سورة الحجر
سورة الحجر
مقدمة
لقاؤنا مع سورة الحجر سورة الحجر سورة مكية على نَسَق السور المكية تعني بالعقيدة وأصول العقيدة سورة الحجر تسع وتسعون آية اشتملت على دلائل التوحيد ، اشتملت السورة على أربعة عشر دليلا على كمال قدرة الله (عز وجل) وتناهي حكمته ونفاذ مشيئته وجليل نعمته التي تؤكد على وحدانيته ، وأنه المعبود الحق ، وأن من حقه أن يطاع وأن يُشكر لا أن يُكفر ، في أول السورة تهديد وعيد لكفار مكة ، وإقناط لرسول (صلى الله عليه و سلم) من إيمانهم مهما حدث ، وفي آخر السورة تسلية لرسول الله (صلى الله عليه و سلم) والمنّ عليه بأعظم وأجلّ النعم ، ووصية له بالصبر ، وذكرت السورة منشأ الخلق ، وكيف أُمرت الملائكة بالسجود فسجدوا وأبى إبليس ، وذكرت السورة مصير أهل السعادة ، ومصير أهل الشقاوة وقصت طرفا من قصص الرسل ، تسلية لسيد الخلق (صلى الله عليه و سلم) وسُميت السورة بالحجر لورود ذكر أهله ، والحِجْر مكان بين المدينة والشام ، كان يسكنه قوم ثمود هؤلاء الذين كذّبوا رسولهم صالح.
وافتُتحت السورة بالحروف المقطعة:
الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ وَقُرْءَانٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿1﴾
رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ كَانُوا۟ مُسْلِمِينَ ﴿2﴾
(رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ كَانُوا۟ مُسْلِمِينَ (٢))
(رُّبَمَا) : " رب" تستخدم للتقليل وتستخدم للتكثير ، وإن كان استخدامها للتقليل أكثر ، ولا تدخل على الفعل ، تدخل على الاسم "رُبَّ" رجل أشعث أغبر ، فإذا أردنا إدخالها على الفعل جيء ب"ما" النافية وتصبح نكرة موصوفة فهُيئت الكلمة للدخول على الفعل ودخولها على الماضي أكثر ، أما دخولها على المضارع فلتأكيد أنه واقع لا محالة ، إذ المُخبر هو الله (رُّبَمَا يَوَدُّ) وكأن كلمة "يود" هي صفه ل "ما" النكرة (رُّبَمَا يَوَدُّ) يتمنى في بعض الأحيان ، وكأن المعنى رب شيء يتمناه الكفار في بعض الأحيان ، إن كانت للتقليل ، وإن كانت للتكثير ، فالمعنى في كثير من الأوقات وكثير من الأحيان يتمنى الكافر لو كان مسلما ، ورُبَّ قُرأت بقراءات (رُبَمَا) و (رُبَّمَا) و (رَبَمَا) و (رَبَّمَا ) وفيها ثمان لغات لا تقرأ بها ولكنها لغات بنفس المعنى ، لكن القراءة بالتخفيف والتشديد (رُبَمَا وربَّمَا ) وقرأ البعض (رَبْمَا) (يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ كَانُوا۟ مُسْلِمِينَ (٢)) متى يكون ذلك؟ الذين قالوا "رُبّ" للتقليل قالوا: يحدث هذا في حالة واحدة وهي بعد دخول الكفار إلى جهنم يُفاجأ الكفار بوجود بعض المسلمين معهم العصاة فيقولون لهم مستهزئين ما نفعكم إسلامكم وما أجدى عنكم ، ها أنتم تشاركوننا العذاب ويأمر الله (تبارك وتعالى) بإخراج الموحدين من النار وهنا يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. وقال البعض الآخر الذي قال "رُب" للتكثير حال الموت يُفاجأ الكافر ولا يستطيع أن ينطق بالشهادة ولا يجيب الملكيْن حين البعث ، حين دخول الجنة للمسلمين ، وحين دخول الكفار وهكذا ، في مواطن كثيرة بل في الدنيا حين يرى الكافر كيف نصر الله المسلمين حال النصر في الدنيا ، في حال الموت ، في حال البعث وهكذا ، والكلام جيء به للتنبيه على أن الكافر إذا كان يود لو كان مسلما في بعض أحيانه فلينتهز الفرصة ويسلم قبل أن يأتي التمني ولا ينفعه التمني:
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا۟ وَيَتَمَتَّعُوا۟ وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿3﴾
وطول الأمل والحرص على الدنيا (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)) : يا له من تهديد فسوف يعلمون حين يرون العذاب سوف يعلمون عاقبة كفرهم سوف يعلمون حين يأتيهم الموت.
وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌۭ مَّعْلُومٌۭ ﴿4﴾
مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ ﴿5﴾
(كِتَابٌۭ مَّعْلُومٌۭ (٤)) : موعد وأجل محدد مقدّر مكتوب في اللوح المحفوظ لا تتقدم عنه ولا تتأخر عنه.
(مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ (٥)) موعد وأجل محدد مقدر معلوم لدى الله مكتوب في اللوح المحفوظ.
ثم تأتي الآيات لتبين هؤلاء استحقوا ذلك المصير لماذا؟ وهل هناك أمل في إيمانهم ، يطلبون الآيات هل لو نزلت يؤمنوا؟ يستعجلون بالعذاب ، هل يؤتى بالعذاب بناء عن طلبهم واقتراحهم ماذا فعلوا؟ قالو:
وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌۭ ﴿6﴾
لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿7﴾
يرد الله (تبارك وتعالى) على هذا الطلب:
مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَمَا كَانُوٓا۟ إِذًۭا مُّنظَرِينَ ﴿8﴾
(مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ) بالوحي ، بالحق: بالعذاب ، بالحق: على مقتضى الحكمة والمشيئة والمصلحة ، تنزيلا ملتبسا بالحق.
(وَمَا كَانُوٓا۟ إِذًۭا مُّنظَرِينَ (٨)) أصل " إذاً" إذ أن بمعنى حينئذ و"إذاً" هنا جواب لهم وجزاء لشرط مقدّر وتقدير الكلام (ما ننزل الملائكة إلا بالحق ولو نزلنا الملائكة حينئذ ما كانوا منظرين) بمعنى أن الملائكة لو نزلت ولم يؤمنوا بمحمد (صلى الله عليه و سلم) حقت عليهم كلمة العذاب ، (وَمَا كَانُوٓا۟ إِذًۭا مُّنظَرِينَ (٨)) مؤخرين أو مُمهلين ، طالما نزلت الملائكة تنزل بالعذاب نزلت الملائكة ولم يؤمنوا حق عليهم كلمة العذاب وربنا (تبارك وتعالى) يعلم أن منهم من يسلم فيما بعد ، ومنهم من يأتي من ذريته من يسلم ، فالحكمة تقتضي التأجيل.
وتأتي آية في السياق وكأنها تشعر بمعنى خاص أنتم تريدون نزول الملائكة للإيمان وللتصديق وللتأكيد ، القرآن الذي نزل أكبر وأجلّ وأعظم وأدل على صدقه من نزول الملائكة:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ ﴿9﴾
رأي من الآراء (وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ (٩)) أي لمحمد من أن يتقول علينا أو يتقول عليه.
(وَإِنَّا لَهُۥ) للقرآن للذكْر وذاك أرجح (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ) للذكر للقرآن ، وألفاظ القرآن ونسق القرآن يستحيل أن يقلد فهو محفوظ بذاته ، هو القرآن حفظه من ذاته لحافظون للقرآن ، وقد يكون حفظه بالحفظة والحملة والذين رهنوا حياتهم وسخروا حياتهم لحفظ القرآن والمحافظة عليه ، وإنما القرآن محفوظ بذاته ولو سمعت آيات القرآن وأنت لا تحفظ لعلمت أن ذاك قرآن ، ولو زيد فيه لعلمت رغم أنك لا تحفظ إذ إن كلام القرآن مباين لكلام البشر أنّى يتساوى كلام البشر مع كلام الخالق.
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ (٩)) نعمة كبرى الكتب السابقة أوْكل حفظها لأهلها:
(بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ) [سورة المائدة آية: ٤٤] ، فضاع منهم وحرّفوه ، أما القرآن فتكفل الله بحفظه ، وانظر إلى الفارق (بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ) [سورة المائدة آية: ٤٤] (وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ (٩)).
وتأتي التسرية لرسول الله (صلى الله عليه و سلم) والحكاية عن قصة الإنسان الجاحد في كل زمان ومكان:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿10﴾
وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿11﴾
كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُۥ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿12﴾
لَا يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿13﴾
(وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ (١١)) فإذا استهزأ بك قومك ونادوك قائلين: (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ) استهزاءً فقد استهزئ برسل من قبلك ، فهي تسرية للنبي (صلى الله عليه و سلم) وتسلية .
(وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌۭ (٦)) [سورة الحجر آية: ٦]
(كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُۥ) أي كما فعلنا بكفار الأمم السابقة جعلنا بكفار أمتك
(كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُۥ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ (١٢)) السَلْكْ: إدخال الشيء في الشيء كإدخال الخيط في المخيط ، سَلَكَ يسلكُهُ سلْكاً ، (كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُۥ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ (١٢)) يسلك ماذا؟ ما الذي أدخله الله في قلوب المجرين إدخال الخيط في المِخْيط؟ في الإبرة ، الكفر؟ الباطل؟ التكذيب ، أم القرآن أدخله في قلوبهم مُكذَباً به غير مُؤمنٍ به ، كما فُعل بأشياعهم من قبل ، وكما فُعل بالأولين الذين كفروا برسلهم واستهزئوا بهم ، إما أن الله أدخل الباطل في قلوبهم إذا فالله (تبارك وتعالى) يخلق الحق ويخلق الباطل ، وها هو قد سلك الباطل في قلوب المجرمين إذ هم مستحقون لذلك نتيجة استهزائهم (كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُۥ) بالرسل التكذيب أو الباطل ، أو القرآن يدخل في قلب المسلم يشرح صدره وينير قلبه ويثبت إيمانه ، ويدخل القرآن في قلب الكافر فيزيده ضلالا على ضلال يدخل مشوه مكذَباً به إذا نزلت الآية زادت المؤمنين إيمانا وزادت الكافرين رجساً على رجسهم نفس الآية (كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُۥ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ) أي نسلكه غير مُؤمَنٍ به غير مُصدق به (وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ (١٣)) خلت: مضت ، (سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ (١٣)) : عادتهم (وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ (١٣)) أي مضت عقوبة الأولين على التكذيب بالإهلاك فما ينتظر هؤلاء إلا مصير من كذّب من قبلهم ، أو خلت سنّة الله في الأولين بإهلاكهم وتدميرهم حين كذبوا الرسل.
ويأتي بعد ذلك بيان أن كفار مكة وما طلبوه من الآيات ليؤمنوا ما هو إلا تعنت وعناد وجحود ، ومهما نزل عليهم من آيات أو فُعل بهم من معجزات لن يؤمنوا لأن الله سلك في قلوبهم الكفر (كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُۥ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ (١٣)) واسمع:
وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴿14﴾
لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌۭ مَّسْحُورُونَ ﴿15﴾
و "لو" امتناع الشيء لامتناع غيره (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟) استمروا طوال نهارهم ، ظل يفعل كذا: استمر في فعله نهاراً ، ظل ظلولا: استمر في الفعل نهارا ، ظل.
(فَظَلُّوا۟ فِيهِ) : في الباب الذي فُتح (يَعْرُجُونَ (١٤)) يصعدون والعروج: الصعود ، والمعارج المصاعد ، لو فتحنا عليهم فرضا بابا من السماء فارتفعوا فيه وصعدوا فيه فرأوا المِلك والملكوت والملائكة ، أو لو فتحنا الباب وهم على الأرض (فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)) الملائكة الذين طلبوا نزولهم ، طلبوا نزول الملائكة (لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ) فلو فتحنا باب السماء ونظروا بأعينهم فإذا الملائكة تنزل وتصعد ، تنزل وتصعد ، تنزل وتصعد ، أو هم أنفسهم صعدوا ، (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم) على الكفار (فَظَلُّوا۟) الملائكة ، (فِيهِ) في الباب (يَعْرُجُونَ (١٤)) ، فإما الكلام عن عروج الملائكة صعود الملائكة ونزولها ، وإما الكلام عن الكفار لو أصعدهم ربنا (تبارك وتعالى) فرأوا السموات والملكوت (لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا) سَكَر وسَكّر: سد سَكَرتُ النهر: سددته سكرت الباب وسكّرت الباب: أغلقته
(لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا) من السكْر: الغلق أو من السُكْر، السكر بالشراب (لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا) كأنهم قد سقَوْا أنفسهم أو أعينهم خمراً فها هم يتخيلون فما هو إلا خيال يعرض لمن سكر من الشراب أو سكِّرت: أُغلقت وما نراه إلا تخييلا لا نرى حقيقة.
( بَلْ نَحْنُ قَوْمٌۭ مَّسْحُورُونَ (١٥)) "بل" للإضراب أي ليس الأمر بل يبدو أن محمدا قد سحرنا وما نرى إلا خيالات وخزعبلات ولا نرى حقائق لو فُتح باب السماء وعُرج بهم فيه ما آمنوا ذاك قول الله ، عز وجل، طُبعت قلوبهم على الكفر والعياذ بالله لك الحمد يا رب على نعمة الإسلام ، وما أجلّها نعمة ، لك الحمد يا رب ، لم يُفتح باب في السماء ولم تنزل إلينا الآيات ولا المعجزات وها نحن قد أسلمنا طواعية واختيارا بفضل الله ما أجلّها من نعمة ، ما أعظمها من منّة نسأل الله أن يديمها علينا جمعينا وألا ينزعها منّا أبداً حتى نلقاه على شهادة لا إله إلا الله.
(وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌۭ مَّسْحُورُونَ (١٥)) لا أمل ودعوتك يا محمد ونصحك إياهم لا طائل تحته إذاً فهو تيئيس وإقناط لرسول الله (صلى الله عليه و سلم) من إيمان هؤلاء لم؟ رغم أنه أُمر أن يدعوهم؟ كي لا يحزن ، كي لا ييأس ، وإنما عليك البلاغ بإبلاغك تلزمهم الحجة ، أما إيمانهم فموكول إلى الله هو أعلم بهم يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
ثم تأتي الآيات بعد ذلك لتبين كمال قدرة الله (عز وجل) وتناهي حكمته وعظيم كرمه ومنته ، وتسوق الآيات أربعة عشرة دليلا على وجود الله وتدبيره وتصريفه وحكمته ومشيئته وصفاته العليا فيسوق ربنا (تبارك وتعالى) الأدلة واسمع وتأمل أربعة عشر دليلا:
وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًۭا وَزَيَّنَّـٰهَا لِلنَّـٰظِرِينَ ﴿16﴾
وَحَفِظْنَـٰهَا مِن كُلِّ شَيْطَـٰنٍۢ رَّجِيمٍ ﴿17﴾
إِلَّا مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿18﴾
وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْزُونٍۢ ﴿19﴾
وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ ﴿20﴾
وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٍۢ مَّعْلُومٍۢ ﴿21﴾
وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَـٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَسْقَيْنَـٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمْ لَهُۥ بِخَـٰزِنِينَ ﴿22﴾
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْىِۦ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَٰرِثُونَ ﴿23﴾
وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـْٔخِرِينَ ﴿24﴾
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ ﴿25﴾
(وَزَيَّنَّـٰهَا) السماء (لِلنَّـٰظِرِينَ (١٦)) للمعتبرين ، المستدلين بما يرونه على وجود الخالق المدبر ، (وَزَيَّنَّـٰهَا لِلنَّـٰظِرِينَ (١٦)) وكم من إنسان يمشي في الأرض وبصره إلى الأرض ما يرفع بصره إلى السماء أبداً، ولا يتخيل أن يرفع بصره إليها ، ومن الناس من يتأملون ، والكلام عن هؤلاء المنتفعين بالنظر (وَحَفِظْنَـٰهَا مِن كُلِّ شَيْطَـٰنٍۢ رَّجِيمٍ (١٧)) رجيم أي مرجوم ، والرجم إما الضرب بالحجارة ، وإما الطرد واللعن إذ المطرود الملعون يُقذف بالحجارة. (وَحَفِظْنَـٰهَا) حفظنا السموات أو السماء الدنيا الكلام عنها من كل شيطان رجيم ملعون مطرود.
(إِلَّا مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ مُّبِينٌۭ (١٨))
الاستراق: افتعال من السرقة الاختلاس سراً ، استقرق: اختلس سرا (إِلَّا مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ) "إلا " استثناء متصل أو منفصل يتغير المعنى حسب الإعراب ، إن كان الاستثناء متصلا فالمعنى حفظنا السماء من كل شيطان رجيم ، ولم نحفظها من المختلسين تركناهم ، لكن لا يتسمعون إلى الوحي وإنما يتسمعون إلى بعض الأخبار التي يُلقون بها إلى الكّهان ، وإن كان الاستثناء منقطعا فالمعنى: حفظناها من كل شيطان رجيم على الإطلاق محفوظة ، لكن من استرق السمع حاول واختلس في هذه الحالة أتبعه شهاب مبين أتبعه: لحقه وأدركه "وأتبع " غير "تبع " تبعه: مشى وراءه وأتبعه: لحقه وأدركه ، (إِلَّا مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ) في هذه (فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ مُّبِينٌۭ (١٨)) الحالة الشهاب: شعلة النار الساطعة مبين: واضح يراه ، وكلنا إذا نظر إلى السماء ليلا وجد هذه الشهب تنقض لامعة ساطعة سريعة ثم تختفي وهي منفصلة عن الكواكب أو منفصلة عن النجوم خلقها الله (تبارك وتعالى) خصيصا لرجم الشياطين الذين يحاولون استراق السمع ، والسماء حُفظت ببعثة النبي (صلى الله عليه و سلم) ولم تكن الشُهب قبل ذلك تلحق الشياطين بدليل قوله (عز وجل) حكاية عن قول الجن الذين أسلموا (وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَـٰهَا مُلِئَتْ حَرَسًۭا شَدِيدًۭا وَشُهُبًۭا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَـٰعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلْـَٔانَ يَجِدْ لَهُۥ شِهَابًۭا رَّصَدًۭا (٩)) [سورة الجن آية: ٨- ٩]
إذا فلم تكن السماء محفوظة من استراق السمع قبل بعثة سيد الخلْق (صلى الله عليه و سلم) وقيل بل حُفظت بمولده ، والرأي الأول أرجح أنها حُفظت ببعثته ، (إِلَّا مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ مُّبِينٌۭ (١٨)) والسؤال: هذا الشهاب الواضح الساطع إذا رأيناه يعترض السماء بهذه السرعة يتخيل الإنسان تُرى من أُصيب بهذا الشهاب مات أم أصيب فقط سؤال؟ قيل بل يصاب فقط يصاب بالخبل ويصاب بالجروح والقروح والألم ، وقيل بل يموت إذا مات بالشهاب ذاك الشيطان المسترق إذا قتله الشهاب فلا كهانة ولا علم للغيب وانتهت الكهانة بحفظ السماء ، وقال البعض: بل قبل أن يموت لا بد وأن يُلقي بما استمع لغيره فهم يتصاعدون درجات وهكذا يجترئ أحدهم فيسترق فإذا تبعه الشهاب ألقى بما سمعه لمن يليه وإلا ما صعد أحد منهم بعد ذلك وما أدركه شهاب بعد ذلك ، ولانقطعت الشهب ولانقطع الاستراق ، إذاً لا بد من أن الاستراق يأتي لهم نتيجة حتى يواصلون ، إذ لو استرق السمع فأتبعه الشهاب فقتله ولم يلق ما استمعه وما عرّفه لأحد من الشياطين لامتنعوا عن الاستراق إذ لا أمل، استمرار الشياطين في الاستراق معناه أن الشهاب إما لا يقتل يصيب فقط ، وإما يقتل لكنه يلقى بما استمع قبل أن يُقتل.. (وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْزُونٍۢ (١٩)) آية ، ها هي السماء الزينة ها هي الكواكب ها هي النجوم ها هي منازل القمر منازل الشمس منازل الكواكب منازل النجوم شروق النجوم غروب النجوم آيات للمتأملين وانظر إلى الأرض (مَدَدْنَـٰهَا) بسطناها سهلة يمشي عليها الإنسان دون عسر ، يمشي عليها بيسر وسهولة (وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ) جبال ثابتة رست بها الأرض ، فلا تميل ولا تهتز (وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا) في الأرض (فِيهَا) في الجبال والأرض كذلك (وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا) في الأرض وفي الجبال ، (وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْزُونٍۢ (١٩)) ويا لها من كلمة (وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْزُونٍۢ (١٩)) ما من شيء ينبت وينشأ في الأرض إلا يوزن ، وكذلك الجبال فيها المعادن والذهب والقصدير والحديد والزرنيخ والفحم ، فيها النحاس ، فيها من جميع المعادن (وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا) أنبتنا: أنشأنا ، أوجدنا (فِيهَا) في الأرض وفي الجبال كذلك (مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْزُونٍۢ (١٩)) مقدّر معلوم (مَّوْزُونٍۢ (١٩)) يوزن (مَّوْزُونٍۢ (١٩)) معدود محدود (مَّوْزُونٍۢ (١٩)) ذو وزن في النعمة وانظر كيف تستمتع بكل شيء أنبته الله في الأرض وفي الجبال ، المعادن النفسية الذهب الفضة الجواهر الحديد (وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌۭ شَدِيدٌۭ) [سورة الحديد آية: ٢٥] ، (مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْزُونٍۢ (١٩)) ذو وزن من حيث النعمة والمنة ، (مَّوْزُونٍۢ (١٩)) ذو وزن من حيث النعمة (مَّوْزُونٍۢ (١٩)) : يوزن (مَّوْزُونٍۢ (١٩)) : طبقا للحكمة وما تقضيه المشيئة (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا) في الأرض (معائش ) قراءة (مَعَـٰيِشَ) جمع معيشة أسباب الرزق ، الإنسان يولد ويكبر ثم تجد أسباب الرزق ميسرة له بالزراعة وبالصناعة وبالتجارة وبكل ما يمكن أن يستفيد منه الإنسان ويرتزق ، (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ) ليس أنتم وحدكم (وَمَن لَّسْتُمْ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ (٢٠)) تجار الماشية هل رزقوا ماشيتهم أم خلقها الله لهم؟ الحشرات والوحوش والكلاب والحمير والبغال الأولاد (نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ ) [سورة الإسراء آية: ٣١] ، (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا) أيها المخاطبون (وَمَن لَّسْتُمْ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ (٢٠)) كذلك نحن جعلنا له معايش.
( وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٍۢ مَّعْلُومٍۢ (٢١)) والكلام خرج مخرج التمثيل ، والآية في إعجازها اللغوي ومن حيث المعنى مذهل ، الخزائن: جمع خزانة ، الخزانة ما هي؟ الخزانة: مكان حصين يحتفظ الإنسان فيه بكل نفيس من مال لا يصل إليها أحد رغم شدة الرغبة فيما فيها محفوظة ، يملكها صاحبها وقتما يريد يفتح ويأخذ فهو غير محتاج إذ خزانته عامرة بالنفيس هذه هي الخزانة ، ربنا يقول: (وَإِن مِّن شَىْءٍ) فيما ترَون فيما قُصّ عليكم نجوم كواكب بروج ملائكة إنسان أي شيء تراه من نعم الدنيا ذهب فضة أكل شرب أي شيء ، (إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ) هل هو في خزائن ، وإما الكلام تمثيل بمعنى ما ترونه هذا نحن نستطيع ونقدر أن نأتي بأضعاف أضعاف أضعاف أضعافه فهو في الخزائن وما أخذتم منه بقدر معلوم ، مقدار على قدر الكفاية (وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍۢ مَّا يَشَآءُ ۚ) [سورة الشورى آية: ٢٧] (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ)،
إذاً فهو تمثيل لقدرة الله (تبارك وتعالى) ومقدوراته اللامتناهية ، غير متناهية ، كل ذلك محفوظ رغم الرغبة في الوصول إليه لا يمكن أن تأخذ أكثر من رزقك ، عنده الخزائن محفوظة مصانة مليئة لا تغيض ، لا تنضب ، ينزل بقدر ما شاء ، فما ترونه من نعم جليلة عنده الخزائن التي لا تنضب.
(وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ) نوجده وننشئه ، (إِلَّا بِقَدَرٍۢ مَّعْلُومٍۢ (٢١)) وفق ما تقضيه الحكمة والمصلحة.
(وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَـٰحَ لَوَٰقِحَ) لواقح: جمع لاقح: حامل ، اللاقح: حامل، واللاقح مُلُقِح ، (وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَـٰحَ لَوَٰقِحَ) : حوامل أو مُلقحة ، وانظر إلى الرياح ها هي تلقح السحاب ببخار الماء فيتكاثف ويتكاثر وها هي تلقح الشجر بما تحمله من حبوب اللقاح ،
(لَوَٰقِحَ) : حوامل بالمطر ، حوامل بالخير حوامل بالسحاب ، مُلقحة أيضا للشجر وللسحاب (لَوَٰقِحَ) : حوامل تحمل التراب وتحمل الماء ، (فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ) من جهة السماء ، (مِنَ ٱلسَّمَآءِ) من السحاب كل ما علاك فهو سماء (فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَسْقَيْنَـٰكُمُوهُ) يا لها من نعمة (وَمَآ أَنتُمْ لَهُۥ بِخَـٰزِنِينَ (٢٢)) المطر نزل من السماء ونشأت به الحياة ، هذا النازل يضيع في الأرض تشربه الأرض وتشربه الصحاري ، أنّى لنا أن نحتفظ به وقت الحاجة فالمطر ليس في كل يوم ، وليس في كل وقت نحن نحتاج لهذا الماء نروي به الزرع نسقي به البهائم ، نشرب منه نحتاجه أين نحفظه؟ ولو حفظت الماء في زجاجة لتعطن ، وجرب ضع الماء في كوب واتركه أياما وانظر ماذا يحدث؟ يتعطن (وَمَآ أَنتُمْ لَهُۥ بِخَـٰزِنِينَ (٢٢)) هو الذي خزنه لكم ، وانظر إلى الآبار مخازن ، وانظر إلى العيون مخازن ، وانظر إلى الأنهار مخازن فسبحان من خزّنه لمصلحة الناس (وَمَآ أَنتُمْ لَهُۥ بِخَـٰزِنِينَ (٢٢)) هو الذي خزنه لك ، وها هو عذبُ ُ فرات في كل وقت تجده.
( وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْىِۦ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَٰرِثُونَ (٢٣)) إحياء النطفة وإماتة الإنسان ، الحياة والموت هو الذي يحيي ويميت يهب الحياة لكل ذي حياة إنسان جان حيوان نبات ، هو الواهب للحياة لكل ذي حياة ، (وَنَحْنُ ٱلْوَٰرِثُونَ (٢٣)) ماذا يرث؟ وانظر إلى الكلام ، ربنا ، تبارك وتعالى، خلق الدنيا وخلق الإنسان في هذه الدنيا وخلق الأشياء وقسّم الأرزاق وملَك الناس ، ملكهم فأنت تملك بيتا وذاك يملك أرضا وذاك يملك مالا هو ملَكك فأنت مالك ، فإن مت ورثك أبناؤك ، فإذا انتهت الدنيا انتهى المِلْك ولم يبق مالك ولك يبق مِلْكْ إلا الملك المالِك لكل شيء.
(وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـْٔخِرِينَ (٢٤)) المستقدمين من لدن آدم إلى وقتنا هذا ، المستأخرين: الذين لم يولدوا ولم يُخلقوا بعد ، المستقدمين: الأمم السابقة ، المستأخرين: الأمم اللاحقة المستقدمين: من تقدموا في الجهاد وتقدموا في الطاعة المستأخرين: من تأخروا عن الطاعة والجهاد وهكذا ، (وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ) أرجح الأقوال: الأمم السابقة كل من مات من لدن آدم إلى الوقت الذي تسمع فيه الآية ، والمستأخرين كل من لم يولد بعد ويأتي في زمان آخر. ها هو ربنا (تبارك وتعالى) يبين كمال علمه بعد ما دلل على كمال قدرته ، والقادر عالم والعالم قادر فالآيات كلها تدلل على القدرة أربعة عشر دليلا (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًۭا وَزَيَّنَّـٰهَا لِلنَّـٰظِرِينَ ﴿١٦﴾ وَحَفِظْنَـٰهَا مِن كُلِّ شَيْطَـٰنٍۢ رَّجِيمٍ ﴿١۷﴾ إِلَّا مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿١۸﴾ وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْزُونٍۢ ﴿١۹﴾ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ ﴿٢۰﴾ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٍۢ مَّعْلُومٍۢ ﴿٢١﴾ وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَـٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَسْقَيْنَـٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمْ لَهُۥ بِخَـٰزِنِينَ ﴿٢٢﴾ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْىِۦ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَٰرِثُونَ ﴿٢۳﴾ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـْٔخِرِينَ ﴿٢٤﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ ﴿٢۵﴾)
عٍاْم شامل ، عَلِم المستقدمين ، علم بهم بأشكالهم بأعدادهم ، بأعمالهم بأنفاسهم بمواضعهم بآثار أقدامهم ، بكل شيء ، علم كل شيء ، (وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـْٔخِرِينَ (٢٤)) وإذا كان الأمر كذلك هذه القدرة وهذا العلم فلا بد وأن تعلم أن لكل بداية نهاية ولكل أول آخر.
(وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ (٢٥)) توسيط الضمير هنا هو للدلالة على أنه هو وهو فقط الحاشر للخلائق القادر على ذلك (إِنَّهُۥ حَكِيمٌ) حكيم في صنعه ، (عَلِيمٌۭ (٢٥))عليم بخلْقه.
فتقص الآيات من سورة الحجر علينا كيف بدأ الخلق ، بعد أن ساقت الآيات أربعة عشر دليلا على وحدانية الله وقدرته وكمال حكمته وعظيم نعمته ونفاذ مشيئته ، يقول الله (تبارك وتعالى):
وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ ﴿26﴾
وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ﴿27﴾
وكما تكلمنا في سورة الأعراف نذكركم بأن بَدْء الخلق لآدم كما قيل من تراب مفرّق الأجزاء ، ثم بُلّلَ بالماء فأصبح طينا ، ثم تُرك الطين فترة حتى اسوّد وتغيّر وأنتن ، ثم جف فأصبح كالصلصال وهو الطين الجاف الذي يُصَلِّلْ يخرج صوتا إذا نُقر عليه ، فإذا طُبخ بالنار فهو الفخار ، أطوارا أرادها الله (تبارك وتعالى) لخلْق الإنسان ، وقد رُوى إن آدم حين كان في صورة الفخار أخذ يطيف إبليس به يتعجب من هذا الخلْق حين وجده مجوفاً عَلِم ألا عزْم له. (وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍۢ) الصلصال: الطين الجاف الذي إذا نقرت عليه صلصل أي أخرج صوتا (مِّنْ حَمَإٍۢ) الحمأ: الطين المتغير الذي اسوّد من طول مجاورته للماء وهو وصف للصلصال ، من صلصال من حمأ ، الحمأ صفة للصلصال، (مَّسْنُونٍۢ (٢٦)) منتّن نتن الرائحة ، أو متغير ، أو مصبوب سنّ الماء: صبه كأنه صُب في قالب ليأخذ ذاك الشكل ، أو مسنون مصوّر من سنة الوجه ، فمسنون تعني كل ذلك متغيّر من سن الحجر إذا حك الحجر على الحجر سال منه سائل متغير الرائحة يسمى السَنيِن فإما: متغير مُنتن أو مصبوب أو مُصَوَّر.
(وَٱلْجَآنَّ) اسم جنس للجن وهو أبو الجن ، وقيل: هو إبليس إذ هو أبو الجن ومن ذريته مؤمن وكافر ، كما أن آدم أبو البشر ومن ذريته أيضا مؤمن وكافر ، والجن يتزاوجون ويأكلون ويموتون وهم مكلفون ، ومنهم الطائع ، ومنهم العاصي ، ومنهم المؤمن ، ومنهم الشياطين (وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ) من قبل خلق آدم ، إذا فقد خلق الجن أولا (مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ (٢٧)) السموم: الريح الحارة التي تقتل ، وسُميت سموما لأنها شديدة القوة ، شديدة اللطافة والرقة حتى أنها تدخل وتنفذ من مسام البدن ، (ٱلسَّمُومِ (٢٧)) وقيل السموم: نار لا دخان لها كالصواعق التي ترونها نار بلا دخان.
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى خَـٰلِقٌۢ بَشَرًۭا مِّن صَلْصَـٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ ﴿28﴾
فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِينَ ﴿29﴾
(فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِينَ (٢٩)) قعوا: أمر من "وقع" (فَقَعُوا۟ لَهُۥ) : أي خِروا له في التو واللحظة بمجرد نفخ الروح ، وعلامة نفخ الروح أن يتحرك قد يُفهم ذلك أو هم يعلمون بتمام النفخ بأسلوبٍ ما (فَقَعُوا۟) خروا له فورا (سَـٰجِدِينَ (٢٩)) السجود لآدم أمر من اثنين لا ثالث لهما: إما سجود تحية وتكريم كما سجد إخوة يوسف له سجود تحية وتشريف دلالة على تشريفه وتفضيله وعلو منزلته ، أو السجود لله وآدم قبلة لذلك السجود ، فأنت حين تسجد تتوجه إلى الكعبة فتسجد متجها إلى الكعبة وكأنك تسجد لها والحقيقة أن السجود لله والكعبة قبلة ، فكان سجود الملائكة لله تعظيما وعبادة وخضوعا وكان آدم قبلة لهذا السجود أو سجود وتحية وتكريم يعلم الله:
فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿30﴾
إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ ﴿31﴾
هناك رأي يقول إن الاستثناء متصل وإذا قال ذلك لزم له التقدير بمعنى: فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس وكأن السائل سأل هلا سجد فقيل: أبى أن يكون مع الساجدين ذاك هو التقدير ، لكن المعنى الأول أرجح وأن الاستثناء منقطع ، وقال بعض الناس أن الاستثناء قد يتصل وقد يستثنى الشيء من غير جنسه ، واستدلوا على ذلك يقول الله (عز وجل): (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًۭا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًۭا سَلَـٰمًۭا سَلَـٰمًۭا (٢٦)) [سورة الواقعة آية: ٢٥- ٢٦] ، والسلام ليس من اللغو ، إذا فالاستثناء من غير الجنس ، آراء لكم أن ترجعوا إليها لمن أراد المزيد في هذا الشأن إذ إن الفهم في اللغة وفي إعرابها يساعد على فهم المراد من ألفاظ القرآن.
قَالَ يَـٰٓإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ ﴿32﴾
قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُۥ مِن صَلْصَـٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ ﴿33﴾
إذاً فقد غفل إبليس عن اعتبار الفاعل. الأمر الثاني: غفل إبليس عن اعتبار الصورة هو من طين ، هو من صلصال من حمإ ٍ مسنون ، لكن الله بعد أن عدّله وصوّره نفخ فيه من روحه فغفل عن هذا الاعتبار ، العنصر أصل العنصر لكن ماذا حدث لهذا العنصر ، نفخ فيه بأي شيء بأمر الله غفل عن هذا الاعتبار ، غفل عن اعتبار الاعتبار الثالث وهي الغاية الغاية ، ما هي الغاية من خلق آدم؟ أن يكون خليفة في الأرض لذا علّمه الأسماء كلها ، لذا حين عرض الأسماء على الملائكة قالوا لا علم لنا ، إذا فقد غفل إبليس عن اعتبارات ثلاث: الفاعل , الصورة ، الغاية ، ونظر إلى اعتبار واحد ألا وهو اعتبار العنصر ، ذاك كان قياسه الخاطئ الذي أورده موارد التهلكة ، (قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ) اللام لتأكيد النفي كأنه يقول: كيف يصح كيف يكون أن أسجد لهذا ، لتأكيد النفي ، لتأكيد الامتناع لم يقل (لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ) : لم يقل لم أكن أسجد ولكن قال:( لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُۥ مِن صَلْصَـٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ (٣٣)).
قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌۭ ﴿34﴾
(فَإِنَّكَ رَجِيمٌۭ (٣٤)) أي مرجوم فعيل بمعنى مفعول كما قلنا من قبل في كثير من الألفاظ كقتيل بمعنى مقتول ، مرجوم: معلون الرجم: اللعن الرجم: الضرب بالحجارة وكل مطرود يُضرب بالحجارة وكل مضروب بحجارة فهو مطرود.
وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴿35﴾
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿36﴾
( قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)) هل كان إبليس يتوقع أنه مجاب الدعوة؟ (رَبِّ) دعاء ، (رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ) هل كان يتوقع؟ ما الغرض له في هذا التأجيل وهذا الطلب؟ أم هو التحدي؟ أم هو الحقد؟ أم هو الغل؟ أم هو الحسد؟ امتنع عن السجود لكِبره استكبر وامتلأ بالكبر ، وامتلأ بالحقد على هذا الخليفة ، وامتلأ بالغل من أجل من أجل تكريم هذا الخلق الجديد ، كيف يُكَرَّم وكيف تسجد له الملائكة وكيف يُعلَّمْ الأسماء ، وكيف يصبح خليفة لله في أرضه ، أكان هو خليفة في الأرض قبل ذلك؟ ما الذي دفعه لهذا الحقد الأسود والغِل والكِبْر؟ إذاً (رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)) الدافع لذلك هو: أن يأخذ الفرصة كاملة في إغواء بني آدم وفي إظهار أنهم غير مستحقين للتكريم ، وأنه كان على حق في عدم السجود منتهى الفجور منتهى الكفر منتهى العناد منتهى الجحود.
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ﴿37﴾
إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴿38﴾
قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿39﴾
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿40﴾
قَالَ هَـٰذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ ﴿41﴾
إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴿42﴾
هنا قال (رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)) "بما" الباء هنا أهي للقسم؟ "وما" مصدرية مع الفعل تفيد المعنى ، رب بإغوائك لي سأفعل ، كأنه أقسم بإغواء الله له أقسم بفعل من أفعال الله ، كقولك: بقدرة الله وبقدرة الله وما إلى ذلك ، أهي للقسم؟ قال بعضهم: نعم أقسم بإغوائه كما أقسم في قوله: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)) [سورة ص آية: ٨٢] ، في سورة ص ، قال بعضهم بل الباء هنا للسببية ، وليست للقَسَم والمعنى: قال رب بسبب إغواءك لي سأفعل وأفعل وأفعل ، أو لأفعلن ولأفعلن فالباء هنا للسببية (قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى) أي بسبب إغوائك لي (لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ) يزين في الأرض ، ما الذي يزينه؟ القبيح لا شك ، الزينة طلاء الزينة تقام ثم تُفض الزينة تمويه الزينة تجميل وتزويق لشيء فقد الجمال ، إذاً ففعله وغرضه أن يريك الباطل حقاً بتزيينه ، أن يريك المعصية حلوة المذاق (لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ) إما الأشياء وإما المعاصي (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ) من الغواية: الضلال التردي في العصيان ، فقد التمييز (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)) (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ (٤٠)) استثناء متصل (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)) أي جميع الخلائق كل الذرية ذرية هذا الذي أمرتني بالسجود له ، لكن هو يستثني فئة (إلا عبادك منهم المخلِصين) قراءة الذين أخلصوا طاعتهم لله دون شبهة رياء أو نفاق (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ (٤٠)) الذين أخلصتهم أنت بتوفيقك لطاعتك ولعبادتك (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ (٤٠)) هذا الاستثناء الذي قاله إبليس إذاً فقد علم أنه لا سلطان له على فريق من الناس ، إما أخلصهم الله لطاعته ، وإما أخلصوا هم طاعتهم لله.
وهنا جاء القرار من العليّ الأعلى (قَالَ هَـٰذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)) وقرأت (هذا صراط عَلِيُّ مستقيم ) أي الإشارة للإخلاص (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ (٤٠)) فالإشارة للإخلاص ، إخلاص الله للعبد وإخلاص العبد لله ، هذا طريق عَلِىّ مرتفع لا يُنال مرتفع من أن يُنال مستقيم من أن يمال ،( إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ) أو (صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)) حق عليَّ أن أراعيه لا انحراف عنه ، (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ) الإشارة لذلك ، أو (هَـٰذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)) أي هذا طريق إليّ مستقيم لا انحراف فيه والكل راجع مجزئ بعمله (قَالَ هَـٰذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)) "عليّ" بمعنى "إليّ" كأنه خرج مخرج التهديد والوعيد (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ (٤٠)) فكأن الإشارة لمن غوى (قَالَ هَـٰذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)) أي حق على فيه تهديد فيه الوعيد لأجزين كلاً بعمله.
(إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ (٤٢)) ، (إِنَّ عِبَادِى) هنا إما المقصود المخلَص والمخلِص (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ) أي لا سلطان لك على قلوبهم ولا على موضع إيمانهم ، لكن قد يزِلّ أو يخطئ العبد فأتداركه برحمتي وأوفقه للتوبة (إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ (٤٢)) استثناء منفصل وشرحنا قبل ذلك المنفصل والمتصل بمعنى (لكن من اتبعك) إذاً فالمجموعة الأولى منفصلة عن المجموعة الثانية ، الأُوَل هم المخلصين الآخرون ليسوا منهم (لكن من إتبعك من الغاوين فإن جهنم موعدهم أجمعين ) ، أو الاستثناء متصل والعباد هنا الخلْق (إِنَّ عِبَادِى) الخلْق (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ) مصداقا لحكاية القرآن عن قوله يوم القيامة: (وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ) [سورة إبراهيم آية: ٢٢] ،
(ِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ) في إيمانهم أو موضع الإيمان ، أو سلطان على قلوبهم ، وإنما توسوس وتدعو فمن اتبعك من الغاوين فإن جهنم لموعدهم أجمعين ، (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ (٤٢)) وأرجح الأقوال وأشبه الأقوال بالصواب وبالسياق إن عبادي المخلَصين أو المخلصِين ليس لك عليهم سلطان ، لكن من اتبعك من الغاوين فإن جهنم لموعدهم أجمعين أي موعد الغاوين جهنم يلتقون فيها جميعا مجموعون فيها: إذا فاتباع الشيطان والغواية درجات وتنوعات حيت تسمع:
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿43﴾
لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَٰبٍۢ لِّكُلِّ بَابٍۢ مِّنْهُمْ جُزْءٌۭ مَّقْسُومٌ ﴿44﴾
فقد ذُكر مصير الأشقياء ، وذُكر مآل الغاوين ونهاية من اتبعوا الشياطين ، ثم تُذكر نهاية المتقين ، ويُذكر مآل الطائعين فيقول عز من قائل:
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍ ﴿45﴾
ٱدْخُلُوهَا بِسَلَـٰمٍ ءَامِنِينَ ﴿46﴾
وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ ﴿47﴾
لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌۭ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴿48﴾
(ٱدْخُلُوهَا بِسَلَـٰمٍ ءَامِنِينَ (٤٦)) أي ويقال لهم (ٱدْخُلُوهَا) على إرادة القول أمر بالدخول ، (بِسَلَـٰمٍ) مسلّماً عليكم (بِسَلَـٰمٍ) بسلامة من الآفات ، (ءَامِنِينَ (٤٦)) من الزوال ، (ءَامِنِينَ (٤٦)) من الموت ، من كل ما يسيء ، (ءَامِنِينَ (٤٦)) من كل آفة.
(إن المتقين في جنات وعيونٌ) قراءة (أُدخلوها) أي أدخلهم الله
(إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍ (٤٥)) (إن المتقين في جنات وعيونٌ) (ٱدْخُلُوهَا) (أُدخلوها ) بهمزة الوصل وبهمزة القطع (أُدخلوها ) أي أدخلهم الله ، (ٱدْخُلُوهَا بِسَلَـٰمٍ ءَامِنِينَ (٤٦)).
(وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ) الغل: الحقد ، الغل: الغيظ الغلّ أصلا من الغلالة والغلالة: الثوب الرقيق الذي يلبس بين الشعار والدثار ، الملابس الملاصقة للجلد تسمى "الشعار" بينها وبين الدثار والملابس الخارجية غلالة: ثوب رقيق ، أو من الغَلَلْ وهو الماء المتخلل من الشجر أصل كلمة الغل ، أو من الغلول وهو السرقة من الغنائم ، الغل مرض ، الغل من أمراض القلب ، الغل: الغيظ الذي لا يُنفذ لا يستطيع أن ينفذه ، الغل الناشئ من الحسد والحقد وما إلى ذلك.
( وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ) في الدنيا أم في الآخرة؟ قال بعضهم: في الدنيا المؤمن لا غل في قلبه أبدا (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ) [سورة الأنفال آية: ٦٣]
المؤمنون إخوة ، والأخوّه تمنع الغلّ ، (إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌۭ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ ) [سورة الحجرات آية: ١٠] إذاً فقد نزع الغلّ من صدورهم في الدنيا وهيأهم بذلك للجنة ، وقال بعضهم: بل نشأهم نشأة أخرى في الآخرة فنزع ما في صدورهم من غل وكما قال علي بن أبي طالب أرجوا أن أكون أنا وفلان وفلان ممن نزع الله من قلوبهم الغل أنا وعثمان وطلحة أو أنا والزبير ممن قال الله فيهم (وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ) ، (إِخْوَٰنًا) الأخوة الحقة أخوّة الجنة (عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ (٤٧)) لا ينظر أحدهم إلى ظهر أحد ، ولا يفاجأ أحد بقفا أحد ، بل إذا دار دارت الأسِرَّة معه فهم دائما متقابلين ، أو (عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ (٤٧)) أي أقبل عليهم أزواجهم والحور العين ، أو السرر ليس بمعنى السرير جمع سرير ، وإنما هي من السرور (عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ (٤٧)) كأن الله هيأهم لأماكن السرور والمقابلة الحلوة بالأزواج وما إلى ذلك.
(لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌۭ) تعب ، النصب: التعب: لا تعب هناك بجميع أنواع التعب قد تتعب العين ، قد تتعب المعدة قد يتعب العقل قد يتعب القلب قد يتعب البدن ، قد تتعب النفس لا تعب هناك من أي من نوع مهما أكلت مهما شربت مهما فعلت لا تعب (لَا يَمَسُّهُمْ) مجرد المس لا يصيبهم أبداً ،(وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)) إذاً فهو دوام ، إذاً فهو عز لا يزول ، دوام في الجنة.
أيها الأخ المسلم: ها هو مصير الأشقياء والعياذ بالله ، وذلك مصير الأتقياء والحمد لله.
الأمر واضح والطريق واضح وليس بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار. ترى أيها تختار.
خرج النبي (صلى الله عليه و سلم) يوما على أصحابه فوجدهم يضحكون فقال: (أَتَضْحَكُونَ وَبَيْنَ أَيْدِيْكُم الْجَنَّةُ وَالْنَّارُ) فشق ذلك على الصحابة ولم يلبث يسيراً بعد إنصرافه (صلى الله عليه و سلم) حتى نزل عليه جبريل له من وحي (عز وجل):
نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿49﴾
وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ ﴿50﴾
(نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (٤٩)) (وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ (٥٠)) والآية تُشعر وتنبئ بأمور أولا: قبل هذه الآية قول الله (عز وجل): (إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍ (٤٥)) فالآية تُشعر بأن التقوى ليس معناها أن الإنسان مُبرَّأ من كل العيوب ، معصوم من كل الذنوب ، فإن ذكر المغفرة دليل على وجود ما يُغفر (نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (٤٩)) فلا ييأس من يقع في الصغائر ، ولا ييأس من وقع في كبيرة ثم تاب والتقوى مهما بلغ بها العبد فالعصمة لرسل الله.
الأمر الثاني: من نَسقْ الآية يشعر الإنسان أن الأساس هو الرحمة وأن الرحمة صفة لازمة ملازمة للذات العلية وأن الرحمة سبقت الغضب ، كما يُشعر النسق بما عهدناه في القرآن كله إذا ذُكر الوعد ذكر تصريحا ، وإذا ذُكر الوعيد ذُكر تعريضا ، للدلالة على سعة رحمة الله واسمع وتأمل: (نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (٤٩)) ولم يقل وأني أنا المعذِب المؤلم ، حتى يكون النسق متسقا بحسب اللغة وما عهدناه ، لكن الله (تبارك وتعالى) لم ينسب لذاته العلية هذه الصفة ، وإنما نسب لنفسه صفة الرحمة (نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ (٥٠)) لذا كان مطلوبا من العبد أن يكون رجاؤه أكثر من خوفه ، أو يتساوى الرجاء مع الخوف ، فإن اقترب الموت غلب الرجاء على الخوف وأحسن الظن بالله (عز وجل).
وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ ﴿51﴾
إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَقَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ ﴿52﴾
قَالُوا۟ لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍۢ ﴿53﴾
قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴿54﴾
قَالُوا۟ بَشَّرْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْقَـٰنِطِينَ ﴿55﴾
قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ ﴿56﴾
(وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ (٥١)) "الضيف" لفظ يُطلق على المذكر والمؤنث والمفرد والجمع ، وسُمى الضيف ضيفاً لإضافته إليك ضافه وأضافه أماله ، (وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ (٥١)) أخبرهم عن هذه القصة وهذه الحادثة.
(إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَقَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ (٥٢)) دخل الأضياف على إبراهيم وكانوا ذوي عدد ، قيل عشرة معهم جبريل وكانوا في صورة الشباب الجميل ، لِمَ خاف إبراهيم؟! (فَقَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا) إذاً فقد سلّموا عليه سلاما ، أو قالوا قولاً يوحى بالسلام قالوا سلاماً: سلمنا عليك سلاماً ، (قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ (٥٢)) الوجل: اضطراب النفس لتوقّع المكروه ، أو استشعار الخوف من آتٍ لا تتوقع منه خيراً ، دخلوا عليه بغير استئذان؟ محتمل ، دخلوا عليه في وقت لا يدخل فيه الضيف؟ محتمل ، قدم إليهم الطعام فامتنعوا عن أكل الطعام ، وتلك أشد الأمور ، من هنا حدث الوجل (إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَقَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ (٥٢)) : خائفون مضطربون متوقعين ما لا يُحمد عقباه.
(قَالُوا۟ لَا تَوْجَلْ) (قالوا لا تُؤجَلْ) (قالوا لا تَاجَلْ) (إِنَّا نُبَشِّرُكَ) لا تُوجَلْ لا تخف لا تضطرب لا تفزع ، والدليل على هذا الطلب ، والتعليل للنهي عن الوجل (إِنَّا نُبَشِّرُكَ) والمبشِّرْ لا يخاف منه أحد ، بل جاء بما يسرّ لا بما يُكرَه ، (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍۢ (٥٣)) عليم حين يبلغ ، أو عليم من صغره ، ذو علم خارق وذكاء كبير (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍۢ (٥٣)) وهو إسحاق ، (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)) ، تعجب من هذه البشرى الغريبة التي تخالف العادة ، وتعجُب إبراهيم باعتبار العادة دون القدرة إذ هو لم يتعجب من قدرة الله فهو يعلم أن الله على كل شيء قدير ، وأنه خلق آدم من غير أب ومن غير أم ، فخلقْ وليد من أب كبير وأم عاقر أمر يسير ، فتعجبه لم يكن باعتبار قدرة الله ، وإنما التعجب باعتبار العادة ، لم تجر العادة بذلك ، (أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ) أي أبشرتموني على مس الكبر إياي وزوجتي و "أن" مصدرية (فبم تبشرونَ ) في المصحف قراءة بفتح النون (فبمَ تبشرونِ) قراءة بكسر النون (فبم تبشرونَّي) بالكسر والتشديد قراءة كما جاء في (أتحاجّونّي) وإعرابها سهل أو تعليلها سهل: نون الوقاية ونون الجمع حُذف أحدهما إلى آخر هذا قراءات ثلاث (بم تبشرونَ) أي ما هي بشراكم (بم تبشرونِ) أنا (بم تبشرونَّي) أي بما تبشرونني ما هي البشرى؟ (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)) بأي شيء؟ وكيف؟ تعجب!.
(قَالُوا۟ بَشَّرْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ) أي بالأمر الواقع لا محالة ، بالأمر الثابت الذي قضاه الله، (تبارك وتعالى) والولد قادم لا محالة.
(فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْقَـٰنِطِينَ (٥٥)) ، (فلا تكن من القَنطِن) قراءتان ، القنوط: اليأس شدة اليأس ، أو كمال اليأس، (فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْقَـٰنِطِينَ (٥٥)) : اليائسين ، (فلا تكن من القَنطِن) اليائسين أيضا ، على وزن حضر يحضر.
(قَالَ وَمَن يَقْنَطُ) (ومن يقنِطُ ) ( ومن يقنُطُ) قراءات ثلاث النون مثلثة بالفتح والكسر والضم قَنَط يقَنَطُ قنط يقنِطُ قنِطَ يقنطُ ويِقنُطُ قَنُط يقنُطُ كلها بمعنى واحد. (قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ (٥٦)) الذين فقدوا طريق المعرفة الذين غاب عنهم حقائق صفات الله ، عز وجل، الضالون: الذين فقدوا الطريق إلى الله طريق معرفته ومعرفة صفاته ، ومعرفه أن الله على كل شيء قدير ، أما القلب المؤمن فهو يطمئن ويعلم تماما أن لله قادر على كل شيء ويثق في رحمة الله (عز وجل) وأنها وسعت كل شيء.
قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ﴿57﴾
قَالُوٓا۟ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍۢ مُّجْرِمِينَ ﴿58﴾
إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿59﴾
إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ قَدَّرْنَآ ۙ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ ﴿60﴾
فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴿61﴾
قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌۭ مُّنكَرُونَ ﴿62﴾
قَالُوا۟ بَلْ جِئْنَـٰكَ بِمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿63﴾
وَأَتَيْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ﴿64﴾
(وَأَتَيْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ) إذاً فالعذاب واقع لا محالة (وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ (٦٤)) لصادقون فيما نخبرك به.
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَـٰرَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌۭ وَٱمْضُوا۟ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ﴿65﴾
وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَٰلِكَ ٱلْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـٰٓؤُلَآءِ مَقْطُوعٌۭ مُّصْبِحِينَ ﴿66﴾
ذاك كان أمر الملائكة للوط ، وجاءت القصة قبل ذلك في سورة هود ، وجاءت كذلك في سورة الأعراف ، بصيغ متعددة وبأساليب مختلفة وتكلمنا عنها بشيء من التفصيل ، لكن الصيغة هنا توحي بأمور غريبة يقول الله (عز وجل).
وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿67﴾
قَالَ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ ضَيْفِى فَلَا تَفْضَحُونِ ﴿68﴾
وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ ﴿69﴾
قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿70﴾
قَالَ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِىٓ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ ﴿71﴾
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿72﴾
فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ﴿73﴾
فَجَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍ ﴿74﴾
إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ ﴿75﴾
وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍۢ مُّقِيمٍ ﴿76﴾
إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿77﴾
فاتق الله أيها الأخ المسلم واحذر غضبة ربنا (تبارك وتعالى) وإياك أن يجدك حيث نهاك ، وإياك أن بفتقدك حيث أمرك.
فمن الأمور التي يتعجب لها المرء وتدعو إلى التأمل والتدبر ذاك المشهد وتلك القصة ، هذا الاستدراج لقوم لوط بإرسال الملائكة على صورة شباب ، أو على صورة غلمان حسان الوجوه ، استدراج غريب والوصف لمجيئهم أغرب (وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧)) وهنا وقع الكرب على لوط أضياف ولم يكن يعلم أنهم من الملائكة كما جاء في موضع آخر ، والتقديم والتأخير في القصة واضح ، إذ حين جاءوه واعتقد أنهم أضياف وأنكرهم ، وجاء أهل المدينة ، وحاول دفعهم ودفع شرّهم عن أضيافه ، أخبره الأضياف وطمأنوه أنهم رسل الله (قَالَ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ ضَيْفِى فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨)) الفضح: إظهار ما به يلزم العار ، فضحه الصبح: أظهره ، وفضح فلانا أظهر من أمره ما لا يعلمه الناس ، بحيث يلزمه بذلك العار ، (وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩)) (تُخْزُونِ (٦٩)) من الخزي وهو الذل والهوان ، أو من الخزاية: الخجل والحياء (قَالَ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ ضَيْفِى فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩)).
ها هو يخاطب قومه المروءة فيهم أو الشهامة ، ضيف وإكرام الضيف منذ الأزل من مكارم الأخلاق ، والاعتداء على الغريب من المنكرات ، ثم إن فضح الضيف فضح للمضيف ، وفعلهم بالأضياف ما لا يليق عار على من أضافهم ، (قَالَ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ ضَيْفِى فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨)) ويخوفهم عقاب الله (عز وجل) ويذكرهم عقابه (وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩)).
وانظر إلى الرد (قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٧٠)) ذاك كان ردهم ، يذكّرهم بالله ويخوفهم عقابه ، يخاطب فيهم المروءة والشهامة ، لا نقول الدين ، بل يخاطب فيهم الرجولة ، الشهامة ، الإنسانية (قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٧٠)) نمنعك من الاختلاط بأحد ، وكأنهم عزلوه ، أو نمنعك من أن تلوم أو أن تمنعنا عما نريد (قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٧٠)) أن تخاطبنا فيهم أو تدافع عنهم ، أو تنهانا عن إتيانهم بما نريد.
فلجأ لوط إلى حيلة أخرى أو إلى منفذ آخر:(قَالَ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِىٓ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ (٧١)) ، (بَنَاتِىٓ) أي نساء الأمة ، وكل نبي أب لبنات قومه (ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَـٰتُهُمْ ۗ ) [سورة الأحزاب آية: ٦] ، () نسائي، نساء الأمة ، فهو كالأب لهم ، أو بناته طلبا ، وكان قد رفض أن يزوجهن من أحد ، فها هو الآن يسمح بأن يزوج بناته لهؤلاء الفسقة حماية للأضياف يعلم الله ما كان قصد لوط ، (هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِىٓ) أي إن كنتم تريدون قضاء الوطر ، فالحلال موجود ، والبنات موجودة ، أو إن كنتم فاعلين ما أقوله لكم.
(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)) وترتب على هذا القسم أحكام: إن الله أقسم بحياة النبي ، صلى الله عليه و سلم، لرفعة شأنه ، ولكرامته على الله ولأنه أحب خلقه إليه ، طالما فعل ذلك فقد جاز لنا أن نقسم بحياته ، طالما أقسم الله (تباك وتعالى) بحياته جاز للمسلم أن يقول: وحياة النبي (صلى الله عليه و سلم) ذاك رأي.
الرأي الآخر: أن الله أقسم بحياته (صلى الله عليه و سلم) ولله أن يقسم بما يشاء للدلالة على رفعة شأن المقسم به ، فالله غير محتاج لقسم ، فإذا أقسم بشيء معنى ذلك أنه يريد أن يشعر الناس بأن ما أقسم به شيء خطير أو جلل أو شيء مرتفع الشأن.
وقال بعض الناس كل قسم جاء في القرآن لا بد فيه من التقدير (وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ (١)) [سورة التين آية: ١] ، (وَٱلطُّورِ (١) وَكِتَـٰبٍۢ مَّسْطُورٍۢ (٢)) [سورة الطور آية: ١- ٢] ، (لَعَمْرُكَ) ، (لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ (١) وَأَنتَ حِلٌّۢ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ (٢)) [سورة البلد آية: ١- ٢] ، كل ذلك يقدر فيه ورب التين والزيتون ، وخالق عمرك وحياتك ، ورب هذا البلد ، ورب الطور وهكذا ، ي قدر هذا اللفظ والقسم بالذات العلية وليس بهذه الأشياء ، ذاك قول آخر ، إذا فقد اختلف العلماء في جواز الحلف بحياة النبي (صلى الله عليه و سلم) منهم من أجاز ومنهم من منع.
(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)) العمى عمى القلب.
(فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣)) داخلين في وقت الشروق أشرقت الشمس: أضاءت شرقت الشمس: طلعت وأصبح " دخل في الصباح ، وهي تامة أصبح تامة وليست ناقصة ، من هنا "مصبحين" من "أصبح" التامة أي دخل في وقت الصباح "مشرقين" أشرق دخل في وقت الشروق إذاً فقد كان أول العذاب في الصباح وآخره وقت شروق الشمس ، قيل صاح بهم جبريل ورفعهم حتى سمعوا تسبيح الأملاك ورأوا دورات الأفلاك ، كلام يقال ، المهم كيف تم ذلك ربنا (تبارك وتعالى) يقول: (فَجَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا) إذاً فقد قُلبت ، الأسفل أصبح في الأعلى والأعلى أصبح في الأسفل ، وفي موضع آخر يشير إلى هذه القرى بقول: (وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ (٥٣)) [سورة النجم آية: ٥٣]، إذاً فقد رُفعت القرى واقتُلعت بجذورها من الأرض ، ورُفعت هذه القرى بمن فيها وما فيها من طرق وبيوت وجبال وأنهار وآبار ، رُفعت ما فيها ثم قلبت رأسا على عقب ، وبعدما قُلبت أُمطرت بحجارة من جهنم.
( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ) على القوم (حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍ (٧٤)) سجيل: قلنا فيها حين جاءت قبل ذلك في سورة هود سجيل: سجين جهنم واللام بدل من النون ، من سجيل الطين المتحجر وهو لفظ عربي يُطلق على كل شديد صلب ، سجيل مُرسل من أسجله:أرسله ، سجيل: من السجّل المدوّن فيه كيف عذبهم الله (تبارك وتعالى) أو مدوّن على كل حجر اسم صاحبه.
(إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)) المعتبرين المستبصرين آيات: دلائل وعبر وعظات للمتوسمين ، المتوسم: الذي يعرف حقائق الأشياء بالنظر إلى علاماتها ، التوسّم: من الوسْمْ والوَسْمْ: العلامة السمة: العلامة ، والوسم كي جلد البعير أو البهيمة بحديدة محمية للتعليم ، فكأن المتوسّم يرى حقيقة الشيء بالتأمل في العلامات والعلامات منها الظاهر لكل الناس ومنها الخفي لا يراه إلا المتأمل ذو البصيرة الواضحة والقلب الخالي من غير الله ، قالوا إن المؤمن له فراسة واتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ، هذه الفراسة من المتوسّم أن ينظر إلى الأشياء فيرى علامات يراها الكل لكن هو يفهم ما وراء العلامة (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)) المعتبرين المستبصرين ذوي البصائر يرون فعل الله ويرون قدرة الله ويرون عقاب الله يرون كيف يستدرج ربنا (تبارك وتعالى) الظالم ويملي له فإذا أخذه لم يفلته ، يرون أن الحق لا بد وأن يظهر وأن الباطل لا بد وأن يزهق. (وَإِنَّهَا) القرية قرى لوط ، (لَبِسَبِيلٍۢ مُّقِيمٍ (٧٦)) بطريق ظاهر واضح قائم لم يندثر ، وكأن الله (تبارك وتعالى) يلفت نظر كفار مكة أنتم في طريقكم إلى الشام في تجارتكم وسفركم تمرون في طريق قائم واضح هذا الطريق يؤدي إلى القرى وها هي آثارها باقية.، (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)) ، المؤمن يتعظ المؤمن يعتبر المؤمن عاقل المؤمن فطن والعاقل من اتعظ بغيره.
ويذكّرهم ربنا بقصة قوم آخرين في اتجاه آخر في رحلتهم إلى اليمن:
وَإِن كَانَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأَيْكَةِ لَظَـٰلِمِينَ ﴿78﴾
فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿79﴾
(وَإِنَّهُمَا) قرى لوط وقرى مدين ، قرى أصحاب الأيكة (لَبِإِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ (٧٩)) أو (وَإِنَّهُمَا) مدين وأصحاب الأيكة (لَبِإِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ (٧٩)) لبطريق واضح إذاً فيذكّرهم ربنا ، تبارك وتعالى، ويلفت أنظارهم إلى قرى لوط التي دُمرت وقُلبت وهم في طريقهم إلى الشام ، قال في موضع آخر (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)) [سورة الصافات آية: ١٣٧- ١٣٨] ، ها هو يذكّرهم بهذه القرى ، ثم يذكّرهم بقرى أخرى في طريق آخر في السفر إلى اليمن أهل مدين.
أيها الأخ المسلم: القرآن لا تنتهي عجائبه ولا تنتهي غرائبه ، وكل ما يقال في القرآن هو تفسير ، وليس تأويل والتأويل لا يعلمه إلا الله ، أما التفسير فهو الكلام عن اللفظ ، وأصل اللفظ استخدام اللفظ الوضع للجملة ، إعراب الجملة قراءة الكلمات المختلفة المعاني المتبادرة إلى الذهن من الألفاظ ، أما حقيقة التأويل فلا يعلمه إلا الله وما يعلم تأويله إلا الله ، بل وقيل إن القرآن يأتي يوم القيامة بكراً لم يُفص ، كما أن تفسير القرآن بالمنقول لا بالمعقول ، المنقول عن العلماء عن التابعين عن الصحابة عن سيد الخلْق (صلى الله عليه و سلم) ذاك هو المنقول ، أما المعقول أن يُعمل الإنسان عقله في القرآن ، وذاك ممنوع إذ قال أبو بكر "أي سماء تظلّني وأي أرض تقلّني إذا تكلمت في القرآن برأيي" ، وقال العلماء: من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ.
فتأتي القصة الرابعة في سورة الحجر قصة ثمود ، ثمود قوم صالح كانوا يسكنون الحجْر مكان بين المدينة والشام قريبا من تبوك ، تلك هي القصة الرابعة التي قُصت على نبينا (صلى الله عليه و سلم) في سورة الحجر تسرية عنه وتسلية له يقول عز من قائل:
وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ ٱلْحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿80﴾
وَءَاتَيْنَـٰهُمْ ءَايَـٰتِنَا فَكَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴿81﴾
وَكَانُوا۟ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ ﴿82﴾
فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴿83﴾
فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿84﴾
أصحاب الحجر هم قوم ثمود ، والحجر لفظ يُطلق على معان الحجْر العقل: (هَلْ فِى ذَٰلِكَ قَسَمٌۭ لِّذِى حِجْرٍ (٥)) [سورة الفجر آية: ٥]
الحجْر: الحرام (وَحِجْرًۭا مَّحْجُورًۭا (٥٣)) [سورة الفرقان آية: ٥٣]
الحجْر: حجر الكعبة حجر إسماعيل ، الحجْر: مكان قوم ثمود وهو المقصود في هذه الآية ، وأصل كلمة "الحجْر" تطلق على كل مكان أحيط بالحجارة ، (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ ٱلْحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ (٨٠)) المرسلون: جمع ولم يُرسل لأصحاب الحجر سوى رسول واحد ألا وهو صالح ، لكن من كذّب رسولا واحداً فكأنما كذّب الرسل جميعا فما دعوة الرسل إلا واحدة وأصلها واحد "لا إله إلا الله" فمن كذّب رسولا فكأنما كذّب الرسل جميعا ، لذا يقول الله (عز وجل): (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ ٱلْحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَءَاتَيْنَـٰهُمْ ءَايَـٰتِنَا) أي وآتيناهم بآياتنا كقوله: (ءَاتِنَا غَدَآءَنَا) [سورة الكهف آية: ٦٢].
أي آتنا بغدائنا ، (وَءَاتَيْنَـٰهُمْ ءَايَـٰتِنَا) هذه الآيات إما آيات الكتاب الذي نزل على صالح رسولهم ، أو الآيات: آي المعجزات التي جاءت على يد صالح تؤيده كالناقة ، ولقد كان في الناقة آيات فهي ليست آية واحدة بل هي آيات: أولا: خروجها من صخرة صمّاء أمام أعينهم ، ثانيا: حجم الناقة إذ لا تشبهها ناقة على الإطلاق فقد كانت عظيمة الحجم ، ثالثا: خرجت من الصخرة وهي على وشك الوضع فوضعت بعد قليل ، رابعا: البئر التي كانت تشرب منها ولا يشرب معها أحد كمية الماء الذي كانت تشربه ، خامسا: كمية اللبن الذي كان يكفيهم جميعا فقد كانت تُحلب فينزل منها اللبن يكفي أهل القرية جميعا.
(سوَءَاتَيْنَـٰهُمْ ءَايَـٰتِنَا فَكَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١)) لم يعتبروا بها ولم تدعوهم الآيات لتصديق صالح ، بل وصل إجرامهم إلى حد أن عقروا الناقة.
(وَكَانُوا۟ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ (٨٢)) النحت: البَرْيْ (بُيُوتًا) إذاً فقد كانت بيوتهم في الجبال ، وكأنهم نجروها ونحتوها وصمموا فيها بيوتا داخلها ، آمنين: آمنين من اللصوص ، آمنين من الأعداء ، آمنين من كل ما يُخاف منه ، آمنين من العذاب الذي هددهم به صالح ، كانوا في منتهى الأمن والأمان فيما يعتقدون ، وظنوا أن بيوتهم مانعة من العذاب. (فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣)) صاح بهم جبريل صيحة واحدة فإذا هم خامدون. (فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣)) أي داخلين في الصباح فأهلكهم ربنا (تبارك وتعالى) عن دابرهم. (فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (٨٤)) أي ما منع عنهم العذاب تلك البيوت المشيدة ، أو الأموال أو القوة أو العزوة ، لم يمنع عنهم شيئا من عذاب الله (عز وجل) ولقد ( نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْضَ ثَمُودَ الْحِجْرَ فَاسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا وَاعْتَجَنُوا بِهِ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا وَأَنْ يَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ ) وفي رواية (وَأَنْ يَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ ) وقال (صلى الله عليه و سلم) (لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ ثُمَّ تَقَنَّعَ بِرِدَائِهِ وَهُوَ عَلَى الرَّحْلِ ) ، من هنا قال العلماء إن العبد الصالح لا يصح له أن يصلي في أماكن الفسق والفجور ، وقال بعضهم: إذا اضطُر العبد إلى المرور بديار قوم أهلكهم الله فعليه أن يمر باكياً مطأطئ رأسه ويبكي ويسرع ، كما قالوا أيضا إن التبرك بآثار الصالحين جائز ولو طالت المدة بيننا بينهم ، فها هو سيد الخلق (صلى الله عليه و سلم) يأمرهم أن يشربوا من البئر التي كانت تشرب منه الناقة ، ناقة الله آية ، ومنعهم من الشرب من الآبار التي كان يشرب منها القوم الذين أهلكهم الله ، إذاً فالصلاح في العبد يؤثر في المكان ، وفسق العبد يؤثر على المكان ، وكلما تواجد الإنسان في مكان حدث فيه الرضا ، أو في مكان عبادة ولي من أولياء الله فله أن يتبرك بالمكان ، كما أن العبد لو تواجد في مكان الفسق أو الفجور لا يأمن أن يحيق به ما حاق بالظالمين والفاسقين. أخذ العلماء هذه المبادئ من فعل رسول الله (صلى الله عليه و سلم) حين نزل الحجر ، وأمرهم بطرح العجين وإهراق الماء وأمرهم أن يشربوا ويستقوا من بئر الناقة. أخذتهم ، أخذت قوم صالح الصيحة مصبحين وربنا (تبارك وتعالى) يبين أنه أخذ الظالم لم يفلته (فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (٨٤)).
وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌۭ ۖ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ ﴿85﴾
(وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌۭ ۖ) واقعة لا محالة وعذاب الدنيا لا يقاس بعذاب الآخرة ، فقد أهلكهم الله (تبارك وتعالى) في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌۭ ۖ ) تقرير بمجيء الساعة ، وأن مجيء الساعة حق وصدق وواقع لا محالة ، (فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ (٨٥)) مكارم الأخلاق أمر ربنا (تبارك وتعالى) نبيه (صلى الله عليه و سلم) أن يعرض عن المشركين ولا يبالي باستهزائهم وتكذيبهم ، وأن يدع أمرهم إلى الله القادر على إهلاكهم كما أهلك من كان قبلهم ، والقادر على حسابهم يوم القيامة حيث إن الساعة آتية لا ريب فيها ، والصفح الجميل كالصبر الجميل ، الصبر الجميل هو الصبر الذي لا شكوى معه لغير الله ، والصفح الجميل هو الصفح الذي لا عتاب ولا لوم معه.
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ ﴿86﴾
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ سَبْعًۭا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ ﴿87﴾
لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿88﴾
كأن الله ، تبارك وتعالى، يقول له ما أخذت هو حظك ونصيبك ، فاشكر ما أخذت ، واشعر بالمنّ والنعمة ولا تطمح في المزيد ، فما بالنا بأمور الدنيا إذا كان الله (تبارك وتعالى) قدّر ورزقك فلا تطمح في الزيادة ولا تنظر إلى ما في يد غيرك ، فما أعطاك الله هو الذي يصلح لك وصدق رسول الله حين يقول: (إِنَّ مِنَ الْعِبَادِ مَنْ لَوْ أَغْنَاهُ اللهُ لَفَسَدَ حَالُهُ ، وَإِن مِنَ الْعِبَادِ مَنْ لَوْ أَفْقَرَهُ اللهُ لَفَسَدَ حَالُهُ ).
(وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)) استعارة وتشبيه من أجمل ما يمكن أن يُنطق به في اللغة العربية ، الجناح: جناح الطير ، الطير له أحوال إذا حلّق في السماء جرّك أجنحته وعلَا وارتفع ، فإذا حط على غصنه أو عشه ضم جناحه وخفضه ، وكأن خفض الجناح دليل على الهدوء والسكينة والتواضع والوقار ، تلك حالة ، حالة أخرى للطير إذا كان له أفراخ صغار تحتاج للحماية والدفء فرد جناحه على أفراخه ثم ضم الجناح وخفضه واحتواهم تحت جناحه ، فحين يقول الله (تبارك وتعالى): (وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ) وفي الآية حذف للمشبّه ، وذكْر للمشبّه به (وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ) كأن الله يقول له تواضع لمن آمن ، وأحنو عليه وألِنْ جانبك ، وارفق بالمؤمنين ، (وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)) رحمة من الله وتأديب لسيد الخلق وتوجيه لنبينا (صلى الله عليه و سلم) يستفيد منه من اعتبروا أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) هو الأسوة والقدوة:
وَقُلْ إِنِّىٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ ﴿89﴾
كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ﴿90﴾
ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ ﴿91﴾
فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿92﴾
عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿93﴾
(كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)) كأن النبي (صلى الله عليه و سلم) مأمور أن ينذر قومه عذاباً مثل ما نزل على قوم صالح الذين جاء ذكرهم من قبل قريبا في هذه الآيات ، أو (وَقُلْ إِنِّىٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ (٨٩) كَمَآ أَنزَلْنَا) والكاف كاف التشبيه متعلقة بقوله: (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ سَبْعًۭا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ (٨٧)) أي ولقد أنزلنا إليك السبع المثاني والقرآن العظيم ، كما أنزلنا التوراة والإنجيل على أهل الكتاب المقتسمين الذين فرقوا في كتبهم ، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض ، كما جاء في موضع آخر حين يقول الله (تبارك وتعالى): (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍۢ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ ) [سورة البقرة آية: ٨٥] ، المقتسمون: أهل الكتاب كأن الله يقول لنبيه (صلى الله عليه و سلم) لست بدعا من الرسل ، أنزلنا عليك القرآن كما أنزلنا الكتب على أهل الكتاب الذين جعلوا كتبهم فرقا وأجزاء آمنوا ببعض وكفروا ببعض ، فقسموا الكتب جزء يؤمنون به وجزء يكفرون به.
(ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ (٩١)) صفة للمقتسمين إن كان الذكر مقصود به أهل الكتاب لأنهم حين نزل القرآن أخذوا منه ما وافق كتبهم وقالوا: ذاك حق ، وما خالف الكتب السابقة قالوا: ذاك باطل ، (ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ (٩١)) هم أهل الكتاب الذين جعلوا القرآن عضين وصف للمقتسمين أو انتهى الكلام ، (ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ (٩١)) مبتدأ خبره: (لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)) والكلام عن أهل مكة ، انتهى الكلام عن المقتسمين وبدأ استئناف كلام (ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ (٩١)) ما شأنهم؟ مبتدأ خبره (فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٣)) عضين: جمع عِضة العِضة: الجزء عضيت الشيء تعضيته : جزّأته وفرّقته وجعلته أعضاء وأصل الكلمة عِضوة كعِزة وعزوة ، (ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ (٩١)) أي أجزاء ، آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه صدّقوا بعضه وكذّبوا بعضه ما وافق كتبهم إذاً فهو في حق ، ما خالف الكتب فهو باطل ، عَضَّوْا القرآن وعضّيت الشاة: جعلتها عضاة ، (ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ (٩١)) كل جزء عضة ، عضة جمعها عضوض ، أو إذا كان الكلام عن أهل مكة لم تكن لهم كتب حتى يقارنوها بالقرآن ، وإنما في القرآن تارة قالوا عنه سحر ، وتارة قالوا شعر ، وتارة قالوا كهانة وتارة قالوا أساطير الأولين ، إذاً فقد رموا القرآن بالكذب والبهت (ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ (٩١)) جمع عِضَة أي كذب وبهت عضههُ عضهاً: بهته ورماه بما ليس فيه ، عضههُ: رماه بما ليس فيه ، والعضه: أن تقول في غيرك ما ليس فيه ، عضههُ عضهاً: بهته ورماه بما ليس فيه (ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ (٩١)) أهل مكة مبتدأ جعلوه عضين أي رموا القرآن بالكذب تارة قالوا عنه سحر ، وتارة قالوا شعر ، وتارة قالوا كهانة وتارة قالوا أساطير الأولين.
(فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)) قَسَمْ من الله (عز وجل) بذاته (فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٣)) إذاً فالكل مسئول ، الكلام عن الكفار الذين جعلوا القرآن عضين ، سواء كانوا من أهل الكتاب أو من مشركي مكة ، أو الكلام على العموم (فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)) كل الخلائق مسئول إلا من دخل الجنة بغير حساب جعلنا الله وإياكم منهم ، (فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٣)) ومن الغريب أن الإمام البخاري خرّج في صحيحه على هذه الآية قال (فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩٣)) عن قول لا إله إلا الله.
يقول الله (تبارك وتعالى) موجهاً الأمر لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه و سلم):
فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿94﴾
إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ ﴿95﴾
ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿96﴾
(إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ (٩٥)) حماية وعناية ورعاية (كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ (٩٥)) أي الله (تبارك وتعالى) كافيك شرهم واستهزائهم لأن الله (تبارك وتعالى) أنزل القرآن وأثنى فيه على سيد الأنام (صلى الله عليه و سلم) فما قاله المشركون أو المستهزئون لا يؤثر أبداً ، (إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ (٩٥)) وقيل قتلوا جميعا في بدر وبعد ذلك والسورة مكية المستهزئون خمسة أمية بن خلف وإخوانه قتلوا جميعا في غزوة بدر. كفيناك المستهزئين (ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)) سوف يعلمون حين يرون العذاب سوف يعلمون حين يرون الموت ، فسوف يعلمون ما ينتظرهم من عذاب حين يحاسبهم الله (تبارك وتعالى) وتقوم الساعة.
(فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)) تهديد ووعيد شديد.