سورة يوسف
مقدمة
لقاؤنا اليوم مع سورة يوسف، يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم، الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، سورة يوسف ذات أسلوب فذٍ فريدٍ في ألفاظها، في تعبيرها، في أدائها، وفي قصصها السلس اللطيف، الذي يسري في الجسد سريان الدم في العروق، والذي يجري بسلاسته في القلب كجريان الروح في الدم، سورة يوسف وإن كانت من السور المكية التي تحمل في الغالب طابع الإنذار، والتهديد، والتخويف، إلا أنها اختلفت عنها في هذا الميدان، فجاءت طرية، ندية، تحمل جو الأنس، والرحمة، والرأفة، والحنان، سورة يوسف نزلت بعد سورة هود، سورة يوسف جاء فيها قصة هذا الصديق النبي الكريم في حلقات متتابعة، وخالفت نهج القرآن، أو خالفت عادة القرآن في القصص، فقد جاء قصص المرسلين في القرآن متكرراً في مواضع شتى بنفس المعنى، ولكن بألفاظ متباينة على درجات البلاغة، والبيان، استكمالا للحلقات، فتأتي القصة، ثم تتكرر لتستكمل الحلقات، فيحدث التشويق والرغبة في المعرفة دون ملل، ودون أن يسأم السامع، جاءت قصة كل نبي متكررة بأساليب عديدة، غاية في البلاغة، غاية في الإعجاز، والبيان، وفي كل مرة تأتي تستكمل حلقة من حلقات القصة في أسلوب معجز، وفي إيجاز دون إطناب، أما قصة يوسف فقد جاءت حلقاتها متتابعة في سورة واحدة، ولم تتكرر في غيرها من السور، فلم يستطع فصحاء العرب أن يعارضوا المكرر، ولا أن يعارضوا غير المكرر، ها هي قصة جاءت مرة واحدة، وتحداهم القرآن، هل استطاعوا أن يأتوا بمثلها؟ فجاء بقصة أخرى - قصة موسى - فكررها، وكررها، وكررها، هل استطاعوا أن يأتوا بمثلها؟ وجاء بقصة لوط، وقصة هود، وقصة صالح، وقصة نوح، وجاء بالقصص، وكرر يحمل نفس المعنى دون خلل، ودون اختلال، ودون اختلاف في ألفاظ موجزة، متباينة، غاية في البيان، فلم يستطيعوا أن يعارضوه، لا فيما كرره، ولا فيما لم يكرره، سورة يوسف والتي تحمل جو الأنس والبشرى، طابعها طابع الرحمة، طابع الحنان في ألفاظ سهلة، ممتنعة، نزلت بعد سورة هود في فترة حرجة عصيبة من حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) نزلت عليه وهو يعاني أشد العناء من الغربة، والوحشة، والعنت، والإيذاء من قومه، نزلت سورة يوسف وقد اشتد الأذى، والبلاء عليه، وعلى المؤمنين، خاصة بعد ما فقد نصيريه في الحياة: زوجه الطاهرة الحنون، سيدة نساء العالمين، السيدة خديجة، وفقد عمه أبا طالب الذي كان له خير نصير، وخير معين، فقدهما فاشتد حزنه، واشتد إيذاء الكفار له، حتى سُمِّي ذلك العام بعام الحزن، وهو في هذه الفترة العصيبة الحرجة من حياته يعاني الوحشة، والغربة، والحزن، هو والمؤمنون، نزلت السورة تسليه وتسري عنه، وتخفيف من آلامه، نزلت تنبئه أن بعد الضيق مخرجا، وبعد الشدة فرجاً، وبعد العسر يسراً، نزلت تحكي له قصة أخيه يوسف، وما تعرَّض له من المحن، والبلاء: محنة حسد إخوته، محنة بعده عن أبيه، محنة إلقاؤه في الجب، محنة بيعه بيع العبيد، محنة القصر، ومحنة حب امرأة العزيز له، محنة الفتنة، وفتنة النساء، ثم محنة السجن، حيث انتقل من العز والرفاهية، إلى ذل السجن، وعذابه، محن، وبلايا متعددة، فكان جزاء الصبر أن انتقل من السجن إلى القصر، وأصبح عزيزاً على أرض مصر، فإن كان ما تلقى يؤلمك أو يحزنك يا حبيبي، فها هي قصة تحكي لك، وتبشرك، وتُعلِمك أن النصر مع الصبر، سورة يوسف، تلك السورة الحنونة، تلك السورة التي تحمل جو الأنس، والبشرى لكل من سار على درب الأنبياء، والصالحين، تحمل البشرى لكل صابر، تحمل البشرى لكل مظلوم، تحمل الأنس لكل محزون، فما استمع لها حزين إلا واستراح لها، سورة يوسف بُدأت بالحروف المقطعة التي بُدأت بها تسعٌ وعشرون سورة من القرآن، أربعة عشر حرفا من حروف القرآن، ويقال فيها ما قد قيل من قبل في فواتح السور.
الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ ﴿1﴾
إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿2﴾
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ ﴿3﴾
وإن كانت بمعنى الاسم (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ) أي أحسن الأخبار، وإن كانت مصدرا (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ) أي اقتصاصاً حسنا، اقتص الحديث، أي ساقه بأسلوب سهل، ممتع، مفهوم، والقصص: جمع قصة، لِمَ سُميت السورة بأحسن القصص؟ قالوا: لحسن مجاوزة يوسف، وعفوه عن إخوته، وقالوا: (أَحْسَنَ) بمعنى (أعجب) أي أعجب القصص، قالوا: (أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ) لأن ما في هذه السور من عظات، وعبر، وحكايات لم ترد في مثلها من السور، فقد حفلت بالعظات، وحفلت بالأخبار، وحفلت بالعبر، وقالوا: (أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ)؛ لأن كل من ذكر فيها كان مآله السعادة، يوسف أصبح عزيزاً في مصر، امرأة العزيز أسلمت وتابت، الملك أسلم، صاحب السجن أصبح ساقيا، والآخر أسلم، وقتل شهيداً، إخوة يوسف عفا عنهم يوسف، وتجاوز وتاب الله عليهم، واستغفر لهم أبوهم ورضي عنهم، ماذا كان عاقبة يعقوب؟ وهكذا كُل من ذُكر في هذه السورة كان مآله إلى السعادة، فهي أحسن القصص لذلك (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ) (ما) مع العقل تفيد المصدر، أي (بوحيناً) (وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ ﴿۳﴾) من قبل الوحي من الغافلين عن هذه القصة، وعن هذه الحكاية، لم تكن تعلمها، ولم تُحكى لك، ولا يعلمها أحد من قومك، وليس في مكة أحد من أهل الكتاب، وأنت لا تقرأ ولا تكتب، فكنت غافلا عن هذه القصة، وها نحن نرويها لك.
إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ ﴿4﴾
قَالَ يَـٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ﴿5﴾
وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿6﴾
تبين ليعقوب أن يوسف سوف يصل إلى الملك، حتى يصل الأمر إلى سجود إخواته، وأبيه، وأمه له، الحسد من الإخوة، لكنه لم يحدث من الأب، فلا يتمنى أحد لأحد أن يكون أفضل منه أبداً إلا الأب مع ابنه، فها هو يفهم من الرؤيا أنه سوف يأتي اليوم الذي يسجد هو فيه لابنه، ومع ذلك فرح به، وخاف عليه، وحذره، علم أيضا أن يوسف سوف يُمنح النبوة (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ) وعرف أيضا أن يوسف لابد وأن يتعرض لأمور حتى خوّفه، وحذّره، ومن هنا جاز التحذير، وجاز الامتناع عن حكاية الرؤيا لمن يُخاف منه الحسد، أو يُتوقع منه الضرّر، أمور كثيرة اتضحت في كلام يعقوب لكل متأمل، حتى تستطيع أن تفهم الأحداث التي قُصت علينا بعد ذلك، يقول الله (تبارك وتعالى):
لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَـٰتٌۭ لِّلسَّآئِلِينَ ﴿7﴾
إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ﴿8﴾
ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًۭا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًۭا صَـٰلِحِينَ ﴿9﴾
قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ ﴿10﴾
قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَـٰصِحُونَ ﴿11﴾
أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًۭا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ ﴿12﴾
قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ ﴿13﴾
قَالُوا۟ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذًۭا لَّخَـٰسِرُونَ ﴿14﴾
فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿15﴾
(فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ ﴿١۰۳﴾ وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ﴿١۰٤﴾ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿١٠٥﴾) [سورة الصافات آية: ١٠٣ - ١٠٥] الواو مقحمة، وكذلك في قوله (عز وجل): (حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا) [سورة الزمر آية: ٧٣] أي فتحت أبوابها إذا فالإجابة (أوحينا) والواو مقحمة، أو الإجابة مقدّرة (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا) هل نبّأه الله؟ هل صار نبياً؟ الوحي يحمل معانٍ كثيرة كقوله (عز وجل): (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى) [سورة النحل آية: ٦٨] إلهام هل هو نوع من أنواع الإلهام، هل كان رؤيا رآها يوسف، أم نزل إليه جبريل واستنبأه الله، وهو غلام كما فعل مع عيسى، ويحيى؟ (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ) إما جبريل نزل لإيناسه، وتطمينه، وإما إلهاماً، وإما رؤيا منامية، والقول الأول وهو نزول جبريل هو الأرجح (إِلَيْهِ) إلى يوسف (لَتُنَبِّئَنَّهُم) الإخوة (بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا) ما فعلوه معك (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿١٥﴾) لا يشعرون أنك يوسف حيث تأتي القصة بعد ذلك، دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون، أو حين قال: أعلمتم ما فعلتم بيوسف، أو وهم لا يشعرون بوحينا له. لم يروا جبريل، نزل جبريل وأوحى إليه، ونبّأه، وأخبره، وطمأنه، وهم لا يشعرون بذلك، هناك رأي يقول (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ) إلى يعقوب كأن الله أوحى إلى يعقوب بما فعله الإخوة بيوسف، قيل: إن يوسف مكث في البئر ثلاثة أيام، قيل: إن الأخوة كانوا يرسلون أحدهم إليه بالطعام، وبعد ثلاث افتقدوه، أوثقوا يده وأخذوا قميصه حتى يلطخوه بالدم، غلام يأمن على نفسه مع إخواته، يخرج من بيته فرحا، مسرواً، منشرحا بالرتع، واللعب، خرج يرتع، خرج يلعب مع إخوته الكبار، آمنا من كل شيء لحفظهم له، مطمئنا لرعايتهم بفرح، وبسرور، وتخيل الغلام حين يرتدي أجمل ملابسه في الصباح، ويخرج للتنزه، كيف يكون فرحه؟ كيف يكون سروره، وفجأه يفاجأ بالغدر، وبالخيانة، وفجأة يجد أحب الناس إليه يوثقون يديه، ويخلعون عنه قميصه، ويدلُّوه في البئر، كيف يكون شعوره! تُرى كيف كان حاله في بئر مظلمة مهجورة! جٌبّ البئر يُبنى بالحجارة، ويعرف الناس مكانه، ويقيم الناس حوله، أما الجُب، فهو مجرد حفرة لاستخراج الماء، ثم يرحل، من حفرها دون أن يكلف نفسه بناءها، كيف كان شعوره؟ لذا قال العلماء: نزل جبريل إليه فتلقاه واهتم يوسف، وحزن حزنا شديدا، وركبه الغمّ، مؤامرة من إخوته، البعد عن أبيه، الخوف من الظلام، الخوف من قعر البئر، الخوف من الماء، فقد تنزلق قدمه فيسقط في ماء البئر، ويغرق، الوحدة، الوحشة، الجوع، الخوف كل تلك المشاعر، فعلمه جبريل دعاءً يدعو به، وينشغل بالدعاء عن الهمّ، وعن الغمّ (اللهم يا مؤنس كل غريب، ويا صاحب كل وحيد، ويا ملجأ كل خائف، ويا كاشف كل كربة، ويا صانع كل مصنوع، ويا جابر كل كسير، ويا عالم كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، ويا حاضر كل ملأ، يا حي يا قيوم، اقذف رجاءك في قلبي، حتى لا أرجو أحداً سواك، وحتى لا يكون لي همّ، ولا شغل غيرك، أسألك أن تجعل لي من أمري فرجاً، ومخرجاً إنك على كل شيء قدير)، فدعا يوسف فقالت الملائكة: إلهنا نسمع صوتا، ودعاءً، الصوت صوت صبي، والدعاء دعاء نبي، فكان المؤنس له هو الله، وكان الصاحب له هو الله، وكان الحافظ له هو الله، ولله في خلقه شئون، فقد تمت المؤامرة، ونفّذ إخوة يوسف ما اتفقوا عليه، وتركوا يوسف في غيابة الجب وعادوا، ماذا يقولون لأبيهم، أخذوا القميص وذبحوا شاة، ولطخوا القميص بدم الشاة، وبدؤوا يتباكون حتى تنهمر منهم الدموع، وانتظروا حتى خيّم الظلام حتى لا ينظر يعقوب في وجوههم، فيرى الكذب فيها، فالظلام ساتر فانتظروا حتى أرخى الليل سدوله.
وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءًۭ يَبْكُونَ ﴿16﴾
قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍۢ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ ﴿17﴾
وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍۢ كَذِبٍۢ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ﴿18﴾
(قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا) عند ملابسهم، وطعامهم وما إلى ذلك (فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ ۖ ) فأكله (الذيب) قراءة (وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍۢ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ ﴿١۷﴾) وكأن المريب يكاد يقول خذوني هاهم يقولون (وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍۢ لَّنَا) أي ما أنت بمصدق لنا حتى ولو كنا صادقين، لن تصدقنا حتى ولو كنا نقول الصدق لشدة محبتك ليوسف، ولشدة خوفك عليه، ولشدة تفضيلك له علينا، وأرادوا أن يؤكدوا كلامهم بالدليل، فأخرجوا له القميص قد لُطخ بالدماء (وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍۢ كَذِبٍۢ ۚ ) أي مكذوب فيه، إذ الدم لا يوصف بالكذب، بل جاء بالمصدر للمبالغة، كأن الدم هو الكذب بعينه، فرية وما أشدها فِرية (وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍۢ كَذِبٍۢ ۚ ) منصوبة على الحال من الواو (وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍۢ كَذِبٍۢ ۚ ) بالدال أي بالدم طرى متغير (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ﴿١۸﴾) عرف كذبهم، وتيقن من كذبهم، كيف عرف؟ أخذ يعقوب القميص يتشممه، ولطخ وجهه بدماء القميص، ونظر في القميص فرأى القميص سليما، فقال متى كان الذئب حليما حكيما حتى يغتصب، ويأكل ابني، ويدع قميصه، لو أكله الذئب لخرق القميص، ما أحكم هذا الذئب! وما أحلمه! كيف يأكل يوسف ويترك قميصه سليما؟! سوّلت لكم أنفسكم أمرا، من التسويل، زينت، وسهلت، تسويل النفس: تزيينها لما تحرص عليه، وتطلبه، إذا حرصت النفس على الحصول على شيء طلبت شيئا، واشتد الطلب، واشتد الحرص والرغبة تزيّن لصاحبها، وتسهّل له الحصول، وغالبا ما يكون ذلك في الشر، والمعصية، والنفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، أو من السَوْل وهو الاسترخاء، وتؤدي إلى نفس المعنى؛ لأن الاسترخاء معناه عدم المبالاة، والراحة وما إلى ذلك (فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ ۖ ) أي فصبري صبر جميل، أو فصبر جميل أوْلى بي، والصبر الجميل كما علمنا من سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو الصبر الذي لا شكوى معه لمخلوق، قد يحزن المرء ويأسف، ويغتمّ، ويهتم، ويكرب، ولا يشكو إلا لله، ذاك هو الصبر الجميل الصبر الجميل ليس معناه أنك لا تحزن، فقد حزن نبينا (صلى الله عليه وسلم) بفقد خديجة، وحزن على فقد عمه، وحزن على فقد ابنه وهكذا، وفاضت عيناه بالدموع، لكنه لم يشكوا الله لأحد من خلقه (فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌۭ ۖ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ﴿١۸﴾) العوْن من الله، أن أحتمل الصدمة (وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ﴿١۸﴾) على ما تدّعون من أكل الذئب ليوسف، المستعان على حرماني من يوسف، المستعان على الصبر، كيف تحمل الإخوة ذاك الفعل؟ بعض الناس يزعمون أن أبناء يعقوب كانوا أنبياء، ويستحيل أن يكون ذاك الرأي صحيحا، فالأنبياء معصومون من الصغائر، محفوظون من الكبائر، هؤلاء ارتكبوا من المعاصي الحسد، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، الحسد كبيرة، وها هم يشرعون في القتل، وما أدراك ما القتل (ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ) بل يفعلون إرهاب الصبي الصغير، وإخافته، وتعريضه للضياع، والإفساد في الأرض، عصيان الأب، الحلف كذبا، الإدعاء، كبائر مصائب، يستحيل أن يفعلها نبي، من هنا قالوا: إن كان الله قد استنبأهم فلا بد وأن يكون ذلك بعد توبتهم، وعفو يوسف عنهم، وقال البعض: بل الأسباط هم الأحفاد، وليسوا هؤلاء، من ضمن ما أخذه العلماء من هذه الآية إعمال الأمارات في الأحكام، كيف عرف يعقوب أنهم كذبوا؟ بالأمارة، بالدليل، بسلامة القميص، إذا فللقاضي أن يأخذ بالدلالات، وبالأمارات، ويحكم على أساس ذلك، من ضمن حكايات الشيوخ عن الصبر الجميل حكاية واسمع حتى تتيقّن، وتعلم، وتعرف ما هو الصبر الجميل، في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان من أصحابه رجلا فقيراً يأتي ويواظب على الصلوات الخمس في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم ينصرف سريعا ولا يمكث لسماع حديث النبي مثلاً، أو التناجي مع أخوانه، أو لقراءة القرآن، وإنما يأتي مسرعا إلى الصلاة، ثم ينصرف مسرعا بعد السلام، فتعجب الأصحاب، وتعجب النبي (صلى الله عليه وسلم) أو أخبروه بأمر الصحابي فأرسل يستدعيه، وسأله لم تُسرع بالانصراف بعد الصلاة مباشرة؟ قال يا رسول الله إني رجل متزوج ولا أملك سوى هذا الثوب، فأجيئ أحضر الصلاة معك، ثم أعود سريعا إلى بيتي فأخلع ثوبي الوحيد، وأعطيه لامرأتي فهي لا تملك ثوباً، فتلبس ثوبي وتأتي لتحضر الصلاة معك، فنفوز نحن الاثنان بالصلاة خلفك، فرقّ النبي (صلى الله عليه وسلم) وخلع رداءه، وأعطاه له، فرح الرجل فرحاً شديداً، رداء النبي سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) من يفوز به فقد فاز بالدنيا والآخرة، عاد الرجل سريعا فرحا مسروا، ينادي على امراته من قبل أن يدخل عليها أبشري، أبشري كساني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثوبا فسألته المرأة، ولِمَ ذلك؟ وكيف ذاك؟ فقال سألني فقصصت عليه، وإذا بالمرأة تنتفض غاضبة، وتقول ويحك يا رجل أتشتكي الله لرسول الله، ذاك هو الصبر الجميل، فقد لبث يوسف في غيابة الجب ساعات، أو أيام، قيل: لبث في غيابة الجب ثلاثة أيام، وكان أحد إخوته يأتيه بالطعام، ويتعسس خبره غلام عاري الصدر، والظهر، في ظلمات البئر، بلا أنيس، بلا طعام، بلا نور، أو ضياء، وحدة، وحشة، غربة، خوف، هلع، اندهاش لم فعل إخوته به ذلك! أم كان مؤتنساً بالله؟ أم كان مطمئنا لوعد الله، واثقا بالله؟ وهل كان إلقاؤه في البئر بسبب ذنب، أو جريرة، أم كان لطفا من صاحب اللطف الخفي، ويحكي ربنا (تبارك وتعالى) كيف أخرجه من البئر، وكيف أنفذ أمره وأنفذ قضاءه فيقول، عز من قائل:
وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌۭ فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ ۖ قَالَ يَـٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلَـٰمٌۭ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿19﴾
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍۢ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍۢ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ﴿20﴾
وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿21﴾
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿22﴾
(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ) يوسف (ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ ) الحكم بين الناس، والعلم بتأويل الأحاديث، الحكم: الحكمة، وهو العمل المؤيد بالعلم، والحكمة: إتقان القول والفعل، الحكم: النبوة إذا لم يكن قد أخذها في البئر (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا) إن كان إلهاما، فالنبوة هنا وإن كانت نبوة فهو زيادة في العطاء (حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ ) بالكتاب، علما بآيات الله، علما بأوامر الله ونواهيه، علما بأحكام الله، علما بتأويل الأحاديث (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿٢٢﴾) الآية تدل على أن يوسف كان محسنا، وانتبه لهذه الآية؛ لأننا سوف نحتاج إليها فيما بعد، لنرد على من نسب ليوسف ما لا يُنسب للصالحين، فما بالك بالمخلَصين، وبدأت المحنة الرابعة، محنة حسد إخوته، محنة إلقائه في البئر، محنة بيعه، بدأت المحنة الرابعة، الفتنة التي لا قبل لأحد بأن يتحملها أو ينجو منها إلا من رحمه الله، وعصمه.
وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿23﴾
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿24﴾
أيها الأخ المسلم، الأنبياء عصمتهم متحققة، والأنبياء معصومون من الكبائر، ومعصومون من الصغائر، لكنهم بشر يجري عليهم ما يجري على البشر من الطبائع، فيمرض، يُغمى عليه، يجوع، يعطش، ينام، يصحو وهكذا، الطبيعة البشرية فقط، لكنهم معصومون من الصِغر، بل من قبل أن يولد النبي من الأنبياء فهو في الديوان معصوم بعصمة الله له، فها نحن نرى كيف برأت الآيات يوسف، وما قلناه جزء من كل؛ إذ تأتي بعد ذلك آيات أخرى تؤكد البراءة، والعفة، والطهارة، كقوله مثلا: (قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ ) [سورة يوسف آية: ٣٣] كقوله مثلا: (ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ ) [سورة يوسف آية: ٥٠] كشهادة امرأة العزيز علنا حيث قالت: (أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ (٥١)) [سورة يوسف آية: ٥١]، لم تقل حاول، ثم تراجع (فَٱسْتَعْصَمَ ۖ ) وغيرها، وغيرها حين تأتي إليها نتكلم.
وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍۢ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿25﴾
قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍۢ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ﴿26﴾
وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿27﴾
فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌۭ ﴿28﴾
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ۚ وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ ﴿29﴾
وَقَالَ نِسْوَةٌۭ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿30﴾
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًۭٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍۢ مِّنْهُنَّ سِكِّينًۭا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌۭ كَرِيمٌۭ ﴿31﴾
قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًۭا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ ﴿32﴾
(قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ ) (ذلك) بمعنى (هذا) لكن جيء ب(ذلك) لرفعة شأن المشار إليه، فذلك هو الحب الذي لمتنني فيه، ذاك هو الذي وقعتن فيه أو ذلك هو الرجل، والفتى الذي لمتنني في حبه، فالضمير عائد على الحب أو الضمير عائد على يوسف (وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ ) أقرت واعترفت علناً، والله يحكم ما يريد، فبهذا الاعتراف سوف تظهر براءته يوما أمام الملك (فَٱسْتَعْصَمَ ۖ ) بناء مبالغة من العصمة، والعصمة الامتناع، واعتصم بالله من المعصية، أي امتنع بلطف الله عن المعصية، استعصم: أي امتنع، امتناعا بليغا، وتأبىَ تأبيّاً عن مقارفة ما أرادته منه، ثم هددت وتوعدت (وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ) أي ما آمر به (ءَامُرُهُۥ) الضمير عائد على الأمر، أو الضمير عائد على يوسف (لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًۭا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ ﴿۳٢﴾) من الأذلاء، صَغِرَ صُغْراً وصَغَاراً: ذل، وهان، صغُر يصغُر من الصِغَر، فالصغير يقال فيه (صغُر)، أما الذليل يقال فيه (صغِر) إذاً فقد هددته بأمرين، هددته بالسجن، وهددته بالذل، (وَلَيَكُونًۭا) تقرأ بالتنوين إذا وقفت، وإذا وصلت قرأت بالألف، كقولك رأيت رجالا، وكذلك في المصحف (لَنَسْفَعًۢا بِٱلنَّاصِيَةِ (١٥)) [سورة العلق آية: ١٥]، اعترفت، وأقرت، وهددت، وتوعدت حين رأت افتتان النسوة بيوسف، عذرنها.
قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ ﴿33﴾
فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿34﴾
ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍۢ ﴿35﴾
وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًۭا ۖ وَقَالَ ٱلْـَٔاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًۭا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿36﴾
قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌۭ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىٓ ۚ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ ﴿37﴾
وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴿38﴾
(وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ ) ها هو يتكلم عن الآباء، وأنه من بيت النبوة، وأن النبوة، وبيت النبوة الذي حاز فضله بانتسابه إليه، هو السبب في معرفته بالغيب، ومعرفته بالله (مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ) من أي شيء (مِن) هنا أيضا للتأكيد (ما كان لنا أن نشرك بالله شيئا) تعبير يعبّر به، في غير القرآن حين تقول: (مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ) من أي شيء، صنم، أو وثن، أو ملائكة، أو إنسان، أو أي شيء (مَا كَانَ لَنَآ) ما ينبغي، وما يصح، وما يكون، ويستحيل علينا أن نشرك بالله شيئا، ثم ينسب الفضل إلى الله مرة أخرى (ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا) بالنبوة (وَعَلَى ٱلنَّاسِ) ببعثتنا إليهم (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴿۳۸﴾) لا يشكرون هذا الفضل، وهذه النعمة التي ساقها الله إليهم على أيدينا، بنصب الدلائل، وإنزال الكتب، إما هذا المعنى، وإما (فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا) بالنبوة (وَعَلَى ٱلنَّاسِ) بما نصبه من دلائل (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿١۷﴾ وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴿١۸﴾ وَإِلَى ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴿١۹﴾ وَإِلَى ٱلْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴿٢۰﴾) [سورة الغاشية آية: ١٧ - ٢٠] الشمس، والقمر، والليل، والنهار الدلائل التي تدل على وجود الواحد الأحد كمن يكفر بالنعمة، ها هي نعمة الله على عباده، دلّهم على وجوده، نصب لهم الدلائل، أرسل إليهم الرسل، أنزل إليهم الكتب، بيّن لهم طريق السعادة في الدنيا، وفي الأخرى فأعرضوا عن كل ذلك، كمن كفر بالنعمة ولم يؤد شكرها.
يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌۭ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿39﴾
مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءًۭ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿40﴾
يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًۭا ۖ وَأَمَّا ٱلْـَٔاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴿41﴾
وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍۢ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴿42﴾
هؤلاء لا يظنون، ولا يشكّون لكنهم متيقنون، فالظن يأتي بمعنى اليقين، فالظان في الآية يوسف، أم الساقي؟ هل عبّر الرؤيا باجتهاده فلم يقطع أم أنه قطع؟ قطع بدليل قوله، (قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴿٤١﴾) فإما أن الظن في الآية بمعنى اليقين (وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ) أي تيقن يوسف (أَنَّهُۥ نَاجٍۢ مِّنْهُمَا) وإما أن الظان الساقي، وقال يوسف للذي ظن في نفسه أنه ناج نتيجة تعبير الرؤيا (ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ) أي أذكر حكايتي، وما أنا عليه من خُلُق، وسلوك، أني دخلت السجن ظلما، لكنه لم يحدثه بأمر النسوة، كما قال بعض المفسرين؛ لأن هذا لم يحدث إلا بعد ذلك، وجاء بالتعريض، وليس بالتصريح، أدب يوسف، وخلق يوسف يمنع من أن يحكي لأصحاب السجن ما حدث (ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ) أي أني دخلت السجن مظلوما، وأني أعبّر الرؤيا، وأني على خلق، علّه يستدعيني ويسألني (فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ) كفتى موسى حينما قال (قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُۥ ۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًۭا (٦٣)) [سورة الكهف آية: ٦٣]. (فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ) أي أنسى الساقي (ذِكْرَ رَبِّهِۦ) أي تذكير ربه بأمر يوسف، أو ذكر يوسف لربه فحُذِف المفعول (فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴿٤٢﴾) أيها الأخ المسلم. انتبه، دائما وأبداً لعصمة الأنبياء، وإياك أن تقع فيما وقع فيه بعض السابقين من الكتاب، والمفسرين، النبي معناه أنه يُنبّأ النبي، معناه أنه مُستخلص من البشر، ربنا (تبارك وتعالى) حين يُنبأ إنسانا هل ينظر في خلقه فيختار أفضلهم؟ يستحيل لأنه هو الخالق، وهو القادر، وهو المريد، وهو القاضي أزلاً بما يكون، فالأحداث ليست مستأنفة، بمعنى أن الله لا يفكر اليوم ماذا يفعل في الغد، بل فرغ الله من الخلق أزلا، من هنا طالما أراد أن يكون يوسف نبيا، لابد وأن يخلقه أصلا ليكون نبيا، وبالتالي فهو لا يختار من الخلْق، بل هو يخلق ما يشاء (وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩)) [سورة القصص آية: ٦٩] فحين يقول الله (تبارك وتعالى): (ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًۭا وَمِنَ ٱلنَّاسِ ۚ ) [سورة الحج آية: ٧٥] هذا الاصطفاء أزلاً، بأن يخلقهم أهلاً لذلك، لا أن يختارهم بعد الخلق، من هنا لابد وأن تكون العصمة للأنبياء، وأن يكون الكمال لله وحده، فإن اللجوء إلى الأسباب والأخذ بالأسباب لا يقدح في التوكل والإيمان، فإن الله، تبارك وتعالى، قضى وقدّر، وخلق هذه الدنيا، وخلق الأسباب والمسببات وربطها ببعض كالسلسة، فتحريك الأسباب، أو هذه السلسة مباح، والتعويل على اليقين بمعنى أن تتيقن بأن الفعال على الحقيقة هو الله، فإن تيقنت بذلك فلا بأس بأن تحرك الأسباب، كمن يمسك بسلسلة مترابطة الحلقات، فيهزها أو يحركها، فتحدث صوتا، وبالتالي لو أن يوسف (صلى الله عليه وعلى نبينا أفضل صلاة) لو أن يوسف تكلم مع الناجي فعلا، وطلب منه أن يذكره عند ربه، هل يقدح ذلك في توكله على الله؟ أبدا، لكن الناس الذين زعموا أن اللبث في السجن بسبب إنزال حاجته بالبشر، قالوا: إنزال الحاجة بالبشر لا يقدح في عوام الناس في إيمانهم، ولكنه خلاف الأوْلى بالنسبة للأنبياء، فما كان لنبي من الأنبياء أن يلجأ إلى أحد، أو أن يأخذ بالأسباب، والقول أيضا يحتاج إلى وقفة، هل مرض النبي (صلى الله عليه وسلم)؟ نعم، هل طلب العلاج؟ نعم، هل طلب أن يصبوا عليه من سبع قِرب لم تُفك، ولم تُحل أوكيتهن؟ نعم، هل أكل؟ هل شرب؟ هل جاع؟ هل باع؟ هل اشترى؟ الأخذ بالأسباب لابد وأن يكون في كل البشر، والأنبياء ما هم إلا بشر من حيث الصورة، وبالتالي من حيث الدنيا وما فيها من أسباب، وإنما يوحي إليهم وذاك يرفعهم عن مصاف الناس، يرفعهم درجات، من هنا التوكل على الله مطلوب، والأخذ بالأسباب مطلوب؛ لذا قيل: ترك الأسباب جهل، وترك التوكل فسق، وبالتالي فإذا كان قد لجأ يوسف إلى صاحبه في السجن كي يذكر وصفه، أو حكايته أنه قد ظُلم بدخوله السجن للملك، لا بأس به، واقترب الفرج، وإذا بالملك يرى الرؤيا.
وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعَ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍۢ ۖ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَـٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴿43﴾
قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍۢ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ ﴿44﴾
وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ ﴿45﴾
(وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) تذكر بعد حين، بعد فترة من الزمان (وادكر بعد إمة) نعمة، الإِمة: النعمة أي بعد ما أنعم الله عليه، وأصبح ساقيا للملك، واطمأن الملك له، (وادّكر بعد أَمَه) أَمِه الرجل، يأمه أَمَهاً، وأَمْهاً: نسيان، نسي الرجل، (وادّكر بعد أمْهٍ) لأن الحرف الوسط في الاسم الثلاثي، أو فى المصدر قد يحرّك (بعد أَمَه) بعد نسيان، أي تذكّر بعد نسيان، إذاً فالناسي هو الساقي (أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ ﴿٤٥﴾) إذاً فقد تيقن أنها رؤيا، وأنهم عجزوا عن تأويلها (فَأَرْسِلُونِ ﴿٤٥﴾) إذاً فقد كان السجن خارج البلدة، أي فأرسلوني إلى السجن أو أرسلوني إلى من يعلم التأويل، واختصر الكلام، والتقدير فأرسلوه فذهب إلى السجن، فدخل على يوسف، فقال له: يا يوسف، اختصر كل ذلك حيث قال الله (عز وجل): (أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ ﴿٤٥﴾).
يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعِ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍۢ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿46﴾
من هنا حين سلمت العيون رأت الحقيقة، فقلن (مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌۭ كَرِيمٌۭ (٣١)) [سورة يوسف آية: ٣١]، وقلن (قُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍۢ ۚ ) [سورة يوسف آية: ٥١]، وقالت هي (ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ) [سورة يوسف آية: ٥١]، حين انفتحت القلوب، من هنا إذا انفتح قلب العبد وانشرح رأى الله في كل مكان، وسمع الله في كل تغريد لبلبل، وفي كل صوت لصائح، سمع الله في كل صوت، ورأى الله، في كل منظر، وأحس بالله في كل حين إذا انشرح قلبه، فوجود الله (عز وجل) وجود لا يماثله وجود، فسبحان من احتجب عن الخلق بنوره، وخفي عليهم بشدة ظهوره.
فقد تحيّر الملك في رؤياه، وعجز ملؤه عن تأويلها، وادعوا أنها أضغاث أحلام، لا تأويل لها، ولا معنى، وهنا اقترب الفرج، وتذكّر الساقي الذي نجا من السجن، تذكّر يوسف، وطلب أن يأتيهم بتأويل الرؤيا، ووافقوا على ذلك وذهب الساقي إلى السجن في داخل البلدة، أو كان خارجها لقوله: (فَأَرْسِلُونِ) ودخل على يوسف وناداه بنداء الحبيب (أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ) نداء الحق، والصدِّيق: المبالغ في الصدق، الصدِيق الذي لم يكذب في حياته مرة، ولم يؤثر عنه الكذب قط، وقد علم الساقي ذلك من معاشرته ليوسف في السجن، وكيف أن تأويل الرؤيا التي رآها جاءت كما أوّلها يوسف تمام، من هنا نادى يوسف والكلام فيه حذف تقديره فأرسلوه فذهب إلى السجن، فدخل على يوسف فقال (أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌۭ وَسَبْعِ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍۢ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍۢ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٤٦﴾) (لعل) كلمة ترجِّي، والقائل لها شاكّ في إتمام الأمر، وإنفاذه من عدمه، فلِمَ قالها الساقي (لَّعَلِّىٓ) وهو واثق من علم يوسف بالتأويل؟ يبدو والله أعلم أنه خشي أن يعجز يوسف عن تأويل الرؤيا، خاصة بعد أن عجز عن تأويلها الملأ الأشراف، والعلماء، والحكماء، والكهان، والمنجمون، أو خشي ألا يرجع (لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ) لكن الأرجح أنه تمنى أن يعلم يوسف التأويل، لكنه لم يقطع بذلك فقال (لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ) الملأ، الملك، وملأه أو الناس: الملك وجمع للتعظيم (لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٤٦﴾) التأويل أو (لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٤٦﴾) فضلك، وعملك، وقدرتك على التأويل، فيخرجونك مما أنت فيه، أو يرفعوا عنك الظلم.
قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تَأْكُلُونَ ﴿47﴾
ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌۭ شِدَادٌۭ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴿48﴾
ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴿49﴾
(تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا) (دَأَبًۭا) بإسكان الهمز، وبفتحها (قراءتان ) دأب يدأب ودَأْباً، ودَأَباً، دأب على الشيء: داوم عليه واعتاد عليه (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا) أي دائبين إن كانت أمراً أو (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا) كعادتهم في كل سنة إن كانت خبرا، ثم أمر فقال جمعتم بعد النضج (فَذَرُوهُ) فاتركوه (سُنۢبُلِهِۦٓ) في السنابل الخضراء، ولا تخرجوا منها الحب، القمح، حتى لا يصيبه السوس، وحتى يُحفظ، من أين علم يوسف ذلك؟ لو كانوا قد اعتادوا على ذلك ما أمرهم به، ولكنه ينبّه، ويعطي معلومة لم تكن معلومة لديهم (فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تَأْكُلُونَ ﴿٤۷﴾) إذاً فالذي يُحصد يُبقى عليه بسنبله، ولكن يُدرس ما يُحتاج إليه على قدر حاجة الناس، يُؤخذ الكمية التي تحتاج لها الناس في خلال العام، وقال (قَلِيلًۭا) معنى ذلك أن العطاء يجب أن يكون بحساب، وأن يأخذ الناس كفايتهم دون زيادة، إذاً فالأمر محتاج إلى تنظيم، وإلى يد قوية تمسك بزمام الأمر (ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌۭ شِدَادٌۭ يَأْكُلْنَ) أي يأكلن أهلهن؛ لأن السنة لا تأكل لكن الناس يأكلون، ولكن نسب الفعل إلى السنين مبالغة (يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ) القمح الذي أُبقي في سنبله نحتاج إليه في السنين المجدبة، فنخرجه من سنبله، ونطحنه، وهكذا ولكن ليس كل ما ادخرتم تأخذون، ولكن لابد من الإبقاء على نسبة لإعادة زرعها، وبذرها، التقاوي كما يقولون (إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴿٤۸﴾) من الإحصان، والإحصان: جعل الشيء في الحصن، والحصن: المكان الممتنع الحصين الذي لا يوصل إليه، فسّر السنبلات الخضر، والبقرات السمان بسبع سنين مخصبات، وفسّر البقر العجاف والسنبلات اليابسة بسبع سنين مجدبات، فإذا زرعوا في السنين المخصبة، واحتفظوا بالزائد عن الحاجة في سنبله، حُفظ من الآفة، فإذا جاءت السنون المجدبة نفعهم ما ادخروه فاستخدموه (ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ) من بعد السنين الشداد (عَامٌۭ) وقال (عَامٌۭ) ولم يقل (سنة) لأن العرب اعتادوا على تسمية سنين الرخاء بالأعوام، وسنين القحط بالسنين ( اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِينِ يُوسُفَ) دعوة النبي (صلى الله عليه وسلم) على قريش فأصابهم الله بالسنين أي بالقحط (وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ) [سورة الأعراف آية: ١٣٠] وتجد حتى في قصة نوح، والحكاية عن نوح (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًۭا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ (١٤)) [سورة العنكبوت آية: ١٤] لم يكن في هذه الأعوام مشقة ولا شقاء؛ لأنه لم يكن قد بُعث سنين البعثة ألف إلا خمسين، وسُميت سنين لأنه لقي من قومه أشد ما لقي نبي من قومه، فقال (أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًۭا) والقياس في كلامنا (أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًۭا) لكي تتوافق الكلمات، لكن يدلك المعنى على أن مدة البعثة كانت شقاء تعب ومكابدة (ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ) إذاً فهو رخاء (فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴿٤۹﴾) من أين أتى يوسف بهذا، ولم يكن في رؤيا الملك؟ قيل ذاك وحي الله، أوحاه إليه حتى يعظم قدره عند الملك، وقيل بل علم يوسف ذلك من السنة الإلهية، فقد جرت سنة الله على التيسير بعد التعسير، وعلى الرخاء بعد القحط، وإن بعد العسر يسرا، سنين وجدب، لابد أن يأتي بعدها الفرج، من هنا قال (ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ) يغاث من الغيث، غاث الله البلاد غيثا: أنزل عليها المطر، أو من الغوث، والغوث، والغياث، والإغاثة: إزالة الهمّ، والغمّ، والكرب، أغاثه الله: نجاه، ونصره، وأعانه، وطلب الغوث من الله، وطلب الغياث: طلب الإعانة، وطلب النصر، أما طلب الغيث فهو طلب المطر (عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ) بالغيث بالمطر، أو من الغوث، أي يعانون، ويذهب عنهم الكرب، والهم (وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴿٤۹﴾) (وفيه تعصرون) (وفيه تُعصَرون) من العصر، يعصرون العنب خمراً، والزيتون زيتاً، وهكذا يعصرون الدهن، يعصرون السمسم، دلالة على وفرة المحاصيل، ووفرة الزرع، ولا يأتيهم ربنا بالقمح فقط، بل بثمار كثيرة مما يُعصر كالعنب والسمسم وما إلى ذلك، أو (وفيه تعصرون) على الخطاب، أو (وفيه تُعصرون) تمطرون (وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَٰتِ مَآءًۭ ثَجَّاجًۭا (١٤)) [سورة النبأ آية: ١٤] على هذه القراءة، أو من العَصَر، أو العَصَرة، وهو الملجأ، والنجاة (وفيه تُعصرون) أعصره: أنجاه، ذهب إلى العَصَره، أو لجأ إلى الملجأ، أو المنجاة (وفيه تُعصرون) تحدث لكم النجاة مما أنتم فيه حينئذ من قحط وجدب.
وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌۭ ﴿50﴾
قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ قُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍۢ ۚ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿51﴾
أيها الأخ المسلم، كان الصحابة كلما قرؤوا سورة يوسف أخذهم البكاء، وبكاء الباكي في سورة يوسف يختلف باختلاف المشاعر، فمن البكائين من يبكي حزنا، ومن البكائين من يبكي أسفا، ومن البكائين من يبكي فرحاً، ومن البكائين من يبكي
الجُزءُ الثالث عشر
اختلف المفسرون والعلماء في الآيات التالية أهي من قول يوسف؟ أم هي من قول امرأة العزيز؟
ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ ﴿52﴾
وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿53﴾
وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌۭ ﴿54﴾
قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌۭ ﴿55﴾
وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿56﴾
وَلَأَجْرُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ﴿57﴾
وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ﴿58﴾
وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍۢ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ ﴿59﴾
فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ ﴿60﴾
قَالُوا۟ سَنُرَٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَـٰعِلُونَ ﴿61﴾
وَقَالَ لِفِتْيَـٰنِهِ ٱجْعَلُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿62﴾
فَلَمَّا رَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيهِمْ قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ ﴿63﴾
قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًۭا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ﴿64﴾
وَلَمَّا فَتَحُوا۟ مَتَـٰعَهُمْ وَجَدُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا مَا نَبْغِى ۖ هَـٰذِهِۦ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍۢ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌۭ يَسِيرٌۭ ﴿65﴾
قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌۭ ﴿66﴾
وَقَالَ يَـٰبَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍۢ وَٰحِدٍۢ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍۢ مُّتَفَرِّقَةٍۢ ۖ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۖ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ﴿67﴾
وَلَمَّا دَخَلُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةًۭ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا ۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍۢ لِّمَا عَلَّمْنَـٰهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿68﴾
وَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿69﴾
فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَـٰرِقُونَ ﴿70﴾
قَالُوا۟ وَأَقْبَلُوا۟ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ ﴿71﴾
قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍۢ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌۭ ﴿72﴾
قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَـٰرِقِينَ ﴿73﴾
قَالُوا۟ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمْ كَـٰذِبِينَ ﴿74﴾
قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿75﴾
فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌۭ ﴿76﴾
قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌۭ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴿77﴾
قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًۭا شَيْخًۭا كَبِيرًۭا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿78﴾
قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًۭا لَّظَـٰلِمُونَ ﴿79﴾
فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّۭا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ ﴿80﴾
أيها الأخ المسلم، في سورة يوسف الكثير والكثير من التأمل، والعبرة في القصة لا تنتهي، بل هي عبر، وعبر، بل وفيها كذلك من قواعد الأحكام ما يزيد عن ثمانية عشر قاعدة وحكم أُخذت من هذه الآيات، الأحكام والقواعد التي فصلها العلماء، واستدلوا بالآيات عليها، فقد تشاور إخوة يوسف كيف يواجهون ما حل بهم، مصيبة اتهم الأخ بالسرقة، استخرج الصواع من رحله والكل ينظر هم الذين أوقعوه لم يكن هذا من دين الملك، ولا حكمه، هم الذين حكموا، واختاروا الحكم، كيف يخرجون من هذا المأزق؟ كيف يواجهون الأب؟ خلصوا نجيا، وتشاوروا ها هو كبيرهم، أرشدهم، أكبرهم سنا، أرشدهم عقلا، يقول لهم: لا مفر إلا بالمواجهة مع أبيكم.
ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَـٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ ﴿81﴾
وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ﴿82﴾
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴿83﴾
وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌۭ ﴿84﴾
قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ ﴿85﴾
قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿86﴾
يَـٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ﴿87﴾
فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَـٰعَةٍۢ مُّزْجَىٰةٍۢ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ ﴿88﴾
قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ ﴿89﴾
قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿90﴾
قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِـِٔينَ ﴿91﴾
قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ﴿92﴾
ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًۭا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿93﴾
وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ﴿94﴾
قَالُوا۟ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ ﴿95﴾
فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًۭا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿96﴾
قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِـِٔينَ ﴿97﴾
قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿98﴾
فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ﴿99﴾
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًۭا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّۭا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌۭ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴿100﴾
رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿101﴾
وهنا انتهت قصة يوسف، وتوجه الخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) والخطاب الموجه لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحمل معانٍ كثيرة، إثبات صدق النبي (صلى الله عليه وسلم) البرهان على صدقه، تسلية النبي (صلى الله عليه وسلم) والتسرية عنه، بيان أن الجحود، وجحد الحقائق، ديدن الكفار، بيان أن دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) هي دعوة الحق، وأنه لا يسأل عليها أجراً، ثم التحذير لكفار مكة، وكفار عصره، أن من قَدَرَ على نصر يوسف، قادر على نصر محمد، ثم ختام السورة بالهدف، والغرض من القصة، ألا وهو العبرة، والاعتبار فيقول الله (عز وجل):
ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴿102﴾
وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿103﴾
وَمَا تَسْـَٔلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ ﴿104﴾
وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿105﴾
وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴿106﴾
أَفَأَمِنُوٓا۟ أَن تَأْتِيَهُمْ غَـٰشِيَةٌۭ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿107﴾
قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿108﴾
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿109﴾
حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿110﴾
لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًۭا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ﴿111﴾
لا تنتهي عجائب القرآن، وغرائبه، وقصة يوسف، وإن طال بنا الكلام فيها إلا أننا لم نوفيها حقها من الكلام.