سورة يونس
مقدمة
لقاؤنا مع سورة يونس، سورة يونس سورة مكية، نزلت بمكة ما عدا ثلاث آيات، من قوله (عز وجل) (فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ ۚ ) [سورة يونس آية: ٩٤]، نزلت الآيات الثلاث في المدينة.
عدد الآي في سورة يونس مائة وتسع آيات، سورة يونس من السور المكية التي تعنى بأصول العقيدة الإسلامية، سورة يونس تبين الإله الحق، ودلائل وجوده، وقدرته، وحكمته، ووحدته، سورة يونس، تبين فساد اعتقاد المشركين في شفاعة آلهتهم، وتسوق الحجة، تلو الحجة، وإن كان قد ورد فيها بعض قصص الأنبياء كقصة نوح، وقصة موسى، وقصة يونس.
سميت السورة باسم النبي يونس، وجاءت قصته في هذه السورة، وهو النبي الوحيد الذي رفع الله، تبارك وتعالى، العذاب عن أمته بعد أن تابوا، وأنابوا وآمنوا بالله.
سورة يونس تبدأ بحروف (الٓر):
الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ ﴿1﴾
(الٓر): أنا الله (الرحمن): اسم الرحمن مقطّع في أوائل السور(الٓر)
قَسَم، (الٓر): تحد لفصحاء العرب، أن هذا القرآن مُشكل، ويُكّون من هذه الحروف فما استطعتم أن تأتوا بمثله، قيل فيها الكثير، وأفضل ما قيل وأصح ما قيل، وأرجح ما قيل، ما قاله الصديق أبو بكر: هي سر الله فلا تطلبوه، وهي من المتشابهات التي لا يصح الخوض في معناها.
(تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ ﴿١﴾) (تِلْكَ): إشارة للبعيد لرفعة منزلة القرآن، (ٱلْحَكِيمِ ﴿١﴾): المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، لا يعتريه خلل، ولا نقص، الحاكم الذي يحكم بين الناس، المحكم بالحلال والحرام، المحكم من النسخ والتبديل والتعديل (تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ ﴿١﴾) : إذ هي من قول الحكيم (سبحانه وتعالى).
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌۭ مُّبِينٌ ﴿2﴾
هل أوحينا إلى رجل منهم صار عجبا لهم، يستهزئون به، ويسخرون منه، لو نزل الملَك أكانوا يفهمون عنه (أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ )، والآية فيها لفتة، فالإنذار للكل وللجميع، عمَّم الإنذار، وخصّص البشارة، فالإنذار عام، إذاً فكل الناس محتاج لأن يُنذر إذ ما من أحد إلا وله أخطاؤه، وما من أحد إلا وفيه من العيوب، أو من الذنوب، أو من الهفوات ما يجب أن يُنذر من أجلها، أما البشارة فلا تكون إلا للخاصة الذين وفقهم الله (تبارك وتعالى) للإيمان.
( وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ) ثواب صدق، جزاء صدق، سابقة، ومنزلة رفعية، وتلك أرجح الأقوال؛ إذ تقول العرب لكل سابق في الخير أو الشر (قدم) إذ يُسعى بالقدم، فكل سابق إلى الخير، وسابق إلى المنزلة الرفيعة، يُسعى إليها بقدمه، كما يُعبَّر عن النعمة باليد، ويُعبر عن الثناء باللسان، من هنا قالوا: إن قدم الصدق المقصود هنا هو سابقة الخير، سابقة الثواب الذي أُعد لهم بسعيهم إلى رضوان الله (عز وجل) وهذه السابقة هي الإيمان، سابقة ومنزلة رفيعة سعوا إليها بإيمانهم، (قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ ) : قال بعض الناس: هو المقعد الصدق.
(إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍۢ وَنَهَرٍۢ ﴿٥٤﴾ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍۢ مُّقْتَدِرٍۭ ﴿٥٥﴾) [سورة القمر آية: ٥٤ - ٥٥] وقال بعض الناس: قدم الصدق هنا، سيد الخلق، فيبشرنا ربنا (تبارك وتعالى) بأن لنا قدم صدق عند ربنا وهو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في المقام المحمود حيث يشفع لأمته، وحيث قال هو عن نفسه: (أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ) فهو سابق لنا.
(قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌۭ مُّبِينٌ (٢)) و(إن هذا لسحر مبين) قراءة، فيعبرون عن القرآن بأنه سحر، (قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌۭ مُّبِينٌ (٢)) يقصدون النبي (صلى الله عليه وسلم) وفي الكلام اعتراف منهم بأنه جاء بما هو خارق للعادة، وبما لا يقدرون عليه، حيث جاء بكلام ما هو بالشعر، وما هو بالنثر، وهم فصحاء العرب، وتحداهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا، من هنا كان قولهم (هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌۭ مُّبِينٌ (٢)) إقرار، واعتراف بأن ما جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم) لا يطيقه ولا يقدر عليه البشر، ساحر مبين: أي واضح ظاهر سحره.
ثم تبين الآيات الإله الحق من هو؟ المستحق للعبادة:
إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿3﴾
(وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍۢ مِّمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)) [سورة الحج آية: ٤٧] جائز. يعلم الله، وكان قادراً على خلقها في لحظة لكنه يُعلّم الناس الأناة والتدبير في الأمور (خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ ) الاستواء على العرش: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهذه الآية من المتشابهات، والتي يجب أن تمُر كما جاءت، دون تفكير في معناها.
إذ هو مستوٍ على العرش على الوجه الذي يليق بجلاله، وكماله، دون تشبيه، دون تمثيل، دون تعطيل؛ إذ ليس كمثله شيء.
الاستواء: الاستعلاء، الاعتدال، الاستيلاء، القصد.
العرش: السقف. العرش أعظم جسم في الوجود خلقه الله، وهو محيط بجميع الأجسام الموجودة في هذه الدنيا، استوى على العرش على الوجه الذي يليق بكماله، وجلاله دون تشبيه؛ إذ ليس كمثله شيء، إذ نؤمن باستوائه على العرش كما قال.
(يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ ) : يدبر أمور الكائنات على الوجه الذي تقتضيه حكمته، وبما سبقت به كلمته.
التدبير في الأصل: النظر في أدبار الأمور، أي العواقب، أواخرها إلى أي شيء تنتهي، النظر في أدبار الأمور كي تجيء العواقب محمودة.
( يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ ) : يقدّر أمر الكائنات، وفق ما تقتضيه حكمته، وبما سبقت به كلمته.
(ٱلْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ۚ ) نفى شفاعة الآلهة التي قالوا عنها نعبدها لتقربنا إلى الله زلفى. وأثبت في نفس الوقت الشفاعة لمن أذن له. إذاً فهناك شفاعة ولكن بشرط أن يؤذن للشافع فيمن يشفع له، وأن يرضى عن قول الشافع، (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ) [سورة الأنبياء آية: ٢٨].
(مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ)
(ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ): هذه الصفات لا تتواجد إلا في الله الحق الإله الحق.
(ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ): إذاً فهو الله وهو الرب، إثبات للألوهية، وإثبات للربوبيّة. هذه الصفات هي صفات الإله الحق الذي يجب أن تفردوه بالعبادة.
(ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ ) أي وحدوه، وأفردوه بالعبادة، ولا تعبدوا معه أحد.
(أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿۳﴾) : أفلا تفكرون.
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ﴿4﴾
( إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا ۖ ) : قرار وبيان أن العودة، والبعث، والنشور كائن حاصل لا محالة، وإليه سبحانه وتعالى الرجوع (وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ ) أي وعدكم بالبعث والنشور وعداً، وحق ذلك الوعد حقا، أي ثبت ووجب (حَقًّا ۚ ) أي ثابت، واجب، حاصل لا شك فيه (إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ) كما بدأ الخلق يعيده، ومن قدر على الابتداء قدر على الإعادة بعد الإفناء، أو بعد تفريق الأجزاء، طالما قدر على الابتداء أيعجز عن الإعادة بعد الإفناء!! هو البادئ بالخلْق حيث لم يكن هناك شيء كان الله، ولم يكن شيء وهو الذي يعيده بعد إفنائه.
(يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ بِٱلْقِسْطِ ۚ ) القسط: العدْل، أي يجزيهم بالعدل أي بعدالتهم، وقيامهم على أمورهم بالعدل، أو يجزيهم بإيمانهم، إذ الإيمان عدل قويم، والشرك ظلم عظيم (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ﴿٤﴾).
حميم: أي محموم، الحميم: البالغ النهاية في الحرارة، حمّ الماء: سّخنه، بلغ به نهاية السخونة، والحرارة. (لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ﴿٤﴾) بسبب كفرهم، والنظم في الآية يبيّن أمورا:
أولا: (إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟) كأن بدء الخلق، ونهاية الخلْق، وإعادة الخلق، العلة فيه أن يجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أن يثيبهم.
الأمر الثاني: لم يبيّن، ولم يعيّن الجزاء (لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ بِٱلْقِسْطِ ۚ ) ما هو الجزاء؟ لم يعيّنه ليدلل على أن الثواب فوق ما تحيط به الأفهام، ولا يمكن أن يعبّر عنه بكلام، وإنما يثيب الله المؤمنون بفضله، وكرمه الذي لا يُحد، ولا يُعرف، أو يصل إلى كُنهه عقل.
(وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟) تغيّر النظْم فجأة، والقياس بالعقل يبدأ الخلق ثم يعيده لماذا؟ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط؛ وليعذب الذين كفروا لكن النظم هنا تغير (لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ ) كأن المراد أن المقصود بالذات من الإبداء، والإعادة، إثابة المؤمنين، أما العقوبة للكفار بالعَرَضْ، جاءت عَرَضاً بسبب شؤم أفعالهم؛ لذا جاء النظْم (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ﴿٤﴾) كأن العقوبة داء سيق إليهم، بسب سوء أفعالهم.
طلب المشركون آيات ومعجزات من النبي (صلى الله عليه وسلم) فيلفت ربنا نظرهم إلى أن الآيات موجودة لمن يرى، لمن يبصر، لمن يعقل، موجودة في كل مكان.
هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءًۭ وَٱلْقَمَرَ نُورًۭا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ﴿5﴾
إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَّقُونَ ﴿6﴾
(وَٱلْقَمَرَ نُورًۭا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ) منازل القمر ثمانية وعشرون منزلا، واليومان للمحاق، والاختفاء (لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ۚ ) إذ بالشمس تُعرف الأيام، وبالقمر تعرف الشهور والسنين. هو الذي فعل ذلك، وهو الذي أضاء الشمس، وجعلها ذات ضياء، وجعل القمر ذا نور، ولولا ذاك ما عرف الناس الحساب، وما عرفوا الأيام، وما عرفوا الشهور، ولا السنين.
(يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ) هذه الآيات الدالة على وجوده؛ لنعلم أن الله (تبارك وتعالى) أراد أن يظهر صنعته، ويدلل على وحدته، وعلى كمال علمه وحكمته (مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ) أي بالحكمة؛ إظهارا لصنعته، ودليلا على قدرته (يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ) يبينها ويوضحها (لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ﴿٥﴾) إذ هم المنتفعون بذلك، من ضمن الآيات التي يبينها ربنا (تبارك وتعالى) تدليلا على وجوده وقدرته وكمال علمه وحكمته (إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ) لو أن الله خلق شمسين: شمس بالليل، وشمس بالنهار متى ينام الناس؟ كيف تُعرف الأيام؟ كيف يُعرف الليل والنهار (إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ) في طول الليل وقصر النهار، وتعاقب الليل والنهار(وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَّقُونَ ﴿٦﴾) يتقون الكفر، يتقون الشرك، يتقون المعاصي، يتقون الله (تبارك وتعالى) في كل شيء؛ إذ ما من شيء في الوجود إلا ويدل على كمال قدرته (سبحانه وتعالى) وعلى وجوده، وتفرده بالخلْق.
دلائل على وجود الصانع، دلائل انفراده بالحكم، والخلْق، والملك لقوم يعلمون ثم يهدد، ويتوعد المشركين والكفار ومنكري البعث.
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ ﴿7﴾
أُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿8﴾
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَـٰنِهِمْ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴿9﴾
(إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا) أي لا يأملون في ثوابنا، ولا يخافون عقابنا، منكروا البعث (وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا) سكنوا إلى الدنيا، واطمأنوا بها، وظنوا أنها الدار الوحيدة وليس بعدها من دار (وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ ﴿۷﴾) الواو، واو العطف، والعطف إما لتغاير الوصفين، وإما لتغاير الفريقين (إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا) وهم أيضا (عَنْ ءَايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ ﴿۷﴾) (أُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿۸﴾) بأعمالهم ذاك إذا كان العطف لتغاير الوصفين، أما إذا كان العطف لتغاير الفريقين، فهؤلاء غير هؤلاء. الأولون (إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا) منكروا البعث (وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ ﴿۷﴾) فريق آخر، الذين ألهاهم العاجل، عن التفكر في الآجل والعمل له (أُو۟لَـٰٓئِكَ) الفريقان مصيرهم ونهايتهم (ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿۸﴾).
أيها الأخ المسلم، الدنيا عمرها قصير، وخطرها حقير، وزادها قليل، مهما كان العمر أين نوح؟ كم كان عمره! مات، وما من حي إلا ويموت، ولابد لهذه الدنيا نهاية، وكل ما له بداية لابد أن يكون له نهاية، ونهايتنا إلى الله، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة، أو النار، والذين ألهاهم العاجل، وألهتهم الدنيا، وزخرفها، ونسوا لقاء ربهم، أو لم يعملوا لذلك اليوم (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ ) أي في دائرة الإمهال وما دمنا نتنفس فنحن لازلنا أحياء في دائرة الإمهال وما دمنا في دائرة الإمهال فلابد وأن ننجوا بأنفسنا، فنعود إليه ونرجوه، ونتوب إليه.وبضدها تتميز الأشياء يبين ربنا (تبارك وتعالى) مصير المؤمنين المتقين الذين تفكروا في الآيات وأيقنوا بوجود الخالق (سبحانه وتعالى) فعملوا لرضوانه، وابتعدوا عن مساخطه.
(إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَـٰنِهِمْ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴿۹﴾)، (يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَـٰنِهِمْ ۖ ) يهديهم ربهم: يسلك بهم السبيل إلى النعيم، وإلى الجنة، يهديهم: يدلهم على الطريق الذي يبلغون به الجنة (يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَـٰنِهِمْ ۖ ) يزيدهم إيمانا على إيمانهم، يهديهم بإيمانهم لإدراك الحقائق، فيبصرون ما لا يبصره غيرهم (إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (٢٠١)) [سورة الأعراف آية: ٢٠١]
والهداية: الدلالة بلطف على المطلوب، يهديهم: يأخذ بأيديهم، يسوقهم إلى الخير سوقا يهيء لهم سبيل الخير، والرشاد في الدنيا وفي الآخرة.
(تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ) من تحت أسِرّتهم، من تحت قصورهم في الجنة، وذاك أمر لا يُدرك بالعقل، وإنما الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وما في الجنة من ديناكم إلا الأسماء، أما الحقائق فهي شيء آخر، أنهار: اسم جمع نهر، لكن كيف هي؟ أين تجري؟ من أين تنبع؟ أين تصب؟ لا أحد يعرف، أنهار قيل هي أنهار من العسل كما قال ربنا (تبارك وتعالى) أنهار من لبن، أنهار من ماء عذب، أنهار من خمر، لكن كيف تجري؟ ما شواطئها؟ ما عمقها، وأين قعرها؟ من أي شيء هي؟ مجاري هذه الأنهار أين؟ تحت الأسِرّة! تحت البيوت! تحت القصور! حول القصور أيجري النهر مع صاحبه حيث سار كما قالوا؟ يشير إليه فيجري حيث أراد (تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴿۹﴾).
دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌۭ ۚ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿10﴾
تحيتهم بعضهم لبعض بالسلام، السلام قول لا إثم فيه، ولا كذب، ولا لغو، الدعاء بالسلامة من الآفات، السلامة من الآثام، السلامة من كل ما يعكر الصفو، والدنيا فيها ما يعكر الصفو أما هناك والسلامة المطلقة.
(وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌۭ ۚ ) يحييهم ربهم بالسلام، تحييهم الملائكة (جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍۢ ﴿٢۳﴾ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴿٢٤﴾) [سورة الرعد آية: ٢٣: ٢٤] (وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٠)) حين يبعث الناس يبدؤون بالحمد، وحين يستقر أهل الجنة في الجنة ينتهون بالحمد. (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ)[سورة الإسراء آية: ٥٢] بدأ ربنا الخلْق بالحمد، وأنهاه بالحمد (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ) [سورة الأنعام آية: ١]، وأنهاه بالحمد (وَتَرَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٧٥)) [سورة الزمر آية: ٧٥].
وقال بعض الناس محاولاً تفسير الآية، فقال: إذا جلس المؤمن في جنته مستمتعا بها، فاشتاقت نفسه لشيء، فيقول سبحانك اللهم، جاءه ما يشتهيه بالتحية والسلام من الملائكة، وحين ذاق ورأى اللطف، والكرم، والمنّة، والنعمة، قال: الحمد لله رب العالمين. كما كانوا في الدنيا كلما رأوا آية رأوا القمر منيرا، قالوا: سبحانك، رأوا الطير يطير، قالوا: سبحانك (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًۭا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ (١٩١)) [سورة آل عمران آية: ١٩١].
فكذلك في الجنة كلما اشتهوا شيئا، قالوا: سبحانك اللهم، وذاك هو الطلب، جيئ بالشيء المشتهى بالتحية، وحين حصلوا عليه، وذاقوا قالوا: الحمد لله رب العالمين.
فقد بُعث النبي (صلى الله عليه وسلم) والقوم في ظل الشرك، بُعث وقومه يعبدون الأصنام، ويسجدون للأوثان، يغيرون على الجار، ولا يراعون حُرمة ولا يصلون رحماً، ارتكبوا من الشرور ما لا عدّ له، ولا حصر، ظلم، شرك، بغْي، غدْر، كل ما يخطر على البال من شرور، ومآثم ارتكبوها دون رادع، وحين جاءهم نبينا (صلى الله عليه وسلم) بالنور المبين، وبالقرآن العظيم، يأمر بصلة الأرحام، وحفظ الجوار، وصدق الحديث، وعبادة الله الواحد القهار، وترك الأصنام، استجاب له القليل، استجاب له الفقراء، والعبيد، أما أصحاب السلطة والسلطان، وأصحاب المال، فكانوا من أشد الناس عداوة له، والأغرب من ذلك أنهم سألوه الآيات والمعجزات معجّزين له أن يكون له بيت من زخرف، أن يرقى في السماء، أن يحوّل جبال مكة ذهبا خالصا أن يأتي بآية كعصا موسى، أو كناقة صالح، أو أن يحيى آباءهم أنكروا البعث وقالوا: (وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)) [سورة الأنعام آية: ٢٩] وقالوا: لن يبعث الله من يموت، وقالوا، وقالوا، وزعموا، وهو صابر عليهم يدعوهم بالحكمة وبالموعظة الحسنة يحزن عليهم وفاجأوه بالتحدي، والكبْر والتجّبّر حتى على الله فوقفوا، وقالوا (ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٢)) [سورة الأنفال آية: ٣٢] ظلام نشأ من الظلم، والظلم ظلمات في الدنيا وفي الآخرة، بدلاً من أن يسألوا الله الهداية، إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، بلغ بهم الغباء، والجهل، والجبروت، بلغ الغاية، إن كان حقاً فأمطر حجارة، شيء غريب، وحلم الحليم (سبحانه وتعالى) وستر الرحيم، لم يستجيب لهم، بل أنزل توجيها عاماً قال فيه:
وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿11﴾
وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًۭا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّۢ مَّسَّهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿12﴾
والآية قيل: إنها في الكافر على وجه الخصوص؛ إذ هو الذي يلجأ إلى الله حال الضر، وينسى الله حال الرخاء، وقيل: بل الآية في كل إنسان حتى الصالحين منهم، في حال الشدة يجتهد في العبادة، ويجتهد في اللجوء، ويجتهد في الدعاء، وحال الرخاء ينسى أو يعود إلى عصيانه.
(مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّۢ مَّسَّهُۥ ۚ ) مرّ: استمر في سرته الأولى (كَأَن لَّمْ) كأنه لم يدعنا من قبل إلى ضرّ مسه (كَذَٰلِكَ) أي كهذا التزيين الذي حدث لهذا الإنسان الغافل الذي ينسى الله في الرخاء؛ ويتذكر الله في الشدة، كهذا التزيين الذي حدث له (زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿١٢﴾) المسرفين: الكفار، والمشركين، والمزيِّن هنا هو الله، أو المزيّن هو الشيطان بقضاء الله وإرادته.
الآية وإن كانت كما قيل نزلت ردا على القائلين: (ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٢)) [سورة الأنفال آية: ٣٢]، إلا أن بعض العلماء قالوا: الآية أيضا تنبيه، وتوجيه للناس كافة، وللمسلمين كذلك؛ إذ قد يغضب الإنسان على ابنه فيدعوا عليه، قد يضيق به الأسباب فيدعوا على نفسه، فإن حدث وفعل ذلك فقد يُستجاب له، وهل يُستجاب للمسلم أو الصالح إذا دعا على نفسه، أو ولده، أو ماله؟ البعض قال: لا يستجاب له، فقد سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) ربه ألا يستجيب لحبيب على حبيبه.
وقال البعض: بل قد يستجاب له، وقد يصادف دعاؤه أبواب السماء مفتحة، وقد يصادف دعاؤه ساعة قبول فيستجاب له في الشر كما استجيب له في الخير.
ويروى في هذا دليل فقد روى مسلم في صحيحه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) خرج في غزوة (بطن بواط) وكان الرجال يتعاقبون الثلاثة، أو الأربعة على بعير واحد، وجاءت النوبة على رجل من الأنصار، وأناخ البعير، وركب، وحين أراد أن يبعث بعيره تلدّن عليه، تعصّى عليه، واغتاظ الرجل من بعيره، فقال للبعير: لعنك الله شَأْ أو سَأْ كلمة زجر، فسمعه النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: (مَنْ هَذَا اللاعِنُ بَعِيرَهُ؟ " قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "انْزِلْ عَنْهُ، فَلا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ)، ثم وجّه للناس معه هذا التوجيه، (لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لا تُوَافِقُوا مِنَ السَّاعَةِ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ) هذا الحديث يؤكد أن الله (تبارك وتعالى) قد يستجيب للداعي الذي يطلب شراً لنفسه، أو لولده، أو لماله، من هنا نبّه العلماء على أن الإنسان مهما غضب، فليحذر أن يدعو على ولده، أو أن يدعو على نفسه، أو على ماله، أو على حبيبه، أو على صديقه، وما إلى ذلك، يقول ربنا (تبارك وتعالى) بعد ذلك مهددا أهل مكة:
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ ۙ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿13﴾
(وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)) [سورة يونس آية: ١١] (لقَضى إليهم أجلهم) قراءة.
(وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًۭا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّۢ مَّسَّهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (١٢)) [سورة يونس آية: ١٢]
ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴿14﴾
والخلائف جمع خليفة (ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ) من أجل الاختبار من أجل الامتحان من أجل الابتلاء (لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴿١٤﴾) أي نعاملكم معاملة المختبر، فتظهر أعمالكم في الوجود، وقد علمها سبحانه وتعالى أزلاً، ولو شاء لأدخل أهل الجنة، الجنة، وأدخل أهل النار، النار من قبل أن يخلق الدنيا؛ لكنه أراد أن يظهر عدله، وأن يعمم الدعوة إظهاراً لحجته، فخلق الدنيا وترك الناس فيها مخيرين، وبيّن لهم طريق الخير، وبيّن لهم طريق الشر، وأرسل لهم الرسل وتعهدهم بالرسالات، وبالكتب السماوية، مختبرا إياهم أو معاملاً لهم معاملة المختبر، حتى يظهر علم الغيب، ويتحول إلى علم شهادة، فيؤاخذهم بما ظهر من أعمالهم تحقيقا، وإظهارا لعدله (سبحانه وتعالى).
وفي الآية لفتة (ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴿١٤﴾) ولم يقل لننظر ماذا تعملون، وانتبه، إذاً فالعبرة في العمل بالكيفية، والجهة، وليس الحساب على ذات العمل، أساس الحساب ليس ذوات الأعمال، وإنما الجهات، والكيفيات للأعمال؛ ولذا قال كيف، والمثال على ذلك، أنفق رجال ماله على الفقراء، والمساكين، وفي الخيرات. ذاك هو العمل أيحاسب عليه؟ ذات العمل عمل طيب، لكنه أراد مدح الناس، ولم يرد بذلك وجه الله، تلك جهة العمل، أنفق بسفاهة معارضاً لقوله: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًۭا مَّحْسُورًا (٢٩)) [سورة الإسراء آية: ٢٩] كيفية، حج بيت الله الحرام، الحج عمل مطلوب، كيفية الأداء هذا هو المحاسب عليه، فانظر لنفسك كيف تؤدي العمل؟ الصلاة لا تحاسب على الصلاة في حد ذاتها من ركوع، وسجود، وأقوال، وأفعال مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، وإنما تحاسب على كيفية الصلاة؛ لذا حين يتحدث ربنا عن المصلين يقول عنهم: (وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ) [سورة البقرة آية: ٣] ولم يقل أبداً يصلون، وحين جاء بفعل الأمر قال: (وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ) [سورة البقرة آية: ٤٣] لكي تأتي الصلاة قائمة، معتدلة على الكيفية الواجبة، ويتحدث عن سفاهات القوم الذين لم يؤمنوا فيقول:
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ﴿15﴾
قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًۭا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿16﴾
القرآن المعجز الذي جاء الفصحاء، فبذّهم، بذَّت فصاحته فصاحتهم، وعجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، هذا القرآن المعجز الذي لا هو نظم، ولا هو نثر. إذا تتلى عليهم (قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا) لا يرجون النظر إلى وجه الله، لا يطلبونه، ولا يأملون فيه. لا يرجون ثوابا، ولا يخشون عقابا. قالوا للنبي (صلى الله عليه وسلم) حين تلا عليهم القرآن (ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ ) طلبوا أحد أمرين: أن يأتي بقرآن آخر، أو أن يبدِّل الآيات في قرآنه الذي أتى به، كأنهم يتهمونه بأنه صاحب الكلام، وكأن القرآن من عنده، وبأنه يستطيع أن يغير ويبدِّل.
ماذا يطلبون من تغيير؟ في القرآن سب لآلهتهم، ونفي لشفاعتهم، أرادوا تغيير هذا، لا تسب آلهتنا، وائت بآية تمدحهم، يبدِّل آيات الوعيد، بآيات الوعد، ائت بآيات تنكر البعث، ائت بقرآن على هواهم، وعلى مشتهاهم، حين أجاب بأمر الله، أجاب عن واحد من الأمرين، ولم يجب عن اثنين (قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ ) وترك الطلب الآخر، حين قالوا (ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ ) تكلم عن التبديل؛ لأن العاجز عن التبديل في بعض الآيات، عاجز من باب أوّلى عن الإتيان بالكل، فالامتناع عن التبديل دليل عن الامتناع عن التغيير، من هنا أجاب عن هذه الجزئية. (قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ ) لا استطيع، ولا يصح، ولا يجوز، ولا يمكن، ويستحيل علىّ أن أبدله من نفسي لهواي مستجيبا لكم (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ ) أي أن القرآن من عند الله ليس من عندي، فلا أتبع إلا ما يوحى إليّ، ويأتيني من الله (تبارك وتعالى) فكيف أبدِّل كلاما لم أقله ولم أُنشئه؟ (إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ﴿١٥﴾) وهذه المقولة تومئ بأنهم استحقوا العقاب بمجرد الطلب، (قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ ) ذاك قولهم، وطلبهم، (بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ) وانتهى الكلام ثم قال (إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ﴿١٥﴾) إذاً التبديل، عصيان، وبالتالي طلب التبديل، عصيان، فحين يقول: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، يشعرهم بأن مجرد الطلب الذي طلبوه استوجبوا به العقاب.
وتأتي الحجة الدامغة (قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ) والآيات نلاحظ فيها كلمة (قُل) إذ إن النبي، صلى الله عليه وسلم، لا يرد من تلقاء نفسه، حتى الرد عليهم فيما يزعمون، أو فيما يطلبون، أو فيما يقولون حين قالوا (ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ ) لم يتكلم، ولم ينطق، وانتظر الرد من الله (قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ ) وقرأت (ولأدراكم به) بلام التأكيد، والفرق في المعنى (قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ) أي لم يبعثني، ولم ينزّل عليّ القرآن (وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ ) ولا أعلمكم بالقرآن، وإذا قُرئت (ولأدراكم به) أي ولأعلمكم به على لسان غيري، فلم أختر نفسي لأكون رسولا، بل الله يخلق ما يشاء ويختار، هو يُعلمكم، ويدريكم على لساني إن شاء، أو على لسان غيري إن شاء، ولو شاء ألا يُعْلمكم به أصلا، ما أعلمكم به على لساني، أو على لسان غيري (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًۭا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿١٦﴾) أربعون سنة يعيش بينهم رسولا الله (صلى الله عليه وسلم) مثالا للصدق، مثالاً للأمانة، مثالا للوفاء، هم الذين لقبوه بالصادق الأمين، أربعين سنة لم يتكلم بعلم، لم يدرس علما، لم يصاحب عالما، لم يستمع لعلماء، لم يقرض شعرا، لم يخطب خطبة، لم يقل نثرا، لم يؤثر عنه كلام منظوم، أو منثور، أو مُقفَّى، أربعون سنة، لم ينطق بشيء، ثم جاءهم بكتاب معجز في لغته، معجز في نظمه، بذَّتْ فصاحته فصاحة الفصحاء منهم، تحداهم به، فيه قواعد علم الأصول، قواعد علم الفروع، قصص الأولين، أخبار الآخرين، الحلال والحرام، تتكرر المعاني بألفاظ متعددة، قرآن معجز، أذهلهم حتى أنهم قالوا: إن هذا لسحر مبين، ولا يقال هذا على كلام يقوله البشر، فكم قالوا: المعلقات من الشعر التي يعلقونها في الأسواق: ذو المجاز، وذو المجنة، وعكاظ، قول الشعر، وقول النثر، والخطب التي كانوا يخطبونها في الأسواق، صنعتهم الكلام، أربعين سنة ما أنشد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قصيدة له أو لغيره، من أين أتى بهذا؟ أفلا تعقلون؟ أفلا تعملون عقولكم في هذا؟
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴿17﴾
فمن سفاهة مشركي مكة أن الرجل منهم كان يصنع الإله من العجوة في موسم العجوة، يصنع آلهة ويضعها، فإذا جاع أكلها، من سفاهتهم، وسفاهة عقولهم، تارة ينكرون البعث، وتارة يقولون: إن كان هناك بعث فهذه الآلهة تشفع لنا، فهُم مترددون في أمر البعث، ينكرونه تارة (وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًۭا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًۭا جَدِيدًۭا (٤٩)) [سورة الإسراء آية: ٤٩]، وتارة يزعمون أن الآلهة والأصنام تشفع لهم يوم البعث، تردد، وحيرة، عمى، وعمى يقول الله (تبارك وتعالى) عنهم:
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـٰٓؤُلَآءِ شُفَعَـٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿18﴾
(قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ ) اسمع الرد (قُلْ) لأن الرد يأتي من عند الله (أتُنْبئون.. أتنبِّئون ) قراءتان.
(قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١۸﴾) ربنا (تبارك وتعالى) هو الخالق للوجود، هو الواهب للحياة، ما من موجود إلا وهو مقهور لله، من هنا يأتي السؤال، المعبود بغير حق إما أن يكون موجوداً في السماء، وإما أن يكون موجودا في الأرض، فإن كان مثل هذا الشفيع من الموجودات في السماء، أو من الموجودات في الأرض، فلابد وأن من أوجده يعلم به، فإذا كان العالم والموجد يقول: إنه لا شفيع معه، ولا شريك له، فكيف تزعمون شفاعة الأصنام! وكيف تنبئونه بما لا يعلم! إذ ما لا يعلمه الموجِد غير موجود، فكل موجود من إيجاده، إذاً فما من موجود في السموات وفي الأرض إلا من إيجاد الله، وطالما كان من إيجاد الله الذي تقرون به، فهو يعلمه، ويعلم به، وهو مقهور للمعبود، وهو أيضا عبد، أو مملوك، أو جماد، لا ينفع، ولا يضر، فكيف تمنحونه ما ليس بحق؟ وكيف تنبئون العالم بما لا يعلم؟ إذا فلا شفيع هناك إلا بإذنه، إلا لمن ارتضى، هو الذي يخلق ما يشاء ويختار، ثم يقدّس ذاته فيقول (سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١۸﴾).
ويحكي ربنا (تبارك وتعالى) عن الناس، وكلما استمع الإنسان لكلام الله (عز وجل) كلما تأسّى وتأسف، كيف بالناس الذين كانوا في عدم، وأوجدهم ربنا وخلقهم، وسوّاهم وصوّرهم، فأحسن صورهم، ورزقهم، ومتعهم، كيف بهؤلاء الناس يشركون بالله، ويكفرون بالله، يحكي ربنا (تبارك وتعالى) عن السر في ذلك فيقول:
وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَٱخْتَلَفُوا۟ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿19﴾
(وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿١۹﴾) ما هي الكلمة؟ وكيف يكون القضاء؟ الكلمة: هي ما سبق به القضاء والقَدر من أن الحساب يوم الحساب، هذه الكلمة هي أن الله (تبارك وتعالى) يمهل الناس، ويترك الناس، حتى يأتي يوم القيامة، حيث يبدأ الحساب، لولا هذا لحاسبهم، وعاقبهم، وأدخلهم جهنم في التو، واللحظة، لكن ينظرهم ويؤجلهم إلى أن تقوم الساعة.
وقال بعضهم: الكلمة هو إظهار الحق وإبطال الباطل، وهذه الكلمة تتحقق يوم القيامة، فيحق ربنا الحق، ويضع الباطل.
وقال بعضهم: بل الكلام عن أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) والكلام تسلية لرسول (صلى الله عليه وسلم) تسلية لسيد الخلْق، حين يرى هذا الجحود والنكران، حين يسمع هذا الكفر وهذا التحدي، حين يرى هذا الغباء والعمى، يحزن على قومه، أو قد يتمنى أن يحق ربنا الحق، أو أن يفصل ربنا بين المُحق والمُبطل، أو أن ينزل آية أو، أو، فيسليه ربنا (تبارك وتعالى) مبينا له أن كلمته سبقت بأن يؤجل أمة محمد إلى يوم القيامة، وألا يعاملها كما عامل الأمم السابقة حيث أهلكهم حين كذبوا أنبيائهم، إذ منهم من يؤمن في المستقبل، كمن أسلم يوم الفتح! ومنهم من يخرج من صلبه مؤمن، ولو أهلكهم ما خرج المؤمنون من أصلابهم، فبعلمه بأن منهم من يُسلم، ويؤمن بعد ذلك، وسبقت كلمته بألا يقضي بينهم، ولا ينزل بهم العذاب، ولا يستأصلهم كما فعل مع الأمم السابقة، فالكلمة سبقت بالتأجيل إلى يوم القيامة، لولا هذا لأظهرنا الحق، ولأهلكنا الباطل، ولنزلت صاعقة من السماء تستأصل شأفة الكفار على الأرض، (وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ) قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) كلهم كانوا على الشرك، ما كان فيهم مسلم، وما كان فيهم مؤمن، فاختلفوا حين بُعث النبي، صلى الله عليه وسلم، فمنهم من آمن بك يا محمد، ومنهم من كفر، ولولا أن الكلمة سبقت بالتأجيل، والإمهال لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) وعدم معاجلتهم بالعقوبة، لقضينا بينهم، وأظهرنا الحق، وأخزينا الباطل، وأنجينا المحق، وأهلكنا المُبطل.
أيها الأخ المسلم، الآيات تلو الآيات، بينات، واضحات، لا ينكرها إلا جاحد، ترى هل عميت الأبصار؟ وهل عميت البصائر؟ أم أن الأمر، أمر جحود، وحقد، وغل، هل من كفر من أهل مكة كان كافراً بحق؟
بمعنى أنه كفر لعدم وضوح الآيات، كفر لعدم وجود الدليل؟ هل كانت الشكوك في محلها؟ أبداً والله، ولو حدث ذلك لبيّن الله لهم، ولهداهم؛ إذ لا إثم على من لا يعلم، لا إثم على من يطلب الحق ولا يصادفه، إنما الإثم على من رأى الحق فأنكره، وعَلِم الحق فلم يتبعه؛ لذا لابد وأن نعلم أن كفار مكة كانوا على يقين من صدق محمد (صلى الله عليه وسلم) وكانوا على يقين من البعث، والنشور، ولكن الحقد، والغلّ، والجحود، والخوف على الدنيا، والخوف على السلطان، والهروب من الحقيقة، وغمض العين عنها، كأنه لن يحاسب، إذ لو أنكر البعث فهو حر فيما يفعل، من أكل أموال الغير: من زنا، من سُكر، من فسق، من فجور، طالما لا حساب هناك، ولا بعث، ولا نشور، ماذا يخيفه؟ إذا فهو حر فيما يفعل. هذا هو السر في إنكار البعث قديما وحديثا، حتى في الدول التي أنكرت البعث، أو الناس الذين أنكروا البعث أنكروه لإلقاء التبعة، وإلقاء المسئولية، وحتى يكونوا أحراراً فيما يفعلون، ويأتون، ويذرون، والدليل على كل ذلك (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (٨٧)) [سورة الزخرف آية: ٨٧]، (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ (٩)) [سورة الزخرف آية: ٩]، أكثر من آية أكثر موضع، ماذا كان اعتراضهم على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه يتيم، أنه فقير فقط بدليل قولهم عن القرآن (لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)) [سورة الزخرف آية: ٣١] إذا الاعتراض لم يكن على القرآن نفسه، بل قالوا: ألم يجد ربنا رسولا يُرسله إلا يتيم أبي طالب، إذاً الحقد على رسول الله والاعتراض على شخصه (صلى الله عليه وسلم) هو الذي دفعهم إلى هذا الكفر، وتمسكهم بالدنيا، والأغرب من هذا حين اشتد الأمر على رسول الله، وطمع في إيمان قومه، لجأ إلى الله وقال (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) دعا أن يصبهم الله بالقحط، حتى يلجأوا إلى الله؛ لأن الإنسان في ضعفه يلجأ إلى الله، فأصبهم القحط سبع سنوات، حتى أكلوا الجيف، والميتة، وذهب أبو سفيان لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) يقول له: (قُحطنا بدعائك، فإن سقيتنا آمنا، فاستسقى فسُقوا، وعادوا إلى كفرهم، وجحودهم) فهل كان الصادق الأمين محتاجاً لآية تدل على صدقه! كعصا موسى، أو كناقة صالح، أو كعلم الغيب، كعلم عيسى ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، هل كان محتاجاً لهذا وهو الصادق الأمين بشهاتهم! يعرفون نسبه، ويعلمون صدقه، يسمعون كلام الله، يُتلى على لسانه آيات القرآن المعجز أبد الدهر، وهم فصحاء العرب، أصحاب اللسان، ملوك الكلام، نزل القرآن فتحداهم أن يأتوا بسورة فعجز الأساطين عن ذلك، ومع ذلك يطالبونه بآيات غاية في الغرابة، أن يكون له بيت من زخرف، أن يرقى في السماء، وإن رقى لن يؤمنوا لرقيه حتى ينزل عليهم كتابا يقرأونه، بل طلبوا منه أكثر من ذلك فقالوا: أرنا الله كما قال أصحاب موسى، وطلبوا منه أن يأتي بالله والملائكة قبيلا، منتهى الكفر، منتهى الجحود، منتهى الإجرام، وسوء الأدب مع الله، وآيات الله في الكون غير خافية، الشمس، القمر، الليل، النهار، الأنهار، البحار، الأشجار، الثمار، السحاب، المطر، آيات غير خافية، ومع ذلك يطلبون الآيات، فأنزل التهديد، والوعيد في قوله (عز وجل):
وَيَقُولُونَ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ﴿20﴾
وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌۭ فِىٓ ءَايَاتِنَا ۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴿21﴾
(وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ) صحة من بعد مرض، خصب من بعد جدب، رخاء من بعد قحط (رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ) والغريب في التعبير، أن في الرحمة عبّر بالذوق، وفي الضُرّ عبّر بالمسّ، والمسّ خفيف، ورحمة الله سبقت غضبه، ورحمته أوسع، وأشمل، وأعمّ، وعمر الإنسان غالبه نعمة، وقليل من عمره ضر، كم سنة في صحة! وكم يوم في مرض!
(وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ) مجرد مسّ (إِذَا لَهُم مَّكْرٌۭ فِىٓ ءَايَاتِنَا ۚ ) والمكر: إخفاء الكيد، المكر: التدبير بليل، مكر في آياتنا بالتكذيب، بالجحود، بالنكران، يستهزئون بالقرآن، وينكرون صدق النبي (صلى الله عليه وسلم) (قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ ) أي أن الله دبّر عقابهم من قبل أن يدبّروا مكرهم، ومكر الله إما استدراج للكفار وإما مجازاة لهم على مكرهم، وسبحانه وتعالى منّزه عن صفات البشر، فليس كمثله شيء، فالمشاكلة اللفظية (لَهُم مَّكْرٌۭ) (قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ ) لبيان أن مكر الله استدراج، مكر الله إخفاء ما يدبره لهم من عقوبة، وما يفاجئهم به من عذاب (إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴿٢١﴾) حين مكروا، ودبروا بليّل، ودبروا في الخفاء، وظنوا أن ذاك يخفى على الله، ما دبّروه لم يخف على الحفظَة، لم يخف على الكتبة، فكيف يخفى على الخالق؟!
فإن كانت الآية فيها التهديد، وتحقيق العذاب، والعقوبة، إلا أنها تشعر أيضا بأن ما أخفيتموه لم يخف على الحفَظَة، فكيف يخفى على الله؟!
هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍۢ طَيِّبَةٍۢ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿22﴾
(جَآءَتْهَا) أي جاءت الريح الطيبة (جَآءَتْهَا) جاءت الفُلك (وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ ) الموج: ما ارتفع من الماء فوق سطح البحر، وسُمِّي موجا لاضطرابه، ماج، يموج، اضطراب، وجاءهم الموج من كل مكان يأتي منه الموج (وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ ) أي تيقنوا أنهم أحيط بهم، كإحاطة العدو بالإنسان من كل جانب.
هنا حين أيقنوا الهلاك لجأوا لمن؟ (دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ) وإخلاصهم هذا إيمان اضطراري، وليس إيمانا اختيارياً، ليس إخلاص الصادق، وإنما إخلاص المضطر، ومعنى الإخلاص هنا أنهم نسوا الأصنام والأوثان، وما كانوا يدعون من دون الله، ولم يتجهوا بالدعاء إلا إلى رب الأرباب، حين تقطعت بهم الأسباب، دعوا الله مخلصين له الدين ليس إخلاص المؤمن بل إخلاص المضطر، (لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ) شرط (لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿٢٢﴾) المقرين بفضلك، الطائعين لك، العاملين بطاعتك.
فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَـٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿23﴾
الأمر الأول: أن الإنسان مهما بلغ من عتو، وكفر، وطغيان، في حالة الاضطرار لا يجد إلا الله، إذاً فالناس مجبولون على اللجوء إلى الخالق الواحد الأحد، مهما كفروا.
إذاً الكفر إخفاء لهذه الجبلة، الكفر تحدي لفطرة الله التي فطرهم عليها، هاهم يلجأون إليه حال الضر وقد كانوا يكفرون بوجوده.
الأمر الثاني: أن المضطر يجاب دعاؤه، ولو كان كافراً (دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿٢٢﴾)، وهو يعلم كذبهم، ويعلم نكوصهم، ومع ذلك أنجاهم، إذا دعاء المضطر مستجاب مؤمن كان أو كافر (أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) [سورة النمل آية: ٦٢]، بشرط أن يتخلى عن كل الأسباب، وأن يلجأ لرب الأرباب (يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ) البغي: الفساد، البغي في الأصل: الطلب، بغى الجرح: فسد، (يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ )، يفسدون فيها بالتكذيب، بالمعاصي، بالكفر، بالفجور.
(بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ) تأكيد لبغيهم، فهل هناك بغي بحق؟ أو هل هناك إفساد بحق؟ ربما تكون الآية للإشعار بأن إفساد المؤمنين لمتاع الكافرين في الحرب، كتقطيع نخلهم، أو حرق ثمارهم، من أجل الدعوة إلى الله والانتصار لله، ذاك بحق، (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ ) أي بغي بعضكم يصيب البعض الآخر، أي بغي الباغي يعود عليه، وعلى الباغي تدور الدوائر، أي ظلم بعضكم يعود على البعض الآخر كقوله: (وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ ) [سورة النساء آية: ٢٩]، أي ولا يقتل بعضكم بعضا (مَّتَـٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ) (متاعُ الحياة الدنيا) قراءتان متاعُ (بالرفع) أي هو متاع، (متاعَ) أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا، فهو مفعول على الحال، أو هو مصدر (تتمتعون متاع) متاع الحياة الدنيا، أي أن بغيكم هذا ما هو إلا لفترة من الزمان تستمتع ببغيك، أو بظلمك، أو بإفسادك، أو بمعاصيك، أو بكفرك، بفجورك، أو بجاهك، أو بسلطانك فترة محدودة، والمتاع أصلا من قولهم: مَتَع النهار، أي ارتفعت الشمس وقت الظهيرة، وأصبح الوقت ظهراً.
ما دوام هذا الوقت؟ لا دوام له، إذ سريعا ما يأتي العصر، وسريعا ما يأتي الغروب، وها هي الدنيا (مَّتَـٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ) مرجعهم إلى الله (فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢۳﴾) طالما أنبأهم لابد وأن يحاسبهم، ويضرب ربنا (تبارك وتعالى) مثلا للحياة الدنيا يعقله العاقل، ويتفكر فيه المتفكر، ويؤمن به المؤمن.
إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَـٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَـٰدِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًۭا فَجَعَلْنَـٰهَا حَصِيدًۭا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿24﴾
(حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا) الزخرف: كمال حُسن، ونضارة الشيء الأرض الجدباء لونها معروف، فإذا خرج منها النبات أحمر، وأخضر، وأزرق، وأبيض، ألوان، وأشكال، ويشبه ربنا الأرض بالعروس إذا تزينت لعروسها ليلة الزواج.
(تزينت) (أَزْيَنَت) (ازْيَنَّتْ) (ازيانّت) (ازّيَّنَتْ) قراءات، والقراءات متعددة ليبيّن لك، اختلاف الزينة، وتنوّع الزينة، وكلما قرأت قراءة، شعرت بالاتساع في تزيين الأرض، والمزيّن لها هو الله (وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَـٰدِرُونَ عَلَيْهَآ) خرج الزرع، وآن أوان الحصاد، وها هي الثمار طابت، وأينعت، والجو جميل منعش، لا سيول، ولا أمطار، ولا رطوبة، ولا حر، ولا شيء (وَظَنَّ أَهْلُهَآ) أصحاب الأرض (أَنَّهُمْ قَـٰدِرُونَ عَلَيْهَآ) على حصادها في الصباح (أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا) الأمر بالعذاب، أو الأمر بالإهلاك، قضاؤه وقدره، وكلكم يعلم وما الأمس منكم ببعيد (أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًۭا) والآية معجزة، وملفتة؛ إذ الليل في وقت، نهار في وقت آخر، الليل هنا نهار في غرب الأرض، والنهار هنا ليل هناك (فَجَعَلْنَـٰهَا حَصِيدًۭا) أي محصودة، حصد، يحصد حصادا، محصود زرعها بالمنجل، كأن أصحابها قد حصدوها بالمناجل (حَصِيدًۭا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ ) كأن لم تغن الأرض، كأن لم يغن الزرع (قراءتان) غَنيَ بالمكان، أقام به، إقامة دائمة، مستغنيا به عن غيره.
(كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ ) أي كأن لم تكن عامرة بالأمس القريب (كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢٤﴾) هم المنتفعون، لذا خصهم بالذكر، هل يوضح الآيات لكل الناس؟ أبداً فهناك أعمى البصر، وأعمى البصيرة، هناك من يمر على آيات الله، ولا يراها (وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿١٠٥﴾وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴿١۰٦﴾) [سورة يوسف آية: ١٠٥ - ١٠٦] هكذا يقول الله (عز وجل) لذا تجد هنا (كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢٤﴾) إذ هم المنتفعون بهذه الآيات، وبما يسمعونه من كلام الله (عز وجل) هذا حال الدنيا، أرض خصبة نزل عليها الماء، زُرعت بأنواع المزروعات، والثمار المختلفة، وها هو آن أوان الحصاد، وها هو صاحبها يستعد لجنيها، فإذا به يفاجأ بسيل عارم جاءها فدمرها عن آخرها، ها هي الدنيا، الإنسان في حياته يكد، ويكدح، ويجري، ويجمع المال غير مبالٍ في طريقه بمن يظلم، أو بمن يدوس بقدمه، وفجأة يذهب كل ذلك، وينزل إلى قبره عاريا، ويخرج من بيته خاوي الوفاض، وليس للكفن جيوب، ويلقى الله، ها هو حال الدنيا، أيدعوكم ربنا لجمعها، والعمل فيها إلى ما يدعو الله، بعد ما بيّن لنا حال الدنيا، وسرعة زوالها؟
وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿25﴾
والآية فيها لفتة (وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ) السلام: اسم من أسماء الله (عز وجل) والسلام والسلامة، كالرضاع والرضاعة (وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ) أي إلى دار السلامة، السلامة من أي شيء؟ مما سمعته عن الدنيا، سرعة التقضِّي، سرعة الانتهاء، الزوال، الزخرف، والزينة التي تنهدم، وتتهد في لحظة، فدار السلامة، السلامة من المرض، السلامة من الموت، السلامة من الآفات، السلامة، والسلام يسلّم ربنا عليهم فيها، وتسلّم عليهم الملائكة فيها، والله يدعو إلى دار السلام، إلى داره فهو السلام (سبحانه وتعالى).
(وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿٢٥﴾) إلى كتاب الله، إلى طاعة الله ورسوله، إلى السلامة دنيا وأخرى، والآية تبين وتدلل على أن الأمر غير الإرادة، فهو يأمر ويريد، ويأمر ولا يريد، (وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ) أمر عام (وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ) تخصيص، إذاً فالأمر للكل أن يتجه إليه، وأن يطيع، وأن يؤمن أما المشيئة فأمر آخر، أيضا في الآية بيان أنه (تبارك وتعالى) عممّ بالدعوة إظهاراً لحجته، وخص بالهداية تحقيقا لمشيئته، فالدعوة للناس جميعا حتى أبا لهب. هل دعاه النبي (صلى الله عليه وسلم)؟ نعم. هل هداه ربنا؟ أبداً، إذاً فالدعوة عامة، والهداية خاصة، الدعوة أمر، والهداية مشيئة، إذاً فقد عممّ بالدعوة إظهاراً لحجته، إذ لا حجة للعبد أوصلتك الدعوة أم لا؟ وصلت للكل بما فيهم أبا لهب لكنه قال (تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍۢ وَتَبَّ (١)) [سورة المسد آية: ١] إذ لم يشأ له الهداية، فالأمر غير الإراده أمر الملائكة بالسجود لآدم، وأراد منهم ذلك، فسجدوا، وأمر إبليس بالسجود لآدم، ولم يرد منه ذلك، ولم يشأ له، فلم يسجد، أمر آدم بعدم الأكل من الشجرة، وأراد له الأكل حتى ينزل إلى الدنيا، وهكذا الأمر غير الإرادة، تدل الآية على ذلك حيث يقول: (وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ) إذا فقد دعا الكل، من الذي أجاب، من شاء الله هداه، ومن أضله أعماه، يبيّن ربنا، تبارك وتعالى، مصير الناس، ويوضح ويُعلِم أنه ما بعد الدنيا من دار، إلا الجنة أو النار فيقول، عز من قائل:
لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌۭ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌۭ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿26﴾
وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌۭ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۖ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿27﴾
(لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ) الجنة (وَزِيَادَةٌۭ ۖ ) النظر إلى وجه ربهم، ما أُعطوا شيئا أحب إليهم ولا أفضل من النظر إلى وجه الله (عز وجل) فالجنة بنعيمها، وما وُصف فيها، وكل ما فيها، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كل ذلك لا يساوي شيئا إلى جوار النظر إلى وجه الله (وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌۭ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ ) يرهق: يغشى، يكسو، يرهق في الأصل، يلحق، ومنه غلام مراهق إذا لحق بالرجال، رهقه، يرهقه: لحقه أو غشيه بقهر (وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌۭ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ ) قَتَر: وقَتَره القَتَر، والقَتْر، والقَتَرة، والقَتْرة واحد، الدخان الأسود المتصاعد من اللهب، من أي شيء يُحرق ويُشوي (وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌۭ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ ) ولا هوان، مرفوع الرأس، فرح (هَآؤُمُ ٱقْرَءُوا۟ كِتَـٰبِيَهْ ﴿١۹﴾ إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ ﴿٢۰﴾) [سورة الحاقة آية: ١٩-٢٠] فلا خزي، ولا كسوف، ولا خجل ولا هوان (أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ ) صاحب الشيء: المصاحب له الذي لا يفترق عنه، وصاحب الشيء: مالكه، متى أصبحوا أصحاب الجنة؟ هل ملّكها ربنا لهم؟ نعم، بل أورثها لهم، فهُم الوارثون لتحقيق الملكية، فهُم ملاّكها (هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿٢٦﴾) إذاً لا ينازعهم في ملكيتهم أحد، لا يبيعونها لاضطرار، لا تؤخذ منهم بقهر، لا يستولي عليها أحد.
(وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ) ذاك مكسبهم في ظاهر الأمر، مكسب كما يعتقدون، لكنها خسارة، وأية خسارة (جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا) أي جزاء السيئة، سيئة، والمثلية هنا لا تعني المثلية في الفعل بمعنى (الزنا) سيئة، كيف يجازي بمثلها في الآخرة، المثلية هنا تدل على أن لا ظلم هناك، بل العدل المطلق، إذاً فالمثلية أي المثلية في المجازاة دون نقص، ودون زيادة (جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌۭ ۖ ) (ويرهقهم) قراءتان زلة: هوان، خزي، فضيحة (مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۖ ) أي ما لهم من عذاب الله وعقابه من عاصم، من مانع يعصمهم، أو يحميهم (كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ) غُطيت وجوههم (قِطَعًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ ) قِطْعاً (قراءة)، القِطْع: ما قُطع من الشيء، فسقط، والقطْع: الطائفة من الليل (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ) [سورة هود آية: ٨١]، القِطَع جمع قِطْع، (أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ ) إذاً سواد الوجوه لهم علامة أيضا أصحاب النار كأنهم ملّاكها، لا ينفكون عنها، ولا يفارقونها، وهم فيها خالدون، يحكي ربنا عن الحشر بعد ما بيّن المصير لعل السامع يعقل، لعل المِنكر يفيق، أو يتعظ.
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ۚ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴿28﴾
فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ ﴿29﴾
هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّآ أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿30﴾
من أُجريت له عمليه جراحية، واستأصلت زائدته الدودية، أيبعث بدونها؟ أبدا والله، بشعرك وأظفارك، بكل شيء، بكل خلاياك، ما بقيت معك، وما أُهلكت، بدمائك، ما تحوّل إلى طاقة، وما لم يتحول عند الموت، بكل شيء، والوحوش، والكلاب، والقطط، والحمير، والبغال، والذباب، والنحل، والثعابين، والعقارب، والحيّات، والأسود، والأسماك، الكل محشور، الكل محشور في هذه الأرض التي يشكون من ضيقها على سكانها، فكيف بمن خُلق في هذه الأرض من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة كيف يكون الزحام؟! (وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)) [سورة التكوير آية: ٥] وما من طائر ولا دابة، (وَلَا طَـٰٓئِرٍۢ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ ) [سورة الأنعام آية: ٣٨]، إذاً فهي محشورة (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ۚ ) الأمر من العلي الأعلى، الأمر من الملك الأوحد، ملك الملوك، الذي يقول لمن الملك اليوم، فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه، لله الواحد القهار، في ذلك اليوم (مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ۚ ) (فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ ) زيّل، وزايل: فرّق، زيلت الشيء أزيله، زيلا، وزيلته تزييلا: فرقته، أي فصل ربنا (تبارك وتعالى) بين ما كان متصلا بينهم في الدنيا، فقُطعت الوصائل.
(فَلَآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ ) [سورة المؤمنون آية: ١٠١]، قُطعت الوصائل، وقُطعت الأسباب، وفرّق ربنا، تبارك وتعالى، بين ما كان مجتمعا، بينهم وبين شركائهم، (فزايلنا) قراءة، وهنا حين انقطعت الأسباب، وتقطعت الوشائج، والوصائل، اعترف الشركاء، فإن كانت ملائكة قالوا: (بَلْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ ۖ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ (٤١)) [سورة سبأ آية: ٤١] وإن كان بشرا كعيسى قال: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ ) [سورة المائدة آية: ١١٧].
فإن كانت من الأصنام كهُبل، ومناة، هذه الأحجار ينطقها الله، تبارك وتعالى، بل ينطق الجلود حتى يتعجب الرجل كيف تنطق، وأنت المعذَّب، كيف تنطق الجلود وهي الداخلة في جهنم، تقول الجلود وتنطق (وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)) [سورة فصلت آية: ٢١]. هنا يُنطق الله (تبارك وتعالى) كل شيء (وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴿٢۸﴾) أنكروا، تقطعت بهم الأسباب (إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ (١٦٦)) [سورة البقرة آية: ١٦٦]، تنطق الأوثان، وتنطق الحجارة.
(مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴿٢۸﴾ فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) طلبوا شهادة الله (تبارك وتعالى) هل كانوا يعبدون الأصنام على الحقيقة؟ كانوا يعبدون أهواءهم، هل كانوا يعتقدون في ألوهية الأصنام حقا؟ أبداً كَذِب وادعاء، تجارة كالمتاجرين في عصرنا هذا بالفن، والأدب، العرى، والإثارة، والفتنة وما إلى ذلك، كل ذلك فن، هل هم يعتقدون أنه فن فعلا؟ أبداً والله، لهو وتجارة، فكذلك هؤلاء حين قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ) [سورة الزمر آية: ٣]، تجارة خافوا على سلطانهم، وجاهم، هم يصنعون الأصنام ويبيعونها، هنا قالت الأصنام وشهدت (مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴿٢۸﴾ فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ ﴿٢۹﴾).
(إِن) هنا نافية، أي ما كنا عن عبادتكم إلا غافلين أي (إِن) المخففة من الثقلية واللام هي الفارقة كما يقول النحويون، فقد أقرت الأصنام، والأوثان بأمرين:
الأمر الأول: نفي عبادة المشركين لها.
الأمر الثاني: نفي العلم بأنها كانت معبودة من دون الله. إذا فالصنم الذي يُسجد له لا يدري أن ذاك عبادة أو أن هذا الجاهل يسجد له عابداً له كيف يدري؟ هل يسمع؟ هل يبصر؟ ألم يقل إبراهيم للأصنام (مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ (٩٢)) [سورة الصافات آية: ٩٢] هل يدري؟ أبداً لكنه يوم القيامة حين يأتي به الله - ذاك الصنم - وينطقه هنا كل يدري، الحقائق المجردة، حقيقة الحق تظهر يوم القيامة (هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّآ أَسْلَفَتْ ۚ ) هناك في ذلك الموقف (تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّآ أَسْلَفَتْ ۚ )، تبلو: تختبر تمتحن، وأصل البلوْ: الاختبار من البِلَى، بَلِىَ الثوب: خلقَ، انتهى، فالبلوْ: الاختبار كأن المختبر أبلى الشيء من كثرة اختباره، أنت حين تختبر قماشا بيديك، فإذا طال الاختبار بَلِى الثوب في يديك، فكذلك هنالك تبلو، تختبر كل نفس ما أسلفت: ما قدمت من عمل، ترى النتيجة، وقُرأت (تتلو كل نفس ما أسلفت) تقرأ من أوتي كتابه بيمينه، ومن أوتي كتابه بشماله، ومن أوتي كتابه وراء ظهره، تتلو: تتبع. أي تتبع كل نفس عملها، فالعمل الصالح يسبق صاحبه إلى الجنة، والعمل الطالح يسبق صاحبه إلى النار (وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۖ ) هو الحق، إذ الحق منه، وهو العدل، إذ العدل منه، هل كان مولاهم في الدنيا بمعنى متولي أمورهم؟ مولاهم في الرزق، والخلْق، وفي يوم القيامة المولى الحق، إذ تنقطع الأسباب بينهم وبين ما عبدوا، وتتقطع الأسباب، وتنتهي الدعاوي، وتسقط المزاعم (وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿۳۰﴾) ضل: تاه، وضاع، (وَضَلَّ عَنْهُم) غاب عنهم (مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿۳۰﴾) ما كانوا يكذبون، ويدّعون ويزعمون، يقول المصطفى (صلى الله عليه وسلم) ناصحا لأمته: (كُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ أُمٍّ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا) يوجه ربنا (تبارك وتعالى) من خلال قرآنه العظيم أسئلة تُلزم الكفار الحجة، من كان ذا عقل اعترف وآمن، ومن عاند وكابر لزمته الحجة يوم القيامة، ثمانية أسئلة، أجاب الله على خمس منها، وأجاب الرسول (صلى الله عليه وسلم) بأمره على اثنين منها، وترك الثامن بغير إجابة، لشهرة الإجابة، لشهادة الشخوص، والظلال، بالإجابة يقول، عز من قائل:
قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿31﴾
فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ﴿32﴾
كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓا۟ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿33﴾
(وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۚ ) من الذي يسيّر الكواكب؟ من الذي يجعل الشمس تشرق، والقمر يبزغ؟ من الذي يسخر الرياح؟ من الذي ينزل المطر؟ من الذي يدبّر الأرزاق؟ من الذي يسيّر أمر الكون؟ ها هو الكون في منتهى النظام والانتظام، من الذي يهيمن على كل ذلك، فلا يتعدى مخلوق حدوده حياً كان، نباتاً كان، ماء، جماد من يدبر الأمر؟ (فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ ) باعترافهم، هل الأصنام تفعل ذلك؟ إذاً فقد أقروا، من عقل الكلام وفهم وآمن، ومن عاند واستكبر لزمته الحجة (فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿۳١﴾) طالما اعترافتم بوجود الإله المهيمن، المدبر، الرازق، المخرج للحي من الميت، والميت من الحي، أفلا تتقون عذابه، أفلا تخشون عقابه.
(فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ۖ ) طالما اعترافتم أنه فعال لكل ذلك، ولا شريك له في كل من ذلك (فَذَٰلِكُمُ) الذي يفعل كل ذلك (ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ﴿۳٢﴾) أين تذهبون، وتنقلبون، وتتحيرون، وتترددون، وتذهبون إلى غير قصد، ذلكم الله ربكم الحق، حق الشيء ثبت ووجب، الحق هو الله، وكل ماخلا الله باطل، الله (تبارك وتعالى) موجود بنفسه لم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، فهو الحق الواجب الوجود، الثابت وجوده، ماعدا الله باطل، إذ يسبقه عدم، فالإنسان لم يكن شيئا مذكورا (هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ حِينٌۭ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًۭٔا مَّذْكُورًا (١)) [سورة الإنسان آية: ١]، سبقه عدم، وبعد الموت يلحقه العدم، ما من موجود في الوجود إلا وسبقه العدم، ويلحقه العدم، ويستمد وجوده من غيره، من الله، المستمد وجوده من ذاته هو الله، الذي لم يسبقه عدم، ولم يلحقه عدم، من هنا كان الله هو الحق المطلق، وكل ماخلا الله باطل.
(ٱللَّهُ رَبُّكُمُ) : الذي رباكم وأنشأكم من غير شيء، ودبر لكم الأمور، ورزقكم من السماء والأرض وخلق لكم السمع والأبصار.
(فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ ۖ ) من هنا قال العلماء: هذه الآية، وهذا الجزء من الآية قالوا في مسائل العقيدة، وفي مسائل التوحيد، ليس هناك منزلة ثالثة، هما منزلتان فقط، حق وباطل. أما الفروع كما جاء في قوله: (لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا ۚ ) [سورة المائدة آية: ٤٨] وفروع الفقه، فهناك منزلة بين المنزلتين اختلاف آراء، واجتهادات والحق فيها قد يكون متعدداً، وكل مجتهد مصيب، فهناك حق وهناك باطل، وهناك أمور بين بين كقوله (صلى الله عليه وسلم): (الحلال بيّن والحرام بين وبينهما مشبهات لايعلمها كثير من الناس) أما مسائل العقيدة، والتوحيد، ومعرفة الله (عز وجل) إما حق، وإما باطل، فلا اجتهاد هناك، ولا آراء هناك، ولا خلاف ولا اختلاف.
خمسة أسئلة وتلك إجابتهم عليها، وتلك حجة الله عليهم، ولكن قد يتساءل الإنسان طالما لزمتهم الحجة، وطالما أجابوا فلِمَ لمْ يُعمل الكلام عمله؟ لِمَ لمْ يؤمنوا؟ لِمَ لمْ يعقلوا؟ لِم لم يقروا؟ لِمَ أصروا على التكذيب والإنكار؟ (كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓا۟ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿۳۳﴾) كأنه تشبيه أي كما حقت الألوهية، والربوبية لله، حق قضاؤه وعدله فيهم أنهم يموتون على الكفر؛ لأنهم خرجوا عن الطاعة، وخرجوا عن كل منطق سليم، وعقل سليم، (فَسَقُوٓا۟) فسقوا، والفسْق: الخروج، فسقت الرطبة عن قشرتها: خرجت عن قشرتها وتلفت، وكذلك الخروج عن العقيدة، الخروج عن الإيمان، الخروج عن العقل السليم، والمنطق القويم فسق، الخروج عن العقيدة أي الكفر.
حقت كلمة ربك عليهم أنهم لا يؤمنون، يموتون على كفرهم، وسبقت كلمة الله فيهم؛ لأنهم لم يُعملوا عقولهم، واكتفوا بالتقليد.
قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴿34﴾
قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿35﴾
(قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ ۗ ) إجابة أجابها النبي (صلى الله عليه وسلم) بأمر الله هو الهادي (سبحانه وتعالى) للحق. السؤال الثامن والأخير (أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ) (أمَّن لا يَهِدِّي إلا أن يُهدى) (أمّن لا يَهَدِّي إلا أن يُهدى) قراءات ثلاث.
(أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ) (يهتدي) وأدغمت التاء في الدال لاتحاد المخرج. (أمّن لا يَهَدِّي كذلك (يهتدي) (أمَّن لا يَهْدِي) يهدي غيره إلا أن يهدى؛ إذ فاقد الشيء لا يعطيه، فلابد لكي يهدي، لابد وأن يُهدي، (فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿۳٥﴾) أي ما الذي تجنونه من عبادة الأصنام (فَمَا لَكُمْ) ما الذي حدث لكم؟ ما الذي تجنونه من هذا الشرك؟ ثم يتوجه السؤال (كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿۳٥﴾) كيف تتصرفون، وتحكمون على أنفسكم بهذا الضلال، وتقضون بهذا الباطل، الأصنام هل تنتقل من مكان إلى مكان بنفسها، أم لابد وأن تُنقل؟ هل تمشي أم تُحمل؟ فإذا كانت لا يمكن أن تهتدي بنفسها لما تريد، وأن تتحرك أو تنتقل لابد وأن تحمل، فمن أحق بالاتباع؟ من يهدي إلى الحق، أم لا يَهدي إلا أن يُهدى.
وتأتي النهاية لهذه الأسئلة بتحليل الموقف:
وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿36﴾
وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿37﴾
أولها: بلاغة القرآن، وإعجاز القرآن، وقوة معنى الكلمات، والنَسَقْ والاتساق، وسياق القرآن، كل ذلك يستحيل أن يقوى عليه أحد، وما يصح، وما يكون، ولن يحدث أن يُفترى، ويختلق من دون الله، وإن حدث أن اختلق أحد كلاما على الله، هل يتركه الله؟ هل يجعله يمشي بين الناس، وينشر دعوته قد يترك الباطل؛ لأنه واضح البطلان، ولكن أن يُفترى عليه وأن يؤمن أناس بهذا الافتراء أمر يستحيل أن يحدث (وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ) ولكن حقيقة القرآن تصديق الذي بين يديه، انظروا في الكتب السماوية السابقة، هل أتى بأمر مخالف في الأصول (وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَـٰبِ) (ٱلْكِتَـٰبِ) : اسم جنس أي الكتب السماوية التي نزلت، نزل بتفصيلها، وبيانها، وبيان العقيدة فيها، وما أمرت به، وما نهت عنه، أو (وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَـٰبِ) القرآن مبيَّن، موضَّح فيه الحلال والحرام، وبيان الأحكام (لَا رَيْبَ فِيهِ) أي لاشك فيه (مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿۳۷﴾).
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿38﴾
بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿39﴾
وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ ﴿40﴾
التأويل: النهاية، النتيجة، التأويل: مصير الشيء، آل، يؤول. أوْلاً، آل الشيء إلى كذا: أي كانت النهاية والغاية.
(وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ۚ ) التأويل هنا بمعنى التفسير، أو التأويل هنا بمعنى النتيجة، أخبر القرآن بجنة، ونار، هل أتت الجنة والنار، أم لم تأت بعد؟ لم تأت، إذا (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ۚ ). تكلم عن البعث، والحشر، والنشر، والصراط، كذبوا بكل ذلك لم ينتظروا ويروا حقا ذاك أم لا؟ تحدث عن إصابتهم يوم بدر بل حدد النبي مصارعهم، أماكنهم.
وهنا قال العلماء: الآية تدل على أن فهم القرآن واجب، فمن علم بنفسه بدراسته فذاك، وإلا فعليه أن يسأل، وأن يتعلم، وأن يفهم، وأن يسمع؛ إذ الفهم مطلوب لأن الله يقول (بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ) إذا فقد كان الواجب عليهم أن يحيطوا بعلمه (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ۚ ) تفسيره، من هنا قالوا: العلم بالتأويل، أو العلم بالتفسير، أو البحث في المعاني من المطلوب.
(كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ ) الأمم السابقة، قوم فرعون، وقوم هود، وقوم صالح. كل هؤلاء كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، كما كذّب فرعون (إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌۭ (٢٧)) [سورة الشعراء آية: ٢٧]، هكذا قال، اتهمه بالجنون تارة، واتهمه بمحاولة الاستيلاء على السلطة تارة، (يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِۦ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)) [سورة الشعراء آية: ٣٥] لكنه لم يتدبر في الكلام حين سأل من رب العالمين (قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ (٢٤)) [سورة الشعراء آية: ٢٤] هل تأمل في الكلام؟! أبدا. حين كلّمه عن الحق قال (قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ (٥١)) [سورة طه آية: ٥١] مالك ومال القرون الأولى بل انظر لنفسك.
(كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿۳۹﴾) أين هم؟ كيف دمرهم الله؟ إذاً فهو تهديد لكفار قريش، ولكفار مكة، ولكل كافر أن يحيق به ما حاق بمن سبق من الأمم السابقة.
(وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ ) والكلام عن قريش، الكلام عن أهل مكة عن المكذبين عموما، منهم من يؤمن به، من آمن فاز ونجا (وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ ) كفر(وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ) في نفسه فيعاند، ويستكبر، ويكذب، ويجحد بلسانه (وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ ) لفساد فطرته، وسفاهة عقله (وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ) في المستقبل، فهو إخبار (وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ ) إذاً فالهادي إلى الإيمان هو الله، والآية إخبار عن أن منهم من يؤمن في المستقبل، وإخبار عن من آمن في داخله، واعتقد ورأى الحق، لكنه جحد، وكابر، واستكبر، ومنهم من آمن على الحقيقة (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ ﴿٤۰﴾) إذاً فهو يعلم السر وأخفى، ويعلم ما انطوت عليه القلوب.
وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴿41﴾
وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ ﴿42﴾
وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يُبْصِرُونَ ﴿43﴾
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿44﴾
هل يمكن أن يُفترى هذا القرآن؟ إذا كان كذلك لِم لا تفترونه أنتم؟ لِم لا تأتون بسورة في مثل القرآن وجمال نظمه، وبلاغته، وقوة معانيه، فإن حدث ثبت كذب المدّعي، وإن لم يحدث ثبت أن القرآن من عند الله، وأن البشر لا يمكن يأتون بمثله. وطالما كان كذلك فلابد أنه مُعجز، ولا يقدر على المعجز إلا الله، أسئلة، وإجابات، وحلم. ما أحلمه سبحانه وتعالى! من هنا يقول (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا) هل يظلم ربنا؟ أبداً بالعقل، بالمنطق. فمن حكم فيما ملك فما ظلم. أنت أتيت إلى شجرة زرعتها بنفسك، وكبرت، وجئت بالفأس، وأخذت تحطم في الشجرة، وتقتلعها هل يلومك أحد؟ بعدما قطعت الشجرة، ووقعت على الأرض، وماتت فروعها، وسقطت ثمارها، أخذت المنشار، وصنعت من جزء منها مائدة، ومن جزء آخر سريراً، ومن جزء آخر كرسيا، هل يلومك أحد؟ هل يمكن للكرسي أن يقول لم جعلتني كذلك، ولم تصنعني مائدة، هل تسمح له بذلك إن نطق؟ لماذا؟ لأنك المالك، والمالك يفعل في ملكه ما يشاء، من هنا أفعال الله (تبارك وتعالى) لا توصف أبداً بالظلم، ولا يُتفكر فيها على هذا، إذاً فلله (تبارك وتعالى) أن يدخل الناس جميعا الجنة إن شاء، وأن يدخل الناس جميعا النار بما فيهم الرسل، هل يسأل عن ذلك؟ لا يسأل عما يفعل (قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ ) [سورة المائدة آية: ١٧] نعم من يملك؟ من يسأله؟ لذا يعقّب في الآية بعد ذلك (وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ ) [سورة المائدة آية: ١٧] ملكه يفعل فيه ما يشاء، فإن أدخل الناس الجنة فبفضله وبرحمته لا لأنهم يستحقون، وإن أدخلهم النار، فبعدله وهم لا يظلمون (سبحانه وتعالى) لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون؛ لذا يقول الله (تبارك وتعالى): (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا) الأمر الطبيعي، والمنطقي إن الله المستغني عن كل شيء، والمتحكّم في ملكه، كل أفعاله عدل، أو فضل، فكل المخلوقات، وكل الناس يتقلبون بين الفضل والعدل. ما أصابك من حسنة فمن الله، إذاً فهو فضل لا لأنك تستحق، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، إذا فهو عدل، فالإنسان يتقلب بين الفضل والعدل، ولا مجال للكلام عن الظلم أصلا (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٤٤﴾) هم الظلمة، ظلموا أنفسهم ها هو القرآن واضح، وضوح الشمس، ها هو البرهان الساطع، من يدبّر الأمر، من يرزقك؟ من خلقك؟ من أنشأك؟ من سوّاك فعدلك؟ هو الله، من هنا ظلموا أنفسهم بالكفر، والجحود، والإنكار، فلا حجة لهم، بل الحجة عليهم، فلكل بداية نهاية. الذي ليس له بداية هو الله، والذي ليس له نهاية هو الله، وكل ما سواه له بداية، وله نهاية، يحذّر ربنا (تبارك وتعالى) الكفار من نهايتهم، ويبين أن النهاية آتية لا محالة، فيقول عز من قائل:
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ﴿45﴾
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ ﴿46﴾
(وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ) كقتلهم، وأسرهم في بدر، وخزيهم وإظهار دينه (صلى الله عليه وسلم) (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) قبل أن نريك ذلك، فالنهاية (فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ ﴿٤٦﴾) وكفى بالله شهيدا، شاهدا لا يحتاج إلى شاهد، وطالما كان شاهد، وشهيدا عليهم، فهو مجازيهم على أفعالهم لا محالة، عبّر بالشهادة عن نتيجتها، عبر بالشهادة مجازاً عن مقتضاها؛ إذ ما هو مقتضى الشهادة ما هو نتيجة الشهادة؟ حلول العذاب بهم، وصدور الحكم عليهم، وهذا قرار، وسنة في جميع الأمم؛ لذا يقول الله (عز وجل):
وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿47﴾
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ) أي يوم القيامة، وشهد عليهم (قُضِىَ بَيْنَهُم) بين الرسول وبين أمته (بِٱلْقِسْطِ) بالعدل (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٤۷﴾) بزيادة عقاب، أو بنقص ثواب.
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿48﴾
قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴿49﴾
(لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ ) موعد يعلمه الله. الأجل: مدة البقاء في الدنيا، الأجل نهاية المدة، الموعد المضروب، الأجل المكتوب عند الله (إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ) جاء موعدهم، وجاءت نهايتهم (فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴿٤۹﴾) إذاً تبرأ النبي (صلى الله عليه وسلم) من حوله، وقوته، ولجأ إلى الله (تبارك وتعالى) وبيّن أن الفعال هو الله، إن شاء عذبهم في حياته، وإن شاء عذبهم بعد مماته، إن شاء هداهم، وإن شاء أضلهم، إن شاء أفناهم، وإن شاء أبقاهم.
(فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴿٤۹﴾) إذاً لا يتأخر الأجل ساعة، ولا يتقدم الأجل ساعة، بطلب الناس، أو بطلب الرسل، موعد مضروب، مكتوب، محدد، والساعة: الطائفة من الزمان قلّت، أو كثرت، وليس ما نطلقه الآن على الساعة، وهي ستون دقيقة.
قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُهُۥ بَيَـٰتًا أَوْ نَهَارًۭا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴿50﴾
أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓ ۚ ءَآلْـَٔـٰنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ ﴿51﴾
ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴿52﴾
وَيَسْتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴿53﴾
(قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ ۖ ) أمر من الله للنبي (صلى الله عليه وسلم) أن يرد عليهم (إِى) كلمة تفيد معنى الإيجاب (نعم)، لكنها لا تستخدم إلا مع القَسَمْ، تلحق بواو القَسَم، ولكن لا تقل (إي) فقط بدل من نعم، فنعم تستخدم بمفردها أما (إي) فلابد وأن تلحق بقسم، (قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ ۖ ) والقَسَمْ في القرآن الذي أُمر النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يقسمه في ثلاثة مواضع فقط في القرآن كله، هذا أحدها (قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴿٥۳﴾) (إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ ۖ ) أي القرآن، أو الوعد أو الحشر أو ما أخبرتكم به أو نبوتي،(وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴿٥۳﴾) وما أنتم بفائتين.
المعجِز: هو ما يجعل الإنسان قبالته عاجزا، أعجزه: فاته، عجز عن اللحاق به، لستم بفائتين، وليس الله بعاجز عن الإحاطة بكم، وتنفيذ وعده فيكم، وفي تلك الحالة.
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍۢ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿54﴾
(وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٥٤﴾) (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ) حيرت العلماء، الإسرار من الكلمات التي تحمل المعنيين المتضادين: أسرّ، أخفى في نفسه، وسرّ، وأسرّ أظهر أي ظهر الموضوع على أسارير وجهه.
والندامة: الحسرة على شيء فات، أو الحسرة على شيء قد وقع (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ) فقيل: أي أخفوا الندم في نفوسهم، خاصة الرؤساء عن الأتباع، حتى لا يعيّرونهم. وقيل (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ) أي أظهروها من عض الأصبع، واللوم، والصراخ، والعويل (وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ) [سورة الفرقان آية: ٢٧] إذاً أسروا بمعنى أظهروا، وقال البعض الآخر: أسروا: أي بقيت الندامة في نفوسهم؛ إذ الندم، والحسرة الشديدة لا تظهر، وإنما هي محلها الصدور، وقال بعضهم: (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ) أي حين رآى المشركون، والمجرمون الهوْل، والعذاب المنتظر خُرست الألسنة، وجفت الدموع، كالمُساق إلى المقصلة، المُساق إلى الإعدام، هل ينطق؟ هل يتكلم؟ أم من شدة الخوف والرعب يُلجم لسانه؟ لا يوجد إلا الذهول، والحسرة، والندامة، والخوف، كل ذلك موجود داخل النفوس الكافرة، المشركة، لكن شيئا من هذا لا يظهر من شدة الهلع، من شدة ما يَروْن (وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ ) حُكم بينهم بالعدل (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٥٤﴾) (وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ ) جاءت منذ قليل (وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ) [سورة يونس آية: ٤٧] وهنا (وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ ) هنالك (وَقُضِىَ بَيْنَهُم) بين الرسول وبين أمته، فتميز الكافر من المؤمن، وتحقق إبلاغ الرسل لأممهم، وحقت عليهم كلمة العذاب. هنا (وَقُضِىَ بَيْنَهُم) بين الظالم، والمظلوم، بين الناس بعضهم وبعض، حُكم عليهم بما يستحقونه من العذاب، هل في ذلك شك؟ هل يشك شاك في أن الله أخبر عما يحدث يوم القيامة صدقا وحقا؟ إن هناك شك في نفس شاك، فليسمع الدليل:
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿55﴾
هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿56﴾
أيها الأخ المسلم، إن وعد الله حق، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، فانظر لنفسك أيها تختار.
يمنّ الله (تبارك وتعالى) على عباده المؤمنين، ويتمن على الناس جميعا بقوله:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌۭ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿57﴾
قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴿58﴾
(قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ) بهذا الفضل وبهذه الرحمة (فَلْيَفْرَحُوا۟) إن كان هناك فرح أو لابد من الفرح، فلا يكون الفرح بحق إلا بفضل الله وبرحمته (هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴿٥۸﴾) أي القرآن خير من كل ما في الدنيا، من كل ما فيها من كنوز، وأموال، وجاه، وسلطان، كلام الله خير شيء.
(قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا) قراءة (هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴿٥۸﴾) والخطاب للمؤمنين فلتفرحوا أيها المؤمنون يا أهل القرآن، ما عندكم خير مما يجمعه الكفار (قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴿٥۸﴾) والخطاب للكفار، أي فليفرح المؤمنين، هو خير مما تجمعون أيها الكفار المخاطبون بها.
لذا كان القرآن أغلى، وأجلّ، وأعظم نعمة في الوجود؛ ولذا لا ينبغي لحامل القرآن أن يسأل، ومن آتاه الله القرآن فظن أن أحدا قد أوتي خيرا مما أتاه الله، فقد حقّر ما عظمّه الله، أو فقد جحد نعمة الله، أو فقد كفر بما أنزل على محمد، القرآن أعظم ما في الوجود، القرآن كلام الله. إذا قرأت القرآن، فأنت تجلس مع الله (أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي)، خير الذكر قراءة القرآن، القرآن إذا حل في قلب أضاء، أضاء قلب المؤمن، وأضاء طريقه، ونوّر له قبره، وكان له الحجة يوم القيامة، قراءة القرآن، وحفظ القرآن، أما القراءة فقد جاءت في كثير من الآيات والأحاديث (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ يَرْجُونَ تِجَـٰرَةًۭ لَّن تَبُورَ ﴿٢۹﴾ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ غَفُورٌۭ شَكُورٌۭ ﴿۳۰﴾) [سورة فاطر آية: ٢٩ - ٣٠ ].
بل الثناء على أهل الكتاب الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) (يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)) [سورة آل عمران آية: ١١٣] أما حفظ القرآن، فذاك شيء آخر، ومنصب آخر، ودرجة عليا، لا ينالها إلا المحظوظون، وهو هبه من الله، توهب لمن يشاء من عبادة؛ ولذا ينبه نبينا (صلى الله عليه وسلم) لهذا ويحض المؤمنين على حفظ ما يقدرون عليه من قرآن، حتى يكون حماية لهم في قبورهم، والأحاديث كثيرة منها مثلا: سورة تبارك من صفحتين، لمن لا يقدر على الحفظ، هذه السورة من ضمن أسمائها المانعة، لماذا؟ لأنها تمنع من عذاب القبر، وتحجب بين الملكين، وبين الميت فلا يسألانه، من حفظ تبارك وقرأها كل ليلة قبل أن ينام، فمات فدُفن، جاءت تبارك معه في قبره، تقف بينه، وبين الملكين حماية، المانعة (قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ (١)) [سورة الإخلاص آية: ١] تعدل ثلث القرآن. ( كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، فَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يُقْرِئُهُمْ فِي الصَّلاةِ افْتَتَحَ بِقُلْ هُوَ اللَّهِ أَحَدٌ حَتَّى يَخْلُوَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى. فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ، قَالُوا: إِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى؟ فَقَالَ: أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: يَا فُلانُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا أَمَرَ بِهِ أَصْحَابُكَ، وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا. قَالَ: حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ ) (قُلَْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ، أَوْ تُعْدَلُ بِثُلُثِ الْقُرْآنِ).
(قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ (١)) [سورة الكافرون آية: ١] تعدل ربع القرآن، (الفاتحة) ما نزلت قط على أمة من الأمم، نزلت على أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) اصطفاءً لها، السبع المثاني، فاتحة كل مغلق، الفاتحة وما أدراك ما الفاتحة، أم القرآن، وهي القرآن العظيم، وهي السبع المثاني، هلمّ واملأ قلبك بما استطعت من قرآن، واسمع لنصيحة سيد المرسلين (صلى الله عليه وسلم) (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا) أي إذا استطعت أن تحفظ القرآن فاحفظ، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لصاحبه، يقف القرآن بين صاحبه، وبين الله يشهد له، وتخيل الشافع كلام، والمشفوع لديه هو المتكلم، تخيل أن الذي يقبل الشفاعة، ويأذن فيها هو الله، والواقف للشفاعة لديه:كلامه، اعقل، وتخيل، وتنبه، وإياك والندم، فإذا لم تستطيع، فلا أقل من البقرة، وآل عمران؛ لأن البقرة، وآل عمران يتجسدان يوم القيامة في هيئة الغمام أو الغياية، السحاب الكثيف، أو الطير المتكاثف الذي يرحل، ويهاجر في أسراب كثيرة، فتغطي الشمس، وتغطي السماء، وتتجسد السورتان، وتتجسد آياتهما بهذا الشكل، وإذا بهما يقفان حائلا بين العبد، وبين سؤال ربه وعذابه، يحاجان عن صاحبهما يوم القيامة، هما اللذان يردان على الله، إن سأل ماذا فعلت، (لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا وَضَعَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ). هذه الأسئلة المختلفة الكثيرة، حين يستدعي الله (تبارك وتعالى) العبد، ليس بينه وبينه ترجمان، يسأله بنفسه، أنعمت عليك بكذا وبكذا، ماذا فعلت في كذا وفي كذا؟ من يملك الرد؟ من يستطيع أن يرد؟ من يستطيع أن يقف على قدميه يقول: أنا فعلت، أو أنا كذا من يستطيع؟ فما بالك بشفيع! فما بالك بمن يرد عنك! فإذا لم تستطيع أن تحفظ البقرة، و آل عمران فلا أقل من البقرة (اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ) يقول الراوي: البطلة هم السحرة، بل وفي يوم القيامة ينادي ربنا، والموقف، وما أدراك ما الموقف، والحشر وما أدراك ما الحشر، ينادي أين أهلي، وأين جيراني؟ فتقول الملائكة: يا رب من هذا الذي ينبغي له أن يجاورك؟ فيقول: أهل القرآن هم أهلي، وجيراني، أهل القرآن جعلنا الله وإياكم منهم.
فقد بيّن الله (تبارك وتعالى) أن الفرح الحقيقي، هو الفرح برحمة الله (تبارك وتعالى) هو الفرح بالنعمة، والمنّة هو الفرح بنزول القرآن، القرآن شفاء لما في الصدور، القرآن هدى، القرآن رحمة، فإن كان هناك فرح فالفرح بنصر الله، الفرح بأن هدانا للإسلام، وجعلنا من أهل القرآن. يتوجه الخطاب بعد ذلك إلى كفار مكة، وإلى الكفار في كل زمان، الذين شرعوا لأنفسهم خروجا عن شريعة الله، ما ترك القرآن من شيء إلا وبيّن المباح، والمحظور، والحرام، المكروه، والنافع، والضار، بيّن طريق النجاة، وبيّن طريق الهلاك، بين سبيل الرضا، وبيّن طريق الغضب، ومع ذلك أراد الناس أن يشرّعوا لنفسهم، وأراد المشرعون الرياسة؛ إذ المشرّع يترأس الناس، ويسيطر عليهم، ويحكم بهواه، فيجادلهم القرآن بالتي هي أحسن واسمع وتأمل:
قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍۢ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًۭا وَحَلَـٰلًۭا قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴿59﴾
وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴿60﴾
(قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍۢ ) : كلمة (أرأيت) استفهام عن الرؤية البصرية، أو الرؤية العلمية، وتُستخدم في السؤال عن الأمر العجيب، بمعنى. أخبرني أعلمت، أم أبصرت، وجاءت في القرآن لتعبر عن هذا الاستفهام، الاستفهام عن الأمر العجيب كقوله: (أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ (١)) [سورة الماعون آية: ١]. هنا كذلك (قُلْ) أي أخبرهم يا محمد وسلهم (أَرَءَيْتُم) أي أخبروني عن رؤيتكم البصرية، أو رؤيتكم العلمية (مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍۢ ) أي أنزل من السماء؛ لأن أسباب الرزق وردت من السماء بنزول المطر، أو لأنها مقدّرة أصلا في السماء، أو(أَنزَلَ) بمعنى خلق كقوله: (وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌۭ شَدِيدٌۭ) [سورة الحديد آية: ٢٥].
(مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍۢ ) : كلمة (لَكُم) تفيد أن السؤال عن الرزق الحلال. الرزق الذي أحله الله، وجعله مباحاً، فجعلتم أنتم من هذا المباح والحلال، بعضا منه حراما وبعضا منه حلالاً، كقولهم بحل الميتة، وبحل الدم، وبقولهم بحرمة ما في بطون الأنعام على فريق دون فريق (وَقَالُوا۟ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلْأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌۭ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِنَا ۖ ) [سورة الأنعام آية: ١٣٩] (وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ نَصِيبًۭا فَقَالُوا۟ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ۖ ) [سورة الأنعام آية: ١٣٦] وهكذا أحلوا الميتة، وحرّموا البحيرة، والسائبة، والوصلية، شقوا أذن الناقة، وقالوا: هذا حام الجمل، وُلد لوليدة أي أصبح جدا، فحمى ظهره فلا يُركب. والسائبة. سيبوها للآلهة وهكذا، فالسؤال هذه المحرمات، وهذه المباحات التي جعلتوها لشيء قد أحله الله (قُلْ) تأكيد للسؤال، والاستفهام (ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ ) أي آلله أذِن لكم، همزة الاستفهام وسَهلت الهمزة الأخرى، وآلله أذن لكم بكتاب، بشرع، جعلكم مسيطرين على الناس، هل أعطاكم تفويضا بذلك (أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)) تكذبون وتختلقون.
إذاً هو الأمر الثاني؛ لأنه لا دليل على الأمر الأول. لا دليل على وجود الإذن، يأتي السؤال (وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ ) ما ظنهم؟ ماذا يعتقدون؟ هؤلاء الذين يفترون على الله الكذب، هل يعتقدون أن الله لا يحاسبهم يوم القيامة، أو لن يؤاخذهم، أو لن يسألهم عن هذا. ما ظنهم؟ هؤلاء الذين يجدون من الله ما لا يحتسبون يوم القيامة (إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)) ذو فضل على الناس بالعقل. أين العقول؟ أين هي في تقدير الأمور؟ أين الكتب المنزّلة؟ أين الرسالات السماوية؟ ذو فضل على الناس بالإمهال بتأخير العذاب، بإرسال الرسل، بإنزال الكتب، بمنحنا العقول، بنصب الدلائل، بالبراهين، بالحجج بهذه الأسئلة (إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)) لا يشكرون هذا الفضل بأن يستخدموا العقول فيما خُلقت له، وأن يستدلوا بالأدلة، والبراهين على ما وُضعت له، ونُصبت له.
ثم يتوجه الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) وقيل الخطاب له وللأمة معه:
وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍۢ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍۢ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍ ﴿61﴾
(وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍۢ) : من الشؤون (وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍۢ ): أي وما تتلو لأجل هذا الشأن، أو ما ينزل من قرآن في هذا الشأن، فتقرأه على الناس (مِن): الأولى تعليلية (وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ): تعليل أي لأجله (مِن): الثانية للتأكيد (مِن قُرْءَانٍۢ ) أو الشأن هو قراءته للقرآن (مِن) تبعيض، وما تكون في شأن، وما تتلوه منه لأجل ذلك الشأن من قرآن (وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ) الكلام للكل، والكلام للجميع، وكأن الكلام في البداية لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم توجّه الخطاب للكافة (وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ ) شهودا: رقباء، حافطين، محصين لأعمالكم (إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ ): تندفعون فيه، أو تباشرونه، أو تتكلمون فيه. والإفاضة: الاندفاع بشدة، أو الاندفاع بكثرة. أي تفيضون في أعمالكم، أو تباشرون أعمالكم في الحركة في السكون في الليل، في النهار، ما من عمل إلا والله رقيب، شاهد، وشهيد، أو تفيضون فيه في شأن القرآن، وفي شأن رسول الله بالتكذيب والاستهزاء. (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍ (٦١)) عَزَبَ. يعزُب، عَزَبَ، يعزِب فهو عازب. غاب وابتعد (وما يعزِب، وما يعزُب) قراءتان (عَن رَّبِّكَ) أي ما يغيب عنه ولا يخفى عليه، (مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ) ما يوازن الذرة وزن الهباءة. إذا دخل شعاع الشمس إلى حجرة من نافذة ترى في شعاع الشمس هباآت في الهواء. فالهباءة هي الذر.
(وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ) في أي مكان لا في الأرض، ولا في السماء إذا فهو يعلم الجزئيات كما يعلم الكليات، رد على فلاسفة القرون الوسطى الذين زعموا أن الله يعلم الكليات، ولا يتدخل أو لا يعلم الجزئيات، فيرد عليهم هنا وفي موضع آخر (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ (٥٩)) [سورة الأنعام آية: ٥٩].
(وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍ (٦١)) ولا أصغرُ من ذلك ولا أكثرُ قُرأت بالرفع والنصب (إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍ (٦١)) (إِلَّا) تأتي بدلاً من واو النَسَق، والتقدير (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍ (٦١)) أي يعلمه، ولا يغيب عنه ويسجّله في كتاب مبين أيضا كقوله (عز وجل) (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ (٥٩)) [سورة الأنعام آية: ٥٩] أي وهو في كتاب مبين (إِلَّا) بمعنى واو النَسَقْ وتُضمر (هو) كقوله: (وَقُولُوا۟ حِطَّةٌۭ) [سورة البقرة آية: ٥٨] أي (هو حطة)، (وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَـٰثَةٌ ۚ ) [سورة النساء آية: ١٧١] (ولا تقولوا هم ثلاثة ) واو النَسَقْ جاءت في مواضع في القرآن كثيرة منها (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى) [سورة البقرة آية: ١٥٠]، أي والذين ظلموا فلا تخشوهم؛ لأنه لو جعلتها للاستثناء إلا الذين ظلموا أي أصبح للذين ظلموا حجة، (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ) أي والذين ظلموا منهم، فلا تخشوا منهم، أيضا في ندائه لموسى حين خاف من العصا، حين فر وولى مدبراً، ولم يعقب.
( وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّۭ وَلَّىٰ مُدْبِرًۭا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَـٰمُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّى لَا يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴿١۰﴾ إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًۢا بَعْدَ سُوٓءٍۢ فَإِنِّى غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿١١﴾) [سورة النمل آية: ١٠ - ١١] هل هناك من ظلم من المرسلين أي ومن ظلم، ثم بدّل حسنا بعد سوء، فإني غفور رحيم، واو النسقْ وتأتي (ﰉ) بمعنى واو النَسَق، وتأتي البشرى، أعظم بشرى:
أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿62﴾
ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ﴿63﴾
لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴿64﴾
(أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)) لا خوف عليهم فيما هو آت، ولا هم يحزنون على ما فات، وتخيل كل ما فاتك من الله، سوى الله يسير، وكل حظ لك دون الله حقير، إذاً هم لا يخافون من أي شيء في مستقبل أيامهم في الدنيا، أو في الآخرة، ولا هم يحزنون على أي شيء فاتهم، إذاً فلا مأمول لهم يفتقدونه، ولا كريم لديهم يفتقدونه، لا شيء يخفيهم، ولا شيء يحزنهم، من هم؟ وما هي ولايتهم؟ (ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ (٦٣)) ذاك هو التعريف، إذا ولايتهم لله الإيمان، والطاعة، وتقوى الله في السر والعَلَن، يتقون الشرك، يتقون الكبائر، يتقون غضب الجبار، يتقون المعاصي، يتقون المهالك.
أما ولاية الله لهم (لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ ) إذاً فهم يتولونه بالطاعة، ويتولاهم هو بالكرامة، ما هي هذه البشرى؟ البشرى في الحياة الدنيا أنواع، أولها: ما بشرنا به في القرآن. بجنات النعيم. بالخلد في الجنة (وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ ) [سورة يونس آية: ٢] كل ما بشر به في القرآن فهو بشرى لأوليائه أيضا: الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح، أو ترى له؛ لذا ورد أن أبا الدرداء سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن البشرى، فأجابه بأنها (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ)، أيضا البشرى في الحياة الدنيا قبل الموت، يعلم الوليّ أين المصير، بل ويرى مكانه قبل الموت، فإذا حان الموت، جاءته ملائكة الموت في صورة طيبة، جميلة، مفرحة، ورائحة زكية، ثم يقولون له: السلام عليك وليّ الله، الله يقرؤك السلام، أما نزع، نزع الروح يكون بقراءتهم لقوله (عز وجل) (ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ) [سورة النحل آية: ٣٢] فتخرج الروح طيبة، طاهرة، راضية، مرضية (لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ ) حين البعث، حين يقومون من القبور، حين تستقبلهم الملائكة بالبشرى والسلام (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ ) لا خُلف في مواعيده، ولا نسخ في أخباره، النسخ لا يكون في الأخبار، إذا أخبرنا الله بخبر فلا نسخ فيه، ولا تغيير، أما النسخ فقد يكون في الأوامر، يعطي الأمر، ثم ينسخ رحمة (ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًۭا ۚ ) [سورة الأنفال آية: ٦٦] حيث نسخ الأمر في القتال بمواجهة الواحد لعشرة، فالنسخ يكون في الأوامر للتخفيف، أو للتدريج في التحريم أما الأخبار والقصص عن الماضي، أو عن المستقبل فلا تغيير فيه، ولا نسخ (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ ) لا خُلف في مواعيده، ولا تغيير في إخباره ولا تبديل لأوامره وأخباره التي أخبركم بها (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ (٦٤)) أي تلك البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة هو الفوز العظيم، الذي لا بعده فوز، جملة (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ ) جملة اعتراضية تؤكد صدق الخبر، وتحقق الوعد، (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ (٦٤))، رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين يخبر أصحابه يوما ويقول: ( إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟، قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ، وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ، وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ، ثم قرأ (أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢))) ثم يسرّي ربنا (تبارك وتعالى) عن حبيبه المصطفى، بعد أن ساق له البشرى وأصحابه، وأحبابه، والصالحين من أمته وأكدها بقوله (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ ) يسرِّي عنه، فقد أوذي كثيرا، أوذي في شخصه، وأوذي في صدقه، بل وأوذي في الوحي، ومن الطبيعي أن المُحب للقرآن، أو المسلم إذا سُب القرآن أمامه، كأنه طُعن برمح أو ضُرب بسيف، فما بالك بمن نزل عليه القرآن، فقول الكفار في القرآن، وسخريتهم من القرآن، واستهزاؤهم بالقرآن، وطعنهم في القرآن، لا شك أنه كان من أشد أنواع الإيذاء لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأن إيذاء الشخص أهون بكثير من إيذاء العقيدة؛ إذ عقيدة الإنسان هي نوره، هي كرمته، هي حياته، هي أخراه، هي حبه لله. من هنا يسرِّي ربنا (تبارك وتعالى) عن حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) فيقول له:
وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿65﴾
(وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ) وتم الكلام، وهنا وقف لازم، أي ولا تتأثر من هذه المقالات السيئة، ولا تهتز، ولا تتضايق، ولا تحزن، ولا تأسى، كلام لا دليل عليه كلام في الهواء (وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ) وماذا بعد ذلك؟ وما النتيجة؟ قالوا، وقالوا، وقالوا، ما النتيجة (إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿٦٥﴾) العزة: القوة الكاملة، والغلبة الشاملة، والقدرة التامة لله، يؤاخذهم، ويعذبهم، وثق أن الحرف قبل الكلمة في علمه، وأن الحركة، والسكون في علمه، ويستوي في علمه كل شيء سر أو جهر (يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ (١٩)) [سورة غافر آية: ١٩]، (هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿٦٥﴾) السميع لأقوالهم، العليم بأفعالهم، له القدرة، وله الغلبة، وله العزة، وله الإحاطة، ولهم يوم يحاسبون فيه، ويؤاخذون فيه. (إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿٦٥﴾) وفي موضع آخر من القرآن يقول الله (عز وجل) (وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)) [سورة المنافقون آية: ٨] العزة لله، يمنح من عزته ما يشاء، لمن يشاء، فلله العزة جميعا، ولرسوله، وللمؤمنين. فالعزيز من أعزه الله، والذليل من أذلّه الله، ومن اعتز بغير الله ذل، وجعل ذله على يد من اعتز به. فالعزة لله جميعا والدليل والبرهان:
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴿66﴾
هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ ﴿67﴾
قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ۖ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَـٰنٍۭ بِهَـٰذَآ ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿68﴾
قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿69﴾
مَتَـٰعٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ﴿70﴾
وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةًۭ ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ ﴿71﴾
فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴿72﴾
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَـٰهُمْ خَلَـٰٓئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ ﴿73﴾
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴿74﴾
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ بِـَٔايَـٰتِنَا فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ ﴿75﴾
فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوٓا۟ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿76﴾
قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَـٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ ﴿77﴾
قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴿78﴾
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍۢ ﴿79﴾
فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ ﴿80﴾
فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴿81﴾
وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴿82﴾
فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ عَلَىٰ خَوْفٍۢ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ۚ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴿83﴾
وَقَالَ مُوسَىٰ يَـٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴿84﴾
فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةًۭ لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿85﴾
وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿86﴾
وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًۭا وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةًۭ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿87﴾
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةًۭ وَأَمْوَٰلًۭا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ﴿88﴾
قال العلماء: إن دعوة الأنبياء على قومهم، والتي حدثت بالنسبة لنوح، وبالنسبة لموسى كانت بأمر من الله، وبوحي منه، أما نوح فقد أخبره الله (تبارك وتعالى) بقوله:
(وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ) [سورة هود آية: ٣٦]، إذاً فلن يلدوا إلا فاجرا كفاراً، حين أوحى إليه بذلك أمر بالدعاء عليهم، ولم يدعو عليهم من تلقاء نفسه، وكذلك موسى أوحى إليه بعدم إيمان فرعون وقومه.
(إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿۹٦﴾ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ﴿۹۷﴾) [سورة يونس آية: ٩٦ - ٩٧] إذا فقد كانت دعوة موسى بناء على علم من الله، وبناء عن وحي من الله (وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ) أشراف قومه (زِينَةًۭ وَأَمْوَٰلًۭا) الزينة: الرياش، فاخر الأثاث كل ما يُزين به كل ما زُينت به الأرض (وَأَمْوَٰلًۭا) من جميع أنواع المال: الذهب، والفضة، والمجوهرات والملابس، وما إلى ذلك (وَأَمْوَٰلًۭا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ ۖ ) (ليَضلوا ليُضلوا) قراءتان، ليَضلوا هم، أو ليُضلوا غيرهم، واللام في كلمة ليُضلوا أهي للدعاء؟ لام الأمر، لام الرجاء، وكأن موسى يدعو عليهم بالضلال، أم هي لام (لكي) أو لام (لأجل) أي لام العلة، أم هي لام العاقبة كقوله: (فَٱلْتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّۭا وَحَزَنًا ۗ ) [سورة القصص آية: ٨] أي لتكون العاقبة (لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ ۖ ) أي لتكون العاقبة الضلال، أم هي لام العلة، وكأن الله أعطاهم الأموال، وأعطاهم الزينة استدراجا لهم، فإذا رأيت الله منعما على عبد، وهو مقيم على معصيته، فاعلم أن ذلك منه استدراج، فكأن الأموال، والزينة ليستدرجهم، فيزيدوا في ضلالهم، أم هي لام الصيرورة، فالأموال والزينة تؤدي بهم في النتيجة إلى الضلال والإضلال، (رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ) اطمُس قراءة أخرى، طَمس، يطمِس، يطمُس، طمس الشيء: إزالته عن صورته، محْق الشيء: إزالة أثره، مسخه (رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ) إذا فقد طلب إهلاك الأموال، تغيير صورتها (وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ) اطبع عليها، واختم عليها، واشدد عليها كشد الوثاق، والتيقن من شيء، (وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ): اغلقها، واجعلها مغلقة لا تُفتح للإيمان، ولا تُفتح لنور الهدى أبداً (فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ﴿۸۸﴾) إذا فالطمس على الأموال، والشد على القلوب، ومنعهم من الإيمان حتى يأتي العذاب، فإن آمنوا حينئذ، لا ينفع لهم الإيمان، وفي الآية بعض كلمات للنحويين (فَلَا يُؤْمِنُوا۟) معطوفة على قوله (لِيُضِلُّوا۟) (رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةًۭ وَأَمْوَٰلًۭا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ﴿۸۸﴾) و (رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ) جملة اعتراضية أو (فَلَا يُؤْمِنُوا۟) من ضمن الدعاء.
قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿89﴾
وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًۭا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴿90﴾
ءَآلْـَٔـٰنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴿91﴾
فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةًۭ ۚ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَـٰتِنَا لَغَـٰفِلُونَ ﴿92﴾
وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍۢ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿93﴾
(إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿۹۳﴾) يقضي بينهم يحكم، فيحق الحق، ويبطل الباطل، فيثيب الطائع، ويعاقب العاصي، فينجِّي المؤمن، ويهلك الكافر، ويتوجه الخطاب بعد ذلك، وبعد هذه القصة للنبي (صلى الله عليه وسلم) فيقول الله (تبارك وتعالى):
فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴿94﴾
وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ﴿95﴾
(يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًۭا وَمُبَشِّرًۭا وَنَذِيرًۭا (٤٥)) [سورة الأحزاب آية: ٤٥]، وخطاب له، والمقصود هو والأمة (أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ) [سورة الإسراء آية: ٧٨] وهنالك خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد الأمة، لكنه يخاطب الأمة من خلال قائد الأمة، من خلال رئيس الأمة، من خلال رسول الأمة (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴿۹٤﴾ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ﴿۹٥﴾) وهكذا في كل هذه الخطابات، والتوجهات هنا كذلك في هذا الموقف (فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ ) الآية السامع، ليس الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) (فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ) القرآن الصدق الحق (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴿۹٤﴾) من الشاكّين، المترددين، المتحيرين (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ﴿۹٥﴾) هل يُعقل أن يكون الخطاب لسيد الخلق، لكنه يُخاطب على أنه إمام الأمة، الخطاب يتوجه إليه، والمراد غيره؛ إذاً فذاك توجيه من ربنا (تبارك وتعالى) للأمة لمن كان في قلبه ذرة من شك، والآية فيها لفتة، فيها تنبيه لكل مسلم، إن حاك في صدرك شيء، أو أحسست بشيء في العقيدة، أو في سيد الخلق، أو في الأوامر والنواهي، أي ذرة شك تحيك في صدرك إياك وأن تتركها، لابد وأن تلجأ إلى العلماء، وتسأل حتى يزول عنك الشك.
إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿96﴾
وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ﴿97﴾
(ِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿۹٦﴾) حقت عليهم كلمة العذاب، حقت عليهم كلمة الإضلال، وتركهم في غيهم بسبب معاصيهم، بسبب سوء معادنهم، بسبب تصرفاتهم، بسبب استكبارهم، حقت الكلمة بسبب أنهم ليسوا أهلا للرحمة، هم ليسوا أهلا للهداية، هم ليسوا أهلا للتوفيق، ولعلم الله الأزلي فيهم، حقت عليهم كلمته، ونفذ فيهم قضاؤه، بأنهم لا يؤمنون إلا حين لا ينفع الإيمان، فما من مخلوق إلا ويؤمن بالله، منهم من يؤمن اختياراً، وهؤلاء هم أهل الجنة، ومنهم من يؤمن كرها، واضطراراً، وهؤلاء هم أهل النار، يؤمن حين يرى العذاب، حيث لا ينفع الإيمان، وفي آخر الزمان، يؤمن الكل حين تطلع الشمس من مغربها حين لا ينفع الإيمان، ربنا، تبارك وتعالى، يريد أن يؤمن العبد اختياراً، ولو شاء لآمن العبد كرها واضطراراً، لكن الله (تبارك وتعالى) يريد أن يختار العبد طريق الهدى بإرادته، فيأخذ بيده، أما إذا اختار العبد طريق الضلالة، خذّله الله، وأوكله لنفسه، لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية، ها هم قوم صالح، رأوا الناقة، ها هو فرعون، المدهش في أمر فرعون يرى البحر قد انفلق، ولا يؤمن، بل ويجتازه، سبق القضاء فيه، أعمى الله بصيرته، ولو يرى كل آية لا يؤمن (وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ﴿۹۷﴾) حينئذ يؤمنون حيث لا ينفع الإيمان، فإن الله (تبارك وتعالى) يطلب من عباده إيمان الاختيار، وليس إيمان الاضطرار، في مفتتح كتابه الكريم، أثنى على المؤمنين، الذين يؤمنون بالغيب، فنحن لا نرى الله، لكنا نؤمن به، ونصدق بوجوده، لا نرى الجنة، ولا نرى النار ولكنا نطمع في الجنة، ونعوذ بالله من النار، لا نرى الملائكة، ونثق بوجودهم، ولا نرى الجن ونؤمن بوجودهم، الغيب هو ما غاب عن الحس، غاب عن البصر، غاب عن وسائل الإحساس، عن اللمس، عن الذوق، عن النظر، عن السمع، ما أخبر به الرسل عن ربهم، فذاك غيب، الناجي هو من يؤمن، ويصدق بالغيب، أما أن يؤمن العبد، اضطراراً حين يرى العذاب، أو حين يفاجئه الموت، فحينئذ لا ينفعه الإيمان، لذا يقول سيد الخلائق (صلى الله عليه وسلم) (إِنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ حَتَّى يُغِرْغِرَ الْعَبْدُ بِنَفْسِهِ) أي حتى تصل الروح إلى الحلقوم، حينئذ يتيقن من الموت، حينئذ لا تنفعه، التوبة، ولا ينفعه الإيمان، هذا في شأن الفرد، أما في شأن الدنيا جميعها فباب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، حينئذ يُقفل باب التوبة، وإلى الأبد، وأما بالنسبة للأمم، فإذا جاء رسول إلى أمة، وبُعث إلى قومه، فمن آمن فقد نجا، فإن عصوا، وإن كذبوا وأنذرهم بالعذاب، فما نفع معهم الإنذار، وأصروا على الكفر، والاستكبار، فجاءهم العذاب، فإن عاينوه قُفل باب التوبة في وجوههم، طالما عاينوا العذاب؛ لذا قصّ علينا ربنا (تبارك وتعالى) قصة نوح في سورة يونس، وكيف لم ينفع الإيمان هؤلاء الذين أغرقهم الطوفان، وقص علينا قصة موسى مع فرعون، وكيف لم ينفع الإيمان فرعون حين شهد، وقال وأقر (قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (٩٠)) [سورة يونس آية: ٩٠] وتتضح الحقيقة في قوله، عز وجل، بعد ذلك (إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿۹٦﴾ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ﴿۹۷﴾) حقت عليهم كلمة الشقاوة أزلاً، علم الله (تبارك وتعالى) أنهم لن يؤمنوا، فمهما جاءتهم الآيات والمعجزات الدالة، على صدق نبيهم، لا يدخل الإيمان في قلوبهم، إلى أن يحل بهم العذاب الشامل، حينئذ يؤمنوا، وإيمانهم يومئذ لا ينفع، لكنّ كل قاعدة لها استثناء، فتحكي لنا الآيات عن قوم يونس، يقول الله (تبارك وتعالى) متأسفا على الأمم، مسرّياً عن حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) مبكتاً كفار مكة:
فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَـٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ ﴿98﴾
(إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ) الهوان والفضيحة والذل (فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ ﴿۹۸﴾) إلى انتهاء آجالهم، لكن قوم يونس لم ينزل بهم العذاب، إذ لو نزل العذاب ما نفع إيمانهم، وإنما أمارة العذاب، الأمارات فقط، فأدركوا أنفسهم، أما إذا كان العذاب قد تحقق، ونزل ما كان إيمانهم ينفع، ثم يبين ربنا، تبارك وتعالى، لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) أن القضاء أزلي، وأن قضاء الله لا يُرد، وأن له حكمة، لو شاء لخلق الناس كالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لكنه أراد أن يبتليهم فيقول:
وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ﴿99﴾
وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴿100﴾
قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِى ٱلْـَٔايَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ ﴿101﴾
فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ قُلْ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ﴿102﴾
ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿103﴾
قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّۢ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿104﴾
وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًۭا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿105﴾
وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًۭا مِّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿106﴾
وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍۢ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿107﴾
قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍۢ ﴿108﴾
وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ ﴿109﴾
أيها الأخ المسلم، انتهت سورة يونس بفضل الله، وتمت بحمد لله، ويأتي بعد سورة يونس سورة هود التي قال فيها سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) (شَيَّبَتْنِي هُودٌ) وبين السور بعضها وبعض رباط، وبين الآيات بعضها وبعض رباط، والقرآن كله عقد منظوم، يتنبه من تنبه، ويغفل من يغفل، ومن أراد الله له فهماً رزقه الفهم؛ ولذا سُئل علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) بما يتفاضل الناس؛ لأنهم شكوا أن يكون النبي قد اختصهم بشيء آل البيت، هل اختصكم رسول الله بشيء، قال: لا والله، وحين سألوا: بما يتفاضل الناس؟ قال: بفهم يؤتيه الله في كتابه من يشاء من عباده.