفس، فإذا فعل إنسان شيئا يسيئ إليك فأنت تعتب عليه، فالعتْب أن تجد في نفسك فإن تكلمت معه وناقشته فيما فعل فقد عاتبته، فإن استرضاك فقد أعتبك، والعتبى‫:‬ رجوع المسيء عن إساءته إلى ما يرضى العاتب، (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)) أي لا يطلب منهم العتبى، أي لا يُطلب منهم أن يسترضوا ربهم إذ الآخرة دار جزاء، وليست دار عمل وقد مضى وقت العتاب وجاء وقت الحساب والعقاب، (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)) ومنه قول النبي (صلى الله عليه وسلم) في دعاء من أدعيته ( لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى ).‬
‫(وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلْعَذَابَ) بمعاينة جهنم وما فيها وتلمظها، تلمظ جهنم وسعيرها كل ذلك يُرى ويُحس أو بعد الدخول، (فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (٨٥)) لا يخفف‫:‬ كأن العذاب مستمر بدرجة واحدة من الإيلام والشدة، وعذاب الدنيا مهما كان يفتر تارة ويشتد تارة، وألم المرض مهما اشتد فله مسكنات، إذا اشتد فوق طاقة المتألم غُشي عليه فلم يدر بشيء رحمة من الله، أما هؤلاء والعياذ بالله في جهنم فالعذاب لهم على درجة واحدة من الشدة لا يخفف، (وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (٨٥)) يُمهلون من الإنظار وهو الإمهال‫.‬ مشهد آخر بعد ذلك (وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ) فجأة يرى عبدة الشمس، الشمس، ويرى عبدة القمر القمر يبعث الله كل ذلك بل ويبعث الأصنام والأوثان يروا الملائكة، فإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم استغاثوا ونادوا‫: (رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ )‬ كأنهم يريدونهم أن يشاطروهم العذاب، وكأنهم يُلقون المسئولية والتبعة على من عَبد من دون الله (هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ ) فيُنطق ربنا (تبارك وتعالى) الآلهة المزعومة من أحجار وأوثان وما إلى ذلك، تنطق وترد على المشركين (فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ (٨٦)) فألقوا إليهم القول والتعبير بكلمة (فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ) وكأنهم يضربون في وجوههم بالتكذيب، (إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ (٨٦)) كأن الآلهة تتبرأ ما علمت، هل يعلم الصنم أنه يُعبد من دون الله؟ هل تعلم الشمس ذلك؟ وإن علمت هل أذنت؟ هل رضيت؟ هل قبلت؟.‬
‫(وَأَلْقَوْا۟ إِلَى ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ ۖ ) الاستسلام المطلق، أين التكبر وأين التجبّر، وأين العلوْ وأين البغي وأين العدوان؟ أين كل ذلك؟ انتهى، الاستسلام المطلق والخضوع من العابد ومن المعبود من دون الله، (وَضَلَّ عَنْهُم) غاب (مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ (٨٧)) يكذبون ويدّعون من أن الأصنام تشفع لهم، الافتراء‫:‬ اختلاق الكلام، اختلاق الكذب، قالوا نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى‫.‬‬
‫وقد حدثنا سيدنا ومولانا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حديث له طويل له عن هذا الموقف، وأنبأنا أنه يُنادى في الخلائق (يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ ) ومنهم فرعون الذي قال‫:‬ (فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ (٢٤)) [سورة النازعات آية‫:‬ ٢٤]، وما حُكي عنه (يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ (٩٨)) [سورة هود آية‫:‬ ٩٨].‬
‫(ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ) الكلام عن الضالين، الكلام عن المشركين، الكلام عن الذين ظلموا أنفسهم بالشرك، يأتي الكلام بعد ذلك عن أئمة الضُلاَّل الذين صدوا الناس عن الإيمان فيقول عز من قائل‫:‬‬‬‬‬‬
ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًۭا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ ﴿88﴾
‫(زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًۭا) على صدهم (فَوْقَ ٱلْعَذَابِ) على كفرهم، إذا فلهم عذابان‫:‬ عذاب على الكفر، وعذاب عن صد الناس عن الإيمان، (ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟) غيرهم، صدُّوا الناس عن الإيمان والإسلام، الذين وقفوا على رءوس الطرق بمكة يستقبلون الركبان، فإذا سألوا عن سيد الأنام (صلى الله عليه وسلم) قالوا لهم ذاك مجنون ذاك كذا ذاك كذا لا تسمعون له إنه ساحر فيصدونهم ويردونهم، (بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ (٨٨)) يفسدون في الأرض بصد الناس عن الدين‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ﴿89﴾
‫(وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ ) مرة ثانية يتكرر الكلام عن الاستشهاد، عن إخراج الشهود والشهداء، (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًا عَلَيْهِم) في كل أمة هم الأنبياء لا محالة، (وَجِئْنَا بِكَ) والخطاب لسيد الخلْق (صلى الله عليه وسلم) (وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ ) كأنه تهديد ووعيد لمن كقر به وكذبه، ووعد لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالنصر المبين يوم القيامة على رءوس الخلائق، وكأن بيده (صلى الله عليه وسلم) السعادة والشقاوة، فمن شهد له نجا ومن شهد عليه هلك، (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ ) منهم، (وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)) هذا الكتاب العظيم - القرآن- تبياناً لكل شيء، إذا فهو يبيّن لنا أمور الدنيا والدين، إما إجمالاً، وإما تفصيلاً، وسنّة سيد الأنام (صلى الله عليه وسلم) تبيّن لنا ما أُجمل لنا، (وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [سورة النحل آية‫:‬ ٤٤]، فما من شيء من أمور الدنيا أو من أمور الآخرة إلا وجاء في كتاب الله العزيز ، فهمه من فهمه، وغفل عنه من غفل، وعمل به من رضي الله عنه، وابتعد عنه من حقّت عليه الشقاوة، فكتاب الله هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم من تمسّك به هُدى إلى صراط مستقيم، (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ ) فهو بيانٌ واضحٌ لكل شيء، (وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ) لكل الخلائق، والمحروم من حرم نفسه، لكن الكتاب هداية ورحمة للدنيا بأسْرِها، (وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)) خاصة الذين أسلموا وآمنوا واتبعوا النور الذي أُنزل مع نبيهم (صلى الله عليه وسلم).‬
‫وتأتي أعظم آية جامعه لخير يُمتثل، ولشر يُجتنب، هذه أشمل آية في القرآن للخير والشر‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿90﴾
ولكونها أشمل آية للخير والشر، وفيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يتلوها الخطباء على المنابر في ختام خطبهم، ورضي الله عمّن سنّ هذا بدلاً مما كانوا يفعلونه بأمر الحكام من الطعن في الصحابة أو في خلافة أبي بكر وعمر، (إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ) "العدل": كلمة جامعة تعني المماثلة والمساواة والاستقامة والتوسط، هذه الكلمة الجامعة‫: (إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ)‬ تبيّن لنا أن العدل مطلوب من العبد في ثلاثة مواقف‫:‬ العدل فيما بينه وبين الله، العدل فيما بينه وبين الناس، العدل فيما بينه وبين نفسه، أما العدل فيما بينه وبين الله‫:‬ فهو التوحيد الخالص المتوسط بين الإفراط والتفريط، بين التعطيل والتشريك، والتزام الأوامر واجتناب النواهي، وأن تؤثر حق الله على حظ نفسك، وأن تؤثر رضاه على هواك ذاك هو العدل بينك وبين الله، أما العدل فيما بينك وبين الناس فهو أن تنتصف لهم من نفسك، فتعطي كل ذي حق حقه، لا تقع فيهم، لا تغتاب أحداً من الناس، وأن لا تسيء إليهم، وأن تنتصف لهم من نفسك، وأن تنصحهم، وأن تجتنب الغدر والخيانة والبغي، وألا تتجاوز الحد، وأن تقابل إساءتهم بالإحسان ذاك هو العدل بينك وبين الناس، أما العدل بينك وبين نفسك فأن تقي نفسك شر المهالك وألا تلقي بها إلى التهلكة (وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٩٥]، (قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًۭا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ) [سورة التحريم آية‫:‬ ٦]، فالعدل مع النفس‫:‬ أن تكون مخلصا لها (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا (١٠)) [سورة الشمس آية‫:‬ ٩- ١٠]، إياك أن توردها موارد التهلكة، وابتعد بها عن كل ما يطغيها أو يشقيها، العدل، (إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ) التوسط، ولذا كانت أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) هي أمة العدل، الصفة الأساسية في أمة النبي (صلى الله عليه وسلم) هي صفة العدل، عدولا، جعلهم ربنا عدولا، هم العدول أمة محمد، الإحسان‫:‬ فعل له معنيان وهو يتعدى بنفسه فتقول فلان قد أحسن الشيء‫:‬ أتقنه وأتمه وأكمله، ويتعدى بحرف جر كقولك أحسن فلان إلى فلان ، أوصل النفع إليه، ربنا يأمر بالإحسان على المعنيين، يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه، (وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ (١٩٥)) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٩٥]، وأمر أيضا بالإحسان إلى الناس وإيصال النفع إليهم (ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) [سورة فصلت آية‫:‬ ٣٤]، ربنا يأمر بالعدل، ويأمر كذلك بالإحسان، وحين سُئل النبي، صلى الله عليه وسلم، من جبريل عن الإحسان قال‫:‬ (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) فأصبح المحسنون فريقين‫:‬ فريق يعبد الله وهو يستشعر رؤيته لله، وكأنه يرى الله، فكيف يتقن عبادته! كيف يصلح صلاته! كيف يخلص في عبادته!، وفريق لم يصل إلى هذا المقام لكنه وقف عند حد استشعاره برؤية الله له، وذاك من أوراد المبتدئين في الطريق " الله معي، الله ناظر إليّ الله، رقيب عليّ الله شاهد عليّ " (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) هذا الحديث مختص بالمعنى الأول، وهو‫:‬ أحسن الشيء إذاً فهو مختص بأن تُحسن العقيدة التعبد التوجه إلى الله، العبادة فرائض ونوافل‫:‬، أما الإحسان إلى الغير فالآية تتضمن ذلك لقوله‫:‬ (إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ) إيتاء ذي القربى المقصود به المال في الأغلب، وخصّ ذوي القربى بالذكر لأن الصدقة لذوي الرحم صدقتان صدقة وصلة لاسيما إن كانوا من الفقراء فالأقربون أوْلي بالمعروف، فخص ربنا ذوي القربى بالذكر للتشديد على وجوب صلة الرحم، وصلة الرحم ليست كما يفهم الكثير بالمودة والزيارة وما إلى ذلك، فليس الواصل من يصل رحمة لأن ذاك الرحم قد وصله، فذاك هو المكافئ هو زارك فأنت ترد له الزيارة، هو أهداك فأنت تهديه وهكذا ذاك هو المكافئ، أما الواصل الذي قصده رسولنا (صلى الله عليه وسلم) في الحديث فهو الذي إذا قطعت رحمة وصلها، وكلمة "الوصل" معناها أن تصل الأشياء بعد الفصْل، فالوصل ضد الفصْل، (وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ ) الفحشاء‫:‬ ما عظم قبحه من المعاصي، وقيل كل فحشاء في القرآن تعني الزنا على وجه الخصوص، ما عدا موضوع واحد تعني البخل‫:‬ (ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةًۭ مِّنْهُ وَفَضْلًۭا ۗ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٦٨]، لأنها جاءت في سياق الإنفاق‫:‬ (أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةًۭ مِّنْهُ وَفَضْلًۭا ۗ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٦٧ - ٢٦٨] في هذا الموضع قالوا الفحشاء‬
‫البخل، أي الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالبخل، أما فيما سوى ذلك فتعني كلمة " الفحشاء" الزنا ذاك رأي من الآراء، لكن الفحشاء في معناها كلمة عامة هو كل ما عظُم قبحه واشتدت شناعته من الإثم والعصيان، (وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ ) المنكر‫:‬ ما أنكرته الشريعة، أو ما أنكره العقل السليم، ما نهى عنه الله ونهى عنه رسوله، (وَٱلْبَغْىِ ۚ ) البغي في الأصل‫:‬ تجاوز الحد، البغي‫:‬ التسلّط والتجبّر البغي‫:‬ الاستكبار البغي‫:‬ الإساءة للغير والتسلّط عليه والإضرار به، والبغي لا يعود إلا على صاحبه لقوله، عز وجل‫:‬ (إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ ) [سورة يونس آية‫:‬ ٢٣]، ( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فَيْهِ كُنَّ عَلَيْهِ ) البَغْي (إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ ) [سورة يونس آية‫:‬ ٢٣] والْمَكْرُ الْسَّيِّئ لقوله عز وجل‫:‬ (وَلَا يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِۦ ۚ ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٤٣]، وَنَقْضُ الْعُهُودِ لقوله، عز وجل‫:‬ (فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۖ ) [سورة الفتح آية‫:‬ ١٠]، ( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فَيْهِ كُنَّ عَلَيْهِ ) حديث لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، (يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)) تتذكرون الله، وتتذكرون القيامة، وتتذكرون الحساب، فتأتمروا وتنتهوا، أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ثلاث، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ثلاث جمعت كل شيء، لذا قال ابن مسعود رضي الله عنه هذه أشمل آية في القرآن لخير يمتثل ولشر يجتنب‫.‬‬
‫ويأتي الأمر بخُلُق هو أساس الفضائل‫:‬ الوفاء، ويأتي النهي عن شيء هو أساس الرذائل ألا وهو الغدر والخيانة:
وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴿91﴾
‫(وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ) عهد الله قالوا‫:‬ هي البيعة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، والتي كان الله شهيداً عليها (لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ) [سورة الفتح آية‫:‬ ١٨]، والذين يبايعون رسول الله إنما يبايعون الله (إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ ) [سورة الفتح آية‫:‬ ١٠]، وقيل بل العهد ككلمة عامة شاملة تعني‫:‬ ما عُقد باللسان والتزمه الإنسان، سواء كان العهد بيعة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو إسلام لله، أو بيع وشراء وتعاهد بين الأفراد أو بين الأمم، فكل ما عُقد باللسان والتزمه الإنسان فهو عهد، (وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ) ونُسب العهد إلى الله لأهميته، ولأن التعاهد بين الناس أساس صلاح المجتمع، وأساس العلاقة السوية بين الدول، المعاهدات بها يتحقق السلام، وبها يتحقق الأمن والأمان، ويحدث تبادل للمنافع والتجارة والسفر والزيارة وهكذا، فهو من أهم الأمور لاستقرار الأوضاع، (وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) النقض‫:‬ ضد الإبرام، النقض‫:‬ هدم، النقض‫:‬ فك ذاك هو النقض (وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَـٰنَ) الأيمان هنا قالوا‫:‬ الأيمان هي العهود بين الناس، وقالوا‫:‬ بل الأيمان هنا الأقسام، (وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) وقالوا‫:‬ التوكيد والتأكيد بمعنى واحد وكَّدَ وأكّد، القَسَمْ المؤكد ذُكر هنا للفرق بينه وبين لغو اليمين (لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٢٥]، فما هو اليمين الموكد أو المؤكد؟ قيل هو اليمين الذي يقسم فيه المُقسم على الأمر أكثر من مرة بأن يقول أقسم لأفعلن كذا، أقسم لأفعلن كذا أقسم لأفعلن كذا وذاك له كفارة، أما إذا كان المقصود باليمين هو العهد لأنهم كانوا إذا تعاهدوا مسك كل واحد منهم بيمين صاحبه، وضع اليمين في اليمين وشد على يمين صاحبه، كل منهم شد على يمين صاحبه بيمينه فإن كان عهدا فلا كفارة له، فنقض اليمين الموكد له كفارة كما جاء في كفارة اليمين، أما نقض العهود فلا كفارة له، (وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ ) شاهداً ضامنا وشهيداً ورقيبا، (إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)) من الوفاء، أو من النقض‫.‬ الوفاء بالعهد من خُلق الإسلام وقد تحقق به سيد الأنام (صلى الله عليه وسلم) فما كان غادراً وما كان خائنا وما نقض عهداً لأحد‫.‬‬
‫ربنا (تبارك وتعالى) يأمر ويشدد بالوفاء، يشدد على الوفاء بالعهد، وينهى عن النقض (وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)) ثم يضرب المثل وتلك الأمثال يضربها ربنا للناس وما يعقلها إلا العاملون واسمع للمثل‫:‬‬
وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًۭا تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿92﴾
مثل في منتهى الغرابة وفي منتهى الوضوح، المرأة إذا غزلت ثوبا وبذلت فيه جهداً، وأتمت النسج والغزل وأصبح الثوب مُعداً لأن يُرتدى، وفجأة وبلا مبرر إذا بها تأخذ بطرف الخيط وتسحب فتنقض ما أبرمت، وتفك ما عقدت، وإذا بالثوب يعود خيطا مرة أخرى، إن فعلت ذلك يقال عنها خرقاء، ربنا (تبارك وتعالى) يمثل من نقض عهده بعد إبرامه بهذه الخرقاء، فهل ترضى لنفسك أن تكون كذلك، (وَلَا تَكُونُوا۟) بنقض العهود وبنقض الأيمان، (وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًۭا) الأنكاث‫:‬ جمع نكث، (وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ) إذاً فقد أُبرم وأُحكم (أَنكَـٰثًۭا): جمع نكْث، والنكْث والنقض بمعنى واحد نكث ونقض، لكن النكْث قد يُعبر به في مسائل الغزل والخيط أكثر، أنكاثا‫:‬ خيوطا متفرقة بعد أن كان ثوباً محكماً متقنا، (تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ) الدَخَل‫:‬ كل شيء دخل في شيء وهو ليس منه يسمى دَخَل، كل شيء اتصل بشيء أو دخل فيه وهو ليس منه فهو دخل، عُبّر بعد ذلك بهذه الكلمة عن الغدر، عن الغش، عن الخيانة، عن الخديعة، لأن الخيانة بئس البطانة، الغدر‫:‬ دخل في الأمر وهو ليس منه، بل الأمر منه الوفاء، فكل داخل في شيء ليس منه يقال دَخَل، ومنه قول النبي (صلى الله عليه وسلم) في حديث طويل عن الإسلام وأواخر الزمان (وَيَأْتِي قَرْنٌ فِيْهِ خَيْرٌ وَلَكِنْ فِيْهِ دَخَل - وقد يطلق دَخَنٌ ) ، فالدَخَل‫:‬ ما ليس من الشيء، الدخل‫:‬ الغش، (تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ) خديعة بينكم، (أَن تَكُونَ) سبب اتخاذهم الأيمان دَخَلا َ، (أَن تَكُونَ أُمَّةٌ) جماعة (هِىَ أَرْبَىٰ) أزيد وأكثر (أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ ) أن تكون جماعة أزيد من جماعة، (إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ ) يمتحنكم ويختبركم، ليرى الطائع من العاصي، (إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ ) يبلوكم بالأمر بالوفاء، (إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ ) بأن تكون أمه أربى من أمة، فينظر ما هي القصة أو ما هو المقصود بالكلام؟ جماعة من الناس عاهدت جماعة من الناس أمن وأمان، سلم وسلام، فوجئت الجماعة الأولى بجماعة أخرى أشد قوة وأشد شكيمة وأكثر عدداً وأكثر مالاً، فتنقض عهدها مع الأمة التي عاهدتها لضعفها ولقلة عددها، وتعاهد الأمة الأكثر عدداً، أمة عاهدت أمة، وهم في سواء من القوة والعدد والكثرة، وفجأة منّ الله على أمة فزادت قوتها وكثر مالها وزاد بنونها، البنون والأموال والقوة والسلاح، فاغترت بقوتها وزيادتها فنقضت عهدها مع من عاهدت، أمة عاهدت أمة ثم جاء حليف لها فعادى الأمة أو عادى حليف أمة، حالفت وها هي المعاهِدة ترى أن من عاهدت أقل في القوة أو في النفع الواصل إليها فتنقض العهد مع هؤلاء وتعاهد أولئك، ذاك كان يحدث من قريش لما عاهد نبينا (صلى الله عليه وسلم) لم يكن هناك من هو أوفى بعهده منه على الإطلاق، وكان يتحدث عن حلف حدث في الجاهلية حلف الفضول جمع فضل، حلف الفضول هذا تم ي الجاهلية وشهده النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو صغير فكان يمدح في هذا الحلف لأنه كان تحالفا بين أشراف قريش وأشراف مكة على نصرة المظلوم وقال‫:‬ (لَو دُعِيتُ إِلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ) ، لكن قريش كانت تعاهد ثم تنقض العهد طبقا للقوة والكثرة والعدد، سواءً لها فإن كثرت نقضت العهود وأغارت على من عاهدت، أو إن وجدت أمه وجماعة أكثر عدداً ممن عاهدت نقضت العهد مع الضعيفة وعاهدت القوية، فربنا (تبارك وتعالى) يبين لنا ذلك، أن نقض العهد مع من عاهدت لنفع دنيوي أنت تراه، أو لأن من عاهدت صار أضعف منك، وأنت لست في حاجة إليه أو لا تخشاه أو أمنك وأمانك بيدك، فتنقض عهدك معه، كما حدث مع الدول الكبرى في الحروب العالمية الماضية، ربنا (تبارك وتعالى) يبيّن ذلك وأنه ينهى عن ذلك (تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ) إذاً فقد حلف اليمين، أو عاهد وهو ينوي على الغدر، (تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ) أي انتهز الفرصة وحلف اليمين أو عاهد ليأمنه الآخر، وهو ينوي على الغدر والخديعة، (أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ ) الأمة الجديدة التي نقضتم العهد من أجلها أكثر عدداً وأوفر مالاً من الأمة التي نقضتم عهدكم معها، (إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ ) إذاً فالكثرة في العدد والكثرة في الأموال وارتفاع الأمم، وعلو شأن الأمم، وضعف الأمم، وفقر الأمم والأيام دول كل ذلك يفعله الله ليبتلي الناس، يمتحن تصبر أم تحسد تفي أم تغدر، (وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)) إذاً، إذا بيّن الله يوم القيامة ما كان الناس فيه يختلفون من أمور البعث والنبوة والنشور والحل والحرام وما إلى ذلك لا بد وأن يؤاخذ الناس لا بد وأن يحاسب، فهو تهديد ضمني، أمر بالوفاء ضمني كذلك‫.‬‬
‫ويجيب على تساؤل قد يتبادر إلى ذهن الإنسان:
وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿93﴾
‫(وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ) على دين واحد، على قلب رجل واحد، لكن الناس لو كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في مُلك الله شيئا ، ولو كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملك الله شيئا، هي حكمته وأفعاله لا تعلل بالعلل، لا يُسأل عما يفعل، (وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ) متفقين على دين واحد، على ملة واحدة، على خلق واحد على نظام واحد، دولة واحدة، أمة واحدة، بلُغة واحدة بلسان واحد، لكن من آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم، (وَلَـٰكِن) وآه من كلمة ولكن، (وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ ) هو الله، هذه للجنة ولا أبالي وهذه للنار وهذه للنار ولا أبالي من هنا بكى أحد الصحابة حين جاءه الموت وجاءه أصحابه وقالوا‫:‬ ما يبكيك وأنت وأنت، قال‫:‬ ولم لا أبكي وأنا لا أدري من أي القبضتين أنا، ولكن يضل من يشاء بخذلانه إياهم عدلاً منه فيهم، ويهدي من يشاء بتوفيقه لهم فضلا منه عليهم، فمن ضلّ ضلّ لأن الله خذله، وربنا خذله بالعدل، ومن اهتدى فقد اهتدى بالفضل لأن الله (تبارك وتعالى) هداه فضلاً منه، وليس لأنه يستحق، فمن دخل الجنة فقد دخلوها بفضل الله لا لأنهم يستحقونها ومن دخل النار دخلها بعدل الله لا لأنهم يُظلمون، لا والله يفعل ما يشاء ولا يُسأل عما يفعل وأنتم تُسألون، (وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)) إذاً لا يتعلل أحد بقوله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولا يتعلل، ويقول لو شاء الله لهداني أو كما قال المشركون‫:‬ لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، أو يتعلل بالقبضتين هذه للجنة ولا أبالي وهذه للنار ولا أبالي، حين فعل ذلك فعله بحكمة وفعله بعلم وإلا ما قال (وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)) إذاً الإنسان مسئول عن عمله، الإنسان مخيّر، نعم هو يضل من يشاء لعلمه الأزلي بهم، وأنهم من أهل الخذلان، فبعدله أضلهم، ووفق من يشاء لطاعته بتوفيقه مناً منه وفضلاً وكرماً، لا لأنهم يستحقون، ومع ذلك فالإنسان مخيّر ومسئول عن كل قول وعن كل فعل وعن كل حركة وسكون، بل عما يبديه وعما يكتمه، يسألكم عن أقوالكم وعن نيّاتكم كذلك (وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٨٤] .‬
‫فيأتي التصريح بالنهي عن نقض العهود والإيمان والأحلاف بعد ما جاء ضمنا للتشديد على النهي حين نهى ربنا (تبارك وتعالى) عن نقض الأيمان ونقض العهود بالنهي عن اتخاذ الأيمان دخَلاَ خداعا وغشا أن تكون أمة هي أربى من أمة لزيادة العدد فتنقض القبيلة عهدها مع من عاهدت لتخالف الأكثر عدداً يأتي التصريح بالنهي في قوله (عز وجل):‬‬‬
وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ﴿94﴾
تصريح بعدما جاء ضمنا في الآية السابقة، الأيْمان كما قالوا‫:‬ جمع يمين وهو العهد المؤكد باليمين أو اليمين المجرد، وقالوا‫:‬ الأيْمان‫:‬ العهود، والدَخَل كل شيء دخل في شيء وليس منه فهو دَخَلْ ودَخَنْ، ويعبَّر بالكلمة عن الغدر والخيانة والخديعة المبيّتة بمعنى حين يُقسم‫:‬ يقسم وهو ينوي الحنث، وحين يعاهد‫:‬ يعاهد وهو ينوي الخُلْف، (وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ) غدراً وغشا وخديعة تخدعون بها الناس، (فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا) والمراد "أقدام" فتزل أقدامكم، " ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل أقدامكم " ذلك التقدير لكنه وحّد ونكّر (فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ) مفرد نكرة ليبيّن ويُشعر أن زلل قدم واحدة أمر خطير، فكيف إن زلّت الأقدام الكثيرة، والزلل هنا للقدم تعبير يراد منه الوقوع في الشر المستطير، إذ إن الثبات يكون بالقدم طالما كان الإنسان واقفا ثابتاً، فالثبات يكون بالقدم، فإن زلّ القدم وانزلق الشخص، تحول من خير إلى شر، تحول من الثبات والوقوف والتوقير إلى وضع لا يرتضيه لنفسه، فعُبِّر بهذا التعبير زلل القدم عن انتقال الشخص من خير إلى شر، (وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا) وقيل إن الآية في شأن المرتدين عن الإسلام، والعهد هنا هو العهد مع الله، والأيْمان هي البيعة مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقيل إنها نزلت في شأن بعض من ارتد عن الإسلام كعبد الله بن أبي السرح الذي أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بقتله يوم فتح مكة، فأجاره عثمان بن عفان فعفى عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم صلُح حاله وأصبح واليا على مصر في أيام بعد ذلك، تذوقوا السوء في الدنيا بالقتل، والتشريد والأسر، وغضب الله (عز وجل) وكراهية الناس وما إلى ذلك، (وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ (٩٤)) بصدكم عن سبيل الله، وارتدادكم عن الإسلام، في الآخرة ذاك معنى، والمعنى الآخر (وتذوقوا السوء بما صددتم غيركم عن سبيل الله ) إذاً فقد ارتدوا ونقضوا العهود، وصدوا بذلك غيرهم عن الإسلام، (وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ (٩٤)) كيف ذاك؟ فالمسلم إذا عاهد الكافر ثم نقض المسلم عهده، ماذا يكون موقف الكافر؟ يُصد الكافر عن الإسلام فيقول هذا خلُق الإسلام لا يحافظون على عهد ولا أيمان، فكأن المسلم إذا حلف لغيره ووكّد اليمين على شيء ثم حنث في يمينه، أساء للإسلام بسلوكه وصد غيره عن الإسلام، أو صار هو قدوة سيئة لغيره، فصد غيره، كذلك لو حالفت الأمة الإسلامية غيرها ولم تحافظ على العهد ولم ترع قول الله‫:‬ (وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًۭا (٣٤)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٣٤]، كان ذلك سُبّة في الإسلام، وشبهة تمنع الغير عن الدخول في الإسلام وكأن سلوك المسلم أساس، ولذا لو رجعنا إلى الوراء ونظرنا في التاريخ الصحيح، لوجدنا أن الإسلام انتشر في أقطار الأرض بخلق المسلمين وسلوكهم، ولم ينتشر بالسيف كما زعم أعداء الإسلام، فقد كان التجار المسلمون يسافرون إلى أقطار الأرض إلى السودان، إلى الحبشة، إلى أفريقيا، إلى المغرب، إلى البلاد المتعددة يسافرون للتجارة فيتعجب أهل البلاد من سلوكهم، إذا جاء المشتري ونظر إلى البضاعة فوجئ بالأمانة والنزاهة والصدق والقناعة، فوجئ بأن صاحب البضاعة يقول له هذه بها عيب كذا ولكنك لا تراه، فإذا به يبيّن العيب في السلعة التي لا يراها المشتري، فيفاجأ بالنظافة فهم المتوضئون خمس مرات في اليوم والليلة، يفاجأ بنظافة السلعة، ونظافة الملبس ونظافة الأيدي، ونظافة الحلْق، ونظافة السلوك فيسأل كيف أنت كذلك ومن أين أنت؟ فيقول أنا مسلم من أمة محمد، لم تفعل ذلك؟ يأمرني ديني بذلك فقد مر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على رجل يبيع تمراً فمد يده ودسها في التمر فوجده قد أصابه البلل وغطى الرجل تمره المبلل بتمر جاف فقال له الرسول (صلى الله عليه وسلم) ما هذا؟ قال‫:‬ أصابته السماء أي نزل عليه المطر والأمر ليس بيدي فقال هلا بينته (مَنْ غَشَّنَا أو مَنْ غَشَّ لَيْسَ مِنَّا )، علّمهم الدين الصدق والوفاء والسلوك الواضح الطيب، ونهاهم عن الغدر والخيانة والخديعة والغش، واتخاذ الأيْمان لخداع الآخرين، فإن من حلف صُدِّق، فإن كان يحلف ليُصدق، فذاك هو اتخاذ الأيمان دخَلاً، ولذا قال العلماء يمين الحالف على نية المستحلف، وليس على نية الحالف، حين يستحلفك أحد الناس مهما تلاعبت في اليمين فيمينك على نية من استحلفك، وما أراد أن يستحلفك عليه، وليس على نيتك أنت، (وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ) غدر، غش، خيانة، خديعة، (فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا) وكأن ذاك يُخرج العبد عن الملة عن الإسلام، لأن زلل القدم بعد ثبوتها لا يكون إلا بالخروج عن الحالة التي كان عليها، أنت واقف معتدل ثابت فزلت قدمك كيف يكون حالك! كيف يكون الحال، (فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا) الخروج عن الملة بنقض العهود، لأن ذاك إساءة للإسلام وصد للناس عن الدخول في الإسلام‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿95﴾ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍۢ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿96﴾
‫(وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۚ ) العهود والأيمان أو الإسلام، قيل إن قريشا كانت تعد ضعاف المسلمين الذين أسلموا بمكافآت مالية إذا ارتدوا عن الإسلام، فارتد البعض مفضلاً الدنيا عن الآخرة، قيل أن الآية في هؤلاء، وقيل أن الآية عامة في كل من يؤثر الدنيا على الآخرة، وصدق سيدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين يقول‫:‬ (كُوْنُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآَخِرَةِ وَلَا تَكُوْنُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْدُّنْيَا فَإِنَّ كُلَّ أُمٍ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا) وقال (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ كَانَتِ الْدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّهِ شَتَّتَ اللهُ شَمْلَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ)، (وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۚ ) وهي الدنيا مهما زاد العطاء في الدنيا فهو ينفذ يفنى لا يبقى لا بد وأن يزول بموتك أنت، أو يزول هو أو بانتقاله إلى غيرك (إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ) من النصر ومن الغنيمة في الدنيا، ومن الرضا ومن القناعة ومن الجنة والنعيم في الآخرة، (هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥)) إن كنتم من أهل التمييز، من أهل العلم من أهل الفكر السليم‫.‬‬
‫( مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍۢ ۗ ) واقع وحق مُشاهَد، هل بقي شيء على حاله؟ مهما كان الإنسان في هذه الدنيا، هب أنه منح عمر نوح أليس بميت؟ بلى ميت، هب أنه منح كنوز قارون، أليس هو بزائل عنها، أو هي زائلة عنه؟ (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ ) نفد ينفد‫:‬ فني ضد بقي، (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ ) ينتهي ويفنى لا بد والقائل هو الخالق المانح، وهو الذي كتب الفناء على كل شيء، (وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍۢ ۗ ) باقي إلى الأبد لا نهاية له، ( وليجزين الذين صبروا) قراءة (وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٦)) الذين صبروا على الطاعة، وصبروا عن المعصية، صبروا على الفقر، صبروا على العهود، صبروا على ما أمرهم الله، صبروا على الجهاد صبروا على الفاقة صبروا على الإيذاء، ولم تتبدل عقيدتهم (وَلَنَجْزِيَنَّ) - وليجزين قراءتان، (وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٦)) وهذا التعبير عميق، ويحمل أكثر من معنى، (وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٦)) أي أن الأجر أحسن من العمل نجزيهم أجراً هو أحسن من أعمالهم، أو (وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٦)) اي الطاعة يجزينهم أجرهم على الطاعات، والبعد عن المعاصي واتباع أوامر الله، واجتناب نواهيه، وذاك هو الأحسن، لأن ما عداه حسن، إذ إن كل العمل لا يحاسب المرء عليه، ماذا كانوا يعملون؟ يصلون يصومون يزكون يطيعون الله، في نفس الوقت يتزوجون يأكلون يشربون ينامون يقومون يتحركون، فمن الأعمال ما هو مباح لا ثواب عليه ولا عقاب على تركه، هذا المباح من الأكل واللبس والنوم وما إلى ذلك ليس موضوعا للجزاء، وإنما الجزاء على الأحسن، الأحسن هو الطاعة، فالحسن هو المباح كالأكل والشرب، كاللبس كالحركة كالمشي وما إلى ذلك، فلا يجازى الإنسان على ذلك ولكن يجازى على الأحسن الذي هو الطاعة، (وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٦)) أي الطاعة على الطاعات، ورأي ثالث تحتمله الآية وهو أن أعمال الإنسان تتفاوت من حيث الحسن فمرة يصلي وهو خاشع متفرغ للقراءة، متأمل فيما يقول من ذكر وتسبيح وحمد، متمهل محسن متقن للعمل، ومرة يكون متعجلاً، أو يصلي وقد ذهبت به الأفكار كل مذهب، أو سها في صلاته، فليست الأعمال والطاعات على درجة واحدة، حين يحاسب هذا المرء يُنتقى من أعماله أحسنها، فيُنظر في سجوده أي سجدة كانت أفضل، أي صلاة كانت أخشع، أي زكاة كانت أبرك، وتؤخذ هذه الأعمال يُقوّم على أساسها كل العمل فيجازى على أحسن عمل، فإن قال سبحان الله مائة ألف مرة في عمره أيتها كانت بتفرّغ ومن قلبه شاعراً بها وبمعناها متفرغاً لها خاليا قلبه من غير الله هذه المرة يُقوم كل التسبيح على أساسها‫.‬‬
‫ثم يأتي فضل من الله (تبارك وتعالى) ووعد وبشرى للكافة رجل أو امرأة ذكر أو أنثى في كل مكان وفي كل زمان:
مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةًۭ طَيِّبَةًۭ ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿97﴾
‫(مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا) وكلمة (صالحا) هذه تفيد أن الكلمة الطيبة من الصالحات، إماطة الأذى عن الطريق من الصالحات، كفّ الأذى من الصالحات، كل عمل يبتغى به وجه الله فهو من الصالحات أي عمل مهما قل مثقال ذرة، (مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ) ذاك هو الشرط، إذ لا تُقبل الأعمال إلا إذا كانت صادرة من قلب مؤمن يبتغي وجه الله، أما الكافر مهما عمل صالحا إذا جاء يوم القيامة وجده هباءً منثوراً وُفّي أجره في الدنيا بالصحة بالغنى ب"أي شيء، وقيل بل يُخفف عنه بعض العذاب بالصالحات قيل ذلك لكن شرط قبول العمل هو الإيمان، (فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةًۭ طَيِّبَةًۭ ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٧)) الحياة الطيبة ما هي؟ قال العلماء الكثير كل من وجهة نظره، فالبعض قال الحياة الطيبة‫:‬ القناعة، والبعض قال الحياة الطيبة‫:‬ الرضا بالقضاء والقدر، وقال بعضهم الحياة الطيبة‫:‬ التوفيق إلى الطاعة، وقال بعضهم الحياة الطيبة‫:‬ أن تستغني عن الخلق وتفتقر إلى الحق، وقال بعضهم الحياة الطيبة‫:‬ السعادة حتى ولو كان فقيرا نعم، فهو راضٍ أو مريضا فهو راضٍ قانع سعيد، والسعادة أمر لا يمكن وصفه، وإنما هو يُحس ويتفاوت الإحساس بالسعادة من شخص إلى آخر، لكن السعادة هي رزق من الله، فقد تجد الغني ذا الجاه شقي في حياته، وتجد الفقير المعدوم الجاه سعيد في حياته فالسعادة هبة ونعمة إذاً (فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةًۭ طَيِّبَةًۭ ۖ ) تحمل كل ذلك، القناعة الرضا بالقضاء والقدر، السعادة، التوفيق إلى الطاعة، التوفيق إلى ذكر الله، أن تشعر بمعية الله، أن تطمئن إليه، أن ترضى عنه، أن تحبه، أن تفتقر إليه، أن تستغني عن الخلق، ألا يحوجك لأحد غيره، وقال بعضهم الحياة الطيبة‫:‬ في القبر وليست في الدنيا وإنما في القبر، هذه الظلمة الوحدة الخوف إذا مات زُف إلى النعيم، زف إلى الأنس، وجد النور، وجد المتعة وجد البقاء، وجد البشرى، فُتحت له طاقات، فنظر إلى مكانه في الجنة فرأى الأنهار تجري، ورأى الحور العين كاللؤلؤ، ورأى الغلمان، ورأى ورأى ووُعد بكل ذلك، فها هو ينتظر الحصول على كل ذلك، ولكن لا يمل من الانتظار، فهو مشغول بالنظر، مشغول بالرؤية، يمر عليه الوقت دون أن يدري بسرعة مروره فهذه هي الحياة الطيبة في القبر، وقال بضعهم بل الحياة الطيبة المقصودة‫:‬ هي الجنة إذ لا تطيب الحياة في الدنيا لأحد ولا تطيب الحياة إلا في الجنة، فهي الغنى بلا فقر، والسعادة بلا شقاء، والدوام بلا فناء، والصحة بلا مرض وخلو البال والنظر إلى الكبير المتعال، لا تطيب الحياة في الدنيا لأحد وإنما تطيب في الجنة، أراء ونحن نعتقد والله أعلم أن الحياة الطيبة التي وعد الله بها من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن هي السعادة في الدنيا، الأنس في القبر، النعيم في الجنة، فحياة الإنسان مستمرة لا يمكن أن تنقطع، وما الموت إلا نقلة وما البعث إلا نقلة، فالحياة الطيبة من نعومة أظفاره إلى أن يلقي الله، تلك هي الحياة الطيبة فهو راضٍ على كل حال سعيد بكل حال لا يشقى أبداً مهما حدث هل كان يوسف في البئر شقيا أم جاءه جبريل، أم أوحى إليه (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا) [سورة يوسف آية‫:‬ ١٥]، هل كان في السجن شقيا؟ هل نسى ربه، أم ظل يدعو إليه؟ (يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌۭ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ (٣٩)) [سورة يوسف آية‫:‬ ٣٩]، هل كان يونس في بطن الحوت شقياً أم كان سعيداً مؤتنساً ذاكراً (أَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٨٧)) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٨٧]، هل كان إبراهيم حين ألقي في النار شقياً أو محروماً أم احترق القيد واحترق ما قيدوه به والحطب، وبقي هو سليما يؤنسه جبريل ويقول له‫:‬ ألك حاجة؟ فيقول أما لك فلا وأما له فعلمه بحالي يغني عن سؤالي، فينزل جبريل بقميص من الجنة فيكسوه بقميص من الجنة هل كان شقيا؟ الحياة الطيبة‫:‬ أن ترضى عن الله، أن يرزقك الرضا عنه، فترضى به رباً وترضى به إلهاً، وترضى عن تصرفه معك، وترضى عن قضائه وقدره، وترضى عن كل ما يجري عليك من أمور، هو الذي يرزقك ذاك الرضا ويرضى عنك تذكره ويذكرك، بل وتعرف الملائكة اسمك (إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ) تلك هي الحياة الطيبة حين يموت تأتيه ملائكة تطمئنه وتبشره إن الله يقرؤك السلام، بل ويغفل عن بكاء أهله، بل قد يتعجب من ذاك لم يبكون؟! لأنهم لا يرون ما أنت فيه‫.‬‬
‫(يَـٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ (٢٧)) [سورة يس آية‫:‬ ٢٦- ٢٧]، بل يُفاجأ لا ببكاء أهله بل ببكاء فراشه وبكاء محرابه، وبكاء الأرض التي كان يمشي عليها، وبكاء السماء عليه، نعم فقد حُرمت من خطواته، وحُرمت السماء من دعواته، وحُرم المحراب من صلواته، أما الآخرون فما بكت عليهم السماء والأرض، (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٧)) على أحسن الأعمال يجازي الله، فهو الكريم الذي لا حدود لكرمه، وطالما أكرمك في الدنيا، فكرم الآخرة أكبر وأعظم وأجل‫.‬‬
‫فمن أجل النعم على المسلم أن يوفقه الله، تبارك وتعالى، لقراءة القرآن إذ إن قاري القرآن مجالس للرحمن، ولهذا فإن الشيطان لا يترك قارئ القرآن ينعم بذلك بل يحاول أن يشوّش عليه، أن ينسيه، أن يجعله يسهو، أو يفكر في أمر آخر، أو يوسوس إليه بالشبهات، لأن قراءة القرآن من أجل النعم، ومن أعظم الفضل على الإطلاق، لقول الله (عز وجل) في حديثه القدسي (أَنَا جَلِيْسُ مَنْ ذَكَرَنِي) وأعلى درجات ومقامات الذكر أن تذكره بكلامه، تناجيه بكلامه لا بكلامك بل بكلامه هو، لذا نبهنا الله (تبارك وتعالى) وأعطانا ما نتقي به شر وساس الشيطان فقال‫:‬‬‬‬
فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ ﴿98﴾
‫(فَإِذَا قَرَأْتَ) بعض الناس يقولون (فَإِذَا قَرَأْتَ) أي بعد القراءة قرأت فعل ماضي ، وذاك أمر غير معقول، (فَإِذَا قَرَأْتَ) أي فإذا أردت أن تقرأ القرآن، وكثيرا ما جاء في القرآن التعبير بالماضي عن المستقبل مثل (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٦]، أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة لأن الوضوء قبل الصلاة وليس بعدها، وكذلك (وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٥٢]، العدل قيل القول، إذ لا عدل بعد ما تم القول، وإنما العدل في القول فإذا أردتم أن تتكلموا وتقولوا فتكلموا بالعدل، أيضا (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـٰعًۭا فَسْـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍۢ ۚ ) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٥٣]، إذاً الحجاب قبل السؤال، وإلا فلا فائدة من الحجاب بعد السؤال فعل ماضي أي إذا أردتم أن تسألوا فاسألوا من وراء حجاب، إذا أردتم القيام للصلاة فاغسلوا وجوهكم، إذا أردتم الكلام فتحروا العدل في كلامكم، إذا أردتم قراءة القرآن فاستعيذوا بالله، (فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ (٩٨)) الشيطان فسّرنا الكلمة ولِمَ سُمي بذلك في أول التفسير، و"الرجيم" فسرناها أيضا‫:‬ المرجوم والملعون والمطرود وما إلى ذلك، والاستعاذة كما نص عليها سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم، إذ ورد أن ابن مسعود قال " أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم " فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) (أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الْشَّيْطَانِ الْرَّجِيْمِ هَكَذَا أَقْرَأَنِيْهًا جِبْرِيْلُ) قال العلماء‫:‬ الأمر للاستحباب، فمن نسى الاستعاذة قبل القراءة فلا إثم عليه،إذ أن الأمر للاستحباب، لكنهم قالوا الأمر يتكرر بتكرر الحال وعليه، فعلى المصلي أن يقرأ الاستعاذة في كل ركعة، (فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ) إذا ففي الركعة الأولى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قبل قراءة الفاتحة وفي الركعة الثانية كذلك وفي الثالثة وفي الرابعة في كل قراءة تتكرر الاستعاذة، (فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ (٩٨)) هذا الأمر وإن كان منّة ومنحة وحماية ووقاية إلا أنه يُشعر بأن الشيطان له تأثير أو قوة وقد يخاف السامع لهذا الأمر، (فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ (٩٨)) لماذا؟ ماذا يقوى عليه الشيطان، وماذا يقدر عليه، فقد تضطرب أو تخاف، فيطمئنك الله (تبارك وتعالى) ويقول‫:
إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿99﴾ إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ ﴿100﴾
فبعد ما ذكر الاستعاذة، ذكر السلطنة لكي لا تتوهم أن له عليك سلطانا، بل تطمئن إلى الله، وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم تنفيذا للأمر طاعة لقول الله، تبرّكا بحماية الله واستعاذة بالله من شر وساوس الشيطان، (إِنَّهُۥ) الشيطان (إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟) آمنوا بالله وصدّقوا برسوله، (وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)) أوكلوا أمورهم إلى الله، وفوّضوا أمورهم إلى الله، فهم مطمئنون إلى الله وإلى قضائه وقدره، وإلى حمايته ورعايته وعنايته وكفايته، هذا السلطان ما هو؟ قالوا‫:‬ حين طرد ربنا إبليس من رحمته، وطلب الإنظار توعّد بإغوائهم أجمعين لكن الله وعد (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ (٤٢)) [سورة الحجر آية‫:‬ ٤٢]، (إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)) لكن المؤمن والمتوكل قد يقع في الإثم كما وقع آدم (وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ (١٢١)) [سورة طه آية‫:‬ ١٢١]، وكما أخطأ غيره، وقد أخطأ بعض الصحابة في توليهم يوم أحد ويوم حنين و‫.‬. و‫.‬.و فكيف؟ فقالوا إجابة عن ذاك السؤال‫:‬ ليس له سلطان على المؤمن بالإغواء والكفر أو بإيقاعه في ذنب لا يُغفر، أما أن يقع المؤمن كامل الإيمان المتوكل في معصية فيُلهم الاستغفار يُلهم التوبة لا يقع أبداً في ذنب لا يُغفر، أي لا سلطان للشيطان على المؤمن في إخراجه من حظيرة الرضوان إلى دائرة الغضب أبداً، إنما قد يقع ويخطئ لكنه إذا وقع تداركته الرحمة فأُلهم الاستغفار، وما من مؤمن يتعثر إلا ويقيل الله عثرته ما من مؤمن يقع إلا ويد الله تتداركه، فيُلهم الاستغفار ويتوب عليه ويرزقه التوبة‫.‬ على من فيطمئن المؤمن أن الشيطان لا سلطان له عليه أبداً، ومهما وقع في معصية فالاستغفار ينقذه وينتشله، (إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُۥ) الشيطان، (عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ) أي يطيعونه ويسيرون في ركابه ويتتبعون خطواته، لا تتبعوا خطوات الشيطان، وتولاه‫:‬ أطاعه، وتولى عنه‫:‬ ابتعد عنه وعصاه، (وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ) "به" تعود على لفظ الجلالة، أو تعود على الشيطان، (إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ) يتولون الشيطان ويطيعونه، (وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ) بالله مشركون، به تعود على لفظ الجلالة أو تعود على الشيطان (إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ) يتولون الشيطان، (وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ) بالشيطان، (مُشْرِكُونَ (١٠٠)) كيف يشركون بالشيطان؟ قالوا‫:‬ (وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ) أي بسببه وبسبب إغوائه، أو من أجله يشركون، فالضمير إما يعود على لفظ الجلالة وإما يعود على الشيطان والتقدير (وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ) أي من أجله أو بسببه يشركون، إذ هو الذي دعاهم للشرك فأطاعوه، وهو حين يحشر الخلائق يقف على رءوس الخلائق يتبرأ من كل إغواء وسلطان قائلا‫:‬ (وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم ۖ ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٢٢]، حتى كلمة "إنما سلطانه" هنا أي السلطان بالإغواء، السلطان بتزيين الأعمال، (فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ) [سورة النحل آية‫:‬ ٦٣]، ذاك هو السلطان، أما السلطان بمعنى أن له قدرة على تغيير قضاء الله أو قدر الله، أو تحويل المؤمن إلى الكفر يستحيل، إنما السلطان بالإغواء‫.‬ ها هو ربنا (تبارك وتعالى) يبشر المؤمنين، وينعم علينا بقراءة القرآن ويمدنا بالتعويذة، يمدنا بالوقاية بالحصن (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) وإذا قالها المسلم مقتنعا بها، مؤمنا بها، مصدقا بها، مستعيذاً بالله ولَّى الشيطان مدبراً فلا سلطان له، الاستعاذة بقدر إحساس المستعيذ، فإذا كنت واثقا بأن الله يجير ولا يجار عليه، وأن الله (تبارك وتعالى) يعيذ من استعاذ به فقلّتها ثق أن شياطين الأرض جميعا لا يقدرون عليك‫.‬‬
‫إن رحمة الله (تبارك وتعالى) بأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) أكبر وأعظم من أن يحيط بها عقل، أنزل القرآن منجماً على مدار ثلاث وعشرين سنة، ليثبت قلب النبي (صلى الله عليه وسلم) ويرعى مصالح المسلمين، فالتوراة مثلاً نزلت كاملة فيها الأمر والنهي والحلال والحرام دفعة واحدة، ونزلت باستعجال بني إسرائيل وبناء على طلبهم، وحين نزلت رفضوها ولم يقبلوها فقد فوجئوا بالتحريم والتحليل، ولم يقبلوها حتى نتق الله الجبل فوقهم كأنه ظلّة، وهددهم أن يقع عليهم فقبلوها، لكن أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) أفضل الأمم، وأوسط الأمم نزل القرآن يرعى مصالح الأمة، ينزل الأمر مخففاً ثم يتدرج في التشديد حتى يعتادوا على الأمر، أو ينزل الأمر مشدداً ثم يخفف حتى يشعر المسلم برحمة الله ونعمته، من أمثلة ذلك تحريم الخمر، نزلت على التدرج، فقد اعتادوا على شربها وهي مصدر رزق لهم، بل ولهوهم كان بها، كذلك الزكاة فُرضت في السنة الثانية من الهجرة أي بعد خمس عشرة سنة، لكنه في البداية أمر بالصدقة فلما اعتادوا على الإنفاق والإيثار فرضت الزكاة، المواريث‫:‬ لم يكن الرجل منهم يورث امرأته ولا ابنته ولا أبناءه الصغار، بل الوارث هو الكبير الذي حمل السلاح، فأمرهم بالوصية للوالدين والأقربين، ثم حين اعتادوا على الإنفاق والإيثار فرضت بعد ذلك المواريث، لم يفرض الحج وهو عبادة مالية وبدينة وفيه المشقة إلا في السنة السابعة من الهجرة بعد عشرين سنة، نزل الأمر بالقتال بعد فترة بناءاً على طلبهم حين اشتد الأذى‫:‬ (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ ) [سورة الحج آية‫:‬ ٣٩]، لكن كان الواجب على المسلم أن يثبت أمام العشرة من الكفار‫:‬ (إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ ) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٦٥]، النسبة واحد إلى عشرة، فحين أقدموا وثبتت طاعتهم، وتأكدت شجاعتهم، خُفف عنهم فأصبحت النسبة واحد إلى اثنين (ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًۭا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ صَابِرَةٌۭ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ ) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٦٦]، وهكذا وبالتالي استلزم الأمر النسخ، استلزم الأمر نسخ بعض الآيات، وتبديل بعض الآيات تخفيفا أو تشديدا، تيسيرا أو تصعيداً، سواءً أكان النسخ في اللفظ، أم كان النسخ في الحكم، رحمة رعاية للمصالح، فما كان من الكفار إلا أن اتهموا النبي (صلى الله عليه وسلم) بأنه يختلق القرآن، وأنه يأمر أصحابه اليوم بأمر ثم ينسخ الأمر في الغد، فنزلت الآيات ترد عليهم وتزيل شبهتهم، وتؤكد رعاية الله لمصالح الأمة، فيقول (عز وجل):‬‬
وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةًۭ مَّكَانَ ءَايَةٍۢ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿101﴾ قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ﴿102﴾
الرد المفحم، والتأكيد الكامل، والحكاية عن سفاهتهم وجهالتهم (وَإِذَا بَدَّلْنَآ) التبديل‫:‬ رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وهو النسخ، (وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةًۭ مَّكَانَ ءَايَةٍۢ ۙ ) كآيات المواريث بدلا من آيات الوصية وبقيت الألفاظ وهكذا، (وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) جملة اعتراضية تدل على أن الله أنزل القرآن بعلم وأنزله بحكمة، وأن محمد (صلى الله عليه وسلم) لا يأتي بالكلام من عنده، (قَالُوٓا۟) أي قال كفار مكة، (إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ ) والافتراء‫:‬ الاختلاق، الافتراء‫:‬ الكذب، (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)) لا يعلمون الحكمة في التبديل، لا يعلمون الحكمة في النسخ، لا يعلمون أن الله (تبارك وتعالى) يرعى بذلك مصالح الأمة، فما يكون مصلحة اليوم قد يكون مفسدة في الغد، وما يكون مفسدة في اليوم قد يكون مصلحة في الغد‫.‬ الرد‫:‬ (قُلْ نَزَّلَهُۥ) فكلمة (بِمَا يُنَزِّلُ)، وكلمة (قُلْ نَزَّلَهُۥ) تدل على أن القرآن نزل مدرّجاً، نزل منجماً "أنزل" دفعة واحدة ، (أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ) [سورة الرعد آية‫:‬ ١٧]،‬
‫أما "نزّل" فالإنزال ثم الإنزال على التدرج، (قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ) روح القدس‫:‬ جبريل الأمين سُمي بالروح لأنه حين ينزل، ينزل بما تحيا به القلوب، كما أن الأبدان تحيا بالأرواح، فهو الروح لأنه إذا نزل، نزل بما تحيا به القلوب، والقدُس وقرأت القدْس بإسكان الدال القدُس والقدْس‫:‬ الطهر، (رُوحُ ٱلْقُدُسِ) ذاك الأسلوب والتعبير من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، كما تقول‫:‬ رجل الصدق للتأكيد على اتصاف الموصوف بهذه الصفة، والقدُس‫:‬ الطهر ووُصف جبريل بذلك لطهارته الكاملة عن مخالفة ربه في أي شيء، (قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ) متلبساً بالحق بالحكمة بالصدق، (لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟) وقرأت (ليَثْبُت الذين آمنوا)، (لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟) أي ليثبت الإيمان في قلوبهم، ويرسخ، ويطمئن المؤمن على أن الكلام من عند الله، (وَهُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)) إذاً فالكلام فيه تعريض بغيرهم، إذ إن القرآن طالما كان هدى وبشرى للمسلمين، فهو لغيرهم ضد ذلك، يزيدهم كفراً، فالآية تنزل الذين آمنوا يزدادوا بها إيمانا، والذين كفروا يزدادوا رجساً إلى رجسهم، (قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)) إذ أن المسلم حين يرى الأمر قد نزل متدرجاً به، يستشعر رحمة الله (تبارك وتعالى) به، وإذا نزل الأمر مشدداً ثم حدث التخفيف أحس بالنعمة وأحس بالرحمة، واستبشر أن الله ما يريد أن يشق عليه (مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٦]، فيستشعر اللطف، ويستشعر الرحمة ويطمئن، ويثبت الإيمان في قلبه‫.‬‬
‫يرد بعد ذلك القرآن على شبهه أخرى:
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌۭ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّۭ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّۭ مُّبِينٌ ﴿103﴾
احتار كفار مكة في اتهامات النبي (صلى الله عليه وسلم) تارة يقولون ساحر، فلا تستقيم مع العقل السليم، تارة يقولون شاعر، فلا تنطبق عليه، تارة يقولون كاهن ولم يمارس الكهانة في عمره، تارة يقولون مجنون، وتصرفه هو الحكمة بعينها، وتارة يقولون أساطير، وتارة يقولون إنّما يعلّمه بشر، من هذا البشر؟ اختلف العلماء في تسميته، فقد كان بمكة بعض الأعاجم من الغلمان أو الفتيان أو العبيد، كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يعطف على بعضهم فيسلّم عليه، أو يعطف عليه فادعَوْا أن هذا الأعجمي يعلّم النبي (صلى الله عليه وسلم) القرآن، وتكلموا بذلك فردّ الله عليهم مثبتا علمه بما يسرون وما يعلنون، (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌۭ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّۭ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّۭ مُّبِينٌ (١٠٣)) هذه هي الحجة الواضحة والبرهان الساطع الذي اتهموه بأنه يعلّم النبي (صلى الله عليه وسلم) أعجمي، أعجمي‫:‬ نسبة إلى الأعجم والياء ياء النسب " أعجمي" زيدت للتأكيد " الأعجم" في لغة العرب‫:‬ كل من لم يتكلم باللغة العربية فصيحا كان أم لم يكن فصيحا، الأعجم‫:‬ الذي لا يُفهم ومنه العجماء‫:‬ البهيمة، الأعجم‫:‬ لا يُفصح التكلم بالعربية أو بغيرها فكل من لا يُفصح في كلامه ولا يُفهم كلامه يطلقون عليه لفظ أعجمي، فهو أعجم وهي عجماء (لِّسَانُ) لغة ويطلق على "اللغة " اللسان، (لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ) يميلون عن القصد إليه (لسان الذي يَلحَدون إليه) قراءة يُلحد ويَلحد من لحد وألحد، لحد وألحد‫:‬ مال عن القصد، ومنه اللحد‫:‬ للقبر الذي يُحفر مائلا عن الاستواء، لحد يلحد، ألحد يلحد، مال عن القصد السليم، هم مالوا عن القصد السليم باتهامهم وبكلامهم، مالوا عن الحق وقالوا يعلّمه ذاك الغلام الأعجمي، فربنا يقول‫:‬ (لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّۭ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّۭ مُّبِينٌ (١٠٣)) فكيف؟! هذا الأعجمي حين يتكلم لا تفهمون كلامه أنتم ولا هو (صلى الله عليه وسلم) فكيف يأتي بالقرآن من عند هذا الأعجمي وهو لا يُفهم ولا يُفصح، وهب أنه فهم المعنى وتعلم اللغة الأعجمية وفهم المعنى، كيف يعبر بهذا اللفظ المعجز الذي عجز فصحاء العرب أن يأتوا بمثله، فأنت قد تفهم من غيرك، لكن حين تترجم وتعبّر فكيف استطاع محمد (صلى الله عليه وسلم) أن يعبّر بهذا اللفظ العربي المبين، والقرآن كما هو معجز باعتبار المعنى فهو معجز من حيث اللفظ، بالإضافة إلى ما فيه من علوم لم تُعلم إلا بعد قرون، وفيه العلوم التي لم تُعلَم حتى الآن، (وَهَـٰذَا لِسَانٌ) أي القرآن يطلق عليه لسان، (وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّۭ مُّبِينٌ (١٠٣)).‬
‫ثم يقلب الأمر عليهم وبعد ما رد شبهتهم ورد طعنهم وأثبت بالحجة الواضحة أن القرآن كلام الله فيقول عز من قائل‫:‬‬‬‬
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿104﴾
‫(إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ) بكتاب الله، بالقرآن بأنه من عند الله بأنه الحق، لا يوفقهم الله للإيمان ولا يهديهم إلى الطريق السليم والمستقيم، بل يدعهم في ضلالهم وغيهم، (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)) في الدنيا وفي الآخرة، تهديد ووعيد‫.
إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ ﴿105﴾
‫(إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ) يختلق الكذب، هم اتهموا النبي (صلى الله عليه وسلم) (يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌۭ ۗ ) تلك تهمة، وإذا حدث التبديل والنسخ‫: (قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ ) وربنا، تبارك وتعالى، يقول‫: الذي يكذب هو الذي لا يخشى عقاب الله، أما من خشي عقاب الله فلا يجرؤ على الكذب على الناس، فكيف يكذب على الله، ولذا حين سئل النبي (صلى الله عليه وسلم) هل يكذب المؤمن؟ قال:لا، (إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۖ ) طالما لا يؤمن بآيات الله فلا يخشى عقاباً يردعه، فيكذب كيف شاء، (وَأُو۟لَـٰٓئِكَ) والكلام عنهم، (وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ (١٠٥)) الكاذبون في الحقيقة، أو الكاذبون أي الكاملون في الكذب، أو الكاذبون في ادعائهم حين قالوا‫: (قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ )، وحين قالوا‫: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌۭ ۗ ) كلمة "كاذب " صفة يوصف بها من داوم على الكذب، فأنت تقول‫: كذب فلان في واقعة، أما أن تقول‫: فلان كاذب، فمعنى ذلك أن هذه الصفة ملازمة له صفة الكذب مثال ذلك‫: (وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ (١٢١)) [سورة طه آية‫: ١٢١]، لكن لا تجرؤ أن تقول أنه عاص أبداً "عصى" شيء " عاص" شيء آخر، وكذب شيء وكاذب شيء آخر، فاتهمهم الله (تبارك وتعالى) ووصفهم بما هو فيهم وهو الكذب المستمر والجرأة على الله‫.
مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًۭا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ﴿106﴾
الآية نزلت رحمة، نزلت توسعة، نزلت بشرى، قيل في سبب نزولها‫:‬ إن المشركين بمكة حين علموا بإسلام ياسر وامرأته سمية وابنه عمّار أخذوهم وعذبوهم عذاباً شديداً ولم يقبل ياسر أن ينطق بكلمة الكفر ولم تقبل سميّة أن ترتد بعد إيمانها فوقع عليها العذاب الشديد حتى قيل إنهم أخذوا سمية وربطوا رجليها ببعيرين كل قدم ببعير وظهور البعيرين لبعضهما ثم ساقا البعيرين في اتجاهين متضادين وقذفها أبو جهل بالحربة في مكان حساس من جسدها وهي ترفض أن تنطق بكلمة الكفر، أما عمّار فقد كان شابا صغيرا فاشتد عليه الأذى فاستجاب لبعض ما دعوه إليه فنطق الكفر، فجاء بعضهم إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وقالوا يا نبي الله كفر عمّار، قال‫:‬ لا ما كفر عمّار آمن عمار إيمانا من فَرَقِه إلى قدمه واختلط الإيمان بدمه ولحمه، ولم يلبث إلا يسيرا حتى جاء عمّار يبكي لرسول (صلى الله عليه وسلم) فمسح النبي (صلى الله عليه وسلم) دموعه بيده الشريفة وقال‫:‬ يا عمّار كيف تجد قلبك؟ قال‫:‬ مطمئن الإيمان، قال فإن عادوا لك فعُد لهم، ونزلت الآية، (مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِهِۦٓ) وهي الردة من فعل ذلك عليه غضب من الله شديد، وله عذاب عظيم، لأن المسلم إذا ارتد جرمه أشد من جُرم الكافر، لأن المسلم بعد إسلامه ذاق حلاوة الإيمان، ولا يكون ارتداد المسلم إلا من أجل الدنيا، من أجل الثمن القليل، إذ ما يدعو المسلم لترك دينه؟ أن تُعرض عليه الدنيا فيبيع، نسأل الله أن يثبتنا على الإيمان والدين، فإن أقبلت الدنيا فلا نبيع، استثنى الله (تبارك وتعالى) من أُكره، (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ) تلك جملة اعتراضية أي من أكره فلا إثم عليه ولا عتاب ولا يؤاخذ، (وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًۭا) أي طابت نفسه للكفر، وكفر مختاراً بغير إكراه وانفتح صدره للكفر وطابت به نفسه، (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ (١٠٦)).‬
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿107﴾
‫(ذَٰلِكَ) أي هذه العقوبة وهذا القرار والقضاء، (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ (١٠٧)) إذاً فقد جاء السبب وجاءت العلة وفضحهم الله، ما من مسلم يرتد إلا وارتداده من أجل الدنيا، وليس رفضا للدين عن اقتناع، لم يجد في الدين ما يخالف العقل السليم، أو المنطق، وارتداده ليس لآن الدين غير صحيح، لكن الارتداد من أجل الدنيا، فما من مرتد بعد إسلامه، إلا وقد اشترى الدنيا وباع الآخرة، (وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ (١٠٧)) وطالما ارتد من أجل الدنيا وباع الغالي بالرخيص لا يهديه الله، لا يوفقّه لا ينقذه، لا يقيه شر الضلال بل يتركه وما أراد، (وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ (١٠٧)).
أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ ﴿108﴾ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ﴿109﴾
‫(أُو۟لَـٰٓئِكَ) الكلام عن المرتدين، (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ (١٠٨)) طبع عليها‫:‬ ختم، وكأن القلب قد أغلق على الكفر فلا يدخل فيه الإيمان ولا يخرج منه الكفر، وطبع على السمع فلا يسمعون إلى الحق ولا يستمعون له وطبع على الإبصار فلا يرون الحق، (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ (١٠٨)) الغفلة الكاملة عما ينتظرهم في الآخرة‫.‬‬
‫(لَا جَرَمَ) أي حق وثبت، (أَنَّهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ (١٠٩)) باعوا دينهم وباعوا أنفسهم، وخسروا أنفسهم وخسروا أهليهم‫.‬‬‬‬
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا فُتِنُوا۟ ثُمَّ جَـٰهَدُوا۟ وَصَبَرُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿110﴾
الآية نزلت في بعض المستضعفين من المسلمين، الذين نطقوا بكلمة الكفر، أو حدث منهم إرضاءً للكفار، ثم وفقهم الله (تبارك وتعالى) للهجرة، ثم اشتركوا مع المسلمين في الجهاد، وصبروا على الجهاد وعلى الأذى، يبشرهم ربنا (تبارك وتعالى) بأنه غفر لهم ما سبق ورحمهم بعدم المؤاخذة وثبتهم على إيمانهم، (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا فُتِنُوا۟ ثُمَّ جَـٰهَدُوا۟ وَصَبَرُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا) أي من بعد الجهاد والهجرة والصبر، (لَغَفُورٌۭ) غفور لما سلف، (رَّحِيمٌۭ (١١٠)) بهم في الحال والمآل، ( ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فَتَنُوا ) قراءة غريبة، الآية قيل نزلت في بعض الناس منهم " عبد الله بن أبي السرح " الذي كان يكتب الوحي لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم ارتد وذهب إلى مكة وطعن في الإسلام وأحلّ رسول الله دمه في الفتح وأمر بأن يُقتل ولو كان متعلقاً بستار الكعبة، فلجأ إلى عثمان بن عفان وتاب واستجار به، فأخذه عثمان ودخل به على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقد أخفى وجهه واستجار له عثمان وتشفع فقبل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شفاعة عثمان بن عفان وعفا عن ابن أبي السرح والذي دارت الأيام بعد ذلك وجاهد وكان واليا على مصر، فقيل إن الآية نزلت في هؤلاء الذين فُتنوا عُذبوا أو ارتدوا أو أخطئوا، ثم عادوا بعد ذلك وجاهدوا وصبروا مع المسلمين، وهاجروا، غفر الله لهم ذلك، أما قراءة (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فَتنوا) فقيل أن الآية نزلت في بعض الناس الذين عذبوا المسلمين، وطلبوا منهم الكفر وفتنوهم عن دينهم، ثم تابوا بعد ذلك وأسلموا وهاجروا وجاهدوا وصبروا، فغفر الله (تبارك وتعالى) لهم ما فعلوه بالمسلمين من قبل، (إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (١١٠)) رحمة مغفرة، بشرى فتح لأبواب التوبة، لكن الإكراه على الكفر أمر محتاج إلى شيء من التفصيل، فقد سمح الله (تبارك وتعالى) بالكفر به لمن أكره، والإيمان بالله أصل الشريعة، وحمل العلماء فروع الشريعة المختلفة على هذا الأصل، بمعنى‫:‬ أصل الشريعة الإيمان بالله والاعتقاد في وحدانية الله ذاك الأصل، ما عدا ذلك فروع، كالصلاة والصيام والزكاة فروع للشريعة، حملها العلماء في مسألة الإكراه على الأصل، بمعنى إذا كان الله قد سمح للمسلم أن يكفر بلسانه طالما كان القلب مطمئن بالإيمان في حالة الإكراه، فإن أكره على الزنا؟ وإن أُكره على الطلاق؟ وإن أُكره على الزواج؟ وبدأ التفصيل‫:‬ ورحم الله علماء الأمة وأثابهم خيرا عن كل ما قدموه من علوم للناس، قالوا‫:‬ سمح الله بالكفر باللسان لمن أكره وعليه فمن خشى على نفسه القتل وهُدد بالقتل ونطق بكلمة الكفر بلسانه، أو عرّض ففي المعاريض مندوحة عن الكذب لا إثم عليه، ولا تبين منه زوجته ولا تطلق ولا يعد مرتداً في القول، أما في الفعل فاختلفوا بمعنى‫:‬ أمروه أن يسجد للصنم فعل، أمروه أن يصلي لغير القبلة فعل، هل يسري عليه الحكم أم لا؟‬
‫بعضهم قال‫:‬ الإذن والرخصة في التكلم فقط، أما في الفعل فلا رخصة فيه فإن أُمره أن يسجد للصنم أبى وإن قُتل، والبعض الآخر قال‫:‬ الفعل والقول سواء طالما كان القلب مطمئن بالإيمان، تلك واحدة، قالوا بعد ذلك فما الحكم فيمن أُمر أن يقتل غيره وأكره على ذلك هل يسري عليه الحكم أي لا إثم عليه لا يؤاخذ؟ أجمع العلماء على رأي واحد‫:‬ لا يصح ولا يحل للمسلم أن يفتدي نفسه بغيره فإن هُدد بالقتل وأُمر أن يقتل غيره ارتضى القتل ولا يمد يده بالأذى لغيره أبداً، فإن أُمر بجلده، إن أمر بتعذيبه، لا يفتدي نفسه به ولو أدى الأمر لقتله إجماع، أنت حر في نفسك والتقية جائزة، أما أن تقتل غيرك تحت دعوى أنك أكرهت على ذلك وأنك تخشى القتل لا يبيح ذلك العلماء، أو أن تعذب غيرك، أو أن تؤلم غيرك لا إكراه في ذلك ولا تقبل ولا رخصه فيه‫.‬‬
‫الزنا‫:‬ فرّقوا بين الرجل والمرأة‫:‬ فقال بعضهم لا إكراه في الزنا، ومن أكره على الزنا لا يحل له ذلك ولا رخصة له، إذ كيف يُكره ولا يمكن له الزنا إلا بعد أن يحدث الانتشار، والانتشار لا يحدث إلا بعد الرغبة، إذاً فلا إكراه فيه يُحد حد الزنا ولا رخصة له، وقال البعض الآخر‫:‬ بل الرخصة له أيضا فمن أكره على الزنا فلا إثم عليه ولا يُجد، أما بالنسبة للمرأة فقد أجمع العلماء‫:‬ أن المستكرهة على الزنا لا إثم عليها إذ هي مستقبلة وليست فاعلة، فمن أُكرهت على الزنا فلا إثم عليها ولا تُحد، تكلموا عن الزواج وكل يستند إلى دليل فمثلا في مسألة الفتاة أو مسألة المرأة في الاستكراه استدلوا بقول الله (تبارك وتعالى): (وَلَا تُكْرِهُوا۟ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًۭا) ثم قال في آخر الآية‫:‬ (فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعْدِ إِكْرَٰهِهِنَّ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (٣٣)) [سورة النور آية‫:‬ ٣٣]، فقالوا المستكرهة على الزنا لا إثم عليها ولا تحد إجماع‫.‬‬
‫تكلموا عن الطلاق، طلاق المكره، قال أغلبهم وهو الأرجح طلاق المكره لا يقع، وقال البعض‫:‬ وهو رأي مرجوح طلاق المكره يقع مثله مثل طلاق الهازل من طلق امرأته هازلا قال كنت أمزح، تطلق، فطلاق المكره كطلاق الهازل وذاك رأي مرجوح لم يقل به إلا مذهب واحد، أما الأغلب والأرجح أن طلاق المكره لا يقع‫.‬ النكاح، الزواج‫:‬ زواج المكره وزواج المكرهة، قالوا زواج المكره لا يقع، وزواج المكرهة لا ينعقد، واستدلوا بقول النبي (صلى الله عليه وسلم) في شأن الزواج (اِسْتَأْمِرُوا الْثَّيّبَ وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ) وبقصة الخنساء حين جاءت لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وادّعت أن أباها أجبرها على الزواج من ابن عمها وهي لا تريده فقال لا يصح فحين علمت بذلك قالت‫:‬ الآن أرتضي فإنما أردت أن أُعلم النساء إلى آخر القصة استدلوا فقالوا زواج المكره لا يقع وزواج المكرهة لا يقع، وقال بعضهم بل زواج المكرهة يقع وذاك رأي مرجوح أيضا، لكن هناك نقطة إذا تم الزواج بالإكراه عقد ، حدث الجماع بعد ذلك قالوا‫:‬ إن أقدمت المرأة عليه وهي تعلم أن الرجل كان مكرها تُحد وتأثم، وإن كانت مستكرهة فلا إثم عليها، أما إن كان هو أكره على الزواج منها فأقدمت هي على الجماع معه أثمت إن كانت تعلم بأنه مكره، أما إن لم تكن تعلم فلا إثم، أما الرجل إذا تزوج مكرها ثم جامع امرأته التي أكره على الزواج منها راضيا صح الزواج ولزمه الصداق‫.‬ تكلموا عن البيوع بيع المكره، وفصّلوا في الأمر‫:‬ قالوا بيع المكره لا يكون إلا في حالتين‫:‬ الحالة الأولى أن يُكره على البيع لقضاء الديون، لقضاء الحقوق، كأن يكرهه الحاكم أو القاضي على بيع ممتلكاته لأداء حقوق الناس، هذا البيع صحيح رغم أنه وقع تحت الإكراه، أما إذا كان البيع ليس لقضاء الديون وإنما ظلما وإجحافا فبيع المكره لا ينعقد ولا يصح، ولا يحل للمشتري أن يأكل المال بالباطل فهما حالتان‫.‬ تكلموا عن اليمين - والله تالله، يمين المكره‫:‬ قال بعضهم يمين المكره لا ينعقد ولا يلزمه أيا كان موضوع اليمين، وقال البعض الآخر فيه تفصيل‫:‬ إن كان اليمين في معصية أو فيما لا هو طاعة ولا معصية أكره على أن يحلف أن يشرب الخمر لا ينعقد اليمين، أكره على أن يأكل خبزاً أكره باليمين، لا ينعقد اليمين ولا يحتاج لكفارة ولا ينعقد فهو يمين ساقط، إن كان في معصية أو فيما لا هو معصية ولا هو طاعة‫.‬ أما إن كان اليمين على طاعة انعقد وضربوا مثلا لذلك جاء الرجل بابنه، وقال تعال احلف بالله ألا تتعاطى مخدراً لزمه اليمين، إذا فاليمين في الطاعة يختلف عن اليمين في المعصية، جاء الحاكم بالرجل وقال له احلف بالطلاق أن ترد للناس أموالهم لزمه اليمين، إذا فاليمين فيه حالتان‫:‬ حالة إن كان اليمين في معصية أو ما ليس بمعصية ولا طاعة لا ينعقد ولا يلزم، وإن كان اليمين في طاعة قيل بل يلزم، وقال البعض‫:‬ اليمين لا يلزم ولا ينعقد ، يمين المكره، سواءً أكان في طاعة أم كان في معصية‫.‬ بعد ذلك تقاس الأمور في الطلاق في الزواج في النكاح البيوع اليمين النطق بكلمة الكفر أفعال تدل على الكفر كالسجود لصنم وما إلى ذلك‫.‬ واختلفوا بعد ذلك في حد الإكراه بمعنى‫:‬ قال رجل أكرهت على شرب الخمر، كيف؟ ما هو حد الإكراه فيما دون القتل، القتل هو أعلى درجة من درجات الإكراه، لكن ما دون ذلك كالسجن، كالضرب، كالتعذيب، كالتهديد، بعضهم قال‫:‬ كل ذلك يعد إكراها حتى التهديد إذا كان التهديد ممن يملك أن ينفذ ما توعد به كالحاكم مثلا، والبعض الآخر‫:‬ اختلف في حد الإكراه لم يعتبر السجن إكراها لم يعتبر السجن إكراه ها هو يوسف قال‫:‬ (قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ ) [سورة يوسف آية‫:‬ ٣٣]،‬
‫فحدث الاختلاف، في كل الأحوال العبد مخيّر حين يُكره بين أن يُقتل وبين أن يحيا ويأتي بما طلب منه سواءً أكان في العقيدة وأصل الشريعة، أو كان في الأفعال التي هي دون ذلك، (مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ) ذلك الأصل أعلى الدرجات، بعد ذلك الأفعال كشرب الخمر والزنا، السرقة، قتل الغير النكاح الطلاق اليمين البيوع وما إلى ذلك، تلك أمثلة، قالوا‫:‬ القتل أولى أن يرتضي القتل، واستدلوا على ذلك بقولهم إن عمارا كفر بلسانه وأخذ بالرخصة، وعفا الله عنه، ومسح النبي دموعه، أما ياسر الأب وسميّة أول شهيدين في الإسلام، لم يفعلا ذلك وفضلا القتل على النطق بكلمة الكفر، أيهما أفضل؟ بل واستدلوا أيضا بقصة أخرى في عصر النبي (صلى الله عليه وسلم) ظهر مسيلمة الكذاب حين أرسل إليه رسل والرسل لا تُقتل لكن مسيلمة كان كافرا، ذهب الرجلان إليه فجاء بسياف وأوقف الرجلين أمامه وقال لأحدهم ماذا تقولون في محمد؟ قال‫:‬ هو رسول الله، قال‫:‬ ماذا تقول فيّ؟ قال‫:‬ أنت كذلك إذ زعم مسيلمة أنه رسول وطالب محمداً (صلى الله عليه وسلم) أن يجعل الأمر له من بعده قال الرجل أنت كذلك فخلاّه وأطلق سراحه، وقال للآخر‫:‬ ماذا تقول في محمد؟ قال هو رسول الله، قال‫:‬ وماذا تقول فيّ؟ قال أنا أصمّ فأعاد عليه ثلاثا والرجل يقول أنا أصمّ، فقتله فبلغ الخبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال‫:‬ أما الأول فأخذ برخصة الله، وأما الثاني فصدع بالحق فهنيئا له، من هنا قال العلماء‫:‬ إذا فضل أن يُقتل على أن ينطق بكلمة الكفر فهو أفضل، أما في الأفعال فاختلف الناس وهو الإكراه على الزنا الإكراه على الزواج الإكراه على أن يُسلم امرأته للفحشاء، خرج عليك رجال والعياذ بالله والرجل مع زوجته وخرج عليه رجال بالسلاح هل يُقتل دون امرأته في الزود عن عرضه؟ قالوا لا واستدلوا بفعل إبراهيم حين أرد النمروذ الجبار في مصر أن يُرسل إليه زوجته قال‫:‬ قولي له إنك أختي، وقال بعض الناس في الأفعال التي هي دون الكفر والتي هي من فروع الشريعة يُقتل أفضل من أن يزني أو يشرب الخمر، أو يسجد لصنم، أو يتزوج مكرها أو يطلق مكرها، طالما تشبث وثبت على دينه بأصله أصل الشرع وبفروعه، وإن قُتل في سبيل ذلك فذاك أفضل، قال الآخرون‫:‬ رويداً رويداً نحن لا نمانع ولا نعترض ولكن نخشى أن يكون الحكم كحكم المضطر (فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (١١٥)) [سورة النحل آية‫:‬ ١١٥]، فنخشى أن يكون الحكم حكم المضطر، فيكره على الزنا فيأبى فيُقتل أن يكون قد ألقى بنفسه إلى التهلكة، إذ إن المضطر لو افترضنا أنه في صحراء وأوشك على الموت عطشاً وفي شربة الخمر حياته يشرب أم لا؟ يشرب لأنه مضطر ولا يلقي بيده إلى التهلكة، من هنا قالوا نخشى أن يكون الحكم كحكم المضطر فعليه أن يأتي بالفعل والقلب مطمئن بالإيمان، رأيان والعلم واسع، ولو تكلمنا فيما قاله العلماء تفصيلا في كل شيء لوقفنا على هذا المنبر إلى الجمعة القادمة‫.‬‬
‫القيامة مواقف وفي القيامة مشاهد، وتكلمنا عن كثير من مواقف القيامة، وعن كثير من مشاهد القيامة، ومن مشاهد القيامة الخصومة، وآه من الخصومة، من أمثالها يأتي القتيل ظلماً ودمه يسيل ممسكا بيد قاتله وبتلابيبه ويقول يا رب خُذ لي حقي منه، ومن أمثالها الخصومة بين الجن والإنس تقول الإنس‫:‬‬
‫(رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمْ عَذَابًۭا ضِعْفًۭا مِّنَ ٱلنَّارِ ۖ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٣٨]، وترد الجن‫:‬ (فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۢ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٣٩]، منها خصومة الأتباع والمتبوعين (أَنَحْنُ صَدَدْنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم ۖ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ (٣٢)) [سورة سبأ آية‫:‬ ٣٢]، ويقول الأتباع (بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُۥٓ أَندَادًۭا ۚ ) [سورة سبأ آية‫:‬ ٣٣]، ويتبرأ الكل من الكل (إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ (١٦٦)) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٦٦]، ويصرخ الأتباع (لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةًۭ فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا۟ مِنَّا ۗ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٦٧]، خصومات، خصومات من وقع الناس فيه وفي عرضه يطالب بحقه، من أكل ماله يطالب بحقه، وما من أحد إلا وعليه تبعات، الخصومة مشتعلة بين أهل الموقف جميعا، وذاك يشهد على ذاك، وهذا يفرّ من هذا، (يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ (٣٦)) [سورة عبس آية‫:‬ ٣٤- ٣٦]، بل يود المجرم يومئذ لو يفتدي من عذاب جهنم وعذاب الموقف بفصيلته التي تؤويه، بل ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه، ويؤتى بجهنم يجرها سبعون ألف ملك، وتزفر زفرة، والزفرة النفس، وهم يجرونها (وَجِا۟ىٓءَ يَوْمَئِذٍۭ بِجَهَنَّمَ ۚ ) [سورة الفجر آية‫:‬ ٢٣]، يجرها سبعون ألف ملك تزفر زفرة، فلا يبقى معها مَلَكْ مقرَّب ولا نبي منتخب إلا وقع على ركبتيه جاثيا يقول نفسي نفسي حتى إبراهيم الخليل يقول يا رب أنا خليلك لا أسألك اليوم إلا نفسي، مواقف ومشاهد، ومن أعجب الخصومات في ذلك اليوم خصومة الإنسان مع نفسه يخاصم الجسد الروح، ويخاصم الروح الجسد، فيقول الروح‫:‬ رب أنت خلقتني ولم يكن لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها ن ولا عين أبصر بها، ولا أذن أسمع بها ولا عقل أعقل به فجئت فدخلت في هذا الجسد، فضعّف عليه العذاب ونجني، ويرد الجسد رب أنت خلقتني بيدك فكنت ساكنا جامداً كالخشبة، لا يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، ولا أذن أسمع بها، فجاء هذا ويشير إلى الروح فجاء هذا كشعاع النور فيه نطق لساني وبه أبصرت عيني وبه سمعت أذني وبه مشت رجلي وبه بطشت يدي ضعّف عليه العذاب ونجني الجسد والروح يختصمان، فيُضرب لهما المثل واسمع واعقل وعي وانتبه للمثل، بستان على باب البستان مُقعد وأعمى، ينادي المقعد على الأعمى، الأعمى لا يبصر الثمر، والمقعد لا يصل إليه، فيقول المقعد للأعمى تعال واحملني ندخل البستان آكل وأطعمك، فجاء الأعمى وحمل المقعد ودخلا البستان، والبستان غير مملوك لهما وأخذ المقعد يتناول من الثمر يأكل ويُطعم الأعمى على أيهما يكون العذاب؟ من المخطئ منهما الأعمى أم المقعد أم تعاونا؟ فكذلك الروح والجسد عليهما العذاب جميعا خصومة وخصومات واسمع لقول الحق (تبارك وتعالى):‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍۢ تُجَـٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿111﴾
ذاك هو الموقف وذاك هو المشهد، (كُلُّ نَفْسٍۢ تُجَـٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا) نفسي ثم نفسي، الكل يقول ذلك بما فيهم الأنبياء، إلا سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) تأتي كل نفس تجادل تخاصم وتجادل ما فَعَلْت، حتى المشرك يحلف كذباً في ذاك الموقف يحلفون بالله كما يحلفون لكم، ويحسبون أنهم على شيء يقول المشركون‫:‬ والله ربنا كنا مشركين، وكل يلقي بالتبعة على غيره (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ١٥]، (يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍۢ تُجَـٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ) أي توفَّى جزاء ما عملت من خير أو من شر (كُلُّ ٱمْرِئٍۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌۭ (٢١)) [سورة الطور آية‫:‬ ٢١]، (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)) بمضاعفة عذاب أو زيادة عقاب أو نقص في الثواب‫.‬ ويأتي ضرب المثل ليتنبه السامع ويتأمل المتعقل:
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا قَرْيَةًۭ كَانَتْ ءَامِنَةًۭ مُّطْمَئِنَّةًۭ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًۭا مِّن كُلِّ مَكَانٍۢ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ﴿112﴾
قرية (وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا قَرْيَةًۭ) والمقصود أهل القرية، (كَانَتْ ءَامِنَةًۭ) في أمن لا إغارة عليها ولا خوف من عدو محصّنة آمنة، (يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًۭا) واسعا كثيرا، (مِّن كُلِّ مَكَانٍۢ) من البر والبحر، من الشرق والغرب من الشمال والجنوب، لا يضطر الناس فيها للسفر أو لتحصيل الرزق أو للتعب أو للزراعة أو للصناعة، بل الرزق آتٍ بغير جهد وبغير تعب، (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ) أنعم جمع نعمة، كفرت بأنعم الله أي بنعمه، أي بنعمة لم تقم بحق الشكر، (فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ (١١٢))، وهذا التعبير من أدق التعبيرات التي يمكن أن يسمعها الإنسان، الذوق باللسان لكن الذوق استُعير هنا للتعبير عن إدراك أثر الضرر، واستُعير اللباس لما يظهر على الإنسان من أثر الجوع، شحوب اللون، الهزال في الجسم، أثر الخوف يظهر كرعدة وارتعاش واضطراب، كل ذلك أثر الجوع وأثر الخوف يظهر على الجسم، الهزال شحوب اللون إلى آخره، فكأن ما ظهر على الأجساد كأنه لباس كأنه ثوب، ويفيد أيضا التعبير أن الخوف والجوع عمهم وشملهم كما يشتمل الثوب على الجسد، (فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ) وأوقع الذوق على اللباس، تعبير غاية في الدقة، (فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ) كانت آمنة لم تشكر على نعمة فنُزع منها الأمن، يأتيها رزقها رغداً فكفرت بنعمة الرزق الآتي بغير تعب ولا كلل ولا جهد فأذاقها الله الجوع، (بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ (١١٢)) وما كان ربك بظلام للعبيد، هل آخذهم دون إنظار؟ هل بدّل النعمة نقمة دون إشعار؟ أبدا (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا (١٥)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ١٥].‬
‫لذا يقول الله (تبارك وتعالى):
وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ ﴿113﴾
إذاً قبل أن يأخذهم الله بالعذاب، وقبل أن يذيقهم لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، أرسل إليهم رسولاً من أنفسهم منهم بلغتهم بلسانهم، يحذرّهم وينبههم ويرشدهم فكذبوه، فاستحقوا العذاب، هذا المثال للناس ولكل قرية، قرية كانت في نعمة فلم تشكر على النعمة فابتلاهم ربنا (تبارك وتعالى) بالنقمة فليتعظ الإنسان وليحذر، وليشكر على النعمة ويستخدم النعمة فيما يرضي الله، ويستخدم النعمة لما خُلقت لها، نعمة البصر لم خُلقت؟ نعمة السمع لم خُلقت؟ نعمة الصحة لم خُلقت؟ نعمة الشباب لم خُلقت؟ نِعَمْ تُستغل فيما يرضي الله لا يُحارب بها الله، لا تستخدم في معصية الله في هذا المثال، قال بعض المفسرين‫:‬ الكلام عن مكة والسورة مكية، هذه القرية الآمنة مكة رغم أن فيها بيت الله، ورغم أن فيها مقام إبراهيم، إلا أن ذلك لم ينفع حين كفرت بأنعم الله، وجاءهم رسول منهم، هو محمد (صلى الله عليه وسلم) وقال بعض الناس‫:‬ الكُفر بالنعمة‫:‬ الكفر برسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتعميم المثال يبدوا أرجح، الذين قالوا إنها مكة ، قالوا عن العذاب وعن الجوع، ما حدث حين دعا عليهم النبي (صلى الله عليه وسلم) ( اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَر وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِيْنَ كَسِنِي يُوْسُفَ ) فجاعوا حتى أكلوا الجيف والعظام، وذهب أبو سفيان إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال يا محمد إنك تأمر بالعفو وبصلة الرحم، هؤلاء الرجال، فما بال النساء والصبيان أهلك وقومك، ادعُ الله لهم، فدعا ربه أن يكشف عنهم وأذن في حمل الطعام إليهم فقال الله‫:‬ (فَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًۭا طَيِّبًۭا) ذاك قول، وتعميم المثل قد يكون أرجح، (وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا) لكل الدنيا لكل الناس، ينطبق على البلاد وعلى الدول وعلى القرى وعلى الإنسان، (وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا قَرْيَةًۭ كَانَتْ ءَامِنَةًۭ مُّطْمَئِنَّةًۭ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًۭا مِّن كُلِّ مَكَانٍۢ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ﴿١١٢﴾ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ ﴿١١۳﴾) وقد حدث ذلك في قرية كسبأ (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍۢ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌۭ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍۢ وَشِمَالٍۢ ۖ كُلُوا۟ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥ ۚ بَلْدَةٌۭ طَيِّبَةٌۭ وَرَبٌّ غَفُورٌۭ (١٥) فَأَعْرَضُوا۟) [سورة سبأ آية‫:‬ ١٥ - ١٦]، إذاً فهو مثال سواءً قصد به مكة أو غيرها‫.‬‬
‫يأتي الأمر من الله (تبارك وتعالى) معدداً ومبيناً نعمته مما أحل وما حرم، وأن المالك للتحليل والتحريم هو الخالق الحاكم المدبِّر‫:
فَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًۭا طَيِّبًۭا وَٱشْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿114﴾
إذاً أباح لنا ربنا الاستمتاع بنعمه، أباح لنا التوسع في المطاعم وفي المشارب وفي الملابس (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ۚ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٣٢]، لكن بشرط أن تكون مما أباحه الله وأحله الله، وأن تحصل أنت عليها من الطريق المشروع (فَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًۭا طَيِّبًۭا وَٱشْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)) إن زعمتم أنكم تعبدون الله حقاً فاشكروه على نعمه، وإن كان الكلام لأهل مكة‫:‬ إن كنتم تعبدون الله حقاً وتزعمون أنكم تعبدون الأصنام لتقربكم إلى الله زلفى فيجب أن يكون الشكر لله، ويجب أن يكون مصدر التحريم والتحليل هو الله، فلا تحرموا ولا تحلوا بأهوائكم كما تحرّموا السوائب والوصائل والحوام وما في بطون الأنعام والميتة وما إلى ذلك‫.‬‬
‫بعد ما أباح لهم الأكل والتمتع وأمرهم بشكر حتى تدوم وقد بيّنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حديثه‫:‬ (قَيّدُوا الْنِّعَمَ قالوا وما قيد النعم؟ قال‫:‬ الْشُّكْرُ (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٧]) ها هو حصر للتحريم‫:‬‬
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿115﴾
‫(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۖ ) هذه المحرمات التي نزل التحريم بها بمكة هي الأصل وهي الأساس ولا تحريم لسواها إلا بنص، ها هو التحريم (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ) فيها الضرر، (وَٱلدَّمَ) فيه الأذى والنجاسة، (وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ) رجس نجس، (وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۖ ) ما ذُبح على النصب والأصنام، وذُكر اسم غير الله عليه، كالذين يذبحون باسم المسيح أو باسم الصنم يذكرون اسما غير اسم الله، (وَمَآ أُهِلَّ) والإهلال‫:‬ رفع الصوت وقد أُمرنا بالإهلال عند الذبح باسم الله، الله أكبر، فالإهلال رفع الصوت، وسُمي رفع الصوت إهلالاً لأنهم كانوا إذا رأوا الهلال وبه يعرفون بداية الشهر رفعوا أصواتهم بالإخبار، أهل‫:‬ رفه صوته أصلها إذا رأوا الهلال ، من رآه رفع صوته، ها قد ظهر الهلال، (فَمَنِ ٱضْطُرَّ) فالضرورات تبيح المحظورات، (فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ) غير ظالم لغيره، آخذ لحقوق غيره، (وَلَا عَادٍۢ) متعدي، فإن كان العطشان الذي أشرف على الهلاك يُذهب عنه غائلة الموت جرعة من الخمر لا يصح له أن يتجاوزها، فإن تعداها وشرب كوبا كاملا، فهو متعدي، الميتة إن كانت البضعة أو الجزء الصغير يُذهب عنه غائلة الموت فلا يصح له أن يأكل حتى يشبع، (فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ) وشرحت تفصيلا فيما سبق، (فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (١١٥)) غفور لمن اضطر، رحيم به حيث أباح له المحظور حالة الاضطرار‫.
وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌۭ وَهَـٰذَا حَرَامٌۭ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿116﴾ مَتَـٰعٌۭ قَلِيلٌۭ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿117﴾
‫(وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌۭ وَهَـٰذَا حَرَامٌۭ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ ) إذاً فالمحلل والمحرّم هو الله، أما أن تقول وتصف محللاً ومحرِّما بلسانك كذباً، فذاك لا يجوز ولا يصح (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكُذُب) جمع كذوب، وفي نفس السورة جاءت نفس القراءة من قبل في أوائل السورة الكُذُب بدل الكَذِب، (وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ) أو الكُذُب، نعت للألسنة، وصف ألسنتهم بالكذب وكأن اللسان نفسه كذاب، (لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ) هذا التعبير دقيق ويشعرن بأن الكذب كان مجهولا، فجاءوا هم فوصفوه للناس بألسنتهم، كأن الكذب لم يُعرف إلا حين تكلموا هم ووصفوه على ألسنتهم، (وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌۭ وَهَـٰذَا حَرَامٌۭ) أحلّوا الميتة وحرّموا ما شاءوا، (وَقَالُوا۟ هَـٰذِهِۦٓ أَنْعَـٰمٌۭ وَحَرْثٌ حِجْرٌۭ لَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ) وهكذا (وَقَالُوا۟ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلْأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌۭ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِنَا ۖ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٣٨- ١٣٩]‬
‫وهكذا فربنا (تبارك وتعالى) ينهاهم عن ذلك (وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌۭ وَهَـٰذَا حَرَامٌۭ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ )، (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَـٰعٌۭ قَلِيلٌۭ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١١٧)) من افترى على الله الكذب‫:‬ اختلق وجاء بالكلام من عنده ثم نسبه إلى الله لا يُفلح، وكأن الآية تُشعر بأن من افترى على الله الكذب فعل ذلك لينال شيئا، طبعا من افترى على الله الكذب لم فعل ذلك؟ لينال شيئا من المنافع، فربنا يقول لهؤلاء‫:‬ (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)) لا يصيبوا ما افتروا الكذب من أجله، لا ينجحون في مسعاهم، هم افتروا على الله الكذب لينالهم شيء من متع الدنيا، أو من منافع الدنيا من جاه أو سلطان أبداً لن تصلوا إلى ذلك، لأن متاع الدنيا زائل مهما عظُم، زائل وإلى زوال، (مَتَـٰعٌۭ قَلِيلٌۭ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١١٧)) متاع في هذه الدنيا ولهم عذاب أليم في الآخرة بما افتروا على الله الكذب‫.‬ يبيّن ربنا (تبارك وتعالى) أن التحريم يحدث لأمرين‫:‬ الأمر الأول‫:‬ للضرر فالميتة ضرر، الدم ضرر، النجس ضرر، الخمر ضرر، الميسر ضرر، الزنا ضرر، القتل ضرر، فما حرّم الله، تبارك وتعالى، شيئا إلا لأنه فيه الضرر، ولأنه مضر للإنسان‫.‬ لكن الله قد يحرم الطيبات عقوبة، فالتحريم إما للضرر، وإما عقوبة لمن حرم عليه‫.‬‬
‫من هنا يحكي ربنا عن اليهود، ماذا حرّم عليهم، ولماذا حرّم عليهم فيقول‫:‬‬‬‬
وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿118﴾
‫(وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ ) في سورة الأنعام وهي مكية أيضا، (وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍۢ ۖ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ (١٤٦)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٤٦]، فكأن الله (تبارك وتعالى) بعدما ذكر المحرمات، إنما حرم عليكم كذا وكذا ...، أما ما حرم على اليهود فقد كان عقوبة لهم بسبب صدّهم واختلافهم على نبيهم، (وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ) بهذا التحريم، (وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)) بالعصيان، فحرّم الله عليهم طيبات أُحلت لهم بصدهم عن سبيل الله كثيرا، وأخذهم الربا وقد نُهوا عنه، من هنا يقول الله (تبارك وتعالى) (وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)) ومع ذلك، ومع هذا التحذير، والعاقل من اتعظ بغيره، والكلام يُشعر أن هناك توجيه للأمة، إياكم ها هي المحرمات حُرِّمت من أجل ضررها، إياكم والاختلاف على نبيكم فيحرّم ربنا عليكم طيبات أُحلت لكم كما حرّمها على اليهود، كأنه توجيه للأمة بالطاعة والرضا والقناعة والسماع لرسول الله والاقتداء به، ومع كل ذلك يفتح ربنا (تبارك وتعالى) أبواب رحمته وتوبته للخلائق جميعا بما فيهم اليهود الذين حُرمت عليهم طيبات أُحلت لهم، بل وأمر نبينا (صلى الله عليه وسلم) أن يحل لهم الطيبات ويحّرم عليهم الخبائث، ويحل لهم ما قد حُرم عليهم من قبل يفتح ربنا أبواب التوبة ويقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ﴿119﴾
‫(عَمِلُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍۢ ) ما هو عمل السوء بجهالة؟ كيف يعمل إنسان سوءًا وهو جاهل؟ هل معنى ذلك أن من ارتكب المعاصي والكبائر قبل نزول القرآن وقبل بعثة سيد الأنام فأسلم وآمن وامتنع تماما، فتح له باب التوبة أم هي عامة؟ وكيف بعصاة المسلمين، وماذا يكون الحال؟ وماذا عن الذي ارتكب المعصية وهو يعلم إنها معصية ثم تاب، هل يكون ارتكاب المعصية بجهل؟ ما معنى جهالة، وهل محصورة في ذاك، بحيث من جاء وشرب خمراً من المسلمين ثم قال لم أكن أعلم أن الخمر محرَّما، هل يجوز ذلك؟ أبداً الجهل بالدين لا يعفي من المسئولية إذ يجب عليك أن تسأل إذاً حين شرب الخمر لم يشربها جاهلاً بتحريمها من زنا ما الحكم في كل هؤلاء هل يسري عليهم فتح باب التوبة، وهل تشتملهم رحمة الرحيم؟ ربنا (تبارك وتعالى) يفتح أبواب التوبة على مصراعيه، ونبينا (صلى الله عليه وسلم) يبيّن لنا أمورا في شأن هذه السعة لرحمة الله، يبين أن العبد باب التوبة مفتوح له ما لم يغرغر، طالما كان الروح في الجسد، ولم تصل الروح إلى الحلقوم، حتى إذا بلغت الحلقوم، كيف تبلغ الروح الحلقوم؟ كيف، تسل الروح من أظافر أصابع القدم، وتسلّ تسلّ من الجسد كله حتى تصل إلى الحلقوم، هنا تحدث الغرغرة، فإذا سُلَّت الروح من النصف الأسفل، ووصلت إلى الصدر وتاب قبلت ما لم يغرغر، ما القول في رجل مرض وقال له الأطباء لا أمل وانتظر الموت فعلا، مرضه عضال لا علاج له ولا شفاء، من أمراض العصر، وتبين ذلك له باليقين، هل لو تاب تُقبل؟ نعم تُقبل وإن تيقن الموت، وإن أجمع الناس على أنه ميت، طالما لم يغرغر، لأن الله على كل شيء قدير، وقد يُكتشف دواء الداء في لحظة، من هنا حتى وإن تيقن الموت، ودماؤه تسيل وينزف منه الدم ومتيقن من الموت وتاب، طالما لم تصل الروح إلى الحلقوم قبلت التوبة، أرأيتم، أرأيتم سعة الرحمة، أيضا باب التوبة مفتوح للكافة طالما ظلّت الشمس تشرق من مشرقها، فإن خرجت الشمس من مغربها قُفل باب التوبة للكل، أيضا هل يشترط للعبد إن تاب عن ذنب ألا يعود، فإن عاد يُقفل باب التوبة في وجهه؟ أبداً والله وإن عاد في اليوم مائة مرة، بل إذا أذنب العبد واستغفر غفر الله له، ثم إذا أذنب واستغفر غفر الله له، ثم إذا أذنب واستغفر غفر الله له، وهكذا، مغفرة الله (تبارك وتعالى) لا تتوقف أبداً، هو الغفور، وهو غافر الذنب، وهو الغفار، غافر الذنب غفور لتعدد الذنوب، غفّار لتكرر الذنوب، ولو عاد في اليوم مائة مرة‫.‬ يقول الله (تبارك وتعالى) فاتحا أبواب توبته لكافة الخلائق‫:‬ (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍۢ ) ما معنى جهالة؟ الجهالة‫:‬ هذه الكلمة تشتمل جميع أنواع الجهل، وجيء بهذا التعبير ليتبين لك ذلك، بمعنى من عمل السوء جاهلاً بوجود الله منكراً لوجوده، من عمل السوء جاهلاً بالعقوبة، من عمل السوء غير متدبر في العواقب وهكذا، الجهالة هنا تعني جميع أنواع الجهل، وعليه فإن أذنب المسلم ذنبا وقد تبين له أن ذاك ذنب، وعلم أن هذه معصية، فألهته نفسه أو دفعته شهوته جاهلاً بأثر ذاك، جاهلاً بما ينتظره، جاهلا بالعواقب، ثم أفاق وندم فتاب، تاب الله عليه، (ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ) من بعد السوء، من بعد العمل السيئ، (وَأَصْلَحُوٓا۟) إذ أن التوبة أنواع‫:‬ هناك توبة وعمل صالح فيما يتعلق بالمعاصي الخاصة بذاتك، توبة وإيمان‫:‬ (تاب وآمن) لمن كان في معصيته مشركاً أو كافراً بالله، أو منكراً لوجوده،‬
‫تاب وأصلح‫:‬ لمن كانت المعصية فيها الإضرار بالغير أو الإفساد في الأرض، فلا بد من أن يصلح ما أفسد، كالسارق توبته بإعادة ما سرق وهكذا‫.‬‬
‫(إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌ (١١٩)) من بعد توبتهم (لَغَفُورٌۭ) لما ارتكبوا (رَّحِيمٌ (١١٩)) بهم إذ قبل توبتهم‫.‬‬
‫يأتي الكلام بعد ذلك عن القدوة إمام الموحدين، قدوة المحققين، والكلام متصل، ولا بد من التأمل ها هو قد قص عليكم ما حرم عليكم، ثم ها هو يبين أن التحريم قد يكون بسبب الضرر، أو يكون بسبب العقوبة، واتعظ يا من تسمع عما حدث مع اليهود، يأتي الأمر بعد ذلك لسيد الخلق بالاتباع، كيف يتبع وهو المتبوع للكل، كيف يتبع وهو أفضل الخلق على الإطلاق‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ كلما يريد أن يعلم أموراً بعدما سمعنا أن أبواب التوبة فُتحت على مصراعيها، وأن التائب من الذنب كن لا ذنب له، وأن التائب من الذنب يتوب الله عليه ولو عاد إلى ذنبه في اليوم مائة مرة، بشرط ألا يكون متعمداً أو مستهزئاً أو مستخفاً بعقوبة الله (عز وجل) لأن الذنب أنواع‫:‬ يرتكبه الإنسان مستحلاً ذاك كُفر، يرتكبه مستهزئا ذاك فسق أو كفر، يرتكبه متهاوناً، يرتكبه مدفوعاً بقوة الشهوة مدفوعاً بشيء، تختلف المسائل لكن أين أنا؟ أنا مذنب وعاص ومرتكب للذنوب تُرى لو تبت يتوب الله عليّ؟ ترى لو استغفرت يغفر الله لي؟ أنا مذنب وعاص ومرتكب للذنوب، ترى لو تبت يتوب الله علي؟ ترى لو استغفرت يغفر الله لي؟ ترى هل يرضى عني؟ ترى هل أحبني؟ أسئلة وهاك الإجابة (إِذَا سَرَّتْكَ طَاعَتُكَ وَسَاءَتْكَ مَعْصِيَتُكَ فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ) يا حبيبي يا سيدي يا رسول الله، يا حبيبي يا رسول الله، نور ها هو ينير لنا الطريق، ببساطة بإعجاز وبإيجاز (إِذَا سَرَّتْكَ طَاعَتُكَ وَسَاءَتْكَ مَعْصِيَتُكَ فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ) إعجاز فإن كنت تحمد الله وتفرح بالطاعة فإن وقعت وعصيت تضررت أو تضايقت أو ساءتك معصيتك إذاً فأنت مؤمن وهل المؤمن يعصي؟ نعم هذه هي الإجابة الأولى، ثانيا (وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا (١١٠)) [سورة النساء آية‫:‬ ١١٠]‬
‫وثق أنك لو تبت لتاب الله عليك كيف؟ وافهم واستمع، الحركة والسكون بيد الله، النفس بيد الله، الدورة الدموية بيد الله، كل شيء بيده (وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)) [سورة الصافات آية‫:‬ ٩٦]‬
‫إذا رفع العبد يديه هكذا من الذي رفعها؟ الله إذا قال يا رب من الذي أنطقه؟ إذاً فقبل أن يرفع العبد يديه إلى السماء أذن رب السماء أن تُرفع له اليدان، وقبل أن ينطق المستغفر بالاستغفار غفر له الديّان، وقبل أن يتوب التائب كُتبت له التوبة وأُذن له فيها (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ ) [سورة التوبة آية‫:‬ ١١٨]، يستحيل أن يقول عبد من قلبه أستغفر الله ثم لا يُغفر له يستحيل، يستحيل، يتعارض ذاك مع عزة الإله الذي لا تضره المعاصي ولا تنفعه الطاعات، يتعارض مع كلامه ووعده (مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ١٤٧] .‬
‫هل رضى عني؟ تريد أن تعرف؟ سل نفسك‫:‬ هل أنت راضٍ عنه، إذا رزقك الرضا عنه فقد رضى عنك أزلاً (رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ) [سورة التوبة آية‫:‬ ١٠٠]، رضي هو أولاً مثل‫:‬ (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ ) [سورة التوبة آية‫:‬ ١١٨]، فإن كنت راضٍ، كيف تكون راضياً عن الله؟ إذا رضيت بالقضاء والقدر، إذا شكرت الله على ما أنت فيه، إذا قلت كما يقول سيدنا رسول الله يقول‫:‬ (الْحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ الْنَّارِ)، ذاك هو المسيء فقط حال أهل النار، أما غير ذلك فالحمد لله على كل حال، هل يحبنا الله؟ سل نفسك، هل أنت تحب الله؟ إذا كنت تحب الله فثق أنه يحبك‫:‬ (فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٥٤]، هو يحبهم فيرزقهم حبه، هو يتوب عليهم فيرزقهم التوبة، هو يغفر لهم فيرزقهم الاستغفار، هو يرضى عنهم فيرزقهم الرضا‫.‬‬
‫فقد رد الله (تبارك وتعالى) شبهات المشركين، وفضح حججهم، وحذّرهم، وأنذرهم وساق الحجج، وساق الدلائل على وحدانيته (عز وجل) وبيّن أنه الذي يملك وهو وحده الذي يملك التحليل والتحريم، وأن ما أحله فهو الطيب، وما حرّمه فهو الخبيث، وأن التحريم كما يكون بسبب ضرر ما حرمه، فهو أيضا قد يكون عقوبة لمن عصاه، ثم يبيّن ربنا (تبارك وتعالى) أن التوحيد ملة جميع الأنبياء، ويثني على خليله إبراهيم (عليه السلام) ويبين الحق الذي اختلفوا فيه فيقول عز من قائل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةًۭ قَانِتًۭا لِّلَّهِ حَنِيفًۭا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿120﴾ شَاكِرًۭا لِّأَنْعُمِهِ ۚ ٱجْتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿121﴾ وَءَاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿122﴾ ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿123﴾
إبراهيم أبو الأنبياء خليل الله، هو الذي بنى الكعبة، يزعم المشركون بمكة أنهم على ملته، وأنهم على دينه وأنهم ينتسبون إليه، فيبيّن ربنا (تبارك وتعالى) أنهم كاذبون في ذلك الادعاء لأن إبراهيم لم يكن مشركا، (إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةًۭ)، الأمة‫:‬ لها معان، الأمة في القرآن تأتي بمعان كثيرة‫:‬ تأتي بمعنى الطائفة من الزمان (وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) [سورة يوسف آية‫:‬ ٤٥]، وأمة تأتي بمعنى جماعة من الناس (كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَـٰكَ فِىٓ أُمَّةٍۢ ) [سورة الرعد آية‫:‬ ٣٠]،‬
‫والأمة تأتي بمعنى الشريعة‫:‬ (إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٢٢]، تأتي بمعان، وهنا يوصف إبراهيم بأنه أمة، أمة لأنه جمع من الفضائل واستكمل من الخصال ما لا يوجد أو توفر في الأفراد إلا قليلا، فكل خصلة خير مهما تواجدت فهي مفرّقة بين الناس، فذاك يتصف بخصلة وذاك يتصف بخصلة وهكذا، فخصال الكمال مفرّقة موزّعة بين الناس، أما إبراهيم فقد جمع كل خصال الخير التي إن وُجدت فهي متفرقة بين الناس‫.‬ الأمة‫:‬ معلّم الخير الأمة من أمَّهُ إذا قصده واقتدى به، لأن الناس يأتمون به والأنبياء يقتدون به فهو يُؤَم ويُقصد ليُنتفع بما عنده من خير، أمة لأنه كان في زمانه هو وحده المؤمن والناس جميعا كفار، فلم يكن على الأرض مؤمن غيره، ثم امرأته فهو أمة، (قَانِتًۭا) القنوت‫:‬ الخضوع، والقانت‫:‬ الطائع مع الخضوع، الطاعة مع الخضوع هي القنوت، فقد كان خاضعاً لله طائعا له وأدل دليل على خضوعه أنه همّ بذبح ابنه لرؤيا رآها، الطائع مع الخضوع (قَانِتًۭا لِّلَّهِ) طائعا له، خاضعا له، (حَنِيفًۭا) مائلاً عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق، (وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (١٢٠)) والإشراك أنواع‫:‬ منه الجليّ ومنه الخفيّ، ربنا (تبارك وتعالى) ينفي عن إبراهيم كل ما يوهم بالشرك‫.‬‬
‫( شَاكِرًۭا لِّأَنْعُمِهِ ۚ ) الأنعم جمع نعمة (شَاكِرًۭا لِّأَنْعُمِهِ ۚ ) أي كان إبراهيم شاكراً لله (تبارك وتعالى) على النعم، والشكر عمل‫:‬ (ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًۭا ۚ ) [سورة سبأ آية‫:‬ ١٣]، فقد كان إبراهيم شاكراً لأنعم الله (عز وجل) عارفاً بها، مقدراً لها، مؤدياً حقها، (ٱجْتَبَىٰهُ) اختاره واصطفاه لنبوته ورسالته، والاجتباء‫:‬ الاختيار، والأصل الجمع، الجابية‫:‬ الحوض الذي يُجبى إليه الماء ويُجمع فيه، فكأن الاجتباء اصطفاء واختيار وضم وجمع، (وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (١٢١)) صراط الله، صراط التوحيد‫.‬‬
‫(وَءَاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ ) ما هي حسنة الدنيا؟ اختلف فيها العلماء‫:‬ فمن قائل‫:‬ النبوة والرسالة، ومن قائل‫:‬ الولد الصالح فقد جعل ربنا أبناءه من الأنبياء إسحاق ويعقوب، وجعل النبوة في ذريته، ومن قائل‫:‬ أنه في الصلاة جُمع مع الصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم) الصلاة على إبراهيم، (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم)، ومن قائل‫:‬ إنه الثناء الحسن، فالكل يثني عليه، ومن قائل‫:‬ حبّبه إلى الناس فما من أهل ملة إلا ويزعمون الانتساب إليه، فيزعم اليهود أن إبراهيم كان يهوديا ويزعم النصارى أن إبراهيم كان نصرانيا، فالكل يطمع ويطمح في الانتساب إليه، وما من ملة إلا وتؤمن به، واختلفت الملل في الأنبياء يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، أما إبراهيم فلم يكفر به أحد من أهل الملل جميعا، الحسنة‫:‬ حسنة الدنيا، الطاعة، الزوجة الطيبة، الولد الصالح، الذكر الحسن، النبوة في ذريته، كل أهل الملل يزعمون الانتساب إليه، (وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (١٢٢)) أي لمع الصالحين، لأنه أيضا في الدنيا كان مع الصالحين، (وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (١٢٢)) وذاك استجابة لدعوته (عليه السلام) حيث قال‫:‬ (وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ (٨٣) وَٱجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍۢ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ (٨٤)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٨٣- ٨٤].‬
‫(ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ) والخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) بعد الحكاية عن إبراهيم التفت الخطاب لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) (ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (١٢٣))، (ثُمَّ) من حيث اللغة‫:‬ تفيد التراخي كما يقولون، (ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ) لتراخي الزمان وأيام النبي (صلى الله عليه وسلم) فالمسافة بعيدة بين بعثة إبراهيم، وبعثة النبي (عليه الصلاة والسلام) إذاً ف (ثُمَّ) هنا لتراخي أيامه (صلى الله عليه وسلم) وقال بعضهم رأياً عجيبا قال بعضهم‫:‬ (ثُمَّ) هنا لتفيد معنى آخر وهو‫:‬ ها هي النعم التي أنعم الله بها على إبراهيم حنيفا مسلما، أمة، كان قانتا لله، كان شاكرا لأنعمه، أتاه في الدنيا حسنة، جعله من الصالحين وفي عداد الصالحين، وأجلّ نعمة أنعمها على إبراهيم، أن جعل سيد الخلق من أتباعه، (ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ) أي فوق كل تلك النعم التي أنعمتها على إبراهيم، نعمة هي أجل نعمة أن جعلت سيد الخلق مأموراً بإتباعه، فإذا أمر سيد الخلق باتباع إبراهيم، فتلك نعمة كبرى على إبراهيم وأعظم ثناء، (ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ) وكأن هذا من ضمن تعداد النعم على إبراهيم، (ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ) قال فيها العلماء كلاما كثيرا أصحه وأرجحه أن الأمر هنا أمر باتباع العقيدة وهي عقيدة التوحيد الخالص، بعضهم قال‫:‬ مناسك الحج، وبعضهم قال‫:‬ الجدل الحسن، لكن الشرائع في أصلها شيء واحد (مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ ) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٣]، أصل العقيدة، أما الفروع فتختلف من شريعة لأخرى، فكيفيات الصلاة تختلف، كيفيات الصيام تختلف وهكذا، التحليل والتحريم قد يختلف، لكن الأصل وهو العقيدة التوحيد لا خلاف فيه من هنا (أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ) أي عقيدته في التوحيد، ومجادلته بالتي هي أحسن، لكل من كان له شبهة، لإزاحة الشبهات، (حَنِيفًۭا ۖ ) أي مسلماً مائلا إلى الدين الحق، (وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (١٢٣)) ثناء آخر، وتأكيد على توحيد إبراهيم لله وعلى عقيدته الصحيحة السمحاء، ورد على مشركي مكة، وعلى اليهود، وعلى النصارى، رد على كل مزاعمهم‫.‬ وينتقل الكلام عن اليهود، ينتقل الكلام إلى حكاية عن يوم السبت، وقد يتبادر إلى الذهن انقطاع الصلة بين الكلام عن إبراهيم (ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ ) الكلام متصل من بداية السورة، الكلام متصل، ومن بدء الكلام عن القرية (وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا قَرْيَةًۭ كَانَتْ ءَامِنَةًۭ مُّطْمَئِنَّةًۭ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًۭا مِّن كُلِّ مَكَانٍۢ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ﴿١١٢﴾) ذاك تهديد لمشركي مكة، بيان أن التحريم قد يأتي عقوبة بسبب الكفران، وعدم الشكر، ثم الأمر لهم بالأكل من الحلال والبعد عن الحرام والنهي عن التحليل والتحريم بالهوى، (وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌۭ وَهَـٰذَا حَرَامٌۭ) ويبيّن أن التحريم كما يكون للضرر يكون للعقوبة، (وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ) ثم الأمر للنبي (صلى الله عليه وسلم) باتباع سيد الموحدين وإمام المحققين إبراهيم (عليه السلام) ونفي الإشراك عنه ورد مزاعم مشركي مكة بأنهم على ملة إبراهيم، ثم يعيد التحذير والتنبيه، إياكم والاختلاف على نبيكم، إياكم والعصيان فيشدد عليكم كما شدد على من كان قبلكم ومثال ذلك‫:‬‬‬‬‬
إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿124﴾
ما هي قصة السبت؟ (إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ) إما ما حدث من مسخ للمعتدين في السبت (إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ) أي جعل المسخ بسبب العدوان في السبت، (عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ ) اختلفوا على نبيهم موسى، أو اختلفوا في التحليل والتحريم، في الصيد واحتالوا (وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًۭا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٦٣]، أو (إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ) أي تعظيم السبت، وامتناع الناس عن العمل فيه والتفرغ فيه للعبادة، جعل تعظيم السبت وشدد عليهم فيه بمنع العمل ومنع الصيد، لأنهم اختلفوا على نبيهم في شأن السبت ، وما هي قصة هذا الاختلاف؟ ربنا (تبارك وتعالى) حين خلق الدنيا اصطفى من الأماكن ما شاء، واصطفى من الناس ما شاء، واصطفى من الملائكة ما شاء، واصطفى من الأزمنة ما شاء، رحمة ونعمة إذ اصطفاء الله (تبارك وتعالى، لمكان يدعوك إلى زيارة المكان حيث تتنزل فيه الرحمات كعرفات، واصطفاء الزمان يجعل الإنسان يتحرى ساعات الإجابة والقبول فيشتد في الالتجاء إلى الله، واصطفاء الناس كي يؤهلهم لرسالته فيهدون الناس إلى الصراط المستقيم، فما من اصطفاء لله لأي شيء إلا لرحمة الخلائق، ربنا (تبارك وتعالى) من ضمن ما اصطفى من الأزمنة اصطفى يوما في الأسبوع، واصطفى شهراً في السنة، واصطفى ساعة من ساعات يوم الجمعة، واصطفى وقتا من الليل وقت السحر، اصطفى أزمنة كالعشر الأواخر من رمضان، وكالعشر من ذي الحجة، نهار العشر من ذي الحجة، وليل العشر الأواخر من رمضان، اصطفى يوم الجمعة، أخبر به موسى ذاك يوم يتجلّى فيه الله برحمته على الخلائق، فتعرضوا لنفحات الله، حين أمر موسى قومه بذلك قالوا لا‫:‬ نحن نختار السبت، لأن الله فرغ من الخلْق فيه، فقال له الله دعهم وما يختارون لأنفسهم، فأضلّهم عن اليوم، وشدّد عليهم فيما اختاروه، فمنع عنهم العمل والصيد، (إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ) أي تعظيم السبت، (عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ ) في اليوم، هم الذين اختاروه، أما النصارى فاختاروا الأحد بزعم أن الله بدأ الخلْق فيه، أما اليهود فقالوا انتهى من الخلْق يوم الجمعة واستراح في السبت، فاختاروا السبت، مزاعم، جهالات، قال بعض العلماء‫:‬ إن الله لم يعيّن لهم اليوم، بل أخبرهم أن في الأسبوع يوما، هو يوم مبارك، فيه تتنزل الرحمات تتنزل ولم يعيّن لهم، فاختار اليهود السبت، واختار النصارى الأحد، ثم بيّن لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) اليوم ولم يدعهم لاجتهادهم فتفضل عليهم ورحمهم واختار لهم اليوم وبيّنه لهم لحديث النبي (صلى الله عليه وسلم) "ثُمَّ إِنَّ هَذَا يَوْمَهُمُ الَّذِي اِخْتَلَفُوْا فِيْهِ فَهَدَانَا اللهُ إِلِيْهِ وَالْنَّاسُ لَنَا فِيْهِ تَبَعٌ وَالْيَهُوْدُ غَداً وَالْنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ " حين قال‫:‬ (نَحْنُ الْآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ ثُمَّ هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا هَدَانَا اللَّهُ لَهُ فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ)، فقيل إن الله حدد اليوم واختلفوا فيه، وقيل إن الله لم يعيّن لهم اليوم رأيان، ولكل رأي حجج ودلائل وأدلة، (إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ) العقوبة ليس التعظيم وإنما العقوبة بمعنى المسخ الذي حدث والتشديد، (عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ ) اختلفوا على نبيهم، أو اختلفوا في اليوم، إذاً فالكلام تحذير لأمة النبي (صلى الله عليه وسلم) وتخويف لأهل مكة، فالاختلاف على النبي معناه أن الله قد يحرم الحلال، عقوبة لهم، وقد يُشدد ما خففه، فهو تحذير مستمر، موافق للتحذير مستمر موافق للتحذير السابق بالمثل الذي ضربه عن القرية التي كانت آمنة مطمئنة، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿١٢٤﴾) يحكم بينهم‫:‬ يقضي بينهم فيجازي كلاً بعمله، يجازيهم على الاختلاف، فيعاقب هؤلاء، أو يجازي كلاً بعمله‫:‬ من أطاعه نجاه، ومن عصى أهلكه وعذّبه‫.‬ ثم يتوجه الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) بمنتهى الإيجاز والإعجاز، يبيّن ربنا مراحل الدعوة، وظيفة الرسول، ما هي كيف يؤديها، ما هي مراحل الدعوة، بل وأنواع الناس في تقبلهم للدعوة‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴿125﴾ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّـٰبِرِينَ ﴿126﴾ وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍۢ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴿127﴾ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴿128﴾
فمراحل الدعوة، ومراتب الدعوة، ودرجات الدعوة أربعة‫:‬ الحكمة - الموعظة - الجدل - العقوبة تلك مراحل ومراتب الدعوة، (ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ) الحكمة في معناها‫:‬ الإصابة في القول والعمل، الحكمة‫:‬ أي القول المحكم المزيح للشبهات، الموضح للحقائق المؤيد بالدلائل، (ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ) هذا لخواص الأمة، الطالبون للحقائق ، الذين يُعملون عقولهم ويتدبرون في الخلق، ويبحثون عن الدليل، (ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ) أي ادعُ من بُعثت إليهم إلى سبيل ربك، إلى دينه القويم إلى الإسلام، (بِٱلْحِكْمَةِ) تلك مرتبة للعقلاء للحكماء، لطالبي الحقائق والحقيقة الذين يعملون عقولهم، (وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ ) لعوام الناس، الكلام الليّن الهيّن الطيب، الذي ليس فيه تعنيف ولا تبكيت، ولا ترويع ولا تخويف، بل الكلام الحسن الطيب، والموعظة الحسنة، والموعظة تفيد الإنسان في أنه يتعظ، أي يتذكر أي يأخذ العظة، والعظة تأتي بالحكايات، بالأمثلة بالأمثال، بالكلام الهيّن الليّن الذي يستوعبه بسطاء الناس، فالحكمة شيء والموعظة الحسنة شيء آخر، (وَجَـٰدِلْهُم) من الذي يجادل؟ المعاند الذي لا تجدي معه الحكمة (أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِـۧمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ) واضح كلام حق، كلام واضح يراه كل ذو بصر، انظر إلى رد الجبار‫:‬ (قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٥٨]، ذاك هو الجدال ن ذاك هو العناد، وانظر إلى إبراهيم تركه ولم يستمر معه في هذا الادعاء، وقد كان يمكن أن يقول كيف تحيي وتميت يجيء بالرجل اقتل هذا واترك هذا؟ كيف؟ أين الروح؟ كيف صعدت من هذا كيف وكيف؟ لم يستمر معه بل تركه، ونقله قائلا‫:‬ (قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٥٨]، ذاك هو الجدل بالتي هي أحسن، لذا كان يقول له‫:‬ (ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۖ ) كيف جادل إبراهيم قومه (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًۭا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْـَٔافِلِينَ (٧٦)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٧٦] كيف إلهاً ثم يعيب، رأى القمر قال هذا ربي رأى الشمس قال هذا ربي هذا أكبر فلما غابت وأفلت قال إني بريء مما تشركون، انظر إليه حين حطم الأصنام، وكسر الأوثان، وترك كبير الأصنام ، فحين قالوا له أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال‫:‬ بل فعله كبيرهم هذا، لماذا بقى سليماً وتحطم الكل؟ لا بد أن يكون هو الذي حطمهم، وانظر إلى الجدل كيف لزمهم الحجة (وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٨٣]،‬
‫(وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ ) إذاً فالجدل للمعاندين، (بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ ) أي بالطريقة التي هي أحسن التي تفحم وتبهت المعاند، كما فعل إبراهيم، إذاً فالحكمة لخواص الناس، والموعظة الحسنة لعوام الناس، والجدل للمعاندين، لكن أي جدال ، الجدّل‫:‬ أصلا الفَتْل، جَدْل الحبل أن تأتي بالخيوط ثم تلف بعضها على بعض تفتلها ذاك هو الجدل، فكأن المجادل يلوي كلام خصمه ويفتل حججه ويلتوي بالكلام، والجدل منه المحمود، ومنه المذموم، المحمود هو الذي كان بالتي هي أحسن، معنى الجدل بالتي هي أحسن‫:‬ أن يكون جدالك من أجل إظهار الحق وإزهاق الباطل، وليس من أجل الغلبة أو انتصار رأيك على رأي الآخرين، الجدل المذموم هو الذي يبتغي به المجادل أن يعلو، أن تظهر حجته، أن يفتخر بنفسه ، أن ينتصر على خصمه، ليس من أجل الحق، أما الجدل الذي هو بالتي هي أحسن فهو الذي يكون هدفه انتصار الحق حيثما كان، (وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ ) المرتبة الثالثة من الدعوة للمعاندين، وفي كل هذه المراتب (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴿١٢٥﴾) أي رغم هذه المراتب، إلا أن وظيفتك الوحيدة هي البلاغ، فهؤلاء تبلّغهم بالحكمة، وهؤلاء تبلغهم بالموعظة الحسنة، وهؤلاء تجادلهم بالتي هي أحسن فقط، أما الهداية فإلى الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فمن دعوته فاستجاب فالله هداه، ومن دعوته فلم يستجب فالله أعماه، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴿١٢٥﴾) إذاً فليس الأمر إليك يا محمد، وإنما الأمر إلينا، أمر الهداية والإضلال، إنما عليك البلاغ، وبلاغك بمراتب وأساليب متعددة‫:‬ منها الحكمة، ومنها الموعظة الحسنة، ومنها الجدل بالتي هي أحسن، تلك هي المراتب، تبقى مرتبة من لا تجدي معه الحكمة، ولا تنفع معه الموعظة الحسنة والجدال لا يفيد يصر على رأيه، ويستمر في عناده ويدفعه عناده للاعتداء، كما فعل فرعون بعد ما ألزمه موسى الحجة وجادله، ربنا الذي خلق السموات والأرض (قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٢٨]‬
‫(قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ (٢٦)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٢٦]‬
‫جدال (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَـٰمُوسَىٰ (٤٩) قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍۢ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى (٥٢)) [سورة طه آية‫:‬ ٤٩- ٥٢]‬
‫وهكذا جدل بالتي هي أحسن إظهار للحجة (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌۭ (٢٧)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٢٧]‬
‫(قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍۢ مُّبِينٍۢ (٣٠)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٣٠]‬
‫دليل وبيّنه (قَالَ فَأْتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ (٣١) فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌۭ مُّبِينٌۭ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّـٰظِرِينَ (٣٣)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٣١ - ٣٣]‬
‫رغم كل ذلك‫:‬ (قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهًا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ (٢٩)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٢٩]‬
‫فئة من الناس، فئة من الخلْق أضلّهم الله لحكمة، أعماهم الله لحكمة، هؤلاء لا يرتدعون، ومهما جادلت بالتي هي أحسن، لا يقتنعون، ويحاولون الاعتداء عليك، في هذه الحالة إن حدث منهم الاعتداء تلك المرحلة الرابعة، (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ ) إعجاز وإيجاز في كلمات تحتاج إلى صحائف إلى دستور، (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ ) الآية قيل إنها نزلت لسبب، وكما قلنا من قبل قول العلماء إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإن كان السبب يعين ويفيد على فهم المقصود من الآية، الآية قيل إنها مدنية والسورة مكية في غزوة أُحُد قُتل حمزة عم النبي (صلى الله عليه وسلم) أسد الله وأسد رسوله وبُقرت بطنه، وصُلمت أذنه وجُدعت أنفه، ومُثل به وكلكم يعرف القصة، حين رآه النبي (صلى الله عليه وسلم) على هذه الحالة حزن حزناً شديداً وضاق صدره وقال‫:‬ (واللهِ لَئِنْ أَظْفَرَنِي اللهُ بِهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِيَن مِنْهُمْ) فنزل قول الله‫:‬ (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّـٰبِرِينَ (١٢٦)) ذاك سبب نزول الآية، فاستغفر النبي (صلى الله عليه وسلم) وكفّر عن يمينه، وانصاع لأمر الله، خاصة أنه حين رأى هذا المنظر قال‫:‬ (لَوْلَا أَنْ يَحْزَنَ الْنَّسَاءُ أَوْ تَكُوْنَ سُنّةً بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يَبَعَثَهُ اللهُ مِنْ بُطُونِ الْسِّبَاعِ وَالْطَّيْرِ) ما دفنه، لكنه صلّى عليه ودفنه حتى لا تكون سنّة بعده، وحتى لا تحزن النساء، فنزلت الآية واستعفر النبي (صلى الله عليه وسلم) وكفّر عن يمينه ذاك هو السبب‫.‬‬
‫ولنرجع إلى الأمر النازل من السماء ونتأمل، (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ) الآية رغم أنها تتكلم عن العقاب، إلا أنها تعرّض بالصفح، وتأمر بالصبر تعريضا، واسمع، (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ) "إن" حرف شك، (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ) إذاً فكأن هنا فيه الأمر بالصبر تعريضا ثم صرّح به، (وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّـٰبِرِينَ (١٢٦)) المماثلة في العقوبة، كلمة عقوبة معناها جزاء على فعل، (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ ) أي بمثل ما أوذيتم به، فعبّر عن الإذاية بالعقوبة للمشاكلة اللفظية كقوله‫:‬ (وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ۖ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٥٤]، فالعقوبة الأولى حقيقة - إن عاقبتم - والثانية بمثل ما عوقبتم مجاز الإذاية التي تمت، ومن هنا قال العلماء المماثلة في القصاص واجبة بمعنى من قتل بحديدة ظلما جيء بالقاتل وقتل بحديدة، قالوا المماثلة في القصاص مطلوبة طبقاً لهذا الأمر، المماثلة في القصاص، قتله بالسم يُقتل بالسم ليذوق نفس الألم، إلا أن يكون الفعل معصية كمن زنا بصغيرة لا تطيق فماتت، هل يُقتص منه بنفس الكيفية، يضرب بالسيف، سقاه خمراً حتى الموت هل نسقيه؟ لا، فإذا كان الفعل من الأفعال المحرّمة لا يُقتص بمثلها، أما إذا كانت الأفعال ليست من الأفعال المحرمة كالزنا وشرب الخمر، وما إلى ذلك، فالقصاص لا بد فيه من التماثل إلا أن يُخشى التجاوز، فإن جُلد شخص فالقصاص أن يُجلد من جلده وهكذا، (وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّـٰبِرِينَ (١٢٦)) عن انتقام المنتقمين، إذاً فهو أمر بالصبر، تصريح بالأمر بعد التعريض في قوله (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ) إن فعلت كذا، قد تفعل وقد لا تفعل والشك في أن تفعل الأمر، إن تسمى حرف شك، (وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّـٰبِرِينَ (١٢٦)) والكلام عام لأمة النبي (صلى الله عليه وسلم) وتوجّه الخطاب له فأُمر بالأمثل إذ هو القدوة وهو الأسوة وهو المثل الأعلى وهو سيد الخلق فأمره بالأمثل قائلا‫:‬ (وَٱصْبِرْ) إذ لا يصح له أن يعاقب بمثل ما عُوقب به بل هو بالذات عليه أن يختار الصبر، (وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ ) والصبر أمر صعب، أمر شديد، الصبر والصفح والعفو أمر لا يقدر عليه الإنسان بمفرده أو بذاته من هنا منَّ عليه، (وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ ) أي أن صبرك الذي أمرت به سيتم لك بتوفيق الله وتأييده وبعونه، (وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ ) إذ هو المثل الأعلى والقدوة، (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟) إذا فالأمر بالصبر قلنا جاء تعريضا، ثم جاء تصريحا، ثم أمر سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) بالأمثل (وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ ) لكن يسرِّي عنه قبل أن يخبره بأن الله مؤيد الصابرين، وناصر المظلومين، وأنه مع المحسنين فيقول له‫:‬ (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) من؟ قالوا‫:‬ ولا تحزن على الكفار من قومك فتلك إرادة الله، قيل ولا تحزن على الشهداء من أحبابك وأصاحبك ، ( وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) أي ولا تكن (فِى ضَيْقٍۢ) وقُرأت (في ضِيق) (مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴿١٢۷﴾) يحتالون، احتيال الكفار ومكر الكفار وتدبير الكفار لا يضيق صدرك بذلك، ولا تخش من مكرهم شيئا، ولا تعمل له حساباً ( وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) على الكفار وكفرهم ولا يضيق صدرك بما يمكرون، (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) لا تحزن على أحبابك وأصحابك الشهداء كحمزة ومصعب بن عمير وإخوانهم، (وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍۢ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴿١٢۷﴾) يضيق صدرك بما يمكر الكفار ويحتالون ويحاربونكم‫.‬‬
‫(إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟) قرار وصدق وحق مؤكد، (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟) معهم بالنصر والتأييد ، معهم بالهداية، معهم بالعناية، معهم بالكفاية، معهم بالرعاية، معهم بالنصر والتأييد، (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟) اتقوا الشرك واتقوْا المعاصي واتقوْا الظلم، (وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴿١٢۸﴾) متقنون لأعمالهم، أتقن في عبادته فإن صام حقاً وإن صلّى خاشعاً أحسن في عبادته‫:‬ أتقنها، أو أحسن إلى الخلق فعفا وصفح (وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ )، (وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّـٰبِرِينَ ﴿١٢٦﴾) خير لكم خير لمن صبر وأفضل ممن انتقم لمظلمته، ولمن صبر وعفا وعفر كان ذلك فضلا لأن الله (تبارك وتعالى) يعوّضه، (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴿١٢۸﴾) في أعمالهم، محسنون إلى الخلائق بالصفح والعفو، ربنا (تبارك وتعالى) يقول موضع آخر (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ (٤٣)) [سورة الشورى آية‫:‬ ٤٣]‬
‫ويقول (وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ٤٠]‬
‫ولا يأمر ربنا (تبارك وتعالى) بالصبر إلا الفضلاء والحكماء والخواص، وانظر لأمره لأبي بكر الصديق سيد كل قبيلة وفريق بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) حين منع النفقة عن قريبه الذي وقع في السيدة عائشة وأمره قائلا‫:‬ (وَلْيَعْفُوا۟ وَلْيَصْفَحُوٓا۟ ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۗ ) [سورة النور آية‫:‬ ٢٢]، واستجاب أبو بكر وعفا وصفح وأعاد النفقة إلى مسطح‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ ربنا، تبارك وتعالى، يقول‫:‬ (إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍۢ (١٠)) [سورة الزمر آية‫:‬ ١٠]، يُروى أن في يوم القيامة وذاك مشهد من المشاهد السورة كانت حافلة بالكلام عن مشاهد ومواقف يوم القيامة، من مشاهد يوم القيامة يروى أن الناس في فزع، الناس في هلع لم يتم الحساب بعد، لم تُفتح الجنة بعد، لم تفتح أبوابها، ينادي المنادي من قبل العليّ الأعلى في الخلائق (لِيَقُمْ مَنْ كَانَ أَجْرُهُ عَلَى اللهُ ) فيقوم أناس يعرفون أنفسهم يقفون ويتقدمون إلى الجنة، يؤمرون إلى الجنة فتعترضهم خزنة الجنة إلى أين ولم يُنشر الديوان ولم ينصب الميزان فيقولون قد أُمرنا بذلك وأُذن لنا في دخول الجنة فتقول الملائكة من أنتم فيردون قائلين نحن الصابرون، فتفتح لهم أبواب الجنة قبل الحساب وقبل نشر الديوان وقبل نصب الميزان، تفتح لهم الجنة، وتقول لهم الملائكة سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.‬