القرآن الكريم / سورة يونس / التفسير المقروء

سورة يونس

مقدمة‬
‫لقاؤنا مع سورة يونس، سورة يونس سورة مكية، نزلت بمكة ما عدا ثلاث آيات، من قوله (عز وجل) (فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ ۚ ) [سورة يونس آية‫:‬ ٩٤]، نزلت الآيات الثلاث في المدينة‫.‬‬
‫عدد الآي في سورة يونس مائة وتسع آيات، سورة يونس من السور المكية التي تعنى بأصول العقيدة الإسلامية، سورة يونس تبين الإله الحق، ودلائل وجوده، وقدرته، وحكمته، ووحدته، سورة يونس، تبين فساد اعتقاد المشركين في شفاعة آلهتهم، وتسوق الحجة، تلو الحجة، وإن كان قد ورد فيها بعض قصص الأنبياء كقصة نوح، وقصة موسى، وقصة يونس‫.‬‬
‫سميت السورة باسم النبي يونس، وجاءت قصته في هذه السورة، وهو النبي الوحيد الذي رفع الله، تبارك وتعالى، العذاب عن أمته بعد أن تابوا، وأنابوا وآمنوا بالله‫.‬‬
‫سورة يونس تبدأ بحروف (الٓر):‬‬

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ ﴿1﴾
تبدأ السورة بحروف (الٓر) ويقال فيها كما قيل في الحروف السابقة في السور المفتتحة بهذه الحروف، هي سر الله فلا تطلبوه‫.‬ يُفوَّض العلم فيها إلى الله، مهما قيل في شأنها‫.‬‬
‫(الٓر): أنا الله (الرحمن): اسم الرحمن مقطّع في أوائل السور(الٓر)
قَسَم، (الٓر): تحد لفصحاء العرب، أن هذا القرآن مُشكل، ويُكّون من هذه الحروف فما استطعتم أن تأتوا بمثله، قيل فيها الكثير، وأفضل ما قيل وأصح ما قيل، وأرجح ما قيل، ما قاله الصديق أبو بكر‫:‬ هي سر الله فلا تطلبوه، وهي من المتشابهات التي لا يصح الخوض في معناها‫.‬‬
‫(تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ ﴿١﴾) (تِلْكَ): إشارة للبعيد لرفعة منزلة القرآن، (ٱلْحَكِيمِ ﴿١﴾): المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، لا يعتريه خلل، ولا نقص، الحاكم الذي يحكم بين الناس، المحكم بالحلال والحرام، المحكم من النسخ والتبديل والتعديل (تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ ﴿١﴾) : إذ هي من قول الحكيم (سبحانه وتعالى).‬‬
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌۭ مُّبِينٌ ﴿2﴾
الآية رد على مشركي مكة، قال مشركو مكة إن الله (تبارك وتعالى) أعظم من أن يكون رسوله بشراً، وقالوا‫:‬ أما وجد الله من يرسله إلا يتيم أبي طالب، فنزلت الآية ترد باستفهام إنكاري للتعجب، (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنْهُمْ).‬
‫هل أوحينا إلى رجل منهم صار عجبا لهم، يستهزئون به، ويسخرون منه، لو نزل الملَك أكانوا يفهمون عنه (أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ )، والآية فيها لفتة، فالإنذار للكل وللجميع، عمَّم الإنذار، وخصّص البشارة، فالإنذار عام، إذاً فكل الناس محتاج لأن يُنذر إذ ما من أحد إلا وله أخطاؤه، وما من أحد إلا وفيه من العيوب، أو من الذنوب، أو من الهفوات ما يجب أن يُنذر من أجلها، أما البشارة فلا تكون إلا للخاصة الذين وفقهم الله (تبارك وتعالى) للإيمان‫.‬‬
‫( وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ) ثواب صدق، جزاء صدق، سابقة، ومنزلة رفعية، وتلك أرجح الأقوال؛ إذ تقول العرب لكل سابق في الخير أو الشر (قدم) إذ يُسعى بالقدم، فكل سابق إلى الخير، وسابق إلى المنزلة الرفيعة، يُسعى إليها بقدمه، كما يُعبَّر عن النعمة باليد، ويُعبر عن الثناء باللسان، من هنا قالوا‫:‬ إن قدم الصدق المقصود هنا هو سابقة الخير، سابقة الثواب الذي أُعد لهم بسعيهم إلى رضوان الله (عز وجل) وهذه السابقة هي الإيمان، سابقة ومنزلة رفيعة سعوا إليها بإيمانهم، (قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ ) : قال بعض الناس‫:‬ هو المقعد الصدق‫.‬‬
‫(إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍۢ وَنَهَرٍۢ ﴿٥٤﴾ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍۢ مُّقْتَدِرٍۭ ﴿٥٥﴾) [سورة القمر آية‫:‬ ٥٤‬ - ٥٥] وقال بعض الناس‫:‬ قدم الصدق هنا، سيد الخلق، فيبشرنا ربنا (تبارك وتعالى) بأن لنا قدم صدق عند ربنا وهو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في المقام المحمود حيث يشفع لأمته، وحيث قال هو عن نفسه‫:‬ (أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ) فهو سابق لنا‫.‬‬
‫(قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌۭ مُّبِينٌ (٢)) و(إن هذا لسحر مبين) قراءة، فيعبرون عن القرآن بأنه سحر، (قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌۭ مُّبِينٌ (٢)) يقصدون النبي (صلى الله عليه وسلم) وفي الكلام اعتراف منهم بأنه جاء بما هو خارق للعادة، وبما لا يقدرون عليه، حيث جاء بكلام ما هو بالشعر، وما هو بالنثر، وهم فصحاء العرب، وتحداهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا، من هنا كان قولهم (هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌۭ مُّبِينٌ (٢)) إقرار، واعتراف بأن ما جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم) لا يطيقه ولا يقدر عليه البشر، ساحر مبين‫:‬ أي واضح ظاهر سحره‫.‬‬
‫ثم تبين الآيات الإله الحق من هو؟ المستحق للعبادة‫:‬‬
إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿3﴾
‫(إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ) : الربوبية، والألوهية، وكانوا يعترفون بالربوبية، وينكرون الألوهية، الربوبية‫:‬ أي المربي والخالق الذي تقرون به، حين يُسألون من خلق السموات والأرض يقولون‫:‬ الله‫.‬ هذا الرب الذي ربّاكم وأنشأكم من العدم، وأوصلكم إلى ما أنتم عليه، هو الإله الواحد الحق المعبود بحق (ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ): والسموات والأرض أصول الممكنات في هذا الوجود، فما من شيء نراه بأعيننا على الأرض إلا وهو خارج من الأرض، فالأرض أصله، فالسموات والأرض هي أصول الممكنات، فإذا خلق أصول الممكنات، فكل ما هو موجود لابد أن يكون من خلقه‫.‬ (خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ) : هل أيام من أيام الدنيا؟ جائز، من أيام الآخر‫.‬‬
‫(وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍۢ مِّمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)) [سورة الحج آية‫:‬ ٤٧] جائز‫.‬ يعلم الله، وكان قادراً على خلقها في لحظة لكنه يُعلّم الناس الأناة والتدبير في الأمور (خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ ) الاستواء على العرش‫:‬ الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهذه الآية من المتشابهات، والتي يجب أن تمُر كما جاءت، دون تفكير في معناها‫.‬‬
‫إذ هو مستوٍ على العرش على الوجه الذي يليق بجلاله، وكماله، دون تشبيه، دون تمثيل، دون تعطيل؛ إذ ليس كمثله شيء‫.‬‬
‫الاستواء‫:‬ الاستعلاء، الاعتدال، الاستيلاء، القصد‫.‬‬
‫العرش‫:‬ السقف‫.‬ العرش أعظم جسم في الوجود خلقه الله، وهو محيط بجميع الأجسام الموجودة في هذه الدنيا، استوى على العرش على الوجه الذي يليق بكماله، وجلاله دون تشبيه؛ إذ ليس كمثله شيء، إذ نؤمن باستوائه على العرش كما قال‫.‬‬
‫(يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ ) : يدبر أمور الكائنات على الوجه الذي تقتضيه حكمته، وبما سبقت به كلمته‫.‬‬
‫التدبير في الأصل‫:‬ النظر في أدبار الأمور، أي العواقب، أواخرها إلى أي شيء تنتهي، النظر في أدبار الأمور كي تجيء العواقب محمودة‫.‬‬
‫( يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ ) : يقدّر أمر الكائنات، وفق ما تقتضيه حكمته، وبما سبقت به كلمته‫.‬‬
‫(ٱلْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ۚ ) نفى شفاعة الآلهة التي قالوا عنها نعبدها لتقربنا إلى الله زلفى‫.‬ وأثبت في نفس الوقت الشفاعة لمن أذن له‫.‬ إذاً فهناك شفاعة ولكن بشرط أن يؤذن للشافع فيمن يشفع له، وأن يرضى عن قول الشافع، (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ) [سورة الأنبياء آية‫:‬ ٢٨].‬
(مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ)‬
‫(ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ): هذه الصفات لا تتواجد إلا في الله الحق الإله الحق‫.‬‬
‫(ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ): إذاً فهو الله وهو الرب، إثبات للألوهية، وإثبات للربوبيّة‫.‬ هذه الصفات هي صفات الإله الحق الذي يجب أن تفردوه بالعبادة‫.‬‬
‫(ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ ) أي وحدوه، وأفردوه بالعبادة، ولا تعبدوا معه أحد‫.‬‬
‫(أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿۳﴾) : أفلا تفكرون.
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ﴿4﴾
الآية غاية في الإعجاز اللغوي، وانتبه‫.‬‬
‫( إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا ۖ ) : قرار وبيان أن العودة، والبعث، والنشور كائن حاصل لا محالة، وإليه سبحانه وتعالى الرجوع (وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ ) أي وعدكم بالبعث والنشور وعداً، وحق ذلك الوعد حقا، أي ثبت ووجب (حَقًّا ۚ ) أي ثابت، واجب، حاصل لا شك فيه (إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ) كما بدأ الخلق يعيده، ومن قدر على الابتداء قدر على الإعادة بعد الإفناء، أو بعد تفريق الأجزاء، طالما قدر على الابتداء أيعجز عن الإعادة بعد الإفناء!! هو البادئ بالخلْق حيث لم يكن هناك شيء كان الله، ولم يكن شيء وهو الذي يعيده بعد إفنائه‫.‬‬
‫(يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ بِٱلْقِسْطِ ۚ ) القسط‫:‬ العدْل، أي يجزيهم بالعدل أي بعدالتهم، وقيامهم على أمورهم بالعدل، أو يجزيهم بإيمانهم، إذ الإيمان عدل قويم، والشرك ظلم عظيم (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ﴿٤﴾).‬
‫حميم‫:‬ أي محموم، الحميم‫:‬ البالغ النهاية في الحرارة، حمّ الماء‫:‬ سّخنه، بلغ به نهاية السخونة، والحرارة‫.‬ (لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ﴿٤﴾) بسبب كفرهم، والنظم في الآية يبيّن أمورا‫:‬‬
‫أولا‫:‬ (إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟) كأن بدء الخلق، ونهاية الخلْق، وإعادة الخلق، العلة فيه أن يجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أن يثيبهم‫.‬‬
‫الأمر الثاني‫:‬ لم يبيّن، ولم يعيّن الجزاء (لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ بِٱلْقِسْطِ ۚ ) ما هو الجزاء؟ لم يعيّنه ليدلل على أن الثواب فوق ما تحيط به الأفهام، ولا يمكن أن يعبّر عنه بكلام، وإنما يثيب الله المؤمنون بفضله، وكرمه الذي لا يُحد، ولا يُعرف، أو يصل إلى كُنهه عقل‫.‬‬
‫(وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟) تغيّر النظْم فجأة، والقياس بالعقل يبدأ الخلق ثم يعيده لماذا؟ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط؛ وليعذب الذين كفروا لكن النظم هنا تغير (لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ ) كأن المراد أن المقصود بالذات من الإبداء، والإعادة، إثابة المؤمنين، أما العقوبة للكفار بالعَرَضْ، جاءت عَرَضاً بسبب شؤم أفعالهم؛ لذا جاء النظْم (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ﴿٤﴾) كأن العقوبة داء سيق إليهم، بسب سوء أفعالهم‫.‬‬
‫طلب المشركون آيات ومعجزات من النبي (صلى الله عليه وسلم) فيلفت ربنا نظرهم إلى أن الآيات موجودة لمن يرى، لمن يبصر، لمن يعقل، موجودة في كل مكان‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءًۭ وَٱلْقَمَرَ نُورًۭا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ﴿5﴾ إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَّقُونَ ﴿6﴾
ها هي الآيات، تطلبون منه الآيات والمعجزات، والآيات محيطة بكم في كل مكان، لمن يرى ويسمع،هل نازعه أحد في الشمس؟ هل ادّعى أحد أنه خلق القمر؟ هل جاءت الشمس بذاتها؟ (هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءًۭ) الضياء‫:‬ جمع ضوء، كسياط جمع سوط، كأحياض جمع حوض، أي جعل الشمس ذات ضياء (وَٱلْقَمَرَ نُورًۭا) النور أعمّ من الضوء، الضوء أخصّ، والنور أعمّ، والضياء والضوء ما كان بالذات، والنور ما كان بالعَرَضْ، والآية تدل على أن القمر نوره من غيره، ونور الشمس من ذاتها، من ألف وأربعمائة عام قبل ظهور العلوم، يخبرنا ربنا أن ضوء الشمس نابع من ذاتها، وأن ضوء القمر ناشئ من انعكاس ضوء الشمس عليه‫.‬‬
‫(وَٱلْقَمَرَ نُورًۭا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ) منازل القمر ثمانية وعشرون منزلا، واليومان للمحاق، والاختفاء (لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ۚ ) إذ بالشمس تُعرف الأيام، وبالقمر تعرف الشهور والسنين‫.‬ هو الذي فعل ذلك، وهو الذي أضاء الشمس، وجعلها ذات ضياء، وجعل القمر ذا نور، ولولا ذاك ما عرف الناس الحساب، وما عرفوا الأيام، وما عرفوا الشهور، ولا السنين‫.‬‬
‫(يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ) هذه الآيات الدالة على وجوده؛ لنعلم أن الله (تبارك وتعالى) أراد أن يظهر صنعته، ويدلل على وحدته، وعلى كمال علمه وحكمته (مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ) أي بالحكمة؛ إظهارا لصنعته، ودليلا على قدرته (يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ) يبينها ويوضحها (لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ﴿٥﴾) إذ هم المنتفعون بذلك، من ضمن الآيات التي يبينها ربنا (تبارك وتعالى) تدليلا على وجوده وقدرته وكمال علمه وحكمته (إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ) لو أن الله خلق شمسين‫:‬ شمس بالليل، وشمس بالنهار متى ينام الناس؟ كيف تُعرف الأيام؟ كيف يُعرف الليل والنهار (إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ) في طول الليل وقصر النهار، وتعاقب الليل والنهار(وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَّقُونَ ﴿٦﴾) يتقون الكفر، يتقون الشرك، يتقون المعاصي، يتقون الله (تبارك وتعالى) في كل شيء؛ إذ ما من شيء في الوجود إلا ويدل على كمال قدرته (سبحانه وتعالى) وعلى وجوده، وتفرده بالخلْق‫.‬‬
‫دلائل على وجود الصانع، دلائل انفراده بالحكم، والخلْق، والملك لقوم يعلمون ثم يهدد، ويتوعد المشركين والكفار ومنكري البعث.
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ ﴿7﴾ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿8﴾ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَـٰنِهِمْ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴿9﴾
‫(إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا) الرجاء في الأصل‫:‬ توقع الخير، وقد يُستخدم في توقع الشر، من هنا تستخدم كلمة الرجاء في التوقع مطلقا خيراً كان أو شرا‫.‬‬
‫(إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا) أي لا يأملون في ثوابنا، ولا يخافون عقابنا، منكروا البعث (وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا) سكنوا إلى الدنيا، واطمأنوا بها، وظنوا أنها الدار الوحيدة وليس بعدها من دار (وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ ﴿۷﴾) الواو، واو العطف، والعطف إما لتغاير الوصفين، وإما لتغاير الفريقين (إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا) وهم أيضا (عَنْ ءَايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ ﴿۷﴾) (أُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿۸﴾) بأعمالهم ذاك إذا كان العطف لتغاير الوصفين، أما إذا كان العطف لتغاير الفريقين، فهؤلاء غير هؤلاء‫.‬ الأولون (إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا) منكروا البعث (وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ ﴿۷﴾) فريق آخر، الذين ألهاهم العاجل، عن التفكر في الآجل والعمل له (أُو۟لَـٰٓئِكَ) الفريقان مصيرهم ونهايتهم (ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿۸﴾).‬
‫أيها الأخ المسلم، الدنيا عمرها قصير، وخطرها حقير، وزادها قليل، مهما كان العمر أين نوح؟ كم كان عمره! مات، وما من حي إلا ويموت، ولابد لهذه الدنيا نهاية، وكل ما له بداية لابد أن يكون له نهاية، ونهايتنا إلى الله، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة، أو النار، والذين ألهاهم العاجل، وألهتهم الدنيا، وزخرفها، ونسوا لقاء ربهم، أو لم يعملوا لذلك اليوم (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ ) أي في دائرة الإمهال وما دمنا نتنفس فنحن لازلنا أحياء في دائرة الإمهال وما دمنا في دائرة الإمهال فلابد وأن ننجوا بأنفسنا، فنعود إليه ونرجوه، ونتوب إليه.وبضدها تتميز الأشياء يبين ربنا (تبارك وتعالى) مصير المؤمنين المتقين الذين تفكروا في الآيات وأيقنوا بوجود الخالق (سبحانه وتعالى) فعملوا لرضوانه، وابتعدوا عن مساخطه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
(إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَـٰنِهِمْ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴿۹﴾)‫، (يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَـٰنِهِمْ ۖ ) يهديهم ربهم‫:‬ يسلك بهم السبيل إلى النعيم، وإلى الجنة، يهديهم‫:‬ يدلهم على الطريق الذي يبلغون به الجنة (يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَـٰنِهِمْ ۖ ) يزيدهم إيمانا على إيمانهم، يهديهم بإيمانهم لإدراك الحقائق، فيبصرون ما لا يبصره غيرهم (إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (٢٠١)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ٢٠١]‬
‫والهداية‫:‬ الدلالة بلطف على المطلوب، يهديهم‫:‬ يأخذ بأيديهم، يسوقهم إلى الخير سوقا يهيء لهم سبيل الخير، والرشاد في الدنيا وفي الآخرة‫.‬‬
‫(تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ) من تحت أسِرّتهم، من تحت قصورهم في الجنة، وذاك أمر لا يُدرك بالعقل، وإنما الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وما في الجنة من ديناكم إلا الأسماء، أما الحقائق فهي شيء آخر، أنهار‫:‬ اسم جمع نهر، لكن كيف هي؟ أين تجري؟ من أين تنبع؟ أين تصب؟ لا أحد يعرف، أنهار قيل هي أنهار من العسل كما قال ربنا (تبارك وتعالى) أنهار من لبن، أنهار من ماء عذب، أنهار من خمر، لكن كيف تجري؟ ما شواطئها؟ ما عمقها، وأين قعرها؟ من أي شيء هي؟ مجاري هذه الأنهار أين؟ تحت الأسِرّة! تحت البيوت! تحت القصور! حول القصور أيجري النهر مع صاحبه حيث سار كما قالوا؟ يشير إليه فيجري حيث أراد (تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴿۹﴾).
دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌۭ ۚ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿10﴾
‫(دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ) الدعوة مصدر دعا يدعو، كالشكوى مصدر شكا يشكو، أي دعاؤهم فيها سبحانك اللهم، أيقولون ذلك؟ ومتى يقولونه؟ وكيف يقولونه قال نبينا (صلى الله عليه وسلم): (يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ)، هل تشعر بنَفَسِك، وأنت تتنفس، هل تقصد أن تتنفس؟ هل تستطيع أن تمتنع عن النَفَسْ؟ هل يكلفك التنفس مشقة؟ هل تتعب من النفس؟ هل تملّ؟ كذلك التحميد، والتسبيح لأهل الجنة (دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌۭ ۚ ).‬
‫تحيتهم بعضهم لبعض بالسلام، السلام قول لا إثم فيه، ولا كذب، ولا لغو، الدعاء بالسلامة من الآفات، السلامة من الآثام، السلامة من كل ما يعكر الصفو، والدنيا فيها ما يعكر الصفو أما هناك والسلامة المطلقة‫.‬‬
‫(وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌۭ ۚ ) يحييهم ربهم بالسلام، تحييهم الملائكة (جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍۢ ﴿٢۳﴾ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴿٢٤﴾) [سورة الرعد آية‫:‬ ٢٣‫:‬ ٢٤] (وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٠)) حين يبعث الناس يبدؤون بالحمد، وحين يستقر أهل الجنة في الجنة ينتهون بالحمد‫.‬ (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ)[سورة الإسراء آية‫:‬ ٥٢] بدأ ربنا الخلْق بالحمد، وأنهاه بالحمد (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١]، وأنهاه بالحمد (وَتَرَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٧٥)) [سورة الزمر آية‫:‬ ٧٥].‬
‫وقال بعض الناس محاولاً تفسير الآية، فقال‫:‬ إذا جلس المؤمن في جنته مستمتعا بها، فاشتاقت نفسه لشيء، فيقول سبحانك اللهم، جاءه ما يشتهيه بالتحية والسلام من الملائكة، وحين ذاق ورأى اللطف، والكرم، والمنّة، والنعمة، قال‫:‬ الحمد لله رب العالمين‫.‬ كما كانوا في الدنيا كلما رأوا آية رأوا القمر منيرا، قالوا‫:‬ سبحانك، رأوا الطير يطير، قالوا‫:‬ سبحانك (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًۭا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ (١٩١)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٩١].‬
‫فكذلك في الجنة كلما اشتهوا شيئا، قالوا‫:‬ سبحانك اللهم، وذاك هو الطلب، جيئ بالشيء المشتهى بالتحية، وحين حصلوا عليه، وذاقوا قالوا‫:‬ الحمد لله رب العالمين‫.‬‬
‫فقد بُعث النبي (صلى الله عليه وسلم) والقوم في ظل الشرك، بُعث وقومه يعبدون الأصنام، ويسجدون للأوثان، يغيرون على الجار، ولا يراعون حُرمة ولا يصلون رحماً، ارتكبوا من الشرور ما لا عدّ له، ولا حصر، ظلم، شرك، بغْي، غدْر، كل ما يخطر على البال من شرور، ومآثم ارتكبوها دون رادع، وحين جاءهم نبينا (صلى الله عليه وسلم) بالنور المبين، وبالقرآن العظيم، يأمر بصلة الأرحام، وحفظ الجوار، وصدق الحديث، وعبادة الله الواحد القهار، وترك الأصنام، استجاب له القليل، استجاب له الفقراء، والعبيد، أما أصحاب السلطة والسلطان، وأصحاب المال، فكانوا من أشد الناس عداوة له، والأغرب من ذلك أنهم سألوه الآيات والمعجزات معجّزين له أن يكون له بيت من زخرف، أن يرقى في السماء، أن يحوّل جبال مكة ذهبا خالصا أن يأتي بآية كعصا موسى، أو كناقة صالح، أو أن يحيى آباءهم أنكروا البعث وقالوا‫:‬ (وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٢٩] وقالوا‫:‬ لن يبعث الله من يموت، وقالوا، وقالوا، وزعموا، وهو صابر عليهم يدعوهم بالحكمة وبالموعظة الحسنة يحزن عليهم وفاجأوه بالتحدي، والكبْر والتجّبّر حتى على الله فوقفوا، وقالوا (ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٢)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٢] ظلام نشأ من الظلم، والظلم ظلمات في الدنيا وفي الآخرة، بدلاً من أن يسألوا الله الهداية، إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، بلغ بهم الغباء، والجهل، والجبروت، بلغ الغاية، إن كان حقاً فأمطر حجارة، شيء غريب، وحلم الحليم (سبحانه وتعالى) وستر الرحيم، لم يستجيب لهم، بل أنزل توجيها عاماً قال فيه:
وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿11﴾
أجابهم ربنا (تبارك وتعالى) بقوله إن حدث واستجاب ربنا (تبارك وتعالى) وعجل لهم ذاك الطلب كما عجل لهم الخير (وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ) والتعبير فيه لفتة؛ إذ القياس (ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم بالخير )، فقال (ٱسْتِعْجَالَهُم) وكأن الله (تبارك وتعالى) يعجّل الخير للناس من قبل أن يستعجلوه، فكأن استعجالهم للخير تعجيل له، وبيان لطفه، ورحمته، وسعة كرمه (وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ ) لأهلكهم في التو واللحظة، ولأماتهم (فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿١١﴾) أي لا نعجّل لهم الشر الذي استعجلوه، بل نمهلهم، والكلام فيه حذف، واختصار، والتقدير (ولو يعجل الله الناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم، فلا نعجل لهم، ولكن نذرهم) نمهلهم، نذر‫: نترك (فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا) لا يخافون عقاباً، ولا يرجون ثواباً، لا يؤمنون بالبعث، ولا يخافون حساباً (فِى طُغْيَـٰنِهِمْ) تجاوزهم لكل حد (يَعْمَهُونَ ﴿١١﴾) يترددون، ويتحيرون والعمى في البصيرة كالعمى في البصر، والدليل على كذبهم في استعجالهم للشر‫.
وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًۭا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّۢ مَّسَّهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿12﴾
‫(وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ) الضر‫:‬ المرض، القحط، الجدب، نقص المال (دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ) دعانا لكشف الضر ملقيا لجنبه، أو قاعداً، أو قائماً أي دعانا لكشف الضر عنه في جميع أحواله لا يفتر عن الدعاء، ولا يتخلى عن الدعاء، طالبا لكشف الضر، (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّۢ مَّسَّهُۥ ۚ ) نسى الدعاء، ونسى الله، وعاد إلى سيرته الأولى من كفر، أو من عصيان‫.‬‬
‫والآية قيل‫:‬ إنها في الكافر على وجه الخصوص؛ إذ هو الذي يلجأ إلى الله حال الضر، وينسى الله حال الرخاء، وقيل‫:‬ بل الآية في كل إنسان حتى الصالحين منهم، في حال الشدة يجتهد في العبادة، ويجتهد في اللجوء، ويجتهد في الدعاء، وحال الرخاء ينسى أو يعود إلى عصيانه‫.‬‬
‫(مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّۢ مَّسَّهُۥ ۚ ) مرّ: استمر في سرته الأولى (كَأَن لَّمْ) كأنه لم يدعنا من قبل إلى ضرّ مسه (كَذَٰلِكَ) أي كهذا التزيين الذي حدث لهذا الإنسان الغافل الذي ينسى الله في الرخاء؛ ويتذكر الله في الشدة، كهذا التزيين الذي حدث له (زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿١٢﴾) المسرفين‫:‬ الكفار، والمشركين، والمزيِّن هنا هو الله، أو المزيّن هو الشيطان بقضاء الله وإرادته‫.‬‬
‫الآية وإن كانت كما قيل نزلت ردا على القائلين‫:‬ (ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٢)) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٣٢]، إلا أن بعض العلماء قالوا‫:‬ الآية أيضا تنبيه، وتوجيه للناس كافة، وللمسلمين كذلك؛ إذ قد يغضب الإنسان على ابنه فيدعوا عليه، قد يضيق به الأسباب فيدعوا على نفسه، فإن حدث وفعل ذلك فقد يُستجاب له، وهل يُستجاب للمسلم أو الصالح إذا دعا على نفسه، أو ولده، أو ماله؟ البعض قال‫:‬ لا يستجاب له، فقد سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) ربه ألا يستجيب لحبيب على حبيبه‫.‬‬
‫وقال البعض‫:‬ بل قد يستجاب له، وقد يصادف دعاؤه أبواب السماء مفتحة، وقد يصادف دعاؤه ساعة قبول فيستجاب له في الشر كما استجيب له في الخير‫.‬‬
‫ويروى في هذا دليل فقد روى مسلم في صحيحه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) خرج في غزوة (بطن بواط) وكان الرجال يتعاقبون الثلاثة، أو الأربعة على بعير واحد، وجاءت النوبة على رجل من الأنصار، وأناخ البعير، وركب، وحين أراد أن يبعث بعيره تلدّن عليه، تعصّى عليه، واغتاظ الرجل من بعيره، فقال للبعير‫:‬ لعنك الله شَأْ أو سَأْ كلمة زجر، فسمعه النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال‫:‬ (مَنْ هَذَا اللاعِنُ بَعِيرَهُ؟ " قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "انْزِلْ عَنْهُ، فَلا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ)، ثم وجّه للناس معه هذا التوجيه، (لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لا تُوَافِقُوا مِنَ السَّاعَةِ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ) هذا الحديث يؤكد أن الله (تبارك وتعالى) قد يستجيب للداعي الذي يطلب شراً لنفسه، أو لولده، أو لماله، من هنا نبّه العلماء على أن الإنسان مهما غضب، فليحذر أن يدعو على ولده، أو أن يدعو على نفسه، أو على ماله، أو على حبيبه، أو على صديقه، وما إلى ذلك، يقول ربنا (تبارك وتعالى) بعد ذلك مهددا أهل مكة:
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ ۙ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿13﴾
طلبتم العذاب، وطلبتم أن تمطر السماء حجارة عليكم، أأمنتم أن يستجاب لكم؟، وإن حدث ونزلت الحجارة، ماذا يكون حالكم؟ تلجأون إلى الله كعادة الإنسان إذا مسّه الضر دعانا، إذاً فهُم كاذبون في ادعائهم، ولولا أن الله لطيف لأجابهم لهذا، فينبههم، ويحذرهم، ويهددهم، القرون الماضية، مررتم عليها، مررتم على ديار ثمود، وديار عاد (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ ۙ ) أي لما كفروا وأشركوا (وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ ۚ ) وما صح منهم وما استقام أن يؤمنوا، فقد سبق في علم الله أنهم يموتون على الكفر؛ لذا لم يمهلهم (كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿١۳﴾) أي كما جزينا هؤلاء، نجزي كل مجرم في كل زمان ومكان‫.‬‬
‫(وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)) [سورة يونس آية‫:‬ ١١] (لقَضى إليهم أجلهم) قراءة‫.‬‬
‫(وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًۭا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّۢ مَّسَّهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (١٢)) [سورة يونس آية‫:‬ ١٢]‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴿14﴾
بعد ما أهلك ربنا القرون الأولى بظلمهم؛ ولأنهم لم يؤمنوا، وسبق في علمه أنهم يموتون على الكفر، فلم يمهلهم، وأهلكهم، جعل الأمة المحمدية، خلائف، يخلف بعضهم بعضا، أو يخلفون أو يخلفون من أُهلك من القرون، أو هم خلفاء الله في أرضه‫.‬‬
‫والخلائف جمع خليفة (ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ) من أجل الاختبار من أجل الامتحان من أجل الابتلاء (لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴿١٤﴾) أي نعاملكم معاملة المختبر، فتظهر أعمالكم في الوجود، وقد علمها سبحانه وتعالى أزلاً، ولو شاء لأدخل أهل الجنة، الجنة، وأدخل أهل النار، النار من قبل أن يخلق الدنيا؛ لكنه أراد أن يظهر عدله، وأن يعمم الدعوة إظهاراً لحجته، فخلق الدنيا وترك الناس فيها مخيرين، وبيّن لهم طريق الخير، وبيّن لهم طريق الشر، وأرسل لهم الرسل وتعهدهم بالرسالات، وبالكتب السماوية، مختبرا إياهم أو معاملاً لهم معاملة المختبر، حتى يظهر علم الغيب، ويتحول إلى علم شهادة، فيؤاخذهم بما ظهر من أعمالهم تحقيقا، وإظهارا لعدله (سبحانه وتعالى).‬
‫وفي الآية لفتة (ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴿١٤﴾) ولم يقل لننظر ماذا تعملون، وانتبه، إذاً فالعبرة في العمل بالكيفية، والجهة، وليس الحساب على ذات العمل، أساس الحساب ليس ذوات الأعمال، وإنما الجهات، والكيفيات للأعمال؛ ولذا قال كيف، والمثال على ذلك، أنفق رجال ماله على الفقراء، والمساكين، وفي الخيرات‫.‬ ذاك هو العمل أيحاسب عليه؟ ذات العمل عمل طيب، لكنه أراد مدح الناس، ولم يرد بذلك وجه الله، تلك جهة العمل، أنفق بسفاهة معارضاً لقوله‫:‬ (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًۭا مَّحْسُورًا (٢٩)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٢٩] كيفية، حج بيت الله الحرام، الحج عمل مطلوب، كيفية الأداء هذا هو المحاسب عليه، فانظر لنفسك كيف تؤدي العمل؟ الصلاة لا تحاسب على الصلاة في حد ذاتها من ركوع، وسجود، وأقوال، وأفعال مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، وإنما تحاسب على كيفية الصلاة؛ لذا حين يتحدث ربنا عن المصلين يقول عنهم‫:‬ (وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٣] ولم يقل أبداً يصلون، وحين جاء بفعل الأمر قال‫:‬ (وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٤٣] لكي تأتي الصلاة قائمة، معتدلة على الكيفية الواجبة، ويتحدث عن سفاهات القوم الذين لم يؤمنوا فيقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ﴿15﴾ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًۭا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿16﴾
‫(وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ ۙ ) آياتنا‫:‬ القرآن، بينات‫:‬ واضحات لا لبْس فيها، ولا شك‫.‬‬
‫القرآن المعجز الذي جاء الفصحاء، فبذّهم، بذَّت فصاحته فصاحتهم، وعجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، هذا القرآن المعجز الذي لا هو نظم، ولا هو نثر‫.‬ إذا تتلى عليهم (قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا) لا يرجون النظر إلى وجه الله، لا يطلبونه، ولا يأملون فيه‫.‬ لا يرجون ثوابا، ولا يخشون عقابا‫.‬ قالوا للنبي (صلى الله عليه وسلم) حين تلا عليهم القرآن (ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ ) طلبوا أحد أمرين‫:‬ أن يأتي بقرآن آخر، أو أن يبدِّل الآيات في قرآنه الذي أتى به، كأنهم يتهمونه بأنه صاحب الكلام، وكأن القرآن من عنده، وبأنه يستطيع أن يغير ويبدِّل‫.‬‬
‫ماذا يطلبون من تغيير؟ في القرآن سب لآلهتهم، ونفي لشفاعتهم، أرادوا تغيير هذا، لا تسب آلهتنا، وائت بآية تمدحهم، يبدِّل آيات الوعيد، بآيات الوعد، ائت بآيات تنكر البعث، ائت بقرآن على هواهم، وعلى مشتهاهم، حين أجاب بأمر الله، أجاب عن واحد من الأمرين، ولم يجب عن اثنين (قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ ) وترك الطلب الآخر، حين قالوا (ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ ) تكلم عن التبديل؛ لأن العاجز عن التبديل في بعض الآيات، عاجز من باب أوّلى عن الإتيان بالكل، فالامتناع عن التبديل دليل عن الامتناع عن التغيير، من هنا أجاب عن هذه الجزئية‫.‬ (قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ ) لا استطيع، ولا يصح، ولا يجوز، ولا يمكن، ويستحيل علىّ أن أبدله من نفسي لهواي مستجيبا لكم (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ ) أي أن القرآن من عند الله ليس من عندي، فلا أتبع إلا ما يوحى إليّ، ويأتيني من الله (تبارك وتعالى) فكيف أبدِّل كلاما لم أقله ولم أُنشئه؟ (إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ﴿١٥﴾) وهذه المقولة تومئ بأنهم استحقوا العقاب بمجرد الطلب، (قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ ) ذاك قولهم، وطلبهم، (بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ) وانتهى الكلام ثم قال (إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ﴿١٥﴾) إذاً التبديل، عصيان، وبالتالي طلب التبديل، عصيان، فحين يقول‫:‬ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، يشعرهم بأن مجرد الطلب الذي طلبوه استوجبوا به العقاب‫.‬‬
‫وتأتي الحجة الدامغة (قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ) والآيات نلاحظ فيها كلمة (قُل) إذ إن النبي، صلى الله عليه وسلم، لا يرد من تلقاء نفسه، حتى الرد عليهم فيما يزعمون، أو فيما يطلبون، أو فيما يقولون حين قالوا (ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ ) لم يتكلم، ولم ينطق، وانتظر الرد من الله (قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ ) وقرأت (ولأدراكم به) بلام التأكيد، والفرق في المعنى (قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ) أي لم يبعثني، ولم ينزّل عليّ القرآن (وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ ) ولا أعلمكم بالقرآن، وإذا قُرئت (ولأدراكم به) أي ولأعلمكم به على لسان غيري، فلم أختر نفسي لأكون رسولا، بل الله يخلق ما يشاء ويختار، هو يُعلمكم، ويدريكم على لساني إن شاء، أو على لسان غيري إن شاء، ولو شاء ألا يُعْلمكم به أصلا، ما أعلمكم به على لساني، أو على لسان غيري (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًۭا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿١٦﴾) أربعون سنة يعيش بينهم رسولا الله (صلى الله عليه وسلم) مثالا للصدق، مثالاً للأمانة، مثالا للوفاء، هم الذين لقبوه بالصادق الأمين، أربعين سنة لم يتكلم بعلم، لم يدرس علما، لم يصاحب عالما، لم يستمع لعلماء، لم يقرض شعرا، لم يخطب خطبة، لم يقل نثرا، لم يؤثر عنه كلام منظوم، أو منثور، أو مُقفَّى، أربعون سنة، لم ينطق بشيء، ثم جاءهم بكتاب معجز في لغته، معجز في نظمه، بذَّتْ فصاحته فصاحة الفصحاء منهم، تحداهم به، فيه قواعد علم الأصول، قواعد علم الفروع، قصص الأولين، أخبار الآخرين، الحلال والحرام، تتكرر المعاني بألفاظ متعددة، قرآن معجز، أذهلهم حتى أنهم قالوا‫:‬ إن هذا لسحر مبين، ولا يقال هذا على كلام يقوله البشر، فكم قالوا‫:‬ المعلقات من الشعر التي يعلقونها في الأسواق‫:‬ ذو المجاز، وذو المجنة، وعكاظ، قول الشعر، وقول النثر، والخطب التي كانوا يخطبونها في الأسواق، صنعتهم الكلام، أربعين سنة ما أنشد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قصيدة له أو لغيره، من أين أتى بهذا؟ أفلا تعقلون؟ أفلا تعملون عقولكم في هذا؟‬
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴿17﴾
‫(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا) سؤال إنكاري معناه الجحد، سؤال للتقريع، سؤال للتوبيخ، لا أحد أظلم من هذا الذي كذّب بآيات الله، أو افترى على الله الكذب بأن ادّعى له الولد، أو زعم له الشريك، أو قال سأنزل مثل ما أنزل الله (ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ ۚ ) وانكرها وكفرها (إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ (١٧)) آيات تلو الآيات، واضحات، بينات لا لبْس فيها، ولا شك، إذا نظر فيها العاقل بصدر مفتوح أسلم، واستسلم، وخضع، وآمن وعرف أنه الحق، لكن من شاء الله هداه، ومن أضله الله أعماه‫.‬‬
‫فمن سفاهة مشركي مكة أن الرجل منهم كان يصنع الإله من العجوة في موسم العجوة، يصنع آلهة ويضعها، فإذا جاع أكلها، من سفاهتهم، وسفاهة عقولهم، تارة ينكرون البعث، وتارة يقولون‫:‬ إن كان هناك بعث فهذه الآلهة تشفع لنا، فهُم مترددون في أمر البعث، ينكرونه تارة (وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًۭا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًۭا جَدِيدًۭا (٤٩)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٩]، وتارة يزعمون أن الآلهة والأصنام تشفع لهم يوم البعث، تردد، وحيرة، عمى، وعمى يقول الله (تبارك وتعالى) عنهم:
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـٰٓؤُلَآءِ شُفَعَـٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿18﴾
‫(وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ) إذ إن المعبود يُرجى ثوابه، ويُخشى عقابه، وإلا ما صار معبوداً، وما عُبد، لِمَ يعبد الإنسان معبوداً، ولِمَ يقول هناك معبود؟ المعبود لابد وأن يكون قادراً على النفع، قادراً على الضر، فيُعبد من أجل جلب النفع، ومن أجل دفع الضر، ذاك هو منطق العقلاء، أو منطق الفطرة السليمة، فالإنسان يسعى إلى خيره، ويهرب من أي شر، أو من أي ضُر يتوقع، ويتخذ احتياطه؛ لذلك هؤلاء يعبدون ما لا يضرهم ولا ينفعهم، حجر صنم لا يضرهم في الدنيا، ولا يكشف ضراً عنهم، فكيف يعبدونه! الأغرب من هذا يقولون‫:‬ (هَـٰٓؤُلَآءِ) على الأصنام، والأوثان شفعاؤنا عند الله، إذاً فهناك إله، إذاً فأنتم تقرون بوجود الله، (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ ) [سورة لقمان آية‫:‬ ٢٥]، طالما أقررتم أن هناك إلها، فلِمَ لا تلجأون إليه رأساً؟ الكلام حيّر العلماء، إذ كيف ينكرون البعث، ثم يزعمون أن الأصنام تشفع؟ قال بعض العلماء‫:‬ هم يعتقدون الشفاعة في الدنيا، أي جلب النفع في الدنيا، أو دفع الضر في الدنيا، شفعاؤنا عند الله في أمور الدنيا؛ لأنهم ينكرون البعث، والبعض الآخر قال‫:‬ بل كان منهم من يعتقد في البعث، أو يشك في وجوده، إذاً معنى هذا أن الذين عبدوا الأصنام كانوا في حيرة، وقد تصادف شخصا يأتي من الأفعال ما يحيّر غيره، إذاً فهو لا شك في حيرة، في تردد وريبة، أعمى البصر، أعمى البصيرة، يتخبط ولا يثبت على شيء‫.‬‬
‫(قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ ) اسمع الرد (قُلْ) لأن الرد يأتي من عند الله (أتُنْبئون‫.‬. أتنبِّئون ) قراءتان‫.‬‬
‫(قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١۸﴾) ربنا (تبارك وتعالى) هو الخالق للوجود، هو الواهب للحياة، ما من موجود إلا وهو مقهور لله، من هنا يأتي السؤال، المعبود بغير حق إما أن يكون موجوداً في السماء، وإما أن يكون موجودا في الأرض، فإن كان مثل هذا الشفيع من الموجودات في السماء، أو من الموجودات في الأرض، فلابد وأن من أوجده يعلم به، فإذا كان العالم والموجد يقول‫:‬ إنه لا شفيع معه، ولا شريك له، فكيف تزعمون شفاعة الأصنام! وكيف تنبئونه بما لا يعلم! إذ ما لا يعلمه الموجِد غير موجود، فكل موجود من إيجاده، إذاً فما من موجود في السموات وفي الأرض إلا من إيجاد الله، وطالما كان من إيجاد الله الذي تقرون به، فهو يعلمه، ويعلم به، وهو مقهور للمعبود، وهو أيضا عبد، أو مملوك، أو جماد، لا ينفع، ولا يضر، فكيف تمنحونه ما ليس بحق؟ وكيف تنبئون العالم بما لا يعلم؟ إذا فلا شفيع هناك إلا بإذنه، إلا لمن ارتضى، هو الذي يخلق ما يشاء ويختار، ثم يقدّس ذاته فيقول (سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١۸﴾).‬
‫ويحكي ربنا (تبارك وتعالى) عن الناس، وكلما استمع الإنسان لكلام الله (عز وجل) كلما تأسّى وتأسف، كيف بالناس الذين كانوا في عدم، وأوجدهم ربنا وخلقهم، وسوّاهم وصوّرهم، فأحسن صورهم، ورزقهم، ومتعهم، كيف بهؤلاء الناس يشركون بالله، ويكفرون بالله، يحكي ربنا (تبارك وتعالى) عن السر في ذلك فيقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَٱخْتَلَفُوا۟ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿19﴾
‫(وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَٱخْتَلَفُوا۟ ۚ ) كأن الناس كما قال العلماء‫:‬ يولدون على الفطرة، فهُم أمة واحدة، فإذا وصلوا إلى البلوغ، وسن التكليف، حدث الاختلاف، والخلاف، والعداوة، والبغضاء، والحقد، والغل، والحسد، فإذا جاء رسولٌ، منهم من آمن، ومنهم من كفر، نتيجة الخلاف أو الكلام عن عهد آدم لم يكن هناك شرك من لدن آدم إلى أن قتل قابيل هابيل، (وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًۭا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٢٧]، هنا بدأ الخلاف (وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ) أي على دين واحد، على شريعة واحدة، على اتجاه واحد، كله في اتجاه الخير، وفي اتجاه عبادة الواحد القهار، (فَٱخْتَلَفُوا۟ ۚ ) بقتل الأخ لأخيه، أو من لدن آدم إلى عصر نوح، أول الرسل حين بعث الله الرسل، من الناس من آمن، ومن الناس من كفر‫.‬‬
‫(وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿١۹﴾) ما هي الكلمة؟ وكيف يكون القضاء؟ الكلمة‫:‬ هي ما سبق به القضاء والقَدر من أن الحساب يوم الحساب، هذه الكلمة هي أن الله (تبارك وتعالى) يمهل الناس، ويترك الناس، حتى يأتي يوم القيامة، حيث يبدأ الحساب، لولا هذا لحاسبهم، وعاقبهم، وأدخلهم جهنم في التو، واللحظة، لكن ينظرهم ويؤجلهم إلى أن تقوم الساعة‫.‬‬
‫وقال بعضهم‫:‬ الكلمة هو إظهار الحق وإبطال الباطل، وهذه الكلمة تتحقق يوم القيامة، فيحق ربنا الحق، ويضع الباطل‫.‬‬
‫وقال بعضهم‫:‬ بل الكلام عن أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) والكلام تسلية لرسول (صلى الله عليه وسلم) تسلية لسيد الخلْق، حين يرى هذا الجحود والنكران، حين يسمع هذا الكفر وهذا التحدي، حين يرى هذا الغباء والعمى، يحزن على قومه، أو قد يتمنى أن يحق ربنا الحق، أو أن يفصل ربنا بين المُحق والمُبطل، أو أن ينزل آية أو، أو، فيسليه ربنا (تبارك وتعالى) مبينا له أن كلمته سبقت بأن يؤجل أمة محمد إلى يوم القيامة، وألا يعاملها كما عامل الأمم السابقة حيث أهلكهم حين كذبوا أنبيائهم، إذ منهم من يؤمن في المستقبل، كمن أسلم يوم الفتح! ومنهم من يخرج من صلبه مؤمن، ولو أهلكهم ما خرج المؤمنون من أصلابهم، فبعلمه بأن منهم من يُسلم، ويؤمن بعد ذلك، وسبقت كلمته بألا يقضي بينهم، ولا ينزل بهم العذاب، ولا يستأصلهم كما فعل مع الأمم السابقة، فالكلمة سبقت بالتأجيل إلى يوم القيامة، لولا هذا لأظهرنا الحق، ولأهلكنا الباطل، ولنزلت صاعقة من السماء تستأصل شأفة الكفار على الأرض، (وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ) قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) كلهم كانوا على الشرك، ما كان فيهم مسلم، وما كان فيهم مؤمن، فاختلفوا حين بُعث النبي، صلى الله عليه وسلم، فمنهم من آمن بك يا محمد، ومنهم من كفر، ولولا أن الكلمة سبقت بالتأجيل، والإمهال لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) وعدم معاجلتهم بالعقوبة، لقضينا بينهم، وأظهرنا الحق، وأخزينا الباطل، وأنجينا المحق، وأهلكنا المُبطل‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، الآيات تلو الآيات، بينات، واضحات، لا ينكرها إلا جاحد، ترى هل عميت الأبصار؟ وهل عميت البصائر؟ أم أن الأمر، أمر جحود، وحقد، وغل، هل من كفر من أهل مكة كان كافراً بحق؟‬
‫بمعنى أنه كفر لعدم وضوح الآيات، كفر لعدم وجود الدليل؟ هل كانت الشكوك في محلها؟ أبداً والله، ولو حدث ذلك لبيّن الله لهم، ولهداهم؛ إذ لا إثم على من لا يعلم، لا إثم على من يطلب الحق ولا يصادفه، إنما الإثم على من رأى الحق فأنكره، وعَلِم الحق فلم يتبعه؛ لذا لابد وأن نعلم أن كفار مكة كانوا على يقين من صدق محمد (صلى الله عليه وسلم) وكانوا على يقين من البعث، والنشور، ولكن الحقد، والغلّ، والجحود، والخوف على الدنيا، والخوف على السلطان، والهروب من الحقيقة، وغمض العين عنها، كأنه لن يحاسب، إذ لو أنكر البعث فهو حر فيما يفعل، من أكل أموال الغير‫:‬ من زنا، من سُكر، من فسق، من فجور، طالما لا حساب هناك، ولا بعث، ولا نشور، ماذا يخيفه؟ إذا فهو حر فيما يفعل‫.‬ هذا هو السر في إنكار البعث قديما وحديثا، حتى في الدول التي أنكرت البعث، أو الناس الذين أنكروا البعث أنكروه لإلقاء التبعة، وإلقاء المسئولية، وحتى يكونوا أحراراً فيما يفعلون، ويأتون، ويذرون، والدليل على كل ذلك (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (٨٧)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٨٧]، (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ (٩)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٩]، أكثر من آية أكثر موضع، ماذا كان اعتراضهم على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه يتيم، أنه فقير فقط بدليل قولهم عن القرآن (لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٣١] إذا الاعتراض لم يكن على القرآن نفسه، بل قالوا‫:‬ ألم يجد ربنا رسولا يُرسله إلا يتيم أبي طالب، إذاً الحقد على رسول الله والاعتراض على شخصه (صلى الله عليه وسلم) هو الذي دفعهم إلى هذا الكفر، وتمسكهم بالدنيا، والأغرب من هذا حين اشتد الأمر على رسول الله، وطمع في إيمان قومه، لجأ إلى الله وقال (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) دعا أن يصبهم الله بالقحط، حتى يلجأوا إلى الله؛ لأن الإنسان في ضعفه يلجأ إلى الله، فأصبهم القحط سبع سنوات، حتى أكلوا الجيف، والميتة، وذهب أبو سفيان لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) يقول له‫:‬ (قُحطنا بدعائك، فإن سقيتنا آمنا، فاستسقى فسُقوا، وعادوا إلى كفرهم، وجحودهم) فهل كان الصادق الأمين محتاجاً لآية تدل على صدقه! كعصا موسى، أو كناقة صالح، أو كعلم الغيب، كعلم عيسى ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، هل كان محتاجاً لهذا وهو الصادق الأمين بشهاتهم! يعرفون نسبه، ويعلمون صدقه، يسمعون كلام الله، يُتلى على لسانه آيات القرآن المعجز أبد الدهر، وهم فصحاء العرب، أصحاب اللسان، ملوك الكلام، نزل القرآن فتحداهم أن يأتوا بسورة فعجز الأساطين عن ذلك، ومع ذلك يطالبونه بآيات غاية في الغرابة، أن يكون له بيت من زخرف، أن يرقى في السماء، وإن رقى لن يؤمنوا لرقيه حتى ينزل عليهم كتابا يقرأونه، بل طلبوا منه أكثر من ذلك فقالوا‫:‬ أرنا الله كما قال أصحاب موسى، وطلبوا منه أن يأتي بالله والملائكة قبيلا، منتهى الكفر، منتهى الجحود، منتهى الإجرام، وسوء الأدب مع الله، وآيات الله في الكون غير خافية، الشمس، القمر، الليل، النهار، الأنهار، البحار، الأشجار، الثمار، السحاب، المطر، آيات غير خافية، ومع ذلك يطلبون الآيات، فأنزل التهديد، والوعيد في قوله (عز وجل):
وَيَقُولُونَ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ﴿20﴾
‫(وَيَقُولُونَ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ) مما اقترحوه من الآيات، فيقول الله (عز وجل) (فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ) أي أن نزول الآيات من الغيبيات التي يعلمها الله (عز وجل) وما تنزل الآيات إلا لعلة، أو لحكمة، وأفعال الله (تبارك وتعالى) لا تُعلَّل بعلّة، فهو الفعال لما يريد، وربما لو نزلت الآية ما آمنوا، وهنا حق عليهم العذاب، إذ قضت واقتضت حكمة الله (تبارك وتعالى) أنه إذا أنزل آية على قوم فكذبوا، دمرهم الله وأهلكهم، تلك سنة الله التي خلت (فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ﴿٢۰﴾) أي انتظروا أن يُظهر الله (تبارك وتعالى) الحق ويبطل الباطل وأن يبين من منا الصادق، انتبه فالآية تشعر بالتهديد، (فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ﴿٢۰﴾) ويحكي ربنا (تبارك وتعالى) عن عادة الناس، وما جُبلوا عليه، وأن المسألة ليست مسألة آيات، وإنما إيمان، أو كفر، تصديق، أو تكذيب‫.‬‬‬‬
وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌۭ فِىٓ ءَايَاتِنَا ۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴿21﴾
‫(مَا تَمْكُرُونَ ﴿٢١﴾) (ما يمكرون) قراءتان، الإنسان في عادته، إذا مسّه الضر، أو المرض، أو الفقر، أو الجائحة، ما هو سلوكه؟ ما هو خلقه؟ ما هو تصرفه؟ إذا أزال ربنا (تبارك وتعالى) البلاء عن الناس أيشكرون أو يكفرون؟ وقد رُوى أن أبا سفيان قال للنبي (صلى الله عليه وسلم) قُحطنا بدعائك، حين طلب من الله (تبارك وتعالى) أن يسلّط عليهم سنين كسني يوسف، قُحطوا سبع سنين، حتى أكلوا الجيف، وذهب إليه أبو سفيان وقال‫:‬ قحطنا بدعائك فاستسقى لنا، فإن سقيتنا صدقناك، فدعا فسُقُوا، فعادوا إلى كفرهم‫.‬‬
‫(وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ) صحة من بعد مرض، خصب من بعد جدب، رخاء من بعد قحط (رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ) والغريب في التعبير، أن في الرحمة عبّر بالذوق، وفي الضُرّ عبّر بالمسّ، والمسّ خفيف، ورحمة الله سبقت غضبه، ورحمته أوسع، وأشمل، وأعمّ، وعمر الإنسان غالبه نعمة، وقليل من عمره ضر، كم سنة في صحة! وكم يوم في مرض!‬
‫(وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ) مجرد مسّ (إِذَا لَهُم مَّكْرٌۭ فِىٓ ءَايَاتِنَا ۚ ) والمكر‫:‬ إخفاء الكيد، المكر‫:‬ التدبير بليل، مكر في آياتنا بالتكذيب، بالجحود، بالنكران، يستهزئون بالقرآن، وينكرون صدق النبي (صلى الله عليه وسلم) (قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ ) أي أن الله دبّر عقابهم من قبل أن يدبّروا مكرهم، ومكر الله إما استدراج للكفار وإما مجازاة لهم على مكرهم، وسبحانه وتعالى منّزه عن صفات البشر، فليس كمثله شيء، فالمشاكلة اللفظية (لَهُم مَّكْرٌۭ) (قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ ) لبيان أن مكر الله استدراج، مكر الله إخفاء ما يدبره لهم من عقوبة، وما يفاجئهم به من عذاب (إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴿٢١﴾) حين مكروا، ودبروا بليّل، ودبروا في الخفاء، وظنوا أن ذاك يخفى على الله، ما دبّروه لم يخف على الحفظَة، لم يخف على الكتبة، فكيف يخفى على الخالق؟!‬
‫فإن كانت الآية فيها التهديد، وتحقيق العذاب، والعقوبة، إلا أنها تشعر أيضا بأن ما أخفيتموه لم يخف على الحفَظَة، فكيف يخفى على الله؟!
هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍۢ طَيِّبَةٍۢ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿22﴾
من ضمن النعم، ومن ضمن ما يتصرفه الإنسان الجاحد، أو المنكر (هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۖ ) يسيّركم في البر، بجميع وسائل السير، بالأقدام التي سخرها لك، باعتدال قامتك، وأنت تقف بطولك هذا وبوضعك هذا فلِمَ لا تقع؟ لم لا تهتز؟ لم لا تترنح؟ هل جربت أن توقف عصا، أو أن توقف عموداً بغير أوتادا؟ هل يمكن؟ كيف وقف الإنسان؟ سبحانه من خلقك، وأنشأك، وعدّلك كيف هذا الاتزان؟ ومن أين لك به؟ وإذا تمايلت، أو انحنيت، أو جلست، أو قُمت، أو قعدت فأنت في تمام الاتزان، وإذا مشيت، مشيت متزنا، الذي أنشاك على قدميك، وسيّرك هو الله، والذي سخّر لك ما تركب من وسائل، كالأنعام، والبغال، أو سيارات، أو طائرات، وما إلى ذلك هو الله، يسيركم في البر والبحر، بأن سخر لك الماء، وسخّر لك الفُلك، وأعطاك من العلم ما تعرف عن نظرية الطفو ما يهئ لك بناء السفن، وصناعة الفلك، مثال لحادث بسيط (حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍۢ طَيِّبَةٍۢ ) تحوّل من الخطاب إلى الغيبة، الفلك‫:‬ السفن، الفُلك يذكّر، ويؤنث، ويقع على المفرد، وعلى الجمع، (وَجَرَيْنَ بِهِم) وجرين بهم، بركابها (بِرِيحٍۢ طَيِّبَةٍۢ ) هيّنة، ليّنة، لا بطيئة، ولا عاصفة، تُسيّر السفن بالريح الطيبة التي ساعدتهم على السير، فجأة (جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌۭ) الريح العاصف، أي ذات عصف، والعصف‫:‬ الكسر، والتحطيم، تحطم ما تمر من أشجار، وما إلى ذلك‫.‬‬
‫(جَآءَتْهَا) أي جاءت الريح الطيبة (جَآءَتْهَا) جاءت الفُلك (وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ ) الموج‫:‬ ما ارتفع من الماء فوق سطح البحر، وسُمِّي موجا لاضطرابه، ماج، يموج، اضطراب، وجاءهم الموج من كل مكان يأتي منه الموج (وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ ) أي تيقنوا أنهم أحيط بهم، كإحاطة العدو بالإنسان من كل جانب‫.‬‬
‫هنا حين أيقنوا الهلاك لجأوا لمن؟ (دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ) وإخلاصهم هذا إيمان اضطراري، وليس إيمانا اختيارياً، ليس إخلاص الصادق، وإنما إخلاص المضطر، ومعنى الإخلاص هنا أنهم نسوا الأصنام والأوثان، وما كانوا يدعون من دون الله، ولم يتجهوا بالدعاء إلا إلى رب الأرباب، حين تقطعت بهم الأسباب، دعوا الله مخلصين له الدين ليس إخلاص المؤمن بل إخلاص المضطر، (لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ) شرط (لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿٢٢﴾) المقرين بفضلك، الطائعين لك، العاملين بطاعتك‫.‬‬‬‬
فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَـٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿23﴾
‫(فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ) هل كان يعلم أنهم سوف يبغون في الأرض إذ نجاهم؟ نعم، هل كان يعلم نكوصهم بعد النجاة، فلِمَ أنجاهم؟ الآية تدل على أمرين‫:‬‬
‫الأمر الأول‫:‬ أن الإنسان مهما بلغ من عتو، وكفر، وطغيان، في حالة الاضطرار لا يجد إلا الله، إذاً فالناس مجبولون على اللجوء إلى الخالق الواحد الأحد، مهما كفروا‫.‬‬
‫إذاً الكفر إخفاء لهذه الجبلة، الكفر تحدي لفطرة الله التي فطرهم عليها، هاهم يلجأون إليه حال الضر وقد كانوا يكفرون بوجوده‫.‬‬
‫الأمر الثاني‫:‬ أن المضطر يجاب دعاؤه، ولو كان كافراً (دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿٢٢﴾)، وهو يعلم كذبهم، ويعلم نكوصهم، ومع ذلك أنجاهم، إذا دعاء المضطر مستجاب مؤمن كان أو كافر (أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) [سورة النمل آية‫:‬ ٦٢]، بشرط أن يتخلى عن كل الأسباب، وأن يلجأ لرب الأرباب (يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ) البغي‫:‬ الفساد، البغي في الأصل‫:‬ الطلب، بغى الجرح‫:‬ فسد، (يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ )، يفسدون فيها بالتكذيب، بالمعاصي، بالكفر، بالفجور‫.‬‬
‫(بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ) تأكيد لبغيهم، فهل هناك بغي بحق؟ أو هل هناك إفساد بحق؟ ربما تكون الآية للإشعار بأن إفساد المؤمنين لمتاع الكافرين في الحرب، كتقطيع نخلهم، أو حرق ثمارهم، من أجل الدعوة إلى الله والانتصار لله، ذاك بحق، (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ ) أي بغي بعضكم يصيب البعض الآخر، أي بغي الباغي يعود عليه، وعلى الباغي تدور الدوائر، أي ظلم بعضكم يعود على البعض الآخر كقوله‫:‬ (وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ٢٩]، أي ولا يقتل بعضكم بعضا (مَّتَـٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ) (متاعُ الحياة الدنيا) قراءتان متاعُ (بالرفع) أي هو متاع، (متاعَ) أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا، فهو مفعول على الحال، أو هو مصدر (تتمتعون متاع) متاع الحياة الدنيا، أي أن بغيكم هذا ما هو إلا لفترة من الزمان تستمتع ببغيك، أو بظلمك، أو بإفسادك، أو بمعاصيك، أو بكفرك، بفجورك، أو بجاهك، أو بسلطانك فترة محدودة، والمتاع أصلا من قولهم‫:‬ مَتَع النهار، أي ارتفعت الشمس وقت الظهيرة، وأصبح الوقت ظهراً.‬
‫ما دوام هذا الوقت؟ لا دوام له، إذ سريعا ما يأتي العصر، وسريعا ما يأتي الغروب، وها هي الدنيا (مَّتَـٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ) مرجعهم إلى الله (فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢۳﴾) طالما أنبأهم لابد وأن يحاسبهم، ويضرب ربنا (تبارك وتعالى) مثلا للحياة الدنيا يعقله العاقل، ويتفكر فيه المتفكر، ويؤمن به المؤمن.
إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَـٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَـٰدِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًۭا فَجَعَلْنَـٰهَا حَصِيدًۭا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿24﴾
‫(إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا) ما هو المثل؟ اسمع وتأمل (كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ) السماء‫:‬ جهة العلو فيطلق على السحاب سماء، كل ما علاك فهو سماء، وكل ما دون قدميك فهو أرض، السماء هنا مقصود بها جهة العلو (فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ) قراءة نافع الوقف على اختلط، اختلاط به، أي بالماء يخرج نبات الأرض، أما قراءة حفص، اختلط به نبات الأرض أي اختلاط الماء بالثمار والأشجار، فشربت منه وارتوت (حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا) بالزروع، وكل أنوع الزهور، والثمار مما أخرجه الله (تبارك وتعالى) طعاما للناس، وطعاما وعلفاً للماشية، وزينة (فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَـٰمُ) من حبوب، وقمح، وأرز، وخضروات، وما هو من طعام الماشية والأنعام وكل ذلك من الأرض وهي واحدة وبسبب الماء وهو واحد‫.‬‬
‫(حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا) الزخرف‫:‬ كمال حُسن، ونضارة الشيء الأرض الجدباء لونها معروف، فإذا خرج منها النبات أحمر، وأخضر، وأزرق، وأبيض، ألوان، وأشكال، ويشبه ربنا الأرض بالعروس إذا تزينت لعروسها ليلة الزواج‫.‬‬
‫(تزينت) (أَزْيَنَت) (ازْيَنَّتْ) (ازيانّت) (ازّيَّنَتْ) قراءات، والقراءات متعددة ليبيّن لك، اختلاف الزينة، وتنوّع الزينة، وكلما قرأت قراءة، شعرت بالاتساع في تزيين الأرض، والمزيّن لها هو الله (وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَـٰدِرُونَ عَلَيْهَآ) خرج الزرع، وآن أوان الحصاد، وها هي الثمار طابت، وأينعت، والجو جميل منعش، لا سيول، ولا أمطار، ولا رطوبة، ولا حر، ولا شيء (وَظَنَّ أَهْلُهَآ) أصحاب الأرض (أَنَّهُمْ قَـٰدِرُونَ عَلَيْهَآ) على حصادها في الصباح (أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا) الأمر بالعذاب، أو الأمر بالإهلاك، قضاؤه وقدره، وكلكم يعلم وما الأمس منكم ببعيد (أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًۭا) والآية معجزة، وملفتة؛ إذ الليل في وقت، نهار في وقت آخر، الليل هنا نهار في غرب الأرض، والنهار هنا ليل هناك (فَجَعَلْنَـٰهَا حَصِيدًۭا) أي محصودة، حصد، يحصد حصادا، محصود زرعها بالمنجل، كأن أصحابها قد حصدوها بالمناجل (حَصِيدًۭا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ ) كأن لم تغن الأرض، كأن لم يغن الزرع (قراءتان) غَنيَ بالمكان، أقام به، إقامة دائمة، مستغنيا به عن غيره‫.‬‬
‫(كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ ) أي كأن لم تكن عامرة بالأمس القريب (كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢٤﴾) هم المنتفعون، لذا خصهم بالذكر، هل يوضح الآيات لكل الناس؟ أبداً فهناك أعمى البصر، وأعمى البصيرة، هناك من يمر على آيات الله، ولا يراها (وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿١٠٥﴾وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴿١۰٦﴾) [سورة يوسف آية‫:‬ ١٠٥‫‬ - ١٠٦] هكذا يقول الله (عز وجل) لذا تجد هنا (كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢٤﴾) إذ هم المنتفعون بهذه الآيات، وبما يسمعونه من كلام الله (عز وجل) هذا حال الدنيا، أرض خصبة نزل عليها الماء، زُرعت بأنواع المزروعات، والثمار المختلفة، وها هو آن أوان الحصاد، وها هو صاحبها يستعد لجنيها، فإذا به يفاجأ بسيل عارم جاءها فدمرها عن آخرها، ها هي الدنيا، الإنسان في حياته يكد، ويكدح، ويجري، ويجمع المال غير مبالٍ في طريقه بمن يظلم، أو بمن يدوس بقدمه، وفجأة يذهب كل ذلك، وينزل إلى قبره عاريا، ويخرج من بيته خاوي الوفاض، وليس للكفن جيوب، ويلقى الله، ها هو حال الدنيا، أيدعوكم ربنا لجمعها، والعمل فيها إلى ما يدعو الله، بعد ما بيّن لنا حال الدنيا، وسرعة زوالها؟
وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿25﴾
ربنا يدعو لدار السلام، للآخرة، لا يدعوكم للدنيا، يكفيك من الدنيا ثوب يستر عورتك، ولقمة تسد جوعتك، وسقف يحميك، يكفيك من الدنيا القليل، وقد عُرضت الدنيا بزينتها وزخارفها على سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم، كان بلاغه منها كزاد الركاب، أنت مسافر في هذه الدنيا مهما كان سفرك بعيدا، ماذا تأخذ معك؟ بعض الملابس، بعض الزاد في سفرك، هكذا الدنيا كنت من قبلها في عالم الذر، وأنت من بعدها في عالم البرزخ، وما هي إلا فترة بسيطة، قصيرة بالقياس إلى الأبد، والأزل لا قيمة لها، ولا حساب لها، فليكن بلاغك من الدنيا كزاد الراكب، أنت مسافر إلى أين المستقر؟ إلى ربك يومئذ المستقر‫.‬‬
‫والآية فيها لفتة (وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ) السلام‫:‬ اسم من أسماء الله (عز وجل) والسلام والسلامة، كالرضاع والرضاعة (وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ) أي إلى دار السلامة، السلامة من أي شيء؟ مما سمعته عن الدنيا، سرعة التقضِّي، سرعة الانتهاء، الزوال، الزخرف، والزينة التي تنهدم، وتتهد في لحظة، فدار السلامة، السلامة من المرض، السلامة من الموت، السلامة من الآفات، السلامة، والسلام يسلّم ربنا عليهم فيها، وتسلّم عليهم الملائكة فيها، والله يدعو إلى دار السلام، إلى داره فهو السلام (سبحانه وتعالى).‬
‫(وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿٢٥﴾) إلى كتاب الله، إلى طاعة الله ورسوله، إلى السلامة دنيا وأخرى، والآية تبين وتدلل على أن الأمر غير الإرادة، فهو يأمر ويريد، ويأمر ولا يريد، (وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ) أمر عام (وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ) تخصيص، إذاً فالأمر للكل أن يتجه إليه، وأن يطيع، وأن يؤمن أما المشيئة فأمر آخر، أيضا في الآية بيان أنه (تبارك وتعالى) عممّ بالدعوة إظهاراً لحجته، وخص بالهداية تحقيقا لمشيئته، فالدعوة للناس جميعا حتى أبا لهب‫.‬ هل دعاه النبي (صلى الله عليه وسلم)؟ نعم‫.‬ هل هداه ربنا؟ أبداً، إذاً فالدعوة عامة، والهداية خاصة، الدعوة أمر، والهداية مشيئة، إذاً فقد عممّ بالدعوة إظهاراً لحجته، إذ لا حجة للعبد أوصلتك الدعوة أم لا؟ وصلت للكل بما فيهم أبا لهب لكنه قال (تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍۢ وَتَبَّ (١)) [سورة المسد آية‫:‬ ١] إذ لم يشأ له الهداية، فالأمر غير الإراده أمر الملائكة بالسجود لآدم، وأراد منهم ذلك، فسجدوا، وأمر إبليس بالسجود لآدم، ولم يرد منه ذلك، ولم يشأ له، فلم يسجد، أمر آدم بعدم الأكل من الشجرة، وأراد له الأكل حتى ينزل إلى الدنيا، وهكذا الأمر غير الإرادة، تدل الآية على ذلك حيث يقول‫:‬ (وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ) إذا فقد دعا الكل، من الذي أجاب، من شاء الله هداه، ومن أضله أعماه، يبيّن ربنا، تبارك وتعالى، مصير الناس، ويوضح ويُعلِم أنه ما بعد الدنيا من دار، إلا الجنة أو النار فيقول، عز من قائل‫:‬‬‬‬
لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌۭ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌۭ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿26﴾ وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌۭ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۖ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿27﴾
ذاك هو المصير، إما جنة، وإما نار (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ) للذين أحسنوا العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح (ٱلْحُسْنَىٰ) تأنيث الأحسن، ما هي الحسنى؟ وما هي الزيادة؟ إذا دخل أهل الجنة، الجنة ناداهم ربنا (تبارك وتعالى): تريدون شيئا أزيدكم، فيقولون‫:‬ ألم تبيّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار، فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أفضل من النظر إلى ربهم (عز وجل) تلك هي الزيادة (لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌۭ (٣٥)) [سورة ق آية‫:‬ ٣٥] .‬
‫(لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ) الجنة (وَزِيَادَةٌۭ ۖ ) النظر إلى وجه ربهم، ما أُعطوا شيئا أحب إليهم ولا أفضل من النظر إلى وجه الله (عز وجل) فالجنة بنعيمها، وما وُصف فيها، وكل ما فيها، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كل ذلك لا يساوي شيئا إلى جوار النظر إلى وجه الله (وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌۭ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ ) يرهق‫:‬ يغشى، يكسو، يرهق في الأصل، يلحق، ومنه غلام مراهق إذا لحق بالرجال، رهقه، يرهقه‫:‬ لحقه أو غشيه بقهر (وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌۭ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ ) قَتَر‫:‬ وقَتَره القَتَر، والقَتْر، والقَتَرة، والقَتْرة واحد، الدخان الأسود المتصاعد من اللهب، من أي شيء يُحرق ويُشوي (وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌۭ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ ) ولا هوان، مرفوع الرأس، فرح (هَآؤُمُ ٱقْرَءُوا۟ كِتَـٰبِيَهْ ﴿١۹﴾ إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ ﴿٢۰﴾) [سورة الحاقة آية‫:‬ ١٩‫‬-٢٠] فلا خزي، ولا كسوف، ولا خجل ولا هوان (أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ ) صاحب الشيء‫:‬ المصاحب له الذي لا يفترق عنه، وصاحب الشيء‫:‬ مالكه، متى أصبحوا أصحاب الجنة؟ هل ملّكها ربنا لهم؟ نعم، بل أورثها لهم، فهُم الوارثون لتحقيق الملكية، فهُم ملاّكها (هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿٢٦﴾) إذاً لا ينازعهم في ملكيتهم أحد، لا يبيعونها لاضطرار، لا تؤخذ منهم بقهر، لا يستولي عليها أحد‫.‬‬
‫(وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ) ذاك مكسبهم في ظاهر الأمر، مكسب كما يعتقدون، لكنها خسارة، وأية خسارة (جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا) أي جزاء السيئة، سيئة، والمثلية هنا لا تعني المثلية في الفعل بمعنى (الزنا) سيئة، كيف يجازي بمثلها في الآخرة، المثلية هنا تدل على أن لا ظلم هناك، بل العدل المطلق، إذاً فالمثلية أي المثلية في المجازاة دون نقص، ودون زيادة (جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌۭ ۖ ) (ويرهقهم) قراءتان زلة‫:‬ هوان، خزي، فضيحة (مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۖ ) أي ما لهم من عذاب الله وعقابه من عاصم، من مانع يعصمهم، أو يحميهم (كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ) غُطيت وجوههم (قِطَعًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ ) قِطْعاً (قراءة)، القِطْع‫:‬ ما قُطع من الشيء، فسقط، والقطْع‫:‬ الطائفة من الليل (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ) [سورة هود آية‫:‬ ٨١]، القِطَع جمع قِطْع، (أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ ) إذاً سواد الوجوه لهم علامة أيضا أصحاب النار كأنهم ملّاكها، لا ينفكون عنها، ولا يفارقونها، وهم فيها خالدون، يحكي ربنا عن الحشر بعد ما بيّن المصير لعل السامع يعقل، لعل المِنكر يفيق، أو يتعظ.
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ۚ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴿28﴾ فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ ﴿29﴾ هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّآ أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿30﴾
آه من يوم الحشر، سلِّمْ يا رب سَلِّمْ، يوم الحشر حفاة، عراة، غُرلا، يخرج الناس من أكفانهم ومن قبورهم، يجمعهم ربنا (تبارك وتعالى) من بطون الأسماك، من حواصل الطير، من ذوات الرمال، يجمعهم ربنا بكلمة (كن) هل قصفت أظفارك يوما؟ أين ألقيت بقصاصة الأظفار؟ هل تذكر؟ وكم مرة، وفي كل مرة، أين ألقيت؟ هل قصصت شعرك يوماً أو حلقت؟ أين قصاصة الشعر؟ أتذكر؟ لكن الله يعلم، والله يحشر المرء يوم القيامة كما خلقه الله بكل شيء (كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٩٤].‬
‫من أُجريت له عمليه جراحية، واستأصلت زائدته الدودية، أيبعث بدونها؟ أبدا والله، بشعرك وأظفارك، بكل شيء، بكل خلاياك، ما بقيت معك، وما أُهلكت، بدمائك، ما تحوّل إلى طاقة، وما لم يتحول عند الموت، بكل شيء، والوحوش، والكلاب، والقطط، والحمير، والبغال، والذباب، والنحل، والثعابين، والعقارب، والحيّات، والأسود، والأسماك، الكل محشور، الكل محشور في هذه الأرض التي يشكون من ضيقها على سكانها، فكيف بمن خُلق في هذه الأرض من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة كيف يكون الزحام؟! (وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)) [سورة التكوير آية‫:‬ ٥] وما من طائر ولا دابة، (وَلَا طَـٰٓئِرٍۢ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٣٨]، إذاً فهي محشورة (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ۚ ) الأمر من العلي الأعلى، الأمر من الملك الأوحد، ملك الملوك، الذي يقول لمن الملك اليوم، فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه، لله الواحد القهار، في ذلك اليوم (مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ۚ ) (فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ ) زيّل، وزايل‫:‬ فرّق، زيلت الشيء أزيله، زيلا، وزيلته تزييلا‫:‬ فرقته، أي فصل ربنا (تبارك وتعالى) بين ما كان متصلا بينهم في الدنيا، فقُطعت الوصائل‫.‬‬
‫(فَلَآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ ) [سورة المؤمنون آية‫:‬ ١٠١]، قُطعت الوصائل، وقُطعت الأسباب، وفرّق ربنا، تبارك وتعالى، بين ما كان مجتمعا، بينهم وبين شركائهم، (فزايلنا) قراءة، وهنا حين انقطعت الأسباب، وتقطعت الوشائج، والوصائل، اعترف الشركاء، فإن كانت ملائكة قالوا‫:‬ (بَلْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ ۖ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ (٤١)) [سورة سبأ آية‫:‬ ٤١] وإن كان بشرا كعيسى قال‫:‬ (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ١١٧].‬
‫فإن كانت من الأصنام كهُبل، ومناة، هذه الأحجار ينطقها الله، تبارك وتعالى، بل ينطق الجلود حتى يتعجب الرجل كيف تنطق، وأنت المعذَّب، كيف تنطق الجلود وهي الداخلة في جهنم، تقول الجلود وتنطق (وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٢١]. هنا يُنطق الله (تبارك وتعالى) كل شيء (وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴿٢۸﴾) أنكروا، تقطعت بهم الأسباب (إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ (١٦٦)) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٦٦]، تنطق الأوثان، وتنطق الحجارة‫.‬‬
‫(مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴿٢۸﴾ فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) طلبوا شهادة الله (تبارك وتعالى) هل كانوا يعبدون الأصنام على الحقيقة؟ كانوا يعبدون أهواءهم، هل كانوا يعتقدون في ألوهية الأصنام حقا؟ أبداً كَذِب وادعاء، تجارة كالمتاجرين في عصرنا هذا بالفن، والأدب، العرى، والإثارة، والفتنة وما إلى ذلك، كل ذلك فن، هل هم يعتقدون أنه فن فعلا؟ أبداً والله، لهو وتجارة، فكذلك هؤلاء حين قالوا‫:‬ (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ) [سورة الزمر آية‫:‬ ٣]، تجارة خافوا على سلطانهم، وجاهم، هم يصنعون الأصنام ويبيعونها، هنا قالت الأصنام وشهدت (مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴿٢۸﴾ فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ ﴿٢۹﴾).‬
‫(إِن) هنا نافية، أي ما كنا عن عبادتكم إلا غافلين أي (إِن) المخففة من الثقلية واللام هي الفارقة كما يقول النحويون، فقد أقرت الأصنام، والأوثان بأمرين‫:‬‬
‫الأمر الأول‫:‬ نفي عبادة المشركين لها‫.‬‬
‫الأمر الثاني‫:‬ نفي العلم بأنها كانت معبودة من دون الله‫.‬ إذا فالصنم الذي يُسجد له لا يدري أن ذاك عبادة أو أن هذا الجاهل يسجد له عابداً له كيف يدري؟ هل يسمع؟ هل يبصر؟ ألم يقل إبراهيم للأصنام (مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ (٩٢)) [سورة الصافات آية‫:‬ ٩٢] هل يدري؟ أبداً لكنه يوم القيامة حين يأتي به الله - ذاك الصنم - وينطقه هنا كل يدري، الحقائق المجردة، حقيقة الحق تظهر يوم القيامة (هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّآ أَسْلَفَتْ ۚ ) هناك في ذلك الموقف (تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّآ أَسْلَفَتْ ۚ )، تبلو‫:‬ تختبر تمتحن، وأصل البلوْ: الاختبار من البِلَى، بَلِىَ الثوب‫:‬ خلقَ، انتهى، فالبلوْ: الاختبار كأن المختبر أبلى الشيء من كثرة اختباره، أنت حين تختبر قماشا بيديك، فإذا طال الاختبار بَلِى الثوب في يديك، فكذلك هنالك تبلو، تختبر كل نفس ما أسلفت‫:‬ ما قدمت من عمل، ترى النتيجة، وقُرأت (تتلو كل نفس ما أسلفت) تقرأ من أوتي كتابه بيمينه، ومن أوتي كتابه بشماله، ومن أوتي كتابه وراء ظهره، تتلو‫:‬ تتبع‫.‬ أي تتبع كل نفس عملها، فالعمل الصالح يسبق صاحبه إلى الجنة، والعمل الطالح يسبق صاحبه إلى النار (وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۖ ) هو الحق، إذ الحق منه، وهو العدل، إذ العدل منه، هل كان مولاهم في الدنيا بمعنى متولي أمورهم؟ مولاهم في الرزق، والخلْق، وفي يوم القيامة المولى الحق، إذ تنقطع الأسباب بينهم وبين ما عبدوا، وتتقطع الأسباب، وتنتهي الدعاوي، وتسقط المزاعم (وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿۳۰﴾) ضل‫:‬ تاه، وضاع، (وَضَلَّ عَنْهُم) غاب عنهم (مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿۳۰﴾) ما كانوا يكذبون، ويدّعون ويزعمون، يقول المصطفى (صلى الله عليه وسلم) ناصحا لأمته‫:‬ (كُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ أُمٍّ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا) يوجه ربنا (تبارك وتعالى) من خلال قرآنه العظيم أسئلة تُلزم الكفار الحجة، من كان ذا عقل اعترف وآمن، ومن عاند وكابر لزمته الحجة يوم القيامة، ثمانية أسئلة، أجاب الله على خمس منها، وأجاب الرسول (صلى الله عليه وسلم) بأمره على اثنين منها، وترك الثامن بغير إجابة، لشهرة الإجابة، لشهادة الشخوص، والظلال، بالإجابة يقول، عز من قائل:
قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿31﴾ فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ﴿32﴾ كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓا۟ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿33﴾
خمس أسئلة أجاب الكفار رغم أنوفهم عنها (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ) منهما جميعا باعتبار الرزق ناتج من اشتراكهما في ذلك، فالماء من السماء، والنبات يخرج من الأرض، أو من كل منهما على حدة، فرزقنا من السماء هو المطر، بل هو الريح، بل هو الهواء، بل هو ما تتنفسه من أنفاس بها تقوم الحياة، وهي الرزق، وعمر الإنسان أنفاس معدودة، في أماكن محدودة، ومن الأرض كذلك ليس النبات فقط بل المعادن، وكل ما يخرج من الأرض من كنوز، وسوف يأتي المستقبل بما لا يخطر ببال حيث وعد نبينا (صلى الله عليه وسلم، أنه يأتي في آخر الزمان أمر الله إلى الأرض، أن أخرجي كنوزك، فيمشي الرجل بالصدقة من ذهب، فلا يجد من يأخذها منه (أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ) من يملك السمع والأبصار؟ أرأيت الوليد حين خرج من بطن أمه، هل كان يبصر؟ هل كان يسمع؟ من رزقه السمع؟ ومن رزقه البصر؟ من حافظ على سمعه؟ ومن حافظ على بصره؟ أرأيت العيون كيف حماها ربنا بالجفون! أرأيت الدموع كيف تعمل عمل التزييت؛ حتى لا تلتصق الجفون بالعيون! أرأيت الدموع كيف تغسل التراب، والقذى عن العين دون إرادة منك! أتعرف أين تنصرف تلك الدموع التي تفرز بصفة مستمرة ليلا ونهاراً، عن طريق قناة تنزل إلى الأنف دون مجهود منك‫.‬ من حفظ سمعك، وجعل أداة السمع في جوف الأذن بعيدة عن وصول شيء يؤذيها إليها (أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ) والمالك مانح، والمانح مانع (وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ) النبات فيه الحياة والنمو من الأرض، والأرض ميتة، الطائر يخرج من البيضة، إذا به ينقر الأرض يبحث عن رزقه، بلا معلم، حياة والبيضة ميتة، السنبلة من الحبة، الحبة ميتة، والسنبلة خضراء يانعة، تهتز لأقل ريح، وهواء، النطفة يخرج منها الإنسان، البيضة من الفرخة، وفضلات الإنسان، والنطفة من الإنسان، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن‫.‬‬
‫(وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۚ ) من الذي يسيّر الكواكب؟ من الذي يجعل الشمس تشرق، والقمر يبزغ؟ من الذي يسخر الرياح؟ من الذي ينزل المطر؟ من الذي يدبّر الأرزاق؟ من الذي يسيّر أمر الكون؟ ها هو الكون في منتهى النظام والانتظام، من الذي يهيمن على كل ذلك، فلا يتعدى مخلوق حدوده حياً كان، نباتاً كان، ماء، جماد من يدبر الأمر؟ (فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ ) باعترافهم، هل الأصنام تفعل ذلك؟ إذاً فقد أقروا، من عقل الكلام وفهم وآمن، ومن عاند واستكبر لزمته الحجة (فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿۳١﴾) طالما اعترافتم بوجود الإله المهيمن، المدبر، الرازق، المخرج للحي من الميت، والميت من الحي، أفلا تتقون عذابه، أفلا تخشون عقابه‫.‬‬
‫(فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ۖ ) طالما اعترافتم أنه فعال لكل ذلك، ولا شريك له في كل من ذلك (فَذَٰلِكُمُ) الذي يفعل كل ذلك (ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ﴿۳٢﴾) أين تذهبون، وتنقلبون، وتتحيرون، وتترددون، وتذهبون إلى غير قصد، ذلكم الله ربكم الحق، حق الشيء ثبت ووجب، الحق هو الله، وكل ماخلا الله باطل، الله (تبارك وتعالى) موجود بنفسه لم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، فهو الحق الواجب الوجود، الثابت وجوده، ماعدا الله باطل، إذ يسبقه عدم، فالإنسان لم يكن شيئا مذكورا (هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ حِينٌۭ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًۭٔا مَّذْكُورًا (١)) [سورة الإنسان آية‫:‬ ١]، سبقه عدم، وبعد الموت يلحقه العدم، ما من موجود في الوجود إلا وسبقه العدم، ويلحقه العدم، ويستمد وجوده من غيره، من الله، المستمد وجوده من ذاته هو الله، الذي لم يسبقه عدم، ولم يلحقه عدم، من هنا كان الله هو الحق المطلق، وكل ماخلا الله باطل‫.‬‬
‫‫(ٱللَّهُ رَبُّكُمُ) : الذي رباكم وأنشأكم من غير شيء، ودبر لكم الأمور، ورزقكم من السماء والأرض وخلق لكم السمع والأبصار‫.‬‬
‫(فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ ۖ ) من هنا قال العلماء‫:‬ هذه الآية، وهذا الجزء من الآية قالوا في مسائل العقيدة، وفي مسائل التوحيد، ليس هناك منزلة ثالثة، هما منزلتان فقط، حق وباطل‫.‬ أما الفروع كما جاء في قوله‫:‬ (لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا ۚ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ٤٨] وفروع الفقه، فهناك منزلة بين المنزلتين اختلاف آراء، واجتهادات والحق فيها قد يكون متعدداً، وكل مجتهد مصيب، فهناك حق وهناك باطل، وهناك أمور بين بين كقوله (صلى الله عليه وسلم): (الحلال بيّن والحرام بين وبينهما مشبهات لايعلمها كثير من الناس) أما مسائل العقيدة، والتوحيد، ومعرفة الله (عز وجل) إما حق، وإما باطل، فلا اجتهاد هناك، ولا آراء هناك، ولا خلاف ولا اختلاف‫.‬‬
‫خمسة أسئلة وتلك إجابتهم عليها، وتلك حجة الله عليهم، ولكن قد يتساءل الإنسان طالما لزمتهم الحجة، وطالما أجابوا فلِمَ لمْ يُعمل الكلام عمله؟ لِمَ لمْ يؤمنوا؟ لِمَ لمْ يعقلوا؟ لِم لم يقروا؟ لِمَ أصروا على التكذيب والإنكار؟ (كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓا۟ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿۳۳﴾) كأنه تشبيه أي كما حقت الألوهية، والربوبية لله، حق قضاؤه وعدله فيهم أنهم يموتون على الكفر؛ لأنهم خرجوا عن الطاعة، وخرجوا عن كل منطق سليم، وعقل سليم، (فَسَقُوٓا۟) فسقوا، والفسْق‫:‬ الخروج، فسقت الرطبة عن قشرتها‫:‬ خرجت عن قشرتها وتلفت، وكذلك الخروج عن العقيدة، الخروج عن الإيمان، الخروج عن العقل السليم، والمنطق القويم فسق، الخروج عن العقيدة أي الكفر‫.‬‬
‫حقت كلمة ربك عليهم أنهم لا يؤمنون، يموتون على كفرهم، وسبقت كلمة الله فيهم؛ لأنهم لم يُعملوا عقولهم، واكتفوا بالتقليد.
قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴿34﴾
سؤال عن بدء الخلق، وعن الإعادة من الطبيعي أنهم سيترددون في الإجابة؛ لأنهم ينكرون البعث، وقالوا‫:‬ (وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًۭا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًۭا جَدِيدًۭا (٤٩)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٩]، (قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌۭ (٧٨)) [سورة يس آية‫:‬ ٧٨] فهم منكرون للبعث، لكن الله ساق الأمرين وكأنهما شيء واحد، وبرهان واحد، بدء الخلق كالإعادة، ومن قدر على الإبداء، قدر على الإعادة بعد الإفناء (هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ) من العدم (ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۚ ) خلق الإنسان من عدم، ثم يحييه، ثم يميته، ثم يعيده هل من شركائكم من يفعل من ذلكم شيئا؟. (قُلْ) الأمر للنبي (صلى الله عليه وسلم) بالإجابة (قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴿۳٤﴾) أنّى‫:‬ أين، ومتى، وكيف تؤفكون تنقلبون تصدون عن الحق تبعدون عن الصراط المستقيم‫.‬ أفِك، وأُفِك الشيء‫:‬ قُلب، (وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ (٥٣)) [سورة النجم آية‫:‬ ٥٣]، (فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴿۳٤﴾) تنقلبون من الحق إلى الباطل‫.‬‬‬‬
قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿35﴾
‫(قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ ۚ ) السؤال السابع، من يرسل الرسل لتعرفنا بالله؟ من يُنزل الكتب؟ من يوفّق الإنسان للتدبر في الآيات؟ من يلهمك البصيرة؟ من يجعلك تبحث، وتتقصى من أوجد هذه الكائنات؟ الله لا شك في ذلك‫.‬‬
‫(قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ ۗ ) إجابة أجابها النبي (صلى الله عليه وسلم) بأمر الله هو الهادي (سبحانه وتعالى) للحق‫.‬ السؤال الثامن والأخير (أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ) (أمَّن لا يَهِدِّي إلا أن يُهدى) (أمّن لا يَهَدِّي إلا أن يُهدى) قراءات ثلاث‫.‬‬
‫(أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ) (يهتدي) وأدغمت التاء في الدال لاتحاد المخرج‫.‬ (أمّن لا يَهَدِّي كذلك (يهتدي) (أمَّن لا يَهْدِي) يهدي غيره إلا أن يهدى؛ إذ فاقد الشيء لا يعطيه، فلابد لكي يهدي، لابد وأن يُهدي، (فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿۳٥﴾) أي ما الذي تجنونه من عبادة الأصنام (فَمَا لَكُمْ) ما الذي حدث لكم؟ ما الذي تجنونه من هذا الشرك؟ ثم يتوجه السؤال (كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿۳٥﴾) كيف تتصرفون، وتحكمون على أنفسكم بهذا الضلال، وتقضون بهذا الباطل، الأصنام هل تنتقل من مكان إلى مكان بنفسها، أم لابد وأن تُنقل؟ هل تمشي أم تُحمل؟ فإذا كانت لا يمكن أن تهتدي بنفسها لما تريد، وأن تتحرك أو تنتقل لابد وأن تحمل، فمن أحق بالاتباع؟ من يهدي إلى الحق، أم لا يَهدي إلا أن يُهدى‫.‬‬
‫وتأتي النهاية لهذه الأسئلة بتحليل الموقف‫:‬‬
وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿36﴾
‫(وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ ) الرؤساء، صناديد قريش، القادة الذي اخترعوا الأصنام وجعلوا الناس يعبدونها، هل هناك كتاب؟ هل هناك رسول أمر بعبادة الأصنام؟ هل هناك سند لعبادة الأصنام؟ هل هناك برهان؟ العقل والنقل يمنعان من عبادة الأصنام، لا نقل موجود، ولا عقل يدل عى ذلك، وبالتالي ما يتبع أكثرهم إلا ظناً (إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا ۚ ) هل يغني الظن عن القين؟ هل يجدي الظن؟ هل ينفع؟ ويأتي التهديد (إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿۳٦﴾) وطالما كان عليما بما يفعلون، فلا بد وأن يجازيهم على فعلهم، تهديد، ووعيد، هذا في شأن الخالق المدبّر المهيمن، وتلك الدلائل والبراهين على وجوده، وهيمنته، وتدبيره، وتصريفه، والحجج الدامغة على أن الأصنام لا تنفع، ولا تشفع، وأنها لا تهدي إلا أن تُهدى، وأنها تُنقل، وتُحمل، وتُدمَّر ويسبقها عدم قبل صنعها، ويلحقها عدم بعوامل التعرية وبالزمن، وإذا وقعت على وجهها كُسرت‫.‬ فما بال القرآن ذاك الكلام المعجز‫.
وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿37﴾
هذا القرآن ما كان أن يُفترى من دون الله؛ مستحيل لأسباب عديدة‫:‬‬
‫أولها‫:‬ بلاغة القرآن، وإعجاز القرآن، وقوة معنى الكلمات، والنَسَقْ والاتساق، وسياق القرآن، كل ذلك يستحيل أن يقوى عليه أحد، وما يصح، وما يكون، ولن يحدث أن يُفترى، ويختلق من دون الله، وإن حدث أن اختلق أحد كلاما على الله، هل يتركه الله؟ هل يجعله يمشي بين الناس، وينشر دعوته قد يترك الباطل؛ لأنه واضح البطلان، ولكن أن يُفترى عليه وأن يؤمن أناس بهذا الافتراء أمر يستحيل أن يحدث (وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ) ولكن حقيقة القرآن تصديق الذي بين يديه، انظروا في الكتب السماوية السابقة، هل أتى بأمر مخالف في الأصول (وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَـٰبِ) (ٱلْكِتَـٰبِ) : اسم جنس أي الكتب السماوية التي نزلت، نزل بتفصيلها، وبيانها، وبيان العقيدة فيها، وما أمرت به، وما نهت عنه، أو (وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَـٰبِ) القرآن مبيَّن، موضَّح فيه الحلال والحرام، وبيان الأحكام (لَا رَيْبَ فِيهِ) أي لاشك فيه (مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿۳۷﴾).
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿38﴾ بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿39﴾ وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ ﴿40﴾
بعد التأكيد على أن القرآن من عند الله، وهو مصدق لما بين يديه من الكتب، واستحالة أن يفتري على الله، فيأتي السؤال لهم، سؤال تبكيت، وتوبيخ، وتعجيز (أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ ) (أَمْ) لها وضعان (أَمْ) متصلة، (أَمْ) منقطعة‫.‬ (أَمْ) متصلة بالكلام السابق، تعني همزة الاستفهام (يَقُولُونَ) (أَمْ) المنقطعة تعني (بل) التي للإضراب (أَمْ) و للاستفهام تعني (بل يقولون)، (أَمْ يَقُولُونَ) استفهام افتراه‫:‬ اختلقه أي يقولون‫:‬ إن النبي (صلى الله عليه وسلم) اختلقه‫.‬ ها هي الحجة، ها هو الدليل الساطع (قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿۳۸﴾) إذا كان محمد قد افترى هذا القرآن، وجاء به من عنده، ومحمد بشر، وأنتم بشر‫.‬ هو أمي لم يقرأ ولم يكتب ولم ينشد شعرا، ولم ينظم نثراً، وأنتم تشهدون له بذلك، ومع ذلك تزعمون أنه افتراه، واختلقه هلموا أنتم جميعا أهل الفصاحة، أهل البلاغة، أهل اللغة، والقرآن نزل بلغتكم أنتم أصحاب المعلقات، وأشعار الجاهلية الأولى، أنتم أصحاب الكلم، والحروف، والكلمات، هلم فاجتمعوا واستعينوا بمن تشاؤوا، فإن عجزتم، وأنتم جميع فكيف يقدر هو، وهو واحد؟! من عجز عنه الكل فالفرد فيه أعجز، فادعوا شركاءكم، ومن استطعتم، ومن تريدون ليعاونوكم في الإتيان بسورة مثل القرآن في جمال النظم، واتساق الكلام، وقوة المعنى، وبلاغة اللفظ، وهناك سورة ثلاث آيات (إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ ﴿١﴾ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ ﴿٢﴾ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ ﴿۳﴾) [سورة الكوثر آية‫:‬ ١‫‬-٣] ثلاث آيات، أقصر سورة في القرآن، حين تحداهم بها الله لم يطلب سورة كسورة البقرة، كسورة آل عمران، (قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّثْلِهِۦ) في نظمه، في بلاغته، في قوة المعنى، الكلمات واتساق الألفاظ (وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ)؛ لأن الله أنزله، وهو القادر على إنزال الكتب، (مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿۳۸﴾) عجز الكل، ولزمتهم الحجة، من آمن وعقل فاز ونجا، ومن عاند واستكبر، لزمته الحجة، حين يدخل إلى قعر جهنم، هل له حجة بعد هذا الكلام؟ ولله الحجة البالغة على عبادة، ها هي الإجابة عن حالهم، وعن سفاهة أحلامهم، وعن ضيق آفاقهم (بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ۚ ) حين جاء النبي (صلى الله عليه وسلم) بنوره، ونور القرآن، ودعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن‫.‬ هل تأملوا؟ هل تدبروا معانيه؟ هل تدبروا الألفاظ؟ أخبر القرآن بأمور، هل انتظروا أتقع أم لا تقع؟ هل تفكروا في كل ذلك؟ أبداً بل فاجؤوه بالتكذيب، يتيم أبو طالب يزعم أنه نبي هكذا قالوا، وقال آخرون (وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴿۳١﴾) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٣١]، على أبي سفيان مثلاً على فلان، غني ذو مال، ذو جاه، ذو سلطان، أما هذا الضعيف اليتيم، فكيف ينزل عليه القرآن وكيف يختار من بيننا، أهو حسد؟! أهو غِل؟! من هنا اتضح الأمر، أنهم كذّبوا بالقرآن بدون تأمل، بدون تفكّر، بدون تدبر، بدون إعمال للعقل (بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ۚ ) (وَلَمَّا) تفيد عدم حدوث الشيء في الماضي، وتوقع الحدوث في المستقبل‫.‬‬
‫التأويل‫:‬ النهاية، النتيجة، التأويل‫:‬ مصير الشيء، آل، يؤول‫.‬ أوْلاً، آل الشيء إلى كذا‫:‬ أي كانت النهاية والغاية‫.‬‬
‫(وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ۚ ) التأويل هنا بمعنى التفسير، أو التأويل هنا بمعنى النتيجة، أخبر القرآن بجنة، ونار، هل أتت الجنة والنار، أم لم تأت بعد؟ لم تأت، إذا ‫(وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ۚ ). تكلم عن البعث، والحشر، والنشر، والصراط، كذبوا بكل ذلك لم ينتظروا ويروا حقا ذاك أم لا؟ تحدث عن إصابتهم يوم بدر بل حدد النبي مصارعهم، أماكنهم‫.‬‬
‫وهنا قال العلماء‫:‬ الآية تدل على أن فهم القرآن واجب، فمن علم بنفسه بدراسته فذاك، وإلا فعليه أن يسأل، وأن يتعلم، وأن يفهم، وأن يسمع؛ إذ الفهم مطلوب لأن الله يقول (بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ) إذا فقد كان الواجب عليهم أن يحيطوا بعلمه (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ۚ ) تفسيره، من هنا قالوا‫:‬ العلم بالتأويل، أو العلم بالتفسير، أو البحث في المعاني من المطلوب‫.‬‬
‫(كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ ) الأمم السابقة، قوم فرعون، وقوم هود، وقوم صالح‫.‬ كل هؤلاء كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، كما كذّب فرعون (إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌۭ (٢٧)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٢٧]، هكذا قال، اتهمه بالجنون تارة، واتهمه بمحاولة الاستيلاء على السلطة تارة، (يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِۦ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٣٥] لكنه لم يتدبر في الكلام حين سأل من رب العالمين (قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ (٢٤)) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٢٤] هل تأمل في الكلام؟! أبدا‫.‬ حين كلّمه عن الحق قال (قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ (٥١)) [سورة طه آية‫:‬ ٥١] مالك ومال القرون الأولى بل انظر لنفسك‫.‬‬
‫(كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿۳۹﴾) أين هم؟ كيف دمرهم الله؟ إذاً فهو تهديد لكفار قريش، ولكفار مكة، ولكل كافر أن يحيق به ما حاق بمن سبق من الأمم السابقة‫.‬‬
‫(وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ ) والكلام عن قريش، الكلام عن أهل مكة عن المكذبين عموما، منهم من يؤمن به، من آمن فاز ونجا (وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ ) كفر(وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ) في نفسه فيعاند، ويستكبر، ويكذب، ويجحد بلسانه (وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ ) لفساد فطرته، وسفاهة عقله (وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ) في المستقبل، فهو إخبار (وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ ) إذاً فالهادي إلى الإيمان هو الله، والآية إخبار عن أن منهم من يؤمن في المستقبل، وإخبار عن من آمن في داخله، واعتقد ورأى الحق، لكنه جحد، وكابر، واستكبر، ومنهم من آمن على الحقيقة (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ ﴿٤۰﴾) إذاً فهو يعلم السر وأخفى، ويعلم ما انطوت عليه القلوب.
وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴿41﴾
إن كذبوك، واتهموك بالكذب فماذا يكون الحل؟ ماذا يفعل؟ لابد وأن يفهم هؤلاء أنه لا تزر وازرة وزر أخرى (فَقُل لِّى عَمَلِى) أي جزاء عملي (وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ ) جزاء عملكم (أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ) لا تُسألون عن عملي باطلا كان أو حقا (وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٤١﴾) وأنا لا أسأل عن أعمالكم حقا كانت أم باطلة، وإنما أنا أدعوكم إلى الحق، وأدعوكم إلى الله، وقيل‫:‬ إن الآية منسوخة بآية السيف (فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) [سورة التوبة آية‫:‬ ٥].‬‬
وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ ﴿42﴾ وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يُبْصِرُونَ ﴿43﴾ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿44﴾
‫(وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ ) (وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ ) الآيتان تشيران إلى قوله، عز وجل‫:‬ (أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ) ما هو حقيقة السمع؟ وما هو حقيقة البصر؟ وتأمل في قول الحق (تبارك وتعالى): (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ ) إذاً فقد أصاخوا السمع، وألقوا بآذانهم إليه، فسمعوه وهو يقرأ القرآن (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ ﴿٤٢﴾) إذاً فالمسألة، ليست مسألة سماع، وإنما المسألة، مسألة أن تعقل ما تسمع، وإلا فالكل يسمع‫.‬ هل يسمع الكلب؟ نعم‫.‬ هل يسمع الحمار؟ نعم‫.‬ ألا يخاطبه صاحبه ويأمره بالوقوف فيقف، هل تسمع البهائم؟ نعم‫.‬ تسمع لكنها حين تسمع، تسمع دعاءً ونداءً تسمع نعيق الداعي‫.‬ هل أطلق ربنا على الأنعام، والبهائم صفة السمع والبصر؟ أبداً. أطلقها على الإنسان (إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍۢ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا (٢)) [سورة الإنسان آية‫:‬ ٢] هل أطلق الوصف على الحيوان؟ أبدا، لمْ يُطلق؛ لأن الحيوان يسمع الأصوات، لا يميز بينها، ولا يفهم المقصود منها ولا يتأمل في معاني الكلمات، أما الإنسان إذا سمع عقل، فالعبرة ليست بالسماع فقط، بل في فهم ما سمعت، وبالعلم بما سمعت‫.‬ من هنا يقول الله (تبارك وتعالى): (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ )، لكن حين يستمعون، يستمعون سماع البهائم، لا يسمعون إلا دعاءً ونداءً، صم، بكم‫.‬ هكذا وصفهم الله (تبارك وتعالى) في موضع آخر، كالنعيق الذي تسمعه البهائم، فتتحرك طبقاً لنعيق الناعق (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ) وانظر إلى السؤال، إذا كنت لا تقدر على خلق السمع للأصم، هل تقدر على هداية الكافر إلى الإيمان؟! هل يمكن لأحد أن يخلق سمعاً لأصم؟ كذلك لا يمكن لمخلوق أن يهدي من كتب الله عليه الضلالة (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ ﴿٤٢﴾) بمعنى أن الأصم حتى لو سمع لا يعقل ما يسمع، وذاك كان سمعهم والإشارة إليه واضحة (وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ حِجَابًۭا مَّسْتُورًۭا (٤٥)) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٤٥]، (وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ ) النظر كالسمع‫.‬ الجارحة، الأذن تسمع أصوات، وذاك من شأن علماء الدنيا، علماء العلوم، حين قالوا‫:‬ الصوت ما هو؟ هو ذبذبات تنتقل عبر الهواء موجات، تأتي على طبلة الأذن، فتصنع دقات متتالية مختلفة القوة، مختلفة الذبذبة، فتنقلها أعصاب السمع إلى الخلايا السمعية بالمخ، فإذا خلايا السمع تترجم هذه الإشارات، وقالوا عن البصر، أن العين تبصر الشيء؛ لأن الشعاع أو الضوء إذا انعكس على الأشياء جاء الشعاع المنعكس إلى العين، فتدخل صورة الشيء مقلوبة إلى العين من خلال بؤرتها فتنعكس هذه الصورة على الشبكية، فتُعدل الصورة بعد أن كانت مقلوبة، وتكبّر إلى حجمها الطبيعي، كل ذلك يحدث في خلايا الإبصار، في العقل، أعصاب سمع، وأعصاب بصر، وخلايا في المخ، إذاً هذه الأجهزة‫:‬ العيون، والآذان، ما هي إلا أجهزة استقبال، أما المترجم للإشارات الواصلة، والمحدد لها هو العقل، من هنا (وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ) نظر، لكن نظر دون اعتبار، ودون استبصار (أَفَأَنتَ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يُبْصِرُونَ ﴿٤۳﴾) هناك الأعمى المستبصر الذي يحس، ويدرك، ويفطن إلى ما لا يفطن إليه المبصر الأحمق، العمى عمى البصيرة، وليس عمى البصر، أفأنت تهدي عمي البصائر؛ لأن البصر لا يغني عن البصيرة، فكم من مبصر وهو أعمى، وكم من أعمى وقد نال وضوح البصيرة، ورأى بقلبه ما لا يراه المبصرون (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٤٤﴾) (ولكن الناس) بتخفيف الناس قراءة، أسمعتم الآيات؟ أسمعتم الأسئلة؟ أرأيتم حِلم الله؟ سؤال وجواب، وسؤال وجواب، وحجة وبرهان، ودليل وسوْق للآيات، لِم لم يدمرهم؟ لِم لم يخسف بهم الأرض؟ لِم لمْ ينزل القرآن آية واحدة؟ هناك إله يأمر وينهى فاعبدوه، فمن أطاع نجا، ومن عصى هلك، لكن انظر إلى الحلم (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ) سؤال (أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ) سؤال (وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ).‬
‫هل يمكن أن يُفترى هذا القرآن؟ إذا كان كذلك لِم لا تفترونه أنتم؟ لِم لا تأتون بسورة في مثل القرآن وجمال نظمه، وبلاغته، وقوة معانيه، فإن حدث ثبت كذب المدّعي، وإن لم يحدث ثبت أن القرآن من عند الله، وأن البشر لا يمكن يأتون بمثله‫.‬ وطالما كان كذلك فلابد أنه مُعجز، ولا يقدر على المعجز إلا الله، أسئلة، وإجابات، وحلم‫.‬ ما أحلمه سبحانه وتعالى! من هنا يقول (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا) هل يظلم ربنا؟ أبداً بالعقل، بالمنطق‫.‬ فمن حكم فيما ملك فما ظلم‫.‬ أنت أتيت إلى شجرة زرعتها بنفسك، وكبرت، وجئت بالفأس، وأخذت تحطم في الشجرة، وتقتلعها هل يلومك أحد؟ بعدما قطعت الشجرة، ووقعت على الأرض، وماتت فروعها، وسقطت ثمارها، أخذت المنشار، وصنعت من جزء منها مائدة، ومن جزء آخر سريراً، ومن جزء آخر كرسيا، هل يلومك أحد؟ هل يمكن للكرسي أن يقول لم جعلتني كذلك، ولم تصنعني مائدة، هل تسمح له بذلك إن نطق؟ لماذا؟ لأنك المالك، والمالك يفعل في ملكه ما يشاء، من هنا أفعال الله (تبارك وتعالى) لا توصف أبداً بالظلم، ولا يُتفكر فيها على هذا، إذاً فلله (تبارك وتعالى) أن يدخل الناس جميعا الجنة إن شاء، وأن يدخل الناس جميعا النار بما فيهم الرسل، هل يسأل عن ذلك؟ لا يسأل عما يفعل (قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ١٧] نعم من يملك؟ من يسأله؟ لذا يعقّب في الآية بعد ذلك (وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ ) [سورة المائدة آية‫:‬ ١٧] ملكه يفعل فيه ما يشاء، فإن أدخل الناس الجنة فبفضله وبرحمته لا لأنهم يستحقون، وإن أدخلهم النار، فبعدله وهم لا يظلمون (سبحانه وتعالى) لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون؛ لذا يقول الله (تبارك وتعالى): (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا) الأمر الطبيعي، والمنطقي إن الله المستغني عن كل شيء، والمتحكّم في ملكه، كل أفعاله عدل، أو فضل، فكل المخلوقات، وكل الناس يتقلبون بين الفضل والعدل‫.‬ ما أصابك من حسنة فمن الله، إذاً فهو فضل لا لأنك تستحق، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، إذا فهو عدل، فالإنسان يتقلب بين الفضل والعدل، ولا مجال للكلام عن الظلم أصلا (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٤٤﴾) هم الظلمة، ظلموا أنفسهم ها هو القرآن واضح، وضوح الشمس، ها هو البرهان الساطع، من يدبّر الأمر، من يرزقك؟ من خلقك؟ من أنشأك؟ من سوّاك فعدلك؟ هو الله، من هنا ظلموا أنفسهم بالكفر، والجحود، والإنكار، فلا حجة لهم، بل الحجة عليهم، فلكل بداية نهاية‫.‬ الذي ليس له بداية هو الله، والذي ليس له نهاية هو الله، وكل ما سواه له بداية، وله نهاية، يحذّر ربنا (تبارك وتعالى) الكفار من نهايتهم، ويبين أن النهاية آتية لا محالة، فيقول عز من قائل‫:
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ﴿45﴾
‫(ويوم نحشرهم) قراءة، والحشر‫:‬ الجمع، الحشر‫:‬ البعث، الحشر‫:‬ يوم القيامة بعد النفخة الثانية، تُجمع الخلائق جميعا، أولهم وآخرهم، إنسهم وجِنّهم، حتى الوحوش، حتى الطيور، حتى الحشرات، كل ما كان له حياة يجمع ويُحشر يوم القيامة، والغريب أنهم حين يحشرون يوم القيامة، لهول ما يراه الخلائق، يعتقدون أن مدة الدنيا، ومدة القبور لم تكن إلا ساعة، عمر الدنيا ملايين السنين، عمر الإنسان في الدنيا ليس ساعة، ستين عاما، سبعين عاما، مائة من السنين، أما القبر فمن آلاف السنين، والناس مقبورون في الأرض، ومع ذلك (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّنَ ٱلنَّهَارِ) كيف مضت السنون؟ كيف مضت الأجيال دون إحساس، أم دون شعور! بل هناك إحساس، وهناك شعور، فالقبر إما حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، لكن الهوْل حيث ترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، حيث تضع كل ذات حمل حملها، حيث تذهل كل مرضعة عما أرضعت؛ لهول ما يرون، وبالقياس إلى الخلد بعد ذلك، يعتقدون أنهم ما لبثوا غير ساعة، بل ويتعارفون بينهم، كأنه حين البعث، وحين الحشر يعرف الناس بعضهم بعضا، قال العلماء‫:‬ هذا التعارف، تعارف توبيخ، وافتضاح، وليس تعارف مودة، أو رحمة، فإذا بهم يتشاتمون، وإذا بهم يحمل بعضهم بعضا أوزارهم، والقيامة مواقف، تارة يتعارفون، وتارة لا يسأل حميم حميما، وهكذا يتعارفون بينهم، تعارف افتضاح وتوبيخ (قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ﴿٤٥﴾) في هذه اللحظة، حين يلقى الناس ربهم ليس بينه، وبينهم حجاب، يتحقق خسران الكافرين، فالخسران أنبئوا به في الدنيا فكذّبوه، وُعدوا به فاستعجلوه، فإذا لقوا الله تحقق الخسران، (قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ) أي الذين كذبوا بهذا اللقاء، وكذّبوا بالحشر، وكذّبوا بالنشر، خسروا لا محالة (وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ﴿٤٥﴾) أي ما استطاعوا استخدام ما منحهم الله (تبارك وتعالى) من وسائل، كالسمع، والبصر، والعقل، ما استطاعوا أن يستخدموها لتدلهم على الحق، بل أدت بهم إلى جهالات الشرك، وسفاهات الظلم، الدلائل التي نصبها الله على وجوده، الماء، السحاب، الأرض، الجبال، السماء، المطر، هذه الدلائل التي نصبها للخلائق، ما استطاعوا أن يتفكروا فيها، وما استطاعوا أن يستخدموها لهدايتهم، وتأتي التسرية لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) حزين، آسف على قومه، خائف عليهم، ولكن في نفس الوقت يتمنى لو يؤمنوا، أيضا في نفس الوقت النفس البشرية تريد، وتتعجل إظهار الحق، فكأن الله (تبارك وتعالى) يسرّى عنه ويقول‫:‬‬‬‬
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ ﴿46﴾
كأن الله، تبارك وتعالى، يقول له‫:‬ إذا أريناك ما توعدناهم به من الخزي، والقتل، والأسر في حياتك، وإذا أريناك إظهار دينك، وانتشاره في الآفاق في حياتك، إذا فعلنا ذلك، أو لم نفعل، وأجّلنا ذلك لبَعد مماتك في كلا الحالين وعد الله حق، ومتحقق، أي إن عذاب هؤلاء متحقق عاجلا، أو آجلاً.‬
‫(وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ) كقتلهم، وأسرهم في بدر، وخزيهم وإظهار دينه (صلى الله عليه وسلم) (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) قبل أن نريك ذلك، فالنهاية (فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ ﴿٤٦﴾) وكفى بالله شهيدا، شاهدا لا يحتاج إلى شاهد، وطالما كان شاهد، وشهيدا عليهم، فهو مجازيهم على أفعالهم لا محالة، عبّر بالشهادة عن نتيجتها، عبر بالشهادة مجازاً عن مقتضاها؛ إذ ما هو مقتضى الشهادة ما هو نتيجة الشهادة؟ حلول العذاب بهم، وصدور الحكم عليهم، وهذا قرار، وسنة في جميع الأمم؛ لذا يقول الله (عز وجل):
وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿47﴾
‫(وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولٌۭ ۖ ) لأن الله (تبارك وتعالى) لا يعذب الناس حتى يبعث إليهم رسولا، فلكل أمة من الأمم السابقة رسول (فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٤۷﴾) فإذا جاء رسولهم يوم القيامة، إذ إن الله (تبارك وتعالى) يبعث كل أمة، ومعها رسولها، ومعها كتابها، أعمالها، ويُسأل الرسول عن أمته، هل أبلغت؟ فيشهد بالإبلاغ، ويشهد على الكفار، ويشهد للمؤمنين، وهنا يصدر القضاء والحكم بالعدل (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًۭا (٤١)) [سورة النساء آية‫:‬ ٤١].‬
‫(وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ) أي يوم القيامة، وشهد عليهم (قُضِىَ بَيْنَهُم) بين الرسول وبين أمته (بِٱلْقِسْطِ) بالعدل (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٤۷﴾) بزيادة عقاب، أو بنقص ثواب‫.
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿48﴾
الغريب أن الآيات التي تحذر من الآخرة، وتنبئ عن النتيجة، المفروض أن تثير الفزع في نفس الصالح قبل نفس الطالح، ومع ذلك يتعجلون، ويستهزئون، ويقولون (مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿٤۸﴾) أي يقولون للنبي (صلى الله عليه وسلم) ولمن آمن به، هذا الوعد بمجيء الرسل، وشهادة الرسل على أقوامهم، ويوم الحشر، ويوم القيامة متى؟ حددوا لنا المكان، أو حددوا لنا الزمان‫.‬‬‬‬
قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴿49﴾
أُمِرَ أن يرد عليهم (صلى الله عليه وسلم) بأن يتبرأ من الحول، والقوة، فهو بشر يجري عليه ما يجري على البشر، والحاكم هو الله، والفعال هو الله، والحكم هو الله (قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًا) أي لا أملك أن أدفع عن نفسي الضر، ولا أملك أن أحصل لنفسي على نفع (إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ ) أي إلا ما شاء الله أن يملّكني، فإن ملّكني شيئا فبإذنه (إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ ) أو أي لكن ما شاء الله من ذاك الضر، أو من ذاك النفع، فهو كائن لا محالة، فإذاً الفعال هو الله، الضار والنافع هو الله‫.‬‬
‫(لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ ) موعد يعلمه الله‫.‬ الأجل‫:‬ مدة البقاء في الدنيا، الأجل نهاية المدة، الموعد المضروب، الأجل المكتوب عند الله (إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ) جاء موعدهم، وجاءت نهايتهم (فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴿٤۹﴾) إذاً تبرأ النبي (صلى الله عليه وسلم) من حوله، وقوته، ولجأ إلى الله (تبارك وتعالى) وبيّن أن الفعال هو الله، إن شاء عذبهم في حياته، وإن شاء عذبهم بعد مماته، إن شاء هداهم، وإن شاء أضلهم، إن شاء أفناهم، وإن شاء أبقاهم‫.‬‬
‫(فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴿٤۹﴾) إذاً لا يتأخر الأجل ساعة، ولا يتقدم الأجل ساعة، بطلب الناس، أو بطلب الرسل، موعد مضروب، مكتوب، محدد، والساعة‫:‬ الطائفة من الزمان قلّت، أو كثرت، وليس ما نطلقه الآن على الساعة، وهي ستون دقيقة.
قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُهُۥ بَيَـٰتًا أَوْ نَهَارًۭا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴿50﴾ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓ ۚ ءَآلْـَٔـٰنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ ﴿51﴾ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴿52﴾
‫(قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُهُۥ بَيَـٰتًا أَوْ نَهَارًۭا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴿٥۰﴾) سؤال منطقي غريب، فيه التوبيخ، فيه التقريع، فيه التهديد، فيه الاستهزاء، فيه التنبيه علّهم يعقلون (قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُهُۥ) عذاب الله (بَيَـٰتًا) حال بياتكم، حال نومكم بالليل (أَوْ نَهَارًۭا) وأنتم في معايشكم مشغولون بتحصيل المعايش، تعملون في تجارتكم، وبزراعتكم، كلٌ مشغول بعمله، أو بالليل والكل نائم في غفله إن حدث وجاء العذاب، أي شيء من هذه الأنواع تريدون، والغريب في تعبير الآية (مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴿٥۰﴾) جاء بلفظ (ٱلْمُجْرِمُونَ ) بدلاً من الضمير، وقياس الكلام (أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا، أو نهارا ماذا تستعجلون منه) بدلاً من ذلك قال (مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴿٥۰﴾) كأن المجرم إذا سمع بوقوع العذاب، أو توقع وقوعه، أو أُخبر عن وقوعه، من المفروض أن يحذر، ويخاف لا أن يستعجل وقوع العذاب، فالآية تدل على سفاهة عقولهم، يحذركم، وينذركم بوقع عذاب، فتستعجلون العذاب، أي نوع، وأي صنف تستعجلون منه (أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓ ۚ ) ها أنتم تستعجلون العذاب، تستعجلون وقوعه، تستهزئون، وتقولون متى هذا الوعد؟ إن وقع بكم العذاب بالليل أو بالنهار ما الفائدة التي تعود عليكم؟ ماذا تستعجلون من الله؟ أو ماذا تستعجلون من العذاب من أصنافه المختلفة؟ فإن حدث، ونزل العذاب، أتؤمنون حينئذ، فإن حدث وآمنتم، هل ينفع؟ إن حدث ووقع العذاب وآمنتم، يقال لكم‫:‬ آلآن حدث الإيمان، وهل ينفع وقد كنتم به تستعجلون؟ (ءَآلْـَٔـٰنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ ﴿٥١﴾ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟) إن حدث ذلك، ووقع العذاب آمنوا، أو لم يؤمنوا، لا يتغير الموقف، يقال لهم حينئذ (ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴿٥٢﴾) من الكفر والشرك، والمعاصي، والعذاب، عذاب خلد، ليس عذابا مؤقتا، رغم هذا التحذير، ورغم هذا المنطق، ورغم هذا الكلام الذي يسمعه العاقل فيعيه، رغم هذه الدلائل، وهذه الحجج، والمنطق، رجل يُحذَّر، يجلس في غفلة، محُذِّر التفِت هناك عقرب ماذا يفعل؟ هل ينتظر حتى يلدغه العقرب؟ هل يستهزئ بالمحذِر أم يهب واقفا أولاً، ثم ينظر بعد ذلك أهناك عقرب أم لا، هل فعلوا ذلك؟ أبداً. بل استهزاء، واستعجلوا، ورغم التنبيهات، والتحذيرات، وهذا الكلام يعود الكفار للاستهزاء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) ويحكي عنهم القرآن‫.‬‬‬‬
وَيَسْتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴿53﴾
أي يطلبون منك النبأ، يطلبون منك الخبر، يطلبون أن تنبئهم (أَحَقٌّ هُوَ ۖ ) أي القرآن، هل هو حق كلام الله، أو الوعد؟ هل هو حق أم باطل؟ هل العذاب واقع لا محالة أم إنك تستهزئ بنا؟‬
‫(قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ ۖ ) أمر من الله للنبي (صلى الله عليه وسلم) أن يرد عليهم (إِى) كلمة تفيد معنى الإيجاب (نعم)، لكنها لا تستخدم إلا مع القَسَمْ، تلحق بواو القَسَم، ولكن لا تقل (إي) فقط بدل من نعم، فنعم تستخدم بمفردها أما (إي) فلابد وأن تلحق بقسم، (قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ ۖ ) والقَسَمْ في القرآن الذي أُمر النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يقسمه في ثلاثة مواضع فقط في القرآن كله، هذا أحدها (قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴿٥۳﴾) (إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ ۖ ) أي القرآن، أو الوعد أو الحشر أو ما أخبرتكم به أو نبوتي،(وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴿٥۳﴾) وما أنتم بفائتين‫.‬‬
‫المعجِز‫:‬ هو ما يجعل الإنسان قبالته عاجزا، أعجزه‫:‬ فاته، عجز عن اللحاق به، لستم بفائتين، وليس الله بعاجز عن الإحاطة بكم، وتنفيذ وعده فيكم، وفي تلك الحالة‫.‬‬‬‬
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍۢ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿54﴾
‫(وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍۢ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ ) مصداقا لقوله (عز وجل): (إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌۭ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًۭا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ ۗ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ٩١] ولو أن لكل نفس ظلمت نفسها بالشرك، بالكفر، بتكذيب النبي (صلى الله عليه وسلم) - افتراض- أن هذه النفس الظالمة تملك الأرض وما عليها، وما فيها من كنوز، وأموال، وأرادت أن تدفع كل ذلك فدية من العذاب، لو حدث، لا والله ما تُقبل منها، أرادت الافتداء، لكن الافتداء لا يحدث‫.‬‬
‫(وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٥٤﴾) (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ) حيرت العلماء، الإسرار من الكلمات التي تحمل المعنيين المتضادين‫:‬ أسرّ، أخفى في نفسه، وسرّ، وأسرّ أظهر أي ظهر الموضوع على أسارير وجهه‫.‬‬
‫والندامة‫:‬ الحسرة على شيء فات، أو الحسرة على شيء قد وقع (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ) فقيل‫:‬ أي أخفوا الندم في نفوسهم، خاصة الرؤساء عن الأتباع، حتى لا يعيّرونهم‫.‬ وقيل (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ) أي أظهروها من عض الأصبع، واللوم، والصراخ، والعويل (وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ) [سورة الفرقان آية‫:‬ ٢٧] إذاً أسروا بمعنى أظهروا، وقال البعض الآخر‫:‬ أسروا‫:‬ أي بقيت الندامة في نفوسهم؛ إذ الندم، والحسرة الشديدة لا تظهر، وإنما هي محلها الصدور، وقال بعضهم‫: (وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ)‬ أي حين رآى المشركون، والمجرمون الهوْل، والعذاب المنتظر خُرست الألسنة، وجفت الدموع، كالمُساق إلى المقصلة، المُساق إلى الإعدام، هل ينطق؟ هل يتكلم؟ أم من شدة الخوف والرعب يُلجم لسانه؟ لا يوجد إلا الذهول، والحسرة، والندامة، والخوف، كل ذلك موجود داخل النفوس الكافرة، المشركة، لكن شيئا من هذا لا يظهر من شدة الهلع، من شدة ما يَروْن (وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ ) حُكم بينهم بالعدل (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٥٤﴾) (وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ ) جاءت منذ قليل (وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ) [سورة يونس آية‫:‬ ٤٧] وهنا (وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ ) هنالك (وَقُضِىَ بَيْنَهُم) بين الرسول وبين أمته، فتميز الكافر من المؤمن، وتحقق إبلاغ الرسل لأممهم، وحقت عليهم كلمة العذاب‫.‬ هنا (وَقُضِىَ بَيْنَهُم) بين الظالم، والمظلوم، بين الناس بعضهم وبعض، حُكم عليهم بما يستحقونه من العذاب، هل في ذلك شك؟ هل يشك شاك في أن الله أخبر عما يحدث يوم القيامة صدقا وحقا؟ إن هناك شك في نفس شاك، فليسمع الدليل:
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿55﴾ هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿56﴾
‫(أَلَآ) كلمة تنبيه يُفتتح بها الكلام، زادوا عليه تُنبه السامع، أي استمع، وانتبه لما هو آت (أَلَآ) أي انتبهوا، واستمعوا، وانصتوا (أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ ) طالما كان مالكا لكل الوجود، مالكا لما في السموات، مالكا لما في الأرض، من يمنعه من تنفيذ وعده؟ من يحول بينه وبين إرادته (أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ ) هل ينكر منكر؟ هل ادعى أحد ذلك؟ الأصنام، والأوثان، ومدعوا الألوهية، وفرعون حين قال‫:‬ أنا ربكم الأعلى، هل ادعى أنه يملك ما في السموات وما في الأرض؟ هل ادعى أحد ملكية السماء، أو النجوم، أو الشموس، أو الأقمار؟ إذاً فهي لله باعتراف الكل (أَلَآ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٥٥﴾) يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، مشغولون بالدنيا، مشغولون بعلوم، قد تتبين صحتها، وقد يتضح بطلانها يوماً ما، وكم من علوم اندثرت! ولكن أكثرهم لا يعلمون (هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ) هل في ذلك شك؟ من الواهب للحياة؟ من القاضي بالموت؟ (هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ) إذا كان الأمر كذلك، فقدرة الله، قدرة لذاته، والقدرة لا تعجز، ولا تنقص، قدرة متناهية، أبدية، والمقدور عليه، مقدور عليه‫.‬ قُدِر عليه في الدنيا ألا يُقدر عليه في الآخرة؟ مقدور عليه بذاته، والقادر قادر لذاته من هنا (هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٥٦﴾) أمر منطقي، إذا تفكر فيه الإنسان بعقل سليم، وبصدر مفتوح، لعَلِم أن وعد الله حق‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، إن وعد الله حق، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، فانظر لنفسك أيها تختار‫.‬‬
‫يمنّ الله (تبارك وتعالى) على عباده المؤمنين، ويتمن على الناس جميعا بقوله‫:‬‬‬‬
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌۭ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿57﴾ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴿58﴾
‫(يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ) خطاب عام لكل من يصلح للخطاب من بني آدم من جنس الإنسان (جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌۭ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿٥۷﴾) صفات أربع هي صفات القرآن، هي صفات كلام الله (عز وجل) موعظة؛ إذ فيه الحكمة العملية، والحكمة النظرية، فيه بيان المحاسن والقبائح، فيه التحذير من القبائح، والتحبيب في المحاسن، فيه البيان لكل ما يُصلح حال الإنسان، دنيا وأخرى، فيه الشفاء لما في الصدور، شفاء الصدور من الشرك، من تقليد الآباء، والأجداد، من الجهالة من الكفر، من الجهل، شفاء من كل ذلك، وليس شفاء للأمراض العضوية، والأمراض العضوية لها دواؤها، فقد خلق الداء، وخلق الدواء (وَشِفَآءٌۭ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ) وما هو الذي في الصدور؟ إيمان، أو كفر، أو شك، أو نفاق، أو شقاق، ذاك ما في الصدور (وَهُدًۭى) دلالة الهداية، الدلالة بلطف على المطلوب، فالقرآن هداية دلالة، يدلك على طريق السعادة، وطريق الشفاء، ويدلك على طريق السعادة بأيسر السبُل، وبأفصح الكلام، وأيسره (وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿٥۷﴾)؛ لأنهم المنتفعون به (قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟) (فَبِذَٰلِكَ) تأكيد لأنه تكرير؛ إذ اسم الإشارة ينصرف إلى ما قيل (بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟) (فَبِذَٰلِكَ) حلّت محل الكلام، وكأنها تكرير للتأكيد، وللبيان أن الفرح الحقيقي إن كان فهو بهذا، وقد ذُمّ الفرح في القرآن، الفرح بالدنيا، الفرح بالجاه، الفرح بالمال (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ (٧٦)) [سورة القصص آية‫:‬ ٧٦] لكن الفرح المحمود هو الفرح بفضل الله، فليفرح المؤمنون، المؤمنون يفرحون بالبشرى، يفرحون بالثواب، يفرحون بما يلقونه من الله (عز وجل) من تكريم في يوم القيامة، أما الفرح في الدنيا فإن كان، فأحق شيء بالفرح هو بفضل الله ورحمته، فما هو الفضل، وما هي الرحمة؟ فضله القرآن، رحمته، أن جعلكم من أهله، فضله القرآن، رحمته، أن هداكم للإسلام، فضله‫:‬ الإسلام، ورحمته، القرآن‫.‬‬
‫(قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ) بهذا الفضل وبهذه الرحمة (فَلْيَفْرَحُوا۟) إن كان هناك فرح أو لابد من الفرح، فلا يكون الفرح بحق إلا بفضل الله وبرحمته (هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴿٥۸﴾) أي القرآن خير من كل ما في الدنيا، من كل ما فيها من كنوز، وأموال، وجاه، وسلطان، كلام الله خير شيء‫.‬‬
‫(قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا) قراءة (هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴿٥۸﴾) والخطاب للمؤمنين فلتفرحوا أيها المؤمنون يا أهل القرآن، ما عندكم خير مما يجمعه الكفار (قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴿٥۸﴾) والخطاب للكفار، أي فليفرح المؤمنين، هو خير مما تجمعون أيها الكفار المخاطبون بها‫.‬‬
‫لذا كان القرآن أغلى، وأجلّ، وأعظم نعمة في الوجود؛ ولذا لا ينبغي لحامل القرآن أن يسأل، ومن آتاه الله القرآن فظن أن أحدا قد أوتي خيرا مما أتاه الله، فقد حقّر ما عظمّه الله، أو فقد جحد نعمة الله، أو فقد كفر بما أنزل على محمد، القرآن أعظم ما في الوجود، القرآن كلام الله‫.‬ إذا قرأت القرآن، فأنت تجلس مع الله (أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي)، خير الذكر قراءة القرآن، القرآن إذا حل في قلب أضاء، أضاء قلب المؤمن، وأضاء طريقه، ونوّر له قبره، وكان له الحجة يوم القيامة، قراءة القرآن، وحفظ القرآن، أما القراءة فقد جاءت في كثير من الآيات والأحاديث (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ يَرْجُونَ تِجَـٰرَةًۭ لَّن تَبُورَ ﴿٢۹﴾ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ غَفُورٌۭ شَكُورٌۭ ﴿۳۰﴾) [سورة فاطر آية‫:‬ ٢٩ - ٣٠ ].‬
‫بل الثناء على أهل الكتاب الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) (يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١١٣] أما حفظ القرآن، فذاك شيء آخر، ومنصب آخر، ودرجة عليا، لا ينالها إلا المحظوظون، وهو هبه من الله، توهب لمن يشاء من عبادة؛ ولذا ينبه نبينا (صلى الله عليه وسلم) لهذا ويحض المؤمنين على حفظ ما يقدرون عليه من قرآن، حتى يكون حماية لهم في قبورهم، والأحاديث كثيرة منها مثلا‫:‬ سورة تبارك من صفحتين، لمن لا يقدر على الحفظ، هذه السورة من ضمن أسمائها المانعة، لماذا؟ لأنها تمنع من عذاب القبر، وتحجب بين الملكين، وبين الميت فلا يسألانه، من حفظ تبارك وقرأها كل ليلة قبل أن ينام، فمات فدُفن، جاءت تبارك معه في قبره، تقف بينه، وبين الملكين حماية، المانعة (قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ (١)) [سورة الإخلاص آية‫:‬ ١] تعدل ثلث القرآن‫.‬ ( كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، فَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يُقْرِئُهُمْ فِي الصَّلاةِ افْتَتَحَ بِقُلْ هُوَ اللَّهِ أَحَدٌ حَتَّى يَخْلُوَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأَ بِسُورَةٍ أُخْرَى‫.‬ فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ، قَالُوا‫:‬ إِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى؟ فَقَالَ: أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: يَا فُلانُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا أَمَرَ بِهِ أَصْحَابُكَ، وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا‫.‬ قَالَ: حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ ) (قُلَْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ، أَوْ تُعْدَلُ بِثُلُثِ الْقُرْآنِ).‬
‫(قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ (١)) [سورة الكافرون آية‫:‬ ١] تعدل ربع القرآن، (الفاتحة) ما نزلت قط على أمة من الأمم، نزلت على أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) اصطفاءً لها، السبع المثاني، فاتحة كل مغلق، الفاتحة وما أدراك ما الفاتحة، أم القرآن، وهي القرآن العظيم، وهي السبع المثاني، هلمّ واملأ قلبك بما استطعت من قرآن، واسمع لنصيحة سيد المرسلين (صلى الله عليه وسلم) (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا) أي إذا استطعت أن تحفظ القرآن فاحفظ، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لصاحبه، يقف القرآن بين صاحبه، وبين الله يشهد له، وتخيل الشافع كلام، والمشفوع لديه هو المتكلم، تخيل أن الذي يقبل الشفاعة، ويأذن فيها هو الله، والواقف للشفاعة لديه:كلامه، اعقل، وتخيل، وتنبه، وإياك والندم، فإذا لم تستطيع، فلا أقل من البقرة، وآل عمران؛ لأن البقرة، وآل عمران يتجسدان يوم القيامة في هيئة الغمام أو الغياية، السحاب الكثيف، أو الطير المتكاثف الذي يرحل، ويهاجر في أسراب كثيرة، فتغطي الشمس، وتغطي السماء، وتتجسد السورتان، وتتجسد آياتهما بهذا الشكل، وإذا بهما يقفان حائلا بين العبد، وبين سؤال ربه وعذابه، يحاجان عن صاحبهما يوم القيامة، هما اللذان يردان على الله، إن سأل ماذا فعلت، (لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا وَضَعَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ). هذه الأسئلة المختلفة الكثيرة، حين يستدعي الله (تبارك وتعالى) العبد، ليس بينه وبينه ترجمان، يسأله بنفسه، أنعمت عليك بكذا وبكذا، ماذا فعلت في كذا وفي كذا؟ من يملك الرد؟ من يستطيع أن يرد؟ من يستطيع أن يقف على قدميه يقول‫:‬ أنا فعلت، أو أنا كذا من يستطيع؟ فما بالك بشفيع! فما بالك بمن يرد عنك! فإذا لم تستطيع أن تحفظ البقرة، و آل عمران فلا أقل من البقرة (اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ) يقول الراوي‫:‬ البطلة هم السحرة، بل وفي يوم القيامة ينادي ربنا، والموقف، وما أدراك ما الموقف، والحشر وما أدراك ما الحشر، ينادي أين أهلي، وأين جيراني؟ فتقول الملائكة‫:‬ يا رب من هذا الذي ينبغي له أن يجاورك؟ فيقول‫:‬ أهل القرآن هم أهلي، وجيراني، أهل القرآن جعلنا الله وإياكم منهم‫.‬‬
‫فقد بيّن الله (تبارك وتعالى) أن الفرح الحقيقي، هو الفرح برحمة الله (تبارك وتعالى) هو الفرح بالنعمة، والمنّة هو الفرح بنزول القرآن، القرآن شفاء لما في الصدور، القرآن هدى، القرآن رحمة، فإن كان هناك فرح فالفرح بنصر الله، الفرح بأن هدانا للإسلام، وجعلنا من أهل القرآن‫.‬ يتوجه الخطاب بعد ذلك إلى كفار مكة، وإلى الكفار في كل زمان، الذين شرعوا لأنفسهم خروجا عن شريعة الله، ما ترك القرآن من شيء إلا وبيّن المباح، والمحظور، والحرام، المكروه، والنافع، والضار، بيّن طريق النجاة، وبيّن طريق الهلاك، بين سبيل الرضا، وبيّن طريق الغضب، ومع ذلك أراد الناس أن يشرّعوا لنفسهم، وأراد المشرعون الرياسة؛ إذ المشرّع يترأس الناس، ويسيطر عليهم، ويحكم بهواه، فيجادلهم القرآن بالتي هي أحسن واسمع وتأمل‫:‬‬‬‬
قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍۢ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًۭا وَحَلَـٰلًۭا قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴿59﴾ وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴿60﴾
أمر من اثنين‫:‬ إما أن الله أذن، وقضى، وحكم، وإما أن المشرّعين يكذبون، وإما أن المشرعين يفترون على الله الكذب‫.‬‬
‫(قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍۢ ) : كلمة (أرأيت) استفهام عن الرؤية البصرية، أو الرؤية العلمية، وتُستخدم في السؤال عن الأمر العجيب، بمعنى‫.‬ أخبرني أعلمت، أم أبصرت، وجاءت في القرآن لتعبر عن هذا الاستفهام، الاستفهام عن الأمر العجيب كقوله‫:‬ (أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ (١)) [سورة الماعون آية‫:‬ ١]. هنا كذلك (قُلْ) أي أخبرهم يا محمد وسلهم (أَرَءَيْتُم) أي أخبروني عن رؤيتكم البصرية، أو رؤيتكم العلمية (مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍۢ ) أي أنزل من السماء؛ لأن أسباب الرزق وردت من السماء بنزول المطر، أو لأنها مقدّرة أصلا في السماء، أو(أَنزَلَ) بمعنى خلق كقوله‫:‬ (وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌۭ شَدِيدٌۭ) [سورة الحديد آية‫:‬ ٢٥].‬
‫(مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍۢ ) : كلمة (لَكُم) تفيد أن السؤال عن الرزق الحلال‫.‬ الرزق الذي أحله الله، وجعله مباحاً، فجعلتم أنتم من هذا المباح والحلال، بعضا منه حراما وبعضا منه حلالاً، كقولهم بحل الميتة، وبحل الدم، وبقولهم بحرمة ما في بطون الأنعام على فريق دون فريق (وَقَالُوا۟ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلْأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌۭ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِنَا ۖ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٣٩] (وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ نَصِيبًۭا فَقَالُوا۟ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ۖ ) [سورة الأنعام آية‫:‬ ١٣٦] وهكذا أحلوا الميتة، وحرّموا البحيرة، والسائبة، والوصلية، شقوا أذن الناقة، وقالوا‫:‬ هذا حام الجمل، وُلد لوليدة أي أصبح جدا، فحمى ظهره فلا يُركب‫.‬ والسائبة‫.‬ سيبوها للآلهة وهكذا، فالسؤال هذه المحرمات، وهذه المباحات التي جعلتوها لشيء قد أحله الله (قُلْ) تأكيد للسؤال، والاستفهام (ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ ) أي آلله أذِن لكم، همزة الاستفهام وسَهلت الهمزة الأخرى، وآلله أذن لكم بكتاب، بشرع، جعلكم مسيطرين على الناس، هل أعطاكم تفويضا بذلك (أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)) تكذبون وتختلقون‫.‬‬
‫إذاً هو الأمر الثاني؛ لأنه لا دليل على الأمر الأول‫.‬ لا دليل على وجود الإذن، يأتي السؤال (وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ ) ما ظنهم؟ ماذا يعتقدون؟ هؤلاء الذين يفترون على الله الكذب، هل يعتقدون أن الله لا يحاسبهم يوم القيامة، أو لن يؤاخذهم، أو لن يسألهم عن هذا‫.‬ ما ظنهم؟ هؤلاء الذين يجدون من الله ما لا يحتسبون يوم القيامة (إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)) ذو فضل على الناس بالعقل‫.‬ أين العقول؟ أين هي في تقدير الأمور؟ أين الكتب المنزّلة؟ أين الرسالات السماوية؟ ذو فضل على الناس بالإمهال بتأخير العذاب، بإرسال الرسل، بإنزال الكتب، بمنحنا العقول، بنصب الدلائل، بالبراهين، بالحجج بهذه الأسئلة (إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)) لا يشكرون هذا الفضل بأن يستخدموا العقول فيما خُلقت له، وأن يستدلوا بالأدلة، والبراهين على ما وُضعت له، ونُصبت له‫.‬‬
‫ثم يتوجه الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) وقيل الخطاب له وللأمة معه‫:‬‬‬‬
وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍۢ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍۢ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍ ﴿61﴾
الشأن‫:‬ الخطْب‫.‬ الشأن‫:‬ الأمر من الأمور، شَأَن.يشْأن‫:‬ الشيء قصده‫.‬ وما شأنت شأناً: أي وما قصدت قصداً.‬
‫(وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍۢ) : من الشؤون (وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍۢ ): أي وما تتلو لأجل هذا الشأن، أو ما ينزل من قرآن في هذا الشأن، فتقرأه على الناس (مِن): الأولى تعليلية (وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ): تعليل أي لأجله (مِن): الثانية للتأكيد (مِن قُرْءَانٍۢ ) أو الشأن هو قراءته للقرآن (مِن) تبعيض، وما تكون في شأن، وما تتلوه منه لأجل ذلك الشأن من قرآن (وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ) الكلام للكل، والكلام للجميع، وكأن الكلام في البداية لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم توجّه الخطاب للكافة (وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ ) شهودا‫:‬ رقباء، حافطين، محصين لأعمالكم (إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ ): تندفعون فيه، أو تباشرونه، أو تتكلمون فيه‫.‬ والإفاضة‫:‬ الاندفاع بشدة، أو الاندفاع بكثرة‫.‬ أي تفيضون في أعمالكم، أو تباشرون أعمالكم في الحركة في السكون في الليل، في النهار، ما من عمل إلا والله رقيب، شاهد، وشهيد، أو تفيضون فيه في شأن القرآن، وفي شأن رسول الله بالتكذيب والاستهزاء‫.‬ (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍ (٦١)) عَزَبَ. يعزُب، عَزَبَ، يعزِب فهو عازب‫.‬ غاب وابتعد (وما يعزِب، وما يعزُب) قراءتان (عَن رَّبِّكَ) أي ما يغيب عنه ولا يخفى عليه، (مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ) ما يوازن الذرة وزن الهباءة‫.‬ إذا دخل شعاع الشمس إلى حجرة من نافذة ترى في شعاع الشمس هباآت في الهواء‫.‬ فالهباءة هي الذر‫.‬‬
‫(وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ) في أي مكان لا في الأرض، ولا في السماء إذا فهو يعلم الجزئيات كما يعلم الكليات، رد على فلاسفة القرون الوسطى الذين زعموا أن الله يعلم الكليات، ولا يتدخل أو لا يعلم الجزئيات، فيرد عليهم هنا وفي موضع آخر (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ (٥٩)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٥٩].‬
‫(وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍ (٦١)) ولا أصغرُ من ذلك ولا أكثرُ قُرأت بالرفع والنصب (إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍ (٦١)) (إِلَّا) تأتي بدلاً من واو النَسَق، والتقدير (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍ (٦١)) أي يعلمه، ولا يغيب عنه ويسجّله في كتاب مبين أيضا كقوله (عز وجل) (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ (٥٩)) [سورة الأنعام آية‫:‬ ٥٩] أي وهو في كتاب مبين (إِلَّا) بمعنى واو النَسَقْ وتُضمر (هو) كقوله‫:‬ (وَقُولُوا۟ حِطَّةٌۭ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٥٨] أي (هو حطة)، (وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَـٰثَةٌ ۚ ) [سورة النساء آية‫:‬ ١٧١] (ولا تقولوا هم ثلاثة ) واو النَسَقْ جاءت في مواضع في القرآن كثيرة منها (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٥٠]، أي والذين ظلموا فلا تخشوهم؛ لأنه لو جعلتها للاستثناء إلا الذين ظلموا أي أصبح للذين ظلموا حجة، (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ) أي والذين ظلموا منهم، فلا تخشوا منهم، أيضا في ندائه لموسى حين خاف من العصا، حين فر وولى مدبراً، ولم يعقب‫.‬‬
‫( وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّۭ وَلَّىٰ مُدْبِرًۭا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَـٰمُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّى لَا يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ﴿١۰﴾ إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًۢا بَعْدَ سُوٓءٍۢ فَإِنِّى غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿١١﴾) [سورة النمل آية‫:‬ ١٠‫‬ - ١١] هل هناك من ظلم من المرسلين أي ومن ظلم، ثم بدّل حسنا بعد سوء، فإني غفور رحيم، واو النسقْ وتأتي (ﰉ) بمعنى واو النَسَق، وتأتي البشرى، أعظم بشرى:
أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿62﴾ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ﴿63﴾ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴿64﴾
‫(أَلَآ) : كلمة تنبيه، تلفت الأنظار، تنبيه لإصاخة السمع، أولياء‫:‬ جمع وليّ. والولي من الوَلْي‫.‬ والولْي‫:‬ القرب الذي يليه‫:‬ يقرب منه، أولياء الله‫:‬ تولَّوْه وتولاهم‫.‬ تولَوْه بالطاعة، وتولاهم بالكرامة‫.‬‬
‫(أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)) لا خوف عليهم فيما هو آت، ولا هم يحزنون على ما فات، وتخيل كل ما فاتك من الله، سوى الله يسير، وكل حظ لك دون الله حقير، إذاً هم لا يخافون من أي شيء في مستقبل أيامهم في الدنيا، أو في الآخرة، ولا هم يحزنون على أي شيء فاتهم، إذاً فلا مأمول لهم يفتقدونه، ولا كريم لديهم يفتقدونه، لا شيء يخفيهم، ولا شيء يحزنهم، من هم؟ وما هي ولايتهم؟ (ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ (٦٣)) ذاك هو التعريف، إذا ولايتهم لله الإيمان، والطاعة، وتقوى الله في السر والعَلَن، يتقون الشرك، يتقون الكبائر، يتقون غضب الجبار، يتقون المعاصي، يتقون المهالك‫.‬‬
‫أما ولاية الله لهم (لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ ) إذاً فهم يتولونه بالطاعة، ويتولاهم هو بالكرامة، ما هي هذه البشرى؟ البشرى في الحياة الدنيا أنواع، أولها‫:‬ ما بشرنا به في القرآن‫.‬ بجنات النعيم‫.‬ بالخلد في الجنة (وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ ) [سورة يونس آية‫:‬ ٢] كل ما بشر به في القرآن فهو بشرى لأوليائه أيضا‫:‬ الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح، أو ترى له؛ لذا ورد أن أبا الدرداء سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن البشرى، فأجابه بأنها (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ)، أيضا البشرى في الحياة الدنيا قبل الموت، يعلم الوليّ أين المصير، بل ويرى مكانه قبل الموت، فإذا حان الموت، جاءته ملائكة الموت في صورة طيبة، جميلة، مفرحة، ورائحة زكية، ثم يقولون له‫:‬ السلام عليك وليّ الله، الله يقرؤك السلام، أما نزع، نزع الروح يكون بقراءتهم لقوله (عز وجل) (ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ) [سورة النحل آية‫:‬ ٣٢] فتخرج الروح طيبة، طاهرة، راضية، مرضية (لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ ) حين البعث، حين يقومون من القبور، حين تستقبلهم الملائكة بالبشرى والسلام (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ ) لا خُلف في مواعيده، ولا نسخ في أخباره، النسخ لا يكون في الأخبار، إذا أخبرنا الله بخبر فلا نسخ فيه، ولا تغيير، أما النسخ فقد يكون في الأوامر، يعطي الأمر، ثم ينسخ رحمة (ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًۭا ۚ ) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٦٦] حيث نسخ الأمر في القتال بمواجهة الواحد لعشرة، فالنسخ يكون في الأوامر للتخفيف، أو للتدريج في التحريم أما الأخبار والقصص عن الماضي، أو عن المستقبل فلا تغيير فيه، ولا نسخ (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ ) لا خُلف في مواعيده، ولا تغيير في إخباره ولا تبديل لأوامره وأخباره التي أخبركم بها (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ (٦٤)) أي تلك البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة هو الفوز العظيم، الذي لا بعده فوز، جملة (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ ) جملة اعتراضية تؤكد صدق الخبر، وتحقق الوعد، (ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ (٦٤))، رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين يخبر أصحابه يوما ويقول‫:‬ ( إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، قَالُوا‫:‬ يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟، قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ، وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ، وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ، ثم قرأ (أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢))) ثم يسرّي ربنا (تبارك وتعالى) عن حبيبه المصطفى، بعد أن ساق له البشرى وأصحابه، وأحبابه، والصالحين من أمته وأكدها بقوله (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ ) يسرِّي عنه، فقد أوذي كثيرا، أوذي في شخصه، وأوذي في صدقه، بل وأوذي في الوحي، ومن الطبيعي أن المُحب للقرآن، أو المسلم إذا سُب القرآن أمامه، كأنه طُعن برمح أو ضُرب بسيف، فما بالك بمن نزل عليه القرآن، فقول الكفار في القرآن، وسخريتهم من القرآن، واستهزاؤهم بالقرآن، وطعنهم في القرآن، لا شك أنه كان من أشد أنواع الإيذاء لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأن إيذاء الشخص أهون بكثير من إيذاء العقيدة؛ إذ عقيدة الإنسان هي نوره، هي كرمته، هي حياته، هي أخراه، هي حبه لله‫.‬ من هنا يسرِّي ربنا (تبارك وتعالى) عن حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) فيقول له‫:
وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿65﴾
‫(وَلَا يَحْزُنكَ) (ولا يحزِنك) قراءتان‫.‬ يحزُنك من أَحْزَنه، ويحزِنك من حَزَنَهُ.‬
‫(وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ) وتم الكلام، وهنا وقف لازم، أي ولا تتأثر من هذه المقالات السيئة، ولا تهتز، ولا تتضايق، ولا تحزن، ولا تأسى، كلام لا دليل عليه كلام في الهواء (وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ) وماذا بعد ذلك؟ وما النتيجة؟ قالوا، وقالوا، وقالوا، ما النتيجة (إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿٦٥﴾) العزة‫:‬ القوة الكاملة، والغلبة الشاملة، والقدرة التامة لله، يؤاخذهم، ويعذبهم، وثق أن الحرف قبل الكلمة في علمه، وأن الحركة، والسكون في علمه، ويستوي في علمه كل شيء سر أو جهر (يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ (١٩)) [سورة غافر آية‫:‬ ١٩]، (هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿٦٥﴾) السميع لأقوالهم، العليم بأفعالهم، له القدرة، وله الغلبة، وله العزة، وله الإحاطة، ولهم يوم يحاسبون فيه، ويؤاخذون فيه‫. (إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿٦٥﴾)‬ وفي موضع آخر من القرآن يقول الله (عز وجل) (وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)) [سورة المنافقون آية‫:‬ ٨] العزة لله، يمنح من عزته ما يشاء، لمن يشاء، فلله العزة جميعا، ولرسوله، وللمؤمنين‫.‬ فالعزيز من أعزه الله، والذليل من أذلّه الله، ومن اعتز بغير الله ذل، وجعل ذله على يد من اعتز به‫.‬ فالعزة لله جميعا والدليل والبرهان:
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴿66﴾
‫(أَلَآ) تنبيه (إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ ) ملْكاً، وخلقاً، وعبيداً، وتدبيراً، وتقديراً، وتصريفاً (وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ ۚ ) هؤلاء الذين عبدوا الأصنام والأحجار (وَمَا) نافية ما يتبعون من دون الله شركاء، نفي للشِرك، نفي لأن يشرك الله معه أحداً من خلّقه أو (وَمَا) هنا بمعنى استفهامية أي، أيّ شيء يتّبع هؤلاء الذين يتبعون من دون الله شركاء‫.‬ ماذا يتبعون؟ لله من في السموات ومن في الأرض، هم عباد، وعبيد مخلوقين له، مقهورين في قبضته، لا يستحق أحد منهم أن يكون شريكا لله، وهم العقلاء، أشراف الخلائق من الملائكة، حملة العرش لا يستحقون الربوبية، فكيف تستحقها الأحجار! كيف تستحقها الأصنام! فإن كانت (وَمَا) استفهامية، ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، فالجواب (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴿٦٦﴾) أي ما يتبعون إلا الظن (إِن): تأتي في مواضيع بمعنى (ما) النافية كقوله (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌۭ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ (٨١)) [سورة الزخرف آية‫:‬ ٨١] أي ما كان للرحمن ولد (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ) أي ما يتبعون إلا الظن (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴿٦٦﴾) الخرص‫:‬ الحنث‫.‬ الخرص‫:‬ التخمين، الخرص‫:‬ القول بالظن، خرصت النخلة‫.‬ حصرت ما عليها من تمر، كم في الوزن أو كم في الكيف‫.‬ تقدير بالعقل، بالتخمين، بالظن ذاك هو الخرص (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴿٦٦﴾) يكذبون على الله‫.‬ يتبعون الحدس، والتخمين، والقول بالظن، والدليل، والبرهان على استحقاق الله، تبارك وتعالى، وتفرده باستحقاق العبادة‫.‬‬‬‬
هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ ﴿67﴾
من الذي يسيّر الشمس كقول إبراهيم للجبار (فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢٥٨] هل هناك منازع؟ هل هناك من يدعي أنه يسيطر على الشمس أو القمر؟، أو يأتي بالليل أو يؤخر النهار (هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ) رحمة، سكون راحة، تأوي الطيور إلى أوكارها، وتأوي الوحوش إلى كهوفها، ويأوي الناس إلى بيوتها، ويخلو كل حبيب بحبيبه، والناس فيما يعشقون مذاهب، فهناك من إذا جنّهم الليل، واختلط الظلام، وخلا كل حبيب بحبيبه، فرشوا لله جباههم، ونصبوا له أقدامهم، وناجوه بكلامه، وتملقوا إليه بإنعامه (هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ ) المبصر هو الذي يبصر، والنهار لا يُبصر بل يُبصر فيه؛ لكن الكلمة جاءت على المبالغة، أرأيتم ضوءاً كضوء النهار! مهما اخترُع من كهرباء وكشافات وما إلى ذلك أرأيتم ضوءاً كضوء النهار في وضوحه! في إشراقه، في نقائه، في عدم إضراره، مهما كانت الكشافات، إذا جلست إلى جوارها قذفت عليك الحرارة، والسخونة، بل ودفعت وأنفقت‫.‬ هل تدفع شيئا من أجل ضوء النهار؟ هل يأتيك من الله كشف حساب عما استهلكته من ضياء الشمس، أو ضوء القمر (هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ ) الذي تفرّد بهذا هو المتفرد باستحقاق العبودية، إذا أردت أن تعبد فاعبد من أنعم عليك‫.‬ إذا أردت أن تعبد فاعبد من تفرد بالإنعام، بالرحمة، بالنعمة من أعطاك الليل لتسكن فيه؟ من أعطاك النهار لتبصر فيه؟ المتفرِّد بفعل وبخلق هذا المستحق للعبادة (إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ ﴿٦۷﴾) يسمعون، سمع اعتبار، سمع تدبر‫.‬ ألا يسمع الكفار القرآن؟ يسمعونه، لكن بينهم وبينه حجاب‫.‬ غلقت القلوب وصُمَّت الآذان، وأعميت الأبصار، ذاك كلام ورد، ومناقشة، بالحجة، والمنطق، والبرهان، ما أحلمك يا رب! ما أحلمه، حتى يجادلهم، وينتقل الكلام لمن زعموا له الولد - قالت اليهود‫:‬ عزير ابن الله، وقالت‫:‬ النصارى المسيح ابن الله، وقالت الأعراب الملائكة بنات الله بعد الرد على عبدة الأصنام‫.‬‬‬‬
قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ۖ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَـٰنٍۭ بِهَـٰذَآ ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿68﴾ قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿69﴾ مَتَـٰعٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ﴿70﴾
‫(قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ۗ ) قالوا‫:‬ وناقل الكفر ليس بكافر، أن يُذكر قول الكفار للرد عليهم، ليس ذاك بكفر، قالوا‫:‬ اتخذ الله ولداً، أي تبنى الولد، لم يولده، وإنما تبناه، اتخاذ الولد لِمَ يكون ولماذا؟ أن يرثك، أو يخلفك في مالك، أو يعينك في كبرك، أن يشد من أزرك ويعاونك في عملك، ذاك الغرض من اتخاذا الولد بالإنجاب أو بالتبني، ها هم زعموا له الولد (سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ۖ ): هو الغني، هو الوارث، ولا يرثه أحد، هو الباقي وكل ما عداه فانٍ، هو القادر، كان ولم يكن شيء، لا ليل، ولا نهار، ولا مكان، ولا زمان، ولا مخلوقات، ولا عرش، ولا فرش، ولا ملائكة، ولا شيء إلا الله، كان الله ولم يكن شيء، حين خلق الوجود، وخلق كل ذلك هل احتاج لمساعدة؟ هل يزعم أحد أنه شاركه في الصنع، والخلْق، والتقدير، والتدبير، هو الغني المستغني بذاته عما سواه سبحانه قدَس نفسه، ونزّه نفسه عن هذه المقالة، مقالة السوء (لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ ) ملكا، وخلْقا، وتقديراً، وتصريفاً، الكل مملوك، فهل يحتاج لولد (إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَـٰنٍۭ بِهَـٰذَآ ۚ ) (ِنْ) هنا بمعنى (لا) النافية، أي ما عندكم من سلطان، السلطان بمعنى الحجة، بمعنى البرهان، بمعنى الكتاب المنزل، بمعنى الدليل، هل عندكم دليل على أن الله اتخذ ولداً، قالت اليهود‫:‬ عزير ابن الله، أين الدليل؟ أين عزير؟ هل يموت الإله، قالت النصارى‫:‬ المسيح ابن الله، أين المسيح؟ هل يصلب ابن الله؟ هل يموت ابن الله؟ هل يدفن ابن الله؟ هل تحويه الأرض؟ هل يسعه المكان؟ هل يحده الزمان؟ أي عقل يقول هذا وأي منطق! (إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَـٰنٍۭ بِهَـٰذَآ ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٦۸﴾) إذا قال الرجل على رجل شيئا لا يعلمه، وواجه كيف تكون المواجهة؟ كيف يكون الخزي؟ رجل أمام رجل، فكيف بهم أمام الخالق‫.‬ اشكروا الله، واحمدوه على نعمة التوحيد، اشكروا على نعمة الإسلام، فهي أعظم نعمة على وجه الإطلاق (قُلْ) تحذير، وتهديد، وإنذار (قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿٦۹﴾) يفترون على الله الكذب، يؤلفون الكلام، ويخترعون الكلام، فالذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (مَتَـٰعٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا): بالرياسة، الكهنة، كهنة المعابد، مؤلفوا الشرائع، مخترعوا الأديان، متاع في الدنيا بالمال بالرياسة بالجاه (ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) أي تهديد هذا، وأي وعيد لمن يعقل، ولمن يسمع، الرجوع إلى الله، فهو الحاكم والحكم (ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ﴿۷۰﴾) أيها الأخ المسلم، أرأيت نعمة الله عليك؟ هل أحسست بنعمة الإسلام؟ هل لك فضل في هذا أم الفضل لله؟ هو الذي هدانا للإيمان، هو الذي خلقنا من أبوين مسلمين فوجدنا أنفسنا مسلمين، هو الذي قذف الإيمان في قلوبنا، فأضاءت القلوب، وأضاءت العقول، هو الذي جعل أسماعنا تسمع، وأبصارنا تبصر، وقلوبنا متفتحة لكلامه، أي فضل وأي نعمة، لو خر الإنسان ساجداً لله، وما قام من سجوده إلى أن يموت، ما وفى الله حقه في الشكر، فيقص الله (تبارك وتعالى) على حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) قصص بعض الأنبياء؛ تسرية له، وتسلية له، وتثبيتا لفؤاده، أيضا تهديداً لمن كذّبه، وإنذاراً لمن كفر به، ووعيداً لمن استهزأ به، قص ربنا في سورة يونس، قصة نوح، وقصة موسى، وقصة يونس يقول عز من قائل‫:‬‬‬‬
وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةًۭ ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ ﴿71﴾
نوح الأب الثاني للبشر، نوح لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عام زمن البعثة، ولس زمن بقائه في الحياة، عمره يعلمه الله، لكن الزمن الذي ظل يدعو فيه قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، عمّره الله إمهالا لقومه، كذبوه، وآذوه، وفعلوا به الأفاعيل، بل وكان الرجل منهم إذا حضرته الوفاة، يأتي بأبنائه جمعيا ويوصيهم بعدم الإيمان بنوح، جبروت، وعتو؛ ولذلك من شؤم أفعالهم أغرق الله الأرض بمن عليها، غرقت الطيور، ولا ذنب لها، وغرقت الوحوش، ولا إثم عليها، وغرقت البهائم، ولم ينجو سوى نوح ومن معه، وكانوا ثمانين شخصا، رجلا وامرأة، وبعض ما حمله معه في سفينته من الحيوانات النافعة، وفِعْل البعض قد يؤثر على الكل، وظلم البعض قد يودي بالكل (وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةًۭ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةًۭ ۖ ) [سورة الأنفال آية‫:‬ ٢٥] نوح والقصة مختصرة في سورة يونس، تأتي بعد ذلك تفصيلا في سور أخرى، طال نوح في قومه، طال عمره، وطال زمن البعثة، ولا يملّ، ولا يكلِّ يدعو، مهما فعلوا فيه، ومهما آذوه ظل يدعو إلى الله (عز وجل) وحين أُعلم بأنه لا فائدة، واجههم بهذه المقالة (إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى) كبُرَ: عظُم، وشق، كبِر في السن، كَبُر، يكبُر كُبراً، كَبَر‫.‬ يكبِر كِبْراً في السن (إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى) أي شق وعظُم عليكم مقامي، المقام‫:‬ ما يقف فيه الإنسان، المقام هنا يعبّر به عن وقوفه للدعوة، وقيامه عليها، يعبّر أيضا عن طول مكثه فيهم، إن كان شق وعظم عليكم مدة بقائي، أو وقوفي بينكم للدعوة وتذكيري بآيات الله، فعلى الله توكلت، هو متوكل على الله ولم يزل، وهنا كأنه توكل خاص، في موقف خاص، يبين منتهى الثقة بالله، وعدم المبالاة بهم (فعلى الله توكلت) أوكلت إليه أمري وفوضت إليه أمري (فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ) قراءة (فأجمعوا أمركم) أجمع‫:‬ عزم وصمم (فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ ۚ ) [سورة يوسف آية‫:‬ ١٥]، العزم والتصميم، والقصد‫.‬ أجمع بعد أن كان متفرقا لا يكن أمركم متفرقا فأجمعوه، أو أجمعوا عليه واعزموا (وَشُرَكَآءَكُمْ) كذلك اجمعوهم معكم، أو أجمعوا أمركم، وشركاءكم، (ثم أفضوا إلي )، (ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ ﴿۷١﴾) قراءتان، قضى دينه‫:‬ أداه، قضى نحبه‫:‬ مات، أجمعوا أمركم وأدوا إلي ما تريدون من إيذائي، (افضوا إلي) أفضى‫:‬ انتهى، أفضى أدلى، أفضى من الخروج إلى الفضاء، (إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةًۭ ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ ﴿۷١﴾) حين طلب منهم أن يقضوا إليه أو يفضوا إليه، والغريب أنه طلب منهم أن يكون التدبير والمكر والاستعداد والاتجاه إليه علناً، جهاراً، دون إخفاء؛ إذ من خاف من غيره أو خاف من فساد مكرهم، أو خاف من إفساد حيلته أخفى التدبير، أما من لم يخف، وجرأ وقدر على فعل ما يريد أعلن، وها هو نوح يطلب منهم أن يكون الأمر معلناً، مما يدل على قلة مبالاته بهم، وشدة ثقته بالله (ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةًۭ) أي لا تحتالوا في إخفاء التدبير غمّه:غطّاه‫.‬ الأصل من الغمامة، والغمام أي دبّروا ما شئتم، وخططوا ما شئتم، وليكن تدبيركم علناً ولا تقتلوني في الخفاء، أو تمكروا بي سراً ها أنا مستعد، فافعلوا ما شئتم مما يدل على منتهى الثقة بالله، وعدم المبالاة بهم، وبمكرهم، وبأنهم لا محالة مهزومون، وأنه منصور بتوفيق الله (ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ ﴿۷١﴾) ولا تنظروني، ولا تمهلوني من الإنظار، أنظره‫:‬ أمهله، أي لا تعطوني مهلة، بل فاجئوني، فكذبوه رغم هذا التهديد، لكن نوح يبين أمراً غآية في الأهمية وهو، دعاهم حين تولَوْا عن دعوته، لماذا تولَوْا؟ هل لقلة الإقناع؟ هل لعدم وجود البرهان؟ هل كلفهم مالا فشقّ عليهم ذلك؟ إن أعرضوا عنه، هل إعراضهم بسبب ما طلبه من مال؟ وهل إعراضهم يحرمه من مال كان ينتظره؟ من هنا رغم التهديد، ورغم الوعيد، ورفع راية التوكل على الله، والثقة، بنصره، يبين لهم هذه الجزئية‫.
فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴿72﴾
‫(فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ ) أي إن أعرضتم عني، وعن دعوتي، وكذبتم وكفرتم، فليس ذلك؛ لأني طلبت منكم ما يشق عليكم أداءه، وليس توليكم بمؤثر فيّ؛ لأني لم أطلب منكم مالاً، ولا أجراً، وإنما أجري ثابت عند الله بالإبلاغ آمنتم أو لم تؤمنوا، ودعوة الرسل المبلغة، مكتوبة، ثوابها معلوم، سواءً آمن الناس أو لم يؤمنوا (إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۖ ) إذاً فالأجر ثابت على البلاغ‫.‬ وكذلك الدعاة الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، استمع لهم أو لم يُستمع، نالوا الأجر ونالوا الثواب (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ ) [سورة الشورى آية‫:‬ ٤٨] هذه هي المعلومة التي ساقها إليهم بعد التكذيب، والوعيد، توليكم لا حجة لكم فيه، فالمال صنو الروح، وأنا لم أطلب مالاً، توليكم لا يضيرني؛ لأني لم أبتغ منكم ثوابا ولا أجراً، وثوابي ثابت عند الله (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴿۷٢﴾) المنقادين لله (عز وجل) والمستسلمين لقضائه وقدره، حين كذبوه، والكذب كان مستمراً، ولم يكذبوه بعد هذه المقالة، بل كذبوه من قبلها، والله (تبارك وتعالى) يقول‫:‬‬‬‬‬
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَـٰهُمْ خَلَـٰٓئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ ﴿73﴾
‫(فَكَذَّبُوهُ) أي فأصروا على تكذيبه، واستمروا على هذا التكذيب (فَنَجَّيْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ) الفلك‫:‬ السفينة والفلك‫:‬ يُذكر ويؤنث، ويُفرد ويُجمع (وَجَعَلْنَـٰهُمْ خَلَـٰٓئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۖ ) أي خلفوا المغرقين؛ لأنه حين غرق الكل أصبح نوح ومن معه في السفينة هم الموجودون على ظهر الأرض، ولا أحد غيرهم؛ لذا كانوا هم الخلائف؛ ولذا سُمِّي نوح بأبي البشر الثاني (وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۖ ) كل من على الأرض غرق بالطوفان حين أمر الله، تبارك وتعالى، الأرض، فأخرجت ماءها، والسماء فأنزلت ماءها فالتقى الماء على أمر قد قُدِر (فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ ﴿۷۳﴾) إذاً فالكلام تسرية لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) أي لا يضيرك تكذيب قومك، ونحن قادرون على أن نفعل بهم، وإن كان هؤلاء قد كذبوك فقد كُذب نوح وغيره، ثم هو تهديد لكفار مكة، ولمن كذّب النبي (صلى الله عليه وسلم) هل تأمنون أن يُفعل بكم، ما فُعل بقوم نوح، فانظر وتأمل كيف كان عاقبة المنذرين، الذين أنذرهم نوح، فلم يستجيبوا لإنذاره‫.‬‬‬‬
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴿74﴾
بعد نوح، مر الزمان، وخلف الناجون غيرهم، وبمرور الوقت وبموت الرسل، وبمضي الأيام يعود بعض الناس عن الإيمان، وتظهر علامات الكفر، وتندثر العلوم، ويتبع الناس جهلاءهم فيرحم الله من في الأرض، فيرسل رسولاً آخر، بآيات، ومعجزات، وإنذار، وما إلى ذلك فيقول الله (تبارك وتعالى): (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ) من بعد نوح (رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ) لكل قوم رسول (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ ) [سورة النحل آية‫:‬ ٣٦] (فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ) المعجزات، الواضحات، الدالات على صدق الرسل وعلى وجود الله (عز وجل) (فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ ۚ ) ماذا كذّبوا من قبل الرسل؟ بأي شيء كذّبوا؟ والآية أُشكلت على العلماء، فاختلفت أقوالهم، قالوا‫:‬ الضمير عائد على قوم نوح، أي بما كذب به قوم نوح من قبل، ليستقم المعنى، فما كانوا ليؤمنوا الأقوام الجدد بما كذب به الأقوام السالفة، بما كذب به قوم نوح من قبل، وقيل‫:‬ الكلام عن أقوام بعينهم أُرسل إليهم، فكذبوا ثم أرسل إليهم، فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل، وقيل‫:‬ بل الكلام عن الأقوام، أما ما كذبوا به من قبل متى وأين وكيف؟ قالوا‫:‬ في عالم الذر، حين جمع الله (تبارك وتعالى) الخلائق من أصلاب آبائهم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قال الجميع‫:‬ بلى، الجميع منهم من قال‫:‬ بلى بقلبه مع لسانه، وأولئك هم المؤمنون في كل زمان ومكان، ومنهم من قال بلى بلسانه مكذبا بقلبه (فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ ۚ ). أقوال، وأقرب الأقوال، وأشبهها قول من قال‫:‬ (بِمَا كَذَّبُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ ۚ ) كذّبوا بالحق ليس بالرسالة، وإنما هم يكذّبون بالحق أصلاً، ديدنهم التكذيب ديدنهم الإيمان بالباطل، والكُفران بالحق، وديدنهم التكذيب بكل أمر ظاهر، وبكل أمر حق، هم مجادلون بالطبع معاندون بالفطرة، (كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴿۷٤﴾) أي نختم، ونغلق على قلوب المجاوزين للحد، المفسدين في الأرض، المكذبين للرسل، فإن ختم بقى ما في القلب من كفر لا يخرج، وامتنع دخول النور إلى القلب، وامتنع دخول الإيمان.
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ بِـَٔايَـٰتِنَا فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ ﴿75﴾ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوٓا۟ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿76﴾
الرسل الذين أرسلوا بعد نوح منهم من عرفناه‫:‬ هود، صالح، إبراهيم، لوط، شعيب، ومنهم من لم نعرف، ثم جاء عصر موسى، وأرسل الله موسى، وأرسل معه أخاه هارون استجابة لدعوته (إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ) الملأ‫:‬ الأشراف، سُموا ملأ لأنهم ممتلئون مما يحتاج إليه الناس، أو تملأ رهبتهم العيون‫.‬ الملأ‫:‬ أشراف فرعون، المستفيدون من صاحب السلطان، المنتفعون في كل مكان وزمان، المنافقون المحيطون بالحكام من أجل الانتفاع (فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ ﴿۷٥﴾) استكبروا‫:‬ طلبوا الكِبر الذي لا يحق لهم، وكانوا قوما مجرمين، عاتين في الإجرام، شديدوا القسوة، والإفساد في الأرض (فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ ﴿۷٥﴾) إذاً فقد عرفوا الحق، طالما قال الله (تبارك وتعالى): (فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ) إذا فقد أيقنوا أنه الحق، حتى إن الله في موضع آخر يقول عن قوم فرعون (فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ ءَايَـٰتُنَا مُبْصِرَةًۭ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿١۳﴾ وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ) [سورة النمل آية‫:‬ ١٣‫‬ - ١٤] هنا كذلك (فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا) إذا فقد علموا أنه حق (قَالُوٓا۟ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿۷٦﴾) سحر ظاهر، واضح، لا شك فيه، ولا مراء، قالوا للحق سحر‫.
قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَـٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ ﴿77﴾
حين اتهموا ما جاء به السحر، واتهموه بأنه ساحر يسألهم موسى (أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَـٰذَا) كيف يختلط عليكم الأمر، ولا تميزون بين الحق والباطل، بين السحر والحقيقة، حين ألقى السحرة، ألقوا عصي، وحبال كما هي لم تتغير، ولم تتحول، وكان السحر في أعين الناس، وليس الحبال ولا في العصي، السحر خيال، السحر تمويه، السحر ليس بحق، ولا بحقيقة، من هنا يسألهم سؤال تبكيت منكراً عليهم (أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَـٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ ﴿۷۷﴾) وطالما أعلم أن الساحر لا يفلح، يستحيل عليّ أن آتي بسحر، من علم أن السحر لا يفلح، وأن الساحر لا يفلح، لا يمكن أن يتعاطى السحر، وقال بعضهم، بل المعنى مختلف عن هذا حيث قال موسى (أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ ) والكلام محذوف تقديره (أتقولون للحق لما جاءكم إن هذا لسحر مبين) ثم استأنف سؤال آخر (أَسِحْرٌ هَـٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ ﴿۷۷﴾) وقال البعض‫:‬ بل الكلام، كلام السحرة (قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَـٰذَا) حكاية عن قولهم حيث قالوا‫:‬ (أَسِحْرٌ هَـٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ ﴿۷۷﴾) والمعنى الأشبه، والأقرب هو قول من قال (قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ ) وتقدير الكلام (إن هذا لسحر مبين) ثم أعاد السؤال مرة أخرى منكرا عليهم متعجبا من استكبارهم وعتوهم (أَسِحْرٌ هَـٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ ﴿۷۷﴾) من قول موسى، (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍۢ ﴿۷۹﴾) حين رأى فرعون فعل موسى، وحين اعتقد أن ذاك سحر، أو أظهر أن ذاك سحر، فما كان يغيب عن فطنة فرعون أن ما جاء به موسى هو الحق، كما أن بطانة السوء المنتفعون، هم الذين حرّضوه على تحدي موسى بالإتيان بالسحرة، لعلهم يأتون بما أتى به، فيخلطون الأمور على الناس، الأغرب من كل ذلك، والأدهش، والأعجب، أنهم اتهموا موسى بأنه يريد قلب نظام الحكم، اتهموا موسى بتشكيل عصابي، والإعداد للاستيلاء على المُلك، لم ينظروا إلى الحق، وإلى الحقيقة، وإلى النور الذي جاء به موسى معه، تلك اليد التي إذا خرجت من تحت إبطه أضاءت ضوءاً انكسف من أجله ضوء الشمس، غاب عنهم كل ذلك ولم ينظروا إلا إلى ما تحت أقدامهم من مُلك، وإلى ما بين أيديهم من سلطان، جاء موسى بقول‫:‬ لا إله إلا الله، إذا الحاكم هو الله، الملك هو الله، المالك هو الله، القادر هو الله، الرازق هو الله، إذاً فالكل يلجأ إلى الله، لا إلى الحاكم، العبادة لله ليست للحاكم، الناس سواسية كأسنان المشط، أفضلهم، وأحسنهم، وأخيرهم أتقاهم لله، معيار جديد، ليس فيه معيار النفاق، معياره التقوى، إذاً فالسلطان مهدد، والكرسي معرض للزوال، من هنا لُفقت له التهمة التي طالما لُفقت عبر الأزمنة، والعصور لكثير من المصلحين، والداعين إلى الله‫.
قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴿78﴾
‫(قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا) هذه الدعوى المزعومة، وهذا المجيء لغرض (لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا) تلفتنا‫:‬ تصرفنا، لفت، يلفت، يلتفت، والتفت‫:‬ تحول إلى الجانب‫.‬ تصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا، وجدوا آباءهم على عبادة الأصنام، على الكفر، على الفجور، على استغلال النفوذ، على استغلال الفقراء، على استعباد بني إسرائيل، على الظلم، والعتو، والجبروت، على نهب الثروة، على الانتفاع بخيرات الأرض دون غيرهم (وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلْأَرْضِ) أي الملك والسلطان، وسُمي الملك والسلطان كبرياء؛ لأن الملك يستكبر بملكه على من سواه؛ ولأن الملك والسلطان في الأرض أعظم ما يطلبه الإنسان، وأجلّ ما يطمح إليه الإنسان الغافل (وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴿۷۸﴾) قرار وانتهوا إليه، رفضوا الإيمان بالكلية، واتهموا موسى بأنه يسعى إلى الملك والسلطان، وأن يحل محل فرعون في ملكه، وبالتالي بطانة فرعون أين تذهب؟ ذهبت دولتهم، وها هو فرعون يستدعي السحرة من كل أنحاء الأرض‫.‬‬‬‬
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍۢ ﴿79﴾
‫(بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍۢ ﴿۷۹﴾) (بكل سحار عليم) قراءتان، عليم بسحره، حاذق في فنه، عظيم فيما يأتي به‫.‬‬‬‬‬
فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ ﴿80﴾
جاءوا يسعون من كل حدب وصوب، جاءوا طامعين في المكافأة، إن لنا لأجرا أن يكونوا من المقربين (قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ ﴿۸۰﴾) والقصة هنا مختصرة، والكلام مختصر أي اطرحوا حبالكم، وعصيكم، وأدواتكم وافعلوا ما شئتم‫.‬‬‬‬‬
فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴿81﴾ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴿82﴾
‫(ويحق الله الحق بكلمته) قراءة، لما ألقوا حبالهم، وعصيهم قال موسى للسحرة (مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ ۖ ) أي هذا هو السحر لا ما جئت به أنا (إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ ) سيفسده، سيظهر الحق، سيمحق الباطل (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴿۸١﴾) فعُلم من هذا أن السحر إفساد، أن السحر تمويه، أن السحر باطل، أن السحر غير مستمر، أن السحر دجل وكفر، ومتعاطي السحر كافر (وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ) أي بقضائه، بأمره، بتدبيره، بتصريفه (وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴿۸٢﴾) مهما كانت كراهية المجرمين للحق، فالحق لابد وأن يعلو، لابد وأن يظهر، وإن كانت دولة الباطل ساعة، فإن دولة الحق إلى أن تقوم الساعة، وحين ظهر الحق، وألقى موسى عصاه، فإذا هي تلقف الباطل ظهر الحق وزهق الباطل، وبحث السحرة عن أدواتهم فلم يجدوها، فقد التقمها ثعبان موسى، والغريب أن الثعبان بعد ما التقم كل ذلك، حمولة أربعمائة ناقة، الأغرب من هذا الالتقام، والأغرب من كمية ما التقم هذا الثعبان، أنه عاد إلى موسى، فأمسكه موسى، فعاد إلى ما كان عليه، فإذا به عصا في يد موسى، حق، خلق، حياة، إفناء، إيجاد لا يقدر على كل ذلك إلا الله، من أجل ذلك أُلقي السحرة ساجدين، عرفوا الحق، لكن من آمن بموسى، آمنوا على خوف، آمنوا على وجل‫.‬‬‬‬‬
فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ عَلَىٰ خَوْفٍۢ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ۚ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴿83﴾
‫(فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ) من قوم من؟ من قوم موسى، أم من قوم فرعون؟ قولان‫:‬ إن كانوا من قوم موسى، فقد هلك الآباء مع طول المدة، وبقي الأبناء الشباب، هم الذين آمنوا بموسى، أو آمن الشباب، وآمن الصغار، أما الكبار خافوا كما حدث في بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) حيث آمن به الفقراء، والشباب، أو الكلام عن قوم فرعون (فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ) من قوم فرعون، أما قوم موسى فقد آمنوا به منذ بُعث؛ إذ هو حبل النجاة، ويعرفونه وآمنوا به، فالكلام عن قوم فرعون، والحكاية عنهم من هم؟ مؤمن آل فرعون الذي قال‫:‬ (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ) [سورة غافر آية‫:‬ ٢٨] امرأة فرعون التي قالت‫:‬ (وَقَالَتِ ٱمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍۢ لِّى وَلَكَ ۖ ) [سورة القصص آية‫:‬ ٩] والتي قالت‫:‬ (رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًۭا فِى ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ (١١)) [سورة التحريم آية‫:‬ ١١]، وضُربت مثلا للذين آمنوا، ماشطة ابنته، خازن أمواله، وامرأة الخازن، بعض الناس من قوم فرعون آمنوا لموسى حين رأوا الحق، وهداهم ربنا (تبارك وتعالى) للإيمان (فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ عَلَىٰ خَوْفٍۢ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ) فرعون‫:‬ مفرد، وملأهم جمع، وقيل (وَمَلَإِي۟هِمْ) ملأ‫:‬ الذرية، ملأ القوم حين عُلم أن فرعون ليس منفردا بالإيذاء، بل معه أشراف قومه فهم جماعة قيل (فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ) أشراف القوم الذين لا يبتغون الإيمان، ولا يريدون لأحد أن يخرج عن سلطانهم فيؤمن لموسى، فيخرج على السلطان كما حدث في مكة، صناديد قريش كلما آمن من أبنائهم أحد عذبوه، وهكذا على خوف آمن المؤمنون، وفي قلوبهم خوف من فرعون، وإيذائه وجبروته، ومن أشراف القوم (عَلَىٰ خَوْفٍۢ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ۚ ) والفَتْن في الأصل‫:‬ إدخال المعدن في النار لتخليصه من الشوائب‫.‬ إدخال الذهب حتى يخرج خالصا، وتطلق الفتنة على الكفر، وتطلق على الابتلاء، وتطلق على العذاب، وتُطلق على الامتحان، والاختيار، وهكذا بحسب وضعها في القرآن، هؤلاء خافوا من فرعون أن يفتنهم، أن يعذبهم، ويضغط عليهم، ويؤذيهم بأسلوب يجعلهم يرتدون، أو لا ينطقون بكلمة التوحيد كما يجب (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴿۸۳﴾) وكأن الله (تبارك وتعالى) يبرر خوف من آمن، والخوف من الله، لكن الناس تخاف من أشياء أخرى، والخوف غريزة، فكأن الله يبرر خوف هؤلاء، حتى لا يتساءل السائل‫:‬ كيف آمنوا بالله، ورأوا الحق، وكيف خافوا من فرعون، ويجب ألا يُخاف إلا من الله، فالتعليل أو التبرير إن فرعون عال في الأرض، رجل ادعى أنه الرب الأعلى، كيف يكون جباراً! كيف يكون جبروته؟! ليس زعيما ملهما فقط، بل إله ورب يُعبد حين قال‫:‬ (فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ (٢٤)) [سورة النازعات آية‫:‬ ٢٤] (لَعَالٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴿۸۳﴾) المجاوزين لكل حد في الظلم، والبهتان، والكذب، والادعاء، والجبروت، والقسوة‫.‬‬‬‬
وَقَالَ مُوسَىٰ يَـٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴿84﴾ فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةًۭ لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿85﴾ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿86﴾
آمنوا والجبار موجود، وملأه في السلطة، والقوة غاشمة، والظلم منتشر، والإذلال والاستعباد مستمر، كيف يكون الحال؟ فها هو موسى ينصح قومه باستمرار التوكل على الله (وَقَالَ مُوسَىٰ يَـٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴿۸٤﴾) اجعلوا توكلكم على الله، وأوكلوا أموركم إليه، وفوضوا الأمر إليه، وارضوا بما قضى وقدّر، إن كنتم آمنتم بالله، فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين، أي مستسلمين لقضائه، منقادين لحكمه، والكلام فيه تأكيد، وليس مشروطا بشرطين‫:‬ شرط الإيمان، وشرط الإسلام، وإنما هو تأكيد لنفس الشرط، أي إن كنتم آمنتم فإن من مقتضيات الإيمان التوكل على الله، والاستسلام والانقياد لحكمه، فهو تأكيد للشرط الأول، ولما كانوا متوكلين على الله مؤمنين به حقا، كانت الإجابة السريعة (فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا) أي أقررنا بذلك، ولجأنا إليه متوكلين عليه، وفوضنا أمورنا إليه، ثم توجهوا بالدعاء، وفي الآية لفتة تبين أن الداعي إلى الله، والطالب من الله، والراجي من الله، يجب أن يُسبق دعاءه بالتوكل، بمعنى أن ترضى بما يأتي به الله، ذاك حقيقة التوكل، رجل حملت امرأته دعا أن تأتي بولد، فجاءت بأنثى، إن رضي فهو متوكل على الله، راضٍ بحكمه، واستجيبت دعوته، هو لا يعرف كم من أنثى أفضل! ها هي مريم، إن لم يرض، وقال لم تُجب دعوتي، فذاك رجل غير متوكل على الله، ساخط لا يدري، ولا يعلم، شرط التوكل أن ترضى بالنتيجة، فمعنى التوكل أن تفوض الأمر لله، معنى التوكل أن تخرج من حولك، وقوتك، وتوكل الأمر إلى الله، كرجل له قضية وكّل محاميا للدفاع عنها، فإن كان واثقا من محاميه رضي بما تقضي به المحاكم، فكذلك إن توكلت على الله، هو العليم، هو القدير، فإن جاءك بما تريد، فبلطفه، وإن جاءك بما لا تريد فبعدله، وبحكمته؛ ولأنك توكلت، ودعوت، فأتاك بما يصلح لك، وهو يعلم وأنت لا تعلم، (وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)) [سورة البقرة آية‫:‬ ٢١٦] ذاك حقيقة التوكل، اطلب من الله ما شئت وتوكل عليه، فإن جاءك بما تريد فذاك فضل من الله، وفيه الخير، وإن لم يأتك بما تريد فاعلم أن ما أردته أنت كان فيه هلاكك، فأنقذك منه لأنك لجأت إليه، فمنع عنك ما تريد، كما يمنع الرجل ابنه المريض عن الطعام خوفا عليه وحماية له، من هنا قالوا (عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا) أولا ثم توجهوا بالدعاء (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةًۭ لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿۸٥﴾) (وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿۸٦﴾) (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةًۭ لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿۸٥﴾) تحتمل معاني، أن يجعلهم ربنا فتنة للقوم الظالمين، أي يسلّط الظلمة عليهم، فيعذبونهم، فيدخلون النار بذلك التعذيب، وأصبح المؤمنون هنا وسيلة، وأداة لوقوع الكفار في الخطيئة، ذاك معنى، إذا فقد طلبوا من الله ألا يجعلهم فتنة للظلمة بأن يسلّط الظلمة عليهم، بأن يفعلوا بهم، ويفعلوا بهم، فيستحقوا العقاب، أي فإن أردت أن تعاقبهم، فعاقبهم لشأن آخر بعيد عنا، وليس بسبب إيذائهم لنا، أيضا تحمل معنى (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةًۭ لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿۸٥﴾) بأن تسلّط علينا عذاباً من عندك، فقر، أو ضعف، أو مرض، فيقول الظلمة‫:‬ ها هم الذين يزعمون أنهم آمنوا، انظروا إلى أفعالهم، وماذا جرى لهم، ها هم قد مرضوا، وافتقروا، وزعموا أنهم متوكلين على الله، وأنهم مؤمنين بالله، وهكذا فتصبح الشماتة هي الأساس، ونصبح نحن أضحوكة في أنظار هؤلاء، إذاً فقد طلبوا من الله أن يحميهم من عذاب الكفار، أيضا من تصاريف القدر التي قد تجعلهم فتنة، أيضا لا تجعلنا فتنة، معنى هذا أنهم طلبوا من الله الثبات على الإيمان، والدوام على الإسلام، لا يرتدوا عن دينهم مهما حدث لا يخلوا بالميثاق والعهد مهما جرى، (وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿۸٦﴾) تلك كانت دعوتهم بعد توكلهم على الله، وفي الآية الأخيرة لفتة لابد من الإشارة إليها (وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ) لم يقولوا‫:‬ (نجنا بعملنا)، ويذهب العقل فوراً والقلب إلى آيات في القرآن (وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (١٩)) [سورة النمل آية‫:‬ ١٩] دعوة سليمان بالرحمة، لا باستحقاقه رغم ما فعله سليمان، ورغم ما نعلم من هو سليمان (وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ (٤٠)) [سورة ص آية‫:‬ ٤٠]، ذوا الجاه، والسلطان، ذو المُلك، والنبوة، وارجع كذلك إلى سورة هود وأقرأ وتأمل الأنبياء كلهم‫:‬ نوح، هود، صالح، شعيب (وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَنَجَّيْنَـٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ (٥٨)) [سورة هود آية‫:‬ ٥٨] (فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَـٰلِحًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا) [سورة هود آية‫:‬ ٦٦]، (وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا) [سورة هود آية‫:‬ ٩٤] شيء ملفت للنظر، إذاً رحمة الله (تبارك وتعالى) هي الأساس، ( مَا أَحَدٌ مِنْكُمْ دَاخِلٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ " , قَالُوا‫:‬ " يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلا أَنْتَ؟ قَالَ: " وَلا أَنَا , إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ) إذاً فدخول الجنة بالرحمة، واقتسامها بالأعمال، الهداية إلى العمل الصالح بالرحمة، إصلاح الذرية بالرحمة، أن تتوفى مسلما بالرحمة، أن تنجو من الكفار بالرحمة، إذاً فأين العمل؟ فالعمل من ضمن الرحمة، بل هو فرع من فروع الرحمة، فبرحمة الله هداك للإسلام، وبرحمته جعلك من أهل القرآن، وبرحمته جعل لك لسانا عربيا، وبرحمة الله وفقك لعبادته، فالعمل هو من رحمة الله، ومن فضل الله ومن منِّ الله (بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَىٰكُمْ لِلْإِيمَـٰنِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (١٧)) [سورة الحجرات آية‫:‬ ١٧] أوصى موسى قومه الذين آمنوا به، أوصاهم بالصبر، أوصاهم بالتوكل على الله، ولجؤوا جميعا إلى الله (عز وجل) لجؤوا إليه متضرعين ألا يجعلهم فتنة للقوم الظالمين، وطلبوا منه النجاة من القوم الكافرين، واستجاب ربنا (تبارك وتعالى) لهم، فثبت قلوبهم، وأوحى إلى موسى بالعمل، والاستمرار في الدعوة، والصبر على إيذاء فرعون؛ إذ لم يتركهم فرعون في حالهم، بل حرّضه الملأ (وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ (١٢٧)) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٢٧]، خرّب فرعون مساجد بني إسرائيل، خرّب دور العبادة، ومنعهم من عبادتهم، وكانت صلاتهم في البِيع والمعابد، وليس في البيوت، لكن الضرورات تبيح المحظورات، من هنا سمح الله (تبارك وتعالى) لبني إسرائيل أن يتخذوا من بيوتهم مساجد، فقال عز من قائل‫:‬‬‬‬
وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًۭا وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةًۭ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿87﴾
‫(تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًۭا) بوأته منزلا، وبوّأت له منزلا أعددت، وهيأت، وأسكنت، أعددت له، وهيأت له، وأسكنته، والمباءة‫:‬ المكان الذي تكون فيه الإقامة دائمة بيوتا‫:‬ مساكن (وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةًۭ) أي مقابلة لبعضها البعض، يقابل بعضها البعض، أو اجعلوها متجهة إلى القبلة، وقيل القبلة بيت المقدس، وقيل القبلة‫:‬ الكعبة أو واجعلوا بيوتكم قبلة أي مصلى تصلون فيها بسبب الخوف من فرعون (وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۗ ) داوموا على إقامة الصلاة (وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿۸۷﴾) بالنصر في الدنيا وبالجنة في الآخرة وفي الآية الضمائر أو الخطاب مثنى، ثم جمع، ثم مفرد (تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا) مثنى (وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةًۭ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۗ ) جمع (وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿۸۷﴾) بالإفراد، اتخاذ المساجد وبناء المعابد من سلطة الرؤساء، من هنا كان الأمر لرؤساء القوم، موسى، وهارون (وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًۭا) خطة إعداد، استعداد من شأن الرؤساء، وليس من شأن الناس، حتى تتوحد الاتجاهات، أما الصلاة فهي من شأن الجميع، والأمر باتخاذ البيوت مساجد أمر للجميع، من هنا جمع وقال (وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةًۭ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۗ ) جمع لأن الكل والآحاد مأمورون بهذا، أما التبشير فهو من وظيفة صاحب الرسالة فقط، هو المبشِّر، فأفرد الخطاب وقال (وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿۸۷﴾) لموسى، هذا الإعجاز اللغوي الذي لا يفوته فائتة، لا يكون إلا من حكيم عليم، قالوا‫:‬ إن البيوت أصبحت مساجد، قالوا‫:‬ البيوت متجهة إلى القبلة، قالوا‫:‬ البيوت يقابل بعضها بعضا، كل ذلك تحتمله ألفاظ الآية، أقرب الأقوال هو أنهم حال الخوف أُذن لهم بالصلاة في البيوت؛ إذ إن الصلاة بالنسبة لشرع موسى كان يجب أن يكون في المعابد، والمساجد، وهنا اتجه موسى إلى الله داعيا لاجئا قال:
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةًۭ وَأَمْوَٰلًۭا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ﴿88﴾
الملفت للنظر أن الرسل رحمة، وما من رسول إلا ويجتهد في دعوة قومه للإيمان، وفي الدعاء لهم بالهدى، وفي طلب الرحمة، والغفران لهم، فكيف يدعو موسى على هؤلاء الذين أُرسل إليهم؟ نفس الموقف، ونفس التساؤل يأتي بالنسبة لنوح حيث قال (وَقَالَ نُوحٌۭ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى ٱلْأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّارًا ﴿٢٦﴾ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا۟ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓا۟ إِلَّا فَاجِرًۭا كَفَّارًۭا ﴿٢۷﴾) [سورة نوح آية‫:‬ ٢٦ -‬ ٢٧].‬
‫قال العلماء‫:‬ إن دعوة الأنبياء على قومهم، والتي حدثت بالنسبة لنوح، وبالنسبة لموسى كانت بأمر من الله، وبوحي منه، أما نوح فقد أخبره الله (تبارك وتعالى) بقوله‫:‬‬
‫(وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ) [سورة هود آية‫:‬ ٣٦]، إذاً فلن يلدوا إلا فاجرا كفاراً، حين أوحى إليه بذلك أمر بالدعاء عليهم، ولم يدعو عليهم من تلقاء نفسه، وكذلك موسى أوحى إليه بعدم إيمان فرعون وقومه‫.‬‬
(إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿۹٦﴾ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ﴿۹۷﴾) [سورة يونس آية‫:‬ ٩٦‬ - ٩٧] إذا فقد كانت دعوة موسى بناء على علم من الله، وبناء عن وحي من الله (وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ) أشراف قومه (زِينَةًۭ وَأَمْوَٰلًۭا) الزينة‫:‬ الرياش، فاخر الأثاث كل ما يُزين به كل ما زُينت به الأرض (وَأَمْوَٰلًۭا) من جميع أنواع المال‫:‬ الذهب، والفضة، والمجوهرات والملابس، وما إلى ذلك (وَأَمْوَٰلًۭا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ ۖ ) (ليَضلوا ليُضلوا) قراءتان، ليَضلوا هم، أو ليُضلوا غيرهم، واللام في كلمة ليُضلوا أهي للدعاء؟ لام الأمر، لام الرجاء، وكأن موسى يدعو عليهم بالضلال، أم هي لام (لكي) أو لام (لأجل) أي لام العلة، أم هي لام العاقبة كقوله‫:‬ (فَٱلْتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّۭا وَحَزَنًا ۗ ) [سورة القصص آية‫:‬ ٨] أي لتكون العاقبة (لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ ۖ ) أي لتكون العاقبة الضلال، أم هي لام العلة، وكأن الله أعطاهم الأموال، وأعطاهم الزينة استدراجا لهم، فإذا رأيت الله منعما على عبد، وهو مقيم على معصيته، فاعلم أن ذلك منه استدراج، فكأن الأموال، والزينة ليستدرجهم، فيزيدوا في ضلالهم، أم هي لام الصيرورة، فالأموال والزينة تؤدي بهم في النتيجة إلى الضلال والإضلال، (رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ) اطمُس قراءة أخرى، طَمس، يطمِس، يطمُس، طمس الشيء‫:‬ إزالته عن صورته، محْق الشيء‫:‬ إزالة أثره، مسخه (رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ) إذا فقد طلب إهلاك الأموال، تغيير صورتها (وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ) اطبع عليها، واختم عليها، واشدد عليها كشد الوثاق، والتيقن من شيء، (وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ): اغلقها، واجعلها مغلقة لا تُفتح للإيمان، ولا تُفتح لنور الهدى أبداً (فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ﴿۸۸﴾) إذا فالطمس على الأموال، والشد على القلوب، ومنعهم من الإيمان حتى يأتي العذاب، فإن آمنوا حينئذ، لا ينفع لهم الإيمان، وفي الآية بعض كلمات للنحويين (فَلَا يُؤْمِنُوا۟) معطوفة على قوله (لِيُضِلُّوا۟) (رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةًۭ وَأَمْوَٰلًۭا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ﴿۸۸﴾) و (رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ) جملة اعتراضية أو (فَلَا يُؤْمِنُوا۟) من ضمن الدعاء‫.
قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿89﴾
الداعي موسى ((وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ) وربنا يقول (قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا) إذا فقد دعا موسى، وأمّن هارون على دعائه، والمؤمِّن على الدعاء من الدعاء، التأمين على الدعاء من الدعاء، فإن دعا رجل وأمّن آخر، فالمؤمِّن داعي هو الآخر (فَٱسْتَقِيمَا) أي فاستقيما على نهج الدعوة، واستقيما على دعوة فرعون حتى تلزمونه الحجة، واستقيما على الصبر والصلاة، واستقيما على الدعاء (وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿۸۹﴾) الذين يتعجلون الإجابة، أو الشاكّين في تحقيق وعد الله؛ لذا يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) ( لا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ "، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْتَعْجِلُ؟ قَالَ: " يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي) هذه الدعوة التي أجيبت بوحي (قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا) متى تحققت الإجابة؟ بعد أربعين سنة من الصبر، والعبادة، والصلاة في السر، والتخفي بالعبادة، والصلاة داخل البيوت، ولا توجد معابد، ولا مساجد، ولا اجتماع على الطاعة، ولا اجتماع على الذكّر، صبر على إيذاء وتقتيل الأبناء، واستحياء النساء، وقد أجيبت الدعوة بالوحي، وأُخبر موسى بذلك ومع هذا لم يتحقق إلا بعد أربعين سنة؛ لذا نبّه ربنا (تبارك وتعالى) بقوله (قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿۸۹﴾) واستجيبت الدعوة، ويحكي ربنا (تبارك وتعالى) عن إنجائه لموسى، وقومه، وإغراقه لفرعون وملأه‫.‬‬‬‬‬
وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًۭا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴿90﴾ ءَآلْـَٔـٰنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴿91﴾ فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةًۭ ۚ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَـٰتِنَا لَغَـٰفِلُونَ ﴿92﴾
‫(وَجَـٰوَزْنَا) (وجوّزنا) قراءتان بمعنى واحد (وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ) أي جاوزناهم البحر (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًۭا وَعَدْوًا ۖ ) سار وراءهم، تبعه، وأتبعه بمعنى واحد، وقيل بل أتبعه‫:‬ لحقه وأدركه، وتبعه‫:‬ سار وراءه، واتبعه‫:‬ تتبِّع أثره (بَغْيًۭا وَعَدْوًا ۖ ) (بغيا وعُدُوّا) قراءة والبغي في القول، والعدو في الفعل، وقيل البغي‫:‬ الظلم، والعدو تجاوز الحد (حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ) أحاط به، وتيقن من الهلاك (قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴿۹۰﴾) هذا الإقرار بالإيمان إقرار مؤكد، وكأنه أكد إيمانه ثلاثا بقوله‫:‬ آمنت، إذا فقد آمن أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، توحيد وإيمان، وأنا من المسلمين، من المستسلمين، المنقادين، المقرّين لله بالألوهية (ءَآلْـَٔـٰنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴿۹١﴾) (ءَآلْـَٔـٰنَ) تمد الهمزة، وتُقلب إلى مد (ءَآلْـَٔـٰنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) القائل هو الله، وقيل‫:‬ بل القائل الملائكة، ملائكة القبض، الذين يقبضون الأرواح، وقيل القائل جبريل، وقيل لا قول، ولا كلام، ذاك كلام حدث في نفس فرعون، وكأنه يرد على نفسه بعد أن آمن، يَئسِ؛ لأن الإيمان حين رؤية العذاب، وحين وقوع الموت، لا يجدي، فكأنه قال ذلك في نفسه، أو هو من قول الله، أو هو من قول الملائكة، آلآن‫.‬ وهل ينفع الآن وقد عصيت قبل، وكنت من المفسدين في الأرض، المضلين للناس، المعذبين لبني إسرائيل، المنكرين للألوهية، ألم تقل أنا ربكم الأعلى، الآن حين أدركك الغرق، هل ينفع إيمانك في هذه اللحظة، أغرب ما في الموضوع، ما يدهش كل متأمل، تصوير الواقعة، موسى حين أذِن له الله (تبارك وتعالى) بالخروج، خرج سراً، خرج ليلا، بعد أن أخبر المؤمنين بإذن الله بالخروج، خرجوا بالليل، خفية كما هاجر نبينا (صلى الله عليه وسلم) خفية، تنبّه فرعون في بعض الليل، أو نُبه فاستدعى الجنود (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ ﴿٥۳﴾ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَشِرْذِمَةٌۭ قَلِيلُونَ ﴿٥٤﴾ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ ﴿٥٥﴾ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَـٰذِرُونَ ﴿٥٦﴾) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٥٣‫‬ - ٥٦] خرج يسعى خلف موسى هو وجيشه، المدهش حين لحق بهم، وحين خاف بنو إسرائيل، وقالوا‫:‬ إنا لمدركون لا محالة، سوف يلحق بنا، هم يخرجون مشاة، وفرعون على فرسه، وجنوده على الأفراس، مدججون بالسلاح، والدروع، وهؤلاء يحملون بعض المتاع، وبعض الحلي، والزينة التي استعاروها من القبط في مصر‫.‬ مشاة، ضعفاء، نساء، رجال، صبيان، أطفال والآخرون جنود ركبان، تيقن بنو إسرائيل من إدراك فرعون لهم، الواثق هو رسولهم، قال‫:‬ (قَالَ كَلَّآ ۖ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ ﴿٦٢﴾) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٦٢]، الوثوق بالله، والتوكل على الله، رغم رؤيته لفرعون على مرمى البصر، هنا أوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر، فضربه موسى بالعصا، فانفلق، وإذ بالماء يقف كالجدار العالي، وتنتهي سنّة جريان الماء، سنة السوائل الميوعة، إذا بهذه السنّة تتلاشى، وإذا بالماء وكأنه خشب، وكأنه حجر، ويقف كالسد المنيع، وينشأ طريق لبني إسرائيل، ومن تعنتهم طلبوا لكل سبط طريق، فإذا بها اثنا عشر طريقا، وهنا قالوا‫:‬ كيف نرى بعضنا البعض، ونطمئن على إخواننا، فجُعلت لهم طاقات في الماء، يرى بعضهم بعضاً منها، كل ذلك غير مدهش، فقدرة الله (تبارك وتعالى) ليست محلا للشك، وليست محلاً للمراء، فكل الممكنات في قدرته سواء، المدهش أن بني إسرائيل جازوا، وأدركهم فرعون، أدرك آخرهم، ورأى الطريق فتبعهم، ذاك هو المدهش، كيف جرُأ فرعون! وجرُأ جنوده على اجتياز هذا الممر المصنوع بمعجزة! لابد وأن يتساءل في هذه اللحظة بالعقل، إما أن ما يراه سحراً صنعه موسى، والساحر قادر على إلغاء سحره، فإذا كان سحراً فقد فعله موسى لنفسه، ولقومه، فحين يهم فرعون، لابد وأن ينهي موسى سحره، فكيف اطمأن، وإن كان ما يراه معجزة من الخالق إذاً فموسى على حق، فإما أن يؤمن، وإما أن يخشى أن يمر أو أن يجوز، فكيف جرُأ على اجتياز هذا الطريق، ودخل، ومر في الطريق، ورأى الماء كالجدار بعينيه، ورأى الفَرَس يجوز على قعر البحر، وجاز معه قومه، وحين وصل أولهم للشاطئ، وصل آخرهم للممر، فأصبح الجنود جميعا في الممر، وكان موسى قد اجتاز هو وقومه، وهنا عادت سنّة المياه إليها، وعادت سنّة الجريان إليها بعد أن أوقف الله سنّة المياه، وعادت سنّة الجريان إليها بعد أن أوقف الله سنّة الميوعة في الماء، وسنّة جريان الماء، فغرق الجميع، المدهش كيف جرُأ فرعون؟ وإن كان هو قد جرُأ، فكيف جرُأ قومه؟ ذاك ملفت للنظر، يدعو للتساؤل، وقد يكون الجواب لهذا التساؤل، أن ذاك دليل على منتهى الجبروت، والاستكبار، والتجبر، والطغيان، لا يفعل ذاك عاقلا أبداً، إنما يفعله طاغية، متكبر، أعماه غروره، أما من جاز وراءه، وتبعه من جنوده، فذاك عمى الضلالة، وعمى البصيرة، الاتباع والتقليد دون إعمال للعقل، من الغريب أيضا بعد إغراق فرعون وملأه، ونجاة بنو إسرائيل التفت بعضهم لموسى قائلا‫:‬ هل غرق فرعون حقا؟ هو أعظم شأنا من أن يغرق، هو حي وسوف يلحق بنا، ويفعل بنا الأفاعيل، لم يكن أمام موسى إلا أمرا واحدا هو أن يُظهر لهم فرعون، أن يروه قد مات، من هنا كانت إرادة الله، تبارك وتعالى، حين ادعى فرعون الإيمان، أو آمن حيث لا ينفع الإيمان (فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةًۭ ۚ ) (لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةًۭ ۚ ) (لتكون لمن خلقك آية) قراءات كان اليوم، يوم جمعة، وكان مصادفا لعاشوراء من هنا سُنَّ الصيام (نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ) نخرجك على نجوى من الأرض مرتفع، حتى يراه بنو إسرائيل، ببدنك‫:‬ بجسمك، بلا روح، بدروعك، وكان له درع من اللؤلؤ، ومن الذهب الخالص، يُعرف به، والبدن يطلق على الدرع القصير‫.‬ (فاليوم ننحيك ببدنك) قراءة أخرى، ننحيك‫.‬ نبعدك عن الماء وعن البحر (نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةًۭ ۚ ) لبني إسرائيل ولمن لم يتبعه من آل فرعون من قبط مصر (لِمَنْ خَلْفَكَ) للقرون التالية (لمن خلقك) لله (عز وجل) آية من آيات الله أن يُخرج فرعون من الماء وحده، ولم تنج جثة، ولم يخرج جسد من أجساد الألوف، فقد كان جنود فرعون كما قيل في بعض الكتب مائة، مائة ألف، وستمائة ألف، لم تظهر جثة واحدة، سوى جثة فرعون، آية من آيات الخالق (سبحانه وتعالى) (وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَـٰتِنَا لَغَـٰفِلُونَ ﴿۹٢﴾) خرجت الجثة، وخرج الجسد عاريا ً من كل شيء، خرج الجسد بلا زينة، بلا عرش، بلا أحراس، بلا روح، ونظر إليه بنو إسرائيل، وتيقنوا من غرقه، وعلموا وعلم من جاء بعدهم، وعلم من له عقل أن ذاك الذي ادعى الألوهية ها هو جسد، بلا روح، وقال بعض العلماء‫:‬ إن الله (تبارك وتعالى) حين أنجاه ببدنه حتى يطمئن بنو إسرائيل لغرقه وهلاكه، ذاك سبب، وسبب آخر أن فرعون علا في الأرض، وجعل أهلها شيعاً، وقال‫:‬ أنا ربكم الأعلى، وادعى الألوهية، فأراد الله (تبارك وتعالى) أن يخزيه، وأن يذله، وأن يهينه، وأن يخرج هذا الجسد كقطعة الحجر، يداس بالأقدام، لا حراك به، ولا نَفَس، ولا روح، إذلالاً له، وعبرة للناس، ها هو الطاغية ذاك كانت نتيجته (فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةًۭ ۚ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَـٰتِنَا لَغَـٰفِلُونَ ﴿۹٢﴾) يأسف المرء ويتأسى لهذا التعبير، (وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَـٰتِنَا لَغَـٰفِلُونَ ﴿۹٢﴾)، يمرون عليها ولا يتأملون فيها، آيات القرآن، آيات تحتاج لتدبر، لتأمل، حتى ينشرح صدرك للإسلام، وينشرح قلبك لنور الإيمان، كثير من الناس يمرون على آيات القرآن، بلا تدبر، والآيات أيضا ما خلقه الله في السموات والأرض آيات، والآيات القصص، وما حدث للأمم السابقة، ومع ذلك هناك من يتأمل، هناك من يدرك، هناك من يتفكر، هناك من ينشرح صدره للإيمان، وهناك الغافل الذي أعمته الدنيا، وأعماه السعي على المال، والجري على السلطان، فقد نجّى الله (تبارك وتعالى) المؤمنين، كوعده أزلا (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ (٥١)) [سورة غافر آية‫:‬ ٥١] نجا موسى، ونجا قومه، وهيأ الله (تبارك وتعالى) لهم المنازل، والأماكن، والبلاد، ورزقهم من الطيبات، ورزقهم من الثمرات، وكانت لهم مع الله أمور، وأمور، يقول الله (تبارك وتعالى):
وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍۢ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿93﴾
القصة مختصرة، وقد جاءت تفصيلا في سورة البقرة، وفي سور أخرى‫.‬ كيف تعنتوا وكيف حين خرجوا من الماء، ولم تكد أقدامهم تجف (قَالُوا۟ يَـٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهًۭا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌۭ ۚ ) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٣٨] كيف قالوا لموسى (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٥٥] وكيف قيل لهم (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُوا۟ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا۟ حِطَّةٌۭ وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيٓـَٔـٰتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿١٦١﴾ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ ﴿١٦٢﴾) [سورة الأعراف آية‫:‬ ١٦١‫‬ - ١٦٢] كيف مُنعوا من الصيد يوم السبت! فنصبوا الشباك وكأنهم لم يصنعوا شيئا! كيف مُنع عنهم أكل الشحوم! فجملوها، جمدوها فباعوها، وما يحرم أكله، يحرم بيعه، وكيف، وكيف، وكيف، هنا ربنا (تبارك وتعالى) (بَوَّأْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ) يقول‫:‬ بوأته، وبوأت له‫.‬ سبق الكلام عنها في قوله (أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًۭا) (بَوَّأْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍۢ ) أورثهم ربنا (تبارك وتعالى) أرض الشام كاملة، وأرض مصر بعد أن أغرق فرعون، وخلت البلاد لهم، بلاد، ثمار، أرزاق، اتساع (وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ) كل ما لذ، وطاب، والتذ به الإنسان رؤية، سماعا، ذوقا، أكلاً، شرباً، لبساً، كل طيب، كل مباح، كل نعيم من نعيم الدنيا (فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ۚ ) مدهش الاختلاف حدث بعد العلم، بعد نزول التوراة، بعد مجيء التكاليف، بعد مجيء الأمر والنهي، بعد الوضوح، كيف والعلم يُجَمِّع ولا يُفرِّق؟ كيف والدين يؤلّف ولا يشَتِّت؟ كيف ولم يحدث خلاف بينهم إلا بعد نزول التوراة! كأنهم اختلفوا بسبب الدين، هل يكون الدين سبب للاختلاف أم يكون الدين سببا للتوافق، والائتلاف، والاجتماع والتوادد، والتراحم، هم اختلفوا، وتعادوا فيما بينهم بسبب الدين، وكأن النعمة انقلبت في أيديهم إلى نقمة، أيضا هناك معنى آخر (فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ۚ ) أي ما اختلفوا في أمر محمد (صلى الله عليه وسلم) وكفروا به إلا بعد ما تيقنوا من نبوته، وصدقه، وبأنه الموصوف في كتبهم، فقد كانوا قبل مجيء النبي (صلى الله عليه وسلم) والخطاب عن يهود عصر النبي (صلى الله عليه وسلم) أو الخطاب عن يهود عصر موسى، فإن كان الخطاب عن يهود عصر موسى، فاختلافهم بعد نزول التوراة، واختلافهم بسبب الدين، واختلافهم على موسى، واختلافهم بينهم وبين بعضهم، وإن كان الكلام عن يهود عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) فالاختلاف في شأنه قبل أن يُبعث النبي (صلى الله عليه وسلم) كان التناحر، والتنافس، والتعادي، والتضاد، بين اليهود في المدينة، وجزيرة العرب، وبين المشركين من العرب، فكانت اليهود تقول لمشركي العرب، لقد آن أوان نبي آخر الزمان، وأظلنا زمانه، فإن جاء تبعناه، وقتّلناكم قتل عاد، وثمود، وكانوا يستفتحون على الذين كفروا (وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ ) [سورة البقرة آية‫:‬ ٨٩] ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم، العلم بنبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) لأنه حين جاء سيد الخلق، كان موصوفا في كتابهم، شكلا، رسما، واسما، وصف خاتم النبوة، وُوصف اسمه، اسمه أحمد، وُوصف قومه الذين آمنوا به (تَرَىٰهُمْ رُكَّعًۭا سُجَّدًۭا) [سورة الفتح آية‫:‬ ٢٩]، مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، رأوْا فيه العلامات، يأخذ الهدية، ولا يقبل الصدقة، يتبعه كذا، وكذا، جميع العلامات حتى أن عبد الله بن سلام حبر أحبارهم، حين سمع بمقدمه إلى المدينة، جاءه وسأله آمن في التو واللحظة، وقد عرفوه، وصدقوا بأنه الرسول لكنهم لم يؤمنوا به (ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)) [سورة البقرة آية‫:‬ ١٤٦].‬
‫(إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿۹۳﴾) يقضي بينهم يحكم، فيحق الحق، ويبطل الباطل، فيثيب الطائع، ويعاقب العاصي، فينجِّي المؤمن، ويهلك الكافر، ويتوجه الخطاب بعد ذلك، وبعد هذه القصة للنبي (صلى الله عليه وسلم) فيقول الله (تبارك وتعالى):
فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴿94﴾ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ﴿95﴾
‫(فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ) هل من المعقول أن يشك النبي؟ من هنا قال بعض العلماء‫:‬ الشك هنا غير وارد، وإنما الكلام على سبيل الفرض، والتقدير، أما الشك الوارد ففي قوله (وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ (٤٥)) [سورة فصلت آية‫:‬ ٤٥] ذلك تأكيد الشك أما هنا (فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ ) أي على فرض، أو على تقدير إن هناك شك، افتراض جدلي، في هذه الحالة لو سألت أهل الكتاب عن هذا القصص الذي لم تكن تعلمه أنت ولا قومك من قبل هذا، لوجدت ذاك مكتوبا عندهم في كتبهم، ولأيدوك ولتبين لك أن القرآن مصدق لما بين يديهم، فالخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) على سبيل الفرض، والتقدير ذاك قول، القول الآخر الخطاب لمن كان في صدره شك، لم يقطع بالتكذيب، ولم يقطع بالتصديق للنبي (صلى الله عليه وسلم) وكأن الله يقول له، قل لهؤلاء إن كنتم في شك، واسأل، والقول الأرجح أن الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد غيره، والخطاب في القرآن خطاب للنبي، وهو المقصود به‫.‬‬
‫(يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًۭا وَمُبَشِّرًۭا وَنَذِيرًۭا (٤٥)) [سورة الأحزاب آية‫:‬ ٤٥]، وخطاب له، والمقصود هو والأمة (أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ) [سورة الإسراء آية‫:‬ ٧٨] وهنالك خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد الأمة، لكنه يخاطب الأمة من خلال قائد الأمة، من خلال رئيس الأمة، من خلال رسول الأمة (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴿۹٤﴾ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ﴿۹٥﴾) وهكذا في كل هذه الخطابات، والتوجهات هنا كذلك في هذا الموقف (فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ ) الآية السامع، ليس الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) (فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ) القرآن الصدق الحق (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴿۹٤﴾) من الشاكّين، المترددين، المتحيرين (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ﴿۹٥﴾) هل يُعقل أن يكون الخطاب لسيد الخلق، لكنه يُخاطب على أنه إمام الأمة، الخطاب يتوجه إليه، والمراد غيره؛ إذاً فذاك توجيه من ربنا (تبارك وتعالى) للأمة لمن كان في قلبه ذرة من شك، والآية فيها لفتة، فيها تنبيه لكل مسلم، إن حاك في صدرك شيء، أو أحسست بشيء في العقيدة، أو في سيد الخلق، أو في الأوامر والنواهي، أي ذرة شك تحيك في صدرك إياك وأن تتركها، لابد وأن تلجأ إلى العلماء، وتسأل حتى يزول عنك الشك.
إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿96﴾ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ﴿97﴾
حقت عليهم كلمة ربك أزلا، حقت الكلمة‫:‬ أي نفذ القضاء، ليسوا من أهل النعيم، ليسوا من أهل الرحمة، خذلهم الله، أوكلهم لأنفسهم، الناس فريقان‫:‬ فريق تولاّهم الله برحمته، ففرش له بساط التوفيق، وأضاء له نور البيان والتبين، فتبين الطريق، وأخذ بيده، ووفقه لطاعته، وأبعده عن معاصيه، وغفر له ذنوبه، ذاك فريق، والفريق الآخر، أوكلهم الله لأنفسهم، وتركهم، وعقولهم، لم يمهد لهم الطريق، ولم يأخذ بأيديهم، وأنفذ فيهم عدله، فالإنسان بين الرحمة، وبين العدل، فريق نالتهم رحمة الله، وفريق نالهم عدل الله، هؤلاء أهل الرحمة، وهؤلاء المتحقق فيهم عدل الله، وما ربك بظلام للعبيد، فمن آمن، فقد آمن بفضل الله، ومن كفر، فقد كفر بعدل الله فيه، بقضائه الأزلي‫.‬‬
‫(ِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿۹٦﴾) حقت عليهم كلمة العذاب، حقت عليهم كلمة الإضلال، وتركهم في غيهم بسبب معاصيهم، بسبب سوء معادنهم، بسبب تصرفاتهم، بسبب استكبارهم، حقت الكلمة بسبب أنهم ليسوا أهلا للرحمة، هم ليسوا أهلا للهداية، هم ليسوا أهلا للتوفيق، ولعلم الله الأزلي فيهم، حقت عليهم كلمته، ونفذ فيهم قضاؤه، بأنهم لا يؤمنون إلا حين لا ينفع الإيمان، فما من مخلوق إلا ويؤمن بالله، منهم من يؤمن اختياراً، وهؤلاء هم أهل الجنة، ومنهم من يؤمن كرها، واضطراراً، وهؤلاء هم أهل النار، يؤمن حين يرى العذاب، حيث لا ينفع الإيمان، وفي آخر الزمان، يؤمن الكل حين تطلع الشمس من مغربها حين لا ينفع الإيمان، ربنا، تبارك وتعالى، يريد أن يؤمن العبد اختياراً، ولو شاء لآمن العبد كرها واضطراراً، لكن الله (تبارك وتعالى) يريد أن يختار العبد طريق الهدى بإرادته، فيأخذ بيده، أما إذا اختار العبد طريق الضلالة، خذّله الله، وأوكله لنفسه، لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية، ها هم قوم صالح، رأوا الناقة، ها هو فرعون، المدهش في أمر فرعون يرى البحر قد انفلق، ولا يؤمن، بل ويجتازه، سبق القضاء فيه، أعمى الله بصيرته، ولو يرى كل آية لا يؤمن (وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ﴿۹۷﴾) حينئذ يؤمنون حيث لا ينفع الإيمان، فإن الله (تبارك وتعالى) يطلب من عباده إيمان الاختيار، وليس إيمان الاضطرار، في مفتتح كتابه الكريم، أثنى على المؤمنين، الذين يؤمنون بالغيب، فنحن لا نرى الله، لكنا نؤمن به، ونصدق بوجوده، لا نرى الجنة، ولا نرى النار ولكنا نطمع في الجنة، ونعوذ بالله من النار، لا نرى الملائكة، ونثق بوجودهم، ولا نرى الجن ونؤمن بوجودهم، الغيب هو ما غاب عن الحس، غاب عن البصر، غاب عن وسائل الإحساس، عن اللمس، عن الذوق، عن النظر، عن السمع، ما أخبر به الرسل عن ربهم، فذاك غيب، الناجي هو من يؤمن، ويصدق بالغيب، أما أن يؤمن العبد، اضطراراً حين يرى العذاب، أو حين يفاجئه الموت، فحينئذ لا ينفعه الإيمان، لذا يقول سيد الخلائق (صلى الله عليه وسلم) (إِنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ حَتَّى يُغِرْغِرَ الْعَبْدُ بِنَفْسِهِ) أي حتى تصل الروح إلى الحلقوم، حينئذ يتيقن من الموت، حينئذ لا تنفعه، التوبة، ولا ينفعه الإيمان، هذا في شأن الفرد، أما في شأن الدنيا جميعها فباب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، حينئذ يُقفل باب التوبة، وإلى الأبد، وأما بالنسبة للأمم، فإذا جاء رسول إلى أمة، وبُعث إلى قومه، فمن آمن فقد نجا، فإن عصوا، وإن كذبوا وأنذرهم بالعذاب، فما نفع معهم الإنذار، وأصروا على الكفر، والاستكبار، فجاءهم العذاب، فإن عاينوه قُفل باب التوبة في وجوههم، طالما عاينوا العذاب؛ لذا قصّ علينا ربنا (تبارك وتعالى) قصة نوح في سورة يونس، وكيف لم ينفع الإيمان هؤلاء الذين أغرقهم الطوفان، وقص علينا قصة موسى مع فرعون، وكيف لم ينفع الإيمان فرعون حين شهد، وقال وأقر (قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (٩٠)) [سورة يونس آية‫:‬ ٩٠] وتتضح الحقيقة في قوله، عز وجل، بعد ذلك (إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿۹٦﴾ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ﴿۹۷﴾) حقت عليهم كلمة الشقاوة أزلاً، علم الله (تبارك وتعالى) أنهم لن يؤمنوا، فمهما جاءتهم الآيات والمعجزات الدالة، على صدق نبيهم، لا يدخل الإيمان في قلوبهم، إلى أن يحل بهم العذاب الشامل، حينئذ يؤمنوا، وإيمانهم يومئذ لا ينفع، لكنّ كل قاعدة لها استثناء، فتحكي لنا الآيات عن قوم يونس، يقول الله (تبارك وتعالى) متأسفا على الأمم، مسرّياً عن حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) مبكتاً كفار مكة‫:‬‬‬‬
فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَـٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ ﴿98﴾
‫(فَلَوْلَا) كلمة تفيد امتناع الشيء لوجود غيره (لو) تفيد امتناع الشيء لامتناع غيره، وتستخدم كلمة (لولا) بمعنى (هلاّ) للتحضيض، والحث، كقولك للرجل (هلا فعلت كذا) تحضه، فكذلك ربنا، تبارك وتعالى، يقول (فَلَوْلَا) بمعنى فهلاّ (كَانَتْ قَرْيَةٌ) من هذه القُرى التي قص علينا قصصها (ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَـٰنُهَآ) أي آمنت قبل أن ترى العذاب، لو أن فرعون آمن قبل أن يدركه الغرق لنفعه إيمانه، ولو أن قوم نوح آمنوا قبل أن يأتي الطوفان لنفعهم إيمانهم، ولو أن قوم لوط آمنوا قبل أن يرسل عليهم ربنا الحاصب لنفعهم، وكأنها دعوة لأهل مكة، فيها التهديد المستتر، أي أن العذاب لو وقع بكم يا أهل مكة، وآمنتم فحينئذ لا ينفع الإيمان (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) لكن قوم يونس لهم شأن آخر، فما شأنهم؟ قوم يونس كانوا في بلدة نينوى، وأرسل إليهم يونس، وظل يدعوهم تسع سنين في أرجح الأقوال، يدعوهم إلى الله، يثقون في صدقه، لكنهم لم يؤمنوا، ولم يستجيبوا لدعوته، فأخبره الله (تبارك وتعالى) أن العذاب آتيهم بعد ثلاث، فأنذرهم يونس بالعذاب، ويئس من إيمانهم، وخرج من القرية لكنه قبل أن يؤذن له، من تلقاء نفسه، وفي صباح اليوم التالي غامت السماء غيما شديدا، ذا دخان أسود، ونزل الدخان على قريتهم فغشاهم، فالتمسوا يونس، بحثوا عنه فلم يجدوه، فعلموا أن العذاب واقع لا محالة، هنا لبسوا المسوح، وخرجوا إلى الخلاء مع نسائهم، وأطفالهم، وبهائمهم، وأخذوا الأطفال الرُضَع بعيدا عن أمهاتهم، فعَلا الصراخ، وعلا النواح، وبكوا وتضرعوا إلى الله، وآمنوا فكشف عنهم العذاب، الأمر الذي لم يدر به يونس، ذهب إلى ساحل البحر، وركب سفينة، واستهموا في السفينة، كادت تغرق، فأرادوا تخفيف الحمولة، فوقع السهم عليه، فأُلقي قي البحر، فالتقمه الحوت، وتلك قصة أخرى‫.‬‬
(إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ) ‫الهوان والفضيحة والذل (فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ ﴿۹۸﴾) إلى انتهاء آجالهم، لكن قوم يونس لم ينزل بهم العذاب، إذ لو نزل العذاب ما نفع إيمانهم، وإنما أمارة العذاب، الأمارات فقط، فأدركوا أنفسهم، أما إذا كان العذاب قد تحقق، ونزل ما كان إيمانهم ينفع، ثم يبين ربنا، تبارك وتعالى، لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) أن القضاء أزلي، وأن قضاء الله لا يُرد، وأن له حكمة، لو شاء لخلق الناس كالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لكنه أراد أن يبتليهم فيقول‫:‬‬‬‬
وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ﴿99﴾ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴿100﴾
كان نبينا (صلى الله عليه وسلم) حريصا على إيمان قومه، يرى الخطر الداهم، رأى الجنة ونعيمها، ورأى النار وجحيمها، علم قدرة الله على عباده، علم ما سوف يحدث، خاف على قومه، رؤوف بالناس، رحيم بأمته، فكان حريصا على إيمانهم، يتمنى لو نزلت آية يتمنى لو نزلت معجزة، يتمنى لو حدث شيء يدعوهم إلى الإيمان، لكن الإيمان الاضطراري لا ينفع، فيقول الله (تبارك وتعالى) له‫:‬ (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ ) إما بالخلْق خلقهم كالملائكة، وإما بالاضطرار بأن يريهم بأسه (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ﴿۹۹﴾) الله لم يشأ أن يجعل الناس جميعا مؤمنين، فهل تريد أنت ذلك؟ فهل تخالف أنت المشيئة، ربنا لم يرد أن يكره الناس على الإيمان، فهل تريد أنت أن تكرههم ثم يؤكد فيقول (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ ) بتوفيقه، وبإرادته، فهل يمكن لأحد أن يغيّر من مشيئة الله، ما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله (وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴿١۰۰﴾) (وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ)، (ونجعل الرُّجس) (ونجعل الرجز) (قراءات) (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ) ما ينبغي، ولا يصح، ولا يكون، ولا يمكن أن يحدث أن تؤمن النفس، إلا بإذن الله، كيف ولا يُدخل على الملوك إلا بإذنهم، فكيف بملك الملوك، لابد من الإذن، لابد من التوفيق، لابد من الفضل، من هنا يعلم كل مؤمن أن الإيمان منحة، فضل، عطية، هدية، فلا يمنّ على الله بصلاته، ولا بطاعته، ولا بحجه، ولا بنفقته (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا۟ ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا۟ عَلَىَّ إِسْلَـٰمَكُم ۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَىٰكُمْ لِلْإِيمَـٰنِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (١٧)) [سورة الحجرات آية‫:‬ ١٧] إذاً فإن كنا قد آمنا، فليس ذلك لأننا فعلنا أو، أو، ولكن لأن الله تفضل علينا، فالحمد لله على نعمة الإسلام، وهي أجلّ نعمة (وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴿١۰۰﴾) لا يستخدمون عقولهم في تدبر الآيات، ولا يستخدمون عقولهم في النظر في ملكوت السموات والأرض، ثم تأتي الدعوة لهؤلاء الذين أصموا آذانهم، وأغلقوا قلوبهم، الذين لا يعقلون، تأتي الدعوة لتبين العاقل ممن لم يعقل‫.
قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِى ٱلْـَٔايَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ ﴿101﴾
لو نظر الإنسان إلى السماء، لعلم أن هذه السماء المرفوعة بغير عمد، ولرأى النجوم لا تخل، ولا تكلّ، ولرأى الشمس في شروقها وغروبها، ولرأى القمر في بزوغه وأفوله، لو رأى كل ذلك، وفكّر بعقله؛ لعلم أن هذا النظام لابد له من منظم، وهذه الأجرام لابد لها من موجد، ومدبر، فيصل إلى وجود الله، والأرض أنهار، وبحار، وجبال، وصخور، وأرض تنبت، وأرض لا تنبت، وأرض ميتة، وينزل عليها الماء، وتخرج أصنافا، وأنواعا من الثمار، أشكالا، وألوانا، وأصنافا ذات طعوم مختلفة، ونفضل بعضها على بعض في الأُكل، كما دعانا ربنا للتأمل في الأرض، قطع متجاورات، تُسقى كلها بماء واحد، ومع ذلك يُفضل بعضها على بعض في الأُكُل (قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِى ٱلْـَٔايَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ ) ما تغني‫:‬ أي لن تغني هذه الآيات، والنّذر‫:‬ جمع نذير‫:‬ الرسُل والنُذر أيضا بمعنى الإنذار (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ (١٦)) [سورة القمر آية‫:‬ ١٦] (وَمَا تُغْنِى ٱلْـَٔايَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ) أي لن تُغني عنهم لا فائدة؛ لأن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم، ذاك هو القرار، وكذلك وكم من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون (وَمَا تُغْنِى ٱلْـَٔايَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ) (ما) نافية وممكن أن تكون هنا استفهامية، وأي شيء تغني الآيات، ما الفائدة، هم لا يؤمنون، فمهما فعلت، ومهما أبرزت، ومهما ظهرت الآيات، ومهما نزلت المعجزات، أي شيء يجدي، وقد حُكم عليهم بعدم الإيمان‫.‬‬‬‬
فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ قُلْ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ﴿102﴾ ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿103﴾
ماذا ينتظر هؤلاء الكفار؟ هل ينتظرون أن يحدث لهم ما حدث للأمم السابقة! الأيام في لغة العرب‫:‬ الوقائع من خير، أو من شر، فإذا مرت وقائع خير، قيل‫:‬ أيام، وإن مرت وقائع شر، قيل‫:‬ أيضا أيام، فكلمة (أيام) تُطلق على الوقائع، والحوادث وما حدث وما إلى ذلك، ومنها قول الله (عز وجل) لموسى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ ۚ ) [سورة إبراهيم آية‫:‬ ٥] أي بوقائع الله في الأمم السابقة حتى يتعظوا، فكذلك الخطاب لكفار مكة، فهل ينتظرون إلا مثل أيام، وقائع الذين خلَوْا، مضوا من قبلهم، إن كان كذلك، قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين، أنتظر وتنتظرون إلى أن نرى حكم الله (تبارك وتعالى) فينا، لكن القاعدة هي أن الله إذا قضى بعذاب أمة لابد وأن ينجي الرسول ومن آمن معه؛ لذا يقول (ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ) نُنَجِيّ، تُنْجِي رسلنا (قراءتان) نُنْج نُنَجِّي المؤمنين (قراءتان) (حَقًّا عَلَيْنَا) هل هناك شيء يجب على الله؟ لا يجب عليه شيء، من يوجب عليه وهو الملك، وهو الواحد الأحد، لا يشاركه أحد، لكن الله يبين أن الخبر، هو الخبر الصادق، هو الخبر الحق، طالما أخبر بأمر فلا خُلف لوعده، ولا تغيير لخبره وقد أخبرنا بأنه ينجي المؤمنين، إذا هذا الخبر متحقق، لا خُلف فيه من هنا يقول‫:‬ (حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ).‬‬‬
قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّۢ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿104﴾ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًۭا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿105﴾
الخطاب لأهل مكة أمر ربنا (تبارك وتعالى) نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لهم‫:‬ (إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّۢ مِّن دِينِى) إن كنتم في شك من صحة الإسلام، من صحة ديني، من صدق القرآن، هل فيه شك؟ إن كان هناك شك، فالشك في دينكم أنتم، يا من تعبدون الأوثان، والأصنام، تعبدون ما لا ينفع، ولا يضر، إن كنتم في شك (فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ)؛ لأنها مخلوقة (وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ) الخالق القادر (ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ ) وكلمة (يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ ) اختُصت بالذكر للتهديد، هو أحيانا قبل أن يتوفانا لكن كلمة (يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ ) لتذكّر بالموت، والموت أقوى سلاح لا راد له، ولا مهرب منه (كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ ) [سورة آل عمران آية‫:‬ ١٨٥] أخطر ما هو في الدنيا الموت، وأعظم آية الموت، آية تدل على أن هناك من ينهي الحياة وقتما يشاء، كيفما يشاء، فذكّرهم بالموت ليخوفهم، هل تتوفاكم الأصنام والأوثان؟ كيف يموت الإنسان؟ يضحك، ويمرح، ويتكلم، ويمشي، ويغدو، ويروح، وفجأة مات ما معنى مات؟ وكيف وفجأة لا يتكلم، ولا يمرح، ولا يشعر، ولا يحس، تناديه فلا يرد، كيف خرجت الروح ولا يراها أحد؟ لابد أن يكون هناك قادر، فعّال مريد لهذا (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ) المؤمنين بالله، وبكتبه، وبرسله (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًۭا) أي وأُمرت كذلك أن أكون من المؤمنين، وقيل لي أقم وجهك للدين حنيفا، الحنيف‫:‬ المائل عن كل باطل، المائل عن كل الأديان، إلى الدين الحق (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ) عبادة الله (تبارك وتعالى) الواحد الأحد لا إشراك، والشرك أنواع‫:‬ منه الشرك الكبير، الشرك العظيم، ومنه الشرك الخفيّ، أخفى من دبيب النمل، وكما قال ابن عباس‫:‬ قد يشرك أحدكم كلبه مع الله، قالوا‫:‬ كيف تقول ذلك؟ وهل يُعقل أن يشرك أحد كلبه مع الله؟ قال‫:‬ نعم إذا قال‫:‬ لولا الكلب لسرقنا البارحة‫.‬ وكم يقع فيها الناس! لولا الدواء لمات المريض، لولا الطبيب ما عُرف الداء، لولا أني فكّرت لحدث، لولا، ولولا.
وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًۭا مِّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿106﴾
‫(وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ ) كل ما لا ينفع، ولا يضر إن دعاه الإنسان، فقد أشرك بالله؛ لأن لنافع هو الله، والضار هو الله، فإذا لجأت، فالجأ إلى الله، وإذا سألت، فاسأل الله، وإذا استعنت، فاستعن بالله (وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ ) الكلام للنبي (صلى الله عليه وسلم) هل يمكن أن يدعو من دون الله ما لا ينفعه وما لا يضره؟ هل يمكن أن يكون من المشركين؟ هل يمكن أن يكون من الظالمين؟ الخطاب له والمراد غيره، من يسمع، ومن يعقل (وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًۭا مِّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ) والظلم‫:‬ وضع الشيء في غير موضعه، فإن دعوت غير الله، إذاً فقد وضعت العبادة في غير موضعها، ولتعلم، وليعلم كل من يسمع‫.‬‬‬‬
وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍۢ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿107﴾
الغريب في الآية تغيير الأفعال، الإصابة بالضُر، أو الإصابة بالنفع متلازمان، والقادر على النفع، قادر على الضر، والمانح مانع، والنافع ضار، لكنه في مسألة الضُر قال (يَمْسَسْكَ) وفي مسألة الخير قال (يُرِدْكَ) ليبينِ لك أن الأصل الفضل، والخير، والنفع، وأن الضر عارض، ولتفهم أن الضر مهما عظُم في هذه الدنيا، فهو مجرد مس، ولتعلم كذلك أن الخير مراد لذاته، أي أن فضل الله مراد بالذات، هو المتفضل المُنعم، أما الضر بالعَرضَ، وبسبب خطايا الناس (وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍۢ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ ) إرادة (فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ ) وجاء بكلمة (لِفَضْلِهِۦ ۚ ) بدلا من الضمير قياس الكلام (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له وإن يردك بخير فلا رادّ له) ولكنه قال (فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ ) ليبين لك أن ما أصابك من خير فليس لاستحقاقك، وإنما هو محض فضل من الله، الكلام معجز (يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ ) يصيب بالشر والخير، يصيب بالضر والنفع من يشاء من عباده (وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ) الغفور لذنوب عباده، الرحيم لأوليائه، وتنبّه لمعنى الآية حتى إذا لجأت لا تلجأ إلا إلى الله، وتلك أساس السعادة في هذه الدنيا، الإيمان بهذه الآية، (ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ ﴿۷۸﴾ وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ ﴿۷۹﴾ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴿۸۰﴾ وَٱلَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ ﴿۸١﴾ وَٱلَّذِىٓ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيٓـَٔتِى يَوْمَ ٱلدِّينِ ﴿۸٢﴾) [سورة الشعراء آية‫:‬ ٧٨‫‬ - ٨٢]، لو اعتقد الإنسان في هذه الآية اعتقادا راسخا، ما ذل لمخلوق، وما سأل أحداً معروفا؛ لأنه يعلم أن الأمور بقضاء وقدر؛ ولذا قيل سلوا الحوائج، إن كان ولابد أن تسأل، سلوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير، تختتم سورة يونس بدعوة صريحة، واضحة للناس، وبيان أن من آمن نفع نفسه، ومن كفر فقد ظلم نفسه، وربنا (تبارك وتعالى) غير محتاج لعبادة الخلائق، فقد كان ولم يكن شيء، كان الله، ولم يكن هناك أناس، ولم تكن هناك ملائكة، ولا جن، ولا عرش، ولا فرش، لم يكن شيء، الله فقط فكيف كان الحال؟ هل كان محتاجا إلى أحد؟ الكل محتاج له، وهو غير محتاج لأحد؛ لذا يقول الله (تبارك تعالى) لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم):‬‬
قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍۢ ﴿108﴾ وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ ﴿109﴾
‫(قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ ) القرآن هو الحق، محمد (صلى الله عليه وسلم) حق (فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ ) يعود الهدى، ويعود نفع الهدى عليه، فيُرحم، ويُرزق، ويُستر، ويرعاه ربنا في حياته، يرعاه في أولاده، يرعاه في صحته، يرعاه في قبره، يرعاه في حياة البرزخ، يدخله ويرضى عنه، كل ذلك نفع يعود على الإنسان بإيمانه، لكن الله لا ينتفع من أحد، ولا ينتفع بإيمان أحد (وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍۢ ) أي لست موكولاً بأموركم غير حافظ لها، أو حفيظ عليها غير مسئول عن أعمالكم، أموركم موكولة إلى الله، وليست موكولة إليّ (وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ ) الأمر للنبي (صلى الله عليه وسلم) (وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ) أي استقم، ونفذ أمر الله وواظب على دعوتهم، ولا تبالي بإذايتهم، واصبر على تكذيبهم، واصبر على إذايتهم، واصبر على إساءتهم، منتظرا لحكم الله الذي يحكم بالحق، والذي يقضي بالحق؛ لأنه خير الحاكمين، الحكام كثيرة، حكام الدنيا كثيرون، من يحكم في القضايا كالقضاة، ومن يحكم في شئون الناس كالولاة، قد يُوفق، ويقضي بالحق، وقد يقضي بالباطل عامداً، أو غير متعمد، لكن الله إذا حكم فلا يحكم إلا بالحق؛ لأن حكام الدنيا تغيب عليهم أمور، وتغيب عنهم مسائل حتى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول‫:‬ ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) فقد يغيب عن الحاكم أشياء أو أمور، لكن الله (تبارك وتعالى) لا يغيب عنه، يرى خفايا الوهم، والتفكير، ويسمع هواجس الضمير، فإن حكم، حكم بالحق‫.‬ من هنا هو خير الحاكمين‫.‬‬
‫أيها الأخ المسلم، انتهت سورة يونس بفضل الله، وتمت بحمد لله، ويأتي بعد سورة يونس سورة هود التي قال فيها سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) (شَيَّبَتْنِي هُودٌ) وبين السور بعضها وبعض رباط، وبين الآيات بعضها وبعض رباط، والقرآن كله عقد منظوم، يتنبه من تنبه، ويغفل من يغفل، ومن أراد الله له فهماً رزقه الفهم؛ ولذا سُئل علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) بما يتفاضل الناس؛ لأنهم شكوا أن يكون النبي قد اختصهم بشيء آل البيت، هل اختصكم رسول الله بشيء، قال‫:‬ لا والله، وحين سألوا‫:‬ بما يتفاضل الناس؟ قال‫:‬ بفهم يؤتيه الله في كتابه من يشاء من عباده.‬