سورة هود
مقدمة
لقاؤنا اليوم مع سورة هود، سورة هود، سورة مكية، نزلت بمكة، آياتها مائة وثلاث وعشرون آية، تهتم سورة هود ببيان عقيدة التوحيد، والتدليل عليها، وتهتم ببيان البعث، والحساب، والثواب، والعقاب، وتميز بين الناجين، وبين الهالكين، سورة هود فيها قصص بعض الأنبياء: نوح، هود، التي سُميت السورة باسمه، صالح، لوط، موسى، هارون، سورة هود نزلت بعد وفاة السيد خديجة أم المؤمنين (رضي الله عنها وأرضاها) وكذلك بعد وفاة عم النبي (صلى الله عليه وسلم) وكان العام، عام الحزن، نزلت السورة تسرِّي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتحكي له كيف عانى الأنبياء من قبله! كيف لقوا من أذى أقوامهم! كيف صبروا! وتبين أن القصص قص عليه؛ ليثبت الله به فؤاده، سورة هود تهتم كثيرا بعقيدة التوحيد، وفيها التحدي لكفار مكة أن يأتوا بمثل هذا القرآن، افتتحت السورة بالحروف المقطعة:
الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴿1﴾
أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۚ إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ ﴿2﴾
وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَـٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ كَبِيرٍ ﴿3﴾
إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ﴿4﴾
أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴿5﴾
الجُزءُ الثاني عشر
يقول، عز من قائل:
وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّۭ فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿6﴾
وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿7﴾
وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍۢ مَّعْدُودَةٍۢ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿8﴾
أيها الأخ المسلم وما النتيجة؟ وما النهاية؟ هذه الزينة في السماوات، النجوم بالبلايين لا عد لها ولا حصر، ولا يُعرف عددها، وفشل العلماء في عدّها، الأحجام المهولة، السماوات وما فيها، الأرض وبما فيها من كنوز، الأقمار، الشموس، كل ذلك ما نتيجته، وما نهايته؟ الدمار الهدم، التفجير (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةًۭ لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ﴿۷﴾ وَإِنَّا لَجَـٰعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًۭا جُرُزًا ﴿۸﴾) [سورة الكهف آية: ٧ - ٨]؛ ولذا قيل في كل يوم تشرق شمسه، ينادي المنادي أهل الأرض لِدُوا للموت، وابنوا للخراب، لدوا: فعل أمر وَلَد يلد.
تحدثنا الآيات عن الإنسان عموما، أو خصوصا فيما يتعلق بالكافر، إذ يقول الله (عز وجل):
وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ ثُمَّ نَزَعْنَـٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌۭ كَفُورٌۭ ﴿9﴾
وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌۭ فَخُورٌ ﴿10﴾
إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌۭ كَبِيرٌۭ ﴿11﴾
فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌ ﴿12﴾
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍۢ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَـٰتٍۢ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿13﴾
فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴿14﴾
قال بعض الناس: تعظيما لسيد الخلق أن يخاطب بصيغة الجمع، كما يخاطب العظماء، والملوك، وقال بعضهم: الكلام للنبي (صلى الله عليه وسلم) وللمؤمنين؛ لأن التحدي صادر على لسانه، وعلى لسان كل من يقرأ القرآن، وهذا التحدي تحدي من النبي (صلى الله عليه وسلم) ومن المؤمنين، كذلك فالإجابة لهم فإن لم يستجيبوا لكم أيها المؤمنون (فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ) أي متلبسا بعلم لا يعلمه إلا الله، ولا يقدر عليه سواه (وَأَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ ) أي العالم القادر الذي لا يعلم، ولا يقدر على ما يعلمه ويقدر عليه (فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) فإن كان الخطاب للمؤمنين، أي بعد ما ثبت عجز الكفار، وبعد ما لزمتهم الحجة، وبعد ما أزيل عنهم العذر، هل أنتم ثابتون على إسلامكم؟ راسخون فيه متيقنون من أنه الحق، فهل أنتم مواظبون على هذا مستمرون على إسلامكم؟ وقد يكون الخطاب للكفار (وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ) الخطاب لمشركي مكة، فإن لم يستجيبوا لكم يا أيها المشركون إذا لم يستجب لكم دعوتموهم، وعجزوا عن الإجابة، عجزوا عن الإتيان بما تقترحونه أنتم، تبيّن قصوركم، واتضح عجزكم، فإن عجزوا الآخرون ولم يستجيبوا لكم في الإتيان بما اقترحتموه من سور تشبه سور القرآن، (فَٱعْلَمُوٓا۟) تحذير وتهديد (أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ) أن هذا القرآن هو كلام الله، نزل متلبسا بعلم لا يعلمه سواه، (فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُون) سؤال معنا الأمر، معناه الإيجاب، أي أسلموا، ودخلوا في الإسلام، فقد أُزيل العذر، وظهر الحق، ولا حجة لكم، كقوله في تحريم الخمر (فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (٩١)) [سورة المائدة آية: ٩١] سؤال معناه الأمر (فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُون) سؤال ألزمهم الحجة، وأزاح عذرهم، وعجزوا عن الإتيان بسورة، أو بعشر سور، أو بمثل القرآن، وهكذا ويضرب ربنا تبارك وتعالى المثل للناس من أراد الآخرة، وسعى لها سعيها، ومن أراد الدنيا وكانت هي جُلّ همه، فيقول، عز من قائل:
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴿15﴾
أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَـٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿16﴾
القول: الأول هم الكفار الذين لا يطمعون في الآخرة، ولا يرجون ثوابه، ولا يخافون عقابه، وجلّ همهم، وكل عملهم من أجل الدنيا، بدليل (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ ) وقال البعض: بل هي في أهل النفاق، الذين ابتغوا بأعمالهم الحصانة، هم كفروا في الباطن، وأظهروا الإسلام كي ينالوا ما يناله المسلمون، ويكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين.
والقول الثالث: بل هي في أهل الرياء، والرياء هو الشرك الخفي، الذي يبتغي بأعماله مديح الناس، وهؤلاء الذين قال في شأنهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين يحشروا يوم القيامة، يقال لهم: صمتم، وصليتم، وتصدقتم، وجاهدتم، وأنفقتم، لكي يقال ذلك، وقد قيل، هؤلاء أول من تُسعر بهم النار، نعم ثلاثة، أول من يحاسب يوم القيامة ثلاثة: عالم، ومجاهد، ومنفق، يقول فعلت، وفعلت، فيقال له: بل فعلت ذلك ليقال عالم، ليقال مجاهد، ليقال منفق، وقد قيل، ثم يؤمر به، فيُقذف في النار، فالآية في أهل الرياء، وقال رأي رابع وهو الأرجح: الآية مطلقة عامة في كل من أراد بعمله الدنيا، ولم يُرد وجه الله من الكفار، والمنافقين، وأهل الرياء، والمؤمن إذا أخطأ ولو مرة نوفَّ إليهم الأجور، والأعمال، في الدنيا يأخذوا ميزة صورة العمل، وتبقى أوزار النية، بمعنى رجل كافر بنى ملاجأ للفقراء، والأيتام، تصدق بالأموال على المساكين، فعل ما فعل من الصالحات، لا يضيع أجره، وإنما يأخذه وافيا كاملا في الدنيا، صحة، ومال، وستْر، وجاه، وسلطان، وسعادة، وفي الآخرة فلا عمل له، ولا ثواب، لأنه قد أخذ أجرة في الدنيا، وكذلك المرائي والمنافق، كان من المنافقين من يخرج مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الجهاد والغزو، ويحصل على الغنائم، ومنهم من يصلي معه في مسجده، هؤلاء يوفَون أجورهم كاملة في هذه الدنيا، أما في الآخرة، فلا ثواب، ولا أجر، فكل من أراد بعمله مدح الناس، أو الكسب في الدنيا، ولم يرد به وجه الله، عوقب بهذا العقاب المذكور في الآية:
(أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَـٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ) ؛ لذا نصحنا العلماء، وقالوا: ما يبتغى به وجه الله، إن ابتُغيت به الدنيا حبط العمل، وضاع صاحبه، فالعبادات يُبتغى بها وجه الله، الصلاة، الصيام، الإنفاق، قراءة القرآن، ودعوة الناس، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كل الصالحات يبتغى بها وجه الله، فإن ابتغى صاحبها بها الدنيا هلك، وكان ممن تُسعر بهم النار(أُو۟لَـٰٓئِكَ) الذين أرادوا الدنيا (لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ ) فإن كانت الآية في الكفار، فالكلام عن خلدهم في جهنم، وإن كانت الآية في المنافقين، فإن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وإن كانت الآية في بعض المرائين من أمة محمد، فهُم في النار الفترة التي يقضي بها الله، ثم يخرجون بالشفاعة، أو بالقبضة، أيها أراد الله، (وَحَبِطَ) هلك وضاع (مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا) في الدنيا لا يجدونه في الآخرة (وَبَـٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ) أي أن الأعمال الصالحة التي عملوها باطلة، زاهقة، لا ثواب لها؛ لأنها لم يُرد بها وجه الله؛ ولذلك يُحكى في أحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) عن يوم القيامة أحاديث كثيرة لبيان الموقف، يؤتي يوم القيامة بالرجل تفرح به الحفظة، والكتبة، ويأتون بالسجلات مد البصر من الأعمال الصالحة، فيقول الله (تبارك وتعالى): ألقوها بعيد فما أُريد بها وجهي، الكتبة تكتب صور الأعمال، لكن النية سر بين العبد وربه، لا يطلع عليها ملك فيكتبها، ولا يفسدها شيطان أبداً مهما كان؛ لذا كان الله هو المحاسب بنفسه يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) واعظا ومنبهاً (كُونُوا أَبْنَاءَ الآخِرَةِ , وَلا تَكُونُوا أَبْنَاءَ دُنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ أُمٍّ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا) فبعد أن بيّن الله (تبارك وتعالى) حال هؤلاء الذين أرادوا بأعمالهم الدنيا، ولم يريدوا بها وجه الله (عز وجل) يضرب المثل ويعطي المقارنة بين المؤمن، وبين الكافر، ولك أن تحكم فيقول، عز من قائل:
أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌۭ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًۭا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿17﴾
(وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ ) (بِهِۦ): محمد (صلى الله عليه وسلم) (بِهِۦ) : القرآن، (بِهِۦ): بمن أنزل القرآن، الأحزاب: مشركوا مكة، ومن ظاهرهم من أهل الملل والنِحَل المختلفة إلى أن تقوم الساعة لقول المصطفى (صلى الله عليه وسلم) (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَا يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، وَمَاتَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) هذا هو معنى الحديث أن من سمع بمحمد (صلى الله عليه وسلم) ولم يؤمن به إلى أن تقوم الساعة، فهو من أهل النار (وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ) كل من تحزب ضد الإسلام، كل من حازب عقيدة الإسلام، كل من طعن في القرآن، كل من طعن في نبوة سيد الأنام، وقد كثر الطعن في أيامنا هذه، ورحبت دول الكفر بالمسلمين المرتدين عن العقيدة، وأقامت لهم الحراسات، وشيدت لهم القصور، وأنفقت عليهم الأموال، وهيأت لهم الأحراس، (فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ ۚ ) والخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، والمراد الأمة كما في نظائرها، وشرحنا من قبل أنواع الخطاب في القرآن، المِرية، المُرية: الشك والتردد.
مريت الفرس: اختبرت ما عندها من الجري، ومَريت الناقة، مسحت على الضرع لأرى ما عندها من اللبن (فَلَا تَكُ) : أيها السامع وإن كان الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) وإنما والمراد غيره (تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ ۚ ) في شك منه من القرآن، من أن النار موعده، فلا تكن في شك من هذا الوحي (إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ) القرآن، الوعد، والوعيد.
(وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) للأسف لا يؤمنون، رغم وضوح البرهان، رغم سطوع الإسلام كسطوع الشمس، الحق أبلج، والباطل لجلج؛ ولذا تأتي الآيات بعد ذلك لتشرح، وتوضح، وتبين موقف هؤلاء يوم القيامة.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَـٰدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿18﴾
ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ ﴿19﴾
أُو۟لَـٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَـٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ ﴿20﴾
أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿21﴾
لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ ﴿22﴾
فالمعاصي أنواع، والظلم درجات، ومنذ خلق الله (تبارك وتعالى) الخلْق، والعدل قائم، والظلم موجود، والطاعة موجودة، والعصيان موجود، وخلق الله (تبارك وتعالى) الدنيا؛ ليختبر الناس؛ وليبتليهم أيهم أحسن عملا، أعلى درجات الشرك، أعلى درجات الظلم، أن يُنسب لله ما ليس له، أو يُنفى عنه ما هو له؛ لذا يقول الله (تبارك وتعالى) (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ ) سؤال، هل هناك من هو أظلم ممن افترى على الله كذب؟ لا أحد.
افترى على الله الكذب: اختلقوا على الله الكذب بأن ينسبوا إليه ما لم يقله (وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةًۭ قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ ) [سورة الأعراف آية: ٢٨].
نسبوا كلامه إلى غيره، فزعموا أن القرآن مفترى، إذاً فقد نسبوا إليه ما لم يقله، ونسبوا لغيره ما قاله، أيضا زعموا له الولد، وزعموا له الشريك، وزعموا أن الأصنام تشفع، كل ذلك افتراء على الله؛ لذا قال من أظلم من هؤلاء؟ لا أحد (أُو۟لَـٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ) : كل الخلائق تعرض على ربهم، لكن هؤلاء لهم عرض خاص، لهم مشهد خاص، مختص بهم، فضيحتهم، وخزيهم، وعارهم، لا مثيل له (يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَـٰدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ) (ٱلْأَشْهَـٰدُ) : جمع شاهد، أو جمع شهيد، والشاهد والشهيد: الحاضر، والأشهاد، الهاتفون في هذا اليوم علنا من هم؟ قيل: الأنبياء، تشهد الأنبياء على أممهم، وقيل: الصالحون، والأولياء، والعلماء، وكذلك الملائكة الكتبة، والحفظة، وكذلك الجوارح، تشهد عليهم ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم، وكذلك تشهد عليهم جلودهم، كل هؤلاء في وقت واحد في نَفَس واحد يشيرون إلى هؤلاء علناً، ويقولون: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، في يوم العرض، في يوم القيامة، يوم يشيب الولدان، يوم ترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، يوم تضع كل ذات حمل حملها، يوم تجلّى الجبار للحساب، والعقاب، والثواب (أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ ) اللعنة: الطرد من رحمة الله، إذاً فقد فُضحوا في العلانية، ونالهم الخزي، وأصابهم العار، والظلم: وضع الشيء في غير محله، وهؤلاء ظلموا أنفسهم، وضعوا الأشياء في غير محلها، فنسبوا إلى الله ما لم يقله، ونسبوا كلامه إلى غيره، وزعموا له الولد والشريك، فوضعوا الأمور في غير محلها، ألا لعنة الله على الظالمين (ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ) إما الكلام عن هؤلاء الذين عُرضوا على ربهم، وقال الأشهاد في شأنهم (أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ) وإما هو افتتاح كلام. سبيل الله: الإسلام. سبيل الله: الطاعة، هؤلاء يصدون أنفسهم، ويصدون غيرهم عن طريق الله (يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا) يطلبون لها عوجا، العِوَج. عَوجَ، عِوَجاً، العَوَج في الأشياء المرئية، والعِوَج في الأشياء المعنوية، كالرأي والقول، وما إلى ذلك، فهؤلاء يصدون عن سبيل الله، يبعدون الناس عن الإيمان بالرسل، يبعدون الناس عن الطاعة، يأمرونهم بالفحشاء، يصدون أنفسهم كذلك، ويطلبون لطريق الله - طريق الهدى - أن تكون معوّجة غير مستقيمة، أو يطلبون لأتباعها، أتباع الطريق المستقيم، العوج، ويزعمون أنهم على غير هدى، وأنهم في ضلال (وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ) الآخرة: القيامة، الآخرة: ما يشمل جنة، ونار، وميزان، وحساب، وبعث، ونشور، هؤلاء الذين صدوا عن سبيل الله، طالبين العوج، طالبين لأهلها الزيغ، والانحراف، هم أيضا كفروا بالبعث، وكفروا بالنشور، وأنكروا الجنة، والنار، ويؤكد القرآن هذا بقوله (وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ) (وَهُم) مكررة لتأكيد كفرهم، واختصاصهم به، كأنهم هم المختصون بالكفر(أُو۟لَـٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَـٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ) السؤال طالما كان هؤلاء في هذا العتو، وهذا الجبروت، يصدون عن سبيل الله، يؤذون الأنبياء، يقتلون المؤمنين، يؤذونهم، يريدون العوج، يكفرون بالله، ينسبون له ما لم يقله، يزعمون له الولد، يشركون به، يجحدون بنعمه، لِم تركهم في الدنيا؟ هل لعجز؟ هل لأنهم كان لهم من ينصرهم؟ هل كانوا في قوة ومنعة؟ هل فاتوا الله؟ هل أعجزوه؟ تجيب الآيات على كل هذه التساؤلات رغم شدة كفرهم، وعتوهم، وجبروتهم في كل القرون، وفي كل الأزمنة، وفي كل الأمم (لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ) لم يكونوا فائتين، أعجزه: أي جعله عاجزا عن إدراكه، أي ما أعجزوا الله ما جعلوه عاجزا عن إدراكهم، وأخذهم في هذه الدنيا (وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ) إذاً هم لم يكونوا على قوة أو مَنَعة، لم يكونوا معجزين، ولم يكن لهم أيضا من يمنعهم أو ينصرهم أو يحميهم (يُضَـٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ ) (يضعّفُ لهم العذاب) قراءة، وكأن مضاعفة العذاب لها سبب، هي نتيجة لكفرهم، وفسقهم، وصدّهم، وفجورهم، وافترائهم الكذب على الله، وتُركوا في الدنيا، وأُمهلوا، وأُجِّلوا ليوم القيامة، فضُعِّفَ لهم العذاب؛ لأنهم في الدنيا ما كانوا يستطيعون السمع، وما كانوا يبصرون، وكأن كلمة (مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ) تدل على العلة في مضاعفة العذاب، أو الكلام عائد على الأولياء الذين ما استطاعوا نصرهم، وما كانوا يسمعون، لكن الأرجح فيها أن الوصف وصف الكفار، (مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ) في الدنيا، هل حُرموا السمع، وهل حُرموا البصر؟ لهم أسماع، ولهم أبصار، لكنهم لم يستخدموا أسماعهم، ولا أبصارهم فيما خُلقت له. أي ما كانوا يستطيعون السمع النافع، الذي ينفعهم، صموا آذانهم عن الحق، وما كانوا يبصرون الآيات، والدلائل، والبراهين (خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ) كفروا في هذه الدنيا، استمتعوا بحياتهم، بُعثوا وكأن الدنيا لم تكن، شَهد عليهم الأشهاد يوم القيامة، فوقعوا في الخزي، والعار، والفضيحة لم يكن هناك مانع يمنع من تعذيبهم في الدنيا، ولكنهم أُخِروا، وأُجِلوا ليكون العذاب أشد، وأَدْوم، وأفظع، عذاب الدنيا له نهاية، نهاية عذاب الدنيا الموت، أقصى ما في الدنيا الموت، مهما تألم المريض، ومهما تعذب، ومهما تأوّه، إما أن يُشفى، وإما أن يُغمى عليه من شدة الألم فلا يشعر، وإما أن تصيبه الغيبوبة كما يحدث مع المرضى، وإما أن يموت، لكن عذاب الآخرة ليس فيه إغماء، وليس فيه إنعاش، وليس فيه شفاء، بل يأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت، لا نهاية لهم، من هنا أجّل الله (تبارك وتعالى) العذاب، رغم ضعفهم، ورغم قدرته عليهم، ورغم أنه ما كان لهم من أولياء يمنعون عنهم العذاب، أخّر، وأمهل، لعلهم يرجعون، لعلهم يتوبون، مد في أعمارهم، أرسل الرسل، أنزل الكتب، ساق الآيات تلو الآيات، الدلائل، البراهين في السماء، وفي أنفسكم، وفي الأرض، أفلا تبصرون؟ آيات في كل مكان، وفي كل لحظة، في كل لمسة، وفي كل نَفَس، حتى الأنفاس تتنفسها بلا إرادة منك، هل تتنفس بإرادتك، هل أنت تتحكم في أنفاسك؟ حتى النَفَس لا يد لك فيه، آيات تدل على وجود الله، ومد في أعمارهم، فماتوا على كفرهم، هنا كان لابد من فضيحتهم، كان لابد من طردهم، ولعنهم، وطردهم من الرحمة، (خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ) تعبير غاية في الوضوح، وغاية في الخفاء، كيف خسروا أنفسهم وما معناها؟ وكأن الإنسان إذا كسب نفسه نجا، ونجت نفسه، وسعِد، وإذا خسر نفسه كأنه في مكان النفس في مكان آخر، كأنه أوْدى بها إلى الهلاك، كأنه ألقى بها إلى التهلكة بيده، كرجل يشعل النار في نفسه، كرجل يأخذ خشبة أو مخراز ويفقأ عينه بنفسه، كرجل يأخذ عودا ويضعه في أذنه كي يصاب بالصمم، أرأيتم رجلا يأخذ لسانه ثم يقطعه بالسكين! هل يمكن أن يفعل أحد من الناس ذلك، هؤلاء فعلوا ذلك، ليس في عضو، بل فعلوا ذلك في كل الجسد، في كل الجسم، في كل النفس (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ) ضل: ضاع، ما الذي كانوا يفترونه وضاع منهم؟ ما الذي كانوا يزعمونه وضاع منهم؟ زعموا الكثير، زعموا أن الأصنام تشفع، زعموا أنهم يشفعون لهم عند الله، يقربونهم إلى الله زلفى، زعموا ألا بعث، ولا نشور، زعم بعضهم أن الأنساب تنفع، كما زعم اليهود أنهم أولاد الأنبياء، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودات، وهكذا كل ما كانوا يزعمونه ذهب أدراج الرياح، وضاع عنهم (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ): أن هؤلاء (فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ) (لَا جَرَمَ) جاءت في القرآن في خمسة مواضع، يتلوها (أن) واسمها ولا يأتي بعدها فاعل، اختلف فيها فصحاء اللغة، وعلماء النحو، قال بعضهم: (لاجرم) مركبة تركيبة خمسة عشر، فهي كلمة مركبة على الفتح مركّبة من (لا) و(جرم) معناها بعد التركيب معنى فِعْل هو: حقّ، وثَبَت، والجملة بعدها فاعل الفعل (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ) حق، وثبت كونهم في الآخرة هم الأخسرون، وقال آخرون: (لَا جَرَمَ) مركبة من كلمتان (لَا) النافية للجنس و (جَرَمَ) اسمها وما بعدها، خبرها، ومعناها لابد، لا محالة (لَا) نافية للجنس، و (جَرَمَ): بمعنى كسب، أو قطع لا جرم، أي لا محالة لابد أنهم في الآخرة هم الأخسرون، الأخسرون: أي لا أخسر منهم، أي لا أحد يخسر خسرانهم؛ إذ إن الشرك أكبر الكبائر، وربنا (تبارك وتعالى) لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وبضدها تتميز الأشياء.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿23﴾
بالشرع تنزل الكتب، تبين ما هي الصالحات، وما هي غير الصالحات، ما هو العمل الصالح، وما هو العمل غير الصالح، والصالحات أنواع: العمل مع الله، العمل مع نفسك، العمل مع الناس، والأعمال الصالحة منها ما هو مفروض، كالصلوات الخمس، وصيام رمضان...إلى آخره، ومنها ما هو مسنون، سنّه سيد الخلق، وفائدة السنّة أنها تضاعف من حسنات العبد، وتهيئه لشفاعة المختار (صلى الله عليه وسلم) كما أن هناك أمر غاية في الأهمية للسنّة، وهي جبر النقص فيما فُرض عليك، بمعنى إذا جاء العبد يوم القيامة تُوزن أعماله، ويحاسب على ما فُرض عليه، هل أداه؟ جيء بالصلاة خمس فرائض في اليوم والليلة، ذاك هو المفروض جيء بالصلاة ووُزنت، ووُضعت، إذا بصلاته ناقصة، نام عن الصلاة، غفل عن صلاة، مر من عمره وقت لم يصلِ فيه، صلى ساهيا، صلى غافلا، الواجب ناقص، فيؤمر بالسنن فتعوِّض نقص الفريضة، فما من سنّة سنّها سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) إلا وهي لصالحنا، ومصلحتنا، ولنجاتنا، فإن كانت فرائضك تامة، وذاك أمر يقرب من المستحيل، فالسنن زيادة فضل، وإن كانت الفرائض ناقصة، فالسنن عوض عنها، فالصدقة تعوّض نقص زكاة الأموال، وصلاة السنن تعوّض النقص، وصيام النفل يعوّض النقص في صوم رمضان، وهكذا فالأعمال الصالحة منها ما هو مفروض، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو مسنون، وهكذا كل ما يصلح شأنك، أو شأن الناس، أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، كل ما يصلح في الأرض من عمارة، من زراعة، من خلافة بالحق، كل ما يصلح من شأن الطرق، إماطة الأذى عن الطريق من الأعمال الصالحة، (مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَوْكٍ , فَنَحَّاهُ عَنِ الطَّرِيقِ , فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ , فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ)، قول نبينا (صلى الله عليه وسلم) كم منا يمر في الطريق بأغصان شوك، وبالأحجار وما إلى ذلك، ولا يبالي مجرد إزاحة هذا العائق، أو هذا الشيء المؤذي عن طريق الناس، غفران للذنوب، فالأعمال الصالحة هي التي تصلح من شأننا، وتصلح ما بيننا وبين بعضنا، وتصلح في العلاقة بيننا وبين الله (عز وجل) (وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ) الإخبات وما أدراكم ما الإخبات، الخبت: الأرض الواسعة المستوية، من هنا قال العلماء أخبتوا: أنابوا، أخبتوا: اطمأنوا، أخبتوا: الخشية الناشئة من الخوف المستقر في القلب، أخبتوا: تواضعوا، وذلّوا، : (وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ) خشعوا له، خضعوا له، لزموا الطاعة، واستمروا عليها، إذا فالإيمان والعمل الصالح مطلوب أن يكون بخلوص نيّة، بخضوع لله، بتذلل؛ لأن الله لا يتقبل العمل إلا من متواضع له، مقر بنعمته عليه (إِنِّي لا أَتَقَبَّلُ الصَّلاةَ إِلا مِمَّنْ تَوَاضَعَ بِهَا لِعَظَمَتِي، وَلَمْ يَسْتَطِلْ عَلَى خَلْقِي) فيشترط للمؤمن الذي يعمل الصالحات أن يكون متواضعا خاشعا لله (عز وجل) (أُو۟لَـٰٓئِكَ) الذين يحملون هذه الصفات (أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ) فالإيمان: اليقين والتصديق الكامل، والعمل الصالح الذي يبتغي به وجه الله، والإخبات: الخشوع، والخضوع، والتذلل، والتواضع، والإحساس بأن العبد مهما عمل فعمله ناقص، مع الأخذ في الاعتبار أن ما يبتغي به وجه الله لا تبتغي به الدنيا أبداً، ومن ابتغى الدنيا بما يبتغى به وجه الله عوقب عقاب المرائين، وكان أول من تُسعر به النار، فلابد من أن يكون العمل خالصا لوجه الله لا شبهة به مطلقا للحصول على نفع دنيوي، هؤلاء أصحاب الجنة، الصاحب: المصاحب للشيء، المالك صاحب الشيء أوْلى بحمله، صاحب الدار هو مالكها، (أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ ) إذاً فهُم، والجنة في صحبة دائمة، وهم أيضا ملاكها لا ينازعهم في ملكيتها أحد.
مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿24﴾
هكذا هو الإيمان، الإيمان اطمئنان بالله، الإيمان أمان، الإيمان يشعرك بأنك سالم في الدنيا، سالم في الآخرة، يشعرك بأن الله يراك ويسدد خطاك، يلجئك للمناجاة، ولذة المناجاة لا يعرفها إلا من ذاقها، فقد بينت الآيات مصير أهل الشقاوة، ومصير أهل السعادة، ولما كان أهل مكة معاندين أشد العناد، متهمين سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) بشتى التهم، وكان يكبر عليه ذلك، وكان حزينا من أجل قومه (صلى الله عليه وسلم) نزلت سورة هود والتي نحن بصددها، تسرّي عنه رغم أنه قال فيها: (شَيَّبَتْنِي هُودٌ) لكن السورة نزلت تحضه على الصبر، وتسرّي عنه وتسليه، وكأن الله يقول له: لقد كان لك أسوة في الرسل من قبلك، واسمع كيف كان حالهم؟ وكيف فعلت أقوامهم؟ فاصبر كما صبر الرسل، وتحمل أعباء الرسالة، أيضا قصص الرسل في سورة هود، قصص معجز؛ لأن أهل مكة، والعرب عموما، ما كانوا يعلمون عن قصص الرسل شيئا، وهم أهل الفصاحة، وأهل البيان، وأهل الترحال، يقرأون ويكتبون فكيف بأمي لا يقرأ ولا يكتب ولم يعهد الترحال، أن يأتي بأخبار الأولين كما هي دون اختلاف، فهي من ضمن المعجزات، أن يأتي بأخبار لا يعلمها أحد، وإن كان بعضها موجود في الكتب السماوية، التوراة والإنجيل، لكن العرب لا يعرفون شيئا عن التوراة، والإنجيل، النصارى كانوا في الحبشة، كانوا في نجران، وفي بعض قبائل اليمن، اليهود، وكان بعضهم في المدينة، فكانت القصص حجة، هي تسرية وتسلية، وأمر بالصبر، وبيان للناس، ومعجزة، أيضا وبدأت القصص بقصة نوح في سورة هود، نوح من هو نوح؟ سيدنا نوح هو أول رسول أرسله الله للبشر على الإطلاق، وهو الأب الثاني أيضا للبشر؛ لأن الله (تبارك وتعالى) حين أرسل الطوفان، وأغرق الأرض بمن فيها، ما عليها لم ينج إلا نوح، ومن معه في السفينة، واختلفت الآراء فيها، ولا يعنينا أكانوا ثمانين، أم كانوا سبعين، أم كانوا ثمانية، لا يعنينا ذلك، وإنما يعنينا العبرة، فقد حفلت كتب التفسير بأنباء عن طول السفينة، وعرض السفينة، وشكل السفينة، وحفلت في كم بناها في سنتين، في ثلاث، في ثلاثين سنة، في أربعين سنة، زرع الشجر في مائة عام، وتركه يجف في مائة عام، ثم بناها في مائة عام، حفلت كتب التفسير الكثيرة، والمحترمة، بمثل هذه الأخبار، لم يعد زماننا يصلح لهذا، في وقت من الأوقات كانت الناس تتسلى بالقصص، وبالحكايات، وما إلى ذلك، وعليه هي سفينة، هي فُلك والفلك تذكر وتؤنث وقد أُمر بصناعتها من علمه؟ ربنا علمه، هل نزل جبريل يعلّمه، وهل؟ وهل؟ كيف كان شكلها؟ لا يعنينا شكلها في شيء، كم كان طولها؟ لا يعنينا طولها في شيء، وهكذا بالتالي، فكل ما حفلت به كتب التفاسير من أخبار عن مدة بناء السفينة، وشكل السفينة وكم كانت عدد الطوابق؟ أين وضع الوحوش؟ أين وضع الطيور؟ وأين وضع الرجال؟ وهل حمل جثة آدم معه أخبار، وأقول ذلك لأنبه: فالقرآن ما هو بكتاب تاريخ، وما هو بكتاب جغرافيا، ولا بكتاب طبيعة، ولا بكتاب كيمياء، القرآن كتاب الله، أمر ونهي، قصص وعبرة، العبرة تؤخذ من القصة دون الدخول في تفاصيل لا تقدم، ولا تؤخر، نوح أول الرسل، الأب الثاني للبشر، عاش يدعو قومه ألف سنة، إلا خمسين عاما، أشد الأنبياء بلاءً على الإطلاق، نوح أوذِي أشد الإيذاء، لم يكن من قبله رسل حتى يتأسى بهم، بل كان هو أول رسول، ضربوه، كذّبوه، قيّدوه، يُغمى عليه، فيلفُوه، ويلقوه، ثم يقوم فيعيدون عليه، وكلما فعلوا به ذلك، يقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، ذاك نوح ألف سنة إلا خمسين عاما، يدعوهم ليلا ونهاراً، يستهزئون به، إذا تكلم وضعوا أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوه، يلف أحدهم رأسه بثوبه حتى لا يراه، يسلّط الأب ابنه ويوصيه إن مات لا يؤمن بذاك الرجل، وهكذا حتى لجأ نوح إلى الله سائلا إياه، إن كان فيهم خيراً فصبرّني، وإن لم يكن كذلك فالأمر لك، وهنا فقط (وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ) [سورة هود آية: ٣٦]، يقال: إن ربنا (تبارك وتعالى) منع نسلهم أربعين سنة، وكل ما كان في أصلابهم من نسمات مؤمنة خرجت إلى الحياة، ثم امتنع ذلك، فحين دُمّرت لم يكن في صلبهم من يقول: لا إله إلا الله، وذاك ما أشار إليه القرآن حكاية عن قول نوح (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا۟ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓا۟ إِلَّا فَاجِرًۭا كَفَّارًۭا (٢٧)) [سورة نوح آية: ٢٧] نوح يحكي ربنا (تبارك وتعالى) قصته.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ ﴿25﴾
(أني) أي بأني لكم نذير مبين (إِنِّى) أي يقول لهم (إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ)
النذير: المنذِر، المخوِّف، الذي يخوّفك من شيء مع إعطائك مهلة كي تتخذ الحيطة، مبين: أبيّن لكم موجبات العذاب، و أبيّن لكم طريق الخلاص، إذاً فهي فرصة أن يبيّن لنا موجبات العذاب، طرق الهلاك، مسببات الغضب، ويبيّن لنا أيضا كيف النجاة، طريق الخلاص، وقد وضح في قوله:
أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍۢ ﴿26﴾
فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًۭا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ ﴿27﴾
(بَادِىَ ٱلرَّأْىِ) : ظاهر الرأي، إذاً فقد اتهموا الأتباع بأنهم آمنوا بنوح ظاهراً، أما باطناً فهُم على كفرهم، وعلى دينهم، ودين آبائهم، فهُم يخادعونك، يظهرون لك التصديق، وما هم بمصدقين، وقُرأت (بادِئَ الرأي) من بدأ، يبدأ، أي أنهم لأول وهلة صدقوك لتفاهة عقولهم، ولو أمضوا التفكير في شأنك ما آمنوا بك، فاتهموا الأتباع، إما أنهم آمنوا ظاهراً دون البواطن، وإما أنهم آمنوا في البداية أول ما بدأ لهم الرأي، لكنهم لو أمعنوا الفكر وانتظروا قليلا لابد وأن يعودوا عن ذلك (وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ) لك، ولأتباعك (عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ) لا نرى لك فضلا في أن تكون نبيا، ولا نرى لهم فضلا في أن يكونوا مصدقين بك، (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ) وذاك القرار الأخير في كلامه، واتهامه أي مدّعون أنت تدّعي النبوة، وهم يدّعون العلم بصدقك فيما تدعيه سفاهة، وضلال، واستكبار رجل يدعو إلى الخير، يدعو إلى توحيد الله، يدعو إلى عبادة إله واحد، يسهل إرضاؤه، ينهى عن عبادة الآلهة المتعددين، التي لا تسمع، ولا تبصر، ولا تملك لنفسها نفعا ولا ضراً، ينهى عن الفحشاء والمنكر، ينهى عن قطع الأرحام، وسفك الدماء، يأمر بالبر، والصلة، وبالصدقة، وبالعفو، وبالعفاف، فيتهم بهذه الاتهامات، ويُتهم أتباعه كذلك، وبدأ نوح بحكمة الأنبياء، وبحكمة الرسل يرد عليهم:
قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ ﴿28﴾
وَيَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ ﴿29﴾
وَيَـٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿30﴾
وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌۭ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿31﴾
إذاً لأول وهلة حين يقرأ الإنسان (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) قد يتساءل ذو التفكير السطحي، طالما خفيت عليهم، فما ذنبهم؟ لكن الإجابة في نفس الآية (أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ) هذا هو السبب كيف عميت! هم كرهوا الرسالة أولا، هم كذّبوه أولا، دون إعمال للتفكير، هم رفضوا المبدأ، جاءهم يقول: ما أنتم فيه ضلال، الحق واضح، إله واحد، المنطق، والعقل السليم، يقول يسمعون له، يجادلونه، يستفهمون، يبحثون عن الحقيقة، أما مبادرته بالرفض والتكذيب، والكراهة لما جاء به، لابد وأن يعمى عن الحق، ذاك يعلمنا أن الإنسان عدو ما يجهل، ويعلمنا أن الإنسان إذا سمع يُعمل عقله، يُعمل فكره، لا يحكّم المشاعر، لا يكره أولا؛ لأن كراهية الشيء تمنع من فهمه (لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ ) ها هو المنطق السليم.
أولا: أكد نوح أنه متيقن مما يقول، مؤمن بحقيقة ما يدعيه، فهو على بيّنة من ربه.
ثانيا: هو رسول الله حقا، ومعه النبوة، والرسالة، وهي رحمة.
ثالثا: طالما بادروه بالتكذيب، وها هم كارهون للحقيقة، فهل يلزمهم، ويجبرهم على الحقيقة، أو يجبرهم على الإيمان بالحق، وهم كارهون لذلك، ولا إكراه في الدين، ولابد من الاختيار في الإيمان، ذاك هو المبدأ العام، ثم ها هو يرد على ادعاءاتهم، واتهاماتهم، وسفاهاتهم (لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ ) هل طلبت منك مالاً أو أجراً على ما أدعوك إليه؟ فيثقل عليك، وإخراج المال صعب، (إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ ) تلك واحدة، طالما لا يطلب مالا، ولا يطلب جاهاً، ويطلب الأجر من الله على الإبلاغ، إذا فهو غير منتفع من منافع الدنيا بشيء، لا يريد سوى مرضاة الله، والقيام بإبلاغ الرسالة، (وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ )؛ لأنهم طلبوا منه أن يطرد هؤلاء الفقراء من حوله، كما طلب كفار مكة من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يطرد الفقراء من حوله، فنزل القرآن له (وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ ) [سورة الأنعام آية: ٥٢]، (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) [سورة الكهف آية: ٢٨]، إذاً فنفس السلوك سلوك الكفار في كل زمان ومكان، طلبوا من نوح طرد الفقراء، فقال لهم رداً عليهم (وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ) إما أنه يُعلي من شأنهم، (مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ) فهم على درجة عالية، تجهلوها، (وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ) قدرهم حيث يتلقاهم ربهم بالقبول، فكيف أطردهم أنا، ورب العرش يتلقاهم بالقبول، لكنكم تجهلون أقدار الناس، تنظرون إلى الظواهر، الملابس قديمة أو مقطعة، تزدري أعينكم ولا تعرفون أقدار الناس، أو المعنى (وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ) أي هناك يوم يجتمع فيه الظالم والمظلوم، ونلتقي جميعا أمام ملك عدل، فيخاصموني إن طردتهم، فينصرهم ربنا، ويؤاخذ، ويعذب من طردهم.
(وَيَـٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ ) من يمنعني من انتقام الله، وغضبه إن أنا طردت هؤلاء الذين آمنوا به، وطالما آمنوا به فهم عباده وهو المسئول عن حمايتهم، ورعايتهم، وكفايتهم، فمن طردهم خاصمه، (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) ألا تتأمل، وتتفكر الرسول يأتي برسالة لا يختص بها أحدا، وإنما يدعو الكافة إليها، إن آمن به الغني هل هو مسئول عن ذلك؟ إن آمن به الفقير هل هو المسئول عن ذلك؟ الرسل تغيّر المفاهيم، وتغيّر العقائد الزائغة، ولا تغيّر الهيئات، والصور، آمن به الفقراء، أو آمن به الأغنياء، لا شأن له بذلك، وإنما الهادي للإيمان هو الله (وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ) هم يقولون (وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ) وهل ادعيت الفضل؟ هل قلت إني أملك خزائن الله؟ هل قلت إني أملك خزائن النعمة، أو خزائن الغني، أو خزائن المال، أو خزائن العطاء؟ لا أقول لكم عندي خزائن الله، حتى تقولوا لي ما نرى لك علينا من فضل (وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ) لا أعلم الغيب، فأعلم ما في نفوس من آمن بي، هم يقولون (مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًۭا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ) أي أن ظاهرهم إيمان، وباطنهم كفر وعصيان، أنا لا أعلم الغيب، أنا أعامل الناس على الظواهر، على حسْب ما ظهر لي، هم اتبعوني، وآمنوا بي ظاهراً، فليس لي شأن ببواطنهم، ولا أعلم الغيب حتى أصدقكم في هذا، أو أطردهم؛ لأنهم آمنوا بي ظاهراً دون البواطن (وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌۭ) أنا بشر هل هذه تهمة؟ وكيف يكون الرسول من غير البشر؟ كيف تفهمون منه؟ كيف تتكلمون معه؟ لابد وأن يكون بشراً مثلكم، تطمئنون إليه، ولا أقول لكم إني ملك، فمتفضل عليكم بشيء ليس لي، ولا أزعم ما ليس لي بحق (وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ) هؤلاء الفقراء الذين تزدري أعينكم، ازدراه أو ازدرى عليه: عابه، وزرى عليه: حقّره، والآية تلفت النظر إلى أن ازدراء الكفار لمن آمن بنوح كان لمجرد المظهر دون المخبر، لم يتأملوا في حقيقة الأتباع، أو أخلاقياتهم، أو معادنهم، وإنما ظواهرهم فقط، الثياب الرثة، الثياب القديمة، فقراء المظهر، والشكل، والدليل على هذا قوله (تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ) إذاً فالازدراء كان من النظر، من العين، وليس من العقل، أي أن هذا الازدراء، وهذا الاحتقار لم يحدث لأنهم مستحقون له، بل حدث لأنكم تنظرون بأعينكم فقط نظرة سطحية لظواهر الأشياء، القيمة بالغني في نظركم، الشرف بالسيادة، لكن الفقر والغني ليس هما الأساس، بل قد يكون الغني سفيها، ذليلا، حقيراً، وقد يكون الفقير، شريفا، عزيزاً، عفيفاً، ذا مكانة عند الله (وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ ) هم يتهمونهم بأنهم بادِيَ الرأي، فإن كان إيمانهم ظاهراً، وقد أبطنوا الكفر، الله أعلم بما في أنفسهم، هو يحاسبهم، ولست أنا المحاسب، أنا لا أعلم الغيب، ولي أنا الظواهر فقط (إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ) إن فعلت شيئا، أو ادعيت شيئا من الأشياء السابقة، فإن قلت (إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ)، لا أقول إني ملك، فإن قلت (إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ) لا أقول إني أعلم الغيب فإن قلت (إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ) لا أطرد الذين آمنوا، فإن طردتهم فإني من الظالمين، لا أقول لن يؤتيهم الله خيراً، فإن فعلت، (إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ)، تلك كانت مقالة نوح رداً على اتهاماتهم، تُرى هل أعملوا عقولهم في هذا الكلام؟ هل فكروا فيه؟ ترى ماذا كان ردهم.
قَالُوا۟ يَـٰنُوحُ قَدْ جَـٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿32﴾
هذا هو رد الكفار، ويذكّرنا برد كفار مكة، وكأن الله يقول لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) حين قال لك قومك (ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٢)) [سورة الأنفال آية: ٣٢]، حين استعجلك قومك بالعذاب، لم يكونوا بدعا في ذلك، بل قال قوم نوح كذلك، فاصبر كما صبر نوح، واتخذ من الرسل أسوة، وعبرة، فقد أنهى قوم نوح المناقشة، أنهوا المجادلة، وطلبوا العذاب بأنفسهم، ومع هذا الرد، وهذا الجفاء، والسفاهة، والجهالة، لازال نوح يطمع، ويأمل في شيء من التعقل، فها هو يرد عليهم قائلا كما حكى عنه القرآن:
قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴿33﴾
وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿34﴾
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ﴿35﴾
أيها الأخ المسلم، قصة نوح عبرة وعظة، ولم تكتمل فصولها بعد، قصة من أغرب قصص القرآن، بل ومن أمتع ما ترى من لغة، ونظم، وبيان، وسوف ترون في تعبيرات الآيات عن الأحداث ما لا يخطر ببال أعظم الناس فصاحة وبيان كقوله (وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ) [سورة هود آية: ٤٤] فصاحة ونظم، وبيان، يستحيل أن يأتي به بشر، قصص عبرة، وعظة، وبيان، ومواعظ، ونور، فالقرآن نور، فقد طال الزمن بنوح ألف سنة إلا خمسين عاما يُؤذى، ويُكذَّب، ويُشتَم، ويُضرب، ويحاصر، ويُقاطع، ويُستهزأ به، إلى أن جاء يوم لجأ نوح إلى ربه داعيا يا رب إن كان في هؤلاء القوم خير فأعني على الصبر، وإن لم يكن فاقض ما أنت قاض، وهنا جاء القضاء.
وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ﴿36﴾
فما من نبي دعى على قومه أبداً إلا إن أُمر بذلك كما حدث لنوح، فحين دعى نوح، دعى بأمر من الله، وبوحي من الله، وبعلم من الله بأن الأرض انتهى فيها التناسل لمؤمنين، بعد ذلك (لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ) الابتئاس: الحزن فيه استكانة، والتعبير بكلمة (فَلَا تَبْتَئِسْ) تدل على ما كان يشعر به نوح، ضعيف لا جيش معه، لا عشيرة تحميه، أقرب الناس إليه -امرأته - تشير إليه، وتتهمه بالجنون، ابنه يظهر الإيمان، ويبطن الكفر، الكل ضده، حزين حُزن في استكانة، ذاك هو الابتئاس، من هنا يقول الله فلا (فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ) من تكذيب واستهزاء، وإيذاء، فقد جاء أمر الله وجاء النصر.
وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ﴿37﴾
كلمة (ٱلْفُلْكَ) تعني السفينة بغض النظر عن حجمها، أو شكلها، ربنا يأمر نوح بصنع سفينة، أول سفينة تُصنع في التاريخ، فكيف يصنعها نوح؟ لابد من وحي، لابد من إعانة، من هنا يقول الله له (وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) ربنا تبارك وتعالى منزّه عن الحواس، مقدس منزّه عن التشبيه، والتمثيل، تُمر مثل هذه الآيات كما جاءت، وإن كان استشعار المعنى (وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) بحفظنا إياك حفظ من يراك، تمثيل وتشبيه لغاية الاهتمام والحفظ، والعناية، والرعاية، ويمكن أن يكون المعنى أي بملائكتنا التي جعلناها عيونا لنا تحفظك بأمرنا (وَوَحْيِنَا) تعليمنا إياك كيف؟ هل نزل جبريل؟ محتمل، ألهم أمر محتمل صارت يده لا تخطئ (وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ ) لا تراجعني فيهم، إذاً فقد كان من المحتمل أن يتجه نوح إلى الله حينما علم أن الله قضى بإهلاك قومه، أن يؤجل، أن يمهل، أن يرفع العذاب، مما يدل على منتهى شفقة نوح، ورحمته بقومه، رغم ما أُوذي به، ورغم ما عُذب، ورغم ما حدث له، ها هو ربنا ينهاه عن مراجعته في إهلاك قومه، أو في الدعاء لهم (وَلَا تُخَـٰطِبْنِى) أي لا تكلمني في شأن الكفار بالتأجيل، أو بالإمهال، أو بالرحمة (إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ) صدر الأمر، ونفذ القضاء، حُكم عليهم بذلك.
وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴿38﴾
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌ ﴿39﴾
(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌ) هذا ما كان يقوله نوح، استهزاؤهم غير استهزائه، استهزاؤهم بالإيذاء والكلام الجارح، أما هو مجرد أن قال اليوم تستهزئون بنا، وغداً نستهزئ بكم، الخزي: الذل، الصغار، العار، والكسوف، سوف تعلمون من منا نحن المؤمنون أم أنتم؟ من ينزل عليه عذاب مقيم دائم، إذاً فقد حذرهم، وأشار إلى عذابين عذاب الدنيا، وهو الخزي، وعذاب الآخرة، وهو العذاب المقيم الدائم الذي لا نهاية له.
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ ﴿40﴾
(مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ) :أي من كل شيء زوجين، إذاً فهما اثنان ذكر، وأنثى حتى يحفظ النسل، (من كل زوجين) قراءة أخرى بالإضافة.
الزوج بمعنى الصنف (فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّن نَّبَاتٍۢ شَتَّىٰ (٥٣)) [سورة طه آية: ٥٣]. (وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍۢ (٥)) [سورة الحج آية: ٥]. أصناف (من كل زوج) أي من كل صنف زوجين، أي من صنف الذكور، ومن صنف الإناث أنثى، كيف حمل نوح؟ كلام كثير، وحفلت الكتب بكلام الذي علّمه صنع السفينة هو الذي علّمه كيف يحمل هذه الأشياء، هل حمل السباع؟ هل حمل النافع من الحيوانات فقط؟ أم حمل العقارب والحيّات؟ شيء لا يعنينا، ولا نفكر فيه ربنا يقول (ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ) قيل: جاءت ريح فساقت إليه الأزواج التي قضى الله بنجاتها، هي التي سارت إليه، وصعدت إلى السفينة، وربنا قادر على كل شيء، وقيل جاء جبريل فساقها، ربنا (تبارك وتعالى) فعال لما يريد لا يفتقر إلى الأسباب، حُملت هذه الأزواج معه في سفينته، جاءت بنفسها استدعاها نوح، علّمه ربنا دعاء يقوله، فإذا بالطيور تأتيه، والبهائم تسعى إليه، أياً كان، المهم أنه نفّذ الأمر (ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ).
الزوجة والأولاد، زوجة نوح كانت كافرة، لكن هناك زوجة أخرى كانت مسلمة، احمل معك في السفينة أهلك الذين آمنوا بك (إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ ) وقيل في عدد المؤمنين كانوا في حدود الثمانين، منهم ثلاثة أبناء، وثلاث زوجات للأبناء، وزوجة لنوح، ونوح، ثم اثنان وسبعون رجلا، وامرأة، قيل ذلك، وهذه الأعداد لا تعني في شيء، المهم من ركب السفينة مع نوح هم أهله، ومن آمن به أياً كان العدد، لكن الله يقول (وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ) إذاً فقد كانوا قلة بعد ألف سنة إلا خمسين عاما من الدعوة، يالفضل الله علينا أن جعلنا مسلمين! ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو نوح أبو البشر، الأب الثاني للبشر، أول رسول، ثم تكون النتيجة (وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ) ولله في خلْقه شئون، وركبوا في السفينة، والسفينة على البر، وأصدر نوح الأمر، أو أصدر ربنا الأمر.
وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿41﴾
والآية دليل على وجوب الاستفتاح بالبسملة في كل الأمور، وكل أمر لم يفتتح ببسم الله فهو أقطع، بسم الله مجرها، ومرساها، أي إجراؤها وإرساؤها بسم الله، بفضل الله، ببركة الله، بكلمة (بِسْمِ ٱللَّهِ) اركبوا فيها مسمين الله حال جريانها، وحال رسّوها (إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ) ملفتة، الخطاب لمن؟ الخطاب للمؤمنين إن كان المخاطب هو الله، فهو يخاطب نوح، وإن كان المخاطب نوح، فهو يخاطب من آمن، أي غفور لكم، فيما فرط منكم، فما من معصوم على وجه الأرض إلا الرسل بعصمة الله لهم، فكأن المؤمنين الذين ركبوا في السفينة مع نوح لهم فرطات، وفلتات، فيطمئنهم إن ربي غفور لما فرط منكم، رحيم بكم، إذ نجاكم من الطوفان في هذه السفينة، هل يجب على الله إنجاؤهم؟ أبداً، إذاً فالنجاة كانت بالرحمة، وليست بالعمل، كما سار النَسَقْ في سورة هود، كقوله: (نَجَّيْنَا هُودًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا) [سورة هود آية: ٥٨]، (نَجَّيْنَا شُعَيْبًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا) [سورة هود آية: ٩٤] ودخول الجنة برحمة الله، وليس بالعمل.
ويبدأ مشهد الطوفان، التعبير عن قصة هذا المشهد، تعبير لا يمكن لبشر أن يصيغ مثله، يستحيل، فخامة اللفظ، وجمال النظْم، والاختصار بغير إخلال، والإيجاز المعجز، واستحضار الهيئة وكيفية الحال، والخطاب الذي وُجه إلى السموات والأرض مبنياً للمفعول، وكأن الفاعل لا يُتوهم غيره من القادر على كل ذلك، استغنى عن ذكر لفظ الجلالة، وجاء بصيغة المبني للمفعول؛ لأن العقول لن تذهب إلى غيره، حين تقول أُكل الطعام، تسأل من الآكل زيد أم عبيد؟ لكن إذا قلت أمطرت السماء من الآمر؟ هل يمكن لأحد آخر؟ من هنا جاءت الصيغ مبنية للمفعول (وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ) من القائل؟ هل يذهب العقل إلى غيره؟ أبداً صياغة القصة، وتصوير المشهد إعجاز بجميع المعاني، لدرجة أن بعض النُحاة، علماء اللغة القدامى عددوا ما يزيد عن أربعين صنفا من أصناف البديع في هذه الآيات.
وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍۢ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍۢ يَـٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿42﴾
قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍۢ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ ﴿43﴾
(تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍۢ كَٱلْجِبَالِ) كل موجة كالجبل (وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍۢ يَـٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ) كان في معزل عن نوح، عن السفينة، عن دين نوح، عن مكانه ناداه يأمره بالركوب، إذاً فلم يكن نوح يعلم أن ابنه كان كافراً؛ لأنه لو علم بكفره ما سأله الركوب معه، وإلا كان عاصيا؛ لأن الله يقول له (ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ ) وطالما نادى نوح ابنه للركوب فقد كان يعتقد في إيمانه؛ ولذا يقول (وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ) فهو ليس من الكافرين في نظر نوح (قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍۢ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ ) العصيان، والعقوق، العمى، والعمه، العمى في البصر، والعمه في البصيرة، رد عليه نوح (قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ ) بمعنى لا مانع، ولا حام من أمر الله، الهلاك لكن من رحمه الله يعصمه (إِلَّا) هنا بمعنى (لكن) (لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ) أي لا مكان يُلتجأ إليه فيعصم (إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ ) إلا مكان رحمهم الله، وهو السفينة أو (إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ ) من هو من رحم؟ الله، والمعنى يكون لا عاصم اليوم من أمر الله إلا الراحم وهو الله (وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ) حال بين ابن نوح والجبل، أو بين ابن نوح والسفينة، فكان من المغرقين، غرق ابن نوح، وهنا أيقن نوح أنه كان كافراً، أو تشكك، أو اندهش، أو تعجب، لماذا غرق هذا الولد؟ وإذا تأملت في الابتلاء ما أصعبه أن يرى الأب ابنه بعينيه يغرق أمامه ولا يملك له إنقاذاً، ولا حماية، ابتلاء في منتهى الصعوبة، ومنتهى الشدة، ويأتي التصوير لانتهاء الموقف في آية.
وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَـٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿44﴾
أو هو مجاز تمثيل لنفاذ مشيئته سبحانه وتعالى في أرضه، وسمائه نفاذ أمر الآمر المطاع فيمن يسمع، ويطيع، خشية وهيبة، هل هو تمثيل، والكلام مجازي أم حقيقي؟ والتعبير قيل، وأنت تفهم من القائل؟ من الذي يملك أن يقول ذلك؟ (وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ) ما خرج من الأرض تبلعه (وَيَـٰسَمَآءُ أَقْلِعِى) توقفي عن إرسال الماء، واسحبيه إليك (وَغِيضَ ٱلْمَآءُ) ذهب في باطن الأرض، ونقص، وانتهى، وكأن ماء الأرض الذي نبع منها رجع إليها، وماء السماء الذي نزل منها رجع إليها، وذهب الماء واختفى وأصبحت الأرض جافة، كأن لم يكن حدث شيء، وقيل ماء الأرض عاد إلى الأرض، وماء السماء نشأ منه البحار، والمحيطات، إذ لم تكن هناك بحار، ولا محيطات، لكن المهم أن ماء السماء لم ينزل إلى الأرض وإلا لغرقت الأرض، أو لحدث فيها ما لا يمكن أن تحمد عقباه؛ إذ كل شيء عند الله بقَدَر. من هنا كل ماء رجع إلى أصله، إذ كل شيء عند الله بقَدَر، من هنا كل ماء رجع إلى أصله (وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ).
(وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ) : انتهى الأمر، ونفذ، وتم أمر الله (وَٱسْتَوَتْ) رست (عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ ) اسم جبل في الموصل في الشام، اسم لكل جبل، كلمات كثيرة، وتفسيرات كثيرة (وَقِيلَ بُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ) أي إبعاداً من رحمة الله (عز وجل) ولعنة.
أيها الأخ المسلم، الطوفان كان علامة، وقصة حدثت ليعتبر بها الأمم، نوح أول رسول، نوح أطول الرسل عمراً، نوح من أولى العزم من الرسل، نوح أشد الأنبياء، وأكثرهم، وأعظمهم صبراً، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل، وها هي الأرض أغرقها الله بالطوفان، وفيها طيور، وفيها وحوش، وفيها ما فيها لم يبال الله (تبارك وتعالى) بما فيها، ولا بمن فيها، فاحذروا غضبة الله (عز وجل).
فقد انتهى المشهد، واستغرق من الزمن ما لا نعلمه، يعلمه الله (تبارك وتعالى) وهدأت وعاد كل شيء إلى طبيعته، وجفت الأرض وكأن لم يكن هناك ماء، وعاد ماء السماء إليها، وانتهت المسائل، وأشرقت الشمس، ورست السفينة، وهنا تنبه نوح لابنه أين هو؟ هل غرق فعلا؟ هل انتهى هل مات؟ قلب الأب وشفقته وخوفه على فلذة كبده فلجأ إلى الله.
وَنَادَىٰ نُوحٌۭ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ ﴿45﴾
قَالَ يَـٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍۢ ۖ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ ﴿46﴾
قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌۭ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ﴿47﴾
(وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ) كأن مجرد السؤال الذي سأله يعرضه للهلاك، والخسران، وانظر إلى تضخيم المعصية، وهذا ما يجب على المسلم، أمر يعظّم مصيبته، ويصغِّر طاعته، حتى لا يغتر، وحتى يلجأ إلى الله، ويتوب، وهنا نودي نوح بالنداء العظيم:
قِيلَ يَـٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍۢ مِّنَّا وَبَرَكَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌۭ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿48﴾
تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴿49﴾
فتأتي قصة ثانية من قصص المرسلين، قص الله تبارك وتعالى على حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) قصة نوح، وها هي الآيات تقص علينا قصة هود، القصة الثانية في سورة هود، والتي سُميت السورة باسم صاحب القصة، هود نبي من أنبياء الله، رسول من رسل الله، بُعث إلى قومه، وكان قومه أهل زرع، وأهل عمارة، وأهل بساتين، وأهل قوة، وأهل شدة، سُمُّوا باسم رجل منهم (عاد) الجد الأكبر لهم، أهي عاد واحدة، أم هما عادان؟ عاد الأولى، وعاد الثانية، إرم ذات العماد، قالوا: عادٌ الأولى أُرسل إليها هود، وجاء ذكرها في قوله: (وَأَنَّهُۥٓ أَهْلَكَ عَادًا ٱلْأُولَىٰ (٥٠)) [سورة النجم آية: ٥٠] أما عاد الثانية بعدها بأزمنة، وهي التي قيل فيها (إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ ﴿۷﴾ ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ ﴿۸﴾) [سورة الفجر آية: ٧ - ٨].
عاد أهل زروع أهل بساتين، أهل عمارة، أهل قوة، عبدوا الأصنام وسجدوا للأوثان، ورغم ما وصلوا إليه من حضارة ظاهرية، من حيث المأكل والملبس، والمشرب يبنون بكل ريع آية، مسارح، ملاهي، حدائق، غنّاء، بساتين، مصانع، حضارة، وعمارة، وغنى، وقوة، وشدة، ومع ذلك كانت عقولهم ضعيفة، سفهاء، عبدوا الأصنام وسجدوا للحجارة، جاءهم ناصح أمين، ويحكي ربنا:
وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ﴿50﴾
يَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿51﴾
وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ ﴿52﴾
(إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) أي ما أنتم إلا قوم تكذبون على الله، وتدّعون له الشريك، أو تدّعون أن الأصنام تنفع، أو تشفع، والافتراء أشد الكذب، هذه الدعوة لكي تكون صادقة خالصة يجب أن تتبرأ من أي شبهة مطمع، دعوة لله خالصة صادقة، مبرأة من شبهات المطامع، والدليل على أن هود لم يكن له مطمع: (يَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ ) كلمة جميع الرسل، إذاً فقد برأت دعوته من شبهة المطمع، لا يطمع في شيء، لا يريد أجرا، لا يريد شيئا (إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ ) خلقني أصل كلمة الفطر، تعني الشق، فطره: شقه، ما ترى في السماوات من فطور ربنا، خلق الخلْق من العدم، فكأنه شق العدم وأخرج الخلق، فكلمة (فطر) بمعنى ابتداع الخلْق، وأنشأه من العدم (وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ) هذا هو الطلب الثاني، الطلب الأول: اعبدوا الله، والدليل على صدق الدعوة، وخلوص النية، لا يسألهم أجرا، والطلب الثاني الاستغفار من الشرك، والتوبة إلى الله، عز وجل، والإنابة والرجوع إليه، الاستغفار عما فات والتوبة عن كل ما هو آت أو الاستغفار من الصغائر والتوبة عن الكبائر أو الاستغفار بمعنى ترك الشرك والعودة إلى الإيمان بالله، عز وجل، والتوبة: الطاعة، والإنابة، والرجوع، ما هي ثمرة الاستغفار؟ هو لا يطلب أجراً على دعوته، هم ماذا يحصلون عليه إن استجابوا؟ الرسل غير مأجورة في هذا الدنيا إنما تؤجر من الله، عز وجل، وها هو هود يطمِّع قومه ها هو يبث في نفوسهم الأمل، ويظهر لهم ثمرة الاستغفار (يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ) يرسل السماء عليكم مدراراً، أي مطراً كثيرا، متتابعا، خيراً وفيراً، درّت الشاة، ودرّت السماء: أمطرت وتتابع المطر، درّ، تدُرّ، أو تَدِرّ.
( وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ) بالأموال والأولاد تلك ثمرة الاستغفار، وبضدها تتميز الأشياء، إذاً فالمعاصي والكفر يعرّض البلاد للخراب، والفقر، والدمار، أما الاستغفار، والتوبة تفتح أبواب الرزق، وتفتح أبواب الخير، ويعمّ الله البلاد بالنماء، والخير، والبركة، وقد قيل في بعض الأقوال إن الله (تبارك وتعالى) أعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين، وأصابهم بالقحط، وامتناع المطر ثلاث سنين، فها هو هود يبين لهم، ويقول، وينصح، استغفروا ربكم وتوبوا إليه، يعد ربكم عليكم بالخير، والنفع، فيزدكم قوة، وينزل إليكم المطر، ثم يحذرهم قائلا (وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ) دعوة واضحة، دعوة صريحة، دعوة بريئة من كل مطمع، بريئة من كل أمور الدنيا، خالصة لمصلحتهم، ولنفعهم، واسمع لردهم:
قَالُوا۟ يَـٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍۢ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿53﴾
إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍۢ ۗ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿54﴾
مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًۭا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ﴿55﴾
(يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ ) (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) هو الذي يمطر المطر، ويرسله هل في ذلك شك؟
(إِن نَّقُولُ إِلَّا) وكأنهم حصروا الداء وتيقنوا أن ما حدث بالتأكيد (ٱعْتَرَىٰكَ) أصابك، عراه، يعروه: أصابه، ومنه (وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ۚ ) [سورة الحج آية: ٣٦ ] المصاب أصابته فاقة (ٱعْتَرَىٰكَ) أصابك (بَعْضُ ءَالِهَتِنَا) الحجارة والأصنام (بِسُوٓءٍۢ ۗ ) لأنك سببتها، ولأنك نهيتنا عن عبادتها، فغضبت عليك الحجارة، ها هي قد أساءت إليك، أو ضرتك، أو فعلت بك الأفاعيل، ماذا نقول في هؤلاء القوم الذين ينكرون وجود الصانع، القادر، الإله، الحليم، الذي يدعوهم هود إلى عبادته وتوحيده، ويعتقدون في حجارة، وأن الحجارة تؤثر في الناس، حجر أصم يؤثر فيمن يسمع ويُبصر ويعقل، الإنسان مدرك، يشعر، له إحساس، يبصر ويسمع، ويعقل ويتحرك، ويمشي ويصعد وينزل، ويأكل ويشرب، وينام ويستيقظ، ويحكم ويقدّر، يعبد حجر لا يأكل، ولا يشرب، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يتحرك، ولا يمشي، ولا ينتقل إلا أن يُحمل وينقل أي سفاهة؟!!
وانظر إلى معجزة المعجزات لهود، ها هي على وشك الظهور، هؤلاء الذين قالوا (مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍۢ) تأمل واسمع (قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) (مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًۭا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ) أرأيتم هذا الخطاب وتأملتم فيه، ها هو يُشهد الله (تبارك وتعالى) على الموقف، وعلى ما حدث، وعلى الحوار الدائر، وعلى مقالتهم، وأنه أبلغ وأنه أدى الواجب، ها هو رده واضح صريح (قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) يطلب شهادة هؤلاء القوم، هل تصح شهادتهم؟ أهم عدول؟ كلنا يعلم أن الشهادة تطلب من العدول، فكيف يشهدهم؟ أيشهدهم على نفسه، أم يشهدهم على أنفسهم، أم هو استهانة بهم؟ حين يقول (وَٱشْهَدُوٓا۟) هو يستهين بهم، رجل واحد مفرد، يواجه قوما بأكملهم، عتاه جبارين، أقوياء أشداء، ها هو يواجههم، ويستهين بهم علنا (وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) وكأنه إعلان للحرب، وكأنه إعلام لهم بسفاهة أحلامهم، وتفاهة عقولهم، وها هو التحدي (أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٥٤﴾ مِن دُونِهِۦ ۖ ) الأصنام، والحجارة التي زعمتم أنها أضرت بي، وأصابتني في عقلي، أنا بريء منها أمام الله، وأنتم الآن كلكم تعلمون ذلك (فَكِيدُونِى جَمِيعًۭا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ) أنتم وآلهتكم، رجل مفرد واحد، لا جيش، ولا عشيرة، ولا قوم، يزعمون كذبه، ويقولون ما جئتنا ببينة، ولا برهان، يدّعون أن الآلهة أصابته، ها هو يقف بمفرده أمام أمة، يقول الله فيها (ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ (٨)) [سورة الفجر آية: ٨] أمة يتخذون من كل ريع آية يعبثون، ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون، أمة رجل واحد يقف ويقول كيدوني جمعيا أنتم وآلهتكم أي لا تمهلوني، عجّلوا، هلم واجتمعوا واستعدوا، وافعلوا بي ما شئتم جميعا مجموعين، بلا إمهال، ولا إنظار، الحق أبلج، والباطل لجلج، كيف لم يقتلوه؟! كيف لم يقيدوه؟ كيف يقف رجل واحد أمام أمة بهذا الجبروت ويتحداهم هذا التحدي، ومع ذلك لم يرد أنهم قتلوه، أو أساؤوا إليه، أو أصابوه بأذى، كيف ذلك؟ ومن الذي حماه؟ ومن الذي منعهم؟ ومن الذي قيد أيديهم؟ هو الله، فقد كانت معجزة المعجزات تحدي هود لقومه، أبلغهم بالرسالة في غاية الإيجاز والإعجاز (ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ ) [سورة هود آية: ٥٠] ودلل على إخلاصه، وصدقه بنفي أي شبهة لوجود مطمع (يَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١)) [سورة هود آية: ٥١] أعملوا عقولكم التي وهبكم الله إياها، من هو هود؟ من الضروري أنهم يعرفونه؛ لأن الله أرسله منهم (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ) [سورة إبراهيم آية: ٤] والتعبير بقوله (وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۗ ) يدل على أنه من القبيلة، أعملوا عقولكم فيما أقول، ثم وعدهم بكل خير (ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ) هل جربوا؟ تفكّر وتأمل، هو يدّعي أنهم لو استغفروا وتابوا لأمطرت السماء، ولأنجبت النساء، هل جربوا صدقه؟ هل اختبروا هذا الوعد؟ أبداً، وإنما فاجاؤوه بالتكذيب، والتجبر، والاستكبار، والاستهزاء، وها هو يتهمونه بالسفه، والجنون، وأن الآلهة التي لا تنفع، ولا تشفع، ولا تضر، ولا تأكل، ولا تشرب، قد أضرت به، فوقف وأعلنها واضحة جليّة (أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٥٤﴾ مِن دُونِهِۦ ۖ ) هلمّ جميعا، واجمعوا جيوشكم، وقواكم، وأصنامكم، وأحجاركم، وفكروا، وقدّروا، وافعلوا ما شئتم، وانتقموا منيّ، أي قوة، وأي معجزة، ما الذي كان يسانده؟ وما الذي منعهم؟ هود يقول مبرراً هذا التحدي ومعللا:
إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿56﴾
فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌۭ ﴿57﴾
وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَنَجَّيْنَـٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ ﴿58﴾
هل هذا التكرير أو العطف، عطف بيان، نجاهم برحمة من أي شيء؟ ونجيناهم من عذاب غليظ، يسمى عطف بيان، أي بيان للجملة السابقة، والعذاب الغليظ: الريح (إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًۭا صَرْصَرًۭا فِى يَوْمِ نَحْسٍۢ مُّسْتَمِرٍّۢ ﴿١۹﴾ تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍۢ مُّنقَعِرٍۢ ﴿٢۰﴾) [سورة القمر آية: ١٩ - ٢٠] وصفوا في هذا الريح أوصاف غريبة، تدخل من الأنوف، وتخرج من الأدبار، لكنها حين تدخل من الأنوف وتمشي في الجسد، وتخرج من الأدبار، وتخرج بالأعضاء، تخرج بالأمعاء، فيصبح الجسد خاويا كالبيت الفارغ، كأعجاز نخل خاوية، فهي كذلك عطف بيان، أو نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا، أي من عذاب الدنيا ونجيناهم أيضا من عذاب غليظ يوم القيامة، سوف يلقاه المكذبون لهود.
وَتِلْكَ عَادٌۭ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ ﴿59﴾
وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ عَادًۭا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّعَادٍۢ قَوْمِ هُودٍۢ ﴿60﴾
سورة هود التي يقول فيها نبينا (صلى الله عليه وسلم) (شَيَّبَتْنِي هُودٌ) قصص، إعجاز، قرآن، نور، وبرهان، وقرآن يُتلى ها هي سورة هود تحكي لنا مزيداً من قصص الأنبياء مع أممهم، القصة الثالثة في هذه السورة قصة ثمود، أو هي عاد الثانية، كانت مساكنهم بالحِجْر بين الحجاز والشام، منّ الله (تبارك وتعالى) عليهم بجنات ونعيم، وزروع ومقام كريم، وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين، أرسل الله إليهم صالحا، نبي كريم، ورسول أمين، يعرفون نسبه، ويثقون من صدقه، بل ويأملون في سيادته عليهم، فقد كان عاقلا رشيداً ذا رأي، وحكمة، جاءهم صالح يدعوهم إلى عبادة الواحد القهار، يدعوهم إلى القوي الرزاق، الذي منّ عليهم بما هم فيه من نِعم، ألوان، وأصناف، كان يظن تصديقهم له، وإيمانهم به، وفوجئ بتكذيبهم له، بل وبتحديهم له، وسألوه معجزة تدل على صدقه، والمعجزات بيد الله، وليس للأنبياء أن يأتوا بسلطان إلا أن يشاء الله، ولجأ صالح إلى ربه يسأله آية طامعا في إيمان قومه، وسألهم أي آية تريدون، فنظروا إلى الجبال حولهم، واختاروا منها جبلا شديداً، وعراً، واختاروا من الجبل صخرة صماء صلبة، وقد كانوا ينحتون الجبال يصنعون منها البيوت في داخلها قوة، وشدة، فاختاروا صخرة عجزت الأيدي عن أن تنال منها شيئا، وأشاروا إليها وقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى هذه الصخرة تنشق، وتنفتح، وتخرج منها ناقة تمشي لها رغاء، ليس ذاك فقط، بل وتكون الناقة عشراء على وشك الولادة، ولجأ صالح إلى ربه، فاستجاب له، ووقفوا ينظرون إلى الصخرة، وإذا بالصخرة تنفلق، وتخرج منها الناقة عظيمة جميلة، رائعة عشراء تمشي، ولها رغاء، وحذرهم من أن يمسها أحد منهم بسوء، ولم يكلفهم رزقها، ولا طعامها فهي ناقة الله، جاءت بغير أسباب، بكلمة (كن) وطالما كان الأمر كذلك، فرزقها على الله، تشرب في يوم ما يشربه القوم، وتترك لهم الآبار يوما يشربون منها، هي يوم بمفردها، وهم جمعيا لهم يوم (قَالَ هَـٰذِهِۦ نَاقَةٌۭ لَّهَا شِرْبٌۭ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍۢ مَّعْلُومٍۢ (١٥٥)) [سورة الشعراء آية: ١٥٥] فهل آمن قوم صالح؟ هل استقاموا؟ هل صدقوا؟ هل خشعوا لله بعد ما رأوا الآيات؟ أبداً، من يهدي من أضله الله؟! من يفتح قلب من ختم الله عليه؟ واسمع وتأمل كيف يحكي لنا ربنا حكايتهم:
وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًۭا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌۭ مُّجِيبٌۭ ﴿61﴾
قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّۭا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ ﴿62﴾
قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةًۭ فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍۢ ﴿63﴾
وَيَـٰقَوْمِ هَـٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةًۭ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍۢ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌۭ قَرِيبٌۭ ﴿64﴾
فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍۢ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍۢ ﴿65﴾
(فَعَقَرُوهَا) جرأة، كِبر، تجبّر، فسق، فجور، ماذا نسميه؟ ماذا نطلق عليه؟ والغريب أن الله يقول (فَعَقَرُوهَا) والعاقر واحد (إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشْقَىٰهَا (١٢)) [سورة الشمس آية: ١٢].
هل اشترك الجميع في عقرها؟ هل اجتمع الآلاف وأوثقوها؟ أبدا، المتآمرون تسعة لقوله في موضع آخر (وَكَانَ فِى ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍۢ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴿٤۸﴾ قَالُوا۟ تَقَاسَمُوا۟ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِۦ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِۦ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ﴿٤۹﴾) [سورة النمل آية: ٤٨ - ٤٩] المتآمرون تسعة، والعاقر واحد، لكن الله يقول فعقروها، وانتبه فمن رضي بالمعصية كان كمن فعلها، فنسب الله العقر إلى الجميع؛ لأنهم راضون بذلك، من لم يشهد المعصية وسمع بها فرضي عنها إثمه إثم من فعلها، ومن شهد المعصية بعينه ولم يرض عنها، كان كمن لم يشهدها، وذاك المعنى الذي ساقه لنا حديث من أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واحذر، وانتبه، أنحن واقعون في ذلك، أنتم أيها المصلون، هل سألت نفسك هذا السؤال، نعم قد نقع في ذلك دون علم منا أو دون شعور، فمن لم يعترض منا في نفسه على الأقل على ما نراه من لهو، ولغو، ولعب، وإسفاف، وسفاهة، وتفاهة في وسائل الإعلام من رقص، ولعب، هذا الاستقبال لأكرم شهر على الله، ولأفضل شهر أوجده الله شهر القرآن، الليالي الرمضانية كما يقولون والبرامج التي تستمر حتى الفجر، المسلسلات، والمهزلات، والمهازل والرقص الخليع، والسفور، والزينة، والتبرج، هل جلست أمام هذه الأشياء ورضيت بها، إن كان ذلك كذلك فأنت كمن فعلها سواء بسواء، هل رأيت التغني بالفواسق هل رأيت ذلك وتسليت به وجلست مع أسرتك تشاهد سعيدا بذلك فقمت فنمت نوما هنيئا، فأنت كمن رقص على المسرح وأنت كمن تعرت تماما شريك لها في الإثم، ما تراه من منكر، ينكره الشرع، أنكره بقلبك وقل (اللهم إن هذا منكرا لا يرضيك) إن فعلت ذلك برئت، الإنكار بالقلب يبرؤك من الاشتراك في الاتهام والمشاركة في الإثم.
(فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍۢ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍۢ ) إذاً فقد نسب الله العقر إلى الجميع، وأثم الجميع، وحقت العقوبة على الجميع، العاقر والمشارك، والراضي بالعقر (تَمَتَّعُوا۟) جميعا (دَارِكُمْ) أي في بيوتكم أو في بلدكم (ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍۢ ۖ ) الخميس، والجمعة، والسبت، ونزل العذاب يوم الأحد (ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍۢ ) أي صدق، وحق، فالمتوعد قهار، جبار، المتوعد قادر، المتوعد محيط، المتوعد صادق في وعده، ووعيده، استهزؤوا به، وخرج وتركهم، وخرج المؤمنون معه، شيعوهم باللعنات، فرحين بمفارقتهم لهم، وأصبحوا وقد اصفرت ألوانهم، وباتوا ليلتهم، وأصبحوا وقد احمرت ألوانهم، وباتوا وأصبحوا وقد اسودت ألوانهم، وجاء اليوم الرابع، وما أدراك ما اليوم الرابع، وفوجئ قوم صالح بالأخذة، إن أخذ ربك أليم شديد، فوجؤوا بزلزلة، وقد كانت البداية الرجفة كما أشار إليها في سورة الأعراف (فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ (٧٨)) [سورة الأعراف آية: ٧٨]، وهنا أشار إلى شيء آخر - الصيحة - الزلزلة في البداية، أثارت فيهم الرعب والفزع، وأرضهم فيها الجبال، مما يزيد الخوف، والهلع، جبال ليست منبسطة، والوديان فيها الجنان، الوديان جنات، وزروع، ونخيل، والجبال فيها البيوت بدأت الزلزلة، ثم جاءت الصيحة، هل سمعت صوت الرعد في يوم مظلم؟ هل أُصبت بالخوف ولو قليلا؟ هل سمعت زئير الأسد في مكان أنت فيه، وليس فيه ملتجأ تسير آمنا، وإذا بك تسمع زئير الأسد هل تخيلت لو أنت سائر في مكان مظلم، وفجأة سمعت فحيح الحية، أو سمعت جرس العقرب، أسمعت نباح الكلاب الشرسة، كل صوت في هذه الدنيا يؤذيك، أو يخيفك، أو يرعبك، أو يؤلمك خلقه الله، هو الذي خلق نهيق الحمار وقال: (إسِنَّ أَنكَرَ ٱلْأَصْوَٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ (١٩)) [سورة لقمان آية: ١٩] هذه الأصوات المرعبة في هذه الدنيا الخالق لها هو الله، جُمعت هذه الأصوات جميعها في صيحة واحدة، تُرى كيف كانت هذه الصيحة؟ لكي تعرف هذه الصيحة، استمع إلى أثر الصيحة.
فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ ﴿66﴾
وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ ﴿67﴾
كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّثَمُودَ ﴿68﴾
(فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا) أي قضاؤنا، وقرارنا بإهلاكهم، أمرنا النافذ لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، جاء القضاء والقدر (نَجَّيْنَا صَـٰلِحًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا) ليس بإيمانهم، ولا بأعمالهم، ولا بمنزلة النبوة، ولا بدرجة الرسالة، وانظر في السورة جميعها، وذكر الرحمة التي أنجى الله بها رسله، والذين آمنوا، نوح نجّاه الله برحمة، هود نجاه الله برحمة، صالح نجاه الله برحمة، رحمة الله أين هي؟ كيف الوصول إليها؟ كيف الفوز بها؟ هو أخبرنا قائلا (إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ (٥٦)) [سورة الأعراف آية: ٥٦].
( وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ ) الخزي: العار، الفضيحة، الهوان (وَمِنْ) واو العطف هل هي زائدة للتأكيد، والمعنى نجيناهم برحمة منا من خزي يومئذ، أم أن العذاب شيء، والخزي شيء آخر؟ ذاك أوقع، وذاك أشبه، وذاك أقرب إلى الصواب (فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ ) من هذا العذاب (وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ ) وقرأت (ومن خزي يومَئذ) بالفتح، أيضا أرأيتم ثمود؟ أتعرفون ثمود؟ هل عاشرتموهم؟ هل رأيتموهم؟ منذ متى كانوا؟ من كم قرن زالوا؟ وها أنتم تسمعون قصتهم تُتلى على مر الأجيال، يلعنهم اللاعنون، أي فضيحة بعد ذلك؟! أي خزي بعد ذلك؟! أي هوان أن تكون سيرتهم على اللسان مذمومة، وأن تكون شخوصهم ملعونة، ولكي تعرف الفرق وتتأمل، إذا ذُكر إبراهيم (عليه السلام) ما هو الشعور؟ ما هو الإحساس، أي توقير، وأي احترام، وأي تعزير لأبي الأنبياء، حتى اليهود الذين كفروا بجميع الأنبياء، وقتلوا الأنبياء، يزعمون إن إبراهيم كان يهوديا، يحاولون الانتساب إليه، وطلب الشرف بزعمهم إن إبراهيم كان يهوديا، حتى النصارى كذلك، فيرد الله (تبارك وتعالى) عليهم (مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّۭا وَلَا نَصْرَانِيًّۭا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًۭا مُّسْلِمًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (٦٧)) [سورة آل عمران آية: ٦٧] ذكر طيب، وعز، وجاه، وبضدها تميز الأشياء، وضربنا لكم المثال، لكي تعرف ما هو الخزي الذي أصاب ثمود، عار، فضيحة، ذاك في الدنيا، نلعنهم دون أن نعرفهم، فكيف بخزي يوم القيامة! وقد ظهروا على الملأ، ورآهم الخلائق، وبُعثوا مسودة وجوههم، يحملون أوزارهم على ظهورهم؛ لذا يشير الله (تبارك وتعالى) إلى إنجائه للمؤمنين بقوله: (فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ) القوي في بطشه، العزيز في ملكه، يغلب، ولا يُغلب، القاهر فوق عباده، يفعل ما يريد (وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ) وفي مواضع أخرى (أخذت) أخذ: مذكّر؛ إذ الصيحة بمعنى الصياح، أي أخذهم الصياح، وأخذت مؤنثة الصيحة (فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ) الجثوم للإنسان، والطير، كالبروك للبعير، تقول بَرَكَ البعير، أي وضع البرْك على الأرض، والبرْك: صدر البعير، وإذا برك البعير، ثبت في مكانه ولم يتحرك، ومنها البركة لثبوت الخير، ونمائه، ومنها البرْكة لثبوت الماء فيها، جَثَم، يجثم، جثماً، وجثوماً: وضع صدره على الأرض وانبطح، ولا حركة به.
(وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ) أي مُلقى كل واحد منهم على وجهه، منبطح على صدره، وكأنه باركٌ على الركب، والصدر ملتصق بالأرض لا حراك فيه (كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّثَمُودَ ) كأن لم يعمروها أصلا، ويقال في مثل هذه الأحوال أصبحوا أثراً بعد عين، أي بعد أن عاينتهم الأعين، أصبح لهم آثار كآثار الفراعنة، أما هؤلاء كأن لم يغنوا فيها، أي كأن لم يعمروها أصلا، وقد قال في أول القصة حين دعاهم صالح (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) ها هو يقول بعد ذلك (كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ ) ويأتي التنبيه بألا التنبيهية أي انتبهوا أيها السامعون، واسمع أيها الزمان، واستمعي أيتها الأكوان (أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ ) تكررت (أَلَآ) هنا للتنبيه والاعتبار، والتذكير، والإعلان، والفضيحة، وبيان السبب، وما ربك بظلام للعبيد، لِمَ حدث لهم ذلك؟ ولم أُهلكوا بالصيحة؟ (أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّثَمُودَ) ذاك هو السبب (أَلَا بُعْدًۭا لِّثَمُودَ) أبعدهم الله من رحمته، تأتينا الآيات من سورة هود بالقصة الرابعة، قصة إبراهيم مع رسل الله، تمهيد للقصة الخامسة، ألآ وهي قصة لوط مع قومه، يقول عز من قائل:
وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا ۖ قَالَ سَلَـٰمٌۭ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍۢ ﴿69﴾
فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةًۭ ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍۢ ﴿70﴾
جاءت رسل الله إلى إبراهيم بالبشرى، أهي البشرى بالولد فقط؟ خاصة أن إبراهيم قد تزوج من سارة، ولم ينجب منها، وظل على ذلك سنين، ثم منحه الله هاجر، فأنجب منها إسماعيل، مما جعل سارة تلجأ إلى الله داعية طالبة راجية، ومر الزمان، وكبرت في السن، وعجزت، ويئست، ولا يأس من روح الله، وجاءت الرسل إلى إبراهيم بالبشرى بالولد، ليس ذلك فقط، بل بنبي من صلبه، بل وبشرته بولد للولد، بشرته بنبي من نبي من صلبه (وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا ۖ ) تحتمل سلمنا عليك سلاماً، سلِمت سلاماً، هو سلام، وهو دعاء، أو قالوا له: سلاما، معنى القول، وليس اللفظ، أي قالوا له: خيراً، قولا طيبا كما جاء في قوله (عز وجل) (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا) أي قولا طيبا (قَالَ سَلَـٰمٌۭ ۖ ) أي وعليكم سلام، أو أمركم سلام، وتحيته أفضل من تحيتهم (قَالَ سَلَـٰمٌۭ ۖ ) جملة اسمية، وهم جملتهم فعلية، والجملة الاسمية أرقى من الجملة الفعلية؛ لأنها تفيد الثبات والدوام، فكانت كلمته أفضل مصداقا لقول الله (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ ) [سورة النساء آية: ٨٦] (فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍۢ) (أَن) بمعنى (حتى) فما لبث حتى جاء، أي ما تأخر بل بسرعة عجل حنيذ، أي محنوذ، وهو المشوي على الحجارة دون أن تمسه النار، أو الحنيذ الذي يقطر ودكه، سمنه لقوله في موضوع آخر (بِعِجْلٍۢ سَمِينٍۢ (٢٦)) [سورة الذاريات آية: ٢٦] (فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ) لم يمدوا أيديهم إلى الطعام، ولم يأكلوا، نَكِرَه، وأنكره، واستنكره: نَفَر منه؛ لأنه وجده على غير ما يعهد، فإذا وجدت الشيء على غير ما تعهد، نفرت منه، فيقال نَكِرَه، وإن كان نَكِرَه نُستخدم فيما يرى بالعين، وأنكر فيما يُنكر بالقلب (فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةًۭ ۚ ) الوجس: الصوت الخفي.
الإيجاس وجوده في النفس، أوجس: أضمر، وكأن الصوت بداخله صوت يحذره، أو صوت يخفيه، أوجس منهم خيفة: خاف، حين رأوا خوفه، وظهر على وجهه أمارات الفزع (قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍۢ ) فعلم إبراهيم أنهم رسل الله جاؤوا على هيئة البشر، جاؤوه في صورة الفتيان، صبيحة وجوهم، معتدلوا القوام، فظنهم من الناس، وحين لم يمدوا أيديهم إلى الطعام خاف.
والآية بها بعض اللفتات أولا: إكرام الضيف من مكارم الأخلاق، ومن خلق النبيين، وقال نبينا (صلى الله عليه وسلم) (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) وإكرام الضيف بالموجود، وإكرام الضيف بتعجيل القِرىَ، إذاً فلا تدع الضيف ينتظر، بل قدِم ما هو موجود فوراً، وإن أردت المزيد فبعد ذلك، وعلى الضيف أن يمد يده فوراً، ويأكل، أو يشرب ما قُدم إليه، فيُسر صاحب البيت، ويأمن، أما أن يكف الضيف يده، فتلك علامة على أنه جاء يريد شراً، وهكذا كانت عادة الناس من لدن إبراهيم، وإلى يومنا هذا.
وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌۭ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ ﴿71﴾
قَالَتْ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌۭ وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌۭ ﴿72﴾
قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌۭ مَّجِيدٌۭ ﴿73﴾
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ ﴿74﴾
إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌۭ مُّنِيبٌۭ ﴿75﴾
يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍۢ ﴿76﴾
وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًۭا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًۭا وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌۭ ﴿77﴾
وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌۭ ﴿78﴾
قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّۢ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴿79﴾
قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍۢ شَدِيدٍۢ ﴿80﴾
قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍۢ ﴿81﴾
فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍۢ مَّنضُودٍۢ ﴿82﴾
مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍۢ ﴿83﴾
(لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةًۭ مِّن طِينٍۢ (٣٣)) [سورة الذاريات آية: ٣٣] فقالوا: السجيل تُطلق في لغة العرب على كل شديد صلب (سِجِّيلٍۢ مَّنضُودٍۢ ) متتابع، مرتب، نضدا الشيء، ينضده: وضع بعضه فوق بعض، ومنه المنضدة، نضد، ينضِد: رتب، فهو نضيد، وهو منضود، وهو منضد (مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ ) مسوّمة، معلّمة، صفة للحجارة، مكتوب على كل حجر اسم صاحبه، فلا يخطئه (عِندَ رَبِّكَ ۖ ) إذاً فهي ليست من حجارة الأرض؛ ولذا قال البعض سجيل بحر بين الأرض والسماء، مُهيأ مكتوب على كل حجر فيه اسم المستحق له، ومن هذا البحر أرسل ربنا الطير الأبابيل على قوم الفيل، فجعلهم كعصف مأكول (مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍۢ ) أي لم تخطئ ظالمي قوم لوط، أو وما هذه الحجارة من الظالمين في كل زمان ومكان ببعيد، فهي موجودة، والسجيل منضود، معَّد، جاهز؛ ولذا أخذ بعض العلماء من هذه الآية حكماً، فقالوا: من عَمِل عمل أهل لوط، فعقوبته الرجم محصنا، أو غر محصن؛ لأن الله لم يفرق بين المحصنين، وغيرهم بل أمطر على كل المدن، والقرى إذاً فعقوبة هذه الفاحشة الرجم، وقيل: (وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍۢ ) أي وما قرى لوط (مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ) من أهل مكة ببعيد زماناً، أو مكاناً، أي كأن القرى في مكان قريب من مكة، يمرون عليها في تجارتهم إلى الشام، هل اعتبروا؟ هل تذكروا؟ هل تفكروا؟
(وَمَا هِىَ) الحجارة (مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ) من قوم لوط (بِبَعِيدٍۢ ) فقد أصابتهم، ولم تخطئهم، وتنتهي القصة الخامسة، وتشرع الآيات في حكاية القصة السادسة من قصص سورة هود قصة مدين:
وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍۢ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ مُّحِيطٍۢ ﴿84﴾
وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿85﴾
بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ ﴿86﴾
(وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۚ ) كان منهم (وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۚ ) كان منهم (قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ ) تلك كانت خلاصة لدعوته، الأمر بالتوحيد، توحيد الله (عز وجل) هو ملاك الأمر كله، هو من أجله خُلقت السموات والأرض، بل ومن أجل التوحيد كانت الجنة، وكانت النار.
( مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ ) ثم نهاهم عن فاحشة اشتهروا بها، وهي البخس والتطفيف (وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ ) المكيال: أداة الكيل والميزان: أداة الوزن، لم يقل الكيل، أو المكيل، قال: المكيال، الأداة، إذا فقد كانوا يتلاعبون في أدوات الكيل، وأدوات الميزان، فحين يشتري الرجل يرى كفة الميزان قد رجحت، وحقيقة الأمر أن الميزان بخس (وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍۢ ) إنكم في سعة من العيش، في غنى، في نعمة تغنيكم عن الحرام، لمَ تفعلون ذلك وأنتم في سعة وبحبوحة من العيش، ومنَّ الله عليكم ووسّع عيكم (وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ مُّحِيطٍۢ ) إن استمررتم على ما أنتم عليه، أخاف عليكم عذاب يوم محيط، وُصف اليوم بالإحاطة، واليوم لا يحيط، وإنما العذاب هو الذي يحيط، أهو يوم القيامة خاف عليهم، من عذاب يوم القيامة، خاف عليهم من يوم الاستئصال في الدنيا، يوم محيط لا يفلت منه أحد.
(وَيَـٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ ) إذاً فقد نهاهم عن النقص، والبخس، والتطفيف، ثم أمرهم بعد ذلك بالإيفاء، وكأن كل تاجر، وكل متعامل يجب عليه أن يراعي، وأن يحرص على الإيفاء، ولو زاد ذلك من حق الآخر، لا أن يكتفي فقط بالمساواة، أو بعدم النقص؛ إذ قد يخطئ، إذاً فمحاولة إعطاء الحق كاملا وافياً هو الأمر المطلوب، لا تحاول أن تبخس فقط، بل المحاولة تكون في الإيفاء (وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ) تعميم بعد تخصيص، التخصيص: المكيال، والميزان. التعميم (وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ) إذاً يشمل الكلام الكيل الموزون، المعدود، فهناك تعامل بمعدود، المزروع، ما يقاس بأدوات القياس، يشمل أيضا الجودة، ويشمل الرداءة، يشمل الطيب، ويشمل الخبيث، فعمم بعد تخصيص، أي في جميع التعامل (وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) عثَى يعثو. عثى يعثَى، العثو، والعثي: أشد الفساد، قيل: كانوا من قطاع الطرق، يقفون على الطرق يسلبون السابلة، وقيل (وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) أي لا تفسدوا في الأرض بهذه الأعمال، أو ولا تعصوا الله بعد ما أن أمرتكم بطاعته (بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ ) أي ما أبقاه الله لكم من ربح حلال أفضل، وأحل، وأطيب، مما تكسبونه أنتم من حرام، وقُرأت (تقية الله خير لكم) أي تقوى الله خير لكم، أو (بَقِيَّتُ ٱللَّهِ) أي طاعة الله، وثواب الله من قوله: (وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌ أَمَلًۭا (٤٦)) [سورة الكهف آية: ٤٦] (بَقِيَّتُ ٱللَّهِ) ما أبقاه الله لكم من حلال (بَقِيَّتُ ٱللَّهِ) طاعة الله (بَقِيَّتُ ٱللَّهِ) ثواب الله (تقية الله) تقوى الله.
( خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ ) وذاك هو الشرط، أي إن كنتم مصدقين لي فيما أقوله، أو الأرجح أن الشرط هنا يبين أن البقية (بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ) متى؟ إن كان العبد مؤمنا؛ إذ إن الإيمان شرط لحصول الثواب، فمن عمل صالحا وهو كافر لا يؤجر، ويشترط للأجر والثواب أن يكون مؤمنا أن يعمل الصالحات وهو مؤمن، فشرط الإيمان هام لحصول الثواب، وقبول العمل، لو أن كافر أطعم المساكين هل يؤجر؟ لو أن كافر أغاث الملهوف، وفعل من الصالحات ما فعل، يأخذ أجره في الدنيا فقط، لكن الباقيات الصالحات خير للذين آمنوا، وعلى ربهم يتوكلون (وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ ) أي لا أراقبكم في أعمالكم، أنصح وآمر لكي لا أسعى وراء كل تاجر، وأفتش على ميزانه ومكياله أو (وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ ) أحفظ أعمالكم، وأجازيكم عليها، وإنما المجازي، والمحاسب هو الله أو (وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ ) أحفظكم من نقمة الله، ومن غضبه إن استمرأتم ما تفعلون، واستمررتم على ما تفعلون لا أستطيع أن أمنع عنكم عذاب الله أبدا.
تلك كانت مقالة شعيب لأهل مدين، شعيب خطيب الأنبياء، شعيب صاحب الحكمة، والكلم الطيب، والحجة الواضحة، البالغة، فماذا كان جواب قومه؟ هو يدعوهم إلى التوحيد، ويدعوهم إلى العدل، وإلى التسامح، ويدعوهم إلى القسط، ويدعوهم إلى الحلال، ينهاهم عن الشرك، وعبادة الأصنام، ينهاهم عن الظلم، والتظالم، ماذا كان ردهم؟ رد الكفار في كل زمان ومكان، العتو، والتجبر، والاستهزاء، ويحكي القرآن عن ردهم.
قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ﴿87﴾
فقد جادلهم شعيب بالحسنى، ورد عليهم بالمنطق، ولكن هل للكفار منطق؟ هل لهم عقول؟ واسمع وتأمل في قول شعيب كما حكى القرآن.
قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴿88﴾
وَيَـٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍۢ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍۢ مِّنكُم بِبَعِيدٍۢ ﴿89﴾
وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌۭ وَدُودٌۭ ﴿90﴾
( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) هو القوي المتمكن من كل شيء، وغيره عاجز عن أي شيء بذاته (وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) أرجع يوم القيامة، أعود إليه، وأرجع إليه بالتوبة وبالاستغفار، وبطلب الهداية وبالتوفيق (وَيَـٰقَوْمِ) مرة أخرى (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ) عداوتي، الشقاق أن تكون في شق -جانب- غير الشق صاحبك، الشقاق يُعبَّر به عن المعاداة، والعداوة، والمخالفة، والابتعاد، (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) (لا يُجرمنكم) قراءة: لا يدفعنكم، لا يحملنكم، لا تحملنكم عداوتي، فلا تسمعون كلامي، ولا تطيعون أمري من أجل العداوة التي بيني وبينكم، فيصيبكم ما أصاب من كان قبلكم (مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ) إذا فقد كانوا يعلمون ما قد أصاب قوم نوح من الغرق (أَوْ قَوْمَ هُودٍ) من الريح (أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍۢ ۚ ) من الصيحة و الرجفة، وإن لم تعتبروا بهؤلاء جميعا، فاعتبروا بقوم لوط (وَمَا قَوْمُ لُوطٍۢ مِّنكُم بِبَعِيدٍۢ ) زمانا كانوا قبلهم مباشرة، أو مكاناً ها أنتم تمرون عليهم، فإن لم تعتبروا بهؤلاء، فاعتبروا بهؤلاء، وعد، أم وعيد؟ وعيد وتهديد، ها هو يأتي بالوعد بعد الوعيد، بعد الوعيد على العصيان، ها هو يعطيهم الوعد على الطاعة (وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌۭ وَدُودٌۭ) وعد على التوبة إذاً فقد توعدهم، وهددهم، وأتاهم بالوعيد بعد المنطق، بعد الحجة، بعد البرهان، لا يريد مالاً، ولا يريد جاهاً ولا يريد أن يتسلط عليهم، ولا يريد أن يخالفهم إلى ما نهاهم عنه، هو موَّفق بتوفيق الله، هو يريد الإصلاح، هو على بينة من ربه يدعوهم إلى التوحيد، يدعوهم إلى العدل، يدعوهم إلى القسط، يدعوهم إلى كل ما هو خير، ثم توعدهم بأن يصيبهم مثل ما أصاب المكذبين من قبلهم، ثم ها هو يختم خطبته بالوعد، بتأليف القلوب، بالتقرب إلى الله، بالتعريف بالله (وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ) مما كنتم تفعلونه (ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ ) ارجعوا إليه بالطاعة والاستقامة (إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌۭ وَدُودٌۭ) رحيم، والله إن الله أرحم بالعبد من الأم بولدها، ولو علمتم ما عند الله من رحمة لاستحييتم من معصيته، الودود: المحب، الفاعل للخير، الودود: السابق بالإنعام، الذي يفعل لحبيبه ما يريد، وما يشتهي دون انتظار، لمثلٍ أو لجزاء، الودود: المواصل العطاء، المواصل الإنعام، الذي يحب، ويتودد إلى حبيبه بالإنعام، والإحسان، والعطاء بكل ما يقربه إليه (إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌۭ وَدُودٌۭ).
فقد رد شعيب على قومه بالحكمة، بالمنطق، بالدليل، بالبرهان، ساق الأدلة، وتوعدهم، وحذرهم، ثم وعدهم بالتوبة إن تابوا، إذاً فقد أنذر، وبشّر، وجاء بالحجة، والبرهان (قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) سبع كلمات، جمعت فنون العلوم، والمعارف، جمعت أصناف الحكمة، والمواعظ، سطعت كالبرهان دليلا على نبوته، وصدقه، وحذّر (وَيَـٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَـٰلِحٍۢ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍۢ مِّنكُم بِبَعِيدٍۢ ) توعد، وإنذار، ثم فتح لهم أبواب التوبة، والرحمة (وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ ) أسمعتم مثل هذا الكلام، أسمعتم مثل هذه الحكمة، وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث وصف شعيبا فقال: ( ذَاكَ خَطِيبُ الأَنْبِيَاءِ) واسمعوا لرد القوم، وتعجبوا من ردهم عليه.
قَالُوا۟ يَـٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًۭا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًۭا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَـٰكَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍۢ ﴿91﴾
قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَهْطِىٓ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ ﴿92﴾
وَيَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَـٰمِلٌۭ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَـٰذِبٌۭ ۖ وَٱرْتَقِبُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌۭ ﴿93﴾
وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ ﴿94﴾
كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴿95﴾
ثلاث ألوان من العذاب أُرسلت على أمة واحدة هي أمة شعيب (فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ ) هامدين بلا حراك، وكما قلنا عن الجثوم للإنسان، والطير، كالبروك للبعير (كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ ) كأنهم ما عاشوا أبداً، كأنهم ما كانوا في هذا المكان أصلا، غَنِيَ بالمكان: أقام به.
( كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ ) كأنهم ما كانوا في هذه القرى، وما عاشوا في هذه المدن، وما كان لهم وجود، إذاً فقد استأصل شأفتهم، ومحى أثرهم (أَلَا بُعْدًۭا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ) (كما بعُدت ثمود) قراءة (أَلَا) لفظة تنبيه كما قلنا، وكأن اللفظ يوحي إلى أهل السموات، وأهل الأرض، إلى كل من يعقل، إلى كل من يسمع، اسمعوا وانتبهوا بعداً لمدين من رحمة الله، فقد حلّت عليهم نقمته، وأحاط بهم سخطه، (أَلَا بُعْدًۭا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ) (كما بعُدت ثمود) بعِد يبعَد بعَدا هلك، وبعُد صار بعيدا، وشبّه مدين بثمود؛ لأن هؤلاء أخذوا بالصيحة، وأؤلئك أُخذوا بالصيحة، أُخذوا بالصيحة إلا صيحة ثمود كانت من تحتهم وصيحة مدين كانت من فوقهم، تلك صيحة، وتلك صيحة، وتأتي القصة السابعة من قصص سورة هود، قصة موسى مع فرعون بقوله الله (تبارك وتعالى):
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍ ﴿96﴾
إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍۢ ﴿97﴾
يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ ﴿98﴾
وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِۦ لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ ﴿99﴾
هذه الألفاظ كلها تستخدم في أمر واحد، هو الذهاب إلى مكان ما لقطع العطش وتبريد الأكباد، الوارد: الذاهب إلى الماء المتقدم للقوم يهيء لهم السقاء، فيجهز البئر، يجهز الدلو، وهكذا والمورد: المكان الذي فيه الماء العذب، القاطع للعطش، المبرد للكبد، فاستخدم اللفظ في الضد (فَأَوْرَدَهُمُ) حين تسمع كلمة (أوردهم) يذهب الوهم، والخيال إلى الماء القاطع للعطش، والمبرد للأكباد، فإذا الورود إلى النار التي تزيد العطش، وتقطع الأكباد (وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ ) أي بئس المكان الذي وردوه وتقدمهم إليه، وساقهم إليه، وتتأمل وتتخيل حين تكلمنا عن اجتياز موسى، وقومه للبحر، وكيف شُق البحر؟ وكيف اجتاز موسى؟ وكيف تعجبنا من أمر فرعون؟ كيف سار وراءه إن كان ما يراه سحراً إذاً فهو داخل على الماء، وإن كان ما يراه حقاً إذا فلا قِبل له بما يدخل عليه، فذاك الذي فعل هذا لابد وأنه مؤيد من السماء، كيف لحق به وكيف اجترأ أن يدخل في البحر؟ وإن كان قد اجترأ هو، كيف اجترأ جنوده؟! سبحان الفعال لما يريد (سبحانه وتعالى) هكذا كما قادهم فرعون إلى الغرق في الدنيا، يقودهم إلى العذاب والجحيم في الآخرة، كما قادهم إلى الكفر والتكذيب في الدنيا، ها هو يقودهم إلى النار والتعذيب (وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِۦ لَعْنَةًۭ) أي في هذه الدنيا، أي سارت وراءهم اللعنة في هذه الدنيا إلى أن تقوم الساعة، إذا ذُكر فرعون يُمدح أم يُسب؟ إذا ذُكر فرعون يُدعى له أم يُلعن؟ يُلعن من كل الملل، ما من أمة، أو أهل دين إلا ويُلعن فرعون على ألسنتهم، وما من جبار في الأرض إلا وشُبه بفرعون، كما شُبه أبو لهب بفرعون حين قيل فيه: إنه فرعون هذه الأمة (وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَـٰذِهِۦ لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ) ويوم القيامة كذلك، إذاً فهم ملعونون في الدنيا، ملعونون في الآخرة (بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ ) رفده يرفد رفداً: أعطاه، منحه، أمده، أي بئس العطاء، والمنْح الذي أعطاه فرعون لقومه، وملئه ها هو العطاء الذي وصلوا إليه باتباعهم أمر فرعون، أوردهم النار، أتبعوا في الدنيا لعنة، وكذلك يوم القيامة، تلك كانت القصة السابعة، ثم يتوجه الخطاب بعد ذلك لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) يبين له ربنا (تبارك وتعالى) أن ما حاق بالأمم السابقة المكذبة، يحيق بكل أمة تسير على سيرهم، وتدين بدينهم، فالتماثل في الأسباب يقتضي التماثل في المسببات، يسّري عنه ويسليه ويوجه الخطاب إليه، فهو المقرّب، وهو الحبيب يسرِّي عنه ربه ويقول:
ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَآئِمٌۭ وَحَصِيدٌۭ ﴿100﴾
وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍۢ ﴿101﴾
(فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ ) هل نفعهم آلهتهم؟ هل منعت عنهم العذاب؟ هل حمتهم؟ (فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ): ما نفعتهم (ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ) من أي شيء، لا في تأخير العذاب، ولا في تخفيف العذاب، ولا في رفع العذاب، ولا في تأجيل العذاب (لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ ) أي حين جاء أمر ربك بالإهلاك، والتدمير، والتعذيب، حين جاء الأمر ما نفعهم شيء، ليتهم ما نفعهم فقط، ولكن تسمع لربنا يقول: (وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍۢ ) التبّ، والتباب، والتتبيب في الأصل: النقص، والخسارة، ويطلق على الهلاك، إذاً فلم تغني عنهم شيئا، ولم تنفعهم، ولم تمنع عنهم شيئا، إنما زادوهم هلاكاً، وخسرانا.
وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌۭ شَدِيدٌ ﴿102﴾
إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّجْمُوعٌۭ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّشْهُودٌۭ ﴿103﴾
وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٍۢ مَّعْدُودٍۢ ﴿104﴾
يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّۭ وَسَعِيدٌۭ ﴿105﴾
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌۭ وَشَهِيقٌ ﴿106﴾
خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ ﴿107﴾
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُوا۟ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍۢ ﴿108﴾
فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ ۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍۢ ﴿109﴾
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ ﴿110﴾
وَإِنَّ كُلًّۭا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَـٰلَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ ﴿111﴾
أيها الأخ المسلم ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، فانظر لنفسك أيهما تختار، وأنت مخيّر في هذه الدنيا، ويتوجه الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) بكلام هو أشد ما نزل عليه على الإطلاق، كما قال ابن عباس:
فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ﴿112﴾
وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ﴿113﴾
الركون: الميل اليسير، وأصل الركون: رَكَنَ يركَن، وركَنَ يركُن، وركِن أصل الكلمة: استند، أو اعتمد، أو مَالَ، لكنه الميل اليسير بالركون غير الاعتماد بالكلية، وإنما هو نوع من أنواع الاستناد، أو نوع من أنوع الاعتماد على الشيء أو الميل (وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟) التعبير يختلف عن (الظالمين) فالذين ظلموا، الظُلم نٌسب إليهم مرة، مرتان، ظلم بفعل كذا، أو ظلم بقول كذا، لكن الظالم موسوم بالظلم، مختوم به، الذي ظلم نُسب إليه مرة، أو مرة، أو مدة، لكن الظالم حين يُنسب إليه الظلم إذاً فهو ملازم له، وصف، فحين يقول (وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟) إذاً فهو ينهى عن الميل، أو الاستناد، أو الاعتماد لمن نُسب إليه ظلم، فكيف بالظالم؟! وكيف بالذي تمرن على الظلم واشتُهر به وتمرس فيه؟ أنت قد تظلم نفسك يوما، وتظلم نفسك شهراً بالامتناع عن طاعة، أو بالإقبال على معصية، لكن الظالم هو ظالم على الدوام، والظالم يُطلق على المشرك (وَإِذْ قَالَ لُقْمَـٰنُ لِٱبْنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَـٰبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌۭ (١٣)) [سورة لقمان آية: ١٣]، ويطلق على الظلم اليسير (ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (٨٢)) [سورة الأنعام آية: ٨٢].
(شَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَقَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ الَّذِي تَعْنُونَ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ: (إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌۭ (١٣)) [سورة لقمان آية: ١٣])، وهنا ينهي ربنا تبارك وتعالى عن الميل، أو الاستناد، أو الاعتماد إلى من نُسب إليه ظلم، فكيف يكون نهيه عن الركون للظَلَمة؟! وكيف يكون عقابه للظالم؟! (فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ) إذاً مجرد الميل اليسير إلى من نُسب إليه ظلم يعرّض الراكن إلى النار، فكيف بمن نُسب إليه ظلم، فكيف بالظالم؟! فكيف بمن اعتاد على الظلم؟! آية التهديد فيها أشد أنواع التهديد، والوعيد فيها أشد أنواع الوعيد، مجرد الميل إلى الظالم، أنت لم تظلم أنت ذهبت إليه وقلت: ليس في الإمكان أبداع مما كان فصدقته بالكذب، ومدحته بما ليس فيه، أنت مُلهم في قراراتك، وأنت، وأنت، قالوا: يا حذيفة عظنا، قال: إياكم وأبواب الفتن، قالوا: وما أبواب الفتن يا حذيفة؟ قال: أبواب الأمراء تدخلون عليهم، فتصدقونهم بكذبهم، وتمتدحونهم بما ليس فيهم، وقال لنا الشيوخ: إذا دخلت على الأمير، أخذت من دنياه، وأخذ من دينك، وقالوا، وقالوا، وهناك أنواع من هذا الميل، قالوا: التزين بزيهم، كيف؟ قالوا: الدخول عليهم، وممالئتهم، قالوا: مدحهم في وجوههم، قالوا: عدم الأخذ على أيديهم، قالوا: عدم النهي عن ظلمهم، وساقوا الأحاديث، والأدلة (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ) حديث رواه الترمذي الميل اليسير، عدم الأخذ على يد الظالم، الاعتماد عليه، الاستناد إليه، أنا ابن فلان، أنا ابن أخت فلان، الوساطة، والاعتماد على ذوى السلطة إن كانوا من أهل الظلم، اللجوء إليهم، أن تؤيد بهم، أن تحصل على ما تريد بكلمتهم وأمرهم، كل ذلك من أنواع الركون، ليس ذلك فقط، واسمع (وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ) ما لكم من دون الله من أولياء يتولون أموركم، أو ينصرونكم، أو يمنعون عنكم العذاب، ثم لا تنصرون، لا دنيا، ولا أخرى، وصدق القائل (من اعتز بغير الله ذل، وجعل ذله على يد من اعتز به) العزيز هو الله، والعزيز من أعزه الله (وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ ۚ ) [سورة الحج آية: ١٨] (وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)) [سورة المنافقون آية: ٨] (مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ ) [سورة فاطر آية: ١٠] إذاً فابتغوا العزة من الله؛ ولذا نصحنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) (اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ بِعِزَّةِ الأَنْفُسِ فَإِنَّ الأُمُورَ تَجْرِي بِالْمَقَادِيرِ) أما حملة القرآن فلا حاجه لهم عند مخلوق، بل حوائجهم إلى الله؛ لقوله (صلى الله عليه وسلم) (لَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ القُرْآنِ أَنْ يَسْأَلَ) لدرجة أنه رُوي عن الصحابة كان الرجل منهم يكون راكبا فيسقط سوطه، وهو على فرسه، أو على ناقته، لا يقول لأحد ناولني هذا السوط، بل ينيخ ناقته، وينزل ويأخذ ما سقط منه، ثم يركب بعد ذلك خشية السؤال، فقد نهى سيد الخلق عن قيل، وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال، وقال في حق حامل القرآن: (لَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ القُرْآنِ أَنْ يَسْأَلَ) وقال للذين تلجئهم الضرورة للسؤال، أو الطلب (اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ بِعِزَّةِ الأَنْفُسِ فَإِنَّ الأُمُورَ تَجْرِي بِالْمَقَادِيرِ) فقد أمر ربنا (تبارك وتعالى) نبيه بالاستقامة، وأمر أمته كذلك، ومن تبعه إلى يوم الدين، والاستقامة هي جماع الأمر كله، فقد جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله، قل لي في الاسلام قولاً، لا أسال عنه أحداً بعدك، فقال (صلى الله عليه وسلم): (قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ) والاستقامة فضل، والاستقامة سلامة، والاستقامة أمل، بشّر الله (تبارك وتعالى) أهلها فقال:
( إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١۳﴾ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿١٤﴾) [سورة الأحقاف آية: ١٣ - ١٤] قال عز من قائل: (إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴿۳۰﴾ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىٓ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴿۳١﴾ نُزُلًۭا مِّنْ غَفُورٍۢ رَّحِيمٍۢ ﴿۳٢﴾) [سورة فصلت آية: ٣٠ - ٣٢] الاستقامة في العقيدة، الاستقامة في الأعمال، الاستقامة في الأقوال، وقد قيل: إن الخط المستقيم أقصر الطرق للوصول إلى الهدف، ونهى ربنا (تبارك وتعالى) الأمة عن أمرين: عن الطغيان، وعن الركون للظلمة، (وَلا تَطْغَوْا) والطغيان تجاوز الحد في كل شيء، والركون للظلمة، يعرّض الراكن إلى عذاب النار، وبئس المصير، ثم يتوجه الخطاب إلى سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) بأعظم عطية، وأجلّ هدية ألا وهي الصلاة.
وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ﴿114﴾
والآية في الصلوات المفروضة (وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ ) (طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ) : الطرف الأول صلاة الصبح، والطرف الثاني الظهر، والعصر، الغدو، والعشي من بعد الزوال إلى الغروب، (وزُلفاً من الليل) (وزَلَفَا من الليلً) (وزُلْفاً من الليل) (وزُلُفا من الليل) قراءات أربع للكلمة أصل كلمة أزلفه: قرّبه، فالزلف: الساعات القريبة بعضها من بعض، من أزلفه إذا قرّبه، وهي أيضا الساعات من الليل القريبة من النهار، إذاً فهي المغرب والعشاء (وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ) قيل الصبح والظهر والعصر، وقيل طرفي النهار والظهر والعصر (وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ ) المغرب والعشاء ساعاتها قريبة من النهار، والصبح قريب أيضا من النهار التالي (إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ) الحسنات هنا الصلوات الخمس، وقيل الحسنات عامة، والسيئات خاصة، الحسنات: الصلوات الخمس في رأي الغالبية، الحسنات: كل بر، كل خير، كل معروف، إماطة الأذى عن الطريق، الكلمة الطيبة (يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ) كلمة خاصة، تخص الصغائر، فالحسنات عامة، كل ما يندرج تحت كلمة الحسنات يذهب خاصة الصغائر؛ لأن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة (ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ) يتنبه العبد المتذكّر، وخص الذاكرين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بالتذكر، والتدبّر، والتفكّر، وصدق رسول الله (وَاتْبَعِ الحَسَنَةَ السَيَّئَةَ تَمْحُهَا) وصدق حين قال (وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ) وقد نزلت الآية فيما روى في رجل من الأنصار خلى بامرأة أجنبية عنه، فقبلها، وتلذذ بها فيما دون الفرج، فندِم وجاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبره فأعرض عنه النبي (صلى الله عليه وسلم) وكان عُمر جالسا، فقال للرجل لقد سترك الله، لو سترت على نفسك، وحضَرت الصلاة، وقام النبي (صلى الله عليه وسلم) فصلى العصر بالناس، ثم أرسل إلى الرجل، فجاءه فقرأ عليه، (وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ) (قَالَ الرَّجُلُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِلِيَّ هَذِهِ ؟ قَالَ : لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي)، وقيل: إن السائل رجل من الجالسين عمر، أو غيره قائلا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) أله هذه خاصة يا رسول الله؟ قال: (لَا بَلْ لِلنَاسِ كَافّّة)، وقد قال سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) مؤكدا لهذا المعنى: (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ ، مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ) من هنا قيل: إن لفظ الحسنات عام، ولفظ السيئات خاص، ويتوجه الأمر بعد ذلك بالصبر، ولا يمكن أن يكون الإنسان صابراً إلا إذا كان مقيما للصلاة، والمسألة مرتّبة، الاستقامة عدم الطغيان، عدم الركون للظَلَمة، إقامة الصلاة، والمحافظة عليها، ثم الصبر، فالصبر يحتاج لقلب قوي، يحتاج لشجاع أبيّ، يحتاج لرجل ثبت قلبه، واطمأن فؤاده، واستند إلى الواحد الأحد العلي؛ لذا يقول الله تبارك وتعالى بعد ذلك:
وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿115﴾
فَلَوْلَا كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُو۟لُوا۟ بَقِيَّةٍۢ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَآ أُتْرِفُوا۟ فِيهِ وَكَانُوا۟ مُجْرِمِينَ ﴿116﴾
وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴿117﴾
وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿118﴾
إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿119﴾
(وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا۟ لَمْ يُسْرِفُوا۟ وَلَمْ يَقْتُرُوا۟ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًۭا (٦٧)) [سورة الفرقان آية: ٦٧] (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًۭا ﴿١١۰﴾) [سورة الاسراء آية: ١١٠] (قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)) [سورة يونس آية: ٥٨]، والأمثلة كثيرة، إذاً يصح أن تكون الإشارة للأمرين وذاك أوقع، وأرجح، وأشبه بالصواب، والله أعلم بمراده (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ) تمت: ثبتت، وجب قضاؤه وحكمة الأزلي وتمام الكلمة عدم قبولها للتعبير والتبديل، وجب قضاؤه وحكمه الأزلي الذي هو (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) وكلٌ لها ملؤها، للنار ملؤها، وللجنة ملؤها (مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (مِنَ) هنا لبيان الجنس من (ٱلْجِنَّةِ) : الجن أي من صنف الجن، ومن صنف الناس (أَجْمَعِينَ) كلٌ مجموع فيها.
أيها الأخ المسلم تأمل، واستمع لكلام الله ربنا (تبارك وتعالى) يتكلم من أكبر وأجلّ النعم على الإطلاق، أن تسمع لرب العالمين يتكلم، ولو شاء ربنا لأرسل الرسل بأوامر هم يسمعونها، ثم هم يقولون، فتسمع لكلام بشر، مهما علا مقام الرسول، ومهما علا مقام النبي، فالكلام كلام الناس، أما الفضل الأعظم، والنعمة الكبرى، أن من استمع القرآن استمع لله شخصيا، ومن قرأ القرآن تكلم بكلام الله، ومن قرأ القرآن جلس مع الله، والحديث القدسي يقول فيه رب العزة (أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي) وتُختم السورة ببيان العلة من القصص لم أخبرنا بقصص هؤلاء.
وَكُلًّۭا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ وَجَآءَكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌۭ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿120﴾
وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَـٰمِلُونَ ﴿121﴾
وَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴿122﴾
وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلْأَمْرُ كُلُّهُۥ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿123﴾
وبهذا البيان الواضح خُتمت سورة هود والتي سُميت على اسم نبي الله هود ذاك الرسول الصابر، العابد، المتوكل، الذي انتصر بنصر الله (عز وجل) انتهت سورة هود، والتي قال فيها سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) "شَيَّبَتْنِي هُودٌ."