سورة الرعد
مقدمة
لقاؤنا مع سورة الرعد، سورة الرعد سورة مدنية تهتم بقضية الإيمان وتمشي وتسري على نَسَق السور المدينة، فتسوق الأدلة على وجود الله (عز وجل) ووحدانيته وكمال قدرته، وعظيم شأنه، وسلطانه وقهره، وقضائه وقدره، وحكمته في تدبير أمر الملك والملكوت، وتسوق الأدلة على صدق البعث، والجزاء، والثواب والعقاب، وتضرب المثل للصالحين والضالّين، وتبين مصير أهل السعادة، ومصير أهل الشقاوة، وتختم السورة بشهادة الله (عز وجل) لنبيه المصطفى الكريم عليه أفضل صلاة وأكمل تسليم، بأنه رسول الله حقا، وسميت سورة الرعد بسورة الرعد لوجود ذكر هذه الظاهرة الكونية العجيبة، والتي تجمع بين النقيضين، فالرعد ناشئ من اصطكاك السحاب كما يقول علماء الدنيا، وذاك لا يعنينا بقدر ما يعنينا الأثر، فأثر الرعد: إما رحمة وإما عذاب، والسحاب يحمل بين طياته إما المطر الذي به الإحياء، وإما النار والصواعق التي بها الإفناء، فسبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، وهو على كل شيء قدير. سورة الرعد آياتها ثلاثة وأربعون آية، بدأت السورة بحروف مقطعة:
الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿1﴾
(تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)) تلك: إشارة للبعيد، والكلام عن قريب، ألا وهو القرآن، لكنه أتى بالإشارة التي هي للبعيد للدلالة على رفعة منزلة القرآن وعظيم شأنه، (تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ ) آيات القرآن "ال" في كلمة "الكتاب" للتفخيم وللتعظيم، (تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ ) أو تلك آيات السورة سورة الرعد (وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ) أي وما أُوحي إليك يا محمد من ربك هو الحق، والعطف إما عطف العام على الخاص (تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ ) آيات السورة (وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ) القرآن عطف عام على خاص، أو عطف صفات (تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ ) التي هي آيات القرآن (وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ) الذي هو القرآن فهو من عطف صفة على صفة (وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ) الصدق الذي لا يقبل الالتباس بالكذب، الحق الذي لا يقبل الالتباس بالباطل، الحق الظاهر دون شك ودون تردد، ومع كل ذلك (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)) ويسوق الله (تبارك وتعالى) في الآيات التالية عشرة أدلة، عشرة أدلة يراها كل ذي بصر، عشرة أدلة وآيات كونية على وجوده، وعلى وحدانيته وقدرته وقهره وسلطانه وتدبيره وتصريفه.
ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍۢ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴿2﴾
(يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)) تدبير الأمر: تصريف أمر الملك والملكوت، إبقاء إفناء إماتة إحياء رخاء شدة مرض بلاء، حركة سكون وجود وعدم (يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ) ها هي الآيات مبيّنه موضحة، آية تلو الآية من آيات القرآن التي تنزل على سيد الأنام مبينة مفصلة موضحة، أو الآيات: أي الآيات الكونية، آية تلو الآية وتكتشف الآيات مع كل زمان وأوان الدالة على وجوده (سبحانه وتعالى) (لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)) أي تؤمنون وتصدقون بالموعد بالجزاء بالبعث، انتقلت الآيات من بيان الآيات الكونية في العلو، إلى بيان الآيات الكونية في الأرض:
وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَـٰرًۭا ۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿3﴾
وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَـٰوِرَٰتٌۭ وَجَنَّـٰتٌۭ مِّنْ أَعْنَـٰبٍۢ وَزَرْعٌۭ وَنَخِيلٌۭ صِنْوَانٌۭ وَغَيْرُ صِنْوَانٍۢ يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ﴿4﴾
(يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ) نفس الماء نفس العناصر نفس الأرض فيها العنب فيها الخوخ فيها البرقوق فيها النخل فيها التمر، فيها الثمر، نفس الأرض والشجيرات متجاورة والأرض واحدة والماء واحد، وربنا هو الواحد ولكنه خصص كل شيء بتخصيص هذا المخصِص مختار في أفعاله ، ويخلق ما يشاء ويختار، ولا يمكن أن يكون التخصيص إلا بإرادة الواحد القهار (وَنُفَضِّلُ) ( ويفضل ) – (وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ ) (في الأُكْل) قراءات والأُكُل: اسم لما يؤكل من الثمر والحب، فتجد الطعوم مختلفة والألوان مختلفة والأحجام مختلفة والأشكال مختلفة، والفرع الواحد فيه ثمرتان ثمرة حلوة وثمرة غير حلوة ترون ذلك بأعينكم ليل نهار (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ (٤)) يستخدمون عقولهم في التدبر والتأمل والتفكّر، هذه الآيات التي سيقت وهذه الدلائل هل وُجدت من تلقاء نفسها، وإن كان لا بد من التشابه أرض قطع متجاورات لا بد وأن تكون شيئا واحدا من حيث الشكل، لكنها اختلفت هذه الثمار هذه الحبوب هذه الأشجار، هذا التخصيص هذا التنويع هذا التلوين، يدل على وجود الواحد الأحد، مع كل ذلك وهذه الآيات يعجّب ربنا نبيه (صلى الله عليه وسلم) فيقول له:
وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌۭ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْأَغْلَـٰلُ فِىٓ أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿5﴾
وحين هددهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بعذاب الدنيا وها هي الأمثال تضرب وها هي الآيات تتلى وخوّفهم استهزأوا به، وكذّبوه بل وطلبوا منه أن ينزل بهم العذاب، فقال يعضهم كما حكى القرآن: (وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٢)) [سورة الأنفال آية: ٣٢]، يقول الله (تبارك وتعالى):
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَـٰتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴿6﴾
قوم فرعون قوم صالح قوم هود، كل هؤلاء يستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ (٦)) هذه الآية من أرجى الآيات في القرآن، بل اعتبرها بعضهم أرجى آية، وهناك آيات كثيرة كقوله (عز وجل): (مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ۚ ) [سورة النساء آية: ١٤٧] ، (ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ ۚ ) [سورة النجم آية: ٣٢]، (وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا (١١٠)) [سورة النساء آية: ١١٠].
آيات الرجاء في القرآن كثيرة وهذه من أرجى الآيات وقد اختلف المفسرون في معناها فقالوا: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ) المشركين مع كفرهم وظلمهم لأنفسهم بالشرك إذا تابوا (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ (٦)) لمن لم يتب ومات على كفره، ذاك هو المعنى الظاهر، وهناك من قال: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ ) تفيد جواز العفو قبل التوبة، إذ لو تاب ما صار ظالما (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ ) إذاً هو يغفر لظالم نفسه قبل أن يتوب، إذاً فالآية تدل على جواز العفو قبل التوبة،( وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ (٦)) يعاقب من يشاء بما شاء، وقال بعض الناس لا يمكن أن يكون الأمر كذلك، وإنما الآية خاصة بالصغائر (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ ) أي يغفر الصغائر لمجتنبي الكبائر ولو لم يتب أو يستغفر، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ (٦))، وقالوا بل الآية تفيد الإمهال ليس المغفرة، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ) أي ستْر من غَفْر الشيء: ستره (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ ) أي الستر والإمهال للعصاة علّهم يتوبوا، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ (٦)) وجمع (عز وجل) بين سعة رحمته وشديد عقابه كي يبقى الإنسان بين الخوف والرجاء وبين الرغبة والرهبة. فالعجب كل العجب من تعنت كفار مكة وتشددهم مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتكذبيهم إياه وقد كان في نظرهم الصادق الأمين ها هي الآيات تتلى، ها هو القرآن يلفت النظر لكل من أراد الوصول إلى الحق والحقيقة هل هناك إله؟ أول سؤال، هل هو واحد، هل هو عالم؟ هل هو قادر؟ هل هو حكيم؟ هل هو مريد مختار؟ هذه التساؤلات مهما سألها الإنسان فلا حرج طالما يريد الوصول إلى الحق فإن أردت الوصول إلى الحق وتساءلت ها هي الآيات تجيب من رفع السماء بلا عمد؟ من نصب الجبال بلا وتد؟ من خلق الخلْق وأحصى العدد؟ من قسم الأرزاق فلم يُنسى أحدا؟ من؟ هو الله، في الأرض قطع متجاورات خصبة وغير خصبة، صالحة وبور صحراوية صخرية وهكذا النبات الأشجار الثمار الإنسان، هذه الأشكال هل اخترت شكلك؟ هل اخترت طولك؟ هل اخترت عرضك؟ هل اخترت زمانك؟ هل اخترت مكانك؟ هل اخترت لسانك؟ من الذي اختار؟ هذا التخصيص لا بد أن يكون من مخصص يخصصك بهذا الشكل، ويخصك بهذا المكان، ويخصص لك ذاك الزمان، ثم يخصص لهذا أمرا آخر، شكلا آخر مكانا زمانا آخر وهكذا، هذا الاختيار هذا التخصيص مع عدم التضارب والاختلاف والاختلاط، تخصيص الشمس بضوئها وحرارتها ومكانها ودورتها، وتخصيص القمر بوظيفته وشكله وحجمه ودورانه، هذا التخصيص بلا تضارب ولا اختلاف ولا اختلاط ولا اختلال يدل على وجود الواحد المريد المدبّر المتصرّف وحده دون شريك، بل ويدل على الحكمة بل منتهى الحكمة، ذاك التصريف والتدبير والملك والملكوت أوضح دليل على صفات الله (عز وجل) ومع ذلك ومع هذه الآيات طلبوا من النبي (صلى الله عليه وسلم) آية مع كل هذه الآيات طلبوا آية معجزة كعصا موسى، كناقة صالح أن يشفي الأكمه والأبرص ويحيي الموتى كما فعل عيسى:
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴿7﴾
فرغم نزول الآيات على الصادق الأمين علية أفضل صلاة وأكمل تسليم آيات واضحات بيّنات (تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ ) [سورة الرعد آية: ١].
هكذا يقول الله (تبارك وتعالى) لكل من يسمع ولكل من يعقل (تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ ) [سورة الرعد آية: ١] آيات الإعجاز فيها لا قبله إعجاز وليس من بعده إعجاز، إعجاز في اللفظ والنظم، إعجاز في المبنى والمعنى، فيه أخبار الأولين ونبأ الآخرين، فيه الحكم بين الناس فيه بيان للحلال والحرام، آيات إعجازها لا يخفى على ناطق باللسان العربي، ورغم هذه الآيات والتي بينت ودللت على وجود الواحد الأحد، بلفت الأنظار إلى ما في الأنفس من آيات، وإلى ما في الأكوان من علامات، رغم كل ذلك يقترح المشركون أن تنزل على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، آية معجزة كمعجزات الأنبياء من قبل آية، آية كما أرسل الأولون، ناقة كناقة ثمود، عصا كعصا موسى، مائدة كمائدة المسيح، (وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۗ ) ويرد الله (تبارك وتعالى) مبينا لهم وظيفة النبي (صلى الله عليه وسلم) وأن اختلاف الأزمنة واختلاف الأمكنة يتطلب من حكمة الحكيم الخبير أن يرسل لكل قوم رسولاً يتكلم بلسانهم يأتيهم بمعجزة مما تعارفوا عليه في عهودهم فيقول عز من قائل: ( إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)) وتتوالى الآيات، تتوالى الآيات لبيان الدلائل على كمال علمه (عز وجل) وعظيم حكمته وقوة قهره وسلطانه، وشمول قضائه وقدره، وأنه (عز وجل) قادر على إنزال ما اقترحوه من آيات وإنما لم يفعل لأن اقتراحهم كان للعناد دون الاسترشاد فيقول عز من قائل:
ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ ﴿8﴾
عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ ﴿9﴾
سَوَآءٌۭ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ ﴿10﴾
لَهُۥ مُعَقِّبَـٰتٌۭ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ سُوٓءًۭا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ﴿11﴾
ثم يبين ربنا ، تبارك وتعالى، سنته في الخلائق، سنة اجتماعية (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ ) ما من نعمة لدى عبدٍ تزول أبدا، إلا إن زال هو عنها (فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ (٥)) [سورة الصف آية: ٥]، أسمعتم هكذا يحكي ربنا عن بني إسرائيل (فَلَمَّا زَاغُوٓا۟) هم زاغوا أولا فأزاغ الله قلوبهم، وكذلك ما من نعمه تزول، وما من عافية تزول، إلا والسبب في زوالها العبد بسلوكه وتصرفه، حافظوا على النعم بتقييدها، قيد النعم الشكر (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌۭ (٧)) [سورة إبراهيم آية: ٧]، جرت سنة الله (تبارك وتعالى) في خلقه لا يسلب نعمة من أحد إلا إذا تحوّل حاله من الطاعة إلى العصيان، من الإيمان إلى الكفر، من الشكر إلى الجحود، فإن تغير حال العبد من حسن إلى قبيح، من طاعة إلى عصيان، من شكر إلى كفران هنا، ومن هنا فقط يسلبه الله (تبارك وتعالى) النعم التي أنعم بها عليه، هل يعني ذلك أن العبد في ذاته طالما كان طائعا وطالما كان عابداً وطالما كان شاكراً لا تزول عنه النعمة ولا تحل عليه النقمة؟ هل يعني ذلك كذلك؟ لا أبداً، فقد تزول النعمة بفعل غيره نعم كيف؟ أرأيتم الأصحاب؟ أرأيتم شجاعة سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) في أحد، أرأيتم كيف اقتحم ساحات الوغى حين فرّ عنه الشجعان كيف حلّت الهزيمة بالمسلمين في أحد؟ بعصيان الرماة فئة قلة عصوا رسول الله فنزلت الهزيمة بعد ما جاءهم النصر، أرأيتم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين خرج يخبر الناس بليلة القدر، أي فضل هذا، أي نعمة هذه فتلاحى رجلان في المسجد وارتفعت أصواتهما، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "خَرَجْتُ أُنْبِئُكُم بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلاَحَى رَجُلَانِ بِالْمَسْجِدِ فَرُفِعَتْ" رفعت عن الصحابة، بل عن الأمة إلى أن تقوم الساعة، لصوت اثنين ِفي المسجد، ومن الصحابة، إذاً ربنا لم يقل (إن الله لا يغير ما بإنسان حتى يغير الإنسان ما بنفسه) وإنما قال: (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ ) كلهم أو بعضهم، وقد يُصاب الكل بذنب البعض، لذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذا حين سُئل سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم): (أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ) أي الفسق والفجور ( لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أو ) وكلكم يعرف ذلك الحديث (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ ) فإذا دعا الصالحون، واستغفر العابدون مع كثرة الخبائث والخبث أنزل الله نقمته ورفع عن العباد نعمته (وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ سُوٓءًۭا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ (١١)) والي يتولى أمرهم، والي ينصرهم أو يمنع عنهم، وكما قلنا من قبل "وال واق هاد باق" أربع كلمات حيثما وقعت في القرآن تنوّن في الوصل، ويوقف عليها بالسكون "وال واق هاد باق، إلا في قراءة حيث ينوّن في الوصل ويقف بالياء، (وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ سُوٓءًۭا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ ۚ ) إذ أراد بقوم سوءً أعمى أبصارهم، سَلّ من العبد بصره وسمعه وعقله، ثم أنفذ فيه قضاؤه، ثم ردّ إليه سمعه وبصره وعقله ليعتبر، بل قد يمشي الإنسان إلى حتفه بظلفه، فيرى الحق باطلا ويرى الباطل حقا يرى الخير شراً ويرى الشر خيراً إذا به يسعى إلى حتفه بظلفه، والبصائر نعمة والبصيرة منّة، من هنا إذا أراد الله بقوم سوءً هم سعوا إليه بأنفسهم، ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، ولا وليّ يتولى أمرهم أو ينصرهم، إذاً خلّى المعقبات خلّوا بينه وبين قضاء الله، بعدما كانوا يحفظونه من أمر الله، بعدما كانوا يستغفرون له، بعدما كانوا يستمهلون له. (وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ سُوٓءًۭا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ (١١)) سلوا الله أن يرفع عنا نقمه وأن يديم علينا نعمه.
وتسوق الآيات خمسة أدلة أشبه ما تكون بالنعم والنقم واسمع وتأمل:
هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًۭا وَطَمَعًۭا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ﴿12﴾
وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِۦ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِۦ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ﴿13﴾
(وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ (١٣)) شديد المحال: شديد الكيد لأعدائه، كيد الله (تبارك وتعالى) كيد بالحق، مكر الله (عز وجل) مكر بالحق، يمكرون بالباطل، ويمكر الله بالحق، ولكي نقرّب المعنى إلى أذهاننا، عن مكر الله أي الحيلة والكيد، إيصال المكروه لمن يستحقه دون أن يشعر، ومن حيث لا يحتسب، ومن غير ما يتوقع ذاك هو مكر الله ذاك هو كيد الله ، (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًۭا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًۭا (١٦)) [سورة الطارق آية: ١٥- ١٦] ، (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ ) [سورة الأنفال آية: ٣٠] ، هم يمكرون بالباطل، ومكر الله بالحق، وكيد الله بالحق، ومكره إيصال العذاب، إيصال المكروه لمن يستحقه بأسلوب لا يقوى عليه إلا الله، كمن يمد يده ليلتقط كنزا فتلدغه الحية لم يتوقع، كمن رأوا سحابا منتظرون للمطر فقالوا (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًۭا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا۟ هَـٰذَا عَارِضٌۭ مُّمْطِرُنَا ۚ ) [سورة الأحقاف آية: ٢٤]، فخرجوا مستبشرين فرحين ها هو الغيث قد جاء وليس كما زعم نبينا، وهكذا، وسخروا منه فقد أصابهم القحط فرأوا السحاب خرجوا فرحين مهللين فيقول الله: (بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌۭ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (٢٤)) [سورة الأحقاف آية: ٢٤]، ذاك هو المكر، إيصال المكروه لمن يستحق من حيث لا يشعر، فيأتيه وهو نائم أي، أأَمِن الناس أن يأخذهم في تقلبهم، أوفى سيرهم أو في نهارهم، في نومهم أو في تقلبهم، هل يأمن الإنسان وهو سائر في طريقه أن يأتي سائق طائش فيصعد حيث يمشي ذلك الرجل فيصطدم به وإذا به يحمل بغير قدم أو بغير يد، هل يأمن السائر في طريقه أن يلعب بعض الصبية بالحجارة فيقذف أحدهم حجراً فيأتي في عينيه فيصيبه العمى، هل يأمن أحد من الناس مكر الله، والله لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، ذاك هو المكر: إيصال المكروه لمن يستحق من حيث لا يدري ولا يحتسب ودون أن يشعر، (وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ (١٣)) وكأن الآية تسرّى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) رغم أنها تهديد للكفار تهديد للمشركين، إلا أنها تبين أن الله (تبارك وتعالى) يستدرجهم، وإذا رأيت الله منعما على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أن ذاك منه استدراج (وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)) [سورة الأعراف آية: ١٨٢].
لَهُۥ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَـٰلِغِهِۦ ۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ ﴿14﴾
أيها الأخ المسلم: هل تعني الآية: (وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ (١٤)) ذاك أم تعني أيضا أن الكافر إذا دعا الله لا يصل الدعاء إلى الله، فما القول في قوله: (أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) [سورة النمل آية: ٦٢]، وما القول في قوله: (وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ ۖ ) [سورة الإسراء آية: ٦٧]، إذاً (وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ (١٤)) الأقرب والأشبه أن المقصود دعاؤهم للأصنام، أما إذا توجهوا إلى الله قد يقبل بشرط الإخلاص في الدعاء وهذا لا يكون إلا ساعة الشدة من هنا نفهم معنى الآية التالية (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) [سورة الرعد آية: ١٥]، وكيف السجود يكون طوعا أو كرها.
فقد تبين لنا من الآيات أن في الأرض دعوتين: دعوة الحق، ودعوة الباطل، دعوة الحق دعوة الله، دعوة الحق دعاء الله، دعوة الحق الدعوة إلى الله، ودعوة الباطل دعوة غير الله، والدعوة إلى غير الله، (لَهُۥ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَـٰلِغِهِۦ ۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ (١٤)) بيّنت الآيات أن الله (تبارك وتعالى) هو المتوحد بالألوهية، وهو المستوجب للعبادة شاء الناس أو أَبَوْا، وخضوع الكائنات لمشيئة الله (عز وجل) واضح ظاهر، وانقيادها لإرادته ومشيئته واضح ظاهر لكل ذي عينين، من هنا بينت الآية التالية أن ما في الأرض وما في السماء، كل من في السموات وكل من في الأرض من الملائكة والثقلين خاضع لله (عز وجل) تجري علية مشيئة الله في حركته وسكونه، الكل خاضع لسلطانه وقهره يجري عليه ما أراده الله (عز وجل) من إبقاء أو إفناء أو إيجاد أو إعدام أو حركه أو سكون، ظاهراً وباطناً، ولكن من الناس من انقاد لله (عز وجل) طائعا، بذاته وبظاهره، ومنهم من إنقاد لله (عز وجل) قهراً وكرها، لذا تأتي آية السجود، وسجود التلاوة سنة مؤكدة وله شروط يشترط لسجدة التلاوة ما يشترط للصلاة من طهارة وستر للعورة استقبال القبلة النية وما إلى ذلك وسجود التلاوة داخل الصلاة إن قُرأت آية السجدة داخل الصلاة، وسجود التلاوة خارج الصلاة إن قرأت آية السجدة خارج الصلاة، ولكن إن كانت التلاوة خارج الصلاة سجد القارئ وسجد السامع إن سجد القارئ، فإذا لم يسجد القارئ للسجدة لا يسجد لها السامع، وسجود التلاوة له كيفية: هي سجدة واحدة، قد يؤتى بها من قيام، وقد يؤتى بها من جلوس على اختلاف الآراء، وإن أُتى بها من قيام لها تكبيرة واحدة أو تكبيرتان: تكبيرة للإحرام وتكبيرة للهوِي ثم سجدة التلاوة يعقبها تسليمتان، ومما يؤثر من أقوال في سجدة التلاوة: سجد وجهي للذي خلقه وصوّره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، اللهم احطط بها عني وزراً واجعلها لي عندك زخراً واكتب لي بها عندك أجراً وتقبّلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سجد لك سوادي وخيالي وآمن بك فؤادي، وأقرّ بك لساني وها أنا ذا بين يدك يا عظيم يا من تغفر الذنب العظيم، وإذا تُليت آية السجدة على المنبر ونزل الأمام وسجد لها، سجد الكل، وإذا قرأها الإمام على المنبر ولم يسجد، فلا سجود على أحد وقد فعلها عمر مرتين: مرة نزل وسجد ومرة لم ينزل ليبيّن للناس حُكم الجواز يقول الله (تبارك وتعالى):
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًۭا وَكَرْهًۭا وَظِلَـٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ ۩ ﴿15﴾
قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ ۚ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّۭا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُوا۟ كَخَلْقِهِۦ فَتَشَـٰبَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُوَ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّـٰرُ ﴿16﴾
أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌۢ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًۭا رَّابِيًۭا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَـٰعٍۢ زَبَدٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ ۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءًۭ ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ ﴿17﴾
وبعد بيان حال المشرك والمؤمن، وضرب الأمثلة للحق والباطل والإيمان والشرك توضح الآيات المصير:
لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُۥ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ﴿18﴾
ثم يأتي السؤال أيضا الذي فيه إلزام الحجة وفيه السخرية بهم:
أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰٓ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ ﴿19﴾
ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ ﴿20﴾
وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلْحِسَابِ ﴿21﴾
وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴿22﴾
(وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) صبر بالله، صبر في الله، صبر لله، صبر على الطاعة، صبر عن المعصية، صبر على البلاء، صبر في الله ولله، (وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) صبر الصابر طوعا، وليس صبر الصابر كرها، (وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ) أتوا الصلاة في أوقاتها وبأركانها وعلى هيآتها التي سنّها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ) كأنها تدل على الزكاة، فالإعلان فيها أفضل، والصدقة الإسرار فيها أفضل، (وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ): من بعض ما رزقناهم، سرا وعلانية، (وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ) يقابلون الإساءة بالإحسان، وأحسن إلى من أساء إليك، أو يتبعون السيئة الحسنة لتمحها،
(وَيَدْرَءُونَ) الدرء: الرفع درأه: دفعه، (وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ) وكأنهم يدفعون السيئة بالحسنة، يُفهم منها مقابلة الإساءة بالإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، وتعني أيضا أن تتبع السيئة الحسنة، كما قال سيد الخلْق (صلى الله عليه وسلم) لمعاذ موصيا إياه "اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَاَتْبِعِ الْسَيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ الْنَّاسَ بِخُلِقٍ حَسَنٍ" (أُو۟لَـٰٓئِكَ) المتصفون بهذه الصفات (لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ (٢٢))عقبى أي العاقبة، وتطلق العقبى على الجزاء على الفعل، وسمي الجزاء على الفعل عقبى لأنه يأتي ويكون عقب الفعل، الجزاء يأتي عقب الفعل فيسمى الجزاء عقبى، (لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ (٢٢)) دار الدنيا، أو دار الآخرة، (عُقْبَى ٱلدَّارِ (٢٢)) أي جزاء عملهم في الدنيا، فالدنيا دار عمل وليست دار جزاء، عاقبتها الجزاء، الجنة أو النار (لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ (٢٢)) أي عاقبة الدنيا وعاقبة العمل في هذه الدنيا ألا وهي الجنة، أو عاقبة الدار: الدار الآخرة، إذ في الدار الآخرة داران: الجنة والنار.
ثم يأتي وصف هذه العقبى فيقول الله (تبارك وتعالى):
جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍۢ ﴿23﴾
سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴿24﴾
وبضدها تتميز الأشياء فذاك كان حال أهل الجنة الذين عملوا لها وسعوا لها سعيها أما الآخرين فيقول الله (تبارك وتعالى) فيهم:
وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَـٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ﴿25﴾
يقول الله عن هؤلاء التعساء: (وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ) ، موالاة المؤمنين صلة، الاهتمام بأمر المسلمين صلة ، صلة الرحم صلة، الإيمان بالرسل جميعا صلة، أن تصل إيمانك بمحمد بإيمانك بعيسى، وأن تصل إيمانك بعيسى بإيمانك بموسى وهكذا، كل ما أمر ربنا به أن يوصل، هؤلاء يقطعونه (وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۙ) بإثارة الفتن، بالحض على المعصية، بإظهار الفسق، بتشجيع الفجور، يفسدون في الأرض بكل أنواع الفساد، الرشوة فساد الراش والمرتشي والرائش الواسطة بينهما ملعونون، الخمر ملعونة الربا ملعون ، كل ما نهى عنه الله ما هو إلا فساد وإفساد في الأرض، (وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا) [سورة الأعراف آية: ٥٦]، معناه: كيف أُصلحت الأرض، وبم أصلحها الله؟ أصلحها الله بدعوة الرسل، أصلحها الله بإنزال الكتب، أصلحها بالأمر والنهي، أصلحها الله ببيان الأحكام وبيان الحلال من الحرام، كل مخالفة لذلك هو إفساد الأرض بعد إصلاحها، (أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ (٢٥)) اللعنة: الطرد من رحمة الله (تبارك وتعالى) والحرمان من جنته إذ الملعون لا يخرج من جهنم أبداً ولا يدخل الجنة أبداً الملعون إبليس حين قال ربنا له: (وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ (٣٥)) [سورة الحجر آية: ٣٥]، هذه اللعنة الطرد من الرحمة، هل يدخل إبليس الجنة يوما ما؟ يستحيل: هل يخرج من النار يوما ما؟ يستحيل، كذلك المشركون كذلك الناقضون لعهد الله من بعد ميثاقه، القاطعون لما أمر الله به أن يوصل، المفسدون في الأرض، هؤلاء لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط (وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ (٢٥)) سوء الدار: ما يسوؤهم في الدار الآخرة.
ثم يبين ربنا (تبارك وتعالى) أن الرزق بيده، وأن سعة الرزق لا تدل على الإكرام، وأن تضييق الرزق لا يدل على الإهانة، وقد يُبسط الرزق للمؤمن، وقد يُبسط الرزق للكافر استدراجا له، وقد يُقدَّر الرزق على المؤمن ابتلاءً وتكفيرا لذنوبه فيقول عز من قائل:
ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا مَتَـٰعٌۭ ﴿26﴾
أيها الأخ المؤمن، أيها الأخ المسلم: ليس بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار فانظر إلى نفسك أي الدارين تختار، الحياة الدنيا متاع، الحياة الدنيا إلى زوال، الحياة الدنيا إلى فناء، الحق أبلج والباطل لجلج، اللجوء إلى الله سهل، الدعاء لا بد له من إجابة ما يرفع أحد يديه إلى السماء إلا وأجابه رب الأرض والسماء، والله لا يرد ربنا دعاءً لأنه هو القائل: (أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) [سورة النمل آية: ٦٢]، المهم أن يكون الداعي مخلصا في دعوته لله، له دعوة الحق، ألا يغفل عن الله، أن يثق في الله (اُدْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوْقِنُوْنَ بِالْإِجَابَةِ )، ذاك قول النبي ، صلى الله عليه وسلم، ونصحنا وقال: ( لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلعَبْدِ مَا لَمْ يَسْتَعجِلْ) قالوا وما يستعجل يا رسول الله؟ قال: (يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُستَجَبْ لِي ) فإياك أن تتعجل الإجابة، فالإجابة على ثلاث دروب أو على ثلاثة أنواع إما أن يعطيك الله (تبارك وتعالى) ما طلبت بالتحديد، وإما أن يصرف عنك ما يوازيه ويساويه من البلاء، وإما أن يدخر لك طلبك إلى يوم القيامة حيث لا ينفع مال ولا بنون وأنت في هذا الموقف يقال لك: سألتني في الدنيا كذا ولم أُعطيك ماذا تطلب اليوم بدلا منه يتمنى العبد يومئذ أن لو لم يستجيب له دعاء، إذ كله مدخر ف والله ما من دعوة إلا وهي مجابة ثق في ذلك ما من دعوة إلا وهي مجابة، إما بإجابتك لما تطلب، إن كان ذلك في قضاء الله وقدره، وإما بصرف البلاء عنك بما يوازي ما طلبت ويزيد وإما بادخار الدعوة لك في الآخرة، وعلموا أنه لا يرد القضاء إلا الدعاء.
فرغم وضوح الآيات ورغم سطوع الدلائل والبرهان في شخص النبي (صلى الله عليه وسلم) وفيما جاء به من وحي، فهو الصادق الأمين كما كانوا يطلقون عليه قبل البعثة، أوسطهم نسباً، يعلمون صدقه، يعلمون نسبه، يستأمنونه على كل شيء، ورغم ما جاء به من قرآن معجز في نظمه بليغ في لفظه، ينبئهم بما لم يكونوا يعلمون، يخبرهم بأنباء الأولين وينبئهم بأنباء الآخِرين، ويبيّن لهم الآيات الدلائل الدالة على وجود الله ووحدانيته وقدرته فيما يشاهدونه، في نفس الوقت يأمر بالصلة بالعفاف بالصدق بصلة الأرحام، بالأمانة بحسن الجوار، بكل خلق حميد، وينهى عن الرذائل وعن الرذيلة، وعن كل خلق سفيه، رغم كل ذلك لا زال كفار مكة يطلبون المعجزات التي جاء بها الأنبياء من قبل، لا زال كفار مكة يسألونه أن يحوِل مكة إلى بلد زراعية، تجري فيها الأنهار، أن يفسح لهم ويحرك الجبال، أن يكون له بيت من زخرف، أن يرقى في السماء وهكذا، آيات ومعجزات يطلبونها ويقترحونها عليه رغم، نزول الآيات بتحديد وظيفته ورسالته على وجه الحصر والقصر (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ) [سورة الرعد آية: ٤٠]، ورغم وضوح الآيات بأن لكل جيل ولكل قرن ولكل زمان رسول يُبعث بلسان قومه، يأتي بالآية التي يقررها الله والتي تتوافق مع الزمان ومع المكان ورغم كل ذلك:
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴿27﴾
ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ ﴿28﴾
ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍۢ ﴿29﴾
كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَـٰكَ فِىٓ أُمَّةٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌۭ لِّتَتْلُوَا۟ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴿30﴾
وتأتي آية الإعجاز فيها فوق التصور والكلام فيها يحتاج لصفحات وصفحات واسمع وتأمل:
وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًۭا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا۟ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًۭا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ﴿31﴾
فكأن الأمر يحتاج إلى تسلية لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) وكأن الأمر يحتاج تسرية لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بعد هذه الآيات وبعد هذه الحجج والدلائل والبراهين، وبعد البيان لعناد الكفار وتصميمهم على الكفر والتكذيب، كأن الأمر يحتاج إلى التسرية عنه وتسليته والتهديد والوعيد لمكذبيه فيقول عز من قائل:
وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴿32﴾
ثم يأتي بعد ذلك التوبيخ، التبكيت السخرية بهم، الاستهزاء إلزامهم الحجة قل ما شئت في الآية التالية فهي تحوي كل ذلك:
أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَـٰهِرٍۢ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ ﴿33﴾
لَّهُمْ عَذَابٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ ﴿34﴾
( قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ ) سمُّوا الشركاء أسماؤهم صفاتهم التي استحقوا بها العبادة؟ خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم، كما قيل في آية سابقة في نفس السورة رزقوا؟ فعلوا، نفعوا؟ ضروا؟ يملكون جلب النفع أو دفع الضر؟ سموهم، ما هي الصفات التي استحقوا بها العبادة، سكتوا طبعا قل سموهم طبعا لا جواب (أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ) (أم تنْبئونه) قراءة، (أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ) هل يجهل الشريك شريكه؟ هل يكون هناك شركاء، هو لا يعلمهم وأنتم تخبرونه عنهم هناك شركاء لك، ها أنتم عجزتم عن وصف هؤلاء الشركاء بالصفات التي من أجلها استحقوا العبادة، أو من أجلها أشركتموهم مع الله، هل تخبرونه بشيء لا يعلمه؟ ما لا يعلمه الله محال، لأنه ما من شيء إلا وفي علمه، فهل هناك ما لا يعلمه؟ وانظر إلى إلزام الحجة (أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ) وذكر الأرض هل له شركاء في السماء أو في مكان آخر؟ لم اختص الأرض بالذكر؟ لأنهم زعموا أن الشرك موجود في الأرض والشركاء في الأرض، فهو يرد عليهم ها هي الأرض أين الشركاء فيها؟ ما هي الصفات والأوصاف التي استحقوا بها العبادة؟ هل تخبرونه بما لا يعلم وذاك محال، (أَم بِظَـٰهِرٍۢ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ ) كلام بدون دليل، بدون واقع، بدون حقيقة، مجرد كلام ظاهر من القول باطل من القول، أرأيت اللص فسألت ما اسمك فقال أمين، أرأيت الفاسق يوما فسألت ما سمك قال صالح، ذاك هو الظاهر من القول (أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَـٰهِرٍۢ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ ) مناة واللات وعُزى شركاء يشفعون لنا ونعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، كلام باطل لا يقف على شيء لا دليل وراءه هل تخبرونه عن شركاء لا يعلمهم أم تقولون كلاما ما لا طائل وراءه ولا حقيقة ولا قاعده يقف عليها ما الأمر؟ واسمع دعك من كل ذلك ها هو الحق ها هو الجواب دعك من كل ذلك واسمع: (بَلْ) ، التي للإضراب (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ )هذا هو الوضع هذا هو الحق تخيّلوا خيالات وتوّهموا أوهاما، وقالوا أباطيل، فزُينت لهم، يكذب المرء فيصدقه الناس، ويكذب المرء فيصدقه الناس، ويكذب المرء فيصدقه الناس، ثم يكذب المرء فيصدق نفسه، هؤلاء أوهام وأباطيل وخيالات قالوها وزُينت لهم زينها لهم الشيطان، زين لهم مكرهم الأحاييل والأخاييل والأباطيل والأوهام زينت لهم، (وصَدُّوا عن السبيل) صدوا غيرهم (وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ ) صدهم الله، أو صدهم الشيطان، أو صدهم مكرهم، (وصِدُّوا عن السبيل ) كما قيل: ( هذه بضاعتنا رِدَّتْ إلينا ) في قراءة الكلمة في سورة يوسف، باعتبار رِددت صُدِدوا فنقلت الحركة بعد إدغام الدال الكسرة إلى ما قبلها فقرأت صِدوا (وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ (٣٣)) من أضله الله واستحق الضلالة لعناده وإصراره، عمي عن الحق وأصم أذنه عن الحق، وأغلق عينيه عن الحق، وعاند وأصر رغم وضوح الحق هكذا أضلهم الله، أولئك: (لَّهُمْ عَذَابٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ) بالقتل والأسر والمرض والفقر والتشريد وما أنت راءٍ من بلايا يقدر عليها الله في هذه الدنيا أعاذنا الله وإياكم من كل بلاء الدنيا وعذاب الآخرة، (وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَقُّ ۖ ) أشد وأنكى وأدهى، لأن عذاب الدنيا مهما طال له نهاية، إذا زاد الألم يُغشى عليه، يغمى عليه من شدة الألم، أرأيتم ذلك، يذهب في غيبوبة يموت، عنده الأمل في الشفاء عنده الأمل في رحمة الله، هناك مسكنات مهما كان البلاء، فهناك بعض النعم، هناك الأصدقاء الأصحاب الأهل الأقارب يخففون عنه، لكن في الآخرة دوام لا مسكنات ولا نوم ولا يموتون فيها (لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا۟ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ ) [سورة فاطر آية: ٣٦]، ولا تنفع الشفاعة وليس هناك صديق حميم ولا شفيع، (وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)) [سورة الزخرف آية: ٣٩]، حتى الاشتراك في العذاب لا يفيد، (وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ (٣٤)) واق: اسم فاعل من الوقاية، والوقاية تعني الحفظ والصيانة، (وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ) من عذابه (مِن وَاقٍۢ (٣٤)) يحفظهم أو يصونهم أو يمنعهم عن العذاب.
أيها الأخ المسلم: أرأيت؟ أسمعت؟ أفهمت؟ أعلمت؟ أتأملت؟ أتبينت صِدْق النبي (صلى الله عليه وسلم)؟ أتيقنت من وجود القاهر الواحد الفعال المريد، عز وجل،؟ هل تيقنت من وجوده، هل تأمل في رحمته؟ هل ترجو رحمته وثوابه؟ هل تخشى عذابه؟ إن كنت كذلك وسرتك طاعته وساءتك معصيتك فأنت مؤمن (طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍۢ (٢٩)).
فقد بيّن الله (تبارك وتعالى) مصير الكفار (لَّهُمْ عَذَابٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ (٣٤)) ثم يبيّن ربنا (تبارك وتعالى) مصير أهل التقوى فيقول عز من قائل:
مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ أُكُلُهَا دَآئِمٌۭ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ ۖ وَّعُقْبَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ﴿35﴾
وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ ٱلْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُۥ ۚ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِهِۦٓ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُوا۟ وَإِلَيْهِ مَـَٔابِ ﴿36﴾
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ حُكْمًا عَرَبِيًّۭا ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا وَاقٍۢ ﴿37﴾
اعترض المشركون على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أمور: قالوا يتزوج النساء وينجب الأولاد، ولو كان نبيا لزهد في كل ذلك ولشغله أمر النبوة عن النساء والزواج، وقالوا لو كان نبيا لجاء بمعجزة كما جاء الأنبياء من قبله بالمعجزات، كما جاء موسى بالعصا، وجاء عيسى بكذا وجاء صالح بكذا، وقالوا لو هددنا بالعذاب وتوعدنا فلِمَ لمْ ينزل العذاب، رغم تكذبينا له واستهزائنا به، تلك كانت اعتراضات المشركين كيف يتزوج كيف ينجب كيف لم يأت بمعجزة، كيف لم ينزل الكتاب، كيف ينسخ أحكام حكم بها الأنبياء من قبله، كيف في الحلال والحرام - في المحرمات- حرّم اليهود على أنفسهم أشياء لم ينزل بها سلطان (كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ) [سورة آل عمران آية: ٩٣]، هم حرّفوا وحرّموا وأحلّوا من تلقاء أنفسهم فجاء نبينا (صلى الله عليه وسلم) ليحل لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصراهم والأغلال التي كانت عليهم، فأنكروا عليه ذلك، إذاً فهناك أربع أمور: كيف يتزوج النساء ولِمَ لمْ تشغله النبوة عن ذاك! كيف لم يأت بآية كما جاء الأولون؟ كيف لم ينزل العذاب رغم تكذبينا ورغم دعائنا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك إلى آخر ما طلبوه! كيف يخالف شرع من قبله ويدعي أنه نبي مصدق لما نزل من قبل ويرد الله (تبارك وتعالى) بالحجج الواضحة على كل ذلك في آية، واسمع وتأمل:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًۭا وَذُرِّيَّةًۭ ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍۢ كِتَابٌۭ ﴿38﴾
يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ ﴿39﴾
أما مسألة اختلاف الشرائع واختلاف القرآن عن شرائعهم في التفريعات ليس في أصل العقيدة فيرد عليهم ربنا بقوله: (يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ (٣٩)) المحو: إزالة الأثر من كتابة وغيرها، والإثبات: التدوين في الكتاب (يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ ) يمحو الله ما يشاء من الشرائع فينسخها، ويثبت ويضع بدلاً منها ويقرر ما يشاء من الشرائع، فإن اختلف القرآن مع الكتب الأخرى في بعض التفريعات، فلأن الله يمحو ما يشاء ويثبت، (وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ (٣٩)) الذي لا محو فيه ولا إثبات، مدوّن فيه الناسخ والمنسوخ، فيه كل شيء، فذاك أم الكتاب لا محو فيه ولا إثبات، فيه كل الشرائع، فيه كل شيء، لكن الله يمحو من الشرائع ما يشاء، فيأتي موسى فيمحو الله بكتابه ما يشاء من التفريعات، ليس في أصل العقيدة، ويثبت من التكليفات ما يشاء فيحل ما يشاء ويحرم ما يشاء ويضع الأحكام بما يقتضيه استصلاح الناس في ذاك الزمان وذاك المكان، لكل زمان رجال، ولكل زمان دول، ولكل زمان مبادي واعراف، والناس تتغير والبشرية تختلف من جيل لجيل ومن عصر لعصر، وانظر إلى بعيد لترى كيف كانوا يزرعون، كيف كانوا يبنون كيف كانوا يأكلون كيف كانوا ينامون، ماذا كانوا يركبون وهكذا، كل عصر مختلف، فربنا يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء من الشرائع والتفريعات التي لا تؤثر على أصول العقيدة، ذاك هو المعنى المتبادر إلى الذهن، الردود المفحمة، الحجج البراهين الساطعة، ليس بعد ذلك كلام، وجاء بعض العلماء وتكلم في المحو والإثبات: (يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ (٣٩)) أم كل شيء: أصله، أم الكتاب: أهو اللوح المحفوظ قول، أم الكتاب: علم الله الأزلي، فقد علِمَ ما خَلَق وما خلْقه عاملون، وذاك لا تبديل فيه ولا تغيير علم الله لا تغيير فيه ولا تبديل ولا محو فيه ولا إثبات، فإما أم الكتاب: اللوح المحفوظ وإما أم الكتاب: علم الله (عز وجل) من هنا قيل يمحو ويثبت من صحائف الملائكة، وأم الكتاب الذي لا محو فيه ولا إثبات: اللوح المحفوظ، ماذا يمحو وماذا يثبت؟ قالو يمحو السيئات لمن تاب ويثبت بدلا منها الحسنات، (فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍۢ ۗ ) [سورة الفرقان آية: ٧٠]، قالوا: يمحو قرونا ويثبت قرونا (أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَـٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ (٦)) [سورة الأنعام آية: ٦].
( يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ ) يمحو أمما ويهلكها، ويذهب بها، ويأتي بأمم أخرى، وقيل يمحو ما يشاء ويثبت في أمور مثلا: أنت تتكلم كل كلمة مدونة (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ (١٨)) [سورة ق آية: ١٨].
ذاك التدوين في صحف الملائكة من كلامك ما لا ثواب فيه ولا عقاب مثلا: هلمّ بنا ننام هل فيها ثواب، هل فيها عقاب، يا بني آتنا بالغداء، هل فيها ثواب، هل فيها عقاب، فيمحى من صحائف الملائكة ما لا ثواب فيه ولا عقاب، ويثبت في الصحائف ما فيه ثواب وعقاب، أما اللوح المحفوظ ففيه كل حركة وكل سكون وكل كلمة وكل حرف، (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا) [سورة الأنعام آية: ٥٩]، إذاً فالمحو والإثبات: إثبات ما فيه ثواب وعقاب ومحو ما لا ثواب فيه ولا عقاب، محو الأمم وإثبات الأمم، محو الشرائع والتفريعات وإثبات بدلاً منها وإثبات ما لا محو فيه، نسخ الآيات والإتيان بآيات أخرى، (مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍۢ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ ) [سورة البقرة آية: ١٠٦]، ذاك المحو وذاك الإثبات، أما اللوح المحفوظ فلا محو فيه ولا إثبات، وقال بعض الناس بل هناك محو وإثبات في اللوح المحفوظ كذلك، يمحو ما يشاء ويثبت في صحائف الملائكة، وكذلك في اللوح المحفوظ، وعنده أم الكتاب: أصل الكتاب أم الكتاب: هو علم الله الذي لا تغيير فيه ولا تبديل، ولا محو فيه ولا إثبات، قول آخر.
أيها الأخ المسلم: اسمع وتنبه قضاء الله (عز وجل) ولا تبديل فيه ولا تغيير ولكن من القضاء ما هو ثابت واقع لا محالة، ومن القضاء ما هو مصروف بأسباب، فما هو ثابت واقع فذاك هو المثبت، وما هو مصروف بأسباب فذاك هو الممحو ( يمحو الله ما يشاء ويثَبِّتُ ) قراءة ( وعنده أم الكتاب ) إذاً فكل شيء مدون، القضاء الواقع والقضاء المصروف بأسباب، فهل هناك قضاء مصروف بأسباب؟ نعم، واسمع ( لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الْدُّعَاءُ ) فإن تم الدعاء صُرف القضاء، يمحو الله ما يشاء، (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطُ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنسأُ لَهُ فِي آَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) فإن وصل رحمه زاد رزقه وطال عمره، إذاً فالقضاء منه ما هو واقع لا محالة ذاك هو المثبت، ومنه ما هو مصروف بأسباب، والكل في أم الكتاب. وقال بعض الناس: ما لا محو فيه ولا إثبات ولا تغيير، الأرزاق، الآجال الخَلْق، الخلُق الموت الحياة، وقال بعضهم غير ذلك أقوال، لكنا نقول بأرجح الأقوال هو أن الآية رد على ما اعترض المشركون به على سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) في تبديل وتغيير تفريعات التشريعات في التحليل والتحريم في الإباحة والحظر (يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ (٣٩)) أي يمحو ما يشاء من تشريع وتفريع وحكم في أزمنة سابقة وكتب سابقة، ويثبت ما يشاء في كتابه الأخير في قرآنه الذي لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه ذاك أسلم وأشبه بالصواب، وإن كان ورد عن بعض الناس والصحابة أنه كان يدعو (اللهم إن كنت كتبتني في أم الكتاب شقيا أو محروما أو مقدراً في الرزق فامحُ اللهم مما كتبت واكتبني مرزوقا سعيداً طويل العمر ) إلى آخر هذا (يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ ) والآية عامة ونحن نعتقد أنها من المتشابهات التي يجب الوقوف فيها عند حدود معنى اللفظ ظاهراً، دون الدخول في التفاصيل، ودون الدخول في المعنى المراد، إذ المعنى المراد في علم الله، إما أم الكتاب اللوح المحفوظ، أو أم الكتاب علم الله، من هنا جاء الاختلاف ومن هنا نقول الله (تبارك وتعالى) أعلم بمراده.
فيلفت ربنا (تبارك وتعالى) نظر هؤلاء المنكرين إلى أمر غاية في الوضوح، وهو النقص والزيادة ثم يسرّي ربنا (تبارك وتعالى) عن حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) ويسليه ويطمئنه فيقول له وللأمة (لِكُلِّ أَجَلٍۢ كِتَابٌۭ (٣٨))، إذاً نزول العذاب مقدّر قد ينزل وقد لا ينزل، وقد يؤجل وقد يُرفع، قضاء مبرم ثابت، وقد يُصرف بأسباب كما صُرف العذاب عن أمته بوجوده (صلى الله عليه وسلم) (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) [سورة الأنفال آية: ٣٣]، إذاً فقد صرف عنهم بوجوده (صلى الله عليه وسلم) وببركته وهكذا فيسرّي ربنا عنه وعن الأمة ويقول له:
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ ﴿40﴾
أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴿41﴾
وينبههم ويحذرهم ويتوعدهم:
وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًۭا ۖ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍۢ ۗ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّـٰرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴿42﴾
وتختم الآية بشهادة المولى (عز وجل) لنبيه (صلى الله عليه وسلم):