القرآن الكريم / سورة الرعد / التفسير المقروء

سورة الرعد

مقدمة‬
‫لقاؤنا مع سورة الرعد، سورة الرعد سورة مدنية تهتم بقضية الإيمان وتمشي وتسري على نَسَق السور المدينة، فتسوق الأدلة على وجود الله (عز وجل) ووحدانيته وكمال قدرته، وعظيم شأنه، وسلطانه وقهره، وقضائه وقدره، وحكمته في تدبير أمر الملك والملكوت، وتسوق الأدلة على صدق البعث، والجزاء، والثواب والعقاب، وتضرب المثل للصالحين والضالّين، وتبين مصير أهل السعادة، ومصير أهل الشقاوة، وتختم السورة بشهادة الله (عز وجل) لنبيه المصطفى الكريم عليه أفضل صلاة وأكمل تسليم، بأنه رسول الله حقا، وسميت سورة الرعد بسورة الرعد لوجود ذكر هذه الظاهرة الكونية العجيبة، والتي تجمع بين النقيضين، فالرعد ناشئ من اصطكاك السحاب كما يقول علماء الدنيا، وذاك لا يعنينا بقدر ما يعنينا الأثر، فأثر الرعد‫:‬ إما رحمة وإما عذاب، والسحاب يحمل بين طياته إما المطر الذي به الإحياء، وإما النار والصواعق التي بها الإفناء، فسبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، وهو على كل شيء قدير‫.‬ سورة الرعد آياتها ثلاثة وأربعون آية، بدأت السورة بحروف مقطعة‫:‬‬

الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿1﴾
‫( الٓمٓر ۚ ) حروف مقطعة يقال فيها ما قد قيل فيما سبقها من سور هو سر الله فلا تطلبوه، ولكل كتاب سر، وسره في القرآن فواتح السور .‬
‫(تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)) تلك‫:‬ إشارة للبعيد، والكلام عن قريب، ألا وهو القرآن، لكنه أتى بالإشارة التي هي للبعيد للدلالة على رفعة منزلة القرآن وعظيم شأنه، (تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ ) آيات القرآن "ال" في كلمة "الكتاب" للتفخيم وللتعظيم، (تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ ) أو تلك آيات السورة سورة الرعد (وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ) أي وما أُوحي إليك يا محمد من ربك هو الحق، والعطف إما عطف العام على الخاص (تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ ) آيات السورة (وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ) القرآن عطف عام على خاص، أو عطف صفات (تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ ) التي هي آيات القرآن (وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ) الذي هو القرآن فهو من عطف صفة على صفة (وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ) الصدق الذي لا يقبل الالتباس بالكذب، الحق الذي لا يقبل الالتباس بالباطل، الحق الظاهر دون شك ودون تردد، ومع كل ذلك (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)) ويسوق الله (تبارك وتعالى) في الآيات التالية عشرة أدلة، عشرة أدلة يراها كل ذي بصر، عشرة أدلة وآيات كونية على وجوده، وعلى وحدانيته وقدرته وقهره وسلطانه وتدبيره وتصريفه.
ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍۢ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴿2﴾
ها هي السماء الكل يراها، ترونها مرفوعة بغير عماد، رفع السماء تروها بغير عمد (رفع السماء بغير عُمُدُ ترونها) قراءة جمع عماد جمع عمود، ما يُستند به ويُستند إليه ويستند الشيء إليه، إما المعنى ها أنتم ترون السماء مرفوعة بلا أعمدة بلا عُمُد، أو هي مرفوعة بعُمُد ولكنكم لا ترونها تلك العُمُد هي قدرة الواحد الأحد، (ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ ) الاستواء غير مجهول، في اللغة بمعنى الاستقرار، بمعنى التمكّن بمعنى الاستيلاء، ذاك في اللغة، فالاستواء لغة غير مجهول، والكيف بالنسبة للذات العلية غير معقول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، (ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ ) على الوجه الذي يليق بجلاله وكماله دون مماسة ودون حلول، دون انتقال، دون تشبيه دون تمثيل دون تعطيل، (ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ ) على الوجه الذي أراده (ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ ) على المعنى الذي أراده وعلى الوجه الذي يليق بجلاله وكماله، يدبر الأمر، (وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ ) كذلك، تسخير الشمس وتسخير القمر التذليل، ذلّل الشمس وذلّل القمر لمنافع العباد، أرأيت الشمس تحتجب يوما، أرأيت القمر يُعطل عن الظهور يوما، هل يأبى القمر أن يطيع، هل تأبى الشمس أن تشرق، (كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ ) والتعبير بكلمة (يجري) غريبة، إذ أن السرعة التي ثبت للشمس علميا لا تُتخيل، بل ولا تُحتسب، (كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ ) الأجل المسمّى‫:‬ الوقت المعلوم الوقت المحدود الذي حدده ربنا الذي خصّص لكل شيء وظيفته، إما الدورة يتمها القمر في شهر، وتتمها الشمس في سنة، وإما الجريان إلى حيث تشرق وحيث تغرب، أو تجري لأجل مسمى ألا وهو يوم القيامة والذي قيل في شأنه‫:‬ (إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ (٢)) [سورة التكوير آية‫:‬ ١- ٢].‬
‫(يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)) تدبير الأمر‫:‬ تصريف أمر الملك والملكوت، إبقاء إفناء إماتة إحياء رخاء شدة مرض بلاء، حركة سكون وجود وعدم (يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ) ها هي الآيات مبيّنه موضحة، آية تلو الآية من آيات القرآن التي تنزل على سيد الأنام مبينة مفصلة موضحة، أو الآيات‫:‬ أي الآيات الكونية، آية تلو الآية وتكتشف الآيات مع كل زمان وأوان الدالة على وجوده (سبحانه وتعالى) (لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)) أي تؤمنون وتصدقون بالموعد بالجزاء بالبعث، انتقلت الآيات من بيان الآيات الكونية في العلو، إلى بيان الآيات الكونية في الأرض:
وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَـٰرًۭا ۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿3﴾
‫(وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ) بسطها طولا وعرضا، وها أنتم ترونها بأعينكم ممدودة مبسوطة يستقر عليها الإنسان والحيوان، وتُنشأ المساكن والمشروعات والمزارع، ولو كانت كلها جبالا أو ودياناً ما صلحت للمعيشة، وإن كانت ممدودة من حيث الرؤية البصرية، إلا أنها كروية من حيث الحقيقة، ولا ينافي قوله‫:‬ (مَدَّ ٱلْأَرْضَ) مع كروية الأرض وكرويتها، إذ هي كروية من حيث الحقيقة والحجم الكبير، أما المد فهو فمن حيث الرؤية ومن حيث القطع المتتالية (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَـٰرًۭا ۖ ) وجَمَعَ رواسي وأنهارا وعلّق بهما فعلا واحد، (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَـٰرًۭا ۖ ) ولم يقل جعل فيها رواسي وجعل فيها أنهاراً، ولو تفكرت وتأملت لوجدت أن الجبال هي السبب في وجود الأنهار إذ إن المطر ينزل على الجبال فيسيل فتتكون الوديان وإذا بالأنهار قد نشأت من وجود الجبال، لذا تجد (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ) ثوابت رسا يرسو رسواً ورسوا‫:‬ ثبت الأجسام الثقيلة إذا ثبتت ولم تتحرك‫:‬ رست، الرواسي الجبال الثوابت الشوامخ كي لا تميد بنا الأرض (وَأَنْهَـٰرًۭا ۖ ) تجري للري وللزراعة وللشرب (وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ ) الزوج يطلق على الفرد، ويطلق أيضا على اثنين زوجين اثنين‫:‬ ذكر وأنثى، وذاك ثبت حديثا بالعلم الحديث أن نشوء النبات من التلقيح وأن هناك حبوب للقاح وأن هناك ذكور وأن هناك إناث شجر وشجر وثمر وثمر، وقد تكون الحبوب حبوب التذكير وحبوب التأنيث في زهرة واحدة تلقح نفسها بنفسها، ومنها ما تلقحه الرياح، ومنها ومنها، وكذلك جعل من كل الثمرات زوجين اثنين ذكر وأنثى أو صنفين اثنين كبير وصغير أبيض وأسود حلو وحامض وهكذا، (يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ ۚ ) (يغَشِّى الليل النهار) قراءة يغطي النهار بالليل، فإذا الدنيا قد أظلمت بعد أن كانت مضيئة لأن الليل جاء فغطى النهار (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ (٣)) وخصهم بالذكر لأن الوصول إلى هذا لا يأتي إلا بالتفكر وبالتأمل فيما حولك‫.
وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَـٰوِرَٰتٌۭ وَجَنَّـٰتٌۭ مِّنْ أَعْنَـٰبٍۢ وَزَرْعٌۭ وَنَخِيلٌۭ صِنْوَانٌۭ وَغَيْرُ صِنْوَانٍۢ يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ﴿4﴾
‫(وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَـٰوِرَٰتٌۭ) ما هي هذه القطع؟ وما معنى متجاورات؟ وما هو المقصود؟ تفكر (وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَـٰوِرَٰتٌۭ) هل المقصود وغير متجاورات؟ هل المتجاورات المدن والقرى وغير المتجاورات الصحاري؟ أم أن المقصود متجاورات وانظر تلك أرض صحراوية وتلك أرض ترابية وهذه أرض طينية وهذه أرض صخرية هذه أرض تبلع الماء وهذه أرض تنبت بالماء هذه أرض خصبة وهذه أرض سبخة هذه أرض طينية وهذه أرض ملحة، قطع متجاورات والأرض واحدة من الذي خصصها بهذا التخصيص؟ هي أرض، أرض واحدة لِمَ تنبت هذه وتمتنع هذه؟ لمَ هذه منبسطة ولم هذه غير منبسطة؟ (وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَـٰوِرَٰتٌۭ) وتركك تتأمل وتتفكر في هذا التجاور الذي يفيد وحدة الأصل بل وحدة المادة، ووحدة المكان ووحدة المؤثرات، الشمس والقمر والنجوم والماء والرياح، وحدة المؤثرات ووحدة المعدن ووحدة المعدن ومع ذلك هي متجاورات ولكنها مختلفات (وَجَنَّـٰتٌۭ مِّنْ أَعْنَـٰبٍۢ وَزَرْعٌۭ وَنَخِيلٌۭ صِنْوَانٌۭ وَغَيْرُ صِنْوَانٍۢ يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ ) ( وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان تسقى بماء واحد ويفضل بعضها على بعض في الأكل ) قراءات والتقدير "وفي الأرض قطع متجاورات وجعل فيها جنات" أو هي معطوفة (جعل فيها رواسي وأنهارا وجنات من أعناب وزرع ) أي وجنات من أعناب ومن زرع ومن نخيل صنوان وغير صنوان قراءات (وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَـٰوِرَٰتٌۭ وَجَنَّـٰتٌۭ) بالرفع أي وفيها جنات، كذلك وفيها زرع، (وَنَخِيلٌۭ): جمع نخل ونخلة (صِنْوَانٌۭ وَغَيْرُ صِنْوَانٍۢ ) (صُنوان وغير صُنوان) : قراءة والصِنوان والصُنوان‫:‬ جمع صنو والصنو‫:‬ النخلة تُخرج مع غيرها من أصل واحد، فيخرج الأصل بنخلة واحدة غير صنوان، ويخرج من الأصل نخلة نخلتان نخلات، فالنخلتان صنوان والنخلات صنوان، فيطلق على المثنى وعلى الجمع صنوان، أو صُنوان، وأصل كلمة الصنو‫:‬ المِثْل ومنها قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) "عَمُّ الْرَّجُلُ صِنْوُ أَبِيْهِ " فهي متماثلة، يخرج من الأصل الواحد فرعان أصلان متماثلان من النخيل الذي ترونه في الأرض صنوان وغير ص*9نوان قراءة، (تُسقى ) (يُسقى ) قراءة‫.‬‬
‫(يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ) نفس الماء نفس العناصر نفس الأرض فيها العنب فيها الخوخ فيها البرقوق فيها النخل فيها التمر، فيها الثمر، نفس الأرض والشجيرات متجاورة والأرض واحدة والماء واحد، وربنا هو الواحد ولكنه خصص كل شيء بتخصيص هذا المخصِص مختار في أفعاله ، ويخلق ما يشاء ويختار، ولا يمكن أن يكون التخصيص إلا بإرادة الواحد القهار (وَنُفَضِّلُ) ( ويفضل ) – (وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ ) (في الأُكْل) قراءات والأُكُل‫:‬ اسم لما يؤكل من الثمر والحب، فتجد الطعوم مختلفة والألوان مختلفة والأحجام مختلفة والأشكال مختلفة، والفرع الواحد فيه ثمرتان ثمرة حلوة وثمرة غير حلوة ترون ذلك بأعينكم ليل نهار (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ (٤)) يستخدمون عقولهم في التدبر والتأمل والتفكّر، هذه الآيات التي سيقت وهذه الدلائل هل وُجدت من تلقاء نفسها، وإن كان لا بد من التشابه أرض قطع متجاورات لا بد وأن تكون شيئا واحدا من حيث الشكل، لكنها اختلفت هذه الثمار هذه الحبوب هذه الأشجار، هذا التخصيص هذا التنويع هذا التلوين، يدل على وجود الواحد الأحد، مع كل ذلك وهذه الآيات يعجّب ربنا نبيه (صلى الله عليه وسلم) فيقول له:
وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌۭ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْأَغْلَـٰلُ فِىٓ أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿5﴾
‫(وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌۭ قَوْلُهُمْ) أي وإن تعجب من شيء فليس ما هو أعجب من قولهم (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌۭ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ ) وربنا لا يعجب، تعالى وتقدّس (عز وجل) العجب‫:‬ تغيّر النفس لما تخفى أسبابه، ترى الشيء ولا تدري له سببا تَخفى أسبابه فيحدث لك الاندهاش والتغيّر فربنا يقول لنبيه (صلى الله عليه وسلم) وإن تعجب من تكذيبهم لك فالأعجب تكذيبهم بالبعث معنى، معنى آخر‫:‬ وإن تعجب من شيء فليس ما هو أعجب من قولهم‫: (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌۭ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ )‬ فحقيق أن تعجب ( وإن تعجب فعجب قولهم إنا لفي خلق جديد ) (قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ ) قراءة بحذف الهمزة (قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ ) كيف؟ بعد ما يتحلل الجسد من الموت، بعد الموت ويتحلل الجسد ويصبح ترابا، كيف يعود الجسد مرة أخرى، أليس من قدر على الابتداء قادر على الإعادة بعد الإفناء!! بلى قادر (سبحانه وتعالى) من هنا كان العجب (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌۭ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ ) ، (أُو۟لَـٰٓئِكَ) المنكرون للبعث، المستهزئون بكلامك (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْأَغْلَـٰلُ فِىٓ أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ (٥)) هؤلاء الذين أنكروا البعث، وجحدوا بوحدانية الله (عز وجل) ورأوا الآيات ولم يبصروها، واستمعوا للآيات ولم يعقلوها ولم يتدبروا فيها، هؤلاء هم الكفار حقا الذين كفروا بربهم،( وَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْأَغْلَـٰلُ فِىٓ أَعْنَاقِهِمْ ۖ ) الغِل‫:‬ طوق من حديد تُشد به اليد إلى العنق، ذاك حالهم في جهنم مغلولة أيديهم إلى أعناقهم، من هنا إذا أراد أحدهم أن يتقي النار، اتقى بوجهه، أو هو تشبيه لحالهم في الدنيا بحال من غُلت يده إلى عنقه فلا يستطيع الالتفات برأسه يمنة أو يسرة فهم لا يلتفتون إلى الآيات الكونية ولا يتدبرون فيها كالمغلولة يده إلى عنقه فهو تشبيه لحالهم في الدنيا بحال من هذا شأنه، أو هو ذاك حالهم في الآخرة الأغلال في أعناقهم (وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ (٥)) مصاحبون لها وكأنهم أصحابها ومصاحبون لها يملكونها وتملكهم، هم فيها خالدون إلى الأبد‫.‬‬
‫وحين هددهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بعذاب الدنيا وها هي الأمثال تضرب وها هي الآيات تتلى وخوّفهم استهزأوا به، وكذّبوه بل وطلبوا منه أن ينزل بهم العذاب، فقال يعضهم كما حكى القرآن‫:‬ (وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٢)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٢]، يقول الله (تبارك وتعالى):‬‬‬
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَـٰتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴿6﴾
‫(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ) الاستعجال‫:‬ طلب حدوث الشيء ووقوع الشيء قبل مجيء وقته، فهؤلاء يستعجلون بالعذاب بدلاً من أن يستعجلوا بالأمان، يستعجلون بالعقاب بدلاً من أن يستعجلوا الثواب، يستعجلون بما يؤدي بهم إلى جهنم بدلاً من أن يستعجلوا الإيمان والأمان، يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة، مستعجلون للعذاب وقد قضى ربنا (تبارك وتعالى) أن يمهل أمة محمد (عليه الصلاة والسلام) إلى يوم القيامة حيث قال‫:‬ (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٣]، أي فيهم من يستغفر، فأمهل ربنا الناس إلى يوم القيامة بعد بعثة النبي (صلى الله عله وسلم) فهؤلاء يسخرون من النبي (صلى الله عله وسلم) ويستهزئون بكلامه ويستعجلون العذاب فيقول الله (تبارك وتعالى): (المَثُلات) (المُثْلات) (المَثْلات) (المَثَلات) المَثُلات جمع مَثُلة المَثْلات المَثَلات‫:‬ جمع مُثْلة وسُميت مَثُلات وهي العقوبات المنكلات لأن المَثُلة عقوبة فاضحة تنزل بمستحق العقاب فتجعله مثالا يرتدع به غيره، فالمثلات‫:‬ العقوبات المنكلات الفاضحات التي تنزل بالمستحقين فتجعلهم مثلا وعبرة يرتدع بهم غيرهم وسُميت مثلات لتماثلها مع الأفعال المعاقب عليها من حيث السوء والقبح، (وَقَدْ خَلَتْ) مضت (مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَـٰتُ ۗ ) العذاب الذي نكل الله بالكافرين به،
قوم فرعون قوم صالح قوم هود، كل هؤلاء يستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ (٦)) هذه الآية من أرجى الآيات في القرآن، بل اعتبرها بعضهم أرجى آية، وهناك آيات كثيرة كقوله (عز وجل): (مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ١٤٧] ، (ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ ۚ ) [سورة النجم آية‫:‬ ٣٢]، (وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا (١١٠)) [سورة النساء آية‫:‬ ١١٠].‬
‫آيات الرجاء في القرآن كثيرة وهذه من أرجى الآيات وقد اختلف المفسرون في معناها فقالوا‫: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ)‬ المشركين مع كفرهم وظلمهم لأنفسهم بالشرك إذا تابوا (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ (٦)) لمن لم يتب ومات على كفره، ذاك هو المعنى الظاهر، وهناك من قال‫:‬ (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ ) تفيد جواز العفو قبل التوبة، إذ لو تاب ما صار ظالما (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ ) إذاً هو يغفر لظالم نفسه قبل أن يتوب، إذاً فالآية تدل على جواز العفو قبل التوبة،( وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ (٦)) يعاقب من يشاء بما شاء، وقال بعض الناس لا يمكن أن يكون الأمر كذلك، وإنما الآية خاصة بالصغائر (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ ) أي يغفر الصغائر لمجتنبي الكبائر ولو لم يتب أو يستغفر، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ (٦))، وقالوا بل الآية تفيد الإمهال ليس المغفرة، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ) أي ستْر من غَفْر الشيء‫:‬ ستره (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ ) أي الستر والإمهال للعصاة علّهم يتوبوا، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ (٦)) وجمع (عز وجل) بين سعة رحمته وشديد عقابه كي يبقى الإنسان بين الخوف والرجاء وبين الرغبة والرهبة‫.‬ فالعجب كل العجب من تعنت كفار مكة وتشددهم مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتكذبيهم إياه وقد كان في نظرهم الصادق الأمين ها هي الآيات تتلى، ها هو القرآن يلفت النظر لكل من أراد الوصول إلى الحق والحقيقة هل هناك إله؟ أول سؤال، هل هو واحد، هل هو عالم؟ هل هو قادر؟ هل هو حكيم؟ هل هو مريد مختار؟ هذه التساؤلات مهما سألها الإنسان فلا حرج طالما يريد الوصول إلى الحق فإن أردت الوصول إلى الحق وتساءلت ها هي الآيات تجيب من رفع السماء بلا عمد؟ من نصب الجبال بلا وتد؟ من خلق الخلْق وأحصى العدد؟ من قسم الأرزاق فلم يُنسى أحدا؟ من؟ هو الله، في الأرض قطع متجاورات خصبة وغير خصبة، صالحة وبور صحراوية صخرية وهكذا النبات الأشجار الثمار الإنسان، هذه الأشكال هل اخترت شكلك؟ هل اخترت طولك؟ هل اخترت عرضك؟ هل اخترت زمانك؟ هل اخترت مكانك؟ هل اخترت لسانك؟ من الذي اختار؟ هذا التخصيص لا بد أن يكون من مخصص يخصصك بهذا الشكل، ويخصك بهذا المكان، ويخصص لك ذاك الزمان، ثم يخصص لهذا أمرا آخر، شكلا آخر مكانا زمانا آخر وهكذا، هذا الاختيار هذا التخصيص مع عدم التضارب والاختلاف والاختلاط، تخصيص الشمس بضوئها وحرارتها ومكانها ودورتها، وتخصيص القمر بوظيفته وشكله وحجمه ودورانه، هذا التخصيص بلا تضارب ولا اختلاف ولا اختلاط ولا اختلال يدل على وجود الواحد المريد المدبّر المتصرّف وحده دون شريك، بل ويدل على الحكمة بل منتهى الحكمة، ذاك التصريف والتدبير والملك والملكوت أوضح دليل على صفات الله (عز وجل) ومع ذلك ومع هذه الآيات طلبوا من النبي (صلى الله عليه وسلم) آية مع كل هذه الآيات طلبوا آية معجزة كعصا موسى، كناقة صالح أن يشفي الأكمه والأبرص ويحيي الموتى كما فعل عيسى:
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴿7﴾
‫( وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۗ ) تدل على صدقه معجزة كمعجزات الأنبياء السابقين، وعميت أبصارهم عن آيات القرآن كل حرف وليس كل كلمة بل كل حرف إعجاز ، إعجاز لا يفوقه ولا يدانيه ولا يساويه إعجاز، إعجاز مستمر، إعجاز دائم وهم أهل اللغة وأساطين الكلام، طلبوا آية فيقول ربنا‫:‬ (إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)) الإنذار‫:‬ إعلام فيه تخويف مع إعطاء مهلة للمُنذر كي يحترز ويحترس مما خُوِّف به، ذاك هو الإنذار، أنذرهم ربنا بالعذاب متى يقع؟ يوم القيامة إذاً فهم في دائرة الإمهال، بيّن لهم أعلمهم بأن هناك عذاب، أعلمهم بأنه واقع لا محالة، أعطاهم مهلة وهي مدة أعمارهم بيّن لهم الطريق ذاك هو الإنذار، فربنا بيّن وظيفة المختار (صلى الله عليه وسلم) بقوله (إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)) (ولكل قوم هادي) أربع كلمات في القرآن منوّنة في الوصل يوقف عليها بالسكون "هاد واق باق وال" (وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ (١١)) [سورة الرعد آية‫:‬ ١١]، (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍۢ ۗ ) [سورة النحل آية‫:‬ ٩٦]، (إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧))، (وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ (٢١)) [سورة غافر آية‫:‬ ٢١]، وهناك قراءة تنون في الوصل وحين الوقف تقف على الياء (وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ (١١)) [سورة الرعد آية‫:‬ ١١] (وما لهم من دون الله من والي) وهكذا، (تلك قراءة ابن كثير فقط)، أما القراءة الأولى قراءة حفص وقراءة جموع القراء، (إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)) الهداية في الأصل‫:‬ الدلالة بلطف على البغية، الدلالة بلطف على المراد تلك هي الهداية، فإن سألت عن شيء رجلا حليما عاقلا كريما دلك على مرادك بلطف بهدوء برقة برفق بصدق تلك هي الهداية، والهادي هو من يدل الناس على ما يريدون أو على ما ينفعهم، والهداية أنواع‫:‬ وتكلمنا عنها من قبل‫:‬ هداية الحواس هداية الوجدان هداية الفطرة هداية العقل هداية الرسل هداية الله (إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)) المعنى‫:‬ لكل أمة زمانها ومكانها وظروفها، ولكل أمة رسول يدلها ويهديها، وله معجزات تتلاءم مع ظروفه وظروف قومه وزمانه، ففي عصر موسى انتشر السحر بدليل حكاية القرآن عن فرعون‫:‬ (قَالُوٓا۟ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَٱبْعَثْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍۢ (٣٧)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٣٦- ٣٧] إذاً في المدائن سحرة ليس ساحراً بل سحرة، هم سحرة وكل ساحر منهم ساحر عليم زمن السحر وانتشار السحر فكانت معجزة موسى من قبيل ما يرونه سحراً من حيث الظاهر، ما الذي برعوا فيه؟ السحر، من الذين ينالون الاحترام والمكانة؟ السحرة (فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُوا۟ لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ (٤٢)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٤١- ٤٢] هؤلاء هم أهل الجاه وأهل المكانة السحرة الذين يحوزون احترام الناس، فجاءت المعجزة من شكل ما يصنعون عصا تُلقى فتتحول إلى ثعبان عظيم، من حيث ما عهدوا، ولكن من حيث الحقيقة هي الحق وهي الصدق وهي الحقيقة، لأن الحياة فيها فأكلت عصيهم وأكلت حبالهم، فظهر الحق من هنا أُلقى السحرة ساجدين، أما في عصر عيسى فقد برع الناس في الطب والتحنيط والعلاج والتشريح، برعوا في الطب، فجاء عيسى بمعجزات من قبيل ما برعوا فيه وهو الطب، هم يشفون المريض بعينيه من أصيب بالعش أو بضعف البصر عالجوه، فهل يعالجون من وُلد أعمى، فجاء عيسى يرد للأكمه بصره، يبرئ الأكمه أي من ولد أعمى بلا عينين، ولد بلا عينين، إذاً فهذه لا يفعلها إلا القادر الواحد الأحد، البرص لا شفاء ولا علاج ولا دواء، فجاء عيسى يبرئ الأبرص بل الأكثر من ذلك أن يحيي الموتى، والأشد والأعظم والأكبر أن يأخذ من الطين فيهيئ شكل الطير فينفخ فيه فيطير ذو حياة، معجزات تتلاءم مع العصر، مع ظروف القوم (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧))، أما في عصر النبوة، خاتم الرسالة لو جاء النبي (صلى الله عليه وسلم) بمثل هذه المعجزات لانتهت المعجزة بوفاته، هل رأيتم عصا موسى؟ هل رأيتم عيسى يبرئ الأكمه؟ هل سمعتموه يخبركم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم؟ أبداً نحن نؤمن بذلك لأن الصادق المصدوق أخبرنا، لكنا لم نر شيئا، فلو جاء محمد (صلى الله عليه وسلم) بمعجزات مما اقترحوها لانتهت بنهاية عصره ولأصبح الناس الآن يتساءلون أكان حقاً؟ أكان صدقاً؟ أفَعَل ذلك فِعْلاً؟ لكنه جاء بالمعجزة الخالدة التالدة التي لا تنتهي على مر العصور والأزمان ألا وهو القرآن فهم يقترحون ما يشاءون لكن الله (تبارك وتعالى) يفعل ما يشاء ولا تنزل الآيات باقتراحهم وإنما تنزل الآيات بأمر الهادي ألا وهو الله (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)) هو الله يهدي من يشاء ولكنه لم يرد هدايتهم (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)) أي لكل قوم بحسب زمانهم وظروفهم هادي يهديهم إلى سواء السبيل رسول منهم يتكلم بلسانهم ف "هاد" إما بمعنى الرسول لكل قوم وإما "الهاد" (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)) أي أن الهادي هو الله ولو شاء لهداهم أجمعين‫.‬‬
‫فرغم نزول الآيات على الصادق الأمين علية أفضل صلاة وأكمل تسليم آيات واضحات بيّنات (تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ ) [سورة الرعد آية‫:‬ ١].‬
‫هكذا يقول الله (تبارك وتعالى) لكل من يسمع ولكل من يعقل (تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ ) [سورة الرعد آية‫:‬ ١] آيات الإعجاز فيها لا قبله إعجاز وليس من بعده إعجاز، إعجاز في اللفظ والنظم، إعجاز في المبنى والمعنى، فيه أخبار الأولين ونبأ الآخرين، فيه الحكم بين الناس فيه بيان للحلال والحرام، آيات إعجازها لا يخفى على ناطق باللسان العربي، ورغم هذه الآيات والتي بينت ودللت على وجود الواحد الأحد، بلفت الأنظار إلى ما في الأنفس من آيات، وإلى ما في الأكوان من علامات، رغم كل ذلك يقترح المشركون أن تنزل على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، آية معجزة كمعجزات الأنبياء من قبل آية، آية كما أرسل الأولون، ناقة كناقة ثمود، عصا كعصا موسى، مائدة كمائدة المسيح، (وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۗ ) ويرد الله (تبارك وتعالى) مبينا لهم وظيفة النبي (صلى الله عليه وسلم) وأن اختلاف الأزمنة واختلاف الأمكنة يتطلب من حكمة الحكيم الخبير أن يرسل لكل قوم رسولاً يتكلم بلسانهم يأتيهم بمعجزة مما تعارفوا عليه في عهودهم فيقول عز من قائل‫: ( إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧))‬ وتتوالى الآيات، تتوالى الآيات لبيان الدلائل على كمال علمه (عز وجل) وعظيم حكمته وقوة قهره وسلطانه، وشمول قضائه وقدره، وأنه (عز وجل) قادر على إنزال ما اقترحوه من آيات وإنما لم يفعل لأن اقتراحهم كان للعناد دون الاسترشاد فيقول عز من قائل:
ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ ﴿8﴾
‫(ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ) ويذهب الوهم إلى النساء والحق أن الإناث‫:‬ إناث الإنس، إناث الجن إناث الطير، وإناث الوحوش إناث النبات كل أنثى (ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ) (مَا تَحْمِلُ) و "ما" دائما وأبدا يستفهم بها عن ماهية الشيء (مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ) من حيث الذكورة أو الأنوثة، العدد الاكتمال التمام النقص السقْط أو التخليق، الحال والمآل ما هو آت وما هو الآن وما يؤول إليه الشيء (ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ) فإن جاء علمنا الحديث وجاء بأجهزة الاستخبار أو أجهزة التصوير، وتوقعوا ذكورة المولود أو أنوثة المولودة، أتوقعوا العقل؟ أتوقعوا التمام؟ هل توقعوا السعادة أم توقعوا الشقاء (وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ ) غاض يغيض‫:‬ نقص ينقص، وغاضه‫:‬ نقصه، ما تنقص الأرحام من أي شيء، من المدة فتلد الأنثى متى، بعد ستة أشهر من شهور الأهلة وهي أقل مدة للحمل، أم بعد سبع أم بعد تسع، أم يزداد عن ذلك، تغيض الأرحام وتزداد من دم الحيض، تغيض الأرحام وتزداد من النقص والتمام، (وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ (٨)) بقَدْر وبقدَرْ كقوله‫:‬ (إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍۢ (٤٩)) [سورة القمر آية‫:‬ ٤٩]، (وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ (٨)) ما من حركة أو سكون، إعدام أو إبقاء أو إفناء، إيجاد أو عدم، ما من شيء إلا وبقدر لا ينتقص عنه ولا يزيد عليه، بقدر من حيث‫:‬ المكان أين وُلدت؟ كمثال، الزمان متى وُلدت؟ الحال على أي حال أنت؟ (وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ (٨)) كماً وكيفاً وزماناً ومكاناً وحالاً ومآلاً.
عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ ﴿9﴾
‫(عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ) الغيب‫:‬ مصدر بمعنى الغائب والشهادة‫:‬ مصدر بمعنى الشاهد أو الحاضر (عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ) يستوي في علمه (عز وجل) ما غاب عن الحواس، وما أدركته الحواس، ما خفي على الكل وما ظهر للكل، (ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ (٩)) الكبير‫:‬ عظيم الشأن، الكبير الذي كل شيء دونه، المتعال عن نعت المخلوقين فليس كمثله شيء، المتعال سبحانه المستعلي على كل شيء بالقهر والسلطان، (ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ (٩)) (سبحانه وتعالى) ليس كمثله شيء وصفات الله، عز وجل، وأسماؤه الحسنى، فوق كل معنى، فلا يعلم الكبير إلا الكبير، ولا يعلم المتعال إلا المتعال، هو الله، وأنت إذا عبّرت عن شخص بقولك إنه كبير أي طال عمره فهو كبير أو طالت مدة وجوده في الدنيا فهو كبير إذ طالت مدة وجوده في الدنيا، فكيف بمن كان قبل الدنيا، هو الكبير، وأنت تعبّر عن الأحجام العظيمة التي تفوق غيرها بالكبير أو بالعظيم، فكيف بمن السموات السبع والأرضين السبع في قبضته يوم القيامة (ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ (٩)) في علوه (سبحانه وتعالى) ليس علو المكان وإنما علو لا يصل إلى كنهه العقل، وهو في علوه وتعاليه، أقرب إلى العبد من حبل الوريد، ليس كمثله شيء‫.
سَوَآءٌۭ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ ﴿10﴾
سواء‫:‬ أي يستوي، الإسرار بالقول‫:‬ ما حدّثت به نفسك، والجهر بالقول‫:‬ ما حدثت به غيرك، يستوي في علمه (عز وجل) حديث النفس وحديث الجهر يرى خفايا الوهم والتفكير بل ويسمع هواجس الضمير، يستوي في سمعه كل الأصوات، ويستوي في بصره (عز وجل) كل المرئيات، من أسر بالقول وحدّث نفسه يعلمه ويسمعه، يسمع دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء (سَوَآءٌۭ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ) أي يستوي في سمعه وفي علمه (عز وجل) حديث النفس وما انطوت عليه الصدور، وكذلك ما تحدثتم به مع الغير وكذلك (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ) مختف بالليل في ظلمة الليل (وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ (١٠)) ظاهر بالنهار سَرَبَ يسرُب سَرَباً وسَرُوباً: برز وظهر ومشى في سِرْبه أي في طريقه، والسارب‫:‬ الظاهر، والسارب‫:‬ الداخل في السِرْب، والسارب‫:‬ الماشي ظاهراً نهاراً في سَرَبه في طريقه، (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ (١٠)) لا تحجب رؤيته الظلمات والأستار، ويستوي في كمال سمعه الجهر بالقول والإسرار، هؤلاء اختلفت أحوالهم مسرٌ وجاهر ٌ مختبئ مختف مستور بالظلام أو بالأستار ظاهر يفعل ما يشاء يراه الكل، كل هؤلاء لكل منهم معقبات:
لَهُۥ مُعَقِّبَـٰتٌۭ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ سُوٓءًۭا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ﴿11﴾
المعقبات‫:‬ جمع معقّبة أي جماعة معقبة، ومعقّبة جمع معقِبْ والتعقيب والتعقّب‫:‬ الإتيان بشيء خلف الآخر أو بعد الآخر، أي جاء في عقبه وقد يعني أيضا الرجوع إلى بدء أي كان في مكان ثم ذهب ثم عاد إلى نفس المكان، أي من حيث بدأ، كقوله (عز وجل) في شأن موسى (وَلَّىٰ مُدْبِرًۭا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ ) [سورة النمل آية‫:‬ ١٠]، ولم يرجع، فالمعقبات إما ذاهبة جائية، وإما يذهب بعضهم ويأتي البعض الآخر في عقبهم، وقد أخبرنا النبي ، صلى الله عليه وسلم، عن المعقبات أو عن نوع من أنواع المعقبات فقال (يَتَعَاقَبُونَ فِيْكُمْ مَلَائِكةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكةٌ فِي الْنَّهَارِ فَيَجْتَمِعُوْنَ فِيْ صَلَاةِ الْصُّبحِ وَالْعَصْرِ) معقبات‫:‬ جمع معقّبة، معقبة بمعنى معقب، والتاء فيها للمبالغة وليست للتأنيث، فليست الملائكة مؤنثة، معقبة أي معقب، أو هو جمع جماعات معقّبة ولذا قُرأت "معاقيب" (لَهُۥ مُعَقِّبَـٰتٌۭ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ) يعقب بعضهم بعضا أو يأتي بعضهم في عقب بعض، أو أطلقت كلمة معقبة من أجل كلمة ملائكة، (لَهُۥ مُعَقِّبَـٰتٌۭ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ) من خلفه ومن أمامه (يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۗ ) "من" هل هي بمعنى الباء أي يحفظونه بأمر الله، أهي بمعنى "عن"؟ يحفظونه عن أمر الله، أي ليس عن أمر أنفسهم كقوله‫:‬ (ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍۢ ) [سورة قريش آية‫:‬ ٤]، أي عن جوع، والحروف في اللغة قد تأتي بعضها محل بعض، يحفظونه بأمر الله من أي شيء؟ من الجن كما قال بعض التابعين؟ لولا المعقبات لتخطفتكم الجن؟ يحفظونه من الهوام؟ يحفظونه من الوحوش؟ يحفظونه من الأذى؟ (يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۗ ) يحفظونه بأمر الله، عن أمر الله وليس عن أمر أنفسهم (يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۗ ) من أمره وما هو أمره؟ عذابه؟ بأسه؟ وهل تحفظ المعقبات ويحفظ المتعاقبون فينا العبد من بأس الله؟ من عذابه؟ نعم كيف؟ بالاستغفار بالاستمهال، فالعبد سائر في طريقه يعصي الله جهراً، ينسى الله، تكاد الأرض تنخسف به، وتكاد السموات تسقط عليه، فإذا بالمعقبات يستمهلون الله له، يستغفرون الله له، علّه يتوب كقول الله (عز وجل): (تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ۚ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ٥]، تكاد السموات تسقط عليهم لعصيانهم وجحودهم وكفرهم، وإذا بالملائكة تجأر إلى الله بالتسبيح والتنزيه وتستغفر لمن في الأرض (يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۗ ) من على بابها بمعنى من عذابه من بأسه، بالاستغفار بالاستمهال، (يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۗ ) فإذا جاء القضاء ونفذ الأمر خلَوْا بينه وبين قضاء الله، إذاً الحفظ إلى حين، وانتبه لما هو آت، الحفظ إلى حين (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ ) وهنا إذا جاء أمره (وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ سُوٓءًۭا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ (١١)) أو هي ( له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه) أهي كذلك وفي الكلام تقديم وتأخير، (وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٨٥]، من أمر الله صفة ثانية لمعقبات (لَهُۥ مُعَقِّبَـٰتٌۭ) هؤلاء المعقبات من أمر الله، لا نعلمهم ولا نراهم ولا نعرف عنهم شيئا لولا أن الله أخبرنا، ونحن نصدق بقول الله (عز وجل) (لَهُۥ مُعَقِّبَـٰتٌۭ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۗ ) عن أمره يحفظونه عن المضار، يحفظونه من الأمراض، يحفظونه من الجن، يحفظونه من الهوام، أم يحفظونه‫:‬ يرقبونه، يرقبون أقواله وأعماله فيدونون عليه كل شيء (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ (١٨)) [سورة ق آية‫:‬ ١٨]، والآية تحتمل كل هذه المعاني، بل وقد يكون المعقبات أصناف من الملائكة لا يعلمهم إلا الله‫.‬‬
‫ثم يبين ربنا ، تبارك وتعالى، سنته في الخلائق، سنة اجتماعية (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ ) ما من نعمة لدى عبدٍ تزول أبدا، إلا إن زال هو عنها (فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ (٥)) [سورة الصف آية‫:‬ ٥]، أسمعتم هكذا يحكي ربنا عن بني إسرائيل (فَلَمَّا زَاغُوٓا۟) هم زاغوا أولا فأزاغ الله قلوبهم، وكذلك ما من نعمه تزول، وما من عافية تزول، إلا والسبب في زوالها العبد بسلوكه وتصرفه، حافظوا على النعم بتقييدها، قيد النعم الشكر (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌۭ (٧)) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٧]، جرت سنة الله (تبارك وتعالى) في خلقه لا يسلب نعمة من أحد إلا إذا تحوّل حاله من الطاعة إلى العصيان، من الإيمان إلى الكفر، من الشكر إلى الجحود، فإن تغير حال العبد من حسن إلى قبيح، من طاعة إلى عصيان، من شكر إلى كفران هنا، ومن هنا فقط يسلبه الله (تبارك وتعالى) النعم التي أنعم بها عليه، هل يعني ذلك أن العبد في ذاته طالما كان طائعا وطالما كان عابداً وطالما كان شاكراً لا تزول عنه النعمة ولا تحل عليه النقمة؟ هل يعني ذلك كذلك؟ لا أبداً، فقد تزول النعمة بفعل غيره نعم كيف؟ أرأيتم الأصحاب؟ أرأيتم شجاعة سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) في أحد، أرأيتم كيف اقتحم ساحات الوغى حين فرّ عنه الشجعان كيف حلّت الهزيمة بالمسلمين في أحد؟ بعصيان الرماة فئة قلة عصوا رسول الله فنزلت الهزيمة بعد ما جاءهم النصر، أرأيتم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين خرج يخبر الناس بليلة القدر، أي فضل هذا، أي نعمة هذه فتلاحى رجلان في المسجد وارتفعت أصواتهما، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "خَرَجْتُ أُنْبِئُكُم بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلاَحَى رَجُلَانِ بِالْمَسْجِدِ فَرُفِعَتْ" رفعت عن الصحابة، بل عن الأمة إلى أن تقوم الساعة، لصوت اثنين ِفي المسجد، ومن الصحابة، إذاً ربنا لم يقل (إن الله لا يغير ما بإنسان حتى يغير الإنسان ما بنفسه) وإنما قال‫:‬ (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ ) كلهم أو بعضهم، وقد يُصاب الكل بذنب البعض، لذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذا حين سُئل سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم): (أنهلك وفينا الصالحون؟ قال‫:‬ نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ) أي الفسق والفجور ( لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أو ) وكلكم يعرف ذلك الحديث (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ ) فإذا دعا الصالحون، واستغفر العابدون مع كثرة الخبائث والخبث أنزل الله نقمته ورفع عن العباد نعمته (وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ سُوٓءًۭا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ (١١)) والي يتولى أمرهم، والي ينصرهم أو يمنع عنهم، وكما قلنا من قبل "وال واق هاد باق" أربع كلمات حيثما وقعت في القرآن تنوّن في الوصل، ويوقف عليها بالسكون "وال واق هاد باق، إلا في قراءة حيث ينوّن في الوصل ويقف بالياء، (وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ سُوٓءًۭا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ ۚ ) إذ أراد بقوم سوءً أعمى أبصارهم، سَلّ من العبد بصره وسمعه وعقله، ثم أنفذ فيه قضاؤه، ثم ردّ إليه سمعه وبصره وعقله ليعتبر، بل قد يمشي الإنسان إلى حتفه بظلفه، فيرى الحق باطلا ويرى الباطل حقا يرى الخير شراً ويرى الشر خيراً إذا به يسعى إلى حتفه بظلفه، والبصائر نعمة والبصيرة منّة، من هنا إذا أراد الله بقوم سوءً هم سعوا إليه بأنفسهم، ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، ولا وليّ يتولى أمرهم أو ينصرهم، إذاً خلّى المعقبات خلّوا بينه وبين قضاء الله، بعدما كانوا يحفظونه من أمر الله، بعدما كانوا يستغفرون له، بعدما كانوا يستمهلون له‫.‬ (وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ سُوٓءًۭا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ (١١)) سلوا الله أن يرفع عنا نقمه وأن يديم علينا نعمه‫.‬‬
‫وتسوق الآيات خمسة أدلة أشبه ما تكون بالنعم والنقم واسمع وتأمل:
هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًۭا وَطَمَعًۭا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ﴿12﴾ وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِۦ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِۦ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ﴿13﴾
‫(هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ) والبرق‫:‬ ذاك الضوء الساطع الذي يفاجأ به الناس خارجا من بين السحب، ذاك البرق الذي يقول العلم فيه أنه ناشئ من اصطكاك أجرام السحائب من تولّد شحنات كهربائية، ذاك الضوء الساطع ما هو إلا نار إذا نزلت أحرقت ما أصابته، ربنا (تبارك وتعالى) يقول‫:‬ (هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ) هو مهما كانت الأسباب، فربنا هو خالق الأسباب، (هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ) عرفتم سببه أم لم تعرفوه، هو الذي خلق الأسباب، لكن الغريب أن البرق إذا ظهر استبشر بعض الناس وفرح، وخاف البعض الآخر واضطرب، هو نفس البرق (هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًۭا) من الصواعق (وَطَمَعًۭا) في الغيث إذ يعقب البرق المطر والغيث والحياة والإحياء، ويعقب البرق الصواعق والنوازل والخسف وما إلى ذلك، فمن الناس من يخاف ومن الناس من يطمع، طالب الغيث طامع، وغير محتاج للغيث خائف، (هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًۭا وَطَمَعًۭا) ها هي النعم بالغيث، ها هي النقم بالبرق الذي يحرق، (وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ (١٢)) السحاب‫:‬ اسم جمع سحابة، تُجمع على سُحب وعلى سحائب، وسُمِي كذلك فهو السحاب الغيم المنسحب في السماء، ألا تراه ينسحب، ألا تراه يساق، من هنا سُمِي ذلك الغيم المنسحب في الجو سحاب، الثقال‫:‬ جمع ثقيلة أي مثقلة بالماء، بخار الماء كما يقولون حرارة الشمس تصيب أمواه البحار وأمواه المحيطات فيتبخر تاركا ملحه صاعداً بلا ملح، لكن الصعود على فترات، والصاعد خفيف، كلنا نراه، قُزَع قُزَع متفرق خفيف، يرى ما خلفه قد لا يحجب الشمس وقد لا يحجب القمر، لكن الله (تبارك وتعالى) يسوق الرياح ويحركها، مهما تكلم العلماء عن أسباب المنخفض الجوي والمرتفع الجوي وما إلى ذلك، كل ذلك رصد لظواهر، ما يقوله العلماء علماء الأرصاد رصد لظواهر مراقبة لأشياء تحدث ورصد لهذه الظواهر، أما الظواهر هذه والتي رصدها العلماء ناشئة من فعل الله وإرادته، (ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابًۭا فَيَبْسُطُهُۥ فِى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُۥ كِسَفًۭا فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَـٰلِهِۦ ۖ ) [سورة الروم آية‫:‬ ٤٨] هو الله، (وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِۦ) تسبيح دلالة وليس تسبيح عبادة كما قال البعض؟ أم هو تسبيح بالقول تسبيح مقالة؟ (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٤]، صوت الرعد، ذاك الصوت المخيف الذي تتزلزل له قلوب الشجعان والجبابرة أهو كقولك سبحان الله؟ أهو تنزيه لله وعبادة؟ هذا الصوت الفظيع المخيف المريع تسبيح، فكيف تكون الأصوات إذا كان هناك الغضب، كيف ذاك الصوت ما هو إلا تسبيح (وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِۦ) أي ينزه الرعد ربنا ، تبارك وتعالى، عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله، مقراً بألوهية الله مقراً بعبوديته لله وطاعته لإرادته مقترنا تنزيهه بحمد الله على ما أجرى من نعم على الخلائق، (وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِۦ) أي التسبيح ملتبس بالحمد، والملائكة كذلك من خيفته، من المسبح خوفا الرعد؟ هل يعود الكلام على الرعد؟ أم يعود الكلام على الملائكة؟ أم يعود على الرعد والملائكة؟ وهل تخاف الملائكة، ومن أي شيء تخاف؟ لا تكليف ولا ثواب ولا عقاب ولا حساب ولا جنة ولا نار ولا مرض ولا آفة ولا ظلم ولا جور ولا سلطان لأحد بل هم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون مما يخافون؟ خوف الهيبة؟ خوف المقام؟ خوف الجلال؟ خوف المخلوق العبد من المعبود جل وعلا؟ لا يجب على الله شيء، من هنا لا بد من الخوف لا بد من الوجل لأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، كما وجّه الخطاب لبعض الناس بقوله (عز وجل) (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًۭا) [سورة البقرة آية‫:‬ ٨٠]، من اتخذ عهدا عند الله؟ من يستطيع أن يسأل؟ من يستطيع أن يعترض من هنا (وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِۦ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِۦ) إذا كانت الملائكة تخاف فكيف بالمكلفين؟ كيف بالمسئولين؟ كيف بمن تُحصى عليهم أقوالهم وأعمالهم وحركاتهم؟ كيف نُزع الخوف من قلوب الناس؟ كيف سار العصاة جهارا نهاراً يتباهى كل منهم بمعصيته؟ عمى بصيرة، أم أن الله (تبارك وتعالى) يضل من يشاء ويهدي من يشاء من هنا كان الرد على الذين قالوا‫:‬ (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) أن الله ( تبارك وتعالى) الذي يفعل كل ذلك، قادر على هدايتكم، قادر على إنزال ما اقترحتموه من آيات، لكنه لم يفعل ولم يُرد، لأن اقتراحكم للعناد وليس للاسترشاد، كما أنه قضى وقدّر ألاّ يهديكم لسبق علمه بكفركم، ولو شاء لهداكم أجمعين (وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ) الصاعقة تنزل فتصيب من يشاء الله إصابته، وأما من شاء حمايته فقد تنزل الصاعقة إلى جواره ولا يُمسس بسوء (وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ) مع كل ذلك، ومع كل ما يرونه من آيات ودلائل على وجود الواحد الأحد المتفرد بالوحدانية، يجادلون في الله والجدل والجدال أشد الخصومة، من الجدْل وهو الفَتْل، أرأيت الحبل إذا فتلَهْ الشخص جدلّهُ لوى بعضه على بعض، ولفّ بعضه على بعض ذاك هو الجدْل والفتل هؤلاء يجادلون في الله، يجادلون النبي (صلى الله عليه وسلم) يخاصمونه ويتشددون في الخصومة ويقولون بالباطل كل ذلك والحق أبلج (وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ) أي فيما يخبرهم عن الله، رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخبرهم عن الله أنه الواحد الأحد الأزلي الأبدي الفعال لما يريد، وأنه (عز وجل) جعل الدنيا دار اختبار وامتحان، وأن الدنيا إلى فناء، وأن الناس جميعا مبعوثون إلى الجزاء، وأن هناك حساب، وأن هناك ثواب، وأن هناك عقاب، من أراد الآخرة ها هو طريقها، ومن أراد الدنيا لن يصيب منها إلا ما كُتب له ثم مصيره إلى النار، ذاك البيان ها هو الطريق (قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ ) [سورة يوسف آية‫:‬ ١٠٨]، ومع ذلك ومع كل ما نزل من آيات وبيان ودلائل (وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ (١٣)) ( وهو شديد المحَال ) بالفتح قراءة أخرى المَحال والمِحال قد تكون من المحْل وهو القحط لكن المماحلة والمِحال يعني الكيد والحيلة والمكر (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ (٣٠)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٠].‬
(وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ (١٣)) شديد المحال‫:‬ شديد الكيد لأعدائه، كيد الله (تبارك وتعالى) كيد بالحق، مكر الله (عز وجل) مكر بالحق، يمكرون بالباطل، ويمكر الله بالحق، ولكي نقرّب المعنى إلى أذهاننا، عن مكر الله أي الحيلة والكيد، إيصال المكروه لمن يستحقه دون أن يشعر، ومن حيث لا يحتسب، ومن غير ما يتوقع ذاك هو مكر الله ذاك هو كيد الله ، (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًۭا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًۭا (١٦)) [سورة الطارق آية‫:‬ ١٥- ١٦] ، (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ ) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٠] ، هم يمكرون بالباطل، ومكر الله بالحق، وكيد الله بالحق، ومكره إيصال العذاب، إيصال المكروه لمن يستحقه بأسلوب لا يقوى عليه إلا الله، كمن يمد يده ليلتقط كنزا فتلدغه الحية لم يتوقع، كمن رأوا سحابا منتظرون للمطر فقالوا (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًۭا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا۟ هَـٰذَا عَارِضٌۭ مُّمْطِرُنَا ۚ ) [سورة الأحقاف آية‫:‬ ٢٤]، فخرجوا مستبشرين فرحين ها هو الغيث قد جاء وليس كما زعم نبينا، وهكذا، وسخروا منه فقد أصابهم القحط فرأوا السحاب خرجوا فرحين مهللين فيقول الله‫:‬ (بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌۭ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (٢٤)) [سورة الأحقاف آية‫:‬ ٢٤]، ذاك هو المكر، إيصال المكروه لمن يستحق من حيث لا يشعر، فيأتيه وهو نائم أي، أأَمِن الناس أن يأخذهم في تقلبهم، أوفى سيرهم أو في نهارهم، في نومهم أو في تقلبهم، هل يأمن الإنسان وهو سائر في طريقه أن يأتي سائق طائش فيصعد حيث يمشي ذلك الرجل فيصطدم به وإذا به يحمل بغير قدم أو بغير يد، هل يأمن السائر في طريقه أن يلعب بعض الصبية بالحجارة فيقذف أحدهم حجراً فيأتي في عينيه فيصيبه العمى، هل يأمن أحد من الناس مكر الله، والله لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، ذاك هو المكر‫:‬ إيصال المكروه لمن يستحق من حيث لا يدري ولا يحتسب ودون أن يشعر، (وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ (١٣)) وكأن الآية تسرّى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) رغم أنها تهديد للكفار تهديد للمشركين، إلا أنها تبين أن الله (تبارك وتعالى) يستدرجهم، وإذا رأيت الله منعما على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أن ذاك منه استدراج (وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٨٢].
لَهُۥ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَـٰلِغِهِۦ ۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ ﴿14﴾
‫( لَهُۥ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ۖ ) لله دعاء الحق هو الحق (سبحانه وتعالى) كل من دعاه فقد دعا دعوة الحق المجابة، والحق ما يناقض الباطل، هو الحق من دعا إليه دعا الحق، هو الحق من سأله فقد سأل الحق، من دعاه أجيب لأن الدعوة دعوة حق متوجهة إلى الحق، من دعا إليه فقد دعا إلى الحق، إذاً دعوة النبي (صلى الله عليه وسلم) دعوة حق ودعوة إلى الحق (وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ) الأصنام والأوثان والآلهة وما إلى ذلك (لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا) وانظر إلى التعبير المعجز والتشبيه الذي لا يمكن أن يأتي به إلا الله (عز وجل) لا يستجيبون لهم بشيء إلا استجابة كاستجابة من مد يديه إلى الماء وطلب من الماء أن يأتيه بنفسه ليدخل في فمه (وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ) أصنام أوثان (لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ) (إِلَّا) هل هذا استثناء، هل هناك استجابة، أم أن هناك استجابة ولكنها مختلفة وتأمل (إِلَّا كَبَـٰسِطِ) عطشان ظمآن وجد الماء فأشار إليه من بعيد، ومد يديه إلى الماء طالبا من الماء هلمّ وتعال، تعال أيها الرِيّ فإني ظمآن هل يصل الماء بهذا الكلام إلى فمه، والماء لا يسمع ولا يعقل؟ الماء جماد من الجمادات، رغم أنه يطلق عليه مائع لكنه جماد هل يستجيب؟ أيسمع له نداء أم يستجيب له دعاء فكذلك‫:‬ (لَهُۥ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَـٰلِغِهِۦ ۚ) لكي تعلم ما هو ببالغه لا بد من استخدام الآلة أو الأداة أو الأسلوب أياً كان أو الإناء وما هو بالغه، ولن يأتي اليوم الذي يخترع فيه العلماء شيئا أو أداة تأتي بالماء إلى فم العطشان أبدا والله، وما هو ببالغه (وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ (١٤)) في خسار في ضياع لا استجابة، (وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ (١٤)) هؤلاء يدعون الأصنام يدعون ابن الله يزعمون أن لله الولد فيتوجهون إليه بالعبادة يزعمون أن وأن وأن، كل من دعا غير الله دعاؤه في ضلال لأن من يدعون الله لا يستجيبون لهم دعاءً ولا يسمعون لهم نداءً لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فكيف يملكونه لغيرهم‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ هل تعني الآية‫:‬ (وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ (١٤)) ذاك أم تعني أيضا أن الكافر إذا دعا الله لا يصل الدعاء إلى الله، فما القول في قوله‫:‬ (أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) [سورة النمل آية‫:‬ ٦٢]، وما القول في قوله‫:‬ (وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ ۖ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٦٧]، إذاً (وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ (١٤)) الأقرب والأشبه أن المقصود دعاؤهم للأصنام، أما إذا توجهوا إلى الله قد يقبل بشرط الإخلاص في الدعاء وهذا لا يكون إلا ساعة الشدة من هنا نفهم معنى الآية التالية (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) [سورة الرعد آية‫:‬ ١٥]، وكيف السجود يكون طوعا أو كرها‫.‬‬
‫فقد تبين لنا من الآيات أن في الأرض دعوتين‫:‬ دعوة الحق، ودعوة الباطل، دعوة الحق دعوة الله، دعوة الحق دعاء الله، دعوة الحق الدعوة إلى الله، ودعوة الباطل دعوة غير الله، والدعوة إلى غير الله، (لَهُۥ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَـٰلِغِهِۦ ۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ (١٤)) بيّنت الآيات أن الله (تبارك وتعالى) هو المتوحد بالألوهية، وهو المستوجب للعبادة شاء الناس أو أَبَوْا، وخضوع الكائنات لمشيئة الله (عز وجل) واضح ظاهر، وانقيادها لإرادته ومشيئته واضح ظاهر لكل ذي عينين، من هنا بينت الآية التالية أن ما في الأرض وما في السماء، كل من في السموات وكل من في الأرض من الملائكة والثقلين خاضع لله (عز وجل) تجري علية مشيئة الله في حركته وسكونه، الكل خاضع لسلطانه وقهره يجري عليه ما أراده الله (عز وجل) من إبقاء أو إفناء أو إيجاد أو إعدام أو حركه أو سكون، ظاهراً وباطناً، ولكن من الناس من انقاد لله (عز وجل) طائعا، بذاته وبظاهره، ومنهم من إنقاد لله (عز وجل) قهراً وكرها، لذا تأتي آية السجود، وسجود التلاوة سنة مؤكدة وله شروط يشترط لسجدة التلاوة ما يشترط للصلاة من طهارة وستر للعورة استقبال القبلة النية وما إلى ذلك وسجود التلاوة داخل الصلاة إن قُرأت آية السجدة داخل الصلاة، وسجود التلاوة خارج الصلاة إن قرأت آية السجدة خارج الصلاة، ولكن إن كانت التلاوة خارج الصلاة سجد القارئ وسجد السامع إن سجد القارئ، فإذا لم يسجد القارئ للسجدة لا يسجد لها السامع، وسجود التلاوة له كيفية‫:‬ هي سجدة واحدة، قد يؤتى بها من قيام، وقد يؤتى بها من جلوس على اختلاف الآراء، وإن أُتى بها من قيام لها تكبيرة واحدة أو تكبيرتان‫:‬ تكبيرة للإحرام وتكبيرة للهوِي ثم سجدة التلاوة يعقبها تسليمتان، ومما يؤثر من أقوال في سجدة التلاوة‫:‬ سجد وجهي للذي خلقه وصوّره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، اللهم احطط بها عني وزراً واجعلها لي عندك زخراً واكتب لي بها عندك أجراً وتقبّلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سجد لك سوادي وخيالي وآمن بك فؤادي، وأقرّ بك لساني وها أنا ذا بين يدك يا عظيم يا من تغفر الذنب العظيم، وإذا تُليت آية السجدة على المنبر ونزل الأمام وسجد لها، سجد الكل، وإذا قرأها الإمام على المنبر ولم يسجد، فلا سجود على أحد وقد فعلها عمر مرتين‫:‬ مرة نزل وسجد ومرة لم ينزل ليبيّن للناس حُكم الجواز يقول الله (تبارك وتعالى):
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًۭا وَكَرْهًۭا وَظِلَـٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ ۩ ﴿15﴾
في هذه الآية رأيان‫:‬ رأي يقول‫:‬ إن السجود على الحقيقة، ورأي يقول إن السجود ما هو إلا كناية عن الخضوع، القائلون بأن السجود على الحقيقة، قالوا إن المؤمن يسجد لله طوعا حال الرخاء والشدة، والكافر يسجد لله كرها وقهراً حال الشدة (وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ ۖ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٦٧] ، (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًۭا وَكَرْهًۭا)، المؤمن يسجد طوعا، أما الكافر فلا يسجد إلا حال الشدة قهرا، وقال بعضهم بل هي في المؤمنين، فالساجد طوعا من استشعر لذة العبودية ، من صلّى وصلّى حتى أصبحت الصلاة تسري في كيانه، خشوعه وحبه ولجوئه إلى الله ظاهراً وباطنا، يجعله يسجد طوعاً وطواعية محباً لذلك، والذي لم يمرن على السجود وبدأ متأخراً حين يصلي وحين يسجد، لا يكون ذلك بحب أو لا يكون ذلك بإقبال، بل هو مضطر، أو كاره إلى حدٍ ما، إذ هو يؤدي الفريضة إلى أن يمرن على ذلك ويعتاد، وقال بعضهم بل السجود للمؤمنين هو سجود على الحقيقة بجوارحهم، وأما سجود الكفار فهو عبارة انقيادهم لله (عز وجل) قهراً، سجود المؤمن سجود عبادة، وسجود الكافر سجود دلالة، فالمؤمن يسجد ويضع أشرف ما فيه على الأرض، والكافر لا يسجد ظاهراً وذاته ساجدة قهراً بتسيير الله وتسخيره، وقال البعض الآخر بل سجود المؤمن طوعاً في الدنيا، وسجود الكافر كرها حين تقوم الساعة، حيث لا ينفع السجود، وقال الرأي الآخر بل السجود هنا ما هو إلا كناية عن خضوع الكائنات لقهر الله وسلطانه، وانقياد الموجودات لمشيئته وإرادته في إحداث ما شاء فيها، ولا سجود على الحقيقة،(وَظِلَـٰلُهُم) قال البعض‫:‬ إن السجود على الحقيقة وخلق للظلال إدراكاً تسجد به، وقال البعض بل السجود للظلال‫:‬ الميل - ميل الظلال - وظلالهم تسجدً أيضا (بِٱلْغُدُوِّ) جمع غداة‫:‬ الوقت المبكر في الصباح من الفجر إلى طلوع الشمس (وَٱلْـَٔاصَالِ ۩ (١٥)) جمع أصيل‫:‬ الوقت من العصر إلى المغرب، أُصُل وأصيل وأُصُلْ آصال، واختص الوقتين بالذكر لأن الامتداد والتقلص أظهر فيهما، امتداد الظل وتقلصه يتضح ويظهر في تلك الأوقات، في الأصيل يظهر طول الظل، كذلك في الغدو يظهر انكماش الظل، فلم تشرق الشمس بعد، وبالتالي الكلام عن الظلال، عن انقيادها وخضوعها لله دلالة على توحده بالألوهية، وأنه يُجري فيها ما شاء، فالفيء والزوال والامتداد والتقلّص كل ذلك بإرادته ومشيئته مما يدل على وحدانيته وتصريفه، هكذا تتضح من الآية حقيقة، هذه الحقيقة الواضحة هي وجود الله، وحدانية الله تصريفه وتدبيره وتقديره للموجودات دون شريك، من هنا توجه الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) من الله (عز وجل) ليلزم الكفار الحجة، فقال عز من قائل:
قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ ۚ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّۭا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُوا۟ كَخَلْقِهِۦ فَتَشَـٰبَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُوَ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّـٰرُ ﴿16﴾
‫(قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) سؤال واضح قل لهم يا محمد واسألهم‫:‬ من رب السموات والأرض الذي خلقها، الذي أوجدها، الذي صرّف فيها ما يشاء، هل هناك إجابة أو إجابات تختلف أو تتباين عن الإجابة الواضحة التي تتعين ولا يتعين غيرها‫:‬ هو الله (قُلِ ٱللَّهُ ۚ ) كأنه يقول له‫:‬ سلهم ثم أجب عنهم، إذ ليس هناك إجابة غيرها، وليس لهم إجابة غيرها، إن أقروا بذلك وهم مقرون بذلك فقل‫:‬ (قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّۭا ۚ ) طالما أقررتم أن الله (تبارك وتعالى) هو رب السموات والأرض كيف تتخذون من دونه آلهة أو أولياء يتولون أموركم أو يشفعون لكم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فإذا كانوا لا يستطيعون جلب النفع لأنفسهم أو دفع الضر عن أنفسهم، فكيف يملكون ذلك لغيرهم، إلزام للحجة إنكار عليهم (قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّۭا ۚ ) إنكار عليهم (قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُوا۟ كَخَلْقِهِۦ فَتَشَـٰبَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ ) أسئلة متتالية، إلزام للحجة تلو الحجة (قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ) الأعمى‫:‬ الضال الكافر المشرك الذي لم ير الحق الذي تعامى عن الحق، والبصير‫:‬ المؤمن المقر بوجود الله (عز وجل) المقر بوحدانية الله (عز وجل) ذاك هو الفارق بين المؤمن والمشرك، أو الأعمى مثال للأصنام التي لا تنفع ولا تضر والبصير مثال للعالم بأحوالنا المطلّع علينا، هل يستوي الأعمى والبصير، الصنم الذي لا يدري عنك شيئا الذي لا يملك لك شيئا، ولا يملك لنفسه شيئا هل يستوي مع العالم السميع البصير المحيط بك، (أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ ۗ ) الظلمات مثل للشرك والنور مثل للإيمان الإيمان نور والشرك ظلام هل تستوي الظلمات مع النور هل يستوي الأعمى والبصير، ها هي الأمثلة واضحة للمؤمن والمشرك والهدي والإيمان والضلال، (أَمْ جَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُوا۟ كَخَلْقِهِۦ فَتَشَـٰبَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ ) هل هناك خالق غير الله؟ هل خلقت أصنامهم شيئا، فقالوا هذا خلق الله، وهذا خلق آلهتهم فاختلط الأمر واختلط الخلْق، فلا يدرون أي خلق هذا، ولمن هذا الخلْق، استوجب الله العبادة بخلقه وكذلك استوجب هؤلاء العبادة بخلْقهم تشابه الخلْق عليهم، هذا خلْق لله وهذا خلْق آلهتهم هل خلقوا شيئا، (قُلِ ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ ) هذا هو الجواب المتعين الذي لا جواب غيره والذي يقر به المؤمن بل ويقر به الكافر‫:‬ الله خالق كل شيء، فإذا كان هو الخالق لكل شيء إذاً فهو المعبود الحق المستحق للعبادة، (وَهُوَ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّـٰرُ (١٦)) المتوحد بالألوهية الواحد أزلاً وأبداً، المستغني عن كل شيء، القهار بسلطانه وقهره، المسيطر على كل ما هو موجود بإرادته وقدرته ومشيئته وتدبيره وتصريفه، ويسوق الله (تبارك وتعالى) الأمثلة تلو الأمثلة تدل على وجوده وعلى قدرته وتدل على وحدانيته، أيضا تدل على سخفهم وسفاهة عقولهم أمثلة للحق والباطل:
أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌۢ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًۭا رَّابِيًۭا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَـٰعٍۢ زَبَدٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ ۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءًۭ ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ ﴿17﴾
‫(أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ) هل في ذلك شك؟ هل في ذلك مراء أن منزِّل الماء هو الله، والسماء ما علاك، السحاب، (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌۢ بِقَدَرِهَا) (فسالت أودية بقدْرها ) قراءتان، أيضا كقراءة (أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ ۗ ) قرئت (أم هل يستوي الظلمات والنور ) لتقدم الفعل، ها هي الأمثال تتوالى، هذا الماء والذي نزل من السماء، (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌۢ بِقَدَرِهَا)، (فسالت أودية بقدْرها ) بقدرها وبقدْرها‫:‬ أي بمقدارها من الصغر أو الكبر، أو بتقدير الله، عز وجل، لهذا الماء ليكون نافعا غير ضار، فلم ينزل الماء من السماء بغير تقدير، بل بمقدار، مقدار ما ينفع ما تقتضيه المصلحة، ما تقتضيه حكمة الله، فيكون نافعا غير ضار بقدْرها‫:‬ بقدْر الأودية من اتساع وضيق، بقدْرها‫:‬ بمقدار المياه النازلة والمقدّرة، والأودية‫:‬ جمع واد، والواد‫:‬ الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرة، (فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًۭا رَّابِيًۭا ۚ ) هذا السبيل من الماء الجاري، احتمل على وجهه زبداً رابيا، الزبد‫:‬ ما يظهر على وجه الماء عند اشتداد حركته ويسمى غثاءً من رغاوي، من أتربة، من قش، من أشياء انجرفت مع مسيل الماء، رابيا متنفخا عاليا منتفشاً، هذا المثال للحق والباطل في ثبات الحق واضمحلال الباطل، الماء نافع، الماء بقدر، الماء ثابت، الماء صاف، والزبد غثاء منتفش منتفخ ظاهر، لكنه غير نافع غير دائم غير ثابت يقذف به الماء على جنبات الوادي مع جريانه فيزول ويضمحل، ومثال آخر‫:‬ (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ) (ومما توقدون عليه في النار) قراءتان، (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَـٰعٍۢ) المعادن المختلفة الذهب الفضة النحاس الحديد الرصاص، كل ذلك يوقد عليه في النار لإذابته وإزالة خبثه (ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ) ما يتحلّى به المرء من حلي من الذهب والفضة، وأما المتاع فهو الأدوات كالأواني، كأدوات الحرب، الحرث، كل ما صنع من حديد ومن نحاس ومن رصاص، كيف صُنع؟ أذيب المعدن وأُوقد عليه في النار، فزال خبثه وبقي المعدن صافيا رائقا، (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَـٰعٍۢ زَبَدٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ ) إذا فارت القدر وغلى ما فيها، ظهرت الرغوة وقذف بها القدر إلى الخارج، ذاك يسمى "الوَزَرْ " زبد مثل زبد الماء، ثم يبين ربنا ، تبارك وتعالى، المآل للحق والباطل، وحال الحق، وحال الباطل فيقول‫:‬ (فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءًۭ ۖ ) جفأت القدر وأجفات رمت بالزبد خارجها، أما الزبد يذهب جفاءاً مرمياً مطروحا سواء كان زبد الماء يرمي به الماء على جنبات الوادي، أو زبد القدر يرمي به القدر على جنبات القدر، (وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ) من ماء أو من حلية أو من متاع، (فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ ) أي يبقى، وقبل بيان الحال والمآل يقول‫:‬ (كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ ۚ ) وكأنه تقديم، كأنه تقديم (كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ ۚ ) أي يضرب الله مثل الحق ومثل الباطل، الحق في دوامه واستقراره واستمراره وانتفاع الناس به، والباطل في عدم استقراره وعدم ثباته وزواله واضمحلاله، (كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ (١٧)) أي كما ضرب الأمثال من قبل ها هو يضرب الأمثال مرة أخرى للبيان وللإيضاح‫.‬‬
‫وبعد بيان حال المشرك والمؤمن، وضرب الأمثلة للحق والباطل والإيمان والشرك توضح الآيات المصير:
لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُۥ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ﴿18﴾
‫( لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ ) أجاب واستجاب بمعنى واحد (لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمُ) أجابوا الدعوة إلى الله، وآمنوا بالله وعبدوا الله ووحدوه (ٱلْحُسْنَىٰ ۚ ) الحسنى تأنيث الأحسن، والحسنى هي الحنة الجزاء الأحسن أو جزاء الحسنى الجنة، النظر إلى وجه الكريم، النعيم المقيم، (لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ ) وذاك وعد من الله، (وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُۥ) لم يستجيبوا لتوحيده وعبادته والإقرار به، (لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا) من أموال (وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ) ملكا لهم، ما في الأرض جميعا من أموال، وأنتم ترون ثروات الأرض المختلفة والكنوز المختلفة والزخرف والزينة كل ذلك، لو أن للإنسان الواحد الكافر ما في الأرض جميعا من كنوز ظاهرة وباطنة، بل ومثلها معها، وأراد أن يفتدي بكل ذلك لفَعَل، لكن الله لا يقبل منهم فداء، (أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْحِسَابِ) إذاً لن يقبل منهم فداء، لن، فلن يقبل من أحدهم ملئ الأرض ذهبا ولو افتدى به، (أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْحِسَابِ) أتدرون ما سوء الحساب؟ سوء الحساب‫:‬ أن يحاسب العبد على كل خطيئة، على كل ذنب، أن يناقش في الصغائر والكبائر، لا يغفر له ذنب، ولا يعفى عن سيئة، ذاك هو سوء الحساب والذي قال فيه سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) (مَنْ نُوْقشَ الْحِسَابَ هَلَكَ)، أو (مَنْ نُوْقشَ الْحِسَابَ يَهْلَكَ)، أو (مَنْ نُوْقشَ الْحِسَابَ يُعذَّب)، ذاك هو سوء الحساب‫:‬ أن يناقش العبد ويسأل عن كل ذنب وخطيئة صغيرها وكبيرها ، أما حساب المؤمن فليس فيه مناقشة ولا عتاب، ليس فيه مؤاخذة ولا حساب، وإنما هو العرْض، ولذا حين سألت إحدى أمهات المؤمنين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين سمعته يقول‫:‬ (مَنْ نُوْقشَ الْحِسَابَ هَلَكَ) فقالت أليس الله يقول‫:‬ (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًۭا يَسِيرًۭا (٨)) [سورة الانشقاق آية‫:‬ ٨]، قال‫:‬ (إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ)، العرض فقط العرض، (مَنْ نُوْقَشَ الْحِسَابَ هَلَكَ) الذي جاء ذكره في قوله (عز وجل) عمن أوتي كتابه بيمينه فيقول‫:‬ (فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُوا۟ كِتَـٰبِيَهْ (١٩) إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)) [سورة الحاقة آية‫:‬ ١٩- ٢٠].‬
‫ثم يأتي السؤال أيضا الذي فيه إلزام الحجة وفيه السخرية بهم‫:‬‬‬‬
أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰٓ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ ﴿19﴾
‫( أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ ) الذي يعلم أن ما أُنزل إلى النبي هو الحق المؤمن الذي آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله (كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰٓ ۚ ) الكافر (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ (١٩)) أصحاب العقول المبرأة من شوائب الوهم والتقليد والإلف تلك هي الألباب، العقول المبرأة من تقليد الآباء المبرأة من الأوهام، هؤلاء هم الذين يتذكرون، هم الذين يتأملون في الآيات، ويتدبروا، وتأتي صفاتهم تسع صفات، نسأل الله (تبارك وتعالى) أن نتخلق بها جميعا‫:‬‬‬‬
ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ ﴿20﴾ وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلْحِسَابِ ﴿21﴾ وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴿22﴾
‫( ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ) "عهد" هنا اسم جنس، وبالتالي (يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ) أي كل عهد لله، كل أمر لله، كل نهي لله، فهم عاملون بالأوامر، مجتنبون النواهي، أو ما عهده الله إليهم في كتبه (ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ) ما عهده إليهم في كتبه كقوله‫:‬ (وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ) [سورة طه آية‫:‬ ١١٥]، وهكذا، فما عهده الله إلينا وعلمنا به نوفي به، (وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ (٢٠)) النقض‫:‬ الفك، النقض‫:‬ الهدم، الميثاق‫:‬ إما الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم حين أخرجهم من أصلاب آبائهم في عالم الذر بقوله‫:‬ (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٧٢]، أو الميثاق‫:‬ كل المواثيق مع الله ومع الخلائق، (وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ (٢٠)) والمؤمنون على شروطهم يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، (وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوص) صلة الرحم، صلة القربى، بر الوالدين، الإيمان بجميع الرسل والأنبياء، كل ما أمر الله به أن يوصل فهم واصلون له، موالاة المؤمنين، من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) في السر والعلانية، (وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلْحِسَابِ (٢١)) وسوء الحساب كما قلنا‫:‬ أن يؤاخذ العبد ويناقش ويسأل عن كل ذنب لا تُقبل له حسنة ولا تغفر له سيئة‫.‬‬
‫(وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) صبر بالله، صبر في الله، صبر لله، صبر على الطاعة، صبر عن المعصية، صبر على البلاء، صبر في الله ولله، (وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) صبر الصابر طوعا، وليس صبر الصابر كرها، (وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ) أتوا الصلاة في أوقاتها وبأركانها وعلى هيآتها التي سنّها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ) كأنها تدل على الزكاة، فالإعلان فيها أفضل، والصدقة الإسرار فيها أفضل، (وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ): من بعض ما رزقناهم، سرا وعلانية، (وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ) يقابلون الإساءة بالإحسان، وأحسن إلى من أساء إليك، أو يتبعون السيئة الحسنة لتمحها،
(وَيَدْرَءُونَ) الدرء‫:‬ الرفع درأه‫:‬ دفعه، (وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ) وكأنهم يدفعون السيئة بالحسنة، يُفهم منها مقابلة الإساءة بالإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، وتعني أيضا أن تتبع السيئة الحسنة، كما قال سيد الخلْق (صلى الله عليه وسلم) لمعاذ موصيا إياه "اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَاَتْبِعِ الْسَيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ الْنَّاسَ بِخُلِقٍ حَسَنٍ" (أُو۟لَـٰٓئِكَ) المتصفون بهذه الصفات (لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ (٢٢))عقبى أي العاقبة، وتطلق العقبى على الجزاء على الفعل، وسمي الجزاء على الفعل عقبى لأنه يأتي ويكون عقب الفعل، الجزاء يأتي عقب الفعل فيسمى الجزاء عقبى، (لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ (٢٢)) دار الدنيا، أو دار الآخرة، (عُقْبَى ٱلدَّارِ (٢٢)) أي جزاء عملهم في الدنيا، فالدنيا دار عمل وليست دار جزاء، عاقبتها الجزاء، الجنة أو النار (لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ (٢٢)) أي عاقبة الدنيا وعاقبة العمل في هذه الدنيا ألا وهي الجنة، أو عاقبة الدار‫:‬ الدار الآخرة، إذ في الدار الآخرة داران‫:‬ الجنة والنار‫.‬‬
‫ثم يأتي وصف هذه العقبى فيقول الله (تبارك وتعالى):‬‬
جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍۢ ﴿23﴾ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴿24﴾
‫(جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ) عدن‫:‬ إقامة ثبات دوام، عدن بالمكان‫:‬ أقام به وثبت واستقر، (جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ) أهي أوسط الجنة؟ أهي الفردوس؟ (جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ) : جنات الإقامة جنات الخلود (وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۖ) يدخلون معهم، لكن الملفت في الآية أمران‫:‬ الأمر الأول‫:‬ أن النسب بغير عمل لا ينفع، لذا قال : (وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۖ ) إذاً لا بد من العمل الصالح فنسب بلا عمل لا يجدي ولا ينفع‫.‬ الأمر الثاني‫:‬ أن الشفاعة ترفع الدرجة هم دخلوا في جنات عدن وأصبحوا في درجة لا يصل إليها الأب أو الابن أو الزوجة فيشفع له فيُرفع إلى درجته ليتم الأُنس، وليكمل له السعادة بأن يجد نفسه في نعيمه مع من يحب، ليس هذا فقط بل‫:‬ (وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍۢ (٢٣)) من كل باب من أبواب الجنة؟ من كل باب من أبواب المنازل، منازلهم في الجنة؟ من كل باب‫:‬ من كل اتجاه؟ من كل باب‫:‬ من أبواب الفتوحات؟ فالباب قد يكون بابا يُغلق ويُفتح ، والباب قد يكون مدخلا يعبر بكلمة الباب كقولك أبواب الرزق أبواب الرحمة (يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍۢ (٢٣)) أي الأبواب؟ وأي باب، أهي أبواب ذات مصاريع تغلق وتُقفل، أم هي أبواب الجنة، أم هي أبواب الفتوحات، أم هي أبواب المنح والعطايا بالتحف والهدايا من الله، (سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ ) أي يقولون لهم‫:‬ سلام عليكم، يقولون سلام عليكم وهم سالمون، من دخل الجنة فقد سلِم، فلِمَ يقولون سلام عليكم وهم في سلام؟ أهي بشارة بدوام السلامة؟ أم هي تحية من الله يبلغونهم إياها، أي ما أنتم فيه من نعيم جزاء صبركم (فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ (٢٤)) هكذا تكون عقبى الدار، والنعم في عقبى الدار، ونعمت هي عاقبة الدار، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوسَ فَإِنَّهَا أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَسَقْفُهَا عَرْشُ الَرَّحْمَنِ).‬
‫وبضدها تتميز الأشياء فذاك كان حال أهل الجنة الذين عملوا لها وسعوا لها سعيها أما الآخرين فيقول الله (تبارك وتعالى) فيهم:
وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَـٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ﴿25﴾
ثلاث صفات، للمؤمنين تسع صفات، وللكفار ثلاث صفات (وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَـٰقِهِۦ) ما عهده إليهم في كتبه، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره، الميثاق الذي تم في عالم الذر حين استخرجهم من أصلاب آبائهم، (مِنۢ بَعْدِ مِيثَـٰقِهِۦ) من بعد توكيده وتأكيده، ما من رسول بُعث إلا وأُخذ عليه العهد أن يؤمن بمحمد (صلى الله عليه وسلم) وأن يأمر أتباعه بالإيمان به، وأُخذ المواثيق على ذلك من الرسل، وأخذت الرسل المواثيق على أتباعهم (وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـٰبٍۢ وَحِكْمَةٍۢ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مُّصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ ۚ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى ۖ قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَٱشْهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ (٨١)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٨١].‬
‫يقول الله عن هؤلاء التعساء‫:‬ (وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ) ، موالاة المؤمنين صلة، الاهتمام بأمر المسلمين صلة ، صلة الرحم صلة، الإيمان بالرسل جميعا صلة، أن تصل إيمانك بمحمد بإيمانك بعيسى، وأن تصل إيمانك بعيسى بإيمانك بموسى وهكذا، كل ما أمر ربنا به أن يوصل، هؤلاء يقطعونه (وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۙ) بإثارة الفتن، بالحض على المعصية، بإظهار الفسق، بتشجيع الفجور، يفسدون في الأرض بكل أنواع الفساد، الرشوة فساد الراش والمرتشي والرائش الواسطة بينهما ملعونون، الخمر ملعونة الربا ملعون ، كل ما نهى عنه الله ما هو إلا فساد وإفساد في الأرض، (وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٥٦]، معناه‫:‬ كيف أُصلحت الأرض، وبم أصلحها الله؟ أصلحها الله بدعوة الرسل، أصلحها الله بإنزال الكتب، أصلحها بالأمر والنهي، أصلحها الله ببيان الأحكام وبيان الحلال من الحرام، كل مخالفة لذلك هو إفساد الأرض بعد إصلاحها، (أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ (٢٥)) اللعنة‫:‬ الطرد من رحمة الله (تبارك وتعالى) والحرمان من جنته إذ الملعون لا يخرج من جهنم أبداً ولا يدخل الجنة أبداً الملعون إبليس حين قال ربنا له‫:‬ (وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ (٣٥)) [سورة الحجر آية‫:‬ ٣٥]، هذه اللعنة الطرد من الرحمة، هل يدخل إبليس الجنة يوما ما؟ يستحيل‫:‬ هل يخرج من النار يوما ما؟ يستحيل، كذلك المشركون كذلك الناقضون لعهد الله من بعد ميثاقه، القاطعون لما أمر الله به أن يوصل، المفسدون في الأرض، هؤلاء لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط (وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ (٢٥)) سوء الدار‫:‬ ما يسوؤهم في الدار الآخرة‫.‬‬
‫ثم يبين ربنا (تبارك وتعالى) أن الرزق بيده، وأن سعة الرزق لا تدل على الإكرام، وأن تضييق الرزق لا يدل على الإهانة، وقد يُبسط الرزق للمؤمن، وقد يُبسط الرزق للكافر استدراجا له، وقد يُقدَّر الرزق على المؤمن ابتلاءً وتكفيرا لذنوبه فيقول عز من قائل:
ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا مَتَـٰعٌۭ ﴿26﴾
‫( ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ ) يبسط‫:‬ يوسّع يقدر‫:‬ يضيّق، (لِمَن يَشَآءُ) ليس له شرط سوى إرادته وحكمته وقضاؤه، فقد يوسِّع على الكافر استدراجاً له، وقد يضيّق على المؤمن ابتلاءً له لكن مشركي مكة فرحوا بالحياة الدنيا وما نالوه منها، ومتاع الدنيا والحياة الدنيا بطولها وعرضها بالنسبة للآخرة ماهي إلا لحظة، (وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا مَتَـٰعٌۭ (٢٦)) المتاع‫:‬ كل ما يُتمتع به في الدنيا ومصيره إلى الزوال، وإلى الفناء، أصل الكلمة من متع النهار‫:‬ ارتفع بعد ارتفاعه يأتي الزوال، لا بد هل رأيتم نهاراً ممتداً؟ هل رأيتم نهاراً مستمرا؟ ارتفعت الشمس متع النهار، ثم لا بد من الزوال، فكذلك يُطلق على كل ما يستمتع به في هذه الدنيا كلمة "متاع" لأنه زائل منتهٍ وفان، (ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا مَتَـٰعٌۭ (٢٦)) والملفت للنظر في الآية أن البعض اعتبر الكلام فيه تقديم وتأخير، وأن هذه صفة رابعة، وكأن التقدير (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر )، وكأنها صفة، ويجوز في الأفعال حاضر أو مضارع وماض، إذ بدأ بكلمة "الذين" باعتبار أن "الذين" تتضمن معنى الشرط، ويستوي في الشرط الفعل المضارع والفعل الماضي كقوله (ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ (٢٠)) ثم بعد ذلك (وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلْحِسَابِ (٢١) وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ ) إذا فقد جاء الماضي أيضا مع المضارع، وهي صفات متصلة، لذلك قال البعض (وَفَرِحُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا) فيها تقديم وتأخير، (وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَـٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ (٢٥)).‬
‫أيها الأخ المؤمن، أيها الأخ المسلم‫:‬ ليس بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار فانظر إلى نفسك أي الدارين تختار، الحياة الدنيا متاع، الحياة الدنيا إلى زوال، الحياة الدنيا إلى فناء، الحق أبلج والباطل لجلج، اللجوء إلى الله سهل، الدعاء لا بد له من إجابة ما يرفع أحد يديه إلى السماء إلا وأجابه رب الأرض والسماء، والله لا يرد ربنا دعاءً لأنه هو القائل‫:‬ (أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) [سورة النمل آية‫:‬ ٦٢]، المهم أن يكون الداعي مخلصا في دعوته لله، له دعوة الحق، ألا يغفل عن الله، أن يثق في الله (اُدْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوْقِنُوْنَ بِالْإِجَابَةِ )، ذاك قول النبي ، صلى الله عليه وسلم، ونصحنا وقال‫:‬ ( لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلعَبْدِ مَا لَمْ يَسْتَعجِلْ) قالوا وما يستعجل يا رسول الله؟ قال‫:‬ (يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُستَجَبْ لِي ) فإياك أن تتعجل الإجابة، فالإجابة على ثلاث دروب أو على ثلاثة أنواع إما أن يعطيك الله (تبارك وتعالى) ما طلبت بالتحديد، وإما أن يصرف عنك ما يوازيه ويساويه من البلاء، وإما أن يدخر لك طلبك إلى يوم القيامة حيث لا ينفع مال ولا بنون وأنت في هذا الموقف يقال لك‫:‬ سألتني في الدنيا كذا ولم أُعطيك ماذا تطلب اليوم بدلا منه يتمنى العبد يومئذ أن لو لم يستجيب له دعاء، إذ كله مدخر ف والله ما من دعوة إلا وهي مجابة ثق في ذلك ما من دعوة إلا وهي مجابة، إما بإجابتك لما تطلب، إن كان ذلك في قضاء الله وقدره، وإما بصرف البلاء عنك بما يوازي ما طلبت ويزيد وإما بادخار الدعوة لك في الآخرة، وعلموا أنه لا يرد القضاء إلا الدعاء‫.‬‬
‫فرغم وضوح الآيات ورغم سطوع الدلائل والبرهان في شخص النبي (صلى الله عليه وسلم) وفيما جاء به من وحي، فهو الصادق الأمين كما كانوا يطلقون عليه قبل البعثة، أوسطهم نسباً، يعلمون صدقه، يعلمون نسبه، يستأمنونه على كل شيء، ورغم ما جاء به من قرآن معجز في نظمه بليغ في لفظه، ينبئهم بما لم يكونوا يعلمون، يخبرهم بأنباء الأولين وينبئهم بأنباء الآخِرين، ويبيّن لهم الآيات الدلائل الدالة على وجود الله ووحدانيته وقدرته فيما يشاهدونه، في نفس الوقت يأمر بالصلة بالعفاف بالصدق بصلة الأرحام، بالأمانة بحسن الجوار، بكل خلق حميد، وينهى عن الرذائل وعن الرذيلة، وعن كل خلق سفيه، رغم كل ذلك لا زال كفار مكة يطلبون المعجزات التي جاء بها الأنبياء من قبل، لا زال كفار مكة يسألونه أن يحوِل مكة إلى بلد زراعية، تجري فيها الأنهار، أن يفسح لهم ويحرك الجبال، أن يكون له بيت من زخرف، أن يرقى في السماء وهكذا، آيات ومعجزات يطلبونها ويقترحونها عليه رغم، نزول الآيات بتحديد وظيفته ورسالته على وجه الحصر والقصر (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ) [سورة الرعد آية‫:‬ ٤٠]، ورغم وضوح الآيات بأن لكل جيل ولكل قرن ولكل زمان رسول يُبعث بلسان قومه، يأتي بالآية التي يقررها الله والتي تتوافق مع الزمان ومع المكان ورغم كل ذلك:
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴿27﴾
‫( وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۗ ) ويأتي الجواب بصيغة تخرج مخرج التعجب لتقرر الرد عليهم، ولتقرر أن الهداية بيد الله، وأن الإضلال بمشيئة الله، وأن الآيات ليست هي السبب في الهداية، والمعجزات ليست هي المانع من الضلال، فيقول عز من قائل‫:‬ (قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ) هذه الصياغة خرجت مخرج التعجب، كأن المعنى تعجب من طلبهم، هذا الطلب الغريب جاءت الآيات في القرآن، الآيات ظاهرة فيك وفي خلقك وسلوكك، في كلامك الذي أتيت به فضلُّوا ويطلبون المعجزات، من أضلّهم من قبل يضلهم من بعد (قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ) فمهما نزلت الآيات التي اقترحوها لما وُفقوا للهداية لعلم الله (عز وجل) الأزلي بأنه لا تلين له شكيمتهم، لو شاء أنزل الآيات ولم يشأ لعلمه السابق بأنهم في ضلال وفي عناد (وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ) "إليه" إلى القرآن، "إليه" إلى الله، "إليه" إلى الهدى إلى الحق، إليك يا محمد بتصديقك (مَنْ أَنَابَ (٢٧)) أناب‫:‬ عاد إلى الله ورجع إليه بالتسليم والاستسلام المطلق‫.‬ ويأتي وصف للذين أنابوا إلى الله ، سألوه الهدى، أقبلوا عليه يريدون الهداية، يريدون الحق بقلب مفتوح، ليس بذهن مكدود ولا بقلب مسدود، ولا بفكر محدود من تقليد الآباء والإلف على ما ألفوه واعتادوه ، وإنما بقلب مفتوح وصدر منشرح لتلقِّى الحق، هؤلاء هم الذين أنابوا رجعوا إلى الله سائلين إياه الهداية من أولئك؟‬‬‬
ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ ﴿28﴾ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍۢ ﴿29﴾
‫(ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟) بدل من قوله‫:‬ (مَنْ أَنَابَ (٢٧)) أو هو مبتدأ محذوف الخبر، (ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ) الذين آمنوا بوجود الله آمنوا بصدق النب (صلى الله عليه وسلم) تطمئن قلوبهم‫:‬ تسكن تهدأ تستريح تستقر بعد قلق، (بِذِكْرِ ٱللَّهِ) بذكر ذاته، بذكر صفاته، بذكر كلامه، بتلاوة القرآن، بذكر الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته ووجوده، تطمئن قلوبهم إلى رحمته بعد القلق من خشيته، تطمئن وتسكن بذكره أُنساً به، طمعا في رحمته رجاءً في عفوه (ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ ) إذا ذكروه وجلت القلوب، ثم خشعت ثم اطمأنت وسكنت، إذا ذكروا الله وجلت قلوبهم، خافوا رهبة وخشية من عقابه، من الوقوف بين يديه من الاطلاع على ما هم فيه من قصور وتقصير، ثم يسكنون إلى رحمته ، فقد وسعت رحمته كل شيء، فتطمئن القلوب وتلين الجلود وتخشع الجوارح، هل بتلاوة القرآن، فإذا قرأوا كلامه، أحسوا بمجالستهم له أو بجلوسه معهم "أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي" هل بالوثوق والتأكد واليقين من وجوده، ووحدانيته وقدرته، لتذكرهم وذكرهم لدلائله الموجودة في كل شيء، (وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)) [سورة الذاريات آية‫:‬ ٢١]، فإذا ذكروا الدلائل الشمس القمر الليل النهار الموت الحياة الزرع النبات الطير الطعام الرزق الحركة السكون، إذا ذكروا كل ذلك سكنت قلوبهم لوجود الواحد الأحد، واطمأنوا لوجوده وسعدوا بوحدانيته وبهدايته لهم، وإلى طريقه، (ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ) هذه الآية معناها يُحَس، يشعر به الذاكر وقد كان سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) يذكر الله على كافة أحيانه وعلى كل أحواله، ذكر الله بتلاوة القرآن، ذكر الله بذكر ذاته، ذكر الله بالتلفظ بأسمائه وصفاته، ذكر الله بالتأمل في آياته ودلائله، ذكر الله إحساس، ذكر الله بالقلب، ذكر الله بالعقل، ذكر الله باللسان ذكر الله بالانسياق مع حركة الكون، ذكر الله بالاتساق مع منظومة الموجودات (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٤]، (أَلَا) انتبه وانتبهوا جميعا (أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ (٢٨)) وكأن الله (تبارك وتعالى) يوقظ الغَفَلة، يوقظ النيام، يحرك المشاعر، يدعو ويبيّن وينبّه (أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ (٢٨)) جرِّب وأنت تعلم، هل جربت أن تعيش مع ذكر الله في مشيك في نومك في يقظتك في حركتك في سكونك، من فعل ذلك من الصحابة سبح الطعام بين يديه، من فعل ذلك من الصحابة سمعوا تسبيح الطعام لأنهم عاشوا في منظومة الموجودات اتساقا مع الكون كله، الذي لا يغفل عن ذكر الله لحظة (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٤] استمرار "يسبح" فعل مضارع يفيد الاستمرار (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٤] لا يغفل لحظة، حجر صخر أو مدر نبات أو شجر، شمس أو قمر الكل في تسبيح مستمر(أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ (٢٨)). وتأتي البشارة للذين آمنوا (ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ طُوبَىٰ لَهُمْ ) هؤلاء المؤمنون الذين عاشوا مع ذكر الله واطمأنت قلوبهم بذكر الله، الذين أنابوا إلى الله، كل ذلك إيمان يحرك الجوارح، كي تنصاع وتنساق وتتسق مع المنظومة بالركوع والسجود بالقيام بالطاعة، (ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍۢ (٢٩)) (طُوبَىٰ) مصدر طاب فُعلاء من الطيب، (طُوبَىٰ لَهُمْ) ما هي؟ وكيف هي؟ عيش طيب؟ طاب عيشهم وهنأ، طوبى شجرة في الجنة كقول البعض؟ "طوبى" كلمة واحدة مصدر "طاب" ، كزلفى وبشرى، ولكن تحوي من المعاني ما لا يتسع له حصر، (طُوبَىٰ لَهُمْ) هو الذي خلق الطوبى والطيب، وهو الذي أعدها لهم (طُوبَىٰ لَهُمْ) وهي في موضع رفع، أو في موضع نصب وعليه يتغير المعطوف (طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍۢ (٢٩)) (طوبى لهم وحسنَ مآب) قراءتان مآب‫:‬ مرجع يئوب أوبا ومآبا‫:‬ رجع، (طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍۢ (٢٩)) : رجوع هل كانوا هناك؟ الرجوع‫:‬ عود إلى مكان كنت فيه، (طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍۢ (٢٩)) إذا دخلوا الجنة من يدلهم على بيوتهم وقصورهم؟ هل هناك أدلاء؟ هل هناك مرشدون؟ لا والله وإنما يعرف كلٌ منهم منزله كما يعرف منزله في الدنيا وكأنه كان فيه وتركه إلى حين (طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍۢ (٢٩)) آية كلمتان ولا يعلمها إلا من أعد لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَـٰكَ فِىٓ أُمَّةٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌۭ لِّتَتْلُوَا۟ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴿30﴾
لو لم ينزل من القرآن سوى سورة الرعد لكفت إعجاز في اللفظ في النظم في المعنى في الإحاطة بكل شيء في بيان الأدلة والدلائل التي تدل على وجوده ووحدانيته وقدرته ربنا (تبارك وتعالى) يقول لهؤلاء المتعنتين المعاندين المصرين على الكفر‫:‬ كما أرسلنا رسلاً من قبلك إلى أقوامهم كل رسول بلسان قومه كذلك أرسلناك لست بدعا من الرسل، (كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَـٰكَ فِىٓ أُمَّةٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌۭ) مضت واندثرت وذهبت (لِّتَتْلُوَا۟ عَلَيْهِمُ) تلك وظيفته إبلاغهم بما أُوحي إليه (ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ) إذاً فهو رسول له وظيفة‫:‬ إبلاغ الناس بما أُحي إليه، هل هو أول رسول؟ هل هو بدع من الرسل؟ هل أتى بما لم يأت به أحد من الأوائل أم أُرسل إلى أمة كما أُرسل غيره إلى أمم قد خلت؟ (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)) أي والحال حالهم رغم ذلك أنهم يكفرون بالرحمن بالغ الرحمة الذي أحاطت بهم نعمته، ووسعت كل شيء رحمته، قيل في سبب نزول الآية أنهم سمعوه يقول‫:‬ يا الله يا رحمن حول الكعبة فقالوا ينهانا عن الشرك ويدعو إلهين فنزلت (قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُوا۟ ٱلرَّحْمَـٰنَ ۖ أَيًّۭا مَّا تَدْعُوا۟ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ١١٠]، قيل هذا، وقيل إنه حين قال‫:‬ (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُوا۟ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُوا۟ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًۭا ۩ (٦٠)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٦٠] قالوا ها هو يدعو إلهاً آخر اسمه الرحمن فيبين ربنا (تبارك وتعالى) في جواب النبي (صلى الله عليه وسلم) (قُلْ هُوَ رَبِّى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ) لهم أي هو الواحد بذاته ، وإن اختلفت أسماء صفاته، هو الله هو الرحمن هو الملك هو القدوس هو الله وحين قال‫:‬ (قُلْ هُوَ رَبِّى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)) العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، حين يأتي بهذه الصفة ليدلل على سعة رحمته وكيف عمهم بنعمته بلد آمن حرم آمن يأتي إليهم الرزق من كل مكان رغدا، قوافلهم آمنة، زوادهم آمنون أرسل إليهم رسولا منهم أنزل عليهم قرآنا بلغتهم نعم متعددة رغم كفرهم (قُلْ هُوَ رَبِّى) الذي خلقني وتولّى أمري ورزقني وأحياني (لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ) المتوحد المنفرد بالوحدانية المتصف بالصمدية الواحد بذاته وإن اختلفت أسماء صفاته (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) فوضت أموري إليه في تكذيبكم لي في كفركم برسالتي في عنادكم (وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)) تاب توبة وتوباً ومتاباً (وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)) أي رجوعي وإقراري بضعفي وتقصيري وإن أخطأت فإليه الاعتراف وله العتبى حتى يرضى‫.‬‬
‫وتأتي آية الإعجاز فيها فوق التصور والكلام فيها يحتاج لصفحات وصفحات واسمع وتأمل:
وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًۭا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا۟ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًۭا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ﴿31﴾
آية يا لها من آية هذه الآية تكفي للتدليل على أن هذا القرآن من عند الله ويستحيل أن يأتي به بشر (وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًۭا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ) (وَلَوْ أَنَّ) شرطية وليست للتمني كما قلنا أن "لو" تأتي على ضدين ولو أن قرآناً قُرئ فتحركت به الجبال وتزلزلت وأفسحت (أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ) فتشققت وجرت أنهاراً وعيونا (أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ ۗ ) قرأته على الميت فقام من قبره أين الإجابة؟ هذا شرط يحتاج لجواب حُذفت الإجابة، اختصار بالحذف وتُقدر الإجابة ما تقديرها؟ ولو أن قرآنا فُعِل به ذلك نزل من السماء فقُرئ على الجبال فأفسحت وقرئ على الموتى فقاموا من قبورهم، وقرئ على الأرض قتفجرت منها الأنهار والعيون لكان هذا القرآن، ولكنكم لا تعقلون ولا تسمعون ولا تفقهون، لكان هذا القرآن الذي أنكرتموه وكذبتموه، وقد يكون التقدير‫:‬ (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطِعت به الأرض أو كلم به الموتى لما آمنوا به ولما أجدى معهم ) قيل إن كفار مكة قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) قرآنك إن كان من عند الله فاقرأه على الجبال حتى تتسع مكة وتفسح لنا، أو تسير به الريح، أو قطعت به الأرض، ليس تشقق الأرض وانفجار الأنهار، وإنما قطع الأرض ذهابا ومجيئا سافر، قطعت به الأرض سفرا ومشيا، وتسخير الريح لست أقل من سليمان فسخر لنا الريح نذهب إلى الشام في نفس اليوم، لست أقل من عيسى أحيي الموتى، هلم إلى قبر قصي الجد فاقرأ عليه واجعله يخرج لنا يكلمنا بصدقك، فسح لنا جبال مكة، هم طلبوا ذلك فنزل الرد‫:‬ (وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًۭا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ ۗ ) لما أجدى معهم ولما آمنوا، لما آمنوا ولما نفع ولما أجدى معهم، (وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًۭا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ ۗ ) لكان هذا القرآن، مصداقا لقوله (عز وجل): (لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍۢ لَّرَأَيْتَهُۥ خَـٰشِعًۭا مُّتَصَدِّعًۭا مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۚ ) [سورة الحشر آية‫:‬ ٢١]، دعك من هذا، دعك من كل ذلك (بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ ) إضراب عن هذا الكلام والالتجاء إلى معنى آخر لله (بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ ) أي لله القدرة الكاملة والتامة على إنزال ما اقترحوه، ولكنه لم يشأ لأنه يعلم أنهم في ضلال مبين، ولن يحدث أن يؤمنوا أبداً مهما نزلت الآيات، ولكن جرت سنة الله، عز وجل، إذا أنزل معجزة ولم يؤمن بها القوم دمرهم، أرأيتم كيف فعل بعاد؟ أرأيتم كيف فعل بثمود؟ أرأيتم كيف فعل بقوم لوط؟ أرأيتم كيف فعل بفرعون؟ كل ذلك لأن الآيات المعجزات نزلت فكفروا بها (وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْـَٔايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ ۚ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٥٩]، وكأن المؤمنين من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) تمنت نفوسهم وتشوقت قلوبهم لنزول بعض المعجزات، عل وعسى يؤمن الأهل والأحباب، كأنهم تمنوا في نفوسهم ذلك، لم يسألوا لم يطلبوا كما طلب الكفار، لكنهم تمنوا ذلك واسمع البيان والرد على ما القلوب وعلى الأمنيات التي لا تتحقق لأنها في غير محلها‫:‬ (أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۗ ) هذا هو الرد حين قال (بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ ) أي له القدرة الكاملة والتامة، له الأمر والخلق، ولو شاء لأنزل ما اقترحوه من الآيات لكنه لم يشأ لحكمة أرادها ولحكمة يعلمها، لكنكم تتمنون نزول الآيات، ألم يحدث لكم اليأس من إيمانهم بعد كل ما رأوه من آيات، بعد هذه الدلائل، بعد هذا البيان المعجز، بعد هذا القرآن الذي لم ير مثله لا من قبل ولم يرد مثله من بعد، هذا الكتاب الخالد، والكلام فيه حذف أيضا (أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۗ ) والتقدير (أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان قومهم المصّرين على الكفر بعد ما علموا أنه لو يشاء الله لهدى الناس جميعا) هكذا التقدير، وذاك إيجاز بالحذف ثقة بفهم السامع، وهم أساطين اللغة، ونزل القرآن بهذه الأساليب اللغوية المعجزة ليبين لهم أن هذا الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب لا يمكن أن يأتي بهذا النظم، يستحيل لأنهم هم وهم أهل اللسان شعراء، حكماء يقولون ويخطبون، عجزوا عن الإتيان بسورة، فكيف يأتي به هذا الأمي، (أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟) وقدر أنت تقديرك للإجابة وما حذف إيجازا (أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟) حتى أن بعض العلماء قالوا‫:‬ إن اليأس هنا بمعنى "العلم" وقرأ بعضهم قراءة تفسيرية (أفلم يتبين الذين آمنوا)، (أفلم يعلم الذين آمنوا) وقيل عُبِّر باليأس عن العلم لأن اليأس مسبّب عن العلم، لأنك تيأس حين تعلم أن الشيء ميئوس منه لذا (أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟) بمعنى أفلم يعلم، أفلم يتبين لأن اليأس مسبب عن العلم، متى يئس الإنسان من شيء، إذا علم أن الشيء ميئوس منه أو اللفظ على بابه (أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۗ ) نعم لو يشاء الله لهدى الناس جميعا، لكنه لم يشأ، لأن الإيمان لا بد وأن يكون اختياريا وليس إجباريا، ولو شاء الله لأوقف الشمس لجعل الله علينا الليل سرمداً لجعل النهار علينا سرمداً لفعل من الأفاعيل ما يجعل الكافر يخر ساجداً مؤمنا، لكن أين يكون التكليف؟ أين يكون الاختيار؟ لِمَ تكون جنة ولم تكون نار؟ إذا كان الناس يؤمنوا قهراً فأين الاختيار لو يشاء الله لهدى الناس جميعا، ومع ذلك ربما إيمانهم يأتي من الخوف، ليس من الآيات والمعجزات فربما المرض المصيبة البلاء، وإلا فهُم مستحقون لذلك واسمع لنهاية الآية (وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا۟) من تكذيب رسول الله وحرب رسول الله والمكر برسول الله والمؤمنين (قَارِعَةٌ) القارعة‫:‬ الداهية المصيبة، القارعة‫:‬ من القرْع والقرْع‫:‬ ضرب الشيء بالشيء بشدة وبقوة (أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًۭا مِّن دَارِهِمْ) فيصيبهم شرارها بعيداً عنهم، لكنها قريبة من دارهم بالأسر بالسرايا التي كان يرسلها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قريبا من دارهم تحل المصائب فيتعظون قد، أو (أَوْ تَحُلُّ) أنت يا محمد (قَرِيبًۭا مِّن دَارِهِمْ) كما حدث ونزل بجيشه في الحديبية قريبا منهم وارتعبوا وخافوا،( أَوْ تَحُلُّ) القارعة، (أَوْ تَحُلُّ) أنت يا محمد (قَرِيبًۭا مِّن دَارِهِمْ)، (حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ ۚ ) وعد الله‫:‬ الموت، وعد الله‫:‬ فتح مكة، وعد الله‫:‬ نصر رسوله، وعد الله‫:‬ يوم القيامة (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ (٣١)) حقاً لا يخلف الميعاد لامتناع الكذب في كلامه، من أصدق من الله حديثا، لا يخلف الميعاد لأنه القادر على إنفاذ ما وعد به، هل يمنعه مانع؟ هل يحول بين إرادته وبين وقوعها حائل، إن الله لا يخلف الميعاد هكذا الآيات يبيّن للسامع مدى الإعجاز فيها، مدى الصدق فيها، مدى البيان والبرهان الساطع فيها، لكن من شاء الله هداه ومن شاء الله أضله وأعماه‫.‬‬
‫فكأن الأمر يحتاج إلى تسلية لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) وكأن الأمر يحتاج تسرية لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بعد هذه الآيات وبعد هذه الحجج والدلائل والبراهين، وبعد البيان لعناد الكفار وتصميمهم على الكفر والتكذيب، كأن الأمر يحتاج إلى التسرية عنه وتسليته والتهديد والوعيد لمكذبيه فيقول عز من قائل‫:‬‬
وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴿32﴾
‫(وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)) هذه الآية تشعر حين تسمعها أنها تسرّي عن سيد الخلق أي لست وحدك الذي كُذب بل ما من رسول أُرسل قبلك إلا وكذبه بعض قومه، فلست بدعا في ذلك ولست أولاً في ذلك، بل كم من رسول وكم من نبي، وكم من رسول أتى بمعجزات غاية في الإبهار والإعجاز ومع ذلك كُذب، ولقد كذب رسل من قبلك واستهزئ بهم، كما استهزئ بك فلست أول الناس، لست أول الرسل (وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ) تلك هي التسلية ها هو التهديد (فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟) الإملاء‫:‬ الإمهال، الإملاء‫:‬ أصل الكلمة المِلاَوة والمَلاَوه المُلاوة‫:‬ الفترة من الزمن، فأملي له‫:‬ أي تركه ملاوة من الزمن كي يلين أو يفهم أو يعقل أو يتعظ، أو يُستدرج فيزيد غياً وضلالاً، أمليت‫:‬ تركته ملاوة، الفترة من الزمن، وبعد ذلك ماذا حدث؟ ، (فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ ) وربنا إذا أخذ لم يُفلت لا مهرب منه ولا ملجأ ولا منجي، (فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)) كيف كان عقابي؟ أين عاد "من يشتري مني تركة عاد بقرشين " أين هي عاد أرأيتم عاد إرم ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد، من يشتري الهرم قبر فرعون، من يشتري القصور أين هي؟ بئر معطلة وقصرٍ مشيد في كل مكان، كيف عقاب الله (عز وجل) أين فرعون وجنوده‫.‬‬
‫ثم يأتي بعد ذلك التوبيخ، التبكيت السخرية بهم، الاستهزاء إلزامهم الحجة قل ما شئت في الآية التالية فهي تحوي كل ذلك‫:‬‬‬‬
أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَـٰهِرٍۢ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ ﴿33﴾ لَّهُمْ عَذَابٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ ﴿34﴾
‫(أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ) مبتدأ أين الخبر؟ سؤال أين جوابه؟ محذوف ولك أن تقدِّر " أفمن هو قائم على نفس كمن ليس كذلك" القائم والقوام‫:‬ هو الحفظ، هو الرعاية هو الرقابة، (أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ) بالرقابة بالحفظ بإحصاء العمل، (قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ) يعلم ما تفعل وما تقول وما تتحرك وما تسكن، يرزقها يخلقها يبقيها يحفظها يراقبها، أفمن هو قائم على كل نفس كمن ليس كذلك، طبعا لا ومع ذلك تركوا القائم على كل نفس، وجعلوا من ليس كذلك إلها فعبدوه من دونه واسمع (وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ) صياغة إعجاز، يستحيل أن يستطيع الإنسان أن يوضح إعجاز اللغة في هذه الآيات، أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت فيحاسبها ويجازيها ويرى أعمالها ويقدّرها على الأفعال والله خلقكم وما تعملون وهكذا، كمن ليس كذلك، فماذا فعلوا هم؟ تركوا القائم على كل نفس وجعلوا له شركاء، ذاك تقدير الكلام لكنه قال (وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ) فجاء بالمظهر مكان المضمر ليبين أن الله هو وحده المستحق للعبادة (قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ ) من هم؟ ما أسماؤهم وصفاتهم؟ وبم استحقوا العبادة؟ هذا هو القائم على نفس بما كسبت هذا الذي خلق السموات والأرض وتقرون بذلك (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ ) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٨٧].‬
‫( قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ ) سمُّوا الشركاء أسماؤهم صفاتهم التي استحقوا بها العبادة؟ خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم، كما قيل في آية سابقة في نفس السورة رزقوا؟ فعلوا، نفعوا؟ ضروا؟ يملكون جلب النفع أو دفع الضر؟ سموهم، ما هي الصفات التي استحقوا بها العبادة، سكتوا طبعا قل سموهم طبعا لا جواب (أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ) (أم تنْبئونه) قراءة، (أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ) هل يجهل الشريك شريكه؟ هل يكون هناك شركاء، هو لا يعلمهم وأنتم تخبرونه عنهم هناك شركاء لك، ها أنتم عجزتم عن وصف هؤلاء الشركاء بالصفات التي من أجلها استحقوا العبادة، أو من أجلها أشركتموهم مع الله، هل تخبرونه بشيء لا يعلمه؟ ما لا يعلمه الله محال، لأنه ما من شيء إلا وفي علمه، فهل هناك ما لا يعلمه؟ وانظر إلى إلزام الحجة (أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ) وذكر الأرض هل له شركاء في السماء أو في مكان آخر؟ لم اختص الأرض بالذكر؟ لأنهم زعموا أن الشرك موجود في الأرض والشركاء في الأرض، فهو يرد عليهم ها هي الأرض أين الشركاء فيها؟ ما هي الصفات والأوصاف التي استحقوا بها العبادة؟ هل تخبرونه بما لا يعلم وذاك محال، (أَم بِظَـٰهِرٍۢ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ ) كلام بدون دليل، بدون واقع، بدون حقيقة، مجرد كلام ظاهر من القول باطل من القول، أرأيت اللص فسألت ما اسمك فقال أمين، أرأيت الفاسق يوما فسألت ما سمك قال صالح، ذاك هو الظاهر من القول (أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَـٰهِرٍۢ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ ) مناة واللات وعُزى شركاء يشفعون لنا ونعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، كلام باطل لا يقف على شيء لا دليل وراءه هل تخبرونه عن شركاء لا يعلمهم أم تقولون كلاما ما لا طائل وراءه ولا حقيقة ولا قاعده يقف عليها ما الأمر؟ واسمع دعك من كل ذلك ها هو الحق ها هو الجواب دعك من كل ذلك واسمع‫:‬ (بَلْ) ، التي للإضراب (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ )هذا هو الوضع هذا هو الحق تخيّلوا خيالات وتوّهموا أوهاما، وقالوا أباطيل، فزُينت لهم، يكذب المرء فيصدقه الناس، ويكذب المرء فيصدقه الناس، ويكذب المرء فيصدقه الناس، ثم يكذب المرء فيصدق نفسه، هؤلاء أوهام وأباطيل وخيالات قالوها وزُينت لهم زينها لهم الشيطان، زين لهم مكرهم الأحاييل والأخاييل والأباطيل والأوهام زينت لهم، (وصَدُّوا عن السبيل) صدوا غيرهم (وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ ) صدهم الله، أو صدهم الشيطان، أو صدهم مكرهم، (وصِدُّوا عن السبيل ) كما قيل‫:‬ ( هذه بضاعتنا رِدَّتْ إلينا ) في قراءة الكلمة في سورة يوسف، باعتبار رِددت صُدِدوا فنقلت الحركة بعد إدغام الدال الكسرة إلى ما قبلها فقرأت صِدوا (وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ (٣٣)) من أضله الله واستحق الضلالة لعناده وإصراره، عمي عن الحق وأصم أذنه عن الحق، وأغلق عينيه عن الحق، وعاند وأصر رغم وضوح الحق هكذا أضلهم الله، أولئك‫:‬ (لَّهُمْ عَذَابٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ) بالقتل والأسر والمرض والفقر والتشريد وما أنت راءٍ من بلايا يقدر عليها الله في هذه الدنيا أعاذنا الله وإياكم من كل بلاء الدنيا وعذاب الآخرة، (وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَقُّ ۖ ) أشد وأنكى وأدهى، لأن عذاب الدنيا مهما طال له نهاية، إذا زاد الألم يُغشى عليه، يغمى عليه من شدة الألم، أرأيتم ذلك، يذهب في غيبوبة يموت، عنده الأمل في الشفاء عنده الأمل في رحمة الله، هناك مسكنات مهما كان البلاء، فهناك بعض النعم، هناك الأصدقاء الأصحاب الأهل الأقارب يخففون عنه، لكن في الآخرة دوام لا مسكنات ولا نوم ولا يموتون فيها (لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا۟ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ ) [سورة فاطر آية‫:‬ ٣٦]، ولا تنفع الشفاعة وليس هناك صديق حميم ولا شفيع، (وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٣٩]، حتى الاشتراك في العذاب لا يفيد، (وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ (٣٤)) واق‫:‬ اسم فاعل من الوقاية، والوقاية تعني الحفظ والصيانة، (وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ) من عذابه (مِن وَاقٍۢ (٣٤)) يحفظهم أو يصونهم أو يمنعهم عن العذاب‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ أرأيت؟ أسمعت؟ أفهمت؟ أعلمت؟ أتأملت؟ أتبينت صِدْق النبي (صلى الله عليه وسلم)؟ أتيقنت من وجود القاهر الواحد الفعال المريد، عز وجل،؟ هل تيقنت من وجوده، هل تأمل في رحمته؟ هل ترجو رحمته وثوابه؟ هل تخشى عذابه؟ إن كنت كذلك وسرتك طاعته وساءتك معصيتك فأنت مؤمن (طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍۢ (٢٩)).‬
‫فقد بيّن الله (تبارك وتعالى) مصير الكفار (لَّهُمْ عَذَابٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ (٣٤)) ثم يبيّن ربنا (تبارك وتعالى) مصير أهل التقوى فيقول عز من قائل‫:‬‬‬‬‬
مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ أُكُلُهَا دَآئِمٌۭ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ ۖ وَّعُقْبَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ﴿35﴾
كلمة (مَّثَلُ) وهنا في هذه الآية جعلت علماء التفسير يختلفون فيها كلٌ ذهب فيها مذهبا، المثَل هو مثل الشيء، وتضرب الأمثال لتقريب الأفهام، أو لتقريب ما غاب عنا بما نراه، فربنا (تبارك وتعالى) يضرب المثل بما نراه لنصل إلى ما غاب عنا، وما غاب عنا، ما عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لذا قيل ما في الجنة من دنياكم إلا الأسماء (مَّثَلُ) مرفوعة بالابتداء كما قيل، والخبر محذوف تقديره "فيما يتلى عليكم مثلُ الجنة"، أو خبرها (تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ ) أقوال في الإعراب، ولكن كلمة (مَّثَلُ) قد تأتي مقحمة للتأكيد، والذي حيّر العلماء هو كلمة (مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ ) أين المثل أو أين المُمَثل به، فكلمة "مثل" قد تُقحم للتأكيد كقوله (عز وجل) (لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ١١]، وربنا لا مثيل له ولا مثل له والتقدير (ليس هو كشيء)، أما كلمة "مثل" فقد أقحمت للتأكيد، كما أن كلمة "مثل" قد تعني صفة، وهنا يكون التقدير‫:‬ صفة الجنة التي وُعد المتقون تجري من تحتها الأنهار، ذاك معنى آخر، وقد يكون التقدير (مثل الجنة التي وُعد المتقون جنة تجري من تحتها الأنهار) فإن رأيتم في الدنيا جنة تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم فذاك مثلها مثل الجنة التي وُعد المتقون مع الفارق بين الجنتين، (تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ ) كلمة (تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ ) حتى هذه الكلمة قيل فيها أي بين أشجارها بين أغصانها في طرقها، لأن الأنهار لو جرت من تحت الجنة إذاً فالجنة فوق الأنهار فهل تُرى الأنهار؟ هل الأرض شفافة؟ هي أمثال، (أُكُلُهَا دَآئِمٌۭ) أي لا انقطاع له ولا فناء له فإذا قطفت الثمرة خرجت ثمرة أخرى بدلاً منها في لا قت، وكلنا يرى حين نقطف الزهرة من فرعها بعد فترة تخرج زهرة أخرى، تأخذ من الزمان ما تأخذ، أما في الجنة فلا أسباب ، كل شيء بلا سبب، كُن فيكون، فكأن الثمار لا نهاية لها لأنها مهما قُطفت لا فراغ ولا فناء إذ يخرج بدلها فوراً (وَظِلُّهَا ۚ ) والخبر محذوف وتقديره وظلها كذلك ظلها دائم لا انقطاع له ولا زوال إذ لا شمس هناك، (تِلْكَ عُقْبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ ۖ ) عاقبة الدنيا، آخرة المطاف، هذه الجنة التي صفتها كذا وكذا هذه هي عاقبة المتقين، أما الكفار فنهايتهم ومآلهم والعياذ بالله إلى النار (وَّعُقْبَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلنَّارُ (٣٥)) والعقبى كما قلنا عاقبة الشيء نهايته‫.‬‬
وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ ٱلْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُۥ ۚ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِهِۦٓ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُوا۟ وَإِلَيْهِ مَـَٔابِ ﴿36﴾
‫( وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ) (الكتاب): يأتي في القرآن بمعنى جنس الكتاب أل الجنس، أي ما نزل من كتب التوراة والإنجيل ألف لام الجنس "والكتاب" يأتي بمعنى القرآن ألف لام العهد من هنا (وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ) اليهود والنصارى الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وفرحوا به، إذ هو المبشَّر به في كتبهم، ففرحوا به وفرحوا بالقرآن، لأنه مصدقٌ لما معهم مبشر لهم، كعبد الله بن بسلام، وسلمان الفارسي وغيرهما ممن آمن من أهل الكتاب، أو (وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ) أهل الملة أهل القبلة أمة محمد الذين أتاهم القرآن فعرفوه وعلموا ما فيه وآمنوا به ورأوا إعجازه في لفظه ونظمه ومعناه، وعلموا أنه معجزة الله الخالدة، (يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ ) إذاً فما من آية تنزل من القرآن إلا وتزيد المؤمنين إيمانا ويفرحون بها، لأنها نور كاشف، يكشف يبين الأحكام ويبيّن الحلال ويبيّن الحرام، فكأنهم مستجيبين لأمر الله (عز وجل) منتظرين لمعرفة المزيد مما يجب حتى يصلوا إلى رضوان الله الأكمل والأتم، (وَمِنَ ٱلْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُۥ ۚ ) الأحزاب‫:‬ من تحزّب ضد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كفار مكة، الأحزاب‫:‬ اليهود والنصارى الذين لم يؤمنوا به، وسمُّوا بذلك لأنهم طوائف وفرق لا تجمعهم عقيدة ولايجمعهم رأي ولا دين ، ينكرون بعض القرآن، ينكرون بعض القرآن أي الذي لا يتفق مع كتبهم، لا يتفق مع ما حرفوه فهُم القائلون‫:‬ أن المسيح ابن الله والقرآن يقول إن المسيح عبد الله، فهُم ينكرون ما يخالف ما جاء في كتبهم، ولا يستطيعون إنكار ما اتفق مع كتبهم، من خلق السموات والأرض؟ الله، من خلق الناس؟ الله من سخر الشمس والقمر؟ الله قصص الأنبياء، الذين آمنوا بهم نوح هود صالح إذاً فهناك ما يتفق مع كتبهم فلا ينكرونه، وهناك ما يخالف كتبهم فهذا ما ينكرونه، خاصة ما جاء في التفريعات، العقيدة واحدة والدين واحد (إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ ۗ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٩]، "لا إله إلا الله" هذا ما بُعث به جميع الأنبياء والمرسلين، أما التفريعات والتشريعات فهي تختلف بحسب الأمصار والأزمان بما تقتضيه حكمة الله، عز وجل، تختلف كيفية الصلاة، تختلف كيفية الصيام، تختلف الأحكام فقد كان القصاص عند اليهود القصاص عندهم، والعفو عند النصارى، فحاء الإسلام بالأمرين معا القصاص وبالعفو، وهكذا تختلف التفريعات لكن أصل الدين واحد، من هنا كان الرد الواضح للنبي (صلى الله عليه وسلم) والذي أمره الله به (قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِهِۦٓ ۚ )، إذاً هذا هو أصل الدين أما اختلافنا في التفريعات، واختلاف ما جاء في القرآن عن كتبكم فيما جاء في التفاصيل لبعض الأحكام، فذاك مقتضى الحكمة الإلهية لاختلاف الأجيال لاختلاف الأمصار لاختلاف الأزمان، (وَمِنَ ٱلْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُۥ ۚ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِهِۦٓ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُوا۟ وَإِلَيْهِ مَـَٔابِ (٣٦)) رد هؤلاء الأحزاب الذين ينكرون بعضه إلى الأصل الحجة الدامغة التي وُوجهوا بها هو قول النبي (صلى الله عليه وسلم) (قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِهِۦٓ ۚ ) "أُشركُ" بالرفع على الاستئناف (قراءة) (وأُشركَ) قراءة إذاً هذا هو أصل كل دين، أما الاختلاف في التفريعات أمر لا يدعو إلى إنكار النبوة أو إنكار الرسالة، بم يأمر؟ بم يطلب؟ بم أُرسل؟ بم بُعث؟ بعبادة الله الواحد القهار، هل في هذا اختلاف؟ هل هذا يُنكَر؟ (إِلَيْهِ أَدْعُوا۟) هذا هو الأصل أصل الأديان، (إِلَيْهِ) إلى الله إلى عبادته إلى إفراده بالعبادة، (وَإِلَيْهِ مَـَٔابِ (٣٦)) مرجعي ومرجع الجميع آب‫:‬ يؤوب أَوْباً ومآباً: رجع إذاً فكلنا مرجعنا إلى الله، وإن كنت أعلم أن مرجعي إلى الله، فمن المستحيل أن أفتري عليه الكذب، أو أن أدعو معه إلهاً آخر أو أن أُشرك به أحداً، أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب، والصيغة فيها القصر، (قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِهِۦٓ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُوا۟ وَإِلَيْهِ مَـَٔابِ (٣٦)).
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ حُكْمًا عَرَبِيًّۭا ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا وَاقٍۢ ﴿37﴾
والآية من حيث الظاهر قد لا يتنبه الإنسان للرباط بينها وبين ما سبق، (وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ حُكْمًا عَرَبِيًّۭا ۚ ) أي ومثل الإنزال الذي تم على الأنبياء من قبلك بالعقيدة الخالصة بالتوحيد، نزل هذا القرآن فلا اختلاف، ومثل هذا الإنزال المشتمل على أصول العقيدة، أنزلنا إليك القرآن بلسان عربي ليفقهوا ويفهموا ، وكما أرسلنا كل رسول بلسان قومه، أنزلنا إليك القرآن لتحكم به في الوقائع، ولتحكم به في القضايا، بما أنزل الله إليك، وأنزلناه بلسان عربي بلغتهم كما حدث مع الرسل من قبلك، فما أنت ببدع في هذا الشأن، (وَكَذَٰلِكَ) التشبيه (وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ) أي ومثل هذا الإنزال (قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِهِۦٓ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُوا۟ وَإِلَيْهِ مَـَٔابِ (٣٦)) هذا ما نزل من قبل وكذلك ومثل هذا الإنزال المشتمل على أصول العقيدة أنزلنا القرآن بلسان عربي حكما ليحكم بين الناس في القضايا والوقائع بما نزل فيه، (وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا وَاقٍۢ (٣٧)) ما هي الأهواء أهواءهم؟ أرادوا منه أن يعترف بدينهم، أرادوا منه أن يتوجه إلى قبلتهم حين تحول إلى الكعبة، أرادوا منه أن يتوجه مرة أخرى إلى بيت المقدس، أرادوا ألا يسب آلهتهم، أرادوا منه أشياء فيقول الله‫:‬ لئن اتبعت أهواءهم فيما يطلبونه منك وبيّن أن ما يطلبونه أهواء والهوى يهوي بصاحبه، واتباع الهوى يضل، والهوى يعمي ويصم، إذاً فمقترحاتهم أهواء، ما تشتهيه النفوس، أهواء لا أصل لها، أهواء لا عقيدة فيها ولا حكم ولا دليل ولا برهان، والأهواء تختلف باختلاف الناس، ولكل ٍ هواه ولكل ٍ رغبته، فإن اتبعت أهواءهم فيما يطلبونه منك بعد ما جاءك من العلم بنسخه وبإلغائه، كما حدث في نسخ بيت المقدس، وأُمر أن يتوجه إلى الكعبة وقال السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، حين توجه إلى بيت المقدس قالوا‫:‬ اتبع قبلتنا وأنكر ديننا، غدا يتبع ديننا وحين تحول عن بيت المقدس قالوا‫:‬ تحول عن القبلة وهكذا، تغيرت أهواءهم والمسألة كلها عباره عن إنكار وجحود وتكذيب وغل وحقد وحسد لكنهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، (وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا وَاقٍۢ (٣٧)) من ولي يتولى أمرك أو ينصرك أو يدافع عنك، ولا واق يقيك شر العذاب، أو يقيك غضب الرحمن غضب الجبار من الوقاية، الكلام للمعصوم وطالما كان الكلام للمعصوم فهو غير مراد، يستحيل، وإنما المراد الأمة، فالخطاب له والمراد أمته، لأنه ما كان له أن يتبع أهواءهم أبداً ذاك محال، وهو المعصوم، فإذا توجه الخطاب في هذا الشأن للمعصوم فهو غير مراد بالخطاب والمراد أمته، إذاً فإذا كان الخطاب له وهو غير مراد به والمراد هم الأمة فالهدف من هذه الصياغة وذاك الأسلوب إقناط الكفار، إقناط للكافرين من أن يحدث تحوّل، وتهييج للمؤمنين للثبات على الدين، وعلى العقيدة، فإذا كان الخطاب متوجهاً إلى سيد الخلق، متوجها إلى المعصوم (صلى الله عليه وسلم) إذاً فنحن مطالبون بالثبات على ما نحن عليه من صدق العقيدة وتوحيد الله (عز وجل).‬
‫اعترض المشركون على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أمور‫:‬ قالوا يتزوج النساء وينجب الأولاد، ولو كان نبيا لزهد في كل ذلك ولشغله أمر النبوة عن النساء والزواج، وقالوا لو كان نبيا لجاء بمعجزة كما جاء الأنبياء من قبله بالمعجزات، كما جاء موسى بالعصا، وجاء عيسى بكذا وجاء صالح بكذا، وقالوا لو هددنا بالعذاب وتوعدنا فلِمَ لمْ ينزل العذاب، رغم تكذبينا له واستهزائنا به، تلك كانت اعتراضات المشركين كيف يتزوج كيف ينجب كيف لم يأت بمعجزة، كيف لم ينزل الكتاب، كيف ينسخ أحكام حكم بها الأنبياء من قبله، كيف في الحلال والحرام - في المحرمات- حرّم اليهود على أنفسهم أشياء لم ينزل بها سلطان (كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٩٣]، هم حرّفوا وحرّموا وأحلّوا من تلقاء أنفسهم فجاء نبينا (صلى الله عليه وسلم) ليحل لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصراهم والأغلال التي كانت عليهم، فأنكروا عليه ذلك، إذاً فهناك أربع أمور‫:‬ كيف يتزوج النساء ولِمَ لمْ تشغله النبوة عن ذاك! كيف لم يأت بآية كما جاء الأولون؟ كيف لم ينزل العذاب رغم تكذبينا ورغم دعائنا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك إلى آخر ما طلبوه! كيف يخالف شرع من قبله ويدعي أنه نبي مصدق لما نزل من قبل ويرد الله (تبارك وتعالى) بالحجج الواضحة على كل ذلك في آية، واسمع وتأمل‫:‬‬‬‬‬
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًۭا وَذُرِّيَّةًۭ ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍۢ كِتَابٌۭ ﴿38﴾ يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ ﴿39﴾
حجة واضحة وبرهان ساطع وصياغة لا يأتي بها إلا الله، هذا الإيجاز المعجز والرد المفحم، هل كان لنوح زوجة هل تزوج موسى؟ هل تزوج الأنبياء وكان لهم ذرية، أنتم اليهود تقولون عنه ذلك من أين أتى إسحق؟ من أين جاء يعقوب؟ من أين أتى يوسف؟ من أين جاء الأسباط؟ فلِمَ تنكرون عليه ما حدث مع الأنبياء من قبل (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًۭا وَذُرِّيَّةًۭ ۚ ) ذاك كان الرد الأول، المعجزات (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ ) والغريب في الصياغة ، وانتبه يا من تحب لغة القرآن، الحظر لا يكون إلا على من يقدر أن يأتي بالمحظور، حين تقدر أن تأتي بالأمر فيأتي الحظر، فالحظر في محله، والمنع في محله، أمنعك عن شيء أنت تستطيع أن تأتي به، أما إذا كنت لا تقدر على الشيء فكيف يحظر عليك ما لا تقدر عليه، من هنا كانت صياغة هذا الجزء، (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ ) أي لا يصح ولا يكون ولا يجب، فهل ممكن أن يأتي بالآية فحظُر عليه ذلك؟ أبداً إذا فالصياغة والصيغة صيغة الحظر والمراد والمعنى النفي، هذه الصيغة بهذا الأسلوب لا يقوى عليها بشر، لكن الله (تبارك وتعالى) يقول لهم‫:‬ أنتم تطلبون منه أن يأتي بالآية، وأن يأتي بالمعجزة، فهل يمكن له وهل يصح أن يأتي بمعجزة بغير إذن من الذي أرسله؟ هل يمكن؟ هل يصح؟ إذاً فكيف تطلبون منه ما لا يقدر عليه من هنا خرج الكلام مخرج الحظر والمعنى النفي (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ ) ذاك هو الرد الثاني عن الآيات، أما عن نزول العذاب وكيف لم ينزل رغم أنهم قالوا (وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٢)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٢]، فيقول الله لهم‫: (لِكُلِّ أَجَلٍۢ كِتَابٌۭ (٣٨))‬ إذاً فالمسألة ليست بطلب الناس أن تطلب الشيء فيحدث، لأن هناك ملِكْ قدّر الأمور وقضاها أزلاً، وكتبها وأحصاها، الأجل‫:‬ مدة الشيء، ويطلق الأجل على نهاية المدة أيضا، الأجل هنا المقصود به مدة وأزمنة الموجودات، (لِكُلِّ أَجَلٍۢ) أي لكل موجود في الوجود زمان محدود يوجد فيه لا يسبق ولا يلحق ولا ينتهي قبل الموعد، فلكل موجود زمان، متى يوجد، متى ينتهي (لِكُلِّ أَجَلٍۢ) أي لكل زمان من أزمنة الموجودات كتاب مكتوب محدد لا يتقدم ولا يتأخر، فإن كان هناك عذاب فنزول العذاب ليس باستعجالكم وليس بطلبكم، وإنما ينزل العذاب في الموعد المحدد، (لِكُلِّ أَجَلٍۢ كِتَابٌۭ (٣٨)) قال بعض المفسرين‫:‬ الآية فيها تقديم وتأخير، وقد يكون المعنى‫:‬ لكل كتاب أجل، كقوله (لِّكُلِّ نَبَإٍۢ مُّسْتَقَرٌّۭ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٦٧]، أي لكل كتاب لكل قضاء قضاه الله وأبرمه أجل مدة يحدث فيها، ذاك يصح وذاك يصح، (لِكُلِّ أَجَلٍۢ كِتَابٌۭ (٣٨)) لكل مدة وزمان وأزمنة، وأزمنة الموجودات كتاب قضاء الله وكتبه لا يتقدم ولا يتأخر، أو لكل كتاب أجل أي لكل مكتوب مقدّر قضاء الله أجل مدة محددة متى يبدأ ومتى ينتهي‫.‬‬
‫أما مسألة اختلاف الشرائع واختلاف القرآن عن شرائعهم في التفريعات ليس في أصل العقيدة فيرد عليهم ربنا بقوله‫:‬ (يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ (٣٩)) المحو‫:‬ إزالة الأثر من كتابة وغيرها، والإثبات‫:‬ التدوين في الكتاب (يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ ) يمحو الله ما يشاء من الشرائع فينسخها، ويثبت ويضع بدلاً منها ويقرر ما يشاء من الشرائع، فإن اختلف القرآن مع الكتب الأخرى في بعض التفريعات، فلأن الله يمحو ما يشاء ويثبت، (وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ (٣٩)) الذي لا محو فيه ولا إثبات، مدوّن فيه الناسخ والمنسوخ، فيه كل شيء، فذاك أم الكتاب لا محو فيه ولا إثبات، فيه كل الشرائع، فيه كل شيء، لكن الله يمحو من الشرائع ما يشاء، فيأتي موسى فيمحو الله بكتابه ما يشاء من التفريعات، ليس في أصل العقيدة، ويثبت من التكليفات ما يشاء فيحل ما يشاء ويحرم ما يشاء ويضع الأحكام بما يقتضيه استصلاح الناس في ذاك الزمان وذاك المكان، لكل زمان رجال، ولكل زمان دول، ولكل زمان مبادي واعراف، والناس تتغير والبشرية تختلف من جيل لجيل ومن عصر لعصر، وانظر إلى بعيد لترى كيف كانوا يزرعون، كيف كانوا يبنون كيف كانوا يأكلون كيف كانوا ينامون، ماذا كانوا يركبون وهكذا، كل عصر مختلف، فربنا يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء من الشرائع والتفريعات التي لا تؤثر على أصول العقيدة، ذاك هو المعنى المتبادر إلى الذهن، الردود المفحمة، الحجج البراهين الساطعة، ليس بعد ذلك كلام، وجاء بعض العلماء وتكلم في المحو والإثبات‫:‬ (يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ (٣٩)) أم كل شيء‫:‬ أصله، أم الكتاب‫:‬ أهو اللوح المحفوظ قول، أم الكتاب‫:‬ علم الله الأزلي، فقد علِمَ ما خَلَق وما خلْقه عاملون، وذاك لا تبديل فيه ولا تغيير علم الله لا تغيير فيه ولا تبديل ولا محو فيه ولا إثبات، فإما أم الكتاب‫:‬ اللوح المحفوظ وإما أم الكتاب‫:‬ علم الله (عز وجل) من هنا قيل يمحو ويثبت من صحائف الملائكة، وأم الكتاب الذي لا محو فيه ولا إثبات‫:‬ اللوح المحفوظ، ماذا يمحو وماذا يثبت؟ قالو يمحو السيئات لمن تاب ويثبت بدلا منها الحسنات، (فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍۢ ۗ ) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٧٠]، قالوا‫:‬ يمحو قرونا ويثبت قرونا (أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَـٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ (٦)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٦].‬
‫( يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ ) يمحو أمما ويهلكها، ويذهب بها، ويأتي بأمم أخرى، وقيل يمحو ما يشاء ويثبت في أمور مثلا‫:‬ أنت تتكلم كل كلمة مدونة (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ (١٨)) [سورة ق آية‫:‬ ١٨].‬
‫ذاك التدوين في صحف الملائكة من كلامك ما لا ثواب فيه ولا عقاب مثلا‫:‬ هلمّ بنا ننام هل فيها ثواب، هل فيها عقاب، يا بني آتنا بالغداء، هل فيها ثواب، هل فيها عقاب، فيمحى من صحائف الملائكة ما لا ثواب فيه ولا عقاب، ويثبت في الصحائف ما فيه ثواب وعقاب، أما اللوح المحفوظ ففيه كل حركة وكل سكون وكل كلمة وكل حرف، (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٥٩]، إذاً فالمحو والإثبات‫:‬ إثبات ما فيه ثواب وعقاب ومحو ما لا ثواب فيه ولا عقاب، محو الأمم وإثبات الأمم، محو الشرائع والتفريعات وإثبات بدلاً منها وإثبات ما لا محو فيه، نسخ الآيات والإتيان بآيات أخرى، (مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍۢ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٠٦]، ذاك المحو وذاك الإثبات، أما اللوح المحفوظ فلا محو فيه ولا إثبات، وقال بعض الناس بل هناك محو وإثبات في اللوح المحفوظ كذلك، يمحو ما يشاء ويثبت في صحائف الملائكة، وكذلك في اللوح المحفوظ، وعنده أم الكتاب‫:‬ أصل الكتاب أم الكتاب‫:‬ هو علم الله الذي لا تغيير فيه ولا تبديل، ولا محو فيه ولا إثبات، قول آخر‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم‫:‬ اسمع وتنبه قضاء الله (عز وجل) ولا تبديل فيه ولا تغيير ولكن من القضاء ما هو ثابت واقع لا محالة، ومن القضاء ما هو مصروف بأسباب، فما هو ثابت واقع فذاك هو المثبت، وما هو مصروف بأسباب فذاك هو الممحو ( يمحو الله ما يشاء ويثَبِّتُ ) قراءة ( وعنده أم الكتاب ) إذاً فكل شيء مدون، القضاء الواقع والقضاء المصروف بأسباب، فهل هناك قضاء مصروف بأسباب؟ نعم، واسمع ( لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الْدُّعَاءُ ) فإن تم الدعاء صُرف القضاء، يمحو الله ما يشاء، (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطُ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنسأُ لَهُ فِي آَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) فإن وصل رحمه زاد رزقه وطال عمره، إذاً فالقضاء منه ما هو واقع لا محالة ذاك هو المثبت، ومنه ما هو مصروف بأسباب، والكل في أم الكتاب‫.‬ وقال بعض الناس‫:‬ ما لا محو فيه ولا إثبات ولا تغيير، الأرزاق، الآجال الخَلْق، الخلُق الموت الحياة، وقال بعضهم غير ذلك أقوال، لكنا نقول بأرجح الأقوال هو أن الآية رد على ما اعترض المشركون به على سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) في تبديل وتغيير تفريعات التشريعات في التحليل والتحريم في الإباحة والحظر (يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ (٣٩)) أي يمحو ما يشاء من تشريع وتفريع وحكم في أزمنة سابقة وكتب سابقة، ويثبت ما يشاء في كتابه الأخير في قرآنه الذي لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه ذاك أسلم وأشبه بالصواب، وإن كان ورد عن بعض الناس والصحابة أنه كان يدعو (اللهم إن كنت كتبتني في أم الكتاب شقيا أو محروما أو مقدراً في الرزق فامحُ اللهم مما كتبت واكتبني مرزوقا سعيداً طويل العمر ) إلى آخر هذا (يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ ) والآية عامة ونحن نعتقد أنها من المتشابهات التي يجب الوقوف فيها عند حدود معنى اللفظ ظاهراً، دون الدخول في التفاصيل، ودون الدخول في المعنى المراد، إذ المعنى المراد في علم الله، إما أم الكتاب اللوح المحفوظ، أو أم الكتاب علم الله، من هنا جاء الاختلاف ومن هنا نقول الله (تبارك وتعالى) أعلم بمراده‫.‬‬
‫فيلفت ربنا (تبارك وتعالى) نظر هؤلاء المنكرين إلى أمر غاية في الوضوح، وهو النقص والزيادة ثم يسرّي ربنا (تبارك وتعالى) عن حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) ويسليه ويطمئنه فيقول له وللأمة (لِكُلِّ أَجَلٍۢ كِتَابٌۭ (٣٨))، إذاً نزول العذاب مقدّر قد ينزل وقد لا ينزل، وقد يؤجل وقد يُرفع، قضاء مبرم ثابت، وقد يُصرف بأسباب كما صُرف العذاب عن أمته بوجوده (صلى الله عليه وسلم) (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٣]، إذاً فقد صرف عنهم بوجوده (صلى الله عليه وسلم) وببركته وهكذا فيسرّي ربنا عنه وعن الأمة ويقول له:
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ ﴿40﴾
والصيغة صيغة قصر، قصر الموصوف على الصفة، كأن المصطفى (صلى الله عليه وسلم) صفته الوحيدة أو الأصيلة‫:‬ الإبلاغ والبلاغ‫:‬ اسم بمعنى التبليغ ويسرّي عنه ويقول‫:‬ قد ينزل العذاب في وجودك فتراه بعينيك وتتشفّى فيهم ويُذهب ربنا غيظ قلبك وقلوب المؤمنين، وقد يؤجل، وقد لا ينزل فسواءً عشت ورأيت أو انتقلت إلينا فلسوف تعلم وتتيقن وتتأكد أن يد الله محيطة بهم وأصلة إليهم لن يفلتوا منه (وَإِن مَّا) "ما" زائدة للتأكيد أي وإن نرينك (وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ) بعض العذاب، كفتح مكة كالأسر والقتل وما أصابهم من السنين والجدب والقحط، (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) والجواب (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ) أو الجواب‫:‬ فإلينا مرجعهم فنفعل ونفعل ونفعل، وظيفتك الوحيدة (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ) قصر الموصوف على الصفة أي لا وظيفة لك إلا التبليغ فقط أما الحساب والعقاب والثواب فتلك مسئوليتنا (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ (٤٠)) فإياك أن تستعجل لهم، وإياك أن تطلب منع العذاب عنهم، ذاك شأن الله، شأنك التبليغ، وشأن الله الحساب‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴿41﴾
ها هي الآية، ها هي المعجزة والدليل الواضح على تدبير الواحد الأحد، النقص وانظر إلى نفسك من ضعف إلى قوة، ثم من قوة إلى ضعف، نقصك في زيادة، زيادتك في نقص، فأنت في طفولتك زيادة، تزيد وزناً وحجما وعقلا حتى تصل إلى درجة، وإذا بالنقص يأتيك، ويحدث التقص بعد الزيادة في كل شيء، النبات ينمو ويزهو وينبت ثم بعد ذلك يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاما، فانظروا إلى الأرض فيها النقص بعد الزيادة وهذا النقص بتدبير وتقدير، فهل ضمنتم استقراركم واستمراركم وثباتكم على ما أنتم عليه، هل ضمنتم ذلك فكيف تجحدون وكيف تكفرون، (أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ) أي يأتيها أمرنا أو قضاؤنا، أو إرادتنا (نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ ) وهذه الأطراف أُشكلت على الناس فقالوا‫:‬ أطراف الأرض ما يأخذه النبي (صلى الله عليه وسلم) من أرض الكفار يضمه إلى أرض المسلمين كلما غزا وانتصر ضُمت أرض الكفار إلى أرض المسلمين، إذاً فأرض الكفار تنقص من أطرافها، بما يستولى علية المسلمون ذاك رأي، وهو الأغلب، أغلب آراء الناس في ذاك الوقت كان هذا، وقال بعضهم رأياً آخر غريب قالوا طرف الشيء‫:‬ شرفه وأشرف الأشياء أطرافها ومن هنا، (نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ ) أي بموت أشرافها وعلمائها، الأطراف‫:‬ الأشراف، الأطراف‫:‬ أكرم الأشياء، (نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ ) أي بموت الرؤساء الأشراف العقلاء الحكماء، رأي له من الغرابة ما له، وقال بعض أهل العلم الحديث‫:‬ أن الآية من الإعجاز العلمي للقرآن، إذ إن الأرض كرة، وطالما كانت على هيئة الكرة فأطرافها محيطها، ولا أطراف لها، الأطراف‫:‬ الأشياء الممتدة طولا وعرضا، فإن كانت على هيئة الكرة فالطرف والمحيط، محيّط الأرض له مقدار مع الوقت ومع الزمن ينكمش هذا المحيط، لأن الأرض في داخلها ملتهبة، درجة الحرارة في باطن الأرض فوق ما يتخيله الإنسان، هذه الحرارة الشديدة الملتهبة مع الوقت تقل وتبرد، ومع برودة الساخن ينكمش، واكتشفوا أن محيط الأرض يقل تدريجيا، (أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ ) فالآية من الإعجاز العلمي، وهي للأجيال التي بعد ذلك يفهمها من نزلت فيهم على أن أرض الكفار تنقص باستيلاء المسلمين عليها ويفهمها آخر الأجيال على ما يرونه من ظواهر طبيعية في انكماش الأرض، أو يرونها كما يحدث الآن، وكلنا نراه من نحر للشواطئ وزيادة المياه على اليابسة، وها هي شواطئكم في ظرف عشرين من السنين سوف تتلاشى هنا في الأسكندرية يقول العلماء، إذ تنقص الشواطئ في كل عام بمقدار، إذاً فالبحر يهجم على اليابسة، فتنقص الأرض من أطرافها، والله أعلم بمراده، (وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ ۚ ) التعقيب على الأحكام بالنقص أو بالتغيير أو بالتبديل أو بالإبطال، لكن أحكام الله لا ناقض ولا مغير لها ولا مبدل لها (وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ (٤١)) إذاً فهو في حسابه غير محتاج لعد لإحصاء لضرب وطرح، غير محتاج لذلك، كما أنه سريع الحساب بمعنى أن الحساب آت وكل آت قريب، مهما طال الزمان‫.‬‬
‫وينبههم ويحذرهم ويتوعدهم‫:‬‬‬‬
وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًۭا ۖ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍۢ ۗ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّـٰرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴿42﴾
‫( وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) مكر الذين من قبلهم بأنبيائهم هل حدث؟ نعم حدث والمكر‫:‬ التدبير في الخفاء فكيف كانت النتيجة؟ أين هم؟ أين ديارهم؟ أين حصونهم؟ أين قصورهم؟ (وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًۭا ۖ ) إذاً مكر الماكرين مخلوق له، بل هو من ضمن مكره إذ مكّر بهم فجعلهم يمكرون فأخذهم بمكرهم، (فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًۭا ۖ ) مكرهم من أين أتى، كيف مخلوق أم لا، فإن كان مكرهم مخلوقا ، فالخالق هو الله، من يقدر على مكره؟ (يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍۢ ۗ ) فيجازيها عليه، (وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّـٰرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ (٤٢)) ( وسيعلم الكافر ) قراءة (وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّـٰرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ (٤٢)) الكفار علم اليقين لمن عقبى الدار‫:‬ النهاية والنتيجة‫.‬‬
‫وتختم الآية بشهادة المولى (عز وجل) لنبيه (صلى الله عليه وسلم):‬‬‬‬‬‬‬‬
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَسْتَ مُرْسَلًۭا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ ﴿43﴾
‫( وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَسْتَ مُرْسَلًۭا ۚ ) هذه خلاصة الكلام، أما الاعتراضات التي اعترضوها، والإبطال الذي أرادوا به بالباطل إبطال الحق، خلاصة الكلام ماذا يقولون‫:‬ لست مرسلا (قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ) كفى الله شهيداً والباء زائدة للتأكيد هو يشهد لي كيف شهد الله له؟ بالقرآن بالإعجاز اللفظي، بإعجاز النظْم، بهذا الكتاب المعجز في لفظه ونظمه ومعناه، على الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب، والأمية موضع للذم في كل إنسان وفي سيد الخلق موضوع للمدح والثناء، هكذا يشهد الله له بالدلائل والبراهين التي ساقها وأنزلها عليه في هذا القرآن الذي يُتلى، وانتبه (وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ ) كأن العالمين بالقرآن المصدقين به هم الذين تأكدوا وتيقنوا من صدقه بالدليل الدامغ في هذا القرآن، (قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ (٤٣)) من عنده علم الكتاب؟ قالوا‫:‬ من أسلم من اليهود والنصارى، عندهم علم الكتاب كتبهم الكتب السابقة فيها دليل فيها علامة فيها بشارة، (مُّصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَمُبَشِّرًۢا بِرَسُولٍۢ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِى ٱسْمُهُۥٓ أَحْمَدُ ۖ ) [سورة الصف آية‫:‬ ٦]، (مُّحَمَّدٌۭ رَّسُولُ ٱللَّهِ ۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَىٰهُمْ رُكَّعًۭا سُجَّدًۭا يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًۭا ۖ سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ) [سورة الفتح آية‫:‬ ٢٩]، إذاً فقد جاءت صفته أتباعه في الكتب السابقة، فمن كان عنده علم الكتاب السابق يشهد للنبي (صلى الله عليه وسلم) بالرسالة وبالصدق وبالنبوة، (وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ (٤٣)): أهم اليهود والنصارى الذين أسلموا أم نحن، (وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ (٤٣)) : القرآن، أو الكتاب كما قلنا اسم جنس أو للعهد، (وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ (٤٣)) : نحن عندنا علم الكتاب نحن نقرأ معانيه نحن نتق فيه، بالقرآن تيقنا أنه سيد الخلق وأنه خاتم المرسلين، ونحن نشهد له، نشهد أنه رسول الله ونشهد أنه خاتم أنبياء الله، ونشهد أنه سيد خلق أجمعين، (وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ (٤٣)) المؤمنون الذين علموا الكتاب وعرفوا ما فيه، (ومِن عِنده علم الكتاب) قراءة، وقالوا جبريل، وقالوا الله (عز وجل) ومن عنده ومن عند الله علم الكتاب وقرأت (ومن عنِده عُلم الكتاب) شهادة من عند الله لسيد الخلق ويا لها من شهادة ويا له من مقام وشرف أن يشهد الله له، ونحن نشهد اللهم إنا نشهد ألا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمد عبدك ورسولك وخاتم رسلك جاء بالهدى والحق فصدقناه واتبعناه‫.‬‬