القرآن الكريم / سورة هود / التفسير المقروء

سورة هود

مقدمة‬
‫لقاؤنا اليوم مع سورة هود، سورة هود، سورة مكية، نزلت بمكة، آياتها مائة وثلاث وعشرون آية، تهتم سورة هود ببيان عقيدة التوحيد، والتدليل عليها، وتهتم ببيان البعث، والحساب، والثواب، والعقاب، وتميز بين الناجين، وبين الهالكين، سورة هود فيها قصص بعض الأنبياء‫:‬ نوح، هود، التي سُميت السورة باسمه، صالح، لوط، موسى، هارون، سورة هود نزلت بعد وفاة السيد خديجة أم المؤمنين (رضي الله عنها وأرضاها) وكذلك بعد وفاة عم النبي (صلى الله عليه وسلم) وكان العام، عام الحزن، نزلت السورة تسرِّي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتحكي له كيف عانى الأنبياء من قبله! كيف لقوا من أذى أقوامهم! كيف صبروا! وتبين أن القصص قص عليه؛ ليثبت الله به فؤاده، سورة هود تهتم كثيرا بعقيدة التوحيد، وفيها التحدي لكفار مكة أن يأتوا بمثل هذا القرآن، افتتحت السورة بالحروف المقطعة‫:‬‬

الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴿1﴾
‫(الٓر ۚ )، وهذه الحروف فيها أقوال كثيرة تكلمنا عنها من قبل، وأفضل ما يقال فيها‫: هو سر الله، فلا تطلبوه، ولكل كتاب سر، وسره في القرآن فواتح السور (كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ): أي هذا كتاب - القرآن - ولم يكن جُمع بين دفتين بعد، كانت الآيات تترى، والسور تنزل يحفظها الصحابة، بعضهم يكتب في ألواح، في أكتاف، لكن لم يكن قد اكتمل نزوله، ولم يكن قد أصبح كتابا بعد، لكن الله يخبر بمستقبل علّ من يعقل، يفهم (أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ) نُظمت نظماً محكماً، لا يتطرق إليه اختلال في اللفظ، أو المعنى، صارت آياته محكمة متقنة، لا يتعرض لها نسخ، فقد نُسخت التوراة بالإنجيل، ونُسخ الإنجيل بالقرآن، أما القرآن فلآخر الزمان، لا ناسخ له، لا نسخ، ولا محو، ولا خلل، ولا اختلال، نظْم متقن، نظْم محكم، لفظا ومعنى، (ثُمَّ فُصِّلَتْ) والتفصيل‫: التبيين، نزلت سورة، سورة، آية، آية، طائفة، طائفة، نزل منجمّاً، بُينت آياته، بَينَّت للناس الأمر والنهي، الحلال والحرام، القصص والأخبار، ما ينبغي وما لا ينبغي، (ثُمَّ فُصِّلَتْ) (ثُمَّ) هنا للتراخي في الإخبار، أو لأن التفصيل إن كان بمعنى التنزيل طائفة، ثم طائفة، فهي على الترتيب، أحكمت أزلاً، ثم نزلت بعد ذلك بالتدريج، فُصلت (مِن لَّدُنْ) : من عند (حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)) تقرير لإحكام القرآن، وتفصيله؛ لأنه إن كان قد نزل من حكيم، فهو مُحكم، وإن كان قد نزل من خبير، فهو مفصَّل، مُبيَّن، يهدي الناس، يبين لهم أمور دينهم، وديناهم، فالحكيم الذي يُحكمِ كل شيء، ولا تخلو أفعاله من الحكمة، خبير يعلم السر وأخفى، يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن، يعلم مصالح الناس، وما فيه سعادتهم.
أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۚ إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ ﴿2﴾ وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَـٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ كَبِيرٍ ﴿3﴾
‫(أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۚ ) : أي لئلا تعبدوا إلا الله، أو بألا تعبدوا إلا الله، أو قيل فيه، وأُمر النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يقول للناس، تبرؤوا من عبادة غير الله، (إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ (٢)) نذير‫:‬ مخوِّف، أخوِّف من حسابه، وأخوِّف من عقابه، وأحذِّر من عصيانه، وأبشّر الطائع بثوابه وبرضوانه، وبجنته، إنني لكم من الله الحكيم الخبير، الذي أنزل هذا الكتاب الذي أُحكمت آياته، ثم فصلت، أنذركم، وأبشركم، (وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ) إذاً فبادئ ذي بدء، الإيمان بالله، بادئ ذي بدء توحيد الله، بادئ ذي بدء الإقرار لله، ثم يأتي بعد ذلك الاستقامة، والطاعة، ولمّا كان الإنسان خطاءً، فكل ابن آدم خطّاء، ولا عصمة إلا بعصمة الله، ولا معصوم إلا الأنبياء، أُمر الناس أن يستغفروا الله، ويتوبوا إليه، استغفار، ثم توبة، والاستغفار هو التوبة في رأي بعض الناس، فإن كان الاستغفار هو التوبة، فكلمة (ثُمَّ) بمعنى الواو (أن استغفروا ربكم وتوبوا إليه) أو استغفروا ربكم من الصغائر، ثم توبوا إليه من الكبائر، فكفارة الكبيرة التوبة، وكفارة الصغيرة الاستغفار، أو استغفروه مما مضى، وتوبوا إليه إن حدث منكم ما يستدعي التوبة في المستقبل، فالإنسان غير معصوم، وواقع في الخطأ لا محالة، (يُمَتِّعْكُم مَّتَـٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ ۖ ) هذه هي حصيلة الاستغفار، والتوبة بعد الإيمان، والإمتاع في الأصل‫:‬ الإطالة، ومَتَع النهار‫:‬ ارتفع، وبدأ في الطول في البداية، والمتاع‫:‬ التمتع، والمتاع‫:‬ العمر، أن يُمتع، يُعمر، أما المتاع الحسن، فقالوا‫:‬ الحياة الكريمة، سعة الرزق، الستر، العفو، العافية، الرضا، السعادة، القناعة بالموجود، وترك الحزن على المفقود، ترك الخَلق، والإقبال على الحق، (يُمَتِّعْكُم مَّتَـٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى) وقت محدد، مدة محددة، هي مدة الأعمار لحين الوفاة، أو يدخل فيها فترة القبر، فلا سؤال، ولا عتاب، ولا ضيق، ولا ظلمة، ولا ألم إلى يوم البعث، أو هي مستمرة بفضل الله، وإنعامه في الحياة عند الموت، في الحياة حياة السعداء، وفي الموت موت الشهداء، راحة عند الموت، وسعادة بعد الموت، أمن وأمان يوم الفزع حين البعث، ظل ظليل تحت ظل العرش، والأجل المسمى هو دخول الجنة، يمتعكم متاعاً حسنا إلى نهاية العمر، إلى يوم البعث والقيامة، إلى دخول الجنة بسلام، (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ ۖ ) يعطي كل ذي معروف وعمل صالح ثوابه وجزاءه، أو التفاضل بين الناس، (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ ۖ ) من فضلت حسناته على سيئاته، أي زادت حسناته عن سيئاته، (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ ۖ )، (وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ كَبِيرٍ (٣)) تولَوْا‫:‬ فعل ماض، وقد يكون فعلا مضارعاً، حُذفت إحدى تائيه، بمعنى (وَإِن تَوَلَّوْا۟) إن أعرضتم عن هذه النصيحة، أعرضتم عن طاعة الله، أعرضتم عن التوبة والاستغفار، ظللتم على ما أنتم عليه من شرك، (فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ كَبِيرٍ (٣))، مهول، وكِبر اليوم لما يحدث فيه‫.‬‬‬‬‬
إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ﴿4﴾
أخاف عليكم عذاب يوم كبير، حيث ترجعون فيه إلى رب قدير، يثيب من يشاء، ويعاقب من يشاء، كل الناس راجعون إلى الله لابد، ومن كانت له بداية، فلابد وله نهاية، إلى الله وليس إلى غيره، (إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ)، إذا فهو قادر على تحقيق البشرى في الطائعين، قادر على إيقاع العقاب بالكافرين، الإخبار بعد ذلك عن تلقي كفار مكة لهذا الكلام الطيب، تلقِي كفار مكة لهذا الإنذار، والتخويف، ماذا كانت إجابتهم؟ وكيف كان سلوكهم؟
أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴿5﴾
‫(أَلَآ) كلمة للتنبيه، أي انتبه، واستمع (إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) يطوون صدورهم على عداوة النبي، صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين، ولا يظهرونها، فقد رُوى أن من الناس من كان له حلو الكلام مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حضوره، فإذا انصرف وقع فيه بأفظع الكلام، وقيل‫:‬ كان الكفار يجلسون مع بعضهم البعض، ويقولون‫:‬ لئن ثنينا صدورنا، وانطوينا، وغطينا أنفسنا، وقلنا ما نقول، فلن يعلم رب محمد عنا شيئا، ولن يخبره بشيء، أي يختفوا من الله فلا يراهم، أو لا يسمع كلامهم، وقيل‫:‬ إن الآية أيضا نزلت في بعض المسلمين، ولا مانع بأن يكون سبب النزول أموراً متعددة، بعض المسلمين من شدة حيائهم من الله كانوا إذا دخلوا الخلاء لقضاء الحاجة غطوا رؤوسهم، ووجوههم بثيابهم، واثنوا وانحنوا استحياءً من الله، وكذلك إذا دخلوا للاغتسال، وكذلك إذا أراد الرجل أن يأتي امرأته تغطى، وغطى رأسه، حياءً من الله، فنزلت الآية تخبر بأن الله (تبارك وتعالى) لا تحجب رؤيته الظلمات، والأستار، ويستوي في كمال سمعه الجهر بالقول، والإسرار، وأنه يعلم خفايا الوهم، والتفكير، ويسمع هواجس الضمير، وكان الجواب والرد (أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ ) حين يغطون أنفسهم بالثياب يدخلون الفرس متغطين، أو ينحني بعضهم على بعض للإسرار بعداوة النبي (صلى الله عليه وسلم) والتدبير لكيده، يستوي في كمال سمعه الجهر بالقول، والإسرار، (يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ (١٩)) [سورة غافر آية‫:‬ ١٩] (إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ) أي ما انطوت عليه القلوب، يعلم أسرار الصدور، ما لم تهمس به لنفسك، خفايا الوهم، والتفكير، يرى هواجس الضمير، وخواطر الإنسان يسمعها، مع أن الإنسان لا يسمع خواطره، لكن الله يسمعها، وللتأكيد على كمال علمه، وكمال قدرته، وأن جميع المعلومات في علمه سواء، وأن جميع الممكنات في قدرته سواء‫.‬‬

‫الجُزءُ الثاني عشر‬
‫يقول، عز من قائل‫:‬‬
وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّۭ فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿6﴾
الدابة‫: كل ما يدب على الأرض، فهو دابة، إنسان، حيوان، حشرات، طائر مهما طار لابد وأن يحط على الأرض (وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ) على ظاهر الأرض، في داخل الأرض، كالدود (إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا) (عَلَى) بمعنى (من) أي من الله رزقها، أو هي على بابها (عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا) فضلا، وتفضلا، لا وجوباً؛ إذ لا يجب على الله شيء، وإن كانت كلمة (عَلَى) تشعر بالوجوب، ولكن المعنى أن الله (تبارك وتعالى) قد تكفل برزق ما خلق تفضلا منه، لا وجوبا، إذ لا يجب على الله شيء، وإذا كان على الله رزقها، إذاً فلابد وأن يعلم حجمها، مكانها، ما يصلح لإعاشتها، ما يكون به قوامها، فتدبير الرزق لكل الكائنات يقتضي علما لا يساويه، ولا يدانيه علم، يقتضي علم إله قادر، واحد، متصرف، مدبر، حتى يرزق الهاجع، والناجع، حتى يرزق الطائر في الهواء، والأسماك في أعماق الماء على الله رزقها، (وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ ) حياتها، وموتها، وجودها في الأصلاب، وجودها في الأرحام، يعلم أولها، ويعلم آخرها، يعلم بدايتها، ويعلم نهايتها، فالآية تدلل على منتهى الكمال في علم الله، (كُلٌّۭ فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ ) كل المعلومات في كتاب مبين، في اللوح المحفوظ، كل الخلائق مسطورة في الكتاب، في اللوح المحفوظ، آية تدل على كون الله (تبارك وتعالى) عالما بعلم أزلي، لا يزيد، ولا ينقص، تدل على كمال العلم لله، وتأتي الآية التي تدل على كمال القدرة‫.
وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿7﴾
خلق السموات والأرض بما فيها، وبما عليها، وبما احتوت عليه في ستة أيام، قيل‫:‬ هي من أيام الدنيا، ما يوازي أيام الدنيا، والله أعلم (تبارك وتعالى) بأيامه، فهو الذي خلق المكان، وهو الذي خلق الزمان، وكان قادراً على أن يخلق كل ذلك في أقل من لمحة (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍۢ وَٰحِدَةٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ (٢٨)) [سورة لقمان آية‫:‬ ٢٨] في طرفة عين أو أقل، لكنه أراد أن يعلّم الخلائق التأنّيِ في الأمور، والصبر، والإتقان، والإحكام (وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ) يُفهم من الآية، أن أول ما خُلق العرش، والماء، إذ قبل خلق السموات والأرض كان عرشه على الماء، إذاً فقد كان العرش موجودا، وقيل‫:‬ إن الله خلق العرش أولا، ثم خلق الماء ثانيا، كيفية الخلق فيها كثير من كلام المفسرين في الكتب، ولا يجب أن يُلقى إليه بال؛ إذ لا يُعلم، ولا يعلم أحد كيف خلق الله السموات والأرض، والإنسان وربنا يقول‫:‬ (مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٥١] إذاً فنحن نؤمن بما قيل لنا، نصدق قول الله( عز وجل) ولا نُعمل الفكر والعقل فيما لا يجب للعقل أن يعمل فيه، من أمثله ما قيل أن الماء كان ياقوتة، خلق الله ياقوتة خضراء، فنظر إليها بالهيبة، فتحولت إلى ماء، إلى آخر الكلام، أمور لم يخبر بها النبي (صلى الله عليه وسلم) أمور لم ترد في القرآن تفصيلا، أمور لا يمكن للعقل أن يصل إليها، فإياكم وما كُتب في مثل هذه الأمور، لتخويف الناس، أو لتسلية الناس، يعلم الله بنية القائلين فيما قالوه، هو (سبحانه وتعالى) يقول (خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ) من أيام الدنيا، من أيام الآخرة (وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍۢ مِّمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)) [سورة الحج آية‫:‬ ٤٧] يعلم الله (وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ) هل يحمل الماء العرش؟ وهل العرش يحمل الله؟ وهل الملائكة حملة العرش لم تكن موجودة، ولا ذكر لها؟ إذاً فالعرش والماء، والفرش، والخلق، والملائكة، وحملة العرش، الكل محمول بقدرته، مقهور في قبضته، كان الله ولم يكن شيء؛ لذا حين جاء أهل اليمن إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يسألوه عن هذا الأمر كيف كان قال (صلى الله عليه وسلم) (كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ)، إذاً لم يكن هناك عرش، ولم يكن هناك ماء، يفهم من الآية أن العرش أكبر المخلوقات كما قيل، وأعظمها على الإطلاق، يُفهم أن العرش سبق خلق الماء، إذاً فالماء لا يحمل العرش، وحين يقول عن يوم القيامة (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ ثَمَـٰنِيَةٌۭ (١٧)) [سورة الحاقة آية‫:‬ ١٧] من قبل خلق الملائكة من كان يحمل العرش؟ هو الله (لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ١١] (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ۗ ) خلق السموات بما فيها، خلق الأرض بما عليها، كل ذلك من أجل الامتحان، من أجل الاختبار، كيف ذلك؟ انتبه، لولا الأرض ما وُجد ما تمشي عليه، ولولا الزرع ما وُجد ما تعيش عليه، ولولا الكنوز ما وُجد ما تتصارع عليه، ولولا النجوم ما وُجد ما تهتدي به، ولولا الشمس ما وُجدت الأيام، ولولا القمر ما وُجدت الشهور، إذاً فكأن الله (تبارك وتعالى) خلق السموات، وخلق الأرض، أدوات الهدف منها وجودك، الهدف منها بقاء الإنسان ووجوده، إذ وجود الإنسان، وبقاء الإنسان، يعتمد على وجود الأرض، على وجود السموات، على وجود المياه، وعلى وجود الأمطار، وهكذا فكأن خلق السموات والأرض من أجل بقاء الإنسان، أيضا من أجل استدلال الإنسان على الخالق (سبحانه وتعالى)؛ إذ حين ترى ما تراه، تقول كيف وُجد؟ ومن أوجده؟ ولابد لكل موجود من موجد، ولابد لكل نظام من منظم، ولابد لكل انتظام من مدبر، ولابد لكل حركة وسكون من مهيمن، فتستدل بخلق السموات والأرض وما فيها على وجود الخالق، فتخضع، وتخشع، وتؤمن، وتلجأ إليه، خلق السموات والأرض ليبلوكم، إذا فالامتحان هنا امتحان في كل شيء، في العقيدة، وفي العمل، وفي السلوك، وفي أعمال القلب، وأعمال الجوارح، (وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ (٧)) (إن هذا إلا ساحر مبين) قراءة، ولئن أخبرتهم يا محمد أن بعد الموت بعث، وأن بعد الفناء ابتداء، وأن من قدر على الإبداء، قدر على الإعادة بعد الإفناء (لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ) هذا القرآن، هذا القول بالبعث، هذا الوعد (إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ (٧)) إن هذا إلا باطلا، بطلان السحر، فقد كانوا يعتقدون في بطلان السحر، لم يكونوا يعتقدون في قوة السحر كما كان قوم فرعون، وإنما كانت العرب تعتقد أن السحر تخييل وباطل، ولا حقيقة له.
وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍۢ مَّعْدُودَةٍۢ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿8﴾
‫(وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ) الإهلاك، أو عذاب القبر، أو عذاب يوم القيامة (إِلَىٰٓ أُمَّةٍۢ مَّعْدُودَةٍۢ) كلمة (أُمَّةٍۢ) كلمة جامعة، تأتي على عدة معان، أمة‫:‬ معلم الخير، القانت العابد، (إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةًۭ قَانِتًۭا لِّلَّهِ) [سورة النحل آية‫:‬ ١٢٠] الأمة‫:‬ الشريعة، والدين (إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٢٢] الأمة‫:‬ الجماعة من الناس (وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةًۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ) [سورة القصص آية‫:‬ ٢٣] الأمة‫:‬ أتباع الأنبياء (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٤٢] الأمة‫:‬ المدة من الزمان (وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) [سورة يوسف آية‫:‬ ٤٥] (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍۢ مَّعْدُودَةٍۢ) مدة من الزمان محدودة (لَّيَقُولُنَّ) استهزاء واستعجالا (مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ ) لِمَ لمْ يأت العذاب؟ ما المانع؟ (أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ) العذاب الموعود (لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ) محيط بهم لا محالة (وَحَاقَ بِهِم) أحاط إحاطة السوار بالمعصم (وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ) الكلام في أوله يفيد الاستعجال، وليس الاستهزاء (لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ ) كلمة (مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ ) دليل على استعجالهم لوقوع العذاب كما قالوا‫:‬ (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٢)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٢] لكنه بدلاً من كلمة (يستعجلون) إذ قياس الكلام (حاق بهم ما كانوا به يستعجلون) قال (مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ)؛ ليبيّن أن استعجالهم للعذاب لم يكن حقيقة في نفوسهم، وإنما كان استعجالهم بالعذاب استهزاءً بالواعد، والوعيد، والوعد، فالاستعجال ليس على حقيقته، هل يستعجل أحد العذاب؟! وإنما كان استهزاءً.‬
‫أيها الأخ المسلم وما النتيجة؟ وما النهاية؟ هذه الزينة في السماوات، النجوم بالبلايين لا عد لها ولا حصر، ولا يُعرف عددها، وفشل العلماء في عدّها، الأحجام المهولة، السماوات وما فيها، الأرض وبما فيها من كنوز، الأقمار، الشموس، كل ذلك ما نتيجته، وما نهايته؟ الدمار الهدم، التفجير (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةًۭ لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ﴿۷﴾ وَإِنَّا لَجَـٰعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًۭا جُرُزًا ﴿۸﴾) [سورة الكهف آية‫:‬ ٧‫‬ - ٨]؛ ولذا قيل في كل يوم تشرق شمسه، ينادي المنادي أهل الأرض لِدُوا للموت، وابنوا للخراب، لدوا‫:‬ فعل أمر وَلَد يلد‫.‬‬
‫تحدثنا الآيات عن الإنسان عموما، أو خصوصا فيما يتعلق بالكافر، إذ يقول الله (عز وجل):
وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ ثُمَّ نَزَعْنَـٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌۭ كَفُورٌۭ ﴿9﴾ وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌۭ فَخُورٌ ﴿10﴾ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌۭ كَبِيرٌۭ ﴿11﴾
قال بعض العلماء‫:‬ (ٱلْإِنسَـٰنَ) مطلق الإنسان مؤمن، أو كافر، صالح، أو طالح‫.‬ وقال بعض الناس‫:‬ بل (ٱلْإِنسَـٰنَ) هنا يُقصد به الكافر، (وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ) الرحمة هنا النعمة، السعة في الرزق، والعافية في البدن، السلطة، الجاه، كثرة المال، وكثرة الأولاد، (ثُمَّ نَزَعْنَـٰهَا مِنْهُ) كان له الولد فمات، كان له المال فضاع، كانت له التجارة فبارت، كان له الجاه فخسره، (إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌۭ كَفُورٌۭ) شديد اليأس من رحمة الله، شديد اليأس من أن يعود له ما كان عنده، كفور‫:‬ شديد الكفر بالنعمة، لا يصبر على الضراء، ولا يشكر عند الرخاء، جاءته النعمة فلم يؤدي حقها، ولم يشكر الله عليها، فإن أزيلت عنه النعمة أو بعض النعمة، فإذا به شديد اليأس، قنوط من رحمة الله، أو من فضل الله، أو من فرج الله، كافر بالنعمة، لا يشكر الله عليها، (وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ) النعماء، والنعمة، والرحمة، كل ذلك بمعنى الإسعاد، إعطاء الإنسان ما يسعده، أو ما يكفيه، أو ما يقنعه، أو ما يرضى به، العكس لو أنه منعم عليه، ثم أزيلت النعمة تولاه اليأس، والكفر، كقول بعض الناس حين المصائب لِم؟ ولماذا؟ مات ابنه، فيتعجب لم هذا الابن بالذات، وأبناء الناس أحياء، خسر في تجارته، الكل يكسب، لم هو بالذات يخسر؟ لم فعل الله به هكذا؟ ماذا فعل حتى يصاب بذلك؟ كفر ويأس وقنوط‫.‬ (وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ) جاءه الضر أولا، ثم ذهب الضر، وجاءت النعمة، كان فقيرا فاغتنى، كان حقيراً فأصبح ذا جاه، كان وحيداً فأصبح ذا ولد، (وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ) وتأمل في التعبير واختلاف الأفعال (أَذَقْنَـٰهُ) (مَسَّتْهُ) الذوق باللسان، والذوق يُعبَّر به عن كل حس وإحساس، فكأن النعمة فضل يستشعره الإنسان، كذوق الطعام، وأما الضر فما هو إلا من قبيل المس، (وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ) في هذه الحالة ذهب السيئات عني، يأمل ويعتبر أن هذه هي النهاية، وأن هذا النعيم إلى الأبد، وأن المال دائم، وأن الجاه قائم (إِنَّهُۥ لَفَرِحٌۭ فَخُورٌ) فرح، بطر، لا يشكر الله على النعمة، تحجبه النعمة عن رؤية المنعم، لا يؤدي حق النِعَم، يختال بالنعم على الناس، أصبح غنيا، فيُعرض، ويكسح بوجهه عن الفقراء يتأفف منهم، أصبح ذا جاه، فلا ينصر مظلوما، ولا يقضي حاجة ذي حاجة، يفتخر على الناس، ويختال عليهم بما أعطاه الله وخوّله من نعم، ويعتقد أن كل شيء دائم، وأن العمر ممتد، غفل عن الموت، وغفل عن أن الله، يحوّل ولا يتحول، ويغيّر ولا يتغير، ولا يعتريه تغيير(إِنَّهُۥ لَفَرِحٌۭ فَخُورٌ) نسى شكر الله، وأصبح مختالاً على الناس (إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ) (إِلَّا) هنا الاستثناء منقطع، إذا كان الكلام عن الكفار، وإذا كان الكلام عن الناس عموما، فالاستثناء متصل أي هذا حال الإنسان عموما الطائع والعاصي، العاصي الكافر بالنعمة فهذه حاله، أما الطائع حال آخر (إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ) صبروا على الضراء، بل صبروا أيضا حال النعماء، لم تطغيهم النعمة، لم يغرهم سلطان، لم يطغيهم مال، صبروا وعملوا الصالحات حال الشدة، وحال الرخاء، فهو في حال الضُر كالمؤمن الذي وصفه النبي (صلى الله عليه وسلم) (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ خَامَةِ الزَّرْعِ مِنْ حَيْثُ أَتْتَهَا الرِّيحُ كَفَتْهَا) إن أصابته الضراء صبر وإن أصابته السراء شكر (أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌۭ كَبِيرٌۭ) مغفرة لأن الإنسان غير معصوم، ولأن السورة تأمر بالاستغفار، والتوبة، حتى سيد الخلق المعصوم (صلى الله عليه وسلم) في الشيبة والشباب، أمر بالاستغفار (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا (٣)) [سورة النصر آية‫:‬ ٣]، ولذا قال العلماء‫:‬ التوبة فرض كفريضة الصلاة، وكفرض الصيام، التوبة فرض على كل إنسان، وإنسانة لقول الله (عز وجل) (وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)) [سورة النور آية‫:‬ ٣١] إذاً فقد أمر بالتوبة، وهنا (ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ) [سورة هود آية‫:‬ ٣] إذا فالاستغفار والتوبة من الفرائض التي يغفل عنها الكثير من الناس، فمهما كنت طائعا، ولو لن تُعد لك معصية، ولم يُلحظ لك خطأ، يجب عليك التوبة، فقد وجبت على من هو خير منك، وجبت على سيد الخلق بقوله (عز وجل) له‫:‬ (إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ ﴿١﴾ وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًۭا ﴿٢﴾ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا ﴿۳﴾) [سورة النصر آية‫:‬ ١‫‬ - ٣] فقد عانى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من قومه أشد المعاناة، وسمع منهم ما لا يخطر له ببال، فقالوا في شأنه مجنون وازدجر، قالوا‫:‬ ساحر، قالوا‫:‬ كاذب، قالوا‫:‬ مفترى، قالوا‫:‬ اختلق القرآن من عنده، قالوا‫:‬ في شأن القرآن أساطير الأولين، قالوا‫:‬ إن هذا لسحر مبين، قالوا‫:‬ اختلقه من عنده، وأملي عليه، تحدوه وعجّزوه هلّا أُنزل عليه ملك فيكون معه نذيرا، هل ألقي عليه الكفر، هل كانت له جنة يأكل منها، هل يرقى في السماء، بل وصل بهم الجبروت أن قالوا‫:‬ إن حدث ورقى في السماء، لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه، أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، عانى النبي (صلى الله عليه وسلم) أشد المعاناة، ما أصبره! وما أحلمه! ولكنه بشر، فبالإضافة إلى التأذِّي من الاتهام، والتأذِّي من سوء استقبال الدعوة، هناك الحزن على قومه، فهو يدعوهم إلى النجاة، ويدعونه إلى النار، يخاف عليهم، ويشفق عليهم مما يرى، ويعلم، محاولا الأخذ بأيديهم إلى طريق السلامة، وهم يتفلتون منه، ويعاندون؛ لذا يقول الله (تبارك وتعالى) لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) متسائلا:
فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌ ﴿12﴾
كلمة (لعل) تفيد الترجي، والتوقع، فهل يُتوقع من سيد الخلق أن يترك الإبلاغ؟ لا والله، لو لم يجد مؤمنا في عصره لظل يدعو، وما اعتزل، هل يُتوقع منه أن يضيق صدره بالقرآن، أو أن يضيق صدره بالإبلاغ؛ لذا نظر العلماء في الآية، وقالوا‫:‬ كلمة (لعل) تفيد التوقع، والترجي، ولا يلزم من توقع الشيء وقوعه، فقد يوجد المانع، والصارف عن الوقوع، وعليه فعصمة النبي (صلى الله عليه وسلم) تمنع من وقوع ما يُتوقع لوجود العصمة، إذاً فالسؤال سؤال استبعاد، وقد يخرج الكلام مخرج الاستفهام ومعناه النفي والاستبعاد، أي لا يكون منك ذلك، ولن يحدث أن تترك بعض ما يوحى إليك، وهو ما جاء في القرآن من سب آلهتهم، وتسفيه أحلامهم، حيث طلبوا منه أن يدع سب آلهتهم، وأن يترك تسفيه هذه الأحلام، فإن تركهم، وامتنع عن قراءة ما يخالف آراءهم، سكتوا عنه، فهل يمكن له أن يستجيب لذلك، إذاً فالكلام وإن كان قد خرج مخرج الاستفهام، إلا أنه يفيد النفي والاستبعاد، بل ويؤكد عليه في الإبلاغ، ويتوعّد المكذبين له، (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ) وهو ما آذاهم من سب الآلهة الأصنام، والأوثان، تسفيها لأحلامهم، واتهامهم بالتقليد، وعدم إعمال العقل، (وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ) (بِهِۦ) : بالإبلاغ (بِهِۦ) : بتكذيبهم، وادعاءاتهم، وافتراءاتهم، (بِهِۦ) عائدة على (مَا) يوحى لكن الأوقع أن تعود على التكذيب؛ إذ لم يضق صدره بالإبلاغ أبداً، ولم يضق صدره بما نزل من الله أبداً، هل يضيق صدر الرحمة بنزول الرحمة؟ هو رحمة، وما نزل عليه رحمة، إذاً فأوْلى الكلام وأجدر أن (بِهِۦ) عائدة على التكذيب؛ ولذا تجد التعبير (وَضَآئِقٌۢ) ولم يقل (ضيّق) الضائق عارض، يضّيق فيقع، أما الضيق فهو ألزم، إذاً فهو أحيانا يعتريه الضيق، ثم يعود صدره إلى الانشراح (وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟) أي بسبب قولهم (لَوْلَآ) بمعنى هلاّ التي للتحضيض (لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ ۚ ) الغريب في هذا الطلب، لم أرادوا الكنز كعلامة على صدقه؟ لأن عقولهم ونفوسهم تعلقت بالدنيا، ولم تر إلا الزائل، واعتقدوا أن الاستتباع في النبوة والإسلام يكون بالمال، كما يكون الاستتباع للملوك والرؤساء، فالملك، والسلطان، والرئيس يستتبع الأتباع بالمال، فهم عبيد أموال، أما أتباع الملة، وأتباع الدين، وأتباع الحق، فهم لا يستتبعون بالمال، بل يُستتبعون بالمنطق، وبنور الإيمان، بل هم يبذلون المُهج، والأرواح، ويبذلون الأموال في سبيل تحقيق تلك العقيدة، ورسوخها، وإثباتها (لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ ۚ ) المَلَكْ لا يُرى، فإذا نزل على هيئته كملك لم يتأكدوا من نزوله، ولكي يرون المَلَكْ لابد وأن يكون على صورة البشر، فإن نزل على صورة البشر من يؤكد لهم أن هذا الرجل في الأصل مَلَك؟ (وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكًۭا لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلًۭا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (٩)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٩] ثم تتحدد الوظيفة لسيد الخلق بالرد عليه أي الواجب عليك الإنذار فقط، ولا يجب عليك أن تأتيهم بما اقترحوه، ليس من المفروض أن يطلبوا شيئا فتستجيب لهم لك وظيفة محددة ورسالة وهي الإنذار (وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌ) إذاً فهو الحفيظ، والرقيب، والحافظ لأعمالهم، المراقب لتصرفاتهم، هو يؤاخذهم عليها، أنت تقوم بواجبك ألا وهو الإنذار، أما الهداية أو الإضلال، والإثابة أو العقاب، فهي من شأن الله (عز وجل) والله على كل شيء وكيل، فتوكل عليه، ودع الأمر إليه، وينتقل الكلام عن مقولة أخرى لهؤلاء الكفار‫.
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍۢ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَـٰتٍۢ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿13﴾ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴿14﴾
‫(أَمْ) هنا كما يقول النُحاة‫:‬ المنقطعة، بمعنى "بل والهمزة" (بل أيقولون) (أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ ) اختلق القرآن من عنده، وهذا الكلام من تأليفه، وتصنيفه، إن قالوا ذلك فتحدى وقل‫:‬ (فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍۢ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَـٰتٍۢ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ) طالما تزعمون أني اختلقت هذا الكلام، أنا أتكلم بلسان عربي، وأنتم تتكلمون بنفس اللسان، وطالما قدرت على الاختلاق، فأنتم أقدر، أنتم تعرفون القراءة، والكتابة، وأنا لا أعرفها، أنتم تنظمون الشعر، وأنا لا أنظمه، أنتم تعلقون المعلقات، وتخطبون الخطب، أنتم أصحاب اللسان الفصيح، أنتم الفصحاء، أنتم البلغاء، اجتمعوا، بل واستعينوا بمن تشاؤون من فصحاء العرب، من شعراء العرب، من آلهتكم، من أصنامكم، استعينوا بمن تشاؤوا من غير الله، تحداهم بالإتيان بعشر سور، وقد سبق التحدي بالقرآن كله في سورة الإسراء، فلما عجزوا تحداهم بعشر، في سورة هود التي نحن بصددها، فلما عجزوا تحداهم بسورة واحدة، كما جاء في سورة يونس، وفي سورة البقرة (قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّثْلِهِۦ) [سورة يونس آية‫:‬ ٣٨]، (فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٣]، (فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍۢ مِّثْلِهِۦ) في النظْم، وحسن البيان، وبلاغة المعنى، وجزالة اللفظ، (مُفْتَرَيَـٰتٍۢ) مختلقات من عندكم كما اختلفت (وَٱدْعُوا۟) اطلبوا، واستدعوا (مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ) أي إن كنتم صادقين في أني اختلقت هذا القرآن، ها هو التحدي علنا، وتأتي الإجابة قبل أن يظهر عجزهم (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ) لم تُترك لهم الفرصة، ولا المهلة؛ لأن العجز واضح، وقد عجزوا منذ أن نزل القرآن، وإلى يومنا هذا، وإلى أن تقوم الساعة، فالكل عاجز (قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍۢ ظَهِيرًۭا (٨٨)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٨٨]، (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ) (لَكُمْ) والكلام كان النبي (صلى الله عليه وسلم) قل يا محمد، فأتوا بعشر سور قياس الكلام (فإن لم يستجيبوا لك) فلم قال (لَكُمْ).‬
‫قال بعض الناس‫:‬ تعظيما لسيد الخلق أن يخاطب بصيغة الجمع، كما يخاطب العظماء، والملوك، وقال بعضهم‫:‬ الكلام للنبي (صلى الله عليه وسلم) وللمؤمنين؛ لأن التحدي صادر على لسانه، وعلى لسان كل من يقرأ القرآن، وهذا التحدي تحدي من النبي (صلى الله عليه وسلم) ومن المؤمنين، كذلك فالإجابة لهم فإن لم يستجيبوا لكم أيها المؤمنون (فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ) أي متلبسا بعلم لا يعلمه إلا الله، ولا يقدر عليه سواه (وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ ) أي العالم القادر الذي لا يعلم، ولا يقدر على ما يعلمه ويقدر عليه (فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) فإن كان الخطاب للمؤمنين، أي بعد ما ثبت عجز الكفار، وبعد ما لزمتهم الحجة، وبعد ما أزيل عنهم العذر، هل أنتم ثابتون على إسلامكم؟ راسخون فيه متيقنون من أنه الحق، فهل أنتم مواظبون على هذا مستمرون على إسلامكم؟ وقد يكون الخطاب للكفار (وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ) الخطاب لمشركي مكة، فإن لم يستجيبوا لكم يا أيها المشركون إذا لم يستجب لكم دعوتموهم، وعجزوا عن الإجابة، عجزوا عن الإتيان بما تقترحونه أنتم، تبيّن قصوركم، واتضح عجزكم، فإن عجزوا الآخرون ولم يستجيبوا لكم في الإتيان بما اقترحتموه من سور تشبه سور القرآن، (فَٱعْلَمُوٓا۟) تحذير وتهديد (أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ) أن هذا القرآن هو كلام الله، نزل متلبسا بعلم لا يعلمه سواه، (فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُون) سؤال معنا الأمر، معناه الإيجاب، أي أسلموا، ودخلوا في الإسلام، فقد أُزيل العذر، وظهر الحق، ولا حجة لكم، كقوله في تحريم الخمر (فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (٩١)) [سورة المائدة آية‫:‬ ٩١] سؤال معناه الأمر (فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُون) سؤال ألزمهم الحجة، وأزاح عذرهم، وعجزوا عن الإتيان بسورة، أو بعشر سور، أو بمثل القرآن، وهكذا ويضرب ربنا تبارك وتعالى المثل للناس من أراد الآخرة، وسعى لها سعيها، ومن أراد الدنيا وكانت هي جُلّ همه، فيقول، عز من قائل‫:‬‬‬‬
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴿15﴾ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَـٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿16﴾
‫(نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ) (يُوَفِّ إليهم أعمالهم) (تُوفَّى إليهم أعمالُهم) قراءات ثلاث، التوفية‫:‬ إيصال الحق كاملا، البخس‫:‬ نقص الحق ظلما، كالبخس في الميزان مثلا، من هنا ربنا (تبارك وتعالى) يقول عن بعض الناس (مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) من هؤلاء؟ ثلاثة أقوال‫:‬‬
‫القول‫:‬ الأول هم الكفار الذين لا يطمعون في الآخرة، ولا يرجون ثوابه، ولا يخافون عقابه، وجلّ همهم، وكل عملهم من أجل الدنيا، بدليل (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ ) وقال البعض‫:‬ بل هي في أهل النفاق، الذين ابتغوا بأعمالهم الحصانة، هم كفروا في الباطن، وأظهروا الإسلام كي ينالوا ما يناله المسلمون، ويكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين‫.‬‬
‫والقول الثالث‫:‬ بل هي في أهل الرياء، والرياء هو الشرك الخفي، الذي يبتغي بأعماله مديح الناس، وهؤلاء الذين قال في شأنهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين يحشروا يوم القيامة، يقال لهم‫:‬ صمتم، وصليتم، وتصدقتم، وجاهدتم، وأنفقتم، لكي يقال ذلك، وقد قيل، هؤلاء أول من تُسعر بهم النار، نعم ثلاثة، أول من يحاسب يوم القيامة ثلاثة‫:‬ عالم، ومجاهد، ومنفق، يقول فعلت، وفعلت، فيقال له‫:‬ بل فعلت ذلك ليقال عالم، ليقال مجاهد، ليقال منفق، وقد قيل، ثم يؤمر به، فيُقذف في النار، فالآية في أهل الرياء، وقال رأي رابع وهو الأرجح‫:‬ الآية مطلقة عامة في كل من أراد بعمله الدنيا، ولم يُرد وجه الله من الكفار، والمنافقين، وأهل الرياء، والمؤمن إذا أخطأ ولو مرة نوفَّ إليهم الأجور، والأعمال، في الدنيا يأخذوا ميزة صورة العمل، وتبقى أوزار النية، بمعنى رجل كافر بنى ملاجأ للفقراء، والأيتام، تصدق بالأموال على المساكين، فعل ما فعل من الصالحات، لا يضيع أجره، وإنما يأخذه وافيا كاملا في الدنيا، صحة، ومال، وستْر، وجاه، وسلطان، وسعادة، وفي الآخرة فلا عمل له، ولا ثواب، لأنه قد أخذ أجرة في الدنيا، وكذلك المرائي والمنافق، كان من المنافقين من يخرج مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الجهاد والغزو، ويحصل على الغنائم، ومنهم من يصلي معه في مسجده، هؤلاء يوفَون أجورهم كاملة في هذه الدنيا، أما في الآخرة، فلا ثواب، ولا أجر، فكل من أراد بعمله مدح الناس، أو الكسب في الدنيا، ولم يرد به وجه الله، عوقب بهذا العقاب المذكور في الآية‫:‬‬
‫(أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَـٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ) ؛ لذا نصحنا العلماء، وقالوا‫:‬ ما يبتغى به وجه الله، إن ابتُغيت به الدنيا حبط العمل، وضاع صاحبه، فالعبادات يُبتغى بها وجه الله، الصلاة، الصيام، الإنفاق، قراءة القرآن، ودعوة الناس، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كل الصالحات يبتغى بها وجه الله، فإن ابتغى صاحبها بها الدنيا هلك، وكان ممن تُسعر بهم النار(أُو۟لَـٰٓئِكَ) الذين أرادوا الدنيا (لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ ) فإن كانت الآية في الكفار، فالكلام عن خلدهم في جهنم، وإن كانت الآية في المنافقين، فإن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وإن كانت الآية في بعض المرائين من أمة محمد، فهُم في النار الفترة التي يقضي بها الله، ثم يخرجون بالشفاعة، أو بالقبضة، أيها أراد الله، (وَحَبِطَ) هلك وضاع (مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا) في الدنيا لا يجدونه في الآخرة (وَبَـٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ) أي أن الأعمال الصالحة التي عملوها باطلة، زاهقة، لا ثواب لها؛ لأنها لم يُرد بها وجه الله؛ ولذلك يُحكى في أحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) عن يوم القيامة أحاديث كثيرة لبيان الموقف، يؤتي يوم القيامة بالرجل تفرح به الحفظة، والكتبة، ويأتون بالسجلات مد البصر من الأعمال الصالحة، فيقول الله (تبارك وتعالى): ألقوها بعيد فما أُريد بها وجهي، الكتبة تكتب صور الأعمال، لكن النية سر بين العبد وربه، لا يطلع عليها ملك فيكتبها، ولا يفسدها شيطان أبداً مهما كان؛ لذا كان الله هو المحاسب بنفسه يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) واعظا ومنبهاً (كُونُوا أَبْنَاءَ الآخِرَةِ , وَلا تَكُونُوا أَبْنَاءَ دُنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ أُمٍّ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا) فبعد أن بيّن الله (تبارك وتعالى) حال هؤلاء الذين أرادوا بأعمالهم الدنيا، ولم يريدوا بها وجه الله (عز وجل) يضرب المثل ويعطي المقارنة بين المؤمن، وبين الكافر، ولك أن تحكم فيقول، عز من قائل:
أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌۭ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًۭا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿17﴾
هذه الآية تحتمل الكثير من المعاني لوجود الضمائر التي تعود على مختلفات (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ) النبي (صلى الله عليه وسلم) على برهان، على دليل، على نور، وهو القرآن (وَيَتْلُوهُ) من التلاوة (شَاهِدٌۭ مِّنْهُ) لسانه، لسان النبي (صلى الله عليه وسلم) فالبيّنة في قلبه، والشاهد النطق باللسان، (وَمِن قَبْلِهِۦ) ومن قبل القرآن (كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ) التوراة (إِمَامًۭا) يؤتم به في الدين (وَرَحْمَةً ۚ ) على من نزل عليهم فيها وصف النبي (صلى الله عليه وسلم) وتصديقه القرآن، فهي شاهد آخر وبينة أخرى (أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ ) الذين هم على بيّنة (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ) المؤمن والبيّنة البرهان والإيمان وشرح الصدر وانفتاح القلب بفضل الله (عز وجل) (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌۭ مِّنْهُ) النبي (صلى الله عليه وسلم) شاهد من الله (عز وجل) يؤكد ويقوي البرهان، النور في القلب انفتاح القلب للإيمان يؤكده ويقويه القرآن، الذي يتلوه شاهد من الله بأن القرآن من عند الله، ألا وهو رسول الله (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ) البينة القرآن من كان على بيّنة‫:‬ النبي (صلى الله عليه وسلم) وكل من آمن بالقرآن ويتلوه يقرأه (شَاهِدٌۭ) جبريل (مِّنْهُ) من الله (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ) القرآن هو البينة (وَيَتْلُوهُ) يؤكده، ويقويه من التلو، ليس من التلاوة، يتلوه‫:‬ أي يتبعه، يقويه، ويؤكده (شَاهِدٌۭ مِّنْهُ) إعجازه، وفصاحته، والكلام يدل على أن فصاحة القرآن ملازمة له لا تنفصل عنه؛ إذ هي من القرآن، وهي شاهد للقرآن، فكأن القرآن بيّنة، والشاهد له فصاحته، وإعجازه، فقد عجزوا أن يأتوا بسورة مثله، (وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ) أيضا إماما، ورحمة، فليس القرآن ببدعة، فقد كان من قبله الإنجيل، وكان من قبل الإنجيل، التوراة‫.‬ فالتوراة نزلت كما نزل القرآن، تلاها موسى كما تلا محمد القرآن، التوراة كتاب من عند الله، كما أن القرآن كتاب من عند الله، (أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ ) أهل الكتاب، أهل التوراة، أولئك الذين هم على بيّنة من ربهم، يؤمنون به، إذاً فالبينة‫:‬ نور الله يقذفه في قلب العبد، البينة‫:‬ القرآن، البينة‫:‬ الدليل الساطع، الشاهد‫:‬ لسان رسول الله، الشاهد‫:‬ تلاوة جبريل للقرآن، الشاهد‫:‬ فصاحة القرآن، وبلاغته، وإعجازه، وهكذا تتغير المعاني وكلها تحتملها الصياغة، وذاك من إعجاز القرآن، حتى يتنافس العلماء، فالقرآن كالبحر العميق المليء بالجواهر، واللآلئ، وكلما كان العالم ماهراً في الغوص، كلما استخرج من اللآلئ ما لم يستخرجها غيره، يتنافس العلماء إعمالا للعقل، وإثراءً للفكر، آية وتحتمل أكثر من معنى بحسب وضع اللغة، ولك أن تفهم ما شئت الكل صواب، وكلٌ يفهم منها ما يريد إثراء للفكر، وإعمال للعقل، فالإسلام ليس منغلقاً، وليس جهالة، وليس رجعية، بل المؤمن فطن، والمسلم عاقل، والحكمة هي حق المسلمين (وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ۗ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٦٩]. (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ) سؤال محذوف الإجابة، لعلم السامع وتقديره (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ) كمن أراد بعمله الدنيا، كمن كان في ضلالة، كمن كان في الظلمات ليس بخارج منها (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًۭا كَمَن كَانَ فَاسِقًۭا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ (١٨)) [سورة السجدة آية‫:‬ ١٨].‬
‫(وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ ) (بِهِۦ): محمد (صلى الله عليه وسلم) (بِهِۦ) : القرآن، (بِهِۦ): بمن أنزل القرآن، الأحزاب‫:‬ مشركوا مكة، ومن ظاهرهم من أهل الملل والنِحَل المختلفة إلى أن تقوم الساعة لقول المصطفى (صلى الله عليه وسلم) (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَا يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، وَمَاتَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) هذا هو معنى الحديث أن من سمع بمحمد (صلى الله عليه وسلم) ولم يؤمن به إلى أن تقوم الساعة، فهو من أهل النار (وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ) كل من تحزب ضد الإسلام، كل من حازب عقيدة الإسلام، كل من طعن في القرآن، كل من طعن في نبوة سيد الأنام، وقد كثر الطعن في أيامنا هذه، ورحبت دول الكفر بالمسلمين المرتدين عن العقيدة، وأقامت لهم الحراسات، وشيدت لهم القصور، وأنفقت عليهم الأموال، وهيأت لهم الأحراس، (فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ ۚ ) والخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، والمراد الأمة كما في نظائرها، وشرحنا من قبل أنواع الخطاب في القرآن، المِرية، المُرية‫:‬ الشك والتردد‫.‬‬
‫مريت الفرس‫:‬ اختبرت ما عندها من الجري، ومَريت الناقة، مسحت على الضرع لأرى ما عندها من اللبن (فَلَا تَكُ) : أيها السامع وإن كان الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) وإنما والمراد غيره (تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ ۚ ) في شك منه من القرآن، من أن النار موعده، فلا تكن في شك من هذا الوحي (إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ) القرآن، الوعد، والوعيد‫.‬‬
‫(وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) للأسف لا يؤمنون، رغم وضوح البرهان، رغم سطوع الإسلام كسطوع الشمس، الحق أبلج، والباطل لجلج؛ ولذا تأتي الآيات بعد ذلك لتشرح، وتوضح، وتبين موقف هؤلاء يوم القيامة.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَـٰدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿18﴾ ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ ﴿19﴾ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَـٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ ﴿20﴾ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿21﴾ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ ﴿22﴾
أربعة عشر وصفا فيهم، أوله‫:‬ (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ ) وآخره (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ ) لكن الله يميز الأشياء بضدها، ويقارن بين هؤلاء، وهؤلاء (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ (٢٣)) [سورة هود آية‫:‬ ٢٣].‬
‫فالمعاصي أنواع، والظلم درجات، ومنذ خلق الله (تبارك وتعالى) الخلْق، والعدل قائم، والظلم موجود، والطاعة موجودة، والعصيان موجود، وخلق الله (تبارك وتعالى) الدنيا؛ ليختبر الناس؛ وليبتليهم أيهم أحسن عملا، أعلى درجات الشرك، أعلى درجات الظلم، أن يُنسب لله ما ليس له، أو يُنفى عنه ما هو له؛ لذا يقول الله (تبارك وتعالى) (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ ) سؤال، هل هناك من هو أظلم ممن افترى على الله كذب؟ لا أحد‫.‬‬
‫افترى على الله الكذب‫:‬ اختلقوا على الله الكذب بأن ينسبوا إليه ما لم يقله (وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةًۭ قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٢٨].‬
‫نسبوا كلامه إلى غيره، فزعموا أن القرآن مفترى، إذاً فقد نسبوا إليه ما لم يقله، ونسبوا لغيره ما قاله، أيضا زعموا له الولد، وزعموا له الشريك، وزعموا أن الأصنام تشفع، كل ذلك افتراء على الله؛ لذا قال من أظلم من هؤلاء؟ لا أحد (أُو۟لَـٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ) : كل الخلائق تعرض على ربهم، لكن هؤلاء لهم عرض خاص، لهم مشهد خاص، مختص بهم، فضيحتهم، وخزيهم، وعارهم، لا مثيل له (يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَـٰدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ) (ٱلْأَشْهَـٰدُ) : جمع شاهد، أو جمع شهيد، والشاهد والشهيد‫:‬ الحاضر، والأشهاد، الهاتفون في هذا اليوم علنا من هم؟ قيل‫:‬ الأنبياء، تشهد الأنبياء على أممهم، وقيل‫:‬ الصالحون، والأولياء، والعلماء، وكذلك الملائكة الكتبة، والحفظة، وكذلك الجوارح، تشهد عليهم ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم، وكذلك تشهد عليهم جلودهم، كل هؤلاء في وقت واحد في نَفَس واحد يشيرون إلى هؤلاء علناً، ويقولون‫:‬ هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، في يوم العرض، في يوم القيامة، يوم يشيب الولدان، يوم ترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، يوم تضع كل ذات حمل حملها، يوم تجلّى الجبار للحساب، والعقاب، والثواب (أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ ) اللعنة‫:‬ الطرد من رحمة الله، إذاً فقد فُضحوا في العلانية، ونالهم الخزي، وأصابهم العار، والظلم‫:‬ وضع الشيء في غير محله، وهؤلاء ظلموا أنفسهم، وضعوا الأشياء في غير محلها، فنسبوا إلى الله ما لم يقله، ونسبوا كلامه إلى غيره، وزعموا له الولد والشريك، فوضعوا الأمور في غير محلها، ألا لعنة الله على الظالمين (ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ) إما الكلام عن هؤلاء الذين عُرضوا على ربهم، وقال الأشهاد في شأنهم (أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ) وإما هو افتتاح كلام‫.‬ سبيل الله‫:‬ الإسلام‫.‬ سبيل الله‫:‬ الطاعة، هؤلاء يصدون أنفسهم، ويصدون غيرهم عن طريق الله (يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا) يطلبون لها عوجا، العِوَج‫.‬ عَوجَ، عِوَجاً، العَوَج في الأشياء المرئية، والعِوَج في الأشياء المعنوية، كالرأي والقول، وما إلى ذلك، فهؤلاء يصدون عن سبيل الله، يبعدون الناس عن الإيمان بالرسل، يبعدون الناس عن الطاعة، يأمرونهم بالفحشاء، يصدون أنفسهم كذلك، ويطلبون لطريق الله - طريق الهدى - أن تكون معوّجة غير مستقيمة، أو يطلبون لأتباعها، أتباع الطريق المستقيم، العوج، ويزعمون أنهم على غير هدى، وأنهم في ضلال (وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ) الآخرة‫:‬ القيامة، الآخرة‫:‬ ما يشمل جنة، ونار، وميزان، وحساب، وبعث، ونشور، هؤلاء الذين صدوا عن سبيل الله، طالبين العوج، طالبين لأهلها الزيغ، والانحراف، هم أيضا كفروا بالبعث، وكفروا بالنشور، وأنكروا الجنة، والنار، ويؤكد القرآن هذا بقوله (وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ) (وَهُم) مكررة لتأكيد كفرهم، واختصاصهم به، كأنهم هم المختصون بالكفر(أُو۟لَـٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَـٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ) السؤال طالما كان هؤلاء في هذا العتو، وهذا الجبروت، يصدون عن سبيل الله، يؤذون الأنبياء، يقتلون المؤمنين، يؤذونهم، يريدون العوج، يكفرون بالله، ينسبون له ما لم يقله، يزعمون له الولد، يشركون به، يجحدون بنعمه، لِم تركهم في الدنيا؟ هل لعجز؟ هل لأنهم كان لهم من ينصرهم؟ هل كانوا في قوة ومنعة؟ هل فاتوا الله؟ هل أعجزوه؟ تجيب الآيات على كل هذه التساؤلات رغم شدة كفرهم، وعتوهم، وجبروتهم في كل القرون، وفي كل الأزمنة، وفي كل الأمم (لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ) لم يكونوا فائتين، أعجزه‫:‬ أي جعله عاجزا عن إدراكه، أي ما أعجزوا الله ما جعلوه عاجزا عن إدراكهم، وأخذهم في هذه الدنيا (وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ) إذاً هم لم يكونوا على قوة أو مَنَعة، لم يكونوا معجزين، ولم يكن لهم أيضا من يمنعهم أو ينصرهم أو يحميهم (يُضَـٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ ) (يضعّفُ لهم العذاب) قراءة، وكأن مضاعفة العذاب لها سبب، هي نتيجة لكفرهم، وفسقهم، وصدّهم، وفجورهم، وافترائهم الكذب على الله، وتُركوا في الدنيا، وأُمهلوا، وأُجِّلوا ليوم القيامة، فضُعِّفَ لهم العذاب؛ لأنهم في الدنيا ما كانوا يستطيعون السمع، وما كانوا يبصرون، وكأن كلمة (مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ) تدل على العلة في مضاعفة العذاب، أو الكلام عائد على الأولياء الذين ما استطاعوا نصرهم، وما كانوا يسمعون، لكن الأرجح فيها أن الوصف وصف الكفار، (مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ) في الدنيا، هل حُرموا السمع، وهل حُرموا البصر؟ لهم أسماع، ولهم أبصار، لكنهم لم يستخدموا أسماعهم، ولا أبصارهم فيما خُلقت له‫.‬ أي ما كانوا يستطيعون السمع النافع، الذي ينفعهم، صموا آذانهم عن الحق، وما كانوا يبصرون الآيات، والدلائل، والبراهين (خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ) كفروا في هذه الدنيا، استمتعوا بحياتهم، بُعثوا وكأن الدنيا لم تكن، شَهد عليهم الأشهاد يوم القيامة، فوقعوا في الخزي، والعار، والفضيحة لم يكن هناك مانع يمنع من تعذيبهم في الدنيا، ولكنهم أُخِروا، وأُجِلوا ليكون العذاب أشد، وأَدْوم، وأفظع، عذاب الدنيا له نهاية، نهاية عذاب الدنيا الموت، أقصى ما في الدنيا الموت، مهما تألم المريض، ومهما تعذب، ومهما تأوّه، إما أن يُشفى، وإما أن يُغمى عليه من شدة الألم فلا يشعر، وإما أن تصيبه الغيبوبة كما يحدث مع المرضى، وإما أن يموت، لكن عذاب الآخرة ليس فيه إغماء، وليس فيه إنعاش، وليس فيه شفاء، بل يأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت، لا نهاية لهم، من هنا أجّل الله (تبارك وتعالى) العذاب، رغم ضعفهم، ورغم قدرته عليهم، ورغم أنه ما كان لهم من أولياء يمنعون عنهم العذاب، أخّر، وأمهل، لعلهم يرجعون، لعلهم يتوبون، مد في أعمارهم، أرسل الرسل، أنزل الكتب، ساق الآيات تلو الآيات، الدلائل، البراهين في السماء، وفي أنفسكم، وفي الأرض، أفلا تبصرون؟ آيات في كل مكان، وفي كل لحظة، في كل لمسة، وفي كل نَفَس، حتى الأنفاس تتنفسها بلا إرادة منك، هل تتنفس بإرادتك، هل أنت تتحكم في أنفاسك؟ حتى النَفَس لا يد لك فيه، آيات تدل على وجود الله، ومد في أعمارهم، فماتوا على كفرهم، هنا كان لابد من فضيحتهم، كان لابد من طردهم، ولعنهم، وطردهم من الرحمة، (خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ) تعبير غاية في الوضوح، وغاية في الخفاء، كيف خسروا أنفسهم وما معناها؟ وكأن الإنسان إذا كسب نفسه نجا، ونجت نفسه، وسعِد، وإذا خسر نفسه كأنه في مكان النفس في مكان آخر، كأنه أوْدى بها إلى الهلاك، كأنه ألقى بها إلى التهلكة بيده، كرجل يشعل النار في نفسه، كرجل يأخذ خشبة أو مخراز ويفقأ عينه بنفسه، كرجل يأخذ عودا ويضعه في أذنه كي يصاب بالصمم، أرأيتم رجلا يأخذ لسانه ثم يقطعه بالسكين! هل يمكن أن يفعل أحد من الناس ذلك، هؤلاء فعلوا ذلك، ليس في عضو، بل فعلوا ذلك في كل الجسد، في كل الجسم، في كل النفس (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ) ضل‫:‬ ضاع، ما الذي كانوا يفترونه وضاع منهم؟ ما الذي كانوا يزعمونه وضاع منهم؟ زعموا الكثير، زعموا أن الأصنام تشفع، زعموا أنهم يشفعون لهم عند الله، يقربونهم إلى الله زلفى، زعموا ألا بعث، ولا نشور، زعم بعضهم أن الأنساب تنفع، كما زعم اليهود أنهم أولاد الأنبياء، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودات، وهكذا كل ما كانوا يزعمونه ذهب أدراج الرياح، وضاع عنهم (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ): أن هؤلاء (فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ) (لَا جَرَمَ) جاءت في القرآن في خمسة مواضع، يتلوها (أن) واسمها ولا يأتي بعدها فاعل، اختلف فيها فصحاء اللغة، وعلماء النحو، قال بعضهم‫:‬ (لاجرم) مركبة تركيبة خمسة عشر، فهي كلمة مركبة على الفتح مركّبة من (لا) و(جرم) معناها بعد التركيب معنى فِعْل هو‫:‬ حقّ، وثَبَت، والجملة بعدها فاعل الفعل (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ) حق، وثبت كونهم في الآخرة هم الأخسرون، وقال آخرون‫:‬ (لَا جَرَمَ) مركبة من كلمتان (لَا) النافية للجنس و (جَرَمَ) اسمها وما بعدها، خبرها، ومعناها لابد، لا محالة (لَا) نافية للجنس، و (جَرَمَ): بمعنى كسب، أو قطع لا جرم، أي لا محالة لابد أنهم في الآخرة هم الأخسرون، الأخسرون‫:‬ أي لا أخسر منهم، أي لا أحد يخسر خسرانهم؛ إذ إن الشرك أكبر الكبائر، وربنا (تبارك وتعالى) لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وبضدها تتميز الأشياء.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿23﴾
‫(إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟) الإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، خيره وشره؛ (وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ) إذ إن الإيمان الحقيقي‫:‬ قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وأفعال بالأركان، ثلاث شعب‫:‬ أولا‫:‬ النطق باللسان، والإقرار، ثانيا‫:‬ الاعتقاد بالقلب، ثالثا‫:‬ العمل؛ إذ إن الإيمان بلا عمل كَلاَ إيمان، لا إيمان بغير عمل أبداً، وما جاء الإيمان في القرآن منفرداً أبدا، بل دائما وأبدا (آمنوا وعملوا الصالحات)؛ ولقول النبي (صلى الله عليه وسلم) (إِنَّ أُنَاسَاًخَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا وَلَا حَسَنَةَ لهَمُ يَقُولُونَ نُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ، وَقَدْ كَذَبُوا لَوْ أَحْسَنُوا الظَّنَّ لَأَحْسَنُوا الْعَمَلَ ) وشرح ذلك بقوله (لَيْسَ الإِيمَانُ بِالتَّمَنِّي وَلا بِالتَّحَلِّي، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَهُ الْعَمَلُ) أما إيمان بالكلام بغير عمل كَلاَ إيمان، : جمع صالحة، والأعمال الصالحة هي الأعمال التي تصلح من شأنك، ومن شأن غيرك، ومن شأن الحياة عموما تلك هي الصالحات، وكيف تُعلم الصالحات، وكيف تعرف؟‬
‫بالشرع تنزل الكتب، تبين ما هي الصالحات، وما هي غير الصالحات، ما هو العمل الصالح، وما هو العمل غير الصالح، والصالحات أنواع‫:‬ العمل مع الله، العمل مع نفسك، العمل مع الناس، والأعمال الصالحة منها ما هو مفروض، كالصلوات الخمس، وصيام رمضان‫.‬..إلى آخره، ومنها ما هو مسنون، سنّه سيد الخلق، وفائدة السنّة أنها تضاعف من حسنات العبد، وتهيئه لشفاعة المختار (صلى الله عليه وسلم) كما أن هناك أمر غاية في الأهمية للسنّة، وهي جبر النقص فيما فُرض عليك، بمعنى إذا جاء العبد يوم القيامة تُوزن أعماله، ويحاسب على ما فُرض عليه، هل أداه؟ جيء بالصلاة خمس فرائض في اليوم والليلة، ذاك هو المفروض جيء بالصلاة ووُزنت، ووُضعت، إذا بصلاته ناقصة، نام عن الصلاة، غفل عن صلاة، مر من عمره وقت لم يصلِ فيه، صلى ساهيا، صلى غافلا، الواجب ناقص، فيؤمر بالسنن فتعوِّض نقص الفريضة، فما من سنّة سنّها سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) إلا وهي لصالحنا، ومصلحتنا، ولنجاتنا، فإن كانت فرائضك تامة، وذاك أمر يقرب من المستحيل، فالسنن زيادة فضل، وإن كانت الفرائض ناقصة، فالسنن عوض عنها، فالصدقة تعوّض نقص زكاة الأموال، وصلاة السنن تعوّض النقص، وصيام النفل يعوّض النقص في صوم رمضان، وهكذا فالأعمال الصالحة منها ما هو مفروض، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو مسنون، وهكذا كل ما يصلح شأنك، أو شأن الناس، أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، كل ما يصلح في الأرض من عمارة، من زراعة، من خلافة بالحق، كل ما يصلح من شأن الطرق، إماطة الأذى عن الطريق من الأعمال الصالحة، (مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَوْكٍ , فَنَحَّاهُ عَنِ الطَّرِيقِ , فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ , فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ)، قول نبينا (صلى الله عليه وسلم) كم منا يمر في الطريق بأغصان شوك، وبالأحجار وما إلى ذلك، ولا يبالي مجرد إزاحة هذا العائق، أو هذا الشيء المؤذي عن طريق الناس، غفران للذنوب، فالأعمال الصالحة هي التي تصلح من شأننا، وتصلح ما بيننا وبين بعضنا، وتصلح في العلاقة بيننا وبين الله (عز وجل) (وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ) الإخبات وما أدراكم ما الإخبات، الخبت‫:‬ الأرض الواسعة المستوية، من هنا قال العلماء أخبتوا‫:‬ أنابوا، أخبتوا‫:‬ اطمأنوا، أخبتوا‫:‬ الخشية الناشئة من الخوف المستقر في القلب، أخبتوا‫:‬ تواضعوا، وذلّوا، : (وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ) خشعوا له، خضعوا له، لزموا الطاعة، واستمروا عليها، إذا فالإيمان والعمل الصالح مطلوب أن يكون بخلوص نيّة، بخضوع لله، بتذلل؛ لأن الله لا يتقبل العمل إلا من متواضع له، مقر بنعمته عليه (إِنِّي لا أَتَقَبَّلُ الصَّلاةَ إِلا مِمَّنْ تَوَاضَعَ بِهَا لِعَظَمَتِي، وَلَمْ يَسْتَطِلْ عَلَى خَلْقِي) فيشترط للمؤمن الذي يعمل الصالحات أن يكون متواضعا خاشعا لله (عز وجل) (أُو۟لَـٰٓئِكَ) الذين يحملون هذه الصفات (أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ) فالإيمان‫:‬ اليقين والتصديق الكامل، والعمل الصالح الذي يبتغي به وجه الله، والإخبات‫:‬ الخشوع، والخضوع، والتذلل، والتواضع، والإحساس بأن العبد مهما عمل فعمله ناقص، مع الأخذ في الاعتبار أن ما يبتغي به وجه الله لا تبتغي به الدنيا أبداً، ومن ابتغى الدنيا بما يبتغى به وجه الله عوقب عقاب المرائين، وكان أول من تُسعر به النار، فلابد من أن يكون العمل خالصا لوجه الله لا شبهة به مطلقا للحصول على نفع دنيوي، هؤلاء أصحاب الجنة، الصاحب‫:‬ المصاحب للشيء، المالك صاحب الشيء أوْلى بحمله، صاحب الدار هو مالكها، (أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ ) إذاً فهُم، والجنة في صحبة دائمة، وهم أيضا ملاكها لا ينازعهم في ملكيتها أحد‫.‬‬
مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿24﴾
‫(مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ) : فريق الكفار، وفريق المؤمنين، الكفار لهم الفضيحة، والخزي، والعار، حكى عنهم ربنا (تبارك وتعالى) أربعة عشر وصفا، أولها‫:‬ افتراء الكذب، وآخرها هم الأخسرون، ثم جاء بذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأخبتوا إلى ربهم (كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) فريق الكفار كرجل أعمى، وأصم، فقد البصر، وفقد السمع، كيف يشعر بما حوله، فإذا فقد السمع بصره يدلّه، يقرأ شفاه الناس، يفهم بالإشارة، يري النفع، ويرى الضر، يرى الأذى، فيتجنبه، ولا يسمع، فالبصر يعوّض، وإن فقد بصره فالسمع يعوّض، يسمع الأصوات، يحدد الاتجاهات، ويحدد طريقه، وما إلى ذلك، فإن فقد السمع، وفقد كذلك البصر كيف يكون حاله؟! لا يسمع شيء، ولا يرى شيء، ولا يشعر بشيء، كيف يكون حاله؟! ذاك هو الكافر، أما المؤمن، فهو السميع، البصير، سميع لا يسمع فقط، بل هو سميع سمعه في غاية القوة، بصير لا تفوته شاردة، والبصير غير المبصر، فالبصير هو الذي لا تفوته شاردة، والسميع الذي لا يخطئ سمعه في سمع الأصوات خفتت أو علت، (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ ) هل تستوي حالة هؤلاء، وهؤلاء، هل يستوون من حيث الحالة، أو الوصف، أو الصفة، أو التصرف؟ رجل يرى ويسمع يبين لك ويبين لنفسه، ويرى النور ويفهم، ويرى طريقه، ورجل لا يرى، ولا يسمع، فهو في ضلال، في ظلمات يتخبط لا يدري، ولا يعرف ما ينفع وما يضر، (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) هذا هو المثل الذي ضربه الله (تبارك وتعالى) للناس، وطلب منهم أن يتذكروا، ويتفكروا، ويتدبروا المؤمن، سميع، بصير، فطن، يرى ما أمامه، وما خلفه، الكافر أعمى، أصم، لا يرى شيئا، ولا يسمع شيئا، هل هناك وجه للمقارنة؟ إذاً فهي دعوة واضحة للحياة الصحيحة، السليمة، أن تكون حياً، فكم من أحياء وهم في عداد الأموات، وربنا يقول (أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍۢ مِّنْهَا ۚ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٢٢].‬
‫هكذا هو الإيمان، الإيمان اطمئنان بالله، الإيمان أمان، الإيمان يشعرك بأنك سالم في الدنيا، سالم في الآخرة، يشعرك بأن الله يراك ويسدد خطاك، يلجئك للمناجاة، ولذة المناجاة لا يعرفها إلا من ذاقها، فقد بينت الآيات مصير أهل الشقاوة، ومصير أهل السعادة، ولما كان أهل مكة معاندين أشد العناد، متهمين سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) بشتى التهم، وكان يكبر عليه ذلك، وكان حزينا من أجل قومه (صلى الله عليه وسلم) نزلت سورة هود والتي نحن بصددها، تسرّي عنه رغم أنه قال فيها‫:‬ (شَيَّبَتْنِي هُودٌ) لكن السورة نزلت تحضه على الصبر، وتسرّي عنه وتسليه، وكأن الله يقول له‫:‬ لقد كان لك أسوة في الرسل من قبلك، واسمع كيف كان حالهم؟ وكيف فعلت أقوامهم؟ فاصبر كما صبر الرسل، وتحمل أعباء الرسالة، أيضا قصص الرسل في سورة هود، قصص معجز؛ لأن أهل مكة، والعرب عموما، ما كانوا يعلمون عن قصص الرسل شيئا، وهم أهل الفصاحة، وأهل البيان، وأهل الترحال، يقرأون ويكتبون فكيف بأمي لا يقرأ ولا يكتب ولم يعهد الترحال، أن يأتي بأخبار الأولين كما هي دون اختلاف، فهي من ضمن المعجزات، أن يأتي بأخبار لا يعلمها أحد، وإن كان بعضها موجود في الكتب السماوية، التوراة والإنجيل، لكن العرب لا يعرفون شيئا عن التوراة، والإنجيل، النصارى كانوا في الحبشة، كانوا في نجران، وفي بعض قبائل اليمن، اليهود، وكان بعضهم في المدينة، فكانت القصص حجة، هي تسرية وتسلية، وأمر بالصبر، وبيان للناس، ومعجزة، أيضا وبدأت القصص بقصة نوح في سورة هود، نوح من هو نوح؟ سيدنا نوح هو أول رسول أرسله الله للبشر على الإطلاق، وهو الأب الثاني أيضا للبشر؛ لأن الله (تبارك وتعالى) حين أرسل الطوفان، وأغرق الأرض بمن فيها، ما عليها لم ينج إلا نوح، ومن معه في السفينة، واختلفت الآراء فيها، ولا يعنينا أكانوا ثمانين، أم كانوا سبعين، أم كانوا ثمانية، لا يعنينا ذلك، وإنما يعنينا العبرة، فقد حفلت كتب التفسير بأنباء عن طول السفينة، وعرض السفينة، وشكل السفينة، وحفلت في كم بناها في سنتين، في ثلاث، في ثلاثين سنة، في أربعين سنة، زرع الشجر في مائة عام، وتركه يجف في مائة عام، ثم بناها في مائة عام، حفلت كتب التفسير الكثيرة، والمحترمة، بمثل هذه الأخبار، لم يعد زماننا يصلح لهذا، في وقت من الأوقات كانت الناس تتسلى بالقصص، وبالحكايات، وما إلى ذلك، وعليه هي سفينة، هي فُلك والفلك تذكر وتؤنث وقد أُمر بصناعتها من علمه؟ ربنا علمه، هل نزل جبريل يعلّمه، وهل؟ وهل؟ كيف كان شكلها؟ لا يعنينا شكلها في شيء، كم كان طولها؟ لا يعنينا طولها في شيء، وهكذا بالتالي، فكل ما حفلت به كتب التفاسير من أخبار عن مدة بناء السفينة، وشكل السفينة وكم كانت عدد الطوابق؟ أين وضع الوحوش؟ أين وضع الطيور؟ وأين وضع الرجال؟ وهل حمل جثة آدم معه أخبار، وأقول ذلك لأنبه‫:‬ فالقرآن ما هو بكتاب تاريخ، وما هو بكتاب جغرافيا، ولا بكتاب طبيعة، ولا بكتاب كيمياء، القرآن كتاب الله، أمر ونهي، قصص وعبرة، العبرة تؤخذ من القصة دون الدخول في تفاصيل لا تقدم، ولا تؤخر، نوح أول الرسل، الأب الثاني للبشر، عاش يدعو قومه ألف سنة، إلا خمسين عاما، أشد الأنبياء بلاءً على الإطلاق، نوح أوذِي أشد الإيذاء، لم يكن من قبله رسل حتى يتأسى بهم، بل كان هو أول رسول، ضربوه، كذّبوه، قيّدوه، يُغمى عليه، فيلفُوه، ويلقوه، ثم يقوم فيعيدون عليه، وكلما فعلوا به ذلك، يقول‫:‬ رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، ذاك نوح ألف سنة إلا خمسين عاما، يدعوهم ليلا ونهاراً، يستهزئون به، إذا تكلم وضعوا أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوه، يلف أحدهم رأسه بثوبه حتى لا يراه، يسلّط الأب ابنه ويوصيه إن مات لا يؤمن بذاك الرجل، وهكذا حتى لجأ نوح إلى الله سائلا إياه، إن كان فيهم خيراً فصبرّني، وإن لم يكن كذلك فالأمر لك، وهنا فقط (وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ) [سورة هود آية‫:‬ ٣٦]، يقال‫:‬ إن ربنا (تبارك وتعالى) منع نسلهم أربعين سنة، وكل ما كان في أصلابهم من نسمات مؤمنة خرجت إلى الحياة، ثم امتنع ذلك، فحين دُمّرت لم يكن في صلبهم من يقول‫:‬ لا إله إلا الله، وذاك ما أشار إليه القرآن حكاية عن قول نوح (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا۟ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓا۟ إِلَّا فَاجِرًۭا كَفَّارًۭا (٢٧)) [سورة نوح آية‫:‬ ٢٧] نوح يحكي ربنا (تبارك وتعالى) قصته‫.‬‬
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ ﴿25﴾
‫(إِنِّى لَكُمْ) و"أني لكم" قراءتان‫.‬‬
‫(أني) أي بأني لكم نذير مبين (إِنِّى) أي يقول لهم‬ (إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ)
‫النذير‫:‬ المنذِر، المخوِّف، الذي يخوّفك من شيء مع إعطائك مهلة كي تتخذ الحيطة، مبين‫:‬ أبيّن لكم موجبات العذاب، و أبيّن لكم طريق الخلاص، إذاً فهي فرصة أن يبيّن لنا موجبات العذاب، طرق الهلاك، مسببات الغضب، ويبيّن لنا أيضا كيف النجاة، طريق الخلاص، وقد وضح في قوله‫:
أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍۢ ﴿26﴾
أمرهم بعبادة الله وحده، أمرهم بعدم الإشراك، بُعث نوح، والناس في ضلال مبين، طال العهد، فكانوا في ضلال، كانوا في فساد، كانوا في شرك، من هنا أراد أن ينقذهم من كل ذلك، بأمرهم، وتوجيههم، بتوحيد الله (عز وجل) واللجوء إليه، وحذرهم من عذاب لا طاقة لبشر به، حتى أن إيلام العذاب وُصف به اليوم (عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍۢ ) نُسب الإيلام لليوم؛ لأن العذاب فيه مبالغة في شدة إيلام العذاب‫.
فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًۭا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ ﴿27﴾
اتهامات ناصح، ينصح، يحذر، يخوِّف، يطلب لهم النجاة، ها هو الرد، أولا اتهموه بأنه بشر، (مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًۭا مِّثْلَنَا) فما هي أحقيتك فيما تدعيه من نبوة، ولِم لا نكون نحن أحق بالنبوة منك ما هي الميزة؟ ما هو الفضل؟ أنت بشر، وإذا نظرنا إلى أتباعك من هم؟ الفقراء، والجهلاء، والسقط من الناس، والسفلة، والسفهاء (وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا) الأراذل‫:‬ جمع أرذل، والأرذل‫:‬ جمع رُذل، والأرذل‫:‬ المنحط، الدون، الفقير، التافه، السفيه، كلها صفات تحط من قدر من يتصف بها، إذاً هم يعيّرونه بأنه بشر، ولا تصلح النبوة للبشر، وإن كانت تصلح فلِمَ أنت بالذات، ثم يعيّرونه بأتباعه السفلة من الناس، الفقراء، ثم اتهموه الأتباع (بَادِىَ ٱلرَّأْىِ) بدا، يبدو‫:‬ ظهر، وسُميت الصحراء (بادية) لظهورها، فلا شيء يخفيها من مبان، وما إلى ذلك‫.‬‬
‫(بَادِىَ ٱلرَّأْىِ) : ظاهر الرأي، إذاً فقد اتهموا الأتباع بأنهم آمنوا بنوح ظاهراً، أما باطناً فهُم على كفرهم، وعلى دينهم، ودين آبائهم، فهُم يخادعونك، يظهرون لك التصديق، وما هم بمصدقين، وقُرأت (بادِئَ الرأي) من بدأ، يبدأ، أي أنهم لأول وهلة صدقوك لتفاهة عقولهم، ولو أمضوا التفكير في شأنك ما آمنوا بك، فاتهموا الأتباع، إما أنهم آمنوا ظاهراً دون البواطن، وإما أنهم آمنوا في البداية أول ما بدأ لهم الرأي، لكنهم لو أمعنوا الفكر وانتظروا قليلا لابد وأن يعودوا عن ذلك (وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ) لك، ولأتباعك (عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ) لا نرى لك فضلا في أن تكون نبيا، ولا نرى لهم فضلا في أن يكونوا مصدقين بك، (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ) وذاك القرار الأخير في كلامه، واتهامه أي مدّعون أنت تدّعي النبوة، وهم يدّعون العلم بصدقك فيما تدعيه سفاهة، وضلال، واستكبار رجل يدعو إلى الخير، يدعو إلى توحيد الله، يدعو إلى عبادة إله واحد، يسهل إرضاؤه، ينهى عن عبادة الآلهة المتعددين، التي لا تسمع، ولا تبصر، ولا تملك لنفسها نفعا ولا ضراً، ينهى عن الفحشاء والمنكر، ينهى عن قطع الأرحام، وسفك الدماء، يأمر بالبر، والصلة، وبالصدقة، وبالعفو، وبالعفاف، فيتهم بهذه الاتهامات، ويُتهم أتباعه كذلك، وبدأ نوح بحكمة الأنبياء، وبحكمة الرسل يرد عليهم‫:‬‬‬‬
قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ ﴿28﴾ وَيَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ ﴿29﴾ وَيَـٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿30﴾ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌۭ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿31﴾
تلك كانت مقالة نوح حكمة، بيان، نور، فصاحة، وضوح، صدق، ذاك كان رده على اتهاماتهم (قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ) أرأيت، والرؤية‫:‬ إما رؤية علمية، أو رؤية بصرية، وإذا سُئل بها أي أخبرني (أَرَءَيْتُمْ) أي أخبرني (إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى) أي أني أنا متيقن من صدقي، ومعي الدليل، ومعي البرهان الساطع بوحدانية الله، وبوجوده، وبصدق البعث، وبوجود الجنة والنار (وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِهِۦ) وهي النبوة، والرسالة، رحمة لكم، ورحمة للناس (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) أخفاها الله عنكم، وأعماكم عنها (فعَميت عليكم) قراءة أخرى، أي خَفيت عليكم، والتعبير مقلوب، إذ هو يَعمى عنها، ولا تعمى هي عنه، وإنما كأن الرحمة، النبوة، الدليل، الصدق، خفي على الكافر، حتى جعل الكافر كالأعمى، فلا يراها (أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ) هل نكرهكم عليها، ولا أكراه في الدين، ألزمه الشيء‫:‬ أوجبه عليه كراهة، هل نلزمكم هذه النعمة، أو البينة، أو نكرهكم على رؤية ما خفي عليكم، كيف يتسنى لنا ذلك؟!‬
‫إذاً لأول وهلة حين يقرأ الإنسان (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) قد يتساءل ذو التفكير السطحي، طالما خفيت عليهم، فما ذنبهم؟ لكن الإجابة في نفس الآية (أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ) هذا هو السبب كيف عميت! هم كرهوا الرسالة أولا، هم كذّبوه أولا، دون إعمال للتفكير، هم رفضوا المبدأ، جاءهم يقول‫:‬ ما أنتم فيه ضلال، الحق واضح، إله واحد، المنطق، والعقل السليم، يقول يسمعون له، يجادلونه، يستفهمون، يبحثون عن الحقيقة، أما مبادرته بالرفض والتكذيب، والكراهة لما جاء به، لابد وأن يعمى عن الحق، ذاك يعلمنا أن الإنسان عدو ما يجهل، ويعلمنا أن الإنسان إذا سمع يُعمل عقله، يُعمل فكره، لا يحكّم المشاعر، لا يكره أولا؛ لأن كراهية الشيء تمنع من فهمه (لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ ) ها هو المنطق السليم‫.‬‬
‫أولا‫:‬ أكد نوح أنه متيقن مما يقول، مؤمن بحقيقة ما يدعيه، فهو على بيّنة من ربه‫.‬‬
‫ثانيا‫:‬ هو رسول الله حقا، ومعه النبوة، والرسالة، وهي رحمة‫.‬‬
‫ثالثا‫:‬ طالما بادروه بالتكذيب، وها هم كارهون للحقيقة، فهل يلزمهم، ويجبرهم على الحقيقة، أو يجبرهم على الإيمان بالحق، وهم كارهون لذلك، ولا إكراه في الدين، ولابد من الاختيار في الإيمان، ذاك هو المبدأ العام، ثم ها هو يرد على ادعاءاتهم، واتهاماتهم، وسفاهاتهم (لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ ) هل طلبت منك مالاً أو أجراً على ما أدعوك إليه؟ فيثقل عليك، وإخراج المال صعب، (إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ ) تلك واحدة، طالما لا يطلب مالا، ولا يطلب جاهاً، ويطلب الأجر من الله على الإبلاغ، إذا فهو غير منتفع من منافع الدنيا بشيء، لا يريد سوى مرضاة الله، والقيام بإبلاغ الرسالة، (وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ )؛ لأنهم طلبوا منه أن يطرد هؤلاء الفقراء من حوله، كما طلب كفار مكة من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يطرد الفقراء من حوله، فنزل القرآن له (وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٥٢]، (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) [سورة الكهف آية‫:‬ ٢٨]، إذاً فنفس السلوك سلوك الكفار في كل زمان ومكان، طلبوا من نوح طرد الفقراء، فقال لهم رداً عليهم (وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ) إما أنه يُعلي من شأنهم، (مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ) فهم على درجة عالية، تجهلوها، (وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ) قدرهم حيث يتلقاهم ربهم بالقبول، فكيف أطردهم أنا، ورب العرش يتلقاهم بالقبول، لكنكم تجهلون أقدار الناس، تنظرون إلى الظواهر، الملابس قديمة أو مقطعة، تزدري أعينكم ولا تعرفون أقدار الناس، أو المعنى (وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ) أي هناك يوم يجتمع فيه الظالم والمظلوم، ونلتقي جميعا أمام ملك عدل، فيخاصموني إن طردتهم، فينصرهم ربنا، ويؤاخذ، ويعذب من طردهم‫.‬‬
‫(وَيَـٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ ) من يمنعني من انتقام الله، وغضبه إن أنا طردت هؤلاء الذين آمنوا به، وطالما آمنوا به فهم عباده وهو المسئول عن حمايتهم، ورعايتهم، وكفايتهم، فمن طردهم خاصمه، (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) ألا تتأمل، وتتفكر الرسول يأتي برسالة لا يختص بها أحدا، وإنما يدعو الكافة إليها، إن آمن به الغني هل هو مسئول عن ذلك؟ إن آمن به الفقير هل هو المسئول عن ذلك؟ الرسل تغيّر المفاهيم، وتغيّر العقائد الزائغة، ولا تغيّر الهيئات، والصور، آمن به الفقراء، أو آمن به الأغنياء، لا شأن له بذلك، وإنما الهادي للإيمان هو الله (وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ) هم يقولون (وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ) وهل ادعيت الفضل؟ هل قلت إني أملك خزائن الله؟ هل قلت إني أملك خزائن النعمة، أو خزائن الغني، أو خزائن المال، أو خزائن العطاء؟ لا أقول لكم عندي خزائن الله، حتى تقولوا لي ما نرى لك علينا من فضل (وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ) لا أعلم الغيب، فأعلم ما في نفوس من آمن بي، هم يقولون (مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًۭا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ) أي أن ظاهرهم إيمان، وباطنهم كفر وعصيان، أنا لا أعلم الغيب، أنا أعامل الناس على الظواهر، على حسْب ما ظهر لي، هم اتبعوني، وآمنوا بي ظاهراً، فليس لي شأن ببواطنهم، ولا أعلم الغيب حتى أصدقكم في هذا، أو أطردهم؛ لأنهم آمنوا بي ظاهراً دون البواطن (وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌۭ) أنا بشر هل هذه تهمة؟ وكيف يكون الرسول من غير البشر؟ كيف تفهمون منه؟ كيف تتكلمون معه؟ لابد وأن يكون بشراً مثلكم، تطمئنون إليه، ولا أقول لكم إني ملك، فمتفضل عليكم بشيء ليس لي، ولا أزعم ما ليس لي بحق (وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ) هؤلاء الفقراء الذين تزدري أعينكم، ازدراه أو ازدرى عليه‫:‬ عابه، وزرى عليه‫:‬ حقّره، والآية تلفت النظر إلى أن ازدراء الكفار لمن آمن بنوح كان لمجرد المظهر دون المخبر، لم يتأملوا في حقيقة الأتباع، أو أخلاقياتهم، أو معادنهم، وإنما ظواهرهم فقط، الثياب الرثة، الثياب القديمة، فقراء المظهر، والشكل، والدليل على هذا قوله (تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ) إذاً فالازدراء كان من النظر، من العين، وليس من العقل، أي أن هذا الازدراء، وهذا الاحتقار لم يحدث لأنهم مستحقون له، بل حدث لأنكم تنظرون بأعينكم فقط نظرة سطحية لظواهر الأشياء، القيمة بالغني في نظركم، الشرف بالسيادة، لكن الفقر والغني ليس هما الأساس، بل قد يكون الغني سفيها، ذليلا، حقيراً، وقد يكون الفقير، شريفا، عزيزاً، عفيفاً، ذا مكانة عند الله (وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ ) هم يتهمونهم بأنهم بادِيَ الرأي، فإن كان إيمانهم ظاهراً، وقد أبطنوا الكفر، الله أعلم بما في أنفسهم، هو يحاسبهم، ولست أنا المحاسب، أنا لا أعلم الغيب، ولي أنا الظواهر فقط (إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ) إن فعلت شيئا، أو ادعيت شيئا من الأشياء السابقة، فإن قلت (إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ)، لا أقول إني ملك، فإن قلت (إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ) لا أقول إني أعلم الغيب فإن قلت (إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ) لا أطرد الذين آمنوا، فإن طردتهم فإني من الظالمين، لا أقول لن يؤتيهم الله خيراً، فإن فعلت، (إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ)، تلك كانت مقالة نوح رداً على اتهاماتهم، تُرى هل أعملوا عقولهم في هذا الكلام؟ هل فكروا فيه؟ ترى ماذا كان ردهم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قَالُوا۟ يَـٰنُوحُ قَدْ جَـٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿32﴾
ألزمهم الحجة، البرهان واضح، الكلام نور، نحن لم نعاصر هذه الفترة، لكن الكلام حين يسمعه كل عاقل، بغض النظر عن دينه، عن معلوماته، كلام منطق، كلام عاقل، كلام لا يُرد، مع ذلك قالوا (قَدْ جَـٰدَلْتَنَا) الجدال إن كان لإظهار الحق فهو محمود، وإن كان لإظهار الباطل فهو مذموم، والجدْل، والجدال من جدل الحبل، فتل الحبل، لف الحبل، وتضفير الحبل بشدة، وكأن الجدْل، والجدال معناه أنك تفتل رأي خصمك، وتحاول أن تفند رأيه، وتلف بالرأي (قَدْ جَـٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا) تكلمت كثيرا، وأظهرت حججا كثيرة، وناقشتنا متنوِعا في جدالك، مُكثرا منه، وهذه المناقشة، وهذا الكلام، وهذا الجدال لا فائدة منه، ولا طائل من ورائه، مهما قلت، ومهما أثبت، ومهما ادعيت، نحن على ما نحن عليه (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ) فأتنا بالعذاب الذي توعدنا به، وتهددنا به أرنا أين إلهك؟ وأين العذاب الذي تدعيه؟.‬
‫هذا هو رد الكفار، ويذكّرنا برد كفار مكة، وكأن الله يقول لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) حين قال لك قومك (ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٢)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٢]، حين استعجلك قومك بالعذاب، لم يكونوا بدعا في ذلك، بل قال قوم نوح كذلك، فاصبر كما صبر نوح، واتخذ من الرسل أسوة، وعبرة، فقد أنهى قوم نوح المناقشة، أنهوا المجادلة، وطلبوا العذاب بأنفسهم، ومع هذا الرد، وهذا الجفاء، والسفاهة، والجهالة، لازال نوح يطمع، ويأمل في شيء من التعقل، فها هو يرد عليهم قائلا كما حكى عنه القرآن:
قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴿33﴾ وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿34﴾
هذا هو الرد منتهى الحكمة، منتهى السمّو، منتهى الرقيّ، منتهى الوضوح، منتهى الحق، (إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ) لست أنا القادر، هم يقولون ائتنا بما تعدنا، كأن الواعد، والمتوعّد نوح، وكأن القادر على الإتيان بالعذاب نوح، إذاً فهم يستهزئون به، طالما اتهموه أصلا بأنه لا فضل له (مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًۭا مِّثْلَنَا) إذاً فليس له القدرة على ذلك، كيف يأتيهم بالعذاب؟ فلِمَ يقولون (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ) إذاً فالمتوعد نوح، وليس الإله كما يزعم نوح؛ لأنهم يكذبون نوح أصلا في أنه رسول، ويكذّبون أصلا بوجود إله، إذاً فحين قالوها، قالوها استهزاء، وليس صدقا من قلوبهم، ها هو رغم استهزائهم يبين (يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ) هو القادر على ذلك، ومتى يأتيكم؟ وهل يأتيكم به أم لا؟ (إِن شَآءَ) إن تعلقت المشيئة بالإتيان بالعذاب أتاكم، إن لم يشأ لم يأتكم تنبهوا لأن القادر على الإتيان بالعذاب وقتما يشاء، قادر على الإحاطة بكم، فلستم بمُفلتين، ولن ينجو منكم أحد، لا تعجزونه‫:‬ أي لا يمكن أن تصيروا الله عاجزا عن معاقبتكم، وملاحقتكم، فهو الخالق لكم، محيط بكم، وإن حدث وأراد بكم شيئا، وأراد أن يهلككم، أو أراد أن يضلكم مهما نصحت لن يجدي النصح (وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ ) الإغواء‫:‬ الإهلاك، الإضلال، أي إن كان الله يريد أن يهلككم، إن كان الله يريد أن يضلكم، فالله (تبارك وتعالى) هو المِضلّ وهو الهادي (مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيًّۭا مُّرْشِدًۭا (١٧)) [سورة الكهف آية‫:‬ ١٧]، تقدير الكلام في الآية (إن كان الله يريد أن يغويكم فلن ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم) (هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) هو ربكم المالك لكم، هو ربكم الخالق لكم من عدم، هو ربكم هو الذي أنشأكم من تراب، ثم رباكم، وأوصلكم إلى كمالكم بحسب استعدادكم، أين كنتم؟ وكيف كنتم؟ ثم كيف أصبحتم؟ الذي أوصلكم لكل هذا هو ربكم، هو الله، ولن يترككم وإليه تُرجعون، أنتم ملك له، أنتم من خلقه، إن شاء عذبكم، وإن شاء أمهلكم، إن شاء فعل بكم ما يريد أن يفعل، لا ينفعكم نصح ناصح، ولن يجيركم منه مجير، والآية تفيد أن الهداية بيد الله، والإضلال بيد الله، ومن شاء الله هداه، ومن شاء الله أضله وأعماه، وبعد هذا الحوار يأتي تعليق:
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ﴿35﴾
هذه الآية، إما أنها من تمام قصة نوح، أي قال قوم نوح، وزعموا أن نوح افترى، واختلق الرسالة، والنبوة، فإن قالوا ذلك، فالرد عليهم هو مسئول عن خطئه، وهم مسئولون عن أخطائهم، لا يحمل أحدهم خطأ الآخر، أو يكون الكلام للنبي (صلى الله عليه وسلم) معترض قصة نوح في وسط السياق، كأنها تذكر الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) ها هي القصة ها هو الحوار ها هو الموضوع (أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ ) كفار مكة يزعمون أنك اختلقت القرآن، فإن كان فمن أدراك بقصة نوح، من أعلمك بهذا الحوار الدقيق باللفظ، هل يقولون الآن إنك افتريت القرآن؟ ها هي قصة نوح (قُلْ) رداً عليهم (إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ) اختلقته (فَعَلَىَّ إِجْرَامِى) أجرم، وجَرَم، واجترم‫:‬ اكتسب عملا يأثم به سيئا (فَعَلَىَّ إِجْرَامِى) أي عاقبة إجرامي، وهناك كلام محذوف، ثقة بفهم السامع، عليّ إثمي، وذنبي، وخطئي، وعليكم أعمالكم، والآية فيها لفتة لا نستطيع أن ندعها لأول وهلة، كيف يقول نبي من الأنبياء سواء كانت المقالة لنوح أو للنبي (صلى الله عليه وسلم) (فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُجْرِمُونَ) كيف يتساوى الحق والباطل حتى في اللفظ؟ لأول وهلة، لكن المتأمل يرى أنه لا تساوي هناك وانتبه (أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ ) (أَمْ) بمعنى (بل) بل يقولون افتراه (قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ) (إِنِ) حرف شك، إذاً الافتراء هنا في حقه على سبيل الفرض فقط، أما هُم فلم يأت حرف الشك، بل أتى الكلام تأكيدا (وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُجْرِمُونَ) إذاً فقد أجرموا فعلا، أما هو فعلى سبيل الفرض إن أجرم فهو مسئول عن إجرامه‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، قصة نوح عبرة وعظة، ولم تكتمل فصولها بعد، قصة من أغرب قصص القرآن، بل ومن أمتع ما ترى من لغة، ونظم، وبيان، وسوف ترون في تعبيرات الآيات عن الأحداث ما لا يخطر ببال أعظم الناس فصاحة وبيان كقوله (وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ) [سورة هود آية‫:‬ ٤٤] فصاحة ونظم، وبيان، يستحيل أن يأتي به بشر، قصص عبرة، وعظة، وبيان، ومواعظ، ونور، فالقرآن نور، فقد طال الزمن بنوح ألف سنة إلا خمسين عاما يُؤذى، ويُكذَّب، ويُشتَم، ويُضرب، ويحاصر، ويُقاطع، ويُستهزأ به، إلى أن جاء يوم لجأ نوح إلى ربه داعيا يا رب إن كان في هؤلاء القوم خير فأعني على الصبر، وإن لم يكن فاقض ما أنت قاض، وهنا جاء القضاء‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ﴿36﴾
أُوحي إلى نوح بأن أمر الله قد نفذ، ولم يبق في أصلاب الرجال، ولا أرحام النساء مؤمن، تصف الآيات من سورة هود هذا الموقف، وتصف مشهد من مشاهد انتقام الله (عز وجل) مشهد من مشاهد نصر الله لعباده، مشهد من مشاهد الطبيعة كما يسمونها، وكيف سُخرت وكيف أطاعت (وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ) إذاً فقد انتهى الأمر، ولا إيمان بعد ذلك، ومن آمن فقد آمن، ولن يؤمن كافر، أو كافرة، بل ولن يلد كافر إلا كافراً إن حدث‫.‬ من هنا دعى نوح ربه (وَقَالَ نُوحٌۭ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى ٱلْأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)) [سورة نوح آية‫:‬ ٢٦].‬
‫فما من نبي دعى على قومه أبداً إلا إن أُمر بذلك كما حدث لنوح، فحين دعى نوح، دعى بأمر من الله، وبوحي من الله، وبعلم من الله بأن الأرض انتهى فيها التناسل لمؤمنين، بعد ذلك (لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ) الابتئاس‫:‬ الحزن فيه استكانة، والتعبير بكلمة (فَلَا تَبْتَئِسْ) تدل على ما كان يشعر به نوح، ضعيف لا جيش معه، لا عشيرة تحميه، أقرب الناس إليه -امرأته - تشير إليه، وتتهمه بالجنون، ابنه يظهر الإيمان، ويبطن الكفر، الكل ضده، حزين حُزن في استكانة، ذاك هو الابتئاس، من هنا يقول الله فلا (فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ) من تكذيب واستهزاء، وإيذاء، فقد جاء أمر الله وجاء النصر‫.‬‬‬‬
وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ﴿37﴾
‫(ٱلْفُلْكَ) : السفينة، الفُلك مفرد، جمع يذكر، يؤنث إن أُفرد ذُكِّر، وإن جُمع أُنِث‫.‬‬
‫كلمة (ٱلْفُلْكَ) تعني السفينة بغض النظر عن حجمها، أو شكلها، ربنا يأمر نوح بصنع سفينة، أول سفينة تُصنع في التاريخ، فكيف يصنعها نوح؟ لابد من وحي، لابد من إعانة، من هنا يقول الله له (وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) ربنا تبارك وتعالى منزّه عن الحواس، مقدس منزّه عن التشبيه، والتمثيل، تُمر مثل هذه الآيات كما جاءت، وإن كان استشعار المعنى (وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) بحفظنا إياك حفظ من يراك، تمثيل وتشبيه لغاية الاهتمام والحفظ، والعناية، والرعاية، ويمكن أن يكون المعنى أي بملائكتنا التي جعلناها عيونا لنا تحفظك بأمرنا (وَوَحْيِنَا) تعليمنا إياك كيف؟ هل نزل جبريل؟ محتمل، ألهم أمر محتمل صارت يده لا تخطئ (وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ ) لا تراجعني فيهم، إذاً فقد كان من المحتمل أن يتجه نوح إلى الله حينما علم أن الله قضى بإهلاك قومه، أن يؤجل، أن يمهل، أن يرفع العذاب، مما يدل على منتهى شفقة نوح، ورحمته بقومه، رغم ما أُوذي به، ورغم ما عُذب، ورغم ما حدث له، ها هو ربنا ينهاه عن مراجعته في إهلاك قومه، أو في الدعاء لهم (وَلَا تُخَـٰطِبْنِى) أي لا تكلمني في شأن الكفار بالتأجيل، أو بالإمهال، أو بالرحمة (إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ) صدر الأمر، ونفذ القضاء، حُكم عليهم بذلك‫.
وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴿38﴾ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌ ﴿39﴾
ويأتي التعبير والصياغة بصيغة المضارع، والفعل ماض استحضاراً للهيئة، والحالة، ولك حين تسمع أن تتخيل (وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ) ها هو يقف، ويصنع الفلك، خشب، ودُسر، وأدوات، وآلات يصنع الفلك بجد ونشاط (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ ) استهزأوا به واستجهلوه، نوح كنت نبيا، الآن أصبحت نجاراً، ماذا تصنع يا نوح؟ يقول‫:‬ أصنع بيتا يمشي على الماء، وهل هناك ماء يا نوح، وأين هو الماء؟ يصنع السفينة في البرية ليس على شاطئ بحر كما يفعل صناع السفن على شواطئ البحار، أو في أحواض، هذا يصنع سفينة في البر، بعيداً عن الماء، أو في زمن لم يكن هناك فيه بحار، ولا أنهار، وهذه البحار والمحيطات التي ترونها الآن ما هي إلا من أثر الطوفان، من هنا استهزأوا به، واستجهلوه، إما لأنه يبني السفينة بعيدا عن ماء، وإما لأنهم لأول مرة يرون مثل هذا الشيء، فأول من صنع الفلك نوح، أول من علّم الناس الكتابة إدريس، أول من صنع الدروع داود، وهكذا الأنبياء هم المعلمون لأمور الدنيا، ولأمور الدين، ومن ابتغى الهدى في غير هدْي الأنبياء ضلّ، وهلك، وخاب سعيه، وإما أنه لم تكن هناك بحار، ولا أنهار، هنا تعجب الناس كيف؟! (قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ).‬
‫(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌ) هذا ما كان يقوله نوح، استهزاؤهم غير استهزائه، استهزاؤهم بالإيذاء والكلام الجارح، أما هو مجرد أن قال اليوم تستهزئون بنا، وغداً نستهزئ بكم، الخزي‫:‬ الذل، الصغار، العار، والكسوف، سوف تعلمون من منا نحن المؤمنون أم أنتم؟ من ينزل عليه عذاب مقيم دائم، إذاً فقد حذرهم، وأشار إلى عذابين عذاب الدنيا، وهو الخزي، وعذاب الآخرة، وهو العذاب المقيم الدائم الذي لا نهاية له.
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ ﴿40﴾
انتهى نوح من صنع السفينة، والتوقيتات التي حددها، والتوقيتات حُددت بمعرفة الله، عز وجل، متى ينتهي نوح من صنع السفينة؟ متى يأتي أمر الله؟ كل ذلك حُدد بمعرفة العليم الخبير، فجاء أمر الله وجاء الموعد (وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ) وتلك كانت علامة لنوح‫:‬ إذا رأيت الماء ينبع من التنور، فاركب في السفينة أنت، ومن معك، التنور له ثلاث معان‫:‬ التنور‫:‬ وجه الأرض، التنور‫:‬ أعالي الأرض، الأماكن المرتفعة، التنور‫:‬ ما يُخبز فيه الخبز، ما يوقد فيه النار، ويصنع فيه الخبز، وذاك أقرب المعاني، هذا التنور فيه نار، فإن نبع منه ماء خارق للعادة، مُعجز، هنا تكون العلامة (ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ) كل شيء لا يستغني عن آخر فهو زوج، كلٌ منهما زوج، فالرجل زوج، والمرأة زوج، وهما زوج، ويقال‫:‬ الزوجان، (خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰ (٤٥)) [سورة النجم آية‫:‬ ٤٥]، (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) [سورة النساء آية‫:‬ ١].‬
‫(مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ) :أي من كل شيء زوجين، إذاً فهما اثنان ذكر، وأنثى حتى يحفظ النسل، (من كل زوجين) قراءة أخرى بالإضافة‫.‬‬
‫الزوج بمعنى الصنف (فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّن نَّبَاتٍۢ شَتَّىٰ (٥٣)) [سورة طه آية‫:‬ ٥٣]. (وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍۢ (٥)) [سورة الحج آية‫:‬ ٥]. أصناف (من كل زوج) أي من كل صنف زوجين، أي من صنف الذكور، ومن صنف الإناث أنثى، كيف حمل نوح؟ كلام كثير، وحفلت الكتب بكلام الذي علّمه صنع السفينة هو الذي علّمه كيف يحمل هذه الأشياء، هل حمل السباع؟ هل حمل النافع من الحيوانات فقط؟ أم حمل العقارب والحيّات؟ شيء لا يعنينا، ولا نفكر فيه ربنا يقول (ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ) قيل‫:‬ جاءت ريح فساقت إليه الأزواج التي قضى الله بنجاتها، هي التي سارت إليه، وصعدت إلى السفينة، وربنا قادر على كل شيء، وقيل جاء جبريل فساقها، ربنا (تبارك وتعالى) فعال لما يريد لا يفتقر إلى الأسباب، حُملت هذه الأزواج معه في سفينته، جاءت بنفسها استدعاها نوح، علّمه ربنا دعاء يقوله، فإذا بالطيور تأتيه، والبهائم تسعى إليه، أياً كان، المهم أنه نفّذ الأمر (ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ).‬
‫الزوجة والأولاد، زوجة نوح كانت كافرة، لكن هناك زوجة أخرى كانت مسلمة، احمل معك في السفينة أهلك الذين آمنوا بك (إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ ) وقيل في عدد المؤمنين كانوا في حدود الثمانين، منهم ثلاثة أبناء، وثلاث زوجات للأبناء، وزوجة لنوح، ونوح، ثم اثنان وسبعون رجلا، وامرأة، قيل ذلك، وهذه الأعداد لا تعني في شيء، المهم من ركب السفينة مع نوح هم أهله، ومن آمن به أياً كان العدد، لكن الله يقول (وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ) إذاً فقد كانوا قلة بعد ألف سنة إلا خمسين عاما من الدعوة، يالفضل الله علينا أن جعلنا مسلمين! ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو نوح أبو البشر، الأب الثاني للبشر، أول رسول، ثم تكون النتيجة (وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ) ولله في خلْقه شئون، وركبوا في السفينة، والسفينة على البر، وأصدر نوح الأمر، أو أصدر ربنا الأمر.
وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿41﴾
القائل نوح لأهله وللمؤمنين، أو القائل ربنا (تبارك وتعالى) آمر لنوح (وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا) ليكونوا في جوفها، وليسوا على سطحها، أو ظاهرها (بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ) فيها قراءات (مَجَرَاها ومَرساها)، (مُجراها ومُرساها)، (مَجريها ومُرساها) (مُجريها، ومُرسيها) أي هو الذي يجريها، ويرسيها قراءات كلها تؤدي إلى معنى أن الله (تبارك وتعالى) هو الذي يجريها، وهو الذي يرسيها، تؤدي إلى أن مسير السفينة، وتوقف السفينة بكلمة، فإذا أراد نوح للسفينة أن تمشي وتجري قال‫:‬ بسم الله مجريها فتجري، فإذا أراد لها الرسو قال‫:‬ بسم الله مرساها رست‫.‬‬
‫والآية دليل على وجوب الاستفتاح بالبسملة في كل الأمور، وكل أمر لم يفتتح ببسم الله فهو أقطع، بسم الله مجرها، ومرساها، أي إجراؤها وإرساؤها بسم الله، بفضل الله، ببركة الله، بكلمة (بِسْمِ ٱللَّهِ) اركبوا فيها مسمين الله حال جريانها، وحال رسّوها (إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ) ملفتة، الخطاب لمن؟ الخطاب للمؤمنين إن كان المخاطب هو الله، فهو يخاطب نوح، وإن كان المخاطب نوح، فهو يخاطب من آمن، أي غفور لكم، فيما فرط منكم، فما من معصوم على وجه الأرض إلا الرسل بعصمة الله لهم، فكأن المؤمنين الذين ركبوا في السفينة مع نوح لهم فرطات، وفلتات، فيطمئنهم إن ربي غفور لما فرط منكم، رحيم بكم، إذ نجاكم من الطوفان في هذه السفينة، هل يجب على الله إنجاؤهم؟ أبداً، إذاً فالنجاة كانت بالرحمة، وليست بالعمل، كما سار النَسَقْ في سورة هود، كقوله‫:‬ (نَجَّيْنَا هُودًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا) [سورة هود آية‫:‬ ٥٨]، (نَجَّيْنَا شُعَيْبًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا) [سورة هود آية‫:‬ ٩٤] ودخول الجنة برحمة الله، وليس بالعمل‫.‬‬
‫ويبدأ مشهد الطوفان، التعبير عن قصة هذا المشهد، تعبير لا يمكن لبشر أن يصيغ مثله، يستحيل، فخامة اللفظ، وجمال النظْم، والاختصار بغير إخلال، والإيجاز المعجز، واستحضار الهيئة وكيفية الحال، والخطاب الذي وُجه إلى السموات والأرض مبنياً للمفعول، وكأن الفاعل لا يُتوهم غيره من القادر على كل ذلك، استغنى عن ذكر لفظ الجلالة، وجاء بصيغة المبني للمفعول؛ لأن العقول لن تذهب إلى غيره، حين تقول أُكل الطعام، تسأل من الآكل زيد أم عبيد؟ لكن إذا قلت أمطرت السماء من الآمر؟ هل يمكن لأحد آخر؟ من هنا جاءت الصيغ مبنية للمفعول (وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ) من القائل؟ هل يذهب العقل إلى غيره؟ أبداً صياغة القصة، وتصوير المشهد إعجاز بجميع المعاني، لدرجة أن بعض النُحاة، علماء اللغة القدامى عددوا ما يزيد عن أربعين صنفا من أصناف البديع في هذه الآيات.
وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍۢ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍۢ يَـٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿42﴾ قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍۢ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ ﴿43﴾
ذاك هو المشهد، أين تجري السفن؟ في الماء، في البحر، دائما التعبير عن جريان السفن والفلك في البحر هنا يقول (وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍۢ ) حتى ذهل بعض المفسرين، فقالوا‫:‬ يبدو أن ماء السماء التقى بماء الأرض، فلم يكن هناك هواء، ولا أجواء، فكانت السفينة تمشي في ماء معلق بين السماء والأرض، فالتعبير غريب، لِمَ لمْ يقل (في بحر)؟ لأنه لم يكن هناك بحر، السفينة كانت تجري في موج فقط، والموج‫:‬ الماء المرتفع، المضطرب، المتلاطم، لم يكن هناك بحر، السفينة كانت على الأرض حين نبع الماء من الأرض، حُملت السفينة على الماء النابع من الأرض، ماء مؤقت ليس بحراً، ولا نهراً، من هنا تلاطم المياه، واختلاط ماء السماء بماء الأرض، وفوران المياه التي نبعت من الأرض، كل ذلك أحدث موجا، فجاء التعبير (وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍۢ ) وسبحان القائل، (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًۭا كَثِيرًۭا (٨٢)) [سورة النساء آية‫:‬ ٨٢] لا يمكن أن تجد ثغرة في التعبيرات القرآنية‫.‬‬
‫(تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍۢ كَٱلْجِبَالِ) كل موجة كالجبل (وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍۢ يَـٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ) كان في معزل عن نوح، عن السفينة، عن دين نوح، عن مكانه ناداه يأمره بالركوب، إذاً فلم يكن نوح يعلم أن ابنه كان كافراً؛ لأنه لو علم بكفره ما سأله الركوب معه، وإلا كان عاصيا؛ لأن الله يقول له (ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ ) وطالما نادى نوح ابنه للركوب فقد كان يعتقد في إيمانه؛ ولذا يقول (وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ) فهو ليس من الكافرين في نظر نوح (قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍۢ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ ) العصيان، والعقوق، العمى، والعمه، العمى في البصر، والعمه في البصيرة، رد عليه نوح (قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ ) بمعنى لا مانع، ولا حام من أمر الله، الهلاك لكن من رحمه الله يعصمه (إِلَّا) هنا بمعنى (لكن) (لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ) أي لا مكان يُلتجأ إليه فيعصم (إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ ) إلا مكان رحمهم الله، وهو السفينة أو (إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ ) من هو من رحم؟ الله، والمعنى يكون لا عاصم اليوم من أمر الله إلا الراحم وهو الله (وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ) حال بين ابن نوح والجبل، أو بين ابن نوح والسفينة، فكان من المغرقين، غرق ابن نوح، وهنا أيقن نوح أنه كان كافراً، أو تشكك، أو اندهش، أو تعجب، لماذا غرق هذا الولد؟ وإذا تأملت في الابتلاء ما أصعبه أن يرى الأب ابنه بعينيه يغرق أمامه ولا يملك له إنقاذاً، ولا حماية، ابتلاء في منتهى الصعوبة، ومنتهى الشدة، ويأتي التصوير لانتهاء الموقف في آية‫.
وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَـٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿44﴾
إعجاز ما بعده إعجاز في اللغة، وفي التعبير، وفي الصياغة، وفي كل شيء، خوطبت الأرض، وخوطبت السماء بخطاب العقلاء، (وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ) هل ركّز فيها إدراكا وخاطبها كما يُخاطب العاقل، فأدركت الكلام كما قال (ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ (١١)) [سورة فصلت آية‫:‬ ١١].‬
‫أو هو مجاز تمثيل لنفاذ مشيئته سبحانه وتعالى في أرضه، وسمائه نفاذ أمر الآمر المطاع فيمن يسمع، ويطيع، خشية وهيبة، هل هو تمثيل، والكلام مجازي أم حقيقي؟ والتعبير قيل، وأنت تفهم من القائل؟ من الذي يملك أن يقول ذلك؟ (وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ) ما خرج من الأرض تبلعه (وَيَـٰسَمَآءُ أَقْلِعِى) توقفي عن إرسال الماء، واسحبيه إليك (وَغِيضَ ٱلْمَآءُ) ذهب في باطن الأرض، ونقص، وانتهى، وكأن ماء الأرض الذي نبع منها رجع إليها، وماء السماء الذي نزل منها رجع إليها، وذهب الماء واختفى وأصبحت الأرض جافة، كأن لم يكن حدث شيء، وقيل ماء الأرض عاد إلى الأرض، وماء السماء نشأ منه البحار، والمحيطات، إذ لم تكن هناك بحار، ولا محيطات، لكن المهم أن ماء السماء لم ينزل إلى الأرض وإلا لغرقت الأرض، أو لحدث فيها ما لا يمكن أن تحمد عقباه؛ إذ كل شيء عند الله بقَدَر‫.‬ من هنا كل ماء رجع إلى أصله، إذ كل شيء عند الله بقَدَر، من هنا كل ماء رجع إلى أصله (وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ).‬
‫(وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ) : انتهى الأمر، ونفذ، وتم أمر الله (وَٱسْتَوَتْ) رست (عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ ) اسم جبل في الموصل في الشام، اسم لكل جبل، كلمات كثيرة، وتفسيرات كثيرة (وَقِيلَ بُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ) أي إبعاداً من رحمة الله (عز وجل) ولعنة‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، الطوفان كان علامة، وقصة حدثت ليعتبر بها الأمم، نوح أول رسول، نوح أطول الرسل عمراً، نوح من أولى العزم من الرسل، نوح أشد الأنبياء، وأكثرهم، وأعظمهم صبراً، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل، وها هي الأرض أغرقها الله بالطوفان، وفيها طيور، وفيها وحوش، وفيها ما فيها لم يبال الله (تبارك وتعالى) بما فيها، ولا بمن فيها، فاحذروا غضبة الله (عز وجل).‬
‫فقد انتهى المشهد، واستغرق من الزمن ما لا نعلمه، يعلمه الله (تبارك وتعالى) وهدأت وعاد كل شيء إلى طبيعته، وجفت الأرض وكأن لم يكن هناك ماء، وعاد ماء السماء إليها، وانتهت المسائل، وأشرقت الشمس، ورست السفينة، وهنا تنبه نوح لابنه أين هو؟ هل غرق فعلا؟ هل انتهى هل مات؟ قلب الأب وشفقته وخوفه على فلذة كبده فلجأ إلى الله.
وَنَادَىٰ نُوحٌۭ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ ﴿45﴾
تذكّر نوح أن الله قال له (ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ) ها هم أهلي، وهذا الولد من أهلي، غرقت زوجته الكافرة، وغرق هذا الابن، لكنه يسأل عن الابن لأنه لم يكن يدري عن ابنه شيئا، أما المرأة فقد كان يعلم بكفرها؛ لذا دعاه للركوب معه، فها هو يسأل متعجبا أنت وعدتني بنجاة أهلي، وابني من أهلي، وأنت أحكم الحاكمين، لا أعترض على حكمك، فأنت أحكم من حكم؛ لأنك أعلم من حكم، وأعدل من حكم، لكني أتساءل أين ابني، وأين الوعد؟
قَالَ يَـٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍۢ ۖ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ ﴿46﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌۭ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ﴿47﴾
‫(إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ ) أي ليس من أهل دينك، ليس من أهل ولايتك، فالأهل أهل الدين، والصلة صلة الدين، والأخوة في الله، والنسب نسب الدين، أما أنساب الدماء فلا تبقى (إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍۢ ۖ ) هذا التعبير غاية في الدقة، أصل التعبير في القياس (إنه ذو عمل فاسد) فقال (إِنَّهُۥ عَمَلٌ) وكأن الولد أصبح هو العمل، مبالغة في سوء عمله، وشدة فظاعته، وكأنه هو نفسه العمل السيئ، ولم يقل (إنه عمل فاسد) قال (إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍۢ ۖ ) ليبين أن النجاة كان شرطها الصلاح، وحين انتفى شرط النجاة هلك (فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ) لأول وهلة يشعر، ويستشعر الإنسان بالعتاب، أو بالشدة، أبداً هذه الكلمة تعني الرفعة لنوح، والاعتزاز له، والتبرئة لنوح (إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ) إذاً هو ليس منهم، إذاً فالآية ثناء على نوح، وإن كان اللفظ ظاهراً يُشعر بالعتاب، وحين قال (فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ ) لِمَ عاتبة ربه؟ أب مكلوم، رأى ابنه يموت أمامه غرقا، وإلى أين المصير؟ إلى جهنم وبئس المصير، أب مكلوم، والرسل أشد الناس حبا لأبنائهم، وللناس أشد عواطف، عواطف الرسل، متأججة، الفرق بين حبك لابنك وبين حب النبي (صلى الله عليه وسلم) لابنه هو الفرق بينك وبينه، الإنسان مجموعة من المشاعر، والعواطف، كلما ارتفع المقام كلما كان الفارق في المشاعر، أب مكلوم يسأل‫:‬ وعدتني وهذا ابني فأين الوعد؟ وأنا لا أخطئ في الكلام، أنت أحكم الحاكمين، وأنت وعدك الحق، فلم قيل له‫:‬ (فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ) حب نوح لابنه شغله وأشغله عن الكلام الذي سمعه، فلم ينتبه، ولنعد إلى الوعد ونرى (قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ) لم يلتفت نوح لكلمة (إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ) من سبق عليه القول إذا فأهلك جميعا إلا من سبق عليه القول، كانت امرأته، وكان ابنه، إذاً فوعد الله حق، وهنا لجأ نوح إلى ربه داعيا، تائبا، مستغفراً، منيبا (إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌۭ ۖ ) منتهى التواضع، منتهى التذلل، الخروج من الحوْل، والقوة، إلى حول الله وقوته، وكأن الكلام ليس بيده، لكن الله هو الملهِمْ، وهو الموَفِّق للكلم الطيب، وهو العاصم من الكلم السيء‫.‬‬
‫(وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ) كأن مجرد السؤال الذي سأله يعرضه للهلاك، والخسران، وانظر إلى تضخيم المعصية، وهذا ما يجب على المسلم، أمر يعظّم مصيبته، ويصغِّر طاعته، حتى لا يغتر، وحتى يلجأ إلى الله، ويتوب، وهنا نودي نوح بالنداء العظيم‫:
قِيلَ يَـٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍۢ مِّنَّا وَبَرَكَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌۭ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿48﴾
‫(بِسَلَـٰمٍۢ مِّنَّا) مسلّماً من كل الآفات، مسلّماً عليك منا بسلامة (وَبَرَكَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ ) البركات‫: الخيرات الكثيرة، العظيمة، الدائمة غير المنقطعة، بَرْك البعير‫: صدره، بَرَكَ البعير‫: وضع صدره على الأرض، وثبت مكانه، والبِركة سميت بِرْكة لثبوت الماء فيها، والبَرَكَة سُميت بَرَكَة لثبوت الخير فيها، فالبَرَكَة هو الخير، ونماؤه، وثبوته كما ثبت ماء البِرْكة (وَبَرَكَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌۭ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ) أمم؟ وربنا يقول (وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ ﴿٤۰﴾) وها هو يخبر بأمم؟ نعم أمم الذرية، والنسل بعد ذلك‫. نوح جاء بعده هود، وصالح، ويوسف، وما إلى ذلك، أي أمم من ذرية من معك سنمتعهم، ويمسهم منا عذاب أليم، إذا هم كفروا، وأما الأمم الطيبة الصالحة، هي الأمم التي آمنت بعد ذلك، لهم بركات، ولهم سلام، ولهم سلامة، وأمم أخرى تُمتع في الدنيا، ثم يمسها بعد ذلك عذاب أليم، وانتهت القصة وتُختم بتوجيه الخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) واسمعي يا قريش‫:
تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴿49﴾
قصة نوح، ذاك الإعجاز في الوصف في استحضار هذه الحالة والكيفية (مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ ) نحن المخبرون لك بها (مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ) من أين جئت بها؟ من أين علمت بها؟ ما كنت تعلمها أنت يا محمد، ولا قومك من قبل هذا، وهي قصة حقيقة واقعة مذكورة في الكتب السابقة، إعجاز ودليل على نبوته، هل حين سمعوا ذلك آمنوا؟ أبداً؛ لذا يقول في ختام الآية مشعراً بأن الآيات مهما توالت فلا فائدة (فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) أي فاصبر كما صبر نوح، أرأيت ما فعل نوح! أرأيت كيف كانت قصة نوح! أرأيت كيف كان عاقبة قوم نوح! فاصبر إن العاقبة للمتقين‫.‬‬
‫فتأتي قصة ثانية من قصص المرسلين، قص الله تبارك وتعالى على حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) قصة نوح، وها هي الآيات تقص علينا قصة هود، القصة الثانية في سورة هود، والتي سُميت السورة باسم صاحب القصة، هود نبي من أنبياء الله، رسول من رسل الله، بُعث إلى قومه، وكان قومه أهل زرع، وأهل عمارة، وأهل بساتين، وأهل قوة، وأهل شدة، سُمُّوا باسم رجل منهم (عاد) الجد الأكبر لهم، أهي عاد واحدة، أم هما عادان؟ عاد الأولى، وعاد الثانية، إرم ذات العماد، قالوا‫:‬ عادٌ الأولى أُرسل إليها هود، وجاء ذكرها في قوله‫:‬ (وَأَنَّهُۥٓ أَهْلَكَ عَادًا ٱلْأُولَىٰ (٥٠)) [سورة النجم آية‫:‬ ٥٠] أما عاد الثانية بعدها بأزمنة، وهي التي قيل فيها (إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ ﴿۷﴾ ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ ﴿۸﴾) [سورة الفجر آية‫:‬ ٧ - ٨].‬
‫عاد أهل زروع أهل بساتين، أهل عمارة، أهل قوة، عبدوا الأصنام وسجدوا للأوثان، ورغم ما وصلوا إليه من حضارة ظاهرية، من حيث المأكل والملبس، والمشرب يبنون بكل ريع آية، مسارح، ملاهي، حدائق، غنّاء، بساتين، مصانع، حضارة، وعمارة، وغنى، وقوة، وشدة، ومع ذلك كانت عقولهم ضعيفة، سفهاء، عبدوا الأصنام وسجدوا للحجارة، جاءهم ناصح أمين، ويحكي ربنا‫:
وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ﴿50﴾ يَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿51﴾ وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ ﴿52﴾
تلك كانت مقالة هود، تلك كانت عظته، تلك كانت خلاصة رسالته، وتأمل (قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ ) هو يدعو إلى الله، لا يدعو لنفسه، لا يدعو لحزبه، لا يدعو لقبيلته، لا يدعو لمبدأ هو وضعه، أو لقانون هو سنّه، وإنما يدعو لإله خالق مدبّر، رحمن رحيم، واحد (قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ ) غيرِه، غيَره (ثلاث قراءات) (غيرِه) بالخفض على اللفظ (غيرَهُ) على الاستثناء بالنصب، (غَيْرُهُۥٓ ۖ ) مرفوع على الموضع‫.‬‬
‫(إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) أي ما أنتم إلا قوم تكذبون على الله، وتدّعون له الشريك، أو تدّعون أن الأصنام تنفع، أو تشفع، والافتراء أشد الكذب، هذه الدعوة لكي تكون صادقة خالصة يجب أن تتبرأ من أي شبهة مطمع، دعوة لله خالصة صادقة، مبرأة من شبهات المطامع، والدليل على أن هود لم يكن له مطمع‫: (يَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ )‬ كلمة جميع الرسل، إذاً فقد برأت دعوته من شبهة المطمع، لا يطمع في شيء، لا يريد أجرا، لا يريد شيئا (إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ ) خلقني أصل كلمة الفطر، تعني الشق، فطره‫:‬ شقه، ما ترى في السماوات من فطور ربنا، خلق الخلْق من العدم، فكأنه شق العدم وأخرج الخلق، فكلمة (فطر) بمعنى ابتداع الخلْق، وأنشأه من العدم (وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ) هذا هو الطلب الثاني، الطلب الأول‫:‬ اعبدوا الله، والدليل على صدق الدعوة، وخلوص النية، لا يسألهم أجرا، والطلب الثاني الاستغفار من الشرك، والتوبة إلى الله، عز وجل، والإنابة والرجوع إليه، الاستغفار عما فات والتوبة عن كل ما هو آت أو الاستغفار من الصغائر والتوبة عن الكبائر أو الاستغفار بمعنى ترك الشرك والعودة إلى الإيمان بالله، عز وجل، والتوبة‫:‬ الطاعة، والإنابة، والرجوع، ما هي ثمرة الاستغفار؟ هو لا يطلب أجراً على دعوته، هم ماذا يحصلون عليه إن استجابوا؟ الرسل غير مأجورة في هذا الدنيا إنما تؤجر من الله، عز وجل، وها هو هود يطمِّع قومه ها هو يبث في نفوسهم الأمل، ويظهر لهم ثمرة الاستغفار (يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ) يرسل السماء عليكم مدراراً، أي مطراً كثيرا، متتابعا، خيراً وفيراً، درّت الشاة، ودرّت السماء‫:‬ أمطرت وتتابع المطر، درّ، تدُرّ، أو تَدِرّ.‬
‫( وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ) بالأموال والأولاد تلك ثمرة الاستغفار، وبضدها تتميز الأشياء، إذاً فالمعاصي والكفر يعرّض البلاد للخراب، والفقر، والدمار، أما الاستغفار، والتوبة تفتح أبواب الرزق، وتفتح أبواب الخير، ويعمّ الله البلاد بالنماء، والخير، والبركة، وقد قيل في بعض الأقوال إن الله (تبارك وتعالى) أعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين، وأصابهم بالقحط، وامتناع المطر ثلاث سنين، فها هو هود يبين لهم، ويقول، وينصح، استغفروا ربكم وتوبوا إليه، يعد ربكم عليكم بالخير، والنفع، فيزدكم قوة، وينزل إليكم المطر، ثم يحذرهم قائلا (وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ) دعوة واضحة، دعوة صريحة، دعوة بريئة من كل مطمع، بريئة من كل أمور الدنيا، خالصة لمصلحتهم، ولنفعهم، واسمع لردهم:
قَالُوا۟ يَـٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍۢ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿53﴾ إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍۢ ۗ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿54﴾ مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًۭا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ﴿55﴾
‫(قَالُوا۟ يَـٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍۢ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٥۳﴾ إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍۢ ۗ ) ذلك كان ردهم، وتأمل في قوله، وتأمل في قولهم، تأمل في الرحمة، وتأمل في الضلال، قارن بين الهدى وبين العمى، والعمه (مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍۢ) أي ما جئتنا بمعجزة، وما جئتنا بدليل على صدقك، وما جئتنا ببرهان يؤكد أنك رسول، ثم أصروا على عبادة الأوثان والأصنام (وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ) هذا الكلام الذي تقول وهذا النصح الذي تنصح، والإله الواحد الذي تزعم وجوده، لن نترك الآلهة والأصنام من أجل هذا الكلام، ثم يأَسوه، وقنّطوه من إيمانهم فقالوا‫:‬ (وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) لا اليوم، ولا في الغد، ثم تجلّت السفاهة، وتجلّت التفاهة في قولهم (إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍۢ ۗ ) اعتقدوا أن الأحجار تضر، واتهموا هود بأنه قد مسه شيء من الجنون، نتيجة غضب الأحجار عليه، هو يحذرهم من غضب الجبار، وهم يتهمونه بأن ما حدث له نتيجة لغضب الأحجار، سفاهة وانعدام للعقل، عمى في البصر، وعمه في البصيرة، هل كلام هود يدل على جنون أو تخريف؟!‬
‫(يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ ) (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) هو الذي يمطر المطر، ويرسله هل في ذلك شك؟‬
‫(إِن نَّقُولُ إِلَّا) وكأنهم حصروا الداء وتيقنوا أن ما حدث بالتأكيد (ٱعْتَرَىٰكَ) أصابك، عراه، يعروه‫:‬ أصابه، ومنه (وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ۚ ) [سورة الحج آية‫:‬ ٣٦ ] المصاب أصابته فاقة (ٱعْتَرَىٰكَ) أصابك (بَعْضُ ءَالِهَتِنَا) الحجارة والأصنام (بِسُوٓءٍۢ ۗ ) لأنك سببتها، ولأنك نهيتنا عن عبادتها، فغضبت عليك الحجارة، ها هي قد أساءت إليك، أو ضرتك، أو فعلت بك الأفاعيل، ماذا نقول في هؤلاء القوم الذين ينكرون وجود الصانع، القادر، الإله، الحليم، الذي يدعوهم هود إلى عبادته وتوحيده، ويعتقدون في حجارة، وأن الحجارة تؤثر في الناس، حجر أصم يؤثر فيمن يسمع ويُبصر ويعقل، الإنسان مدرك، يشعر، له إحساس، يبصر ويسمع، ويعقل ويتحرك، ويمشي ويصعد وينزل، ويأكل ويشرب، وينام ويستيقظ، ويحكم ويقدّر، يعبد حجر لا يأكل، ولا يشرب، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يتحرك، ولا يمشي، ولا ينتقل إلا أن يُحمل وينقل أي سفاهة؟!!‬
‫وانظر إلى معجزة المعجزات لهود، ها هي على وشك الظهور، هؤلاء الذين قالوا (مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍۢ) تأمل واسمع (قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) (مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًۭا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ) أرأيتم هذا الخطاب وتأملتم فيه، ها هو يُشهد الله (تبارك وتعالى) على الموقف، وعلى ما حدث، وعلى الحوار الدائر، وعلى مقالتهم، وأنه أبلغ وأنه أدى الواجب، ها هو رده واضح صريح (قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) يطلب شهادة هؤلاء القوم، هل تصح شهادتهم؟ أهم عدول؟ كلنا يعلم أن الشهادة تطلب من العدول، فكيف يشهدهم؟ أيشهدهم على نفسه، أم يشهدهم على أنفسهم، أم هو استهانة بهم؟ حين يقول (وَٱشْهَدُوٓا۟) هو يستهين بهم، رجل واحد مفرد، يواجه قوما بأكملهم، عتاه جبارين، أقوياء أشداء، ها هو يواجههم، ويستهين بهم علنا (وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) وكأنه إعلان للحرب، وكأنه إعلام لهم بسفاهة أحلامهم، وتفاهة عقولهم، وها هو التحدي (أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٥٤﴾ مِن دُونِهِۦ ۖ ) الأصنام، والحجارة التي زعمتم أنها أضرت بي، وأصابتني في عقلي، أنا بريء منها أمام الله، وأنتم الآن كلكم تعلمون ذلك (فَكِيدُونِى جَمِيعًۭا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ) أنتم وآلهتكم، رجل مفرد واحد، لا جيش، ولا عشيرة، ولا قوم، يزعمون كذبه، ويقولون ما جئتنا ببينة، ولا برهان، يدّعون أن الآلهة أصابته، ها هو يقف بمفرده أمام أمة، يقول الله فيها (ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ (٨)) [سورة الفجر آية‫:‬ ٨] أمة يتخذون من كل ريع آية يعبثون، ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون، أمة رجل واحد يقف ويقول كيدوني جمعيا أنتم وآلهتكم أي لا تمهلوني، عجّلوا، هلم واجتمعوا واستعدوا، وافعلوا بي ما شئتم جميعا مجموعين، بلا إمهال، ولا إنظار، الحق أبلج، والباطل لجلج، كيف لم يقتلوه؟! كيف لم يقيدوه؟ كيف يقف رجل واحد أمام أمة بهذا الجبروت ويتحداهم هذا التحدي، ومع ذلك لم يرد أنهم قتلوه، أو أساؤوا إليه، أو أصابوه بأذى، كيف ذلك؟ ومن الذي حماه؟ ومن الذي منعهم؟ ومن الذي قيد أيديهم؟ هو الله، فقد كانت معجزة المعجزات تحدي هود لقومه، أبلغهم بالرسالة في غاية الإيجاز والإعجاز (ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ ) [سورة هود آية‫:‬ ٥٠] ودلل على إخلاصه، وصدقه بنفي أي شبهة لوجود مطمع (يَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١)) [سورة هود آية‫:‬ ٥١] أعملوا عقولكم التي وهبكم الله إياها، من هو هود؟ من الضروري أنهم يعرفونه؛ لأن الله أرسله منهم (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٤] والتعبير بقوله (وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۗ ) يدل على أنه من القبيلة، أعملوا عقولكم فيما أقول، ثم وعدهم بكل خير (ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ) هل جربوا؟ تفكّر وتأمل، هو يدّعي أنهم لو استغفروا وتابوا لأمطرت السماء، ولأنجبت النساء، هل جربوا صدقه؟ هل اختبروا هذا الوعد؟ أبداً، وإنما فاجاؤوه بالتكذيب، والتجبر، والاستكبار، والاستهزاء، وها هو يتهمونه بالسفه، والجنون، وأن الآلهة التي لا تنفع، ولا تشفع، ولا تضر، ولا تأكل، ولا تشرب، قد أضرت به، فوقف وأعلنها واضحة جليّة (أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٥٤﴾ مِن دُونِهِۦ ۖ ) هلمّ جميعا، واجمعوا جيوشكم، وقواكم، وأصنامكم، وأحجاركم، وفكروا، وقدّروا، وافعلوا ما شئتم، وانتقموا منيّ، أي قوة، وأي معجزة، ما الذي كان يسانده؟ وما الذي منعهم؟ هود يقول مبرراً هذا التحدي ومعللا‫:‬
إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿56﴾
‫(إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ ) أوكلت أمري، وفوضت أمري، واعتمدت عليه، وتحصنت به، ثم يزيدهم تعريفا بالله (مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ) حجة، منطق، برهان، إعجاز، بلاغة، الناصية‫:‬ مقدّم الشعر، أو منبت الشعر في مقدم الرأس، والعرب تعبّر عن القهر بالأخذ بالناصية، إذ كان الأسير إذا أرادوا أن يمنّوا عليه حلقوا ناصية شعره فخراً، وبالتالي فيقال‫:‬ (فلان ناصيته بيد فلان) دليل على ذلّه، وصغاره، وأنه بيد فلان أسيرا يتصرف فيه كيف شاء، هذا أصل التعبير، وعليه فحين يخاطبهم ربنا (تبارك وتعالى) بما اعتادوه من كلام (مَّا مِن دَآبَّةٍ) الدابة‫:‬ كل ذي روح يطلق عليه دابة، الإنسان دابّة، الحيوان دابّة، والطائر دابّة، وهكذا (مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ) هو الله الذي قال فيه (إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ ) (هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ ) إذاً فهو القهار، إذاً فهو المالك، إذاً فهو المتصرف، إذاً فلا قوة لمخلوق إلى جواره، طالما كانت الناصية، إذاً معنى ذلك أن الكل في ملكه أسرى، مشدود الوثاق، إذاً معنى ذلك أنه لا تصريف لمخلوق، ولا حركة لمخلوق إلا بإذنه، كل ما هو ذو روح ناصيته بيد الله، فهل يملكون الإضرار به؟ من هنا قال (إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ) أي أوكلت أمري لهذا الذي يقوى على كل شيء، المالك لكل شيء، القاهر لكل شيء، الآخذ بناصية كل شيء (إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ) ختام الآية غريب، والتعبير رائع معجز، الصراط‫:‬ المنهج الواضح، إذاً فربنا (تبارك وتعالى) على منهج واضح هو الحق، وهو العدل، فلا يضيع عنده معتصم، ولا يفلت منه ظالم، من اعتصم به عُصم، ومن احتمى به حُمي، ومن التجأ إليه أُلجئ، ومن استجار به أُجير، ولا يفلت منه ظالم؛ لأنه على صراط مستقيم، ألا وهو الحق والعدل، ويُنهي رسالته بالتحذير‫.‬‬
فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌۭ ﴿57﴾
أبلغ وأدى ما عليه، وها هو يحذرهم التحذير الأخير، إن توليتم، وانصرفتم، وأعرضتم عن نصحي، وموعظتي (فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ ) أي لا تفريط مني، ولا عذر لكم، معنى الكلام أنه يُشهد الدنيا، ويشهدهم أنه لم يفرّط في أداء الرسالة، أدى ما عليه، وأدى الواجب، وهم لا عذر لهم بعد ذلك، ولقد أعذر من أنذر، ثم هدد بالزوال (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ ) إذا فقد هددهم بالزوال، وبما هو أفظع من الزوال، وهو أن يرث مالك، ودارك، وأرضك، وعزك، وبستانك غيرك، إذا يذهبهم، ويهلكهم، ويأتي بأقوام آخرين، فيعيشون في هذه البساتين، وهذه الزروع، وهذه القصور والمباني، ويستمتعون بكل ذلك (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ ) ربنا لا تضره المعاصي، ولا تنفعه الطاعات، ربنا كان ولم يكن شيء (إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌۭ ) وصف الله، وتعريف بالله، والكلام عن الله، ولكن أين العقول؟ من يشأ الله يضلله، ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم، حفيظ‫: محافظ، حافظ، رقيب، محاسب، هو يحصي الأعمال، هو يحفظ كل شيء، هو رقيب على كل شيء، فلن يضيع إحسان محسن، ولن يُهدر إساءة مسيء، وانتهت موعظة هود، وانتهى تذكيره، وانتهى حلو كلامه، موعظة صدق، إخلاص، حب، حنان، خوف، إشفاق على أهله، ولم يقابل إلا بالجحود، والنكران، وسوء الأدب، والفظاعة، والفظاظة، والكبر، والعناد، والجحود، من هنا قال الله (عز وجل):
وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَنَجَّيْنَـٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ ﴿58﴾
جاء أمر الملك، حكم الحكم العدل، قضاؤه، وقراره (نَجَّيْنَا هُودًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَنَجَّيْنَـٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ ) وهذه الكلمة موجودة في سورة هود في جميع القصص تقريبا، رغم منزلة هود، رغم الرسالة، رغم أنه لم يفرّط، رغم أنه أدى واجبه، رغم أن الذين آمنوا معه تركوا قومهم، وتعرضوا للذل والصغار، وتعرضوا للعذاب والأذى والتكذيب، وآمنوا مصدقين مخلصين، لكن النجاة كانت برحمة الله، وليست بأعمالهم، إذ لن ينجي أحداً منكم عمله، كما ورد في الصحاح عن قول المصطفى (صلى الله عليه وسلم) (لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ " ، قَالُوا‫:‬ وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " وَلَا أَنَا ، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ) فالنجاة بالرحمة، وليس بالعمل، والنصر بالرحمة، والولاية والعناية، بالرحمة، والهداية، بالرحمة (وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ٨] فإياك أن تعتمد على عملك، أو تركن إليه، بل قال المرسلون (وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (١٩)) [سورة النمل آية‫:‬ ١٩]، (نَجَّيْنَا هُودًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَنَجَّيْنَـٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ ).‬
‫هل هذا التكرير أو العطف، عطف بيان، نجاهم برحمة من أي شيء؟ ونجيناهم من عذاب غليظ، يسمى عطف بيان، أي بيان للجملة السابقة، والعذاب الغليظ‫:‬ الريح (إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًۭا صَرْصَرًۭا فِى يَوْمِ نَحْسٍۢ مُّسْتَمِرٍّۢ ﴿١۹﴾ تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍۢ مُّنقَعِرٍۢ ﴿٢۰﴾) [سورة القمر آية‫:‬ ١٩ - ٢٠] وصفوا في هذا الريح أوصاف غريبة، تدخل من الأنوف، وتخرج من الأدبار، لكنها حين تدخل من الأنوف وتمشي في الجسد، وتخرج من الأدبار، وتخرج بالأعضاء، تخرج بالأمعاء، فيصبح الجسد خاويا كالبيت الفارغ، كأعجاز نخل خاوية، فهي كذلك عطف بيان، أو نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا، أي من عذاب الدنيا ونجيناهم أيضا من عذاب غليظ يوم القيامة، سوف يلقاه المكذبون لهود.
وَتِلْكَ عَادٌۭ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ ﴿59﴾ وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ عَادًۭا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّعَادٍۢ قَوْمِ هُودٍۢ ﴿60﴾
فقد كانوا قريبا منهم يمرون على ديارهم، ويعرفون هذه الديار (وَتِلْكَ عَادٌۭ ۖ ) أي ها هي آثارهم يا كفار مكة، واعتبروا، واتعظوا (جَحَدُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ) أنكروها، وكفروا بها (وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ) هل أُرسل إليهم رسل، أم أُرسل إليهم رسول، أُرسل إليهم هود ولكن يقول (وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ) وكأن عصيان هود، عصيان للرسل جميعا، عصيان لمن قبله، ولمن بعده، إذاً فقد كان كفرهم، وتكذبيهم يكفي لجميع الأمم المكذبة، لفظاعته، وتكذيبهم لكثرته، كأنه كان كافيا ليوزع على جميع الأمم المكذبة، التي كذّبت رسلها (وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ ) الجبار‫:‬ الطاغية الجبار‫:‬ المتكبر المستكبر، العنيد‫:‬ المعاند الذي لا يذعن للحق، ويتكبر على الحق، ولا ينصاع إليه، إذا فقد عصَوْا من دعاهم إلى النجاة، وأطاعوا من دعاهم إلى الهلاك، وإلى ما يرديهم، السادة الرؤساء، الملاك الأشراف، الأغنياء، أطاعوهم، وهم جبابرة (وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ ) سلّط الله لعنته عليهم، واللعنة‫:‬ الطرد من الرحمة، والإبعاد من رحمة الله أُتبعوا اللعنة، كأن لعنة الله لحقتهم، وبقيت معهم، وهي معهم في الدنيا، وفي القبر، ويوم القيامة (أَلَآ إِنَّ عَادًۭا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ ) (أَلَآ) كلمة تنبيه، كأن الله (تبارك وتعالى) يُعلن على الملأ، على الدنيا، على الكون كله، فظاعة هؤلاء القوم، وشناعة عملهم وتكذيبهم، هل بعد ذلك أمل في عاد في الدنيا، أو في الآخرة؟ القائل هو الله (أَلَآ) أي اسمعوا يا من تسمعون، واعقلوا يا من تعقلون، يا من أنتم أهل للخطاب، إن عاداً كفروا ربهم (أَلَآ) مرة أخرى (أَلَا بُعْدًۭا لِّعَادٍۢ قَوْمِ هُودٍۢ ) كلنا يعلم أن عاد قوم هود، وجاء في أول القصة (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا) فلِمَ كرر (أَلَآ) ولم كرر اسم عاد؟ واسمع (وَتِلْكَ عَادٌۭ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ ﴿٥۹﴾ وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ عَادًۭا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّعَادٍۢ قَوْمِ هُودٍۢ ﴿٦۰﴾) كرر اسم عاد ثلاث مرات وكرر (أَلَآ) مرتين للتنبيه على شناعة كفرهم، وعلى فظاعة أعمالهم، وعلى تهويل ما ينتظرهم في الآخرة من أجل هود (أَلَا بُعْدًۭا لِّعَادٍۢ قَوْمِ هُودٍۢ ) فنسبهم لهود؛ ليبين أن ما أصابهم، إنما أصابهم بسبب تكذيبهم لهود، فجاء بذكره تشريفا له، وتعظيما لقدره، بَعُدَ، يبعُد، بُعداً: ابتعد، بَعيدَ، يَبْعَد، بَعَداً: هلك (أَلَا بُعْدًۭا لِّعَادٍۢ قَوْمِ هُودٍۢ ).‬
‫سورة هود التي يقول فيها نبينا (صلى الله عليه وسلم) (شَيَّبَتْنِي هُودٌ) قصص، إعجاز، قرآن، نور، وبرهان، وقرآن يُتلى ها هي سورة هود تحكي لنا مزيداً من قصص الأنبياء مع أممهم، القصة الثالثة في هذه السورة قصة ثمود، أو هي عاد الثانية، كانت مساكنهم بالحِجْر بين الحجاز والشام، منّ الله (تبارك وتعالى) عليهم بجنات ونعيم، وزروع ومقام كريم، وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين، أرسل الله إليهم صالحا، نبي كريم، ورسول أمين، يعرفون نسبه، ويثقون من صدقه، بل ويأملون في سيادته عليهم، فقد كان عاقلا رشيداً ذا رأي، وحكمة، جاءهم صالح يدعوهم إلى عبادة الواحد القهار، يدعوهم إلى القوي الرزاق، الذي منّ عليهم بما هم فيه من نِعم، ألوان، وأصناف، كان يظن تصديقهم له، وإيمانهم به، وفوجئ بتكذيبهم له، بل وبتحديهم له، وسألوه معجزة تدل على صدقه، والمعجزات بيد الله، وليس للأنبياء أن يأتوا بسلطان إلا أن يشاء الله، ولجأ صالح إلى ربه يسأله آية طامعا في إيمان قومه، وسألهم أي آية تريدون، فنظروا إلى الجبال حولهم، واختاروا منها جبلا شديداً، وعراً، واختاروا من الجبل صخرة صماء صلبة، وقد كانوا ينحتون الجبال يصنعون منها البيوت في داخلها قوة، وشدة، فاختاروا صخرة عجزت الأيدي عن أن تنال منها شيئا، وأشاروا إليها وقالوا‫:‬ لن نؤمن لك حتى نرى هذه الصخرة تنشق، وتنفتح، وتخرج منها ناقة تمشي لها رغاء، ليس ذاك فقط، بل وتكون الناقة عشراء على وشك الولادة، ولجأ صالح إلى ربه، فاستجاب له، ووقفوا ينظرون إلى الصخرة، وإذا بالصخرة تنفلق، وتخرج منها الناقة عظيمة جميلة، رائعة عشراء تمشي، ولها رغاء، وحذرهم من أن يمسها أحد منهم بسوء، ولم يكلفهم رزقها، ولا طعامها فهي ناقة الله، جاءت بغير أسباب، بكلمة (كن) وطالما كان الأمر كذلك، فرزقها على الله، تشرب في يوم ما يشربه القوم، وتترك لهم الآبار يوما يشربون منها، هي يوم بمفردها، وهم جمعيا لهم يوم (قَالَ هَـٰذِهِۦ نَاقَةٌۭ لَّهَا شِرْبٌۭ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍۢ مَّعْلُومٍۢ (١٥٥)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ١٥٥] فهل آمن قوم صالح؟ هل استقاموا؟ هل صدقوا؟ هل خشعوا لله بعد ما رأوا الآيات؟ أبداً، من يهدي من أضله الله؟! من يفتح قلب من ختم الله عليه؟ واسمع وتأمل كيف يحكي لنا ربنا حكايتهم:
وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًۭا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌۭ مُّجِيبٌۭ ﴿61﴾
‫(وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًۭا ۚ )أخوهم في النسب، أخوهم في الإنسانية، هو بشر مثلهم، يتكلم بلسانهم، يعرفون من هو، يعرفون أباه، يعرفون أمه، يعرفون قبيلته، يعرفون نسبه، ليس شخصا غريبا، لا يعرفون من أين جاء، (قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ ) تلك كانت دعوته، وهي دعوة الرسل جميعا، لا يدعون إلى أنفسهم، ولا إلى حزبهم، ولا إلى ملكهم، ولا إلى سلطانهم، ولا إلى جمع المال، وإنما يدعون إلى الله، وهم وسطاء الله، ذروا عبادة الأصنام، والأوثان التي لا تنفع، ولا تضر (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) الدليل على وجود الواحد الأحد، هو يدعوهم إلى الواحد الأحد، الدليل على صدق دعوته (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ) من أين جئتم؟ كيف وُجدتم؟ كيف ولدتم؟ أنشأكم من الأرض، واستعمركم فيها، أمركم بعمارتها، جعلكم عمّارها، وسكانها، وتشير أيضا إلى العمرة، أي أتاح لكم الانتفاع بها مدة عمركم، ويرث الله ما على الأرض، وما فيها، ويورثها غيركم، أعمركم فيها، والسين والتاء في دخولها على الفعل قد تفيد معان متعددة‫: تفيد طلب الفتح، فتح استفتح : طلب الفتح، وتفيد الفعل، قر، واستقر، استفعل أي فعل، وتفيد معنى وجود الشيء، ومصادفته، استحسنه وجده حسنا، هنا أعمركم، واستعمركم بمعنى واحد، كقرّ واستقر (فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ ) استغفروه من عبادة الأصنام، والأوثان، وتوبوا إليه بالرجوع إلى عبادته، وتوحيده، استغفروه مما مضى، وتوبوا إليه فيما هو آت، استغفروه من الصغائر، وتوبوا إليه من الكبائر، استغفروه من الجهل الذي كنتم فيه، وتوبوا إليه بالرجوع والإنابة (إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌۭ مُّجِيبٌۭ) نعم القريب، المجيب، المؤْمِنْ لكل من ارتاع، وخاف، المحب لمن دعاه بإلحاح، وإلحاف، قريب يسمعكم، ويرى أعمالكم، ويجيب دعاءكم، تلك كانت دعوته في إيجاز في النظم، وفخامة في اللفظ، وعمق في المعنى، ماذا كان ردهم؟
قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّۭا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ ﴿62﴾
‫(قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّۭا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ )إذاً فقد كانوا يقدرونه، ويحترمونه ويتوقعون له السيادة، والشرف (قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّۭا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ ) وتلك شهادة منهم لم يتهموه بالكذب من قبل، لم يتهموه بالزور، لم يتهموه بمحاولة التغلب، أو التسيّد، أو التعاظم، أو التفاخر عليهم، هل هم يشهدون له أن الكل كان يرجوا فيه، ويرجوه، ويتوقع له ويأمل ويتمنى أن يكون سيّدهم، ها هي السيادة جاءت من الله، خاب رجاؤهم فيه بسبب دعوته لهم إلى الحق، خاب رجاؤهم لا لأنه كذب، أو لأنه ادعى ما ليس له، أو لأنه طلب ما لا ينبغي، وإنما خاب رجاؤهم فيه؛ لأنه دعاهم دعوة الحق (أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا) استفهام معناه الإنكار، ينكرون عليه ذلك من آباؤكم؟ بشر مثلكم يجوز عليهم الخطأ، من أين أتى آباؤكم بهذه العبادة؟ (وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ ) وها هم يرتابون فيه، وفي دعوته، والشك‫: الاتهام، والريبة، مما تدعونا إليه، أي من العبادة لله، من التوحيد، ليس شكاً فقط بل شك مريب، وانظر إلى الحلْم وحكمة النبوة، واسمع إلى حكمة الأنبياء، واسمع لحلْم الرسل الذي رزقهم الله إياه‫.
قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةًۭ فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍۢ ﴿63﴾
‫(قَالَ يَـٰقَوْمِ)لم يتبرأ منهم بعد، يا أهلي، يا ناسي، يا عشيرتي (أَرَءَيْتُمْ) أي أخبروني، والرؤية‫: رؤية علمية، أو رؤية بصرية (أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى) دليل، برهان، حق، نور واضح، ساطع، متيقّن، مصدّق، مؤمن، واثق (وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةًۭ) ما هي الرحمة التي يشير إليها؟ النبوة، الرسالة، أليست الرسالة رحمة للخلّق؟ بلي، أليس الرسول نعمة؟ بلى، (وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةًۭ) أي النبوة التي فيها رحمة لكم، رحمة من الله ولو شاء لأخذكم، ولو شاء لعذبكم، ولو شاء ما أنذركم، ولا حذركم، ولا أعلمكم (فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ ۖ ) سؤال، واستفهام فيه معنى النفي، الاستفهام الأول معناه الإنكار، استفهامهم (أَتَنْهَىٰنَآ) أما استفهامه فمعناه النفي (فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ ۖ ) أي لا أحد، من ينصرني من الله إن عصيته واتبعت ما تريدون منِي أن أتَّبع أو عبدت ما تعبدون؟ استفهام لكن معناه النفي (فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍۢ ) خسران، وضلال أي تزيدونني خسران بطاعتكم أو إن كففت عن دعوتكم، وهم الخاسرون، وليس هو (عليه السلام)؛ ولذا قال بعض المفسرين‫: (فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍۢ ) أي غير تخسير لكم، أي اعتقادي بأنكم خاسرون لا محالة، شديدو الخسران؛ إذ هم الخاسرون وليس هو‫.
وَيَـٰقَوْمِ هَـٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةًۭ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍۢ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌۭ قَرِيبٌۭ ﴿64﴾ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍۢ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍۢ ﴿65﴾
‫(وَيَـٰقَوْمِ) النداء مرة أخرى، والنداء إذا تكرر يشعرك بالاهتمام، كما يشعرك بالحنان، نفس النداء مرة أخرى يستدر اهتمامهم، ويستدر انتباههم، (هَـٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ) ونسبها إلى الله تشريفا للناقة؛ لأنها جاءت بغير أسباب معتادة (لَكُمْ ءَايَةًۭ) وهل بعد ذلك من آية! معجزة واضحة (فَذَرُوهَا) فاتركوها (تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ) إذاً لم يكلفهم رزقها، ولم يطلب منهم علفاً لها، ولم يطلب منهم مالاً لإطعامها، رزقها على خالقها، وأوجدها بغير أسباب (وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍۢ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌۭ قَرِيبٌۭ ) إن حدث المس، حدث العذاب دون إمهال، قريب‫:‬ قريب منكم عاجل‫.‬‬
‫(فَعَقَرُوهَا) جرأة، كِبر، تجبّر، فسق، فجور، ماذا نسميه؟ ماذا نطلق عليه؟ والغريب أن الله يقول (فَعَقَرُوهَا) والعاقر واحد (إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشْقَىٰهَا (١٢)) [سورة الشمس آية‫:‬ ١٢].‬
‫هل اشترك الجميع في عقرها؟ هل اجتمع الآلاف وأوثقوها؟ أبدا، المتآمرون تسعة لقوله في موضع آخر (وَكَانَ فِى ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍۢ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴿٤۸﴾ قَالُوا۟ تَقَاسَمُوا۟ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِۦ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِۦ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ﴿٤۹﴾) [سورة النمل آية‫:‬ ٤٨ - ٤٩] المتآمرون تسعة، والعاقر واحد، لكن الله يقول فعقروها، وانتبه فمن رضي بالمعصية كان كمن فعلها، فنسب الله العقر إلى الجميع؛ لأنهم راضون بذلك، من لم يشهد المعصية وسمع بها فرضي عنها إثمه إثم من فعلها، ومن شهد المعصية بعينه ولم يرض عنها، كان كمن لم يشهدها، وذاك المعنى الذي ساقه لنا حديث من أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واحذر، وانتبه، أنحن واقعون في ذلك، أنتم أيها المصلون، هل سألت نفسك هذا السؤال، نعم قد نقع في ذلك دون علم منا أو دون شعور، فمن لم يعترض منا في نفسه على الأقل على ما نراه من لهو، ولغو، ولعب، وإسفاف، وسفاهة، وتفاهة في وسائل الإعلام من رقص، ولعب، هذا الاستقبال لأكرم شهر على الله، ولأفضل شهر أوجده الله شهر القرآن، الليالي الرمضانية كما يقولون والبرامج التي تستمر حتى الفجر، المسلسلات، والمهزلات، والمهازل والرقص الخليع، والسفور، والزينة، والتبرج، هل جلست أمام هذه الأشياء ورضيت بها، إن كان ذلك كذلك فأنت كمن فعلها سواء بسواء، هل رأيت التغني بالفواسق هل رأيت ذلك وتسليت به وجلست مع أسرتك تشاهد سعيدا بذلك فقمت فنمت نوما هنيئا، فأنت كمن رقص على المسرح وأنت كمن تعرت تماما شريك لها في الإثم، ما تراه من منكر، ينكره الشرع، أنكره بقلبك وقل (اللهم إن هذا منكرا لا يرضيك) إن فعلت ذلك برئت، الإنكار بالقلب يبرؤك من الاشتراك في الاتهام والمشاركة في الإثم‫.‬‬
‫(فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍۢ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍۢ ) إذاً فقد نسب الله العقر إلى الجميع، وأثم الجميع، وحقت العقوبة على الجميع، العاقر والمشارك، والراضي بالعقر (تَمَتَّعُوا۟) جميعا (دَارِكُمْ) أي في بيوتكم أو في بلدكم (ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍۢ ۖ ) الخميس، والجمعة، والسبت، ونزل العذاب يوم الأحد (ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍۢ ) أي صدق، وحق، فالمتوعد قهار، جبار، المتوعد قادر، المتوعد محيط، المتوعد صادق في وعده، ووعيده، استهزؤوا به، وخرج وتركهم، وخرج المؤمنون معه، شيعوهم باللعنات، فرحين بمفارقتهم لهم، وأصبحوا وقد اصفرت ألوانهم، وباتوا ليلتهم، وأصبحوا وقد احمرت ألوانهم، وباتوا وأصبحوا وقد اسودت ألوانهم، وجاء اليوم الرابع، وما أدراك ما اليوم الرابع، وفوجئ قوم صالح بالأخذة، إن أخذ ربك أليم شديد، فوجؤوا بزلزلة، وقد كانت البداية الرجفة كما أشار إليها في سورة الأعراف (فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ (٧٨)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٧٨]، وهنا أشار إلى شيء آخر - الصيحة - الزلزلة في البداية، أثارت فيهم الرعب والفزع، وأرضهم فيها الجبال، مما يزيد الخوف، والهلع، جبال ليست منبسطة، والوديان فيها الجنان، الوديان جنات، وزروع، ونخيل، والجبال فيها البيوت بدأت الزلزلة، ثم جاءت الصيحة، هل سمعت صوت الرعد في يوم مظلم؟ هل أُصبت بالخوف ولو قليلا؟ هل سمعت زئير الأسد في مكان أنت فيه، وليس فيه ملتجأ تسير آمنا، وإذا بك تسمع زئير الأسد هل تخيلت لو أنت سائر في مكان مظلم، وفجأة سمعت فحيح الحية، أو سمعت جرس العقرب، أسمعت نباح الكلاب الشرسة، كل صوت في هذه الدنيا يؤذيك، أو يخيفك، أو يرعبك، أو يؤلمك خلقه الله، هو الذي خلق نهيق الحمار وقال‫:‬ (إسِنَّ أَنكَرَ ٱلْأَصْوَٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ (١٩)) [سورة لقمان آية‫:‬ ١٩] هذه الأصوات المرعبة في هذه الدنيا الخالق لها هو الله، جُمعت هذه الأصوات جميعها في صيحة واحدة، تُرى كيف كانت هذه الصيحة؟ لكي تعرف هذه الصيحة، استمع إلى أثر الصيحة.
فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ ﴿66﴾ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ ﴿67﴾ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّثَمُودَ ﴿68﴾
صيحة واحدة، من الذي صاح هذه الصيحة؟ قيل في كتب التفسير هو جبريل، تُرى أهو جبريل، أم ملك خاص، أم هو صوت خلقه الله خصيصا لهم‫.‬‬
‫(فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا) أي قضاؤنا، وقرارنا بإهلاكهم، أمرنا النافذ لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، جاء القضاء والقدر (نَجَّيْنَا صَـٰلِحًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا) ليس بإيمانهم، ولا بأعمالهم، ولا بمنزلة النبوة، ولا بدرجة الرسالة، وانظر في السورة جميعها، وذكر الرحمة التي أنجى الله بها رسله، والذين آمنوا، نوح نجّاه الله برحمة، هود نجاه الله برحمة، صالح نجاه الله برحمة، رحمة الله أين هي؟ كيف الوصول إليها؟ كيف الفوز بها؟ هو أخبرنا قائلا (إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ (٥٦)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٥٦].‬
‫( وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ ) الخزي‫:‬ العار، الفضيحة، الهوان (وَمِنْ) واو العطف هل هي زائدة للتأكيد، والمعنى نجيناهم برحمة منا من خزي يومئذ، أم أن العذاب شيء، والخزي شيء آخر؟ ذاك أوقع، وذاك أشبه، وذاك أقرب إلى الصواب (فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ ) من هذا العذاب (وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ ) وقرأت (ومن خزي يومَئذ) بالفتح، أيضا أرأيتم ثمود؟ أتعرفون ثمود؟ هل عاشرتموهم؟ هل رأيتموهم؟ منذ متى كانوا؟ من كم قرن زالوا؟ وها أنتم تسمعون قصتهم تُتلى على مر الأجيال، يلعنهم اللاعنون، أي فضيحة بعد ذلك؟! أي خزي بعد ذلك؟! أي هوان أن تكون سيرتهم على اللسان مذمومة، وأن تكون شخوصهم ملعونة، ولكي تعرف الفرق وتتأمل، إذا ذُكر إبراهيم (عليه السلام) ما هو الشعور؟ ما هو الإحساس، أي توقير، وأي احترام، وأي تعزير لأبي الأنبياء، حتى اليهود الذين كفروا بجميع الأنبياء، وقتلوا الأنبياء، يزعمون إن إبراهيم كان يهوديا، يحاولون الانتساب إليه، وطلب الشرف بزعمهم إن إبراهيم كان يهوديا، حتى النصارى كذلك، فيرد الله (تبارك وتعالى) عليهم (مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّۭا وَلَا نَصْرَانِيًّۭا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًۭا مُّسْلِمًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (٦٧)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٦٧] ذكر طيب، وعز، وجاه، وبضدها تميز الأشياء، وضربنا لكم المثال، لكي تعرف ما هو الخزي الذي أصاب ثمود، عار، فضيحة، ذاك في الدنيا، نلعنهم دون أن نعرفهم، فكيف بخزي يوم القيامة! وقد ظهروا على الملأ، ورآهم الخلائق، وبُعثوا مسودة وجوههم، يحملون أوزارهم على ظهورهم؛ لذا يشير الله (تبارك وتعالى) إلى إنجائه للمؤمنين بقوله‫:‬ (فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ) القوي في بطشه، العزيز في ملكه، يغلب، ولا يُغلب، القاهر فوق عباده، يفعل ما يريد (وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ) وفي مواضع أخرى (أخذت) أخذ‫:‬ مذكّر؛ إذ الصيحة بمعنى الصياح، أي أخذهم الصياح، وأخذت مؤنثة الصيحة (فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ) الجثوم للإنسان، والطير، كالبروك للبعير، تقول بَرَكَ البعير، أي وضع البرْك على الأرض، والبرْك‫:‬ صدر البعير، وإذا برك البعير، ثبت في مكانه ولم يتحرك، ومنها البركة لثبوت الخير، ونمائه، ومنها البرْكة لثبوت الماء فيها، جَثَم، يجثم، جثماً، وجثوماً: وضع صدره على الأرض وانبطح، ولا حركة به‫.‬‬
‫(وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ) أي مُلقى كل واحد منهم على وجهه، منبطح على صدره، وكأنه باركٌ على الركب، والصدر ملتصق بالأرض لا حراك فيه (كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّثَمُودَ ) كأن لم يعمروها أصلا، ويقال في مثل هذه الأحوال أصبحوا أثراً بعد عين، أي بعد أن عاينتهم الأعين، أصبح لهم آثار كآثار الفراعنة، أما هؤلاء كأن لم يغنوا فيها، أي كأن لم يعمروها أصلا، وقد قال في أول القصة حين دعاهم صالح (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) ها هو يقول بعد ذلك (كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ ) ويأتي التنبيه بألا التنبيهية أي انتبهوا أيها السامعون، واسمع أيها الزمان، واستمعي أيتها الأكوان (أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ ) تكررت (أَلَآ) هنا للتنبيه والاعتبار، والتذكير، والإعلان، والفضيحة، وبيان السبب، وما ربك بظلام للعبيد، لِمَ حدث لهم ذلك؟ ولم أُهلكوا بالصيحة؟ (أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّثَمُودَ) ذاك هو السبب (أَلَا بُعْدًۭا لِّثَمُودَ) أبعدهم الله من رحمته، تأتينا الآيات من سورة هود بالقصة الرابعة، قصة إبراهيم مع رسل الله، تمهيد للقصة الخامسة، ألآ وهي قصة لوط مع قومه، يقول عز من قائل:
وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا ۖ قَالَ سَلَـٰمٌۭ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍۢ ﴿69﴾ فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةًۭ ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍۢ ﴿70﴾
رسل الله من الملائكة، قيل في عددهم الكثير ثلاثة، تسعة هم جبريل ميكائيل، إسرافيل، قيل هم رسل الله كيفما كان العدد، وكيفما كانوا، من هم؟ هم في طريقهم إلى لوط، مروا على إبراهيم، تُرى لماذا؟ ولِمَ لمْ يرسل الله (تبارك وتعالى) رسلا إلى إبراهيم بالبشرى، ويرسل رسلا إلى قوم لوط بالعذاب؟ لِمَ همْ هنا بالبشرى، وهناك بالعذاب، هو النافع، وهو الضار (وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ ) [سورة الفتح آية‫:‬ ٧] (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ ) [سورة المدثر آية‫:‬ ٣١].‬
‫جاءت رسل الله إلى إبراهيم بالبشرى، أهي البشرى بالولد فقط؟ خاصة أن إبراهيم قد تزوج من سارة، ولم ينجب منها، وظل على ذلك سنين، ثم منحه الله هاجر، فأنجب منها إسماعيل، مما جعل سارة تلجأ إلى الله داعية طالبة راجية، ومر الزمان، وكبرت في السن، وعجزت، ويئست، ولا يأس من روح الله، وجاءت الرسل إلى إبراهيم بالبشرى بالولد، ليس ذلك فقط، بل بنبي من صلبه، بل وبشرته بولد للولد، بشرته بنبي من نبي من صلبه (وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا ۖ ) تحتمل سلمنا عليك سلاماً، سلِمت سلاماً، هو سلام، وهو دعاء، أو قالوا له‫:‬ سلاما، معنى القول، وليس اللفظ، أي قالوا له‫:‬ خيراً، قولا طيبا كما جاء في قوله (عز وجل) (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا) أي قولا طيبا (قَالَ سَلَـٰمٌۭ ۖ ) أي وعليكم سلام، أو أمركم سلام، وتحيته أفضل من تحيتهم (قَالَ سَلَـٰمٌۭ ۖ ) جملة اسمية، وهم جملتهم فعلية، والجملة الاسمية أرقى من الجملة الفعلية؛ لأنها تفيد الثبات والدوام، فكانت كلمته أفضل مصداقا لقول الله (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ ) [سورة النساء آية‫:‬ ٨٦] (فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍۢ) (أَن) بمعنى (حتى) فما لبث حتى جاء، أي ما تأخر بل بسرعة عجل حنيذ، أي محنوذ، وهو المشوي على الحجارة دون أن تمسه النار، أو الحنيذ الذي يقطر ودكه، سمنه لقوله في موضوع آخر (بِعِجْلٍۢ سَمِينٍۢ (٢٦)) [سورة الذاريات آية‫:‬ ٢٦] (فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ) لم يمدوا أيديهم إلى الطعام، ولم يأكلوا، نَكِرَه، وأنكره، واستنكره‫:‬ نَفَر منه؛ لأنه وجده على غير ما يعهد، فإذا وجدت الشيء على غير ما تعهد، نفرت منه، فيقال نَكِرَه، وإن كان نَكِرَه نُستخدم فيما يرى بالعين، وأنكر فيما يُنكر بالقلب (فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةًۭ ۚ ) الوجس‫:‬ الصوت الخفي‫.‬‬
‫الإيجاس وجوده في النفس، أوجس‫:‬ أضمر، وكأن الصوت بداخله صوت يحذره، أو صوت يخفيه، أوجس منهم خيفة‫:‬ خاف، حين رأوا خوفه، وظهر على وجهه أمارات الفزع (قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍۢ ) فعلم إبراهيم أنهم رسل الله جاؤوا على هيئة البشر، جاؤوه في صورة الفتيان، صبيحة وجوهم، معتدلوا القوام، فظنهم من الناس، وحين لم يمدوا أيديهم إلى الطعام خاف‫.‬‬
‫والآية بها بعض اللفتات أولا‫:‬ إكرام الضيف من مكارم الأخلاق، ومن خلق النبيين، وقال نبينا (صلى الله عليه وسلم) (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) وإكرام الضيف بالموجود، وإكرام الضيف بتعجيل القِرىَ، إذاً فلا تدع الضيف ينتظر، بل قدِم ما هو موجود فوراً، وإن أردت المزيد فبعد ذلك، وعلى الضيف أن يمد يده فوراً، ويأكل، أو يشرب ما قُدم إليه، فيُسر صاحب البيت، ويأمن، أما أن يكف الضيف يده، فتلك علامة على أنه جاء يريد شراً، وهكذا كانت عادة الناس من لدن إبراهيم، وإلى يومنا هذا.
وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌۭ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ ﴿71﴾ قَالَتْ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌۭ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌۭ ﴿72﴾ قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌۭ مَّجِيدٌۭ ﴿73﴾
‫( وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌۭ) أي قائمة على خدمة الأضياف، إذاً فيصح للرجل أن يكلف امرأته بخدمة ضيوفه، وبذا وردت الآية، وبذا وردت السنّة، فقد ذهب النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى أحد أصحابه في عرسه، وكانت امرأة الصحابي خادمة النبي (صلى الله عليه وسلم) تقدم له الطعام، وقال بعض المفسرين‫:‬ قائمة خلف سِتر، وقال بعضهم‫:‬ قائمة تخدم الأضياف، وقال بعضهم‫:‬ قائمة تصلي، فكيف تضحك وهي تصلي؟ وكيف تقف خلف ستر، ولماذا؟ أتتجسس عليه؟ أقرب الأقوال أنها كانت قائمة لخدمتهم؛ لذا حدث الحوار بينها وبين الملائكة، ولو كانت خلف ستر، كيف كان يحدث الحوار أمن وراء حجاب، الله أعلم بما حدث (وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌۭ فَضَحِكَتْ) ضحكت، قالوا‫:‬ حاضت إذ يطلق اللفظ على الحيض، حاضت علامة على البشارة الآتية، فهي قد يئست من المحيض، وقيل‫:‬ بل ضحكت، الضحك المعروف، ضحكت ضحكا، والضحكة المرة من الضحك، لِمَ ضحكت؟ قيل‫:‬ ضحكت لزوال أهل الفساد، بنزول ملائكة العذاب، فقد كان لوط ابن عم إبراهيم، وقيل‫:‬ بل ضحكت حين رأت إبراهيم، قد زال عنه الروع، واطمأنت، فهي قائمة، وحين رأت الأيدي لا تصل إلى الطعام، وأوجس إبراهيم في نفسه خيفة، خافت من أجل بعلها، وخافت هي الأخرى، فحين سمعت (إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍۢ ) ضحكت سروراً بزوال الخوف عن إبراهيم وعنها، وذاك أقرب الأقوال (فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ ) والبشرى لسارة؛ لأن الولد منها، ولو بُشر إبراهيم بهذا الكلام لاحتمل أن يكون الولد من هاجر؛ لذا وُجه الكلام لها، ووُجهت البشرى لها إسحق نبيناً، ومن وراء إسحق يعقوب نبي، والآية تدل دلالة قاطعة على أن الذبيح إسماعيل، فهناك خلاف بين العلماء من الذبيح الذي تلّه إبراهيم للجبين، الذي فداه الله بذبح عظيم، أهو إسماعيل، أم هو إسحق؟ خلاف، والآية تحسم الخلاف، وتدل على أن الذبيح إسماعيل وليس إسحق لِمَ؟ بُشرت بإسحق، وبشرت بأن إسحق يعيش، ويتزوج، وينجب يعقوب، وتراه بعينها، فكيف يكون هو الذبيح (قَالَتْ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌۭ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ ) (يَـٰوَيْلَتَىٰٓ): الأصل في الكلمة الدعاء بالويل والهلاك، لكنها لا تقصد الهلاك، هي كلمة جرت على لسان النساء حال التعجب من أمرٍ شديد، هل التعجب هنا من قدرة الله؟ يستحيل، تلك شابت في بيت النبوة، تلك زوجة الخليل إبراهيم، عاشت معه حتى بلغت من العمر التسعين، تسمع الوحي، وترى الملائكة، أتتعجب من أمر الله، أو من قدرة الله، إذاً ففيما العجب؟ العجب من مخالفة الأمر للعادة، العادة ألا ينجب الشيخ الكبير، ولا المرأة العجوز؛ لذا قالت‫:‬ (ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌۭ) كناية عن يأسها من المحيض، والعجوز لا تحيض، وطالما لا تحيض، فلا يمكن أن تلد (وَهَـٰذَا بَعْلِى) البعل‫:‬ الزوج، وأصل الكلمة‫:‬ القائم على الشيء (وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ ) كبيرا، كناية عن أنه لا يغشاها، والشيخ لا يأتي النساء، يعجز عن ذلك، فهي كناية تعبير، مهذب عن الوطء، إذا فالعجب كان من العادة، العادة أن يكون الزوج شاباً قويا، يأتي النساء، وأن تكون المرأة ممن يحضن، فحين تيأس المرأة من المحيض، ويشيخ الرجل، ولا يأتي النساء، فكيف يكون؟ من هنا كان العجب، وليس العجب من قدرة الله (قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ ) لفتوا النظر إلى أن الأمر، أمر قدرة، وليس أمر عادة، وقدرة الله فوق كل سؤال، فوق كل نقاش (رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌۭ مَّجِيدٌۭ ) الآية تحتمل الدعاء، وتحتمل الخبر، فهي دعاء بالرحمة، والبركة لآل البيت، والزوجة من آل البيت، دعاء، ورجاء لأمر لم يتحصل بعد، أما إن كان الكلام خبراً، فالأمر قد حصل، وتحصلت الرحمة، والبركة، يخبرونها بأن رحمة الله حلّت وأحاطت بهم، والبركة نزلت، والبركة‫:‬ ثبوت الخير، ونماؤه (إِنَّهُۥ حَمِيدٌۭ مَّجِيدٌۭ ) : الحميد‫:‬ الله، الحميد‫:‬ المحمود، الحميد‫:‬ المستحق للحمد، المستوجب له، الحميد‫:‬ المحمود الذي حمد نفسه من الأزل، المجيد‫:‬ مجُد، بمجُد، مجْداً، المجد‫:‬ الشرف، المجيد‫:‬ الشريف ذاته، الجميل فعاله، الجزيل عطاؤه، ونواله، مجده‫:‬ عظّمه، المجيد‫:‬ المعظّم في كل شيء، المقدس في كل شيء، شريف ذاته، جميلة فعاله جزيلة، وكريمة، وكثيرة عطاياه.
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ ﴿74﴾ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌۭ مُّنِيبٌۭ ﴿75﴾
‫(فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ) (ٱلرَّوْعُ): الخوف، دعاه، وروّعه‫:‬ خوفه، ذهب عنه الروع‫:‬ انصرف عنه الخوف، والفزع لمعرفته أنهم ليسوا من البشر، هم رسل الله، جاؤوا لمهمة تخص قوم لوط، ومروا عليه بالشارة (وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ) هل جادل إبراهيم ربه، أم جادل رسل الله؟ جادل رسل الله، جادل الملائكة الذين يبشرونه بالبشرى، والذين أخبروه أنهم أُرسلوا إلى قوم لوط، لكن الله أضافه لنفسه، لأنهم نزلوا بأمره، وأرسلوا بقضائه، وقدره فكأن الجدال معهم، جدال معه، ما هو الجدال الذي حدث؟ إبراهيم أبو الأنبياء، خليل الرحمن، الرحمة السابغة، ورقة القلب المتناهية، سألهم أتدمرون قوم لوط، ولو كان فيهم مائة من المسلمين فقط؟ قالوا‫:‬ لا، قال فإن كان فيهم خمسين؟ قالوا‫:‬ لا وأخذ يتناقص بالعدد، قال‫:‬ فإن كان فيهم مسلما واحدا أتدمرونهم؟ قالوا‫:‬ لا، قال‫:‬ إن فيها لوطا، هنا قالوا (قَالُوا۟ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا ۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ (٣٢)) [سورة العنكبوت آية‫:‬ ٣٢] في موضع آخر نشير إليه حتى نعلم ونفهم معنى (يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ) رحمة، رأفة، يريد تأجيل العذاب، يريد تأخير المؤاخذة، والعقاب؛ ولذا لكي نفهم ذاك خُتمت الآية بوصف إبراهيم، وكأنه علة للجدال (إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌۭ مُّنِيبٌۭ ) وصف من الله العالم بذوات الصدور، وصف من القادر، من الملك، أي وصف هذا! وأي عظمة! وأي شرف! وأي مجد ناله إبراهيم! بالثناء عليه من رب العزة؛ لذا لم يُعاتب في الجدال؛ لأن الباعث على الجدال شدة رأفته، ورحمته بالناس (إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌۭ مُّنِيبٌۭ ) : الحليم، لا يعاجل بالعقوبة، يصفح عن الذنب، لا يعاجل بالانتقام ممن ظلمه، أو أساء إليه، فهو حليم، من هنا بحلمه سأل الله، الأوَاه‫:‬ الخاشع، القانت‫.‬ الأواه‫:‬ المتأوّه، كلما ذكر ذنوبه، الأواه‫:‬ المتحسّر على الخلائق في معصيتهم، فكان إبراهيم كثير التأسف تأوّها على هؤلاء الذين لم يؤمنوا بلوط (مُّنِيبٌۭ ) رجّاع إلى الله، أناب‫:‬ رجع‫.
يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍۢ ﴿76﴾
‫(يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ) المنادي الملائكة، والآية على التقدير أو حكاية عن القول أي قالوا له ونادوا (أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ۖ ) أي انته عن جدالك، وابتعد عن الجدال، والسؤال، والمحاورة في شأنهم (إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ ) قضاء الله مبرم، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، جاء أمر ربك بعذابهم، وإهلاكهم (وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍۢ ) غير مصروف برجاء، ولا بدعاء، دعوت، أو رجوت، أو جادلت، انتهى، وجاء أمر ربك، وكذلك انتهى إبراهيم عن الجدال، وانتهى اللقاء، وانصرف رسل الله (عز وجل) إلى حيث أُمروا، حيث تبدأ القصة الخامسة من قصص سورة هود - قوم لوط - قوم لوط قوم ابتدعوا فاحشة، ما ارتكبها أحد من قبلهم، هم الذين سنّوها، وابتدعوها، وعليهم وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، إذ لم يسبقهم إليها أحد من العالمين، لوط لم يكن منهم، لم يكن ذا نسب فيهم، كما جاء في كتب التفسير تحكي الآيات‫.
وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًۭا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًۭا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌۭ ﴿77﴾
ابتلاء، وقد كان الله قادراً على أن تنزل الملائكة على إبراهيم في صورة الملائكة، ويراها، أو بمجرد ظهورهم يخبرونه بدلاً من أن يذهب، ويذبح العجل، ويسلخ العجل، ويشوي العجل، ويقدم العجل، ويخاف، ويرتعد، ثم بعد ذلك يقولون (إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍۢ ) تُرى لماذا هم، هم نفس الرسل بالبشرى، وبالعذاب، ولِمَ لمْ يطمئنوا إبراهيم من أول لحظة؟ ألكي يأتي الفرح بعد الخوف، فيكون السرور أعظم، يعلم الله نفس ما حدث مع إبراهيم، حدث مع لوط، جاءت الملائكة في صورة فتيان جملية وجوههم؛ لذا حين رآهم حزن حزنا شديداً، وساءه حضورهم، وضاق صدره، ولم يجد منفذا ينفذ منه، فهو العالم بأمر قومه، وهذا الشباب لم تر عينه مثل جمالهم أبداً (وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًۭا سِىٓءَ بِهِمْ) ساء فعل لازم، ومتعد، ساء بالأمر، وساءه الأمر، ساءه، يسوؤه (وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًۭا) أصل الكلمة من الذراع، والبعير إذا سار ماد خطوة، أي الخطوة واسعة بين ذراعيه، يقال‫:‬ ذَرَعَ البعير يذرع، فإذا حُمل البعير بما لا يطيق فوق الوسع، والطاقة، مد عنقه، وضاق ذرعه، ضاقت الخطوة، فيقال ضاق ذرعه، استخدمت الكلمة بعد ذلك في كل ما يضيق عنه الوسع، وتضيق عنه الطاقة (ذَرْعًۭا) هنا تمييز محول عن الفاعل (وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًۭا) أي ضاق بأمرهم ذرعه (وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌۭ ) شديد، فظيع، من العصب‫:‬ الشد، عصب الشيء‫:‬ شده‫.‬ عصب رأسه‫:‬ شدها بلفافة، أو قماش، ومنه العصابة، والعصبة لاجتماعهم على أمر واحد (يَوْمٌ عَصِيبٌۭ ) كأن اليوم لشدة الشر فيه الذي يراه هو قد عُصب بالشر، والبلاء، نقول هذا ونتأمل في الكلمات، وأصل الكلمات لنبين كيف كان حال لوط حين رأي الرسل؟ كيف كان الضيق؟ كيف اسودت الدنيا في وجهه؟ كيف حزن وخاف نبي كريم؟ الواجب إكرام الضيف، كما فعل إبراهيم جاء بعجل، هذا لوط ابن عمه نبي من الأنبياء، ماذا ينتظر الأضياف في نظره إكرام، أم إهانة؟ ماذا ينتظرهم في نظره من قوم لم يسبقهم في إجرامهم أحد، من هنا تعبر الآية تعبيرا غاية في الدقة، وحدث ما كان يتوقعه، فقد انصرفت امراته الكافرة، وخانته، وأسرعت إلى قومها تبشرهم بالأضياف، تدعوهم إلى الفاحشة، وتخون زوجها؛ لذا قال الله عنها، وعن امرأة نوح (فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا وَقِيلَ ٱدْخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ (١٠)) [سورة التحريم آية‫:‬ ١٠]، أي خانتاهما في الرسالة، أسرعت إلى قومها، فأخبرتهم، فجاؤوا مسرعين.
وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌۭ ﴿78﴾
الإهراع‫:‬ الإسراع مع رعدة في الجسم من غضب، أو من برد، أو من حمى، وكأنه أهرعه غيره، أو أهرعه حرصه على حياته، أو حرصه على شيء (هُرع) مبني على ما لم يُسمَّ فاعله، استخدم الكلمة هكذا هُرع، وأهرع، إهراعا (وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) وكأن واقفا يدفعهم، مسرعين، مؤملين نفوسهم، خافوا انصراف الأضياف قبل أن يدركوهم، أو يلحقوا بهم، لذا جاء التعبير (يُهْرَعُونَ) (إوَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ) أي من قبل إرسال لوط إليهم، وكأن لوط أُرسل إليهم لينهاهم عن هذه الفاحشة المبتكرة، المستحدثة، وانظر إلى حلم الحليم، كيف لم يعاجلهم بالعقوبة؟ وكيف أرسل رسولا ينهاهم (قَالَ يَـٰقَوْمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌۭ ) سؤال توبيخي، لم يكن للوط ولد، وكان له بنات اثنتان أو ثلاث، يعلم الله، مختلف في العدد، هل يدعوهم إلى بناته؟ يفدي أضيافه بناته؟ يستحيل أن يدعوهم إلى فاحشة، إذاً فقد دعاهم إلى الزواج ببناته، وكان يرفض من قبل لسوء أخلاقهم، وتمردهم عن الفواحش، فها هو يضحي بتزويج بناته من الفسقة، حماية لأضيافه، أم الإشارة إلى بنات القوم، وكل نبي أب لأمته، (ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَـٰتُهُمْ ۗ ) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٦] فهو يدعوهم إلى بنات الأمة (هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ ) (أَطْهَرُ) أفعل تفضيل؟ يستحيل؛ لأن لو الزواج بالبنات أطهر من إتيان الرجال، فإتيان الرجال يكون طاهراً إذاً (أَطْهَرُ) ليست على بابها، وإنما هي كقولك (الله أكبر) هل كابر الله أحد حتى يكابره، هو أكبر ليس لأنه أكبر من غيره، فهو الأكبر وأعلى كذلك، وكلمة أجل الألف ليست ألف أفعل التفضيل مثل‫:‬ فلان أشجع من فلان، معناها أن فلانا شجاع لكن فلانا أشجع منه، هذا أطيب من هذا، معناه أن فلانا طيب لكن هذا أطيب، هنا ليست على بابها كالله أكبر، فهو الأكبر المطلق‫.‬ (هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ ) (هن أطهرَ) قراءة (فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ ) تخزوني‫:‬ تفضحوني، من الخزي‫:‬ العار، أو من الخزايا‫:‬ الحياء، والخجل، لا تفضحوني، أو لا تخجلوني (أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌۭ ) (رَّشِيدٌۭ ) : راشد، رشيد، مرشد، الرشْد، والرَشَدْ، ضد الغيّ، الرشيد‫:‬ الصالح، المصلح، الذي يأمر بالمعروف، الذي ينهى عن المنكر، أليس منكم رجل عاقل؟ ينهي قومه عن الفحشاء، ينهي عن الإساءة للأضياف، ذاك كان استفهامه، كيف كان ردهم عليه، وكيف أذهلته المفاجأة، وتمنى الولد أو تمنى العشيرة، في لحظة الله يرى ويسمع في لحظة رسل الله يحيطون به، في لحظة الله (تبارك وتعالى) معه بالتأييد، والنصر، والعناية، والكفاية، والرعاية لكن الأمر جلل مصاب نبي، وهم أضيافه، ابتلاء، كل ذلك وهو لا يعلم أن من عنده رسل الله، وجاءه القوم يهرعون، وخرج وأغلق الباب على أضيافه، وخرج يجادل، ويدافع بمفرده، يدافع قوما يهرعون إليه، يسرعون في رعدة، في شهوة، رغبة في إصرار، في عناد أنّى لواحد بهذا الجمع الكثير؟ لِمَ تُرك كذلك؟ ولِمَ لم يطمئنه الله، صدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ ) فقد كان موقف لوط، موقفا عصيباً، كان ابتلاؤه ابتلاءاً عظيما، نبي من أنبياء الله طاهر، مطهر، بُعث رحمة لقومه، جاءهم بالهدى والنور، جاءهم ليطهرهم من الخبائث، جاءهم ليدلهم على طريق السعادة، وهاهم قد جاءوه مهرعين، جاءوه تدفعهم شهوتهم، وتدفعهم غريزتهم، وتدفعهم أخلاقهم السيئة، خائف على أضيافه، وإكرام الضيف من شيم الكرام، أغلق دونهم بابه، ووقف يجادل قومه، وقف يدافع، وقف يبين لهم الحق (هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ ) ودلّهم على طريق الطهارة، دلّهم على طريق الفطرة، وحذرهم، واستسمحهم، وسألهم ألا يفضحوه في ضيفه (وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ ) ثم استدرج منهم رشيداً، أو استنطق منهم عاقلا، أو بحث فيهم عمن يعقل (أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌۭ ) رجل واحد ينهاكم عن هذا، والأضياف يسمعون الحوار، ولا يتدخلون أهو ابتلاء من الله للوط؟ أهي هزة يُهَزَها المؤمن، فيثبت ويصدق، فيؤجر؟ أهي فتنة للقوم واستدرار الشهادة من نبيهم عليهم؟ أهي حجة عليهم أن يخاف، أن يفزع، أن يجادل؟ ماذا كان رد القوم عليه كما يحكي القرآن.
قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّۢ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴿79﴾
ها هم يصرحون بطلبهم الفاحش، ها هم يجهرون بجرمهم (مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّۢ ) ليس لنا فيهن أَرَب، ولا رغبة، ولا طلب (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) وهنا نطق لوط مما لا يجب أن ينطق به من هول الموقف، ومن شدته عليه، قال في استكانة، وضعف‫.
قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍۢ شَدِيدٍۢ ﴿80﴾
‫(ءَاوِىٓ) آوِىَ (قراءتان) جواب الشرط محذوف، تقديره لو أن لي بكم قوة لمنعتكم مما تريدون (أَوْ ءَاوِىٓ) انضم، ألجأ (رُكْنٍۢ شَدِيدٍۢ ) إلى جماعة تنصرني، إلى عشيرة تمنعني، وشبّه الجماعة التي تمنع، وتحمي بركن الجبل الذي يلتجئ إليه الإنسان فيحتمي به، (لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍۢ شَدِيدٍۢ ) هذه المقالة كيف نطق بها لوط؟ كيف والله معه؟! وهو مؤيد بتأييد الملك؛ لذا قال نبينا (صلى الله عليه وسلم) ( رَحِمَ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) كيف غفل! كيف نطق بهذا ونظر إلى الدنيا وتمنى أن يكون قوي البدن شديد البأس، فيقاتل عن أضيافه ويحارب ويدافع! كيف تمنى أن يكون له أنصار ينصرونه! كيف وما النصر إلا من عند الله! كيف وقد كان يأوي فعلا إلى ركن شديد! وهنا أشفقت الملائكة عليه حين رأوا كربه، ورأوا حزنه، نطقوا وقالوا‫:‬ يا لوط إنك تأوي إلى ركن شديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود، ونحن رسل الله خلِّي بيننا وبينهم، وكانوا يحاولون أن يتسوروا الجدار، أو يفتتحوا الباب، شدة، غلظة، إجرام، فاطمأن لوط، وفتح الباب، ودخلوا مسرعين، فرحين، نالوا غرضهم، ومسح جبريل على أعينهم، فأذهب أبصارهم، كما قال ربنا في موضع آخر (وَلَقَدْ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِۦ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ) [سورة القمر آية‫:‬ ٣٧] أعماهم، وأوقف أيديهم، وشلّها، خرجوا مسرعين، يصرخون، ويستصرخون‫:‬ النجاة، النجاة، في بيت لوط سحرة، نطقت الملائكة مطمئنة للوط‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍۢ ﴿81﴾
‫(قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ ) أي لن يتمكنوا من إضرارك، بإضرارنا، ولن يتمكنوا من إيذائك بإيذائنا، ثم أعطوه الأمر (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ) (فاسر) بأهلك قراءة، أسرى، وسرى بمعنى واحد، أو أسرى‫:‬ سار أول الليل، سرى آخر الليل، ولا يُقال في النهار إلا (سار) وجاءت في القرآن، (سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًۭا) [سورة الاسراء آية‫:‬ ١] (وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)) [سورة الفجر آية‫:‬ ٤]، (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) أي سِر بأهلك ليلا في أول الليل، أو في آخره (بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ) أي بجزء من الليل، أو في ظلمة الليل الحالك (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ) إما بمعنى لا ينظر خلفه أحد، وإما بمعنى لا يتخلف منكم أحد (إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ ) الاستثناء هنا إما من الإسراء، فخرج ببناته، ولم يأخذها معه، أو أن الاستثناء من الالتفات، فإنها تلتفت فيصيبها ما أصابهم، فإما أنه لم يخرج بها أصلا، وإما أنها خرجت معه، وعصت الأمر، والتفت، وقيل إنها حين خرجت سمعت الهدة - هدة العذاب - فالتفتت فصرخت‫:‬ واقوماه، فأصابها ما أصابهم (مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ ) لأنها هي التي دلت قومها على الأضياف، خانته في دعوته، ولم تصدقه، ولم تقف إلى جواره، بل كانت عدواً له على دين قومها، لم تؤمن به، فأصابها ما أصابهم (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ ) لمَ الصبح؟ ولِمَ لا يكون الآن؟ لِمَ انتظروهم إلى الصباح؟ هل لأن النفوس أوْدَع والناس أجْمع؟ هل لأن الكل نائم، والكل في بيته، فيؤخذوا على حين غرة؟ هل الفجاءة مطلوبة لزيادة العذاب؟ (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ ) ثم قالوا‫:‬ (أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍۢ ) كأن لوطا استعجلهم، وكأنه تساءل هذا السؤال، ولِمَ الصبح، ولِمَ لا يكون الآن، ألا ترون ما يفعلون، وما يريدون، فأجابوه قائلين (أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍۢ ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍۢ مَّنضُودٍۢ ﴿82﴾ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍۢ ﴿83﴾
‫(فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا) قضاؤه الذي لا يرد، حكمه، عذابه (جَعَلْنَا) ونسب الفعل إلى نفسه، والفاعل ملائكته، وجنوده، كما قيل‫:‬ إن جبريل أدخل جناحا من أجنحته تحت أرضهم، ثم رفع الأرض بما عليها من مدائن لم تكسر لهم جرة، ولم ينكفئ لهم إناء، ولم يشعروا بهزة، هم نائمون في دعة، وسلام، في غفلة، والكل في فراشه، وصعد حتى سمع أهل السماء صياح الديكة، وهم لا يشعرون، ثم قلبها فانكفأت (وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ (٥٣)) [سورة النجم آية‫:‬ ٥٣] ثم أتبعهم ربنا تبارك وتعالى بحجارة من سجيل (جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍۢ مَّنضُودٍۢ ) سجيل‫:‬ الطين المتحجر، سجيل‫:‬ من السجّل أي مكتوب عليهم هذا العذاب يصيبهم، أي مسجّل، سجّله عليهم، وكتبه عنده في اللوح المحفوظ، أو سجيل من أسجله‫:‬ أرسله، سجيل أيضا بمعنى طين، وجاءت في موضع آخر‫.‬‬
‫(لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةًۭ مِّن طِينٍۢ (٣٣)) [سورة الذاريات آية‫:‬ ٣٣] فقالوا‫:‬ السجيل تُطلق في لغة العرب على كل شديد صلب (سِجِّيلٍۢ مَّنضُودٍۢ ) متتابع، مرتب، نضدا الشيء، ينضده‫:‬ وضع بعضه فوق بعض، ومنه المنضدة، نضد، ينضِد‫:‬ رتب، فهو نضيد، وهو منضود، وهو منضد (مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ ) مسوّمة، معلّمة، صفة للحجارة، مكتوب على كل حجر اسم صاحبه، فلا يخطئه (عِندَ رَبِّكَ ۖ ) إذاً فهي ليست من حجارة الأرض؛ ولذا قال البعض سجيل بحر بين الأرض والسماء، مُهيأ مكتوب على كل حجر فيه اسم المستحق له، ومن هذا البحر أرسل ربنا الطير الأبابيل على قوم الفيل، فجعلهم كعصف مأكول (مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍۢ ) أي لم تخطئ ظالمي قوم لوط، أو وما هذه الحجارة من الظالمين في كل زمان ومكان ببعيد، فهي موجودة، والسجيل منضود، معَّد، جاهز؛ ولذا أخذ بعض العلماء من هذه الآية حكماً، فقالوا‫:‬ من عَمِل عمل أهل لوط، فعقوبته الرجم محصنا، أو غر محصن؛ لأن الله لم يفرق بين المحصنين، وغيرهم بل أمطر على كل المدن، والقرى إذاً فعقوبة هذه الفاحشة الرجم، وقيل‫:‬ (وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍۢ ) أي وما قرى لوط (مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ) من أهل مكة ببعيد زماناً، أو مكاناً، أي كأن القرى في مكان قريب من مكة، يمرون عليها في تجارتهم إلى الشام، هل اعتبروا؟ هل تذكروا؟ هل تفكروا؟‬
‫(وَمَا هِىَ) الحجارة (مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ) من قوم لوط (بِبَعِيدٍۢ ) فقد أصابتهم، ولم تخطئهم، وتنتهي القصة الخامسة، وتشرع الآيات في حكاية القصة السادسة من قصص سورة هود قصة مدين:
وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍۢ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ مُّحِيطٍۢ ﴿84﴾ وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿85﴾ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ ﴿86﴾
‫( وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ) أي إلى بني مدين، أو إلى أهل مدين (مَدْيَنَ) اسم لابن من أبناء إبراهيم، عليه السلام، فإما وإلى بني مدين؛ إذ هم من أبنائه من ذرية مدين، وإما إلى أهل مدين اسم البلد‫.‬‬
‫(وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۚ ) كان منهم (وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۚ ) كان منهم (قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ ) تلك كانت خلاصة لدعوته، الأمر بالتوحيد، توحيد الله (عز وجل) هو ملاك الأمر كله، هو من أجله خُلقت السموات والأرض، بل ومن أجل التوحيد كانت الجنة، وكانت النار‫.‬‬
‫( مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ ) ثم نهاهم عن فاحشة اشتهروا بها، وهي البخس والتطفيف (وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ ) المكيال‫:‬ أداة الكيل والميزان‫:‬ أداة الوزن، لم يقل الكيل، أو المكيل، قال‫:‬ المكيال، الأداة، إذا فقد كانوا يتلاعبون في أدوات الكيل، وأدوات الميزان، فحين يشتري الرجل يرى كفة الميزان قد رجحت، وحقيقة الأمر أن الميزان بخس (وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍۢ ) إنكم في سعة من العيش، في غنى، في نعمة تغنيكم عن الحرام، لمَ تفعلون ذلك وأنتم في سعة وبحبوحة من العيش، ومنَّ الله عليكم ووسّع عيكم (وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ مُّحِيطٍۢ ) إن استمررتم على ما أنتم عليه، أخاف عليكم عذاب يوم محيط، وُصف اليوم بالإحاطة، واليوم لا يحيط، وإنما العذاب هو الذي يحيط، أهو يوم القيامة خاف عليهم، من عذاب يوم القيامة، خاف عليهم من يوم الاستئصال في الدنيا، يوم محيط لا يفلت منه أحد‫.‬‬
‫(وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ ) إذاً فقد نهاهم عن النقص، والبخس، والتطفيف، ثم أمرهم بعد ذلك بالإيفاء، وكأن كل تاجر، وكل متعامل يجب عليه أن يراعي، وأن يحرص على الإيفاء، ولو زاد ذلك من حق الآخر، لا أن يكتفي فقط بالمساواة، أو بعدم النقص؛ إذ قد يخطئ، إذاً فمحاولة إعطاء الحق كاملا وافياً هو الأمر المطلوب، لا تحاول أن تبخس فقط، بل المحاولة تكون في الإيفاء (وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ) تعميم بعد تخصيص، التخصيص‫:‬ المكيال، والميزان‫.‬ التعميم (وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ) إذاً يشمل الكلام الكيل الموزون، المعدود، فهناك تعامل بمعدود، المزروع، ما يقاس بأدوات القياس، يشمل أيضا الجودة، ويشمل الرداءة، يشمل الطيب، ويشمل الخبيث، فعمم بعد تخصيص، أي في جميع التعامل (وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) عثَى يعثو‫.‬ عثى يعثَى، العثو، والعثي‫:‬ أشد الفساد، قيل‫:‬ كانوا من قطاع الطرق، يقفون على الطرق يسلبون السابلة، وقيل (وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) أي لا تفسدوا في الأرض بهذه الأعمال، أو ولا تعصوا الله بعد ما أن أمرتكم بطاعته (بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ ) أي ما أبقاه الله لكم من ربح حلال أفضل، وأحل، وأطيب، مما تكسبونه أنتم من حرام، وقُرأت (تقية الله خير لكم) أي تقوى الله خير لكم، أو (بَقِيَّتُ ٱللَّهِ) أي طاعة الله، وثواب الله من قوله‫:‬ (وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌ أَمَلًۭا (٤٦)) [سورة الكهف آية‫:‬ ٤٦] (بَقِيَّتُ ٱللَّهِ) ما أبقاه الله لكم من حلال (بَقِيَّتُ ٱللَّهِ) طاعة الله (بَقِيَّتُ ٱللَّهِ) ثواب الله (تقية الله) تقوى الله‫.‬‬
‫( خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ ) وذاك هو الشرط، أي إن كنتم مصدقين لي فيما أقوله، أو الأرجح أن الشرط هنا يبين أن البقية (بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ) متى؟ إن كان العبد مؤمنا؛ إذ إن الإيمان شرط لحصول الثواب، فمن عمل صالحا وهو كافر لا يؤجر، ويشترط للأجر والثواب أن يكون مؤمنا أن يعمل الصالحات وهو مؤمن، فشرط الإيمان هام لحصول الثواب، وقبول العمل، لو أن كافر أطعم المساكين هل يؤجر؟ لو أن كافر أغاث الملهوف، وفعل من الصالحات ما فعل، يأخذ أجره في الدنيا فقط، لكن الباقيات الصالحات خير للذين آمنوا، وعلى ربهم يتوكلون (وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ ) أي لا أراقبكم في أعمالكم، أنصح وآمر لكي لا أسعى وراء كل تاجر، وأفتش على ميزانه ومكياله أو (وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ ) أحفظ أعمالكم، وأجازيكم عليها، وإنما المجازي، والمحاسب هو الله أو (وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ ) أحفظكم من نقمة الله، ومن غضبه إن استمرأتم ما تفعلون، واستمررتم على ما تفعلون لا أستطيع أن أمنع عنكم عذاب الله أبدا‫.‬‬
‫تلك كانت مقالة شعيب لأهل مدين، شعيب خطيب الأنبياء، شعيب صاحب الحكمة، والكلم الطيب، والحجة الواضحة، البالغة، فماذا كان جواب قومه؟ هو يدعوهم إلى التوحيد، ويدعوهم إلى العدل، وإلى التسامح، ويدعوهم إلى القسط، ويدعوهم إلى الحلال، ينهاهم عن الشرك، وعبادة الأصنام، ينهاهم عن الظلم، والتظالم، ماذا كان ردهم؟ رد الكفار في كل زمان ومكان، العتو، والتجبر، والاستهزاء، ويحكي القرآن عن ردهم.
قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ﴿87﴾
ذاك كان الرد، شعيب كان كثير الصلاة، كثير العبادة، وكانوا يرونه كذلك فيسخرون منه، ويستهزئون به، فهو لا يعبد أصنامهم، ولا يدين بدينهم، له صلواته، كثير العبادة، كثير الصلاة، ها هم يستهزئون به، وانظر للكلام (أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُا۟ ۖ ) (أَوْ) بمعنى الواو، رضينا، البائع راض، والمشتري راض، أموالنا ونحن أحرار فيها نديرها كيف نشاء، ما دخلك، وما دخل أموالنا، أي أصلاتك تأمرك أن تفعل أنت في أموالنا بأمرك هذا، ونهيك هذا، ما تشاء في أموالنا، هي أموالنا، والمشيئة مشيئتنا، وليس مشيئتك، فهل صلاتك تأمرك بكل هذا، كأن الصلاة التي يصليها شعيب خلّطت عليه (أَصَلَوٰتُكَ) وانظر إلى الاستهزاء وتأمل، تأمرك بهذا، هذا هو نتيجة تركك لديننا، وتركك لعبادة آلهتنا، نتيجة لصلواتك الكثيرة التي تفعلها؛ ولذا قُرئت بالجمع لبيان الكثرة كثرة الصلاة التي تفعلها، فعلت بك ما فعلت، فها أنت تأمرنا أن نترك ما كان الآباء يعبدون (إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ) أهو استهزاء، يريدون ضده، الحليم‫:‬ الذي لا يعاجل بالعقوبة، الذي يصفح عن الذنوب، الرشيد‫:‬ العاقل، المتزن هل أرادوا هذا فعلا أم هو من سخريتهم به، إنك لأنت الحليم الرشيد في نظر نفسك، كما يقال للكافر يوم القيامة (ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ (٤٩)) [سورة الدخان آية‫:‬ ٤٩] أهو كذلك، أم هو استهزاء، أم هي شهادة؟ كما قال قوم صالح، لصالح (قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّۭا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ ) أهي كلمة الحق يستنطق بها الكافر، رغم أنفه كما شهدت قريش لمحمد بأنه الصادق الأمين؟ أهي كلمة الحق يستنطق بها الكافر لتكون علية حجة، فهُم يشهدون له لكنهم يريدون بقولة الحق باطلا؟ كأنهم يقولون‫:‬ أنت حليم، أنت رشيد، كيف يصدر منك هذا، كيف مع الحلم والرشد تقول هذا، أصابك جنون، أصابك مس، هذا الكلام لا يصدر من حليم رشيد مثلك، ذاك ما أرادوا، وهي شهادة حق، أنطقهم الله بها لتكون عليهم حجة يوم القيامة، واسمع شعيب لخطبة شعيب، واسمع للحكمة، واسمع للموعظة، وتأمل في كلام الله، ومن أصدق من الله حديثا؟‬
‫فقد جادلهم شعيب بالحسنى، ورد عليهم بالمنطق، ولكن هل للكفار منطق؟ هل لهم عقول؟ واسمع وتأمل في قول شعيب كما حكى القرآن‫.‬‬‬‬‬
قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴿88﴾ وَيَـٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍۢ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍۢ مِّنكُم بِبَعِيدٍۢ ﴿89﴾ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌۭ وَدُودٌۭ ﴿90﴾
‫(قَالَ يَـٰقَوْمِ) وانظر إلى كلمة (قَالَ يَـٰقَوْمِ) تتكرر في حديثه استدراراً لعاطفة العشيرة، استدراراً لعاطفة العِشْرة، وانظر وتأمل في كلامهم، شعيب خطبهم كلام يجمع الحكمة، والموعظة، ها هو يقبل على الله، ها هو يفوّض أمره إلى الله، ها هو يتحداهم ويتهددهم، ها هو يقف وحده منصوراً بالله، مؤيداً بتوفيقه، لاجئاً إليه، راجعا إليه، منطق حجة (قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ) أي أخبروني (إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى) على برهان، يقين، يقول ما يقول، وهو يعلم أنه صادق، وهو متيقن من صدق قوله‫:‬ (وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ ) كان شعيب كثير المال، ها هو يتساءل، والسؤال محذوف الجواب، لك أنت أن تقدر تقدير الجواب (هل أقابل النعمة بالكفران؟) هل أسعى إلى الحرام، وقد أغناني بالحلال؟ هل أخونه في وحيه، أو أخالفه في أمره، ونهيه (وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ ) هل أريد أن أمنعكم عن النقص في المكيال والميزان حتى أنفرد به دونكم، أمنعكم عن هذه المكاسب الحرام حتى استحوذ عليها لنفسي، لو كان ما تفعلونه خيرا لسارعت إليه، فلست أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم، خالفه إلى‫:‬ قصد إلى الشيء، وغيره مولٍّ عنه، خالفه عنه، ولَّى عن الشيء، وغيره قاصد إليه (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ ) الاستطاعة في الفعل، وليست في الإرادة؛ إذ إن الاستطاعة من شروط الفعل، وليست من شروط الإرادة، فأنت قد تريد ما تريد، استطعت أو لم تستطع، أما الفعل (فَأْتُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا اسْتَطَعْتُم) كما أخبرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) ها هو يشير إلى ذلك بقوله (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ ) وهنا خرج من حوله، وقوته، ولجأ إلى حول الله، وقوته، وبيّن أن التوفيق بالله، وأن الهداية من الله، وأن الفضل كله لله، فإن ذهبت إلى الرشاد، وإن فعلت ما يجب، فبفضل الله، بهدايته، برعايته، بعنايته، بتوفيقه، ودلالته، ثم ها هو يلجأ إلى الله‫.‬‬
‫( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) هو القوي المتمكن من كل شيء، وغيره عاجز عن أي شيء بذاته (وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) أرجع يوم القيامة، أعود إليه، وأرجع إليه بالتوبة وبالاستغفار، وبطلب الهداية وبالتوفيق (وَيَـٰقَوْمِ) مرة أخرى (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ) عداوتي، الشقاق أن تكون في شق -جانب- غير الشق صاحبك، الشقاق يُعبَّر به عن المعاداة، والعداوة، والمخالفة، والابتعاد، (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) (لا يُجرمنكم) قراءة‫:‬ لا يدفعنكم، لا يحملنكم، لا تحملنكم عداوتي، فلا تسمعون كلامي، ولا تطيعون أمري من أجل العداوة التي بيني وبينكم، فيصيبكم ما أصاب من كان قبلكم (مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ) إذا فقد كانوا يعلمون ما قد أصاب قوم نوح من الغرق (أَوْ قَوْمَ هُودٍ) من الريح (أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍۢ ۚ ) من الصيحة و الرجفة، وإن لم تعتبروا بهؤلاء جميعا، فاعتبروا بقوم لوط (وَمَا قَوْمُ لُوطٍۢ مِّنكُم بِبَعِيدٍۢ ) زمانا كانوا قبلهم مباشرة، أو مكاناً ها أنتم تمرون عليهم، فإن لم تعتبروا بهؤلاء، فاعتبروا بهؤلاء، وعد، أم وعيد؟ وعيد وتهديد، ها هو يأتي بالوعد بعد الوعيد، بعد الوعيد على العصيان، ها هو يعطيهم الوعد على الطاعة (وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌۭ وَدُودٌۭ) وعد على التوبة إذاً فقد توعدهم، وهددهم، وأتاهم بالوعيد بعد المنطق، بعد الحجة، بعد البرهان، لا يريد مالاً، ولا يريد جاهاً ولا يريد أن يتسلط عليهم، ولا يريد أن يخالفهم إلى ما نهاهم عنه، هو موَّفق بتوفيق الله، هو يريد الإصلاح، هو على بينة من ربه يدعوهم إلى التوحيد، يدعوهم إلى العدل، يدعوهم إلى القسط، يدعوهم إلى كل ما هو خير، ثم توعدهم بأن يصيبهم مثل ما أصاب المكذبين من قبلهم، ثم ها هو يختم خطبته بالوعد، بتأليف القلوب، بالتقرب إلى الله، بالتعريف بالله (وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ) مما كنتم تفعلونه (ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ ) ارجعوا إليه بالطاعة والاستقامة (إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌۭ وَدُودٌۭ) رحيم، والله إن الله أرحم بالعبد من الأم بولدها، ولو علمتم ما عند الله من رحمة لاستحييتم من معصيته، الودود‫:‬ المحب، الفاعل للخير، الودود‫:‬ السابق بالإنعام، الذي يفعل لحبيبه ما يريد، وما يشتهي دون انتظار، لمثلٍ أو لجزاء، الودود‫:‬ المواصل العطاء، المواصل الإنعام، الذي يحب، ويتودد إلى حبيبه بالإنعام، والإحسان، والعطاء بكل ما يقربه إليه (إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌۭ وَدُودٌۭ).‬
‫فقد رد شعيب على قومه بالحكمة، بالمنطق، بالدليل، بالبرهان، ساق الأدلة، وتوعدهم، وحذرهم، ثم وعدهم بالتوبة إن تابوا، إذاً فقد أنذر، وبشّر، وجاء بالحجة، والبرهان (قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) سبع كلمات، جمعت فنون العلوم، والمعارف، جمعت أصناف الحكمة، والمواعظ، سطعت كالبرهان دليلا على نبوته، وصدقه، وحذّر (وَيَـٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍۢ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍۢ مِّنكُم بِبَعِيدٍۢ ) توعد، وإنذار، ثم فتح لهم أبواب التوبة، والرحمة (وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ ) أسمعتم مثل هذا الكلام، أسمعتم مثل هذه الحكمة، وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث وصف شعيبا فقال‫:‬ ( ذَاكَ خَطِيبُ الأَنْبِيَاءِ) واسمعوا لرد القوم، وتعجبوا من ردهم عليه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًۭا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًۭا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍۢ ﴿91﴾
قابلوا الكلام الطيب، واستقبلوا الحكمة بالجهل، والسفاهة، وتلك طريقة كل كافر محجوج، يرد على الحجة والبرهان، بالسب والتهديد، لا حجة له، برهان لا دليل، ولا سلطان، فيقابل الحجة، ويقابل الدليل، ويقابل السلطان بالقوة الغاشمة، بالسباب والوعيد (مَا نَفْقَهُ كَثِيرًۭا مِّمَّا تَقُولُ) أهو كلام غير مفهوم؟ أفي الكلام خلل؟ أفي الكلام عيب؟ اتهموه بأنه يتكلم كلام لا يُفهم معناه، ولا يُدرك فحواه (وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًۭا ۖ ) أي ضعيف البدن، لا قوة لك، غير عزيز، وغير ممتنع (وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ ۖ ) (وَلَوْلَا) تفيد امتناع الشيء لوجود الشيء الآخر، أي لولا الرهط، والرهط ما دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة، من ثلاثة إلى تسعة، ورهط الرجل عشيرته المقربون، إذاً فلم تكن له قوة من قبيلة، أو جيش، أو عدد، وإنما زعموا أن رهطه الذين هم على ملتهم، هم المانع من قتله، ورجمه بالحجارة (وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍۢ ) العزيز‫: الممتنع أو الغالب، أو القوي، أو القاهر، ما أنت علينا بعزيز، بل أنت مهين، والمانع من رجمك أقرباؤك الذين هم على ملتنا، وأما كلامك فلا يُفهم معناه، ولا يُدرك فحواه، ذاك كان ردهم‫.
قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَهْطِىٓ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ ﴿92﴾ وَيَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَـٰمِلٌۭ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَـٰذِبٌۭ ۖ وَٱرْتَقِبُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌۭ ﴿93﴾
‫(قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَهْطِىٓ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ) أتمتنعون عن رجمي من أجل رهطي، ولا تمتنعون من أجل الله المالك، الخالق، الذي أرسلني (وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ ) أي طرحتوا أمره خلف ظهوركم، والظهري‫: نسبة إلى الظهر، ويطلق على المُلقى وراء الظهر، كناية عن عدم الاهتمام، وعدم المبالاة، فما لا تهتم به، وما لا تبالي به، تطرحه وراء ظهرك، كأنك لا تراه، وكأنك قد نسيته، أي اتخذتم الله وأمر الله كالمنسي المتروك، الذي يُعبأ به، عملتم حساباً لقومي، وأهلي، ولم تعملوا حسابا لخالقكم (إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ ) عالم، حافظ، مراقب، يجازي كل نفس بما كسبت‫. ثم وقف وقفة الواثق من نصر الله، الصادق في دعواه، وتحدى القوم جميعا فقال (وَيَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَـٰمِلٌۭ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَـٰذِبٌۭ ۖ وَٱرْتَقِبُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌۭ ﴿۹۳﴾) التحدي الذي يثبت أنه صادق، رجل بمفرده يتحدى أمة اعترفت بأنه ضعيف، واعترفت بأنه ليس عليهم بعزيز، واعترفت بأن المانع من رجمه قلة لا يزيدون على العشرة من الرجال، إذاً فلا عشيرة له، ولا مانع، ومع ذلك وقف متحدياً تحدي الواثق (ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ) أي على قدر إمكانيتكم، واستعدادكم، وما مُنحتم من قوة، وبطش، مكُن مكانةً تمكّن من الشيء (إِنِّى عَـٰمِلٌۭ ۖ ) ما هو عمله؟ اللجوء إلى الله، ومن التجأ إليه فالفرج قريب، ومن ارتجاه مخلصا لا يخيب (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ) يفضحه، ويهينه (وَمَنْ هُوَ كَـٰذِبٌۭ ۖ ) أي سوف تعلمون في القريب العاجل من منا الكاذب، ومن الذي سوف يأتيه العذاب المهين، الفاضح، والمذِل، والمخزي (وَٱرْتَقِبُوٓا۟) أي انتظروا، وترقبوا، والأيام بيننا (إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌۭ ) أي مراقب، ومرتقب، أنتم ترتقبون، وأنا مرتقب، ومنتظرون جمعيا ما تأتي به الأيام‫.
وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ ﴿94﴾ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴿95﴾
‫(وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا) أمره بإهلاكهم، أمره باستئصالهم، أمره بعذابهم (نَجَّيْنَا شُعَيْبًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا) (بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا) كما جاء في قصة صالح، وكما جاء في قصة نوح، وما جاء في مسألة لوط، كلٌ ينجو برحمته، ولن ينجو أحد بعمله إذ لا يجب على الله شيء، (وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ ) أخذتهم الصيحة كما أخذت قوم صالح، تُرى ما هي هذه الصيحة؟ كيف كانت؟ ومن الصائح؟ في سورة الأعراف ذكر الله أنهم أخذتهم الرجفة، وهنا أخذتهم الصيحة، والرجفة‫:‬ الزلزلة، وهنا الصيحة، صيح بهم وفي سورة الشعراء (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ١٨٩].‬
‫ثلاث ألوان من العذاب أُرسلت على أمة واحدة هي أمة شعيب (فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ ) هامدين بلا حراك، وكما قلنا عن الجثوم للإنسان، والطير، كالبروك للبعير (كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ ) كأنهم ما عاشوا أبداً، كأنهم ما كانوا في هذا المكان أصلا، غَنِيَ بالمكان‫:‬ أقام به‫.‬‬
‫( كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ ) كأنهم ما كانوا في هذه القرى، وما عاشوا في هذه المدن، وما كان لهم وجود، إذاً فقد استأصل شأفتهم، ومحى أثرهم (أَلَا بُعْدًۭا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ) (كما بعُدت ثمود) قراءة (أَلَا) لفظة تنبيه كما قلنا، وكأن اللفظ يوحي إلى أهل السموات، وأهل الأرض، إلى كل من يعقل، إلى كل من يسمع، اسمعوا وانتبهوا بعداً لمدين من رحمة الله، فقد حلّت عليهم نقمته، وأحاط بهم سخطه، (أَلَا بُعْدًۭا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ) (كما بعُدت ثمود) بعِد يبعَد بعَدا هلك، وبعُد صار بعيدا، وشبّه مدين بثمود؛ لأن هؤلاء أخذوا بالصيحة، وأؤلئك أُخذوا بالصيحة، أُخذوا بالصيحة إلا صيحة ثمود كانت من تحتهم وصيحة مدين كانت من فوقهم، تلك صيحة، وتلك صيحة، وتأتي القصة السابعة من قصص سورة هود، قصة موسى مع فرعون بقوله الله (تبارك وتعالى):‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍ ﴿96﴾ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍۢ ﴿97﴾ يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ ﴿98﴾ وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِۦ لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ ﴿99﴾
تلك خلاصة القصة السابعة، وجاءت قصة موسى في أكثر من موضع بشيء من التفصيل، وهنا بشيء من الإيجاز، وما اختلّ المعنى، وما اختلف، فالقرآن كلام الله، والقرآن تنزيل من حكيم حميد (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍ) الآية‫:‬ المعجزة، الآية‫:‬ الطائفة من القرآن، أو من كلام الله، الآية‫:‬ الأمارة، السلطان‫:‬ الدليل الساطع، القاطع، إذاً فقد أُرسل موسى إلى فرعون بآيات وسلطان، أي بمعجزات، وبدليل وبرهان قاطع مبين واضح في نفسه، أو مبين موضح ومؤكد لنبوة موسى، فالمبين إما مبين في ذاته، وإما مبين لغيره، أو مبيّن وموضّح (إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ) الملأ‫:‬ أشراف القوم، والملأ كما قلنا ممتلئون بما يفتقر إليه الناس، أو تمتلئ الهيبة في الصدور منهم (فَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ ) أي تركوا أمر موسى الذي جاء بالحق والهدى، الذي أُيد بالمعجزات، والسلطان المبين، واتبعوا أمر فرعون المؤدي إلى الغنى والضلال بغير دليل، بغير برهان، تركوا الحق واتبعوا الباطل، تركوا الدليل واتبعوا الوهم، اتبعوا أمر فرعون، وما اتبعوا أمر موسى، والغريب أن أمر فرعون ليس برشيد، أي ذي رشد، أو مرشد إلى شيء (وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍۢ ) أي ذي رُشد، والدليل على ذلك والعلة (يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ ) والأمر الرشيد يكون مأمون العاقبة، فهل أمر فرعون كان مأمون العاقبة؟ ماذا كانت عاقبته؟ كما تقدم قومه في الكفر والتكذيب، هو يوم القيامة يتقدم قومه إلى النار، والتعذيب (يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ) قَدَمَ يقدم قُدْماً، وقَدْماً، وقدوماً، تقدم غيره (فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ ) والغريب في التعبير وَرَدَ يرد، والورود، والمورد‫.‬‬
‫هذه الألفاظ كلها تستخدم في أمر واحد، هو الذهاب إلى مكان ما لقطع العطش وتبريد الأكباد، الوارد‫:‬ الذاهب إلى الماء المتقدم للقوم يهيء لهم السقاء، فيجهز البئر، يجهز الدلو، وهكذا والمورد‫:‬ المكان الذي فيه الماء العذب، القاطع للعطش، المبرد للكبد، فاستخدم اللفظ في الضد (فَأَوْرَدَهُمُ) حين تسمع كلمة (أوردهم) يذهب الوهم، والخيال إلى الماء القاطع للعطش، والمبرد للأكباد، فإذا الورود إلى النار التي تزيد العطش، وتقطع الأكباد (وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ ) أي بئس المكان الذي وردوه وتقدمهم إليه، وساقهم إليه، وتتأمل وتتخيل حين تكلمنا عن اجتياز موسى، وقومه للبحر، وكيف شُق البحر؟ وكيف اجتاز موسى؟ وكيف تعجبنا من أمر فرعون؟ كيف سار وراءه إن كان ما يراه سحراً إذاً فهو داخل على الماء، وإن كان ما يراه حقاً إذا فلا قِبل له بما يدخل عليه، فذاك الذي فعل هذا لابد وأنه مؤيد من السماء، كيف لحق به وكيف اجترأ أن يدخل في البحر؟ وإن كان قد اجترأ هو، كيف اجترأ جنوده؟! سبحان الفعال لما يريد (سبحانه وتعالى) هكذا كما قادهم فرعون إلى الغرق في الدنيا، يقودهم إلى العذاب والجحيم في الآخرة، كما قادهم إلى الكفر والتكذيب في الدنيا، ها هو يقودهم إلى النار والتعذيب (وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِۦ لَعْنَةًۭ) أي في هذه الدنيا، أي سارت وراءهم اللعنة في هذه الدنيا إلى أن تقوم الساعة، إذا ذُكر فرعون يُمدح أم يُسب؟ إذا ذُكر فرعون يُدعى له أم يُلعن؟ يُلعن من كل الملل، ما من أمة، أو أهل دين إلا ويُلعن فرعون على ألسنتهم، وما من جبار في الأرض إلا وشُبه بفرعون، كما شُبه أبو لهب بفرعون حين قيل فيه‫:‬ إنه فرعون هذه الأمة (وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِۦ لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ) ويوم القيامة كذلك، إذاً فهم ملعونون في الدنيا، ملعونون في الآخرة (بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ ) رفده يرفد رفداً: أعطاه، منحه، أمده، أي بئس العطاء، والمنْح الذي أعطاه فرعون لقومه، وملئه ها هو العطاء الذي وصلوا إليه باتباعهم أمر فرعون، أوردهم النار، أتبعوا في الدنيا لعنة، وكذلك يوم القيامة، تلك كانت القصة السابعة، ثم يتوجه الخطاب بعد ذلك لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) يبين له ربنا (تبارك وتعالى) أن ما حاق بالأمم السابقة المكذبة، يحيق بكل أمة تسير على سيرهم، وتدين بدينهم، فالتماثل في الأسباب يقتضي التماثل في المسببات، يسّري عنه ويسليه ويوجه الخطاب إليه، فهو المقرّب، وهو الحبيب يسرِّي عنه ربه ويقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَآئِمٌۭ وَحَصِيدٌۭ ﴿100﴾
‫(ذَٰلِكَ) أي ما قُص عليك من قصص عن أمم كذبت أنبيائها، فحاق بهم العذاب، وأُهلكوا، ودُمروا (ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ ۖ ) إذاً فهي تسرية لسيد الخلق، وتسلية لسيد الخلق، وعبرة لمن يعقل، وعظة لمن يسمع، ما كنت تعلمها أذاً فهي بوحي (نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ ۖ ) أي لم تعلم بشأنهم إلا حين قصصنا عليك القصص، نحن الذين أعلمناك بذلك، ربنا (تبارك وتعالى) هو الذي أخبره وأعلمه (ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَآئِمٌۭ وَحَصِيدٌۭ ) أي من هذه القرى والأمم قائم بنيانها، مهلك سكانها، قائم كما ترون الأهرامات قائمة، أين أهلها؟ وكذلك بعض الأسوار، وبعض القلاع، وبعض المعابد، وما نسمع، وما نرى من آثار قائمة بنيانها أين سكانها؟ (مِنْهَا) أي من هذه القرى التي قصصنا عليك أمرها (قَآئِمٌۭ) ومنها أيضا حصيد، كالزرع المحصور بالمناجل، لا أثر للبنيان، ولا أثر للسكان‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍۢ ﴿101﴾
‫(وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ ) أي وما ظلمناهم بالإهلاك، والتدمير، والتعذيب، ولكن ظلموا أنفسهم بالشرك، والكفر، وتعريض أنفسهم للعذاب، ما ظلمهم ربهم بما فعل بهم، لكن هم الذين ظلموا أنفسهم، أوردوها النار، خانوها ودسوها، ظلموا أنفسهم بشركهم، بتكذبيهم لأنبيائهم، بضلالهم، بصّمهم لآذانهم‫.‬‬
‫(فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ ) هل نفعهم آلهتهم؟ هل منعت عنهم العذاب؟ هل حمتهم؟ (فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ): ما نفعتهم (ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ) من أي شيء، لا في تأخير العذاب، ولا في تخفيف العذاب، ولا في رفع العذاب، ولا في تأجيل العذاب (لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ ) أي حين جاء أمر ربك بالإهلاك، والتدمير، والتعذيب، حين جاء الأمر ما نفعهم شيء، ليتهم ما نفعهم فقط، ولكن تسمع لربنا يقول‫: (وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍۢ )‬ التبّ، والتباب، والتتبيب في الأصل‫:‬ النقص، والخسارة، ويطلق على الهلاك، إذاً فلم تغني عنهم شيئا، ولم تنفعهم، ولم تمنع عنهم شيئا، إنما زادوهم هلاكاً، وخسرانا‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌۭ شَدِيدٌ ﴿102﴾
أي كما أخذ هؤلاء، يأخذ غيرهم، فإن كذبتك قريش، فما هم بأقوى أو أشد من غيرهم (وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ) (وكذلك أَخَذ ربك إذا القرى) قراءة أي وكذلك أخذ ربك القرى المهلكة حين أخذهم (وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ) أي ومثل هذا الأخذ، ومثل هذا التعذيب، ومثل هذا التدمير بالحاصب مرة، بالصيحة مرة، بالرجفة مرة، بالإغراق مرة، بالخسف مرة، ألوان وأنواع من التعذيب (وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)) [سورة الفتح آية‫:‬ ٧] (إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌۭ شَدِيدٌ ) وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث قال‫:‬ (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ثم قرأ الآية (وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌۭ شَدِيدٌ)) ربنا الآخذ، ربنا القوي الذي رفع السماء بلا عمد، الذي نصب الجبال بلا وتد، الذي خلق الأرض، وخلق الماء، وخلق العذب الفرات، وخلق الملح الأجاج، الذي خلق الأضداد، خلق الليل والنهار، خلق الظلمة وخلق النور، خلق الصالح وخلق الطالح، خلق الشر وخلق الخير، خلق الجنة وخلق النار، من كل شيء خلق زوجين، وهو الفرد المتفرد الواحد الأحد، أتسمعون عن البحر الميت؟ لِمَ سُمِّي بهذا الاسم؟ أتدرون قبل وجود هذا البحر ما الذي كان موجوداً في هذا المكان؟ قرى لوط، لم يكن هناك بحر، كانت مدائن، كانت عمائر، كانت أقوام، كان قوم لوط؛ ولذا في قديم الكتب يسمى البحر الميت بيحيرة لوط، أين هم؟ أين مدين؟ أين ثمود؟ أين فرعون؟ أين كل هؤلاء؟ لذا يقول الله (تبارك وتعالى):‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّجْمُوعٌۭ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّشْهُودٌۭ ﴿103﴾ وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٍۢ مَّعْدُودٍۢ ﴿104﴾
آية، دليل، معجزة، برهان (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ) فيما حدث، وفيما قصصناه عليك، آية واضحة وضوح الشمس، جليّة جلاء النهار ولكن لمن؟ من المنتفع؟ من المبصر؟ من السامع (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ ) أسمعتم قول أهل الجنة حين دخلوا الجنة، وتساءل بعضهم عن السبب، وأجاب بعضهم ماذا قالوا (قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِىٓ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)) [سورة الطور آية‫:‬ ٢٦]، (إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ (٢٨)) [سورة الطور آية‫:‬ ٢٨]، (ذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّجْمُوعٌۭ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّشْهُودٌۭ ) الناس جمعيا مجموعون يوم الجمع (وَذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّشْهُودٌۭ ) مشهود أهله، أم هو مشهود في نفسه، تشهده الملائكة، والناس، والجن، والإنس، وجميع المخلوقات، تشهده الخلائق الأولون والآخرون، الصالحون، والكافرون، وذلك يوم مشهود فعلا، لا يوم قبله، ولا يوم بعده يماثله، ليس مثل هذا اليوم يوم، لا في اليوم ولا في طوله خمسين ألف سنة، ولا في شمسه ولا في سمائه، ولا في أرضه، إذ تُبدل السموات والأرض، ولا في الوقوف فيه، ولا في العرق فيه، ولا في الخوف والفزع فيه، ولا في الظل الظليل فيه، ولا في الأمن والأمان، والرضا والرضوان، يوم يسقط فيه الجنين، والصغير فيه يشيب، ومتى ذلك اليوم؟ إن الله عنده علم الساعة، لا يعلمه ملك مقرَّب، ولم يُخبر به نبي، ولا رسول، لكن الله هو الذي يعلمه، وهو القاضي به، وإن كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أخبرنا بأنه يكون في يوم جمعة، إذ في يوم الجمعة خُلق آدم، وفي يوم الجمعة تاب الله على آدم، وفي يوم الجمعة أُهبط آدم، وفي يوم الجمعة تقوم الساعة، وفي يوم الجمعة ساعة لا يصادفها عبد مسلم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، يقول الله (تبارك وتعالى): (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّجْمُوعٌۭ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّشْهُودٌۭ ﴿١۰۳﴾ وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٍۢ مَّعْدُودٍۢ ﴿١۰٤﴾) إذا فهو مؤجل فقط، لكنه آت لا محالة، أجل معدود عند الله، نهاية للعالم، وقت لا يتقدم، ولا يتأخر (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّۭ وَسَعِيدٌۭ) هم فريقان‫:‬ فريق في الجنة، وفريق في السعير، هم داران‫:‬ دار المقامة، ودار الندامة، إما جنة، وإما نار، وليست هناك منزلة بين المنزلتين، شقوا وسعدوا، والشقي شقي في بطن أمه، والسعيد سعيد في بطن أمه، فيقول الله (عز وجل) عن يوم القيامة.
يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّۭ وَسَعِيدٌۭ ﴿105﴾
لا تتكلم أي نفس إلا بإذن الله، أي لا تتكلم بما ينفع، لا تتكلم بما ينجيها من عذابه، أو لا تتكلم بشفاعة إلا بإذنه، والقيامة مواقف، تارة يُمنعون عن الكلام، وتارة يُؤذن لهم بالكلام، وتارة يُسألون، وتارة لا يُسأل عن ذنبه إنس، ولا جان، مواقف خمسون ألف سنة من المواقف لكنها تمر على الصالحين كصلاة فريضة، فهم مستظلون بظل العرش، الناس فريقان‫:‬ شُقي وجبت له النار بمقتضى الوعيد، وسعيد وجبت له الجنة بمقتضى الوعد، فمنهم شقي، وسعيد‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌۭ وَشَهِيقٌ ﴿106﴾ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ ﴿107﴾ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُوا۟ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍۢ ﴿108﴾
الآية فيها استثناء حيّر العلماء (إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ ) فيها أيضا تعليق الخلود في الجنة والنار بدوام السموات والأرض، والسماء غير دائمة، والأرض غير دائمة، ولكن الخلود دائم فما هو الجواب؟ الله أعلم بمراده (فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟) والشقي في بطن أمه (فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌۭ وَشَهِيقٌ ) الزفير‫:‬ إخراج النفَس بشدة، والشهيق‫:‬ إدخال النفَس بشدة، وقيل‫:‬ الزفير إخراج النفس من شدة الغم والكرب من الزِفْر، وهو الحمْل على الظهر لشدته (خَـٰلِدِينَ فِيهَا) في النار (مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ) (وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ (١١)) [سورة التكوير آية‫:‬ ١١]، (وَإِذَا ٱلْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)) [سورة الانشقاق آية‫:‬ ٣]، فكيف؟! قالوا‫:‬ اعتاد العرب حين يتكلمون عن الأبد، وعن الدوام يقولون‫:‬ ما لاح كوكب، ما دام ليل ونهار، ما دامت السماء سماءاً، والأرض أرضاً، فخاطبهم بما يتعارفون به بينهم (مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ) أي خلوداً كما تعبرون عن الخلود، نحن نعبّر لكم كي تعقلون، وتفهمون، وقال آخرون‫:‬ بل السماء والأرض، سماء الآخرة، وأرض الآخرة (يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ (٤٨)) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٤٨] إذا فالكلام عن سماء الآخرة، وأرض الآخرة، والدليل على وجود أرض في الآخرة قوله (عز وجل) عن المؤمنين حكاية عنهم (وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ (٧٤)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٤] ولابد لأهل الموقف ولابد لأهل الآخرة من أرض يستقرون عليها، فالكلام عن أرض الجنة، سماء الجنة، وأرض النار، وسماء النار (مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ ) استثناء كيف وقد أخبرهم بالخلود؟ فيها أيضا أقوال، قالوا‫:‬ الاستثناء من الخلود بمعنى‫:‬ الذين شقوا شملت الكفرة، والعصاة، أما الكفرة فهم خالدون، وأما العصاة فهم خارجون بشفاعة الحبيب المختار، وقال آخرون‫:‬ الاستثناء من الزفير، والشهيق، لهم فيها زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من عذاب آخر كالزمهرير، وقالوا‫:‬ الاستثناء هنا لتعليم العباد الاستثناء في كل شيء، فهو استثناء ليس يقال له بمتصل، ولا منفصل كقوله (عز وجل) (لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ) [سورة الفتح آية‫:‬ ٢٧] وقد علم أنهم داخلون، فهو استثناء في واجب فلا يقال بمتصل، ولا يقال بمنفصل، وإنما هو لتعليم العباد أن الأمور متعلقة بمشيئة الله، لا يجب عليه شيء، ولا حق لأحد عنده، فالخلود خلود بمشيئته، ولو شاء غير ذلك لكان، ولكنه لم يشأ، وقيل (إِلَّا) هنا بمعنى الواو، أي وما شاء ربك فوق ذلك وقيل‫:‬ (إِلَّا) بمعنى سوى أي سوى ما شاء ربك من زيادة النعيم لأهل النعيم، وزيادة العذاب لأهل الجحيم، وقال بعضهم قولا غريبا نقوله لأمانة العلم، قالوا‫:‬ حين خلق السموات والأرض، وخلق الناس جمعهم صفا وأخذ عليهم الميثاق (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٧٢] فجعل الدنيا دار اختبار، ومدة الدنيا هي مدة بقاء السماء، وبقاء الأرض، وعليه، فمدة الخلود في النار هي مدة الدنيا من يوم خلق السموات والأرض إلى يوم القيامة، تلك مدة الخلود في النار، وتلك مدة الخلود في الجنة؛ إذ هي دار التكليف، فمن أطاع وحافظ عل الميثاق تمتع بمدة الدنيا كاملة، ومن أتبع نفسه هواها عُذِب مدة الدنيا ملايين السنين منذ خُلقت السموات والأرض إلى أن تقوم الساعة ثم بعد ذلك إذا انتهت المدة بقي أهل الجنة في الجنة؛ لأن الله قال في شأنهم (عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍۢ) أي غير مقطوع، ولا ممنوع، فاختلف الاستثناء في الآيتين فيما يتعلق بالذين شقوا (إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ ) وما يتعلق بالذين سعدوا (إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍۢ) غير مقطوع، ولا ممنوع إذا خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، سماء الدنيا، وأرض الدنيا نفس المدة، خلقت الدنيا لعبادة الله، فمن عبد نجا، ومن عصى عُذِب مدة الدنيا، ثم بعد ذلك يستمر خلود المؤمنين، ويفعل الله ما يشاء في الكفار (فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌۭ وَشَهِيقٌ ﴿١۰٦﴾) إذا هم أحياء يتنفسون بشدة، وقيل صوت الكافر في النار كصوت الحمار، أوله شهيق وآخره زفير(خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ ﴿١۰۷﴾) لا يُسأل عما يفعل، (وأما الذين سُعدوا أو سعِدوا) قراءتان سُعِدَ فهو مسعود، وسَعِدَ فهو سعيد (فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍۢ ) سموات الدنيا، أو سموات الآخرة (إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ ) من زيادة على تنعيمهم كالنظر إلى وجهه الكريم (عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍۢ ) جذّه يجذّه، فهو جُذاذ (عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍۢ ) غير مقطوع، غير ممنوع، غير متوقف، ثم يتوجه الخطاب إلى سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) والخطاب له، والمراد إما أن يبلّغ ما خوطب به، وإما أن الخطاب له، والمقصود من يعقل، ومن يسمع‫.
فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ ۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍۢ ﴿109﴾
أي لا تكن في شك من أن عبادة هؤلاء هي الضلال بعينه، ونبينا ليس في شك، ولم يكن في شك، إذا فكأن الخطاب قل يا محمد لمن عنده ذرة من الشك، أو الخطاب لكل من يسمع، ومن يعقل (فَلَا تَكُ) أي تكن (فِى مِرْيَةٍۢ) المرية‫: الشك، والتردد (مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ ) كفار مكة الذين يعبدون الأصنام، والأوثان، لا تكن في شك أن ما يعبدونه هو الضلال بعينه، ثم يأتي التعليل للنهي عن الشك (مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ ۚ ) إذاً كأن الله يقول‫: لم نأمرهم بهذا، ولا كتاب لهم، وما أرسلنا رسولا بهذا، بل هم في ضلال مبين، لا تشك في ذلك، وهذا الضلال لم نأمرهم به، ولا دليل، ولا سلطان لهم عليه، وإنما هم يقلدون في ذلك الآباء، وكما أُهلك الآباء كما قصصنا عليك يهلك هؤلاء، فالتماثل في الأسباب يؤدي حتما إلى التماثل في المسببات، أي كما أُهلك الأولون بكفرهم يُهلك هؤلاء (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍۢ ) قَسَمْ تأكيد أن الله يجازيهم على شركهم، وعلى كفرهم جزاءً كاملا، وافيا يستحقونه‫.
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ ﴿110﴾
انتقال لقصة موسى، وقد جاءت من قبل، والكلام هنا ليس عن القصة التي جاءت في شأنه مع فرعون، وإنما الكلام عن قوم موسى (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ) التوارة (فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ ) أي آمن به البعض، وكفر به البعض، وانتبه للكلام، فالكلام له غاية، قصص تجعل الإنسان بأسلوب القرآن كأنه حاضر، وكأنه مشاهد، ثم فجأة تأتي العبرة، وتأتي العظة، وتأتي الخلاصة، والنتيجة، ويتوجه الخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) للتسلية، وللتسرية، وللتطمين، وللتثبيت، وللتأييد (فَلَا تَكُن فِى مِرْيَةٍۢ ) الخطاب انتقل إلى قومه، لا تشك في عبادتهم أنها ضلال، وأنها سوف تؤدي بهم إلى ما أدت به عبادة الأولين، واختلاف قومك في شأن القرآن حدث من قبلك مع موسى (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ ) الكلمة التي سبقت هي أن الله جعل الدنيا، دار ابتلاء، وجعل الآخرة دار جزاء، فالدنيا عمل، ولا جزاء، والآخرة جزاء، ولا عمل، لولا أن الله قضى بأن يؤخر الناس، ويؤخر الحساب إلى يوم القيامة؛ لأظهر الحق؛ وأبطل الباطل؛ ولأنجى المؤمنين، وأهلك الكافرين؛ ولقضى بينهم في الدنيا، ولكنه قضى من الأزل بأن يكون الحكم، وأن يكون القضاء في الآخرة (وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ ) لإحقاق الحق، وإبطال الباطل (لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ ) الكلام عائد على قوم موسى الذين آمنوا بالكتاب والذين كفروا بالكتاب - التوراة - أو الكلام عن كفار مكة، الريبة‫: شك فيه اتهام، فالشك قد لا يكون فيه اتهام تشك في الأمر فيتساوى الطرفان، أما الريبة فهو شك فيه التهمة، فارتيابك في إنسان إذاً أنت تشك وتتهم.
وَإِنَّ كُلًّۭا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَـٰلَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ ﴿111﴾
‫(وَإِنَّ كُلًّۭا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) قُرأت بقراءات تختلف، ويختلف نتيجة لها الإعراب، (وإن كلاً لمَّا)، (وإنْ كُلاً لمَّا)، (وإنْ كلاً لَماَ) (وإنَّ كلا لماً) خلاصة القراءات أنه ما من أحد من هؤلاء إلا وسوف يلقى جزاءه، سوف يوفَى عمله، والتوفية‫:‬ إعطاء الحق كاملاً غير منقوص، إذاً فهو تأكيد، وتهديد، ووعيد بأن الله مجاز كل نفس بما كسبت (إِنَّهُۥ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ) خبير لا تخفى عليه خافية، وطالما لا تخفى عليه خافية، فلابد وأن يجازي عن كل شيء‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، فانظر لنفسك أيهما تختار، وأنت مخيّر في هذه الدنيا، ويتوجه الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) بكلام هو أشد ما نزل عليه على الإطلاق، كما قال ابن عباس‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ﴿112﴾
وقيل‫:‬ إن أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) سألوه حين أسرع المشيب إلى رأسه قال‫:‬ (شَيَّبَتْنِي هُودٌ) وقال بعض الصالحين‫:‬ أنه رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) في المنام، فسأله‫:‬ يا رسول الله علمت أنك قلت شيبتني هود فما الذي شيبك فيها يا رسول الله؟ هل هو قصص الأمم السابقة وما فعل الله بهم؟ قال‫:‬ لا، بل شيبني قوله (فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ) الاستقامة الثبات على منهج المستقيم، لا يمنى ولا يسرى، لا انحراف ولا ابتعاد، الثبات على الخط المستقيم، وعلى المنهج القويم، ومن منا يقوى على الاستقامة كما أمر الله، كقوله (ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٠٢] فضج الأصحاب من منا يا رسول يستطيع ذلك؟ فنزلت الرحمة (فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ) [سورة التغابن آية‫:‬ ١٦] والاستقامة المطلوبة هنا استقامة في أمور شتى، الاستقامة في العقيدة، الإيمان بالله وحده، مع وصفه بصفاته العليا، بتأدب وخضوع دون تشبيه ودون تعطيل، ودون تمثيل، ودون تحديد، التبري من الشرك الظاهري، والشرك الخفي، وصف الله بما يجب له من صفات تنزه الله (عز وجل) عن كل ما لا يليق بجلاله، وكماله في ذاته، وصفاته، وأفعاله، فكلمة لماذا، ولم، وكيف، والتساؤل مع الله في أفعاله خروج عن الاستقامة، فلا يُسأل عما يفعل، ولا نُعلَّل أفعاله بالعلل، يفعل ما يشاء، ويفعل ما يريد، والاستقامة أيضا في تبليغ الرسالة (بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٦٧] الاستقامة في تبليغ الوحي، وتبليغ الأمر والنهي، ثم الاستقامة في الأعمال، لا تفريط ولا إفراط في الدين (فَلَا تُكَلِّفُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ) إذ إن أطيب الأعمال، وأفضل الأعمال الدائم وإن قل، الإفراط غير مطلوب (وَإِنَّ لِبَدَنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) والتفريط غير مطلوب، وهو التسيب كمن يصلون الصبح بعد طلوع الشمس، هم يحافظون على صلواتهم جميعها، ولكنهم يتكاسلون عن صلاة الفجر، فينامون حتى تضربهم الشمس، وحين سُئل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن رجل يفعل ذلك قال‫:‬ (ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ) لا تفريط في العبادة، ولا إفراط بل كما فعلها نبينا (صلى الله عليه وسلم) فهو مثال للمؤمنين به متبوع، قائم بالليل ساجد، وراكع، ومتبتل، متذلل إلى الرب، قال (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) وقال (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ لَعَلِّي لا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا) وقال‫:‬ (إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ) أي أصحاب النبي الذين تابوا من الشرك، وآمنوا به، وصدقوه، ونصروه، وعزروه، وأيضا الكلام لنا لكل من آمن بالنبي (صلى الله عليه وسلم) إلى أن تقوم الساعة، فالصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، إلى يوم الدين، الاستقامة في العقيدة لا إله إلا الله بحق، وأن تعلم معنى الآية، أو معنى الكلمة، أو معنى الشهادة، أو معنى العقيدة، وإياك والتشبيه، وإياك والتعطيل، أن تعطل الصفات، أو أن تمثل، أو أن تحدد، إذ ليس كمثله شيء، الاستقامة في الأعمال، الاستقامة في العبادات، الاستقامة في الأقوال (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا (٧٠)) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٧٠]، (فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟ ۚ ) الطغيان‫:‬ تجاوز الحد، وتجاوز الحد يعرض الإنسان للهلاك عاجلاً وآجلا (إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ) طالما كان بصيرا، فهو مراقب، ناظر، بصير، مبصر، يبصر بغير عينين، يبصر بالوجه الذي يليق بجلاله وكماله، يبصر الشهادة، ويبصر الغيب، لا تحجب رؤيته الظلمات، وقد كان من بعض أوارد المريدين في زمن مضى كما علمهم شيوخهم (الله معي، الله رقيب علي، الله ناظر إليّ، الله يراني) ذاك ورده، فإن سار، وجلس، وقام، ونام، وهو يقول ذلك ما عصى الله طرفة عين، إياك أن يجدك الله حيث نهاك، إياك أن يفتقدك حيث أمرك، أمرك بالسعي إلى المسجد يوم الجمعة، إياك أن يفتقدك، نهاك عن مجالسة الفسقة والظَلَمة، إياك أن يجدك حيث نهاك.
وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ﴿113﴾
آية تحتاج لخطبة منفصلة، واسمع خلاصة، وانتبه إن ففي الكلام معاني، وبين السطور كلام‫.‬‬
‫الركون‫:‬ الميل اليسير، وأصل الركون‫:‬ رَكَنَ يركَن، وركَنَ يركُن، وركِن أصل الكلمة‫:‬ استند، أو اعتمد، أو مَالَ، لكنه الميل اليسير بالركون غير الاعتماد بالكلية، وإنما هو نوع من أنواع الاستناد، أو نوع من أنوع الاعتماد على الشيء أو الميل (وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟) التعبير يختلف عن (الظالمين) فالذين ظلموا، الظُلم نٌسب إليهم مرة، مرتان، ظلم بفعل كذا، أو ظلم بقول كذا، لكن الظالم موسوم بالظلم، مختوم به، الذي ظلم نُسب إليه مرة، أو مرة، أو مدة، لكن الظالم حين يُنسب إليه الظلم إذاً فهو ملازم له، وصف، فحين يقول (وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟) إذاً فهو ينهى عن الميل، أو الاستناد، أو الاعتماد لمن نُسب إليه ظلم، فكيف بالظالم؟! وكيف بالذي تمرن على الظلم واشتُهر به وتمرس فيه؟ أنت قد تظلم نفسك يوما، وتظلم نفسك شهراً بالامتناع عن طاعة، أو بالإقبال على معصية، لكن الظالم هو ظالم على الدوام، والظالم يُطلق على المشرك (وَإِذْ قَالَ لُقْمَـٰنُ لِٱبْنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَـٰبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌۭ (١٣)) [سورة لقمان آية‫:‬ ١٣]، ويطلق على الظلم اليسير (ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (٨٢)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٨٢].‬
‫(شَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، قَالُوا‫:‬ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَقَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ الَّذِي تَعْنُونَ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ: (إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌۭ (١٣)) [سورة لقمان آية‫:‬ ١٣])، وهنا ينهي ربنا تبارك وتعالى عن الميل، أو الاستناد، أو الاعتماد إلى من نُسب إليه ظلم، فكيف يكون نهيه عن الركون للظَلَمة؟! وكيف يكون عقابه للظالم؟! (فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ) إذاً مجرد الميل اليسير إلى من نُسب إليه ظلم يعرّض الراكن إلى النار، فكيف بمن نُسب إليه ظلم، فكيف بالظالم؟! فكيف بمن اعتاد على الظلم؟! آية التهديد فيها أشد أنواع التهديد، والوعيد فيها أشد أنواع الوعيد، مجرد الميل إلى الظالم، أنت لم تظلم أنت ذهبت إليه وقلت‫:‬ ليس في الإمكان أبداع مما كان فصدقته بالكذب، ومدحته بما ليس فيه، أنت مُلهم في قراراتك، وأنت، وأنت، قالوا‫:‬ يا حذيفة عظنا، قال‫:‬ إياكم وأبواب الفتن، قالوا‫:‬ وما أبواب الفتن يا حذيفة؟ قال‫:‬ أبواب الأمراء تدخلون عليهم، فتصدقونهم بكذبهم، وتمتدحونهم بما ليس فيهم، وقال لنا الشيوخ‫:‬ إذا دخلت على الأمير، أخذت من دنياه، وأخذ من دينك، وقالوا، وقالوا، وهناك أنواع من هذا الميل، قالوا‫:‬ التزين بزيهم، كيف؟ قالوا‫:‬ الدخول عليهم، وممالئتهم، قالوا‫:‬ مدحهم في وجوههم، قالوا‫:‬ عدم الأخذ على أيديهم، قالوا‫:‬ عدم النهي عن ظلمهم، وساقوا الأحاديث، والأدلة (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ) حديث رواه الترمذي الميل اليسير، عدم الأخذ على يد الظالم، الاعتماد عليه، الاستناد إليه، أنا ابن فلان، أنا ابن أخت فلان، الوساطة، والاعتماد على ذوى السلطة إن كانوا من أهل الظلم، اللجوء إليهم، أن تؤيد بهم، أن تحصل على ما تريد بكلمتهم وأمرهم، كل ذلك من أنواع الركون، ليس ذلك فقط، واسمع (وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ) ما لكم من دون الله من أولياء يتولون أموركم، أو ينصرونكم، أو يمنعون عنكم العذاب، ثم لا تنصرون، لا دنيا، ولا أخرى، وصدق القائل (من اعتز بغير الله ذل، وجعل ذله على يد من اعتز به) العزيز هو الله، والعزيز من أعزه الله (وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ ) [سورة الحج آية‫:‬ ١٨] (وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)) [سورة المنافقون آية‫:‬ ٨] (مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ ) [سورة فاطر آية‫:‬ ١٠] إذاً فابتغوا العزة من الله؛ ولذا نصحنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) (اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ بِعِزَّةِ الأَنْفُسِ فَإِنَّ الأُمُورَ تَجْرِي بِالْمَقَادِيرِ) أما حملة القرآن فلا حاجه لهم عند مخلوق، بل حوائجهم إلى الله؛ لقوله (صلى الله عليه وسلم) (لَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ القُرْآنِ أَنْ يَسْأَلَ) لدرجة أنه رُوي عن الصحابة كان الرجل منهم يكون راكبا فيسقط سوطه، وهو على فرسه، أو على ناقته، لا يقول لأحد ناولني هذا السوط، بل ينيخ ناقته، وينزل ويأخذ ما سقط منه، ثم يركب بعد ذلك خشية السؤال، فقد نهى سيد الخلق عن قيل، وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال، وقال في حق حامل القرآن‫:‬ (لَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ القُرْآنِ أَنْ يَسْأَلَ) وقال للذين تلجئهم الضرورة للسؤال، أو الطلب (اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ بِعِزَّةِ الأَنْفُسِ فَإِنَّ الأُمُورَ تَجْرِي بِالْمَقَادِيرِ) فقد أمر ربنا (تبارك وتعالى) نبيه بالاستقامة، وأمر أمته كذلك، ومن تبعه إلى يوم الدين، والاستقامة هي جماع الأمر كله، فقد جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال‫:‬ يا رسول الله، قل لي في الاسلام قولاً، لا أسال عنه أحداً بعدك، فقال (صلى الله عليه وسلم): (قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ) والاستقامة فضل، والاستقامة سلامة، والاستقامة أمل، بشّر الله (تبارك وتعالى) أهلها فقال‫:‬‬
‫( إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١۳﴾ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿١٤﴾) [سورة الأحقاف آية‫:‬ ١٣ - ١٤] قال عز من قائل‫:‬ (إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴿۳۰﴾ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىٓ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴿۳١﴾ نُزُلًۭا مِّنْ غَفُورٍۢ رَّحِيمٍۢ ﴿۳٢﴾) [سورة فصلت آية‫:‬ ٣٠ - ٣٢] الاستقامة في العقيدة، الاستقامة في الأعمال، الاستقامة في الأقوال، وقد قيل‫:‬ إن الخط المستقيم أقصر الطرق للوصول إلى الهدف، ونهى ربنا (تبارك وتعالى) الأمة عن أمرين‫:‬ عن الطغيان، وعن الركون للظلمة، (وَلا تَطْغَوْا) والطغيان تجاوز الحد في كل شيء، والركون للظلمة، يعرّض الراكن إلى عذاب النار، وبئس المصير، ثم يتوجه الخطاب إلى سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) بأعظم عطية، وأجلّ هدية ألا وهي الصلاة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ﴿114﴾
الصلاة، ما من عبد يقف لأداء صلاة، إلا وتعرج روحه إلى سدرة المنتهى، حيث وقف نبينا (صلى الله عليه وسلم) وفُرضت عليه الصلاة (وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ) اجعلها قائمة، معدّلة، سليمة، لا زيع فيها، لا نقر كنقر الهدهد، ولا تلفت كتلّفت الثعلب، ولا إقعاء كإقعاء الكلب، الصلاة بخشوع، وقد رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) رجلا يصلي ويعبث بيده في لحيته وأشار إليه قائلا‫:‬ (لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ)‬
‫والآية في الصلوات المفروضة (وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ ) (طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ) : الطرف الأول صلاة الصبح، والطرف الثاني الظهر، والعصر، الغدو، والعشي من بعد الزوال إلى الغروب، (وزُلفاً من الليل) (وزَلَفَا من الليلً) (وزُلْفاً من الليل) (وزُلُفا من الليل) قراءات أربع للكلمة أصل كلمة أزلفه‫:‬ قرّبه، فالزلف‫:‬ الساعات القريبة بعضها من بعض، من أزلفه إذا قرّبه، وهي أيضا الساعات من الليل القريبة من النهار، إذاً فهي المغرب والعشاء (وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ) قيل الصبح والظهر والعصر، وقيل طرفي النهار والظهر والعصر (وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ ) المغرب والعشاء ساعاتها قريبة من النهار، والصبح قريب أيضا من النهار التالي (إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ) الحسنات هنا الصلوات الخمس، وقيل الحسنات عامة، والسيئات خاصة، الحسنات‫:‬ الصلوات الخمس في رأي الغالبية، الحسنات‫:‬ كل بر، كل خير، كل معروف، إماطة الأذى عن الطريق، الكلمة الطيبة (يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ) كلمة خاصة، تخص الصغائر، فالحسنات عامة، كل ما يندرج تحت كلمة الحسنات يذهب خاصة الصغائر؛ لأن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة (ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ) يتنبه العبد المتذكّر، وخص الذاكرين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بالتذكر، والتدبّر، والتفكّر، وصدق رسول الله (وَاتْبَعِ الحَسَنَةَ السَيَّئَةَ تَمْحُهَا) وصدق حين قال (وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ) وقد نزلت الآية فيما روى في رجل من الأنصار خلى بامرأة أجنبية عنه، فقبلها، وتلذذ بها فيما دون الفرج، فندِم وجاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبره فأعرض عنه النبي (صلى الله عليه وسلم) وكان عُمر جالسا، فقال للرجل لقد سترك الله، لو سترت على نفسك، وحضَرت الصلاة، وقام النبي (صلى الله عليه وسلم) فصلى العصر بالناس، ثم أرسل إلى الرجل، فجاءه فقرأ عليه، (وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ) (قَالَ الرَّجُلُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِلِيَّ هَذِهِ ؟ قَالَ : لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي)، وقيل‫:‬ إن السائل رجل من الجالسين عمر، أو غيره قائلا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) أله هذه خاصة يا رسول الله؟ قال‫:‬ (لَا بَلْ لِلنَاسِ كَافّّة)، وقد قال سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) مؤكدا لهذا المعنى‫:‬ (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ ، مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ) من هنا قيل‫:‬ إن لفظ الحسنات عام، ولفظ السيئات خاص، ويتوجه الأمر بعد ذلك بالصبر، ولا يمكن أن يكون الإنسان صابراً إلا إذا كان مقيما للصلاة، والمسألة مرتّبة، الاستقامة عدم الطغيان، عدم الركون للظَلَمة، إقامة الصلاة، والمحافظة عليها، ثم الصبر، فالصبر يحتاج لقلب قوي، يحتاج لشجاع أبيّ، يحتاج لرجل ثبت قلبه، واطمأن فؤاده، واستند إلى الواحد الأحد العلي؛ لذا يقول الله تبارك وتعالى بعد ذلك:
وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿115﴾
أي واصبر على الطاعة، واصبر عن المعصية، واصبر على أداء الرسالة، واصبر على أذى الكفار، ثم يبيّن أن الصلاة والصبر إحسان، فمن صبر وصلّى كان محسنا، كان من المحسنين، وهم أرفع درجات الأمة، وفي الآيات لفتة، وتأمل‫: الآيات بها أوامر بالخير، ونواهٍ عن منكر، وعن الشر صياغة الكلمات، أُفردت لسيد الخلْق في الأوامر بالخير، وعُمَّت على الأمة في النهي عن الشر، واسمع وتأمل (فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ) مفرد، والخطاب له، وإن كان المعنى عاما للجميع (وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ) (وَٱصْبِرْ) أما المنهيات فقال فيها (تَطْغَوْا۟) (وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟) ما أعلى مقامك يا سيدي يا رسول الله، وما أجمل الإشارة باستخدام الكلمات في الإفراد، والجمع، ويأتي التأسف على الأمم المُهلكة، على الأمم التي قُص علينا قصصها.
فَلَوْلَا كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُو۟لُوا۟ بَقِيَّةٍۢ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَآ أُتْرِفُوا۟ فِيهِ وَكَانُوا۟ مُجْرِمِينَ ﴿116﴾
‫(فَلَوْلَا) كما قلنا من قبل، وإن كانت تستخدم لإفادة امتناع الأمر لوجوده غيره كقوله (وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلَّا قَلِيلًۭا (٨٣)) [سورة النساء آية‫: ٨٣]، فامتناع اتباع الشيطان لوجود الفضل، لكنها أيضا تُستخدم بمعنى (هلا) للتحضيض هنا (فَلَوْلَا) بمعنى (هلا) المعنى (هلا كان من القرون من قبلكم) إذاً هو نوع من أنواع الترجّي، أو نوع من أنواع التحضيض، حتى يتعظ السامع، وإن كانت تحمل معنى التأسف، والأسى على هؤلاء الذين عميت أبصارهم، وأظلمت قلوبهم، فهلكوا (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ) القرون‫: جمع قرن، والقرن‫: الجيل من الناس، وقالوا‫: من قبل القرن‫: المائة من الأعوام، وقالوا، وقالوا، (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُو۟لُوا۟ بَقِيَّةٍۢ) أي ذووا فضل، ذووا عقل، ذووا فكر، ورأي ثاقب، كلمة (بَقِيَّةٍۢ ) في الأصل تستخدم لما يستبقيه الرجل ضاناً به، البقية إذا أنفق الرجل أو تصرف في شيء، يتصرف كيف شاء، ويبقى أفضل ما عنده لنفسه، فيسمي (بقيّة)؛ ولذا يقال الرجل للصالح الطيّب (بقيّة القوم) وقد تكون الكلمة مصدر كتقيّة، ويصبح المعنى (أُو۟لُوا۟ بَقِيَّةٍۢ ) أي ذووا إبقاء على أنفسهم، وصيانة لها من العذاب، أبقى على نفسه أي صانها من العذاب، والهلاك (أُو۟لُوا۟ بَقِيَّةٍۢ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلْأَرْضِ) النهي عن المنكر، وأهمية النهي عن المنكر، واستمع، وتأمل (إِلَّا قَلِيلًۭا) الاستثناء هنا منفصل بمعنى (لكن) لكن قليلا منهم كانوا ينهون عن الفساد، فأنجاهم الله، إذاً فالنهي عن المنكر ينجّي الناهي، وإن عمّ العذاب (إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ ) أي لكن قليلا من هؤلاء الناس، أو من هذه القرون القليل منهم، كانوا ينهون عن الفساد، ففازوا بالنجاة في الدنيا من الاستئصال، وفي الآخرة من العذاب (وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَآ أُتْرِفُوا۟ فِيهِ وَكَانُوا۟ مُجْرِمِينَ) الذين ظلموا‫: أشركوا، الظلم‫: الشرك، الكفر، وظلم دون ظلم، وظلم فوق ظلم، الظلم‫: وضع الشيء في غير موضعه، والظلم‫: أخذ حق الغير، والظلم‫: منع الحق عن صاحبه، ما أُترفوا فيه‫: أنعموا فيه، والتُرفة‫: النعمة، تَرَفَ الرجل‫: تنعّم (وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَآ أُتْرِفُوا۟ فِيهِ) أي إنهم اتبعوا هواهم، وتمسكوا بالنعم العاجلة، وعملوا في الدنيا من أجل الدنيا، واستمتعوا بنعيمها الزائل، واهتموا بجمع الأموال، واهتموا بالشهوات، واللذائذ، فعبُّوا منها دون حساب (وَكَانُوا۟ مُجْرِمِينَ) كفّار متمرسين على الكفر، وكأن الآية إذا تساءلت عن وضعها في السياق (فاستقم كما أمرت - لا تطغوا - لا تركنوا إلى الذين ظلموا - أقم الصلاة - اصبر) في سياق الأوامر والنواهي جاءت الآية (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُو۟لُوا۟ بَقِيَّةٍۢ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلْأَرْضِ) فالآية إعلان، الآية بيان، الآية تدلل على سبب الإهلاك، لم أُهلكوا؟ لم استئصلوا؟ لهذه الاسباب‫: فشُوّ الظلم بينهم، اتباع الهوى، عدم النهي عن المنكر، الكفر، تلك أسباب استئصالهم بالعذاب، ثم يقول الله (تبارك وتعالى) مبيّنا وهو الغني عن البيان (سبحانه وتعالى).
وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴿117﴾
تعليل، بيان، يبيّن ربنا تبارك وتعالى لكل من يسمع، ويعقل أن إهلاك القرى واستئصال القرون المكذبة، كان بشؤم أفعالهم، بفشوّ الظلم، بعدم النهي عن المنكر، باتباع الهوى بالكفر، ثم يقول‫: إن الكفر وحده لم يكن سببا للإهلاك، بل كان سبب الإهلاك الأساسي هو فشوّ الظلم، وانتشار المنكر (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ) بكفر (وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) فيما بينهم، لا تظالم، ولا تباغي، ولا انتشار للمنكر؛ لذا قالوا‫: يدوم الملك مع الكفر، ولا يدوم الملك مع الظلم ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ) بكفر فقط لكنهم جمعوا إلى كفرهم أموراً أخرى، واستمع بذاكرتك لما تُلى عليك من السورة، ماذا كانت أوامر الأنبياء لأممهم (أَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ (١٨١)) [سورة الشعراء آية‫: ١٨١] (وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)) [سورة البقرة آية‫: ٦٠] (أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٨٠)) [سورة الأعراف آية‫: ٨٠] وهكذا تجد أن الأمم المُهلكة، والتي جاء خبرها في سورة هود، جمعوا إلى كفرهم أموراً أخرى تظالم، وتباغي، وفواحش، ومنكرات، وعدم تناه عن المنكر، وعدم ارتداع عن الشر، من أجل ذلك أُهلكوا، لا من أجل كفرهم فقط، وإلا ما بقيت الأمم من حولنا، والتي تراهم ينكرون وجود الله، وهناك معنى آخر للآية (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ) بسبب ارتكاب السيئات والمنكر (وهم مصلحون)، وهم مؤمنون، صحت عقيدتهم أي أن الله لا يهلك الناس بالسيئات، أو المعاصي، أو الصغائر، أو بعض الكبائر إذا كانت العقيدة صحيحة، واللغة تحتمل المعنيين‫: إما عدم الإهلاك بالكفر وحده، وإنما جمعوا إلى كفرهم المنكرات، والفواحش، والتظالم، وإما عدم الإهلاك بالمعاصي، إذا صحت العقيدة، وإجابة على التساؤل الذي يسأل الإنسان فيه نفسه عن حكمة الخلْق في الناس بار، وتقي، وفي الناس عاق وشقي لِمَ؟ ولماذا؟ ممنوعان في شأن الله (عز وجل) إذ هو لا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون، لكن الله يقول لذوي البصائر، وللمتأملين، وللمتفكرين، وللمتذكرين.
وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿118﴾ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿119﴾
‫(وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۖ ) على دين واحد، على قلب رجل واحد، كالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، على ملة واحدة، على دين واحد، على ملة الاسلام، على ملة إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين، ولو شاء ربك لكنه لم يشأ، له حكمة في ذلك، إذاً فهو قادر على تحقيق مشيئته، لكن الأمر غير الإرادة، أمرهم بالائتلاف، أمرهم أن يكونوا على دين واحد، على ملة الاسلام، لكنه لم يشأ ذلك منهم، فالأمر غير الإرادة، والآية دليل على ذلك (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) على أديان شتى، وعلى ملل ونحل مختلفة، منهم من هو على الحق، ومنهم من هو على الباطل، منهم الصالح، ومنهم الطالح، منهم الطائع، ومنهم العاصي (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿١١۸﴾ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ ) الاستثناء أيضا منفصل، بمعنى الكل مختلف لكن من رحمه الله ثبت على الحق، ولم يختلف، ولم يبعد عن الحق قيد شعرة (إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ ) وتحيّر العلماء (وَلِذَٰلِكَ) لفظ إشارة إلى أي شيء؟ اللام للعاقبة فيه، ليكون الأمر كذا (وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ ) الضمير (هم) إن كان عائدا على الناس، فالإشارة بذلك للاختلاف، أي خلقهم ليختلفوا، خلقهم ليكون فريق على الحق، وفريق على الباطل، وإن كان الضمير لكلمة (مَن) إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم، فالإشارة للرحمة (وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ ) أي ولرحمة خلقهم، وجاء رأي ثالث هو الأرجح الإشارة للأمرين معا (وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ ) أي خلقهم للاختلاف، وللرحمة، فمنهم من يرحمهم، ومنهم من لا يرحمهم، منهم من يتركهم في غيهم، ومنهم من يهديهم إلى الحق، فريق في الجنة، وفريق في السعير، فالإشارة للأمرين معا، ولكن هل يصح الإشارة بكلمة (ذلك) التي يشار بها إلى المفرد، هل يصح أن يشار بها إلى أمرين اثنين متضادين أو حتى متفقين؟ نعم يصح، والدليل من القرآن أساس اللغة، القرآن يعلو، ولا يُعلى عليه، والقرآن فوق اللغة، وتؤخذ اللغة منه، وتؤخذ أحكام، وإعراب اللغة وفنونها من القرآن (لَّا فَارِضٌۭ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٦٨] إشارة مفرد‫.‬‬
‫(وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا۟ لَمْ يُسْرِفُوا۟ وَلَمْ يَقْتُرُوا۟ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًۭا (٦٧)) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٦٧] (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًۭا ﴿١١۰﴾) [سورة الاسراء آية‫:‬ ١١٠] (قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)) [سورة يونس آية‫:‬ ٥٨]، والأمثلة كثيرة، إذاً يصح أن تكون الإشارة للأمرين وذاك أوقع، وأرجح، وأشبه بالصواب، والله أعلم بمراده (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ) تمت‫:‬ ثبتت، وجب قضاؤه وحكمة الأزلي وتمام الكلمة عدم قبولها للتعبير والتبديل، وجب قضاؤه وحكمه الأزلي الذي هو (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) وكلٌ لها ملؤها، للنار ملؤها، وللجنة ملؤها (مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (مِنَ) هنا لبيان الجنس من (ٱلْجِنَّةِ) : الجن أي من صنف الجن، ومن صنف الناس (أَجْمَعِينَ) كلٌ مجموع فيها‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم تأمل، واستمع لكلام الله ربنا (تبارك وتعالى) يتكلم من أكبر وأجلّ النعم على الإطلاق، أن تسمع لرب العالمين يتكلم، ولو شاء ربنا لأرسل الرسل بأوامر هم يسمعونها، ثم هم يقولون، فتسمع لكلام بشر، مهما علا مقام الرسول، ومهما علا مقام النبي، فالكلام كلام الناس، أما الفضل الأعظم، والنعمة الكبرى، أن من استمع القرآن استمع لله شخصيا، ومن قرأ القرآن تكلم بكلام الله، ومن قرأ القرآن جلس مع الله، والحديث القدسي يقول فيه رب العزة (أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي) وتُختم السورة ببيان العلة من القصص لم أخبرنا بقصص هؤلاء‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَكُلًّۭا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ وَجَآءَكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌۭ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿120﴾
ها هي العبرة، والاتعاظ أيضا حين يقول للنبي (صلى الله عليه وسلم) (مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ ) أي نقص عليك من القصص ما به يزداد يقينك، ويطمئن قلبك، وتثبت نفسك على أداء الرسالة، واحتمال أذى الكفار، إذا فالقصص لزيادة اليقين، وطمأنينة القلب، وثبات النفس على أداء الرسالة، والصبر على أذى المنكرين، الجاحدين (وَكُلًّۭا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ) أي كل القصص الذي تم إخبارك به من أنباء الرسل الذين سبقوك، كيف صبروا! كيف احتملوا! كيف أدوا رسالتهم! كيف حاق بالمكذبين العذاب! إذا استمعت وتأملت، وتدبرت زاد يقينك، وثبت فؤادك، واطمأن قلبك، واستطعت أن تصبر، وأن تتحمل أعباء الرسالة، وليس له وحده، بل الفضل له ولآمته (صلى الله عليه وسلم) (وَجَآءَكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌۭ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ) إذا فله وللأمة والموعظة‫:‬ ما يُتعظ به، والعاقل من اتعظ بغيره، والموعظة‫:‬ الأمر الذي إذا سمعه العاقل، أو علم به، أو رآه خاف على نفسه، فجنبها الوقوع فيما وقع فيه غيره (وَمَوْعِظَةٌۭ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ) وخص المؤمنين بالذكر، إذ هم المنتفعون باستماع القصص، والتدبر فيه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَـٰمِلُونَ ﴿121﴾ وَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴿122﴾
تهديد أعقبه بالوعيد، والمهدد قادر، والمتوعِد جبار، لا يُسأل عن شيء، ولا حجة لأحد بين يديه، ولله الحجة البالغة يوم القيامة (وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) بهذا الكلام، وبهذا القرآن، وبنبوتك، وبرسالتك، قل لهؤلاء الجاحدين اعملوا ما استطعتم، وتآمروا، وتآمروا كيف شئتم، استخدموا ما أوتيتم من مكر، وحيلة كما قال نوح (فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةًۭ ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ (٧١)) [سورة يونس آية‫:‬ ٧١] كلمة هود، كلمة صالح، وكلمة شعيب تحدي الرجل المفرد للأمة، للجماعة، للقوة، للكفر، والجحود والاستكبار ها هو يتحداهم سيد الخلق، واثقا من ربه مطمئنا لنصره (وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ) مكُن وتكّن من الشيء (إِنَّا عَـٰمِلُونَ) أنتم في كفركم، وغيكم، ومكركم، وتآمركم اعملوا ما شئتم، ونحن نعمل في طاعة الله، أنتم تعملون، ونحن نعمل، تهديد (وَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ) انتظروا ما يحيق بكم، إنا منتظرون ما ينصرنا الله به، ويؤيدنا الله به، وينجينا كذلك كما فعل بمن كان من قبل، وتختم السورة ببيان استمع إليه، وتفكّر، وتدبّر‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلْأَمْرُ كُلُّهُۥ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿123﴾
بيان جمع الأمر كله، خلاصة البيان في كلمتين ليس لنا من الأمر شيء، فالأمر كله لله، هو الفعال لما يريد، ما شاء كان، وما شئنا لا يكون إلا أن يشأ، المشيئة له، والإرادة له، والحكم والقضاء له، والأمر له، الخلْق خلْقه، والأمر أمره، لا يغيب عنه شيء، ولا يفلت منه شيء، لا يعجزه شيء (وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) والشهادة كذلك، واستغنى عن ذكرها بذكر قسيمها كقوله (سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ) [سورة النحل آية‫:‬ ٨١] ، ولم يقل (سرابيل تقيكم البرد)، وأنت تفهم، كذلك لله غيب ما غاب عن كل الناس، ما غاب عن الخلائق، وكذلك له الشهادة له ملك كل شيء أو (وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) أي له علم ما غاب عن الكل، هو يعلم وأنتم لا تعلمون (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلْأَمْرُ كُلُّهُۥ) يَرجع "قراءة" لا أمر لأحد، والأمر له، هو الآمر، ولا أمر لمخلوق إلا بإذنه، وإليه يرد الأمر كله، هو الآمر وكل ما في الدنيا من أمور ترجع إليه يوم القيامة، فيقضي فيها بما يشاء، ذاك شأنه، له الملك، وله الخلْق، وله الأمر، وله المشيئة، وله الإرادة، وله الحكم، أين نحن من كل ذلك؟ أمران فقط، وإياك أن تتعداهما‫:‬ (فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ ) نحن العبيد، أمرنا بأمرين فقط‫:‬ العبادة، والتوكل، ولكن تنبّه قدّم العبادة على التوكل إذاً لا يمكن أن يأتي في التوكل الصحيح إلا من العابد، ولا ينفع التوكل إلا من العابد، ولا ينفع التوكل إلا العابد، فمهما توكل العاصي لا ينفعه توكله، ومهما توكل الكافر لا يجدي معه توكل، وإنما التوكل ينفع العابد؛ لذا قدّم العبادة على التوكل لتتدبر، وتفهم، ثم لا يرضى ربنا إلا بالإخلاص في هذين الأمرين؛ لذا ينبّه قائلا (وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) يرى إخلاص المخلص، ويرى صدق الصادق، لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خماصا وتروح بطاناً (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِۦ ۚ ) [سورة الطلاق آية‫:‬ ٣]. (فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).‬
‫وبهذا البيان الواضح خُتمت سورة هود والتي سُميت على اسم نبي الله هود ذاك الرسول الصابر، العابد، المتوكل، الذي انتصر بنصر الله (عز وجل) انتهت سورة هود، والتي قال فيها سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) "شَيَّبَتْنِي هُودٌ."‬‬‬‬