سورة النحل
مقدمة
فلقاؤنا مع سورة النحل سورة النِعَم، سورة النحل سُميت بهذا الاسم لورود ذكر آية من آيات الإعجاز في خلق الله (عز وجل) النحل الذي يخرج من بطونه شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس سورة النحل وتسمى سورة النعم لكثرة ما عُدِد فيها من نِعَمْ، سورة النحل سورة مكية نزلت بمكة، ورُوى في سبب نزولها أن الله (تبارك وتعالى) حين أنزل على رسوله (صلى الله عليه وسلم) قوله: (ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ (١)) [سورة القمر آية: ١] قال مشركو مكة: ها هو محمد أوعدكم بقيام الساعة وتهددكم فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر، مرت الأيام ولم يحدث شيء فاستهزءوا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) واستعجلوه أين ما كنت تزعم، ومنهم من قال: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فنزل قول الله (عز وجل) (ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍۢ مُّعْرِضُونَ (١)) [سورة الأنبياء آية: ١]، قالوا ها هو يتوعدكم ويهددكم باقتراب العذاب فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون، ننظر ومرت الأيام ولم يحدث شيء فأعادوا الاستهزاء والسخرية فنزل قوله (عز وجل):
أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿1﴾
سورة النحل على نسق السور المكية تهتم ببيان أصول العقيدة، تهتم بإبراز الأدلة على وجود الواحد الأحد، الخالق لكل شيء، المعبود بحق، تهتم السور بإبراز الأدلة على التوحيد، وتنذر الكفار من عذاب آت لا محالة، وتسوق الدليل تلو الدليل، ثم تعدد النعم التي لا عدّ لها ولا حصر، ثم تبين مصير أهل الشقاوة، ومصير أهل السعادة، وتبين أيضا بعضا من مكارم الأخلاق التي أمر بها الإسلام ونزل لتحقيقها، وتختم السورة بأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بالعفو والصفح، سورة النحل كلها مكية إلا بعض آيات. افتُتحت هذه السورة بقرار من الواحد القهار (أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ) والفعل ماض والتعبير عن المتوقع بما هو واقع (أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ) أمر متوقع القيامة، لكن الله (تبارك وتعالى) قال: (أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ) لأن إخبار الله، وإخبار الله التي يخبرنا بها تستوي في الماضٍي والحاضر والمستقبل لأن القائل صادق قادر يحقق ما يريد (فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ ) استعجالكم للعذاب أو للساعة لن يفيدكم ولن تجدوا مُخلَّصاً لكم منها (أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ) العذاب الذي أوعدهم النبي (صلى الله عليه وسلم) به كما حدث في غزوة بدر من قتل وأسّر وتشريد وخراب للبيوت وما إلى ذلك، أو (أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ) أي الساعة والقيامة (فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ ) لأن الاستعجال لا فائدة منه فهو واقع لا محالة لكنه حين يقع، يقع في الوقت الذي حدده الله بحكمته وإرادته. (سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)) (سبحانه وتعالى عما تشركون) قراءة، تعالى وتنّزه وتقدّس وجلّت ذاته وتعاظمت صفاته عن أن يُشرك به حيث زعموا إن كان أمر الله آت لا محالة فالأصنام تشفع لنا فيرد عليهم بقوله: (سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)) تقدّس وتنزّه وتعالت ذاته وتعاظمت صفاته عن أن يكون له شريك يشفع أو يمنع عنهم ما أرده الله بهم. والدليل: (خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ ) تأتي الأدلة بغد ذلك، لكن السؤال: من أين علم محمد (صلى الله عليه وسلم) بإتيان الأمر وبأنه آت لا محالة؟ من أين (أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)).
يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ أَنْ أَنذِرُوٓا۟ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ ﴿2﴾
خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿3﴾
خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿4﴾
وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌۭ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿5﴾
وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴿6﴾
وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍۢ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَـٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿7﴾
وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًۭ ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿8﴾
تغيير النظْم في الآية ملفت فالنظم المعتاد (والخيل والبغال والحمير لتركبوها ولتتزينوا ) ذاك هو النظم المعتاد، لكن النظم هنا تغير (لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًۭ ۚ ) فاختلف فيها العلماء فمن قائل "لتركبوها ولتتزينوا بها زينة " هذا هو التقدير: "لتركبوها ولتتزينوا بها زينة "، وقال آخرون: بل تغيير النظم للإشعار بأمرين: الأمر الأول: (وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا) إذا فالركوب منك انت تركب، (وَزِينَةًۭ ۚ ) من الله هو الذي صوّرها وخلقها وجعلها على هذا الشكل، وقال آخرون: (وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًۭ ۚ ) إذا فالغرض من خلقها الركوب، أما الزينة فبالعَرَض، لتركبوها ذاك هو الأصل ذاك هو الغرض من الخلْق، الخيل والبغال والحمير للركوب، أما مسألة الزينة فأمر جاء بالعَرَض، لأن الله خلق كل شيء جميل، وقبح القبح من حيثه جميل فالزينة هي كل ما خلقة الله (تبارك وتعالى) لأنه الخلاّق البديع بديع الصنع، (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)) قال الأوائل: الهوام والحشرات وما إلى ذلك من دواب الأرض، وقال بعضهم: الكلام عن الجنة والنار (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨))، وقال آخرون: الملائكة والخلائق وما في المحيطات والبحار وما إلى ذلك، وقال آخرون وهم الذين عاصروا التغير والتمدين والصناعات، ربنا حين يقول (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)) يهيئ القلوب والنفوس لاستقبال ما ينشأ من تعليم الله للناس، فيخترعون من وسائل النقل والحمل ما لا يخطر لهم ببال (وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ) ذاك هو الأصل (لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًۭ ۚ ) بالإضافة (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)) لم يأت زمانه ، سوف يأتي زمانه يوماً ما حيث السيارات والطائرات والبواخر المراكب وما إلى ذلك فيهيئ النفوس ويهيئ القلوب لتقبّل ما يكتشفه العلم وما يخترعه الإنسان بفضل الله (عز وجل) فيستخدم كل ذلك عارفاً بفضل الله مطمئناً له، وإلا حين يرى السيارة لا يركبها - من فعل الشيطان - من أين أتت!! ربنا خلق الخيل والبغال والحمير لتركبوها فقط، فلا يصح أن نركب غيرها، فإذا رأوا القطار أو السيارة فزعوا أو اعتبروها كما فعل بعض الناس من غير دين الإسلام، حين اختُرعت هذه الأشياء واعتبروها من فعل الشيطان ربنا يهيئ نفس المسلم ويهيئ قلبه ويمهد له استخدام ما تأتي به العلوم فكلها من خلْقه.
وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿9﴾
وقيل (وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ) معنى ذلك أن من سعى إلى الله وصل (وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ ) [سورة العنكبوت آية: ٦٩]، (وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ) إذاً فبمجرد أن تبدر منك الباردة، مجرد أن تصدق منك النية، مجرد الخطوة الأولى يأخذ بيدك إلى السبيل، إذاً فأنت واصل لا محالة إلى الله إذا صدقت منك النية،(وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ) بيان الطريق (وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ) إليه يصل السالك لا محالة، (وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ ) وتغيّر النظم تغيراً غريبا (وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ )، (وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ ) أي من السبيل هنا اسم جنس أي من هذا السبيل نوع آخر جائر منحرف، من الجوْر وهو ضد العدل وضد القصْد، (وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ ) لدرجة أن بعض الناس قرأ (ومنكم جائر) قراءة غير معتمدة، قراءة ضعيفة، (وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ ) إذاً فربنا تكفَل بإيصالك إليه - أوصلنا إليك يا رب - تكفَل بإيصالك إليه بصدق نيتك، وتكفّل بإيضاح معالم الطريق المستقيم، أما الطريق الضال فلا يوصلك إليه، ولا يرسمه لك، ولا يوضحه لك، فعليه بيان الطريق المستقيم الواضح بنصب الأدلة وبإنزال الكتب وبإرسال الرسل، وبتسهيل وصولك وما إلى ذلك، (وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)) ولو شاء الله لهدى الناس جميعا هداية مستلزمة للاهتداء، والهداية كما قلنا من قبل درجات وأنواع: هداية الفطرة، هداية الوجدان، هداية الحواس، هداية العقل، هداية الرسل هداية الله، وهداية الله معناها أن الله إذا هدى هُدِى من هداه هدايته مستلزمة للاهتداء، أما هداية الرسل فهو مجرد بيان للطريق، وهداية الرسل كأن تسأل أحداًعن الطريق إلى كذا فيقول: سرْ يمينا ثم انعطف يساراً ثم ، ثم ، يصف لك، قد تصل إذا استوعبت وقد لا تصل، تلك مثال لهداية الرسل، هداية الله كأنك تسأل أين الطريق إلى كذا فيقول لك اركب معي سيارتي أوصلك إلى حيث تريد فيأخذك ويضعك حيث تريد دون أجر دون كلفة، دون تعب، هداية الله مستلزمة للاهداء، من هنا يقول: (وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)) لأصبح الكل على قلب رجل واحد من أتقى الرجال لأصبح الناس جميعا على مستوى الرسل والأنبياء لو شاء لكنه لم يفعل ذلك ولم يشأ، ليكون هناك الاختيار الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، فلو لم يكن اختيار وكان الكل كالملائكة فلِمَ الجنة ولِمَ النار؟ إذاً فلا بد من الاختيار حتى يترتب عليه الثواب والعقاب، من هنا يقول الله (عز وجل) إنه كان قادراًعلى هداية الكل (وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)) لكنه لم يشأ.
ثم تتوالى الآيات تعدد النعم التي يكفي منها نعمة واحدة في هداية الإنسان إلى الله وإقراره بوجوده وسجوده لشكره.
هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌۭ وَمِنْهُ شَجَرٌۭ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴿10﴾
يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلْأَعْنَـٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿11﴾
(يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلْأَعْنَـٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۗ )، "ننبت لكم" قراءة بنون التعظيم (يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلْأَعْنَـٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۗ) كله نبت من الماء، والماء نزل من السماء، والماء واحد، والأرض واحدة، وتخرج الثمار مختلفة زرع زيتون، وانظر إلى شكل الزيتون، وانظر إلى شكل العنب، انظر إلى طعم الزيتون، وانظر إلى طعم العنب، انظر إلى الساق في النخلة، وانظر إلى التعريش للعنب، وانظر إلى الزيتونة كيف خرجت جميع أنواع الزرع التي يعجز الإنسان عن عدها وحصرها، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ (١١))، إذاًيطلب ربنا منا الفكر، التفكّر التأمل أن ننظر في هذه الزروع في هذه الثمار في هذه الأشجار كيف وكيف وكيف!! أن ترى الحبة جافة كحبة القمح مثلا صغيرة لا روح فيها ولا حياة جماد تضعها في الأرض، فإذا وضعتها في الأرض ونالت من رطوبة الأرض شيئا انتفشت، انتفخت وشُقت، وخرج من أعلاها ساق شق الأرض حتى ظهر للأبصار، وخرج من أسفلها جذر شق الأرض وسعى فيها، ذاك يطلب الضوء وذلك يطلب الظلمة ذاك يُرى وينشأ منه ساق فروع أوراق ثمار أشكال ألوان مختلفة هي حبة، انظر إلى ساق الشجرة ساق النخلة ما شكله؟ المادة: الخشب القوة: صلب صلابة، حتى الساق ليس أملساً حتى يسهل للجاني أن يصعد عليه، فيه بروزات انظر إلى المادة واللون والشكل، ثم انظر إلى الفروع ثم انظر إلى الأوراق ثم انظر إلى الثمار، كل ذلك من النواة، واحفر في الأرض وانزل واعجب كيف سعت هذه الجذور في كافة الاتجاهات لتستمد الماء من الأرض.
وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ﴿12﴾
(وسخَر لكم الليلَ والنهارَ والشمسُ والقَمَرُ والنجومُ مسخراتٌ بأمره)، (وسخَرَ لكم الليلَ والنهارَ والشمسَ والقَمَرَ والنجومَ مسخراتُ بأمره)،
قراءات، (وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ) ها هو الليل، ها هو النهار يقلب الليل، ويقلب النهار تارة يطول النهار وتارة يقصر النهار، ومن أغرب الأمور إذا تأملت متى يطول النهار في أي الفصول؟ في الصيف، ومتى يقصر النهار في أي الفصول؟ في الشتاء تأمل لماذا؟ لِمَ لمْ يكن العكس؟ تأمل وتفكر لا بد هناك حكمة، لا بد هناك غاية أفي النهار سبْحاً طويلا والجو محتمل ومن أجل الزروع وضوء الشمس والزرع والجني وما إلى ذلك، أفي الشتاء برد يريد الإنسان أن يدفأ ويستدفئ فيقصر له النهار حتى يعود مبكراً إلى بيته ليشعر بالدفء أهو كذلك؟ تفكّر، ربنا يطلب منك الفكر والعقل والتفكر يطلب منك التأمل كيف شئت، تأمل وتفكر، قد تصل وقد لا تصل، وصلت أو لم تصل في النهاية سوف تقول سبحانك ما أعظم شانك، سبحانك، هذا الاختلاف في كل شيء يدل على التخصيص، معنى التخصيص، لو أن كل شيء متفق في اللون والصنف والانتفاع، وفي كل شيء فلا تخصيص هناك، أما إذا اختلفت المسائل واختلفت الأشياء واختلفت الألوان واختلفت الأمور: برد حر، جو جميل طول في النهار قصر في النهار العكس يحدث شمس قمر، هناك تخصيص، طالما هناك تخصيص فلا بد أن يكون هناك مخصص، لا بد، الذي اختار أن تكون الشمس هكذا وأن يكون القمر هكذا لا بد أن يكون هناك مخصص يطيل النهار وقتما يشاء، ويطيل الليل وقتما يشاء لحكمة، وجود التخصيص دليل على وجود المخصص الذي اختار كل شيء بحكمة ولحكمة (وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ ) كل ذلك مذلل لانتفاعكم، والتسخير نوعان: وانتبه، تسخير بمعنى التذليل كتسخير البهائم فترى الجمل الكبير يقوده الطفل الصغير وترى البقرة السمينة ذات الولد يأتيها الطفل أو الطفلة فتسلمها ضرعها فتحلب ما تشاء لا تبخل ولا تمتنع رغم إن ذاك طعام لصغيرها، وحاول أن تحلب قطة حاول هل يمكن؟ قطة، حاول أن تحلب أنثى الكلب هل يمكن؟ هل تسمح لك؟ حاول أن تقترب من أطفال القطة أو أطفال الكلب، هل يُسمح لك؟ فكيف سمحت البقرة وكيف سمحت الناقة؟ ذاك تذليل ذاك تسخير نوع من التسخير، والنوع الآخر من التسخير أن يخلق الشيء ويخلق له سُنن وقوانين، ثم يلهمك كيف تكتشفها وكيف تستخدمها، كتسخير البحر، سنة الطفو يلهمك كيف وكيف، يلهمك كيف تستخدم الأشياء كيف تنتفع بما خلقه الله فيها لك ذاك أيضا تسخير. فتسخير البهائم والأنعام يختلف عن تسخير الشمس والقمر، فالشمس مسخرة لا شأن لك بها، لا تقودها لا تدفعها إلى المشرق ولا تدفعها إلى المغرب، لكنها مسخرة إذاًفهي مذللة لنفعك مهيأة لانتفاعك بل وهُديت أنت وعلمت كيف تنتفع بأشعة الشمس حتى وصلت للسخانات الشمسية كما يقولون، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ (١٢)) في الآية السابقة "لآية" هنا "لآيات" وراءها (وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ) هناك "يتفكرون" هنا "يعقلون" في الآية التالية "يذكرون" آيات وصدق القائل:
(لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٥٧﴾) [سورة غافر آية: ٥٧]
آيات يصل إليها العقل دون إعمال للفكر، مجرد رؤية الشمس والقمر والليل والنهار وتقلّب الليل والنهار مجرد الإحساس بذلك يعقل الإنسان فوراً دون إعمال للفكر لا داعي للتفكير، إذ يصل العقل مباشرة إلى وجود الخالق المخصص المصرِّف والمدبِّر، أما في الزرع واختلاف الألوان لآية لقوم يتفكرون يحتاج وتأمل وتفكّر فيه
وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ ﴿13﴾
فما زالت النحل تسوق من النعم الظاهرة ما تؤكد وتدلل على وحدانية الخالق، (سبحانه وتعالى)، وعظيم قدرته وتناهي حكمته وسعة رحمته عز من قائل:
وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا۟ مِنْهُ لَحْمًۭا طَرِيًّۭا وَتَسْتَخْرِجُوا۟ مِنْهُ حِلْيَةًۭ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿14﴾
وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَـٰرًۭا وَسُبُلًۭا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿15﴾
وَعَلَـٰمَـٰتٍۢ ۚ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿16﴾
أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿17﴾
وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿18﴾
وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴿19﴾
وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿20﴾
أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿21﴾
(أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)) الآية بحر أولا: عبّر عن الأصنام التي لا تعقل كما يعبّر عن يعقل، أخبر عنها بصيغة من يعقل (وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)) عبر وأخبر عنها بصيغة من يعقل كما يخبر عمن يعقل، قيل كي يشمل الكلام الأصنام والأوثان وكل ما عُبد من غير الله كالأنبياء والملائكة، فغلّب من يعقل، وقيل بل خاطبهم على ما يزعمون، إذ هم قد زعموا أنها تعقل وأنها تشفع، وأنها تعلم بعبادتهم، فخاطبهم على ما يزعمون، وقيل بل الأصنام يوم القيامة يخلق الله فيها حياة فتنطق وتتبرأ من عبادتهم. (وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)) إذاً فهي محتاجة في إيجادها لموجد لصانع، حتى لو كان الصانع إنسانا فالإنسان بجوارحه وبقوته وبأدواته مخلوق لله، والحجر الذي صنع منه الصنم مخلوق لله، والأداة التي نحت بها الحجر مخلوقة لله، كل ذلك مخلوق له، إذاً فهي محتاجة في وجودها لغيرها (أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ ) الأصنام والأوثان ميتة جماد لا تشعر لا تسمع لا تبصر لا تعقل، ليس هذا فقط بل (وما يشعرون إيّان) قراءة، (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)) أي لا تشعر الأصنام بموعد البعث أو بالساعة، أو لا تشعر الأصنام بموعد البعث للعبدة الذين عبدوهم، (وَمَا يَشْعُرُونَ) الأصنام (أَيَّانَ) متى (يُبْعَثُونَ (٢١)) الأصنام متى تبعث متى الساعة، (وَمَا يَشْعُرُونَ) الأصنام (أَيَّانَ) متى (يُبْعَثُونَ (٢١)) الذين عبدوهم، واللافت للنظر هنا أن المعبود إذا كلّف العبد بعمل لا بد وأن يأتي به يوماًليثيب الطائع ويعاقب العاصي، بديهة العقل تقول الآمر لمأمور لا بد وأن يكون في استطاعته وقدرته أن يحاسب الطائع ويحاسب العاصي، ولكي يفعل ذلك لا بد من يوم يجمع فيه المأمورين ليحاسبهم، الأصنام التي عُبدت من دون الله لا تشعر أن هناك بعثا لا لها ولا للعبدة، فأين يوم الجزاء الذي يمكن أن يثاب فيه الطائع ويعاقب فيه العاصي؟ ذاك دليل دامغ على أن عبادة الأصنام جهل محض هناك قراءة أخرى بالوقف: (وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)) وقف (أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)) الكلام انتقل حكاية عن مشركي مكة وانتهى الكلام عن الأصنام والأوثان ومن عُبد من دون الله، (وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)) وانتقل إلى الكلام عن هؤلاء الذين عبدوا الأصنام (أموات) حالاً أو مآلاً، حالا موت الكفر، فالكفر موت والإيمان حياة، (أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ ) أموات بكفرهم، (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)) وما يعلمون متى يبعثون فهم منكرون للبعث أصلا. بعد أن دللت الآيات على سفاهة المشركين، وأكدت على وجوب العبادة للواحد الخالق (سبحانه وتعالى) ودللت على ذلك، تقرر أن المعبود بحق واحد لا شريك له.
إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌۭ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ﴿22﴾
لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ ﴿23﴾
(لَا جَرَمَ) حقاً " لا جرم" كما قلنا عنها من قبل مكونة ومركبّة من "لا" و"جرم" تركيب خمسة عشر معنى الكلمة بعد التركيب معنى فِعْل: حق وثبت جاءت في القرآن في خمسة مواضع متلوّة ب"أنَّ" واسمها والجملة بعدها فاعله (لَا جَرَمَ أَنَّ) أي حق وثبت (لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)) أصلا فضلا عمن استكبر عن عبادته، (لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)) الذين يتكبرون على الخلائق، فما بالك بمن يتكبر على الخالق، (لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ ) فيجازيهم عليه، (لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ ) حقا يعلم ما يسرون وما يعلنون فيجازيهم عليه لأنه: (لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)).
وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿24﴾
لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةًۭ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴿25﴾
، إذاً فهُم قالوا أساطير الأولين ليكون المستقبل والعاقبة لهم أن يحملوا أوزارهم ، وقيل بل اللام لام الأمر والكلام خرج مخرج التهديد، وفي القرآن كثير من المواضع يأتي فيها الأمر للتهديد أو للإهانة أو كما قلنا أكثر من ثلاثين نوعا من أنواع الأمر في القرآن فاللام هنا لام الأمر، (لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةًۭ) أي لا يُكفِّر منها شيء كاملة، لأن المسلم إذا أخطأ في دنياه وفي حياته يُكفِّر الله عنه الخطايا بنقص مال بنقص أنفس بمرض بوصب بنصب، بحزن بظلم، حتى الشوكة يشاكها يكفّر الله بها من سيئاته، أما هؤلاء فلا تكفير لهم مهما أصابهم من مصائب وبلايا في هذه الدنيا فلا كفارة أوزارهم كاملة على ظهورهم، (وَمِنْ أَوْزَارِ) "من" هنا ليست للتبعيض بل للبيان، لبيان الجنس، (وَمِنْ أَوْزَارِ) أي ومن أثقال، (ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ ) إذ لو علموا نتيجة الإضلال وعقاب من أضل غيره، ما فعلوه إذاً فهم أضلّوا الناس بغير علم منهم، أو أضلوا الناس بغير علم من الناس أن ما يقوله هؤلاء ضلال، (لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةًۭ) بسبب ضلالهم، (وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم) كذلك بسبب الإضلال، فهم حملوا أوزار الضلال والإضلال، (بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ ) منهم المضلون، (بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ ) من المُضَلّين، وإذا كان كذلك فالجهل لا يعفي من المسئولية، إذا كان المقصود بغير علم ممن ضل بكلامهم فجهله وعدم علمه لا يعفيه من المسئولية إذ كان يجب عليه أن يكفر ويتذكر ويتدبر ويبحث ويتعلم والناس ثلاثة: عالم ومتعلم والثالث همج لا خير فيهم. (أَلَا)، (أَلَا) تنبيه، كلمة تنبيه للسامع (أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)) ما يحملونه من أثقال وذنوب وأوزار يا له من سيء، ويا لنتيجته من وبال.
ويسرّي عن حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) وكأنه يقول له لا تعبأ بمكرهم ولا تعبأ بما فعلوه، ولا تعبأ بضلالهم وإضلالهم، ولا تعبأ باتهاماتهم وكذبهم فقد حدث ذلك ممن كان قبلهم، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين.
قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿26﴾
ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿27﴾
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿28﴾
فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ﴿29﴾
(ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ) الخزي: الذل والهوان (وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ) شركائي على زعمهم، والكلام للتوبيخ والتبكيت ( ويقول أين شركاي ) قراءة، أين هم حتى يشفعوا لكم كما زعمتم (أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ ) أي تعادون الأنبياء وتعادون المؤمنين وتجادلون بغير حجة، أين هم الشركاء الذين زعمتم الذين أنهم شركائي (ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ) من المشاقّة أن تكون في شق غير شقّه، معاداة ومخاصمة (ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ) فعل تشاقون: المؤمنين والأنبياء (تشاقونِ) بكسر النون قراءة، أي تشاقونني، تشاقوني أي تعادوني ومعاداة أولياء الله معاداة لله، ومعاداة الرسل معاداة لله.
(قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ (٢٧)) الذين أتوا العلم: المؤمنون، الذين أتوا العلم: الملائكة، الذين أتوا العلم: الأنبياء والدعاة (إِنَّ ٱلْخِزْىَ) الذل والهوان وسوء العذاب، (ٱلْيَوْمَ) يوم القيامة (عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ (٢٧)).
(ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ ۚ ) (فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ) أي الاستسلام، (ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ) قراءة، (الذين توفّاهم الملائكة ) قراءة، (الذين يتوفاهم الملائكة) قراءة، توفتهم الملائكة حال كونهم أشرار حال كونهم كفارا توفتهم ظالمي أنفسهم بالشرك أوردوها موارد التهلكة (فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ) أي الاستسلام حيث لا ينفع الاستسلام، حين الموت لا ينفع الاستسلام، بل ويكذبون كما يكذبون في الدنيا وكما يكذبون على الله يوم القيامة بقولهم: (وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)) [سورة الأنعام آية: ٢٣]
أو في زعمهم: (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)) الرد من الملائكة، أو التعقيب من الله. (فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ ) أبواب جهنم: قيل أصناف العذاب، قيل أبواب لكل طائفة باب (لِّكُلِّ بَابٍۢ مِّنْهُمْ جُزْءٌۭ مَّقْسُومٌ (٤٤)) [سورة الحجر آية: ٤٤].
قيل أول أبواب جهنم القبر للكفار، إذاً فهو باب يتلوه باب يتلوه باب كأصناف العذاب، أو هي أبواب حسب أنواع الناس وكفرهم واستحقاقهم، (خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ ) ماكثين فيها أبدا، بلا نهاية للتعب أو للنصب أو للعذاب، بلا انتهاء، (فَلَبِئْسَ مَثْوَى) مثوى هؤلاء الظالمين جهنم (فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)) جهنم.
أيها الأخ المسلم: آيات وآيات تدل على وجود الله (عز وجل) تدل على وحدانيته، على عظيم قدرته على تناهي حكمته على سعة رحمته، ومع ذلك فالناس عن ربهم غافلون وعن شكر نعمته ساهون، وكفى بقوله (عز وجل): (وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (١٨)) وكفى بالإسلام نعمة وبضدها تتميز الأشياء، إذا قيل للين كفروا: (مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ (٢٤))، أما المؤمنين الطيبين المتقين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً.
وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًۭا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌۭ ۚ وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿30﴾
(وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ ) الكلام عن هؤلاء الذين وقفوا على رءوس الطرق، الكلام عن الإجابة على القوافل والوفود التي كانت تأتي إلى مكة تسأل عن ذاك النبي الذي يزعم أنه أرسل للناس كافة، أو الكلام عن المستقبل وجاء بصيغة الماضي لتحقق وقوعه، المستقبل إما الموت كسؤال القبر، أو حين قبض الروح، وإما في يوم القيامة يعلم الله، (وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًۭا ۗ ) أليس في القبر نُسأل ماذا كنت تقول في ذلك الرجل، فكذلك:
من كانت الأولى جُلُّ مطلبه حار ولم يجد للجواب لسانا
ومن كانت الأخرى له سعيا نطق بالتوحيد فصاحة وبياناً
(وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًۭا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌۭ ۚ وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ (٣٠)) أمن كلامهم هذا؟ حكاية عن قولهم تتمّة لكلامهم، أم هو من كلام الله (عز وجل، الله أعلم) (مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًۭا ۗ ) خير الدنيا وخير الآخرة، (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟) كلامهم، وعد من الله لهم، إما تتمة لكلامهم، وإما وعد من الله، (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌۭ ۚ ) الحياة الطيبة الهدوء السكينة، يستخلفكم في الأرض، يمكّن لكم دينكم الذي ارتضى لكم، يبدلكم من بعد خوفكم أمنا، (وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ ۚ ) إذاً فهي خير من الدنيا، والثواب الآجل أهم وأبقى من الثواب العاجل، إذ أن الدنيا فانية والآخرة باقية، (وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ (٣٠)) دار الآخرة، والكلام فيه حذف وأنت تقدّر ولنعم دار المتقين دار الآخرة التي جاء ذكرها من قبل (وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ (٣٠))، هذه الدار، الدار الآخرة، وقال بعض الناس بل الدار الدنيا (وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ (٣٠)) دار الدنيا كيف؟ نعم: لأن الدنيا كانت حرثاً للآخرة، فنعم الدار للمتقين دار الدنيا، إذ هي السبب والوسيلة التي توصل إلى الجنة وإلى رضوان الله بالعمل الصالح (وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ (٣٠))، والأرجح الدار الآخرة التي هي:
جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿31﴾
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿32﴾
برحمته وتقتسمونها بأعمالكم.
أيها الأخ المسلم: حين تأتي ملائكة الموت للمسلم تقول له: ربك يقرؤك السلام أو تسلّم عليه: السلام عليك يا وليّ الله حين ينزعون الروح كيف تُنزع؟ تُسلّ، إذ إن الذين تتوفاهم الملائكة طيبين موتهم طيب لا مشقة فيه، حين ينزعون الروح ينزعونها، بآية السلام عليك يا وليّ الله ثم يقولون ربك يقرؤك السلام ثم يقولون: (ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)) فتخرج روحة بسهولة بفرحة لو خُيِر في البقاء في الدنيا والله ما اختارها، وإنما يختار لقاء الله جعلنا الله وإياكم منهم (ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ).
فتأتي الآيات لتسأل سؤال توبيخ وتبكيت لكفار مكة، جاءهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالهدى والحق، يعرفون نسبة يثقون في صدقه كذّبوه واتهموه وبكل نقيصة رموه، يقول الله (تبارك وتعالى) لهؤلاء:
هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿33﴾
فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿34﴾
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ﴿35﴾
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴿36﴾
ثم يتوجه الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ونبينا كان رءوفا رحيما حزينا على قومه، آسفا عليهم يتمنى لهم الهدى أهله قومه عشيرته، لا ينام الليل حزنا عليهم تكاد تنفطر نفسه من الأسى والآسف يقول الله (تبارك وتعالى) له:
إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَىٰهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ﴿37﴾
ويُضرب مثل استهزاء هؤلاء القوم لسفاهاتهم وتكذيبهم وكفرهم ودليل على أنهم استحقوا الضلالة فعلا واسمع:
وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿38﴾
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰذِبِينَ ﴿39﴾
(لِيُبَيِّنَ لَهُمُ) أي ليبعثنهم ليبيّن لهم أنه القادر على البعث، وليحاسبهم ويعاقبهم ويثيب الطائع، ويعاقب العاصي، (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ) من أمر البعث والقيامة والحساب، (وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰذِبِينَ (٣٩)) إذاً فمن حكمة البعث ومن مقتضيات البعث، أن يتبيّن للكفار أن البعث حق، وليحق ربنا الحق ويبطل الباطل، ويثيب الطائع، ويعاقب العاصي.
ثم يبين ربنا (تبارك وتعالى) قدرته، وأن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة بعد الإفناء، وأن الله لا يعجزه شيء فيقول عز من قائل:
إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَـٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ﴿40﴾
ربنا (تبارك وتعالى) يقارن بين هؤلاء الكفار وبين المؤمنين، هؤلاء الكفار الذين زعموا أن الله لا يبعث من يموت وأقسموا على ذلك بجهد أيمانهم ورد الله (تبارك وتعالى) عليهم أنه غير محتاج لآلة أو أداة أو مادة، فربنا حين خلق الخلْق لم يكن هناك شيء كان الله ولم يكن شيء، خلق من العدم بغير استخدام آلة بغير استخدام جارحة، ومثّل لنا خلقه بقول: (كُن فَيَكُونُ (٤٠))، أو جبرت سنته الإلهية على إيجاد الأشياء بكلمة "كن" يعلم الله (تبارك وتعالى) لكن هناك أناس آمنوا وضحوا وتقدموا وتعذبوا وذاقوا ألوان العذاب في سبيل عقيدتهم، يبشّرهم الله (تبارك وتعالى) بكل خير في الدنيا وبكل خير في الآخرة فيقول في شأنهم:
وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ﴿41﴾
ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿42﴾
(ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)) أي هم الذين صبروا على الإيذاء وتوكلوا على الله وفوضوا الأمور له.
أيها الأخ المسلم: مهما أُوذي الإنسان في الله، فالدنيا عمرها قصير وخطرها حقير، والموت آت لا محالة، وكل الناس ميت وكلما صبر الإنسان على ما يلقاه في هذه الدنيا، كلما عظم أجرهم إذ يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، والإنسان في هذه الدنيا يُبتلى ليظهر صدق إيمانه وليمحص ربنا ما في قلبه، وقد نبهنا الله لذلك قائلا (لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ) [سورة آل عمران آية: ١٨٦]، وقال: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ (١٥٥)) [سورة البقرة آية: ١٥٥]
وبشّرنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) فقال " مَا مِنْ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ إِلَّا كُفِّرَ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا " الشوكة التي تصيب الإصبع عن غير قصد حتى الشوكة، أو أن تتعثر في الطريق أي شيء يؤدي المسلم أي شيء يؤلم المسلم، يُكتب له حسنات ورفعة للدرجات وكفارة للسيئات.
فقد زعم مشركو مكة أن الله (تبارك وتعالى) لا يبعث بشراً رسولا وقالوا: الله أعظم من أن يجعل رسوله بشراً فهلا ّ أرسل ملكاً، ربنا (تبارك وتعالى) يقول لهم أن السنة الإلهية جرت بإرسال الرسل من البشر كي يفقه الناس عنهم (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ ) [سورة إبراهيم آية: ٤]، كما أن البشر يُرى ويُسمع ويُفهم، والملك لا يُرى فلا بد من أن يكون الرسول من جنس من أُرسل إليهم، ومع ذلك قد كان في الأمم السابقة رسل كثير، هل كانوا من البشر أم كانوا من الملائكة إن كنتم تعلمون فلم تجحدون بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم)؟ وإن كنتم لا تعلمون فاسألوا من يعلم لذا يقول الله (تبارك وتعالى):
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿43﴾
بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿44﴾
(وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤))، (وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ) الذكر: القرآن وسُمي القرآن بالذكر لأنه يذكّر الناس ويوقظ القلوب ويحيي الأرواح، (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) إذاً فرسولنا (صلى الله عليه وسلم) مبيّن موضِّح ما أجمله القرآن فصّلته السنّة، وقد بيّن لنا النبي (صلى الله عليه وسلم) مراد الله وتكليفات الله بيّنها بسنته الفعلية وبسنته القولية، وبدون السنّة لا يمكن أن يصل الإنسان لمعرفة مراد الله، ربنا آمر بالصلاة ما كيفية الصلاة؟ أمرنا بالحج (وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا ۚ ) كيف تؤدى المناسك؟ لذا بيّن لنا وقال: (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلَّي)، وقال في الحج: (خُذُوْا عَنِّيْ مَنَاسِكَكُم فَلَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا ) فبين لنا (صلى الله عليه وسلم) ما أُجمل ذكره في القرآن فصّله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تفصيلا، (وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)) إذاً فالتفكر والتذكّر والتأمل في سنة النبي (صلى الله عليه وسلم) يؤدي إلى الفهم الكامل لمراد الله ولتكليفات الله ولأوامر الله (عز وجل) ولنواهيه.
ثم يهدد ربنا (تبارك وتعالى) ويتوعد الكفار:
أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿45﴾
أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ﴿46﴾
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍۢ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ ﴿47﴾
(أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ) في أسفارهم وذهابهم ومجيئهم، أو تقلبهم في الفرُش، نائم يتقلب يمنة ويسرة من الذي يقلبه وهو نائم؟ هل أمن الإنسان أن يؤخذ في تقلبه، في ذهابه ومجيئه وفي سفره أو في فراشه، (فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (٤٦)) ما هم بفائتين هل يعجز ربنا (تبارك وتعالى) أن يعذب من يشاء، أو يأخذ من يشاء أو يخسف الأرض بمن يشاء.
(أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍۢ ) التخوف، إذاً ربنا (تبارك وتعالى) قد هددهم بأنواع وأصناف من العذاب، أن تنخسف بهم الأرض به فجأة، أن يؤخذ من حيث لا يشعر ولا يتوقع، أن يؤخذ في سفره، أو في تقلّبه في فراشة وهو نائم، أو وهو مستيقظ، أو هو يلعب، أو وهو يسير، (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍۢ) أي يقذف في قلبه الخوف والتوقع والانتظار حتى يأتيه العذاب كيف؟ قرى متجاورة فإن خسف بقرية ماذا يفعل أهل القرية الأخرى، القرية المجاورة خسفت، يتوقعون الخسف فيتربصون ويخافون ويتسلط عليهم الخوف والرعب ثم يأخذهم وهم في هذه الحالة، (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍۢ) وقال بعض الناس التخوف: التنقّص، خوفته تنقصته كيف؟ ينقص ربنا منهم شيئا فشيئا، (عَلَىٰ تَخَوُّفٍۢ) على تنقص، فإن كانوا كثيرا، إذا بفلان يموت ثم فلان يموت نقص في الأنفس، نقص في الأموال، نقص في الثمار، يسلب منهم النعمة شيئا فشيئا، بعد ما كانوا في عز وفي منعة، في كثرة في غنى، ينقص منهم شيئا فشيئا فيتوقعون، ما الذي يحدث بعد ذلك يتربصون يتألمون ويخافون، (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ (٤٧)) إذ لم يعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلهم، ولعل العاصي يتوب.
فتتساءل الآيات وتعجب السامعين من هؤلاء الكفار، ألم تكن لهم عيون، ألم يروا هذا الكون المترامي الأطراف، وما فيه من أشياء قد انتظمت في وحدة الوجود، وانقادت في حركتها وسكونها للخالق المدبّر (سبحانه وتعالى) ألم يروا إلى ما حولهم؟! ألم ينظروا إلى ما فوقهم؟! ألم يتأملوا؟ ! ألم يتفكروا؟! البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، سماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، ألا يدل ذلك على الحكيم الخبير يقول الله (عز وجل):
أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ يَتَفَيَّؤُا۟ ظِلَـٰلُهُۥ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدًۭا لِّلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ ﴿48﴾
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍۢ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿49﴾
يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ۩ ﴿50﴾
ويتوجه الأمر من الآمر (سبحانه وتعالى):
وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ ﴿51﴾
وَلَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا ۚ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ﴿52﴾
وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـَٔرُونَ ﴿53﴾
ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴿54﴾
(ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)) من المعاني العميقة، ومن الآيات المدهشة التي تدل على سعة حلمه ورأفته وفضله، (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ) إذا جآر المضرور إلى الله سواء أكان مؤمنا أم كان كافراًاستجاب وكشف الضر عنه، رغم علمه بأنه سوف يعود إلى كفره، وتعجب (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنكُم) الكفار(بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)) تعجيب من الإشراك بعد النحاة من الهلاك، جأرتم إلى الله ولم تلجئوا إلى أحدٍ سواه، فلما نجّاكم عدتم إلى شرككم.
لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿55﴾
ثم تتحدث الآيات عن جهالات المشركين خاصة مشركي مكة:
وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًۭا مِّمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ ۗ تَٱللَّهِ لَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ ﴿56﴾
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ﴿57﴾
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا وَهُوَ كَظِيمٌۭ ﴿58﴾
يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿59﴾
(وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ) حكاية عن أحوالهم وعن سفاهتهم في نسبة الأولاد لهم والبنات لله، أو رغبتهم في الولد وكراهيتهم للبنات، وكيف يجعلون لله ما يكرهون، (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا وَهُوَ كَظِيمٌۭ (٥٨))، فإذا قيل له ولدت امرأتك وجاءت ببنت اسود وجهه لا يتغير إلى السواد من حيث اللون، ولكن كناية عن الغم والهمّ وشدة الحزن، (وَهُوَ كَظِيمٌۭ (٥٨)) مملوء بالغيظ، والكظْم: حبس الشيء والكاظم لغيظه: أغلق فمه فلا يتكلم من كظم القربة وضع فيها الماء ثم أغلق الفم وربطه برباط ذاك هو الكظم الحبس، (ظَلَّ) أي دام وصار (وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا) : أي دام وصار وجهه مسوداً طوال النهار لا للحظة ثم يفيق أبداً، استمرار الهمّ والغم لأنه بُشّر بالأنثى.
(يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩))، (يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ)
بلية، نعمة الله وهبة الله له بالبنت يعتبرها بليّة وبلاء وعار وذلّ يجعله يختفي ويتوارى ويختبئ من الناس، ما الذي جعله يتوارى؟ (مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ )، إذاً هذه البشرى التي توجب الفرح وتوجب الحمد لله (عز وجل) يعتبرها بليّه ونقمة تستدعي أن يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، ثم يفكّر ويقدّر ماذا يقرر، إما أن يمسك الوليد الذي بُشر به بأنه أنثى يمسكه على هُون والهُون والهوان شيء واحد: الذل الخزي العار، والهُون إما يتعلق بالبنت، وإما يتعلق بالوالد (أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ) أي يمسك الابنة وتبقى معه ذليلة في هوان وفي ذل، أو المعنى: أي هو يمسكها على هُون ويظل في هوان وفي ذل وفي عار وفي خزي، لأنه أنجب قد بنتا يفكّر إما ذاك يمسكه على هون، (أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ ) يخفيه، والدس إخفاء الشيء في الشيء يدسه في التراب يئد البنت، يدفن البنت حية: يحفر ثم يخفيها في التراب ويهيل التراب عليها (أَلَا) اسمع وانتبه "ألا" كلمة تنبيه (أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩))، ساء ما يدبّرون وما يفكّرون وما يخططون، ساء ما يحكمون به من نسبة البنات إلى الله التي هي بالنسبة لهم ذل وهوان وعار، كيف ترضى الله ما لا ترضاه لنفسك بافتراض ما هم عليه وما يعتقدونه، (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا وَهُوَ كَظِيمٌۭ (٥٨)) خطأ، خطأ لا يقر الله ذلك، ثم في تفسير (أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)) من قال إن البنت بليّة؟ من قال أنها هوان؟ من قال إن إمساكها يعرِّض الإنسان إلى الذل أو لنقص الرزق خشية الإملاق ألا ساء ما يحكمون.
لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿60﴾
وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍۢ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴿61﴾
فتأتي الآيات تكرر جهالات القوم وتعجّب من سفاهاتهم وأفعالهم:
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ ﴿62﴾
جرم أن لهم النار (لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ) أي حقا لهم النار، ليست الحسنى، وإنما لهم السوأى، لهم النار، (وأنهم مُفرَّطون) (وأنهم مُفْرِطون) (وأنهم مُفرِّطون) قراءات، ويتغير المعنى مُفْرَطون: مُقدُّمون إلى النار، والفَرَط: من تقدّم قومه وصدق سيدي وحبيبي ومولاي (صلى الله عليه وسلم) حيث يقول (أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ) فهو المتقدم إلى الكوثر، يُعدِ الأكواب يسقي بها كل مؤمن به مصدِّق لما جاء به. (لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ (٦٢)) مقدّمون إلى النار أو متروكون منسيون في النار من فُرَطهُ نسيه، مُفَرَّطون: نفس المعنى مُقَدَّم فرَّطه قدَّمه لكن فيها التشديد للتأكيد أو للتكثير، مُفرِطون: من الإفراط، الإفراط في المعاصي تجاوز الحد، الإكثار من الجهل والشرْك والكفر والمعاصي، (وأنهم مُفْرِطون) أي أفرطوا بأن جعلوا لله ما يكرهون، ووصفوا لأنفسهم الحسنى أفرطوا في ذلك وتجاوزوا الحد من الإفراط، (وأنهم مُفرِّطون): من التفريط فرّطوا في حق أنفسهم فأوردوها موارد التهلكة، وهكذا يتغير المعنى بحسب التشكيل، والقراءات كلها صحيحة وواردة.
وبعد والكلام عنهم وعن مآسيهم وعن المعاصي وعن الجهالات وعن السفاهات وكل ذلك عن قوم الحبيب (صلى الله عليه وسلم) الذي كان حزينا عليهم أسيفاً على أحوالهم، يكاد يهلك نفسه من الحزن والتأسف عليهم، لذا جاءت التسرية عنه، والتسلية له، هؤلاء قومك وما حُكى عن سفاهاتهم وليسوا بدعاً في الأقوام، ولست بدعاً في الرسل، ولست الوحيد الذي قُصد بذلك، فكم من رسول بُعث من قبلك وحدث له ما حدث لك فلا تحزن ولا تأسف تلك سنة الله في خلقه:
تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿63﴾
وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۙ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ﴿64﴾
فها هي الآيات تتوالى تعدد نعم التي لا تعد ولا تحصى، تدلل على عظيم قدرته وواسع رحمته فيقول عز من قائل:
وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ ﴿65﴾
وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍۢ وَدَمٍۢ لَّبَنًا خَالِصًۭا سَآئِغًۭا لِّلشَّـٰرِبِينَ ﴿66﴾
وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ﴿67﴾
(وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا) "السَكَر" مصدر سُمِّي به الخمر، (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ ) السكر: الشراب المسكر، والرزق الحسن: ما يؤكل من هاتين الشجرتين، من العنب ومن البلح، الآية نزلت قبل تحريم الخمر، من هنا قال العلماء حين يمتن ربنا على عباده لا بد وأن يمتن بمُحلّلّ وليس بمحرم، في مجال الامتنان هنا مجال امتنان: (وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ ) إذاً فالسَكَر هنا ليس بمعنى المُسكر، وإنما بمعنى الشراب الحلو (سَكَرًۭا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ ) لأن الكلام عن الامتنان، وما كان الله ليمتن بما حرم على عباده، ذاك قول، القول الآخر السَكَر المُسكرِ والآية نزلت قبل تحريم الخمر، ونُسخ هذا الحكم (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا) وإن كانت الآية في معرض الامتنان، إلا أنها تشعر بالعتاب، لأنك لو قارنت بين السكر والرزق الحسن، لعلمت أن السَكَر ليس بحَسَن، (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ ) فالمقابلة هنا تدل على أن السَكر ليس من الرزق الحسن، فهي تمهيد لتحريم الخمر، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ (٦٧)) وناسب ذكر العقل هنا لأن العقل أشرف ما في الإنسان، والآية فيها ذكر للسَكَر، وكأن السكر يذهب العقل، فإن ذهب العقل أصبح الإنسان بغير عقل كالبهائم لا يعقل ولا يتفكر، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ (٦٧)) يستخدمون عقولهم في تدبّر الآيات والوصول إلى معرفة الله (عز وجل) وتقديره وتصريفه وعظيم حكمته.
وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿68﴾
ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًۭا ۚ يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌۭ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿69﴾
(ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ) الحلو والمر، (فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًۭا ۚ ) سلك الشيء أدخل الشيء في الشيء (سُبُلَ) سبل: طرق، قالوا: فاسلكي ما أكلتيه في مجاريه في جسمك حتى يخرج منه العسل، (سُبُلَ رَبِّكِ) طرق ربك، وأضافها إليه لأنه الخالق المدبر (سبحانه وتعالى) (سُبُلَ رَبِّكِ) أي الطرق التي أوحينا إليك استخدامها لصنع العسل، أو فاسلكي أنت بطيرانك وتحركاتك وتنقلاتك (سُبُلَ رَبِّكِ) طرق ربك في الذهاب والإياب، (ذُلُلًۭا ۚ ) مذللة، مهيأة، مطوّعة حال من النحل أي افعلي ذلك واتخذي من الجبال ومن الشجر ومما يعرشون بيوتا، مهيأ لك كل ذلك بسهولة ويسر لا يصعب عليك، وطيري حيث شئت وكلي من حيث شئت وعودي لا تضلي الطريق، فقد ذُللت الطرق لك، إذاً (فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًۭا ۚ ) حال من النحل أي وأنت مذللة خاضعة منقادة لما خلقك الله له، أو الطرق مذللة فتجد النحل يخرج من خليته ويذهب كل مذهب يُمنة ويُسرة مسافات شاسعة ويعود، فإذا عاد هل يضل الطريق أم يعود إلى خليته ، لا يمكن أن يضل الطريق أبداً، (يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌۭ) الخطاب للنحل، (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ)، (أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)) الخطاب للنحل – (ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ) الأمر للنحل، (فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًۭا ۚ ) وعدل عن الخطاب مع النحل إلى خطاب الناس، لأنهم هم المقصودون بالإنعام (يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌۭ لِّلنَّاسِ ۗ ) عدل عن خطاب النحل إلى خطاب الخلائق الذين يعدد الله عليهم نعمه الظاهرة، أو بعض النعم الظاهرة، (يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ) هذا الشراب المختلف ألوانه أبيض وأصفر وأحمر وأسود وبل مختلف الطعوم حسب المرعى، (فِيهِ شِفَآءٌۭ لِّلنَّاسِ ۗ ) قال بعض العلماء: العسل شفاء لكل داء، وقال البعض الآخر: وهو الأرجح شفاء لبعض الأدواء، لبعض الناس إذ كلمة "شفاء" نكرة في سياق الإثبات، إذاً فهي ليست على عمومها فيه شفاء بنفسه أو مع غيره بخلطه بشيء آخر فيه شفاء للناس، هذا الشفاء يتوقف على نوع الداء، وعلى مدى العقيدة في صدق الآية واليقين بما جاء فيها لذا رُوى: (أنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلًا ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلًا ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلًا ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ قَدْ فَعَلْتُ فَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ اسْقِهِ عَسَلًا فَسَقَاهُ فَبَرَأَ )، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)) يتفكرون ويتأملون في هذه الآيات الغريبة والعجيبة، النحل مخلوق صغير ضعيف، كيف بنى بيوته مسدسَة الأضلاع، والشكل المسدس إذا التصق ببعض يستحيل أن يترك ثغرة، المسدسات متساوية، لا تحد مسدسا أكبر أو أصغر من غيره، لا يستطيع المهندسون بأدق الآلات أن يتفوقوا على النحل في بناء هذه الخلايا المسدسة المتكاملة الأعضاء المتساوية الأضلاع يستحيل كيف؟ وكيف تهيئ له فيطيع وكيف يعرف طريقه وكيف يأكل من كل الثمرات حلو أو مر؟ وكيف يتحول كل ذلك إلى العسل الحلو الشهي، وهذا النحل يولّي أمره لنحلة ملكة النحل تأمر فتطلع كيف؟ بل وفي كل خليّة من خلايا النحل حجّاب على أبوابها يمنعون غير أهلها من دخولها، فلا يمكن أن تدخل نحلة من خليّة إلى خليّة أخرى أبداً تمنع، كيف يكون ذلك؟ من الذي دبّر كل ذلك؟ (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)).
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍۢ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ ﴿70﴾
وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿71﴾
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةًۭ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴿72﴾
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًۭا مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ شَيْـًۭٔا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿73﴾
فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿74﴾
فبعد أن بيّن الله (تبارك وتعالى) سفاهة المشركين وكيف غابت عقولهم وعميت أبصارهم وصُمَّت آذانهم يتلطف ويضرب الأمثال، وبيّن ويدلّل ويخاطب العقول، أو من له أدنى ذرة من عقل، نهاهم عن ضرب الأمثال (فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)) وعلّمهم ضرب المثل وبيّن لهم كيف يُضرب المثل واسمع:
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًۭا مَّمْلُوكًۭا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَمَن رَّزَقْنَـٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًۭا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّۭا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿75﴾
وينتقل بهم إلى مثل آخر وانظر إلى لطف الله وحلم الله وعناية الله لخلْقه:
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿76﴾
وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿77﴾
وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿78﴾
ويوجه النظر إلى آية أخرى:
أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍۢ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ﴿79﴾
ويعدد نعمه (جل وعلا) فيقول:
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَنًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَـٰمِ بُيُوتًۭا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَـٰثًۭا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ ﴿80﴾
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًۭا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴿81﴾
ثم يخاطب النبي (صلى الله عليه وسلم) المأمور بالإبلاغ:
فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ﴿82﴾
يأتي التعليق على هذه النعم واحتمال التولّي رغم الوضوح (فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ (٨٢)) يأتي التعليل، أو يأتي التوضيح أو تأتي الإجابة على التساؤل كيف ذلك، أو كيف لا ولم؟ ولماذا؟ بعد كل هذا فيقول الله (تبارك وتعالى):
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ﴿83﴾
(يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ (٨٣)) "أكثرهم" هنا أيضا بمعنى "كلهم"، أو أكثرهم أكثر الخلق، أو أكثرهم إشارة وإعطاء أمل بأن من هؤلاء من يُسلم ويؤمن ويتوب، والأكثر يموت على كفره، (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا) وكلمة "ثم" هنا للاستبعاد، (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا) أي استبعاد الأنكار كيف تعرف النعمة وتراها كالشمس ثم تنكر.
وهنا تنتهي الرواية والقصة قصة الدنيا قصة الخلْق حيث تقوم الساعة، فلا دنيا ولا تكليف ولا سؤال ولا عتاب ولا سعي، وإنما الجزاء حين تقوم الساعة، ويُبعث الناس ويُهيئ للإنسان أن الدنيا لم تكن إلا لحظة، والمتأملون في حياتهم ينظرون إلى الوراء ويرون أن السنين قد مرت وهم لا يشعرون بها، ولو سألت رجلا في الستين من عمره هل استوعبت أو شعرت بستين سنة، لقال لك: بل وُلدت بالأمس، ومهما عاش الإنسان وعمّر فالعمر لحظة، بل وحين يُبعث الناس يتساءلون ويقولون: ما لبثنا إلا ساعة من نهار، الدنيا بالنسبة للأبد كلمح البصر كلحظة، وهناك مواقف ليوم القيامة: موقف الكل موقوف، موقف الكل على الركب، ترى كل أمة جاثية، موقف فيه الاستغاثة، موقف لا تسمع فيه إلا همساً، موقف يحدث فيه السؤال، وموقف لا يؤذن فيه بالعتاب، موقف تُنشر فيه الصحائف، وموقف تُنصب فيه الموازين وتُنشر الدواوين، وموقف يحدث فيه الأخذ والرد (قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)) [سورة الأنعام آية: ٢٣]، موقف يحدث فيه السؤال (أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢)) [سورة الأنعام آية: ٢٢]، وموقف لا يؤذن فيه لهم ولا يعتذرون، مواقف، هناك الحائر، هناك الأعمى (وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ (١٢٤)) [سورة طه آية: ١٢٤]، هناك المبصر، هناك من يجد نفسه في وسط الحشْر كالنملة أو البرغوث، الكل أحجامه كبيرة ضرس الكافر في جهنم كجبل أحد، ما بين المنكبين عرض الظهر مسيرة ثلاثة أيام ذاك حجمه في جهنم ليذوق العذاب موقف، وموقف يُحشر فيه المتكبرون كهشيم الذر النمل الضعيف حين يُقتل أو حين تدوسه الأقدام يطأهم الناس لهوانهم على الله، موقف يُحشر فيه النمل والبراغيث والذباب والطيور والأسماك بلا بحار، والطيور بلا هواء، والناس بلا نفس (وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَـٰٓئِرٍۢ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)) [سورة الأنعام آية: ٣٨]، الكل، مواقف، مدة ذاك اليوم خمسون ألف سنة، تُرى كيف تمر هذه الأعوام؟ الألوف من السنين، أهي من سنين الدنيا خمسون ألف سنة، كل سنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوما أو ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما سنة عربي، أم هي من السنين التي قال فيها ربنا (وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍۢ مِّمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)) [سورة الحج آية: ٤٧]، خمسون ألف سنة، يفر المر من أخيه، من أمة وأبيه، من صاحبته وبنيه، يريد أن يفتدي من عذاب يومئذ بمن في الأرض جميعا ثم ينجيه، أين الخلق؟ أين؟ تنادي الأم على ابنها: ألم يكن بطني لك وعاءً وصدري لك غذاءً وحجري وطاءً يا بني فيقول: إليك عني فإني بذنبي اليوم عنك مشغول، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، مواقف مذهلة أين نحن من كل ذلك؟ أين نحن من ذلك اليوم الذي لا تسمع فيه إلا همساً، والهمْس همْس الرسل حيث يقولون يا رب سلِّمْ سلِّمْ يا رب إبراهيم الأواه المنيب الحليم يقول نفسي ثم نفسي، آدم أبونا أبو البشر خلقه الله بيده وأسكنه جنته وأسجد له ملائكته يقول: نفسي ثم نفسي ويتخلّى عن أبنائه، موسى كليم الله الجريء في السؤال موسى ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه، موسى الذي قال رب أرني أنظر إليك موسى يقول: نفسي ثم نفسي، عيسى كلمة الله وروحه يقول نفسي ثم نفسي، أين نحن من ذلك اليوم، أتدرون ما بُشِر به المتقون؟ يمر ذلك اليوم بطوله ومواقفه ومشاهده على المؤمن التقي كوقت أداء فريضة، ما الوقت الذي تؤدي فيه صلاه الصبح، ما الوقت الذي تؤدي فيه صلاة العشاء مهما أطلت القراءة، تمر عليك الساعة كأدائك لفريضة واحدة، ولا تشعر بمرور الزمن، ومنا بل كلنا بفضل الله إن شاء الله نستظل بظل العرش على منابر من نور، المتحابون في جلال الله، وكلنا متحابون في جلال الله والحمد لله، المتحابون في جلال الله على منابر من نور عن يمين العرش، عن يمين الرحمن وكلتا يدي الرحمن يمين لا يحزنون إذا حزن الناس ولا يفزعون إذا فزع الناس (أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)) [سورة يونس آية: ٦٢].
ومن مواقف يوم القيامة موقف الشهود، موقف الشهادة، مواقف يوم القيامة وما أدراك ما مواقف يوم القيامة، خمسون ألف سنة مواقف ومواقف، من هذه المواقف أنك ترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها، ترى ربنا (تبارك وتعالى) يأخذ من كل أمة شهيدا يشهد لأمته أو على أمته، يقول عز من قائل:
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًۭا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴿84﴾
وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ﴿85﴾
وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ ﴿86﴾
وَأَلْقَوْا۟ إِلَى ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿87﴾
(ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟) "ثم" هنا والتي تفيد التراخي كأنها تبين أو تشعر بأن الرجوع إلى الدنيا، أو الأمل في الرجوع، أو الخروج من جهنم، أو محاولة الاعتذار مستبعدة تماما، لذا يقول: (ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)) لا يؤذن لهم في أي شيء، لا يؤذن لهم في الرجوع إلى الدنيا كما ورد عنهم قالوا: (رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ (١٠٧)) [سورة المؤمنون آية: ١٠٧]، فلا يؤذن لهم في الرجوع، أو لا يؤذن لهم في الاعتذار أو التبرير (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)) الاستعتاب: أصل الكلمة من العَتْب العَتْب: الموجدة في النفس، فإذا فعل إنسان شيئا يسيئ إليك فأنت تعتب عليه، فالعتْب أن تجد في نفسك فإن تكلمت معه وناقشته فيما فعل فقد عاتبته، فإن استرضاك فقد أعتبك، والعتبى: رجوع المسيء عن إساءته إلى ما يرضى العاتب، (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)) أي لا يطلب منهم العتبى، أي لا يُطلب منهم أن يسترضوا ربهم إذ الآخرة دار جزاء، وليست دار عمل وقد مضى وقت العتاب وجاء وقت الحساب والعقاب، (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)) ومنه قول النبي (صلى الله عليه وسلم) في دعاء من أدعيته ( لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى ).
(وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلْعَذَابَ) بمعاينة جهنم وما فيها وتلمظها، تلمظ جهنم وسعيرها كل ذلك يُرى ويُحس أو بعد الدخول، (فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (٨٥)) لا يخفف: كأن العذاب مستمر بدرجة واحدة من الإيلام والشدة، وعذاب الدنيا مهما كان يفتر تارة ويشتد تارة، وألم المرض مهما اشتد فله مسكنات، إذا اشتد فوق طاقة المتألم غُشي عليه فلم يدر بشيء رحمة من الله، أما هؤلاء والعياذ بالله في جهنم فالعذاب لهم على درجة واحدة من الشدة لا يخفف، (وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (٨٥)) يُمهلون من الإنظار وهو الإمهال. مشهد آخر بعد ذلك (وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ) فجأة يرى عبدة الشمس، الشمس، ويرى عبدة القمر القمر يبعث الله كل ذلك بل ويبعث الأصنام والأوثان يروا الملائكة، فإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم استغاثوا ونادوا: (رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ ) كأنهم يريدونهم أن يشاطروهم العذاب، وكأنهم يُلقون المسئولية والتبعة على من عَبد من دون الله (هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ ) فيُنطق ربنا (تبارك وتعالى) الآلهة المزعومة من أحجار وأوثان وما إلى ذلك، تنطق وترد على المشركين (فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ (٨٦)) فألقوا إليهم القول والتعبير بكلمة (فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ) وكأنهم يضربون في وجوههم بالتكذيب، (إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ (٨٦)) كأن الآلهة تتبرأ ما علمت، هل يعلم الصنم أنه يُعبد من دون الله؟ هل تعلم الشمس ذلك؟ وإن علمت هل أذنت؟ هل رضيت؟ هل قبلت؟.
(وَأَلْقَوْا۟ إِلَى ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ ۖ ) الاستسلام المطلق، أين التكبر وأين التجبّر، وأين العلوْ وأين البغي وأين العدوان؟ أين كل ذلك؟ انتهى، الاستسلام المطلق والخضوع من العابد ومن المعبود من دون الله، (وَضَلَّ عَنْهُم) غاب (مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ (٨٧)) يكذبون ويدّعون من أن الأصنام تشفع لهم، الافتراء: اختلاق الكلام، اختلاق الكذب، قالوا نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى.
وقد حدثنا سيدنا ومولانا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حديث له طويل له عن هذا الموقف، وأنبأنا أنه يُنادى في الخلائق (يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ ) ومنهم فرعون الذي قال: (فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ (٢٤)) [سورة النازعات آية: ٢٤]، وما حُكي عنه (يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ (٩٨)) [سورة هود آية: ٩٨].
(ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ) الكلام عن الضالين، الكلام عن المشركين، الكلام عن الذين ظلموا أنفسهم بالشرك، يأتي الكلام بعد ذلك عن أئمة الضُلاَّل الذين صدوا الناس عن الإيمان فيقول عز من قائل:
ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًۭا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ ﴿88﴾
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ﴿89﴾
وتأتي أعظم آية جامعه لخير يُمتثل، ولشر يُجتنب، هذه أشمل آية في القرآن للخير والشر:
إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿90﴾
البخل، أي الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالبخل، أما فيما سوى ذلك فتعني كلمة " الفحشاء" الزنا ذاك رأي من الآراء، لكن الفحشاء في معناها كلمة عامة هو كل ما عظُم قبحه واشتدت شناعته من الإثم والعصيان، (وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ ) المنكر: ما أنكرته الشريعة، أو ما أنكره العقل السليم، ما نهى عنه الله ونهى عنه رسوله، (وَٱلْبَغْىِ ۚ ) البغي في الأصل: تجاوز الحد، البغي: التسلّط والتجبّر البغي: الاستكبار البغي: الإساءة للغير والتسلّط عليه والإضرار به، والبغي لا يعود إلا على صاحبه لقوله، عز وجل: (إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ ) [سورة يونس آية: ٢٣]، ( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فَيْهِ كُنَّ عَلَيْهِ ) البَغْي (إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ ) [سورة يونس آية: ٢٣] والْمَكْرُ الْسَّيِّئ لقوله عز وجل: (وَلَا يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِۦ ۚ ) [سورة فاطر آية: ٤٣]، وَنَقْضُ الْعُهُودِ لقوله، عز وجل: (فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۖ ) [سورة الفتح آية: ١٠]، ( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فَيْهِ كُنَّ عَلَيْهِ ) حديث لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، (يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)) تتذكرون الله، وتتذكرون القيامة، وتتذكرون الحساب، فتأتمروا وتنتهوا، أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ثلاث، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ثلاث جمعت كل شيء، لذا قال ابن مسعود رضي الله عنه هذه أشمل آية في القرآن لخير يمتثل ولشر يجتنب.
ويأتي الأمر بخُلُق هو أساس الفضائل: الوفاء، ويأتي النهي عن شيء هو أساس الرذائل ألا وهو الغدر والخيانة:
وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴿91﴾
ربنا (تبارك وتعالى) يأمر ويشدد بالوفاء، يشدد على الوفاء بالعهد، وينهى عن النقض (وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)) ثم يضرب المثل وتلك الأمثال يضربها ربنا للناس وما يعقلها إلا العاملون واسمع للمثل:
وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًۭا تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿92﴾
ويجيب على تساؤل قد يتبادر إلى ذهن الإنسان:
وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿93﴾
فيأتي التصريح بالنهي عن نقض العهود والإيمان والأحلاف بعد ما جاء ضمنا للتشديد على النهي حين نهى ربنا (تبارك وتعالى) عن نقض الأيمان ونقض العهود بالنهي عن اتخاذ الأيمان دخَلاَ خداعا وغشا أن تكون أمة هي أربى من أمة لزيادة العدد فتنقض القبيلة عهدها مع من عاهدت لتخالف الأكثر عدداً يأتي التصريح بالنهي في قوله (عز وجل):
وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ﴿94﴾
وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿95﴾
مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍۢ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿96﴾
( مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍۢ ۗ ) واقع وحق مُشاهَد، هل بقي شيء على حاله؟ مهما كان الإنسان في هذه الدنيا، هب أنه منح عمر نوح أليس بميت؟ بلى ميت، هب أنه منح كنوز قارون، أليس هو بزائل عنها، أو هي زائلة عنه؟ (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ ) نفد ينفد: فني ضد بقي، (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ ) ينتهي ويفنى لا بد والقائل هو الخالق المانح، وهو الذي كتب الفناء على كل شيء، (وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍۢ ۗ ) باقي إلى الأبد لا نهاية له، ( وليجزين الذين صبروا) قراءة (وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٦)) الذين صبروا على الطاعة، وصبروا عن المعصية، صبروا على الفقر، صبروا على العهود، صبروا على ما أمرهم الله، صبروا على الجهاد صبروا على الفاقة صبروا على الإيذاء، ولم تتبدل عقيدتهم (وَلَنَجْزِيَنَّ) - وليجزين قراءتان، (وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٦)) وهذا التعبير عميق، ويحمل أكثر من معنى، (وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٦)) أي أن الأجر أحسن من العمل نجزيهم أجراً هو أحسن من أعمالهم، أو (وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٦)) اي الطاعة يجزينهم أجرهم على الطاعات، والبعد عن المعاصي واتباع أوامر الله، واجتناب نواهيه، وذاك هو الأحسن، لأن ما عداه حسن، إذ إن كل العمل لا يحاسب المرء عليه، ماذا كانوا يعملون؟ يصلون يصومون يزكون يطيعون الله، في نفس الوقت يتزوجون يأكلون يشربون ينامون يقومون يتحركون، فمن الأعمال ما هو مباح لا ثواب عليه ولا عقاب على تركه، هذا المباح من الأكل واللبس والنوم وما إلى ذلك ليس موضوعا للجزاء، وإنما الجزاء على الأحسن، الأحسن هو الطاعة، فالحسن هو المباح كالأكل والشرب، كاللبس كالحركة كالمشي وما إلى ذلك، فلا يجازى الإنسان على ذلك ولكن يجازى على الأحسن الذي هو الطاعة، (وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٦)) أي الطاعة على الطاعات، ورأي ثالث تحتمله الآية وهو أن أعمال الإنسان تتفاوت من حيث الحسن فمرة يصلي وهو خاشع متفرغ للقراءة، متأمل فيما يقول من ذكر وتسبيح وحمد، متمهل محسن متقن للعمل، ومرة يكون متعجلاً، أو يصلي وقد ذهبت به الأفكار كل مذهب، أو سها في صلاته، فليست الأعمال والطاعات على درجة واحدة، حين يحاسب هذا المرء يُنتقى من أعماله أحسنها، فيُنظر في سجوده أي سجدة كانت أفضل، أي صلاة كانت أخشع، أي زكاة كانت أبرك، وتؤخذ هذه الأعمال يُقوّم على أساسها كل العمل فيجازى على أحسن عمل، فإن قال سبحان الله مائة ألف مرة في عمره أيتها كانت بتفرّغ ومن قلبه شاعراً بها وبمعناها متفرغاً لها خاليا قلبه من غير الله هذه المرة يُقوم كل التسبيح على أساسها.
ثم يأتي فضل من الله (تبارك وتعالى) ووعد وبشرى للكافة رجل أو امرأة ذكر أو أنثى في كل مكان وفي كل زمان:
مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةًۭ طَيِّبَةًۭ ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿97﴾
(يَـٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ (٢٧)) [سورة يس آية: ٢٦- ٢٧]، بل يُفاجأ لا ببكاء أهله بل ببكاء فراشه وبكاء محرابه، وبكاء الأرض التي كان يمشي عليها، وبكاء السماء عليه، نعم فقد حُرمت من خطواته، وحُرمت السماء من دعواته، وحُرم المحراب من صلواته، أما الآخرون فما بكت عليهم السماء والأرض، (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٧)) على أحسن الأعمال يجازي الله، فهو الكريم الذي لا حدود لكرمه، وطالما أكرمك في الدنيا، فكرم الآخرة أكبر وأعظم وأجل.
فمن أجل النعم على المسلم أن يوفقه الله، تبارك وتعالى، لقراءة القرآن إذ إن قاري القرآن مجالس للرحمن، ولهذا فإن الشيطان لا يترك قارئ القرآن ينعم بذلك بل يحاول أن يشوّش عليه، أن ينسيه، أن يجعله يسهو، أو يفكر في أمر آخر، أو يوسوس إليه بالشبهات، لأن قراءة القرآن من أجل النعم، ومن أعظم الفضل على الإطلاق، لقول الله (عز وجل) في حديثه القدسي (أَنَا جَلِيْسُ مَنْ ذَكَرَنِي) وأعلى درجات ومقامات الذكر أن تذكره بكلامه، تناجيه بكلامه لا بكلامك بل بكلامه هو، لذا نبهنا الله (تبارك وتعالى) وأعطانا ما نتقي به شر وساس الشيطان فقال:
فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ ﴿98﴾
إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿99﴾
إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ ﴿100﴾
إن رحمة الله (تبارك وتعالى) بأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) أكبر وأعظم من أن يحيط بها عقل، أنزل القرآن منجماً على مدار ثلاث وعشرين سنة، ليثبت قلب النبي (صلى الله عليه وسلم) ويرعى مصالح المسلمين، فالتوراة مثلاً نزلت كاملة فيها الأمر والنهي والحلال والحرام دفعة واحدة، ونزلت باستعجال بني إسرائيل وبناء على طلبهم، وحين نزلت رفضوها ولم يقبلوها فقد فوجئوا بالتحريم والتحليل، ولم يقبلوها حتى نتق الله الجبل فوقهم كأنه ظلّة، وهددهم أن يقع عليهم فقبلوها، لكن أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) أفضل الأمم، وأوسط الأمم نزل القرآن يرعى مصالح الأمة، ينزل الأمر مخففاً ثم يتدرج في التشديد حتى يعتادوا على الأمر، أو ينزل الأمر مشدداً ثم يخفف حتى يشعر المسلم برحمة الله ونعمته، من أمثلة ذلك تحريم الخمر، نزلت على التدرج، فقد اعتادوا على شربها وهي مصدر رزق لهم، بل ولهوهم كان بها، كذلك الزكاة فُرضت في السنة الثانية من الهجرة أي بعد خمس عشرة سنة، لكنه في البداية أمر بالصدقة فلما اعتادوا على الإنفاق والإيثار فرضت الزكاة، المواريث: لم يكن الرجل منهم يورث امرأته ولا ابنته ولا أبناءه الصغار، بل الوارث هو الكبير الذي حمل السلاح، فأمرهم بالوصية للوالدين والأقربين، ثم حين اعتادوا على الإنفاق والإيثار فرضت بعد ذلك المواريث، لم يفرض الحج وهو عبادة مالية وبدينة وفيه المشقة إلا في السنة السابعة من الهجرة بعد عشرين سنة، نزل الأمر بالقتال بعد فترة بناءاً على طلبهم حين اشتد الأذى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ ) [سورة الحج آية: ٣٩]، لكن كان الواجب على المسلم أن يثبت أمام العشرة من الكفار: (إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ ) [سورة الأنفال آية: ٦٥]، النسبة واحد إلى عشرة، فحين أقدموا وثبتت طاعتهم، وتأكدت شجاعتهم، خُفف عنهم فأصبحت النسبة واحد إلى اثنين (ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًۭا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ صَابِرَةٌۭ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ ) [سورة الأنفال آية: ٦٦]، وهكذا وبالتالي استلزم الأمر النسخ، استلزم الأمر نسخ بعض الآيات، وتبديل بعض الآيات تخفيفا أو تشديدا، تيسيرا أو تصعيداً، سواءً أكان النسخ في اللفظ، أم كان النسخ في الحكم، رحمة رعاية للمصالح، فما كان من الكفار إلا أن اتهموا النبي (صلى الله عليه وسلم) بأنه يختلق القرآن، وأنه يأمر أصحابه اليوم بأمر ثم ينسخ الأمر في الغد، فنزلت الآيات ترد عليهم وتزيل شبهتهم، وتؤكد رعاية الله لمصالح الأمة، فيقول (عز وجل):
وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةًۭ مَّكَانَ ءَايَةٍۢ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿101﴾
قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ﴿102﴾
أما "نزّل" فالإنزال ثم الإنزال على التدرج، (قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ) روح القدس: جبريل الأمين سُمي بالروح لأنه حين ينزل، ينزل بما تحيا به القلوب، كما أن الأبدان تحيا بالأرواح، فهو الروح لأنه إذا نزل، نزل بما تحيا به القلوب، والقدُس وقرأت القدْس بإسكان الدال القدُس والقدْس: الطهر، (رُوحُ ٱلْقُدُسِ) ذاك الأسلوب والتعبير من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، كما تقول: رجل الصدق للتأكيد على اتصاف الموصوف بهذه الصفة، والقدُس: الطهر ووُصف جبريل بذلك لطهارته الكاملة عن مخالفة ربه في أي شيء، (قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ) متلبساً بالحق بالحكمة بالصدق، (لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟) وقرأت (ليَثْبُت الذين آمنوا)، (لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟) أي ليثبت الإيمان في قلوبهم، ويرسخ، ويطمئن المؤمن على أن الكلام من عند الله، (وَهُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)) إذاً فالكلام فيه تعريض بغيرهم، إذ إن القرآن طالما كان هدى وبشرى للمسلمين، فهو لغيرهم ضد ذلك، يزيدهم كفراً، فالآية تنزل الذين آمنوا يزدادوا بها إيمانا، والذين كفروا يزدادوا رجساً إلى رجسهم، (قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)) إذ أن المسلم حين يرى الأمر قد نزل متدرجاً به، يستشعر رحمة الله (تبارك وتعالى) به، وإذا نزل الأمر مشدداً ثم حدث التخفيف أحس بالنعمة وأحس بالرحمة، واستبشر أن الله ما يريد أن يشق عليه (مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ) [سورة المائدة آية: ٦]، فيستشعر اللطف، ويستشعر الرحمة ويطمئن، ويثبت الإيمان في قلبه.
يرد بعد ذلك القرآن على شبهه أخرى:
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌۭ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّۭ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّۭ مُّبِينٌ ﴿103﴾
ثم يقلب الأمر عليهم وبعد ما رد شبهتهم ورد طعنهم وأثبت بالحجة الواضحة أن القرآن كلام الله فيقول عز من قائل:
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿104﴾
إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ ﴿105﴾
مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًۭا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ﴿106﴾
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿107﴾
أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ ﴿108﴾
لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ﴿109﴾
(لَا جَرَمَ) أي حق وثبت، (أَنَّهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ (١٠٩)) باعوا دينهم وباعوا أنفسهم، وخسروا أنفسهم وخسروا أهليهم.
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا فُتِنُوا۟ ثُمَّ جَـٰهَدُوا۟ وَصَبَرُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿110﴾
بعضهم قال: الإذن والرخصة في التكلم فقط، أما في الفعل فلا رخصة فيه فإن أُمره أن يسجد للصنم أبى وإن قُتل، والبعض الآخر قال: الفعل والقول سواء طالما كان القلب مطمئن بالإيمان، تلك واحدة، قالوا بعد ذلك فما الحكم فيمن أُمر أن يقتل غيره وأكره على ذلك هل يسري عليه الحكم أي لا إثم عليه لا يؤاخذ؟ أجمع العلماء على رأي واحد: لا يصح ولا يحل للمسلم أن يفتدي نفسه بغيره فإن هُدد بالقتل وأُمر أن يقتل غيره ارتضى القتل ولا يمد يده بالأذى لغيره أبداً، فإن أُمر بجلده، إن أمر بتعذيبه، لا يفتدي نفسه به ولو أدى الأمر لقتله إجماع، أنت حر في نفسك والتقية جائزة، أما أن تقتل غيرك تحت دعوى أنك أكرهت على ذلك وأنك تخشى القتل لا يبيح ذلك العلماء، أو أن تعذب غيرك، أو أن تؤلم غيرك لا إكراه في ذلك ولا تقبل ولا رخصه فيه.
الزنا: فرّقوا بين الرجل والمرأة: فقال بعضهم لا إكراه في الزنا، ومن أكره على الزنا لا يحل له ذلك ولا رخصة له، إذ كيف يُكره ولا يمكن له الزنا إلا بعد أن يحدث الانتشار، والانتشار لا يحدث إلا بعد الرغبة، إذاً فلا إكراه فيه يُحد حد الزنا ولا رخصة له، وقال البعض الآخر: بل الرخصة له أيضا فمن أكره على الزنا فلا إثم عليه ولا يُجد، أما بالنسبة للمرأة فقد أجمع العلماء: أن المستكرهة على الزنا لا إثم عليها إذ هي مستقبلة وليست فاعلة، فمن أُكرهت على الزنا فلا إثم عليها ولا تُحد، تكلموا عن الزواج وكل يستند إلى دليل فمثلا في مسألة الفتاة أو مسألة المرأة في الاستكراه استدلوا بقول الله (تبارك وتعالى): (وَلَا تُكْرِهُوا۟ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًۭا) ثم قال في آخر الآية: (فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعْدِ إِكْرَٰهِهِنَّ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (٣٣)) [سورة النور آية: ٣٣]، فقالوا المستكرهة على الزنا لا إثم عليها ولا تحد إجماع.
تكلموا عن الطلاق، طلاق المكره، قال أغلبهم وهو الأرجح طلاق المكره لا يقع، وقال البعض: وهو رأي مرجوح طلاق المكره يقع مثله مثل طلاق الهازل من طلق امرأته هازلا قال كنت أمزح، تطلق، فطلاق المكره كطلاق الهازل وذاك رأي مرجوح لم يقل به إلا مذهب واحد، أما الأغلب والأرجح أن طلاق المكره لا يقع. النكاح، الزواج: زواج المكره وزواج المكرهة، قالوا زواج المكره لا يقع، وزواج المكرهة لا ينعقد، واستدلوا بقول النبي (صلى الله عليه وسلم) في شأن الزواج (اِسْتَأْمِرُوا الْثَّيّبَ وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ) وبقصة الخنساء حين جاءت لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وادّعت أن أباها أجبرها على الزواج من ابن عمها وهي لا تريده فقال لا يصح فحين علمت بذلك قالت: الآن أرتضي فإنما أردت أن أُعلم النساء إلى آخر القصة استدلوا فقالوا زواج المكره لا يقع وزواج المكرهة لا يقع، وقال بعضهم بل زواج المكرهة يقع وذاك رأي مرجوح أيضا، لكن هناك نقطة إذا تم الزواج بالإكراه عقد ، حدث الجماع بعد ذلك قالوا: إن أقدمت المرأة عليه وهي تعلم أن الرجل كان مكرها تُحد وتأثم، وإن كانت مستكرهة فلا إثم عليها، أما إن كان هو أكره على الزواج منها فأقدمت هي على الجماع معه أثمت إن كانت تعلم بأنه مكره، أما إن لم تكن تعلم فلا إثم، أما الرجل إذا تزوج مكرها ثم جامع امرأته التي أكره على الزواج منها راضيا صح الزواج ولزمه الصداق. تكلموا عن البيوع بيع المكره، وفصّلوا في الأمر: قالوا بيع المكره لا يكون إلا في حالتين: الحالة الأولى أن يُكره على البيع لقضاء الديون، لقضاء الحقوق، كأن يكرهه الحاكم أو القاضي على بيع ممتلكاته لأداء حقوق الناس، هذا البيع صحيح رغم أنه وقع تحت الإكراه، أما إذا كان البيع ليس لقضاء الديون وإنما ظلما وإجحافا فبيع المكره لا ينعقد ولا يصح، ولا يحل للمشتري أن يأكل المال بالباطل فهما حالتان. تكلموا عن اليمين - والله تالله، يمين المكره: قال بعضهم يمين المكره لا ينعقد ولا يلزمه أيا كان موضوع اليمين، وقال البعض الآخر فيه تفصيل: إن كان اليمين في معصية أو فيما لا هو طاعة ولا معصية أكره على أن يحلف أن يشرب الخمر لا ينعقد اليمين، أكره على أن يأكل خبزاً أكره باليمين، لا ينعقد اليمين ولا يحتاج لكفارة ولا ينعقد فهو يمين ساقط، إن كان في معصية أو فيما لا هو معصية ولا هو طاعة. أما إن كان اليمين على طاعة انعقد وضربوا مثلا لذلك جاء الرجل بابنه، وقال تعال احلف بالله ألا تتعاطى مخدراً لزمه اليمين، إذا فاليمين في الطاعة يختلف عن اليمين في المعصية، جاء الحاكم بالرجل وقال له احلف بالطلاق أن ترد للناس أموالهم لزمه اليمين، إذا فاليمين فيه حالتان: حالة إن كان اليمين في معصية أو ما ليس بمعصية ولا طاعة لا ينعقد ولا يلزم، وإن كان اليمين في طاعة قيل بل يلزم، وقال البعض: اليمين لا يلزم ولا ينعقد ، يمين المكره، سواءً أكان في طاعة أم كان في معصية. بعد ذلك تقاس الأمور في الطلاق في الزواج في النكاح البيوع اليمين النطق بكلمة الكفر أفعال تدل على الكفر كالسجود لصنم وما إلى ذلك. واختلفوا بعد ذلك في حد الإكراه بمعنى: قال رجل أكرهت على شرب الخمر، كيف؟ ما هو حد الإكراه فيما دون القتل، القتل هو أعلى درجة من درجات الإكراه، لكن ما دون ذلك كالسجن، كالضرب، كالتعذيب، كالتهديد، بعضهم قال: كل ذلك يعد إكراها حتى التهديد إذا كان التهديد ممن يملك أن ينفذ ما توعد به كالحاكم مثلا، والبعض الآخر: اختلف في حد الإكراه لم يعتبر السجن إكراها لم يعتبر السجن إكراه ها هو يوسف قال: (قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ ) [سورة يوسف آية: ٣٣]،
فحدث الاختلاف، في كل الأحوال العبد مخيّر حين يُكره بين أن يُقتل وبين أن يحيا ويأتي بما طلب منه سواءً أكان في العقيدة وأصل الشريعة، أو كان في الأفعال التي هي دون ذلك، (مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ) ذلك الأصل أعلى الدرجات، بعد ذلك الأفعال كشرب الخمر والزنا، السرقة، قتل الغير النكاح الطلاق اليمين البيوع وما إلى ذلك، تلك أمثلة، قالوا: القتل أولى أن يرتضي القتل، واستدلوا على ذلك بقولهم إن عمارا كفر بلسانه وأخذ بالرخصة، وعفا الله عنه، ومسح النبي دموعه، أما ياسر الأب وسميّة أول شهيدين في الإسلام، لم يفعلا ذلك وفضلا القتل على النطق بكلمة الكفر، أيهما أفضل؟ بل واستدلوا أيضا بقصة أخرى في عصر النبي (صلى الله عليه وسلم) ظهر مسيلمة الكذاب حين أرسل إليه رسل والرسل لا تُقتل لكن مسيلمة كان كافرا، ذهب الرجلان إليه فجاء بسياف وأوقف الرجلين أمامه وقال لأحدهم ماذا تقولون في محمد؟ قال: هو رسول الله، قال: ماذا تقول فيّ؟ قال: أنت كذلك إذ زعم مسيلمة أنه رسول وطالب محمداً (صلى الله عليه وسلم) أن يجعل الأمر له من بعده قال الرجل أنت كذلك فخلاّه وأطلق سراحه، وقال للآخر: ماذا تقول في محمد؟ قال هو رسول الله، قال: وماذا تقول فيّ؟ قال أنا أصمّ فأعاد عليه ثلاثا والرجل يقول أنا أصمّ، فقتله فبلغ الخبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: أما الأول فأخذ برخصة الله، وأما الثاني فصدع بالحق فهنيئا له، من هنا قال العلماء: إذا فضل أن يُقتل على أن ينطق بكلمة الكفر فهو أفضل، أما في الأفعال فاختلف الناس وهو الإكراه على الزنا الإكراه على الزواج الإكراه على أن يُسلم امرأته للفحشاء، خرج عليك رجال والعياذ بالله والرجل مع زوجته وخرج عليه رجال بالسلاح هل يُقتل دون امرأته في الزود عن عرضه؟ قالوا لا واستدلوا بفعل إبراهيم حين أرد النمروذ الجبار في مصر أن يُرسل إليه زوجته قال: قولي له إنك أختي، وقال بعض الناس في الأفعال التي هي دون الكفر والتي هي من فروع الشريعة يُقتل أفضل من أن يزني أو يشرب الخمر، أو يسجد لصنم، أو يتزوج مكرها أو يطلق مكرها، طالما تشبث وثبت على دينه بأصله أصل الشرع وبفروعه، وإن قُتل في سبيل ذلك فذاك أفضل، قال الآخرون: رويداً رويداً نحن لا نمانع ولا نعترض ولكن نخشى أن يكون الحكم كحكم المضطر (فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (١١٥)) [سورة النحل آية: ١١٥]، فنخشى أن يكون الحكم حكم المضطر، فيكره على الزنا فيأبى فيُقتل أن يكون قد ألقى بنفسه إلى التهلكة، إذ إن المضطر لو افترضنا أنه في صحراء وأوشك على الموت عطشاً وفي شربة الخمر حياته يشرب أم لا؟ يشرب لأنه مضطر ولا يلقي بيده إلى التهلكة، من هنا قالوا نخشى أن يكون الحكم كحكم المضطر فعليه أن يأتي بالفعل والقلب مطمئن بالإيمان، رأيان والعلم واسع، ولو تكلمنا فيما قاله العلماء تفصيلا في كل شيء لوقفنا على هذا المنبر إلى الجمعة القادمة.
القيامة مواقف وفي القيامة مشاهد، وتكلمنا عن كثير من مواقف القيامة، وعن كثير من مشاهد القيامة، ومن مشاهد القيامة الخصومة، وآه من الخصومة، من أمثالها يأتي القتيل ظلماً ودمه يسيل ممسكا بيد قاتله وبتلابيبه ويقول يا رب خُذ لي حقي منه، ومن أمثالها الخصومة بين الجن والإنس تقول الإنس:
(رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمْ عَذَابًۭا ضِعْفًۭا مِّنَ ٱلنَّارِ ۖ ) [سورة الأعراف آية: ٣٨]، وترد الجن: (فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۢ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)) [سورة الأعراف آية: ٣٩]، منها خصومة الأتباع والمتبوعين (أَنَحْنُ صَدَدْنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم ۖ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ (٣٢)) [سورة سبأ آية: ٣٢]، ويقول الأتباع (بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُۥٓ أَندَادًۭا ۚ ) [سورة سبأ آية: ٣٣]، ويتبرأ الكل من الكل (إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ (١٦٦)) [سورة البقرة آية: ١٦٦]، ويصرخ الأتباع (لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةًۭ فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا۟ مِنَّا ۗ ) [سورة البقرة آية: ١٦٧]، خصومات، خصومات من وقع الناس فيه وفي عرضه يطالب بحقه، من أكل ماله يطالب بحقه، وما من أحد إلا وعليه تبعات، الخصومة مشتعلة بين أهل الموقف جميعا، وذاك يشهد على ذاك، وهذا يفرّ من هذا، (يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ (٣٦)) [سورة عبس آية: ٣٤- ٣٦]، بل يود المجرم يومئذ لو يفتدي من عذاب جهنم وعذاب الموقف بفصيلته التي تؤويه، بل ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه، ويؤتى بجهنم يجرها سبعون ألف ملك، وتزفر زفرة، والزفرة النفس، وهم يجرونها (وَجِا۟ىٓءَ يَوْمَئِذٍۭ بِجَهَنَّمَ ۚ ) [سورة الفجر آية: ٢٣]، يجرها سبعون ألف ملك تزفر زفرة، فلا يبقى معها مَلَكْ مقرَّب ولا نبي منتخب إلا وقع على ركبتيه جاثيا يقول نفسي نفسي حتى إبراهيم الخليل يقول يا رب أنا خليلك لا أسألك اليوم إلا نفسي، مواقف ومشاهد، ومن أعجب الخصومات في ذلك اليوم خصومة الإنسان مع نفسه يخاصم الجسد الروح، ويخاصم الروح الجسد، فيقول الروح: رب أنت خلقتني ولم يكن لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها ن ولا عين أبصر بها، ولا أذن أسمع بها ولا عقل أعقل به فجئت فدخلت في هذا الجسد، فضعّف عليه العذاب ونجني، ويرد الجسد رب أنت خلقتني بيدك فكنت ساكنا جامداً كالخشبة، لا يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، ولا أذن أسمع بها، فجاء هذا ويشير إلى الروح فجاء هذا كشعاع النور فيه نطق لساني وبه أبصرت عيني وبه سمعت أذني وبه مشت رجلي وبه بطشت يدي ضعّف عليه العذاب ونجني الجسد والروح يختصمان، فيُضرب لهما المثل واسمع واعقل وعي وانتبه للمثل، بستان على باب البستان مُقعد وأعمى، ينادي المقعد على الأعمى، الأعمى لا يبصر الثمر، والمقعد لا يصل إليه، فيقول المقعد للأعمى تعال واحملني ندخل البستان آكل وأطعمك، فجاء الأعمى وحمل المقعد ودخلا البستان، والبستان غير مملوك لهما وأخذ المقعد يتناول من الثمر يأكل ويُطعم الأعمى على أيهما يكون العذاب؟ من المخطئ منهما الأعمى أم المقعد أم تعاونا؟ فكذلك الروح والجسد عليهما العذاب جميعا خصومة وخصومات واسمع لقول الحق (تبارك وتعالى):
يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍۢ تُجَـٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿111﴾
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا قَرْيَةًۭ كَانَتْ ءَامِنَةًۭ مُّطْمَئِنَّةًۭ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًۭا مِّن كُلِّ مَكَانٍۢ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ﴿112﴾
لذا يقول الله (تبارك وتعالى):
وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ ﴿113﴾
يأتي الأمر من الله (تبارك وتعالى) معدداً ومبيناً نعمته مما أحل وما حرم، وأن المالك للتحليل والتحريم هو الخالق الحاكم المدبِّر:
فَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًۭا طَيِّبًۭا وَٱشْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿114﴾
بعد ما أباح لهم الأكل والتمتع وأمرهم بشكر حتى تدوم وقد بيّنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حديثه: (قَيّدُوا الْنِّعَمَ قالوا وما قيد النعم؟ قال: الْشُّكْرُ (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ ) [سورة إبراهيم آية: ٧]) ها هو حصر للتحريم:
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿115﴾
وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌۭ وَهَـٰذَا حَرَامٌۭ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿116﴾
مَتَـٰعٌۭ قَلِيلٌۭ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿117﴾
وهكذا فربنا (تبارك وتعالى) ينهاهم عن ذلك (وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌۭ وَهَـٰذَا حَرَامٌۭ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ )، (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَـٰعٌۭ قَلِيلٌۭ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١١٧)) من افترى على الله الكذب: اختلق وجاء بالكلام من عنده ثم نسبه إلى الله لا يُفلح، وكأن الآية تُشعر بأن من افترى على الله الكذب فعل ذلك لينال شيئا، طبعا من افترى على الله الكذب لم فعل ذلك؟ لينال شيئا من المنافع، فربنا يقول لهؤلاء: (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)) لا يصيبوا ما افتروا الكذب من أجله، لا ينجحون في مسعاهم، هم افتروا على الله الكذب لينالهم شيء من متع الدنيا، أو من منافع الدنيا من جاه أو سلطان أبداً لن تصلوا إلى ذلك، لأن متاع الدنيا زائل مهما عظُم، زائل وإلى زوال، (مَتَـٰعٌۭ قَلِيلٌۭ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (١١٧)) متاع في هذه الدنيا ولهم عذاب أليم في الآخرة بما افتروا على الله الكذب. يبيّن ربنا (تبارك وتعالى) أن التحريم يحدث لأمرين: الأمر الأول: للضرر فالميتة ضرر، الدم ضرر، النجس ضرر، الخمر ضرر، الميسر ضرر، الزنا ضرر، القتل ضرر، فما حرّم الله، تبارك وتعالى، شيئا إلا لأنه فيه الضرر، ولأنه مضر للإنسان. لكن الله قد يحرم الطيبات عقوبة، فالتحريم إما للضرر، وإما عقوبة لمن حرم عليه.
من هنا يحكي ربنا عن اليهود، ماذا حرّم عليهم، ولماذا حرّم عليهم فيقول:
وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿118﴾
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ﴿119﴾
تاب وأصلح: لمن كانت المعصية فيها الإضرار بالغير أو الإفساد في الأرض، فلا بد من أن يصلح ما أفسد، كالسارق توبته بإعادة ما سرق وهكذا.
(إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌ (١١٩)) من بعد توبتهم (لَغَفُورٌۭ) لما ارتكبوا (رَّحِيمٌ (١١٩)) بهم إذ قبل توبتهم.
يأتي الكلام بعد ذلك عن القدوة إمام الموحدين، قدوة المحققين، والكلام متصل، ولا بد من التأمل ها هو قد قص عليكم ما حرم عليكم، ثم ها هو يبين أن التحريم قد يكون بسبب الضرر، أو يكون بسبب العقوبة، واتعظ يا من تسمع عما حدث مع اليهود، يأتي الأمر بعد ذلك لسيد الخلق بالاتباع، كيف يتبع وهو المتبوع للكل، كيف يتبع وهو أفضل الخلق على الإطلاق.
أيها الأخ المسلم: كلما يريد أن يعلم أموراً بعدما سمعنا أن أبواب التوبة فُتحت على مصراعيها، وأن التائب من الذنب كن لا ذنب له، وأن التائب من الذنب يتوب الله عليه ولو عاد إلى ذنبه في اليوم مائة مرة، بشرط ألا يكون متعمداً أو مستهزئاً أو مستخفاً بعقوبة الله (عز وجل) لأن الذنب أنواع: يرتكبه الإنسان مستحلاً ذاك كُفر، يرتكبه مستهزئا ذاك فسق أو كفر، يرتكبه متهاوناً، يرتكبه مدفوعاً بقوة الشهوة مدفوعاً بشيء، تختلف المسائل لكن أين أنا؟ أنا مذنب وعاص ومرتكب للذنوب تُرى لو تبت يتوب الله عليّ؟ ترى لو استغفرت يغفر الله لي؟ أنا مذنب وعاص ومرتكب للذنوب، ترى لو تبت يتوب الله علي؟ ترى لو استغفرت يغفر الله لي؟ ترى هل يرضى عني؟ ترى هل أحبني؟ أسئلة وهاك الإجابة (إِذَا سَرَّتْكَ طَاعَتُكَ وَسَاءَتْكَ مَعْصِيَتُكَ فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ) يا حبيبي يا سيدي يا رسول الله، يا حبيبي يا رسول الله، نور ها هو ينير لنا الطريق، ببساطة بإعجاز وبإيجاز (إِذَا سَرَّتْكَ طَاعَتُكَ وَسَاءَتْكَ مَعْصِيَتُكَ فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ) إعجاز فإن كنت تحمد الله وتفرح بالطاعة فإن وقعت وعصيت تضررت أو تضايقت أو ساءتك معصيتك إذاً فأنت مؤمن وهل المؤمن يعصي؟ نعم هذه هي الإجابة الأولى، ثانيا (وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا (١١٠)) [سورة النساء آية: ١١٠]
وثق أنك لو تبت لتاب الله عليك كيف؟ وافهم واستمع، الحركة والسكون بيد الله، النفس بيد الله، الدورة الدموية بيد الله، كل شيء بيده (وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)) [سورة الصافات آية: ٩٦]
إذا رفع العبد يديه هكذا من الذي رفعها؟ الله إذا قال يا رب من الذي أنطقه؟ إذاً فقبل أن يرفع العبد يديه إلى السماء أذن رب السماء أن تُرفع له اليدان، وقبل أن ينطق المستغفر بالاستغفار غفر له الديّان، وقبل أن يتوب التائب كُتبت له التوبة وأُذن له فيها (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ ) [سورة التوبة آية: ١١٨]، يستحيل أن يقول عبد من قلبه أستغفر الله ثم لا يُغفر له يستحيل، يستحيل، يتعارض ذاك مع عزة الإله الذي لا تضره المعاصي ولا تنفعه الطاعات، يتعارض مع كلامه ووعده (مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ۚ ) [سورة النساء آية: ١٤٧] .
هل رضى عني؟ تريد أن تعرف؟ سل نفسك: هل أنت راضٍ عنه، إذا رزقك الرضا عنه فقد رضى عنك أزلاً (رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ) [سورة التوبة آية: ١٠٠]، رضي هو أولاً مثل: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ ) [سورة التوبة آية: ١١٨]، فإن كنت راضٍ، كيف تكون راضياً عن الله؟ إذا رضيت بالقضاء والقدر، إذا شكرت الله على ما أنت فيه، إذا قلت كما يقول سيدنا رسول الله يقول: (الْحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ الْنَّارِ)، ذاك هو المسيء فقط حال أهل النار، أما غير ذلك فالحمد لله على كل حال، هل يحبنا الله؟ سل نفسك، هل أنت تحب الله؟ إذا كنت تحب الله فثق أنه يحبك: (فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ) [سورة المائدة آية: ٥٤]، هو يحبهم فيرزقهم حبه، هو يتوب عليهم فيرزقهم التوبة، هو يغفر لهم فيرزقهم الاستغفار، هو يرضى عنهم فيرزقهم الرضا.
فقد رد الله (تبارك وتعالى) شبهات المشركين، وفضح حججهم، وحذّرهم، وأنذرهم وساق الحجج، وساق الدلائل على وحدانيته (عز وجل) وبيّن أنه الذي يملك وهو وحده الذي يملك التحليل والتحريم، وأن ما أحله فهو الطيب، وما حرّمه فهو الخبيث، وأن التحريم كما يكون بسبب ضرر ما حرمه، فهو أيضا قد يكون عقوبة لمن عصاه، ثم يبيّن ربنا (تبارك وتعالى) أن التوحيد ملة جميع الأنبياء، ويثني على خليله إبراهيم (عليه السلام) ويبين الحق الذي اختلفوا فيه فيقول عز من قائل:
إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةًۭ قَانِتًۭا لِّلَّهِ حَنِيفًۭا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿120﴾
شَاكِرًۭا لِّأَنْعُمِهِ ۚ ٱجْتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿121﴾
وَءَاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿122﴾
ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿123﴾
والأمة تأتي بمعنى الشريعة: (إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ) [سورة الزخرف آية: ٢٢]، تأتي بمعان، وهنا يوصف إبراهيم بأنه أمة، أمة لأنه جمع من الفضائل واستكمل من الخصال ما لا يوجد أو توفر في الأفراد إلا قليلا، فكل خصلة خير مهما تواجدت فهي مفرّقة بين الناس، فذاك يتصف بخصلة وذاك يتصف بخصلة وهكذا، فخصال الكمال مفرّقة موزّعة بين الناس، أما إبراهيم فقد جمع كل خصال الخير التي إن وُجدت فهي متفرقة بين الناس. الأمة: معلّم الخير الأمة من أمَّهُ إذا قصده واقتدى به، لأن الناس يأتمون به والأنبياء يقتدون به فهو يُؤَم ويُقصد ليُنتفع بما عنده من خير، أمة لأنه كان في زمانه هو وحده المؤمن والناس جميعا كفار، فلم يكن على الأرض مؤمن غيره، ثم امرأته فهو أمة، (قَانِتًۭا) القنوت: الخضوع، والقانت: الطائع مع الخضوع، الطاعة مع الخضوع هي القنوت، فقد كان خاضعاً لله طائعا له وأدل دليل على خضوعه أنه همّ بذبح ابنه لرؤيا رآها، الطائع مع الخضوع (قَانِتًۭا لِّلَّهِ) طائعا له، خاضعا له، (حَنِيفًۭا) مائلاً عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق، (وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (١٢٠)) والإشراك أنواع: منه الجليّ ومنه الخفيّ، ربنا (تبارك وتعالى) ينفي عن إبراهيم كل ما يوهم بالشرك.
( شَاكِرًۭا لِّأَنْعُمِهِ ۚ ) الأنعم جمع نعمة (شَاكِرًۭا لِّأَنْعُمِهِ ۚ ) أي كان إبراهيم شاكراً لله (تبارك وتعالى) على النعم، والشكر عمل: (ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًۭا ۚ ) [سورة سبأ آية: ١٣]، فقد كان إبراهيم شاكراً لأنعم الله (عز وجل) عارفاً بها، مقدراً لها، مؤدياً حقها، (ٱجْتَبَىٰهُ) اختاره واصطفاه لنبوته ورسالته، والاجتباء: الاختيار، والأصل الجمع، الجابية: الحوض الذي يُجبى إليه الماء ويُجمع فيه، فكأن الاجتباء اصطفاء واختيار وضم وجمع، (وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (١٢١)) صراط الله، صراط التوحيد.
(وَءَاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ ) ما هي حسنة الدنيا؟ اختلف فيها العلماء: فمن قائل: النبوة والرسالة، ومن قائل: الولد الصالح فقد جعل ربنا أبناءه من الأنبياء إسحاق ويعقوب، وجعل النبوة في ذريته، ومن قائل: أنه في الصلاة جُمع مع الصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم) الصلاة على إبراهيم، (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم)، ومن قائل: إنه الثناء الحسن، فالكل يثني عليه، ومن قائل: حبّبه إلى الناس فما من أهل ملة إلا ويزعمون الانتساب إليه، فيزعم اليهود أن إبراهيم كان يهوديا ويزعم النصارى أن إبراهيم كان نصرانيا، فالكل يطمع ويطمح في الانتساب إليه، وما من ملة إلا وتؤمن به، واختلفت الملل في الأنبياء يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، أما إبراهيم فلم يكفر به أحد من أهل الملل جميعا، الحسنة: حسنة الدنيا، الطاعة، الزوجة الطيبة، الولد الصالح، الذكر الحسن، النبوة في ذريته، كل أهل الملل يزعمون الانتساب إليه، (وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (١٢٢)) أي لمع الصالحين، لأنه أيضا في الدنيا كان مع الصالحين، (وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (١٢٢)) وذاك استجابة لدعوته (عليه السلام) حيث قال: (وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ (٨٣) وَٱجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍۢ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ (٨٤)) [سورة الشعراء آية: ٨٣- ٨٤].
(ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ) والخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) بعد الحكاية عن إبراهيم التفت الخطاب لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) (ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (١٢٣))، (ثُمَّ) من حيث اللغة: تفيد التراخي كما يقولون، (ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ) لتراخي الزمان وأيام النبي (صلى الله عليه وسلم) فالمسافة بعيدة بين بعثة إبراهيم، وبعثة النبي (عليه الصلاة والسلام) إذاً ف (ثُمَّ) هنا لتراخي أيامه (صلى الله عليه وسلم) وقال بعضهم رأياً عجيبا قال بعضهم: (ثُمَّ) هنا لتفيد معنى آخر وهو: ها هي النعم التي أنعم الله بها على إبراهيم حنيفا مسلما، أمة، كان قانتا لله، كان شاكرا لأنعمه، أتاه في الدنيا حسنة، جعله من الصالحين وفي عداد الصالحين، وأجلّ نعمة أنعمها على إبراهيم، أن جعل سيد الخلق من أتباعه، (ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ) أي فوق كل تلك النعم التي أنعمتها على إبراهيم، نعمة هي أجل نعمة أن جعلت سيد الخلق مأموراً بإتباعه، فإذا أمر سيد الخلق باتباع إبراهيم، فتلك نعمة كبرى على إبراهيم وأعظم ثناء، (ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ) وكأن هذا من ضمن تعداد النعم على إبراهيم، (ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ) قال فيها العلماء كلاما كثيرا أصحه وأرجحه أن الأمر هنا أمر باتباع العقيدة وهي عقيدة التوحيد الخالص، بعضهم قال: مناسك الحج، وبعضهم قال: الجدل الحسن، لكن الشرائع في أصلها شيء واحد (مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ ) [سورة فصلت آية: ٤٣]، أصل العقيدة، أما الفروع فتختلف من شريعة لأخرى، فكيفيات الصلاة تختلف، كيفيات الصيام تختلف وهكذا، التحليل والتحريم قد يختلف، لكن الأصل وهو العقيدة التوحيد لا خلاف فيه من هنا (أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ) أي عقيدته في التوحيد، ومجادلته بالتي هي أحسن، لكل من كان له شبهة، لإزاحة الشبهات، (حَنِيفًۭا ۖ ) أي مسلماً مائلا إلى الدين الحق، (وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (١٢٣)) ثناء آخر، وتأكيد على توحيد إبراهيم لله وعلى عقيدته الصحيحة السمحاء، ورد على مشركي مكة، وعلى اليهود، وعلى النصارى، رد على كل مزاعمهم. وينتقل الكلام عن اليهود، ينتقل الكلام إلى حكاية عن يوم السبت، وقد يتبادر إلى الذهن انقطاع الصلة بين الكلام عن إبراهيم (ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ ) الكلام متصل من بداية السورة، الكلام متصل، ومن بدء الكلام عن القرية (وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا قَرْيَةًۭ كَانَتْ ءَامِنَةًۭ مُّطْمَئِنَّةًۭ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًۭا مِّن كُلِّ مَكَانٍۢ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ﴿١١٢﴾) ذاك تهديد لمشركي مكة، بيان أن التحريم قد يأتي عقوبة بسبب الكفران، وعدم الشكر، ثم الأمر لهم بالأكل من الحلال والبعد عن الحرام والنهي عن التحليل والتحريم بالهوى، (وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌۭ وَهَـٰذَا حَرَامٌۭ) ويبيّن أن التحريم كما يكون للضرر يكون للعقوبة، (وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ) ثم الأمر للنبي (صلى الله عليه وسلم) باتباع سيد الموحدين وإمام المحققين إبراهيم (عليه السلام) ونفي الإشراك عنه ورد مزاعم مشركي مكة بأنهم على ملة إبراهيم، ثم يعيد التحذير والتنبيه، إياكم والاختلاف على نبيكم، إياكم والعصيان فيشدد عليكم كما شدد على من كان قبلكم ومثال ذلك:
إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿124﴾
ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴿125﴾
وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّـٰبِرِينَ ﴿126﴾
وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍۢ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴿127﴾
إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴿128﴾
(وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ ) إذاً فالجدل للمعاندين، (بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ ) أي بالطريقة التي هي أحسن التي تفحم وتبهت المعاند، كما فعل إبراهيم، إذاً فالحكمة لخواص الناس، والموعظة الحسنة لعوام الناس، والجدل للمعاندين، لكن أي جدال ، الجدّل: أصلا الفَتْل، جَدْل الحبل أن تأتي بالخيوط ثم تلف بعضها على بعض تفتلها ذاك هو الجدل، فكأن المجادل يلوي كلام خصمه ويفتل حججه ويلتوي بالكلام، والجدل منه المحمود، ومنه المذموم، المحمود هو الذي كان بالتي هي أحسن، معنى الجدل بالتي هي أحسن: أن يكون جدالك من أجل إظهار الحق وإزهاق الباطل، وليس من أجل الغلبة أو انتصار رأيك على رأي الآخرين، الجدل المذموم هو الذي يبتغي به المجادل أن يعلو، أن تظهر حجته، أن يفتخر بنفسه ، أن ينتصر على خصمه، ليس من أجل الحق، أما الجدل الذي هو بالتي هي أحسن فهو الذي يكون هدفه انتصار الحق حيثما كان، (وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ ) المرتبة الثالثة من الدعوة للمعاندين، وفي كل هذه المراتب (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴿١٢٥﴾) أي رغم هذه المراتب، إلا أن وظيفتك الوحيدة هي البلاغ، فهؤلاء تبلّغهم بالحكمة، وهؤلاء تبلغهم بالموعظة الحسنة، وهؤلاء تجادلهم بالتي هي أحسن فقط، أما الهداية فإلى الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فمن دعوته فاستجاب فالله هداه، ومن دعوته فلم يستجب فالله أعماه، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴿١٢٥﴾) إذاً فليس الأمر إليك يا محمد، وإنما الأمر إلينا، أمر الهداية والإضلال، إنما عليك البلاغ، وبلاغك بمراتب وأساليب متعددة: منها الحكمة، ومنها الموعظة الحسنة، ومنها الجدل بالتي هي أحسن، تلك هي المراتب، تبقى مرتبة من لا تجدي معه الحكمة، ولا تنفع معه الموعظة الحسنة والجدال لا يفيد يصر على رأيه، ويستمر في عناده ويدفعه عناده للاعتداء، كما فعل فرعون بعد ما ألزمه موسى الحجة وجادله، ربنا الذي خلق السموات والأرض (قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)) [سورة الشعراء آية: ٢٨]
(قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ (٢٦)) [سورة الشعراء آية: ٢٦]
جدال (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَـٰمُوسَىٰ (٤٩) قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍۢ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى (٥٢)) [سورة طه آية: ٤٩- ٥٢]
وهكذا جدل بالتي هي أحسن إظهار للحجة (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌۭ (٢٧)) [سورة الشعراء آية: ٢٧]
(قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍۢ مُّبِينٍۢ (٣٠)) [سورة الشعراء آية: ٣٠]
دليل وبيّنه (قَالَ فَأْتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ (٣١) فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌۭ مُّبِينٌۭ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّـٰظِرِينَ (٣٣)) [سورة الشعراء آية: ٣١ - ٣٣]
رغم كل ذلك: (قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهًا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ (٢٩)) [سورة الشعراء آية: ٢٩]
فئة من الناس، فئة من الخلْق أضلّهم الله لحكمة، أعماهم الله لحكمة، هؤلاء لا يرتدعون، ومهما جادلت بالتي هي أحسن، لا يقتنعون، ويحاولون الاعتداء عليك، في هذه الحالة إن حدث منهم الاعتداء تلك المرحلة الرابعة، (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ ) إعجاز وإيجاز في كلمات تحتاج إلى صحائف إلى دستور، (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ ) الآية قيل إنها نزلت لسبب، وكما قلنا من قبل قول العلماء إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإن كان السبب يعين ويفيد على فهم المقصود من الآية، الآية قيل إنها مدنية والسورة مكية في غزوة أُحُد قُتل حمزة عم النبي (صلى الله عليه وسلم) أسد الله وأسد رسوله وبُقرت بطنه، وصُلمت أذنه وجُدعت أنفه، ومُثل به وكلكم يعرف القصة، حين رآه النبي (صلى الله عليه وسلم) على هذه الحالة حزن حزناً شديداً وضاق صدره وقال: (واللهِ لَئِنْ أَظْفَرَنِي اللهُ بِهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِيَن مِنْهُمْ) فنزل قول الله: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّـٰبِرِينَ (١٢٦)) ذاك سبب نزول الآية، فاستغفر النبي (صلى الله عليه وسلم) وكفّر عن يمينه، وانصاع لأمر الله، خاصة أنه حين رأى هذا المنظر قال: (لَوْلَا أَنْ يَحْزَنَ الْنَّسَاءُ أَوْ تَكُوْنَ سُنّةً بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يَبَعَثَهُ اللهُ مِنْ بُطُونِ الْسِّبَاعِ وَالْطَّيْرِ) ما دفنه، لكنه صلّى عليه ودفنه حتى لا تكون سنّة بعده، وحتى لا تحزن النساء، فنزلت الآية واستعفر النبي (صلى الله عليه وسلم) وكفّر عن يمينه ذاك هو السبب.
ولنرجع إلى الأمر النازل من السماء ونتأمل، (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ) الآية رغم أنها تتكلم عن العقاب، إلا أنها تعرّض بالصفح، وتأمر بالصبر تعريضا، واسمع، (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ) "إن" حرف شك، (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ) إذاً فكأن هنا فيه الأمر بالصبر تعريضا ثم صرّح به، (وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّـٰبِرِينَ (١٢٦)) المماثلة في العقوبة، كلمة عقوبة معناها جزاء على فعل، (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ ) أي بمثل ما أوذيتم به، فعبّر عن الإذاية بالعقوبة للمشاكلة اللفظية كقوله: (وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ۖ ) [سورة آل عمران آية: ٥٤]، فالعقوبة الأولى حقيقة - إن عاقبتم - والثانية بمثل ما عوقبتم مجاز الإذاية التي تمت، ومن هنا قال العلماء المماثلة في القصاص واجبة بمعنى من قتل بحديدة ظلما جيء بالقاتل وقتل بحديدة، قالوا المماثلة في القصاص مطلوبة طبقاً لهذا الأمر، المماثلة في القصاص، قتله بالسم يُقتل بالسم ليذوق نفس الألم، إلا أن يكون الفعل معصية كمن زنا بصغيرة لا تطيق فماتت، هل يُقتص منه بنفس الكيفية، يضرب بالسيف، سقاه خمراً حتى الموت هل نسقيه؟ لا، فإذا كان الفعل من الأفعال المحرّمة لا يُقتص بمثلها، أما إذا كانت الأفعال ليست من الأفعال المحرمة كالزنا وشرب الخمر، وما إلى ذلك، فالقصاص لا بد فيه من التماثل إلا أن يُخشى التجاوز، فإن جُلد شخص فالقصاص أن يُجلد من جلده وهكذا، (وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّـٰبِرِينَ (١٢٦)) عن انتقام المنتقمين، إذاً فهو أمر بالصبر، تصريح بالأمر بعد التعريض في قوله (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ) إن فعلت كذا، قد تفعل وقد لا تفعل والشك في أن تفعل الأمر، إن تسمى حرف شك، (وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّـٰبِرِينَ (١٢٦)) والكلام عام لأمة النبي (صلى الله عليه وسلم) وتوجّه الخطاب له فأُمر بالأمثل إذ هو القدوة وهو الأسوة وهو المثل الأعلى وهو سيد الخلق فأمره بالأمثل قائلا: (وَٱصْبِرْ) إذ لا يصح له أن يعاقب بمثل ما عُوقب به بل هو بالذات عليه أن يختار الصبر، (وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ ) والصبر أمر صعب، أمر شديد، الصبر والصفح والعفو أمر لا يقدر عليه الإنسان بمفرده أو بذاته من هنا منَّ عليه، (وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ ) أي أن صبرك الذي أمرت به سيتم لك بتوفيق الله وتأييده وبعونه، (وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ ) إذ هو المثل الأعلى والقدوة، (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟) إذا فالأمر بالصبر قلنا جاء تعريضا، ثم جاء تصريحا، ثم أمر سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) بالأمثل (وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ ) لكن يسرِّي عنه قبل أن يخبره بأن الله مؤيد الصابرين، وناصر المظلومين، وأنه مع المحسنين فيقول له: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) من؟ قالوا: ولا تحزن على الكفار من قومك فتلك إرادة الله، قيل ولا تحزن على الشهداء من أحبابك وأصاحبك ، ( وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) أي ولا تكن (فِى ضَيْقٍۢ) وقُرأت (في ضِيق) (مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴿١٢۷﴾) يحتالون، احتيال الكفار ومكر الكفار وتدبير الكفار لا يضيق صدرك بذلك، ولا تخش من مكرهم شيئا، ولا تعمل له حساباً ( وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) على الكفار وكفرهم ولا يضيق صدرك بما يمكرون، (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) لا تحزن على أحبابك وأصحابك الشهداء كحمزة ومصعب بن عمير وإخوانهم، (وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍۢ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴿١٢۷﴾) يضيق صدرك بما يمكر الكفار ويحتالون ويحاربونكم.
(إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟) قرار وصدق وحق مؤكد، (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟) معهم بالنصر والتأييد ، معهم بالهداية، معهم بالعناية، معهم بالكفاية، معهم بالرعاية، معهم بالنصر والتأييد، (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟) اتقوا الشرك واتقوْا المعاصي واتقوْا الظلم، (وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴿١٢۸﴾) متقنون لأعمالهم، أتقن في عبادته فإن صام حقاً وإن صلّى خاشعاً أحسن في عبادته: أتقنها، أو أحسن إلى الخلق فعفا وصفح (وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ )، (وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّـٰبِرِينَ ﴿١٢٦﴾) خير لكم خير لمن صبر وأفضل ممن انتقم لمظلمته، ولمن صبر وعفا وعفر كان ذلك فضلا لأن الله (تبارك وتعالى) يعوّضه، (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴿١٢۸﴾) في أعمالهم، محسنون إلى الخلائق بالصفح والعفو، ربنا (تبارك وتعالى) يقول موضع آخر (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ (٤٣)) [سورة الشورى آية: ٤٣]
ويقول (وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ ) [سورة الشورى آية: ٤٠]
ولا يأمر ربنا (تبارك وتعالى) بالصبر إلا الفضلاء والحكماء والخواص، وانظر لأمره لأبي بكر الصديق سيد كل قبيلة وفريق بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) حين منع النفقة عن قريبه الذي وقع في السيدة عائشة وأمره قائلا: (وَلْيَعْفُوا۟ وَلْيَصْفَحُوٓا۟ ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۗ ) [سورة النور آية: ٢٢]، واستجاب أبو بكر وعفا وصفح وأعاد النفقة إلى مسطح.
أيها الأخ المسلم: ربنا، تبارك وتعالى، يقول: (إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍۢ (١٠)) [سورة الزمر آية: ١٠]، يُروى أن في يوم القيامة وذاك مشهد من المشاهد السورة كانت حافلة بالكلام عن مشاهد ومواقف يوم القيامة، من مشاهد يوم القيامة يروى أن الناس في فزع، الناس في هلع لم يتم الحساب بعد، لم تُفتح الجنة بعد، لم تفتح أبوابها، ينادي المنادي من قبل العليّ الأعلى في الخلائق (لِيَقُمْ مَنْ كَانَ أَجْرُهُ عَلَى اللهُ ) فيقوم أناس يعرفون أنفسهم يقفون ويتقدمون إلى الجنة، يؤمرون إلى الجنة فتعترضهم خزنة الجنة إلى أين ولم يُنشر الديوان ولم ينصب الميزان فيقولون قد أُمرنا بذلك وأُذن لنا في دخول الجنة فتقول الملائكة من أنتم فيردون قائلين نحن الصابرون، فتفتح لهم أبواب الجنة قبل الحساب وقبل نشر الديوان وقبل نصب الميزان، تفتح لهم الجنة، وتقول لهم الملائكة سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.