القرآن الكريم / سورة يوسف / التفسير المقروء

سورة يوسف

مقدمة‬
‫لقاؤنا اليوم مع سورة يوسف، يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم، الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، سورة يوسف ذات أسلوب فذٍ فريدٍ في ألفاظها، في تعبيرها، في أدائها، وفي قصصها السلس اللطيف، الذي يسري في الجسد سريان الدم في العروق، والذي يجري بسلاسته في القلب كجريان الروح في الدم، سورة يوسف وإن كانت من السور المكية التي تحمل في الغالب طابع الإنذار، والتهديد، والتخويف، إلا أنها اختلفت عنها في هذا الميدان، فجاءت طرية، ندية، تحمل جو الأنس، والرحمة، والرأفة، والحنان، سورة يوسف نزلت بعد سورة هود، سورة يوسف جاء فيها قصة هذا الصديق النبي الكريم في حلقات متتابعة، وخالفت نهج القرآن، أو خالفت عادة القرآن في القصص، فقد جاء قصص المرسلين في القرآن متكرراً في مواضع شتى بنفس المعنى، ولكن بألفاظ متباينة على درجات البلاغة، والبيان، استكمالا للحلقات، فتأتي القصة، ثم تتكرر لتستكمل الحلقات، فيحدث التشويق والرغبة في المعرفة دون ملل، ودون أن يسأم السامع، جاءت قصة كل نبي متكررة بأساليب عديدة، غاية في البلاغة، غاية في الإعجاز، والبيان، وفي كل مرة تأتي تستكمل حلقة من حلقات القصة في أسلوب معجز، وفي إيجاز دون إطناب، أما قصة يوسف فقد جاءت حلقاتها متتابعة في سورة واحدة، ولم تتكرر في غيرها من السور، فلم يستطع فصحاء العرب أن يعارضوا المكرر، ولا أن يعارضوا غير المكرر، ها هي قصة جاءت مرة واحدة، وتحداهم القرآن، هل استطاعوا أن يأتوا بمثلها؟ فجاء بقصة أخرى - قصة موسى - فكررها، وكررها، وكررها، هل استطاعوا أن يأتوا بمثلها؟ وجاء بقصة لوط، وقصة هود، وقصة صالح، وقصة نوح، وجاء بالقصص، وكرر يحمل نفس المعنى دون خلل، ودون اختلال، ودون اختلاف في ألفاظ موجزة، متباينة، غاية في البيان، فلم يستطيعوا أن يعارضوه، لا فيما كرره، ولا فيما لم يكرره، سورة يوسف والتي تحمل جو الأنس والبشرى، طابعها طابع الرحمة، طابع الحنان في ألفاظ سهلة، ممتنعة، نزلت بعد سورة هود في فترة حرجة عصيبة من حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) نزلت عليه وهو يعاني أشد العناء من الغربة، والوحشة، والعنت، والإيذاء من قومه، نزلت سورة يوسف وقد اشتد الأذى، والبلاء عليه، وعلى المؤمنين، خاصة بعد ما فقد نصيريه في الحياة‫:‬ زوجه الطاهرة الحنون، سيدة نساء العالمين، السيدة خديجة، وفقد عمه أبا طالب الذي كان له خير نصير، وخير معين، فقدهما فاشتد حزنه، واشتد إيذاء الكفار له، حتى سُمِّي ذلك العام بعام الحزن، وهو في هذه الفترة العصيبة الحرجة من حياته يعاني الوحشة، والغربة، والحزن، هو والمؤمنون، نزلت السورة تسليه وتسري عنه، وتخفيف من آلامه، نزلت تنبئه أن بعد الضيق مخرجا، وبعد الشدة فرجاً، وبعد العسر يسراً، نزلت تحكي له قصة أخيه يوسف، وما تعرَّض له من المحن، والبلاء‫:‬ محنة حسد إخوته، محنة بعده عن أبيه، محنة إلقاؤه في الجب، محنة بيعه بيع العبيد، محنة القصر، ومحنة حب امرأة العزيز له، محنة الفتنة، وفتنة النساء، ثم محنة السجن، حيث انتقل من العز والرفاهية، إلى ذل السجن، وعذابه، محن، وبلايا متعددة، فكان جزاء الصبر أن انتقل من السجن إلى القصر، وأصبح عزيزاً على أرض مصر، فإن كان ما تلقى يؤلمك أو يحزنك يا حبيبي، فها هي قصة تحكي لك، وتبشرك، وتُعلِمك أن النصر مع الصبر، سورة يوسف، تلك السورة الحنونة، تلك السورة التي تحمل جو الأنس، والبشرى لكل من سار على درب الأنبياء، والصالحين، تحمل البشرى لكل صابر، تحمل البشرى لكل مظلوم، تحمل الأنس لكل محزون، فما استمع لها حزين إلا واستراح لها، سورة يوسف بُدأت بالحروف المقطعة التي بُدأت بها تسعٌ وعشرون سورة من القرآن، أربعة عشر حرفا من حروف القرآن، ويقال فيها ما قد قيل من قبل في فواتح السور‫.‬‬‬‬

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ ﴿1﴾
‫(تِلْكَ) إشارة للبعيد عُبِّر بها للإشارة إلى رفعة القرآن، ورفعة منزلته، فهو كلام الملك الديّان (تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ ﴿١﴾) الواضح إعجازه، الساطع برهانه، المبيَّن فيه الحلال والحرام، والحِكَم والأحكام، الواضح في نفسه، في ذاته، في إعجاز أسلوبه، في سلاسة ألفاظه، في عمق معانيه (تِلْكَ ءَايَـٰتُ) إشارة إلى آيات السورة - سورة يوسف -، والآية تطلق على الطائفة من القرآن، كما تطلق على الدلالة، والعلامة، والمعجزة السمعية، أو المعجزة البصرية، كخلْق الله (تبارك وتعالى).
إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿2﴾
‫(أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا) كلاماً مقروءاً عليكم بلغتكم، كتابا مجموعاً في المستقبل، فلم يكن قد جُمع بعد، وكلمة (قرآن) تطلق على الطائفة من كلام الله، وتُطلق على المصحف كله تغليباً (قُرْءَٰنًا) أي مقروءاً على الألسنة، محفوظا في الصدور (عَرَبِيًّۭا) أعرب‫:‬ بيّن، أي بلغتكم يا أهل العرب، لغتكم الفصيحة الواضحة (لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٢﴾) أي تفهموا معانيه، وتتدبروا في ألفاظه، رجاء الهداية، رجاء الوصول إلى الحق، رجاء معرفة أن من جمع هذا الكلام بهذا الأسلوب وقصّ بهذه الصيغ، وهو أميّ لا يعرف القراءة والكتابة، لابد وأن يكون نبياً يوحى إليه من الله‫.‬‬‬‬‬
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ ﴿3﴾
‫(ٱلْقَصَصِ) قد يكون مصدراً، وقد يكون بمعنى الاسم، قصُّ الأثر‫:‬ تتبع الأثر، القاصّ يتتبع الأخبار، فيخبر بها على التوالي، وتتبع الأثر هو القصّ كما جاء في قوله (عز وجل): (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِۦ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِۦ عَن جُنُبٍۢ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)) [سورة القصص آية‫:‬ ١١] أي تتبعي أثر‫.‬‬
‫وإن كانت بمعنى الاسم (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ) أي أحسن الأخبار، وإن كانت مصدرا (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ) أي اقتصاصاً حسنا، اقتص الحديث، أي ساقه بأسلوب سهل، ممتع، مفهوم، والقصص‫:‬ جمع قصة، لِمَ سُميت السورة بأحسن القصص؟ قالوا‫:‬ لحسن مجاوزة يوسف، وعفوه عن إخوته، وقالوا‫:‬ (أَحْسَنَ) بمعنى (أعجب) أي أعجب القصص، قالوا‫:‬ (أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ) لأن ما في هذه السور من عظات، وعبر، وحكايات لم ترد في مثلها من السور، فقد حفلت بالعظات، وحفلت بالأخبار، وحفلت بالعبر، وقالوا‫:‬ (أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ)؛ لأن كل من ذكر فيها كان مآله السعادة، يوسف أصبح عزيزاً في مصر، امرأة العزيز أسلمت وتابت، الملك أسلم، صاحب السجن أصبح ساقيا، والآخر أسلم، وقتل شهيداً، إخوة يوسف عفا عنهم يوسف، وتجاوز وتاب الله عليهم، واستغفر لهم أبوهم ورضي عنهم، ماذا كان عاقبة يعقوب؟ وهكذا كُل من ذُكر في هذه السورة كان مآله إلى السعادة، فهي أحسن القصص لذلك (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ) (ما) مع العقل تفيد المصدر، أي (بوحيناً) (وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ ﴿۳﴾) من قبل الوحي من الغافلين عن هذه القصة، وعن هذه الحكاية، لم تكن تعلمها، ولم تُحكى لك، ولا يعلمها أحد من قومك، وليس في مكة أحد من أهل الكتاب، وأنت لا تقرأ ولا تكتب، فكنت غافلا عن هذه القصة، وها نحن نرويها لك‫.
إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ ﴿4﴾
‫(إِذْ قَالَ يُوسُفُ) أي اذكر إذ قال يوسِف، يُوسُفْ، يُؤسَف (قراءات) وقيل‫:‬ سُمي يوسف بيوسف من الأسف، والأسف‫:‬ الحزن، والأسيف‫:‬ العبد، وقد اجتمعا في يوسف الحزن والعبودية حين اشتراه رجل من مصر (قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ) يا أبتِ، يا أبتَ، يا أبتُ قراءات، لا تستخدم كلمة (أبت) إلا في النداء خاصة، وأصل الكلمة (يا أبي) فحُذفت الياء، ووُضعت التاء، ونُقلت حركة الباء التي هي الكسرة إلى التاء، وفُتحت الباء لأن الحرف الموجود قبل تاء التأنيث اللفظية لابد من فتحه، فأصبحت (يا أبَتِ)، (يا أبتَ) الأصل فيها (يا أبتا) بالألف بدلاً من الياء، فحُذفت الألف، وبقيت الفتحة لتدل على وجودها (يا أبتُ) إذ في اللغة العربية تُضم التاء في الأسماء المؤنثة بتاء التأنيث (يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ) رأيت من الرؤيا المنامية، والرؤية البصرية بالتاء في آخر الكلمة (رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًۭا) (أَحَدَ عَشَرَ) ذلك التركيب لكلمتين يُعتبر كلمة واحدة في اللغة، وأعربوها بأخف الحركات (أَحَدَ عَشَرَ) (وتسعة عشر) وما بينها بهذا التشكيل دون اختلاف في أي حالة (رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ ﴿٤﴾) ليس هناك تكرير (رَأَيْتُهُمْ) استئناف لبيان الحالة التي رآها، أو رآهم، عليها الشمس‫:‬ أمه، أو هي خالته؛ إذ قد ماتت أمه، وكانت خالته تحت أبيه، القمر‫:‬ أبوه، الكواكب‫:‬ إخوته (رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ) ويستأنف الكلام لبيان الحالة (رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ ﴿٤﴾) والقياس في اللغة (ساجدة) لأنها لا تعقل، لكنه حين وصفها بوصف العقلاء عبِّر عنها بما يُعبر به عن العقلاء؛ إذ إن السجود من فعل العاقل، فإذا فعل غير العاقل فِعل العاقل عُبِّر عنه كما يُعبّر عن العاقل، من هنا لم يقل (ساجدة)، وإنما قال (رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ ﴿٤﴾) تلك كانت رؤيا يوسف، قصها على أبيه، من الغريب أن تسمع ما استقبل به يعقوب هذه الرؤيا وما أمر به ابنه‫.
قَالَ يَـٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ﴿5﴾
‫(قَالَ يَـٰبُنَىَّ) (بُني) تصغير لأنه كان صغيراً أو شفقة عليه (لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ ) أهي غيبة؟ لا، وإنما يصح ذلك للتحذير، فإن كان الغرض هو تحذير من تحب مما تخاف عليه جاز ذلك، فقد منعه من أن يحكي ما رآه على إخوته، إذاً فقد استشعر يعقوب من إخوة يوسف حسدهم له (فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ )، يحتالوا، وكلمة (كاد) تتعدى بنفسها فتقول‫: كاده يكيده، فإذا قال‫: كاد له، اللام هنا لتضمين الفعل معنى الاحتيال والتحايل والمحاولة؛ ولذا قال (فَيَكِيدُوا۟ لَكَ)، ولم يقل (فيكيدوك) أي يجتهدوا، ويحتالوا في الإضرار بك (إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ﴿٥﴾) تعليل لما سوف يحدث، كما فعل مع آدم، وكما فعل مع ذريته، يسوّل لهم ويزيّن لهم، ويهيئ لهم ما يفعلوه بك إضراراً بك، تلك كانت نصيحة يعقوب ليوسف، أما الرؤيا التي هي رؤيا منامية، فقد حدثنا النبي، (صلى الله عليه وسلم) عنها أحاديث كثيرة يبيّن لنا أن الرؤيا لا تقص إلا على عالم، أو ناصح‫. ونبّه وبيّن أن الرؤيا ثلاث‫: منها أهاويل الشيطان ليحزن ابن آدم، ومنها ما يراه في يقظته، أو ما يهتم به في يقظته، فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، والرؤيا إذا كانت جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، فيحرم فيها الكذب، ومن تحلّم كاذباً كُلِّف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين، وليس بفاعل، يؤتى به يوم القيامة، ويُعطى حبتين من الشعير، ويقال له إذا عقدت بين الحبتين عقدة دخلت الجنة، ثم يخبرنا ربنا أنه لن يفعل على لسان رسوله (صلى الله عليه وسلم) في حديثه يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (وَمَنْ تَحَلَّمَ كَاذِبًا كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَيْسَ بعاقِدِهِما) (لَمْ تَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلا الْمُبَشِّرَاتُ، " قَالُوا‫: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: " الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ) ونبّه قائلا (وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا) وحذّر قائلا (الرُّؤْيَا مُعَلَّقَةٌ بِرِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا صَاحِبُهَا، فَإِذَا حَدَّثَ بِهَا وَقَعَتْ، وَلَا تُحَدِّثُوا بِهَا إِلَّا عَالِمًا أَوْ نَاصِحًا أَوْ لَبِيبًا ) وقال (صلى الله عليه وسلم): (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ)، وقال (الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَلْيَتْفِلْ ثَلَاثًا - والتفل أخف من البصق - وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ) الرؤيا وإن كانت مبشرة كما قال (صلى الله عليه وسلم) إلا أن بعض الرؤى قد يكون فيه التخويف، وليس البشرى رحمة بالعبد، فيتوقع ما سوف يحدث، فيستعد له بالصبر، والاستعانة بالله، ولكن غلبت كلمة المبشرات؛ لأن ذاك هو الغالب في الرؤَى، تلك كانت رؤيا يوسف (إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ ﴿٤﴾) (قَالَ يَـٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ﴿٥﴾).
وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿6﴾
‫(وَكَذَٰلِكَ) أي وكما أكرمك بهذه الرؤيا، يكرمك بالاجتباء‫:‬ الاصطفاء، من جبيت الشيء‫:‬ حصّلته، جبيت الماء في الحوض‫:‬ جمعته، وكأن الاجتباء من الله للعبد، معناه أن يستخلصه لنفسه، أن يصطفيه، أي كما أكرمك بهذه الرؤيا، يكرمك بالاجتباء والاصطفاء (وَيُعَلِّمُكَ) لا علاقة لها بالتشبيه، فهو استثناء، وكأنه يقول‫:‬ (وهو يعلمك) (وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ) وانتهى التشبيه، ثم بعد ذلك وهو يعلمك من تأويل الأحاديث، التأويل‫:‬ معرفة ما يصير إليه الأمر، آل يؤول أَوْلاً، تأويل الأحاديث أي معرفة ما يؤول إليه الحديث، والأحاديث هنا إما الرؤَى المنامية، أي من تفسير الرؤيا، أو الأحاديث هنا‫:‬ الكتب السماوية، وحكمة الأنبياء، وسنن الأنبياء، وكلام الحكماء، وغوامض ما جاء في الكتب المنزلة (ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًۭا) [سورة الزمر آية‫:‬ ٢٣]، فيطلق الحديث هنا على الكتاب السماوي (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ) بأن يصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة، فيتم عليك بنعمة النبوة؛ كي تتصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة (وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ) إخوة يوسف إن كانوا قد أصبحوا أنبياء بعد توبتهم أو (ءَالِ يَعْقُوبَ) الذرية، الأسباط إن كانوا ليسوا هم الأخوة، أي الذرية والأحفاد (كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ ۚ ) أتم عليهم نعمته بالاصطفاء بالرسالة، بالنبوة، بإنجاء إبراهيم من النار، وبالخُلَّة (مِن قَبْلُ) من قبلك، أو من قبل هذا اليوم، أو من قبل هذه الرؤيا (إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿٦﴾) عليم بمن هو أهل للاصطفاء، والاجتباء، حكيم فيما يفعل، حكيم في تصريفه، وتدبيره، يعقوب علم من رؤيا يوسف أموراً، عرف شعور إخوة يوسف نحو يوسف، خاف عليه من حسدهم، وقد رُوي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال (اسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ، فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ).‬
‫تبين ليعقوب أن يوسف سوف يصل إلى الملك، حتى يصل الأمر إلى سجود إخواته، وأبيه، وأمه له، الحسد من الإخوة، لكنه لم يحدث من الأب، فلا يتمنى أحد لأحد أن يكون أفضل منه أبداً إلا الأب مع ابنه، فها هو يفهم من الرؤيا أنه سوف يأتي اليوم الذي يسجد هو فيه لابنه، ومع ذلك فرح به، وخاف عليه، وحذره، علم أيضا أن يوسف سوف يُمنح النبوة (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ) وعرف أيضا أن يوسف لابد وأن يتعرض لأمور حتى خوّفه، وحذّره، ومن هنا جاز التحذير، وجاز الامتناع عن حكاية الرؤيا لمن يُخاف منه الحسد، أو يُتوقع منه الضرّر، أمور كثيرة اتضحت في كلام يعقوب لكل متأمل، حتى تستطيع أن تفهم الأحداث التي قُصت علينا بعد ذلك، يقول الله (تبارك وتعالى):
لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَـٰتٌۭ لِّلسَّآئِلِينَ ﴿7﴾
يوسُف، يؤسَف، يؤسِف (بالقراءات الثلاث) (ءَايَـٰتٌۭ) (آيةٌ) (قراءة) من هم السائلون؟ قيل‫: من ضمن أسباب نزول السورة، أن مشركي مكة سألوا يهود المدينة، واستعانوا بهم كثيرا لتكذيبه ولإيقاعه في الخطأ، وكان يهود المدينة يتآمرون مع مشركي مكة، كل ذلك من قبل الهجرة، سلوه عن كذا، فإن أجابكم فهو ليس بني، سلوه، سلوه، فجاء يهود المدينة، وأوعزوا إلى مشركي مكة أن يسألوا النبي (صلى الله عليه وسلم) عن نبي كان بالشام أُخرج ابن له إلى مصر، فبكى عليه حتى عمي، وضاع بصره، ما شأنه، وما قصته؟ فحين سأل كفار مكة نبينا (صلى الله عليه وسلم) ما قصة ذاك النبي الذي فقد ابناً له فبكى عليه حتى ذهب بصره؟ ولِمَ انتقل من الشام إلى مصر؟ وكيف حدث؟ فنزلت السورة كاملة تخبرهم بما جاء في التوراة بالنص، مع اختلاف في الألفاظ طبعا، والصياغة، وزيادة لم تكن عندهم في التوراة، ولم يكن يعلموها من قبل (لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَـٰتٌۭ) عبر، وعظات، ودلائل على نبوتك يا محمد، فمن أين علمت هذه القصة، ولا يوجد أحد من أهل الكتاب بمكة، ولا توجد كتب بمكة، وأنت لا تقرأ ولا تكتب، بل وحكينا لك ما لا يعلمه السائلون الذين سألوك ليعجّزوك‫.
إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ﴿8﴾
لم يقصدوا الضلال في الدين؛ إذ لو قصدوا الضلال في الدين لكفروا، فأبوهم نبي وهم يعلمون ذلك، ولكن قصدوا الضلال الذي هو البعد عن القصد، الخطأ في التدبير، قصدوا عدم العدل في المحبة، أو التصرف غير السليم، فكيف يؤثر ولدين صغيرين على عشرة من الرجال، كيف يؤثِر من لا ينفع، لا يحمي، من لا يقوى على حمل السلاح عليهم، وهم عصبة، والعصبة‫:‬ العشرة من الرجال، أو من واحد لعشرة أو من عشرة إلى أربعين، سمُّوا عصبة من العَصب، وهو الشد؛ إذ بهم تُعصب الأمور، وتشد (إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ﴿۸﴾) أي بُعد واضح عن القصد، تلك كانت البداية، وذاك كان الحوار، وهنا دخل الشيطان معهم، واستولى على نفوسهم، وبدأت المؤامرة، وبدأ الاحتيال لكن الله (تبارك وتعالى) يرى ويسمع، ويدبّر ويصرّف، وما لأحد في الأمور من تدبير، فمهما فعلت، ومهما مشيت، ومهما ذهبت، ومهما جئت، فما هي إلى خطى كُتبت علينا، ومن كتبت عليه خُطى مشاها، أنت تفكر، وتدبّر، وتخطط، لكن الله بكل شيء محيط، ولا يكون إلا ما هو كائن، وما قدّره (سبحانه وتعالى) من الأزل؛ إذ لولا التدبير والمؤامرة والتخطيط الذي خططه إخوة يوسف، ما شرُف البئر بأنفاسه، وما عبقت جدران السجن بكلامه، وتوحيده، ودعوته، وما أسلم الملك، أين يراه؟ ولجاع أهل مصر، وضاعوا، وهلكت بهائمهم، وأولادهم، وما تاب إخواته، وما فرح أبوه بعد حزن طويل، إذا فقد كان ولابد أن تحدث هذه المؤامرة، وأن يحدث هذا التخطيط؛ لأن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فقد اشتد حب يعقوب لابنه يوسف، وزادت عنايته، ورعايته بعد ما قص عليه رؤياه، تلك الرؤيا المبشرة بالملك، والرفعة، والعزة، والنبوة، زاد حبه ومن الطبيعي أن يزيد، وزادت رعايته وعنايته ومن الطبيعي أن يحدث ذلك، ولكن لم يرض ذلك الشيطان، فسوّل للإخوة، ووسوس لهم، وزادهم حسداً على حسد، اشتد حسدهم، واشتد حقدهم على يوسف، فتآمروا فيما بينهم، فمن قائل‫:‬ نقتله، ومن قائل‫:‬ نذهب به إلى أرض بعيدة، وكيف نذهب به إلى أرض بعيدة والمسافة تستغرق زمنا، وهل يأمننا عليه أبوه، وتشاوروا، ويحكي القرآن قصة تآمرهم، إذ قالوا‫:‬‬‬‬
ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًۭا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًۭا صَـٰلِحِينَ ﴿9﴾
هذا القول الذي قالوه حين يعبّر القرآن، يعبّر بإيجاز، ولك أنت أن تقدّر المحذوف (ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ) ذاك هو ما جاء في القرآن، ذاك قول، من القائل؟ هل أجمعوا على ذلك، أم قال أحدهم ذلك؟ أوجز القرآن، وحذف ولك أنت أن تقدّر المحذوف، لا يمكن أن يكون القول من الجميع في وقت واحد، لابد أنه قد حدث تشاور، وتآمر، وتخطيط، فأجمعوا على القتل، أو أجمع بعضهم، أو قال قائل منهم (ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًۭا) والطرح‫: النبذ، والإلقاء (ٱطْرَحُوهُ أَرْضًۭا) أي أرض؟ هل كان في البحر؟ هل كان في الجو؟ أليس هو في أرض عند أبيه؟ ما معنى اطرحوه أرضا؟ لك أن تفهم أي اطرحوه أرضا بعيدة بعداً شاسعا عن أبيه حتى لا يجتمعا أبداً، إذاً فقد اختلفت آراؤهم (ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًۭا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) يخلص، ويصفو، ولا يشارككم في محبته أحد، خلا، يخلو، خلايا‫: فرغ لا يشارككم في محبته أحد حين يضيع منه يوسف، ذلك الأثير لديه سوف يتفرغ لكم بحبه، ورعايته، ألهذه الدرجة كان يعقوب حانياً على أولاده، تأمل ألهذه الدرجة كان حرص الأبناء على حب أبيهم لهم، الأنبياء ليسوا من الأغنياء، والأنبياء لا يورثون درهما، ولا ديناراً، وإنما الأنبياء يورثون العلم، ما الذي طمع فيه إخوة يوسف؟ لا يمكن أن يكون المال، ما الذي طمعوا فيه؟ الحب، إذا فقد كان حب يعقوب من الأمور التي يحرص عليها أولاده، تُرى كيف كان حنانه! كيف كان حبه حتى يصل الأمر بالإخوة أن يدبروا لقتل أخيهم! (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًۭا صَـٰلِحِينَ ﴿۹﴾) (مِنۢ بَعْدِهِۦ) من بعد الذنب يحدثون توبة فيتقبلها الله منهم، وهل تكون التوبة كذلك؟ هل يعزم الإنسان على المعصية، ويتعمد العصيان ناوياً أن يتوب، ومن أدراك أن يطيل الله في عمرك حتى تتوب، ومن أدراك أن الله يوفقك للتوبة، ومن أدراك أن هذا الأسلوب يكون مقبولا عند الله، تلك جرأة على الله، ذاك سوء أدب مع الله، أن تقول سوف أعصي، وأخالف أمرك، ثم أجيء فأستغفر (وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ) من بعد الذنب؟ محتمل، وهم في غفلة، وسوّل لهم الشيطان كبعض الناس في عصرنا هذا، حين يقول عندما أكبر، وأشيخ، أتوب، وأصلي، قد يكون المعنى كذلك أم المعنى (وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ) من بعد يوسف، من بعد قتله، من بعد التخلص منه يصلح أمركم مع أبيكم، وتصلح لكم الدنيا، ويصفو لكم وجه أبيكم‫.
قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ ﴿10﴾
ها هو رأي جديد، إذاً فقد حدث الاختلاف، إذاً فلم يكن الأمر بالقتل بالإجماع، ها هو أحدهم يقول، وقيل هو كبيرهم الذي قال بعد ذلك، وبعد زمن (فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ (٨٠)) [سورة يوسف آية‫:‬ ٨٠]. (قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ) القتل كبيرة، القتل فظيع (وَأَلْقُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ) (وألقوه في غيابات الجب) (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ ﴿١۰﴾) (تلتقطه) قراءات، الغيابة‫:‬ كل شيء غيّب عنك شيئا، أو أخفاه عنك فهو غيابة، الجُب‫:‬ البئر التي لم تُطوى، أي لم تبنى بالحجارة، مجرد الحفر، فإن بنيت بالحجارة فهي بئر، وسُميت جباً؛ لأنها قُطعت في الأرض من الجَبّ، وهو القطع (وَأَلْقُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ) وجمعوا بين الغيابة، وبين الجب أي ألقوه في قعره، في مكان مظلم منه، يغيّبه عن أعين الناظرين (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ) السيّارة‫:‬ جمع سيّار، والسيّار‫:‬ كثير السير في الأرض للسفر، فالسيارة‫:‬ الرُفقة المسافرون في الأرض، إذاً فقد فكّر في إبعاد يوسف عن أبيه في أرض بعيدة، تتطلب سفرا طويلا، وهم لا يقدرون على ذلك؛ لأن الأب لا يأمنهم عليه، فكيف يذهبوا به إلى أرض بعيدة؟ يلقوه في البئر فتأتي السيارة تأخذه وتسافر به حيث يريدون السفر، فيذهبون به إلى الأرض البعيدة، دون أن يتحملوا هم مشقة السفر، أو يغيبوا عن أبيهم فترة تقلقه، أو تحدث لديه الشك، ذاك كان التدبير، وتلك كانت المؤامرة التي انتهوا إليها (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ ﴿١۰﴾) أي إن كنتم مصرين على إبعاد يوسف عن أبيه، فهذا هو الحل، أو إن كنتم فاعلين بمشورتي، تسمعون رأي تأخذون بقولي، فافعلوا ذلك، واستقر الرأي على ذلك، وتمت المؤامرة، وذهبوا إلى أبيهم قالوا‫:
قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَـٰصِحُونَ ﴿11﴾
هذا الكلام معناه أنه لم يأمنهم عليه من قبل، لابد وأنهم أحسوا بذلك، أو طلبوا منه أن يخرج يوسف معهم ورفض، وكان محيطا به خائفا عليه، حتى يسألوه ذلك السؤال (مالك لا تأمنُنَا على يوسف) قراءة بإظهار النونين على الأصل (مالك لا تيمِنَّا - يئْمنّا) قراءة (مالك لا تأمنّا) بالإدغام فقط (مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا) بالإدغام مع الإشمام كما يقرأها عاصم، والإشمام معناه أن تظهر حركة النون الأصلية التي أدغمت؛ لأن أصلها تأمنُنَا التي أدغمت وكانت حركتها الضمة فالإشمام من أجل التدليل على أصل حركة النون المُدغمة أما قراءة (تيمنّا) فهي قراءة بني تميم، وأما قراءة (تأمنُنَا) فهي قراءة طلحة بن مصرِّف (مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَـٰصِحُونَ ﴿١١﴾) محبون محافظون عليه، خائفون عليه‫.‬‬‬‬
أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًۭا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ ﴿12﴾
‫(أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًۭا) من الغدوة في الصباح الباكر، ما بين الفجر وطلوع الشمس (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) الرتْع في الأصل يُستخدم للماشية، التوسع في الأكل إذا كان المرعى حسنا، كثير النبات، فالماشية ترتع‫:‬ أي تتوسع في الأكل، إذا استخدم للإنسان فمعناه التوسع فيما لذّ، وطاب، والتنعم بالأكل الكثير، (أرسله معناه غدا نرتع ونعلب) قراءة (أرسله معنا غدا نرتعي ونلعب) من الرعي (نرتعي ويلعب) ويلعب هو، ونرتعي من الرعاية (أرسله معنا غدا يُرتعْ ويلعبُ) يرتع ماشيته، يتعلم الرعي وهو صغير (ويلعبُ) بالرفع على الاستئناف (قراءات) (وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ ﴿١٢﴾) أكدوا الوعد بالحفظ بحرفي التأكيد (إن) (واللام) (وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ ﴿١٢﴾) والله يعلم إنهم لكاذبون، وهكذا يكاد المريب يقول خذوني، من أجل ذلك أوصانا النبي (صلى الله عليه وسلم) ألا نكثر من الحلف، وأوصانا ربنا (تبارك وتعالى) بذلك بقوله (وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةًۭ لِّأَيْمَـٰنِكُمْ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٢٤]. من أراد أن يصدِّق، فليصدِّق، ومن كذبك فلا جدوى من اليمين معه‫.‬‬‬‬‬‬
قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ ﴿13﴾
‫(ٱلذِّئْبُ)، (الذيب) (قراءتان) تُرى هل خاف على يوسف من الذئب فعلا؟ فهو أكثر ما يوجد في الصحراء، وأكثر ما يُخاف منه، أم لقنهم الحجة حين يعودون ماذا يقولون، فهل كان يلقنهم الحجة، أم خاف عليه من الذئب، أم خافهم هم عليه فكنّى عنهم بالذئاب، كأنه كان يعلم ما يدبرونه لأخيهم، فكنّى بذلك؟ لو خاف منهم ما أرسله معهم، هكذا قيل في بعض الآراء، وقيل بل لقنّهم الحجة، وقيل بل خاف عليه من الذئب فعلا (إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ) إذاً فقد كان يعقوب لا يستطيع يفارق ولده لحظة، أمن الحب؟ أم من الخوف؟ أم من أجل الحرص عليه؟ أم من أجل الحافظ على ميراث النبوة؟ وتأمل وانظر لهذا الذي لا يصبر على فراق ابنه لحظات، أو غدوة من النهار كيف ابتلاه ربنا (تبارك وتعالى) بفقده سنين، وسنين (وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ ﴿١۳﴾) منشغلون بالرتع، واللعب تلك كانت مقالة يعقوب، والله يعلم ماذا كان يقصد، وبأي شيء كان يشعر‫.
قَالُوا۟ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذًۭا لَّخَـٰسِرُونَ ﴿14﴾
إذا لم نستطع أن ندفع الذئب عن أخينا، فنحن عن دفع الذئب عن أغنامنا أعجز، نحن عصبة قوة، عشرة من الرجال الأشداء، إذا عجزنا عن دفع الذئب عن يوسف، فكيف ندفع الذئب عن أغنامنا، يُدعَى علينا بالخسار، ويُدعى علينا بالهلاك، نحن لا نستحق بعد ذلك أن نكون من الرجال، تأكيد، وادعاء للصدق، وتطمين الأب، وإغراء بإخراج يوسف يرتع، ويلعب، يحافظ بعضهم على بعض، يتعلم رعي الغنم، يأكل من الفواكه، يتلذذ بأطايب الطعام، وفواكه الصحراء، ويلعب، ويجري، فقرر الأب أن يرسله، والكلام فيه حذف‫.‬‬‬‬
فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿15﴾
كيف ذهبوا به، لابد أن يكون في الكلام حذف تقديره (فوافق فأرسله معهم، فلماذا ذهبوا به) (لمّا) لابد أن يكون لها جواب، لما جاءني أكرمته (فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ) بيوسف (وَأَجْمَعُوٓا۟) الإجماع‫:‬ العزم الأكيد على الفعل بأن عزموا عزماً أكيدا (أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ ۚ ) في قعر البئر، أين الإجابة؟ الإجابة مقدّرة ألقوه‫:‬ جعلوه فيها، فعلوا ما فعلوا، والقرآن فيه الكثير من الاختصار بالحذف، ثقة بفهم السامع، هناك رأي غريب يقول الإجابة (وَأَوْحَيْنَآ) كأنهم أرادوا، وأرد الله، أخافوه وطمأنه الله، تركوه وحيداً وآنسه الله، والواو ماذا يقال في الواو (وَأَوْحَيْنَآ) لم يقل (فلما ذهبوا به أوحينا) كان من الممكن أن تكون هي الإجابة لكنه قال (وَأَوْحَيْنَآ) قالوا‫:‬ الواو مقحمة، وتُقحم الواو مع حرفين (لمّا) و(حتى) وهناك أمثلة ذلك (فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ۙ ) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ٢٧] أي حتى إذا جاء أمرنا فار التنور، والواو مقحمة‫.‬‬
(فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ ﴿١۰۳﴾ وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ﴿١۰٤﴾ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿١٠٥﴾) [سورة الصافات آية‫:‬ ١٠٣ -‬ ١٠٥] الواو مقحمة، وكذلك في قوله (عز وجل): (حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٣] أي فتحت أبوابها إذا فالإجابة (أوحينا) والواو مقحمة، أو الإجابة مقدّرة (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا) هل نبّأه الله؟ هل صار نبياً؟ الوحي يحمل معانٍ كثيرة كقوله (عز وجل): (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى) [سورة النحل آية‫:‬ ٦٨] إلهام هل هو نوع من أنواع الإلهام، هل كان رؤيا رآها يوسف، أم نزل إليه جبريل واستنبأه الله، وهو غلام كما فعل مع عيسى، ويحيى؟ (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ) إما جبريل نزل لإيناسه، وتطمينه، وإما إلهاماً، وإما رؤيا منامية، والقول الأول وهو نزول جبريل هو الأرجح (إِلَيْهِ) إلى يوسف (لَتُنَبِّئَنَّهُم) الإخوة (بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا) ما فعلوه معك (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿١٥﴾) لا يشعرون أنك يوسف حيث تأتي القصة بعد ذلك، دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون، أو حين قال‫:‬ أعلمتم ما فعلتم بيوسف، أو وهم لا يشعرون بوحينا له‫.‬ لم يروا جبريل، نزل جبريل وأوحى إليه، ونبّأه، وأخبره، وطمأنه، وهم لا يشعرون بذلك، هناك رأي يقول (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ) إلى يعقوب كأن الله أوحى إلى يعقوب بما فعله الإخوة بيوسف، قيل‫:‬ إن يوسف مكث في البئر ثلاثة أيام، قيل‫:‬ إن الأخوة كانوا يرسلون أحدهم إليه بالطعام، وبعد ثلاث افتقدوه، أوثقوا يده وأخذوا قميصه حتى يلطخوه بالدم، غلام يأمن على نفسه مع إخواته، يخرج من بيته فرحا، مسرواً، منشرحا بالرتع، واللعب، خرج يرتع، خرج يلعب مع إخوته الكبار، آمنا من كل شيء لحفظهم له، مطمئنا لرعايتهم بفرح، وبسرور، وتخيل الغلام حين يرتدي أجمل ملابسه في الصباح، ويخرج للتنزه، كيف يكون فرحه؟ كيف يكون سروره، وفجأه يفاجأ بالغدر، وبالخيانة، وفجأة يجد أحب الناس إليه يوثقون يديه، ويخلعون عنه قميصه، ويدلُّوه في البئر، كيف يكون شعوره! تُرى كيف كان حاله في بئر مظلمة مهجورة! جٌبّ البئر يُبنى بالحجارة، ويعرف الناس مكانه، ويقيم الناس حوله، أما الجُب، فهو مجرد حفرة لاستخراج الماء، ثم يرحل، من حفرها دون أن يكلف نفسه بناءها، كيف كان شعوره؟ لذا قال العلماء‫:‬ نزل جبريل إليه فتلقاه واهتم يوسف، وحزن حزنا شديدا، وركبه الغمّ، مؤامرة من إخوته، البعد عن أبيه، الخوف من الظلام، الخوف من قعر البئر، الخوف من الماء، فقد تنزلق قدمه فيسقط في ماء البئر، ويغرق، الوحدة، الوحشة، الجوع، الخوف كل تلك المشاعر، فعلمه جبريل دعاءً يدعو به، وينشغل بالدعاء عن الهمّ، وعن الغمّ (اللهم يا مؤنس كل غريب، ويا صاحب كل وحيد، ويا ملجأ كل خائف، ويا كاشف كل كربة، ويا صانع كل مصنوع، ويا جابر كل كسير، ويا عالم كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، ويا حاضر كل ملأ، يا حي يا قيوم، اقذف رجاءك في قلبي، حتى لا أرجو أحداً سواك، وحتى لا يكون لي همّ، ولا شغل غيرك، أسألك أن تجعل لي من أمري فرجاً، ومخرجاً إنك على كل شيء قدير)، فدعا يوسف فقالت الملائكة‫:‬ إلهنا نسمع صوتا، ودعاءً، الصوت صوت صبي، والدعاء دعاء نبي، فكان المؤنس له هو الله، وكان الصاحب له هو الله، وكان الحافظ له هو الله، ولله في خلقه شئون، فقد تمت المؤامرة، ونفّذ إخوة يوسف ما اتفقوا عليه، وتركوا يوسف في غيابة الجب وعادوا، ماذا يقولون لأبيهم، أخذوا القميص وذبحوا شاة، ولطخوا القميص بدم الشاة، وبدؤوا يتباكون حتى تنهمر منهم الدموع، وانتظروا حتى خيّم الظلام حتى لا ينظر يعقوب في وجوههم، فيرى الكذب فيها، فالظلام ساتر فانتظروا حتى أرخى الليل سدوله‫.‬‬‬‬
وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءًۭ يَبْكُونَ ﴿16﴾ قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍۢ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ ﴿17﴾ وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍۢ كَذِبٍۢ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ﴿18﴾
‫(وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءًۭ يَبْكُونَ ﴿١٦﴾) عُشِيّاً: جمع أعشى الذي لا يستطيع أن يرى ليلا، أو محمرة عيناه من كثرة الدموع والبكاء (وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءًۭ يَبْكُونَ ﴿١٦﴾) وقت العشاء يتباكون، وهكذا ترى أن البكاء لا يدل على صدق مقالة القائل، فقد يكون متصنعا، ها هم جاءوا محمرة أعينهم، بكاؤهم يُسمع من بعيد، حتى أن يعقوب حين سمع البكاء خرج يجري ماذا حدث؟ هل حدث شيء للغنم؟ ما لكم تبكون؟ إذاً فهناك حذف يُقدّر بأنه خرج إليهم، وسأل ما الذي يبكيكم أين يوسف (قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ ) الحجة التي لقّنهم إياها التسابق بالرمي، أو التسابق بالخيل، أو التسابق على الأقدام، وهو جائز شرعا ويقوِّي الرجال، وسابق النبي (صلى الله عليه وسلم) بأقدامه، وسابق بخيله، وكانت له ناقة تسمى (العضباء) لا تُسبق وحين سبقها أعرابي بقَّعود له، وحزن الأصحاب هدّأهم النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال (إِنَّهُ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يَرْتَفِعَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ إِلا وَضَعَهُ) وسابق عائشة فسبقها، وحين كبر سابقها فسبقته، فقال لها‫:‬ (هَذِهِ بِتِلْكَ).‬
‫(قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا) عند ملابسهم، وطعامهم وما إلى ذلك (فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ ) فأكله (الذيب) قراءة (وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍۢ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ ﴿١۷﴾) وكأن المريب يكاد يقول خذوني هاهم يقولون (وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍۢ لَّنَا) أي ما أنت بمصدق لنا حتى ولو كنا صادقين، لن تصدقنا حتى ولو كنا نقول الصدق لشدة محبتك ليوسف، ولشدة خوفك عليه، ولشدة تفضيلك له علينا، وأرادوا أن يؤكدوا كلامهم بالدليل، فأخرجوا له القميص قد لُطخ بالدماء (وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍۢ كَذِبٍۢ ۚ ) أي مكذوب فيه، إذ الدم لا يوصف بالكذب، بل جاء بالمصدر للمبالغة، كأن الدم هو الكذب بعينه، فرية وما أشدها فِرية (وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍۢ كَذِبٍۢ ۚ ) منصوبة على الحال من الواو (وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍۢ كَذِبٍۢ ۚ ) بالدال أي بالدم طرى متغير (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ﴿١۸﴾) عرف كذبهم، وتيقن من كذبهم، كيف عرف؟ أخذ يعقوب القميص يتشممه، ولطخ وجهه بدماء القميص، ونظر في القميص فرأى القميص سليما، فقال متى كان الذئب حليما حكيما حتى يغتصب، ويأكل ابني، ويدع قميصه، لو أكله الذئب لخرق القميص، ما أحكم هذا الذئب! وما أحلمه! كيف يأكل يوسف ويترك قميصه سليما؟! سوّلت لكم أنفسكم أمرا، من التسويل، زينت، وسهلت، تسويل النفس‫:‬ تزيينها لما تحرص عليه، وتطلبه، إذا حرصت النفس على الحصول على شيء طلبت شيئا، واشتد الطلب، واشتد الحرص والرغبة تزيّن لصاحبها، وتسهّل له الحصول، وغالبا ما يكون ذلك في الشر، والمعصية، والنفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، أو من السَوْل وهو الاسترخاء، وتؤدي إلى نفس المعنى؛ لأن الاسترخاء معناه عدم المبالاة، والراحة وما إلى ذلك (فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ ۖ ) أي فصبري صبر جميل، أو فصبر جميل أوْلى بي، والصبر الجميل كما علمنا من سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو الصبر الذي لا شكوى معه لمخلوق، قد يحزن المرء ويأسف، ويغتمّ، ويهتم، ويكرب، ولا يشكو إلا لله، ذاك هو الصبر الجميل الصبر الجميل ليس معناه أنك لا تحزن، فقد حزن نبينا (صلى الله عليه وسلم) بفقد خديجة، وحزن على فقد عمه، وحزن على فقد ابنه وهكذا، وفاضت عيناه بالدموع، لكنه لم يشكوا الله لأحد من خلقه (فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ﴿١۸﴾) العوْن من الله، أن أحتمل الصدمة (وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ﴿١۸﴾) على ما تدّعون من أكل الذئب ليوسف، المستعان على حرماني من يوسف، المستعان على الصبر، كيف تحمل الإخوة ذاك الفعل؟ بعض الناس يزعمون أن أبناء يعقوب كانوا أنبياء، ويستحيل أن يكون ذاك الرأي صحيحا، فالأنبياء معصومون من الصغائر، محفوظون من الكبائر، هؤلاء ارتكبوا من المعاصي الحسد، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، الحسد كبيرة، وها هم يشرعون في القتل، وما أدراك ما القتل (ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ) بل يفعلون إرهاب الصبي الصغير، وإخافته، وتعريضه للضياع، والإفساد في الأرض، عصيان الأب، الحلف كذبا، الإدعاء، كبائر مصائب، يستحيل أن يفعلها نبي، من هنا قالوا‫:‬ إن كان الله قد استنبأهم فلا بد وأن يكون ذلك بعد توبتهم، وعفو يوسف عنهم، وقال البعض‫:‬ بل الأسباط هم الأحفاد، وليسوا هؤلاء، من ضمن ما أخذه العلماء من هذه الآية إعمال الأمارات في الأحكام، كيف عرف يعقوب أنهم كذبوا؟ بالأمارة، بالدليل، بسلامة القميص، إذا فللقاضي أن يأخذ بالدلالات، وبالأمارات، ويحكم على أساس ذلك، من ضمن حكايات الشيوخ عن الصبر الجميل حكاية واسمع حتى تتيقّن، وتعلم، وتعرف ما هو الصبر الجميل، في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان من أصحابه رجلا فقيراً يأتي ويواظب على الصلوات الخمس في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم ينصرف سريعا ولا يمكث لسماع حديث النبي مثلاً، أو التناجي مع أخوانه، أو لقراءة القرآن، وإنما يأتي مسرعا إلى الصلاة، ثم ينصرف مسرعا بعد السلام، فتعجب الأصحاب، وتعجب النبي (صلى الله عليه وسلم) أو أخبروه بأمر الصحابي فأرسل يستدعيه، وسأله لم تُسرع بالانصراف بعد الصلاة مباشرة؟ قال يا رسول الله إني رجل متزوج ولا أملك سوى هذا الثوب، فأجيئ أحضر الصلاة معك، ثم أعود سريعا إلى بيتي فأخلع ثوبي الوحيد، وأعطيه لامرأتي فهي لا تملك ثوباً، فتلبس ثوبي وتأتي لتحضر الصلاة معك، فنفوز نحن الاثنان بالصلاة خلفك، فرقّ النبي (صلى الله عليه وسلم) وخلع رداءه، وأعطاه له، فرح الرجل فرحاً شديداً، رداء النبي سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) من يفوز به فقد فاز بالدنيا والآخرة، عاد الرجل سريعا فرحا مسروا، ينادي على امراته من قبل أن يدخل عليها أبشري، أبشري كساني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثوبا فسألته المرأة، ولِمَ ذلك؟ وكيف ذاك؟ فقال سألني فقصصت عليه، وإذا بالمرأة تنتفض غاضبة، وتقول ويحك يا رجل أتشتكي الله لرسول الله، ذاك هو الصبر الجميل، فقد لبث يوسف في غيابة الجب ساعات، أو أيام، قيل‫:‬ لبث في غيابة الجب ثلاثة أيام، وكان أحد إخوته يأتيه بالطعام، ويتعسس خبره غلام عاري الصدر، والظهر، في ظلمات البئر، بلا أنيس، بلا طعام، بلا نور، أو ضياء، وحدة، وحشة، غربة، خوف، هلع، اندهاش لم فعل إخوته به ذلك! أم كان مؤتنساً بالله؟ أم كان مطمئنا لوعد الله، واثقا بالله؟ وهل كان إلقاؤه في البئر بسبب ذنب، أو جريرة، أم كان لطفا من صاحب اللطف الخفي، ويحكي ربنا (تبارك وتعالى) كيف أخرجه من البئر، وكيف أنفذ أمره وأنفذ قضاءه فيقول، عز من قائل‫:‬‬‬‬
وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌۭ فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ ۖ قَالَ يَـٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلَـٰمٌۭ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿19﴾ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍۢ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍۢ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ﴿20﴾
السيارة‫: القوم يسيرون في الأرض للسفر، جمع سيّار، وهو كثير السير في الأرض للسفر (وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌۭ فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ) الوارد‫: هو الذي يسبق القوم إلى الماء ليستقي لهم، والوارد يطلق على الواحد، ويطلق على الجميع، فهو مفرد وجمع (فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ ۖ ) الدلو يذكّر، ويؤنث، وهو الوعاء، أو الإناء الذي يُملأ بالماء، أدلى يُدلي‫: أنزل، وأرسل إناءه للمِلْء، فإذا امتلأت، وأراد إخراجها قيل‫: دلَا يدْلْو، الدَلْو والدِلِيّْ والدُلِيّْ، والدِلاَْء جمع (فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ ۖ قَالَ يَـٰبُشْرَىٰ) الكلام فيه اختصار ثقة بفهم السامع، أدلى دلوه، فملأها فرآها يوسف فتعلق بالحبل، فرآه الوارد، فلم ير أجمل، وأحسن من هذا، رأى وجها كالبدر، فنادى مبشرا لمن معه (يَـٰبُشْرَىٰ) وكأنه ينادي على البشارة، أي يا بشرى هذا أوانك، فهلمّ واحضري، والنداء على البشارة يدل على السرور، والفرح، ويدل أيضا على إرادة الإخبار لمن معه أن هناك بشارة، وقيل‫: (بشرى) اسم لرجل كان معه، ناداه ليعينه في استخراج الدلو الذي تعلّق به يوسف، (قال يا بَشرَى)، (قال يا بشراىْ)، (قال يا بشرَاىَ) أربع قراءات تؤدي إلى نفس المعنى (قَالَ يَـٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلَـٰمٌۭ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةًۭ ۚ ) الإسرار ضد الإعلان، الإسرار‫: الإخفاء، والإعلان‫: الإظهار (أسروه) الضمير عائد على الوارد، ومن معه، أو الضمير عائد على أخوة يوسف، أو الضمير عائد على القافلة بجميعها، الوارد حين التقط يوسف هو ومن معه أخفوا أمره عن بقية القافلة، فيها أناس، وفيها تجار، وفيها مسافرون، وهكذا وهم بعيد، هو سبق إلى الماء ليستقي لهم، فحين رأي يوسف أخفاه عن بقية القافلة، والبضاعة الجزء المتقطع من المال للتجارة من البضْع، وهو القطع، فإذا اقتطعت مالاً من مالك للتجارة، فقد بضعت المال، وقيل‫: بل هم إخوة يوسف حين جاءوا يتعسسوا أخباره في اليوم الثالث لم يجدوه، ووجدوا آثار القافلة، فلحقوا بها، وقالوا‫: هذا عبد آبق، فخاف يوسف أن يتكلم كي لا يقتلوه فسكت، وأراد إخوة يوسف أن يبيعوه للقافلة إخوة يوسف، أو القافلة بأسرها (وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿١۹﴾) لا يخفى عليه شيء، يعلم السر وأخفى، مراقب، يرى، ويسمع (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍۢ ) شرى‫: اشترى، شرى‫: باع، في اللغة شرى الشيء‫: ابتاعه، شرى الشيء‫: باعه، إخوة يوسف باعوه للوارد أو القافلة (بِثَمَنٍۭ بَخْسٍۢ ) مصدر يعبر عنه عن الاسم، أي مبخوس، نقص، منقوص، زيف، حرام، ظلم، إخوة يوسف باعوه بثمن بخس، أي الثمن كان ظلما، إذ يحرم بيع الحر، فالمال الذي قبضوه حرام، فقال أي حرام، أم بثمن منقوص؛ لأن إخوة يوسف لم يكن من أهدافهم الحصول على المال، كان هدفهم الأوحد أن يخلو لهم ويصفو لهم وجه أبيهم، ففرطوا فيه، وأرادوا أن تحمله القافلة بعيدا عن أرض أبيه، أو أن القافلة اشتروه بثمن بخس منقوص؛ لأنهم حين علموا أنه عبد آبق إذاً فقد لا يستمر معهم، أو قد لا يحتفظون به، كما أنهم لم يدفعوا فيه شيئا، التقطوه، والملتقط للشيء متهاون فيه، يريد أن يبيعه بسرعة فاشتروه بثمن منقوص، أو شروه أي باعوه، باعت القافلة يوسف بعد ذلك، ولم يكن لإخوة يوسف ذِكر، لم يرهم، ولم تحدث المقابلة، إنما باعه الوارد بثمن منقوص؛ لأنه متهاون فيه، يحاول التخلص منه بسرعة (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍۢ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍۢ) الدراهم توزن لا تُعد، وحين يقول دراهم معدودة، كأنها دراهم قليلة لم تبلغ مبلغ الوزن، فهي بالعد (دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍۢ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ﴿٢۰﴾) (وَكَانُوا۟) إخوته (فِيهِ) في يوسف (مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ﴿٢۰﴾) يريدون أن يتخلصوا منه ليخلو لهم وجه أبيهم، أو الذين باعوه من القافلة كانوا فيه من الزاهدين حتى يتخلصوا منه بسرعة، لم يعلموا قيمة يوسف عند ربه، تلك أقوال العلماء، انحصرت في هذا، حتى أنهم قالوا‫: إن الدراهم كانت عشرون درهما، أخذ كل أخ درهمين، وقد يرى المتأمل أن يوسف لو بيع بما في الأرض جميعا لكان الثمن بخسا، وما من شيء في هذه الدنيا مهما بلغ، ومهما كثر إلا وهو معدود ماعدا النعمة (وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ ) [سورة إبراهيم آية‫: ٣٤] وما سوى ذلك فهو معدود، مهما كان، هل يقوّم يوسف الصديق بمال، بالدنيا وما فيها؟ لا والله، وكانوا فيه من الزاهدين؛ لأنهم لم يعلموا قدره عند الله‫.
وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿21﴾
‫(وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ) (مصر) البلد المعروف، مصرنا، بلدنا، وطننا حماها الله ورعاها (أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ) ثوي بالمكان أقام به، أكرمي مثواه، أحسني مقامه عندنا في المطعم، والملبس، أحسني تعهده، فقد كان غلاما صغير، فها هو يوصيها به، هل وقعت محبته في قلبه؟ لا شك، الذي اشتراه من مصر قيل‫: هو ملك مصر، ولقبه العزيز، وقيل‫: بل هو وزيره الأول خازن ملكه، القائم على الخزائن (أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ ) عسى أن ينفعنا في كبرنا، فيعاوننا على حفظ ضياعنا وأموالنا (أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ ) أو نتبناه، إذاً فلم يكن له ولد، كان محروما من الولد، محروما من الإنجاب، فأراد أن يتبناه، وقيل‫: أفرس الناس ثلاثة‫: هذا العزيز الذي رأي في يوسف ما لم يره غيره إذ قال (عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ ) وابنة شعيب إذ قالت (قَالَتْ إِحْدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسْتَـْٔجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ (٢٦)) [سورة القصص آية‫: ٢٦]، (وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ) أي وكما أنجيناه من البئر، ونجيناه من إخوته، وعطّفنا عليه قلب العزيز، جعلناه في هذه الأرض عزيزاً، آمنا، أو مكنّاه في الأرض يحكم بين الناس بأمر الملك، أو جعلناه متمكنا من الإقامة في أمن وأمان (مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ ) التأويل‫: التفسير، وقلنا إن التأويل معناه أن تفهم، وتعرف نتائج الأمور، وما يؤول إليه الأمر، آل‫: صار، تأويل الأحاديث‫: الفهم فيما نوحيه إليك، الفهم في كتب الله وآياته، أوامره، وأحكامه، أو تأويل الأحاديث‫: تفسير الأحكام، الرؤى (وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٢١﴾) الضمير عائد على الذات العليّة، والله غالب على أمر نفسه، لا يشاركه فيه أحد، ولا يعوق قضاءه أحد، بل إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، فهو الغالب على أمر نفسه أو (وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ) على أمر يوسف، أراد الإخوة وأراد الله، فكان ما أراده الله، فالله غالب على أمر يوسف، يصرّف، ويدبر ويقضي، ويحكم بما يشاء (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٢١﴾) لا يعلمون أن الله هو الفعال على الحقيقة، إلقاء يوسف في البئر أكان بإرادة الله أم لا؟ خروج يوسف من البئر كان بإرادة الله، بيعه بإرادة الله، شراؤه بمعرفة عزيز مصر بأمر الله، وهكذا لكن أكثر الناس لا يعلمون أن الله هو الفعال على الحقيقة (وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)) [سورة الصافات آية‫: ٩٦].
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿22﴾
‫(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ) الأشد‫:‬ جمع شِدة، والشِدة‫:‬ القوة، والارتفاع، اشتد النهار، ارتفع، أو جمع شَدْ، شَدّ، وأشُدّ، وقيل‫:‬ بل أشُد جمع لا واحد له من لفظه، لا مفرد له، والأشد هو بلوغ الجسم منتهى القوة، وبلوغ العقل منتهى الكمال، وقيل الأشُد‫:‬ الحُلُم، أو مبدأ الحُلُم كما جاءت في شأن اليتيم في القرآن (حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۖ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٥٢].‬
‫(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ) يوسف (ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ ) الحكم بين الناس، والعلم بتأويل الأحاديث، الحكم‫:‬ الحكمة، وهو العمل المؤيد بالعلم، والحكمة‫:‬ إتقان القول والفعل، الحكم‫:‬ النبوة إذا لم يكن قد أخذها في البئر (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا) إن كان إلهاما، فالنبوة هنا وإن كانت نبوة فهو زيادة في العطاء (حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ ) بالكتاب، علما بآيات الله، علما بأوامر الله ونواهيه، علما بأحكام الله، علما بتأويل الأحاديث (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿٢٢﴾) الآية تدل على أن يوسف كان محسنا، وانتبه لهذه الآية؛ لأننا سوف نحتاج إليها فيما بعد، لنرد على من نسب ليوسف ما لا يُنسب للصالحين، فما بالك بالمخلَصين، وبدأت المحنة الرابعة، محنة حسد إخوته، محنة إلقائه في البئر، محنة بيعه، بدأت المحنة الرابعة، الفتنة التي لا قبل لأحد بأن يتحملها أو ينجو منها إلا من رحمه الله، وعصمه‫.‬‬‬‬
وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿23﴾
المراودة‫: صيغة مفاعلة، فإن كانت على بابها فهي للطلب، وهو للإباء خوفا من الله، والأغلب أنها ليست على بابها، وإنما هي من جانب واحد من جانبها كقولك‫: (مماطلة المدين) هو الذي يماطل (مداواة المريض)، والمداوي واحد ليست مفاعلة، والمراودة إما من راد يرود‫: ذهب، وجاء لطلب الشيء، فهو رائد، وتطلق على طالب الكلأ لأنعامه، أو من الرويد وهو التمهل، والرفق، واللين، يمشي رويداً أي برفق ولين، (راودته) إذا فيها مخادعة؛ لأن الفعل عُدّى ب(عن) (عَن نَّفْسِهِۦ) إذاً ففيها الحيلة، فيها الاحتيال، طلبته لنفسها برفق، بلين، باحتيال، ولك أن تتخيل كيف تم ذلك، تزينت، وتعطرت و‫..و‫.. وما إلى ذلك، وهو شاب في عنفوان شبابه، أعزب، طلبته بكل أسباب الحيلة، والمكر، والخداع، والاحتيال، والرفق، واللين، واللطف وما إلى ذلك (وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ ) (هيْتُ لك)، (هيْتِ لك)، (هِيِتَ لك)، (هِتُ لك)، (هِئتُ لك)، (هِئْتَ لك) سبع قراءات هاء، يهيئ‫: حسنت هيئته، أو (هَيْتَ) اسم فعل بمعنى هلمّ، تعال، أقبل، الكلمة حث وحض على فعل الشيء، والإقبال عليه، واللام في (لَكَ ۚ ) لتبيين المخاطب، أي أعنيك إياك أنت المخاطب، أو هاء يهيئ إذاً (هِئتُ لك) تهيأت أنا لك، وتزينت أنا لك، (هِيِتَ لك) أي حسنت هيئتك، ما أجملك، ما أحلى منظرك، وهكذا القراءات تعني الحث، الحض على الفعل، أو تعني أنها تهيأت له، وتزينت خصيصا من أجله، أو تراوده بالمديح، والثناء، ما أبهاك! وما أجملك! (وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ ) هي أحسن القراءات التي هي موجودة في المصحف (قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ ) معاذ الله، أي أعوذ بالله معاذاً التجئ إلى الله، وأتحصن به، وأعوذ به، وأستعصم به، وأحتمي به من أن أقع في هذا (إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ ) إنه الله ربي عطّف على قلب العزيز، ومكنني في الأرض، وعلمني من تأويل الأحاديث، وأنجاني من إخواتي، ومن البئر، كيف أعصيه، وكيف أرتكب ما حرمه الله، معاذ الله، إن الله ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون، الذين يظلمون أنفسهم بمقابلة الإحسان بالإساءة، أو قال معاذ الله إنه الزوج ربي، رباني، وعطف علي، وأكرمني، وقال لك‫: أكرمي مثواه، فألبسني، وأطعمني، وهيأني، وفعل، وفعل فكيف أقابل إحسانه بالإساءة (إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿٢۳﴾) وانتبه، وهذه هي الثانية، تلك كانت مقالة يوسف، وانتبهنا لقوله (عز وجل) عن يوسف‫: (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿٢٢﴾) وانتبه‫.
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿24﴾
وانتبه أيضا (إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿٢٤﴾) (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا) حفلت كتب التفاسير للأسف الشديد بأمور لا يقبلها عقل، ولا يقنع بها متأمل، أو عالم بأبسط قواعد اللغة، أو بالخطاب القرآني، حفلت بالإسرائيليات، ونسبت إلى يوسف الصديق ما لو نسب إلى أحد من الناس لعُد من الفساق، وها نحن نبين لك، الهمّ: المقاربة من الفعل بغير دخول فيه، والهمّ همّان‫:‬ همّ بمعنى العزم، والتصميم، وهو همّ اختياري، همّ ثابت مقاربة من الفعل من غير دخول، لكن العزم والتصميم على الإتيان بالفعل موجود ثابت في الصدر، وهمّ آخر وهو الخاطر الذي يخطر على النفس دون ثبات، ودون استقرار في الصدر، فهو همّ عارض، فالهمّ همّان، همّ ثابت، وهمّ عارض، والهمّ الثابت كقوله (عز وجل) في موضع آخر‫:‬ (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍۭ بِرَسُولِهِمْ) [سورة غافر آية‫:‬ ٥] ذاك هم ثابت، والهمّ العارض ( وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً) ذاك همّ عارض، أما الهمّ الثابت فقد لام الله عليه الأمم المكذبة، ذاك إثم، أما من همّ بسيئة فلم يفعلها إذاً فهي حسنة، الخاطر الطبيعة الجبّلة، ما تهواه النفس ما يخطر على البال، ما قال فيه نبينا (صلى الله عليه وسلم) ( إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تُكَلِّمْ بِهِ) همّ ثابت، وهمّ عارض، هي همّت به الهمّ الثابت، عزم وتصميم، وهو همّه كان عارضا، الطبيعة البشرية بمعنى‫:‬ ألم تكن صائما يوما في شدة الحر، فرأيت الماء البارد، فاشتاقت نفسك إليه، وامتنعت، منعك دينك، وخوفك من الله، ذاك هو الهمّ العارض، الطبيعة البشرية شاب رأى امرأة في هذا الحسن، والجمال، متهيأة، متزينة، فخطر خاطر بنفسه، مجرد خاطر، لا يقع تحت التكليف؛ لأن الخواطر لا تقع تحت التكليف، ولا يحاسب عليها العبد مطلقا، فالهمّ الثابت يرضى عنه صاحبه، يرضاه، يعزم، يقصد، أما الهمّ العارض لا ترضيه يأتيك الخاطر (إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (٢٠١)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٢٠١] هم المتقون، ومع ذلك هل نجا أحد منهم من مس الشيطان، أو مس الطائف الخاطر، هذا الخاطر جاء لأنه الطبيعة البشرية كمن رأى الماء البارد في يوم شديد الحر وهو صائم، وامتنع لدينه كذلك يوسف، ذاك رأي إن كان ولابد أن نقول وهمّ بها لولا أن رأي برهان ربه، والشرط لا يصح أن يتقدم كما قال أهل اللغة، والرأي الآخر‫:‬ والقراءة فيه (ولقد همت به)، وانتهى وقف (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ ۚ ) فالكلام فيه تقديم وتأخير والمعنى (ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها) كقولك (هلكت لولا أن الله حماك) وحتى على حسب اللغة لها تخريج (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ ۚ ) الشرط (لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ ۚ ) جوابه محذوف؛ لأن الجواب لابد وأن يأتي بعده دلّ عليه ما قبله (وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه لكان ما كان) لجرى على مقتضى الطبيعة البشرية، ما هو برهان ربه؟ لم يذكره القرآن، وذكرت كتب التفاسير أمورا كثيرة نحن في حِل من أن نذكرها، كما ذكرت أمورا كثيرة نسبتها ليوسف لا تصح، ولا تليق، هذيان، وتخريف لا أصل له، رأى صورة يعقوب، رأى جبريل وناداه أنت من الأنبياء، وتفعل فعل السفهاء، كلام لا أصل له، ما هو البرهان؟ الله أعلم (كَذَٰلِكَ) البراهين كذلك، أو فعلنا كذلك، أو لطفنا كذلك، أو إرادتنا كذلك (كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ ) وانتبه مرة أخرى، لو كان يوسف قد همّ فرضا؛ لكانت اللغة غير ذلك، واستمع وانتبه للفارق (كذلك لنصرفه عن السوء، والفحشاء) الصرف، صرف لشيء خارجي، لا علاقة ليوسف به، لنصرف عنه السوء، فالسوء وارد من الخارج، ولم يقل (لنصرفه)، ولو كان هناك همّ لقال (لنصرفه) هو يوسف عن السوء الذي كاد أن يرتكبه، لغة واضحة وضوح الشمس (كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ) عن يوسف (ٱلسُّوٓءَ) جاءه السوء من الخارج ليس منه، فصرفه الله عنه (وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ ) الفحشاء‫:‬ الزنا الفحشاء‫:‬ ما تناهى قبحه من المعاصي، واسمع لنهاية الكلام (إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿٢٤﴾) الذين أخلصوا طاعتهم لله، وأخلصوا عبادتهم لله، وأخلصوا دينهم لله، إنه من عبادنا المخلَصين، الذين اصفيناهم لرسالتنا، ولوحينا، اصطفيناهم، واجتبيناهم، ويوسف كان مخلِصا، وكان مخلَصا‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، الأنبياء عصمتهم متحققة، والأنبياء معصومون من الكبائر، ومعصومون من الصغائر، لكنهم بشر يجري عليهم ما يجري على البشر من الطبائع، فيمرض، يُغمى عليه، يجوع، يعطش، ينام، يصحو وهكذا، الطبيعة البشرية فقط، لكنهم معصومون من الصِغر، بل من قبل أن يولد النبي من الأنبياء فهو في الديوان معصوم بعصمة الله له، فها نحن نرى كيف برأت الآيات يوسف، وما قلناه جزء من كل؛ إذ تأتي بعد ذلك آيات أخرى تؤكد البراءة، والعفة، والطهارة، كقوله مثلا‫:‬ (قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ ) [سورة يوسف آية‫:‬ ٣٣] كقوله مثلا‫:‬ (ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ ) [سورة يوسف آية‫:‬ ٥٠] كشهادة امرأة العزيز علنا حيث قالت‫:‬ (أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ (٥١)) [سورة يوسف آية‫:‬ ٥١]، لم تقل حاول، ثم تراجع (فَٱسْتَعْصَمَ ۖ ) وغيرها، وغيرها حين تأتي إليها نتكلم‫.‬‬‬‬
وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍۢ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿25﴾ قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍۢ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ﴿26﴾ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿27﴾ فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌۭ ﴿28﴾
‫(وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ) هو للهرب، وهي للطلب، الإعجاز المتناهي في الاختصار والاستباق‫: إرادة السبْق إلى شيء، استبقا جرى منها، وانتبه لهذا كيف يكون منه الهمّ، ثم ينصرف! كيف يجلس منها مجلس الرجل من امراته كما قيل في بعض الكتب تلك السفاهات، تُرى الهمّ همّان كما قلنا، أو لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها كما همّت به، ألا يمكن أن يكون المعنى وهمّت به طلبا له، وهمّ بدفعها عنه، فحين همّ بدفعها عنه، رأى برهان ربه فامتنع لأنه لو ضربها أو دفعها لتمسكت به، ولمزقت ثيابه من الأمام، ولأصبح الدليل ضده، فرأى برهان ربه، وعلم أنه لو دفعها عنه لاتهم، وللبسته التهمة، إذ إن البراءة آتية في القميص (وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍۢ ) القد‫: الخرْق، والتمزيق، والقطع، ويُستعمل فيما كان طولاً، إذاً فقد مزقت القميص طولا، أخذته من جيبه من عند العنق، وشدت فانخرق القميص طولا، القَطّ: القطع بالعرض (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ ) على غير موعد فجأة جاء في موعد لا يأتي فيه عادة، هي حين راودته عن نفسه، وغلّقت الأبواب، غلّق بالتشديد غير أغلق، غلّق للتكثير، قيل‫: كانت سبعة أبواب، وغلّق أيضا المشددة للتوثيق، والاستيثاق، كأنها أحكمت الغلق بالريتاج، فحين غلّقت الأبواب، فإذا قد كانت أبوابا كثيرة، أو غلّقتها مُحكمة في غلقها؛ لذا قال غلّقت، ولم يقل أغلقت، حين غلّقت الأبواب، واستبقا الباب، هل هو أول باب، أم آخر باب؟ إن كانت أبواب كثيرة فلابد أن يوسف عانى الكثير حتى يفتح هذه الأبواب، ويصل إلى الباب الخارجي الذي بمجرد ما وصل إليه وجد الزوج (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا) (السيد) تُطلق على الزوج، وتطلق على رب البيت، وتُطلق على الملك وهكذا، وتطلق على ذي المقام، ألفاه‫: صادفه ووجده (قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿٢٥﴾) (مَا) استفهامية، أي أيّ شيء يجازي به؟ أو (مَا) نافية أي ليس له جزاء إلا السجن، أو الضرب المبرّح، التعذيب هل كانت تحبه؟ لا يمكن، ويستحيل؛ إذ المحب يُؤثر محبوبه على نفسه، إذاً فلم تكن محبة، بل كانت مشتهية له، شيطانها وسوس لها، لم ينطق يوسف، ولم يتكلم، هي التي قالت، حين اتهمته ظلما اضطر أن يبرئ نفسه (قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ ) ولم يبدأ بالكلام، ولو سكتت لسكت، لكنها نطقت، وطالما اتهمته تريد الانتقام منه، تريد تغيير قلب العزيز، تريد سجنه، أو تعذيبه، إذاً فلم تكن محبة له على الإطلاق (قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ ) كلمتان لتبرأة نفسه (وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنْ أَهْلِهَآ) وفي هذا الشاهد كلام كثير‫: صبي، طفل في المهد أنطقه الله، قريب لها ابن عم لها، أو ابن خال كان مع العزيز حين جاء إلى الباب، عاقل، رشيد، وهو قد حكم، ولم يشهد، فسُميت (شهادة) لم تكن شهادة؛ لأنه لم يشهد شيئا، وإنما هو حكم عُبِّر عنه بالشهادة؛ لأنه أدّى مؤداها، أرجح الأقوال، وأقربها للمنطق أنه كان عاقلا، رشيداً؛ لأنه لو كان صبيا قد تكلم في المهد لم يكن هناك داعي للاستدلال، مجرد كلام صبي في المهد كافي لبراءة يوسف، لكن الاستدلال الذي حدث قميص، وقميص، ودُبُر، وقُبُل يدل على أن المتكلم محتاج إلى الاستدلال، يحتاج إلى الدليل في حكمه، إذاً فهو من العقلاء (أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍۢ) قُدَّ من قُبْلِ، قُدَّ من قَبْلُ، قُدَّ من قُبُلَ قراءات، وقراءة من قبلُ كقولك من قبل ومن بعد لأنها مقطوع عن الإضافة كأنها من قبله ومن دبره فلما حذف المضاف إليه قام المضاف مقامه فبني على الفتح كقول الله (لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ ۚ ) [سورة الروم آية‫: ٤]، وأما قراءة من قبلَ باعتبار الجهة فممنوع عن الصرف، (أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍۢ ) قُطع، ومُزِّق من قبل، إذا فهو المهاجم، وهي المدافعة عن نفسها (فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ﴿٢٦﴾) (وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ ) من الخلف، فهو الهارب، وهي الطالبة، أتت به من ظهره، من هنا (وَهَمَّ بِهَا) لدفعها، فلما رآى برهان ربه علم أنه لو دفعها لمزقت قميصه من الأمام، ولأصبح الدليل ضده، فهرب منها (وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿٢۷﴾) (فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ ) (قَالَ) العزيز (إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ ) الحيلة والاحتيال، والمكر، والخديعة، وكل ما اتهمت به يوسف كذب (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌۭ ﴿٢۸﴾) وكيد المرأة أقوى من كيد الشيطان؛ لأن الله يقول (إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)) [سورة النساء آية‫: ٧٦] لأنها ضعيفة، وتُرى، ويعطف عليها الإنسان، وتستخدم دموعها وما إلى ذلك (إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ ) وجمع أي ذاك من شأن النساء، إما الشاهد القائل، وإما العزيز‫.
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ۚ وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ ﴿29﴾
‫(يُوسُفُ) أين حرف النداء؟ محذوف؛ لأن يوسف كان قريبا منه، فلا ينادي عليه، يوسف إلى جواره متفطن لحديثه (أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ۚ ) اكتم الخبر، وإياك أن تتكلم، وإياك أن تحكي ما حدث لمخلوق، ثم توجه لها بالخطاب (وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ ﴿٢۹﴾) من الخاطئين، مذكّر أي من القوم الخاطئين كقول الله (وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَـٰنِتِينَ (١٢)) [سورة التحريم آية‫: ١٢] وكقول الله (إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍۢ كَـٰفِرِينَ (٤٣)) [سورة النمل آية‫: ٤٣] الخاطئ‫: الذي يخطئ متعمدا، أخطأ‫: بغير عمد، خطِئ‫: متعمدا للخطأ، فهو خاطيء، وما ارتكبه خطيئة؛ لذا تنبه العزيز إن كان هو القائل، أو الشاهد إلى أنها كانت متعمدة (وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ ) أي استسمحي زوجك (إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ ﴿٢۹﴾) من القوم الذين تعمدوا الخطأ، وهنا أيضا تكلم الكثير من المفسرين عن العزيز، كان كذا، وكان كذا، عذرها لحسن يوسف، لم يكن يغار وذاك طبيعة الكثيرين من المترفين، حتى تجرأ أحد المفسرين وقال وعدم الغيرة في كثير من أهل مصر، وغفل عن أن العزيز لو كان غيوراً، وتصرف بحكم غيرته لقتل يوسف، حتى لا يتكلم، ولقتل المرأة ولانتشر الخبر، لكنّ لطف الله نزع من قلبه الغيرة حتى ينجوا من العذاب، أو من القتل، وحتى يتم الله أمره (وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ) ومازلنا مع قصة الصدِّيق الذي نأى بنفسه عن المعصية، ورغب عن المعصية، ورغب وأُمر يوسف بأن يكتم الخبر، وأُمرت امرأة العزيز أن تستسمح زوجها، وأن تستغفره على خطيئتها، وظهرت براءة يوسف، ويبدوا أن يوسف الصديق نفّذ ما أُمر به، فكتم الخبر، لكن امرأة العزيز وقد غلبها حبها، وشغفها لم تصبر عن الكلام، فأسرّت به إلى بعض النساء، يقول الله (تبارك وتعالى):
وَقَالَ نِسْوَةٌۭ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿30﴾
تكلم النساء، وتكلمن سراً، وشاع الخبر، فمن أين أتاهن الخبر؟ لابد وأن الحب العنيف الذي شعرت به امرأة العزيز، واستعر في قلبها، وبلغ شغاف قلبها لم تقدر معه على الكتمان، ويبدوا أنها استمرت في الاحتيال على يوسف ومراودته، حيث جاء التعبير بالمضارع الذي يفيد الاستمرار، والمداومة (وَقَالَ نِسْوَةٌۭ فِى ٱلْمَدِينَةِ) (وقال نُسوة) قراءتان بضم النون، وبكسرها (وَقَالَ نِسْوَةٌۭ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ ) ولم يقلن (راودته) إذاً فالمسألة مستمرة (وَقَالَ نِسْوَةٌۭ فِى ٱلْمَدِينَةِ) أي أشعن الخبر في المدينة، فكلمة (المدينة) ظرف، أو هي صفة، أي قالت النساء، نساء المدينة (ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ) ونسبنها إلى العزيز زيادة في النكاية، والتبكيت، امرأة الشريف، امرأة الحاكم (تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا) الشاب اليافع المملوك (تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ ) الشغاف‫: سويداء القلب، الشغاف‫: الجلدة الرقيقة البيضاء، والمحيطة بالقلب، وكأن الحب التصق بالقلب، التصاق الشغاف به، أو كأن الحب اخترق الشغاف، ودخل إلى قلبها (شَغَفَهَا حُبًّا ۖ ) (حُبًّا ۖ ) تمييز محوّل عن الفاعل، والمعنى شغفها حبها له، وقُرأت (شعفها حبا) الشغف الجلدة المحيطة بالقلب، والشعف‫: سويداء القلب، شغفه الحب‫: تمكّن منه، وغلبه، الشعف، الحب أحرق قلبه (إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿۳۰﴾).
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًۭٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍۢ مِّنْهُنَّ سِكِّينًۭا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌۭ كَرِيمٌۭ ﴿31﴾
‫(فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ) سُميت الغيبة مكراً؛ لأنها في السر، كما يمكر الماكر سراً، أو حين أسرت لهن بالأمر أفشينه، وفضحنها، فعبرت عن ذلك بالمكر (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًۭٔا) والكلام فيه حذف تقدير بالمحذوف، فأرسلت إليهن تدعوهن إلى طعام، فجئن، فحضرن، فأعددت لهن متكئا، أعتدت‫: من العتاد، كل ما جعلته عدة لشيء، فهو عتاد (أعتدت لهن مُتكا )، (أعتدت لهن مُتاكا)، (أعتدت لهن متكئا) المتكأ‫: المكان الذي يُتكأ عليه، من اتكأُ يتكِئُ أو يتكئ اتكاءاً، وهو الميل على أحد الشقين في الجلوس، وهي جِلسة المترفين، ولا يصح للمسلم أن يأكل متكئاً، فقد نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك، وقال البعض المتْك‫: نوع من أنواع الطعام يُحز بالسكين (وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍۢ مِّنْهُنَّ سِكِّينًۭا) السكين سُمي سكينا؛ لأنه به تسكن حركة المذبوح، ويذكَّر ويؤنث (وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ ) أعدت لهن المجلس، وهيأته بالوسائد، والنمارق، وجلسن مستريحات، وأعطت كل واحدة منهن في يدها سكينا، وأعدت لهن من الطعام ما يقطع بالسكين لِمَ فعلت ذلك؟ هل كانت تتوقع أن يشغلن بوجهه، ويشغفن بنوره فيقطعن أيديهن؟ أم أرادت أن يخرج فيرى جمعاً من النساء بأيديهن السكاكين، فيخاف، ويهاب ويفزع، ماذا أرادت؟ هل أرادت أن توقعهن فيما وقعت هي فيه؟ (وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ) والكلام مختصر أي (وقالت اخرج عليهن، فخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه) أكبره، عظّمه، وهابه، أكبرنه، وعظمنه، وهبنه (وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) والتقطيع يفيد المبالغة، يفيد التكثير، فيبدو أنه لم تسلم واحدة منهن حين رأين وجهه، ورأين نوره، ورأين جماله، ذاك الجمال الرائق، والحسن الفائق، شغلن به، وشُغفن به، فجرت السكاكين في أناملهن دون أن يشعرن بألم، فخدشنها، وجرحنها (وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌۭ كَرِيمٌۭ ﴿۳١﴾) (وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ) بالألف (وقلن حاش لله)، (وقلن حاشاً لله) (وقلن حاشي لله) قراءات (ما هذا بشرٌ)، (ما هذا بشراً)، (ما هذا بِشِرىً) قراءات (إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌۭ كَرِيمٌۭ ﴿۳١﴾) حاش‫: حرف، حاش‫: فعل (قولان) حاش التي هي حرف، أو اسم فعل حاش لله، أي معاذ الله تنزيها لله، عز وجل، من صفات التقصير، تعجبا من قدرته على خلق مثل هذا الجمال، أو (حَـٰشَ لِلَّهِ) تبرئة ليوسف مما اتهم به، فذاك الكمال، وتلك العصمة، وتلك العظمة، لا تقع فيما يغضب الله، أو (حاش) من الحاشية، والحشَىَ، وهي الناحية، حشى أو ذهب إلى حاشية فلان إلى ناحيته (حاشا لله) أي ابتعد يوسف عما أرادته منه مخافة الله (مَا هَـٰذَا بَشَرًا) (ما) هنا تعمل عمل (ليس) ليس هذا بشراً، وقُرأت بالرفع على لغة تميم، وإهمال عمل (ما) (ما هذا بشرٌ)، وقرأت (ما هذا بِشِرى) الشري‫: الشراء، والبيع، مصدر عُبِّر به عن تعجبهن من أن يكون هذا الوجه المنير، والضوء الباهر، عبداً يباع ويشترى (إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌۭ كَرِيمٌۭ ﴿۳١﴾) التنزيه ليوسف، والتشبيه بالملائكة، إما لجماله الفائق الذي لم يُعهد في بشر، وإما لعفته، وعصمته، كعصمة الملائكة، وهنا تيقنت امرأة العزيز أن النسوة وقعن في حبه، وابتُلين بما ابتُليت هي به، فجاهرت، وخلعت جلباب الحياء، وأعلنت، بل وراودت علنا أمام النسوة، واعترفت، وأقرت‫.
قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًۭا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ ﴿32﴾
ٱلصَّـٰغِرِينَ ﴿۳٢﴾) [سورة يوسف آية : ۳٢]
‫(قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ ) (ذلك) بمعنى (هذا) لكن جيء ب(ذلك) لرفعة شأن المشار إليه، فذلك هو الحب الذي لمتنني فيه، ذاك هو الذي وقعتن فيه أو ذلك هو الرجل، والفتى الذي لمتنني في حبه، فالضمير عائد على الحب أو الضمير عائد على يوسف (وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ ) أقرت واعترفت علناً، والله يحكم ما يريد، فبهذا الاعتراف سوف تظهر براءته يوما أمام الملك (فَٱسْتَعْصَمَ ۖ ) بناء مبالغة من العصمة، والعصمة الامتناع، واعتصم بالله من المعصية، أي امتنع بلطف الله عن المعصية، استعصم‫:‬ أي امتنع، امتناعا بليغا، وتأبىَ تأبيّاً عن مقارفة ما أرادته منه، ثم هددت وتوعدت (وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ) أي ما آمر به (ءَامُرُهُۥ) الضمير عائد على الأمر، أو الضمير عائد على يوسف (لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًۭا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ ﴿۳٢﴾) من الأذلاء، صَغِرَ صُغْراً وصَغَاراً: ذل، وهان، صغُر يصغُر من الصِغَر، فالصغير يقال فيه (صغُر)، أما الذليل يقال فيه (صغِر) إذاً فقد هددته بأمرين، هددته بالسجن، وهددته بالذل، (وَلَيَكُونًۭا) تقرأ بالتنوين إذا وقفت، وإذا وصلت قرأت بالألف، كقولك رأيت رجالا، وكذلك في المصحف (لَنَسْفَعًۢا بِٱلنَّاصِيَةِ (١٥)) [سورة العلق آية‫:‬ ١٥]، اعترفت، وأقرت، وهددت، وتوعدت حين رأت افتتان النسوة بيوسف، عذرنها‫.
قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ ﴿33﴾
‫(قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ) (قال رب السَجْنُ) (أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ ) بالجمع فهل دعته النسوة أيضا؟ هل راودنه عن نفسه؟ قيل طلبت كل واحدة أن تختلي به لتلين عريكته، وتقول له رأفة بها فقد شُغفت بك حباً، وحين اختلت به كل واحدة راودته عن نفسه، وقيل‫: أردن أن ينصحنه، خِفن عليه من السجن، وقيل‫: بل التعبير في الآية عن النساء عموما، وليس عن اللاتي حضرن المجلس، وقيل‫: بل الجمع لامرأة العزيز، وأراد بالجمع التعريض دون التصريح (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ) الكيد‫: المكر، والاحتيال، والخداع والمحاولة، والمراودة (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ) أميل، صبا يصبوا‫: مال صبْوه، وصُبُواً وسُميت الريح اللطيفة (الصبا)؛ لأن النفوس تستطيبها، وتستريح لها إن لم تصرف عني كيدهن، وتلزمني التقوى، وترزقني العصمة أميل بطبيعتي البشرية؛ إذ أن الطبيعة البشرية تميل إلى ذلك، وتحبه، فلولا أن يُعصم العبد يقع (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ ﴿۳۳﴾) وفي هذه الحالة إذا صبوت إليهن، ومِلت ومالأتهن أكن من الجاهلين الذين لم يعرفوا خطورة الذنب، والذين لم يعرفوا مغبة الإثم، وهنا يتبين لنا أمران‫: الأمر الأول‫: أن العصمة لا تكون إلا بفضل الله، وأن العبد مهما بلغ من التقى لا يُعصم من المعصية إلا بفضل الله، ها هو يوسف الصديق الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يستجير بالله، ويعتصم به، ويلجأ إليه، ويستغيث، ويطلب منه العصمة، ويحدد إن لم يُرزق العصمة، ويُرزق اللطف من الله، يقع فيما يقع فيه الإنسان بمقتضى الطبيعة البشرية‫. الأمر الثاني‫: أن السجن أمر مكروه، واجتلاب اللذة أمر محبوب، حين يقول (ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ) ليست على بابها؛ لأن السجن لا يُحب، وإنما يبالغ يوسف في الاستعصام، والتبرّي، والتنزه، وطلب العصمة، مُرحبا بالعذاب، والصغار، والسجن حتى لا يقع فيما يغضب الله (عز وجل) وقيل‫: لِمَ لمْ يسأل يوسف العافية؟ لمَ سأل السجن، وكان بمقدوره أن يسأل الله العافية، وأن يسأل الله العصمة، وأن يسأل الله النجاة!! فقيل‫: لأنه قال ذلك سُجن، لأنه طلب السجن بنفسه، دخل السجن من أجل هذه الكلمة، وقيل‫: هي كلمة جرت على لسانه ليقضى الله في شأنه ما يشاء، والله يحكم لا معقب لحكمه، فقد ظهرت براءة يوسف، حين شهد الشاهد في شأن القميص، وها هي براءة يوسف تظهر مرة أخرى حين دعت امرأة العزيز النسوة، وقطعن أيديهن، وأقرت أمامهن، واعترفت بأنها هي التي راودته، وأنه قد استعصم، وها هي مرة أخرى يطلب أن يسجن أحب إليه من أن يقع في الخطيئة، استغاث بالله، وتضرع إلى الله، فأجابه سبحانه‫.
فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿34﴾
استجاب له حين دعاه، وسأله ورجاه (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ ﴿۳۳﴾) استجاب له ربه، وصرف عنه كيدهن، واستعصم يوسف، وظلت المراودة، واستمرت، ولم تكن المراودة من واحدة فقط، بل من جمع كثير يبدو ذلك كما تبديه الآيات، أو يظهر من سياق الكلام (إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿۳٤﴾) السميع بدعاء عباده، العليم بنياتهم (سبحانه وتعالى) لا يسأم من كثرة السؤال، والطلب، من رضي بالقليل أعطاه الكثير، ومن سخط فالحرمان قد وجب، بعد كل هذا، وبعدما ظهرت براءة يوسف، وتيقنت براءته، تشاور العزيز مع أهل مشورته، فقد استشاع الخبر فضيحة كيف تداري الفضيحة، بدا لهم، وظهر لهم رأي، أن يسجن فإن سُجن يوسف لصقت به التهمة، سُجن لأنه أراد سيدته، برأت المرأة، وإذا استمر في السجن مدة هبطت الإشاعة، واندثرت، وسكت الناس، أما إذا ظل في بيت العزيز، فَشُوَ الأمر في العامة، وتكلم به الناس، وقيل‫: بل محاولات امرأة العزيز لم تجد مع يوسف، فقد استجاب له ربه، وصرف عنه كيدهن، محاولات مستميتة لم تجد، فبدا لها أنها لو سجنته، وذاق مرارة السجن، وعذاب الوحدة، ومعاشرة المجرمين بعد الرفاهية، وبعد العز، قد تلين عريكته، ويستجيب لما تريد، فإما هي احتالت على زوجها لسجنه، وإما أن الزوج استشار بعض خلصائه فيما يفعل، فتنة امرأة العزيز لا تقوى، ولا تصبر على الامتناع حتى النسوة عذرنها، ووقعن فيما وقعت هي فيه، فالسجن أوْلي وأفضل لإبعاده عنهن؛ لذا يأتي التعبير في القرآن‫.
ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍۢ ﴿35﴾
‫(ثُمَّ بَدَا لَهُم) إما المرأة، والرجال فغلّب للتذكير، وإما الرجل العزيز، ومن استشاره (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْـَٔايَـٰتِ) الدلائل، والبراهين على صدق يوسف، وبراءته من قدّ القميص من دُبر، ومن شهادة الشاهد، ومن تقطيع الأيدي، ومن إقرار المرأة، ومن اعترافها (لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍۢ ﴿۳٥﴾) والحين‫: المدة من الزمان لا تُقدر بقدر، قد تطول، وقد تقصر، وتكلم العلماء في هذه المدة، واختلفوا في مقدارها اختلافا كثيرا، وربنا، تبارك وتعالى، لم يذكر لنا مدة سجنه، وها هي محنة أخرى، محنة السجن، كم من محن، ومحن كم! حسد إخواته، اختطافه، إلقائه في البئر، التقاطه من أغراب، بيعه بيع العبيد، مراودة المرأة له، كيد النساء، وها هو السجن، ولعلها تكون آخر محنة فقد أراد الله (تبارك وتعالى) أن يدخل يوسف السجن مظلوما، وإن كان البعض قد قال إن دخول السجن كان بطلب يوسف حيث قال (ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ ) ولو سأل الله العفو، والعافية ما دخل السجن، استنتاج لكن لله في خلقه شئون، ودخل يوسف السجن، وصادف أن دخل معه، أو دخل قبله أو دخل بعده فتيان، قيل‫: أحدهما كان ساقي الملك، والآخر كان خبازه، وقد اتُهما بوضع السم للملك في طعامه، الفتيان مثنى فتى، والفتى يطلق على العبد، ويُطلق على الشاب، دخل السجن الفتيان مع يوسف أو تزامن الوجود في السجن، يقال‫: إن يوسف في السجن كان حنونا، كان رحيما، فكان يواسي المهموم، ويداوي المريض، ويرأف بالناس، ويعاملهم معاملة تليق بمنصب الأنبياء، أو علم أهل السجن أنه عالم بتفسير الأحلام، من هنا رأى الفتيان في منامهما رؤى، وأصبحا مكروبين مما رأياه، فسألهما يوسف عن سبب كربهما كعادته في تعهد آل السجن، فقصا عليه ما رأياه، وهنا قال بعض العلماء‫: أنهما كذبا في قولهما، ولم يريا شيئا، وأرادا أن يجرّباه، وسيق في هذا المضمار حديثا الرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحذر من الكذب في الرؤيا (وَمَنْ تَحَلَّمَ كَاذِبًا كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَيْسَ بعاقِدِهِما) لأنه عقد الكلام، ونسب إلى الله ما لم يحدث، فالرؤيا من الله، من هنا يُكلّف بعقد عقدة بين حبتين من الشعير، ولن يحدث، ولن يحصل، ودخوله الجنة إن كان مستحقا لها معلّق بالعقد الذي لن يتم، وقيل‫: أيضا إن الكاذب في الرؤيا، وأرى عينيه ما لم تريا إن عُبّرت وقعت، كما عُبِّرت رغم أنه لم يرى شيئا، وقد اشتُهر عمر بن الخطاب بذلك في حديث ورد، إذ جاءه رجل وادعى أنه رأى في المنام أنه أخصب، ثم أجدب، ثم أخصب، ثم أجدب، فقال له عمر‫: تؤمن، ثم تكفر، ثم تؤمن، ثم تكفر، ثم تموت كافراً، فزعم أنه كذب بذلك، فقال له عمر‫: قُضى الأمر كما قُضى في صاحبي يوسف، وكان عمر مُحدّثاً مُلهماً، تحدثه الملائكة، حتى قيل‫: إن رجلا جاء فسأله عن اسمه، وأسماء عائلته، فذكر أسماء كلها تدل على النار، هو لهب ابن حريق بن كذا، وهكذا فقال له عمر‫: أدرك أهلك، فقد احترقوا، فرجع الرجل مسرعا، فوجد الحريق قد اشتعل في بيته، من هنا قيل‫: إن رؤيا الرجل المسلم معلقة برجل طائر ما لم يحدث بها، فإن تحدث بها وقعت، وقيل‫: إن الرؤيا تقع كأول تعبير، فلو عُبرت خطأ وقعت كما عُبرت، وإن عُبرت صوابا وقعت كما عُبرت، فالخطورة في التعبير، ذاك رأي، ورأي آخر يقول‫: إن الأمر مختلف، فتعبير الأنبياء وحي، ولا يمكن أن يقع إلا كما عبّر النبي من الأنبياء، حتى لا يُنسب إليه الكذب، وحتى لا يُشك في الوحي الذي يأتيه، من هنا حين كذب الفتيان، وقع التعبير كما قال يوسف، وقال آخرون‫: بل كذب الخباز، وصدق الساقي، ووقعت أيضا كما عبّر يوسف، وقيل‫: بل صدقا فيما حدث به يوسف، والله أعلم بما حدث، وإن كان الأرجح أنهما قصا ما رأيا فعلا، فكانت الرؤى صادقة، يحكي لنا القرآن‫.
وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًۭا ۖ وَقَالَ ٱلْـَٔاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًۭا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿36﴾
‫(قَالَ أَحَدُهُمَآ) وهو الساقي (إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًۭا ۖ ) والخمر لا يُعصر وإنما المعصور العنب، فعبّر عن العنب بما يؤول إليه أمره بعد العصر (أَعْصِرُ خَمْرًۭا ۖ ) أي عنب خمر، أو عنبا فيصبح بالعصر خمر (وَقَالَ ٱلْـَٔاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًۭا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ ) بالمعنى بالتفسير، والتأويل من آل يؤول، فإذا آل إلى شيء أي صار إليه، أي ما المصير، وما النتيجة، وما الذي يؤول إليه أمر الرؤيا (إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿۳٦﴾) من العالمين، نراك من المحسنين ما رأوه من أخلاقه، وسلوكه مع أهل السجن، نراك من المحسنين في تعبير الرؤى، فقد عبر من قبل ذلك لغيرهما، قد، وقد، والإحسان‫: إتقان العمل، نراك من المحسنين، إما في علمك، أو في خلقك، أو في سلوكك، أو بإحسانك إلينا بالتعبير، وهنا يتعجب المرء من ردود يوسف، السؤال عن الرؤيا، وعن التعبير، لم يُجب مباشرة، ولم يعبّر لهما، وإنما بدأ بالكلام عن نفسه، فوضع نفسه في مكانها، أظهر لهم أنه عالم بالغيبيات بتعليم الله، أو بإعلام الله له، ثم أظهر أنه من بيت نبوة، فتكلم عن نفسه، وعرفهما ما يجهلاه، ثم بعد ذلك تكلم عن العقيدة، وبيّن ما هما عليه من خطئ وخطيئة، ودلل على أن دينهما باطل، ثم برهن على وجود الواحد الأحد وساق الأدلة على ذلك، وخاطب العقول بالمنطق، ثم بعد ذلك أجاب عن السؤال، وكأنه أراد أن يجذب الأسماع، ويجذب الانتباه، ويبث الثقة في نفوسهما فيما يقول، ويدلل على كل ذلك، ثم يدعوهما إلى الله، دخل السجن ظلما لم يشكو الله لأحد، لم يبتعد عن الله، لم يدخل السجن ظلما فقط، بل دخل بسب عفته، وإحصانه لنفسه، وخوفه من الله، فكانت المكافأة من غير جنس العمل، ومع ذلك لم ينس ربه، ولم ينس الدعوة إليه، وكأنه في وحدته، ووحشته يتحدث عن الحبيب حتى يأتنس بذكره‫.
قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌۭ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىٓ ۚ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ ﴿37﴾ وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴿38﴾
بداية الإجابة (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌۭ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ) أولاً الثقة المطلقة في نفسه بفضل الله وبتوفيقه له، أهو يتكلم عن الرؤى لا تريان شيئا في المنام إلا وعبّرته لكما، كما يجب طعام‫:‬ رزق مستقبل، ترزقانه في المنام، أم كما قال عيسى بن مريم (وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٤٩] فأصبح ينبئهم بما يأتيهما من طعام، من السجن أو من خارج السجن، فيخبرهما بالمغيبات أو بالغيبيات، حتى يثقا فيه، ثم يبيّن السبب في ذلك (ذَٰلِكُمَا) هذا الإنباء، وهذا التعليل (مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىٓ ۚ ) فنسب الفضل لله، ذلك مما علمني ربي بالوحي والإلهام، ثم علل، تكلم عن نفسه ووصفها حيث يجب، وبيّن الفضل، ثم نسب الفضل لله وأقر بنعمة الله عليه، ثم ها هو يعلل السبب في ذاك الفضل، والمنّ، والنعمة (إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ ﴿۳۷﴾) إذاً فقد تبرأ من الشرك، ومن كل دين إلا الإسلام (إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ ﴿۳۷﴾) وجاءت كلمة (هُمْ) مرة أخرى للتأكيد، ولبيان اختصاص هؤلاء في عصره بالكفر، وكأنهم هم المختصون بالكفر بالآخرة، إذاً فها هو يتكلم عن البعث، يتكلم عن الآخرة أولا، أن هناك آخرة، وأن هناك حسابا، وأن هناك عقابا، وأن هناك ثوابا لابد وأن يكون هناك بعث‫.‬‬
‫(وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ ) ها هو يتكلم عن الآباء، وأنه من بيت النبوة، وأن النبوة، وبيت النبوة الذي حاز فضله بانتسابه إليه، هو السبب في معرفته بالغيب، ومعرفته بالله (مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ) من أي شيء (مِن) هنا أيضا للتأكيد (ما كان لنا أن نشرك بالله شيئا) تعبير يعبّر به، في غير القرآن حين تقول‫:‬ (مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ) من أي شيء، صنم، أو وثن، أو ملائكة، أو إنسان، أو أي شيء (مَا كَانَ لَنَآ) ما ينبغي، وما يصح، وما يكون، ويستحيل علينا أن نشرك بالله شيئا، ثم ينسب الفضل إلى الله مرة أخرى (ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا) بالنبوة (وَعَلَى ٱلنَّاسِ) ببعثتنا إليهم (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴿۳۸﴾) لا يشكرون هذا الفضل، وهذه النعمة التي ساقها الله إليهم على أيدينا، بنصب الدلائل، وإنزال الكتب، إما هذا المعنى، وإما (فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا) بالنبوة (وَعَلَى ٱلنَّاسِ) بما نصبه من دلائل (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿١۷﴾ وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴿١۸﴾ وَإِلَى ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴿١۹﴾ وَإِلَى ٱلْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴿٢۰﴾) [سورة الغاشية آية‫:‬ ١٧ -‬ ٢٠] الشمس، والقمر، والليل، والنهار الدلائل التي تدل على وجود الواحد الأحد كمن يكفر بالنعمة، ها هي نعمة الله على عباده، دلّهم على وجوده، نصب لهم الدلائل، أرسل إليهم الرسل، أنزل إليهم الكتب، بيّن لهم طريق السعادة في الدنيا، وفي الأخرى فأعرضوا عن كل ذلك، كمن كفر بالنعمة ولم يؤد شكرها‫.‬‬‬
يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌۭ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿39﴾ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءًۭ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿40﴾
ها هو يدخل في التوحيد، ويسوق البرهان الأكيد (يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ) أي يا ساكنيه لطول مكثهم في السجن، كقول الله (عز وجل) عن أهل الجنة، وأهل النار، أصحاب الجنة، وأصحاب النار، أو يا صاحبي فيه، فهم مصاحبون له‫: (ءَأَرْبَابٌۭ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿۳۹﴾) ها هو الدليل الساطع، البرهان القاطع، (ءَأَرْبَابٌۭ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿۳۹﴾) الغالب على كل شيء، والمالك لكل شيء، والمتصرف في كل شيء، (ءَأَرْبَابٌۭ مُّتَفَرِّقُونَ) معناها‫: إما تساوت أقدامهم، وإما فيهم القوي، وفيهم الضعيف، وإما فيهم الكبير والصغير، متفرقون في الحجم، متفرقون في الشكل، متفرقون في الأسماء، متفرقون في السلطان، أيهما تُرضي؟ وأيهما تطيع؟ إن أرضيت البعض أغضبت البعض الآخر، وإن أطعت البعض عصيت البعض الآخر، يحتار المخلوق في هذه الآلهة المتعددة، يسمع لمن؟ يُرضي من؟ لابد أن تتفاوت الإرادات، وتختلف الإرادات (لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ ) [سورة الأنبياء آية‫: ٢٢]، (قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٌۭ كَمَا يَقُولُونَ إِذًۭا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًۭا (٤٢)) [سورة الإسراء آية‫: ٤٢] الأقوى سبيلا، انقلابات، واختلافات، ومحاربات ولظهر ذلك في الكون، تشرق الشمس يوما، وتغيب يوما طبقا لإرادة كل منهما إن كانا اثنين وهكذا، إذاً فتفرق الآلهة، وتعدد الآلهة يخل بالنظام الكوني، أيضا يصعب على المخلوق أن يطيع الجميع؛ إذ لا يمكن أن تتفق الإرادات لابد أن يعلو بعضهم على بعض، ذاك هو المنطق العقلي (ءَأَرْبَابٌۭ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿۳۹﴾) الإجابة معلومة يجيبها كل عاقل سلم من الآفات، ها هو يتكلم عن عقيدتهما، وعقيدة الجيل، أو الموجودين في السجن، أو أهل مصر (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءًۭ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ ۚ ) ما تعبدون‫: جمع إذاً، فهو يقصد صاحبي السجن، وبعد أن كان الكلام لهما أصبح الكلام عاماً، ما تعبدون من دونه إلا أسماء، بمعنى جئتم بالشيء، وأطلقتم عليه أسماء، وأنتم تعبدون اسماً مجرداً، لا يحمل المسمى من صفة الاسم شيئا، جئت بحجر، ونحت الحجر، وأطلقت عليه اسما كالرب مثلا، هل يحمل الحجر صفات الاسم؟ هل ينطبق الاسم على المسمى؟ إذاً فأنتم اخترعتم أسماء، وعبدتم هذه الأسماء المجردة (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ) من دون الله (إِلَّآ أَسْمَآءًۭ) ليس لها معنى، وليس لها دليل، أو لا تنطبق الأسماء على المسميات، سميتموها آلهة أنتم، وآباؤكم كذلك (مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ ۚ ) أي من كتاب، أو من حجة، أو من برهان، من عقل، أو نقل؛ إذ الصواب والحق وما يُتبع لابد وأن يكون عليه دليل من عقل، أو من نقل منقول من الأنبياء، فهذه الآلهة التي تُعبد من دون الله، هل هناك دليل من عقل أو دليل من نقل عليها؟ (مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ ) في أمر العبادة الله هو الذي يأمر بالعبادة، وبكيفية العبادة، ولمن تكون العبادة (إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ ) الواحد الأحد القهار المالك لكل شيء، والملك على كل شيء، والموجد لكل شيء، المستحق للعبادة بذاته (أَمَرَ) صاحب الحكم، من له الحكم (إِلَّآ إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ) لا عوج فيه، ولا خلل فيه، الدين الصحيح المستقيم (ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٤۰﴾) وهنا اطمأن الفتيان، ووثقا في يوسف، وهداهم ربنا للإسلام، وساق لهم الحجج والبراهين، ولم ينس ذكر الله، وهو في أزمته، ولم ينس الواجب في الدعوة إلى الله مهما كان مكانه في رخاء، أم في شدة، مظلوما أو غير مظلوم، ثم ها هو يجيب على السؤال في آخر كلامه‫.
يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًۭا ۖ وَأَمَّا ٱلْـَٔاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴿41﴾
بدأ بالبشرى، فالساقي يُفرج عنه ويعود إلى سابق عمله ساقيا للملك (فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًۭا ۖ ) رب الشيء‫: أصلحه، وأتمه، ربّه يربه، والتربية عموما إيصال الشيء إلى كماله شيئا فشيئا بحسب استعداده، هل كان جائزا في شرع يوسف أن يطلق على الملك كلمة (رب)؟ قيل‫: كان جائزا، وقيل‫: بل هو جائز في كل زمن، ورب الدار، وربة البيت، وهكذا ويقال للرب سيد أيضا، بدأ بالبشرى، أما الآخر الخباز الذي رأى الطير تأكل من الخبز (فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ ) ويقال أنهما حينئذ قالا‫: ما رأينا شيئا، فرد قائلا قيل‫: هذا والله أعلم، وقيل‫: إن الرؤى كانت صحيحة (قُضِىَ ٱلْأَمْرُ) إذاً فالأمر واقع لا محالة، وإذاً قد علم يوسف بالتأويل من جبريل بالوحي، حتى أنه قال (قُضِىَ ٱلْأَمْرُ) ووّحد، وهما أمران‫: أمر الساقي، وأمر الخباز، أي العاقبة التي سألتم عنها، والنتيجة حاصلة لا محالة‫.
وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍۢ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴿42﴾
وهنا قال بعض العلماء‫:‬ نسي يوسف أن يذكر الله، وأن ينزل حاجته بالله، ولجأ إلى المخلوق، فعوقب باللبث في السجن بضع سنين بخلاف الحكم، إذاً فالبضع يختلف عن الحكم، عن مدة العقوبة، قيل‫:‬ البِضع، والبَضع من بَضَع الشيء‫:‬ قطعه، فالبضع‫:‬ القطعة من الزمان، والبضع من ثلاث إلى تسع، أو إلى سبع، والبضع يُطلق مع الأعداد من عشرة، وعشرين إلى التسعين، ولا يقال بضع ومائة، وقيل‫:‬ لبث سبع سنين، وأصلا قد لبث خمسة، وقيل‫:‬ بل لبث تسع سنين، وهكذا، وسيق بعض الروايات تُرفع، وكأنها حديث، ويعلم الله، تبارك وتعالى، بمدى صحتها، لولا كلمة يوسف اذكرني عند ربك ما لبث في السجن بضع سنين، ذاك رأي، لكن الأرجح والأصوب فيما نرى، أن الكلام عن الساقي، وليس عن يوسف (وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍۢ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ) أنسى الشيطان الساقي أن يذكّر الملك بقصة يوسف، فلبث يوسف نتيجة نسيان الساقي في السجن بعض سنين، ولم يخرج فوراً، والدليل على ذاك أولا‫:‬ حين يقول الله (عز وجل): (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌۭ ۚ ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٦٥]، وذاك قضاء الله للشيطان، فهل يكون للشيطان سلطان على يوسف، الأمر الثاني‫:‬ إذا نسي العبد شيئا أيعاقب بنسيانه؟! أم رفُع النسيان عن الناس رحمة من الله، فلو كان قد نسي ما أُوخذ على ذلك، وعوقب بالسجن بضع سنين، ثالثا‫:‬ لو سرنا مع الآيات لوجدنا الله يقول حاكيا (وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) تذكر بعد فترة من الزمان، المتذكر كان ناسيا، إذاً فالناسي الساقي، وإلا ما قال (وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) الأمر الأخير والدليل الواضح يوسف يُسأل عن تعبير رؤيا، فيترك الإجابة، ويتكلم عن الله، وعن الواحد الأحد، وعن وجوب العبادة له، وعن وجوب إفراده بالتوحيد والعبادة (يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌۭ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿۳۹﴾) هل ينسى ذاك أن يقول يا رب، وينزل حاجته به، الله، تبارك وتعالى، أعلم بمراده، وقول الله تعالى (وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ) الظن خلاف اليقين، لكن الظن يأتي بمعنى اليقين (ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ (٤٦)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٤٦] .‬
‫هؤلاء لا يظنون، ولا يشكّون لكنهم متيقنون، فالظن يأتي بمعنى اليقين، فالظان في الآية يوسف، أم الساقي؟ هل عبّر الرؤيا باجتهاده فلم يقطع أم أنه قطع؟ قطع بدليل قوله، (قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴿٤١﴾) فإما أن الظن في الآية بمعنى اليقين (وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ) أي تيقن يوسف (أَنَّهُۥ نَاجٍۢ مِّنْهُمَا) وإما أن الظان الساقي، وقال يوسف للذي ظن في نفسه أنه ناج نتيجة تعبير الرؤيا (ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ) أي أذكر حكايتي، وما أنا عليه من خُلُق، وسلوك، أني دخلت السجن ظلما، لكنه لم يحدثه بأمر النسوة، كما قال بعض المفسرين؛ لأن هذا لم يحدث إلا بعد ذلك، وجاء بالتعريض، وليس بالتصريح، أدب يوسف، وخلق يوسف يمنع من أن يحكي لأصحاب السجن ما حدث (ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ) أي أني دخلت السجن مظلوما، وأني أعبّر الرؤيا، وأني على خلق، علّه يستدعيني ويسألني (فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ) كفتى موسى حينما قال (قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُۥ ۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًۭا (٦٣)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٦٣]. (فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ) أي أنسى الساقي (ذِكْرَ رَبِّهِۦ) أي تذكير ربه بأمر يوسف، أو ذكر يوسف لربه فحُذِف المفعول (فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴿٤٢﴾) أيها الأخ المسلم‫.‬ انتبه، دائما وأبداً لعصمة الأنبياء، وإياك أن تقع فيما وقع فيه بعض السابقين من الكتاب، والمفسرين، النبي معناه أنه يُنبّأ النبي، معناه أنه مُستخلص من البشر، ربنا (تبارك وتعالى) حين يُنبأ إنسانا هل ينظر في خلقه فيختار أفضلهم؟ يستحيل لأنه هو الخالق، وهو القادر، وهو المريد، وهو القاضي أزلاً بما يكون، فالأحداث ليست مستأنفة، بمعنى أن الله لا يفكر اليوم ماذا يفعل في الغد، بل فرغ الله من الخلق أزلا، من هنا طالما أراد أن يكون يوسف نبيا، لابد وأن يخلقه أصلا ليكون نبيا، وبالتالي فهو لا يختار من الخلْق، بل هو يخلق ما يشاء (وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩)) [سورة القصص آية‫:‬ ٦٩] فحين يقول الله (تبارك وتعالى): (ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًۭا وَمِنَ ٱلنَّاسِ ۚ ) [سورة الحج آية‫:‬ ٧٥] هذا الاصطفاء أزلاً، بأن يخلقهم أهلاً لذلك، لا أن يختارهم بعد الخلق، من هنا لابد وأن تكون العصمة للأنبياء، وأن يكون الكمال لله وحده، فإن اللجوء إلى الأسباب والأخذ بالأسباب لا يقدح في التوكل والإيمان، فإن الله، تبارك وتعالى، قضى وقدّر، وخلق هذه الدنيا، وخلق الأسباب والمسببات وربطها ببعض كالسلسة، فتحريك الأسباب، أو هذه السلسة مباح، والتعويل على اليقين بمعنى أن تتيقن بأن الفعال على الحقيقة هو الله، فإن تيقنت بذلك فلا بأس بأن تحرك الأسباب، كمن يمسك بسلسلة مترابطة الحلقات، فيهزها أو يحركها، فتحدث صوتا، وبالتالي لو أن يوسف (صلى الله عليه وعلى نبينا أفضل صلاة) لو أن يوسف تكلم مع الناجي فعلا، وطلب منه أن يذكره عند ربه، هل يقدح ذلك في توكله على الله؟ أبدا، لكن الناس الذين زعموا أن اللبث في السجن بسبب إنزال حاجته بالبشر، قالوا‫:‬ إنزال الحاجة بالبشر لا يقدح في عوام الناس في إيمانهم، ولكنه خلاف الأوْلى بالنسبة للأنبياء، فما كان لنبي من الأنبياء أن يلجأ إلى أحد، أو أن يأخذ بالأسباب، والقول أيضا يحتاج إلى وقفة، هل مرض النبي (صلى الله عليه وسلم)؟ نعم، هل طلب العلاج؟ نعم، هل طلب أن يصبوا عليه من سبع قِرب لم تُفك، ولم تُحل أوكيتهن؟ نعم، هل أكل؟ هل شرب؟ هل جاع؟ هل باع؟ هل اشترى؟ الأخذ بالأسباب لابد وأن يكون في كل البشر، والأنبياء ما هم إلا بشر من حيث الصورة، وبالتالي من حيث الدنيا وما فيها من أسباب، وإنما يوحي إليهم وذاك يرفعهم عن مصاف الناس، يرفعهم درجات، من هنا التوكل على الله مطلوب، والأخذ بالأسباب مطلوب؛ لذا قيل‫:‬ ترك الأسباب جهل، وترك التوكل فسق، وبالتالي فإذا كان قد لجأ يوسف إلى صاحبه في السجن كي يذكر وصفه، أو حكايته أنه قد ظُلم بدخوله السجن للملك، لا بأس به، واقترب الفرج، وإذا بالملك يرى الرؤيا‫.‬‬‬‬
وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعَ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍۢ ۖ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَـٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴿43﴾
رؤيا يوسف في الأول جاءته بالبلاء، ورؤيا الملك في الآخر جاءته بالفرج، والرخاء ولله في خلقة شئون، ورؤيا يوسف رؤيا نبي، ورؤيا الملك رؤيا كافر، فقد كان الملك كافراً، كان في ذاك الوقت كافرا، وقيل‫: إنه أسلم بعد ذلك، قيل‫: إن الملك أصبح يوما مكروبا فاستدعى وزراءه، والكهان، والمنجمين، والعرافين، وحكى أنه رأى نهراً يابسا، يخرج منه سبع بقرات سمان، يتبعهن سبع عجاف (وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ) العجف‫: الهزال، عَجُف يعجُف، أو عجِفَ يعجَفْ ذهب سمنه (سَبْعٌ عِجَافٌۭ) والقياس عُجْف، إذاً فهو جمع جائز، خرج السبع العِجاف خلف السبع السمان، فركبن عليهن، وأكلنهن، وهن عجاف، وبقين عجاف، ولم يزد فيهن شيئا، ورأى سبع سنبلات خضر تكاملت، وظهر حبها وأينعت، ورأى سنابل يابسات لا حب فيها، وإذا باليابسات من السنابل تميل على الخضر فتأكلها، وتبقى على يبسها، قام مهموما (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ) أشراف القوم، امتلئُوا بما احتاج إليه الآخرون، أو ملأت هيبتهم الصدور (أَفْتُونِى) أجيبوني (فِى رُءْيَـٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴿٤۳﴾) تفسرون، عبر الرؤيا، وعبرها ويعبرها، والعبور التجاوز، عبور النهر من شاطئ إلى شاطئ، وعبور الرؤيا معناها أن تصل إلى نهايتها، أو ما يؤول إليه أمرها، أو أن تصل إلى نتيجتها كالمتجاوز للنهر من شاطئ إلى شاطئ، فكذلك من يعبر الرؤيا يتجاوزها إلى الحقيقة إلى ما سوف يحدث‫.
قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍۢ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ ﴿44﴾
أضغاث‫: جمع ضِغث، والضغث‫: الحزمة من أخلاط النبات فيها الرطب، وفيها اليابس، فيها النافع، وفيها الضار، من هذا، ومن هذا، ومن هذا تُحزم، وهذا ما يُسمى ضغثا (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًۭا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ ) [سورة ص آية‫: ٤٤] (قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍۢ ۖ ) بمعنى تخليط في المنام لا أصل له، ولا معنى، ولا ترابط بين الوقائع، أو الحوادث، والحُلم ما يراه النائم، حَلَمَ، يحلَمْ واحتلم‫: رأى في نومه، أما الحِلْم فهو الأناة، والصبر، وسُمِّي الحُلْم أيضا حُلْما؛ لأنه مستمد من نفس الكلمة؛ إذ يرى النائم ما يراه من أحداث، ووقائع، وهو هادئ مستكين، نائم في فراشه دون حركة، فكأن الحُلم من الحِلْم، حَلُمَ حِلْما، فهو حليم، حَلَمَ حُلْماً: تحلّم ورأى في منامه (وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ ﴿٤٤﴾) إما أنهم أرادوا أن ينفوا عن أنفسهم العلم بتعبير الرؤيا عموما، وإما أنهم أرادوا أن يقولوا‫: إن ما رأيته أيها الملك لا يُعبَر، ولا تأويل له، بل هو أخلاط وتخليط في منامك، إما ذاك، وإما ذاك، لكنهم لم يفسروا شيئا، وقيل‫: بل أرادوا ألا يسيئوا إليه، أو يتشاءم إن فسروا الحلم، وقد كانوا عالمين بالتعبير، يعلم الله، وهنا تذكّر الساقي بإرادة الله‫.
وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ ﴿45﴾
وعاد الكلام عن الفتيان اللذان دخلا معه السجن (وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) ادّكر‫:‬ افتكر، تذكّر، وأصل الكلمة اتذكر بالذال، والتاء من الذكر، والتذكر، وقلبت التاء ذال، وأدغمت في الذال، وأصبحت دال (بعد إِمه)، (بعد أَمَهٍ)، (بعد أَمْهٍ) قراءات، وتختلف المعاني (وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) الأمة الطائفة من الزمان، والأمة تطلق على الرجل القانت (إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةًۭ) [سورة النحل آية‫:‬ ١٢٠]، والأمة تطلق على الطائفة من الناس (كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَـٰكَ فِىٓ أُمَّةٍۢ ) [سورة الرعد آية‫:‬ ٣٠].‬
‫(وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) تذكر بعد حين، بعد فترة من الزمان (وادكر بعد إمة) نعمة، الإِمة‫:‬ النعمة أي بعد ما أنعم الله عليه، وأصبح ساقيا للملك، واطمأن الملك له، (وادّكر بعد أَمَه) أَمِه الرجل، يأمه أَمَهاً، وأَمْهاً: نسيان، نسي الرجل، (وادّكر بعد أمْهٍ) لأن الحرف الوسط في الاسم الثلاثي، أو فى المصدر قد يحرّك (بعد أَمَه) بعد نسيان، أي تذكّر بعد نسيان، إذاً فالناسي هو الساقي (أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ ﴿٤٥﴾) إذاً فقد تيقن أنها رؤيا، وأنهم عجزوا عن تأويلها (فَأَرْسِلُونِ ﴿٤٥﴾) إذاً فقد كان السجن خارج البلدة، أي فأرسلوني إلى السجن أو أرسلوني إلى من يعلم التأويل، واختصر الكلام، والتقدير فأرسلوه فذهب إلى السجن، فدخل على يوسف، فقال له‫:‬ يا يوسف، اختصر كل ذلك حيث قال الله (عز وجل): (أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ ﴿٤٥﴾).
يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعِ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍۢ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿46﴾
‫(يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ) ما أحلاه من نداء، ما أجمله من نداء، النبي من الأنبياء نوره ظاهر، النبي من الأنبياء معصوم من كل شيء؛ ولذا حين راودته امرأة العزيز، وحين روادته النسوة ما شغفهن، وما شغلهن، وما قطع قلوبهن نور النبوة، لكن العيب في العَيْن، وليس العيب في العين، هن لم يرون نوره هُيِّئ إليهن، وهكذا قد يغفل الإنسان عن النور بفعل الشيطان؛ ولذا كيف غفلت عن نور النبي عيون قريش؟ هذا الذي تعرفه السماء كيف عميت عن نوره العيون؟! (وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ حِجَابًۭا مَّسْتُورًۭا (٤٥)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٥].‬
‫من هنا حين سلمت العيون رأت الحقيقة، فقلن (مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌۭ كَرِيمٌۭ (٣١)) [سورة يوسف آية‫:‬ ٣١]، وقلن (قُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍۢ ۚ ) [سورة يوسف آية‫:‬ ٥١]، وقالت هي (ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ) [سورة يوسف آية‫:‬ ٥١]، حين انفتحت القلوب، من هنا إذا انفتح قلب العبد وانشرح رأى الله في كل مكان، وسمع الله في كل تغريد لبلبل، وفي كل صوت لصائح، سمع الله في كل صوت، ورأى الله، في كل منظر، وأحس بالله في كل حين إذا انشرح قلبه، فوجود الله (عز وجل) وجود لا يماثله وجود، فسبحان من احتجب عن الخلق بنوره، وخفي عليهم بشدة ظهوره‫.‬‬
‫فقد تحيّر الملك في رؤياه، وعجز ملؤه عن تأويلها، وادعوا أنها أضغاث أحلام، لا تأويل لها، ولا معنى، وهنا اقترب الفرج، وتذكّر الساقي الذي نجا من السجن، تذكّر يوسف، وطلب أن يأتيهم بتأويل الرؤيا، ووافقوا على ذلك وذهب الساقي إلى السجن في داخل البلدة، أو كان خارجها لقوله‫:‬ (فَأَرْسِلُونِ) ودخل على يوسف وناداه بنداء الحبيب (أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ) نداء الحق، والصدِّيق‫:‬ المبالغ في الصدق، الصدِيق الذي لم يكذب في حياته مرة، ولم يؤثر عنه الكذب قط، وقد علم الساقي ذلك من معاشرته ليوسف في السجن، وكيف أن تأويل الرؤيا التي رآها جاءت كما أوّلها يوسف تمام، من هنا نادى يوسف والكلام فيه حذف تقديره فأرسلوه فذهب إلى السجن، فدخل على يوسف فقال (أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعِ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍۢ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٤٦﴾) (لعل) كلمة ترجِّي، والقائل لها شاكّ في إتمام الأمر، وإنفاذه من عدمه، فلِمَ قالها الساقي (لَّعَلِّىٓ) وهو واثق من علم يوسف بالتأويل؟ يبدو والله أعلم أنه خشي أن يعجز يوسف عن تأويل الرؤيا، خاصة بعد أن عجز عن تأويلها الملأ الأشراف، والعلماء، والحكماء، والكهان، والمنجمون، أو خشي ألا يرجع (لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ) لكن الأرجح أنه تمنى أن يعلم يوسف التأويل، لكنه لم يقطع بذلك فقال (لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ) الملأ، الملك، وملأه أو الناس‫:‬ الملك وجمع للتعظيم (لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٤٦﴾) التأويل أو (لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٤٦﴾) فضلك، وعملك، وقدرتك على التأويل، فيخرجونك مما أنت فيه، أو يرفعوا عنك الظلم‫.
قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تَأْكُلُونَ ﴿47﴾ ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌۭ شِدَادٌۭ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴿48﴾ ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴿49﴾
والكلام خرج مخرج الخبر في البداية، وتحوّل إلى الأمر في النهاية (تَزْرَعُونَ) خبر (فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ) أمر هل كان آمراً يوسف وهو في السجن؟ وكلمة (تَزْرَعُونَ) أهي خبر، أم هي أمر خرج مخرج الخبر للمبالغة في التأكيد على تنفيذ ما يأمر به؟ وهكذا ترى أن الله (تبارك وتعالى) جعل العبيد ملوكا بطاعتهم، وجعل الملوك عبيداً بمعصيتهم، عز الطاعة وهو في السجن، فكلمة (تَزْرَعُونَ) فعل أمر، خرج مخرج الخبر للتأكيد كقوله (عز وجل) في مواضع أخرى‫:‬ (وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا) [سورة الحشر آية‫:‬ ١٠].‬
‫(تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا) (دَأَبًۭا) بإسكان الهمز، وبفتحها (قراءتان ) دأب يدأب ودَأْباً، ودَأَباً، دأب على الشيء‫:‬ داوم عليه واعتاد عليه (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا) أي دائبين إن كانت أمراً أو (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا) كعادتهم في كل سنة إن كانت خبرا، ثم أمر فقال جمعتم بعد النضج (فَذَرُوهُ) فاتركوه (سُنۢبُلِهِۦٓ) في السنابل الخضراء، ولا تخرجوا منها الحب، القمح، حتى لا يصيبه السوس، وحتى يُحفظ، من أين علم يوسف ذلك؟ لو كانوا قد اعتادوا على ذلك ما أمرهم به، ولكنه ينبّه، ويعطي معلومة لم تكن معلومة لديهم (فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تَأْكُلُونَ ﴿٤۷﴾) إذاً فالذي يُحصد يُبقى عليه بسنبله، ولكن يُدرس ما يُحتاج إليه على قدر حاجة الناس، يُؤخذ الكمية التي تحتاج لها الناس في خلال العام، وقال (قَلِيلًۭا) معنى ذلك أن العطاء يجب أن يكون بحساب، وأن يأخذ الناس كفايتهم دون زيادة، إذاً فالأمر محتاج إلى تنظيم، وإلى يد قوية تمسك بزمام الأمر (ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌۭ شِدَادٌۭ يَأْكُلْنَ) أي يأكلن أهلهن؛ لأن السنة لا تأكل لكن الناس يأكلون، ولكن نسب الفعل إلى السنين مبالغة (يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ) القمح الذي أُبقي في سنبله نحتاج إليه في السنين المجدبة، فنخرجه من سنبله، ونطحنه، وهكذا ولكن ليس كل ما ادخرتم تأخذون، ولكن لابد من الإبقاء على نسبة لإعادة زرعها، وبذرها، التقاوي كما يقولون (إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴿٤۸﴾) من الإحصان، والإحصان‫:‬ جعل الشيء في الحصن، والحصن‫:‬ المكان الممتنع الحصين الذي لا يوصل إليه، فسّر السنبلات الخضر، والبقرات السمان بسبع سنين مخصبات، وفسّر البقر العجاف والسنبلات اليابسة بسبع سنين مجدبات، فإذا زرعوا في السنين المخصبة، واحتفظوا بالزائد عن الحاجة في سنبله، حُفظ من الآفة، فإذا جاءت السنون المجدبة نفعهم ما ادخروه فاستخدموه (ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ) من بعد السنين الشداد (عَامٌۭ) وقال (عَامٌۭ) ولم يقل (سنة) لأن العرب اعتادوا على تسمية سنين الرخاء بالأعوام، وسنين القحط بالسنين ( اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِينِ يُوسُفَ) دعوة النبي (صلى الله عليه وسلم) على قريش فأصابهم الله بالسنين أي بالقحط (وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٣٠] وتجد حتى في قصة نوح، والحكاية عن نوح (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًۭا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ (١٤)) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ١٤] لم يكن في هذه الأعوام مشقة ولا شقاء؛ لأنه لم يكن قد بُعث سنين البعثة ألف إلا خمسين، وسُميت سنين لأنه لقي من قومه أشد ما لقي نبي من قومه، فقال (أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًۭا) والقياس في كلامنا (أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًۭا) لكي تتوافق الكلمات، لكن يدلك المعنى على أن مدة البعثة كانت شقاء تعب ومكابدة (ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ) إذاً فهو رخاء (فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴿٤۹﴾) من أين أتى يوسف بهذا، ولم يكن في رؤيا الملك؟ قيل ذاك وحي الله، أوحاه إليه حتى يعظم قدره عند الملك، وقيل بل علم يوسف ذلك من السنة الإلهية، فقد جرت سنة الله على التيسير بعد التعسير، وعلى الرخاء بعد القحط، وإن بعد العسر يسرا، سنين وجدب، لابد أن يأتي بعدها الفرج، من هنا قال (ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ) يغاث من الغيث، غاث الله البلاد غيثا‫:‬ أنزل عليها المطر، أو من الغوث، والغوث، والغياث، والإغاثة‫:‬ إزالة الهمّ، والغمّ، والكرب، أغاثه الله‫:‬ نجاه، ونصره، وأعانه، وطلب الغوث من الله، وطلب الغياث‫:‬ طلب الإعانة، وطلب النصر، أما طلب الغيث فهو طلب المطر (عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ) بالغيث بالمطر، أو من الغوث، أي يعانون، ويذهب عنهم الكرب، والهم (وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴿٤۹﴾) (وفيه تعصرون) (وفيه تُعصَرون) من العصر، يعصرون العنب خمراً، والزيتون زيتاً، وهكذا يعصرون الدهن، يعصرون السمسم، دلالة على وفرة المحاصيل، ووفرة الزرع، ولا يأتيهم ربنا بالقمح فقط، بل بثمار كثيرة مما يُعصر كالعنب والسمسم وما إلى ذلك، أو (وفيه تعصرون) على الخطاب، أو (وفيه تُعصرون) تمطرون (وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَٰتِ مَآءًۭ ثَجَّاجًۭا (١٤)) [سورة النبأ آية‫:‬ ١٤] على هذه القراءة، أو من العَصَر، أو العَصَرة، وهو الملجأ، والنجاة (وفيه تُعصرون) أعصره‫:‬ أنجاه، ذهب إلى العَصَره، أو لجأ إلى الملجأ، أو المنجاة (وفيه تُعصرون) تحدث لكم النجاة مما أنتم فيه حينئذ من قحط وجدب‫.‬‬‬‬
وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌۭ ﴿50﴾
إذاً فقد تلقف الساقي في التأويل، وعاد وحكى، وحين رجع، وقصّ، وحكى رأَى الملك فضل ذاك الذي أوّل الرؤيا، وعلم ما لم يعلمه الملأ، والتفسير تفسير منطقي يقبله العقل، والمعبّر واثق حتى أنه أخرج التعبير في صيغة الأمر، من هنا قال الملك (ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ) رسول الملك إما هو الساقي، وإما غيره، أصدر الملك أمره بالإفراج عنه فوراً حتى يسمع التأويل بنفسه، ويرى ذلك العالم، والعليم بتأويل الرؤى المسجون، هل أحبه؟ هل كما قيل، والأذن تعشق قبل العين أحيانا، أم هو حب استطلاع؟ أم يريد أن يتأكد (فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ) رسول الملك (قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌۭ ﴿٥۰﴾) أمر غريب حتى أن سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) علّق على ذلك بقوله‫: (وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ لَبْثَ يُوسُفَ لَأَجَبْتُ الدَّاعِي) فكيف قوي يوسف، وصبر واعتز بنفسه، ولم يخرج! (ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ) أي إلى سيدك، ومولاك الذي أرسلك (فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ) البال كل حال يُكترث لها، فاسأله أي فاجعله يتحرى ويبحث، ويسأل ما حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، غريب أيضا من الذي أدخله السجن؟! والقصة أصلا بدأت مع من؟ مع امرأة العزيز، والمنطق يقول فاسأله عن امرأة العزيز، ما دخل النسوة هنا؟! وكأن يوسف أدباً منه، وكمالاً في خلقه، لم يرد أن يأتي بذكر امرأة العزيز حفاظاً على العشرة، ومعروفها في تربيته، فهي في منزلة الأم، فأراد بإدخالها في النسوة في العموم، أراد التلويح دون التصريح، وتأمل في الأدب، والكمال، وخلق الصديقين والأنبياء، جاء الكلام تعريضا، وليس تصريحاً (إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌۭ ﴿٥۰﴾) ختام الكلام، وياله من ختام، واستشهد على خطورته بعلم الله، وأظهر براءته؛ لأن الكيد ليس حقاً، وتوعد النساء على كيدهن بقوله‫: (عَلِيمٌۭ ﴿٥۰﴾) وطالما علم الله لابد وأن يؤاخذ على مقتضى علمه، خطورة الكيد وضحت، أكد الكيد وأكد حدوثه بشهادة الله، ثم أظهر براءته بأن الأمر لا يخلو من كيد، لم يكن حقاً، بل كان كيد، ثم توعّد النساء على كيدهن (إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌۭ ﴿٥۰﴾) واختُصر الكلام، والتقدير أن الملك حين بلغه ذلك تعجب كيف لا يخرج مظلوم من سجنه؟ كيف لا يوافق على الإفراج! كيف يمتمنع! لابد في الأمر شيء، ولابد أنه استقصى، وسأل أين كان قبل أن يُسجن؟ كان مملوكاً للعزيز، أين العزيز؟ قيل‫: كان قد مات، وقيل‫: بل كان حياً، وذاك أرجح، وأين امرأة العزيز؟ ما حكاية النساء؟ دعتهن يوما لأي شيء وماذا حدث؟ وكيف قطعن أيهديهن، ولِمَ حدث ذلك؟ ائتوني بهؤلاء النسوة ضروري، كل ذلك حدث فاختصر القرآن كل ذلك ثقة بفهم السامع‫.
قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ قُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍۢ ۚ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿51﴾
إذاً فقد وصل الملك إلى الحقيقة كاملة، وإلى النتيجة كاملة، وبدأ الاستجواب علناً (مَا خَطْبُكُنَّ) الخطب‫:‬ الأمر الجلل الذي يكثر فيه التخاطب، أو الأمر الذي يُخطب فيه، أو الأمر الذي يحق أن يُخاطب فيه صاحبه، وهناك خطْب يسير، وهناك خطب جليل، فالخطب جلل إذاً أمر يحق أن يخاطب فيه صاحبه، أو يُخطب له، أو يكثر التخاطب فيه (مَا خَطْبُكُنَّ) ما شأنكن؟ هذا الشأن الخطير الذي يجب أن يحدث فيه الكلام، وتحقيق، وأخذ، ورد (رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ ) هل راودت النساء يوسف؟ وهل حين قطعن أيديهن واستعاذ يوسف بالله (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ) هل انفردت كل واحدة به تراوده تحت دعوى الوصية لامرأة العزيز، لابد أنه قد حدثت المراودة بعد ذلك، إما أنهن انفردن به بأمر امرأة العزيز، يوصينه بها، فطمعت فيه كل واحدة إما ذاك، وإما هذا، لكن المراودة حدثت، والخطب عظُم عليه؛ لأن امرأة العزيز كانت منفردة فاجتمعن عليه، ويالها من عفة، ويالها من عصمة، والدليل أن الملك يقول (إِذْ رَٰوَدتُّنَّ) بالجمْع (يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ ) (قُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ) معاذ الله أن يقترف يوسف ذنبا فالتنزيه ليوسف أو التنزيه للمولى (عز وجل) من صفات العجز في خلْق عفيف كيوسف عفة لم يُسمع بها في التاريخ، ونتعجب من قدرته على خلق هذا العفيف وتحصينه بهذه العفة التي لم يُرى لها مثيل (قُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍۢ ۚ ) شهادة، أي أمر يرتكب يثبت بأمر من اثنين، بشهادة الشهود، أو بالإقرار، والاعتراف سيد الأدلة كما قيل، ها هي قد ظهرت براءة يوسف بالشهادة، لا بالرؤية، ولا بالسماع؛ إذ العلم يكون بالمشاهدة، أو يكون بالسماع، أو بوجود الدلائل، أو بوجود القرائن، نفت النسوة عن يوسف أية شبهة (عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍۢ ۚ ) لم يقلن (ما رأينا) بيان، وتأكيد، وهنا أراد الله (تبارك وتعالى) أن يجمع ليوسف الشهادة، والإقرار، فلا يظن ظان، ولا يشك شاكّ في براءته فاعترفت (قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ) غريب أن تُلهم التوبة بهذا الصدق، وبهذه القوة (حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ) ظهر الحق، أصلها من حصّ شعره‫:‬ جزّه جزاً حتى ظهرت بشرة الرأس، الحص‫:‬ الاستئصال، ومنه الحِصَة أي ظهرت حصة الحق من حصة الباطل (ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ) ظهر كما تظهر البشرة إذا حُصّ الشعر (أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿٥١﴾) إذاً بهذه الشهادة، وبهذا الإقرار، والاعتراف، والاعتراف سيد الأدلة هل يقال بعد ذلك أن يوسف همّ بها، أو قعد منها مقعد الرجل من امرأته، أو حل الإزار كما قيل في بعض الكتب (وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿٥١﴾) في أي شيء؟ حين قال للعزيز هي راودتني عن نفسي، لم يحدث منه همّ مطلقا، هذه هي الشهادة، وهذا هو الاعتراف، جمعهم الله له، وإذا أحب الله عبداً تولاّه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، كان الصحابة كلما قرؤوا سورة يوسف أخذهم البكاء، وبكاء الباكي في سورة يوسف يختلف باختلاف المشاعر، فمن البكائين من يبكي حزنا، ومن البكائين من يبكي أسفا، ومن البكائين من يبكي فرحاً، ومن البكائين من يبكي ‬‬‬‬‬‬

‫الجُزءُ الثالث عشر‬
‫اختلف المفسرون والعلماء في الآيات التالية أهي من قول يوسف؟ أم هي من قول امرأة العزيز؟‬‬‬
ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ ﴿52﴾ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿53﴾
من القائل لهذا الكلام؟ الله يقول حكاية عنه، فمن المحكي عنه؟ قالوا يوسف حين رجع الساقي، أو الرسول إلى يوسف في السجن، واستُدعى إلى الملك وجاء بعد ذلك قال يوسف (ذَٰلِكَ) أي ما طلبته من التحقيق، والمواجهة وما أردته من بقائي في السجن، وعدم الخروج كي تظهر براءتي ظهورا لا شك فيه، وحتى يعلم العزيز أني لم أخنه، وهو غائب، ولم يحدث مني مراودة كما اتهمتني امرأته (ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ) العزيز (أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ) في امرأته (بِٱلْغَيْبِ) وهو غائب (وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى) لا ينفذ، لا يسدد (كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ ﴿٥٢﴾) لا يهدي الشيء‫: لا يدلّه، الهداية‫: الدلالة بلطف على المطلوب، يهدي الكيد، يوصله إلى ما أراد، هل يوصل ربنا الكائد أو الخائن بكيده إلى ما يريد؟ أبداً إن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم، أي لا يوصلهم، أو لا يبلغهم أملهم، وما يريدون، وحين قال يوسف ذلك الزعم، ومن قال أنه همّ ونودي كيف تفعل فعل السفهاء، وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء، ذاك الكلام المرفوض يدّعي أن يوسف حين قال ذلك نودي‫: ولا حين هممت بها يا يوسف، ولا حين حللت الإزار يا يوسف فقال (وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ ) كلام لا يتفق مع العقل، أو المنطق، أو سياق الآيات، وقال آخرون قال يوسف (ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ ﴿٥٢﴾) ثم تواضع لله (عز وجل) ونفى عن نفسه العجب، أو التزكية، فقال‫: وما حدث من عصمة لم يكن بيدي، أو ما حدث من عفة لم يكن بمرادي، لكن الله عصمني (وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ) بطبعها لأن النفوس مطبوعة على الميل إلى الشهوات، غريزة الجوع، غريزة الفرج، غريزة البقاء، النفس بطبعها ميالة إلى الشهوات (إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ ) إلا وقت رحمته، فقد تميل، وتمتنع تارة أو (إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ ) أي إلا من رحمة ربي بالعصمة و (ما) تأتي بمعنى (من) كثيرا في القرآن كقوله (فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ) [سورة النساء آية‫: ٣] أي (من طاب لكم من النساء) (إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ ) أي إلا من رحمة ربي بالعصمة، ذاك قولان، والقول الأرجح والأصح والأشبه، أن الكلام كلام امرأة العزيز؛ لأن الكلام متصل؛ ولأن يوسف لا زال في السجن؛ ولأن يوسف لم يحضر بعد، ولا زال محضر التحقيق مفتوحاً، ولا زالت الجلسة منعقدة واسمع (مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ قُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍۢ ۚ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿٥١﴾) يوسف وهو في السجن غير حاضر في هذه الجلسة (أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ ﴿٥٢﴾) فقد فُضحْت، وشهدن عليّ النسوة، وها أنا أقر معترفة لاجئة إلى الله، فهو لا يهدي كيد الخائنين، فلم أصل إلى ما رجوت ولم أنَل ما اشتهيت (وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ ) لست بريئة، مذنبة، مقرة، معترفة بذنبي (إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ ) إلا من رحمه الله بالعصمة كيوسف الذي امتنع، واعتصم، وابتعد عن المعصية، الكلام متصل ذاك هو المنطق، وذاك هو العقل، ذاك ما يقتضيه عصمة الأنبياء، وتوقير الرسل، توقير الرسل مطلوب، واحترام الأنبياء مطلوب، وتنزيه الأنبياء عن الهمّ، والخاطر، والمعصية؛ لأن الله حين خلقهم، خلقهم لرسالته، خلقهم برحمته، ومن رحمته، ولرحمة الناس بهم، فهُم الرحمة المهداة من الله إلى خلْقه، وانظر إلى قول سيد الخلق، وخاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وسلم) حين يتحدث عن نفسه قائلا‫: ( إِنَّمَا أنا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ ) وانظر إلى شهادة الله (عز وجل) وتصديقه لكلمة نبيه (وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةًۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ (١٠٧)) [سورة الأنبياء آية‫: ١٠٧] الأنبياء هم الواسطة بين الله وعباده، الأنبياء هم الرحمة المهداة، الأنبياء هم المثل الأعلى للكمالات البشرية في أقصى معانيها، وأبلغ مراميها، فلابد من تنزيه الأنبياء، وتوقيرهم، وعدم نسبة الخطأ أو الخطيئة إليهم، مهما صغرت، أو عظمت، أي توبة هذه، وكيف اجترأت امرأة العزيز وهي من علية القوم، من أشراف القوم، امرأة الخازن على خزائن الملك، امرأة المتصرف بأمر الملك، امرأة رئيس الدولة، أو رئيس الوزراء كيف اجترأت في هذا الملأ، وفي حضرة الملك أن تقر بذنبها وتعترف؟! توبتها صادقة لو وُزعت على عُصاة الأرض جميعا لكفتهم، هل أنطقها الله حباً في يوسف، وإرادة في تبرئته فأنطقها كما ينطق الجلود، والأيدي، والأقدام (قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ) [سورة فصلت آية‫: ٢١] هل أنطقها الله لمقام يوسف، لرفعة شأن يوسف، وهل نطقت مكرهة، أم راضية مختارة؟ نطقت راضية مختارة، إذاً فالنطق سببه التوبة، إرادة الله بالقبول دفعتها لذلك، فتاب عليها، وأسلمت، وحسن إسلامها، وظهرت براءة يوسف، فتحقق الأمران‫: صدق التوبة، وإعزاز الله لنبيه، وإظهار براءته وانتهت الجلسة وهنا فقط (وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ) إذاً لم يكن يوسف حاضراً، ولم يكن قد أتى بعد، ولم يشهد هذا التحقيق فكيف يقول (وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ ) وأين قاله؟ زعموا أنه قاله في السجن حين جاءه الرسول، كيف وترتيب الآيات، وقال الملك ائتوني به كيف؟ إذاً لم يذهب إليه أحد بعد، وتأمل في الأول حين سمع الملك التأويل قال ائتوني به، وحين رأى البراءة وظهرت العفة، وظهرت العصمة، وظهرت الطهارة، وظهرت البراءة، زاد على كلمة (ٱئْتُونِى بِهِۦٓ) (أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ ) من يرد الله أن يعزه أعزه، ومن اعتز بغير الله ذل، وجعل ذله على يد من اعتز به، وسبحان من يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، فقد ظهرت براءة يوسف، وتحققت بأمرين‫: بشهادة الشهود، وباعتراف امرأة العزيز، وبإقرارها، جمع الله (تبارك تعالى) له الأمرين لإظهار براءته على الملأ، وعلى رءوس الأشهاد، وهنا تبين للملك فضل يوسف، وقد تبين له من قبل غزارة علمه، فقال‫: ائتوني به، فلما ازداد علما بيوسف، وعرف مزيد فضله وصبره، وعفته وأمانته‫.
وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌۭ ﴿54﴾ قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌۭ ﴿55﴾
‫(أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ ) أي أجعله من خاصتي وخلصائي، فأين يجد الملك مثل هذا الصدّيق؟ أين يجد تلك البراءة! تلك العفة، تلك الطهارة، تلك النزاهة (فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ) وذاك من إعجاز القرآن في الاختصار، أي حين قال الملك (ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ ) ذهب الرسول إليه ودعاه إلى الملك، وبيّن له أن البراءة قد ظهرت، وأُعلنت، فجاء يوسف فدخل على الملك فكلّمه (فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌۭ ﴿٥٤﴾) أي لمّا كلمه الملك وسمع منه تأويل الرؤيا، ورأى فصاحة لسانه، ورجاحة عقله، ورأى الهيبة في وجهه، ونور النبوة مكّنه وقال (إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌۭ ﴿٥٤﴾) أي ذو منزلة رفيعة، ومكانة لا يدانيك فيها أحد، أي مؤتمن على كل شيء، لا تخاف، ولا تخشى غدراً، ولا خيانة (قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ ) خزائن الأرض‫: ثروة الأرض من مال، من زراعة، والأرض أرض مصر، والتي يملكها الملك، طلب يوسف هذا المنصب والأنبياء لا تسعى إلى الدنيا، والأنبياء لا تريد من جاه الدنيا شيئا، ومن مَلَكَ منهم ملك بأمر الله، كما جعل في بني إسرائيل الأنبياء ملوكا، وملّكهم لكن يوسف يطلب لنفسه، ويطلب بنفسه، قال العلماء في هذا الطلب‫: إما أن الله أوحى إليه، ولا يتصرف النبي إلا بوحي، وإما أن يوسف قد علم من كلمة الملك (إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌۭ ﴿٥٤﴾) أن الملك لابد وأن يوكل إليه أمراً فاختار ما فيه نفع الناس، وما فيه إحقاق العدل، وما فيه الرحمة، وما فيه إنقاذ البلاد والعباد من القحط، والمجاعة المتوقع حدوثهما (قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌۭ ﴿٥٥﴾) حفيظ لما استرعيتني، عليم بما ولّيتني، حافظ للخزائن ممن لا يستحق، عليم بوجوه التصرف فيها، ويقول الله (عز وجل):
وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿56﴾ وَلَأَجْرُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ﴿57﴾
إذاً الآية تشعر أن طلب يوسف كان بناء على أمر الله ووحيه (وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ) إذاً فالممكن هو الله، ومقالة يوسف كانت سببا لتمكين الله له، ومقالة يوسف لابد وأن تكون بوحي من الله، مكّنه، ومكّن له‫: جعل له سلطانا، وتسلّطا على ما مكّنه فيه، مكُن مكانة وتمكّن (وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ) أرض مصر (يَتَبَوَّأُ مِنْهَا) ينزل، ويتخذ منزلاً ومكانا لإقامته (حَيْثُ يَشَآءُ ۚ ) بمشيئة الله (عز وجل) (حيث يشاء) حيث يشاء يوسف والتبوأ‫: الإعداد والتهيئة (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ) [سورة الحج آية‫: ٢٦] أي هيأناه له، وعلمناه له، وأخبرنا بمكانة بوأه، وبوّأ له‫: أعد له منزلا وهيأ له المكان (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ ) نتفضل بإحساننا، وعنايتنا، وعطائنا وفضلنا على من نشاء من عبادنا (وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿٥٦﴾) والآية تفيد أمرين أولا‫: الثناء على يوسف وأنه بشهادة الله من المحسنين، ثانيا‫: أن هذا الجزاء، وهذا العطاء، وهذا التمكين، وهذا التمليك غير مختص بيوسف بل بكل محسن في كل مكان وزمان (وَكَذَٰلِكَ) أي وكما برأنا يوسف وكما أخرجناه من السجن، وكما أظهرنا براءته، مكّنا له في الأرض، يتبوأ ويختار ما يشاء من سلطان، من جاه، من عمل، من مكانة، من رفعة يتبوأ منها حيث يشاء؛ لأننا نتفضل بإحساننا، وعطائنا على من نشاء؛ لأننا نتفضل بإحساننا، وعطائنا على من نشاء باختيار الله، في نفس الوقت كل محسن لا يضيع أجره، وإن كان التفضل والإحسان بمشيئة الله لكن رغم ذلك ما من محسن إلا وهو حائز لفضل الله (عز وجل) (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ ) باختيار الله، وفي نفس الوقت (وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿٥٦﴾) وإن عجبت من هذا العطاء، وهذا التمكين، ومن إحسان الله في الدنيا، فكل ما في هذه الدنيا من نعيم، ومُلك لا يقاس بما أعده الله للمحسنين في الآخرة؛ لأن عطاء الدنيا منقطع، وعطاء الآخرة دائم لا ينقطع (وَلَأَجْرُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ) أكثر وأدوم أفضل وأعظم (لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ﴿٥۷﴾) آمنوا بالله (تبارك وتعالى) وكانوا يتقون غضبه، يتقون الشرك، يتقون المعاصي، وجاءت السنون المجدبة، وظهر القحط في مصر، والشام بعد السنين المخصبة، وتولّى يوسف تنظيم الأمر، وتولى السيطرة الكاملة على أرض مصر، متى تُزرع، متى تُحصد، متى يُجمع الحصاد ما يبقى في سنبله، ويُخزن وما يُدرس ويُطحن، وما يُوزع على الناس، القدر والمقدار الكافي، واشتهر بين الناس بعدله، ورحمته، ورأفته، وأحبه الناس جميعا لخُلُقه، وكرمه، وفضله، وقد كان يجلس بنفسه لتوزيع الأقوات، ويراعى كل إنسان، ولا يميز أحداً على أحد، وجاءت السنون المجدبة، وأصاب القحط مصر، وأهلها وضواحي مصر، بل وصل القحط إلى الشام أو إلى موطن يوسف الأصلي، وسمع الكل بعدالة يوسف، وبرحمته، وبرأفته، وهنا أرسل يعقوب أبناءه، لشراء الدقيق، أو القمح من مصر، وكان يوسف يبيع الناس القمح بالمال، أو بما يقوم بالمال‫.
وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ﴿58﴾
عرف إخوته وقت ما ألقوه في الجب كان صغيراً، ولكنهم كانوا كباراً، ولم يتغير إلى حد كبير شكلهم، عرفهم إما بشكلهم، وإما بالوحي (وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ﴿٥۸﴾) لم يعرفوه، وقال العلماء‫: لِمَ لمْ يعرف إخوة يوسف أخاهم؟ قالوا‫: لبُعد الفترة، عشرون سنة، وقال البعض كان صغيرا، وكبر وتغيّر شكله، وقال البعض الآخر‫: بل للمهابة، والعظمة، والملك فقد جلس على عرش يرى ويشرف على توزيع الأقوات، لبس الحرير والتاج على رأسه، ذاك مُلك، أين يوسف من هذا الملك، فلم يتأملوا فيه هيبة له، وغضوا البصر، فلم يعرفوه، وقال آخرون‫: بل أراد الله (تبارك وتعالى) ألا يعرفه الإخوة لقضاء قضاه، ولأمر يريده، وإلا لو عرفوه ما حدث، ما حدث بعد‫.
وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍۢ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ ﴿59﴾ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ ﴿60﴾
‫(وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ) (ولما جهزهم بجِهَازهم ) قراءتان الجهاز، والجِهاز بالفتح والكسر‫: ما يُعد، ويُهيأ من زاد، ومتاع للمسافر، ومنه جهاز العروس (قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍۢ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ ) كيف قال هذا؟ كيف عرف؟ كانوا عشرة ذهب العشرة، وبقي الصغير شقيق يوسف، وأحبهم إلى قلبه، وأحبهم إلى أبيه، فقد أراد يعقوب أن يتسلى بابنه في غيبة بقية الأبناء، وازداد حبه وعطفه له بعد مغيب يوسف، فلم يرسله معهم، فكيف عرف يوسف؟ قالوا‫: كان يوسف يعطي كل رجل حِمْل بعير فقط، لا يزيد على ذلك، فرآهم وقد جاءوا بأحد عشر بعيرا وهم عشرة، فحين أرادوا حمل البعير الحادي عشر قال لمن؟ وأين صاحبه؟ قالوا‫: لأخ لنا من أبينا تركناه وراءنا، فقد كان له أخ خرج إلى البرية، وهلك فأراد الأب أن يتسلّى به، من هنا عرف فقال‫: لن يحدث أن أمنحكم، أو أعطيكم حمل البعير، إلا إذا أتى صاحبه، وقالت الكتب الكلام الكثير، وسألهم من أين أنتم؟ وكيف جئتم؟ ولماذا جئتم؟ ربما أنتم من الجواسيس؟ كيف أثق بكم؟ كلام وحوارات كثيرة يعلم لله (تبارك وتعالى) حقيقتها، لكن أرجح الأقوال أنهم جاءوا يريدون أحد عشر جملا وهم عشرة، ولتشجيعهم على المجيء والعود قال (أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ ﴿٥۹﴾) أي لا أنقصكم شيئا من حقكم أو في الكيل بل أزيد (وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ ﴿٥۹﴾) من النُزْل والنُزْل‫: الطعام ما يُقدم إلى الضيف، إذاً المعنى وأنا خير المضيفين، كيف أكرمت ضيافتكم، وأحسنت استقبالكم، وأطعمتكم، أو من المنزِل النزول، أي وأنا خير من نزلتم عليه من المأمونين، حين شجعهم بذلك، وأكرم وفادتهم، وأحسن ضيافتهم، وطلب منهم دليل صدقهم بأن يعودوا بذاك الأخ، وحينئذ يعطيهم ما يريدون عقّب ذلك بتهديد فقال (فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ ﴿٦۰﴾) حتى يضمن العودة، شجعهم وطمأنهم، ثم هددهم إذا لم يأت الأخ المزعوم هذا لن أكيل لكم بعد الآن، ولن أبيعكم بعد الآن شيئا بعد الآن، وإياكم أن تدخلوا هذه البلد، أو تقربوا هذه الأرض التي أنا سلطان على الأقوات فيها، وعدوه بالإتيان بالأخ حيث قالوا‫:
قَالُوا۟ سَنُرَٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَـٰعِلُونَ ﴿61﴾
المراودة من الرَوْد أو من الريادة أو من الرائد‫: الذاهب، والجائي أو من الطلب بلطف، أي نحاول مع الأب أن يرسله معنا (وَإِنَّا لَفَـٰعِلُونَ ﴿٦١﴾) تأكيد ب (إن) (واللام) إذاً فهو وعد وعهد‫.
وَقَالَ لِفِتْيَـٰنِهِ ٱجْعَلُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿62﴾
أراد يوسف رغم ذلك أن يضمن عودتهم، رغم ما أطمعهم فيه، وما هددهم به، أراد أن يضمن رجوعهم (وَقَالَ لِفِتْيَـٰنِهِ) أو لفتيانه الذين يُرحلون لهم أو يجهزون لهم أو يكيلون لهم (ٱجْعَلُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ) إذاً لم يثق يوسف في وعدهم، كما أن يوسف أراد بذلك ضمان العودة؛ لأنهم من أبناء الأنبياء، ومهما كانت المعصية التي ارتكبوها لكنهم لا يقبلون على أنفسهم مالاً حراما أبداً، فكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به، من هنا قال لفتيانه (ٱجْعَلُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ) والبضاعة‫: المال المتخذ للتجارة من البَضْع، أو من البِضْع، وهو القَطع مال مقتطع للتجارة إذاً الأثمان التي دفعوها للطعام أراد من فتيته أن يعيدوها مرة أخرى في رحالهم، والرحال‫: جمع رحْل، والرحْل في الأصل‫: ما يوضع على ظهر البعير ليركب لكنه يُستخدم بمعنى الوعاء، أي اجعلوا الأموال التي جاءوا بها، أو أثمان البضاعة في أوعيتهم (لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٦٢﴾) أي حين يعودون إلى بلدهم، وإلى أهلهم، وفتحوا متاعهم وجدوا الأموال لن يستحلوها، وبالتالي لابد وأن يعودوا لردها ذاك قول، والقول الآخر أن يوسف استحيا أن يأخذ ثمن الطعام من إخوته، القول الثالث أن يوسف أراد لهم أن يعودوا ويأخذوا المزيد من الطعام بهذا المال، فيضاعف لهم العطاء، أقوال أرجحها وأقربها إلى الصواب أنه تأكد من أنهم لا يقبلون حراما فأراد أن يعودوا بهذا المال ويضمن العودة لقوله (عز وجل): (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٦٢﴾) وهذا الرجوع لا يكون إلا لرد الحق، والله أعلم بما حدث، وهنا تساءل المتأملون في القرآن‫: يوسف عرفت حزن أبيك، يوسف مضت الأيام والسنون، يوسف برّأك الله، وملّكك أرض مصر حين جاء إخوتك، لِمَ لمْ تعرفهم بنفسك؟ لمَ لمْ ترسل فورا لأبيك لتأتي به، وترد إليه أمله، وتدخل على قلبه السرور؟ لمَ لمْ تفعل ذلك؟ بل كيف طاوعك قلبك أن تحرم أباك من أخيك، فتصر على الإتيان به فتجمع عليه حزنين، ومصيبتين، ولله في خلقه شئون، قيل‫: أراد أن يجمع على أبيه سرورين لعودته، وعودة أخيه، قيل‫: أراد أن يفرح بأخيه، ويدخل السرور على قلب أخيه، قبل أن يدخله على قلب الإخوة الذين غدروا به، فأراد أن يأتي به، وقيل، وقيل، ولكن الأمر لله، وما تصرف يوسف إلا بأمر الله، وبوحي الله؛ كي يبلغ الكتاب أجله ابتلاءً ليعقوب، ولله أن يبتلي خلقه بما شاء، ربما أراد الله أن يزيد من بلاء يعقوب، وابتلائه حتى يصير مثلاً وقدوة للأمم في الصبر، حتى أُمر نبينا (صلى الله عليه وسلم) أن يتخذهم قدوة (فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ ) [سورة الأنعام آية‫: ٩٠] فأُمر أن يقتدي نبينا (صلى الله عليه وسلم) بهؤلاء ورجع الإخوة على وعد بالإتيان بأخيهم، ولم يتنبهوا للأموال التي وضعت في رحالهم‫.
فَلَمَّا رَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيهِمْ قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ ﴿63﴾
‫(فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ) (يكتل) أصل الكلمة (يكتال) حذفت، ضم اللام للجزم، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين، فأصبحت (نكتل) نكتل كلنا (يكتل) هو لنفسه، وهو معنا (وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ ﴿٦۳﴾) وحين قالوا ذلك تذكر يعقوب هذه الكلمة، فقد قيلت من قبل في شأن يوسف، فتحركت المواجع فرد قائلا‫:
قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًۭا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ﴿64﴾
أي هذه الكلمة قيلت من قبل في شأن يوسف، وها أنتم تعيدونها على مسامعي تُرى أتريدون المكر به كما مكرتم بأخيه من قبل (قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ ) ثم وكأنه عاد، ولجأ إلى الله، واستسلم له فقال (فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًۭا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ﴿٦٤﴾) لأن الإنسان إذا نسب الحوادث للأسباب لابد وأن يعرف أن للأسباب رباً هو الذي خلق الأسباب، فحين اتهمهم، وقال لهم ذاك (هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ )، فلم تحفظوه، ثم عاد فنبه أن الحافظ هو الله، وأن ما حدث كان بقضاء الله، وإن كان التقصير منهم فهي إرادة الله، وإن كان المكر منهم فهو قضاء الله (فالله خيرٌ حافظاً) (فالله خيرُ حافظٍ) (فالله خيرٌ حِفْظاً) (فالله خيرُ الحافظين) قراءات، وكلها تؤدي نفس المعنى، والاختلاف في الإعراب (فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًۭا ۖ ) أي حفظ الله خير من حفظكم له، حفظ الله هو الأساس (وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ﴿٦٤﴾) أرجوا برحمته ألا يجمع عليّ مصيبتين، فيحرمني من ابني كما حرمني من أخيه من قبل، ويبدوا أنه تردد، أو أوشك أن يرسله معهم (هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ ) تفيد الامتناع (فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًۭا ۖ ) تفيد التوكل، والتفويض، فيبدوا أنه تردد بين الأمرين، كل ذلك حدث قبل أن يفتحوا متاعهم بمجرد الوصول، وكأنه استقبلهم على باب الديار، أو على رأس الطريق للاطمئنان عليهم، فقالوا‫:‬ يا أبانا مُنع منا الكيل، وهكذا وحين فتحوا المتاع وجدوا بضاعتهم‫.‬‬‬‬‬
وَلَمَّا فَتَحُوا۟ مَتَـٰعَهُمْ وَجَدُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا نَبْغِى ۖ هَـٰذِهِۦ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍۢ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌۭ يَسِيرٌۭ ﴿65﴾
‫(وَلَمَّا فَتَحُوا۟ مَتَـٰعَهُمْ وَجَدُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ ) (رِدت إليهم) قراءتان أصل الكلمة (رُددت) فأدغمت الدال في الدال، ونُقلت حركتها إلى الراء فأصبحت (رُدّت) (قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا نَبْغِى ۖ هَـٰذِهِۦ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ ) (ما) استفهامية (ما) نافية ويتغير المعنى بحسب الإعراب (قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا نَبْغِى ۖ ) استفهام ما نطلب زيادة عن ذاك ها أنت رأيت أكرمنا، وأحسن ضيافتنا، وها هي هي الأموال، قد أعيدت إلينا ماذا نطلب فوق ذلك (وَنَمِيرُ أَهْلَنَا) (ونُمير أهلنا) قراءتان الميرة‫: الطعام يُنقل من بلد إلى بلد، ماره‫: جلب له الطعام، فقرأت نَمير ونُمير أي نجلب الطعام لأهلنا (وَنَحْفَظُ أَخَانَا) إذا أخذناه معنا (وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍۢ ۖ ) حق الأخ (ذَٰلِكَ) والكلام عن الطعام الذي جاءوا به (ذَٰلِكَ كَيْلٌۭ يَسِيرٌۭ ﴿٦٥﴾) قليل فإذا ازددنا كيل بعير الطعام أو (ذَٰلِكَ كَيْلٌۭ يَسِيرٌۭ ﴿٦٥﴾) حمل البعير كيل يسير، لن يعارضنا فيه الملك، وسوف يمنحنا حمل البعير إذا جئنا بأخينا (مَا نَبْغِى ۖ ) نافية أي يا أبانا ما جاوزنا الحد في الكلام، وما تركنا الصدق، وما كذبنا عليك، وما اختلقنا لك القصة، والدليل على ذلك (هَـٰذِهِۦ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ ) ونمير أهلنا طالما تبين لك الصدق (وَنَمِيرُ أَهْلَنَا) نأتي ببضاعة أخرى بهذا المال، وكأنهم لن يردوه، وكأنهم فهموا أن يوسف أكرمهم، وأعطاهم الطعام بغير ثمن شفقة بهم، ورحمة، فأعاد لهم المال بعلمه، ولم يكن خطأ إذاً، نأخذ هذا المال، ونأتي بطعام جديد به، ونزداد كيل بعير لأخينا (ذَٰلِكَ) الذي جئنا به (كَيْلٌۭ يَسِيرٌۭ ﴿٦٥﴾) (قالوا يا أبانا ما تبغي) قراءة، يتغير المعنى أي ما تطلب فوق هذا ما الذي يرضيك وتصدقنا، فرد عليهم يعقوب (ذَٰلِكَ كَيْلٌۭ يَسِيرٌۭ ﴿٦٥﴾) لن أضحى بابني من أجل حمل بعير ذلك كيل يسير، والله أعلم بما حدث، حدث الحوار، والحوار له وجهات نظر والقرآن حمّال وجوه، والإعراب إذا اختلف يتغير المعنى، وكذلك القراءات، فمن القراءات ما يتغير معها المعنى، ومن القراءات ما لا يتغير معها المعنى، دار الحوار ولكن يبدوا أن يعقوب اقتنع بإرسال ابنه مع بقية الإخوة، لمَ اقتنع؟ ولِمَ وذلك كيِل يسير؟ هل خشي من السنوات القادمة ألا يميرهم يوسف حين (فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ ﴿٦۰﴾) قال هل جاءه الوحي؟ أهي إشارة من يوسف؟ كل ذلك يعلمه الله، لكنه قرر الموافقة، وحينئذ قال يعقوب لبنيه‫:
قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌۭ ﴿66﴾
قرر إرسال الابن، ولكن شرط العهد الموثق بالقسم، فطلب منهم أن يقسموا له بأغلظ الأيمان أن يحافظوا على أخيهم، وأن يرجعوا به إلا في حالة واحدة أن يهلك الكل، أو أن لا يُقدر على حفظه لسبب خارج عن كل طوق (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ) تعطوني (مَوْثِقًۭا) ميثاق وعهد (مِّنَ ٱللَّهِ) مؤكد بالأيمان بالحلف بالله (لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ) (إِلَّآ) استثناء من أعم الأحوال (إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ ) أي تأتوني به في كل الأحوال، وفي جميع الأحوال، إلا في حال واحد أن يُحاط بكم، والإحاطة أصلا من إحاطة العدو، فإذا أحاط العدو بعدوه هلك، وبالتالي يُعبَّر بكلمة الإحاطة عن الهلاك، أي إلا أن تهلكوا جميعا في هذه الحالة فقط، ماذا أفعل؟ ماذا أصنع؟ أو إلا أن لا تقدروا بأي حال من الأحوال على الإتيان به (فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ) وحلفوا، وتعاهدوا (قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌۭ ﴿٦٦﴾) استشهد بالله (عز وجل) وجعل ربنا شاهداً على هذا العهد والميثاق وكيل‫: رقيب، حافظ، عليم، مطلّع، وهنا أمرهم بأمر غاية في الغرابة، بل وما قاله المفسرون فيه أيضا غريب‫.
وَقَالَ يَـٰبَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍۢ وَٰحِدٍۢ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍۢ مُّتَفَرِّقَةٍۢ ۖ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ﴿67﴾
لمَ أمرهم بالدخول من أبواب متفرقة؟ كانوا عشرة، وذهبوا قبل ذلك في المرة الأولى، لِمَ لمْ يأمرهم بالدخول من أبواب متفرقة؟ قالوا‫: في المرة الأولى كانوا مجهولين لا يعرفهم أحد، فإن دخلوا جماعة أناس أصحاب، قافلة، أما هذه المرة، فقد عُرفوا أنهم إخوة عشرة، وها هو الحادي عشر معهم، هل خشي عليهم من بطش الملك؟ وقد كان الملك كافراً على غير دين يعقوب؟ هل خاف عليهم من الحسد؟ قيل ذلك، وقيل‫: إن الحسد موجود، وأن العين حق (وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍۢ مُّتَفَرِّقَةٍۢ ۖ ) إذاً فهو يأخذ بالأسباب، فأمرهم أن يتفرقوا، ويدخلوا من أبواب متفرقة، ولا يدخلوا من باب واحد مجتمعين فيراهم الناس، أو يراهم الحاسد، فيتم الحسد، فأخذ بالأسباب، ثم فوّض الأمر لله ونبّه أن الحذر لا يُغني مع القدَر، ولا ينفع حَذَر في منع قدَر، فقال‫: (وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ ) إذاً فهو يأخذ بالأسباب لكن الله فعّال لما يريد، يحكم ما يريد لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه (إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ﴿٦۷﴾) والغريب في الآية من حيث اللغة (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ ) إذاً فهو قد توكلّ على الله، وأخذ بالأسباب، وكما قيل‫: إن الأخذ بالأسباب واجب، والتوكل على الله فرض، وترك الأسباب جهل، وترك التوكل فسق، ها هو قد أخذ بالأسباب (وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍۢ مُّتَفَرِّقَةٍۢ ۖ ) ثم فهّم، وعلّم أن الأخذ بالأسباب لا يُغني من إرادة رب الأسباب (وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ ) والحكم له (إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ ) ما الحكم إلا لله (إِنِ) هنا النافية أي ما لحكم لأحد إلا الله، ثم توكل على الله (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ) الواو (وَعَلَيْهِ) والفاء (فَلْيَتَوَكَّلِ) عاطفان واو العطف، وفاء العطف في آية واحدة، أو في جملة واحدة من أجمل ما قيل فيها (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ) ذاك العطف (فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ﴿٦۷﴾) وكأنه أراد أن يقول‫: إنه نبي وتوكل، وبالتالي فهو قدوة فعلى كل الناس أن يقتدوا به، فيتوكلوا على الله كما توكل هو عليه، توكل على الله، وفوّض الأمر لله، وأخذ بالأسباب، ولكن تُرى هل خاف عليهم من العين حقاً؟ العين حق ونبينا (صلى الله عليه وسلم) يقول‫: (إِنَّ الْعَيْنَ لَتُدْخِلُ الْمَرْءَ الْقَبْرَ، وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ) الجمل العظيم الجميل الذي يُركب ظهره إذا أصابته العين دخل القدر، أي ذُبح وأُكل وفقد حياته، وكذلك الرجل إذا أصابته العين قد تدخله القبر، تميته كلنا يعلم في مسألة الحسد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) وكان يستعيذ من العين في قوله (صلى الله عليه وسلم) (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ) فكان يتعوّذ منها وقد حدث على عهده (صلى الله عليه وسلم) أن حسد رجلٌ رجلاً رآه يغتسل، وكان أبيض البشرة ناعمها، فقال ما رأيت كاليوم ولا جلد مُخبأة -عذراء- فوُعك مكانه -وقع- فأُخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) بمقالة العائن، فذهب إلى من وُعِك وجيء بالآخر وقال‫: (عَلى مَا يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، أَلا بَرَّكْتَ إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، تَوَضَّأْ لَهُ) فأفادنا بعلاج الحسد، إذا عُرف الحاسد يتوضأ، ويُؤخذ ماء وَضوئه فيُرش على المحسود، فتوضأ العائن وأُخذ الماء ورُش على أبي سهل بن حنيف الذي حُسد، فقام من فوره؛ ولذا إذا استُغسلتم فاغسلوا أمر من النبي (صلى الله عليه وسلم) والعائن لا يشترط أن يكون فاسقا، بل قد يكون العائن مؤمنا، وعليه إذا عُرف العائن أُخذ ماء اغتساله، غسل وجهه، ويديه، وقدميه، وأُخذ الماء لا يشترط الوضوء الشرعي، ثم يُرش الماء على المحسود، في التو واللحظة يقوم، أما إذا لم يُعرف العائن فالعلاج الرُقية، كما أمر أن يُسترقى لأولاد جعفر بن أبي طالب حيث تُسرع إليهم العين، فأمر أن يُسترقى للمحسود، كما أمر لمن يرى في نفسه أنه مصاب بهذا الداء - يحسد عن غير قصد - والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب إذا كان عن عمد، أما إذا كان عن غير عمد عينه مؤثرة رغما عنه، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) (أَلا بَرَّكْتَ ) برّكت قالوا‫: إذا رأي العائن شخصا جميلا، وخشي من نفسه قال‫: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك له إن رأي مالاً، أو رأي شيئا، أي شيء يخشى عليه من الحسد في نفسه فليبّرك، أمر واجب النفاذ، رآه كثير المال، قال اللهم بارك له في ماله، اللهم زده بركة، وهكذا تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه، اللهم بارك له، اللهم بارك عليه، بأي صيغة يقول بحسْب ما يراه، لابد وأن يفعل ذلك حتى يقي نفسه شر العقوبة؛ لأن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، فقد نصح يعقوب بنيه بالدخول من أبواب متفرقة، ولكنه في نفس الوقت فوّض الأمر إلى الله، وأعْلَم أبناءه أن الحذر لا يمنع من القدَر، وأقر أمامهم أن الحكم لله، وتوكل عليه، ونصح الكافة بالتوكل عليه، يقول الله (تبارك وتعالى):
وَلَمَّا دَخَلُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةًۭ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا ۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍۢ لِّمَا عَلَّمْنَـٰهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿68﴾
‫(وَلَمَّا دَخَلُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم) إذاً فقد دخلوا من أبواب متفرقة، وأطاعوا أمر أبيهم يقول الله (عز وجل) عن هذا الفعل‫:‬ (مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ) إن أراد الله (تبارك وتعالى) بهم شيئا ما كان هذا الاحتراز له نفع، وما يُجدي إذ لا راد لقضائه (إِلَّا حَاجَةًۭ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا ۚ ) هذا الاستثناء متصل، أو منفصل ما هي الحاجة التي كانت في نفس يعقوب قضاها؟ قال المفسرون‫:‬ هذه الحاجة هي خوفه من الحسد والعين والاحتراز منها، أو خوفه من الملك أن يراهم كثرة فيخشى منهم، أو يِنِكّلُ بهم (قَضَىٰهَا ۚ ) أظهرها وصرّح بها، ذاك قول المفسرين في هذا الشأن، وقد يقول قائل‫:‬ هذه الحاجة لم تُذكر، ولم نعلم عنها شيئا، وقول العلماء أن يعقوب أمرهم بالدخول من أبواب متفرقة مخافة العين، وخشية الحسد استنتاج، أو استنباط لكن ربنا يعلم لمَ قال يعقوب ذلك خاصة أن الله يقول (إِلَّا حَاجَةًۭ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا ۚ ) أتمّها، والقضاء في القرآن يأتي على معانٍ كثيرة (فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍۢ ) [سورة فصلت آية‫:‬ ١٢]، (وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤] القضاء يأتي بمعان كثيرة منها إحكام الأمر، وإتمامه، فهل أتم يعقوب ما أراد؟ أم هو مجرد إظهار الرغبة والتصريح بها كما قيل؟ التعقيب بعد ذلك يدعو للتأمل، وهو الثناء على يعقوب (وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍۢ) قالوا‫:‬ علم بأحكام الله، علم بأن الحذر لا يُغني من القدر، علم بأن الأمر لله، والحكم لله، فقال‫:‬ إن الحكم إلا لله، علم بأنه لا يغني عنهم من الله من شيء إن أراد الله بهم شيئا، وقال (وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ ) (وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍۢ لِّمَا عَلَّمْنَـٰهُ) أي عامل بما علم (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٦۸﴾) أن الحذر لا ينفع مع القَدَرْ، ذاك قول العلماء، والله أعلم بمراده، لكن الآية تدعو إلى التأمل‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿69﴾
‫(ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ ) ضمه إليه، هل كان يتسنى ليوسف أن يضم أخاه إليه لو أنهم دخلوا مجتمعين من باب واحد؟ وهل الدخول من أبواب متفرقة أتاح ليوسف الفرصة في ضم أخيه إليه؟ يعلم الله، لكن العلماء قالوا‫: إنهم حين دخلوا من أبواب متفرقة، ثم اجتمعوا بدأ يوسف يجعل منهم كل اثنين سوياً وكانوا أحد عشر فبقى الأخ الشقيق فضمه إليه (قَالَ إِنِّىٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿٦۹﴾) عرّفه بنفسه، وضمه إليه، وطمأنه، وسرّ عنه (فَلَا تَبْتَئِسْ) لا تحزن، الابتئاس‫: افتعال من البؤس، والبؤس‫: الشدة، والضرر، بَئِس بؤسا وابتئاس، لا تحزن مما حدث معنا من قبل، وقد فرّج الله (تبارك وتعالى) كربك، وكربي، وها نحن قد اجتمعنا سوياً، وما إلى ذلك، وقال العلماء في هذا الشأن كثيرا من الأقوال، كلها من الغيبيات، أخذه وضمه إليه، ونام معه في فراشه، واحتضنه، وقال، وقيل، وكل ذلك لا يعنيننا في القصة، ولم يرد في القرآن إشارة إليه (ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ ) كيف ضمه إليه؟ كيف اختلى به؟ ذاك فعل الله‫.
فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَـٰرِقُونَ ﴿70﴾
أعطاهم الطعام، وهيأ لهم ما يطلبون، وزادهم كيل بعير، فقد جاءوا بالأخ، أو أعطاهم من الطعام ما يوازي بضاعتهم التي رُدت إليهم (جَهَّزَهُم) هيأهم، وأعدهم للسفر، وأعطاهم ما يحتاجون إليه أثناء سفرهم من طعام وشراب وما إلى ذلك (فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ) السقاية‫: الوعاء الذي يُشرب فيه، يُستخدم في الشرب، سواءً للإنسان، أو للدواب، ويستخدم في نفس الوقت للكيل، وقيل كانت من ذهب، أو كانت من فضة، أو كانت مرصعة بالجواهر، وكان يكال بها لعزة الطعام، أو أراد المزيد من إكرامهم، فكال لهم بإناء الشرب (جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ) في متاعه هل جعلها بنفسه، أم أمر أن تُجعل في رحل أخيه؟!! (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَـٰرِقُونَ ﴿۷۰﴾) أذّن‫: أعلم، لكن على التكثير من الأذان، وهو الإعلام، أذّن مؤذِن‫: أعلم مُعلِّم، وأعلم أكثر من مرة، وكأنهم أخذوا الدواب، وانصرفوا وبعد ما تركوا مجلس يوسف، وهمُّوا بالرحيل، وانفصلوا عن المكان لحق بهم أحد بأمر يوسف منادياً عليهم أي يا أصحاب العير كقوله‫: (وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ) [سورة يوسف آية‫: ٨٢]، أي واسأل أهل القرية (أَيَّتُهَا) على حذف حرف النداء (يا) يا أصحاب العير، والعير‫: الدواب المحملة وهنا يتوقف المتأمل كيف سمح يوسف لنفسه أن يجمع على أبيه حزنين، ومصيبتين، حبس أخيه، أو التدبير لذلك، وكيف اتهم الإخوة بالسرقة ظلما؟ وهل يجوز ليوسف مع مقامه أن يكذب؟ قيل في هذا من أجوبة، أيتها العير إنكم لسارقون أي لسارقون يوسف من أبيه، فالكلام حق، وصدق، هل سرقوا يوسف؟ نعم (أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَـٰرِقُونَ ﴿۷۰﴾) أي حالكم حال السراق، إذ معكم ما ليس لكم من متاع غيركم، وقيل أيضا الكلام استفهام محذوف الأداة أيتها العير، أو إنكم سارقون سؤال واستفهام مع حذف أداة الاستفهام وجاء في القرآن الكثير، ومنها قول الله (تبارك وتعالى) حكاية عن الحوار بين موسى وفرعون (وَتِلْكَ نِعْمَةٌۭ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ (٢٢)) [سورة الشعراء آية‫: ٢٢] أي أوتلك نعمة تمنّها عليّ، هل من النعم أن تجعلهم عبيداً لك، إذا فهي سؤال محذوف الأداة أوإنكم لسارقون، هل كان يعلم الأخ أن السقاية في رحله؟ هل أخبره يوسف بذلك؟ هل المنادي الذي نادى كان يعلم بالحيلة، أم أنه بحث عن الصواع فلم يجده فقال ذلك بغير أمر من يوسف، أم أنه قال ذلك بأمره؟ أم هو وحي من الله، وحيلة لحبس الأخ، أو لضم الأخ ليوسف كلها تساؤلات‫.
قَالُوا۟ وَأَقْبَلُوا۟ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ ﴿71﴾
أذاً فقد كان النداء من خلفهم حتى أنهم توقفوا، ثم التفتوا، ثم أقبلوا على المنادي وهو يسترجعهم قبل الرحيل، لكن الغريب في التعبير أنهم قالوا‫: ماذا تفقدون، الفقد‫: غياب الشيء عن الحس بحيث لا يُعرف مكانه، الإجابة المتوقعة‫: ماذا سرقنا، وأي شيء سرقنا، لكنهم قالوا‫: (مَّاذَا تَفْقِدُونَ ﴿۷١﴾) وكأنهم يعلمونهم الأدب في الخطاب، وعدم إلقاء التُهم جزافا، أنتم ضاع منكم شيء، أنتم تبحثون عن شيء مفقود، فلا تتهمونا بالسرقة بغير دليل، فلم يقولوا‫: ماذا سرقنا، قالوا‫: ماذا تفقدون، وقُرئت (ماذا تُفقدون) وهنا تراجع المتهمون بالسرقة فقالوا‫:
قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍۢ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌۭ ﴿72﴾
وكأنهم تراجعوا عن كلمة السرقة، وعن الاتهام بالسرقة فقالوا‫: (نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ) الصواع‫: يُذكّر ويؤنث، وهو أداة الكيل، ويطلق أيضا على السقاية، وقُرأت بقراءات عديدة (نفقد صُوَاعَ الملك)، (صَواغَ الملك)، (صَاعَ الملك)، (صاغ الملك)، (صَوْعُ الملك) (صَوغُ) (صياغُ الملك) من الصياغة، وكأنه كان مصاغاً من ذهب، أو من فضة (وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍۢ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌۭ ﴿۷٢﴾) حمل بعير مكافأة، وأنا به كفيل كلمة (زَعِيمٌۭ ﴿۷٢﴾) في الأصل هو القائم على أمر القوم، وتُطلق كلمة (زَعِيمٌۭ ﴿۷٢﴾) على الكفيل، والضمين أي أنا متكفل بهذا، والآية فيها بعض الأحكام التي تردد فيها العلماء هل يُكافأ السارق، إذا رد ما سرق؟ أم أنه حُعْل مقابل البحث عن الصواع؟
قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَـٰرِقِينَ ﴿73﴾
‫(تَٱللَّهِ) قسم يحمل معنى التعجب، والتاء بدلاً من الباء، ولا تُستخدم التاء إلا مع لفظ الجلالة فقط، والباء تُستخدم في جميع أنواع القسم‫: بأبي وأمي أنت يا رسول الله (تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم) من أين علموا؟ استشهدوا بعلم هؤلاء الناس - العزيز ومن حوله – (لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلْأَرْضِ) هذا العلم نشأ من أنهم جاءوا وردوا البضاعة التي وُضعت في رحالهم، الأثمان، جاءوا وقالوا‫: وجدنا بضاعتنا رُدت إلينا ها هي البضاعة، ومن يرُد ما وُجد معه باختياره، لا يمكن أن يكون سارقا، قيل أمور كثيرة، منها أنهم كانوا يكممون أفواه الدواب حين دخولهم حتى لا تأكل الدواب من زرع الناس، أو تأكل من طعام غير مأذون فيه، فهذا التكميم معناه منتهى الحرص عن الإيذاء والإفساد ورد البضاعة كذلك‫.
قَالُوا۟ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمْ كَـٰذِبِينَ ﴿74﴾ قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿75﴾
رجال يوسف يردون عليهم ما هي العقوبة في نظركم، أو في شرعكم إن كنتم كاذبين في ادعائكم البراءة، إن حدث أننا اكتشفنا أنكم سُراق، أو أن السارق منكم ما هي العقوبة، إذا لابد أن يكون هذا بأمر من يوسف، إما أن يكون هو القائل حيث ردوهم إليه، وإما أن يكون القائل بهذا قد قاله بأمر يوسف؛ لأنه أراد أن يستنطقهم بالحكم الذي يؤدي إلى ما يريد، فإن الحكم في شرع الملك في مصر كان الضرب للسارق، والتغريم ضعف ما سرق، ولم يكن من شرع الملك أن يستعبد السارق، واسترقاق السارق لمدة سنة لا توجد إلا في شرع يعقوب الذي نُسخ بشرع محمد (صلى الله عليه وسلم) بقطع يد السارق، فالقائل هنا يريد أن يستنطقهم بالحكم الذي يعلمه يوسف، ثقتهم بأنفسهم جعلتهم يصدرون الحكم بمنتهى اليقين، (قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ ۚ ) ذاك هو الحكم، أي من وجد الصاع في رحله، فصاحب الرحل هو جزاءه، يسترق، (جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ) مبتدأ وخبر، وانتهى الكلام، (فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ ۚ ) فهو هو وكأنه الزام للحكم وتقرير للحكم‫.
فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌۭ ﴿76﴾
وبدأ حملة التفتيش هل بدأها يوسف بنفسه؟ قيل ذلك، وقيل كان يستغفر كلما فتش في وعاء أحدهم، يستغفر الله من هذه التهمة التي ألصقها بهم، وقيل التفتيش تم بأمره، وهو يراقب (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ) حتى لا يرتابوا (ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ ) وهنا أُنثت الكلمة وقيل ذلك (نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍۢ) فالصواع يُذكر على الصاع، ويؤنث على السقاية، وهنا قال العلماء كلاما كثيرا‫: نكسوا رءوسهم، ونظروا إلى الأخ، وقالوا‫: اسما له بنيامين، وقالوا كيف ذاك، وكيف يوجد الصاع في رحلك، قال‫: وضعه من وضع البضاعة في رحالكم، كلاما وحوار يعلم الله مدى صحته، المهم أنه استخراج الصاع من رحل الأخ، هل كان بعلمه؟ وكان يعلم ذلك الأخ أم إنه كان مطمئنا في الأصل ولم يعلم وكان مطمئنا ليوسف؟ يعلم الله، ربنا يجيب على كل ذلك فيقول (كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ ) الكيد في الأصل‫: المكر، والاحتيال، ويستعمل في المحمود، والمذموم (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًۭا ﴿١٥﴾ وَأَكِيدُ كَيْدًۭا ﴿١٦﴾) [سورة الطارق آية‫: ١٥ - ١٦] كيدهم مذموم، وكيد الله محمود (كَذَٰلِكَ كِدْنَا) دبرنا، وقررنا (لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ) في سلطانه، في حكمه، وحكم الملك ليس فيه استرقاق (إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ ) أن ينطقوا هم بالحكم، أو أن يشاء الله أن يجعل السقاية في رحل الأخ (إِلَّآ) استثناء متصل من أعم الأحوال أو هو منفصل بمعنى لكنه أخذه بمشيئة الله، أي ما كان ليوسف أن يأخذ أخاه في حكم الملك؛ لأن حكم الملك الضرب والتغريم لكنه مشيئة الله (عز وجل) اقتضت أن يصدر الحكم بالاسترقاق على ألسنة إخوة يوسف، وأن يوضع الصواع في رحل الأخ، إذا فكل ذلك تم بوحي من الله، وليس بتدبير من يوسف (نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ ) (نرفع دراجاتِ من نشاء) قراءة بالعلم، وبالإيمان، وبالتصرف (وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌۭ ﴿۷٦﴾) ما من عالم إلا وهناك من هو أعلم منه، وفوق الكل العليم الخبير (سبحانه وتعالى) وهنا ظهر ما في نفس الإخوة حين استخرجها من وعاء أخيه، والوعاء يقرأ، وِعاء بالكسر، وُعاء بضم الواو، إعاء بالهمز، حين استخرجها من الوعاء، وظهر أن الأخ سَرَق، أو سُرِّق ووُضع الوعاء في رحله، كما وُضعت البضاعة في رحالهم، لكنهم لم يحسنوا الظن بل أساءوا الظن، وظهر ما في نفوسهم فقالوا رداً على الموقف‫.
قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌۭ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴿77﴾
‫(قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌۭ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ ) يقصدون يوسف، هل سرق يوسف؟ هنا قال العلماء بعض الأقوال‫: فمن قائل أنه كان في حضن عمته أخت يعقوب كانت تحبه حباً شديداً، ولما شبّ عن الطوق، وأراد أبوه أن يأخذه أبت، ولكنها لم تجد حيلة سوى أن تدس في ثيابه، أو تلف حول وسطه حزاماً لأبيها إسحق، وقالت لأبيه ابنك سرق، فدعه لي سنة الحكم، وقال البعض الآخر‫: بل دخل كنيسة فوجد فيها صنما من ذهب فأخذه، وألقاه مع الجيف فاتهُم بالسرقة، وقيل‫: بل كان يأخذ من الطعام خلسة للمساكين والفقراء‫. أقوال يعلم الله (تبارك وتعالى) بصحتها، لكن الله هنا يقول (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ ) ما الذي أسره يوسف في نفسه؟ هذه الكلمة (إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌۭ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ ) أم أن ما أسرّه هو الجواب، الذي أجابهم به في نفسه ولم ينطق به (أَنتُمْ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴿۷۷﴾) تلك هي الإجابة التي أسرّها يوسف في نفسه، وكتمها أي أنتم شرّ مكانا من هذا السارق، أو أنتم شرٌ مكانا عنكم من قبل، كأن يوسف اتضح له أن الإخوة لازالوا في غيّهم، لازالوا في بغضهم له، ولا زالوا في بغضهم لأخيه، وأخلاقهم ساءت عن ذي قبل، أنتم في مصيبة، واتُهم الأخ ،دافعوا عنه أو افعلوا شيئا، ما علاقة هذا السارق بأخ له من قبل، هم أخوة من الأب، والأم مختلفة، يوسف وأخوه من أم واحدة، ومن يعقوب والعشرة من يعقوب ومن أم أخرى، فلأنه ليس من أمهم اتهموه، واتهموا أخاه كذلك (وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴿۷۷﴾) أي أعلم بما تفترون على يوسف، أو أعلم بالحقيقة، أو أعلم بأن ما تقولونه غير حقيقي، يبدوا والله أعلم أن أخوة يوسف ندموا بعد ذلك على تسرعهم في اتهام الأخ، واتهامه أيضا بأنه اتخذ يوسف قدوة، يبدوا أنهم ندموا فرجعوا مرة أخرى للاستعطاف، ذهبت ثورة الغضب، وقد يعذرهم الإنسان أبناء أنبياء أمناء، السرقة ليست من أخلاقهم، ويستحيل أن يرتكبوها ها هم جاءوا وأعطوا أباهم المواثيق، وفوجئوا بخروج أو باستخراج السقاية من رحل أخيهم، مفاجأة تثير الغضب، والإنسان في غضبه قد يتسرع وقد يخطئ، وقد لا يدري ما يقول، نسأل الله (تبارك وتعالى) القصد والصواب في الرضا والغضب؛ ولذا لا يصح للإنسان أبداً أن يحكم حال الغضب، أو أن يقضي حال غضبه، أو أن يتكلم حال غضبه، ونصحنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) بمقاومة الغضب بأساليب عدة، إن كان قائما جلس، وإن كان جالسا اتكأ، وإن كان متكئا وزاد غضبه فعليه أن يغتسل، أو يقذف على نفسه أو على وجهه ماء، أو يتوضأ وما إلى ذلك، انخفضت ثورة الغضب أو هدأت، فأقبلوا على يوسف يستعطفونه‫.
قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًۭا شَيْخًۭا كَبِيرًۭا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿78﴾
ولأول مرة يُطلق لقب العزيز على يوسف، ويبدوا أن عزيز مصر مات، أو نُحيَ عن منصبه، ويبدوا أن يوسف قد رُقِي إلى منصب العزيز بموت العزيز الذي راودته امرأته أو بتنحيته (قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًۭا شَيْخًۭا كَبِيرًۭا) شيخا‫: كبيرا في السن، فلِمَ قالوا كبيراً؟ قال علماء النحو‫: إطناب لزيادة المعنى، والإطناب من أساليب القرآن، أن يعبِر عن المعنى بأكثر من لفظ زيادة في التأكيد، أو زيادة في توضيح المعنى المراد، وقال آخرون (كَبِيرًۭا) بمعنى كبير القدر، نبي من الأنبياء، كيف يُتهم ابنه بالسرقة (فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ ) هل الكلام مجاز أم حقيقة؟ وهل يمكن أن يؤخذ البريء بجريرة الظالم؟ هل قالوها استعطافا، ولم يقصدوا ذلك على الحقيقة؟ أم قصدوا فعلا أن يتطوع أحدهم فيُستَرق، وبدلاً من هذا الأخ الذي يعرفون مقدار حب أبيهم له بالإضافة للميثاق (إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿۷۸﴾) إن فعلت ذلك، إنا نراك من المحسنين أي المداوم على الإحسان، أحسنت إلينا وأكرمتنا، وأكرمت وفادتنا، وتعوّدنا على الإحسان منك، فلا تخرج عن عادتك في الإحسان، وأحسِن إلينا بإطلاق سراح هذا الأخ‫.
قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًۭا لَّظَـٰلِمُونَ ﴿79﴾
والتعبير غاية في الدقة، لا يصدر إلا من العليم الخبير (قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ) أي أعوذ بالله معاذً من أن نأخذ ذاك هو التقدير، معاذ الله‫: أستجير بالله، وأستعيذ بالله، وأعوذ بالله أن أخطئ في تصرفي، وقضائي، وحكمي فآخذ البريء بجريرة الظالم، أو المهتم، تأمل تقدير الكلام على عقولنا، ولو كان المتكلم بشرا لقال‫: معاذ الله أن نأخذ إلا من سرق، فقال‫: (إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُۥٓ) هل كذب يوسف؟ هل اتهم أخاه بالسرقة؟ هل اتهم بريئا؟ هل وُجد المتاع في رحله؟ وُجد، هل يلزم من وجوده أن يكون هو الآخذ أو السارق؟ لا يلزم، ويوسف يعلم أن الأخ بريء وانظر إلى التعبير (قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًۭا لَّظَـٰلِمُونَ ﴿۷۹﴾) إنا إذاً لظالمون لو فعلنا ذلك، وربنا قد أوحى إليه أن يأخذ أخاه بهذه الحيلة لرضا الله عنه، ولإرادة الله، ولابتلاء يعقوب، وحي، وأمر، وقضاء، فلو نفّذ غيره لكان ظالما لو أخذ غيره لكان ظالما بهذا الفعل، لكنهم فهموا غير ذلك (مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُۥٓ) أي سرق (إِنَّآ إِذًۭا لَّظَـٰلِمُونَ ﴿۷۹﴾) في شرعكم، وفي حكمكم لو استعبدنا أو أخذنا غير السارق، هم فهموا كذلك‫.
فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّۭا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ ﴿80﴾
‫(فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ) اليأس إذا دخل في الكلمة السين والتاء أفادت المبالغة، فلما استيئسوا‫:‬ يئسوا يأسا شديداً، اكتمل اليأس فيهم من أن يرجع يوسف عن حكمه (فلما استايسوا) قراءة إبدال الألف بالياء (فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّۭا ۖ ) قال أحد الأعراب حين سمع الآية‫:‬ والله ما هذا بقول بشر، ولا يمكن أن يقول هذا الكلام إلا الخالق (سبحانه وتعالى) في كلمتين أو ثلاث شرح المشهد كله، خلص يخلص خلوصا‫:‬ انفراد، وانعزل، أو أصبح خالصا أي طاهراً، ونظيفا منفرداً (خَلَصُوا۟) إذن فقد انفردوا عن الناس وانعزلوا (نَجِيًّۭا ۖ ) يتناجون، والمناجاة‫:‬ الكلام في السر (خَلَصُوا۟ نَجِيًّۭا ۖ ) إذاً فقد حدث التشاور، وابتعدوا، وجلسوا في مكان منعزل، وها هم يتشاورون ماذا يقولون لأبيهم؟ أي زور يختلقونه؟ أي كلام يقولونه؟ ذاك هو المشهد المعبَّر عنه بكلمتين (خَلَصُوا۟ نَجِيًّۭا ۖ ) (قَالَ كَبِيرُهُمْ) كبيرهم في السن، كبيرهم في الرأي، كبيرهم في العقل، الله أعلم ومن هو؟ قيلت الأسماء، والأسماء مستفادة من الكتب السابقة التوراة، وغيرها والكتب محرّفة لا نعلم الصدق فيها من الكذب، ولا يهم الاسم أهو روبير كما قالوا ذاك، لا يهم سنا أو كبيرهم عقلا الذي قال من قبل (تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ) [سورة يوسف آية‫:‬ ١٠] (قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ ) ذاك هو كلامه، أخذ عليكم موثقا من الله، أكد الحلف، وأشهد الله حين قال (لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌۭ (٦٦)) [سورة يوسف آية‫:‬ ٦٦] (وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ ) (مَا) اختلف فيها النحاة أهي موصولة؟ أهي زائدة للتوكيد (مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ ) أي قد حدث منكم التفريط من قبل في شأن يوسف، فأضعتموه، وهذه حادثة أخرى، وثانية ماذا تفعلون؟ ماذا أنتم قائلون؟ (فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ) برح براحاً وبروحاً: زال، فإذا دخل عليه النفي ثبت، لن أبرح الأرض‫:‬ لن أترك الأرض إذاً فقد قرر أن يلزم مكانه، ولا يرجع إلى أبيه إلى متى؟ (فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ ﴿۸۰﴾) وكأن التوبة بدأت، وكأن الندم بدأ، وكأن الإفاقة من الغيّ قد آن أوانها، واختُص بها أعقلهم، أو أرشدهم، أو أكبرهم إذاً فهو يطلب أن يعودوا هم، ويبقى هو إلى أن يأذن الأب بعودته لأن الأب قال (لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ ) فيقدر الأب أهي إحاطة (أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ ) كيف؟ قالوا في هذا بالقتال‫:‬ أن يقاتل لاسترداد أخيه، فإن قُتل فقد أحيط به، وإن استطاع أن ينجو بأخيه نجا، ووصفت الكتب في قوته، وأنه إذا غضب خرج شعره من ثيابه، وكلام كثير يعلم الله بحقيقته، هو يقول (أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ ﴿۸۰﴾) لأن الله يحكم بالعدل والحق، ماذا كان يقصد بقوله (أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ ) هل شك في التهمة؟ هل بدأ حسن الظن؟ هل اعتقد أن الأخ بريء، وقد يظهر الله براءته ففوض الأمر إلى الله؟ يعلم الله وأمرهم بالرجوع إلى الأب وبقي هو في أرض مصر مجاور لقصر العزيز لعل (تبارك وتعالى) يقضي في شأنه ما يشاء‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، في سورة يوسف الكثير والكثير من التأمل، والعبرة في القصة لا تنتهي، بل هي عبر، وعبر، بل وفيها كذلك من قواعد الأحكام ما يزيد عن ثمانية عشر قاعدة وحكم أُخذت من هذه الآيات، الأحكام والقواعد التي فصلها العلماء، واستدلوا بالآيات عليها، فقد تشاور إخوة يوسف كيف يواجهون ما حل بهم، مصيبة اتهم الأخ بالسرقة، استخرج الصواع من رحله والكل ينظر هم الذين أوقعوه لم يكن هذا من دين الملك، ولا حكمه، هم الذين حكموا، واختاروا الحكم، كيف يخرجون من هذا المأزق؟ كيف يواجهون الأب؟ خلصوا نجيا، وتشاوروا ها هو كبيرهم، أرشدهم، أكبرهم سنا، أرشدهم عقلا، يقول لهم‫:‬ لا مفر إلا بالمواجهة مع أبيكم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ ﴿81﴾
تخلّف حتى يأذن له الأب، وخاف من مواجهة أبيه، أو أملاً وطمعاً في رحمة الله، لعلّ الله ينقذ أخاه، سرق يسرق سَرَقاً، أما السَرِقَة، والسرِق فهو اسم للشيء المسروق، السَرَقْ: فهو الفعل، أخْذْ ما ليس له (إن ابنك سرق - إن ابنك سُرِّق) اتُهم بالسرقة، نُسب إليه السرقة، إما فعلا وحقاً، وإما أن الصاع وُضع في رحله دون أن يدري، تحمل المعنيين (وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا) أي وما أخبرناك إلا بما رأينا، فقد استُخرج الصواع من رحله، أو ما شهدنا عليه إلا بما علمنا، أي بظاهر الأمر، أما من قبل ما شهدنا قط من قبل إلا بعلم، أما الآن فنحن نشهد بظاهر الأمر، فقد استُخرج الصواع من رحله (وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ ﴿۸١﴾) لا ندري ماذا حدث، أسَرَق أم سُرِّق، أخفى الصاع أم وُضع الصاع في رحله، أو ما شهدنا عند الملك بأن السارق يُسترق إلا بما علمنا من دينك (وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ ﴿۸١﴾) وما كنا ندري أن الصواع يستخرج من رحله فيؤخذ بالحكم الذي حكمنا به، أي يؤاخذ جزاء الشيء المسروق، وأرادوا أن يؤكدوا كلامهم بما نصحهم الأخ الأكبر (فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ ﴿۸١﴾) حين أعطيناك المواثيق أن نأتيك به، لم نكن نعلم أنه يسرق أو ذاك يحدث، أو أنه يستّرق، معاني كثيرة تحملها الآية‫.
وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ﴿82﴾
إذا أردت التأكد من كلامنا، فاسأل أهل القرية (وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ) أي واسأل أهل القرية، الإيجاز بالحذف، ثقة بفهم السامع (ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا) مصر (وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ ) أي أصحاب العير أصحاب القافلة، ثم أكدوا كلامهم بقولهم (وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ﴿۸٢﴾) تأكيد في محل القَسَمْ، واختُصر الكلام أي قال لهم الأخ الأكبر ذلك، وسافروا، وعادوا، ورجعوا إلى أبيهم، فقالوا له‫: ما قاله الأخ الأكبر، فرد عليهم قائلا‫:
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴿83﴾ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌۭ ﴿84﴾
‫(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ ) سوّل بمعنى سهّل وزيّن، هل اتهمهم بالظن وكان ظناً؟ أما في حالة يوسف فالاتهام كان صدقا حين جاءوا على قميصه بدم كذب، هل لم يدر يعقوب حقيقة الأمر، واتهمهم لما سبق من فعلهم بيوسف، أم أن المعنى يحتمل ووضع اللفظ يحتمل أن يكون المقصود‫: سهلت لكم أنفسكم أن تصدقوا أن أخاكم سرق، وما سرق وما ينبغي له أن يسرق، ولكن الله يفعل ما يشاء، أو زينت لكم أنفسكم أن تتخلصوا من أخيكم فقلتم (جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ) وإلا فما أدرى العزيز أن السارق يسترق، ولِمَ حكم بهذا الحكم إلا أنكم أوحيتم إليه بذلك؟ ولجأ إلى الله (فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌ ۖ ) أي فشأني صبر جميل، أو فصبرُ جميل أولَى بي (عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ ) جاء بصيغة الجمع، والكلام عن اثنين أخ اتُهم بالسرق، وأخ تخلّف إلى جواره، إذاً فهو يقصد الثلاثة‫: يوسف، ومن اتُهم، والمتخلّف، ما الذي يذكر يوسف في هذا الموقف؟ قيل‫: إن يعقوب كان واثقا من حياة يوسف، برؤيا يوسف، أو بالإلهام، أو بحديث الذئب معه، الذي قاله بعض الناس حين لقيه وقال‫: لا أبقى في أرض يكذب فيها أولاد الأنبياء، وما إلى ذلك، وأنا من دم ابنك بريء كما قيل في بعض الكتب، لا نعتمد على ذاك أو هو رجاء في رحمة الله (تبارك وتعالى) يعلم الله، هو يرجو رحمة الله (عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ ) الثلاثة (إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴿۸۳﴾) العليم بحالي، الحكيم في تدبيره وقضائه (وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ) أعرض عنهم، وابتعد عنهم، ولم يرد أن يجلس معهم أو يطاعمهم أو يشاربهم (وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ) الأسف شدة الحزن على ما فات (يا) حرف نداء، وكأنه ينادي على الأسف تعال فهذا أوانك (يا أسفي) ذاك هو الأصل، وجيء بالألف بدلا من ياء المتكلم أو الأصل (يا أسفى) لأن الألف أسهل في نطق الفتحة (وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ) ونسى من اتُهم بالسرقة واستُرق، ونسى المتخلّف ليس من الحزن يذهب البصر، يذهب البصر من البكاء، والبكاء سببه الحزن، فقال ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، الحزن الذي كان سبباً في كثرة بكائه، فذهب بصره، (كَظِيمٌۭ ﴿۸٤﴾) إما فعيل بمعنى مفعول، وإما فعيل بمعنى فاعل (فَهُوَ كَظِيمٌۭ ﴿۸٤﴾) أي مكظوم، كقوله، عز وجل، في موضع آخر‫: (وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌۭ (٤٨)) [سورة القلم آية‫: ٤٨] وإما (كَظِيمٌۭ ﴿۸٤﴾) بمعنى كاظم كقوله (عز وجل): (وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ) [سورة آل عمران آية‫: ١٣٤] أصل الكلمة كظم القِربة، كظم السقاء ملأه بالماء، ثم شد عليه بالرباط حتى لا يخرج منه الماء، واستعير اللفظ لمن امتلأ بالغمّ، والهمّ، والغيظ، أو لمن أغلق قلبه على غيظه من أجل العفو، أو من أجل الصبر، وهنا يتعجب الأبناء إخوة يوسف، ويعبرون عن العجب بقولهم:
قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ ﴿85﴾
‫(قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ) قيل في القَسَم إذا خلا القسم من علامة التأكيد، أو الإثبات، وهي اللام والنون (لأفعلن) فهو على النفي (تالله لأفعلن)، إثبات (تالله أفعل) أي لا أفعل، قيل هذا، وقيل ذاك (قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ) فتِيء‫: بفعل الشيء، فَتَأَ: يفعل الشيء‫: لغتان من أخوات (إن) الناقصة، بمعنى (مازال) فتأ يفعل كذا‫: أي مازال يفعل كذا، وهناك (لا تفتأ) فأين (لا)؟ محذوفة للإجاز، أي لاتفتأ تذكر يوسف، أي لاتزال تذكره وقيل‫: إنها مضمرة (حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا) (حرِضَا)، (حُرُضاً)، (حَرُضاً) قراءات، والحرض في الأصل‫: فساد الجسم، أو فساد العقل من شدة الحزن، أو الهمّ، أو العشق، أو الكِبَر، أو الهَرَمْ، حَرَض يِحرِض حرضاً، وحرض للمذكر والمؤنث، والمفرد والجمع؛ لأنه في الأصل مصدر، وهناك من يقول (حَارض) للمذكر (وحارضة) للمؤنث (حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا) مُشفياً على الهلاك، يذهب عقلك، أو يذهب جسمك، أو تظل طريحاً للفراش (أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ ﴿۸٥﴾) بالموت‫.
قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿86﴾
البث‫: التمزيق، ونشر الشيء بث الرياح التراب‫: أثارته ومنه (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ ) [سورة النساء آية‫: ١] والقرآن يفسر بعضه بعضاً، يُعبَّر بالبث عن الهمّ الشديد، الذي لا يطيق صاحبه الصبر عليه (أَشْكُوا۟ بَثِّى) أي الحزن الشديد الذي يظهر عليه، رغم أنفه من شدة بطائه، وابيضاض عينيه (أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ) وكأنه أعاد المعنى بغير اللفظ، بلفظ آخر (إِلَى ٱللَّهِ) لا إليكم، ولا إلى أحد سواه (وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿۸٦﴾) تُرى ما الذي يعلمه؟ أعلم من لطفه بعباده، وجميل صنيعه ما لا تعلمون، من هنا أطمع في رحمته، وأن يأتيني بأبنائي، وبالفرح من حيث لا أحتسب أو (وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿۸٦﴾) الكلام عن رؤيا يوسف، ولم تتحقق الرؤيا بعد، ولابد من تحقيق الرؤيا، واجتماع الأب، والأم، أو زوجة الأب، والإخوة، والسجود بين يدي يوسف، وهذا لم يحدث بعد، وطالما لم يحدث فلابد وأن يحدث، وقيل بالإلهام، وقيل سأل ملك الموت في الرؤيا هل قبضت روح يوسف؟ قال‫: لا (وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿۸٦﴾) لم يخبرنا ولكنها أقوال العلماء‫.
يَـٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ﴿87﴾
يقين هذا هو اليقين بعينه، متيقن من حياة يوسف، بل ومتيقن من وجوده بمصر، حتى إنه وجههم إلى مصر حيث تخلّف الأكبر، وأُخذ الصغير استُرق جزاء السرِق (ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ) والتحسس‫: طلب الخبر بالحواس، وكأنه التحسس رؤية عين، سماع أُذن، إذاً فهو متيقن من أمرين‫: من حياة يوسف، ومن وجوده حيث وجههم إلى مصر، هل شعر يعقوب بذلك؟ هل علم بذلك؟ هل استنتج، أو استنبط من فعل يوسف حين رد إليهم البضاعة، وأخْذ الأخ بتهمة السرقة؟ هل علم من إكرامه لإخوته في كل مرة بالكيل الوفير، وحسن الإنزال؟ من هذا الخلُق ومن هذا السلوك؟ هل كانت إشارات؟ يعلم الله، لكنه كان متيقنا من حياته، ومن وجوده حيث وجههم (ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ) وربط به أخاه ليس المتخلّف، ولكن الذي اتُهم بالسَرَقة (وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ ) أي لا تقنطوا من رحمة الله، الروح‫: الروح، التنفيس أصل كلمة الروح‫: التنفس تطلق على تنسيم الريح بما يُلذ شمه، ويستطاب نسيمه، ذاك هو الروح، استُعير للتفريج، لا تيأسوا من روح الله، أي من فرج الله وتنفيسه (إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ﴿۸۷﴾) الكافرون بالله وبصفاته، وبأن رحمة الله واسعة، وبأنه لطيف بعباده ويختصر القرآن القصة‫: استمعوا لأبيهم، وأطاعوه، وذهبوا، وعادوا مرة أخرى إلى مصر‫.
فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَـٰعَةٍۢ مُّزْجَىٰةٍۢ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ ﴿88﴾
كلام كله استرحام، كله مذلّة، وخضوع، بل ونادوا (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ) الجوع، الشدة، الحزن (وَجِئْنَا بِبِضَـٰعَةٍۢ) البضاعة هو البضْع، وهو الجزء المقتطع من المال للتجارة (مُّزْجَىٰةٍۢ) مرفوضة، مردودة، لا يقبلها أحد، أزجاه، وزجّاه‫: دفعه، وساقه برفق، البضاعة المزجاة مدفوعة كيف هي مدفوعة؟ إذا قدمناها دفعها إلينا من قدمناها إليه لا يقبلها، رديئة قيل دراهم مغشوشة، وقيل كذا، وقيل كذا (فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ) هل كانوا محتاجين للكيل، أم هي حيلة للدخول عليه؟ هم أخذوا، استحقاقهم من الطعام، وعادوا وأخذوا كيل بعير، أخذوا كيل عشرة في المرة الأولى، ثم عادوا للاستزادة بكيل بعير، ماذا يريدون الآن، والبضاعة، مرفوضة، مردودة، مغشوشة؟ أوف لنا الكيل أي عاملنا معاملة من أتى ببضاعة، سليمة (فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ ) تفضل علينا بإيفاء الكيل، تفضل علينا بالتجاوز عن سوء البضاعة، علينا برد أخينا، أبوه كذا، وكذا (إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ ﴿۸۸﴾) تعريض بالكلام دون التصريح؛ لأنه في نظرهم كافر، وليس على دينهم، فحين يقولوا (يجزيك الله) خطأ (إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ ﴿۸۸﴾) هو يفهم أنه مقصود من الكلام، وهم يخرجونه من الكلام بالتأويل، بالتعريض؛ لأن الله يجزي المتصدقين حقا، لكن لابد أن يكون من المسلمين، وهو ليس منهم في نظرهم، استرحام، واستعطاف، ومذلة ظاهرة، وهنا فقط قال يوسف‫:
قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ ﴿89﴾
لمَ لمْ يقلها من قبل؟ لمَ ترك الأب في حزنه؟ لم جمع على أبيه مصيبتين‫: مصيبة فقد يوسف، ومصيبة الأخ الذي استُرق، واتُهم بالسرقة، والأخ المتخلّف؟ لمَ جمع الحزن على أبيه بهذا الجمع للمصائب؟ لمَ لم يفهمهم؟ هل رق قلبه؟ هل أحس بتوبتهم، وندمهم (ما كل ما يُعرف يقال، وما كل ما يقال حضر أهله، وما كل ما حضر أهله جاء أوانه) حكمة (قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ ﴿۸۹﴾) هل الكلام عتاب؟ أبدا، هل الكلام تثريب؟ أبدا، هل الكلام توبيخ؟ أبدا، بل التمس لهم العذر بقوله‫: (إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ ﴿۸۹﴾) والآية، والصياغة تُشعر بأمور‫: هو يذكّرهم، يحضّهم على التوبة، يدعوهم إلى الاعتراف بالذنب، يقرر أن ما فعلوه بيوسف، فعلوه وهم جاهلون، وتلك الصفة لا تطلق إلا على صغير السن الطائش، وبالتعبير إذ أنتم جاهلون إذاً فهو يقر أنهم الآن ليسوا كذلك، فهُم أحسن حالا بعكس المرة السابقة حيث قال (أَنتُمْ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا ۖ ) [سورة يوسف آية‫: ٧٧] أي أنتم أسوأ من ذي قبل، أما في هذه الكرّة فهو يقول‫: إذ أنتم جاهلون، أي كأنه يلتمس لهم العذر بالشباب، بصغر السن، بالطيش والجهل صفة لا تُطلق على مؤمن، ولا مسلم، ولا عاقل أبداً، وربنا يقول (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ (٣٥)) [سورة الأنعام آية‫: ٣٥] كان يوسف يحضهم على الاعتراف، ويدعوهم للتوبة، وهنا تنبهوا.
قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿90﴾
والكلام هنا استفهام تقريري؛ لأنه محقَقْ ب (إن) و(اللام) (أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ ) حققوا التقرير في الاستفهام، إذاً فقد تيقنوا منه كيف عرفوه؟ هل لأنه أخبرهم بما فعلوه بيوسف؟!! يمكن أن يكون العزيز قد علم ذلك من الأخ الذي استُرق؛ لذا قال بعض الناس حين قال لهم (قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ ﴿۸۹﴾) كان حليما، حكيما، دقيقا، عطوفا، قالها وتبسم، وحين تبسم عرفوه من ثناياه التي كانت كاللؤلؤ المنظوم، فليس تبسّم يوسف كتبسّم أحد من الناس، هنا عرفوه وقيل‫: بل حين قال وضع التاج عن رأسه، فعرفوه (قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ) لم يقل نعم (قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ) وزاد في الإجابة (وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ ) إذا كنت يوسف فمن الطبيعي أن يكون هذا أخوك، وكأنه أراد أن يعرّف نفسه بأخيه تشريفا للأخ، ورفعاً لشأنه الذي اتُهم بالسرقة، وليدخله معه في قوله (قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ ) منّ علينا بالمُلك، منّ علينا بالسلامة، منّ علينا بالاجتماع، منّ علينا بجميع أنواع المنن (إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿۹۰﴾) (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجره)، فجاء بالمظهر مكان المضمر؛ لنعلم أن المحسن هو من جمع بين التقوى والصبر، تعرّف الإخوة على يوسف، واعترف هو بنفسه، وعرّفهم بشخصه، وبيّن لهم جزاء التقوى، وجزاء الصبر، وكيف منّ الله (تبارك وتعالى) عليه، وعلى أخيه، وهنا أقرّ الإخوة بخطيئتهم، واعترفوا بها طالبين الصفح، والعفو‫.
قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِـِٔينَ ﴿91﴾
اعتراف، والاعتراف ندم، والندم توبة، خَطِيءَ يخطأ‫: أتى بالخطيئة، فهو خاطئ، غير أخطأ يُخطِئ فهو مخطئ، ذاك الذي لم يتعمد، أما الخاطئ فهو الآتي بالذنب، إذاً فقد اعترفوا بأنهم أذنبوا (تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا) فضّلك علينا، واصطفاك إذاً، فقد تنبهوا أن التفضيل لم يكن تفضيل الأب، هو تفضيل الله، تفضيل الملك (لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا) بالعلم بالحكمة، بالملك، بالتقوى (وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِـِٔينَ ﴿۹١﴾) إذاً فهو اعتراف بالذنب، اعتراف بفضل الله على يوسف، متضمنا طلب العفو، والصفح؛ لأنك إذا قلت لصاحبك، وقد أخطأت في حقه، لقد أخطأت في حقك، معنى هذا أنك تطلب صفحه، وهنا يرد الصديق بالرد الذي لا يمكن أن يخرج إلا ممن اصطفاهم الله (تبارك وتعالى) وآثرهم‫.
قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ﴿92﴾
التثريب‫: التأنيب، التوبيخ، الفرق بين التثريب والتأنيب؛ لأننا نقول دائما أنه ليس في اللغة العربية مترادفات، أصل كلمة تثريب من الثرب، الثرب‫: الشحم الرقيق، الذي يحيط بالكرش، والأمعاء تثربه وأثربه همزة السلب، والتشديد للسلب‫: أزال الثَرْب أي إذا جاء بالذبيحة، وأراد أن يثّرب أي يزيل الثرب كالتمريض إزالة المرض، وبالتالي يطلق التثريب على التأنيب الذي يمزق العرض، ويُذهب ماء الوجه، فالتثريب أشد من التأنيب (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ ) أي لا توبيخ، ولا تبكيت، ولا لوْم، ولا عتاب شديد يحرجكم، أو يجرح مشاعركم، أو يذهب ماء وجوهكم (ٱلْيَوْمَ ۖ ) أي في هذا اليوم وفي هذا الوقت الذي هو مظنة العتاب، والتوبيخ لا عتاب، ولا توبيخ، فما بالكم بالمستقبل، وكأنه يقول لا تثريب عليكم الآن، ولا بعد الآن، وكأن الموضوع قد انتهى تماماً (يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ ) دعاء لجأ إلى الله طالبا المغفرة والرحمة لهم (وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ﴿۹٢﴾) ذاك هو المتعارف عليه في القراءة، وقال البعض (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ) وانتهى الكلام (ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ ) هذا لا يكون إلا إذا جزم بالمغفرة، هل جزم يوسف بأن الله قد غفر لهم؟ هذا الجزْم لا يكون إلا بوحي، هل أُوحى إليه أن الله قد صفح، وغفر؛ لأن صاحب الحق تنازل عن حقه، عفا يوسف وصفح (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ) وهم أقروا بذنبهم واعترفوا، ومن اعترف بذنبه غفر الله له، من هنا جزم بالمغفرة؟ يعلم الله‫.
ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًۭا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿93﴾
أي قميص؟ الذي كان يرتديه الذي كان على جسده، أم هو القميص الذي قيل إن الله أنزله من الجنة ليلبسه إبراهيم في النار حين ألقاه الكفار في النار، ثم أخذه إبراهيم فأعطاه لإسحق، ثم أعطاه إسحق ليعقوب، ثم وضعه يعقوب في تعويذة أو في قصبة، وعلقها في عنق يوسف، فلما أُلقي في البئر عاريا بعد أن أخذوا منه قميصه، ولطخوه بالدماء، أخرج هذا القميص، أو أخرجه جبريل فألبسه إياه، إن كان كذلك فالقميص من الجنة، إذا أُلقي على مُبتلى عُوفِي فوراً، من هنا علم يوسف بذلك، فأعطاهم ذاك القميص (فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًۭا) أي يرتد إليه بصره، يصبح ذا بصر؛ لأن القميص من الجنة، ولا موت مع الجنة، ولا ابتلاء، ولا مرض، أم هو قميصه الذي كان يرتديه، وعلم بالوحي أن ذلك يشفي يعقوب؛ لأن يوسف أعلم بالله من أن يعتقد أن القميص يرد على أبيه بصره؛ فلابد أنه أوحي إليه ذلك (وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿۹۳﴾) الأولاد، والأزواج، والموالي وما إلى ذلك؛ لتتخذوا مصر موطناً، ومقراً، وهنا يحدث أمر في غاية الغرابة، تأتي الآيات لتصف إحساس يعقوب بذلك، وريح يوسف، من نقله؟ نقله من نقل عرش بلقيس ملكة اليمن، هل لكل إنسان بصمة، رائحة كما له بصمة إصبع، وبصمة صوت؟ تلك الرائحة المميزة التي يشمها كلاب الحراسة، أو الكلاب عموما فيميز بين شخص وآخر لكن الناس لا يشعرون، وهل يأتي يوم يكتشف العلماء أن لكل إنسان رائحة خاصة به لا تختلط برائحة غيره، حتى أن يعقوب يقول‫: أجد ريح يوسف، يا لها من سورة، سورة يوسف عجائبها، ولا غرائبها، ولا ينتهي الكلام فيها، ولو أمضى الإنسان عمره في التأمل في آياتها، فقد أعطى يوسف قميصه لإخوته، وأمرهم بإلقائه على وجه أبيه، وأن يحضروا هم وأبناؤهم، وأزواجهم، وجميعهم إليه، وتجهزوا، وقيل جهزهم يوسف، وأرسل معم الرواحل، والزاد، وقد كان عدد إخوة يوسف، والأهل، والأحفاد، ما يزيد عن السبعين شخصا، أرسل إليهم الرواحل قيل ذلك، وانفصلت القافلة عن أرض مصر متجهة إلى الشام، ويحكي ربنا (تبارك وتعالى) أمراً عجبا فيقول‫:
وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ﴿94﴾ قَالُوا۟ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ ﴿95﴾
‫(وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ) فصل‫: انفصل عن الشيء وتركه، فصلت العير فارقت، وتركت أرض مصر، والعير‫: القافلة، والمسافة مسيرة عشرة أيام، أو مسيرة شهر، أقوال لكنها مسافة من مصر إلى الشام، وإذا بيعقوب يقول لمن حضر وهم أحفاده، أو نساء أبنائه (إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ ) يشم رائحة يوسف، الأمر يتوقف على القميص، أي قميص كان؟ أكان القميص الذي يرتديه يوسف، إن كان في هذه الحالة، فلكل إنسان رائحة مميزة، حتى إن يعقوب اشتم رائحة يوسف وميزها عن روائح الناس، وذاك أمر قد يثبته العلم قريبا كما أثبت العلم اختلاف بصمة الأصبع، والتي أشار إليها القرآن في قول الله (عز وجل): (بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ (٤)) [سورة القيامة آية‫: ٤] ووصل العلم إلى وجود بصمة للصوت تختلف من إنسان لآخر، فربما يثبت العلم أن لكل إنسان رائحة تختلف عن غيره تنبعث منه، بدليل معرفة الكلب لصاحبه من بين الناس بحاسة الشم، وإن كان القميص الذي أرسله هو القميص المتوارث، والذي جعله يعقوب في تعويذة، وألبس هذه التعويذة في عنقه، وذاك قميص إبراهيم الذي نزل به جبريل من الجنة ليلبسه إبراهيم حين أُلقى في النار، فقد وجد يعقوب رائحة الجنة، ورائحة الجنة لا توجد في الأرض مطلقا إلا في شيء واحد وهو القميص، وطالما هبت الرياح برائحة الجنة إذا فيوسف على مقربة (إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ﴿۹٤﴾) تسفهوني، الفَنَدُ: ضعف الرأي من كبِرَ أو هَرَم، ذهاب العقل، أو ضعف الرأي، أو الخَرَف الذي يحدث للإنسان من كبر السن، أفند الرجل‫: قال ما لا يُعقل، فنّده‫: اتهمه بذلك (لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ﴿۹٤﴾) تتهموني بضعف الرأي، أو الكِبَر، أو الهَرَم وجواب (لَوْلَآ) محذوف (إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ ) خبر لولا أن تفندون لصدقتموني، لولا أن تفندون لقلت‫: إن يوسف على مقربة، أو إن يوسف لحي يرزق، وهنا تعجب الحاضرون واتهموه فعلا كما توقع فقالوا‫: (إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ ﴿۹٥﴾) قالوا‫: وأكدوا مقالتهم بثلاثة تأكيدات‫: القَسَمْ، وحرف (إن)، وحرف (اللام)، يقين أنه في خرف، وأنه قد أفند بهذا الكلام (قَالُوا۟ تَٱللَّهِ) قَسَم (إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ ﴿۹٥﴾) ذهاب عن الصواب، وانتظر يعقوب فرج الله، وهم قد اعتقدوا أن الكِبر قد أصابه بالخرف‫.
فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًۭا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿96﴾
البشير‫: من يحمل البشارة التي يظهر أثرها على بشرة الوجه فتنفرج أساريره، ويبدو عليه السرور، قيل‫: إن البشير واحد من إخوة يوسف الذي دخل على أبيه من قبل بقميص الكذب، بقميص الادعاء، بقميص الجفاء، القميص الملطخ بالدماء، طلب أن يذهب هو، وأن يسبق القافلة بقميص الشفاء، بقميص السرور، والفرح حتى تذهب هذه بتلك (فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ) أي ألقى القميص على وجه يعقوب (فَٱرْتَدَّ بَصِيرًۭا ۖ ) عاد إليه بصره في التو واللحظة، وقد قال الإمام مالك عن رائحة القميص، أو عن رائحة يوسف، حمل الرائحة، ونقلها هذه المسافة من نقل عرش ملكة سبأ قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه، قادر ربنا على كل شيء عاد إليه بصره في التو واللحظة، بمجرد أن أُلقي القميص على وجهه، وهنا قال يعقوب (أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿۹٦﴾) ذكّرهم بمقالته (إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)) [سورة يوسف آية‫: ٨٦] ذكّرهم بمقالته هذه، أو أشار إلى قوله (إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ) أو أشار إلى اعتقاده بحياة يوسف‫.
قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِـِٔينَ ﴿97﴾
والكلام فيه اختصار بالحذف، أي فرجعوا إلى أبيهم، فدخلوا عليه نادمين متأسفين (قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِـِٔينَ ﴿۹۷﴾) اعترف بالذنب، والاعتراف ندم، والندم توبة، وحق من اعتراف بذنبه أن يُصفح عنه، وهم لم يعترفوا بذنب واحد، بل اعترفوا بذنوب، هل لكل منهم ذنب، فهي ذنوبهم أم هي ذنوب حيث مكروا بيوسف، ألقوه في غيابة الجب، أدخلوا الحزن على أبيهم والألم، كذبوا عليه، وجاءوا على قميصه بدم كذب (إِنَّا كُنَّا خَـٰطِـِٔينَ ﴿۹۷﴾) جمع خاطئ، والخاطئ من خطأ‫: خطِئ يخطأ‫: أذنب‫.
قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿98﴾
والغريب هنا التسويف، إذا رجعنا إلى مقالة يوسف حين قالوا له مقرِّين بذنبهم (قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِـِٔينَ ﴿۹١﴾) (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ ) أهو دعاء، أم جزم بالمغفرة، أما يعقوب فقال (سَوْفَ) تأجيل لمَ لمْ يستغفر لهم في الحال؟ قيل التسويف؛ لأنه أجّل الاستغفار إلى وقت السحر حيث يبسط الله (تبارك وتعالى) يده لمسيء النهار، حتى يستغفر في السحر، حيث ينادي ربنا هل من مستغفر فأغفر له، وقيل‫: بل أجّل الاستغفار إلى يوم الجمعة حيث ساعة الإجابة، وقيل‫: بل أجّل الاستغفار لحين التقائه بيوسف، والتيقن من عفوه عن إخوته؛ إذ إن عفو المظلوم شرط المغفرة، فأراد أن يتيقن أن يوسف قد عفا وصفح، وهنا يستغفر لهم (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿۹۸﴾) وكأنه أراد أن يطمئنهم ويؤكد لهم أن الله (تبارك وتعالى) يتوب على كل من تاب، ويغفر لمن استغفر، وأناب، فأكد هذا وأعطاهم الأمل والرجاء بقوله (إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿۹۸﴾) واختصر القرآن الحوادث، حيث تجهزوا، وأخذوا متاعهم، وركبوا الركائب، وانتقلوا، وذهبوا إلى مشارف مصر، اختصر القرآن كل ذلك وقال‫:
فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ﴿99﴾ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًۭا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّۭا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌۭ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴿100﴾
‫(فلما دخلوا، قال ادخلوا)، وهنا قال العلماء‫: طالما دخلوا فكيف يقول ادخلوا وقد دخلوا؟ قالوا‫: لابد وأن يوسف قد خرج إلى مشارف البلدة لاستقبال أبويه، ولاستقبال إخوته، وأهله تكريما لهم، وتشريفا لقدرهم، فحين خرج للقائهم التقى بهم على مشارف البلد، أو كان له قصر في الضواحي، ثم بعد ذلك أذن بدخولهم إلى مصر فقال (ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ﴿۹۹﴾) قالها‫: تبركاً، وتيمناً، قالها تحقيقا، وليس تعليقا، والكلام فيه تقديم وتأخير أي (ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله) آمنين من القحط، آمنين من المجاعة، آمنين من كل المكاره، آمنين من كل سوء (فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) ضمهما إليه، واعتنقهما، استقبلهما بالأحضان، وأبويه‫: الأب، والأم، وذُكر لفظ الأب تغليباً؛ لأن الأب له القوامة، والأم لم تكن أمه، بل هي خالته امرأة أبيه، لكن الله نزّلها منزلة الأم، فالخالة أم، كما أن العم أب، ضمهما إليه، واعتنقهما، وحدثت الفرحة، وحدث السرور، والتأم الشمل (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًۭا ۖ ) العرش‫: سرير الملك، أجلسهما إلى جواره، تكريما لهم، لكن التعبير لابد أن يكون فيه تقديم وتأخير، فقد كان الخرور قبل الرفع، خروا له سجداً أولا، ثم بعد ذلك رفعهم إلى سرير الملك، إذ لا يُعقل أن يرفعهم إلى سرير المُلك، ثم ينزلوا للسجود، فقُدِم الرفع على العرش لبيان مدى تعظيم يوسف لأبويه، فقُدِم لفظا للإشعار بتعظيمه لهما، وتشريفه لهما (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًۭا ۖ ) الكل الأب، والأم، والإخوة، ومن الطبيعي أن يسجد معهم كل من حضر من الأهل، والأحفاد، السجود الخرور‫: النزول بسرعة، وفجأة على الجبهة، والسجود الذي حدث ليوسف مهما كانت هيئته لم يكن سجود عبادة، وإنما كان سجود تحية، وتكريم، فقد كانت التحية في عرفهم للملوك السجود لهم، قال بعضهم‫: الإيماء فقط عَبِر عنه بالسجود، وقال بعضهم‫: بل ركعوا له، وقال بعضهم‫: بل سجدوا على الجباه كسجودنا المعتاد، وكان ذلك يجري مجرى التحية في عُرفهم، ونُسخ ذلك في شرعنا فلا سجود إلا لله، وقال بعض الناس (له) لله (وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًۭا ۖ ) أي خروا لأجل يوسف سجداً لله، شاكرين، والكلام يتعارض مع رؤيا يوسف (إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ (٤)) [سورة يوسف آية‫: ٤]، (لِى سَـٰجِدِينَ (٤)) إذاً فذاك هو الأرجح، أنهم سجدوا فعلا ليوسف، قال بعض الناس‫: سجدوا لله، وكان يوسف هو القبلة كما نسجد نحن لله، والكعبة هي القبلة، وكما سجد الملائكة لآدم، فالسجود لله، والقبلة كانت آدم؛ لأن الله (تبارك وتعالى) منزه عن الجهات (وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ) يوسف يقول لأبيه بعد أن سجدوا لتعظيمه، وتحيته، سجوداً حقيقيا، وذاك كان من عادتهم لتكريم، وتحية الملوك (وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ) هذا السجود، وهذا الموقف (هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّۭا ۖ ) مما يؤكد أنهم سجدوا حقيقة تحية له، تأويل رؤياي‫: تفسير رؤياي التي رأيتها في صغري، وقصصتها عليك، قد جعلها ربي صدقا، وحققها، ووقعت كما رأيتها (وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ) والإحسان كثير، نجّاه من الجب، ونجاه من كيد امرأة العزيز والنسوة، وأخرجه من السجن، وملّكه، لِمَ لمْ يذكر نجاته من الجب؟ لأنه لو ذكر ذلك لذكّر إخوته بجريمتهم، وقد قال لهم من قبل (لَا تَثْرِيبَ) لا لوم، ولا عتاب، فإذا قال نجاني من الجب؛ لأحرج مشاعرهم؛ ولأخجلهم، فعفى عن ذلك، وربنا يعلم، والشكر ينبه العبد الشاكر، فقد تسجد لله شكرا والناس لا تعرف لمَ تسجد، وشكرك لله بحسْب ما تشكر عليه (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ ) [سورة إبراهيم آية‫: ٧] من هنا يقول يوسف (وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ) لأنه حين دخل، دخل برغبته (قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ) [سورة يوسف آية‫: ٣٣] وقال بعض الناس‫: لم يذكر الجب لأنه في الجب كان الله معه، وكان مع الله، فنجاته من الجب لا تؤثر؛ لأنه كان فيه محفوظ بتأييد الله، وعنايته، أما في السجن فقد كان مع القتلة، واللصوص، فمفارقة هؤلاء نعمة كبرى، أقوال، المهم أن يوسف لم يذكر الجبّ؛ لعدم إحراج إخوته (وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ) من البادية (مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ ) وهذا يؤكد القول القائل بأنه لم يذكر الجب لعدم إحراج إخوته، حيث نسب الفعل إلى الشيطان، ولم ينسبه لهم، النزغ في الأصل‫: نزوغ الراكب دابته، الراكب إذا نزغ الدابة لتسرع في جريها يقال‫: نزع، وكأنه يشير إلى إغراء الشيطان لهم، كأنه نزغ فحرضهم على فعل ما فعلوا، فنسب الفعل إلى الشيطان، ولم ينسبه لهم رعاية لمشاعرهم ( إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌۭ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴿١۰۰﴾) اللطيف بما يشاء، اللطيف في تدبيره وإيصال المصالح إلى عباده برفق من حيث لا يحتسبون؛ ربنا (تبارك وتعالى) يُنفذ ما يشاء، ولا راد لقضائه، لكن الله الحليم، الودود، الرحيم، إذا أوصل المنافع إلى عباده أوصلها بدقة، وأوصلها برفق، وأوصلها بأسلوب لا يعارضه شيء، فتصل إليهم من حيث لا يحتسبون (إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴿١۰۰﴾) بأحوال عباده (ٱلْحَكِيمُ) في تدبيره، وتصريفه، ثم توجه يوسف بعد أن اكتملت النعم، واجتمع الشمل، ولم يبق شيء من نعم الدنيا إلا وقد حصل عليه التجأ إلى الله‫.
رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿101﴾
يعدد النعم الدنيوية، من المُلك، من تأويل الأحاديث، (من) للتبعيض؛ لأنه لم يؤت المُلك كله، مُلك مصر ليس ملك الأرض، والأحاديث‫:‬ الكتب السماوية، أو الرؤى، ليس كل الكتب، وليس كل الرؤى، فهي للتبعيض أو (من) للبيان (ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ) كقوله (عز وجل): (فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَـٰنِ) [سورة الحج آية‫:‬ ٣٠] أو هي للتأكيد (ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ ) الأحاديث‫:‬ الكتب السماوية السابقة (ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰبًۭا) [سورة الزمر آية‫:‬ ٢٣] أو الأحاديث بمعنى الرؤى (فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) نداء آخر، الفاطر‫:‬ الخالق على غير مثال سبق، الموجد للأشياء من غير شيء، والفطر في الأصل‫:‬ الشق، وكأنه شق العدم، فأخرج منه الوجود خالقهما على غير مثال سبق، بغير أداة، هل استخدام أداة؟ هل استخدم جارحة؟ هل استخدم مواد خام أنشأ منها؟ أبداً كان الله ولم يكن شيء، فحين خلق السموات والأرض كل ذلك من العدم، فذاك هو الفاطر (أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ ) ناصري، ومتولي أموري، وذاك أمر واضح، أنه قد تولّى أمره منذ صغره في الجب، نزل إليه جبريل (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)) [سورة يوسف آية‫:‬ ١٥] متولي أمري وناصري في الدنيا، وكذلك في الآخرة (تَوَفَّنِى مُسْلِمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿١۰١﴾) هل طلب يوسف الموت؟ إن كان كذلك فهو الوحيد الذي طلب الموت من الأنبياء، والمرسلين، والصالحين، ومن كل الناس، وهل يصح أن يتمنى الموت؟ قال بعض الناس‫:‬ فعلا تمنى الموت؛ لأنه اشتاق إلى لقاء الله، اشتاق قبل ذلك للبراءة، اشتاق للقاء أبيه، اشتاق لظهور الحق، اشتاق لنشر الإسلام في مصر، اشتاق لتحقيق العدل، حقق الله له كل ذلك، فاشتاق إلى لقاء الله، وقال بعض الناس‫:‬ أبداً لم يتمن يوسف الموت، وإنما تمنى حسن الختام، طلب أن يتوفاه الله على الإسلام، وأن يلحقه بالصالحين من آبائه ابراهيم، وإسماعيل، واسحق، ويعقوب، طلب أن يلحقه بالصالحين من آبائه أو بالصالحين عامة، فهو طلب لحسن الختام، وليس طلب للموت؛ ولذا قال نبينا (صلى الله عليه وسلم) (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا، فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي) تمنى يوسف حسن الختام، وقيل‫:‬ إن الله (تبارك وتعالى) رزق إخوته النبوة بعد التوبة، وبعد غفران الله لهم، وبعد عفو يوسف؛ إذ أن عفو المظلوم شرط المغفرة؛ لذا نبهنا رسولنا (صلى الله عليه وسلم) قائلا‫:‬ ( مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ).‬
‫وهنا انتهت قصة يوسف، وتوجه الخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) والخطاب الموجه لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحمل معانٍ كثيرة، إثبات صدق النبي (صلى الله عليه وسلم) البرهان على صدقه، تسلية النبي (صلى الله عليه وسلم) والتسرية عنه، بيان أن الجحود، وجحد الحقائق، ديدن الكفار، بيان أن دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) هي دعوة الحق، وأنه لا يسأل عليها أجراً، ثم التحذير لكفار مكة، وكفار عصره، أن من قَدَرَ على نصر يوسف، قادر على نصر محمد، ثم ختام السورة بالهدف، والغرض من القصة، ألا وهو العبرة، والاعتبار فيقول الله (عز وجل):‬‬
ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴿102﴾
حين علم اليهود بمبعثه، وتعنتوا بالسؤال، وتآمروا مع كفار مكة، كانوا يرسلون بالأسئلة، مرة عن الساعة، مرة عن الروح، مرة الخِضْر، مرة عن كذا، وعن كذا يسألونك، يسألونك، يسألونك فمن ضمن ما سألوه قالوا لكفار مكة‫: سلُوه عن رجل فقد ابنه ثم عاد إليه بعد أن فقد بصره، ولم يذكروا الاسم، ولم يذكروا القصة، فحين نزلت سورة يوسف نزلت كاملة على غير عادة القرآن، وهي سورة مكية، ونزلت على غير أسلوب السور المكية التي حفلت بالتهديد، والوعيد وما إلى ذلك، فطمع في إيمان قومه، فقد جاءهم بالصدق، فيقول الله له (ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ) ما كنت تعلمه، ولم يُعلمك إياها أحد، ولم تكن معهم حين مكروا بيوسف، ومكروا بأبيهم، وجاءوا على قميصه بدم كذب، لا يمكن أن تعلم هذا إلا من خلال الوحي، فهو دليل على صدقك، برهان على نبوتك (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ) إخوة يوسف (إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ) واتفقوا (وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴿١۰٢﴾) يكيدون لأبيهم، وليوسف ويطمئنه‫.
وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿103﴾
لو حرصت كل الحرص، حَرَصَ يحرِص‫: اختار الشيء، وسعى إليه، واشتد في طلبه، مهما اشتددت في طلب إيمانهم، وحرصت كل الحرص على ذلك، الهدى ليس بيدك، إنما الهدى بيد الله‫.
وَمَا تَسْـَٔلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ ﴿104﴾
لو سألتهم أجراً على القرآن، والإبلاغ لثقل الأمر عليهم، لكنك لم تسأل على ذلك أجراً، أو جاهاً، أو ملكاً، وإنما هو عظة، وموعظة (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ ﴿١۰٤﴾) القرآن (لِّلْعَـٰلَمِينَ ﴿١۰٤﴾) للناس كافة، ثم يبين أن الجحود ديدنهم‫.
وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿105﴾ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴿106﴾
‫(وَكَأَيِّن) كلمة مركبة من كاف التشبيه، و (أي) الاستفهامية المنونة بمعنى (كم) الخبرية المفيدة للتكثير، يُكنَى بها عن عدد مبهم، فتفتقر إلى تمييز بعده، وكأن المعنى‫: أي عدد ما شئت من الآيات، والدلائل، والبراهين على وجود الله وقدرته، وتوحيده، وتدبيره، وتصريفه، موجود بلا عد، وبلا حصر في السموات وفي الأرض، وفي أنفسهم ومع ذلك يمرون عليها، ويرونها ليلا ونهاراً في كل آن وحين، لا يتأملون فيها، ولا يتفكرون، ولا يتدبرون (وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ) وقف (وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا) استئناف مرفوعة قراءة (والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) أي يمشون على الأرض يرون ما حاق بالأمم السابقة (وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا) منصوبة بفعل مقدّر، يطئون عليها يمشون عليها (وَٱلْأَرْضِ) إذا وصلت الكلام (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴿١۰٦﴾) خطيرة، الكلام عن الكفار مكة، الكلام عن أهل الكتاب، الكلام عام (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴿١۰٦﴾) كيف؟ لأن الحجج، والآيات، والدلائل، والبراهين التي يمرون عليها ويعرضون عن التدبر والتفكّر فيها، في كل شيء تراه آية على وجود الواحد الأحد، لكن الآيات إذا أفحمتهم لم يجدوا بداً من الاعتراف بوجود الخالق (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ ) [سورة الزمر آية‫: ٣٨] (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (٨٧)) [سورة الزخرف آية‫: ٨٧] (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ ) [سورة العنكبوت آية‫: ٦٣] فإذا أُفحموا بالآيات، وفاجأتهم الدلائل، والبراهين أقروا بوجود الله الخالق لكنهم مع ذلك يعبدون الأصنام، ويقولون نعبدها لتقربنا إلى الله زلفى، وكذلك أهل الكتاب يقرون بوجود الله، ويؤمنون به وذاك نوع من الشرك وهو أخطره ومع ذلك هناك شرك آخر خفي أنواع أخفى من دبيب النمل منها ما نقع كلنا فيه، ومنها ما يقع فيه بعض المرائين، فمن صلى لكي يقال عنه إنه من الصالحين أشرك، وعوقب عقاب المرائين من أنفق ليقال عنه جواد، عوقب عقاب المرائين، وأول من تسعر بهم النار، من علّم العلم وقرأ القرآن رياءً، ومن أنفق رياءً ليقال عنه جواد، ومن قاتل ليقال عنه شجاع، أول من تُسعر بهم النار ثلاثة، وهناك من نقع كلنا فيه، وهو أن يقف الإنسان عند الأسباب، ويغفل عن مسبب الأسباب، ومثال ذلك‫: لولا الطبيب لمات المريض، لولا الدواء لمات المريض، لولا الكلب لدخل اللص، لولا التفكير، والتدبر، والتخطيط لخسرت، لولا كذا، ولولا كذا لحدث، ذاك نوع من أنواع الشرك، كل الناس يقع فيه عن غير قصد، نسأل الله (تبارك وتعالى) والعفو، والعافية، فقد جاء التهديد لهؤلاء الذين يشركون بالله (عز وجل) في قوله‫:
أَفَأَمِنُوٓا۟ أَن تَأْتِيَهُمْ غَـٰشِيَةٌۭ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿107﴾
سؤال للتبكيت والتوبيخ هل يأمن الإنسان أن تأتيه المصيبة من حيث لا يأتي ويحتسب، الغاشية‫: ما يغطي الشيء ويجلله فيقول الله (تبارك وتعالى): (أَفَأَمِنُوٓا۟ أَن تَأْتِيَهُمْ غَـٰشِيَةٌۭ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ) في الدنيا تغشاهم، وتغطيهم، وتعمهم كالصواعق، والسيول، والزلازل (أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ) يوم القيامة (بَغْتَةًۭ) فجأة (لَا يَشْعُرُونَ ﴿١۰۷﴾) هل أمنوا؟! سؤال للتوبيخ، والتبكيت لهؤلاء الذين أشركوا مع الله غيره، والله (تبارك وتعالى) الفعّال لما يريد، ولا يقع في ملكه إلا ما أراد، وكلمة (لولا) كما نبهنا خطيرة، لولا كذا الحدث كذا، ثم يتوجه الخطاب لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) لبيان الحجة الواضحة، والبرهان الساطع‫.
قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿108﴾
‫(قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ) هذا هو منهاجي، هذا هو طريقي، هذه هي سنتي (أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ ) لا يدعو لنفسه، لا يدعو إلى تأييده، أو تشريفه، أو تعظيمه، أو تمليكه (عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ ) تأكيد يؤكد الكلام البصيرة‫: النور، رؤية القلب، البصيرة‫: الحجة، والدليل الواضح، والبرهان الساطع، كأن الحجة المُساقة ترى حجة مبصرة، وليس حجة عمياء (وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿١۰۸﴾) تنزيه لنفسه عن الشرك حنيفاً مسلماً تنزيه لله (عز وجل) عن كل ما أشركوه معه (عز وجل) ويحذر ربنا (تبارك وتعالى) ويبين ويرد على الذين زعموا أن الله لا يرسل رسولا من البشر، يبين أن جميع الرسل كانوا رجالا من الإنس، بل ومن الحضر، فلم يبعث رسولا من البادية، فأهل البوادي فيهم الجفاء، قليلوا العلم والحِلْم، من الحضر لأنهم أعلم، وأحلم، وكذلك لم يبعث من النساء، أو من الجن لذا يقول‫:
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿109﴾
ما أرسلنا من قلبك إلا رجالا نُوحي إليهم، (يُوحَى إليهم) (قراءة) من أهل القرى، وليسوا من أهل البادية، فليس من البادية، وليس من النساء، وليس من الجن (أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟) سؤال آخر للتبكيت، والتوبيخ، والتنبيه (أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ ) كيف كان عاقبتهم؟ ثمود، وعاد، وفرعون وقومه، ألم يسيروا وينظروا في أسفارهم، ورحلاتهم كم من ديار خُربت! كم من قصر شيد! وبئر معطلة! كم، وكم (وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ ) قراءة تحتاج لتقدير؛ لأن إضافة الشيء لنفسه يمنعها بعض النحويين، وبالتالي تُقدر (ولدار الحياة الآخرة) (أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿١۰۹﴾) (أفلا يعقلون) قراءة، دار الآخرة، أي دار الحياة الآخرة، خير من هذه الدنيا وما فيها‫.
حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿110﴾
هذه الآية بالذات لابد فيها من فهم؛ لأن التعبير فيها دقيق؛ لذا قالت عائشة (رضي الله عنها) (كُذِّبوا) ذاك كانت قراءتها وليس (كُذِبُوا۟) والمعنى (حتى إذا استيأس الرسل) وكأن الله (تبارك وتعالى) ينبه الكفار، ويحذرهم، سرتم في الأرض، ورأيتم نهاية المكذبين كم أمهلناهم؟ لا تدرون، كم عاشوا؟ لا تعلمون، عاشوا كثيرا، وأمهلناهم كثيرا (فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌۭ) [سورة الحج آية‫: ٤٥] هذا الإملاء الذي حدث لا تدرون شيئا عنه، حدث الإملاء لدرجة أن الرسول الذي أرسل في ذلك الوقت، وصل إلى مرحلة اليأس، كقوله في موضع آخر (حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ ) [سورة البقرة آية‫: ٢١٤] إمهال، وربنا حليم ستار، هاهم أمهلناهم حتى يئس الرسل تماما من إيمان قومهم (وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟) أي تيقنوا من تكذيب قومهم، ولا فائدة فيهم، كما يئس من إيمان قومه (وَظَنُّوٓا۟) (أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟) الرسل أي أن قومهم الذين آمنوا بهم اعتقدوا أن الرسل حين تأخّر النصر هيأ إليهم، فالظان هنا القوم، وليس الرسل، كَذَبَ وكَذَب‫: كذب، يكذب كُذِّب اتهم بالكذب، كُذب وُعد وعداً غير نافذ، فإذا كُذِّب كذّبه الناس، كُذِّب اتهم بالكذب، قيل‫: إنه كاذب، أما كُذِب أي كُذِب عليه (وظنوا أنهم قد كُذِّبوا) كذبهم قومهم (وظنوا أنهم قد كُذبوا) الظان هنا القوم، أي كذب عليهم الرسل في الوعيد بالعذاب من كثرة الإمهال، وطول المدة، والرسل تتوعدهم بعذاب الله ولم يحدث (وَظَنُّوٓا۟) الرسل (أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟) أي تيقنوا من تكذيب قومهم أو (وَظَنُّوٓا۟) في محلها (أنهم قد كُذِّبوا) من المؤمنين بهم، بدأ الشك في نفوس المؤمنين الذين قالوا‫: متى نصر الله، وكما ذهب أحد الصحابة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) قال يا رسول الله إلى متى؟ وغضب النبي (صلى الله عليه وسلم) وكان متكئا في ظل الكعبة وجلس وقال‫: (وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) إلى آخر الحديث (جَآءَهُمْ نَصْرُنَا) أتى العقاب بعد الإمهال، والتدبير، ونصر الله الرسل (فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ ) فنَجَي (قراءة) أي الرسل والمؤمنين (وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿١١۰﴾) الآية تدل على وجود المشيئتين‫: من شاء الله نجّاه، ومن شاء الله أضلّه، وأعماه، وتختم السورة :
لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًۭا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ﴿111﴾
إذاً العبرة من قصة يوسف، أو من قصص القرآن عموما أن تتعظ، وأن تتذكّر، وأن تفهم، وأن تعلم، وأن تلجأ إلى الله، وليست للتسلية، وليست لذكر الأسماء، والأعداد إلى آخره (لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ) يوسف وإخوته، أو قصص القرآن (عِبْرَةٌۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ ) جمع لُب، واللب‫: العقل المبرأ من شوائب التقليد، والعادة، والهوى، والركون إلى الطبيعة، والنفس (مَا كَانَ حَدِيثًۭا يُفْتَرَىٰ) القرآن ما كان حديثا يختلق، هو حق وصدق (وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ) الإنجيل، والتوراة، والكتب السماوية التي سبقت (وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍۢ) من أحكام بيان للحلال، والحرام، بيان لطريق الرضا، والرضوان، بيان لطريق الخسران (وَهُدًۭى) هدى‫: دلالة تعرفك الطريق إلى الله (وَرَحْمَةًۭ) من العذاب، من بلاء الدنيا، ومن عذاب الآخرة (وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍۢ) (مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ) [سورة الأنعام آية‫: ٣٨] ما من شيء تريده من أمور الدنيا، أو الآخرة إلا وتجدها في كتاب الله، إما تفصيلا، وإما عامة يؤخذ منها ما تريد (وَهُدًۭى) للناس (وَرَحْمَةًۭ) للمؤمنين (لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ﴿١١١﴾) أيها الأخ المسلم‫.

لا تنتهي عجائب القرآن، وغرائبه، وقصة يوسف، وإن طال بنا الكلام فيها إلا أننا لم نوفيها حقها من الكلام‫.