سورة التوبة

مقدمة‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫لقاؤنا اليوم مع سورة التوبة، مع سورة براءة، سورة التوبة سورة مدنية تهتم بالجانب التشريعي في الإسلام، سورة التوبة نزلت في سنة تسع من الهجرة، سورة التوبة من آخر ما نزل من قرآن، بل هي آخر سورة نزلت، سورة التوبة نزلت في شهر شعبان من سنة تسع مرجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من غزوة تبوك فقد خرج النبي (صلى الله عليه وسلم) في رجب من سنة تسع لغزو الروم، الغزوة الشهيرة باسم غزوة تبوك، كانت الغزوة في الصيف، كان الحر شديدا، وكان السفر بعيدا، فهي أبعد عزوة غزاها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على الإطلاق، طابت الثمار، وطاب الظل، واستراح الناس للبقاء في بيوتهم، والتنعّم بالماء البارد، والظل، والثمار التي آن أوانها، وخرج النبي (صلى الله عليه وسلم) وبعد انتهاء الغزوة وفي طريق عودته بدأت آيات التوبة تنزل‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫سورة التوبة والتي اهتمت بالجانب التشريعي، احتوت على سياسة بيّنها الله (تبارك وتعالى) في معاملة المشركين، وهم عبدة الأوثان، وفي معاملة أهل الكتاب، سورة التوبة قال فيها ابن عباس‫: (هي الفاضحة) فما زال ينزل ومنهم، ومنهم، حتى خفنا ألا تدع أحدا يشير إلى قوله عز وجل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَمِنْهُم مَّنْ عَـٰهَدَ) [سورة التوبة آية‫: ٧٥] ، (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ) [سورة التوبة آية‫: ٥٨] ، (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّى) [سورة التوبة آية‫: ٤٩].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫يشير إلى هذه الآيات‫: ومنهم، ومنهم، ومنهم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫يقول حذيفة بن اليمان‫: تقولون سورة التوبة!! إنما هي سورة العذاب، فقد تتبعت المنافقين، وكشفت سرائرهم، وهتكت أستارهم، ولم تدع منهم أحداً حتى كاد المؤمنون يلمسونهم بأيديهم، سورة التوبة لها أسماء أُطلقت عليها وصل بها المفسرون إلى أربعة عشر اسما‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫براءة فأول كلمه فيها براءة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫التوبة فقد تاب الله فيها على النبي، والمهاجرين، والأنصار، وعلى المؤمنين الذين خُلِّفوا‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الفاضحة‫: فضحت المنافقين‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫سورة العذاب؛ إذ فيها التهديد، والوعيد بعذاب المنافقين‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫المبعثرة‫: التي بعثرت عن أسرار المنافقين‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الحافرة‫: التي حفرت في نفوسهم، وأخرجت مكنون سرائرهم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫المثيرة‫: التي أثارت عن أسرارهم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫المدمدمة‫: ودمدمت عليهم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫المقشقشة‫: أي قشقشت عن النفاق أي برأت من النفاق أناسا‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫البحوث؛ لأنها بحثت في أسرار المنافقين‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫نزلت سورة التوبة نزلت تبيّن وتكشف عن أمور جاء بعضها أو جاء ذكر بعضها في سورة الأنفال وهي العهود (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةًۭ فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ (٥٨)) [سورة الأنفال آية‫: ٥٨]، - نبذ العهد - انصرف النبي (صلى الله عليه وسلم) متجها إلى غزوة تبوك، وبدأ العرب، والأعراب في نقض العهود، عاهد النبي (صلى الله عليه وسلم) يهود المدينة، وعاهد مشركي العرب، وعاهد أهل مكة، منهم من وفَى، ومنهم من نكث ونقض، ومنهم من عاهد وغدر، فبينت السورة كيفية التعامل مع هؤلاء، وهؤلاء، وهؤلاء‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫بينت السورة أيضا أن أخطر ما يتهدد الأمة المنافقون، الذين يعيشون بين المؤمنين، يظهرون الإسلام، ويخفون الكفر والغدر والخيانة، بل ووصل الأمر بالمنافقين أنهم بنوا المسجد ليتخذوه حربا على الله ورسوله والمؤمنين، وكأن المنافقين قد يتخذوا المساجد للتدمير والتخريب ولفتنة المسلمين والإيقاع بينهم، وليس لعبادة الله، ونزل في هذا الشأن أربع آيات، وحين نزل الوحي على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في شأن هذا المسجد، مسجد الضرار قال‫: (انْطَلِقَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ فَاهْدِمَاهُ، وَأَحْرِقَاهُ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًۭا ضِرَارًۭا وَكُفْرًۭا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًۭا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ) [سورة التوبة آية‫: ١٠٧].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫سورة التوبة آياتها مائة وتسع وعشرين آية، أربع آيات في شأن مسجد الضرار، حوالي عشرون آية في مسألة العهود وما إلى ذلك، وأغلب الآيات في شأن المنافقين، من أول قول الله (عز وجل): (لَوْ كَانَ عَرَضًۭا قَرِيبًۭا وَسَفَرًۭا قَاصِدًۭا لَّٱتَّبَعُوكَ) [سورة التوبة آية‫: ٤٢] ، من هنا بدأ الكلام عن المنافقين، وكشف أسرارهم وهتك أستارهم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫سورة التوبة ليس في بدئها (بسم الله الرحمن الرحيم) ، (بسم الرحمن الرحيم) كان ينزل بها جبريل في أول كل سورة، لم ينزل بها في مفتتح سورة التوبة، وقال بعض الصحابة‫: كانت سورة التوبة في طول سورة البقرة أو أطول، ونُسخ منها الكثير‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫في شأن البسملة قال بعض الناس‫: إن سورة التوبة لم يبيّن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) موضعها وانتقل إلى الرفيق الأعلى قبل أن يبيّن أين توضع، فقد كان يقول‫: ضعوا آية كذا وآية كذا في سورة كذا وكان يقول سورة كذا التي يذكر فيها كذا في موضع كذا، فترتيب الآيات والسور بوحي بأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث أوحي إليه مواضع الآيات ومواضع السور، لم يبيّن موضع سورة التوبة، فاختلف الصحابة، قال بعضهم‫: هي والأنفال سورة واحدة؛ إذ التشابه قائم بين السورتين، سورة الأنفال من أول ما نزل، نزلت في غزوة بدر، وسورة التوبة من آخر ما نزل، بل هي آخر سورة، وإن كان هناك بعض الآيات نزلت بعد ذلك، آية، آيتان وليس سورة، أما سورة فهي سورة التوبة آخر سورة، أما الآيات فمنها‫: (وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)) [سورة البقرة آية‫: ٢٨١]، فقالوا‫: التشابه الموجود بين الأنفال والتوبة، يجعلهما سورة واحدة، وتوضع مع الطوال، وتصبح سابعة سبعة، السبع الطوال‫: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، براءة هي والأنفال سورة واحدة، وقال بعض الناس‫: أبداً بل هما سورتان، وسُئل على بن أبي طالب لِمَ لم توضع البسملة في أول سورة التوبة؟ فقال‫: بسم الله الرحمن الرحيم أمان، وبراءة نزلت لرفع الأمان، نزلت بالسيف؛ لذا لم يوضع بسم الله الرحمن الرحيم في أولها، وهذا هو أرجح الأقوال.
‫نزل جزء كبير من آيات سورة التوبة في طريق عودة النبي (صلى الله عليه وسلم) من غزوة تبوك، وكان في هذا العام في سنة تسع فُتحت مكة في السنة الثامنة، في سنة تسع أرسل نبينا (صلى الله عليه وسلم) أبا بكر الصديق أميراً للحج كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يريد أن يحج في ذاك العام، ولكنه قال‫: (إِنَّهُ يَحْضُرُ الْبَيْتَ عُرَاةٌ مُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، وَلا أُحِبُّ أَنْ أَحُجَّ حَتَّى لا يَكُونَ ذَلِكَ)، فأمر أبا بكر أن يحج بالناس، وأن يبين لهم مناسكهم، الوقوف بعرفة، التروية، متى تكون الأيام؟ متى يكون الرمي؟ متى يكون الحلق؟ يبين لهم مناسكم، وخرج أبو بكر أميراً للحج في سنة تسع من الهجرة وقد عاد النبي (صلى الله عليه وسلم) من تبوك منذ فترة كانت الغزوة في رجب، ونزلت أوائل السورة في شعبان، وخرج أبو بكر في أواخر ذي القعدة، وأرسل نبينا (صلى الله عليه وسلم) إلى علي بن أبي طالب، وأمره أن يلحق بأبي بكر، وأن ينضم إليه، وأن يقرأ سورة التوبة أو ثلاثين أو أربعين آية من أولها على الناس في المواسم إعلام وإعلان، وسُئل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك أبو بكر هو أمير الحج، وهو يبلغ الناس فقال‫: (لا يَبْلُغُهَا إِلا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي)، فقد كانت عادة العرب في إبرام العقود ألا يعاهد أو يعاقد إلا شيخ القبيلة، فلا يعقد أو يحل إلا رجل القبيلة أو رجل من أهله، فكان لابد لقطع ألسنة العرب أن يبلّغ بنقض العهد، ونبذ المعاهدات مع الناكثين من العرب، لابد وأن يبلغ هذا الإنذار رجل من أهله (صلى الله عليه وسلم) فاختار علياً من بني هاشم، وهو ابن عمه ليبلغ، وخرج علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (العضباء)، فلحق بأبي بكر في ذي الحليفة حيث موطن أو موقع الإحرام (أبيار علي)، سمع أبو بكر رغاء الناقة، فقام وقال‫: هذه ناقة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ووقف وانتظر فإذا به علي بن أبي طالب، فسأله أبو بكر‫: أمير أنت أم مأمور؟ قال‫: بل مأمور، وانضم علي إلى أبي بكر الصديق، وسار معه، وخطب أبو بكر في الناس في يوم التروية بيّن لهم مناسكهم، وخطب أيضا في عرفة، وخطب أيضا في يوم النحر، وقال لعلي‫: قُم فبلّغ رسالة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعند جمرة العقبة صبيحة يوم النحر، قرأ علي بن أبي طالب على الناس أربعين آية من أول سورة التوبة، سورة التوبة فيها الإنذار، وفيها نبذ العهد، وفيها الأمر بإتمام العهد للموفون بعهدهم، فيها التوبة على المؤمنين، فيها تبرئة المؤمنين من النفاق، فيها كشف أستار المنافقين وأسرارهم، فيها بيان لسلوك المنافقين وكيف يعاملون، كيف يعاملهم الإسلام، فيها بيان بخطورة النفاق وخطورة المنافقين، فيها الكشف والفضح لكل من كان في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من المنافقين حتى قيل‫: إن المسلمين بنزول السورة كادوا يلمسون المنافقين بأيديهم، سورة التوبة بدأت بقول الله (عز وجل):‬‬

بَرَآءَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿1﴾
حين يقرأ الإنسان سورة التوبة يفتتح بقوله‫: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم (بَرَآءَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ) ولا يقرأ البسملة، فالبسملة رحمة، والرحمة أمان، والسورة نزلت لرفع الأمان، فإن قرأ آياتٍ ثم توقف ثم بدأ القراءة من وسط السورة، أو من بعض آياتها، جاز له أن يقرأ البسملة، فالبسملة لا تقرأ في أولها فقط‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(بَرَآءَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ) البراءة‫: البُعد عن الشيء، وقطع الأسباب بينك وبينه، البراءة‫: التباعد والتفَصِّي مما يكره مجاورته، بَرِيءَ يبرأ بَرَاءةً من الشيء تخلص منه، وابتعد عنه، بَرِيءَ يَبْرَأْ من المرض بروءاً، بريء من المرض بروءاً، وبريء من الشيء براءة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(براءة) مبتدأ مرفوعة، ثم يأتي الخبر بعد ذلك أي هذا براءة والمعنى (بَرَآءَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ) أي هذا براءة من الله ورسوله (إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (١)) ، إذا فهو نقض للعهود، ونبذ للعهود، وابتعاد عن التعاهد أو التعامل أو المسالمة مع المشركين الذين سوف يأتي تفصيل وبيان لأحوالهم، (إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (١)) من الذي عقد العهود والمعاهدات؟. رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لكنه قال (إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (١)) ليبين أن عهد الإمام ملزم للرعية، وطالما رضوا بمعاهدة الإمام، لزمهم الوفاء، وكأنهم هم الذين عاهدوا؛ إذ لا يمكن أن يعاهد إلا رجل واحد.
‫(ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (١)) الكلام عن المشركين الذين نقضوا العهود، فكلنا يعلم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صالح أهل مكة في عام الحديبية سنة ست من الهجرة صالحهم، وعاهدهم ومن دخل في عهد قريش دخل، ومن دخل في عهد محمد دخل، فأصبحت المعاهدة بين النبي (صلى الله عليه وسلم) وبين أهل مكة وبين من تحالف مع النبي ودخل عهده كذلك بين من دخل في عهد قريش، دخلت خزاعة في عهد رسول الله ودخلت بنو بكر في عهد قريش، فحدث أن اعتدى بنو بكر على خزاعة، ونقضوا العهود وجاء أبو سفيان يجدد فرفض النبي (صلى الله عليه وسلم) التجديد، فالكلام عن المشركين الناكثين للعهد؛ لأن الأحكام سوف تتوالى عن المشركين، والمشركون في هذه السورة يُقصد بهم عبدة الأوثان؛ لأن أهل الكتاب لهم معاملة أخرى جاءت أيضا في سورة التوبة؛ إذ إن الجزية لا تؤاخذ من المشركين، وإنما تؤخذ من أهل الكتاب فقط‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
فَسِيحُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍۢ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿2﴾
‫‫(فَسِيحُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) إذاً فقد أعطى الله، تبارك وتعالى، مهلة للناكثين، والناقضين أربعة أشهر،(‫فَسِيحُوا۟)، السياحة في الأصل جريان الماء، وانبساطه في الأرض على موجب طبيعته، ثم استخدمت الكلمة في الضرب المطلق، والسفر في الأرض، ساح سياحة وسيوحا (‫فَسِيحُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ) أي مروا في الأرض ذاهبين جائين كيف شئتم مدة أربعة أشهر، تراجعون فيها أنفسكم؛ إذ بعد نهاية المهلة إما الإسلام، وإما السيف (وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَـٰفِرِينَ (٢)) التهديد، صياغة الكلام خبر(بَرَآءَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (١)) وانتقل من لخبر إلى الخطاب (‫فَسِيحُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ) أي وقل لهم‫: فسيحوا في الأرض مهلة أربعة أشهر(وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ) أي مهما أعطاكم من مهلة أين تذهبون، والله محيط بخلْقه، لن تفوتونه طلباً، ولن تعجزونه هرباً (وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَـٰفِرِينَ (٢)) الخزي‫: الذل والصَغَار، مخزي الكافرين في الدنيا بالأسر وبالقتل، وفي الآخرة بالعذاب الأليم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَأَذَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿3﴾ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَمْ يُظَـٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًۭا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿4﴾
‫‫(وَأَذَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ) ليس هناك تكرير، فالآية الأولى (بَرَآءَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ) خبر بثبوت البراءة، ونقض العهود، والآية الثانية (وَأَذَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ) إعلام لكل الناس، وإيذان بنقض ونبذ المعاهدات‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الأذان‫: الإعلام ومنه أذان الصلاة أي الإعلام بدخول وقت الصلاة ‫‫(وَأَذَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ) ؛ ولذا لم يقل إلى المعاهدين قال (إِلَى ٱلنَّاسِ) ؛ إذ هو إعلام للكل وللكافة (يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ) يوم النحر‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫قال بعضهم‫: يوم الحج الأكبر يوم عرفة؛ إذ الحج عرفة، وقال بعضهم‫: هي أيام الحج، منى كقولك يوم صفين، ويوم كذا، لكن الأرجح والأصوب هو يوم النحر؛ إذ إن يوم النحر في ليلته الوقوف بعرفة، وفي صبيحته الرمي، والحلق، والنحر، والطواف، والتحلل فهو يوم الحج الأكبر، يوم النحر سُمِّي الأكبر؛ لأن العمرة تسمى الحج الأصغر ‫‫(وَأَذَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ) يوم النحر حيث وقف علي عند جمرة العقبة، وقرأ على الناس سورة التوبة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ) والبراءة‫: هي البعد عما تُكره مجاورته، فالبراءة قطع الأسباب بينك وبين الشيء، والتقصي والتبعد عنه، فالله بريء من المشركين، وكذلك رسوله بريء (فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ) فإن تبتم عن الكفر، عن محاربة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فهو خير لكم، وإن توليتم عن الإسلام والطاعة، فاعلموا أنكم غير معجزي الله.
‫أعجزه‫: فاته، جعله عاجزاً عن اللحوق به، أو القدرة عليه، أي اعلموا أنكم لن تعجزوا الله هربا، ولن تفوتوته طلبا في الدنيا وفي الآخرة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)) البشارة لا تكون إلا فيما يَسُر ويفرح؛ إذ إن الإنسان إذا استمع إلى خبر طيب سعيد، يظهر أثر السرور على الوجه، على البشرة، فجاءت كلمة البشارة للخبر السعيد الذي يجعل الوجه يستنير، وتظهر آثار السرور عليه، هنا يُهددون ويتوعدون، فللسخرية بهم قال (وَبَشِّرِ) بدلاً من قوله (وأنذر) بشّر‫: أي بشارتهم، والسعادة لهم هي العذاب‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(إِلَّا ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَمْ يُظَـٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًۭا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ (٤)) إذاً فقد قسّم الله، تبارك وتعالى، المشركين أقساما‫: قسْم لم يعاهد أصلا، وقسم عاهد ونقض، وقسم عاهد ووفى‫. كما قسّم مدة العهد‫: منهم من عاهد لمدة تقل عن أربعة أشهر، ومنهم من عاهد لمدة تزيد عن أربعة أشهر، ويصبح الحكم كالآتي‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫غير المعاهدين مهلتهم بانتهاء الأشهر الحرم، قرأ (عليّ) عليهم سورة التوبة في العاشر من ذي الحجة تنتهي الأشهر الحرم الأربعة، في نهاية المحرم، إذاً فمهلتهم خمسون يوما ذاك رأي‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫والرأي الأرجح أن الأشهر الحرم هي الأربعة أشهر المهلة، وسميت حُرما؛ لأن الله حرم فيها دماء المشركين على المسلمين فالأشهر الحرم أصلا هي رجب، ذو القعدة، ذو الحجة، المحرم، لكن الكلام لا يستقيم إذا كان المقصود بكلمة أربعة أشهر هي الحرم من هنا قالوا‫: الأربعة أشهر تبدأ من العاشر من ذي الحجة حين أبلغهم عليّ؛ إذ لايصح أن تبدأ من قبل ذلك (عشرون يوما من ذي الحجة، المحرم، صفر، ربيع الأول، عشرة أيام من ربيع الآخر).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫من لا عهد له مهلته أربعة أشهر يتدبر أمره، ويذهب في البلاد كيف شاء، يهاجر يذهب يجيء يفعل ما يشاء، بعد الأربعة أشهر لا عهد له، ولا أمان حيثما وُجد قُتل‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫هناك من كانت عهودهم تقل عن الشهور الأربعة، هؤلاء نُبذ إليهم العهد، وأعطوا المهلة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أما من كانت عهودهم تزيد عن الأربعة أشهر، فإن كانوا من الناكثين نُبذ إليهم العهد، وإن كانوا من الموفين أتم رسول الله لهم عهدهم إلى مدتهم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وعليه من المشركين ظل معاهداً لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد نزول الآية والإعلام تسعة أشهر كبني ضمرة، وبني مُدلج‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الناكثون يُنبذ إليهم العهد، وغير المعاهدين مدة أربعة أشهر، الموفون يُتم إليهم عهدهم إلى مدتهم واسمع التشريع‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ) الاستثناء هنا منفصل أي لكن الذين عاهدتهم من المشركين (ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًۭٔا) وقُرأت (ثم لم ينقضوكم شيئا) أي لم ينقصوا من العهد شيئا لم يقتلوا أحداً من المسلمين لم يغدروا ظلوا على وفائهم (وَلَمْ يُظَـٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًۭا) ؛ إذ فعل بعض المشركين أن ظاهروا الأعداء على المسلمين، وقد كان بين المسلمين وبينهم العهود، من هنا شرط ربنا (تبارك وتعالى) شروطا للوفاء بالعهد (ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَمْ يُظَـٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًۭا) أي لم يعاونوا عليكم أحداً بالقتال أو بالسلاح أوبالمال (فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ (٤)) لبيان أن الوفاء بالعهد حتى مع الكفار، حتى مع المشرك من التقوى لا غدر في الإسلام ولا خيانة في الإسلام، بل وفاء، الوفاء من التقوى‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫والخيانة أنواع وأصناف ونبينا (صلى الله عليه وسلم) كان يقول (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ ) وكان نبينا (صلى الله عليه وسلم) رمزاً ومثلاً وقدوة في الوفاء، والبعد عن الخيانة حتى أنه رُوى أنه (صلى الله عليه وسلم) بعد فتح مكة دخل عليه رجل يطلب الأمان مع عثمان بن عفان، وكان هذا الرجل من أشد الناس عدواة ومحاربة لرسول الله، وللمسلمين، وأهدر النبيّ دمه فلابد من قتله حيث وُجد ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة، دخل الرجل مع عثمان منتهزاً الفرصة لطلب الأمان، فسكت النبي (صلى الله عليه وسلم) حين طلب عثمان منه العفو عن الرجل ألح عثمان، سكت ثم أمّنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فخرج الرجل، وخرج عثمان، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه‫: (أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ؟ فَقَالُوا‫: مَا نَدْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ أَلَا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ) الإسلام دين الوفاء، الإسلام دين الخلق، الإسلام دين الأمان، ربنا (تبارك وتعالى) أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يفرّق في المعاملة بين الناكثين لعهودهم، وبين الموفين بعهودهم، فمن وفى وفينا له، فأمر بإتمام العهد لهؤلاء الذين لم ينقصوكم شيئا، ولم يظاهروا عليهم أحدا، والوفاء من التقوى‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۢ ۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿5﴾
الانسلاخ‫: خروج الشيء مما لابسه‫. السلخ‫: الكشط، كسلخ الشاة، الانسلاخ‫: الانقضاء، الانتهاء إذا أُطلق على الأيام والشهور‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ) إذا انتهت المهلة، كلمة (الحُرُم) هي التي أوجدت بعض الخلاف بين المفسرين هل هي الحُرم المعهودة، رجب، ذو القعدة، ذو الحجة، المحرم إذاً فالمهلة خمسون يوما لمن لا عهد له، أم هي أربعة أشهر، المهلة وهي عشرون من ذي الحجة، المحرم، صفر، ربيع أول عشر من ربيع الآخر ذاك هو الأرجح، وسميت حرما؛ لأن الله حرّم على المسلمين فيها دماء المشركين، إذا انقضت هذه الشهور(فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۢ) ، ذاك هو الأمر؛ لذا لم تذكر البسملة في أول السورة، فها هي تنزل بالسيف، وها هي تبذ إليهم العهد، وهي تكشف غدرهم ونفاقهم، (فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) ، المشركون هنا هم عبدة الأوثان (فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ) أمر عام مطلق، خرج من هذا الإطلاق ما خصصته السنة، مثال هل تقتل المرأة المشركة؟ لا أبدا، هل يقتل الراهب العابد في صومعته؟ لا، هل يقتل الصبي المشرك؟ لا، هل يقتل المُدبر؟ لا، هل يجهز على الجريح؟ لا، إذاً فهناك تخصيص وإن كان الأمر عاماً، لا تُقتل النساء، لا تُقتل الصبيان، والغلمان، لا يقتل الرهبان في صوامعهم، لا يُقتل المُدبر، لا يُقتل الأسير، لا يُقتل الجريح‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) أينما وجدوا قتلوا، طالما لم يسلموا ذاك بعد انتهاء المهلة، والكلام عن جزيرة العرب؛ لأن علي بن أبي طالب حين سُئل بم أرسل قال بأربع‫: لا يقرب البيت بعد عامهم هذا مشرك، وجاءت في السورة سوف تأتي بعد ذلك (إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌۭ فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا) [سورة التوبة آية‫: ٢٨].‬‬‬‬‬‬
‫حج مع أبي بكر مشركون، وطاف مع أبي بكر عرايا على ملتهم، على ما كانوا فيه من جاهليتهم، حتى قيل‫: إن أبا بكر حج في العاشر من ذي القعدة، كان يوم عرفة في التاسع من ذي القعدة للنسيء الذي كانوا يفعلونه، تأجيل الشهور وتأخيرها، فلم يكن حج أبي بكر في ذي الحجة في موعده، والحج في موعده ثم في السنة العاشرة حج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال‫: (إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) قيل هذا، من هنا الكلام عن الحرم، ومنطقة الجزيرة العربية (فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ) أي وأسروهم الأخيذ‫: الأسير(وَٱحْصُرُوهُمْ) الحصر‫: المنع من التصرف، واحصروهم حتى لا يدخلوا بلادكم، وحتى لا يدخلوا في الجزيرة العربية، وحتى لا يتواجدوا فيها، ولا يدخلوا الحرم (وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) أي تربصوا بهم، والمرصد‫: المكان الذي يُرقب فيه العدو، تترصد وتراقب وتنتظر حتى إذا مر بك العدو أخذته، مراقبة مستمرة لبلادنا، ولحدود الجزيرة العربية، ومنع المشركين من التواجد فيها، أما أهل الكتاب فيتواجدون في الجزيرة العربية بشروط سوف تأتي بعد ذلك في الآيات التالية، ولكن يحرُم حرمان إلا على المسلمين، مكة الحرم المكي، والمدينة الحرم المدني‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أُرسل على بأربع‫: لا يطوف بالبيت عريان، لا يقرب المسجد بعد هذا العام مشرك، لا يدخل الجنة إلا مسلم، من كان له عهد فهو إلى مدته إن كان من الموفين‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ ۚ) اتركوهم، الغريب في الآية أن الله، تبارك وتعالى، شرط لصيانة دمائهم، وحفظ دمائهم، ورفع القتل عنهم، التوبة عن الكفر، فإن تابوا عن الكفر وأسلموا (وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ) إذا فقد ضم إلى التوبة شرط آخر إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، وانتبهوا لذلك إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة من شروط التوبة (إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (٥)) يغفر ما سلف، والإسلام يجُب ما قبله، لكن التوبة هنا مشروطة واسمع‫: (ثلاثه من فرّق بينهن، فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة‫: من قال أطيع الله، ولا أطيع رسوله، من قال ذلك فقد فرق بينهما وربنا يقول‫: (وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ) [سورة المائدة آية‫: ٩٢]، ومن فرّق بين الصلاة والزكاة، والله (تبارك وتعالى) يقول‫: (وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ) [سورة البقرة آية‫: ٤٣]، ومن فرّق بين شكر الله، وشكر والديه، والله (تبارك وتعالى) يقول‫: (أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ) [سورة لقمان آية‫: ١٤]، من هنا يقول العلماء‫: إن الله (تبارك وتعالى) شرط مع التوبة أي مع الإسلام، إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، فمن تاب، ولم يصل، ومن تاب ولم يزكِ، فلا توبة له، من هنا فعل أبو بكر ما فعل حيث قاتل من منع الزكاة، وقال‫: والله لا أفرّق بين من منع الصلاة، ومنع من الزكاة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫يأتي بعد ذلك علامة من علامات عظمة الإسلام، وأن الهدف من القتال هو الدفاع عن الملة، وليس الاعتداء أو الإيذاء، إنما الهدف الأساس، والأصلي هو نشر الإسلام، بيان تعاليم الإسلام، تعليم الناس ما هو الدين، وتبين الآيات بعد ذلك الأمان، متى يكون؟ وكيف يكون؟ وأن الهدف هو إبلاغ الدعوة؛ لقول الله (عز وجل):‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ) صدق الله وصدق رسوله، من عظمة الإسلام ورحابة التشريع، ورحمة المولى (عز وجل) أن أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم، بتأمين من استجاره، من هؤلاء الذين نكثوا العهود ونقضوا المواثيق، من هؤلاء الذين أُمر أن يقاتلهم حيث صادفهم (فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) ، ولكن هل الغرض هو الإذاية؟ هل الهدف هو الإضرار؟ والإسلام لا ضرر ولا ضرار، الهدف حماية الدعوة، الهدف إبلاغ الرسالة، الهدف أداء الأمانة؛ لذا يقول، عز من قائل لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم):‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ ﴿6﴾
أي رغم الأمر بالقتال، ورغم إعطاء المهلة، لكن إذا انقضت المهلة، الشهور الأربعة أو انقضت مدة المعاهدين الذين استقاموا على عهدهم وفي وقت الحرب، وفي وقت الحصر لهم، جاء مشرك طلب الأمان، طلب الجوار، يريد أن يعلم ما هو الإسلام، إلى ماذا يدعوا محمد (عليه الصلاة والسلام) يريد أن يعرف، ويسمع، ويفهم، وجب إعطاؤه الأمان، وجب أن يعطيه الرسول (صلى الله عليه وسلم) الأمان ويأخذه في جواره، ويسمعه كلام الله، فإن أسلم فبها والحمد لله، وإن أبى الإسلام وهو في جوار النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو في أرض المسلمين، مشرك أبي الإسلام بعد ما سمع، على النبي(صلى الله عليه وسلم) أن يُبلغه مأمنه، أن يوصّله إلى دياره حيث يأمن، ولا يتعرض له مخلوق، فلا غدر، ولا خيانة (لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ) [سورة البقرة آية‫: ٢٥٦].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ) إذاً فكلام الله مسموع، ولكن بغير صوت، وبغير حرف (ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ) أي إذا لم يُسلم، أعطه الأمان، فيرجع إلى ديار قومه، دون أن يتعرض له مخلوق بالأذى (ٰذَٰلِكَ) أي ذلك الأمان المعطى (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ (٦)) لا يعلمون الإسلام، لا يعلمون ما هو القرآن، ولا يعلمون التوحيد، نشأوا في جاهلية، نشأوا في قوم يعبدون الأصنام، قد دُلِّس عليهم، فإن سمعوا ربما يهديهم الله (عز وجل).‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وتأتي الآيات بعد ذلك للتعليل ولبيان إذا كان الأمر كذلك، وإذا كان الأمان، والجوار ممنوح لكل مستجير، لكل مريد أن يعلم، فلِمّ القتال، ولمَ الأمر بالقتال، فيأتي التعليل ويأتي البيان‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ فَمَا ٱسْتَقَـٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿7﴾
‫(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦ) سؤال فيه الاستنكار، سؤال استفهام، فيه معنى الاستبعاد؛ لئن يكون لهؤلاء عهد عند الله، وعند رسول الله، وقد نقضوا عهودهم، وغدروا، وخانوا، فكيف نوفي لغادر؟ كيف يكون للمشركين عهد عند الله يأمنون به عذابه يوم القيامة، وعند رسوله يأمنون به قتالهم وأسرهم في هذه الدنيا، وقد سبق لهم الغدر، والخيانة، لكن هنا يأتي الاستثناء، فالحكم ليس عاماً (إِلَّا ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ) أي لكن الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، والاستثناء منقطع، وذاك أرجح لكن هؤلاء الذين عاهدتم عند المسجد الحرام كبني ضمره، وبني مدلج، وهؤلاء الذين وفوا واستقاموا (فَمَا ٱسْتَقَـٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ) أي كما استقاموا لكم على العهد، فاستقيموا لهم على الوفاء (إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ (٧)) إذ إن الوفاء من خلق المتقين، وربنا (تبارك وتعالى) يحب الوفاء، ولا يحب الغدر، والخيانة، إن الله لا يحب الخائنين.
كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ ﴿8﴾ ٱشْتَرَوْا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿9﴾ لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ ﴿10﴾
يتكرر السؤال مرة أخرى بالتعجب وبالإنكار وبالاستبعاد، كيف يكون لهم عهد وهم ناقضون للعهد، مبطنون للكفر، مظهرون للمودة، يقولون بألسنتهم ما يخالف ما في قلوبهم وصدورهم (كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ) يتمكنوا منكم، يغلبوكم في قتال أو في حرب أو يجدونكم في موقف ضعف، كيف يكون لهم هذا العهد، وكيف تثقون في عهودهم وهم في حالة الظهور عليكم لا يراعوا، ولا يحافظوا (لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ) الإل‫: الحِلْف، الإل‫: القرابة، الإل‫: الجوار‫. الذمة‫: العهد، الذمة‫: الأمان، الذمة‫: كل حق يُعاب على إغفاله، كل أمر لزمك فإن ضيعته أصابك الذنب أو لزمك الذم والتذمم رفع الذم، الذمة‫: كل حرمة يجب الحفاظ عليها.
‫(وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ) يغلبوكم (لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ) لا يراعوا فيكم قرابة أو رحم أو جوار أو حِلْف أو عهد أو مواثيق، هم يراعونها حالة الضعف، حالة كونهم مغلوبين، أما إن غلبوا وظهروا فلا عهد ولا ذمة ولا قرابة، كم عذبوا المسلمين في مكة! كم صنعوا بهم! كم فعلوا بهم! كم حاصروهم! ثلاث سنوات في شعب أبي طالب لا يبايعونهم لا يزوجونهم لا يكلمونهم، كم وكم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ) أي الكلام عن العهد، والمواثيق، والوفاء بالعهد، والاستمرار على الوفاء، وتأبى قلوبهم ما نطقت به ألسنتهم، (وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ (٨)) كل كافر فاسق، وهؤلاء كفار فلم قال (وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ (٨)) أي أكثرهم يجاهرون بالعدوان، والتعدي، يجاهرون بالمعاصي، يجاهرون بالكفر والفسوق لا عقيدة تردعهم، ولا مروءة تمنعهم.
‫(ٱشْتَرَوْا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا) اشتروا (فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِهِ) بآيات الله بالقرآن الذي دعاهم إلى سعادة الدنيا والآخرة، دعاهم للتآلف، والتوادد، والتحابب، والتراحم، دعاهم إلى الصلة، والصدق، والعفاف، دعاهم إلى بر الأمهات ومنعهم من وأد البنات، دعاهم إلى كل معروف، دعاهم إلى كل خلق كريم، اشتروا بهده الدعوة، وبهذه الآيات وبالقرآن ثمنا قليلا، وهو اتباع الشهوات، واتباع الهوى، وحب الدنيا، (فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِهِ) امتنعوا عن الاستقامة، صد‫: امتنع وانصرف، أو صد غيره أي صدوا الناس عن الإسلام، ومنعوهم عن الإيمان، وصدوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه عن الاعتمار في عام الحديبية (إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٩)) عملهم أسوأ عمل على وجه الإطلاق‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ) التكرير للتأكيد على غدرهم، وخيانتهم، وعدم مراعاتهم للحلف، أو القربة، أو للرحم، أو للحقوق، أو للوجبات‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ (١٠)) المتجاوزون للحد في كل شر، ذاك حكم الله فيهم، ذاك بيان الله عنهم، ومع كل ذلك تُفتح لهم أبواب التوبة، وأبواب الإنابة، وأبواب العودة إلى الحق فيقول، عز من قائل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ﴿11﴾
فإن تابوا عن الشرك، ودخلوا في الإسلام، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإخوانكم في الدين، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم رغم ما حدث، ورغم ما كان فيهم، رغم ما صنعوا، فالإسلام يجب ما قبله، ورحمة الله (تبارك وتعالى) واسعة.
‫لكن في الآية أمر يدعو إلى التأمل خاصة أنها خُتمت بقوله‫: (وَنُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ (١١)) يفهمون، ينتفعون، يتأملون، جملة اعتراضية؛ لأن ما قبلها (فإن تابوا‫..فإخوانكم )، وبعدها (وإن نكثوا أيمانهم ) فقاتلوهم، وبين هذا وذاك قول الله تعالى (وَنُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ (١١)) كأن الله يدعونا للتأمل في أحكامه، وفي بيان الأحكام، ولِمَ حكم بذلك ولِم أمر بالقتال، ولِم أعطاهم المهلة، ولِم فتح لهم أبواب التوبة، كل ذلك دعوة للتأمل، دعوة للعلماء، دعوة لمن يفهم، لمن يستوعب، لمن يستخلص لمن يستنتج‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أيضا قرن الله (تبارك وتعالى) بين ثلاثه أمور‫: التوبة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، لفتة لابد من الانتباه لها، (فَإِن تَابُوا) أسلموا وامتنعوا عن القتال، وامتنعوا عن الشرك، ودخلوا في الإسلام هل يكفي؟ ما علامة ذلك؟ ما الدليل على ذلك؟ أمران‫: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، فمن تاب ولم يصلي، ومن تاب ولم يزكي، فلا توبة له (فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ) ، شروط ثلاثة (فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫من هنا قرن الله (تبارك وتعالى) بين الصلاة وبين الزكاة وهناك ثلاثة أمور قرن الله بينها، من فرّق بينهما أثم‫: طاعة الله وطاعة رسوله، فمن قال أطيع الله ولا أطيع الرسول أثم، وربنا يقول‫: (وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ) [سورة المائدة آية‫: ٩٢].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الصلاة والزكاة، لذا حارب أبو بكر (رضي الله عنه) مانعي الزكاة، وسُميت الحروب بحروب الردة، واعتبرهم مرتدين عن الإسلام؛ لأنهم صلوا ولم يزكّوا، فقال‫: والله لا أفرّق بين من منع الصلاة، ومنع الزكاة، قرن الله بين الصلاة والزكاة (وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ (٤٣)) [سورة البقرة آية‫: ٤٣] ، (وَأَوْصَـٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّۭا (٣١)) [سورة مريم آية‫: ٣١]. دائما في القرآن تجد أن الله قرن بين الصلاة، وبين الزكاة فلا تفريق بينهما‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وقرن ربنا بين شكره، وشكر والديك فقال‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ (١٤)) [سورة لقمان آية‫: ١٤] ، فمن شكر الله، ولم يشكر والديه ما شكر الله، ولن يقبل الله منه شيئا؛ لأنه فرّق بين ما جمعه الله، من هنا فسّر كثير من العلماء هذه الآية بأن من منع الصلاة، وامتنع عنها عامداً خرج من الملة، وكذلك من منع الزكاة عامداً خرج من الملة‫.‬‬‬‬
وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ فَقَـٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَـٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴿12﴾
(وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُم) نكَث، ينكُث، ينكِث نكْثاً نقض، والأصل في النكث‫: هو إعادة غزل الكساء، بعد نقض خيوطه، فالنكث نقض، وحل ما فُتل ويعبر بالكلمة عن نقض العهد‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ) الإيمان التي حلفوها لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين التعاهد، حلفوا بأغلظ الأيمان على الوفاء بالعهد، وعلى الاستقامة على ما تعاهدوا عليه، ثم نقضوا كما حدث من خزاعة حين اعتدوا على بني بكر، وعاونتهم قريش على ذلك، وكان بنو بكر في حلف وعهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ) بالسب بالتنقيص (فَقَـٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ) وقياس الكلام (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوهم) ولكن بدلاً من الضمير جاء (بأئمة الكفر) كأنهم إذا نكثوا أيمانهم، وطعنوا في الدين أصبحوا في الكفر أئمة، أصبحوا في الكفر رؤساء وسادة لم يصبحوا كفاراً عادين، بل أصبحوا صناديد وأئمة جمع إمام في الكفر، وقيل (فَقَـٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ) أي قاتلوا رؤساءهم من هنا أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بقتل كعب بن الأشرف؛ لأنك لو قاتلت الرؤساء لو قاتلت الصناديد، فقتالهم قتال لمن دونهم، قتالهم وقتلهم يشرد أتباعهم (إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَـٰنَ لَهُمْ) أي لا يحافظون على ما حلفوا عليه (لا إيمان لهم ) قراءه أخرى بمعنى لا أمان لهم ولا إسلام‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (١٢)) لعلهم يتوقفون، ويمتنعون عن نقضهم للأيمان والعهود وما إلى ذلك، والآية تبين الهدف من القتال (لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (١٢)) إذاً فالقتال هدفه الانتهاء عن الكفر، والانتهاء عن إذاية رسول الله والمسلمين وليس هدف القتال الإضرار أو التدمير أو الإذاية لهم؛ إذ إن القتال في الدنيا قد يكون هدفه التدمير، حرق لنخل، وحرق الزروع، وتدمير البيوت، وقتل الناس بلا تمييز بين المقاتل وغير المقاتل، بين شيخ وطفل، وبين شاب فربنا (تبارك وتعالى) يبين علة القتال (لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (١٢)) أي قاتلوهم لتمنعوهم عن الكفر؛ لتمنعوهم عن الغدر والخيانة، فإن امتنعوا فلا قتال‫. ولا تقاتلوهم لمجرد الإذاية والإضرار، وفي مثل هذا المعنى وردت حكايات كثيرة، وروايات عن تصرف الصحابة رضوان الله عليهم، فقد رُوى عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه في قتال مكّنه الله (تبارك وتعالى) من عدوه في مبارزة، وسقط الكافر على ظهره، ووضع علي بن أبي طالب قدمه على صدره، ووضع ذؤابة السيف في عنقه، وهم بالطعن، فبصق الكافر في وجه علي، فرفع قدمه، ورفع سيفه وتركه، فقيل له‫: يا علي مكّنك الله من عدوك وعدوه، فكيف تتركه وتنصرف؟ قال‫: هممت بالطعن، وكانت الطعنة في سبيل الله، فلما بصق في وجهي خفت أن تكون الطعنة انتقاما لنفسي، فرفعت السيف عن عنقه، الوفاء الذي تعلموه في مدرسة سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم، الوفاء الدفاع عن العقيدة، والقتال في سبيل الله، إخلاص النية لله، من هنا يبيّن ربنا (تبارك وتعالى) أنه لا إذاية، ولا إضرار، ولا هدف من القتال إلا تأصيل عقيدة التوحيد ومنع الشرك.
‫ثم يأتي الخطاب لفئة من الناس ربما هم بعض المؤمنين الذين تحرزوا من القتال، أو تملكهم بعض الخوف، أو لبعض المنافقين الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، وقد كان حول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعض المنافقين، فيقول الله (تبارك وتعالى):‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أَلَا تُقَـٰتِلُونَ قَوْمًۭا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿13﴾
‫(أَلَا تُقَـٰتِلُونَ) (لا) نفي، والهمز همز استفهام، وإذا دخل الاستفهام على هذا النفي كأنه توبيخ يحمل في طياته التحضيض على القتال، أي كيف تمتنعون، فهو توبيخ في نفس الوقت تحضيض وحث على القتال‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(أَلَا تُقَـٰتِلُونَ قَوْمًۭا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ) تلك واحدة، نقضوا عهودهم، ونكثوا أيمانهم التي حلفوها (وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ) حين حدث في مكة، واجتمعوا في دار الندوة كما جاء في سورة الأنفال (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ (٣٠)) [سورة الأنفال آية‫: ٣٠].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ) ونُسب الإخراج إليهم؛ لأنهم تسببوا فيه، لكن الخروج كان بأمر الله، وبوحيه، لكنهم كانوا سببا فيه فنسب إليهم، (وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ) ، واحدة أخرى (وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) كيف بدءوهم أول مرة؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أولا‫: حين دعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أهل مكة للإسلام دعاهم بالحسنى وألزمهم الحجة وتحداهم.
‫(فَلْيَأْتُوا۟ بِحَدِيثٍۢ مِّثْلِهِۦٓ إِن كَانُوا۟ صَـٰدِقِينَ (٣٤)) [سورة الطور آية‫: ٣٤] بمثل القرآن فعجزوا قال‫: (فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍۢ) [سورة هود آية‫: ١٣] عجزوا، (فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِ) [سورة البقرة آية‫: ٢٣] ، بسورة من ثلاث آيات كسورة الكوثر أقصر سورة في القرآن، عجزوا بدلاً من قبولهم للتحدي الذي عجزوا عنه، بدلا من استقامتهم ومعرفتهم بالحق عاندوا، وهم بدأوا بالإذاية، بدأوا بحبس المسلمين، بدأوا بمنع الطعام عنهم، كيف عُذب بلال؟ كيف عُذب مصعب؟ كيف جاءوا بالأذى ووضعوه على ظهر سيد الخلق وهو ساجد بين يدي ربه في الكعبة كيف وكيف؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) تذكرون في غزوة بدر، وجاءت قصتها في سورة الأنفال، العير مع أبي سفيان سمع بخروج المسلمين للعير أخذ طريقا آخر - ساحل البحر - ونجا، وخرج الصناديد حين استصرخهم أبو سفيان، أدركوا أموالكم، أدركوا عيركم، أدركوا قافلتكم، خرجوا بزعامة أبي لهب، وخرج عقبة بن أبي معيط، وخرج الصناديد حين خرجوا جاءهم الرسول من قِبل أبي سفيان يقول‫: ارجعوا عودوا إلى مكة، فقد نجت العير، قالوا‫: أبداً لا والله لا نرجع حتى نرد بدرا، وننحر الجزور، ونشرب الخمور، وتغني لنا القيان، وتسمع بنا العرب، هم أصروا من الذي بدأ القتال؟ أول غزوة غزوة بدر من الذي بدأ القتال فيها؟ هم أصروا على القتال، وخرج رسول الله للعير، ولم يريد قتالاً، ولم يكن معه أفراس، ولا عُدة حين نجت القافلة لو عاد جيش الكفار إلى مكة؛ لعاد رسول الله إلى المدينة، لكنهم أصروا على الذهب إلى بدر، فكانت مصارعهم.
‫(وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ) سؤال فيه التوبيخ الشديد (فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (١٣)) ، إذ قضية الإيمان ألا يخشى المؤمن غير الله، لكن السؤال هل ممكن للمؤمن أن يخشى غير الله؟ نعم في أمور الدنيا تخشى العقرب، تخشى الثعبان، (فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةًۭ مُّوسَىٰ ﴿٦۷﴾ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ ﴿٦۸﴾) [سورة طه آية‫:٦٧ ‫: ٦٨]، وهكذا فقالوا‫: المقصود أن تكون الخشية في شأن ما يُعبد، فلا يصح الخشية في العبادة لغير الله؛ إذ كان مشركوا مكة يخشون الأصنام، وكان كذلك المشركون في كل مكان حتى قالوا‫: لبعض الأنبياء (إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍۢ) [سورة هود آية‫: ٥٤]، والآخرون اعتبروا النجوم تؤذي وتفعل، وهكذا فالخشية المقصودة هنا هي الخشية في العبادة أما الخشية التي في جبلة الإنسان كأن تخاف من الكلب العقور هل تتعرض له أم تحتمي منه!، هل تخشى المرض أم لا؟ هل تخشى العقرب؟، هل تخشى الحية؟ نعم الإنسان في هذه الدنيا يخشى الضرر لكن في العبادة الخشية لله وحده، هو المحاسب، هو المثيب، وهو المعاقب، هو الملك، هو الحكم العدل، ثم يأتي الأمر بالقتال.
قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍۢ مُّؤْمِنِينَ ﴿14﴾ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿15﴾
وخمسة أمور تُحصّل من القتال، وتستفاد من هذا الأمر كلها جميل، كلها يُسعد، كلها يشرح القلب، (قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ) إذاً فالمعذِب هو الله، لكن الأيدي أيدي المسلمين آلة، (وَيُخْزِهِمْ) الخزيْ: العار، الأسْر(وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍۢ مُّؤْمِنِينَ (١٤)) خمسة أمور تظهر كنتيجة لتنفيذ الأمر(قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ) لأنهم مستحقون للعذاب، مستحقون للخزي في هذه الدنيا؛ لأنهم أشركوا بالله وكفروا بالله (وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ) فتظهر كلمة الحق، وتزهق كلمة الباطل، ويفرح المؤمنون بالنصر، ويشعر المؤمن بأن الله معه يؤيده، ويحس ويقتنع أنه على الحق، وأن الله مع الحق (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍۢ مُّؤْمِنِينَ (١٤)) يشفي صدورهم من الحزن مما حدث من تعذيب، وإيذاء، وأخذ للأموال، وقتل للأبناء، (وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ) كم كظموا غيظهم! وكم احتملوا! تلك أمور خمسة، كلها أوامر مجزومة بالجزم، ينصرْكم، يشف، يذهب، ثم جاء الاستئناف بالرفع، (وَيَتُوبُ) ولم يقل (ويتُبْ) لأن القتال لا يلجئهم للتوبة، وإنما التوبة من الله فلو تاب الله عليك لتُبت فاستأنف وقال‫: (وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ) ؛ الأفعال كلها مجزومة، وليبين أن التوبة بيده وليبين أملا في المستقبل، وقد حدث وتحقق، أذهب الله غيظ قلوبهم، ونصر الله المؤمنين، وشفى صدور قوم منهم، وأخزى الكفار، ثم تاب بعد ذلك على بعضهم كأبي سفيان.
‫(وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)) عليم بكل شيء، بما كان، وبما يكون، حكيم فيما أمر ونهى، حكيم فيما قضى وقدّر.
‫فقد يتساءل الإنسان، لِمَ أمر الله (تبارك وتعالى) المسلمين بالقتال؟ ولِمَ قضى الله (تبارك وتعالى) بوجود حرب بين المسلمين والكفار؟ ولِمَ أراد الله (تبارك وتعالى) للمسلمين أن يُعذبوا أو يمكّن الكفار منهم فيؤذونهم، ولو أراد الله، تبارك وتعالى، لدمر الكفار لقبض أرواحهم لأرسل عليهم قاصفاً من الريح، لأرسل عليهم حاصبا، فلِمَ تركهم الله (تبارك وتعالى)؟ ولِمَ قضى الله (تبارك وتعالى) بالقتال وبالحرب؟، وأمر المسلمين بالخروج لقتال عدوهم، وتارة يُنصرون وتارة يتخلى النصر عليهم؟ لِمَ كل ذلك؟ تجد التبرير في ثنايا الآية التالية للأمر بالقتال، وتأتي الآية لتشرح الصدور وتجيب على جميع التساؤلات.
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿16﴾
‫(أَمْ حَسِبْتُمْ) (أم) هنا يقولون عنها منقطعة، وهي بدلاً من (بل) التي هي للإضراب والهمزة، (أَمْ حَسِبْتُمْ) أي بل حسبتم أن تتركوا بغير امتحان، بغير اختبار، (أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)) [سورة العنكبوت آية‫: ٢]، بغير أن يتميز الصادق من الكاذب، بغير أن يتميز المخلص من غير المخلص، من غير أن يتميز من باع نفسه لله، ممن باع نفسه لهواه (وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ) (لما) نفي لكن نفي في الماضي مع توقع الحدوث في المستقبل كقوله‫: (وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ) [سورة الحجرات آية‫: ١٤]، لم يدخل، ولكن متوقّع أن يدخل، (لم) نفي لم يحدث انتهى، ولا يُتوقع الحدوث في المستقبل، لكن إذا قلت (لما) أي لم يحدث في الماضي، لكن متوقع أن يحدث في المستقبل (وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ) نفي العلم هنا مجاز عن نفي التبيين والإظهار، أي أنه نفي العلم، وأراد نفي المعلوم للمبالغة؛ إذ إن علم الله، عز وجل، أزلي أبدي لا نهائي، هل لم يعلمهم في الماضي، ويتوقع أن يعلمهم في المستقبل، وهو العليم الخبير، العالم بما كان، وبما يكون، إذاً فنفي العلم هنا معناه نفي المعلوم، نفي التبيين والإظهار كيف؟ بعبارة أسهل ربنا (تبارك وتعالى) خلَق الخلْق، وهم في عالم الذر، بل قبل أن يخلقهم علم أهل الجنة، وعلم أهل النار، لكن الله (تبارك وتعالى) لم يرد أن يحاسبهم الناس على أساس علمه، بل أراد أن يحاسبهم على أساس ما ظهر منهم، فالثواب والعقاب لا يتعلق بالعلم الأزلي الغيبي، وإنما الأعمال التي تظهر هي التي يتعلق بها الثواب والعقاب، بما كنتم تكسبون، بما كنت تعملون، من هنا ربنا (تبارك وتعالى) يعلم المجاهد، ويعلم الصادق، ويعلم الكاذب، ويعلم المنافق؛ فإن أدخل الكاذب في النار لقال‫: لما، فإن قال الله له‫: لأنك كذا وكذا وكذا، وعلمت عنك كذا، لقال‫: لم يحدث هل حديث مني ذلك؟ هل كذبت؟ هل عصيت؟ هل فعلت؟ فلكي يلزم ربنا عباده الحجة أرسلهم إلى الدنيا وامتحنهم، واختبرهم، فظهرت أعمالهم بما يوافق العلم الأزلي فحين يؤاخذهم ويعاقبهم يقول لهم‫: (كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًۭا (١٤)) [سورة الإسراء آية‫: ١٤].‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫من هنا يقول الله (تبارك وتعالى) مبينا العلّة من أمرهم بالقتال لامتحانهم، ولاختبارهم حتى يظهر المستور، حتى يظهر الخفي، حتى يتحول علم الغيب إلى علم شهادة، (عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ) [سورة الأنعام آية‫: ٧٣] ، فيتحقق المعلوم ويظهر، فيحاسبهم على ما ظهر من أعمالهم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ) وهو عالم، ولكن ولما يظهر ما يوافق العلم ويؤكده (وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ) أولا (وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ) أي من غير الله (وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةًۭ) الوليجة‫: البطانة، الوليجة من الولوج وَلَجَ، يلج، ولوجا‫: دخل وكل شيء دخل في شيء ليس منه، فهو وليجة، الوليجة من الولوج بمعنى البطانة، تفشي له سرك، ويفشي لك سره، وتأتمنه على أسرارك من الذي يؤتمن على السر؟ من الذي يتخذ بطانة؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةًۭ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًۭا وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمْ) [سورة آل عمران آية‫: ١١٨].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫من هنا يقول الله (تبارك وتعالى) من الذين اتخذوا من دون الله، ومن دون رسول الله ومن دون المؤمنين وليجة بطانة من الكفار يوالونهم، ويحبونهم، ويوادونهم، ويفشون إليهم أسراهم وأسرار المسلمين كيف يظهر ذلك؟ كيف يُظهر ربنا ما في القلوب، وما انطوت عليه الصدور، الذي يتعلق به الثواب والعقاب؛ إذ يتعلق الثواب والعقاب بالعمل من هنا (وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)) ؛ ليبين لك أن الله (تبارك وتعالى) يعلم السر وأخفى العليم‫: العالم بظواهر الأمور كلها، الخبير‫: العالم ببواطن الأمور كلها، فإذا أضيفت الخبرة إلى العلم فذاك هو الخبير، إذا ربنا خبير يعلم السر وأخفى، عليم يعلم كل شيء، لكن هذا الاختبار، وهذا الامتحان؛ ليظهر للناس؛ وليظهر للكافة وللكتبة والحفظة والملائكة الأعمال التي تدل على الإيمان، والصدق، أو التي تدل على النفاق والكذب.
‫أيها الإخ المسلم ربنا (تبارك وتعالى) له أن يختبر عباده بما يشاء، فمن العباد من يختبر بصحبة الأنبياء، فيولد في زمانهم، ومنهم من يختبر بالقتال والجهاد، ومنهم من يُختبر بالفقر، ومنهم من يختبر بالمرض، ومنهم من يختبر بفقد الأولاد، ومنهم من يختبر باليتم، ومنهم من يختبر بالظلم، هل دخل يوسف السجن لستحقاقه ذلك أم دخله مظلوما؟ يونس حين التقمه الحوت أي خوف أصابه في سفينة، انتظر العلامة تحدث حتى يهلك الله المكذبين من قومه، فلم تحدث واجتمعوا على قتله، هرب لم ينتظر الوحي، اعتقد أن الله لن يسأله أو يضيق عليه في الحساب، في سفينة وهذا البحر والحمولة زائدة، قرعة من رست عليه القرعة يلقى في البحر، فما تأتي القرعة إلا على يونس، يونس من بين الركاب جميعا، وإذا بهم يحملوه، ويلقوه في اليمّ أي فزع وأي خوف! وإذا بالحوت فاغراً فاه، يلتقطه، أيوب وما أصابه من مرض وتخلّى الناس عنه، وفقده لأهله وماله، يوسف كيف أُلقي في البئر وهو طفل صغير بريء!، كيف بيع كما يباع العبيد! كيف دخل السجن لأنه عف! وقال (قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ (٢٣)) [سورة يوسف آية‫: ٢٣]، فيدخل السجن، إبراهيم فأُلقي في النار!، وغيره، وغيره، وغيره يونس، وأيوب، ويوسف‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫ويمين بالله محلوف على أنهم، والأوّاه قد أصابهم من البلاء صنوف، هم الكواكب وشمسهم أحمد على حب الإله عكوف، فإن هوى المحب على مراد حبيبه معطوف‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫من هنا لابد وأن تعلم أن الرضا لمن يرضى، وأن اختيار الله أوفق وأفضل، وأن ما اختاره الله لك خير من اختيارك لنفسك، وإن من العباد من يصلح له الفقر، ولو أغناه الله لفسد حاله، وإن من العباد من يصلح له الغني، ولو أفقره الله لفسد حاله، وإن من العباد من تصلح له الصحة ولو أمرضه الله لفسد حاله، وإن من العباد من يصلح له المرض ولو صححه لفسد حاله لطغى وتجبر، فاختيار الله خير اختيار، فإن اختار لك الفقر فذاك خير لك، وإن اختار لك الغنى فذاك خير لك، وهكذا فرضى الإنسان بما اختاره الله يشرح صدره، ويفتح قلبه، والقناعة كنز لا يفنى، والرضى لمن يرضى، وما كان لهم الخِيَرة؛ إذ إن ربك يخلق ما يشاء ويختار‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫فقد كان المشركون هم سدنة البيت، هم حراس الكعبة، هم سقاة الحجيج، كانوا يفتخرون بذلك، وكان طوافهم حول البيت فيه صفق أي تصفيق بالأيدي، وصفير وكانوا بعد كل شوط من الطواف يسجدون للأصنام، فجمعوا بين أمرين متنافيين، بين عمارة بيت الله، وعبادة غيره، من هنا نبّه الله، تبارك وتعالى، النبي (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنين، نبههم لعمارة بيته، كيف تكون؟ ولمن تكون؟ فقال، عز من قائل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ شَـٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ ﴿17﴾ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ فَعَسَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴿18﴾
‫(مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ) ما كان‫: ما يحق لهم، وما يستقيم، وما يصح أن تكون عمارة بيت الله لهؤلاء المشركين، كيف يستقيم الأمر وهم يعبدون غيره، أن يعمروا بيته! وهو القائل في حديثه القدسي‫: (إِنّ بُيُوتِي فِي أَرْضِي المَسَاجِدُ، وِإِنّ زُوّارِي فِيهَا عُمّارُهَا، فَطُوبَى لِعَبْدٍ تَطَهّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمّ زَارَنِي فِي بَيْتِي، فَحَقٌ عَلَى المَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ) .‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(ما كان للمشركين أن يُعمروا مساجد الله) قراءة، (ما كان للمشركين أن يَعمروا مَسْجد الله) قراءة، مساجد قيل‫: المساجد كل المساجد، وقيل‫: بل المساجد هنا هي المسجد الحرام على وجه الخصوص، وعُبر عنه بصيغة الجمع؛ لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها، (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ شَـٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ) يسجدون علنا للأصنام، ويخافون الأوثان، ويقدمون لها القرابين، ويذبحون لها الذبائح، أي شهادة أكبر من ذلك‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(أُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ) أي بطلت أعمالهم التي عملوها، من كساء الكعبة، من سقاية الحجيج، من تنظيف المسجد، من عمارته، من العبادة التي كانوا يعتقدونها عبادة، بطلت هذه الأعمال التي ليست لوجه الله، وليست لله (وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ (١٧)) أيضا حكم عليهم بالخلود في جهنم لكفرهم وشركهم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ) من الذي حصر الله فيهم فضل عمارة المسجد، ما هي عمارة المساجد؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫عمارة المساجد نوعان أو قسمان‫: عمارة حسية، وعمارة معنوية، أما العمارة الحسيّة‫: فهي بناؤها، تشييدها، فرشها، تزيينها، إنارتها، صيانتها، نظافتها، المحافظة عليها، وألا يقع فيها ما ليس من أجل بنائها.
‫وأما العمارة المعنوية‫: فهي الذكر والصلاة، ودروس العلم، وامتلاء المسجد بالذاكرين، بالعابدين، بالمصلين، وتهيئة الأجواء لذلك‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ) هؤلاء الجامعون للكمالات العلمية والعملية، الكمالات العلمية‫: الإيمان، والكمالات العملية‫: العبادة، واختص الصلاة والزكاة بالذكر لأنها أشرف العبادات‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(إِنَّمَا) وكأن الحصر في هؤلاء (يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫العمارتان‫: العمارة الحسية، والعمارة المعنوية (مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ) وتحت ذلك الإيمان برسله، الإيمان بكتبه، الإيمان بكل ما أمر به ونهى عنه، (وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ) أداها على وجهها، وعدّل أركانها، وأداها في مواقيتها (وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ) أدى الزكاة المفروضة عليه، ويدخل تحت ذلك ويليه ما أُمرنا به من عبادات مختلفة، واختص الصلاة والزكاة بالذكر لشرفها (وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ) في العبادة في أمور الدين؛ لأن أمور الدنيا فيها ما يُخشى كالمرض، كالعقرب، كالحية وما إلى ذلك، وقد كان المشركون يخافون النجوم ويعتقدون أنها تضر وتنفع، كانوا يخافون الأصنام، ويعتقدون في ضررها ونفعها، فربنا (تبارك وتعالى) يحدد الخشية في أمور الدين والعبادة في أنها تجب لله وحده‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(فَعَسَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ) الذين اتصفوا بهذه الصفات (أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ (١٨)) (عسى) كلمة فيها الرجاء، كلمة تفيد التوقع، وهي في تعبير الناس قد يحدث المتوقع، وقد لا يحدث، أما عسى حيثما وقعت في القرآن بالنسبة للمولى (عز وجل) فهي واجبة كقوله (عز وجل) لحبيبه (صلى الله عليه وسلم): (عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًۭا مَّحْمُودًۭا (٧٩)) [سورة الإسراء آية‫: ٧٩]. فعسى واجبة طالما جاءت من الله (عز وجل) لكن التعبير بكلمة التوقع هنا لها غاية؛ إذ هؤلاء رغم جمعهم لهذه الصفات العليا، ولهذه الكمالات، فهُم بين الرجاء والتوقع، وحالهم حال من يُتوقع له الهداية، كأن الكلام يُشعر المؤمن بألا يغتر بعمله، إذا كانت هذه الصفات مكتملة في شخص، وهو بين (لعل) (وعسى) وهو في مقام الرجاء أو حاله كحال من يُتوقع له الهداية، فكيف بمن لم يتصف بهذه الصفات!، فكلمة (عسى) هنا تجعل المؤمن لا يغتر بعمله أبداً، أيضا هي إحباط للمشركين، وتيئيس لهم أن يكونوا على شيء من الهداية‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫ويأتي السؤال بعد ذلك لهؤلاء الذين افتخروا بسقاية الحجاج، وعمارة المسجد كما قيل‫: إن بعض الأسرى في غزوة بدر حين لامهم المسلمون على شركهم، قالوا‫: كيف تذكرون مساوينا، ولا تذكرون محاسننا، فنحن عمّار المسجد، ونحن سقاة الحجيج، ونحن نفك العاني، ونحن نفعل، ونفعل فنزل قول الله تعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿19﴾
أجعلتم سقاة الحاج وعَمَرة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله قراءة؛ إذ إن التشبيه هنا أو المقارنة (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ) فعل مصدر(وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ) من هنا قيل التقدير أجعلتم أهل سقاية الحاج، وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن، حتى تكون المقارنة بين عقلاء بين فاعل وفاعل وليس بين فعل وفاعل أو التقدير (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر) ذاك هو التقدير، تقدير الكلام ولذا قُرأت (أجعلتم سُقاة الحاج وعَمَرة المسجد الحرام كمن آمن ) فأصبحت المقارنة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(الحاج) اسم جنس ككلمة (طفل) يُعبر بها عن جنس الأطفال (فالحاج) يُعبر بها عن جنس الحجيج أي هل من المعقول أن يكون سقي الحجيج، وفرش المسجد أو سدانة البيت، أو الحفاظ على أمنه، هل ذاك مثل الإيمان بالله وباليوم الآخر، والجهاد في سبيل الله! هل يمكن أن يستوي هؤلاء وهؤلاء، خاصة أن سقاة الحجيج وعمّار المسجد من المشركين (لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ) يستحيل أن يتساوى هؤلاء مع هؤلاء (وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ (١٩)) وكأن الشرك ظلم، وكأن هؤلاء الذين سجدوا للأصنام، وافتخروا بعمارة المسجد، ظلموا أنفسهم بالشرك، وظلموا المسجد بعمارته، فهم ليسوا أهلاً لذلك، والبيان لعدم الاستواء يأتي تفصيلا‫:‬‬
ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ﴿20﴾ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍۢ وَجَنَّـٰتٍۢ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌۭ مُّقِيمٌ ﴿21﴾ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ ﴿22﴾
‫(ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ) وهل للمشركين درجة، وهل للكفار درجة؛ ليكون هؤلاء أعظم منهم درجة؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫التعبير جاء مخاطبا لهم على ما ادعوه هم، ادعوا أن لهم الدرجات العلى بعمارة المسجد سواء إن كان تقديرهم خاطئا، فجاء الخطاب على قدر ما قدروه، أو المعنى أنهم أعظم درجة من كل ذي درجة على الإطلاق فهم أعظم الناس في أمة الإسلام عموما (ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا) بالله واليوم الآخر، وكتبه، ورسله، والقضاء والقدر خيره وشره، (وَهَاجَرُوا۟) تركوا الأوطان، وتركوا الأولاد، وتركوا الأموال، وتركوا الأرض، هاجروا في سبيل الله، وجاهدوا في سبيله بأموالهم وأنفسهم (أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ) وأولئك الجامعون لهذه الصفات هم الفائزون، وجاء الحصر لهم أي لا فائز غير هؤلاء، (وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ (٢٠)) صيغة تفيد أنه لا فوز لغير هؤلاء‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍۢ وَجَنَّـٰتٍۢ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌۭ مُّقِيمٌ (٢١) خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ (٢٢)) يبشرهم ربهم بثلاثة أشياء‫: برحمة، ورضوان، وجنات، وقد ذكر لهم ثلاثة أشياء‫: آمنوا، وهاجروا، وجاهدوا أثنى الله عليهم بثلاثة أشياء‫: الإيمان، والهجرة، والجهاد، فأثابهم وبشرهم بثلاثة أشياء‫: رحمة، ورضوان، وجنات، أيضا جاءت الكلمات نكرة لإشعار السامع بأن هذه الأشياء التي بُشر بها المؤمنون، وراء التعيين والتعريف فوق كل خيال، فوق كل تصور، وراء كل عقل، إذا نُكرت للتضخيم والتعظيم‫. النعيم‫: ليين العيش، ورغد العيش، هؤلاء الذين شقّت عليهم الحياة، تركوا الجاه كم جاعوا! كم ربط رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأحجار على بطنه! كم لقي هؤلاء من شظف العيش! تركوا الأوطان وتركوا الأولاد، فيبشرهم ربهم بالرحمة الواسعة التي لا يعلم قدرها إلا الله، والرضوان العميم، والنعيم المقيم‫: الرفاهية، ورغد العيش، ولين العيش.
‫ويؤيد ويؤبد الخلود فيقول‫: (خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا) ؛ لأن الخلود قد يُبَّعبر به عن المكث الطويل في اللغة العربية، من هنا يقول‫: (خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا) ، (إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ (٢٢)) أجر لا يُعرف قدره، ولا يعرف قدره إلا الله (عز وجل).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫عمارة المساجد، والمحافظه نظافتها، وإماطة الأذى عنها جاء فيها الكثير، منها ما جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ورواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسَاجِدَ وفي رواية يَتَعَاهَدُ الْمَسَاجِدَ، فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ)؛ لأن الله يقول‫: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ) [سورة التوبة آية‫: ١٨]، بل قد ورد أنه في عصر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان هناك امراة سوداء، أو رجل أسود يَقُم المسجد أي يجمع القمامة ورق شيء في المسجد فيدور في المسجد ويجمع أي قذارة أو أي شيء وقع في المسجد، من كثرة فعل الرجل ذلك لاحظه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولكن لأنه مجهول الشخصية، وليس من كبار الصحابة، لم يعرف الرواة أكان رجلا أم كانت امرأة، لذا تأتي وترى في روايتهم كان هناك رجل أو امرأة سوداء، فلم يتبين حتى الجنس مما يدل على أن أحداً لم يعتني به، وفي يوم من الأيام بحث عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلم يجده، أو بحث عنه، فسأل‫: (مَا فَعَلَ الإِنْسَانُ الَّذِي كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ؟، فَقِيلَ: مَاتَ، قَالَ: فَهَلا آذَنْتُمُونِي بِهِ، فَقَالُوا‫: إِنَّهُ كَانَ لَيْلا، قَالَ: فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا، قَالَ: فَأَتَى الْقَبْرَ فَصَلَّى عَلَيْهَا) بعد ما دُفنت مما يدل على أهمية ما فعله ذلك الرجل أو ما فعلته تلك المرأة، وعن المنزلة التي بلغها أو بلغتها بهذا العمل حتى يغضب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأنهم لم يخبروه، ويصر على الذهاب إلى القبر، ليصلي عليه أو ليصلي عليها‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أيها الأخ المسلم المسجد بيت الله، تخيّل كلمة بيت الله، واستوعب حتى ترعى الخشية عند دخولك، والتواضع وكل من في المسجد أذِن لهم الله بذلك، وهم ضيوفه، ولا يمكن أن يدخلوا بيته إلا بإذنه، فإياك والتكبر عليهم أو إذايتهم حتى برائحة العرق، وتقول عائشة‫: كان الناس في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في مهنة أنفسهم أي لم يكن لهم خدم كلٌ يخدم نفسه، فكانوا يذهبون إلى المسجد، ولهم أرواح أي رائحة، فقيل لهم هلاّ اغتسلتم، أيضا نبينا (صلى الله عليه وسلم) ينهى من أكل الثوم، أو البصل عن قربان المسجد، أو دخول المسجد، من أكل شيئا له رائحة في الفم كريهة لا يصح له أن يدخل المسجد، لذا تعلمنا من آبائنا في الصغر ألا نأكل هذه الأصناف ذات الرائحة في يوم الجمعة في ذهابنا لصلاة الجمعة، ولابد وأن نغتسل يوم ولابد وأن نتطيب يوم الجمعة، ولابد وأن نلبس أفخر الثياب لأننا ذاهبون لزيارة بيت الله، ويُروى (إِنَّ اللَّهَ لَيُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ جِيرَانِي؟ أَيْنَ جِيرَانِي؟ قَالَ: فَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ: رَبَّنَا وَمَنْ يَنْبَغِي أَنْ يُجَاوِرَكَ فَيَقُولُ أَيْنَ عُمَّارُ الْمَسَاجِدِ).
‫إن حب الله وحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الأمور الواجبة والمأمور بها أيضا، إذ إن من شرط الإيمان الكامل أن يكون الله ورسوله، أحب إلى المؤمن مما سواه، حين أذن الله (تبارك وتعالى) لرسوله بالهجرة للمؤمنين قبل أن يخرج هو للهجرة أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أصحابه أن يهاجروا، حين أمرهم بالهجرة للتخلص من تعذيب الكفار أولا، ثم لحرية العبادة ثانيا؛ وكي لا يُفتن المسلم عن دينه ثالثا، حين أُمروا بالهجرة منهم من سارع بالخروج والاستجابة تاركا الأهل والمال، ومنهم من شاور أهله والأهل لم يكونوا على دين الإسلام، فتبكي الزوجة، ويبكي الولد أو يبكي الأب، وماذا نفعل في أموالنا، وماذا نفعل في تجارتنا، وهكذا فيرّق قلب المسلم، ويلين، ويتكاسل عن الهجرة، فنبههم ربنا (تبارك وتعالى) إلى أن القرابة قرابة الأديان، وليست قرابة الأبدان، وأن الأخوة في الدين وفي الله هي الأخوة الحقة، وأن النسب الحقيقي هو نسب الإسلام، وليس نسب الأبدان، فيقول، عز من قائل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَـٰنِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿23﴾
الخطاب بلفظ الإيمان (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا) أولا‫: للتكريم، ثانيا‫: لتحريك الهمة لسرعة الاستجابة لأمر الله، عز وجل، وطالما سمعت الله (تبارك وتعالى) يقول‫: (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا) فأصغ سمعك وانتبه؛ إذ إنه يدعوك لخير أو ينهاك عن شر‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَـٰنِ) أولياء‫: جمع ولي، الولي‫: الناصر، الولي‫: المعين‫. الولي‫: الذي يتولى شؤن غيره، لا تتخذوا هؤلاء أولياء في حالة تفضيلهم للكفر على الإيمان، فكيف تتخذ كافرا ناصراً لك! كيف تتخذ كافرا معينا لك! كيف تتخذ كافرا يتولى شؤنك، وإذ كان النهي عن الأب الكافر، وعن الأخ الكافر، فكيف بالغريب، ويأتي التهديد بعد النصح والإرشاد (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ (٢٣)) ظلموا أنفسهم، بل وقال بعضهم‫: من والى مشركا كان مشركا والعياذ بالله، لكن لابد هنا من توضيح نقطة، الموالاة المنهي عنها شيء، والمودة، وصلة الرحم شيء آخر، الموالاة التي ينهى الله عنها، هي التناصر والتعاون، وتولّى الشؤن وما إلى ذلك، أما الصلة، فليس منهي عنها؛ لورود قصة حدثت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا، قَالَ: " نَعَمْ صِلِيهَا)، إذاً فصلة الأم، وصلة الأب، والمودة والرحمة شيء مباح، ونزل قول الله (عز وجل):‬‬‬‬‬‬‬
‫(لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ) [سورة الممتحنة آية‫: ٨]، إذا بر الأب والأم لا بأس به، أما الموالاة‫: التي هي التناصر، والتعاون، وما إلى ذلك، هذا هو الذي ينهى الله عنه.
‫وقيل إن الخطاب مستمر إلى يوم القيامة، وقيل إن الخطاب للمسلمين بمكة الذين منعهم حبهم لآبائهم أو لأبنائهم أو لإخوانهم عن الهجرة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫فاستجاب أناس بعد ما نزلت هذه الآية‫. خرج الكثير إلى الهجرة، وعلموا أن الهجرة واجبة، وعلموا أن قطع الموالاة بين المسلمين والكفار واجبة، صلة الرحم لا بأس بها الكلمة الطيبة لا بأس بها، وامتنع أناس وترددوا في الخروج، فنزل العتاب، والتوبيخ، والتهديد‫.‬‬‬
قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌۭ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍۢ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴿24﴾
جمعت الآية كل محبوب (الأب)، ويدخل فيه الجد، والأم، والجدة، والأبناء أولاد أو بنات، والأحفاد، والإخوان، والأخوات، والأقرب ذُكر فالأبعد أوْلى، والأموال المجموعة، الثروة، التجارة التي لو تُركت بارت، وكسدت، ووفسدت، وقد كان أهل مكة تجارا، المساكن، البيوت، المنازل، القصور، الأزواج، والزوجات كل ذلك إن كان يمنع عن أمر من أمور الدين قُدم أمر الدين على أمر الدنيا، وثبت بالآية أن حب الله، وحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واجب على كل مسلم، وأن تعارض أمور الدنيا مع أمور الآخرة، يوجب اختيار أمور الآخرة على أمور الدنيا، وإلا التهديد والوعيد شديد (فَتَرَبَّصُوا۟) فانتظروا (حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ) أمر الله هنا إن كان الخطاب لأهل مكة الذين لم يهاجرو من المسلمين فهو فتح مكة، وانتهاء الهجرة، وإن كان الخطاب مستمرا وهذا هو الأرجح، فأمر الله هنا عقوبة عاجلة، أو عقوبة آجلة، فمن أحب شيئا أكثر من حبه لله حرمه الله منه، تلك عقوبة لكن الحب، حبان‫: حب اختياري، وحب غريزي ضروري، لا تملك له دفعاً، فمثلا رجل يحب ابنه حباً جماً هل هناك مانع؟ أبداً. إذا كان حبه لابنه مانعاً له من طاعة الله أو دفعاً له لمعصية الله، إذاً فقد أحب ابنه مختاراً أكثر من حبه لله، حب الرجل لأبيه، ولأمه، ولابنه، ولأخيه، لمسكنه، لملبسه، لمركبه، لأحفاده، لأمواله حب طبيعي، حب غريزي، لا يؤاخذنا الله عليه كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يحب عائشة (رضى الله عنها) وكان يحب خديجة، وكان يحب من الطعام الثريد، وكان يحب من اللحم كتف الشاة، وكان يحب الطيب، ذاك حب لا بأس به مهما كبر أو اشتد أو عظم، حب غريزي لا يؤاخذ المرء عليه مهما اشتد أو عظم، أما الحب الممنوع هو اختيار الغير على الله، أو حب الشيء المانع من الاستجابه لله، أو الحاجز عن طاعة رسول الله‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ) العشيرة‫: من العِشرة، العشرة‫: الجماعة التي يعتز بها الإنسان، ويحتمي بها، ويلجأ إليها (وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا) اكتسبتموها أصل كلمة القَرْف‫: قشر اللحاء عن الشجر أو القشرة عن الجرح، عُبر بها عن الاكتساب (وَتِجَـٰرَةٌۭ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا) فوات الوقت عليها، ركود التجارة، عدم بيعها (وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَا) لين العيش (أَحَبَّ إِلَيْكُم) جواب كان، إن كان كل ذلك (أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍۢ فِى سَبِيلِهِ) أي في سبيل الله، (فَتَرَبَّصُوا۟) ، فانتظروا، وتراقبوا، وتوقعوا حتى يأتي الله بأمره، (وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ (٢٤)) ، وكأن من أحب شيئا يمنعه من طاعة الله فسق، أي خرج عن خط الإيمان، وعن خط الاستقامة، وخط الطاعة، وتعرض للضلال والضلالة؛ إذ إن الله يقول‫: (وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى) أي لا يرشدهم إلى ما يصلح حالهم دنيا، ولا يرشدهم إلى ما يستر حالهم أخرى (وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ (٢٤)).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أيها الأخ المسلم، حب الله، حب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الحب له مذاق، والحب له علامات، وقد قيل‫: إن العبد إذا امتنع أو ابتعد عن طاعة الله، وسار في طريق المعصية مختاراً، إذا فقد أحب غير الله، أو فضّل غير الله على الله، ويشار إلى ذلك في قول الله، عز وجل، في موضع آخر‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًۭا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّۭا لِّلَّهِ) [سورة البقرة آية‫: ١٦٥].
‫وكما قلنا حب الله (تبارك وتعالى): المداومة على ذكره، حب الله، تبارك وتعالى، الخوف منه، حب الله (تبارك وتعالى) الرجاء، حب الله‫: اللجوء إليه، حب رسول الله (صلى الله عليه وسلم): إحياء سنته، اتباع خطوته، ذاك هو الحب الحقيقي، ترسّم الخطى لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) كيف كان يأكل؟ كيف كان يمشي؟ كيف كان يصلي؟ كيف كان يصوم؟ كيف كان يعامل الناس؟ كيف كانت أخلاقه؟ ترسّم هذه الأخلاق والاقتداء بها‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫حب الله، تبارك وتعالى‫: الانتصار لدينه، المحافظة على كلامه، المحافظة على بيوته، والمحافظة على عمارتها، ونظافتها، حب الله‫: كلمة الحق، حب الله‫: ألا تخشى في الله لومة لائم، حب الله‫: أن تقول الحق ولو كان مراً، حب الله، وحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمور يصعب الكلام فيها في وقت قصير؛ إذ هي تحتاج إلى مؤلفات، ومؤلفات، وقيل‫: إن الله (تبارك وتعالى) (يَقُولُ: عَجِبْتُ لِمَنْ طَمِعَ فِي رَحْمَتِي، وَقَدْ بَخِلَ بِطَاعَتِي).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أيها الأخ المسلم عُد إلى الله (تبارك وتعالى) حب الله لا ينتهي؛ إذ إن الله لا نهاية له، حب الله يدوم، وحب غيره لا يدوم، ربنا (تبارك وتعالى) إذا أحبك أحببته، وقد سُئل أحد الصالحين عن حبه لله ما مدى حبك لله؟ قال‫: بالقدْر الذي أعطاني إياه، من هنا حب الله (تبارك وتعالى) هبة، حب الله منحة، لكن الإنسان يحاول أن يتعرض له بترسّم الطريق الذي يؤدي إليه، وقد بيّن ربنا الطريق بقوله‫: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [سورة آل عمران آية‫: ٣١].
‫إذاً فهناك طريق يسلكه المرء، حتى يصل إلى حب الله، لكن حب الله أولاً، ثم حب العبد ثانياً بمعنى إن أحبك الله رزقك حبك إياه؛ لأنه يقول‫: (فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥ) [سورة المائدة آية‫: ٥٤] ، يحبهم هو أولاً، فإن أحبهم وفقهم لحبه، فكيف نصل إلى أن يحبنا، فإذا أحبنا وصلنا إلى حبنا له كيف؟ بأن تترسّم خطى النبي (صلى الله عليه وسلم) حيث رسم الطريق لنا ربنا بقوله‫: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ) [سورة آل عمران آية‫: ٣١]، أي تسعَوْن إلى حبه (فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ) وقد جاء في الحديث القدسي قول الله (عز وجل): (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)، فقد توعّد الله (تبارك وتعالى) الذين آثروا الأموال، والأولاد على حب الله ورسوله، توعدهم، وأمر المسلمين أن يكون حب الله ورسوله، هو الأكبر الحب، أحب من كل شيء، وأمرهم بموالاة بعضهم البعض، ونهاهم عن موالاة الكفار(لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَـٰنِ) توعّد من يعصي بالإضلال (قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌۭ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍۢ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ (٢٤)) ، إذاً فمن آثر ابنه، أو ماله، أو مسكنه، أو تجارته على طاعة الله وحب الله ورسوله، عُدّ من الفاسقين (وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ (٢٤)) ، ثم يبيّن ربنا (تبارك وتعالى) المنّة، والنعمة، ويضرب مثلاً ببعض نِعمه، فيحكي لهم ما حدث في حنين‫.‬‬‬‬‬‬‬
لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍۢ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًۭٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴿25﴾ ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًۭا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿26﴾ ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿27﴾
‫(لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍۢ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) طالما كان النصر من عند الله، والرزق من عند الله، وحب الله يؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة، فمن آثر غير الله على الله في الحب فسق، وتلف، وشقى، وندم، ها هي الأمثلة، كم نصركم في بدر، في غزوات كثيرة، وخاصة في يوم حنين، كانت حنين في السنة الثامنة من الهجرة، فتح الله (تبارك وتعالى) مكة لرسوله (صلى الله عليه وسلم) وللمسلمين في رمضان من العام الثامن للهجرة، فُتحت ودخلها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ودانت له، وأسلم الجميع ودخلوا في دين الله أفواجا، وأطلقهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعفا عنهم، وقال‫: (مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لإِخْوَتِهِ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، اذْهَبُوا فَأنَتُمْ الطُّلَقَاءِ) وصعد بلال على سقف الكعبة، ووقف عليها، وارتفع صوته بين جنبات مكة تردده الجبال، الله أكبر، الله أكبر‫. بلال العبد الحبشي الذي عُذب في الله لم يُرض هذا بعض قبائل العرب مثل‫: هوازن، وثقيف، كيف دانت له مكة والمدينة، وكثير من قبائل العرب، وانتشر الإسلام؟ فلا عيش لهم ولا حياة لهم، لم يرضهم ذلك، فاجتمعوا وتآمروا على حربه والخروج له، أعماهم الله (تبارك وتعالى) واستدرجهم، فخرجوا بنسائهم، وأموالهم، وأولادهم، وزعم رئيسهم وزعيمهم أن ذاك يثبّت القلوب، إذا خرج الرجل للحرب، وامرأته، وأولاده، وغنمه، وماله معه، لن يفر إلى أين يذهب ويترك الأموال، والأولاد، والنساء، والذراري، إذاً فخروجهم بقبائلهم بعشائرهم، بنسائهم، بأولادهم، بأموالهم أدعى للثبات، ويصبح الرجل منهم إما قاتلا وإما مقتولا، تجهزوا وبلغ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذلك فقرر أن يخرج إليهم، خرج ومعه اثنا عشر ألف مقاتل، عشرة آلاف جاءوا معه من المدينة في الفتح، وألفان ممن أسلم من أهل مكة من الطلقاء، مسلمة الفتح، خرجوا بسلاحهم وعتادهم، فقال بعضهم‫: لن نُغلب اليوم من قلة، أعجبتهم كثرتهم، والعُدد، والعَدد اثنا عشر ألف مقاتل في ذلك الوقت، عدد كبير، كثير لم يحدث من قبل للمسلمين، فاغتروا بقوتهم، وأعجبتهم كثرتهم، فقالوا‫: لن نُغلب اليوم من قلة، فأوكلهم الله إلى كلمتهم، والقائل البعض، فأراد الله أن يؤدب الجميع، نعم خطأ البعض يصيب الكل، كما أن صلاح البعض قد يعمّ بفضله على الكل، فبالرجل الصالح يصلح أهل بيته، بل وجيرانه، وأهل دويرته جميعا وهم في حفظ الله ما دام الرجل الصالح فيهم، وبخطيئة الواحد يصاب الكل بعذاب الله، وغضبه، كخطيئة عاقر الناقة، إنما عقرها واحد، فانبعث أشقاها، فأصاب الله الجميع بعذابه، تشاجر اثنان في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في رمضان، وقد خرج يخبر الناس بليلة القدر وموعدها فرُفعت وهكذا‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫قالوا‫: لن نُغلب اليوم من قلة، فأراد الله (تبارك وتعالى) أن يبيّن لهم أن النصر من عنده، وليس النصر بكثرة العَدد ولا بكثرة العُدد، تجهز رجال هوازن، وثقيف، وجاءوا في وادي حنين‫: وهو وادٍ بين مكة والطائف، وتربصوا خلف الجبال، وأعالى الجبال، والوادي ضيق، وانتظروا مجيء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومن معه، كان عدد هوازن وثقيف أربعة آلاف فقط، وكان المسلمون اثنا عشر ألفا، وفي غبش الصبح، وقد جاءوا وعبروا الوادي، فاجأهم جنود هوازن، وثقيف بالنبْل من كل جانب، رشقوهم رشقة رجل واحد، ففر الجميع كلهم لا يلوي على شيء ينجو بنفسه، اثنا عشر ألف رجل من الصحابة فروا، حتى إن بعض الناس سألوا‫: البراء بن عازب أفررتم يوم حنين؟ قال‫: لكني أشهد أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يفر، ثبت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على بغلته الشهباء دُلدُل والعباس بن عبد المطلب آخذ بخطامها، بمِقْوَدِها، وأبو سفيان بين الحارث بن عبد المطلب آخذ بالركاب، وثبت عمر، وثبت أبو بكر، وثبت عليّ، بل ومن النساء ثبتت أم سليم وكانت حاملاً، فربطت على بطنها حتى لا يتحرك جنينها، وأخذت الخنجر وذهبت إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تقول له‫: أقتل الذين ينهزمون عنك، فر الناس ولم يثبت حول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سوى عشرة من اثنا عشر ألف مقاتل، فنزل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن بغلته، (يَا عَبَّاسُ نَادِ وَكُنْتُ رَجُلًا صَيِّتًا، فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي‫: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ ، أَصْحَابُ البَيْعَةِ، (لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ) [سورة الفتح آية‫: ١٨] يَا أَصْحَابُ السَّمُرَةِ ، يَا أَصْحَابُ البَقَرَةِ، يَا أَصْحَابُ البَيْعَةِ ، فَثَابَ النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَهِ (صَلّى اللَهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ)، ونزل النبي (صلى الله عليه وسلم) وهجم المشركون وأحاطوا به وهو يقول‫: (أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ)، ثم أخذ حفنة من التراب فقذفها في وجوههم وقال‫: (شَاهَتِ الْوُجُوهُ هُزِمُوا وَرَبِّ الكَعْبَةِ) فانهزموا جميعا، وفروا من حول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعاد المسلمون إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، وحدث القتال الشديد، وانهزمت هوازن، وثقيف شر هزيمة وغنم النبي (صلى الله عليه وسلم) أموالهم التي جاءوا بها، جميع أموالهم لدرجة أن الناس عجزوا عن عد الغنم والإبل، وسقط في يده من السبايا‫: الذراري، والنساء يقال‫: ستة آلاف، وفروا وتحرك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى الجعرانة، ولم يقسم الغنائم، ومكث بضعة عشرة ليلة لا يقسم الغنائم، منتظرا لمجيء أهل هوازن، وثقيف تائبين مسلمين، فقد علم بالوحي أن الله يتوب على من يشاء، وفجأة وبعد أن قسم الغنائم بعد بضعة عشر ليلة، جاء وفد هوازن مسلمين، بل وساقوا عليه أمه في الرضاعة حليمة، فقال لها‫: (مَا كَانَ لِيَ وَلبِنَي هَاشِمٍ، وَلِبَنِي عَبْدِ المُطّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، أَمّا النَّاسُ فَقَدْ قُسِمَتْ عَلَيْهِمُ الغَنَائِمِ، فَتَعَالِي فِي الغَدِ، فَإِذَا رَأَى النَّاس أَنِي رَدَدْتُ عَلَيْكُمُ نَسَاءَكُمْ أَوْ ذَرَارِيكُمْ رَدُوا) وجاء وفد هوازن يراودون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن أموالهم، وعن نسائهم، وذراريهم، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ، وَإِمَّا الْمَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ، وَكَانَ أَنْظَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَل مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا‫: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي الْمُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاءُوا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ "، فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): " إِنَّا لا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ "،. فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا، أَوْ أَذِنُوا) وكان من بين السبايا أخته في الرضاعة الشيماء التي أسلمت، وفرش لها رداءه، وأكرم وفادتها، وعادت إلى أهلها مجبورة، مسلمة. ‬‬‬
‫تلك كانت غزوة حنين يمتنّ الله (تبارك وتعالى) على نبيه (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين فيقول، عز من قائل‫( لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍۢ) مواطن‫: جمع موطن أماكن كثيرة غزوات متعددة (ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) واختص يوم حنين بالذكر؛ إذ جاء النصر بعد الهزيمة، وجاء الفرج بعد الكرب، وأُدِبوا لأنهم اغتروا بكثرتهم، فأعلمهم أن النصر من عنده (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) حيث قال بعضهم‫: لن نُغلب اليوم من قلة (فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًۭٔا) أي هذه الكثرة، والتي تضاعفت عن عدد أعدائكم، وزادت عنها ثلاثة أضعاف، لم تغن عنكم شيئا، لم تنفعكم، ولم تمنع عنكم الهزيمة، بل (وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) الرُحب‫: السعة، الرَحبْ: الواسع، أي ضاقت عليكم الأرض بما رحبت أي على رحبها أو مع رحبها الباء بمعنى (على )، أو بمعنى (مع) الأرض الواسعة ضاقت، لم يعرف الرجل منهم أين يذهب، وكأنه أصبح أسيرا في مكانه ثابتا في مكانه، لا يدري أين يذهب، ضاقت الأرض عليه من شدة الكرب (ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (٢٥)) أعطيتم أعداءكم أدباركم، وظهوركم، وفررتم لا تلوون على شيء، ولا تلوون على أحد (ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِ) السكينة‫: من السكَن، والسكَن‫: الاطمئنان بعد الرعب، اطمئنان القلب، أو من السكون وهو الثبات بعد التحرك (أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ) أعاد الجار و(على) ليبين اختلاف الحال، فالسكينة على الرسول، غير السكينة على المؤمنين، ورسولنا (صلى الله عليه وسلم) لم يفر، ولم يتول، ولم تضيق عليه الأرض، هم الذين ضاقت عليهم الأرض.
‫(وَأَنزَلَ جُنُودًۭا لَّمْ تَرَوْهَا) الملائكة لم تحارب في حنين قيل‫: الملائكة حاربت في بدر فقط، وإنما الملائكة حين نزلت، نزلت لتثبت المؤمنين بلمّة الملَكَ، وكلنا يعرف للملك لمّة، وللشيطان لمّة، نزلت الملائكة تثبت المؤمنين، وتُلقي في قلوبهم التثبيت، والثبات والاطمئنان، والاتكال على الله، والاعتماد على نصره، في نفس الوقت تخوّف الكفار وتلقى في قلوبهم الرعب، والهلع (وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ) بأسيافكم، فقتلتم منهم، وأسرتم منهم، وأخذتم أموالهم (وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ (٢٦)) أي ماحدث لهم من قتل، وأسر، وسبي، وضياع الأموال، ذلك جزاء على كفرهم (وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ (٢٦)).
‫(ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ) إذاً فقد بشر الله رسوله بتوبة هؤلاء، بعد ذلك يتوب الله على من يشاء من الذين انهزموا من الأسارى، من الذين أسروا من النساء، من الذراري يتوب عليهم بأن يوفقهم للإسلام (وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿٢۷﴾) وفعلا تحقق وعد الله، وجاءت هوازن، وأسلموا وآمنوا ورد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عليهم النساء والذراري في هذه الغزوة، غزوة حنين، وتُسمى غزوة أوطاس رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) امرأة تصرخ، وتولول، وتذهب وتجيء وتجري قال‫: ما لها؟ قالوا‫: فقدت بُنياً لها، ثم رآها وقد عثرت على ابنها، فأخذته تضمه، وتقبله، وتهدهده فرحة بعثورها على ابنها، فأشار النبي (صلى الله عليه وسلم) إليها وقال لأصحابه‫: (أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟- هل يُعقل أن تقذف هذه المرأة التي كانت تولول على ابنها، وها هي فرحة بالعثور عليه، هل يمكن أن يتخيل أحد أن تأخذه، وتقذف به في نار- (أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ فَقُلْنَا‫: لا وَاللَّهِ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لا تَطْرَحَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): لَلَّهُ تَعَالَى أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِوَلَدِهَا) أو كما قال‫.‬‬‬‬‬‬‬
‫فقد نزلت سورة براءة والتي نحن بصددها كما قلنا من قبل في السنة التاسعة من الهجرة، أو نزلت في غزوة تبوك، وأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) علي بن أبي طالب أن يذهب إلى موسم الحج في السنة التاسعة، حيث كان أبو بكر الصديق أميراً على الحج، وقرأ عليّ على الناس أربعين أو خمسين آية من أول سورة براءة، مما قاله ونادى به علي بن أبي طالب بأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وينزل قول الله (عز وجل) يبين هذا الأمر، ويبيّن العلة في ذلك الأمر فيقول، عز من قائل‫:‬‬
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌۭ فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةًۭ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ إِن شَآءَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿28﴾
‫(يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌۭ) ، وكما قلنا‫: إذا سمعت الله (تبارك وتعالى) يقول (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟) فارْعِه سمعك، فإنما يأمرك بخير أو ينهاك عن شر، والكلام عن عبدة الأوثان أو عن المشركين عامة (نَجَسٌۭ) مصدر لا يُثنى، ولا يُجمع، رجل نجس وامرأة نجس، ورجال نجس، ونساء نجس، المشركون نجس، والشيء الذي تنجّس أو الشيء النجس‫: الشيء القذر، والنجاسة يحرم أكلها، ويحرم بيعها، ويحرم الانتفاع بها.
‫والنجاسة‫: نجاستان‫: نجاسة حسية، ونجاسة معنوية، أما النجاسة الحسية، فهي النجاسات التي عرفناها‫: كالخمر، كالبول، كالبراز - فضلات الإنسان - أما النجاسات المعنوية، وليست الحسية، فهي الكفر، والشرك، وما انطوت عليه قلوب عبدة الأوثان‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌۭ) فهي نجاسة معنوية، وليست نجاسة حسية، والغريب في التعبير أنه قال (إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌۭ) ، وكأنما هم عين النجاسة، فلم يقل إنما المشركون كالنجس، هم نجس كأنهم عين النجاسة للمبالغة في وصفهم بهذا الوصف‫. وإن كان هناك بعض الآراء الضعيفة التي اعتبرت باللفظ، بظاهر اللفظ، وعليه فلا يصح لمسهم أو مسكهم وما إلى ذلك، ومن سلّم على أحدهم فليتوضأ، وهو رأي ضعيف‫. جمهور العلماء على أن النجاسة هنا نجاسة معنوية (فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا) عبّر عن الدخول بالقرب للمبالغة في النهي، عن قربانهم المسجد الحرام، إذاً فقد منعوا من دخول منطقة الحرم، وليس المسجد‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا) العام الذي نزلت فيه السورة، العام الذي نادى فيه علي بن طالب لا يطوف بالبيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، إذاً بعد عامهم هذا، أي بعد العام التاسع من الهجرة الذي حج فيه أبو بكر، بل وحج معه المشركون كلٌ على دينه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وقيل بل (بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا) أي بعد السنة العاشرة التي حج فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫والرأي الأرجح هو العام التاسع، حيث أُذن لهم أو سُمح لهم بالحج في العام التاسع، حين أمر الله (تبارك وتعالى) المسلمين بمنع المشركين من الاقتراب من المسجد الحرام، قال بعضهم‫: ومن أين نأكل؟ وكيف نعيش؟ فقد كان المشركون يتاجرون، ويأتون من كل مكان للطواف بالكعبة، وللسجود للأصنام، يأتون بالتجارات والأطعمة، والأشربة، وما إلى ذلك، فإذا مُنعوا والمسلمون قلة أهل مكة فقط، إذاً فمن أين يأكلون؟ فردّ الله عليهم (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةًۭ) فقر، وإن كانت قد قرأت عائلة، عالة يعيل، عيل، وعيولة‫: افتقر عال الرجل فهو عائل‫: فقير(وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةًۭ) أي وإن خفت الفقر(فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ إِن شَآءَ) إذاً فالرزق بيد الله، وهو القائل‫: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَـٰتٍۢ) [سورة الزخرف آية‫: ٣٢].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫مهما سعيت، الأخذ بالأسباب واجب، أن تزرع، أن تتاجر، أن تذهب إلى محلك، أن تصنع أن تفعل، أن تسعى على الرزق، والأخذ بالأسباب واجب، إنما حقيقة الأمر الرازق هو الله، والرزق من عند الله، (وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)) [سورة الذاريات آية‫: ٢٢].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫من هنا يبيّن ربنا هذا بقوله‫: (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ إِن شَآءَ) إذاً فالأمر يتعلق بمشيئته إن شاء منع، وإن شاء منح، والمانح مانع (إِن شَآءَ) إذاً يرزق البعض، دون البعض، ويوسع في عام، ويضيق في عام، فالأمر متعلق بمشيئته‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(سوف) (لعل) في حق الله (عز وجل) واجب (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ) إذاً فذاك وعد متحقق لا محالة، لكن حين يقول إن شاء يبيّن أن الأسباب وسائل، والرازق هو الله، وأن الغنى الذي وعدهم، قد يصيب البعض منهم دون البعض الآخر، وقد يحدث في عام دون عام آخر، دلّ على كل ذلك بقوله‫ (إِن شَآءَ) (إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ (٢٨)) ، عليم بأحوالكم، حكيم فيما قضى وقدّر لكم، حكيم في حكمه على المشركين بأنهم نجس، وألا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا.
‫في هذه الآية أمور‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أولها‫: كما قلنا‫: إن الرزق بيد الله، وعلى الإنسان أن يسعى، ويأخذ بالأسباب، ويتوكل على الله، فإن جاءه الرزق فبفضل الله، وإن لم يأته رزق فبعدل الله، والإنسان يتقلب بين الفضل والعدل، ولا تدري أيها أفضل لك، سعة الرزق، أم ضيق الرزق، أنت لا تدري ما يأتي به الغد، ولا تدري أين المصلحة، وربنا (تبارك وتعالى) يقول‫: (وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍۢ مَّا يَشَآءُ) [سورة الشورى آية‫: ٢٧].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أيضا لابد، وأن تعلم أن الأسباب التي خلقها الله (تبارك وتعالى) من أجل أن يبتلينا، من يعمل ومن لا يعمل، من يسعى ومن لا يسعى، من يُصاب بالشرة والطمع، ومن يقنع، من يرضى، ومن لا يرضى، والرضا لمن يرضى‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫المشركون من هم؟ أهم عباد الوثن، أم المشركون يدخل فيهم أهل الكتاب الذين قالوا‫: عزير ابن الله، والذين قالوا‫: المسيح ابن الله، أشركوا مع الله غيره؟ المشركون هنا نعتقد والله أعلم برأي الذين قالوا‫: هم عباد الوثن؛ لأن ما يأتي من آيات، خاص بأهل الكتاب (قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ (٢٩)) [سورة التوبة آية‫: ٢٩] إذاً فذاك الحكم خاص بعبدة الأوثان، والأصنام، والكلام عنهم فيما أُمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بنقض الحلف معهم، حيث خانوا، وغدروا، وعليه اختلف الفقهاء في الآية، وفي الحكم على أقوال نجملها فيما يلي لكي نعطي فكرة:
‫المشركون لفظ عام، يعم كل من لا يؤمن بالله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) يعم سائر المشركين عبدة النار، عبدة الوثن، عبدة البقر، الذين قالوا المسيح ابن الله، الذين قالوا عزير ابن الله، الذين قالوا الملائكة بنات الله، الذين آمنوا باللات والعزى ومناة، المسجد الحرام حكمه حكم سائر المساجد، فالحكم عام في سائر المشركين في سائر المساجد إذاً لا يصح أن يدخل غير المسلم الحرم، أو أي مسجد بالقياس على المسجد الحرام، فحكم المسجد الحرام حكم سائر المساجد ذاك رأي.
‫الرأي الآخر قال‫: (ٱلْمُشْرِكُونَ) عام يشمل عبدة الأوثان وغيرهم، ممن لم يؤمن برسول الله ولم يدخل الإسلام، لكن المسجد خاص، المسجد الحرام فقط، ولهم أن يدخلوا سائر المساجد، فلا يصح أن يدخل المشرك المسجد الحرام أياً كان نوع إشراكه، طالما لم يكن مسلما يُمنع من دخول المسجد الحرام، بل يمنع من دخول الحرام، وله أن يدخل سائر المساجد؛ لأن النهي خاص بالمسجد الحرام‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وقال بعضهم‫: المشركون هم عباد الوثن فقط، ويُسمح لليهود، والنصارى بدخول المسجد الحرام، وبالتالي دخول سائر المساجد‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وهكذا اختلف الأئمة في تعميم الحكم، أو تخصيص الحكم فيما يتعلق بالشرك، وما يتعلق أيضا بالمسجد، المشركون عموما، المساجد كلها، المشركون عباد الوثن، المسجد الحرام فقط، وهكذا اختلفوا أيضا في كلمة المسجد الحرام، البعض قال‫: المسجد الحرام فقط، ولهم أن يدخلوا مكة، ولهم أن يدخلوا المدينة، ولهم أن يدخلوا جميع البلاد ماعدا المسجد يتواجد بمكة، لكن لا يدخل المسجد، (فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ) كلمة يقربوا ماذا تقول فيها يا صاحب الرأي، قال‫: للمبالغة، لتأكيد النهي، لتأكيد المنع، والآخرون قالوا‫: بل الحرم، وكلمة يقرب المسجد إذا تواجد بمكة إذن هو بقرب المسجد، لا يقرب معناها يبتعد، إلى أين؟ إلى منطقة الحرام كله، هكذا اختلف الفقهاء في شأن الآية، لكن المعمول به لسنوات عديدة، ولقرون عديدة هو منع غير المسلم من الاقتراب من الحرم المكي، أو الحرم المدني قياساً عليه.
قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ ﴿29﴾
الأمر بالقتال، بإيقاع العقوبة، لكن جُعل للقتال غاية (حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫لكن اليهود والنصارى يؤمنون بالله، ويؤمنون باليوم الآخر، لكن حين يقول‫: (لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ) أي لا يؤمنون إيماناً صحيحا، فإن زعموا الإيمان بالله، وزعموا الإيمان بالبعث واليوم الآخر، لكن الإيمان هنا غير صحيح (وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ) فهم يشربون الخمور، ويأكلون الخنزير، لا يحرمون ما حرم الله ورسوله محمد، أو لا يحرمون ما حرم الله ورسوله الذي يؤمنون به الذي بُعث لهم، هل أجاز المسيح شرب الخمر؟ هل أذن موسى بأكل الخنزير؟ هل وافق عيسى على التعامل بالربا؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ) الإسلام الذي جاء ناسخا لكل الشرائع، (وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ) اليهود والنصارى، من هنا اعتقد البعض أن الحكم السابق (إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌۭ) مختلف عن هذا الحكم، واعتقد البعض الآخر أن الكلام متصل، هؤلاء هم هؤلاء (وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ) الدين الإسلامي الذي ارتضاه الله (تبارك وتعالى) (مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ) الجزية‫: اسم للمال الذي يفرضه الحاكم على من بقي على دينه، ولم يدخل في الإسلام من اليهود والنصارى، والجزية من الجزاء أي القضاء، أو الجزية من المجازاة المكافأة، فإن كانت من المكافأة، فهم يدفعون المال يكافئون المسلمين على الأمان الذي وفروه لهم على عدم قتلهم، إذا كانت من الجزاء من القضاء أي قضى ما عليه.
‫(حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ) قال بعضهم‫: عن يد معناها التسليم باليد، ولا يجوز التوكيل في دفع الجزية، فلابد أن يدفعها من قُدرت عليه بنفسه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(عَن يَدٍ) قالوا‫: منقادين طائعين ‫(عَن يَدٍ) أي عن يد منكم إنعام، وتفضيل عليهم ‫(عَن يَدٍ) عن غنى، فلا تؤخذ من الفقير، وضربت الجزية على الرجال المقاتلين فقط، فلا تجب الجزية على غير المكلف، لا تجب على المرأة، لا تجب على العبد، أو الأمة، ملك اليمين، لا تجب على المريض، والفقير، والشيخ الفاني، لا تجب على الرهبان، والأحبار.
‫قيل‫: ولِم فرضت الجزية؟ قيل‫: للدفاع عنهم، وإذا دفعوا الجزية تُركوا وما يدينون، تُركت كنائسهم، لهم أن يزرعوا الكروم، لهم أن يعتصروها، لهم أن يتعاملوا بينهم كما شاءوا بدينهم، لهم أن يشربوا الخمور ويأكلوا الخنزير، يربوا الخنازير ويصنعوا الخمور لكن لا يعرضوها في أسواق المسلمين، إن تحاكموا إلينا، حكمنا بما أنزل الله، أو رفضنا الحكم بينهم، وهم يتحاكمون فيما بينهم بكتبهم، أحكام نشأت من هذه الآية، يجب على الحاكم المسلم أن يدافع عنهم ولا يصلت عليهم أعداءهم، وهم لا يقاتلون، بل يدافع عنهم، ولا يُسمح بأخذ أموالهم، أو ثمارهم، أو أرضهم، طالما دفعوا الجزية، إذا افتقر الغني رُفعت عنه الجزية، بل وأُنفق عليه من بيت المال، أحكام ترتبت على هذه الآية.
‫فقد أمر الله (تبارك وتعالى) بقتال كفار أهل الكتاب، الذين لا يحرمون ما حرّم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وظاهر الآية، وظاهر اللفظ يدل على أن الجزية لا تؤخذ إلا من كفار أهل الكتاب فقط، وهي مقابل الكف عن قتلهم، أو هي مقابل دمائهم، وسكناهم في ديار المسلمين، أو هي مقابل الدفاع عنهم، والقتال دونهم، ولهم بعد ذلك أن يتحاكموا بينهم بشرائعهم، وأن يعصروا الخمور، ويتداولونها، أن يأكلوا الخنزير، وأن يربونه، منطوق اللفظ وظاهر الكلام يفيد ذلك، ولكن البعض من العلماء قال‫: إن الجزية تؤخذ من كل عابد وثن، وجاحد، ومنكر، ومجوسي، وقال البعض الآخر‫: لا تؤاخذ من عبدة الأوثان من العرب، إذ التصريح بقتالهم حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله قد ورد في كتاب الله (عز وجل) والبعض لم يستثن مشركي العرب، والبعض رأى معاملة المجوسي معاملة أهل الكتاب، ورُوى في ذلك حديث‫.. (سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ) وفرّق البعض بين مجوس العرب، ومجوس العجم، فلا تؤخذ من مجوس العرب، خلافات بين العلماء في تحديد من تؤخذ منه الجزية، وإن كان الأقرب إلى الصواب، والأشبه، هو أن الجزية لا تؤخذ إلا من كفار أهل الكتاب الذين يسكنون ديار المسلمين، وغاية قتالهم هو إعطاء الجزية عن يد، مقهورين ‫(عَن يَدٍ) عن إنعام من المسلمين ‫(عَن يَدٍ) تُسلّم باليد، ولا يُقبل فيها التوكيل إلى آخر ما قيل في معنى قوله (عز وجل): (عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ (٢٩)) ، ومن المتفق عليه أن الجزية لا تؤاخذ إلا من المقاتلين، أو من الرجال القادرين على القتال، فلا تؤخذ من النساء، ولا من الصبيان، ولا الفتيات، ولا العبيد، ولا الإماء، ولا العجزة، ولا العاجزين عن الكسب، ولا الفقراء، وللحاكم أن يحدد مقدار الجزية على كل رأس من رءوس الكفار، الذين قالوا‫: إن الجزية تؤخذ من كفار أهل الكتاب ساكني ديار المسلمين يستدلون بظاهر النص (قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ (٢٩)) وخاصة أن الله (تبارك وتعالى) يقول بعد ذلك:
وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ ۖ يُضَـٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴿30﴾ ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَـٰهًۭا وَٰحِدًۭا ۖ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿31﴾ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ ﴿32﴾ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ﴿33﴾
إذا فالكلام عن أهل الكتاب، وكأن الآية التالية تبرر الأمر بقتالهم، حتى يعطوا الجزية.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ) القائل بعض اليهود، واللفظ خرج على العموم، وأُريد به الخصوص؛ إذ ليس كل اليهود يقولون ذلك كقوله (عز وجل): (ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ) [سورة آل عمران آية‫: ١٧٣].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫ولم يقل كل الناس ذلك (وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ) بعض اليهود (وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى) بعض النصارى، بل قيل‫: إن اليهود في عصر النبوة، لم يقولوا ذلك، وإنما قال أسلافهم ذلك، فنُسب القول إليهم؛ لأنهم ارتضوه (وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ) قُرأت بالتنوين، وقُرأت بغيره‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫من هو عُزير؟ عزير في أقوال بعض المفسرين‫: هو الذي جاء ذكره في قوله (عز وجل): (أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍۢ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ ثُمَّ بَعَثَهُۥ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةًۭ لِّلنَّاسِ ۖ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًۭا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ (٢٥٩)) [سورة البقرة آية‫: ٢٥٩].
‫ذاك هو عزير، خرج يطلب العلم، وأتاه جبريل، فسأله أين تريد؟ قال أريد العلم، فعلّمه التوراة وحفّظها له، وكان اليهود بعد موسى، كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذّبوه، أو قتلوه، قتلوا الأنبياء، وبقتلهم الأنبياء، وبظلمهم، وببعدهم عن شريعة الله، رفع الله التوراة من قلوب الحفظة، إن كان فيهم حفظة، وبعض رهبانهم، أو بعض علمائهم، خشي على التوراة من الفتن، حين فتنهم الله بتسليط ملك ظالم عليهم، فقتلهم وشرّدهم، فدفنوا التوراة في مكان أو في أماكن غير معلومة، وحين جاء عزير بعد أن أحياه الله، لم يكن لدى اليهود التوراة المكتوبة، ولم يكن فيهم من يحفظها، فجاء عزير فقرأها عليهم كاملة، فأخذوا التوراة عنه، وحينئذ عثر بعضهم على التوراة المدفونة، فوجدت مطابقة لما أملاه عزير، فقالوا‫: ليس له ذلك إلا لأنه ابن للإله، فضلُّوا‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى) أي بعضهم (ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ) ؛ لأن النصارى حين رأوا معجزات المسيح، يبريء الأكمه، والأكمه من ولد أعمى لم يكن مبصرا فذهب بصره، ويبرئ الأبرص، يحي الموتى لا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا كان ابنا للإله، وكيف يولد من غير أب! فُتنوا، وضلُّوا، فيقول الله (عز وجل): (ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ ۖ يُضَـٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (٣٠)) والأقوال لا تكون إلا بالأفواه، والأفواه‫: جمع فَوْه، ويُطلق عليه فم‫. هل الأقوال تخرج من غير أفواه؟ كل قول يخرج من اللسان، ومن الفم، فلِم قال‫: (ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ) ؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أولا‫: تأكيد المقالة التي قيلت، وتأكيد نسبتها إليهم، حتى لا يُتركون ولا يفلتون ويؤاخذون على هذه المقالة الشنيعة، فكأن الله أراد أن يؤكد نسبة قول الزور إليهم فقال‫: (يقولون بأفواههم) كما قال في مواضع أخرى:
‫(وَلَا طَـٰٓئِرٍۢ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) [سورة الأنعام آية‫: ٣٨] ، (يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ) [سورة البقرة آية‫: ٧٩].
‫الأمر الثاني‫: إشعار السامع، أن القول بلا دليل، ولا برهان هو قول لساني فقط، وما جاء في القرآن من أقوال نسبت إلى الألسن، أو الأفواه إلا وكانت أقوال زور، واسمع: (كَبُرَتْ كَلِمَةًۭ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ) [سورة الكهف آية‫: ٥] ولايخرج الكلام إلا من الفم، (يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم) [سورة آل عمران آية‫: ١٦٧].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَٰهِكُمْ ۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى ٱلسَّبِيلَ (٤)) [سورة الأحزاب آية‫: ٤]. في قولهم عن نسائهم أمهاتهم، وأبناءهم بالتبني وما إلى ذلك‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫إذاً فكل قول نُسب إلى اللسان في القرآن يفيد أنه قول باللسان، زور لا برهان عليه، ولا دليل‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫من هنا يقول الله (تبارك وتعالى): (ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ ۖ يُضَـٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ) المضاهاة، والمضاهأة‫: المشابهة، والمشاكلة، والمقابلة، والمماثلة، أي يتشبهون في أقوالهم، بأقوال من سبقهم من الكفار، إما أسلافهم من اليهود والنصارى، وإما مشركوا العرب الذين قالوا‫: الملائكة بنات الله، أو الذين قالوا‫: عن مناة، واللات، والعزى‫. (يُضَـٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ ) كقوله في موضع آخر(تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ) [سورة البقرة آية‫: ١١٨]، (يُضَـٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ) دعاء عليهم بالهلاك؛ لأن من قاتله الله هلك أو(قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ) أي لعنهم الله، وقيل‫: كل ما جاء في القرآن، قتله الله، قاتله الله أي لعنه، فهي تفيد معنى اللعن، وقيل‫: بل هي كلمة تعجب اعتاد العرب على أن يقولونها في الخير والشر، أي شيء غريب، يُتعجب منه، فيقول‫: قاتله الله ما أشعره! قاتله الله ما أفصحه! قاتله الله ما أفسقه! تقال في الخير والشر ككلمة تعجب، وكأن الله يعجب نبيه (صلى الله عليه وسلم) ويعجب المؤمنين من هؤلاء الذين جاءهم الشرع، وجاءهم النور، وجاءتهم الرسل، وجاءتهم البينات، وجاءتهم الكتب، ثم بعد ذلك يزعمون لله الولد (قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴿۳۰﴾) أنّى‫: كلمة تفيد معنى كيف، ومتى يؤفكون، ينصرفون عن الحق إلى الباطل، أفَكَه، يأفكه‫: قَلَبه، وصرفه (أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴿۳۰﴾) التعجب والاندهاش، والاستغراب من هؤلاء الذين ينصرفون عن الحق إلى الباطل، بلا دليل، وبلا برهان، قولٌ باللسان، قول بالأفواه، ويحكي عنهم القرآن أغرب من ذلك (ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَـٰهًۭا وَٰحِدًۭا ۖ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿۳١﴾) الأحبار‫: جمع حَبر، أو حِبر، عند بعض الناس، الحَبر من التحبير، والتحبير‫: التحسين، ومنه الحِبر‫: المداد الذي يظهر الكلام، ويظهر الكتابة، ويزينها، علماء اليهود هم الأحبار الذين يزينون الكلام، والهدى للناس، ويبينون لهم الشرع ذاك في الأصل، أما الرهبان، والراهب‫: فهي من الرهبة، والراهب من حملته الرهبة، والخشية من الله، على أن يعتزل الدنيا، ويعتزل الناس، ويأتنس بالله (عز وجل) وبجعل حياته، وعبادته لله ذاك أصل الكلمة، اليهود اتخذوا الأحبار، والنصارى اتخذوا الرهبان (أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ) جمع رب (وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ) أي وكذلك اتخذوا المسيح بن مريم إلهاً، هل عبدوهم؟ سُئل حذيفه بن اليمان (رضي الله عنه) عن معنى هذا الكلام، وهل عبدوهم، وسجدوا لهم من دون الله؟ قال‫: لا، ولكن الأحبار والرهبان أحلوا لهم الحرام، فاستحلوه، وحرموا لهم الحلال، فحرموه، ذاك معنى اتخذوهم أربابا من دون الله‫. وكأن طاعة غير الله، في معصية الله، شرك، وعبادة، هم لم يسجدوا للأحبار والرهبان، لم يصلوا لهم، لم يعبدوهم بمعنى العبادة، وإنما أطاعوهم في معصية الله‫. وذاك تفسير للنبي (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه عدي بن مطعم، حين سأله عن ذلك، لم يعبدوهم يا رسول الله؟ قال‫: (أَلَيْسَ كَانُوا يُحِلُّونَ لَكُمُ الْحَرامَ فَتَسْتَحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْكُمُ الْحَلالَ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: بَلَى‫. قَالَ: " فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ)، ذاك يُعلِمنا، وينبهنا، أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن من أطاع مخلوقا في معصية الرب كأنه اتخذ المخلوق ربا من دون الله.
‫ها هم اليهود والنصارى يحكي عنهم ربنا اتخذوا أحبارهم، ورهبانهم، أربابا من دون الله، كيف ذلك؟ أحلّوا لهم، وحرموا لهم بغير ما أنزل الله، فأطاعوهم في ذلك، فحكم عليهم بالكفر والشرك (وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَـٰهًۭا وَٰحِدًۭا) الذين اتخذوا الأحبار، والرهبان أرباباً. ما أُمروا إلا لعبدوا إلهاً واحداً، أي ليطيعوا إلهاً واحداً. والعبادة هنا بمعنى الطاعة، أمر الله، ونهى الله، ولا لأحد قول إلى جوار قول الله‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫المتخِذون أو المتخَذون، فيصبح دليلا على نفي، وفساد في اعتقادهم، (وَمَآ أُمِرُوٓا۟) أي الأحبار والرهبان، إلا لعبدوا إلهاً واحداً. فإذا كان المأمور بعبادة الله المسيح، فكيف يصبح إلهاً، وهو مأمور، وهو عبد، ما كان لنبي أن يقول لأتباعه بعد أن يصطفيه الله، (تبارك وتعالى) اعبدوني، أو اتخذوني ربا من دون الله‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫( إِلَـٰهًۭا وَٰحِدًۭا ۖ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ) تأكيد لعقيدة التوحيد (سُبْحَـٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿۳١﴾) تنزيه لله، (عز وجل) عن مقالتهم، وعن نسبة الولد إليه (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ ﴿۳٢﴾ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ﴿۳۳﴾) يريد هؤلاء الأحبار والرهبان، أو الذين ضلوا وأضلوا، اليهود في عصر النبي (صلى الله عليه وسلم) والنصارى، الكفار من أهل الكتاب الذين اتخذوا الأحبار والرهبان أربابا من دون الله، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، نور الله‫: القرآن، نور الله‫: شرع الإسلام، نور الله‫: نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) يريدون أن يطفئوا هذا النور باللسان، بالكلام، بالقول الزور، بالتكذيب بغير دليل، بغير برهان يمثلهم ربنا (تبارك وتعالى) كرجل رأى الشمس، فأراد أن يطفئها، فنفخ بفمه فيها، يريد أن يطفئي نور الشمس (وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُ) تقدير الكلام، ويأبى الله كل شيء إلا أن يتم نوره؛ لأن إلا، لا تأتي إلا مع الجحد مع النفي، يتم نوره أي يتم دينه، ويتمّ شرعه، ويتم أمره، ويُتمّ ما أنزل به محمد (صلى الله عليه وسلم) (وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ ﴿۳٢﴾) أي ولو كره الكافرون ذلك.‬
‫(هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ) تأكيد للمعنى، تأكيد للهداية، الرشاد، الدلالة على الطريق المستقيم، الدلالة على رضوان الله (عز وجل) (أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ) الإسلام (لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ) ليظهر محمدا (صلى الله عليه وسلم) على الدين كله، فيعلم جميع أوامر الشرع، ونواهيه، فيعلّمه الشرائع جميعها، يعلّمه الأديان، يعلّمه كل ما جاء به جبريل من وحي، يعلّمه شرع الإسلام، يظهره على الشيء‫: يعلمه ويعرفه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أو الضمير يعود على الدين (وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ) ، أي ليظهر الإسلام على الدين كله، في جزيرة العرب؛ لأن الأديان موجودة في الأرض في أماكن أخرى، فقالوا‫: ليظهره على جميع الأديان، فلا يبقى إلا الإسلام في جزيرة العرب‫. وقال البعض‫: ليظهره على الدين كله في جميع أنحاء الدنيا، وذاك يكون حين نزول عيسى بن مريم، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، يقتل الدجال، ويضع الجزية، إما الإسلام، وإما القتل، وقيل‫: بل عند مجيء المهدي المنتظر، والله أعلم بمراده.
‫(لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ﴿۳۳﴾) جاء بكلمة المشركون بدلاً من كلمة الكافرون؛ ليبيّن أن هؤلاء الكفار ضموا إلى كفرهم برسول الله (صلى الله عليه وسلم) الشرك بالله (عز وجل) وتتوالى الآيات؛ لتبيّن بعضا من سفاهتهم، وبعضنا من مساويهم، فيقول، عز من قائل، موجها الخطاب للمؤمنين مبيناً لهم‫:‬‬‬
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ ﴿34﴾ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴿35﴾
الكفر، وضموا إلى الشرك، أكل المال الحرام، أكل السحت، يأكلون أموال الناس بالباطل، أكل أموال الناس بالباطل قيل‫: هي الرشا في الأحكام، قيل‫: إذا جاء المستفتي يستفتي أفتوه بما يريد بمقابل، حرّفوا التوراة، حرّفوا الأحكام، قيل‫: كانوا يجمعون من الناس الأموال باعتبارها واجبة، ومفروضة عليهم؛ لعمارة البِيَعْ، والكنائس، ولا ينفقونها في سبيل الله، قيل‫: كانت تباع صكوك الغفران، بل وكانت تباع القراريط في الجنة، (لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ) يبتعدون عن طريق الله الحق، ويصدون غيرهم، ويمنعون غيرهم من الإسلام، ومن التدين بالدين الحق‫.‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٤)) هنا قال بعض الناس‫: الكلام عن الأحبار، والرهبان، وقال الآخرون‫: وهو الأرجح والأصوب، الكلام عن كل كانز؛ لأن التعبير (وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ) استأنف، وطالما جاء الكلام على صيغة الاستئناف، فالمعنى أو الكلام عن الكل، وذاك هو الأصوب والأرجح.
‫الذهب‫: سمي ذهبا؛ لأنه يذهب، والفضة سُميت فضة؛ لأنها تنفض، وتتفرق‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫عُبر بالذهب والفضة عن جميع الأموال، لكن الذهب والفضة هما أصل المال، أو ما يُقوم به كل مال، وما لا يُخرج زكاته كنز، وإن كان فوق الأرض، وما أُخرج زكاته ليس يكنز، ولو كان في سبع أراضين‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ) والكلام عن شيئين‫: الذهب، والفضة، فقياس الكلام (ولا ينفقونهما) ، ولكنه قال‫: (وَلَا يُنفِقُونَهَا) وَحّد الضمير، فقيل‫: المقصود الأموال، أو الكلام عن الزكاة (وَلَا يُنفِقُونَهَا) أي زكاة هذا الذهب، والفضة.
‫(فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ ﴿۳٤﴾) توبيخ، وفي نفس الوقت استهزاء بهم، وسخرية؛ لأن البشارة لا تكون إلا بما ينفع، وما يسر (يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا) على هذه الكنوز (فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا) ، والكي‫: إلصاق الساخن الحار بالجلد، (فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ) الجبهة مقدم الوجه من أعلى الحواجب حتى الناصية، حتى منابت الشعر.
‫(هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ) أي ويقال لهم حين الكي، (هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴿۳٥﴾) كنز الذهب والفضة، في هذه الآية تكلم العلماء فيه، وقال بعضهم‫: إن الآية تدل على وجوب الزكاة (وَلَا يُنفِقُونَهَا) أي ينفقون زكاتها في سبيل الله (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ ﴿۳٤﴾) إذا فهل ما أخرج زكاته كنز أم لا؟.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫قيل‫: إن الآية حين نزلت كبُر على المسلمين، وقال عمر كما جاء في سنن ابن أبي داود أنا آتيكم بالخبر فذهب إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِكَ هَذِهِ الْآيَةُ - -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): " إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ الزَّكَاةَ إِلَّا لِيُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ وَإِنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيثَ لِتَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ "، فَكَبَّرَ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: " أَلَا أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ)، دلت الآية على وجوب الزكاة في الأموال، وقال العلماء‫: تجب الزكاة بأربعة شروط‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الحرية‫: إذ لا تجب على العبد، فالعبد وما ملكت يمينه هو ملك لسيده، الإسلام، حولان الحول‫: حول التجارة، أو حول المال، أو حول الأغنام، أياً كان الحوْل، حسب نوع ما يُخرج زكاته، بلوغ النصاب السليم من الديْن، كنصاب الغنم أربعون مثلا، كنصاب الإبل خمس، كنصاب الفضة خمس أواق (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ) وهكذا، إذاً وجوب الزكاة تجب بأربعة شروط‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الحرية، الإسلام، الحوْل، النصاب السليم من الدين‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أما العقل فليس شرطا؛ إذ على الوصي أن يخرج زكاة من في وصايته، المحجور عليه‫: غير العاقل، أو الطفل.
‫أما النصاب بالنسبة للذهب، والفضة، فهو ستمائة وأربعة وعشرين جراما من الفضة، أو ما يساويها، أو تسع وثمانون جرام وسُبع جرام من الذهب، أو ما يساويها، وحولان الحوْل‫: مرور سنة قمرية على وجود المال، والعبرة في بلوغ النصاب بنهاية الحول، وليس بالبداية، وحوْل الربح هو حول الأصل، ولو كان مستفاد قبل نهاية الحول بيوم واحد، لكن هل لو أُخرجت الزكاة، وكان المال آلافا مؤلفة، أو قناطيرا مقنطرة، لا يُطلق عليه كلمة كنز؟ قال ابن عمر‫: ما أُديت زكاته، ليس بكنز أي ليس بكنز تُوُعِد الكانز عليه، وقال بعضهم‫: بل هو كنز كأبي ذر الغفار، وكان يمشي في الأسواق بين الناس في الشام، ويقول بشر الكنازين بمكاوي من نار تكوى بها جباههم، وكان يعتبر ما فضل عن الحاجة كنز، فهي آراء، لكن الأغلب، الأقرب، والأشهر، الأرجح، أن ما أُخرج زكاته، فليس بكنز، ولو كانت تحت سبع أراضين، ومالم يُخرج زكاته فهو كنز، ولو كان فوق الأرض؛ إذا العبرة بإخراج الزكاة، خاصة ما ورد في سنن أبي دواود قول النبي (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ الزَّكَاةَ إِلَّا لِيُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ)، ولكن الزكاة فريضة، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام، لا إله إلا الله، الصلاة، الزكاة، وهي فريضة، وهي ركن في غاية الأهمية، وقد قاتل أبوبكر (رضي الله عنه) مانعي الزكاة، واعتبرهم كفاراً، واسمع لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ) رواه مسلم‫. وروى البخاري أيضا قول النبي (صلى الله عليه وسلم) (مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ) (الشجاع‫: الثعبان الكبير العظيم الذي يقف على ذنبه، ويهاجم الفارس، ويصل إلى الراكب فوق الإبل والراحلة، أقرع‫: أي أصفر الرأس من كثرة السم فيه، ممعط، له زبيبتان‫: شدقان كبيران، قد تكون ما يُطلق عليه الكوبرا، ولا تعيش إلا في الصحراء، وهي أخطر أنواع الثعابين، تهاجم الراكب، تسقط الحَبَل إلى آخره).‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِي شِدْقَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ) ، مصداقا لقول الله (عز وجل): (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ) [سورة آل عمران آية‫: ١٨٠]، رواه البخاري، وروى أيضا البخاري عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قوله فيما يحكيه عنه أبو هريرة، قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَوْ وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ أَوْ كَمَا حَلَفَ، مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إِلَّا أُتِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وعليه فالزكاة فريضة في غاية الأهمية، ولابد من احتسابها، ولابد من النية في إخراجها، ولابد إخراجها في موعدها، ولابد من التقيد بالشروط التي اشترطها الشرع (أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ) [سورة البقرة آية‫: ٢٦٧].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الزكاة لها شروط لابد من معرفة هذه الشروط، وإخراج الزكاة، فإن أخرجت الزكاة مهما بلغ المال بعد ذلك من كثرة، فهو ليس بكنز يؤاخذ عليه العبد، ذاك رأي البعض، في رأي الآخرين أن الكنز، كنز، والكنز ما جُمع وضُم لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) (بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) أي يضمها إليه، وتكلموا عن حلي النساء، فقال بعضهم ليس فيه زكاة، فهو زينة المرأة، ولكن بشروط أن يكون مما يُلبس، ألا تتركه مكسورا، أو لا تنوي إصلاحه، أو تكون قد ادخرته للزمن، فإذا توافرت الشروط لا تجب في الحلْي الزكاة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وقال بعضهم‫: وعلى رأسهم الإمام الأعظم أبو حنيفة بوجوب الزكاة في حلي النساء، ذهباً كان أو فضة، حتى وإن تزينت به المرأة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أما النقود، فزكاتها زكاة الذهب والفضة، ويُزكي عن النقود باحتساب الفضة؛ لأنها أصلح للفقراء، أما الذهب فإن كان يُباح للنساء التحلي به، فهو حرام على الرجال قل أو كثر، حتى وإن كان خاتما صغيرا رقيقا، أو دبوسا في ثيابه، أو في نظارته، أو في قلم يكتب به، أيا كان مقدار الذهب، فهو محرم على الرجال، مباح للنساء، وأما الفضة، فيباح التحلي بها للرجال، واستخدامها، ولكن يُمنع الأكل والشرب في آنية الفضة، والذهب، ومن أكل أو شرب في آنية الفضة، والذهب حُرم منهما يوم القيامة إن دخل الجنة، هؤلاء الذين يأكلون على الموائد بملاعق الفضة، وصحاف الذهب، أو المطعّمة بالذهب، أو الصحاف المصنوعة من فضة، وهكذا يُمنع منعاً قطعياً الأكل أو الشرب في أواني الفضة، أو أواني الذهب؛ إذ هي من أواني الجنة فمن استخدامها في الدنيا حرمت عليه في الجنة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أيها الأخ المسلم، المال صنو الروح، المال محبب إلى الإنسان، المال زينة من زينة الحياة الدنيا، المال فتنة، المال نعم الصاحب إذا جاء بحقه، وأنفق في حقه، وبئس الصاحب المال إذا جاء من غير حقه أو صُرف في غير حقه، ولا تزول قدم ابن آدم حتى يُسأل عن أربع منها المال من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، والصدقة تطفيء غضب الرب، كما يطفيء الماء نار الحطب، والصدقة خير علاج لقول المصطفى (صلى الله عليه وسلم): (دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ)، فإياكم والبخل، فأدْوأ الأدواء على الإطلاق البخل، البخل قرين الكفر، واسمع لقول الله، عز وجل‫: (ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا (٣٧)) [سورة النساء آية‫: ٣٧].
‫لم يقل‫: (واعتدنا لهم) قال‫: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا (٣٧)) [سورة النساء آية‫: ٣٧] ، فالبخل قرين الكفر، والكريم قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد عن النار، والبخيل بعيد عن الله، بعيد عن الجنة، بعيد عن الناس، قريب من النار‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫فقد كانت عرب الجاهلية يتلاعبون بالشهور كيف يشاءون، فمن المعلوم أن السنة اثنا عشر شهرا، ومن المعلوم لديهم أن من الشهور أربعة حرم، ذاك من لدن إبراهيم، عليه السلام، لكنهم كانوا أهل إغارة، لا يحفظون الجوار، ولا يراعون إلاً ولا ذمة، كانوا أهل غدر وخيانة، لكنهم كانوا يخافون الاعتداء في الشهور الحرم، وكما كانوا يتلاعبون في عقيدتهم، ويغيرون في مناسكهم، كذلك غيروا في توقيت الشهور، فإذا جاء المحرم، وهو شهر حرام، يحرم فيه القتال، وهم يعلمون ذلك من قبل نزول الإسلام، نادى المنادي إن هذا الشهر حلال، ويحرّم بدلا منه صفر، فكانت العبرة لديهم بعدد الشهور، أربعة أشهر حرم في السنة، أما الأسماء، وأما التوقيت، فلا يبالون به، وبالتالي كان حجهم في غير ذي الحجة، بل قيل‫: إن حج أبي بكر الصديق في السنة التاسعة من الهجرة لم يكن في ذي الحجة، وإنما كان حج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صحيحا في ذي الحجة؛ ولذا خطب الناس، قائلا‫: (الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ)، عادت الشهور وأراد الله (تبارك وتعالى) لنبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يحج في الزمان الصحيح، أراد له ذلك، واستدار الزمان، وعادت الشهور كما كانت، ونزل قول الله (عز وجل) مبينا أن هذا الأمر من خلق الله، وإيجاده، وليس بين تدوير الناس، فالسنة خلقها الله، وهي سنة، السنة القمرية من خلقه، والسنة الشمسية من خلقه، والسنة قسمها الله اثنا عشر شهرا، وهو الذي سمّى الشهور بأسمائها، وهو الذي حدد الشهور الحرم، من هنا يقول، عز من قائل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًۭا فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌۭ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةًۭ كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةًۭ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿36﴾
‫(إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُور) أي العدد (عِندَ ٱللَّهِ) أي في حكمه، في قضائه وقدره (ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًۭا فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ) تأكيد بأن ذاك مكتوب في اللوح المحفوظ، وفي علم الله؛ لأن العندية إذا جاءت لا تعني أنها مكتوبة كقوله‫: (إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ) [سورة لقمان آية‫: ٣٤] ، (إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ) [سورة الأعراف آية‫: ٢٠٦] كذلك.
‫من هنا يبين (عِندَ ٱللَّهِ) بمعنى في قضائه، في قدره، وهي أيضا مسطورة، مكتوبة محددة في اللوح المحفوظ (يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ) تشعر بأن القضاء والقدر كان قبل خلق السموات والأرض؛ إذ إن تحديد الشهور حدث بخلق السموات والأرض، وقضاء الله وقدره أزلي، أيضا يُشعر بأن العدد نشأ من الخلق، من دوران الأرض حول نفسها، أو حول الشمس، نشأ من منازل القمر، إذا فلا يمكن أن توجد الشهور إلا بعد خلق الأرض، وبعد خلق الشمس، وبعد خلق القمر.
‫( مِنْهَآ) من الاثنا عشر شهرا (مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌۭ) يحرم فيها ما لا يحرم في غيرها من المحرمات، بمعنى أن القتال يحرم فيها أياً كان سببه (محرمة) أي معظّمة أي ما يحرم في غيرها من الشهور، تزداد حرمته إذا ارتكب فيها، فمن عصى الله في الحرم، ليس كمن عصى الله في الحِل، ومن عصى الله وهو مُحرم، ليس كمن عصى الله وهو حلال، ومن عصى الله في الشهر الحرام، ليس كمن عصى الله في غير الشهرم الحرام، تزداد الحرمات، يزداد العقاب، كما أن الطاعة في البلد الحرام، أفضل في غيره، وكما أن الطاعة في الشهر الحرام، أعظم ثوابا منها في الشهر الحلال (مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌۭ) يأمن الناس فيها على أموالهم، وديارهم، وأبنائهم، تمتنع فيها الإغارة، يمتنع فيها القتال، يأمن الناس في أسفارهم، من أراد الحج، وصل إلى الحرم آمنا، ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، ثلاثة شهور متوالية، ورجب مضر، وكما جاء في الحديث (وَرَجَبُ مُضَرَ) أي رجب عند قبيلة مضر؛ لأنها لم تغير موعده، ولم تغير اسمه، هذه الشهور يأمن فيها الناس على أنفسهم.
‫(ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ) أي الدين المستقيم، الشرع السليم، القيّم‫: من قام يقوم فهو الدين القائم، المستقيم، المعتدل.
‫(فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) قال بعض الناس‫: (فِيهِنَّ) أي في الشهور كلها، فلا تظلموا فيهن أنفسكم بالمعصية، أي بالإثم، وقال بعضهم (فِيهِنَّ) تعود على الشهور الأربعة، وذاك أرجح؛ لأن العرب إذا تكلمت عن العدد قبل العشرة تقول‫: (فيهن) بعد العشرة تقول (فيها)، (فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ) أي في الأربعة أشهر، أنفسكم قال بعض الناس‫: بالقتال؛ إذ يحرم القتال في الأشهر الحُرُم، ثم نُسخ ذلك الحكم بعد ذلك، وأصبح القتال مباحاً في هذه الأشهر بدليل أن النبي (صلى الله عليه وسلم) حاصر الطائف أو هوازن وما إلى ذلك في شهر حرام، وقال بعضهم‫: هذا الحكم - تحريم القتال في الأشهر الحرم - منسوخ‫. وقال البعض بل هو قائم مُحكم، ولا يحل القتال في الأشهر الحرم مطلقا، إلا عند الضرورة إذا قوتل المسلمون (يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍۢ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌۭ فِيهِ كَبِيرٌۭ) [سورة البقرة آية‫: ٢١٧].
‫البعض الآخر اعتبر النهي ‫(فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) نهي عن المعصية، وقال‫: إن المعصية في الأشهر الحرم يُضاعف عقابها، والذنب في الأشهر الحرام مُضاعف، والجريمة أفظع (وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةًۭ كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةًۭ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿۳٦﴾) كافة‫: جميعا، أصل الكلمة من كفّ عن الشيء‫: امتنع.
‫(كَآفَّةًۭ) أي لا يتخلف منكم أحد، إذن فإذا لم يتخلف أحد، فلا زيادة وهنا قال العلماء‫: الآية دليل على أنه لا عذر لأحد في التخلف عن الجهاد، ولو كان أعمى، وجاء ابن مكتوم يسأل النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو رجل أعمى هل عليه جهاد؟ قال‫: نعم إلى أن نزل قول الله (عز وجل) (لَّيْسَ عَلَى ٱلْأَعْمَىٰ حَرَجٌۭ) [سورة النور آية‫: ٦١].
‫وقال بعض الناس‫: إن المقصود بكلمة (كَآفَّةًۭ) أن تتوحد كلمتكم، ويتحزب جمعكم، وكما يقاتلونكم كافة أي مجتمعين على قتالكم متحزبين ضدكم، كذلك عليكم جمع الكلمة، ولَمّ الشمل، والاتفاق، والاجتماع، والتحزب لقتالهم جميعا، وبالتالي فإن الجهاد فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الجميع، وإذا لم يقم به أحد أثم الكل، أما إذا تعيّن الجهاد على الجميع، فهو حين يجتاج العدو أرض المسلمين، أو يعظم الخطر، هنا يصبح الجهاد فرض عين‫. كما أن الجهاد فرض عين على من عينه الحاكم وخصه بذلك، فإذا أمر الحاكم أناسا بعينهم، وانتدبهم للجهاد، فالجهاد في حقهم فرض عين كالصلاة (وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿۳٦﴾) ، وعد، وبشارة، وعد بالنصر، فالله مع المتقين بالنصر، بالمعونة، بالتأييد، أيضا بشارة لهم، وثناء ووصف لهم بالتقوى، إذا فالجهاد من أعمال التقوى‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫يتكلم القرآن عن كفر أهل الجاهلية في تحليل الأشهر الحرام، وتغيير التواريخ فيقول، عز من قائل:
إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌۭ فِى ٱلْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُحِلُّونَهُۥ عَامًۭا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامًۭا لِّيُوَاطِـُٔوا۟ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّوا۟ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوٓءُ أَعْمَـٰلِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿37﴾
‫(إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ) نَسَأَهُ وأنْسَأَهُ: أخّره‫. والنسيء، كقتيل بمعنى مقتول، فعيل بمعنى مفعول أو منسوء، النسيء‫: أي تأخير الأشهر، يؤخرون المحرم، يحلونه ويستبدلون به صفر فيسمون المحرم صفر ويسمون صفر المحرم وهكذا، يغيرون في أسماء الشهور، فيقول الله (عز وجل):‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫‫(إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ) أي تأخير الأشهر الذي يفعله أهل الجاهلية (زِيَادَةٌۭ فِى ٱلْكُفْرِ) أي هو كفر، على كفر، فالكفر كثير، وأصناف الكفر في العرب كانت متعددة‫. كفروا بالله، وأنكروا وجوده (قَالُوا۟ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ) [سورة الفرقان آية‫: ٦٠]. أنكروا البعث، وقالوا‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(مَن يُحْىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌۭ (٧٨)) [سورة يس آية‫: ٧٨].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وأنكروا بعثة الرسل، وقالوا‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(فَقَالُوٓا۟ أَبَشَرًۭا مِّنَّا وَٰحِدًۭا نَّتَّبِعُهُۥٓ إِنَّآ إِذًۭا لَّفِى ضَلَـٰلٍۢ وَسُعُرٍ (٢٤)) [سورة القمر آية‫: ٢٤].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وهكذا كفرهم متعدد، متنوع، فجاء النسيء زيادة في الكفر أي كفروا بالله مرة، وقالوا‫: الملائكة بنات الله مرة، وأنكروا البعث مرة، وأنكروا الحشْر مرة، وأنكروا بعثة الرسل مرة، وها هم أيضا يفعلون شيئا عُد من الكفر، والنسيء زيادة في الكُفر (يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟) (يَضِلُ به الذين كفروا) قراءة (يُضِل به الذين كفروا) قراءة، (يَضل) هم ضلوا، يُضَلُّ أضلهم الله، أو أضلهم الشيطان‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(يُحِلُّونَهُۥ عَامًۭا) أي الشهر الحرام الذي أخروه (وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامًۭا) مرة، يحلونه عند احتياجهم، ومرة يحرمونه (لِّيُوَاطِـُٔوا۟ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ) المواطأة‫: الموافقة، ليوافقوا عدة ما حرّم الله، أي أنهم يحلونه الشهر في عام، ويحرمونه في عام، ويحلونه مرة، ويحرمونه مرة، ويحرمون بدلا منه شهرا، ويحرمون بدلا من الحلال شهرا وهكذا، المهم المجموع أربعة أشهر؛ ليوافقوا العدد، ربنا حرّم أربعة أشهر لك أربعة أشهر من العام وهم أحرار في تحديدها كيف شاءوا، مخالفة صريحة لأمر الله، ولقضائه وقدره، (زُيِّنَ لَهُمْ سُوٓءُ أَعْمَـٰلِهِمْ) (زَيَّن لهم) قراءة أخرى‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أي زبَّن الله لهم ذلك، أو زيّن لهم الشيطان سوء أعمالهم، (وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿۳۷﴾) أي لا يرشدهم إلى الصواب، ولا يوفقهم إلى السداد، ويذرهم في طغيانهم يعمهون، الشر يرونه خير، الضلال يرونه هداية، زين لهم سواء أعمالهم.
‫هذا الكلام لتحديد الشهور، ولإعادة الأمر إلى ما كان عليه، ولإعادة الأمور إلى نصابها، وبيان أن التقديم، والتأخير، ومخالفة أمر الله كفر، وزيادة في الكفر، ثم يتوجه الكلام بعد ذلك إلى المؤمنين في عتاب‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿38﴾ إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًۭٔا ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ﴿39﴾
‫(يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ) تثاقلتم إلى الأرض قراءة، (أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿۳۸﴾) سورة التوبة التي نحن بصددها، نزلت لفضح المنافقين، ونزلت لعتاب المؤمنين، ونزل فيها أمور كثيرة كما قلنا في بداية السورة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫غزوة تبوك كانت في السنة التاسعة من الهجرة بعد فتح مكة، بعدما عاد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من فتح مكة، وحدثت غزوة حنين، وجاء ذكرها في السورة، وحدث فيها ما حدث، وعاد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الطائف، ورجع إلى المدينة، بلغه استعداد الروم واجتماع المشركين والكفار لغزو بلاد المسلمين، كان الوقت صيفا، وكان القيظ شديداً، حيث تُستحب الظلال، وتطيب الثمار، الغزوة بعيدة في تخوم الشام، لم يحدث أن غزا المسلمون أبداً أبعد منها من قبل في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شدة الحر، فقر لم يكونوا في سعة من المال، ونبينا (صلى الله عليه وسلم) في جميع غزواتة لم يكن يصرح بها، فإذا أراد الاتجاه إلى المشرق سأل إذا أردنا أن نتجه إلى المغرب أي طريق نسلك؟ يُوَرِّي بغيرها حتى لا يذاع الخبر، فيستعد أعداؤه، ويترقبونه، وينتظرونه، فكان يُوَرِّي بغيرها، ويسأل أسئلة يُفهم منها غير ما يريد تعريض بالكلام لا كذب فيه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫في غزوة تبوك صرّح بالغزوة، وصرّح بمكانها، وموعدها حتى يكون الناس على بيّنة، ويستعدوا لهذا السفر الطويل، غزوة كان العشرة يركبون بعيرا واحداً يتعاقبونه، يركب واحد، ويمشي تسعة وهكذا، غزوة كانت شديدة، أنفق فيها عثمان بن عفان مال لم ينفق سواه مثله، جهز جيش العسرة، سُمِّي بجيش العسرة، وجاء أبو بكر بكل ماله، وجاء عمر بنصف ماله، أنفق الصحابة فيها الكثبر، وتخلّف عنها بعض المسلمين، وتخلّف عنها المنافقون كذلك‫. ونزلت سورة تفضح، وتكشف أستار الجميع، وتعاتب سليمي النية الذين أخطأوا، وتابوا، وأنابوا حين أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أصحابه بالتجهز للغزو، بدأ التقاعس من بعضهم، وبدأ التراخي من بعضهم، فنزل العتاب (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ) عتاب، توبيخ‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫النفر‫: التنقل بسرعة من مكان إلى مكان لأمر يحدث، ويُطلق على الخروج للقتال (تثاقلتم إلى الأرض) قراءة ، أي أخلدتم إلى الأرض وإلى مكانكم (أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْـَٔاخِرَةِ) أي أرضيتم بهذه الدنيا ومتاعها الزائل، بدلا من متاع الآخرة الدائم، أرضيتم باستمتاعكم بالدنيا بدلا من استمتاعكم بالآخرة، إذا كان كذلك فاعلموا أن التمتع في الدنيا حقير، قليل، زائل، لا يساوي شيئا بالقياس وبالمقارنة بالتمتع في الآخرة، النعيم الدائم (فَمَا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿۳۸﴾) (إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا) جاء التهديد بعد العتاب، بعد التوبيخ، من الناس إذا عوتب أفاق، واعتذر، وعاد إلى الصواب، ومن الناس من لم يؤثر فيه العتاب، ويؤثر فيه التخويف‫: منهم من تكفيه الإشارة، ومنهم من لابد بالتصريح بالعبارة، منهم من تكفيه النظرة، ومنهم من لا يكفيه إلا التقريع؛ لذا بعدما عاتب توعد وتهدد (إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًۭٔا ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ﴿۳۹﴾) أي إلا تخرجوا إذا أمركم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للخروج يعذبكم عذاباً أليما في الدنيا وفي الآخرة، العذاب في الدنيا بامتناع المطر كما قال بعضهم، بالجفاف، بالقحط، باستيلاء العدو على أرضنا، بإذلالنا؛ لأن المسلمين إذا كفوا عن الجهاد، ضعفوا، وطمع فيهم عدوهم، واجتاز أرضهم، واحتاز أفكارهم، واستعمرهم، وأذلهم، وذاك من أشد ألوان العذاب، ألا يملك المسلم حريته، أو حرية العبادة، أو حرية التعبير أو حرية الاكتساب (يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) يذهبكم ويأت بقوم آخرين لا يعصون الرسول (صلى الله عليه وسلم) فإذا أمرهم خرجوا سراعاً ولا تضروا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شيئا، فقد وعده الله بالنصر، والعبرة ليست بكثرة العدد، وإنما العبرة بإعانة الله، وبتوفيق الله، وبنصر الله، وما النصر إلا من عند الله، فإذا توليتم ولم تسمعوا الأمر استبدل الله بكم غيركم، يطيعون الرسول، ويخرجون معه، في نفس الوقت ربنا (تبارك وتعالى) غير محتاج لكم، فإن شاء فعل، ورسول الله لا يضار بتخلفكم (وَلَا تَضُرُّوهُ) الضمير إما عائد على الله (عز وجل) وإما عائد على رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
‫(وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ﴿۳۹﴾) تهديد، وتوعد لهؤلاء الذين لا تكفيهم الإشارة، أو لا يجدي فيهم العتاب، الذين إذا خُوفوا استقاموا‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫من هنا تجد أن الله (تبارك وتعالى) رغّب، ورهّب، فمن الناس من يطيعون الله رغبة، ومن الناس من يطيعون الله رهبة، ومن الناس من يطعيونه رغباً، ورهباً، وذاك هو الصحيح‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫فبعد أن هدد الله (تبارك وتعالى) وتوعّد المتخلفين عن الجهاد، يقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍۢ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿40﴾
حين هدد وتوعّد المتخلفين (إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًۭٔا ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ﴿۳۹﴾) يفعل ما يشاء، ينصر من يشاء، ويستبدل من يشاء، ويبعد من يشاء ويأت بمن يشاء، في نفس الوقت لابد وأن تكون النية هي الخروج جهاداً في سبيل الله، وفي سبيل نُصرة رسوله، فإذا تخلفتم هل يتخلف عنه النصر؟ هل يحتاج ربنا في نصر محمد (صلى الله عليه وسلم) لأحد، (إِلَّا تَنصُرُوهُ) أي إلا تنصروا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فسوف ينصره الله - ذاك المقصود بالكلام - التقدير إلا تنصروه فسينصره الله كما حدث من قبل، متى كان ذلك؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍۢ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)) مثال لنصر الله (عز وجل) كيف يكون، فمن الناس من يجدي فيهم العتاب، ومن الناس من يجدي فيهم التوعد، ومن الناس من يجدي فيهم لفت النظر للتأمل، ها هو الغار ماذا حدث فيه؟ اجتمع المشركون وقالوا‫: لا بقاء لنا ها هم المسلمون خرجوا جماعات، وفرادى، وهاجروا إلى المدينة، وجدوا الموطن، وجدوا المأوى، وجدوا الحماية، وجدوا الرزق، وإذا خرج محمد إليهم زادت شوكتهم، وأصبحوا خطراً يتهدد مكة، وأهل مكة، واجتمعوا وتشاوروا إما القتل لرسول الله، وإما الحبس، وإما الإخراج، وقرروا قتله واجتمعوا حول بيته وحاصروه، وانتدبوا لذلك من كل قبيلة رجلا صلباً، شاباً، قويا، وأعطوه سيفاً صارماً حتى يتفرق دمه في القبائل، فأوحى الله إليه وأذن له في الهجرة، واتفق مع أبي، وجيء براحلتين، ودفعهما أبو بكر إلى الدليل عبدالله بن أُريقط، وكان كافراً، لكنه كان ماهراً بالطريق، واستأمنوه، وواعدوه بعد ثلاث ليال في غار ثور، وأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) علي بن أبي طالب أن يبيت في فراشه، وسأل الله أن يعميهم، وحاصروه شباب في منتهى القوة، والجَلَد، جاءوا لأمر واحد، يضربوه ضربة رجل واحد، فألقى الله عليهم النعاس، فناموا وخرج سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) ووضع التراب على رءوسهم فرداً، فرداً، نكاية فيهم، وسخرية بهم، وإعلام بأن الله هو الحافظ، والحفيظ، وذهب إلى أبي بكر وخرج من خَوْخة في داره، خلف الدار، ولم يخرجوا من الباب، وجهزتهم أسماء‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وذهب إلى غار ثور، وكان عبد الله بن أبي بكر يتسمّع الأخبار نهارا، ويأتيهم ليلا يخبرهم في الغار، وكان عامر بن فهيرة يرعى الغنم؛ ليمحوا أثر أقدام عبد الله بن أبي بكر، مكثوا في الغار ثلاثة أيام، واستأجرت قريش قائفا ممن يتتبعون الأثر، فتتبع الأثر حتى وصل إلى غار ثور، وقال هنا انقطع الأثر، ووقفوا على رأس الغار، والغار‫: ثقب فتحة في الجبل‫.‬‬‬
‫أبو بكر الصديق صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على التحقيق كان خائفا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم يكن خائفا على نفسه، وكان منزعجا وقبل أن يدخل النبي (صلى الله عليه وسلم) الغار دخل أبو بكر يفتش فيه، ويستبريء الغار لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويسد الثقوب حتى لا تخرج حشرة، أو حية، ولم يبق إلا ثقب واحد ولم يجد ما يسده به، فجلس وسده بكعب رجله، أو بعقبه، ولدغته الحية فيما هو معلوم في السيرة، أبو بكر يقول للنبي (صلى الله عليه وسلم): (يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا، فَقَالَ: " يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟) ، أمر الله (تبارك وتعالى) العنكبوت فنسجت في لحظة ما تنسجه في شهور أو أيام، وغطت فتحة الغار بالكامل، وأمر الحمام فجاءت فبنت عشا لها في لحظة، وفي لحظة باضت، والعنكبوت من أضعف مخلوقات الله، (وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ) [سورة العنكبوت آية‫: ٤١]، والحمام من أضعف الطيور لا مخالب له، ولا أذى له، العنكبوت والحمام من أضعف مخلوقات الله، لكن الله إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون، فإن كانت الجنود ضعيفة في الظاهر، لكنها في منتهى القوة في باطن المعنى، حين جاء الدليل، أو جاء مقتفي الأثر، وقال هنا انقطع الأثر نظر أبوسفيان ونظر غيره وقال‫: هذا الغار لم يدخله أحد منذ سنوات، وسنوات ألا ترى نسيج العنكبوت! ألا ترى بيض الحمام وعشه! ودار الحوار ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأبو بكر يسمعان الحوار، لكنهما لم يتبينا ما حدث في الخارج من نسج العنكبوت، وبيض الحمام؛ ولذا كان أبو بكر منزعجاً، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) آمنا، مطمئنا لنصر الله، وتأييده، وحمايته، وانزعاج أبي بكر كان له ما يبرره، فلا سلاح معهما، ولا أحد يحميهما، ولم يكن قد نزل قول الله (وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ) [سورة المائدة آية‫: ٦٧].
‫حين رفع الحرس، من هنا كان انزعاجه، يُذكّرِ ربنا (تبارك وتعالى) المؤمنين بهذه القصة، إن امتنعتم عن نصره، فالله قادر على نصره، كما حدث حين نصره في الغار، ولم يكن معه سوى رجل واحد‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ) أي إلا تنصروه، فسينصره الله، كما نصره الله (إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟) هل هم أخرجوه، أم هو الذي خرج، وهاجر بإذن الله؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫هو الذي خرج، فلِم نسب الفعل إليهم؟ لأنهم ألجأوه إلى الخروج، فنُسب الفعل إليهم، ورُتب الحكم فيه عليهم.
‫من هنا تعلم أن المحرِّض على الشيء، كفاعل الشيء، والملجيء للشيء، كالفاعل للشيء، فمن ألجأ رجلا للانتحار، فقد قتله، ومن ألجأ شخصا للمعصية، فهو آثم عاصي مرتكب لها‫. ها هو ربنا ينسب إليهم إخراج رسوله، ولم يحدث أنهم أخرجوه، لكنهم ألجأوه إلى ذلك بالإيذاء، بالتكذيب، بالتعذيب، بمحاصرته، بمحاولة قتله، فاضطُر إلى الخروج (إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ) العرب تقول‫: ثاني اثنين، ثالث ثلاثة، رابع أربعة، خامس خمسة، وهكذا ليس معنى ذلك أنه من حيث الترقيم الثاني، بل هو الأول‫. رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أول وأبو بكر ثان، لكن العادة في التعبير ثاني اثنين (ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِ) أي يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) لصاحبه (لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا)، من هنا قال العلماء‫: من أنكر صحبة عمر بن الخطاب لرسول الله، وقال لم يكن صاحباً له، أو أنكر صحبة عثمان بن عفان، أو أنكر صحبة أحد من الصحابة فهو كذاب مبتدع، أما من أنكر صحبة أبي بكر، فقد كفر؛ لأنه أنكر نصا من القرآن، ها هو القرآن يشهد لأبي بكر (إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ) إذاً فقد كان حزن أبي بكر الصديق خوفا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وليس خوفا على نفسه (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا) معنا بالنصر، معنا بالتأييد، معنا بالحفظ والعناية، والكلاءة، والرعاية (فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ) السكينة‫: الأمنة التي تطمئن بها القلوب، أنزل السكينة عليه، على من؟ من الذي كان حزينا؟ أبو بكر، من الذي كان قلقا منزعجا؟ أبو بكر، من الذي كان محتاجا للسكينة تنزل على قلبه فيطمئن؟ أبو بكر(وَأَيَّدَهُ) أيّد رسول الله، واختلاف الضمير يأتي في القرآن، ويجري في كلام العرب أنزل سكينته على أبي بكر، وأنزل جنوده على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لتحفظه في الغار (وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍۢ لَّمْ تَرَوْهَا) العنكبوت، الحمام، الملائكة لحمايته في الغار، بتثبيط المشركين بإلقاء الأفكار في صدورهم، أو إلقاء الكلام في نفوسهم حتى يعودوا، وممكن أن يكون النصر، والتأييد بالجنود فيما مضى في غزوة بدر، وغزوة أحد، وغزوة حنين، وغزوة الأحزاب (وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفْلَىٰ) أي كلمة الشرك سفلى، أي منحطة، مهدرة، باطلة، مغلوبة‫. (وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا) مرفوعة استئناف، وقد قرأت بالنصب (وكلمة الله هي العليا) وقراءة الرفع أرجح، وأقرب، وأشهر؛ لأن كلمة الله، كلمة التوحيد، مرفوعة في ذاتها، مرفوعة أزلاً وأبداً، (وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ) أي كلمة الإسلام كلمة التوحيد هي العليا (وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٤۰﴾) عزيز‫: غالب لا يُقهر، لا مثيل له، عزيز في حكمه، حكيم في قضائه وقدره.
‫ثم يتوجه بعد ذلك الأمر للكافة بالجهاد، وبالخروج إذا تعيّن الجهاد‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أيها الأخ المسلم، الجهاد في سبيل الله (عز وجل) أعلى مراتب الإيمان، وأعظم درجات العمل، والجهاد في سبيل الله كما قلنا فرض كفاية، إذا قام به البعض كُفِي الكل، ولكن على حكام المسلمين أن يضعوا الجهاد في موضعه، وأن يرفعوا راية الجهاد إذا دعى الداعي إلى ذلك، وعلى بلاد الإسلام وعلى المسلمين عامة أن يحثوا حكامهم على نصر دين الله، وعلى رفع راية الله، وعلى الانتصار لعباد الله، فالمسلمون الذين يقتلون، وتستباح أعراضهم، وتسلب أموالهم، وتهدم مساجدهم وبيوتهم في أماكن متعددة في هذه الأرض الظالم أهلها، في أماكن معلومة محددة، وما ورد فيها تنقله وسائل الإعلام ليل نهار، مسلمون يذبحون، ويقتلون ويمنع عنهم السلاح، بدعوى طاعة من لا تجب طاعته، بدعوى الانصياع لمن لا يصح الانصياع له، الأمم المتحددة، منظمة قامت تكيل بمكيالين، وتزن بميزانين، لا تضرب على يد الظالم، ولا تنتصر للمظلوم، إلا إذا كان لها مصلحة في ذلك، ولقد رأينا كيف قامت الدنيا ولم تقعد حين غزت قوات العراق بلدة الكويت، وهم مسلمون ومسلمون نرى كيف قامت الدنيا وقعدت في تلك الأيام، نرى كيف عوقبت العراق! وعوقب شعبها بمنع الغذاء والدواء وفرض العقوبات التي لا زالت سارية حتى يومنا هذا بعد مرور أربعة سنوات، وبعد انصياع العراق للتفتيش على السلاح، والتفتيش على المصانع، والتفتيش على المخازن، والاعتراف بدولة الكويت، ولا زالت العقوبة سارية، نرى كذلك العقوبات المفروضة على ليبيا في قضية باطلة هي منها براء وأذاعت وكالات الأنباء اعتراف آخرين بأنهم السبب في حادث الطائرة، ومع ذلك لم ترفع عنها العقوبات، حتى إن الطائرات ممنوع تحليقها هناك، ولو أردت أن تذهب بالطائرة لما وجدت طائرة تحملك، عليك أن تسافر برا ولو كنت رئيسا للدولة، عقوبات على ليبيا فأين مجلس الأمن المزعوم، وأين الأمم المتحدة فيما يحدث من الصرب وحتى الآن من هتك للأعراض، وقتل للأطفال، وتدمير للبيوت، وتدمير للمساجد والقرار المتخذ منع السلاح عن المسلمين حتى لا يدافعوا عن أنفسهم، كيف يطاع هذا! كيف يطاع وربنا (تبارك وتعالى) يقول من فوق سبع سموات‫: (وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌۭ) [سورة الأنفال آية‫: ٧٢]! من هؤلاء، الذين لم يهاجروا الذين تخلفوا عن الهجرة، وقد كانت فرضا، (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟) [سورة الأنفال آية‫: ٧٢]، ورغم ذلك ورغم عصاينهم ورغم موقفهم من الهجرة يقول عز من قائل‫: (وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ) [سورة الأنفال آية‫: ٧٢]، وها هم مسلموا البوسنة يستصرخون، يستغيثون ولا مغيث، لا يريدون سوى السلاح ليدافعون به عن أنفسهم، أرأيت رجلا يضرب رجلا أعزل بالسوط يضربه ظلما وعدوانا، وأنت واقف تتفرج سيقول اعطني عصا أدافع بها عن نفسي، اعطني ساترا أستتر به من ضربات سوط هذا الظالم، وأنت تقف متفرجا لا تصنع شيئا كيف يكو هذا! كيف يكون للأمم المتحدة طاعة في معصية الله كيف! كيف تكون للأمم المتحدة طاعة في ظلم، كيف نرى الذبائح وهتك الأعراض ولا نتحرك إذا تحركت الشعوب تحركت الحكام، هناك من الحكام من يتحرك بنفسه، وهناك من الحكام من لا يتحرك، وهنا يأتي دور الشعوب أن تحرك حكامها بالبرقيات، بالكلام، بالصحافة بالأقلام بالرسائل بغيرها من الوسائل المتاحة؛ لكي يتحرك حكام المسلمين، ليرسلون السلاح إلى إخوانهم من المسلمين للدفاع عن أنفسهم لا للعدوان، بل للدفاع عن أنفسهم، وإن لم يحدث فالكل مسئول أمام الله كبيركم وصغيركم كيف استنصرك المسلم فلم تنصره كيف استغاثك فلم تغثه، إذا لم تزر المريض عوتبت على ذلك، مرضت فلم تزرني يعاتبك ربنا يوم القيامة ويقول‫: (مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ يَا رَبِّ: كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ يَا رَبِّ: وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ؟ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ يَا رَبِّ: كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي)، في الطعام في الشراب، في المرض، فكيف والمسلم يقتل وتستباح بيضته ويستباح عرضه، ويستغيث ولا مغيث، الكل المسئول، لن ينجوا أحد من مسئولية عدم نصر المسلمين الذين يذبحون في كل مكان‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫فما النصر إلا من عند الله، ولو شاء الله (تبارك وتعالى) لأهلك الكفار بصيحة، أو دمرهم بقارعة أو خسف بهم الأرض، لكنه جل شأنه فرض الجهاد على المؤمنين؛ ليتبين الذين صدقوا، ويتبين الكاذبين، فرض الجهاد بالأموال، والأنفس، وعذر ذوي الأعذار‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(لَّيْسَ عَلَى ٱلْأَعْمَىٰ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَى ٱلْأَعْرَجِ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌۭ) [سورة النور آية‫: ٦١].
‫والجهاد بالمال، والجهاد بالنفس، بكليهما أو بأحدهما، بحسب مقدرة الإنسان، الجهاد لإعلاء كلمة الله، الجهاد حباً في الله، وحباً في رسول الله، الجهاد من أجل الآخرة، وليس من أجل الدنيا، الجهاد معناه الإيمان الصادق، واليقين الواثق بوعد الله (عز وجل) فنتيجة الجهاد واحدة من اثنيّن، إما النصر، وإما الشهادة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫من هنا بيّن الله (تبارك وتعالى) للمؤمنين، وللناس كافة أن النصر من عنده، وأنه غير محتاج لجهاد البشر، فقد نصر رسوله (ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ) نصره بأضعف المخلوقات، نصره بالعنكبوت، وبالحمام، لكنه ابتلى المؤمنين بأمرهم بالجهاد، من هنا يتوجه الأمر للكافة فيقول عز من قائل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ٱنفِرُوا۟ خِفَافًۭا وَثِقَالًۭا وَجَـٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿41﴾
‫(ٱنفِرُوا۟) اخرجوا، والنفور والنَفْر‫: الانتقال من مكان إلى مكان بسرعة، وكأنه يأمرنا أن نبادر بالخروج بنشاط وبسرعة، دون تراخي، ودون تكاسل‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(خِفَافًۭا وَثِقَالًۭا) أي على الصفة التي يكون الجهاد فيها خفيفا، وعلى الصفة التي يكون الجهاد فيها ثقيلا (خِفَافًۭا وَثِقَالًۭا) شبابا وشيوخا‫. (خِفَافًۭا وَثِقَالًۭا) أصحاء، أو مرضى (خِفَافًۭا وَثِقَالًۭا) معكم سلاح أو بغير سلاح‫. معان كثيرة كلها يتلخص في أن الأمر بالخروج قد توجه للكافة، ولا عذر لأحد حتى إن النبي (صلى الله عليه وسلم) (حِينَ جَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومِ الأَعْمَى، يَسْأَلْهُ أَعَلَيَّ أنْ أَنْفِرَ يَا رَسُولَ اللَهِ؟ قَالَ: نَعَم) حتى نزل قول الله (عز وجل) (لَّيْسَ عَلَى ٱلْأَعْمَىٰ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَى ٱلْأَعْرَجِ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌۭ) [سورة النور آية‫: ٦١] الأمر قد توجّه للكافة، وقال العلماء‫: إن الجهاد، فرض كفاية يقوم به بعض الناس الذين ينتدبهم الإمام لذلك، فمن انتُدب للجهاد بمعرفة الإمام، فالجهاد في حقه فرض عين كالصلاة، والصيام، أما إذا اجتاز العدو أرض المسلمين، أو غلبت شوكته، تعيّن الجهاد على الجميع، وأصبح الجهاد فرض عين على كل قادر على الخروج أو الدفاع‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَجَـٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ) وقدّم المال؛ لأن الجهاد يحتاج أولا إلى المال؛ لشراء السلاح، والزاد، والركائب وما إلى ذلك، وقد يجاهد الإنسان بماله، ونفسه إن كان قادراً على ذلك، أو يجاهد بماله إن عجز بدنه، أو يجاهد ببدنه وقوته إن كان فقيرا لا يجد مال (ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤١﴾) أي ذلكم خير لكم دنيا وأخرى، خير لكم من القعود، خير لكم من التكاسل، والتخاذل؛ إذ إن التكاسل، والتخاذل يطمع العدو فينا، فيستعمر أرضنا، بل ويملك قوتنا، ونُصاب بالذلة، والصغار في الدنيا، ونصاب بالعذاب، الغضب في يوم القيامة، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون أن الله صادق في إخباره، فبادروا بالخروج، وبادروا بالجهاد‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وتبدأ الآيات في فضح المنافقين؛ لذا سُميت سورة الفاضحة، بل وتبدأ الآيات تخبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بما سوف يحدث فهي من معجزاته (صلى الله عليه وسلم) إذ أُخبر بما سوف يقوله المنافقون بعد عودته من غزوة تبوك:
لَوْ كَانَ عَرَضًۭا قَرِيبًۭا وَسَفَرًۭا قَاصِدًۭا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِنۢ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ﴿42﴾
بعُدت بَعِدَتْ (قراءتان)‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫العَرَض‫: ما يعرض لك من أمور الدنيا ومتاعها الزائل؛ لذا سمِّى عرضاً لأنه إلى زوال، وكما قال رسولنا (صلى الله عليه وسلم) (الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يَأْكُلُ مِنْهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ)، (لَوْ كَانَ عَرَضًۭا) أي أمراً من أمور الدنيا، ومتاعها، وليس خروجها للقتال والتعرّض للقتل (وَسَفَرًۭا قَاصِدًۭا) القاصد‫: كل متوسط بين إفراط، وتفريط فهو قصد، والقصد والقاصد‫: المعتدل، وسُمِّي كذلك؛ لأن كل واحد يقصده (لَوْ كَانَ عَرَضًۭا قَرِيبًۭا) سهل المنال، سهل المأخذ، قريب (وَسَفَرًۭا قَاصِدًۭا) والسفر مسافة، بسيطة، معتدلة، متوسطة، (َّٱتَّبَعُوكَ) لرافقوك في خروجك إلى غزوة تبوك (وَلَـٰكِنۢ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ) الشُقة‫: السفر الذي تلحقك فيه مشقة، بعدت الشقة؛ لأن السفر كان إلى تخوم الروم تجاه الشام‫. مسافة، وحر، وقيظ، والجهاد، والخروج لقوم عُرف عنهم شدة البأس، وكثرة العدد، وكثرة وتنوع العتاد والأسلحة‫. من هنا يبين ربنا (تبارك وتعالى) لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) السبب الذي منع المنافقين عن الخروج، متى يخرجون معه؟ إذا كان العَرض، والمتاع حاضر سهل ينالهم من الغنيمة شيء حاضر، والسفر معتدل، ولكن بعدت عليهم الشقة.
‫(وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ) أي بعد عودتك من تبوك، يعتذرون لك، ويحلفون بالأيمان المغلظة، لو استطاعوا الخروج لوجود المال، أو وجود الراحلة أو وجود القدرة، لخرجوا معكم ذاك قولهم بعد العودة‫. إخبار بغيب (يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ) بالأيمان الكاذبة، إذاً اليمين الكاذب يعرّض الحالف للهلاك (وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ (٤٢)).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ﴿43﴾ لَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ أَن يُجَـٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ ﴿44﴾ إِنَّمَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴿45﴾
قبل الخروج حين انتدب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الناس للخروج، وصرّح باتجاه الغزوة لأول مرة، وبيّن للناس بُعد المسافة، والمشقة، وعرفوا فجاء المعتذرون كلٌ يقدم عذراً، وقالوا في نفوسهم، وقيل لهم، وقال بعضهم لبعض‫: نستأذن في القعود، فإن أُذن لنا قعدنا وإن لم يؤذن لنا قعدنا، فحين جاءوا واستأذنوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واعتذروا بأعذار مختلفة، واهية أذن لهم قبل أن ينزل إليه وحي، ثنتان فعلهما رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قبل نزول الوحي إليه في شأنهما‫: أخذ الفداء من الأسرى في غزوة بدر، وإذنه للمنافقين في التخلف في غزوة تبوك، عاتبه الله (تبارك وتعالى) ولكن أرق عتاب، عتاب لم يحدث من قبل، بل لم يحدث في دنيانا، ولم نعرفه إلا من القرآن، أرق عتاب في الوجود؛ إذ قدّم له العفو قبل أن يخبره بالذنب، سامحه قبل العتاب فقال‫: (عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ) هذا يبيّن علو قدره (صلى الله عليه وسلم) وسمو منزلته (صلى الله عليه وسلم) ولو أخبره بالذنب أولاً، وقال‫: لم أذنت لهم عفا الله عنك، لضطرب قلبه فرقاً (صلى الله عليه وسلم) شفقة الله به، +وخوفه عليه، وحنانه،لم يخبره بالعتاب حتى أخبره بالعفو أولا، حتى لا يُصدم أو يحدث له شيء (عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ (٤٣)) أي لم أذنت لهم في القعود، ولماذا تنتظر وتتمهل حتى يتبين لك الذين صدقوا في اعتذارهم، وكان لهم العذر فعلا، ويتبيّن لك الكاذبين أيضا‫. كيف كان يتبيّن له؟ لقولهم نستأذن إن أُذن لنا قعدنا، وإن لم يؤذن لنا قعدنا، فلو تمهّل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتركهم، وأعرض عنهم، لقعدوا، وحينئذ لعُلِم المنافقون لعلمهم، وعرفهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ذلك الوقت - في غزوة تبوك- لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعلم المنافقين الذين يصاحبونه، لم يعلم بأمرهم (لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) [سورة الأنفال آية‫: ٦٠]، لكن بعد ذلك أخبره بشأن المنافقين في قوله:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرَيْنَـٰكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ) [سورة محمد آية‫: ٣٠].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫لكن في غزوة تبوك لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد علم المنافقين بعد؛ لذا يقول الله (تبارك وتعالى): (حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ﴿٤۳﴾) ثم توضع القاعدة الأساسية لبيان الصادق من الكاذب، فيقول عز من قائل:
‫(لَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ أَن يُجَـٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ ﴿٤٤﴾إِنَّمَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴿٤٥﴾) وصفهم بصفة الإيمان بالله، وباليوم الآخر، والتقدير (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر في أن يجاهدوا) أي كراهة أن يجاهدوا لا يستأذنك المؤمنون في الخروج للجهاد، بل يخرجون مسرعين يبادروا إلى الجهاد، ولا يستأذنوك في الخروج للجهاد فضلا عن أن يستأذنوك في القعود (وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ ﴿٤٤﴾) شهادة لهم بالتقوى، ووعد لهم بالثواب‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(إِنَّمَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ) إذاً فالعلامة كانت الاستئذان، فمن استأذن دلّ على نفاقه، ومن لم يستأذن دلّ على صدقه، وإيمانه؛ ولذا نجد في الآيتين الكلام عن الإيمان بالله، واليوم الآخر لإشعار السامع أن الخروج للجهاد أساسه الإيمان بالله واليوم الآخر، وعدم الخروج، والقعود سببه، والدافع له عدم الإيمان بالله واليوم الآخر، إذا فقد نُزع منهم وصف الإيمان بالله واليوم الآخر، هؤلاء الذين استئذنوا للقعود، (وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الرَيْب‫: الشك، زُرع الشك في قلوبهم (فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ) يتحيرون، التردد‫: الذهاب، والمجيء، وكأنهم لا يثبتون على رأي، تارة يشكّون، وتارة يتوقع الإنسان منهم الإيمان، هؤلاء يترددون دائما أبداً متحيرين، لا يعرفون هل يرافقون الرسول أم يقعدون‫. دائما في شك لم يدخل الإيمان في قلوبهم، ولم يثبت‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫هذا الحكم، حكم الاستئذان، وأن عدم الاستئذان علامة على الإيمان، والاستئذان علامة على النفاق، خُفِف هذا الحكم أو رُفع أو نُسخ بعد ذلك بقول الله (عز وجل) (إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُوا۟ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمْرٍۢ جَامِعٍۢ لَّمْ يَذْهَبُوا۟ حَتَّىٰ يَسْتَـْٔذِنُوهُ) [سورة النور آية‫: ٦٢].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫فُسمح لهم بالإستئذان لعذر بعد ذلك، ثم يسَلِّي ربنا (تبارك وتعالى) رسوله (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنين، هؤلاء استأذنوا وقعدوا، هؤلاء أذِنت لهم بغير إذن من الله بغير وحي، عفا الله عنك بهذا الإذن، هؤلاء منافقون لو خرجوا هل كان الأمر يكون أفضل أم أن قعودهم كان أفضل؟ وهذا القعود هل كان بإذن رسول الله حقاً أم أن القضاء والقدر هو الأصل؟ يقول الله (تبارك وتعالى):‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَلَوْ أَرَادُوا۟ ٱلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةًۭ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ ﴿46﴾
العلامة، علامة صدق النية الاستعداد، إذا صدقت نية العبد في الحج مثلا ماذا يفعل؟ يجمع المال، ويعد الزاد، ويعد الراحلة، وهكذا يبدو عليه الاستعداد، بشراء ملابس الإحرام، بإعداد حقيبة السفر، أما إذا جلس وقال‫: غدا، وجاء الغد، فقال‫: في الغد إن شاء الله، وهكذا تكاسل وتخاذل إذاً فهو غير صادق النية، صدق النية والعزم على العمل يظهر بالاستعداد له.
‫من هنا يقول الله (تبارك وتعالى) مكذباً لهم (وَلَوْ أَرَادُوا۟ ٱلْخُرُوجَ) حقا، وصدقت منهم النية، (لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ) للخروج استعد بالسلاح، استعد بالركائب، بناقة، بفرس، بزاد، (وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ (٤٦)) إذاً المانع الحقيقي لخروج هؤلاء أن الله لم يحب منهم الخروج، ولم يُرد منهم الخروج (كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ) والانبعاث‫: القيام والنهوض لأداء الأمر، إذا لم يُرد الله (تبارك وتعالى) منهم الخروج (فَثَبَّطَهُمْ) التثبيط‫: الرد، التكسيل، التخذيل‫. ثبطّه‫: رده عن أمرٍ همّ به، (فَثَبَّطَهُمْ) أي ألقى في قلوبهم الكسل، والتخاذل والتكاسل (وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ (٤٦)) من القائل؟ قيل‫: القائل الشيطان، سلّط عليهم إبليس أو تركهم وأوكلهم إليه؛ لفساد نيتهم، أو هم، قال بعضهم لبعض اقعدوا مع القاعدين من المرضى، والزمنى، والنساء، والصبيان، أو ذاك إذن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لهم أي قال لهم‫: اقعدوا مع القاعدين، أو هو تمثيل لإلقاء كراهية الخروج في قلوبهم بمعرفه الله، عز وجل، ألقى الله كراهية الخروج في قلوبهم، فمثل ذلك بقوله (وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟) كأنه قد قيل لهم، ولكن الحقيقة لا قائل ولا قيل‫.‬‬
‫إذاً ولو أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أذن لهم إلا أن الله قد سبق قضاؤه فهو لا يريد منهم الخروج، ولا يحب منهم الخروج، فأوكلهم إلى أنفسهم، وأوكلهم إلى شياطينهم، وخذّلهم، وكسّلهم، ولم يلق في قلوبهم النشاط، ولم يلق في قلوبهم حب الخروج؛ لأنه كره انبعاثهم، فثبطّهم، وهذا يذكرنا بحديث قدسي يقول الله فيه‫: (إِذَا رَأَيْتَ عَبْدِي يُكْثِرُ مِنْ ذِكْرِي فَأَنَا أَذِنْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَأَحِبَّهُ، وَإِذَا رَأَيْتَ عَبْدِي لا يَذْكُرُنِي فَأَنَا حَجَبْتُهُ عَنْ ذَلِكَ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫يبيّن ربنا (تبارك وتعالى) أن القضاء نافذ، وأن قضاء الله (تبارك وتعالى) لا رد له، وأن الأسباب في هذه الدنيا ما هي إلا ظواهر، والفعّال على الحقيقة هو الله، ولا أحد سواه، هو الضار، وهو النافع، هو الخافض، وهو الرافع، هو الفعّال لكل شيء.
‫من هنا بعد العتاب، وبعد العفو، وبعد البيان، من يستأذن، ومن لا يستأذن، يأتي الكلام الحاسم في شأن ما يدور في هذا الكون، ما يحدث في هذا الوجود، فكل ما يقع من فضل الله ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، وهو الفعّال لما يريد يتضح ذلك في قوله (عز وجل) مسلّيا لرسوله (صلى الله عليه وسلم) ‫(وَلَوْ أَرَادُوا۟ ٱلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةًۭ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ (٤٦)) ثم يعلِّل ويبيّن لِم ثبّطهم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
لَوْ خَرَجُوا۟ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًۭا وَلَأَوْضَعُوا۟ خِلَـٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿47﴾ لَقَدِ ٱبْتَغَوُا۟ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا۟ لَكَ ٱلْأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَـٰرِهُونَ ﴿48﴾
ها هم لم يعدوا العدة، وكره الله انبعاثهم، وثبّطهم، وعلة ذلك (لَوْ خَرَجُوا۟ فِيكُم) لو حرف امتناع الشيء لامتناع غيره، لو خرجوا فيكم ماذا كان يحدث افتراض لو خرجوا فيكم (مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًۭا وَلَأَوْضَعُوا۟ خِلَـٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ (٤٧)) أي لو حدث، وافترضنا أنهم خرجوا، ما زادوكم إلا خبالا، ما زادوكم عدداً، وما زادوكم شجاعة، وما زادوكم نصراً، وما زادوكم خيراً، وما زادوكم شيئا تحبونه، لكن فعلهم كان سيكون الإفساد والشر.
‫الخبال‫: الفساد، والشر، التردد، الخبال‫: مرض يصيب العقل، فيقال في المريض مخبول، الخبال مرض يفسد العقل، يفسد الرأي، أي لو خرجوا فيكم لزادوكم شرا، وفسادا ليس هذا فقط، بل (وَلَأَوْضَعُوا۟ خِلَـٰلَكُمْ) الإيضاع‫: السرعة‫. أصل الكلمة وَضَعَ الجمل، أو أوضعت البعير‫: أسرع (خِلَـٰلَكُمْ) جمع خَلَلْ، والخَلَلْ: الفُرجة بين الشيئين، عُبِّر به، أو استُخدم، استخدام ظرف المكان (بين) (وَلَأَوْضَعُوا۟ خِلَـٰلَكُمْ) أي ولأسرعوا بينكم، أسرعوا بماذا؟ التقدير (ولأسرعوا بالفساد، والإفساد، والشر، والنميمة، والإيقاع بينكم) هذا كان سوف يترتب على خروجهم لو خرجوا‫.‬‬‬‬‬
‫(يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ) بغيته، وبغيت له، طلبت له، والبغاء‫: أشد الطلب، والفتنة‫: الشِرْك، الفساد‫. أي إذاً لو كان هؤلاء المنافقين خرجوا معكم ما استفدتم من خروجهم شيئا، وما زادكم خروجهم شيئا إلا أن ذاك الخروج كان سوف يتسبب في الإفساد بينكم، والوقيعة بينكم، والتردد في الرأي، والنكوص على الأعقاب، وإلقاء الرعب، والخوف، والهلع في صدوركم بتخويفكم من العدو وكثرته‫. (يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ) وتلك المصيبة الكبرى، لو جاء رجل يفسد بينك وبين صديقك، فلم تسمع، ولم يسمع الصديق ما نجح، ولو أراد كائنا من كان أن يوقع بين الإخوة في الله، أو الأحبة في الله، ما فلح وما نجح إلا في حالة واحدة، إذا استمع له أحد الطرفين، أو استمع له الطرفان، من هنا قد يقول قائل‫: لو خرجوا وحاولوا الإيقاع بيننا ما أفلحوا في ذلك، فنحن الأحبة في الله، ونحن الإخوة في الله، ونحن المؤلفة قلوبهم في الله، ما كنا نسمع، من أدراك؟ فيكم سماعون لهم، السماعون هنا إما الناقلون للكلام، أي يأخذون أخباركم وينقلونها إليهم، أو السماعون الذين يسمعون لهم ويطيعون، كقوله عن اليهود‫:‬‬‬‬‬‬‬
‫(سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ) [سورة المائدة آية‫: ٤٢]. أي كثير السماع سريع الإقناع بما يقال له، أي لو ألقى هؤلاء الخبال بينكم، وأفسدوا بينكم، وفعلوا، وقالوا؛ لسمع لهم أناس، ولوقعوا في الفتنة (وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ (٤٧)) يعلم ظاهرهم وباطنهم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، من أدراك كيف يكون الحال (وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿٤۷)).
‫ثم يذكّر ربنا حبيبه (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنين بحادثة سابقة ها هو البيان، ها هو التعليل لتثبيطهم، وتكسيلهم، وتخذيلهم عن الخروج، ها هو التعليل لو خرجوا لحدث، لحدث، لحدث، كما حدث من قبل، أذكركم بذلك (لَقَدِ ٱبْتَغَوُا۟ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا۟ لَكَ ٱلْأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَـٰرِهُونَ ﴿٤۸﴾) متى حدث ذلك؟ حدث في غزوة أُحد، حين جاء صناديد قريش للانتقام لقتلاهم ببدر، ونادى أبو سفيان يوم بدر، الموعد الموسم القادم، والعام القادم وما إلى ذلك، وواعدهم وخرج وخرجت قريش بخيلائها في أحد، وخرج النبي (صلى الله عليه وسلم) للقائهم، خرج معه المنافقون، وعلى رأسهم عبد الله بن أُبي بن سلول، وكانوا في ذلك الوقت يرون أن الإسلام له الغلبة، فأظهروا الإسلام حتى لا يُقتلوا، وحتى يصيبوا من غنائم المسلمين، ما يصيبه المسلمون، خرج عبد الله بن أبيّ وطائفة معه، حتى إذا كانوا في بعض الطريق، قال ابن أبيّ بن سلول‫: لا طاقة لنا بالمشركين، ثم أنه لا قتال هناك، ولا نرى أن هناك قتال، ولو علمنا أن هناك قتال لخرجنا، ورجع هو والمنافقون معه، فثبط ذلك المسلمين الذين خرجوا، وفتّ في عضدهم، رجوعه ورجوع من معه، كان له الأثر السيء في غزوة أحد، وحكى الله عنهم في سورة آل عمران‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًۭا لَّٱتَّبَعْنَـٰكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَـٰنِ) [سورة آل عمران آية‫: ١٦٧].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫يذكّر ربنا، تبارك وتعالى، حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين ها نحن في غزوة تبوك، وها هو قد ظهر أن الله ثبّطهم؛ لأن خروجهم كان فيه الضرر، وأذكركم بما مضى فيقول الله (تبارك وتعالى): (لَقَدِ ٱبْتَغَوُا۟ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ) أي في غزوة أحد، حين خرجوا ثم رجعوا، من يدريك لو خرجوا معك في تبوك، لرجعوا من منتصف الطريق، ولرجع معهم غيرهم (وَقَلَّبُوا۟ لَكَ ٱلْأُمُورَ) أي ترددوا في الكلام، وقالوا، ثم عادوا، ثم رجعوا، ثم أفشوا بين المسلمين ألا قتال ولا حرب، وهكذا (حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ) أي ظهر دينه، وارتفعت راية الإسلام (وَهُمْ كَـٰرِهُونَ ﴿٤۸﴾) لذلك؛ لأنهم أسلموا ظاهراً، وكفروا باطنا، وما كان إسلامهم إلا تقيَّة يحفظون بها دماءهم، ويحفظون بها أموالهم، وينالون ما للمسلمين من عز، ومن غنيمة، ومن نصر وهكذا، وسوف يتُضح كل ذلك فيما أخبر به ربنا (تبارك وتعالى) لنبيه (صلى الله عليه وسلم) من قبل أن يعود؛ لذا كانت الخشية من الصحابة حين نزول السورة في غزوة تبوك في قول الله (عز وجل) ومنهم، ومنهم، ومنهم، (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ) [سورة التوبة آية‫: ٤٩]، (وَمِنْهُم مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَىٰنَا مِن فَضْلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ) [سورة التوبة آية‫: ٧٥]، وهكذا فضح الله (تبارك وتعالى) المنافقين، وكشف سترهم، وأزال عذرهم، وفضحهم لرسول الله (صلى الله عليه وسلم).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أيها الأخ المسلم ارتفعت راية الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ارتفعت بصدق المسلمين، ارتفعت بجهاد الصادقين، ارتفعت بحب المسلمين لله ولرسوله، ارتفعت بعملهم للآخرة، ارتفعت ببعدهم عن الدنيا وزخارفها، ارتفعت بمعرفتهم بأن الدنيا إلى زوال، ارتفعت بتمنيهم لإحدى الحسنيين النصر والشهادة، فماذا حدث؟ ما الذي جرى؟ لِم انتُزعت أرض الإسلام أرضا وراء أرض؟ لِم خُفضت راياته؟ ما الذي حدث؟ الذي حدث هو حب الدنيا، وقد أخبرنا رسولنا (صلى الله عليه وسلم) بذلك حينما قال لأصحابه منبئاً عما سوف يحدث (يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ، كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا "، قَالُوا‫: مِنْ قِلَّةٍ؟ قَالَ: " أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، -أرأيت السيل حين سيل الماء بكثرة يحمل على سطح الماء القش والقذى والقذر وأشياء تطفوا على سطح الماء لا قيمة لها هذا هو التمثيل - تُنْزَعُ الْمَهَابَةُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيُجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنُ "، قَالُوا‫: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: " حُبُّ الْحَيَاةِ، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ) انتزاع الرهبة من قلوب الأعداء وارتفاع المعجزة التي كانت خصوصية لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهي النصر بالرعب ويؤيده قول المولى (عز وجل): (سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ) [سورة الأنفال آية‫: ١٢]. ترتفع هذه الكرامة من الأمة ويأتي بدلا منها قذف الوهن في القلوب، والوهن كلمة لم يعرفها الصحابة، فقالوا‫: وما الوهن يا رسول الله قال (صلى الله عليه وسلم) حب الدنيا، وكراهية الموت أو كما قال (صلى الله عليه وسلم).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫فلا تزال سورة التوبة تفضح المنافقين، تكشف سترهم، وتوضح كذبهم، وتنفي أعذارهم يقول الله (عز وجل):‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿49﴾
قلنا إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كلما أراد أن يغزو، ورّى بغير ما يريد فإن كانت الغزوه في قِبل المشرق، سأل عن الطريق إلى المغرب، وهكذ حتى يفاجئ عدوه، والحرب خدعة، إلا في غزوة تبوك حيث صرّح بها؛ لأنها كانت في وقت حر، صيف، قيظ، وحاجة، وكان ممن دعاهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للغزو الجَدّ بن قيس‫. قيل‫: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال‫: (هَلْ لَكَ يَا جَدُّ الْعَامَ فِي جِلادِ بَنِي الأَصْفَرِ؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَتَأْذَنُ لِي وَلا تَفْتِنِّي؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي مَا رَجُلٌ أَشَدُّ عَجَبًا بِالنِّسَاءِ مِنِّي، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ نِسَاءَ بَنِي الأَصْفَرِ أَلا أَصْبِرَ عَنْهُنَّ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَقَالَ: " قَدْ أَذِنْتُ لَكَ)، فنزل القرآن يفضحه، يهتك ستره، ويكشف سره (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّى) الآية تُشعر بأن المستئذنين، قرووا القعود أُذن لهم أو لم يؤذن (ٱئْذَن لِّى) في القعود (وَلَا تَفْتِنِّى) بعدم الإذن فأقعد بغير إذْن، إذاً فهو قاعد أُذن له، أو لم يُؤذن له‫. أيضا قيل‫: (وَلَا تَفْتِنِّى) بنساء بني الأصفر، فأقع في الفتنة، فيقول الله (عز وجل) (أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا) والتعبير عن الافتنان بالسقوط في الفتنة، يُشعر بأن الفتنة هاوية، والسقوط فيها ضياع وهلاك، كأنه يقع في هاوية لا قعر لها، (أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا) بتخلفهم عن رسول الله بظهور نفاقهم، بعصيانهم لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿٤۹﴾) محيطة إحاطة السوار بالمعصم، إحاطة الجند بعدوهم، محيطة بالكافرين يوم القيامة، بل هي محيطة بهم في الدنيا لإحاطة أسبابها بهم؛ إذ هم يفعلون من الأفعال ما يتسبب في دخولهم إلى جهنم، فكأنها أحاطت بهم في الدنيا بإحاطة أسبابها بهم‫.‬‬‬‬‬
‫ثم يبيّن ربنا (تبارك وتعالى) ما انطوت عليه قلوب المنافقين من غش، وخداع، وكره، وحقد وحسد، فيقول:
إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌۭ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌۭ يَقُولُوا۟ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا۟ وَّهُمْ فَرِحُونَ ﴿50﴾ قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴿51﴾
كشف لما انطوت عليه نفوسهم (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌۭ) نصر، غنيمة، سلامة (تَسُؤْهُمْ) تضايقهم، وتحزنهم (وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌۭ) انهزم، أو كسر، أو مرض، أي نوع من أنواع المصائب (يَقُولُوا۟ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ) أي إن حدثت هزيمة يقول هؤلاء المنافقون‫: احطتنا لأنفسنا، ولم نخرج، وجلسنا، وعليه كنا أبعد نظراً، وأثقب فِكرا، واحطتنا لأنفسنا من هنا لم يصبنا شيء، (وَيَتَوَلَّوا۟) انصرفوا عنك، أو عن المجتمع الذي يتحدثون فيه (وَّهُمْ فَرِحُونَ ﴿٥۰﴾) مسرورون بسلامتهم، مما أصابك، (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌۭ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌۭ يَقُولُوا۟ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا۟ وَّهُمْ فَرِحُونَ ﴿٥۰﴾) جهل مطبق وهل يملك الإنسان لنفسه شيئا؟ هل اخترت الزمان؟ هل اخترت المكان الذي وُلدت فيه؟ هل اخترت الأب، أم إنك اخترت الأم؟ هل اخترت الاسم الذي تُنادي به، أم سُميت بغير اختيار؟ جهل مُطبق؛ لذا يأمر ربنا (تبارك وتعالى) نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يرد عليهم بالحقيقة الثابتة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا) ما كتب لنا في اللوح المحفوظ أزلاً، فكل شيء مكتوب، كل شيء مسطّر، حتى الخُطى، حتى الأنفاس، فما العمر إلا أنفاس معدودة في أماكن محدودة، بل والإنسان لايزال في رحم أمه، مُضغة يؤمر الملك، فيكتب رزقه، وأجله، وأثره، وشقي، أم سعيد، فالشقي شقي في بطن أمه، والسعيد سعيد في بطن أمه (قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا) في لوحه المحفوظ، أو ما كتب الله لنا في قرآنه، إما النصر، والسلامة، والغنيمة، وإما الشهادة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، ما كتبه الله لنا في اللوح المحفوظ لا يتغير بموافقتكم، أو بمخالفتكم، برضاكم أو بسخطكم، وما كُتب لنا في حال إيماننا، وجهادنا وطاعتنا لرسوله الله، هذا لن يتغير وهو إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(هُوَ مَوْلَىٰنَا) آمنّا بأنه لن يصيبنا إلا ما كتبه لنا، ومن هنا هذا الإيمان يجعلنا نوقن بأن الولي هو الله، مولانا ولا موْلى لهم، هو المتولّي لأمورنا، هو الذي يتولى أرزاقنا، ويتولى آجالنا، ويتولى هدانا، والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا، هو مولانا يتولى أمورنا دنيا وأخرى، يتولانا بالعناية، وبالرعاية، وبالكفاية، يتولانا ونحن نيام كما تولانا ونحن في أرحام أمهاتنا، ويتولانا في كل لحظة وفي كل حين، فهو الذي لا يغفل ولا ينام (هُوَ مَوْلَىٰنَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴿٥١﴾) في صياغة الآية تقديم الجار على المجرور لإفادة القصر، أي أن التوكل مقصور على الله، ولا توكل على أحد سواه، ولا توكل على أحد معه، بل التوكل لا يكون إلا على الله وحده، ثم يأمره بسؤالهم سؤال توبيخ‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍۢ مِّنْ عِندِهِۦٓ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ﴿52﴾
أمر فاتربصوا أمر لكن المراد به التوبيخ، التربّص‫: الانتظار، والترقّب، الحسنيين‫: مثنى الحسنى، والحسْنى تأنيث الأحسن.
‫(قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا) أي هل تنتظرون، وتترقبون بنا في المستقبل إلا واحدة من اثنين كلٌ منهما حسنى، النصر، والغنيمة، والسلامة، ورفع راية الله، والشهادة‫: الموت في سبيل الله، حُسنى هل هناك أحسن من الموت في سبيل الله، من لم يمت بالسيف مات بغيره، الموت حق، والموت قادم، والموت لا محالة قادم، مصيب لكل حي (كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ) [سورة آل عمران آية‫: ١٨٥] ، فإذا كان الموت في سبيل الله هل بعد ذلك حسنى؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ) ونحن أيضا كما تنتظرون، وتترقبون أحوالنا، نحن كذلك نترقب أحوالكم، وننتظر ما يحل بكم، ولا ننتظر أن يحل بكم إلا إحدى السُوأيَينْ. تثنية السُوأى تأنيث الأسوأ، فنحن نتربص إحدى السُوأيينْ ما هما؟ إما (أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍۢ مِّنْ عِندِهِۦٓ) قارعة تأتيكم، فتستأصل شأفتكم، كما أصابت الأمم المكذبة من قبلكم (أَوْ بِأَيْدِينَا) بأن نقتلكم، ونأسركم، وتصابون بالذل والصغار، إذاً فالمنافقون يتربصون برسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومن معه إحدى الحسنيين، ورسول الله والمؤمنون يتربصون بالمنافقين إحدى السوأيين، اثنان مقابل اثنيْن (فَتَرَبَّصُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ﴿٥٢﴾) ننتظر وتنتظرون، ونرى كيف تكون عاقبتنا، وكيف تكون عاقبتكم، ويأتي الرد على الجد بن قيس، حين قال‫: إئذن لي في القعود، وأعينك بمالي:
قُلْ أَنفِقُوا۟ طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًۭا فَـٰسِقِينَ ﴿53﴾
‫(أَنفِقُوا۟ طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا) الصيغة، صيغة أمر، والمعنى خبر، فهى أمر معناه الخبر أي أنفقتم طائعين، لن يُقبل منكم، أنفقتم كارهين لن يُقبل منكم، فسواء كانت النفقة عن رضا، أو كانت النفقة عن كراهية، لن يُقبل أي لن يؤخذ منكم، وكأنه أمر غير مباشر لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ألا يأخذ منهم شيئا‫. أيضا إخبار بأن النفقة حتى ولو تمت، أو حدثت لن يثاب عليها المنافق‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًۭا فَـٰسِقِينَ (٥٣)) تعليل على سبيل الاستئناف، فاسقين‫: أي كافرين، والفسق هنا بمعنى الكُفر، كفروا بالله وبرسوله؛ إذ أظهروا خلاف ما يبطنون، وهنا يأت التعليل والبيان لما لا تقبل نفقاتهم؟ والآية تقرر قاعدة أساسية، وهي أن نفقة الكافر مهما كانت في الخير لا يثاب عليها يوم القيامة، ولا تُكتب له، وإنما يأخذ المقابل في الدنيا بأن يُطعم، ألا تراه أن الله قد أطعم الكفار ألا تراه يطعمهم، يُستر بها، يُمنح الصحة، يأخذ أجره في الدنيا يوفِّى لهم أعمالهم في هذه الدنيا لا يُبخسون فيها أبداً، أما في الآخرة، فلا نصيب لهم، إذاً لا تُقبل نفقة المنفق إلا إن كانت بنية، صادقة، خالصة لوجه الله (عز وجل).
‫أما إن أنفق الكافر فلا قبول له، وإن أنفق المسلم رغبة في الدنيا، أو في الثناء عوقب عقاب المرائين، والمنافقين، ويأتي التعليل والبيان لعدم قبول النفقة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـٰتُهُمْ إِلَّآ أَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَـٰرِهُونَ ﴿54﴾
هذا هو التعليل والبيان لعدم قبول النفقة، إذاً فعدم قبول النفقة بسبب كفرهم، فهي شهادة على المنافقين، بأنهم كفروا بالله ويرسوله، (وَلَا يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ) كسالى‫: جمع كسلان، والكسل‫: التراخي عن الفعل.
‫(وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَـٰرِهُونَ (٥٤)) أي كارهة نفوسهم هذه النفقة، يعتبرون الإنفاق مغرماً والمَسْك مغنما.
‫وربنا أتى بذكر عملين من أعمال البر اختصهما بالذكر‫: الصلاة، والنفقة، الصلاة؛ لأنها أشرف الأعمال البدنية، والنفقة؛ لأنها أشرف الأعمال المالية، فالمانع من عدم قبول نفقاتهم، أولا‫: كفرهم بالله وبرسوله، الذي أدى إلى أنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كُسالى كيف؟ كان المنافقون يصلون أمام المؤمنين فقط، فإذا انفردوا لا يأتون الصلاة، وإن صلوا أمام الناس صلُوا وقلوبهم مشغولة، غير مقتنعين بصلاتهم، وإن أنفقوا أنفقوا وهم متغيظين كارهون، لا يرجون عليها ثوابا، ولا يخافون بتركهما عقابا، فمن صلى غير راجٍ الثواب، أو ترك الصلاة غير خائف من عقاب كان معهم، لا يرجون عليهما ثوابا، ولا يخافون على تركهما عقابا هؤلاء الذين كفروا بالله ورسوله‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫ويتوجه التنبيه لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وللأمة‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ ﴿55﴾
إياك أن تستحسن ما أعطاهم الله من ولد أو من مال، إياك أن تستحسن ما أعطاهم الله من زينة الحياة الدنيا، وبالتالي إذا لم يستحسن، ولم يعجبه مالُهم، ولا أولادهم لن يطمع في أن ينفقوا في سبيل الله، ولم يطمع في مساعدتهم، بل رفضها وابتعد عنها‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ (٥٥)) هل يُعذب الإنسان بماله وولده؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫هذا السؤال جعل بعض المفسرين يقول‫: إن في الآية تقديم، وتأخير، والتقدير (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا أي التي أخذوها في دنياهم، إنما يريد الله أن يعذبهم بها يوم القيامة). والأرجح، وما استقر عليه رأي المفسرين، أن الآية لا تقديم فيها، ولا تأخير بل هي كما هي، فكيف يُعذب الإنسان بماله أو بولده في الدنيا؟ يذكرنا هذا السؤال بإجابة شافية قالها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في دعوة دعاها حيث قال‫: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مَالٍ يَكُونُ عَلَيّ وَبَالا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ وَلَدٍ يَكُونُ عَلَيّ سَيِّداً) ها هي الإجابة، المال قد يُعذب به صاحبه؛ إذ يكد ويكدح ويفني عمره في جمْعِه وعده وكنزه، بل ويشقى بحفظه، ويشقى بالخوف عليه، حتى ينتهي العمر، وما عمل شيئا لله، بل وكنز المال لغيره، فكان حارساً عليه، لمن يضيعه فيما يغضب الله، فيشقى به، ويُشقى به من بعده‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وهل يعذب الإنسان بولده؟ نعم إذا شب الولد عاقاً شقياً، يأتي لأهله بالمصائب، يأتي إليهم بالشدائد، فيكلفهم ما لا يطيقون، يسهرهم الليالي لا ينامون، كم من ولد أشقى أهله! كم من ولد قتل أمه! أو ذبح أباه! كم من ولد جلب العار على أسرته! كم، كم، فلا يغرنك كثرة المال، ولا يغرنك كثرة الولد، وكم غني بات شقيا! وكم من فقير أصبح سعيداً!.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ (٥٥)) إذاً فقد قضى عليهم ربنا أن يموتوا كفاراً، يخادعون الله والذين آمنوا، بإظهار الإسلام، وإبطان الكفر، ويخادعهم الله، فيستدرجهم من حيث لا يعلمون، يشغلهم بالمال، ويلهيهم بالولد، ثم يأخذهم فجأة، فإن أخذهم، أخذهم على كفرهم، ولم يفلتهم، والزهوق‫: خروج الروح بصعوبة، خروجها بشدة، بمعاناة‫.‬‬‬‬
وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌۭ يَفْرَقُونَ ﴿56﴾ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَـًٔا أَوْ مَغَـٰرَٰتٍ أَوْ مُدَّخَلًۭا لَّوَلَّوْا۟ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴿57﴾
‫(وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ) إذاً فهُم أصحاب الأيمان الفاجرة، هم أصحاب الأيمان الكاذبة، (وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ) أي من المسلمين، آمنوا وأسلموا، وصدق إيمانهم، وصدق إسلامهم، ويكشفهم ربنا فيقول (وَمَا هُم مِّنكُمْ) مهما حلفوا (وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌۭ يَفْرَقُونَ (٥٦)) يخافون، الفَرَقْ: الخوف من توقَّع الضرر، فَرِق فرَقا‫: خاف، فهو الخوفا الذي يملأ الصدر من توقَّع الضرر، ماذا يتوقعون إن بقوا على كفرهم؟ قُتلوا، حُوربوا، أُسروا، فكيف يأمنون على أنفسهم الجبانة، هذه النفوس التي امتُلأت بالرعب والخوف والجبن؟ كي يأمنوا على أنفسهم وأرواحهم، ودمائهم، وأموالهم، زعموا الإسلام وأكدوا زعمهم بالأيمان الكاذبة وفي الحقيقة هم في أشد الخوف والهلع منكم، لو اكتشفتم أمورهم، وكفرهم بدليل (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَـًٔا أَوْ مَغَـٰرَٰتٍ أَوْ مُدَّخَلًۭا لَّوَلَّوْا۟ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)) الملجأ‫: ما يُلتجأ إليه، الحصن، مغارات‫: جمع مغارة، والمغارة‫: الكهف في الجبل، أماكن الاختباء، والاختفاء‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫مُدَّخلا‫: سرب في الأرض، جُحر، ولو جُحر يربوع ولو جحر فأر (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَـًٔا أَوْ مَغَـٰرَٰتٍ أَوْ مُدَّخَلًۭا لَّوَلَّوْا۟ إِلَيْهِ) لأسرعوا إليه (وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)) كالفرس الجامح، وجموح الفرس أن يغلب الفرس راكبه في سرعته، وفي جريه، فإن أراد إيقافه لا يقف، وإن أراد أن يبطيء جريه لا يُبطيء أراده يمينا إذا به يذهب يُسري‫. ذاك هو الفرس الجموح، فيشبههم ربنا (تبارك وتعالى) بالفرس الجامح، أو الحُمر النافرة، ما إن رأوا الملجأ، أو وجدوا مكانا يهربون فيه من المسلمين ما أظهروا الإسلام، ولا أكدوا ذلك بالأيمان، وإنما للجأوا إلى هذا المهرب، لكنهم لا يرون مهربا، ولا يجدون ملجئاً؛ إذ هم في المدينة ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه في المدينة، فأين يذهبون؟ لا ملجأ ولا مغارات، ولا مدّخلاً، من هنا أظهروا الإسلام نفاقا، كم لقي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من عنت! كم لقي من أذى! كم لقي من جحود! كم لقي من تكذيب! كم لقي من نفاق، وصبر على كل ذلك، بل ودعا لقومه‫: (اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ).
‫بعد غزوة حنين فقد قسّم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الغنائم، وتوجّه إلى الطائف، واختص المؤلفة قلوبهم من قريش، وهو يقسّم الغنائم (صلى الله عليه وسلم) جاءه رجل هو رأس النفاق يقال له‫: (ذو الخويصرة) هو أبو الخوارج، وكل الخوارج من ذريته، جاء ذو الخويصرة ومن شقاوته (قَالَ لِرَسُولِ اللَّهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، فَقَالَ: " وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ؟ " فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ، قَالَ: " لا، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابًا لَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ مَا يَعْدُو تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ)، تلك حادثة قيل هي السبب في نزول الآية التالية، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، ولابد أن هناك غير ذي الخويصرة كان يعيب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أو يعترض على قسمته للفيء أو الغنائم، رغم أن الله (تبارك وتعالى) أخبرهم‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى) [سورة الأنفال آية‫: ٤١] ، إلى آخره وآية الفيء كذلك لكن الإيمان إذا رسخ كان التسليم، كان التصديق، كان الرضا، أما الإيمان إذا كان قلقا في قلب صاحبه لم يستقر، أو كان الإسلام تظاهراً، أو رغبة في مغنم الدنيا، كان الاعتراض وعدم التسليم؛ لذا يحكي عنهم ربنا (تبارك وتعالى) فيقول كاشفا سترهم‫:‬‬‬‬
وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ فَإِنْ أُعْطُوا۟ مِنْهَا رَضُوا۟ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا۟ مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴿58﴾
اللمز‫: العيب، والهمز‫: العيب، وقيل‫: أصل اللمز الإشارة بالعين وغيرها، الإشارة لمعنى معين يُقصد بها العيب‫. وقيل‫: اللمز‫: العيب في الوجه، والهمز العيب بظهر الغيب.
‫(وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ) أي يعيب عليك (فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ) أي في توزيع الصدقات، في قسمة الغنائم، أو في توزيع أموال الزكاة (فَإِنْ أُعْطُوا۟ مِنْهَا رَضُوا) أعطيتهم رضوا بقسمتك (وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا۟ مِنْهَا) وإن تركتهم وأعطيت غيرهم (إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)) إذاً فالمسألة، مسألة حب الدنيا، مسألة حب المال، ليست المسألة، مسألة الثقة في رسول الله، وإنما هم يودون أن يغنموا من الدنيا بقدر الإمكان، فإذا لم يعطوا من الصدقات إذا هم يسخطون، يقول الله (تبارك وتعالى) مبينا الخطأ الذي وقعوا فيه، مبينا للمسلم كيف يكون حال المؤمن الحقيقي فيقول‫:‬‬‬‬
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ ﴿59﴾
الآية في مجملها في حيز الشرط، والجواب محذوف ‫(وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ (٥٩)) ماذا يكون؟ أين الجواب؟ تقديره (لكان خيراً لهم وأفضل وأعظم وأحسن، لكنهم لم يُوفقوا لذلك وَوُفق كل راض، كل قانع، كل مسلم، كل مؤمن واثق من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومن قضاء الله وقدره مؤمن به، وذكر الله في الآية هنا للتعظيم؛ لأن العاطي في الحقيقة هو الله، لكن العاطي في الظاهر، القاسم رسول الله كما قال‫: (إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ). إذاً فقسمة الغنائم وتوزيع الصدقات التي فعلها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يفعلها باجتهاده، وإنما فعلها بوحي، وبأمر الله‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫من هنا جاء لفظ الجلالة لإشعار السامع، بأن العطاء عطاء الله، والمنفِّذ هو رسول الله‫. وعطاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بوحي وبأمر من الله وليس باجتهاده‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫‫(وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫مرة أخرى جاء بلفظ الجلالة للإشعار بأن الرازق والعاطي هو الله، والقاسم بأمر الله هو رسول الله، توقعوا المستقبل، توقعوا الخير، إذا حُرمنا في هذه المرة، فلابد أن الله يدخر لنا ما هو خير لنا الأمل في الله والثقة في الله والاطمئنان لقضاء الله والرضا بحكم الله‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫‫(وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ (٥٩)) أي يطلبون رضوان الله، الهدف الله، الموعد الله، اللقاء الله، لا إله إلا الله، الهدف هو الله إنا إلى الله راغبون لا إلى الدنيا، ولا إلى الجاه، ولا إلى المال، ولا إلى المنصب، وإنما كل الهدف، كل المقصد، كل الاتجاه، كل النظر، كل التوجه إلى الله، ويلفت النظر في الآية أمر، وانتبه ذُكر لفظ الجلالة مرتين مع ذكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وذُكر لفظ الجلالة مرتين منفردا، واسمع وتأمل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫‫(وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ (٥٩)) ، إذاً فالحسب والرغب إلى الله وحده، أما العطاء، وأما الإتيان، وأما المنح فقد تكون هناك الأيدي التي سخرها الله، هناك الأسباب التي جعلها‫. ووراء الأسباب يد الله، إذاً فلو أنهم رضوا ما قسم الرسول بأمر الله، فإن حُرموا قالوا‫: حسبنا الله، الله فقط الحسْب وحده لله، والحسْب‫: الكافي هل يكفيك أحد مع الله؟ هل يمكن أن يشرك ربنا أحداً معه في الحسب؟ أبداً.
‫‫(وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ) فالعاطي هو الله، والقاسم هو رسول الله (وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ) إذاً فالحسْب وحده لله، ولا يجب أن يكون حسبك أحد مع الله، ويجب أن تكون الرغب والرهب إلى الله، فالرهبة لا تكون إلا من الله، والرغبة لا تكون أبداً إلا إلى الله‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أيها الأخ المسلم، الله ما أحلمه! الله ما أعظمه! الله ما أكرمه! انظر إلى نفسك، وانظر إلى ما حولك، انظر إلى كل شيء إياك أن تغفل، تجد أن الله (تبارك وتعالى) سخر لنا الشمس، لا تكِلّ، ولا تمِلّ، سخر لك القمر، لا يتخلف ولا يخل، سخر لك السحاب، سخّر لك النهر، سخّر لك الأرض، سخّر لك أعضاءك، سخّر جوارحك، أعطاك من كل شيء، نوّع لك في المطاعم، والمشارب، أنواع الطعام لا تُحصى، أنواع الشراب لا يُحصى، حملك في البر على الدواب، وحملك في البحر على القوارب، أعطاك من كل شيء ما لا يخطر على البال، وكل ما ازداد احتياج الناس، كلما زاد الله من فضله، رغم كفرهم، وانظر كيف كان الناس يعيشون؟ وماذا كانوا يركبون؟ وكيف كانوا يأكلون في الأزمنة الماضية؟ وانظر إلى الناس الآن رغم التفاوت كانت الطاعة، وكان الحياء، وكان الحلال والبعد عن الحرام، كيف كان يعيشون فلم تكن لديهم أجهزة للغسيل، أجهزة للتسخين، أجهزة للشواء، أجهزة للتكيف، مركبات، سيارات، طائرات، نقود، لم يكن لديهم كل ذلك، وإنما البعير، والحمار، والناقة والفرس، والأكل في صحن واحد وأواعه قليلة، وانظر إلى الدنيا الآن، رغم كثرة الناس، ورغم كفر الكثير من الناس، إما يكفرون بالله، وإما يكفرون النعمة، وانظر إلى الأرزاق، كيف وُسعت، وكيف تلّونت، وتعددت المطاعم، والمشارب، والمراكب، وكيف يعيش الإنسان الآن في رفاهية مطلقة، بالأزرار يضيء، لا خشب، ولا فحم، ولا غيره، ولا سراج يطفئه الريح، بالأزرار تقتح الأبواب، بالأزرار تغلق الستائر، ومع كل هذا يغفل الناس عن المنعم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫فقد تكلم المنافقين في شأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بما لا يصح من القول، لمزوه في الصدقات، وفضحهم الله (تبارك وتعالى) بقوله‫: (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ فَإِنْ أُعْطُوا۟ مِنْهَا رَضُوا۟ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا۟ مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴿٥۸﴾) عابوه، وعابوا عليه، واتهموه، فضحهم الله (تبارك وتعالى) وأنزل من الآيات ما يبين مصارف الزكاة، وكيف توزّع، ولمن تُعطى فقال، عز من قائل‫:‬‬‬‬
إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَـٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿60﴾
صياغة الآية تفيد الحصر (إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ) هذا الأسلوب يفيد الحصر، أي لا يصح أن تخرج الزكاة عن هذه الأصناف الثمانية، الصدقات إذا أُطلقت في القرآن تعني الصدقة المفروضة التي هي الزكاة فالصدقة منها ما هو فرض وهي الزكاة، ومنها ما هو تطوع، فإذا أطلقت الكلمة الصدقات إذا فالمعني بها الزكاة، (إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ) أي تُحصر الزكوات في توزيعها على الأصناف المذكورة بعد (لِلْفُقَرَآءِ) الفقراء‫: جمع فقير، الفقير من حيث اللغة‫: المفقور كقتيل بمعنى مقتول، مفقور أي نُزعت فقار ظهره، كسرت فِقَرهُ، فأصبح بلا عمود فقري يقيم صلبه، كيف يكون حاله‫. أو هو من الفُقرة بمعنى الحُفرة، والحُفرة منخفضة أدنى من مستوى الأرض، فكذلك الفقير دون غيره من الناس في مستوى.
‫ذاك من حيث اللغة، ومن حيث المعنى الشرعي قال العلماء‫: الفقير هو من لا يجد ما يقتات به، لا يجد ما يقيم عوده ذاك هو الفقير؛ لأن الله وصفهم بقوله‫: (لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًۭا فِى ٱلْأَرْضِ) [سورة البقرة آية‫: ٢٧٣] ، (وَٱلْمَسَـٰكِينِ) جمع مسكين، والمسكين‫: من له بعض المال لكنه لا يكفي حاجته، من السكون كأن العجز أسكنه بلا حراك، من هنا نرى أن الفقير أقل حالا من المسكين، والفقير لا يجد شيئا والمسكين يجد ما لا يكفيه، وقيل العكس.
‫لقول الله (أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ) [سورة الكهف آية‫: ٧٩].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫إذاً فلَهُم والفقير لا يستطيع ضربا، فالمساكين أحسن حالا من الفقير، وقال آخرون‫: بل الفقير أحسن حالا من المسكين، لكن الأرجح والأصح، هما فئتان بعضهم أدنى حالا من بعض، والتقديم يفيد أن الفقراء أقل حالا من المساكين لفظ (إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ) دون تحديد، حيث ما كان الفقير، كيف كان الفقير وضعه دينه، وصفه، لكن السنة بينت، وحددت، وخصصت، بينت أن الزكاة لا تصح إلا لفقير مسلم، أما فقراء أهل الذمة وغيرهم، فالصدقة صدقة تطوع، أما الزكاة المفروضة، فهي لفقراء المسلمين لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) (تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ) إذاً يؤخذ من أغنياء المسلمين، ويُرد على فقراء المسلمين، في الزكاة المفرضة، أما صدقة التطوع، فحيثما وُضعت مقبولة حتى في البهائم، حين سُئل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أو إن لنا في العجماء أجر حينما تكلم عن الرجل الذي سقى الكلب، سقى الكلب فغفر له، قال‫: ( فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أيضا بيّنت السنة أن الزكاة المفروضة لا تصح لمحمد (صلى الله عليه وسلم) ولا لأهل بيته، ولا لبني هاشم، فهي أوساخ الناس‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أيضا لا تصح لقادر على الكسْب؛ لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) (لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ) فلا تصح الزكاة لغني مستغن، ولا لقوي قادر على الكسب، لكن قوي قادر على الكسب سائل أتعطيه؟ إن أعطيت فهي صدقة تطوع، السائل ليس من بين الثمانية، ليسوا من بين أصناف الزكاة لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالْكِسْرَةُ وَالْكِسْرَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنْ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى يُغْنِيهِ، يَسْتَحْيِي أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ إِلْحَافًا، أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫مقدار ما يُعطى للفقير والمسكين فيه بعض الخلاف، فقد قال بعضهم‫: يُعطى بقدر حاجته‫. وقال بعضهم‫: لا يجوز أن يتجاوز العطاء حد النصاب - نصاب الزكاة- والبعض قال‫: بل العطاء بلا حد‫. وقال أيضا‫: وجود المسكن والملبس اللائق لا يمنع من الفقر، والمسكنة، فلا يشترط في الفقير، والمسكين أن يكون معدما أو لا يجد مسكنا، أو لا يجد ما يستر عورته، طالما لا يملك نصابا، ولا يجد ما يقتات به، أو لا يملك نصابا، وما يأخذه، أو ما يحصل عليه من أجر، أو من مال لا يكفي حاجاته الضرورية، فهو فقير، وهو مسكين.
‫(وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا) هم السعاة الذين يعينهم الحاكم؛ لتحصيل الزكاة، العاملون عليها لو كانوا من بني هاشم استحقوا أجر مقابل عمل، ذاك قول بعض الناس، فالعامل عليها هو الذي يسعى في تحصليها، فيعطى بقدر عمله‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫‫(وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا) أي على جمعها، على تحصيلها، على عزلها على توزيعها، ممن يعينهم الحاكم.
‫(وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) المؤلفة قلوبهم، هم قوم أسلموا حديثا، نيتهم في الإسلام ضعيفة، فيعطون من الزكاة ما يؤلف قلوبهم للإسلام، ويقربهم من الإسلام، قيل هم اليهود والنصارى، قيل بل كل مسلم يدخل في الإسلام، ونيته فيه ضعيفة، وقيل بل هم قوم من الأشراف أعطاهم النبي (صلى الله عليه وسلم) تأليفا لقلوبهم؛ إذ إن الكفار في عصره ثلاثة أصناف‫: صنف يعامل بالقهر بالسيف، وصنف يعامل بالحجة والبرهان فيقتنع، وصنف يعامل بالعطاء والإحسان، فهم أصناف كما أعطى عيينة بن حصن، أعطى بعض من لا يحتاج، وقيل‫: أبدا بل أعطاهم من خمس الخمس، أعطاهم من ماله ولم يعطهم من الزكاة، والمؤلفة قلوبهم هؤلاء هم الذين دخلوا الإسلام حديثا ليثبت الإسلام في قلوبهم، واختلفوا فيهم، هل هم باقون إلى يوم القيامة؟ قالوا‫: كان ذاك في أول الإسلام، الإسلام قليل، والمسلمون ضعفاء وقلة، فكان الأمر يتطلب إدخال أشراف الكفار بالتألفة والعطاء حتى يقتدي بهم غيرهم، وأقوامهم، فلما عز الإسلام وكثر المسلمون انتهت هذه الفئة، وأصبح لا يحل ولا يصح أن يُعطى من أسلم حديثا من أموال الزكاة، كان ذاك حين كان الإسلام ضعيفا، والمسلمون قلة، أما في عهد أبي بكر، والصحابة من بعده حين عز الإسلام وكثر المسلمون، فلا يوجد هذه الفئة، وقال بعض العلماء‫: بل هم موجودون قائمون إلى أن تقوم الساعة، والحاكم هو الذي يرى مدى الحاجة إلى المؤلفة قلوبهم، أو إلى تأليف القلوب بالإعطاء من أموال الزكاة.
‫(وَفِى ٱلرِّقَابِ) والغريب في الصياغة هنا العدول عن اللام إلى (في) (إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) ، أي للفقراء، وللمساكين، وللعاملين عليها، وللمؤلفة قلوبهم، ولم يقل وللرقاب بل قال‫: (وَفِى ٱلرِّقَابِ) لتبيين أن الصدقات في الجهة، وليست للشخص؛ إذ إن الصدقة هنا لا تعطي للعبد لعتقه، وإنما تُعطى لمالكه، فيُعتق إذاً فهو لا يُملّك المال من هنا قال‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَفِى ٱلرِّقَابِ) أي في شأن تحريرهم، وفي شأن عتقهم، أما هم فلا يأخذون منها؛ لأن العبد لو أخذ فالعبد وماله لسيده.
‫(وَفِى ٱلرِّقَابِ) لفتة تهم المتأملين وتهم أصحاب اللغة ليتضح لهم أن هذا القرآن لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، (وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَـٰرِمِينَ) أي وللغارمين، (وَفِى ٱلرِّقَابِ) فك الأسرى جائز، عتق العبيد، والإماء جائز، إعانة المكاتب جائز - المكاتب الذي يكاتب من يملكه على بعض المال أو مبلغ من المال إن حصّله أصبح حراً، وفيها خلاف في شأن المكاتب لا يصح، وإنما عتق الرقاب فقط‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫والغارم‫: الذي ادّان دينا في غير معصية، ولزمه غرماؤه أي الدائنون أحاطوا به من كل جانب، ولا يوجد لديه ما يكفي أو ما يفي بسداد الديون من مال أو مِلْكٍ؛ لأن لو أن له أملاكا لبيعت لسداد الديون، ويشترط ألا يكون ادّان في معصية، أو ادّان بسبب الإسراف والتبذير‫. وقالوا‫: هب أنه ادّان في معصية، وتاب أيصح؟ قالوا‫: نعم يصح لمساعدته على التوبة، والسير في طريق الله‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ) سبيل الله‫: الجهاد‫. وهنا قال العلماء‫: يُعطى من الزكاة الغزاة، أغنياء كانوا أم فقراء، وقالوا‫: بل يُعطى الفقراء فقط، أما الغازي إن كان غنيا فلا يُعطى من الزكاة، وقالوا يُشترى بأموال الزكاة آلات الحرب، وعدته، وسلاحه، ومؤونته، والزاد ما ينفق على الجيوش الغازية في سيل الله حصرها بعضهم في هذا.
‫وقال آخرون‫: الحج في سبيل الله، فإن أعطي الرجل من زكاة المال ليحج، حج الفريضة جاز، فالحج في سبيل الله، وقال بعضهم‫: في كل ما يعود على المسلمين بنفع، كبناء السدود، والقناطر وما إلى ذلك، لكن الأحوط والأرجح في سبيل الله أي في سبيل غزو حادث من أجل رفع راية الله، ويشتري بمال الزكاة عدة الحرب، أما أجور الغزاة، فهي من بيت المال كما قيل، ذاك أحوط، وأرجح؛ لأن بعض الأئمة اشترط لصحة الزكاة، شرط التمليك في كل شيء‫. ومن هنا استُثني شرط التمليك في شأن الجهاد في سبيل الله؛ إذ هو تمليك عام للعُدة، وإن كان في وقتهم التمليك تمليك للغازي؛ لأنك إن أعطيته سيفا، أو درعاً، لم يأخذ منه ذاك بعد الحرب‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ) سبيل الله‫: الجهاد، الغزو، نشر الإسلام، رفع راية الإسلام، ذاك هو الأحوط والأرجح فيما نراه.
‫(وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ) السبيل‫: الطريق، وابن السبيل‫: المسافر الذي انقطع عن بلده، وماله فاحتاج، ولو كان غنيا في بلده، نُسب إلى الطريق كأنه لا مأوى له، لملازمته للطريق في السفر، سافر رجل من بلده إلى بلد بعيد، سُرق ماله، أو نفذ ماله، أو حدثت له جائحة، أهلكت ماله، يُعطى من مال الزكاة، ما يعود به إلى بلده، ويبلغه حاجته، جاء لقضاء مصلحة يلزمه كذا، وللعودة يلزمه كذا، وللأكل يلزمه كذا، يُعطى من مال الزكاة، ولا يشغل نفسه بردها، حتى إن كان غنيا في بلده، أما إن عاد إلى بلده، واستطاع أن يعيد فلا بأس، وقال بعضهم‫: إذا استطاع السَلَف في الأرض، والبلد الغريبة لا يُعطى من الزكاة، وإنما يُعطى من لا يجد من يُسلفه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(فريضةٌ من الله) قراءة بالرفع أي تلك فريضة من الله، ما سمعتموه وما نزل وهو قراءة بالرفع، (فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ) أي فرض الله ذاك فريضةً بالنصب، فريضة من الله أي هي الزكاة المفروضة (وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿٦۰﴾) عليم بالمصالح، حكيم فيما قضى وقدّر، حكيم فيما أمر وشرع، ذاك بيان مختصر عن مصارف الزكاة، وتبقى بعض الأسئلة منها‫: هل يصح دفع القيمة؟ بمعنى زكاة الزروع، هل يصح دفع القيمة أم لابد من إخراج الزكاة من عين ما تُخرج منه؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫رأيان‫. والأرجح جواز إخراج القيمة؛ إذ هي أنفع للفقير‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫هل يصح نقل الزكاة من مكانها إلى بلد أخرى؟ بمعنى تُخرج زكاة المال البلد الذي اكتسب المال فيه ربحه، في مكان الناس، وزكاة الزروع في البلد التي فيها الزرع، وزكاة التجارة في البلد التي فيها التجارة، أم يصح أن نُنقل لبلد أخرى؟ قالوا‫: ينقلها الحاكم فقط، وليس مخرج الزكاة، وقالوا‫: بل يخرجها مُخرج الزكاة في حالة ما إذا عجز الحاكم عن نقلها، أو لم يقم الحاكم بأخذ الزكوات، وخاصة النقود؛ إذ هي غير واضحة، فزكاة الزرع، وزكاة التجارة ممكن للحاكم أن يحصرها، أما الأموال، والذهب، والفضة في البيوت، وفي الخزائن أنى للحاكم أن يصل إليها.
‫قالوا‫: يجوز نقل الزكاة من بلد المال إلى بلد آخر، إذا وُجد الفقير في بلد، أو كان أشد فقراً أو عُدم المستحق في البلد التي يوجد بها المال‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أيضا إخراج الزكاة والبلد وتعيين المكان يتعلق بالمال أم بالمالك؟ بمعنى مالك في بلد وأنت مقيم ببلد، شرط المكان يتعلق بالمال أم يتعلق بالمالك؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫قال بعضهم‫: تُخرج الزكاة في البلد التي بها المال، وقال بعضهم‫: الخطاب موجّه لصاحب المال حيثما كان، فيخرج زكاة ماله حيث يقيم هو، وليس حيث يوجد المال‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫إذا وُجدت الأصناف الثمانية، هل تلزم قسمة الزكاة على الأصناف الثمانية بالتساوي؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫قالوا‫: نعم، وقال بعضهم‫: أيهم أعطيت فقد أديت ما عليك؛ إذ قد يوجد صنف ولا يوجد الصنف الآخر.
‫خرج الرجل بزكاته يريد أن يضعها حيث يجد للفقير، أو للمسكين، هل يجب عليه أن يتحرى؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫نعم يجب عليه أن يتحرّى مواضع ومصارف الزكاة، هل يجوز التوكيل؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫نعم يجوز أن توكل غيرك فتعطي غيرك كالجمعيات الخيرية، والجهات المختلفة، توكل هذه الجهات وفي هذه الحالة تبرأ ذمة الموكِّل، وتبدأ مسئولية الموكَّل، فإن أعطيت زكاتك لمن تثق في دينه، وحسن تصرفه، وعالما بأحكام الزكاة صالحا فيما تعتقد، برأت ذمتك، وأصبحت المسئولية، مسئولية الوكيل في وضع أموال الزكاة في مصارفها التي حددها الله.
‫لو أخرجت زكاتك بنفسك، وتحريت الدقة، وبحثت فوجدت فقيرا حسبته كذلك، وأعطيته ثم تبين لك أنه ليس بفقير، ومحتاج بل هو غني هل سقطت عنك الزكاة، أم تجب عليك الإعادة؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫قالوا‫: بل تجزي عنه الزكاة؛ لأنه اجتهد والله عليم بالبواطن والخفايا، وليس لنا إلا ظاهر الأمر، لو أن موعد الزكاة حلّ هل يمكن تأخيرها؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫بمعنى حلّ موعد الحصاد في الزروع، أو مرور الحوْل في التجارة، إذا أخرها صاحبها انتظارا لوجود من يحتاج أو لسبب ما فلا بأس، وإن قدّمها تحسباً فلا بأس، إن هلكت، بمعنى جمع مال الزكاة، ووضعه، واحتاط له، وأخر، فسُرق المال بعد مضي موعد الاستحقاق، وجبت عليه الزكاة في هذه الحالة، وضمن ما ضاع من مال، وأخرجه مرة أخرى، أما إن هلك المال في موعده، فلا زكاة عليه، بمعنى حين يقول الله (تبارك وتعالى): (وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ) [سورة الأنعام آية‫: ١٤١].
‫يوم الحصاد كحولان‫: الحوْل بالنسبة للمال حصد، ولم يخرج الزكاة، ووضع الحب في الجرن فاحترق الحب، عليه التعويض؛ لأنه أخّر عن الموعد، أما إذا كان في يوم الحصاد، وجمع فنزلت جائحة من السماء فأكلته، فلا عوض عليه، من هنا قال العلماء‫: لا يستحب تأخير الزكاة عن موعدها، حتى تبرأ ذمتك، والإنسان لا يضمن عمره، ولا حياته، أما إذا كانت هناك ضرورة، انتظار لسفرك، لبلدك، انتظاراً لحضور فقير من أقربائك؛ إذ خير الصدقة ما كان للفقير من غير من تعول، فإذا اضظررت للتأجيل، فاحترس، فإن هلك أمرك إلى الله عليك الضمان.
‫أيضا لا تصح الزكاة للأب والأم والجد والجدة وهكذا وإن علا، كما لا تصح الزكاة للابن أو البنت، وإن سفل، ولا تصح للآباء، والأمهات، وإن علا، هل تصح للأخوة؟ نعم، للأقارب؟ نعم‫. ولا تصح لمن تعول، وممن تعول الزوجة، فلا يصح إخراج الزكاة للزوجة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫هل يصح للزوجة أن تعطي زوجها من مال زكاتها؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫اختلف العلماء، فبعضهم منع بتاتاً، وبعضهم أجاز، قال الزوجة، لا تعول الزوج، وجيء بأحاديث حين سألت إحدى النساء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عما تعطيه لزوجها، قال‫: (هُوَ لَكِ صَدَقَةٌ، وَتُثَابِينَ عَلَى هَذَا)، قالوا‫: هذا في صدقة التطوع، فمنع البعض، وأجاز البعض، ومسك بعضهم الأمر من وسطه، فقال‫: لا تعطي الزوجة زوجها من مال الزكاة، فينفق منه عليها، وإنما ينفق على نفسه من هذا المال أي يشترط أن يكون الزوج فقيراً، او مسكينا، فالزوجة إن أعطت زوجها الفقير قال بعض الناس الذين أخذوا الأمور من وسطها ينفق على نفسه ولا ينفق عليها بمعنى أعطته مالا فاشترى بالمال ثوبا له أو نعلا لها جاز أم إذا اشترى به ثوبا لها حرم ذلك ولم تسقط عنها الزكاة لأن مسئول عن إعالتها وإطعامها، وسكنها، وثيابها والإنفاق عليها من ماله وليس من زكاة مالها، أما إذا أخذ المال، وأنفق على عياله من امرأة أخرى، وليس منها جاز ذلك، ذاك رأي وسط، ولكنا نعتقد الأرجح أنه لا يصح مطلقا للزوج أن يعطي زكاته لامرأته، ولا يصح أن تعطي لزوجها من زكاة مالها، لاشتراكهم في المِلْكْ، فهم مشتركون في منافع الأملاك في السكن في الفراش.
‫(نَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَـٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿٦۰﴾) بقي السؤال تحريت وجدت فقيرا، وأعطيته من زكاة المال، ثم قيل‫: إن ذلك مدَّعي للفقر، وإنما هو غني ويكنز المال ما الحكم؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫قالوا‫: يجزئه ذلك، ولا إعادة عليه، واستندوا لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) حاكيا عن رجل من بني إسرائيل ممن كانوا قبلنا خرج الرجل، وَقَالَ: (لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫فلا زالت سورة التوبة، سورة الفاضحة، سورة المبعثرة، سورة مثيرة تفضح في المنافقين، تكشف سرّهم، وتهتك سترهم، يقول الله (تبارك وتعالى) عن بعضهم‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌۭ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍۢ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿61﴾
كان بعض المنافقين يجلس مع بعض، يقولون‫: محمد يسمع كل ما يقال له، ويصدقه، فمهما حدث، مهما فعلنا نذهب إليه، ونقول فيسمع، ويصدقنا، وعبروا بالمبالغة بالجارحة (أُذُنٌۭ) وكأنه لفرط سماعه، وتصديقه أصبح كله أُذُن - آلة سماع - كما تقول عن الجاسوس المحترف (عينا) كأنه كله آلة إبصار، كذلك السامع لكل شيء، والمصدق لكل شيء، يقال في شأنه (أُذُن) هؤلاء يؤذون النبي (صلى الله عليه وسلم) ويعيبون عليه، فذاك نوع من الذم، (وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌۭ) وإذا بالرد يأتي نعم هو أُذن، ولكن ليس كما تقولون بل (قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ) لا يسمع إلا ما فيه الخير، ولا يصدق إلا ما فيه الهدى والرشاد، (أُذُنُ خيرٌ) قراءة (أُذُنُ خيرٍ) بالإضافة، قراءة أي لا يسمع إلا الخير، ولا يسمع للشر.
‫(يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ) يصدِّق بوجوده، يوحّده لما قام لديه من الدلائل على وجوده، وتوحيده (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) جيء باللام زيادة للتفرقة، بين إيمان التصديق الذي هو التسليم لله، وبين إيمان الأمان الذي هو الثقة في محدثي، والثقة في كلام المتكلم والقائل:
‫(يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ) تسليما، وتصديقا (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) أعطاهم الأمان، فهو واثق في كلامهم، مصدق ما يقال له من المؤمن (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ) ورحمةٍ، ورحمةً (ثلاث قراءات).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَرَحْمَةٌۭ)أي هو رحمةٌ للذين آمنوا منكم، (ورحمةٍ) معطوفة أُذُن خيرٍ، ورحمةٍ (ورحمةً) علّة فعل دلّ عليه، أذن خير أو يسمع رحمةً، إذاً هو رحمة للذين آمنوا منكم أي الذين أظهروا الإيمان، فيصدقهم، ولا يفتش في قلوبهم، ولا يكشف سترهم، ولا يهتك أستارهم، وإنما يصدقهم بإيمانهم رحمةً بهم (وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ) بدلاً من الذين يؤذونه، كان التقدير أن يأتي بالضمير، فقال: ‫(وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ) ليجمع له فضل النبوة في أول الآية، وفضل الرسالة في آخر الآية نسبه إليه تشريفا، وتكريما، وتعظيما لجلال قدر النبي (صلى الله عليه وسلم) (وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿٦١﴾) بسبب إيذائه‫. يحلفون بالأيمان وبالله وبأغلظ الأيمان يحلفون بالله لكم لترضوا عنهم.
يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ ﴿62﴾
‫(يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ) إذاً فالأيمان، والحلف لإرضاء المسلمين (وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ) ، وحّد الضمير، فالتقدير (والله ورسوله أحق أن يرضوهما)، لكنه وحّد الضمير، فوقف أمامها علماء اللغة قال بعضهم‫: الكلام فيه تقديم وتأخير، والمعنى أو التقدير (والله أحق أن يرضوه ورسوله) أي والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، وقال بعضهم‫: بل وحّد الضمير لتلازم الإرضاءين، وقال بعضهم‫: بل ذكر الله هنا استفتاح كما تقول أصلحك الله، وقال بعضهم‫: بل الكلام عن الرسول (وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ) ، (وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ) ، (يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ) كل ذلك في شأن إيذاء الرسول‫. إذاً فالكلام عن الرسول والرضا هنا مقصود به رضا الرسول؛ إذ إن رضا الرسول هو رضا الله، ومن أرضى الرسول فقد أرضى الله من هنا وحّد الضمير(وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ) أي أحق أن يرضوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذ إن رضاء رسول الله يؤدي إلى رضاء الله، نعم هو الوسيلة تُرتجى إذ لولا رضاه لانعدم القبول.
‫(وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ ﴿٦٢﴾) أي إن كانوا مؤمنين حقاً لسَعَوْا إلى رضا الله، وإلى رضا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نزلت الآية تصدق غلاما من الأنصار مؤمنا، كان يجلس مع بعض الناس من المنافقين، فسمعهم يقولون‫: لو كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير، فانزعج الغلام وقال‫: والله إن ما يقول حقاً، وأنتم شر من الحمير، والله لأخبرن رسول الله، وذهب فأخبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بما سمع فذهبوا إليه، وحلفوا بالله ما قالوا، وحلفوا أن عاصما كاذب، ذلك الغلام من الأنصار وحلفوا أنه كاذب فقال الغلام‫: اللهم لا تفرّق بيننا حتى تظهر صدق الصادقين، وكذب الكاذب، فما برح الغلام مكانه حتى نزلت (وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌۭ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍۢ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿٦١﴾ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ ﴿٦٢﴾).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أيها الأخ المسلم حب الله، وحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حب النبي هو المؤدي إلى حب الله؛ إذ يستحيل أن يحب العبد ربه، إلا إذا أحب رسوله، هو الطريق، هو الباب، هو الذي عرّفنا ربنا، هو الذي عرّفنا ديننا، هو الذي بُعث رحمة لنا، فمعرفة قدر الرسول تؤدي إلى حبه، معرفة قدر فضله تؤدي إلى الولاء له، فإذا حدث الولاء لرسول الله، والوفاء لرسول الله، أخذ المرء بسنته، فإن أخذ بسنته، وعلم أن فيها الخير، بل فيها كل الخير، فاستمراره على العمل بسنة رسول (صلى الله عليه وسلم) يؤدي إلى أمرين‫: الأمر الأول‫: الحب، الأمر الثاني‫: الشفاعة، ذاك فضل العمل بالسنة، معنى العمل بالسنة‫: التقليد، متى يقلد المرء أحداً؟ إن أُعجب به يقلده، فإن حدث وتحرى العبد فعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) في مشيه، في عبادته، في سمته، في خلقه، في نومه في أكله، في ذكره تحرى السنة وقلد لابد أن يؤدي هذا التقليد للحب، فإن حدث وأحببته تمنيت رؤياه، وتمنيت الاجتماع به، ولما كان هذا من المستحيلات في هذه الدنيا تُمنح هذه الأمنية في الآخرة، فيسقيك من حوضه، ويظلك بلوائه، ويشفع لك عند ربه، بل وأن تحصل على شفاعته، بل وأن تحصل على جواره؛ إذ يُحشر المرء مع من أحب، وقد روي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال‫: (مَتَى أَلْقَى أَحْبَابِي؟ فَقَالَ أَصْحَابُهُ: بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمِّنَا أَوَلَسْنَا أَحْبَابَكَ؟ فَقَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابِي، أَحْبَابِي قَوْمٌ لَمْ يَرُونِي وَآمَنُوا بِي)، يَتَمَنَى أَحَدُهُمْ لَوْ يَرَانِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ.
‫يدافع ربنا (تبارك وتعالى) عن حبيبه، يرفع شأنه، ويعلي قدره، ويهدد ويتوعد أعداءه، ليس الذين حاربوه فقط، بل أولئك الذين يؤذونه، ولو بالقول، أو الغمز، أو اللمز يفضحهم يهتك أستارهم، ويكشف أسرارهم، وينزل الوحي بفضيحتهم، فيُتلى إلى أن تقوم الساعة يحكي عنهم‫: (وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌۭ) مقالة مجرد كلام باللسان، كلمة قد يعتبرها كلمة بسيطة، أو قليلة الشأن، وكم منّا يقولها عن غيره، لكن أن تقال الكلمة عن سيد الخلق، عن النور الكامل، عن خاتم الرسل والأنبياء، فلها شأن عظيم، وعقوبتها فوق كل خيال؛ لذا يرد الله (تبارك وتعالى) بداية، هو أذن نعم، لكن أذن خير رحمة، هو نعمة، هو فضل، رحمة للمؤمنين، يؤمن لهم ويصدقهم، ويصدِّق كل ما فيه خير لهم، ثم يأتي التهديد (وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿٦١﴾). ويأتي التساؤل فيه التوبيخ، وفيه التبكيت‫.‬‬‬‬‬‬
أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدًۭا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ ﴿63﴾
وقرأت (أَلَمْ يَعْلَمُوٓا) وكأن الخطاب لهم لإلقاء الرهبة، والهلع في قلوبهم‫. (أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدًۭا فِيهَا) ، فأن، فإن قراءتان، (ذَٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ (٦٣)).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫المحادة هو أن يقف العدو، أو المحادِدْ في حد غير حد صاحبه، كالمشاقة هو في شق، غير شق الآخر، يكون في مكان متباعد عن حد صاحبه‫. إذا المحادة قد تكون بمجرد الكلام، وإطلاق الكلام على عواهنه بإيذاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالقول فيه بما لا يجب، وبما لا يصح ، (مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدًۭا فِيهَا ) بمجرد الكلام، بمجرد القول، (ذَٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ (٦٣)).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الخزي‫: الفضيحة، العار، إذاً العذاب فيه إهانة، ليس عذابا شديداً فقط، ليس خلدا في جهنم فقط، بل هناك الفضيحة، والعار، والإهانة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫ويتحدث القرآن، وتحكي سورة التوبة، الفاضحة، المثيرة، المبعثرة، الحافرة، أو المحفِّرة عن المنافقين الذين اجتمعوا، وتضاحكوا، وتغامزوا، وقالوا‫: استهزاء، احذروا وحافظوا على كلامكم، وإلا يسمعنا رب محمد، وينزل في شأننا سورة، فيقول الله (تبارك وتعالى):‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌۭ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ ٱسْتَهْزِءُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌۭ مَّا تَحْذَرُونَ ﴿64﴾ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴿65﴾ لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍۢ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةًۢ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ ﴿66﴾
يسير نبينا (صلى الله عليه وسلم) في ركب من أصحابه في غزوة تبوك، والتي كانت أطول مسافة من غيرها من الغزوات، يسير جهادا في سبيل الله، ويجتمع المنافقون، ويتضاحكون، ويشيرون إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) قائلين‫: انظروا إلى هذا الذي يزعم أنه يقاتل بني الأصفر، ويفتح قصور الشام، هيهات هيهات‫. وينزل جبريل ويخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) بمقالتهم فيقول (صلى الله عليه وسلم): (احْبِسُوا عَلَيَّ الرَّكْبَ) فيقف الكل ويذهب إليهم، ويقول لهم‫: قلتم كذا، وقلتم كذا، فيقولون‫: يا رسول الله إنما كنا نتمازح، نسلِّي بعضنا بعضاً حتى نقطع الطريق، وتقصر علينا مسافته، فينزل القرآن (يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ) خبر، يخاف، الحِذر، وقد تُشكل الحَذر، الحِذر والحَذر توقع الشر، أو الاحتياط مما يتوقع، وقيل‫: إنها خبر لكن معناه الأمر، أي فلينتبه المنافقون، فليحذروا لئلا تنزل عليهم سورة، (عَلَيْهِمْ) أي في شأنهم، إذ ما نزل في شأنهم، وتُلي وقُرأ فكأنه نزل عليهم (يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌۭ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ ٱسْتَهْزِءُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌۭ مَّا تَحْذَرُونَ (٦٤)).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫مُظهر ما في قلوبكم، يبين ما انطوت عليه سرائركم، حاكيا عن أحاديثكم التي تكلمتم بها في السر.
‫(وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ) أخبرهم بما يقولون (لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ). الخوْض في الأصل‫: الدخول في الماء في المخاضة، استُخدم اللفظ بعد ذلك في كل دخول فيه تلويث، وأذى (كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴿٦٥﴾) ، تستهزئون بمن لا يصح الاستهزاء به، تستهزئون بمن يجب توقيره، وطاعته، وحبه.
‫(لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ) ومن هنا لا اعتذار لهم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫والاعتذار معناه‫: أن المعتذر أصبح ذا عذر، والاعتذار في الأصل‫: القطْع، والاعتذار معناه قطع الموْجِدة من صدر من تعتذر له، قطع ما وجَدَ في نفسه عليك، وغضب فقطْع الغضب، وقطْع ما وجده في نفسه عليك هو الاعتذار، أي تصبح ذا عذر فيما فعلت، فربنا يقول لهم (لَا تَعْتَذِرُوا) أي لن يقبل عذركم (قَدْ كَفَرْتُم) حكم عليهم بالكفر (بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ) هل كانوا مؤمنين؟ أبداً، وإنما قد كفرتم أي ظهر كفركم بعد زعمكم الإيمان، قد كفرتم أي ظهر كفركم بعد زعمكم الإيمان، قد كفرتم بعد إيمانكم الذي أظهرتموه؛ ولذا قال العلماء‫: الكفر قد يحدث بمجرد الكلام، ومن كفر جاداً كفر، ومن كفر هازلاً كفر، إذا كان الهزْل في الزواج جِد، والهزل في الطلاق جِد، والهزل في الرجعة جِد، والهزل في العتاق جِد، جدهن جد، وهزلهن جد، فكذلك الكفر بالله هزلاً جِد؛ لأنهم لا يخرج الأمر عن كونهم كانوا يتمازحون فعلا، ويستهزئون، ويتمازحون، حكم الله عليهم بالكفر، فإن كانوا جادين فقد كفروا، وإن كانوا هازلين فقد كفروا؛ لذا يجب على المسلم أن يحترس في كل ما يقول فيما يتعلق بتوحيد الله وصفاته، فيما يتعلق بجلال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكماله وسنّته، فيما يتعلق فيما عُلم من الدين بالضرورة، كمن يؤلف النكات، أو يمازح بنكات عن الملائكة، أو عن اليوم الآخر، أو عن الله، أو عن القضاء والقدر، أو عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كفر ولو كان مازحاً.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍۢ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةًۢ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ ﴿٦٦﴾) (نعف - يعف) (نعذب - يعذب) قراءتان.
‫قيل‫: المنافقون قسمان‫: قسم‫: كفر حقاً، وأظهر الإسلام، وأخفى الكفر كي يأمن على نفسه، وماله، ودمه، وكي يحصل على ما يحصل عليه المسلمون من غنائم وما إلى ذلك، والقسم الآخر من المنافقين‫: هو في شك، وتردد، فقال العلماء‫: هذا الذي في شك ربما يذهب عنه الشك، فيأتيه اليقين، ويفيق، فيتوب، فيتوب الله عليه، من هنا يقول الله (تبارك وتعالى) (إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍۢ مِّنكُمْ) من هؤلاء من الذين استهزأوا نعذب طائفة أخرى (بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ ﴿٦٦﴾) الذين أصروا على ما هم عليه، وقيل‫: إن بعض هؤلاء الذين مازحوا وقالوا، أعلنوا توبتهم بنزول الآية وحسنت توبتهم وصدق القرآن في شأنهم، أما رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بنزول الآية وحسنت توبتهم، وصدق القرآن في شأنهم، ثم يحدد ربنا (تبارك وتعالى) الناس بحسب عقائدهم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ﴿67﴾
منذ قليل، وقبل بضعة آيات، يحكي ربنا (تبارك وتعالى) عن المنافقين، فيقول (وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ) [سورة التوبة آية‫: ٥٦] ، فتأتي الآية لتبين ممن هم فيقول‫: (ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍۢ) أي ليسوا منكم، معنى هذا أنهم متشابهة قلوبهم كأبعاض الشيء الواحد، فالأبعاض بعضها من بعض، ما هي علامة النفاق فيهم؟ وما الصفات التي اشتركوا فيها؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا۟ ٱللَّهَ) تلك صفاتهم، (يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ) والمنكر‫: ما ينكره الشرع، والعقل، كل قبيح تستقبحه الفطرة السليمة، ويستقبحه الشرع‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ) والمعروف‫: ما عُرف حسنه بالشرع، والعقل، كل خير، كل طاعة، كل بر، فهُم ينهون عن الخير، ويأمرون بالشر‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ) والقبض، ضد البسط، قبض اليد كناية عن البخل والشح، كما أن بسط اليد كناية عن الكرم، والسخاء، والجود، أو يقبضون أيديهم عن الجهاد، والقتال مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(نَسُوا۟ ٱللَّهَ) أي تركوا أمره، وتركوا طاعته، كالناسي للشيء، نسوا الله، فعاملهم بمعاملتهم، فنسيهم من ثوابه، فنسيهم من فضله، فنسيهم من رحمته، أي تركهم وعاملهم معاملة المنسيّ، (نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ﴿٦۷﴾) الخارجون عن طاعة الله، والخارجين عن الدين، والإيمان‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وفسق‫: خرج، فسقت الرطبة‫: خرجت من قشرتها، ويأتي التهديد والوعيد:
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ هِىَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ ﴿68﴾
وعد بالخير وعدا، ووعد بالشر وعيدا، في الآية عقوبات متتاليت، كل عقوبة منها تفوق الأخرى‫. عذاب نار جهنم، وما أدراك ما نار جهنم! نار جهنم استغاثت من نفسها، وخرجت مستغيثة يا رب أكل بعضي بعضا، ولو نزلت قطرة من نار جهنم لهلكت السموات والأرض ومن فيهن (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ هِىَ حَسْبُهُمْ) كافيتهم، هي الكافية لهم، جزاءاً وفاقا لما فعلوه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ) اللعن‫: الطرد من الرحمة، ومن طُرد من رحمته فلن يدخلها أبداً (وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ (٦٨)) دار لا نهاية لها.
كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةًۭ وَأَكْثَرَ أَمْوَٰلًۭا وَأَوْلَـٰدًۭا فَٱسْتَمْتَعُوا۟ بِخَلَـٰقِهِمْ فَٱسْتَمْتَعْتُم بِخَلَـٰقِكُمْ كَمَا ٱسْتَمْتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَـٰقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ﴿69﴾
‫(كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) الأمثال بالتذكير، يذكّرهم ربنا بالقرى، والأقوام السابقة، والتي كانوا يمرون عليها في أسفارهم، كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة، ماذا كانت قوة العرب في ذلك الوقت؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫لا شيء، الفرس، الناقة، السيف، الدرع، النبل، يعيشون في الخيام أو في بيوت من لبن، فقراء لا زرع، وقليل من الضرع‫. أما الذين كانوا من قبلهم كانوا أشد قوة، وأكثر أمولا، وأولادا، فاستمتعوا بخلاقهم، الخلاق‫: الحظ، والنصيب، مشتق من الخلْق، والخلْق بمعنى التقدير؛ لأن كل حظ لك مقدّر، وكل نصيب لك مكتوب (بِخَلَـٰقِهِمْ) بحظهم، ونصيبهم من الدنيا (فَٱسْتَمْتَعْتُم بِخَلَـٰقِكُمْ كَمَا ٱسْتَمْتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَـٰقِهِمْ) استمتعتم أنتم أيضا بنصيبكم، وحظكم كما استمتع الذين من قبلكم بحظهم ونصيبهم (كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟) أي الخوْض في شأن الرسول، الذي فعلتموه يُشبه الخوْض الذي خاضوه في رسلهم، خضتم كالفريق الذين خاضوا، أو خضتم كخوضهم، فعلتم كما فعلوا بميثاقهم وكفرهم، قلدتموهم .
‫(أُو۟لَـٰٓئِكَ) إشارة لهؤلاء (حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ) بطلت أعمالهم (فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ) ما استفادوا بها في الدنيا، وما استفادوا بها في الآخرة (وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ﴿٦۹﴾) الذين خسروا أنفسهم وخسروا كل شيء‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَٰهِيمَ وَأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿70﴾
ألم يأتهم هذا النبأ، الخبر، والقصص، وكانوا يتناقلون القصص حتى من قبل البعثة، من قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) وكانوا يمرون عليها‫. قوم نوح أُغرقوا، عاد أهلكوا بالريح، ثمود أهلكوا بالصيحة، والمؤتفكات، قرى لوط التي قُلبت رأسا على عقب، كل هؤلاء أُهلكوا، فهل أغنت عنهم أموالهم شيئا‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ) بالدلائل الواضحات، بالمعجزات، الدالة على صدقهم، ومع ذلك كذبوهم من هنا يقول الله (تبارك وتعالى): (فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ) أي لم يعاملهم معاملة الظالم، فيعاقبهم بغير جُرم، بغير عقوبة أي يعذبهم من غير أن يرسل إليهم رسولا كقوله (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا (١٥)) [سورة الإسراء آية‫: ١٥]. (فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)) ، ويأتي المقابل، وبضدها تتميز الأشياء‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ﴿71﴾
في المنافقين قال (ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍۢ) [سورة التوبة آية‫: ٦٧].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وهنا قال (وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ) ما هو الفارق؟ المنافقون والمنافقات، وإن كانوا كأبعاض الشيء الواحد، لكن القلوب مختلفة، والمصالح متباينة، اجتمعوا على الكفر، واجتمعوا على إيذاء المسلمين، اجتمعوا على إيذاء رسول الله، فهُم متشابهون في الشر، مختلفون في القلوب، لا مودة بينهم، ولا رحمة، ولا حب، ولا تعاون، بل هم كالوحوش، بل كالحشرات المؤذية، المجتمعة على الإيذاء، المختلفة في المصالح والأهداف، أما المؤمنون، فبعضهم أولياء بعض، كل منهم يتولّى أمر أخيه، فهُم قلوبهم مؤتلفة، مصلحتهم واحدة، كلهم على قلب رجل واحد، كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى، والسهر، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫فيبشر ربنا (تبارك وتعالى) المؤمنين، والمؤمنات، ويبين أن الإيمان صفة، ورزق، ورباط يربط المؤمنين بعضهم ببعض، إذاً في المجتمع المؤمن لن تجد مظلوما، لن تجد فقيراً، لن تجد محتاجاً يتكفف الناس، لن تجد حسداً، ولا بغضاً ولا كراهية، المجتمع المؤمن، الفاضل يشبه مجتمع الجنة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّۢ) [سورة الأعراف آية‫: ٤٣] لا غِلّ، لا حسد، لا حقد، لا غش، لا تباغض، لا تدابر، بل الكل في الله أخوة، الكل يرعي الكُل، الكبير يعطف على الصغير، والغني يعطف على الفقير وهكذا.
‫ما هي صفات المؤمنين؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ)، أول صفة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأنه يجعل المجتمع مجتمعا صالحا لا منكر فيه، وأن عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفسد المجتمع، وإن فسد المجتمع، كثر الشرار، وإن كثر الأشرار، هلك الصالحون (لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ شِرَارَكُمْ عَلَى خِيَارَكُمْ، فَيَدْعُو خِيَارَكُمْ فَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ)، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يدخل فيه كل ما هو رحمة، وتعاون على البر والتقوى؛ لأن من الأمر بالمعروف، أن تأمر الغني أن يتصدق على الفقير، من الأمر بالمعروف أن تأمر الناس بإماطة الأذى عن الطريق، من الأمر بالمعروف أن تنهى الناس عن الإيذاء وهكذا‫...‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وهم في هذا مواظبون على الطاعة، يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، الصلاة أشرف الأعمال البدنية، والزكاة أشرف الأعمال المالية (يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ) يطيعون الله في كل ما أمر، ويطيعون الرسول في كل ما سنّ.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(أُو۟لَـٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ) السين داخلة في الوعد، قيل لتفيد المهلة، السين يقال في اللغة أنها للتسويف، فالسين داخلة في الوعد، بإعطائه مهلة كي تتلذذ أيها المؤمن بالرجاء في الله، وانتظار نعمته، وقيل‫: إن السين مؤكدة للوعد‫ (إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ﴿۷١)).
‫عزيز‫: غالب، يفعل ما يريد، لا يُقهر، ولا يُغلب، حكيم يضع الأشياء في مواضعها الصحيحة.
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَـٰكِنَ طَيِّبَةًۭ فِى جَنَّـٰتِ عَدْنٍۢ ۚ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴿72﴾
‫(وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ) واستمع للوعد، سل لله أن يجعلك من الموعيدين، والواعد هو الله القادر على تحقيق وعده، الصادق فيما يقول، ومن أصدق من الله حديثا لا أحد (جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَـٰكِنَ طَيِّبَةًۭ فِى جَنَّـٰتِ عَدْنٍۢ ۚ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ (٧٢)) إذاً هي جنات، وقد استُشهد غلام في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجاءت الأم تبكي وتولول لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وَتَسْأَلُ: (يَا رَسُولَ اللَهِ فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ وَاحْتَسَبْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ فِي الْبُكَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): إِنَّهَا جِنَانٌ فِي جَنَّةٍ وَإِنَّهُ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى) جنات‫: جمع جنة، وليس للمؤمن جنة، بل للمؤمن جنات، جنتان، زواتا أفنان، فيهما عينان تجريان، وجنتان مدهامتان، فيهما عينان نضاختان‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا) ولا نعرف كيف تجري من تحتها، قال العلماء والمفسرون‫: أي تجري خلالها، من بعض الأوصاف أن الأنهار في الجنة غير أنهار الدنيا، لا في الطعم، ولا في اللون، ولا في الشكل، ولا في الشواطيء، وفي القاع، ولا في أي شيء، ما في الجنة من دنياكم إلا الأسماء، لكن مما سمعنا أن أنهار الجنة لا تجري إلا بأمر صاحبها، وأنها تسير معه حيث سار، قالوا‫: تجري من خلالها ولكن الله يقول‫: (تَجْرِى مِن تَحْتِهَا) ولو كانت خلالها لقال خلالها كما قال‫: (وَفَجَّرْنَا خِلَـٰلَهُمَا نَهَرًۭا (٣٣)) [سورة الكهف آية‫: ٣٣].
‫(جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَـٰبٍۢ وَحَفَفْنَـٰهُمَا بِنَخْلٍۢ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًۭا (٣٢)) [سورة الكهف آية‫: ٣٢] ، (خَـٰلِدِينَ فِيهَا) والخلود هنا معناه المُكث الطويل الذي لا نهاية له، ولا حدود (وَمَسَـٰكِنَ طَيِّبَةًۭ) ما هي المساكن الطيبة؟ هل هي قصور من الياقوت والزبرجد كما قالوا؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أم هي المساكن من السكون، والسكون والسكينة كلنا يعرفها (طَيِّبَةًۭ) قالوا‫: يطيب فيها العيش، وتطيب بها النفس، ويُشم طيبها على مسيرة خمسمائة عام، أوصاف لكن ما في الجنة إلا الأسماء، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(فِى جَنَّـٰتِ عَدْنٍۢ) جنات وليست جنة وإن جاءت كلمة جنة مفردة فهو اسم جنس لأن العدد لا يخطر على بال، عدد المصابيح، النجوم لكي تنير فقط بلايين البلايين التي لا عد لها ولا حصر، (وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ (٢)) [سورة التكوير آية‫: ٢] ، فكيف بالجنات، كيف يكون عددها؟ عدن‫: الإقامة عَدَنَ بالمكان، أقام به إقامة مستديمة، ومنه المعدن لبقائه في باطن الأرض؛ لذا عدْن‫: أي الإقامة الدائمة المستديمة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ) أكبر من كل ذلك‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴿۷٢﴾) إشارة لكل ما قيل هو الفوز العظيم، وما بعد ذلك من فوز، يروي أن الله (تبارك وتعالى) ينادي (يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ، فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لا نَرْضَى، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالُوا‫: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫فلا تزال الآيات من سورة التوبة، تفضح المنافقين، تهتك أستارهم، وتكشف أسرارهم، ولشدة خطر المنافقين على الأمة ضمهم ربنا (تبارك وتعالى) مع الكافرين في حزب واحد، وأمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يجاهدهم كما يجاهد الكافرين، ولكن كيف يكون الجهاد؟ المجاهر بكفره يُجاهد بالسيف، أما من أعلن الإسلام بلسانه، وانطوى صدره على الكفر، مجاهدته بالسيف ممنوعة؛ إذ لم نؤمر بالتفتيش على قلوب العباد، والقول باللسان، والشهادة باللسان، تعصم القائل، تعصم دمه، وتعصم ماله؛ لذا يقول الله (عز وجل) لنبيه (صلى الله عليه وسلم):‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴿73﴾
قرن بين المنافقين والكفار في المصير، لكن الجهاد يختلف، ومن المعلوم من آيات أخرى، ومن سنّة المختار (صلى الله عليه وسلم) يُفهم اختلاف الجهادين، ويصبح المعنى‫: يا أيها النبي جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالحجة، بإلزامهم الحجة، بالمنطق، بالتخويف، بالتحذير، وليس بالسيف، فالسيوف أربعة‫: سيف للكفار، وسيف لأهل الكتاب، وسيف لناقض العهود، وسيف لمن بغى (فَقَـٰتِلُوا۟ ٱلَّتِى تَبْغِى) [سورة الحجرات آية‫: ٩].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، وقتال الكفار والمشركين حتى يُسلموا‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ) والغلظة‫: شدة القلب على إحلال الأمر بصاحبه، بمعنى لو تقررت عقوبة، أو تقرر حداً على مرتكب لجريمة، وجب أن يقام الحد، بغير عطف، بغير شفقة، فالغلظة المطلوبة هي شدة القلب في إقامة الحدود، وفي إقاع العقوبة بمن يستحق، واغلظ عليهم سواءاً من جاهدتهم بالسيف، وهم الكفار، ومن جاهدتهم باللسان، والحجة، والبرهان، وهم المنافقين، ومن ارتكب منهم جريمة، وجب أن يقام عليه الحد بقوة، وبغلظة دون رحمة، ودون رأفة لقول الله (عز وجل) في إقامة الحدود‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍۢ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌۭ فِى دِينِ ٱللَّهِ) [سورة النور آية‫: ٢] (وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَىٰهُمْ) مصيرهم (جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴿۷۳﴾) ساء مصيرهم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟ وَلَقَدْ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُوا۟ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟ ۚ وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ ۚ فَإِن يَتُوبُوا۟ يَكُ خَيْرًۭا لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا۟ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ ﴿74﴾
‫‫(يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا) في آيات سابقة، فُضح أحد المنافقين الذي قال‫: لئن كان ما يقوله محمد حقا لنحن أشر من الحمير، وبلغت النبي (صلى الله عليه وسلم):‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ ﴿٦٢﴾) ها هم آخرون يحلفون، من هؤلاء؟ في غزوة تبوك اجتمع بعض المنافقين، وسبوا النبي (صلى الله عليه وسلم) بعضهم قال‫: هذه المقالة، والذي قيل إنه الجلاس‫: (لئن كان ما يقوله محمد حقا)، وبعضهم تآمروا على قتله، واجتمعوا، وكانوا اثنى عشر نفراً إذا علا عقبةً دفعوه من على راحلته حتى يهوي ميتاً، وبعضهم قرر أن يولّيِ (عبد الله بن أُبيّ بن سلول) مُلك المدينة، ويتوجونه بعد العودة، وبعضهم استهزأ قائلا‫: يزعم هذا أنه يفتح قصور الشام، ويجاهد بني الأصفر، وبعضهم وهو شيخهم (عبد الله بن أبي بن سلول) قال مقالة الكفر والسوء حيث قال‫: ما مثلنا ومثَل محمد إلا كمثل القائل‫: سمِّن كلبك يأكلك، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫حين بلغت هذه المقالات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قالوا‫: لم يحدث، وأنكروا مقالتهم، وحلفوا بأغلظ الأيمان ما قالوها، فنزل الوحي يكذبهم ‫‫(يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا) هذه المقالات التي بلغت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (وَلَقَدْ قَالُوا۟) أكذبهم الله، عز وجل، واعتبرهم كفاراً بكلمتهم هذه (وَلَقَدْ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ) هم لم يقولوا كلمة الكفر، هم لم ينكروا وجود الله، لم يشركوا مع الله شيئا، وإنما استهزأوا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) قالوا فيه ما لا يصح، وما لا يجب، فاعتُبر هذا القول كفر صريح بواح، حين يقول‫: (لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ) [سورة المنافقون آية‫: ٨].
‫ماذا يقصد، ومن الأعز ومن الأذل؟ (وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [سورة المنافقون آية‫: ٨] إذاً فقد أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أنكر أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؛ ولذا قال العلماء‫: من أنكر معلوما من الدين بالضرورة كفر، ومن استهزأ بنبي من الأنبياء، ومن استهزأ بكتاب من كتب الله كفر، ها هم المستهزئون بالنبي (صلى الله عليه وسلم) شهد الله عليهم بكفرهم، بل وحذرهم وتوعدهم في مواضع، وتكلم عن الإيذاء‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ) [سورة التوبة آية‫: ٦١]. تكلم عن الإيذاء في مواضع أخرى وقرر ربنا، تبارك وتعالى، لعنهم في الدنيا والآخرة، وألحق المؤمنين بسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) فقال‫: (إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا ﴿٥۷﴾ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُوا۟ فَقَدِ ٱحْتَمَلُوا۟ بُهْتَـٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا ﴿٥۸)) [سورة الأحزاب آية‫:٥٧ ‫: ٥٨].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟ وَلَقَدْ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُوا۟ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ) هل كانوا مسلمين أم كانوا منافقين؟ كانوا منافقين، لكنهم أظهروا الإسلام، خداعاً، ونفاقاً، وكذباً، ففضحهم الله (تبارك وتعالى) ولم يقبل إسلامهم المزعوم، أي كفروا بعد إسلامهم المزعوم‫: بعد إسلامهم الذي أعلنوه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟) الهمّ: العزم على الفعل، همُّوا بقتل النبي (صلى الله عليه وسلم) فكشفهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسمع حذيفة بن اليمان، كان يسير معه، سمع قعقعة سيوفهم، ووقع أقدام رواحلهم، فصرخ فيهم، فهربوا، ولم يتمكنوا من قتل النبي (صلى الله عليه وسلم) وسرت إشاعة بأن النبي سوف يقتل عبد الله بن أبي بن سلول الذي قال‫: (لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ) [سورة المنافقون آية‫: ٨].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫فجاء ابنه، وكان من الصالحين عبد الله بن عبدالله بن أبي قال‫: (يَا رَسُولَ اللَهِ إِنْ كُنْتَ قَاتِلا أَبِي فَمُرْنِي أَنَا بِقَتْلِهِ، فَقَالَ النَّبِيُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): لَا بَلْ نَصْبِرُ عَلَيْهِ)، وحين همُوا بدخول المدينة، ذهب عبد الله بن عبدالله لأبيه، وقال‫: والله لن تدخلن المدينة حتى تُقر من الأعز ومن الأذل، الإيمان الراسخ القوي، لكن البر موجود؛ ولذا حين مرض هذا المنافق ذهب ابنه إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يرجوه أن يستغفر له، بل وحين مات ذهب لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليرجوه أن يعطيه قميصه فيكفنه فيه، واستجاب رسول الله، وأعطاه قميصه، بل ورجاه أن يصلي عليه.
‫(وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟) لم يتمكنوا من قتل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يتمكنوا من تتويج عبد الله بن أبي بن سلول، لم يتمكن الجلاس الذي قال عن نفسه أنه أشر من الحمير، إن كان ما يقال حقا همّ بقتل الغلام الذي أبلغ النبي (صلى الله عليه وسلم) بمقالته، ولم يُمّكن منه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَمَا نَقَمُوٓا۟) نَقِمَ، ينقَم، ونَقَمَ ينقِم‫: كره، وغضب غضبا شديداً، ووجد في نفسه، فما الذي وجدوه في نفوسهم؟ ما الخطأ الذي حدث؟ ما الذنب الذي ارتكبه رسول الله معهم؟ ما الداعي لنقمتهم؟ واسمع (وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫هذا سبب نقمتهم وصدق القائل، اتق شر من أحسنت إليه، ليس هناك سبب يدعوهم للنقمة، ليس هناك ذنب ارتكبه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليس هناك داع لكل ما فعلوه من مكر، وخديعة ونفاق إلا أن الله أغناهم، كانوا فقراء، ما ركبوا الأفراس أبداً، وما ذاقوا طعم الغنائم، أغناهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالغنائم، والديات، وأعطاهم، ووسع الله عليهم، هذا هو سبب نقمتهم، والكلام فيه المدح، أي أن لا عذر لهم، ولا ذنب ارتكب، بل الإحسان، ومع كل ذلك، ومع هذه الجرائم الشنعية، يفتح الرحمن الرحيم باب التوبة لهم فيقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(فَإِن يَتُوبُوا۟ يَكُ خَيْرًۭا لَّهُمْ) ما أعظم حلمه (وَإِن يَتَوَلَّوْا۟) أي يعرضوا عن التوبة، وعن الطاعة، وعن الإيمان الحق، (يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًۭا فِى ٱلدُّنْيَا) ، بالقتل، والأسْر، (وَٱلْـَٔاخِرَةِ) ، بالنار وبئس القرار، وسُخط الجبار، وما لهم في الأرض من وليّ يتولى أمورهم أو يحميهم، ولا نصير يمنع عنهم العذاب‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وتنتقل الآيات لحكاية أخرى، رجل، وقد ورد في كتب التفسير اسما له، ونحن نعتقد أن ذاك من الخطأ الشنيع، فقد أوردوا اسم رجل من الأنصار شهد بدراً، ومن شهد بدراً فقد غُفر له - ثعلبة بن حاطب - وقال بعضهم‫: بل هو حاطب بن بلتعة، والاثنان بدريان أنصاريان وانتبهوا لهذا الخطأ، هو رجل جاء هذا الرجل - كان فقيرا - لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال‫: (ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي مَالًا، قَالَ: " وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تُطِيقُهُ "، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي مَالًا، قَالَ: " وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ، أَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ لَئِنْ سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُسِيلَ لِيَ الْجِبَالَ ذَهَبًا وَفِضَّةً لَسَالَتْ "، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي مَالًا، وَاللَّهِ لَئِنْ آتَانِي اللَّهُ مَالًا لَأُوتِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، وأخذ يراجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ الرَّسُولُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ): " اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مَالًا، اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مَالًا، اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مَالًا ". قَالَ: فَاتَّخَذَ غَنَمًا فَنَمَتْ كَمَا تَنْمُو الدُّودُ حَتَّى ضَاقَتْ عَنْهُ أَزِقَّةُ الْمَدِينَةِ فَتَنَحَّى بِهَا، فَكَانَ يَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَيْهَا، ثُمَّ نَمَتْ حَتَّى تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ مَرَاعِي الْمَدِينَةِ، فَتَنَحَّى بِهَا فَكَانَ يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَيْهَا، ثُمَّ نَمَتْ فَتَنَحَّى بِهَا فَتَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَاتِ، - وحين حلّ موعد جمع الصدقات - الزكاة المفروضة - اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) عَلَى الصَّدَقَاتِ رَجُلَيْنِ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَرَجُلًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَكَتَبَ لَهُمَا سُنَّةَ الصَّدَقَةِ وَأَسْنَانَهَا، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُصَدِّقَا النَّاسَ وَأَنْ يَمُرَّا بِثَعْلَبَةَ فَيَأْخُذَانِ مِنْهُ صَدَقَةَ مَالِهِ، فَفَعَلَا حَتَّى دَخَلَا إِلَى ثَعْلَبَةَ فَأَقْرَيَاهُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَ، صَدِّقَا النَّاسَ فَإِذَا فَرَغْتُمَا فَمُرَّا بِي فَفَعَلَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا هَذِهِ إِلَّا أُخَيَّةُ الْجِزْيَةِ ، - فراجعوه، فقال‫: دعوني أنظر رأي وصرفهم، فمروا على الناس، وجمعوا الزكاة، وعادوا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأخبره بمقالة هذا الرجل، ومرت أيام، وجاء الرجل بمال أو بزكاته، فأبى أن يأخذها النبي، صلى الله عليه وسلم، قائلا‫: إِنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ مِنْكَ صَدَقَتَكَ ، فَجَعَلَ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ )صَدَقَةً حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، ثُمَّ أَتَى أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، قَدْ عَرَفْتَ مَوْقِفِي مِنْ قَوْمِي وَمَكَانِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فَاقْبَلْ مِنِّي، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى عُمَرَ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ)، في هذا الرجل، وفي غيره نزل قول الله (عز وجل) (وَمِنْهُم) من المنافقين، والسورة فيها الكثير، ومنهم، ومنهم، حتى خشى ابن عباس قال‫: خشيت، وخشينا من كثرة الفضائح في هذه السورة، حتى خشينا أن يصيبنا شيء‫.‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمِنْهُم مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَىٰنَا مِن فَضْلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿75﴾ فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضْلِهِۦ بَخِلُوا۟ بِهِۦ وَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ﴿76﴾ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًۭا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُۥ بِمَآ أَخْلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ ﴿77﴾
‫(عَـٰهَدَ ٱللَّهَ) ومعاهدة الله (تبارك وتعالى) هو العزم، والنية، واختلف العلماء، وقال بعضهم‫: من نوى وعاهد في أمر لا يلزم وجود غيره معه أي لا يتعلق بالغير يلزمه هذا العهد والنية، وقال البعض‫: بل لا يلزم إلا إذا تلفظ بالكلام (وَمِنْهُم مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَىٰنَا مِن فَضْلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (٧٥)) ننفق في الخير، ننفق في الصالحات، نتولى الفقراء، نخرج الزكاة، وهكذا (فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضْلِهِۦ بَخِلُوا۟ بِهِۦ وَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ (٧٦)) آتاهم ربنا من فضله، فبخلوا بالحق، بخلوا بالواجب، امتنعوا عن أداء ما يجب، امتنعوا عن إخراج الحق، وانصرفوا وهم معرضون عن أمر الله (عز وجل) معرضون عن إرضاء الله (عز وجل) وإطاعة أمره‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًۭا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُۥ بِمَآ أَخْلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ (٧٧)) أعقبهم أي صارت عاقبتهم (نِفَاقًۭا فِى قُلُوبِهِمْ) ، وهل يكون النفاق في غير القلوب؟ من هنا يتضح لنا أن النفاق نفاقان‫: نفاق في القلوب، ونفاق في الأعمال، أما النفاق الذي في القلوب، فهو الكفر، وأما النفاق الذي في الأعمال، فهو الرياء، وهو المعاصي، النفاق في القلب كفر (إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ) [سورة النساء آية‫: ١٤٥]، أما النفاق في الأعمال فهو أن يعمل الرجل عملا يرائي به، فالنفاق في الأعمال معصية رياء، أما النفاق في القلب فهو الكفر، من هنا كانت خطورة العقوبة، فأعقبهم نفاقا في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه من عهد (لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (٧٥)) [سورة التوبة آية‫: ٧٥] وبما كانوا يكذبون في وعدهم، والخلف في الوعد معصيتان‫: معصية الخلف، ومعصية الكذب، الخُلف في الوعد نوع من أنواع الكذب؛ لذا قال‫: (بِمَآ أَخْلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ ﴿۷۷﴾) إذاً فهي جريمتان‫: جريمة الكذب، وجريمة الخُلف (إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ) ضمير يلقونه على ماذا؟ يلقون الله بالموت، إن كان كذلك، فقد ماتوا على الكفر، أو يلقون جزاء بخلهم، ثم يتوجه الخطاب لهم بالتبكيت، والتوبيخ‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ ﴿78﴾
قرأت (ألم تعلموا) السر‫: الحديث المكتتم في النفس، النجوى‫: أن يأخذ الرجل رجلا أو جماعة يتحدثون سراً بينهم، والنجوى مأخوذة أصلا من كلمة نجوة بالتاء المربوطة، والنجوة المرتفع من الأرض، المنفصل بارتفاعه عمّا سواه، فالأصل أن ينتجى الرجل بآخر مكانا بعيدا، منفصلا عن الناس حتى يُسِّر إليه بالحديث، فعُبر عن هذا بالنجوى.
‫ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم، ما انطوت عليه صدورهم، حديث نفوسهم (وَنَجْوَىٰهُمْ) الحديث السري بينهم وبين بعض (وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ (٧٨)) كل ما غاب عنك، وعن غيرك عند الله مشهود معلوم، فالله (تبارك وتعالى) علام الغيوب.
‫أيها الأخ المسلم، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا، اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) من هنا يتبين لك أن النفاق إن كان في القلب فهو الكفر، وإن كان في الأعمال، فالأمر يختلف، فإن اجتمعت هذه الصفات الأربع في شخص، كان منافقا خالص النفاق، واشترطوا في وقوع هذه الصفة على الشخص أن يكون دأبه هذا‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫فقد يخلف الإنسان وعده عن غير قصد، وقد يكذب الإنسان مضطراً، وقد، وقد، فهل يُحكم عليه بالنفاق إلى الأبد؟ قالوا‫: هذا الذي عاهد، فغدر حين عاهد كان ينوي الغدر، الذي وعد فأخلف حين وعد ينوي الخلف، أما من وعد، وهو ينوي الوفاء، فأخلف عن غير عمد، أو لسبب، أو لعذر طارئ، فلا يندرج تحت هذا الحكم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫التمني نوعان‫: تمني لأمور الآخرة، وتمني لأمور الدنيا، أما التمني في أمور الآخرة، فمباح، ومفتوح على مصراعيه، تمنى ما شئت، تمنى على الله أن تكون من الصالحين، تمنى على الله أن يُختم لك بخاتم السعادة، تمنى على الله أن يُحشر في زمرة الأبرار، تمنى على الله أن تُحشر تحت لواء المختار، تمنى على الله أن تُسقى من فيض حوضه، كل ذاك مباح، بل مطلوب، أما التمني لأمور الدنيا، ففيه الخطورة؛ لأن العواقب غير مضمونة، والدنيا مخاطر، والعواقب فيها غير مأمونة؛ لذا ورد في الخبر، وإن كان البعض اعتبره حديثا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) (إِذَا تَمَنَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَنْظُرْ مَا يَتَمَنَّى، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْ أُمْنِيَّتِهِ) ها هو الرجل تمنى المال، تمنى الغنى، عاهد الله لن أتانا من فضله لنصدقن، ولنكونن من الصالحين، فلما نال أمنيته، أو تحققت هذه الأمنية بخل؛ من هنا علمنا شيوخنا أن نفوض الأمر لله، وألا نتمنى أمراً من أمور الدنيا، بل نَسَل الله الاختيار (اللَّهُمَّ خِيرْ لَنَا، وَاخْتَرْ لَنَا، وَاخْتَرْ لَنَا الخَيْرَ كُلَّهُ، وَأَرْضِنَا بِهِ) فقد جاء ذم التمني لأمور الدنيا في القرآن في أكثر من موضع (وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ) [سورة النساء آية‫: ٣٢]. وفي توجيه النبي، (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ (١٣١)) [سورة طه آية‫: ١٣١].
‫التمني لأمور الدنيا فيه الخطورة؛ لأنك لا تدري أين الخير (وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ) [سورة البقرة آية‫: ٢١٦].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫من هنا نصحنا الشيوخ مراراً وتكرارا إياك والتمني لأمور الدنيا، ما جاءك من الله فاشكر، وارضى، واعلم أن فيه الخير، وإياك أن تطمع، أو تستشرف فيما ليس لك؛ إذ إن الدنيا بما فيها فتنة وامتحان، فإذا كان الولد فتنة، وإذا كانت الزوجة فتنة فما بالك بغيرهما، (وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ) [سورة الأنفال آية‫: ٢٨] بل يقول‫: (إِنَّ مِنْ أَزْوَٰجِكُمْ وَأَوْلَـٰدِكُمْ عَدُوًّۭا لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ) [سورة التغابن آية‫: ١٤].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الزوجة التي تحتضنها وتنام معك في فراش واحد، وتأكل معها في إناء واحد، الولد الذي خرج من صلبك فتنة، المال فتنة، امتحان، فكل أمور الدنيا فتنة، وامتحان، فإذا تمنيت منها شيئا إذا فقد دخلت امتحانا، لا تدري ناجح أنت فيه، أم واقع في المهالك‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫دعا النبي (صلى الله عليه وسلم) أصحابه للصدقة، ودعاهم للإنفاق للجهاد، وغزوة تبوك التي نزلت فيها السورة غزوة العسرة في ضنك في شدة كما قلنا في قيظ، في صيف، حين دعاهم، جاء عبد الرحمن بن عوف بنصف ماله، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) بارك الله لك فيما أعطيت، وفيما أمسكت، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر، كلٌ يأتي بما يستطيع، وجلس المنافقون يراقبون، واللسان وما أدراك ما اللسان، صغير حجمه، عظيم جرمه، العضو الوحيد في جسم الإنسان، الذي لا يكلِّ، ولا يملّ، ما من عضو إلا ويكلِّ إلا اللسان، رحم الله امرءاً سكت فغنم، أو تكلم فسَلِم، جلس المنافقون يعلقون، ويقولون هذا الذي أنفق وجاء بأربعين أوقية من ذهب، وجاء بنصف ماله ما فعل ذلك إلا رياءاً، وإن الله لغني عن صدقة أبي عقيل، فلم يرضيهم المتصدق بكثرة، ولم يرضهم المتصدق بقلة، هذا جاء بما يقدر عليه، وهذا لم يجد إلا جهده، فسخروا من هذا، وسخروا من هذا فتنزل الآيات تفضحهم‫.‬‬
ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿79﴾
‫(جُهدهم - جَهدهم) قراءتان‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وتأمل في الآيات، السخرية بالمؤمن كفر، من سخر برسول الله مات كافراً ما لم يتب، ها هم الساخرون من المؤمنين، وتأمل كيف حمى الله المؤمنين، وكيف دافع عنهم، وكيف أعزهم، ونصرهم، وكيف كبت أعداءهم، وكيف جعل عاقبتهم الخسران‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫اللمز‫: السخرية، كالغمز بالعين، قيل اللمز في المواجهة، والهمز في الغيبة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ) أي المتطوعين، وأدغمت التاء في الطاء‫. والمتطوع‫: الذي يفعل الشيء تبرعا من غير أن يجب عليه‫. (ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ) أي العيب، واللمز، والسخرية في الصدقة التي جاءوا بها (وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) كذلك جهد في الأمر‫: اشتد، الجهد الطاقة، الجهد‫: ما تستفرغ فيه الطاقة أقصى ما تستطيع، الذين لا يجدون إلا جهدهم، هؤلاء الذين أنفقوا من قلة (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ) هذه الآية من المتشابهات‫. ربنا (تبارك وتعالى) لا يسخر سبحانه وتعالى (عز وجل) وتعالى علواً كبيرا ليس كمثله شيء، وإنما المقصود أن الله جازاهم على سخريتهم، كقوله‫: (يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ) [سورة النساء آية‫: ١٤٢]، هنا كذلك أي عاملهم معاملة من يسخر، فأمهلهم، وأدخلهم في دائرة حلمه، حتى فاجأهم الموت، فأخذهم، ولم يفلتهم، ثم أدخلهم في جنهم، وبئس القرار(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)) والتنكير للكلمة لإفادة التهويل‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةًۭ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴿80﴾
‫‫(ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ) فعل أمر، فهل أُمر النبي بالاستغفار لهم؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أبداً، الفعل فعل أمر، والمعنى خبر‫(ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) كقوله‫: (قُلْ أَنفِقُوا۟ طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا) [سورة التوبة آية‫: ٥٣]، اللفظ لفظ الأمر والمعنى الخبر، استغفر لهم، أو لا تستغفر لهم، أي يستوي استغفارك، وعدمه (إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةًۭ) السبعون لبيان الكثرة السبعة، ومضاعفات السبعة في لغة العرب تفيد الكثرة كقوله‫: (ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍۢ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًۭا فَٱسْلُكُوهُ (٣٢)) [سورة الحاقة آية‫: ٣٢]؛ لأن السبعة في العدد من أيام الجاهلية، وهي تحتوي على مكونات الأعداد كلها، فاعتبروا السبعة غاية، أو جامعة لمكونات الأعداد، ومضاعفاتها تفيد الكثرة، وقد فُهم كما قيل إن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال‫: (لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا) لكن المقصود بالسبعين هنا مجرد الكثرة، كقول النبي، صلى الله عليه وسلم‫: (إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ) في الجزاء على الصدقة، فمهما استغفرت من عدد لن يغفر الله لهم، والحنان الرباني هنا، والتنبيه والبيان بأن عدم المغفرة، وعدم قبول الاستغفار من سيد الخلق، ليس لقصور فيه، ولا لبخل من الله، وإنما لأنهم هم لا يجدي معهم الاستغفار، ولا ينفع فيهم؛ لأن القلوب انطوت على الكفر، عاشوا عليه، وماتوا عليه، فكيف يجدي الاستغفار كمن تقرر موته، وجاء أجله هل يفيد فيه الدواء:
‫إن للطبيب علما يُدلي به ‫.. مادام في أجل الإنسان تأخير‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫فإذا انقضت أيام مهلته .. حار الطبيب وخانته العقاقير‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫لذا يبيّن ربنا (تبارك وتعالى) أن عدم قبول الاستغفار ليس لقصور في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وليس لبخل من الله، وإنما لأنهم لن يجدي معهم ذلك؛ لذا يقول‫: (إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةًۭ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ) هذا هو السبب هذه هي العلة، (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴿۸۰﴾).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أيها الأخ المسلم الاستغفار متى يجدي؟ ودعاء الصالحين متى يجدي؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫استغفار النبي (صلى الله عليه وسلم) يُشترط فيه أمور‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الأمر الأول‫: ألا يكون قد علم أن المستغفَر له ميت على الكفر، لقول الله (عز وجل) (مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ (١١٣)) [سورة التوبة آية‫: ١١٣] ؛ لذا يستغفر الابن لأبيه المشرك طالما كان حياً، فإن مات على كفره منع من الاستغفار‫. ذاك شرط.
‫الأمر الثاني‫: أن من تدعوا له أو تستغفر له يكن لديه الاستعداد للإقلاع عما هو فيه الاستعداد للتوبة، فإن كان الأب صالحا، والابن غير صالح مطلوب من الأب أن يدعو، ويسأل الله الرجاء في الله، فإذا استغفر لابنه لابد، وأن يكون للابن استعداد في الإقلاع، فيقبل استغفار الأب يتضح هذا في الأمور والآيات كقول الله، (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًۭا (٦٤)) [سورة النساء آية‫: ٦٤] ومنه قول يعقوب لبنيه:
‫(قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِـِٔينَ ﴿۹۷﴾قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىٓ) [سورة يوسف آية‫:٩٧ ‫: ٩٨] ، إذاً كي يفيد الاستغفار لابد وأن يكون الشخص راجيا في الصلاح، أو آملا في التوبة، أو ناوياً على ذلك، أما يستغفر المؤمن لمن مات على الكفر، فذاك ممنوع، فإن استغفر للعاصي ولغير الصالح مباح، ولكن هل يُقبل ذاك هو السؤال متى يُرفض؟
‫إذا كان المستغفَر له مصرٌ على ما هو فيه من معصية الله غير ناوٍ للتوبة من هنا يتبين ذاك في قوله (عز وجل) (وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴿۸۰﴾) أي لا يوفقهم للتوبة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫والفسوق هنا بمعنى الخروج عن الإيمان، وليس خروج عن الطاعة، والفسق هنا هو الكفر، فلا يهديهم ربنا أي لا يوفقهم للتوبة، ولا يُقبل استغفاره؛ لأنهم قد حُكم عليهم بالكفر لسوء طويتهم، وإصرارهم على الاستهزاء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وبالمسلمين، وبالمؤمنين‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أيها الأخ المسلم من أخطر الأمور على الإطلاق أن يسخر الإنسان من إنسان، وقد بيّن الله (تبارك وتعالى) ذلك قائلا‫: (لَا يَسْخَرْ قَوْمٌۭ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًۭا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌۭ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ) [سورة الحجرات آية‫: ١١].
‫والغريب التأكيد على النساء اللاتي دخلن في قوله‫: (لَا يَسْخَرْ قَوْمٌۭ مِّن قَوْمٍ) (قوم) رجال ونساء، لكن التأكيد على النساء؛ لبيان أن النساء من طبعهن السخرية، أي السخرية في النساء أكثر منها في الرجال من هنا أكبر المخاطر أن تسخر من غيرك؛ لأن من سخر من غيره، إما يكون الغير أفضل عند الله، وإما أن يصير أفضل عند الله بسبب سخرية الآخر؛ لذا يقول ربنا‫: (لَا يَسْخَرْ قَوْمٌۭ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًۭا مِّنْهُمْ) [سورة الحجرات آية‫: ١١].
‫(عَسَىٰ) رجاء وأمل، إذا قيلت من الله، فهي واجبة التحقيق‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫من هنا قال العلماء‫: لا يسخر أحد أبدا من أحد إلا إذا كان أفضل منه، حين يراه أفضل منه يسخر منه، فالساخر أدنى درجة من المسخور منه، فإن حدث، ولم يكن كذلك رفع الله، تبارك وتعالى، من سُخر منه، وصيّره أفضل ممن سخَر منه، فإياكم والسخرية من الناس، إياكم والاستهزاء بالآخرين، دع الخلق للخالق، لا تكلفوا الناس ما لا يطيقون، ولا تحاسبوهم دون ربهم وسلوا الله العفو والعافية‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫فقد انتدب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الناس للخروج في غزوة تبوك سارع المسلمون بالإجابة، وخرجوا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والعشرة يتعاقبون بعيراً واحداً في شدة الحر، في شدة الاحتياج، وتخلّف آخرون، والمتخلفون عن هذه الغزوة أقسام وأنواع‫: منهم من تخلف لعذره، لمرض، لعَرَج، ومنهم من تخلّف لفقره، لا يجد الزاد، ولا يجد الراحلة، ومنهم من استأذن، واعتذر وكان ذا حق في عذره، ومنهم من أوهم أن له العذر، ولا عذر له، ومنهم من تخلّف تكاسلا، وإيثار للدعة، والراحة، والظل، والماء البارد، ومنهم من قعد بغير عذر جراءة على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومنهم من نصح، وشجع على الخروج، خارجا كان هو أو قاعدا لعذر، ومنهم من ثبّط عن الخروج، وتنزل الآيات من سورة براءة، وكما فضحت المنافقين ها هي تحكي عن أحوال المتخلفين، يقول عز من قائل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓا۟ أَن يُجَـٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّۭا ۚ لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ ﴿81﴾
المخلّفون‫: الذين خلّفهم الله (تبارك وتعالى) أي ثبّطهم، ولم يلهمهم الصواب، فقعدوا أو الذين خلّفهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الغزو، آخذا بأعذارهم بظاهر كلامهم، فرحوا بمقعدهم، بجلوسهم، قَعَد، مقعدا، وقعِد قعوداً، أي فرح هؤلاء المتخلّفون بقعودهم لأنهم لم يخرجوا‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ) خلاف بمعنى خلْف، وخلاف بمعنى بالمخالفة، وقُرأت خلْفه، فرحوا بمقعدهم بالمخالفة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) (وَكَرِهُوٓا۟ أَن يُجَـٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ) في سبيل الدعوة، في سبيل نصره الدين وإعزاز الإسلام في سبيل نصرة الحق، وإظهار الدين (وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرّ) قالوا‫: بعضهم لبعض، أو قالوا للمؤمنين الخارجين مع رسول الله، لا تخرجوا في هذا الحر الشديد فتهلكوا، ثلاث جرائم، الفرح بمخالفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كراهية الجهاد، وهو أعظم القربات لله، تثبيط غيرهم والحض على العصيان.
‫يرد الله (تبارك وتعالى) عليهم فيقول لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) (قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّۭا) أي قل لهم يا محمد، وأخبرهم أن نار جهنم أشد حراً من هذا الحر (لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ (٨١)) لو كانوا يعقلون، لو أعملوا عقولهم، فقد هربوا من الحر ساعة، فأدى بهم ذلك إلى الحر في كل ساعة‫. مدة الغزو كم تكون؟ أيام، شهور، هربوا من الحر مدة قليلة، فأوقعهم هذا في الحر الذي لا يدانيه، ولا يساويه حر - حر جنهم - وإلى الأبد - وكان الناس يقولون‫: تعب ساعة ولا تعب كل ساعة، فهؤلاء عكسوا الآية، فهربوا من تعب ساعة، فلقوا جهنم في يوم الساعة وإلى الأبد.
فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًۭا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًۭا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿82﴾
‫‫(فَلْيَضْحَكُوا) فعل أمر‫. هل يأمرهم ربنا بالضحك؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أفعال الأمر في القرآن تأتي على معان كثيرة، قد تزيد عن الثلاثين معنى‫: أمر التهديد، وأمر التحقير، وأمر الإباحة، وأمر الوجوب أنواع هذا الأمر(‫(فَلْيَضْحَكُوا) هل هو أمر تهديد، أم هو خبر جاء في صيغة الأمر للدلالة، على أنه حتم واجب؟
‫فليضحكوا قليلا في الدنيا، وليبكوا كثيرا في الآخرة، جزاء بما كانوا يكسبون، بما جنت أيديهم، إذاً فخرج الكلام عن صيغة الأمر، والمعنى فيه الخبر، فكأن الله يخبرنا، ويخبرهم أن الضحك القليل في هذه الدنيا، ضحك قليل، وله نهاية فاغتنموا الفرصة، واضحكوا كثيرا ما شئتم، فسوف يأتي البكاء الذي لا مزيد عليه، والذي قال فيه النبي (صلى الله عليه وسلم) ناصحا للأمة (ابْكُوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا ؛ فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ فِي النَّارِ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي خُدُودِهِمْ كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ فَيَسِيلُ " - يَعْنِي الدَّمُ - " فَتَقْرَحُ الْعُيُونُ) ها هو ربنا (تبارك وتعالى) يخبر عن مآلهم في الدنيا والآخرة ‫(فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًۭا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًۭا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (٨٢)).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫والضحك في الدنيا، منه ما هو مباح، ومنه ما هو ممنوع، ومنه ما هو حرام، الضحك من الغرائز، الضحك مخلوق، الله (تبارك وتعالى) اضحك وأبكى، لكن كثرة الضحك تميت القلب، والقهقهة ممنوعة، وما قهقه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حياته مطلقا، وجُلَّ ضحكه التبسم حتى تبدوا نواجذه - الضروس -، بل وخرج يوما على أصحابه، فوجدهم يتضاحكون بصوت مرتفع، فنظر إليهم وقال (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلا، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ) يقول أبو ذر فيما يرويه الترمذي عنه، أبو ذر الغفاري أصدق الناس لهجة الذي قال فيه سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) (مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ) يقول أبو ذر حين يروي هذا الحديث‫: (لوددت أني كنت شجرة تُعض) تمنى ألا يكون إنسانا، تمنى أن يكون شجرة تُقص، وتُعضد بالمِعضد‫.‬‬‬
‫الضحك مباح إذا كان بغير قهقهة، وإذا كان فيما يُدخل السرور على قلبك، وقلب جلسائك، أما الضحك من الغير والاستهزاء والسخرية، فهو حرام، وأما الاستهزاء بالصالحين، أو إطلاق النكت على الملائكة، والأموات، وما إلى ذلك، فكل ذلك حرام، أما القهقهة، والضحك بصوت عال، فهو مكروه، وأما كثرة الضحك فتميت القلب، وتذهب الوقار.
فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍۢ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًۭا وَلَن تُقَـٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ ﴿83﴾
‫‫(فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ) أي بعد هذه الغزوة، سلّمك الله (تبارك وتعالى) وأعادك إلى المدينة (إِلَىٰ طَآئِفَةٍۢ مِّنْهُمْ) ، إذا معنى هذا أن المخلّفين منهم المنافقين، والذين تخلفوا بغير عذر، ومنهم الذين تخلّفوا تكاسلا، وتابوا، وتاب الله عليهم، ومنهم الذين تخلفوا بعذر، فهُم أقسام، فيخبره ربنا، تبارك وتعالى، عن قسم منهم، وهم المنافقون (فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍۢ مِّنْهُمْ) ، طائفة منهم ليس كل المخلَّفين (فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ) في غزوة أخرى قادمة (فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًۭا) صيغة الخبر في النهي أي يمحوا أسماءهم من ديوان الغزاة، وتلك عقوبتهم في الدنيا حرمانهم من شرف الجهاد، وأي شرف أعلى من شرف الجهاد، فتلك عقوبة خطيرة لهم في هذه الدنيا، أن يُحرموا من الخروج مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يُحرموا من شرف الجهاد في سبيل الله، فقل لن تخرجوا معي أبداً، إلى الآبد إلى نهاية الدنيا، إلى نهاية الحياة، ولن تقاتلوا معي عدوا، إنكم رضيتم بالقعود أول مرة - في غزوة تبوك-، وكانت أول مرة ينتدبون للخروج فيه (فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ (٨٣)) أي المتخلفين من ذوي الأعذار، النساء، والصبيان، وكبار السن، والمرضى، أو الخالفين بمعنى الفاسدين، خَلَف اللبن يخلف‫: حمُض لطول مكثه، ومنه خلوف فم الصائم‫: تغير رائحة الفم.
وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًۭا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦٓ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ فَـٰسِقُونَ ﴿84﴾
وهذه الآية نزلت في شخص بعينه، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب (عبد الله بن أُبيّ بن سلول) شيخ المنافقين بالمدينة الذي قال‫: (لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ) [سورة المنافقون آية‫: ٨]، ذاك الذي آذى الله، وآذى رسوله، ذاك الذي تحدث بقصة الإفك الخاصة بأم المؤمنين سيدتنا عائشة، عبد الله بن أُبي بن سلول حقد؛ لأنه كان منتظرا أن يُتوَّج ملكا على المدينة، فجاء النبي (صلى الله عليه وسلم) فامتنع ذلك عليه، مرض عبد الله بن أبيّ بن سلول، فذهب ابنه عبد الله، وكان صالحا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يطلب منه الاستغفار فاستغفر له، فنزلت‫: (ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةًۭ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ) [سورة التوبة آية‫: ٨٠].‬‬‬‬‬
‫ومات عبد الله بن أبي بن سلول، فجاء ابنه وطلب من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شيئين‫: طلب منه القميص الملاحق لجلده الشريف، حتى يكفن فيه أباه، وطلب من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يصلي على أبيه، فاستجاب النبي (صلى الله عليه وسلم) وأعطاه قميصه، وذهب يصلي عليه، (جَذَبَهُ عُمَرُ وَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: " بَلْ خَيَّرَنِي، وَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) والأرجح أنه صلَّى عليه؛ إذ إن هناك أقوال بأنه لم يصل ونزلت الآية قبل الصلاة لكن الأرجح، وما ورد في الصحاح أنه صلَّى، وبعدما صلَّى على عبد الله بن أُبي بن سلول نزلت الآية (وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًۭا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ) نهاه عن الصلاة، لكن لم تأت سيرة القميص، ولم يأت النهي عن القميص، قيل الامتناع عن إعطاء القميص لعبد الله بن عبد الله يقدح في الكرم، ورسول الله كان أكرم الناس، وما رد سائلا في حياته، بل جاد بالقليل وبالكثير، فحين بقيمصه لم يُنه عن ذلك؛ لأن الضن بالقميص، ضد الكرم، كما أن عبد الله بن أبي بن سلول كسا العباس عم النبي في غزوة بدرٍ قميصه، حين أُسر العباس، أُسر بغير قميص، تمزق قميصه، أو سلب منه، فكان عاريا، فأشفق عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم يجد له قميصا على قدره إلا قميص عبدالله بن أُبي بن سلول المنافق، فأراد النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يطيّب قلب ابنه عبدالله الصالح، وأن يرد تلك اليد حتى لا يسأله عنها يوم القيامة، فيُرد له اليد في الدنيا، كما أخذ القميص منه لعمه العباس، ها هو يرد إليه قميصه ليُكّفن فيه، من هنا لم ينه عن إعطائه القميص، ونُهي عن الصلاة‫. أيادي الناس معروف، وأيادي الناس تطلب المكافأة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يكافئ، وكان مما تعلمناه من الدعاء المتوارث، والصاعد إلى سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) في سنده (الَّلَهُمَّ لَا تَجْعَل لِغَاشٍ، وَلَا فَاجِرٍ، وَلَا كَافِرٍ يَدَاً عَلَيَّ فَيُوَادُّهُ قَلْبِي، فِإِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الحَقُّ (لَّا تَجِدُ قَوْمًۭا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [سورة المجادلة آية‫: ٢٢] من هنا أعطاه القميص ليرد له اليد، فلا يسأله عنها في يوم القيامة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(الصلاة على الميت) هنا نهي عن الصلاة على من مات كافرا، لكن العلماء أجمعوا على أمرين‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الأمر الأول‫: مفهوم المخالفة، النهي عن الصلاة على الكافر معناها أنه إذا زال الكفر، وجبت الصلاة كقوله (عز وجل) في مكان من القرآن في سورة المطففين (كَلَّآ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍۢ لَّمَحْجُوبُونَ (١٥)) [سورة المطففين آية‫: ١٥].
‫إذا غيرهم غير محجوب (وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًۭا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ) حين الدفن بالدعاء له، أو بالتثبيت له، أو بالتلقين له، أو لمشاهدة الدفن، لا صلاة ولا قيام على القبر، والعلة في هذا أنهم كفروا بالله وبرسوله، إذا ماتوا على الكفر، ومن هنا كان النهي عن الاستغفار للمشركين، ولو كان أولي قُربى بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم.
‫الأمر الثاني‫: تجب الصلاة على كل من أظهر الإسلام بلسانه، ولو كان مرتكبا للكبائر، مات رجل سكير، أو سارق، أو من الزناة مهما كان مرتكبا للكبائر طالما كان مسلما، وجبت الصلاة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫ذاك إجماع العلماء، والخلاف في أهل المحاربة الذين خرجوا محاربين لله ولرسوله، أما من مات من المسلمين بغض النظر كان صالحا، أو كان غير صالح، وجبت الصلاة عليه، وصلاة الجنازة أربع تكبيرات، بعد التكبيرة الأولى قراءه الفاتحة، بعد التكبيرة الثانية الصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد التكبيرة الثالثة، الدعاء للميت والاستغفار له، بعد التكبيرة الرابعة الدعاء للمسلمين، وللمسلمات، والتسليم تسليمتان يُمنة، ويُسرة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وقد ورد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) في صلاة الجنائز كان يقف عند رأس الرجل وكان يقف عند وسط المرأة.
وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ ﴿85﴾
هذه الآية سبقت بصيغه أخرى (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ (٥٥)) [سورة التوبة آية‫: ٥٥].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫نفس الآية مع اختلاف يسير في الصيغة للتكرير، هذا التكرير للتأكيد، حتى لا تصبح أعين المسلمين للأغنياء من المنافقين، كي يساهموا بأموالهم في سبيل الله، في سبيل شراء الأسلحة، وكذلك لا تعجبك كثرة الولد، ولا كثرة المال فهؤلاء، رزقهم الله بكثرة الولد، وبكثرة المال؛ ليزيدهم شقاوة بالحفاظ على المال، بمحاولة تنمية المال، بأن يصبح الأولاد أسياد على الآباء، يذلونهم، يعقونهم، يتعبونهم، خلق الله لهم هذه الأبناء، وهذه الأموال، وجعلها في أيديهم؛ ليعذبهم في الدنيا؛ وليعذبهم بها كذلك في الآخرة (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ (٥٥)) [سورة التوبة آية‫: ٥٥]، زهوق الروح‫: الخروج بشدة، والكلام عنهم.
وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَجَـٰهِدُوا۟ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَـْٔذَنَكَ أُو۟لُوا۟ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا۟ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ ﴿86﴾ رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴿87﴾
تنزل الآيات تأمر بالجهاد، وبطاعة الله ورسوله، تأمر بنشر الدين، ونصرة الحق واليقين، فإذا أُنزلت سورة تأمر بذلك، استأذن أولوا الطول، أولوا الفضل والسعة، الذين قال فيهم ربنا‫:(فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُمْ) هؤلاء الأغنياء هم الذين استأذنوا، إذا نزلت السورة تأمر بالجهاد (وَقَالُوا۟) لرسول الله (ذَرْنَا) اتركنا (نَكُن مَّعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ (٨٦)) أي المتخلفين لعذر (رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الخوالف‫: جمع خالفة، والخالفة‫: المرأة المتروكة في البيت المتروكة للخدمة، والخالفة من الرجال الفاسد، رضوا أن يكونوا مع النساء، منتهى الذم والتحقير لهؤلاء الذين تقاعسوا عن الجهاد، (رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)) وطُبع على قلوبهم، وكأن الله قد ختم على قلوبهم، فلا يخرج منها الكفر، ولا يدخل فيها الإيمان، كما تختم على الإناء، فإن خُتم على الإناء لا يخرج ما هو فيه، ولا يدخل ما ليس فيه، طبع الله على قلوبهم، أختمها فلا يدخل فيها الخير، ولا يخرج منها الشر‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫ويأتي الثناء على المؤمنين، والتسرية لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وإعلام من يسمع، إن لم يجاهد هؤلاء، وتقاعس هؤلاء، فقد من هو خير منهم‫:‬‬‬
لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ جَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿88﴾ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴿89﴾
أي إن تخلّف هؤلاء وإن رضي هؤلاء بالقعود، وقعد المنافقون، والكافرون، فقد خرج للجهاد من هو خير منهم، سيد الخلق والمؤمنون معه، خرجوا وجاهدوا بأموالهم، وأنفسهم في سبيل الله، ويبشرهم ربهم بالخيرات (وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ) والخيرات تحمل معنيين، الخيرات‫: جمع خير أي لهم منافع الدنيا، ومنافع الآخرة بالكامل‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫والخيرات‫: تحمل معنى الحور العين، الحُور الحسان، أولئك قعدوا من أجل الظل، من أجل الراحة، والدعة، أما من خرج، وجاهد، واحتمل الحر أياما، فهو في الآخرة في ظلٍ ظليل مع الحور العين، الخيرات‫: الحور من قوله تعالى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(حُورٌۭ مَّقْصُورَٰتٌۭ فِى ٱلْخِيَامِ (٧٢)) [سورة الرحمن آية‫: ٧٢].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ (٨٨)) الفائزون بما طلبوا، الناجون مما منه هربوا، أصل الفلح‫: الشق، وكأن الفالح قد شق طريقه إلى ما يريد، فهُم المفلحون الذين شقوا طريقهم إلى الفوز، وإلى النعيم المقيم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّـٰتٍۢ) ليست جنة واحدة، بل هي جنات (تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا) وهذا الخلود الأبدي، وهذه الجنات ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ (٨٩)) وتخبرنا الآيات عن أقوام آخرين من أنواع المتخلفين يقول الله (تبارك وتعالى):‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿90﴾ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا۟ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍۢ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿91﴾ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا۟ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا۟ مَا يُنفِقُونَ ﴿92﴾
‫(وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ) وجاء المعْذَرون قراءة، المعذّرون من أعذر أي اعتذر، وأصل كلمة، أعذر، وعذّر، واعتذر، أصل الكلام فيما يصعب، أو يستحيل أو يتعذّر‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫عذّر في الأمر‫: قصّر فيه، وقدّم عذراً، ولا عذر له ذلك‫. المعذِّر‫: أي المعتذر بحق أو بغير حق‫. جاء هؤلاء المقدمون للأعذار، فبعد أن تكلم عن المنافقين من أهل المدينة (فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ) الكلام على منافقي المدينة، ها هو الكلام عن منافقي الأعراب والعرب، سكان الحضر، والأعراب سكان البادية‫. (وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ) أي يأذن لهم رسول الله في التخلف (وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ) إذاً فهم قسمان‫: قسم جاء يعتذر، وقسم لم يعتذر، وقعد دون اعتذار جراءة، وتحدِّيا، والمعذرّون قسمان‫: معتذر بحق، ومعتذر بغير حق؛ لذا يقول الله (تبارك وتعالى): (وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ) قِسْم (وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ) ادعوا الإسلام، وهم في حقيقة أمرهم كفار(سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (٩٠) لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا۟ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍۢ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (٩١)) عذر ربنا، تبارك وتعالى، المرضى، والزمنى، وكبار السن، والنساء، والصبيان ورغم ذلك خرج عمرو بن الجموح يعرج، وكان به العرج، وقال له سيد الخلق (فَقَدْ عَذَرَكَ اللَّهُ ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ) وخرج وها هو مصعب بن عمير تُقطع يده، فيأخذ الراية باليد الأخرى، بل ابن أم مكتوم الأعمى صمم على الخروج في غزوة أحد، وقال أنا أعمى أحمل الراية، ولا أرى شيئا، فمهما هجم الكفار لن أخشى شيئا، ولن أهرب أراد ذلك، ولكن مصعب بن عمير هو الذي حمل الراية، وقُتل‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الآية أصل في سقوط التكليف عن كل عاجز، بمعنى من عجز عن شيء، فلن يُسأل عنه، ليس على هؤلاء المرضى، ولا الضعفاء، ولا الذين لا يجدون ما ينفقون إثم، أو تضيق، أو سؤال، أو عتاب بشرط (إِذَا نَصَحُوا۟ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) بأقوالهم، وأفعالهم، فعلوا ما فيه مصلحة المسلمين بعكس الآخرين الذين قالوا‫: لا تنفروا في الحر، فمن عجز عن الخروج شجّع غيره نصح لله ولرسوله، معنى ذلك آمن بالله، وأخلص التوحيد، وأخلص العقيدة، ووصف الله بما هو أهل له، فعل من الأفعال ما يقربه إلى الله، وابتعد عن مساخطه، ونصح لرسول الله بأن أحيا سنته، بأن أطاعه في أمره ونهيه، أحب أحبابه، والى من والاه، وعادى من عاداه، وهكذا إذا نصحوا لله ورسوله‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍۢ) رفع العقوبة عن كل محسن، أصل آخر في هذه الآية أي ما على المحسنين من سبيل لمعاتبتهم، أو لمؤاخذتهم، أو لعقوباتهم (وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (٩١)) غفور رحيم لمن أساء وتاب، فكيف به مع المحسن، فكيف بمن لم يسئ.
‫(وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا۟ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا۟ مَا يُنفِقُونَ (٩٢)) ولا على هؤلاء أيضا حرج، رُفع الحرج عن الضعفاء، والمرضى، والذين لا يجدون ما ينفقون، وكذلك رُفع الحرج عن هؤلاء الذين جاءوا لرسول الله في الغزوة، هم سبعة قيل فيهم البكَّاءون السبعة، جاءوا وقالوا‫: نذرنا الخروج معك قال‫: لا أجد ما أحملكم عليه، انصرفوا يبكون، وقيل‫: بل هم سبعة إخوة، والسبعة أسلموا، والسبعة جاهدوا مع رسول الله، أبناء مقَرِّن منهم النعمان بن مقرن، جاءوا إلى رسول الله، فصرفهم فبكوا، وقيل بل هو أبو موسى الأشعري، وطائفته، وجاءت في البخاري حين حلف رسول الله ألا يحملهم ثم استدعاهم، قالوا‫: (إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا وَقَدْ حَمَلْتَنَا، قَالَ: " أَجَلْ، وَلَكِنْ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا) ذاك الحديث شهير في صحيح البخاري في أبي موسى الأشعري، ونزلت فيه (وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ) فقراء لا يجدون الرواحل يريدون الغزو، جاءوا لرسول الله قبل الغزوة، وقالوا‫: يا رسول الله نخرج معك، احملنا على إبل الصدقة قال‫: لا أجد ما أحملكم عليه (تَوَلَّوا۟) انصرفوا (وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ) تفيض‫: تسيل، والفيضان‫: السيلان بعد امتلاء، والتعبير يفيد المبالغة، وكأن العيون أصبحت دموع، أي التي تفيض العيون، وليس الدمع (تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا) أسفا (أَلَّا يَجِدُوا۟ مَا يُنفِقُونَ (٩٢)) ليس معهم من المال ما ينفقون في سبيل الله.
‫أيها الأخ المسلم يروي صحيح مسلم عن تميم الداري (رضي الله عنه) يقول‫: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ "، قَالُوا‫: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: " لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ) النصيحة لله‫: الإيمان به، الدعوة إليه، وصفُه بما هو أهلٌ له، البعد عن مساخطه، والمحاولة أن يقترب الإنسان من محابه.
‫النصيحة لرسول الله إحياء سنته، والدعوة إليها، التخلّق بخلقه، موالاة من يواليه، ومعاداة من يعاديه، حب أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتعزيره، وتوقيره‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫النصيحة لكتاب الله، التفقّه فيه، قراءته، البحث فيه، فَهم معانيه، العمل بما جاء فيه، الدعوة إليه، الذودْ عنه، والذَبّ عنه، والدفاع عنه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫النصحية لأئمة المسلمين، عدم الخروج عليهم، تألفة القلوب حولهم، النصح لهم في السر، توجيههم فيما غفلوا عنه من مصالح المسلمين، إرشادهم لما فيه مصلحة المسلمين‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫النصيحة لعامة المسلمين، الدعاء لهم، عدم الحقد عليهم، البعد عن الحسد، النصح لهم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التآخي، التوادد، التراحم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وقال (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه في غزوة تبوك‫: (لَقَدْ تَرَكْتُمْ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ، وَلا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلا وَهُو مَعَكُمْ فِيهِ، قَالُوا‫: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَنَا وَهُمُ بِالْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ) من هنا يتبين من حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن العبد إذا منعه العذر عن شيء، كُتب له ما كان يمكن أن يفعل بغير عذر؛ ولذا ورد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أخبر أن الرجل إذا كان صالحا طائعا يأتي الجمعة، ويشهد الجماعات، وما إلى ذلك وتخلف لعذر تسأل عنه الملائكة الذين يجلسون على الأبواب يكتبون الأسماء، (سَأَلُوا‫: يَا رَبُ لَقَد تَخَلّفَ عَبْدُكَ فَلَانٌ، فَيَقُولُ اللَّهُ حَبَسَهُ العُذْرُ اكْتُبُوا لَهُ مِثْلَ مَا كُنْتُمْ تَكْتُبُونَ)، فضل الله واسع، فقد أسقط الله (تبارك وتعالى) التكليف عن كل عاجز، فمن عجز عن شيء لا يُسأل عنه، ورفع العقوبة عن كل محسن، ونزلت الرحمة العظمى بإعذار أولي الأعذار، ليس على الضعفاء، ولا على المرضى إثم، ولا جناح، ولا على الذين أرادوا الخروج مع نبينا، صلى الله عليه وسلم، وأرادوا أن يحملهم قال‫: لا أجد ما أحملكم عليه، تولَوْا، وانصرفوا ودموعهم تسيل على الخدود.
‫الجزء‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الحادي عشر‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫يبيّن ربنا (تبارك وتعالى) أن المؤاخذة، والمعاتبة، والمعاقبة، والسبيل على الذين امتنعوا عن الخروج مع سيد الخلق، مع قدرتهم على ذلك فيقول عز من قائل‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ ۚ رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿93﴾
‫(ٱلسَّبِيلُ) الطريق إلى المعاقبة، والمعاتبة، والمؤاخذة (عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ) في القعود، وهم قادرون على الخروج (وَهُمْ أَغْنِيَآءُ) بأموالهم، أغنياء بقوتهم، ويأتي التعليل للإذن، لِم استأذنوا (رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ) ، رضوا بالدنية، رضوا بالدنايا، رضوا بأن يكونوا مع المتخلفين من ذوي الأعذار من النساء، والصبيان، والمرضى، والزمنى، رضوا بأن يكونوا مع مع الخوالف الفسدة، جمع خالفة أي الشي الفاسد (وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ) ختم عليها، فغفلوا عن الخير، وعموا عن الشر الذي ركبوه (فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)) أين تكون المصلحة، وأين يكون الخير، وينبئ ربنا (تبارك وتعالى) رسوله (صلى الله عليه وسلم) وهو على سفر، وهو في غزوة تبوك، ينبئه بما سيكون من أمرهم بعد عودته فيقول:
يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿94﴾
‫(يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ) إذا عدت من غزوتك مع أصحابك المؤمنين، سوف يأتي هؤلاء الذين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، هؤلاء المنافقون، فيقدمون لك الأعذار الكاذبة (قُل لَّا تَعْتَذِرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ) امنعهم عن الاعتذار، وقل نحن لا نصدقكم، فأنتم كذبة (قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ) أي أوحى الله (تبارك وتعالى) إلى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أخباركم، وهتك ستركم، وكشف سركم، فاعتذاركم مرفوض غير مقبول، أي قل لا نصدقكم؛ لأن الله أخبرنا بأحوالكم، وخبيئة نفوسكم (وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ) أهو تهديد؟ قد، أم هو إمهال؟ قد، أم هو فتح لباب التوبة، وتدارك ما فات (وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ) أي فيما يستقبل، فما مضى كذبتم فيه، فماذا يكون حالكم في المستقبل (وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)) بعد ذلك بعد الموت، بعد البعث تقفون أمام الله (عز وجل) فينبئكم بما كنتم تعملون في الدنيا، فيحاسبكم عليه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وفي الآية لفتة في الكلام (وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ) ولم يقل ثم تردون إليه، جاء بالوصف بدلا من الضمير؛ ليبين لهؤلاء أن الله (تبارك وتعالى) يعلم خفايا الوهم، والتفكير، ويسمع هواجس الضمير، فهو عالم الغيب، والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية، يستوي علم غيبه، مع علم شهادته‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌۭ ۖ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿95﴾ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴿96﴾
مرة أخرى يتبين أنهم بعد الاعتذار سيؤكدون اعتذارهم الكاذب، بالأيمان الكاذبة، لا يعتذرون فقط، بل يحلفون على أعذارهم الكاذبة، إذا عدتم، ورجعتم إليهم لتعرضوا عنهم كي لا تعاتبوهم، كي تصدقوهم، كي لا تؤاخذوهم (فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ) إعراض كراهية، إعراض نقمة، إعراض تجنب، لا تكلموهم، لا تسلموا عليهم، لا تجالسوهم، هم يريدون أن تعرضوا عنهم، إعراض صفح لا معاتبة، ولا مؤاخذة، فأعرضوا عنهم، ولكن إعراضكم هنا سيكون إعراض مقت، وغضب، ونقمة، واحتقار (إِنَّهُمْ رِجْسٌۭ) تعليل للأمر بالإعراض إنهم رجس، والرجس‫: المستقذر من الأشياء، الخبيث من الأشياء، ويطلق الرجس على النجس، أي إن أعمالهم التي عملوها، أعمال قذرة، ومستقذرة، ومن شدة قذارة أعمالهم كأنهم هم أصبحوا القذر نفسه (وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫المأوى‫: المكان الذي يأوي إليه الشيء ليلا أو نهاراً، أي مسكنهم، ومصيرهم، وما يأوون إليه وما يصيرون إليه (وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (٩٥)) وكأن جنهم كفتهم، لا تعاتبوهم، ودعوهم فتكفيهم جهنم، (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ) ، الإخبار عنهم وعن تصرفاتهم المستقبلة، والتي حدثت فعلا بعد رجوع النبي (صلى الله عليه وسلم) وسبب الأيمان الكاذبة، والحلف لترضَوا عنهم، فإن ترضوا عنهم لا ينفعهم رضاكم، فهُم في سخط الله من رضي الله عنه، رضي عنه كل شيء، ومن سخط الله عليه، سخط عليه كل شيء، فإن ترضوا عنهم، فذلك لا يجدي؛ إذ إن رضاء الله غير متوقف على رضاكم، والغريب في ختام الآية (فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ (٩٦)) تقدير الكلام (يحلفون لكم لترضوا فإن ترضوا عنهم، فإن الله لا يرضى عنهم) بدلا من كلمة (عنهم) الضمير، قال (عن القوم الفاسقين) ليبرر عدم رضاه، ويسجل عليهم، أنهم فسقوا وخرجوا عن طاعة الله، وطاعة رسوله، وينقل الكلام لمزيد من فضح المنافقين، وفضح تصرفاتهم.
ٱلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًۭا وَنِفَاقًۭا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا۟ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿97﴾
الأعراب‫: سكان البادية الذين يتتبعون المطر، ويرعون الأغنام والإبل وما إلى ذلك، ولا يسكنون في حضر، ولا يستقرون في مكان، وأما العرب فهم سكان الحضر‫ (ٱلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًۭا) أي أشد كفرا من أهل الحضر، فهم أقسى قلبا، وأجفى قولا، وأغلظ طبعا، وأبعد عن سماع القرآن، ورؤية سيد الأنام، ومعرفة سنته (صلى الله عليه وسلم) (وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا۟ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أجدر‫: أوْلى، أحق، أي أحق وأوْلى وأخْلق بألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله؛ لبعدهم، فهُم في البادية يتتبعون المطر، ويتتبعون الكلأ، وبعيدون عن رسول الله، وعن التشريع الذي ينزل في كل حين، وأصل كلمة فلان أجدر بكذا وجدير بكذا، وأخلق وخليق، أجدر، من الجِدْر، والجِدْر‫: أصل الشجرة، وجدر الشجرة، ثابت في الأرض لا يتحرك، فأجدر بكذا كأنه أولى بالشرع لثباته عليه أو لثبوت الشيء له‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ (٩٧)) عليم بأقوال الناس، عليم بأحوالهم، عليم بتصرفاتهم ونياتهم، حكيم فيما يؤاخذ به الناس ثوابا أو عقابا.
‫والآية تحدثنا عن الأعراب مطلقا، لكن الله (تبارك وتعالى) بعد ذلك فَصَل، فالقاعدة العامة في الأعراب عموما أنهم أقسى قلباً، وأغلظ طبْعاً، وأجْفى قولا، لكن منهم، ومنهم.
وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًۭا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ﴿98﴾
ومن الأعراب من يعتبر ما ينفق من أموال الزكاة، أو ما يأمرهم به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من صدقة أو من تجهيز للجيش، يعتبر هذا الإنفاق غرامة، وخسارة؛ لأن القلب انطوى على النفاق (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَ) أي أنه لا يكتفي بنفاقه، ولا يكتفي باعتبار الإنفاق في سبيل الله، أو إخراج الزكاة غرامة، وخسارة، بل ينطوي قلبه على الخبث، وعلى الغدر، وعلى الخيانة، فيتربص بالمؤمنين الدوائر، يتربص‫: ينتظر، الدوائر جمع دائرة، الدائرة‫: نائبة الدهر، ومصيبة الزمان التي تحيط بالناس، إحاطة الدائرة بما فيها، فيُطلَق على المصيبة العظيمة، وانقلاب النعمة إلى نقمة، وانقلاب الخير إلى شر، وتحول العافية من صحة إلى مرض، ومن غنى إلى فقر، من أمن إلى خوف، هذا التحول الذي يحدث يطلق عليه دائرة؛ لأنه يحيط بمن وقع به كإحاطة الدائرة بما فيها (عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫كأنه دعاء عليهم بأن يحيق بهم ما تمنوه بالمسلمين، أو كأنه إخبار كما يقال في الأمثال (من حفرة حفرة لأخيه، وقع فيها) سواءاً حفرها بيده، أو حفرها بالتمني، فهؤلاء يتربصون بكم الدوائر، النتيجة أن الدائرة ستحيق وتحيط بهم.
‫(عليهم دائرة السُوْءْ) (عليهم دائرة السَوْء) قراءتان، والفرق في القراءتين السَوْء‫: الشر (مصدر)، السُوء‫: (اسم) ويستخدم الاسم السُوء في الأذى (وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ (٩٨)) سميع بأقوالهم التي يتبادولونها عليم بنياتهم، وما انطوت عليه قلوبهم.
‫وهناك فريق آخر وبضدها تتميز الأشياء‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَـٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ ۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرْبَةٌۭ لَّهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿99﴾
‫‫(وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ) ليس منافقا رغم أنه من الأعراب (وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَـٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ) يعتبر النفقة التي ينفقها من زكاة، أو من صدقة سبب للتقرب إلى الله، وسبب لدعاء الرسول (صلى الله عليه وسلم) صلاة النبي (صلى الله عليه وسلم) دعاؤه، وقد كان (صلى الله عليه وسلم) يدعو لكل متصدق يأتي بصدقة، كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يدعو له بخيري الدنيا والآخرة، فمن الأعراب مؤمن، يعتبر الإنفاق في سبيل الله فرصة تُغتنم؛ للتقرب إلى الله، أيضا فرصة لئن يستغفر له، ويدعو له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تلك نيّته، وذاك قصدهم وهدفهم، فما نتيجة ذلك؟ (أَلَآ إِنَّهَا قُرْبَةٌۭ لَّهُمْ) (أَلَآ) كلمة استفتاح للتنبيه لما سوف يأتي من كلام للاعتناء به (أَلَآ) أي انتبهوا، واسمعوا، وتنبهوا للقرار الآتي (إِنَّهَا قُرْبَةٌۭ لَّهُمْ) إذاً فقد قُبلت الصدقات، بشارة، ويا لها من بشارة!‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ) أمر آخر سيدخلهم الله في رحمته، أي في جنته، التي يدخلها الناس برحمة الله، عز وجل، وكأن الرحمة قد أحاطت بهم من كل جانب، وكأنهم دخلوا في الرحمة وعْد موثوق به، (إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (٩٩)). بشارة.
‫وينتهي الكلام عن الأعراب كقاعدة عامة، ثم تقسيم الأعراب إلى منافقين ومؤمنين، وبيان لحال كل منهم، ويأتي الكلام عن أسياد الناس، عن القدوة، والمثل الأعلى، عن خير القرون، عن خير الناس على الإطلاق، الذين ربّاهم سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) وأدبهم، وعلّمهم، وحفّظهم، فحملوا سنته إلى كل الناس‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍۢ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴿100﴾
كل سابق في خير فهو سابق‫. (وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ ﴿١۰﴾ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴿١١﴾) [سورة الواقعة آية‫:١٠ ‫: ١١] ‫(وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ) هؤلاء من هم؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫هم الذين صلوا إلى القبلتين، أو هم أهل بدر، أو هم أهل بعية الرضوان، بيعة الحديبية (لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ) [سورة الفتح آية‫: ١٨].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَٱلْأَنصَارِ) السابقون من الأنصار، أهل بيعة العقبة الأولى، وكانوا سبعة، وأهل بيعة العقبة الثانية، وكانوا سبعين قبل هجرة النبي (صلى الله عليه وسلم) وكذلك الذين سارعوا بالإيمان بعد ذهاب مصعب بن عمير إليهم، وآمنوا قبل هجرة النبي، ثم استقبلوه على الأبواب المدينة بطلع البدر علينا.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍۢ) من هم؟ قيل‫: هم التابعون، التابع، والتابعي‫: هو من صحب الصحابة، من صحب صحابيا واحد فهو تابع وتابعي، الصحابة‫: هو كل مسلم رأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وآمن به، والتابعون لم يروا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولكنهم رأوا من رأوا من رآه، وصدق هو حيث يقول‫: (طُوبَى لِمَنْ رَآنِي، وَطُوبَى لِمَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي) وقال بعض الناس‫: الذين اتبعوهم بإحسان، هم من أسلم بعد الحديبية؛ أي قسّموا الصحابة إلى قسمين‫: قسم أسلم قبل الحديبية، وقسم أسلم بعد الحديبية كعمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، ومسلمة الفتح كأبي سفيان وغيرهم.
‫ولكن الأرجح، والأقرب إلى الصواب، أنهم هم التابعون الذين صحبوا الصحابة، بل وكل من تبعهم إلى أن تقوم الساعة، فالآية عامة، واللفظ عام، ولا خصوص فيه، والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة في أفعالهم وأقوالهم الحسنة، واتبعوا سلوكهم، ونهجهم وساروا على دربهم (رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ) يا لها من كلمة! ويا لها من بشارة! ويا له من عطاء! (رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ) قَبِل أعمالهم، ورضوا هم عنه بنعمه الدينية، والدنيوية، فهُم أبداً في حالة الرضا والرضوان مهما جاءهم من القضاء والقدر، فهُم راضون عن رب القضاء والقدر، مهما حدث لهم من صحة أو مرض، شدة أو رخاء، خوف أو أمان، مها حدث فهُم راضون بقضائه وقدره، متبعين لسنّة نبيه‫. ما هي علامة رضا الله عنك؟ من يريد أن يعرف هل رضي الله عنه، أم لم يرضَ فليسأل نفسه أولا هل أنت راضٍ عن الله؟ إذا كنت راضٍ عن الله؟ فثق تماما أنه قد رضي عنك؛ لأنه لا يرزقك الرضا عنه، ما لم يكن قد رضي عنك‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ) والوحيدة في القرآن كله (تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ) ولم يقل‫: (من تحتها) وإن كانت قرأت (من تحتها) لكنها لوحيدة، ولله في خلقه شئون، ولله في تدبيره أمور وغيوب، تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً بلا نهاية؛ لذا عقّب بقوله (ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ (١٠٠)) وهل هناك فوز بعد ذلك؟!‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫هل هناك فوز بعد الفوز برضوان الله؟! هل هناك فوز بعد الفوز بالخلود في جنة عدن؟!‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وتنتقل الآيات بعد ذلك لبيان صنف من الناس مرة أخرى‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَـٰفِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍۢ ﴿101﴾
‫(وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَـٰفِقُونَ) ليس من الأعراب فقط بل (وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ) ، من أهل المدينة التي أشرق فيها النور الذين يرون سيد الخلق! نعم (مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ) تمرنوا عليه، وتمهّروا فيه، وتمّرسوا عليه، أصل الكلمة، تفيد اللين، والملامسة، والتجريد، والتجرّد غصن أمرد‫: لا أوراق فيه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الفتى الأمرد‫: لا لحية له، صرح ممّرد‫: أملس‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫المارد‫: الشيطان، المارد‫: المتمرد، المتجرد للشر، مردوا على النفاق كأنهم تجردوا للنفاق، ولا شيء في حياتهم إلا النفاق.
‫(لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) مع كمال فطنتك، وعظيم فراستك لا تعلمونهم؛ لتمرسهم وتمهّرهم في النفاق، خفي أمرهم عليك، ورغم كمال فطنتك، وصدق فراستك، خفي امرهم عليك، ولكن هل يخفى على الله، كما توحي الآية بالستر، وكأن الله سترهم عن سيد الخلق، وعن المؤمنين علّ وعسى يعودون عن نفاقهم، فربنا هو الستار‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫( سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ) في الدنيا بالقتل والأسر، بعذاب القبر، بأموالهم، وأبنائهم الذين قال الله فيهم، (وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا) [سورة التوبة آية‫: ٨٥].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫سنعذبهم مرتين بأموالهم التي منعتهم عن الخروج التي جعلتهم يتخلفون عنك، سنعذبهم بالأمراض في الدنيا، مرض المؤمن كفارة لا محالة، ومرض الكافر عقوبة حتى الشوكة يشاكها المؤمن يكفر الله بها من سيئاته، يرفع من درجاته، سنعذبهم مرتين بصنوف العذاب المختلفة، ثم يردون إلى عذاب عظيم يوم القيامة‫.‬‬
وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ﴿102﴾ خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةًۭ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌۭ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿103﴾ أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴿104﴾
‫‫(وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ (١٠٢)) من هؤلاء؟ قلنا إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تخلّف عنه الكفار الذين زعموا الإسلام وأبطنوا الكفر - المنافقون - تخلّف عنه بعض الناس كسلاً، تخلّف بعض الناس جهلاً، أسباب التخلّف كانت كثيرة من هؤلاء مجموعة تخلفت عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تكاسلاً، إيثارا للظل والدعة، والراحة، وعدم تقدير لخطورة التخلف، وحين سمعوا بما نزل من آيات على الذين تخلفوا أو هم شعروا بالندم، ربطوا أنفسهم في سواري المسجد، وكانت من جذوع النخل، وحلفوا ألا يحلهم إلا رسول الله ندماً على خطيئتهم في التخلف، وجاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ورآهم، قال‫: (مَا هَؤُلَاءِ أَوْ مَا خَبَرُهُمْ؟ قَالُوا‫: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْسَمُوا أَلَّا يَحِلَّهُمْ إِلّا أَنْتَ وَنَدِمُوا عَلَى عَدَمِ الخُرُوجِ)، وينزل القرآن عنهم (وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا وَءَاخَرَ سَيِّئًا) الواو بمعنى الباء أو (مع) أي خلطوا عملا صالحا بآخر، أو خلطوا عملا صالحا مع آخر.
‫العمل الصالح‫: خروجهم في الغزوات السابقة، العمل الصالح الندم، والتوبة، والاستغفار، العمل السيء‫: تخلفهم عن غزوة تبوك (خَلَطُوا۟ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) (عسى) من الله واجبة؛ لأن كلمة (عسى) في اللغة اطماع، وترجي، وإذا أطمع الرجل رجلا آخر قد يفي، وقد لا يفي، أما الله إن أطمع عبداً فيه، فلا يمكن أن يخيب رجاه‫. من هنا قالوا (عسى) في حق الله واجبة، تفيد التحقيق؛ لذا حين نزلت الآية فأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بإطلاقهم؛ لأنهم حين قالوا له‫: أن هؤلاء أقسموا ألا يحلوا أنفسهم إلا أن تحلهم أنت قال‫: (وَاللَّهِ وَأَنَا أُقْسِمُ أَلّا أُحِلَّهُمْ حَتّى يَنْزِلَ فِيهِمْ الْأَمْرُ) فنزلت الآية، فأطلقهم (إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ (١٠٢)) غفور لمن تاب، رحيم لمن أناب.
‫حين أُطلقوا ذهبوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقالوا‫: يا رسول الله تخلفنا عنك وأخطأنا، وكان سبب تخلفنا خوفنا على أموالنا، ها هي أموالنا كاملة خذها، وخلصنا من هذه الأموال التي كانت سببا في خطيئتنا وتخلفنا، صدقة، وتنازلوا عن جميع مالهم، فأبى أن يأخذها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال‫: (لَمْ أُومَرْ بِشَيءٍ فِي هَذَا) فنزل قول الله (عز وجل): (خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةًۭ) علم الله صدق نيّتهم، وطيبة سريرتهم، فقبل منهم الصدقة، ولكن ليس كل المال (مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ) فأخذ ثلث أموالهم صدقة، تطهرهم من ذنبهم، تطهرهم من معصيتهم (وَتُزَكِّيهِم) تنمي حسناتهم، وترفع من درجاتهم حتى يلحقوا بالسابقين، ويلحقوا بالأبرار (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) بشرى، ورفع للدرجات، إنه يحب التوابين، وهذه علامة على الحب، هؤلاء تابوا، وربطوا أنفسهم بالسواري، وانظر إلى حبه لهم كيف أمر بإطلاقهم! كيف قبل توبتهم! كيف أمر رسوله أن يأخذ من أموالهم قبولا لهذه الأموال! كيف أمره أن يدعو لهم ويستغفر لهم! أي ادعُ لهم يا محمد، واستغفر لهم، ثم يرفع مقام المصطفى (صلى الله عليه وسلم) أمام الكافة، ولكل من يسمع ويعقل (إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌۭ لَّهُمْ) بيّن لنا مقام سيد الخلق، وأن دعاءه، واستغفاره طمأنينة للقلوب، وسكينة للنفوس، (صل عليهم إن صلواتك سكن لهم) قراءة بالجمع، ومعرفة بأن الله قبل توبتهم (وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أيها الأخ المسلم، التوبة (إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)) [سورة البقرة آية‫: ٢٢٢] فالتوبة إلى الله من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى الله، كما أن التوبة يُستحب أن يصحبها صدقة، كهؤلاء ندموا، وأظهروا الندم، واعترفوا بخطئهم، تلك علامات التوبة الصادقة، ثم تصدقوا، وقبل الله منهم الصدقة، إذاً فإذا كانت التوبة مصحوبة، بالصدقة كان ذلك أحرى أن تُقبل، فقد قبل الله (تبارك وتعالى) توبة التائبين هؤلاء الذين ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، وقيل كانوا عشرة، أو كانوا سبعة على رأسهم أبو لبابة بن عبد المنذر قبل الله (تبارك وتعالى) توبتهم، وقبل منهم الصدقة، طهرهم بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وزكّاهم، نمّى حسناتهم، ورُفعت بها درجاتهم وأُمر (صلى الله عليه وسلم) أن يدعو لهم، وأن يستغفر لهم، وجاءتهم البشرى بتوبة الله عليهم، ويبدو أن بعض المتخلفين تعجبوا، هؤلاء ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، هؤلاء اعتذروا فلِمَ حدث معهم ذلك، ولم أُطلقوا، ولِمَ لمْ يحدث مع الكل، ربما قيل هذا الكلام من المنافقين كانوا معنا بالأمس ها هم عادوا إلى صفوف المؤمنين، لماذا وكيف حدث هذا؟ وتنزل الإجابة (أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ (١٠٤)).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫إجابة أو الكلام لمن تيب عليهم بعد ما أُطلقوا وتصدقوا، وقبلت نفقاتهم وصلى عليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أو الكلام لكل من يسمع، ولكل من يعقل، ولكل تائب، ولكل منفق‫. والآية فيها لفتة، وانتبه (أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ) كلمة (هو) هنا كان من الممكن أن يستقيم الكلام في تقديرنا باللغة (ألم يعلموا أن الله يقبل التوبة ) فالكلام صحيح كلغة، ولكنه قال (هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ) ؛ ليبين لك أنه (سبحانه وتعالى) هو المنفرد بقبول التوبة، ولو قال ألم يعلموا أن الله يقبل التوبة، لتوهم البعض أن قبول الرسول لتوبة الناس، قبولٌ من الله، كطاعة الرسول، طاعة لله، لكن الله أراد أن يبين لنا أنه المنفرد سبحانه بقبول توبة عباده، فليس لنبي مهما كان، أو لملَك مقرَّب هذا الحق‫. بل هو (سبحانه وتعالى) المنفرد بهذه الأمور (هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ) إذاً فرسول الله واسطة فقط، والآخذ للصدقة هو الله، فصدقة العبد تقع في كف الرحمن قبل أن تقع في كف أحد، فيربيها كما يربي أحدكم فلوّه، حتى إن اللقمة تصبح يوم القيامة كجبل أحد.
‫(وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ (١٠٤)) التأكيد، والتكرير، وذكر لفظ الجلالة لتربية المهابة‫.‬‬‬‬‬
وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿105﴾
عفا الله عما سلف، فكيف يكون الحال فيما هو آت؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫‫(وَقُلِ ٱعْمَلُوا) إذاً فالتوبة تكفّر ما فات، ولكن مطلوب بعد التوبة العمل الصالح فيما هو مستقبل، حتى تستفيد بالتوبة التي تابها الله عليك؛ ‫(وَقُلِ ٱعْمَلُوا) في المستقبل (فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ) أي أن عمل المؤمن يظهر للمؤمنين؛ ولذا قال بعض الناس‫: لو عمل العبد عملا في داخل صخرة صمّاء لخرج عمله إلى الناس، إلى المؤمنين.
‫(وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)) إذاً فهي أمر بالعمل، أمر بمداومة الاستقامة أمر بمداومة الصلاح، وبعد ذلك يأتي الكلام عن آخرين لهم قصة، ويا لها من قصة! من حيث الغرابة، من حيث التأديب فيها، من حيث التعليم.
وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ﴿106﴾
‫(وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ) ، (وآخرون مرجؤون لأمر الله) قراءة، أي مؤخرون لأمر الله فيهم، فالحديث عن المتخلفين، منهم المنافقون، منهم أعراب، منهم من أهل المدينة مردوا على النفاق، منهم اعتذروا بالكذب، منهم تكاسلوا، منهم اعترفوا بذنوبهم، منهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، هناك مجموعة أخرى لها شأن آخر(مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ) تركهم ربنا، تبارك وتعالى، ولم يبين في شأنهم شيء (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) الترديد هنا لنا للعباد، أما الله فهو عالم بما كان وما سيكون، قضى وقدّر من الأزل (وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ (١٠٦)) عليم بعباده حكيم فيما قضى ويقدّر في شأنهم، هؤلاء هم الثلاثة الذين خُلّفوا، وأرجئوا، أرجأهم النبي (صلى الله عليه وسلم) ومكثوا منتظرين لأمر الله خمسين ليلة، خمسون يوما هي مدة الغزوة، غزوة تبوك استغرقت من الليالي خمسون ليلة، هؤلاء تخلفوا عن الغزوة، وتمتعوا بالظل، ونسائهم مدة الغزوة، فأرجهم الله (تبارك وتعالى) تلك المدة، لا يدرون أيعذبهم أم يتوب عليهم‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫تحكي لنا الآيات عن فريق آخر من المنافقين، مكروا، وكادوا، وبلغ كيدهم أعلى درجات الكفر والخداع، فريق من المنافقين من أهل المدينة، وكما قص الله علينا في آيات سابقة (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَـٰفِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ) [سورة التوبة آية‫: ١٠١] يحكي القرآن عن هؤلاء المنافقين من أهل المدينة الذين اتخذوا مسجداً ضرارا، وكفرا، وتفريقا بين المؤمنين، كان لهم زعيم يدعى (أبا عامر) تنصر في الجاهلية، وترهب، وأراد أن تكون له الرياسة، فبُعث النبي (صلى الله عليه وسلم) وظهر الحق، وأشرق النور، فذهبت رياسته، فعادى النبي (صلى الله عليه وسلم) بل قال له‫: (لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم)، وامتلأ قلبه بالحقد، وحين هُزمت هوازن، وثقيف في غزوة حنين، وهُزم معهم، فقد كان يشارك الأعداء في قتال النبي (صلى الله عليه وسلم) هرب إلى الشام، وقال لإخوانه من المنافقين استعدوا، فسوف أجيء ومعي جنود من الشام، وذهب يستعدي قيصر على النبي (صلى الله عليه وسلم) وأراد أن يعود بجنود من قِبل قيصر ليخرج النبي (صلى الله عليه وسلم) من المدينة، واتفق مع أتباعه فجاءوا في قباء، وقريبا من مسجد قباء الذي بناه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في بدء الهجرة حين هاجر إلى المدينة نزل في قباء عند بني عمرو بن عوف، وبنى مسجد قباء من يوم الإثنين إلى يوم الجمعة، ثم انتقل بعد ذلك إلى المدينة، فأسس مسجده بالمدينة، جاءوا إلى جوار مسجد قباء، وبنوا مسجداً آخر يترقبون به أبا عامر الراهب، والذي أطلق عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أبا عامر الفاسق، يترقبونه، ويجتمعون فيه، يدبرون المكائد، بل ويحاولون التفريق وسحب المصلين من مسجد قباء، فتتفرق الكلمة، زعموا أنهم بنوا هذا المسجد لذي الحاجة، والعلّة، والليلة المطيرة، قريبا، وبدلا من أن يذهب إلى مسجد قباء يصلي في المسجد المجاور له، وذهبوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقالوا‫: يا رسول الله إنا بنينا مسجداً لذي العلة، والحاجة، والليلة المطيرة، هلم فتعال فصلِّي فيه حتى نتخذه مصلى، قال‫: (أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَنَا عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ، وَشُغْلٍ)، وكان يتجهز لغزوة تبوك، وبعد عودته جاءوه مرة أخرى، وهمّ النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يذهب إليهم ودعا بقميصه، فنزل جبريل يحكي عنهم:
وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًۭا ضِرَارًۭا وَكُفْرًۭا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًۭا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ﴿107﴾ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًۭا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌۭ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ ﴿108﴾
فاستدعى النبي (صلى الله عليه وسلم) بعضا من أصحابه مالك الدخشم، ومعدي بن عدي، ويزيد بن السكن، وحشي الحبشي، وقال‫: اذهبوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه، واحرقوه، بل واتُخذ المكان بعد ذلك يُلقى فيه الجيفْ، الحيوانات الميتة، والقمامة، ولم يكن يمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من طريقه أبدا‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫‫(وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًۭا ضِرَارًۭا) أي ومن المنافقين، وممن حكينا لك عنهم، الذين اتخذوا مسجداً ضراراً أي للإضرار بالدعوة، أو للإضرار بالمسلمين، أو للإضرار بأهله الذين يأتون بسلامة نيّة، فيصلون فيه، وهم لا يعلمون نيّة من بنوه (وَكُفْرًۭا) أي وزيادة في الكفر، وتأكيد للكفر (وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ) إذ ينقسم الناس بدلاً من التجمع والجماعة، والبركة، والأخوّة، والمحبة، الحادثة في مسجد قباء يتفرق بعضهم يصلي هنا، وبعضهم يصلي هناك (وَإِرْصَادًۭا) ترقبا وانتظاراً (لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ) أبو عامر الفاسق (وَإِرْصَادًۭا) انتظارا له، وترقبا لوصوله الذي حارب الله ورسوله من قبل أن يُبني هذا المسجد (وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ) أي يقسموا بالأيمان المغلّظة أنهم أرادوا الخصلة الحسنة، وهو ذكر الله والصلاة والتيسير على المسلمين، وتقريب المكان لهم لذي الحاجة، لذي العلة، وفي الليلة المطيرة.
‫(وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ (١٠٧)) (إن) (واللام) للتأكيد على كذبهم، وادعائهم ونفاقهم.
‫(لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًۭا) أي لا تصلي فيه، ولا تقم فيه للصلاة؛ لأن القيام صلاة، والصلاة قيام لا تصلي فيه أبداً، في حين من الأحيان، أو في وقت من الأوقات.
‫(لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ) هو مسجد قباء، أو هو مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة خلاف في الرأي، والمسجدان أسسا على التقوى من أول يوم، أما مسجد قباء فقد أُسس على التقوى من أول يوم وصل فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى أطراف المدينة، ومسجد المدينة أُسس على التقوى من أول يوم وصل فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى داخل المدينة (لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) واللام هنا لام التأكيد أي لام القسم (أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ) أي أوْلى وأجدر أن تقوم فيه و(أَحَقُّ) أفعل تفضيل من (حق) لكن أفعل التفضيل يأتي في شيئين مشتركين في شيء لأحدهما فيما اشتركا فيه مزيَّة عن الآخر، فهل الصلاة في مسجد الضرار حق، والصلاة في مسجد التقوى أحق؟ أبداً، وإنما الكلام جاء للتأكيد على أن الأحقية للمساجد التي أسست على التقوى، وأنهم وإن كانوا يرون أن البناء حق في نظرهم لكن الله (تبارك وتعالى) يعلم نيّاتهم‫: (فِيهِ رِجَالٌۭ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)) ، يقال‫: إن الآية حين نزلت ذهب النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى مسجد قباء، وذاك يؤكد الرأي القائل أن المسجد المشار إليه هو مسجد قباء ذهب إلى المسجد ووقف على الباب، فوجد جماعة من الأنصار يجلسون، فقال‫: (أَمُؤْمِنُونَ أَنْتُمْ؟ " فَسَكَتُوا، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ عُمَرُ فِي آخِرِهِمْ: نَعَمْ، نُؤْمِنُ عَلَى مَا أَتَيْتَنَا بِهِ، وَنَحْمَدُ اللَّهَ فِي الرَّخَاءِ، وَنَصْبِرُ عَلَى الْبَلاءِ، وَنُؤْمِنُ بِالْقَضَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مُؤْمِنُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ خَيْرًا فِي الطُّهُورِ فَمَا طُهُورُكُمْ هَذَا؟ " فَقَالُوا‫: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ وَنَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَهَلْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ غير لي " قَالُوا‫: لا غَيْرَ إِنَّ أَحَدَنَا إِذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ، قَالَ: " هُوَ ذَلِكَ فَعَلَيْكُمُوهُ) ، (فِيهِ رِجَالٌۭ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)) وأمرهم بالمداومة على ذلك؛ إذ كانوا يجمعون للاستنجاء بين الأحجار - الاستجمار - والماء وكل منهما يكفي في الاستنجاء؛ لكنهم كانوا يحبون التطهر ولا ينامون على جنابة، فأثنى الله عليهم؛ لأنهم يحبون التطهر ظاهرا وباطنا (فِيهِ رِجَالٌۭ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟) الكلام عن الرجال في مسجد قباء، أو عن الرجال في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة، ونعتقد والله أعلم أن الكلام عن الكل في المسجدين؛ لأن هناك حديث يرويه أبو سعيد الخدري عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين سُئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم قال‫: (مَسْجِدِي هَذَا) فتضاربت الآراء، إذاً فالمسجدان مرادان بهذه الآية، ويأتي سؤال إنكاري.
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَـٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَـٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍۢ فَٱنْهَارَ بِهِۦ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿109﴾
يضرب الله (تبارك وتعالى) المثل، ويمثل من أقام قواعد دينه على أرض صلبة من التوحيد والإيمان، والفهم، والثقة، والنية الصادقة، كمن أقام قواعد دينه على أرض منحدرة، ترابية لا يثبت عليها بناء، فسقط بناؤه، وجرفته الرياح والسيول، هل يستوي هذا البناء وهذا البناء؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(أفمن أسَّس بنيانَه) ، (أفمن أُسِّسَ بنيانُه) ، (أفمن أسَسُ بنيانُه) ، (أفمن أُسسُ بنيانه) (أفمن أساسه بنيانه) قراءات.
‫(عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ) قاعدة صلبة من تقوى الله، من الرغبة في محابه، ورضاه (وَرِضْوَٰنٍ) سعي إلى رضوانه (جل وعلا) (خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَـٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) الشفا‫: الحرف، والشفير‫: الجُرف، والاجتراف في الأصل‫: إزالة الشيء من أصله، الجُرُفُ: المنحدر الذي يجرفه السيل من الوادي، ينزل الماء على الجبل، فيخط لنفسه مسيراً أو مسلكاً، هذا المكان المنحدر عن يمينه وعن شماله، من أثر النحت، يوجد الطين أو التراب، أشياء سهلة الوقوع، سهلة السقوط، ذاك هو الجُرُف، (جُرُفٍ هَارٍ) ساقط منحدر، ساقط .
‫(فَٱنْهَارَ بِهِۦ فِى نَارِ جَهَنَّمَ) أي فانهار الجُرُف بالبنيان في نار جهنم، أو فانهار البنيان بمن بناه في نار جهنم، (وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ (١٠٩)) لا يوفقهم لما فيه صلاحهم، لا يوفقهم لما فيه نجاتهم، لا يوفقهم لما فيه مصلحتهم.
‫وهنا توقف العلماء وقالوا‫: هل الكلام على الحقيقة أم الكلام على مجاز؟ إذا كان الكلام على الحقيقة فجهنم في الأرض، ولذا قال بعضهم‫: رُوي أن الدخان كان دائما، وأبداً يتصاعد من المكان وأن الرجل إذا وضع شيئا من سعف النخيل خرج مشتعلا، إذاً فجهنم على الحقيقة موجودة في باطن الأرض، وإنهيار المبنى انهار فعلا، ونزل في جهنم، والبعض الآخر قال الكلام على المجاز، فانهار به في نار جهنم، تشبيه، وجهنم يعلم الله (تبارك وتعالى) مكانها.
لَا يَزَالُ بُنْيَـٰنُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْا۟ رِيبَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿110﴾
بنيانهم‫: مصدر أريد به المفعول أي المبنى‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫ريبة‫: شك، ندم، حسرة، ريبة، زيادة في النفاق، إذاً هذا المبنى الذي بُني من أجل الكفر، والمحاربة لله ولرسوله، علامة من علامات النفاق في قلوبهم، وكأنه حفر في قلوبهم علامة للنفاق، فلما هُدم ظل أثره، وظل النفاق في قلوبهم محفورا، حسرة، ندامة، غيظ، شك زيادة في النفاق (إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) يظل هذا موجودا في قلوبهم حتى الموت، حيث تتقطع قلوبهم أو إلى التوبة، وكأن شدة الندم والتوبة تقطع نياط القلب، أو إلى الدفن حيث عذاب القبر الذي يقطع القلوب.
‫وقرأت بقراءات تغير المعنى مثل‫: (إلا أن تُقطع قلوبُهم) (إلا أن تَقَطّع قلوبهم) والمعنى واحد (إلا أن تُقَطِع قلوبهم) أنت يا محمد بالقتل وبالأسر، وقُرأت إلى (إلى أن تقطع قلوبهم) غاية.
‫(وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)) عليم بنياتهم، وأفعالهم، حكيم فيما عاملهم به، وكشفهم لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأمره بهدم المسجد، وينتقل الكلام إلى الأحباب إلى من تاجروا مع الله وبضدها تتميز الأشياء.
إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ۚ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ ۚ فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴿111﴾
‫‫(إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ) كأن المؤمن كان يتاجر مع الله بالبيع والشراء، ربنا اشترى والمؤمن باع، والعقد موثق في الكتب السماوية، في التوراة، والإنجيل، والقرآن، والواسطة في الصفقة سيد الخلق، والبائع مؤمن، والشاري رب العزة، وتأمل نفوسا خلقها، وأرزاقا قدّرها، ثم وهبها لعباده، ثم اشتراها منهم، وانظر إل الكرم (ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ) من أين جاءت هذه النفوس، هو الخالق لها (وَأَمْوَٰلَهُم) من أين جاءت هذه الأموال، هو الرازق، اشترى ما خلقه، اشترى ما منحه، اشترى ما وهبه، وانظر إلى الكرم (بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ) ذاك هو الثمن، ذاك هو المقابل، وعد، وعده الله (تبارك وتعالى) ووعد الله حق موثق مذكور في التوراة كتاب موسى، والإنجيل كتاب عيسى، والقرآن كتاب محمد (صلى الله عليه وسلم) التعبير عن البيع أو البيع يعبّر عن أن الإنسان يجود بنفسه، ويجود بماله في أي شيء وكيف؟ (يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) ذاك هو السوق الذي تم فيه البيع والشراء، يقاتلون ويجاهدون في سبيل الله، ذاك ما يجاهدون من أجله وله (فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) إذاً قتل أو قُتل فالأجر واحد؛ لأنه ليس بإرادته أن يُقتل أو أن يَقتل، وإنما الله فعّال لما يريد فإن قُتل واستشهد ربح البيع، وإن قَتل ربح بيعه (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا) مصدران مؤكدا للوعد (فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ) مذكور هذا الوعد في التوراة، والإنجيل، والقرآن، ثم يأتي السؤال الذين يفيد معناه النفي (وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ) لا أحد، هلمّ أظهروا الفرح (فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِ) ، وكأن الله (تبارك وتعالى) يأمر هؤلاء البائعون أنفسهم، وأموالهم أن يظهروا الفرح والسرور على البشرة (وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ (١١١)) ، في بداية البعثة ظهرت معادن، ظهرت رجال لو نظروا إلى الجبال لزالت من أماكنها، رجال قام الدين على أكتافهم، رجال نصروا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نصراً مؤزراً، رجال آمنوا بالله وبرسوله إيمانا لا يقاس به إيمان، هم خير البرية، هم خير القرون، هم، وهم، قل فيهم ما شئت، وهذه الآية نزلت في بعضهم وكيف نزلت؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫في بداية البعثة وقبل هجرة النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة جاء الأنصار يبايعونه بيعة العقبة، وكانوا سبعة في البيعة الأولى، في العام الثاني، إذا بالسبعة سبعون، جاء سبعون من الرجال يبايعون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) البيعة الثانية، بيعة العقبة، بايع فيها السابقون من الأنصار، قال عبد الله بن رواحة من شعراء النبي (صلى الله عليه وسلم) والذي استشهد في غزوة مؤتة، (اشْتَرِطْ لِرَبِّكَ ولنَفْسِكَ مَا شِئْتَ، قَالَ: " أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِيَ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَمْوَالَكَمْ "، قَالُوا‫: فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ فَمَاذَا لَنَا؟ قَالَ: " الْجَنَّةُ "، قَالُوا‫: رَبِحَ الْبَيْعُ، لا نَقِيلُ وَلا نَسْتَقِيلُ). أي متمسكون ببيعتنا لا نتركها أبدا، فنزل جبريل يقول ‫(إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ) والآية وإن كانت نزلت في هذه المناسبة إلا أن الآية عامة في كل مكان وزمان.
‫ويأتي ذكر الكَمَلة من المؤمنين، والكُمَّلْ، أهي صفات من باعوا أنفسهم، وأموالهم لله، أم هم فريق آخر لم يستطيعوا الجهاد لعذر أو لضرر أو لظروف أو هم في زمان ليس فيه جهاد؟ الأرجح والأقرب والأشبه أن الصفات لأناس آخرين.
ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ ٱلْحَـٰمِدُونَ ٱلسَّـٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ ٱلْـَٔامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿112﴾
قال بعضهم‫: الآية متعلقة بالآية السابقة‬‬‬ ‫(إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ۚ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ ۚ فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ (١١١) ٱلتَّـٰٓئِبُونَ)‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أي هم التابئون، الرأي الآخر وهو الأرجح، التابئون مبتدأ محذوف الخبر، خبره في آخر الكلام، هم أيضا لهم نفس الثواب، والأجر، وإن لم يجاهدوا‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫(ٱلتَّـٰٓئِبُونَ) الراجعون إلى الله، الممتنعون عن المعاصي التي وقعوا فيها، وندموا عليها، فعادوا إلى الله، أو المقصّرون في الطاعة، فرجعوا إلى الله وأقبلوا على الطاعة، فهناك توبة عن ذنب، وهناك توبة عن تقصير، والتوبة أنواع، فشتان بين تائب عن الزلاّت، وتائب عن الهفوات، وتائب عن رؤية الخطرات، التائبون بكافة أنواعهم، (ٱلْعَـٰبِدُونَ) المواظبون على عبادة الله (عز وجل) والإتيان بما فرضه الله (ٱلْحَـٰمِدُونَ) الحامدون لله في السراء والضراء، الحامدون لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار (ٱلسَّـٰٓئِحُونَ) السياحة في الأصل‫: السير على وجه الأرض، من ساح الماء، سال على وجه الأرض، قيل‫: السائحون هم الصائمون؛ لقول عائشة (رضي الله عنها وأرضاها) سياحة هذه الأمة الصيام.
‫وكأن الصائم امتنع عن اللذائذ، وعن، وعن، فكأنه ساح في الأرض، وقيل السائحون أي السائرون في الأرض لطلب العلم، أو السائرون في الأرض لطلب الجهاد، وقيل بل السائحون بفكرهم، المتفكرون في الخلق، المتأملون في الآيات، الذاكرون لله في كل حال، فهو سائح بفكره، وعقله في الآيات الدالة على التوحيد في خلق الله (عز وجل) ما يرى من شيء إلا ويذكّره بالله، ما يرى من شيء، إلا ويفكر فيمن أوجده، وخلقه ودبّره.
‫(ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ) جاء بذكر الركوع والسجود، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فكثرة الركوع، وكثرة السجود تدلل على التذلل الدائم، والخشوع والخضوع لله (عز وجل).
‫(ٱلْـَٔامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ) المعروف‫: ما عُرف حسنه بالعقل، والشرع، المعروف‫: الدين، المعروف الطاعة، المعروف‫: الدعوة إلى الله.
‫الناهون عن المنكر عن كل ما يغضب الله (عز وجل) عن المعاصي عن كل ما ينكره العقل والشرع (وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ۗ) وكأن كل الصفات التي مرت تفصيل مجمله (وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ) القائمون في كل ما أمر الله به، وفي كل ما نهى الله عنه، فهُم قائمون على حدود الله لا يتجاوزون أمر الله مطلقا، ولا يتجاوزون نهيه، لا يفتقدهم الله حيث أمرهم، ولا يجدهم أبداً حيث نهاهم.
‫(وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ (١١٢)) والقياس و(بشرهم) الكلام عنهم، فجاء بالمظهر مكان الضمير؛ ليدل على أن هذه الصفات هي الصفات التي تدل على كمال الإيمان، وكأن المؤمن الكامل هو الذي اجتمعت فيه هذه الصفات، إذاً فالإيمان الكامل يدعو إلى التخلق بهذه الأخلاقيات والاتصاف بهذه الصفات‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وفي الآية لفتة (ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ ٱلْحَـٰمِدُونَ ٱلسَّـٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ ٱلْـَٔامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ) جيء بالواو هنا، ولم ترد الواو قبل ذلك في الآية لِم ولماذا؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫قال بعضهم يأتي الكلام بواو أو بغير واو ولا فرق في المعنى كقوله‫: (غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ) [سورة غافر آية‫: ٣]، جاءت الواو في البعض ولم تأت في البعض، وقال البعض الآخر أبداً الواو هنا عاطفة الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؛ إذ لا يمكن أن ينفصل هذا عن ذاك، فالأمر بالمعروف يتطلب النهي عن المنكر، فجيء بالواو هنا ليبيّن أنهما متلازمان مترابطان لا ينفصلان؛ ليبيّن أنها كالأمر الواحد، أما الواو في (وَٱلْحَـٰفِظُونَ) فهي الواو العاطفة التي تدل على أن ما مضى تفصيل مجمله (وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وهناك رأي آخر غاية في الغرابة، الواو، واو الثمانية ما هي واو الثمانية تأمل وانظر (عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًۭا مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍۢ مُّؤْمِنَـٰتٍۢ قَـٰنِتَـٰتٍۢ تَـٰٓئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍۢ سَـٰٓئِحَـٰتٍۢ ثَيِّبَـٰتٍۢ وَأَبْكَارًۭا (٥)) [سورة التحريم آية‫: ٥] بعد سبعة مذكورات جاءت الواو واسمع‫: (سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌۭ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌۭ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًۢا بِٱلْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌۭ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) [سورة الكهف آية‫: ٢٢].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وكذلك (وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا) [سورة الزمر آية‫: ٧٣] ، وأما في شأن جهنم قال‫: (وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا) [سورة الزمر آية‫: ٧١].
‫في شأن الكفار بغير واو، وفي شأن أهل الجنة جاءت الواو؛ لأن أبواب الجنة ثمانية، وأبواب النار سبعة.
‫قالوا‫: العدد سبعة عند العرب، عدد صحيح كامل، وهم حين يعدون يقولون‫: واحد، اثنين ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، تسعة، عشرة، فتسمي الواو واو الثمانية.
‫فقد حضرت أبا طالب الوفاة، ودخل عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية من صناديد قريش، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ: آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ) ومات أبو طالب وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يستغفر له، ويدعو له، وكذلك كان المسلمون يستغفرون لمن مات على الشرك من ذوي قرباهم، فنزل قول الله (عز وجل) يبين أن الاستغفار لمن مات على الشرك ممنوع، وأنه لا حجة لمن قلد إبراهيم في استغفاره لأبيه، حيث سمع على ابن أبي طالب رجلا يستغفر لأبويه، وقد ماتا مشركين، فسأله، فقال له الرجل‫: ألم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ وذهب عليّ إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يحكي له ونزل قول الله (عز وجل):
مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ ﴿113﴾ وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍۢ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّۭ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌۭ ﴿114﴾
‫(مَا كَانَ) تأتي في القرآن على وجهين، تأتي بمعنى النفي، وتأتي بمعنى النهي، النفي كقوله عز وجل‫: (مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنۢبِتُوا۟ شَجَرَهَآ) [سورة النمل آية‫: ٦٠] ، وكقوله، عز وجل‫: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ) [سورة يونس آية‫: ١٠٠].
‫(وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ) [سورة آل عمران آية‫: ١٤٥]. ذاك من قبيل النفي، أما على النهي كقوله‫: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا۟ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓا۟ أَزْوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦٓ أَبَدًا) [سورة الأحزاب آية‫: ٥٣]
‫وكقوله هنا (مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ) فهي هنا بمعنى النهي إذا فربنا (تبارك وتعالى) ينهي عن الاستغفار لمن مات مشركاً، ولو كان من أقرب الأقربين، وقال بعضهم‫: بل النهي عن الصلاة، إذ الصلاة على الميت استغفار له، وعليه يُفهم من الآية أمور:
‫الأمر الأول‫: أن الاستغفار للمشرك ما دام حياً جائز، فلو أن رجلا وجد أمه على الشرك، أيصح أن يدعو لها بالإيمان، ويدعو الله لها بالمغفرة؟ نعم، فإن ماتت عل شركها، حرُم عليه الاستغفار لها، كذلك الصلاة، لا تصح صلاة الجنازة، إلا على من مات مسلما، ولو مات مرتكبا للكبائر؛ لأن الله (تبارك وتعالى) حين نهى عن الاستغفار، نهى عن الاستغفار لمن مات مشركا، إذا يفهم من ذلك أن الاستغفار حال الحياة جائز، والأمر الثاني‫: أن الصلاة على من مات مسلم جائز، ولو كان من مرتكبا للكبائر.
‫(مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ) كالأب، والأم، والأخ، والعم، والخال (مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ) للمؤمنين (أَنَّهُمْ) أن الذين ماتوا أو أن المشركين من (أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ (١١٣)) وأنهم ماتوا على الشرْك، إذا لا يمكن أن يتبين لك مصير إنسان في الآخرة إلا بعد الموت، فمن مات على الإسلام، فهو في رحمة الله، ومن مات على غير الإسلام، مات على الشرك، أو الكفر، فقد تبين من حيث ظواهر الأمور والله عليم بالبواطن، فربما مات رجل يُعد من الكفار، وقد كان يكتم إيمانه، فالله عالم ببواطن الأمور، أما نحن فلنا الظاهر، فمن مات على الإسلام، وجبت الصلاة عليه، وصح الاستغفار له، ومن مات مشركاً أو كافراً منعت الصلاة عليه، ومُنع الاستغفار له، وإن كانت العلة التي يتعلل بها المستغفرون في ذاك الوقت باستغفار إبراهيم فيبين ربنا السبب فيقول:
‫(وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍۢ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ) (إلا عن موعدة وعدها أباه) قراءة‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫إذا فقد وعد إبراهيم أباه أن يستغفر له بقوله‫: (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّۭا (٤٧)) [سورة مريم آية‫: ٤٧].
‫(فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ) بموت الأب على الكفر أو بما أُوحي إليه، أن الأب يموت على كفره، أو مات الرجل على الكفر، وحين تبين له بموت الأب على الكفر، امتنع عن الاستغفار، وتوقف وتبرأ منه، وقد يُفهم أن الواعد هو الأب (وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍۢ وَعَدَهَآ) الأب (إِيَّاهُ) أي إبراهيم وعده بالإيمان في قول من الأقوال، فحين وعد الأب ابنه بأن يؤمن أخذ يستغفر له ويدعو له، فلما لم ينفذ وعده، وظل على كفره، ومات عليه، امتنع إبراهيم عن الاستغفار، والقول الأرجح، الواعد إبراهيم؛ إذ هو الذي قال (لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) [سورة الممتحنة آية‫: ٤].
‫(إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌۭ ﴿١١٤﴾) الأوّاه‫: القانت، الخاشع، الخائف، الوجل، المتأوه من ذنوبه، أوّه الرجل تأويها، وتأوه تأوهاً قال‫: آه، ومتى يقولها الرجل؟ يقولها إشفاقا على نفسه، معاصيه يقولها خوفا من عقاب الله وحسابه، يقولها كما قالها إبراهيم آه من النار قبل ألا تنفع آه، الأوّاه‫: الشفيق، الرحيم بعباد الله، الأوّاه‫: رقيق القلب، المكثر من ذكر الله، المستغفر لذنوبه في كل وقت، حليم، صبور على الأذى، عفوّ عن الإساءة ‫(إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌۭ ﴿١١٤﴾) وكأن الصفة علة لاستغفاره لأبيه.
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًۢا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿115﴾
حين نزلت الآيات بالنهي عن الاستغفار للمشركين، خاف الصحابة الذين كانوا يستغفرون لآبائهم وأمهاتهم، فيبين ربنا (تبارك وتعالى) أنه لا يحاسب الغافل، ولا يعاقب أحداً إلا بعد أن يبين له ما يجب أن يمتنع، فإن ارتكب عوقب.
‫‫(وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًۢا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰهُمْ) أي يعاملهم معاملة الضلال، أو يوقع في قلوبهم الضلال بعد أن أدخل فيها الهدى، وما كان الله ليحاسبهم محاسبة من ضل بعد أن هداهم، ووفقهم للهدى، إلا بعد أن يبيّن لهم ما يتقونه، فلا يتقونه حينئذ يعاقبهم حينئذ يضلهم، نزلت الآية في شأن من مات قبل تحريم الخمر، وقد شربها، نزلت الآية فيمن استغفر لأبويه قبل نزول النهي (إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)) عليم بالبواطن، عليم بالسر، عليم بما ظهر، عليم بنياتهم، عليم بأفعالهم، عليم بما يصلحهم، عليم بما أحل، وحرم، ومتى يُحل، ومتى يحرِّم، فقد أخذ الناس بالتدرج.
إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ ﴿116﴾
حين يأمر ربنا (تبارك وتعالى) المسلم أن يتبِّرى من أهله الذين ماتوا على الكفر، حين يأمر ربنا (تبارك وتعالى) المؤمن أن يتبرأ من أقرب الناس إليه، وأن يهجر أهل المعاصي، وحين يحكي عن إبراهيم، وعن هذا البلاء المبين، حين يجد الابن أباه في ضلال، حين يمنع الابن من أن يقول‫: يرحمك الله يا أبي، حين يجد أن الأب مصيره إلى النار تلك واحدة.
‫الأخرى أن الناس دائما يتناحرون، ويستنصرون بذوي القربى، ويلجأون إليهم في الملمات، فإذا كان المسلم سوف يتبرأ من أقرب الناس إليه حال كفرهم، فمن له؟ ومن يكون له، ومن ينصره؟ الله‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫من هنا يبين لهم ربنا (تبارك وتعالى) أنه وإن كان قد أمر بالبعد عن أهل الكفر والفجور وعدم الاستغفار لمن مات مشركاً؛ إلا أن الله هو الولي، وهو النصير، وهو الملجأ وهو الملاذ؛ إذ هو له المُلك، وهو المالك لكل موجود، وهو المتصرف في كل موهوب.
‫(إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ (١١٦)) [سورة التوبة آية‫: ١١٦]. فالأولياء والأنصار وما إلى ذلك، إن كانوا على غير الدين، فلا ولاية لهم، ولا نصرة منهم، بل الولاية والنصرة لله، ثم تأتي البشارة للنبي (صلى الله عليه وسلم):
لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍۢ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُۥ بِهِمْ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿117﴾
‫(لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ) وهل أخطأ نبينا (صلى الله عليه وسلم) ؟ هو المعصوم في الشيبة والشباب، هو الذي تعلمنا منه مكارم الأخلاق، هو قرآن يمشي على الأرض، هو سيد الخلائق أجمعين، تاب الله عليه من أي شيء؟ هنا تحير العلماء، فقال بعضهم‫: تاب عليه حيث أذن للمنافقين في التخلّف، كما جاء في قوله (عز وجل) (عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ (٤٣)) [سورة التوبة آية‫: ٤٣].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وقال بعضهم‫: بل ذُكر الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأنه هو سبب التوبة، فلولاه ما تعلمنا التوبة، وقال بعضهم‫: بل ذكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للحض على التوبة بمعنى إذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) قد تيب عليه، فكيف بنا، إذاً فنحن أوْلى بالاستغفار، كما أن الله، تبارك وتعالى، أمر الجميع بالتوبة بما فيهم الرسل والأنبياء، حيث قال عز من قائل (وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)) [سورة النور آية‫: ٣١] أمر بالتوبة؛ لذا قال بعض العلماء‫: التوبة فرض على كل مسلم، وعلى النبي (صلى الله عليه وسلم) كذلك، حيث قال له ربه (إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ ﴿١﴾ وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًۭا ﴿٢﴾ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا ﴿۳﴾ [سورة النصر آية‫:١ ‫: ٣] إذا فالتوبة واجبة، ومن هنا ذكر النبي (صلى الله عليه وسلم) للحض على التوبة.
‫(لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ). الكلام عن غزوة تبوك، لم تكن ساعة، بل الغزوة كلها كانت غزوة العسرة.
‫ساعة بمعنى (وقت) وقت العسرة حيث تعسّر الظَهْر، فكان العشرة يتعاقبون بعيراً، تعذّر وتعسر الزاد فكان الرجل يمص التمرة، ثم يعطيها لأخيه فيمتصها، وهكذا حتى تفرغ، نزلوا منزلا قال عمر عنه‫: كادت رقابنا أن تتقطع من شدة العطش، حتى كان الرجل يذبح راحلته، ويعتصر فرثها ليشرب (ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍۢ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُۥ بِهِمْ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿١١۷﴾) تزيغ قراءة، هل زاغت القلوب؟ نعم، وما معنى زاغت؟ أي مالت، أي أن الصحابة الذين خرجوا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في هذه الغزوة حين اشتد بهم العطش، واشتد بهم التعب، وكانت مدة الغزوة خميسن ليلة، أطول غزاة غزاها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأبعد غزاة وأشق غزاة، بل كان العدد معه أكثر الأعداد، في بدر كانوا ثلاثمائة وبضعة عشرة، في أحد سبعمائة، في خيبر ألف وخمسمائة، في الفتح عشرة آلاف، في حنين اثنا عشر ألفا، في تبوك ثلاثين ألفا في هذه الغزوة الشديدة كاد بعض الناس يميل للتخلف؛ لمجيئها في شدة الحر والقيظ، وحين خرج البعض كاد بعضهم يميل للرجوع، كما أن هناك من تخلّف، ثم ندم، أنقذه الله (تبارك وتعالى) فخرج ولحق برسول الله (صلى الله عليه وسلم) من هنا يبشر ربنا، تبارك وتعالى، جميع هؤلاء من تألم، من أوشك على القعود، من تخلّف ثم لحق، من خرج وحدثته نفسه بالرجوع كل هؤلاء يبشرهم ربهم (لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍۢ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ).
‫تأكيد لتوبته عليهم، قال في أول الآية لقد تاب، (ثم تاب) وكأنه تأكيد لتوبة الله عليهم، تأكيد لبقائهم، واستمرارهم على التوبة، أو وفقهم للتوبة فتابوا، ثم تاب عليهم (إِنَّهُۥ بِهِمْ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿١١۷﴾).‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أربعة أشياء في القرآن يجب الإلتفات إليها في الابتداء مع الله، الحب، والرضا، الذكر، التوبة‫. الحب‫: فإن ظننت أنك تحب الله، فاعلم أن الله سابق لك بالحب؛ لأنه القائل‫: (فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥ) [سورة المائدة آية‫: ٥٤].
‫والرضا‫: رضا الله سابق على رضا العبد، كما أن حب الله سابق على حب العبد، يحبك الله، فيرزقك حبه، يرضى عنك الله، فيرزقك الرضا عنه (رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ) [سورة التوبة آية‫: ١٠٠].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الذكر‫: أمرنا بذكره، ومهما ذكرت، فاعلم أن ذكْر الله أكبر، وأن ذكر الله سابق؛ لقوله‫: (وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ) [سورة العنكبوت آية‫: ٤٥] ، أكبر من ذكركم إياه‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫والتوبة‫: إذا ظننت أنك تائب، أو تتوب، فاعلم أن الذي وفقك للتوبة، والسابق للتوبة عليك هو الله (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا).
وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴿118﴾
فقد تخلّف بضعة وثمانون رجلا عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في هذه الغزوة، وظنوا أن النبي لم يتنبه، فعدد الخارجين كثير، ثلاثين ألفا، ولم يكن هناك ديوان يجمع أسماء هؤلاء، حين رجع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) انقسم المتخلفون إلى فئات‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫منهم من اعتذر وقَبِل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عذره ظاهراً، ولكن الله فضحهم وأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) ألا يقبل عذرهم، ولا يسمح لهم بالخروج معه مرة أخرى، (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ) [سورة التوبة آية‫: ٩٤] ذاك فريق المنافقون‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وهناك فريق من المسلمين ندموا على تخلفهم، كالذين ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، جماعة أبي لبابة، وقالوا‫: لا نحل أنفسنا حتى يحلنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فحلهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد ما نزل عليه الوحي بتوبة الله عليهم.
‫وهناك من قعد، ولم يعتذر جراءة على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجاء ذكرهم في نفس السورة (وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ) [سورة التوبة آية‫: ٩٠].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫وهناك ثلاثة لهم شأن، وهم المرجون لأمر الله في قوله‫: (وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) [سورة التوبة آية‫: ١٠٦]. هؤلاء الثلاثة هم‫: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، والثلاثة من الأنصار، أما كعب فقد شهد العقبة، وهلال، ومرارة ممن شهد بدراً، لكن الثلاثة تخلّفوا عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين عاد رسول (صلى الله عليه وسلم) وجاء المعتذرون، وجاء الذين لا عذر لهم، وجاء، وجاء وهكذا، جاءه كعب بن مالك، وكعب بن مالك أحد شعراء ثلاثة كانوا يقولون الشعر مدحاً في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جاء كعب، ودخل على النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد الصلاة، وجلس إليه، وسلّم، فتبسم النبي (صلى الله عليه وسلم) في وجهه تبسم المُغضب، (فَقَالَ لِي‫: مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ، لَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ يُسْخِطُكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى، وَلا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ قُمْ حَتَّى يُقْضَى فِيكَ)، لم يقبل عذره، وأرجأه، فخُلِّف وخرج كعب، ولامه أهله‫.‬‬‬‬‬‬
‫أعجزت أن تعتذر لرسول الله بعذر فيستغفر لك، لقد شهدت العقبة، وشهدت المشاهد، وفعلت، وفعلت، وأخذوا يراودوه حتى كاد أن يرجع، ويؤلف عذراً، لكن الله أنقذه وتداركه برحمته، فسأل‫: هل فعل أحد مثل ما فعل؟ قالوا‫: نعم رجلان، هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، فقال كعب‫: نعم الرجلين هما الأسوة لقد شهدا بدراً، وسكت، ولم يرجع لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وإذا برسول الله يأمر الصحابة جميعا أن يخاصموا الثلاثة، فلا يكلمونهم، ولا يزورونهم، ولا يسلمون عليهم، اعتزال كامل، وهجر مطلق، يحكي كعب فيقول‫: أما صاحباي فقد لزما بيوتهما يبكيان، وكنت أشب منهم وأجلد، فكنت أخرج، وأذهب إلى الأسواق، فإذا سلّمت ما ردّ علىّ أحد السلام، فكنت أدخل المسجد فأجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جالسا فيه، فأسلم فوالله ما أدري أحرك شفتيه برد السلام أم لا؟ فأقف قريبا منه، وأصلي، وأسارقه النظر، فإذا نظرت إليه أعرض عنّي، وإذا أقلبت على صلاتي نظر إلىّ، وضاقت عليّ نفسي، لا أحد يكلمني، لا أحد يرد علىّ السلام لا أحد يبيع، أو يشتري مني، هجر مطلق، وجفوة، فما كان منه إلا أن تسوّر بيت ابن عمه أبي قتادة كان أحب الناس إليه، لكن لم يأذن له بالدخول، فاضطر أن يتسلق الجدار فيدخل بيت ابن عمه، ودخل عليه، فقال‫: أنشدك بالله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فسكت فكررها ثلاثا، ولا يرد عليه أبو قتادة وفي آخر مرة قال‫: الله أعلم، ففاضت عيناه بالدموع، كعب يحكي عن نفسه ففاضت عيني بالدموع، وتسوّر الجدار، وخرج، ومضت أربعون ليلة على هذه الحال، وإذا برسول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يذهب إلى كعب ويقول‫: يا كعب إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يأمرك أن تعتزل امراتك، فقال كعب أطلقها أم ماذا؟ قال‫: لا، ولكن لا تقربنها، واعتزلها، فقلت لامراتي ألحقي بأهلك، يقول‫: كعب، وذهبت امرأته إلى أهلها، والأمر للثلاثة أن يعتزلوا نساءهم، هلال يجلس في بيته يبكي ليلا ونهارا، حين جاء الأمر باعتزاله امرأته، أمرها بأن تلحق بأهلها فأشفقت عليه، فذهبت إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تشفع (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَعِيفٌ، فَهَلْ تَأْذَنُ لِي أَنْ أَخْدُمَهُ؟، قَالَ: " نَعَمْ، وَلَكِنْ لا يَقْرَبَنَّكِ "، قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ لِشَيْءٍ، مَا زَالَ مُتَّكِئًا يَبْكِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ) ، فأذن لها، ومرت عشرة ليال، واكتملت المدة خمسون ليلة، مدة الغزوة، ويحكي كعب فيقول‫: وفي فجر الليلة الخمسين كان يصلي الفجر على سقف بيته، سمع صائحا من بعيد يا كعب‫: أبشر يا كعب، وجاءه البشير، فيقول‫: والله فخلعت ثوبيّ وكسوته إياها، وما أملك غيرهما، ثم استعرت ثوبا، فلبسته، وذهبت إلى المسجد، فوجدت رسول الله، فتقدمت إليه، وجلست بين يديه، وقد استنار وجهه كالقمر ليلة البدر، فقال لي‫: (أَبْشِرْ يَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، بِخَيْرِ يَوْمٍ أَتَى عَلَيْكَ مِنذْ يَوْمِ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ "، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَمِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدَكَ؟، قَالَ: " بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، ثم تلى (لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍۢ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُۥ بِهِمْ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿١١۷﴾ وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴿١١۸﴾) .‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫الثلاثة الذين خلفوا‫: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، خُلِّفوا أي أرجئوا ولم يقض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أمرهم شيئا، وقيل‫: هم المقصودون بقوله (وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) [سورة التوبة آية‫: ١٠٦] وحين ذاك قلنا وهذا عن الثلاثة ولهم قصة ويالها من قصة، هم المرجون أي المؤخرون أي المخلفون المتركون ليس بمعنى الذين تخلفوا (وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ) كما وصف كعب يقول ضاقت عليّ الأرض، وضاقت عليّ نفسي، ضاق عليهم، بما احتوت من الغم، والهمّ، والحزن، فلا تتسع لأنس، أو لسرور(ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ) والظن هنا بمعنى اليقين، أي تيقنوا ألا ملجأ من الله إلا إليه، بالاستغفار، باللجوء، بالتوبة، بالدعاء بالتضرع، لا ملجأ، ولا منجى منه إلا إليه، فقد تخلّى الكل عنهم ها هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سيد الخلق يخاصمهم لا يكلمهم، والصحابة، وإخوانهم، وأهاليهم وأقاربهم لا يردون عليهم السلام، ولا يكلمونهم من بقي لهم! لم يبق لهم إلا الله، (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) أي وفقهم للتوبة، وهداهم لئن يعودوا إلى الله، ويقبل توبتهم، والآية فيها بعض الآراء في مسألة التوبة أي أن الله أنزل توبتهم، (ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) بما اتسعت فالأرض واسعة (وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًۭا كَثِيرًۭا وَسَعَةًۭ) [سورة النساء آية‫: ١٠٠]، (وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ) [سورة الزمر آية‫: ١٠] (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟) أي وفقهم للمداومة على التوبة (إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴿١١۸)).
‫التواب‫: صيغة مبالغة، إذا يتوب على العبد، ثم يتوب على العبد إلى ما لا نهاية، ولو أخطأ العبد في اليوم ألف مرة، وتاب إلى الله لتاب الله عليه، إن الله هو التواب، الراجع على عباده بالتوبة، القابل توبة عباده، الموفق عباده للتوبة، مهما أذنب العبد، ومهما استغفر، مهما جاء بقراب الأرض خطايا، ثم استغفر الله، غفر الله (تبارك وتعالى) له، لو بلغت الخطايا عنان السماء ثم استغفر الخاطيء لغفر له‫: (وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا (١١٠)) [سورة النساء آية‫: ١١٠].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫هل قال مرة، مرتين؟ هل وضع حداً أم تركها مطلقة؟ فباب التوبة مفتوح على الإطلاق إلى أن تخرج الشمس من مغربها، مفتوح إلى أن يغرغر العبد، ولو أخطأ العبد في اليوم ألف مرة، واستغفر غفر الله له؛ إذ هو التواب الرحيم بعباده.
‫فقد انتفع المخلّفون الثلاثة بصدقهم، وأثابهم الله على صدقهم، فأنزل توبته عليهم في قرآن يُتلى إلى يوم القيامة.
‫الصدق أقسام‫: صدق في العقيدة، صدق في النية، صدق في القول، صدق في العمل.
‫الصدق كما وصفه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وحض الأمة عليه حيث قال‫: (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا) الذين صدقوا وخرجوا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ) [سورة التوبة آية‫: ١٠٠].‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫والذين تخلفوا واعتذروا وقبل ربنا (تبارك وتعالى) عذرهم، حيث ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، كأبي لبابة ومن معه، والذين جاءوا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) مقرِّين معترفين بذنوبهم، حيث قالوا‫: لا عذر لنا فخلفهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خمسين ليلة، ونزلت توبتهم، أنواع وأقسام، منهم قسم آخر وهم الذين تخلّفوا، ثم لاموا أنفسهم، فلحقوا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) كأبي خيثمة الأنصاري، تخلّف وكان له امرأة حسناء، فرشت له في الظل، في بستان له، وهيأت له الرطب، والماء البارد، والفراش الوثير، ودخل إلى بستانه وجلس، ثم قال‫: ظل ظليل، ورطب يانع، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله في الحر ورسول الله في الضح والريح ما هذا بخير، فقام ورحّل ناقته، وأخذ سيفه ورمحه، وسابق الريح ليلحق برسول الله (صلى الله عليه وسلم) والتفت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وراءه فوجد سوادا لإنسان، وجد رجلا يزول به السراب، فنظر إليه، وقال‫: (كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ)، وحين اقترب اتضح أنه أبو خيثمة، فسُرَّ به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ودعا له الصدق ليس هناك أفضل من الصدق، الصدق فضيلة اتصف بها الأنبياء، وأثنى الله (تبارك وتعالى) على نبيه إسماعيل بقوله‫: (إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ) [سورة مريم آية‫: ٥٤].
‫يوجه ربنا (تبارك وتعالى) الخطاب إلى الأمة، وإلى المؤمنين على وجه الخصوص، فيقول‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿119﴾
‫‫(يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ) اتقوا الله في كل ما نهى عنه، اتقوا الله في السر والعلانية (وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ (١١٩)) الذين خرجوا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم يتخلفوا عنه، السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والموفون بعهد الله أولئك هم الصادقون (رِجَالٌۭ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَيْهِ) [سورة الأحزاب آية‫: ٢٣].
‫والصادق في تعريف بسيط‫: هو ما استوى ظاهره وباطنه، ما اتفق ظاهره مع باطنه، ويأتي العتاب الرقيق من الرحمن الرحيم، لأهل المدينة ومن حولهم، أقرب الناس لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) مكاناً ومكانة في ذلك الوقت.
مَا كَانَ لِأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌۭ وَلَا نَصَبٌۭ وَلَا مَخْمَصَةٌۭ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوْطِئًۭا يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّۢ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٌۭ صَـٰلِحٌ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿120﴾
‫‫(مَا كَانَ لِأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ) التعبير في صيغة النفي، والمراد به النهي ‫(مَا كَانَ لِأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ) إذ خرج للغزو، فكيف لا يخرجون معه (وَلَا يَرْغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ) أي لا يصح لهم أن يصونوا أنفسهم عما لم يصن نفسه عنه، بل يتكبدون معه المشاق، يفدونه بالأرواح، والمهج، كيف يصونون أنفسهم، ويخافون على أنفسهم مما لم يخف رسول الله على نفسه منه! بل يكونون معه في السرّاء والضرّاء في الشدة، والرخاء.
‫(ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌۭ وَلَا نَصَبٌۭ وَلَا مَخْمَصَةٌۭ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوْطِئًۭا يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّۢ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٌۭ صَـٰلِحٌ) إذا فعلوا ذلك، ولم يتخلفوا عن رسول الله، وفدوه بالمهج، والأرواح، ولم يصونوا أنفسهم عما لم يصن نفسه عنه، في هذه الحالة إن أصابهم في خروجهم عطش، أو تعب، أو ظمأ‫: العطش، النصب‫: التعب، والمشقة، المخمصة‫: المجاعة ضمور البطن من الجوع‫. فإن أصابهم عطش، أو تعب، أوشدة مجاعة تؤثر على البطن فتضمر.
‫(فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ) ذاك هو الشرط أن يكون الظمأ، والتعب، والجوع كل ذلك في سبيل الله كذلك (وَلَا يَطَـُٔونَ مَوْطِئًۭا يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ) يدوسون بأرجلهم، بحوافر خيلهم، بأخفاف رواحلهم، في مكان يغيظ الكفار، وطؤهم إياه نكاية بهم دخول في أرضهم، فيغتاظون لذلك ويكادون بذلك (وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّۢ نَّيْلًا) يصيبون منه بأسر، أو بقتل، أو بغنيمة يأخذونها (إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٌۭ صَـٰلِحٌ) قربى إلى الله (تبارك وتعالى) زادت حسناتهم، كُتب لهم بهذه الأعمال بكل خطوة، بكل حركة حتى حركة الخيل، حتى خطوات النوق، في كل حركة لهم، بها حسنات، وتقرُّب، ورفعة ودرجات عند الله (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ (١٢٠)) إذاً فالجهاد‫: إحسان، والجهاد من المقامات التي تصل إلى مرتبة الإحسان.
وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةًۭ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةًۭ وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿121﴾
الإنفاق في سبيل الله من أعظم القربات، (وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ (٣٩)) [سورة سبأ آية‫: ٣٩]، والجهاد محتاج إلى نفقة، إلى سلاح، إلى ركائب، إلى زاد، فمهما أنفقوا تمرة في سبيل الله، أو أنفق كثيرا كما فعل عثمان بن عفان، (وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ ) أو يجتازون واديا، والوادي‫: الطريق بين الجبلين، من ودى أي سال، مسيل الماء (لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (١٢١)) أعمال الإنسان منها الحسن، ومنها الأحسن، أعمال الإنسان منها الأعمال الراقية ذات الثواب العظيم، وأعمال ثوابها على قدرها، هؤلاء حين يجازيهم ربنا (تبارك وتعالى) ينظر في أعمالهم كلها، وعلى أساس أحسن الأعمال، أرفع الأعمال أعظمها ثوابا على أساس هذا العمل تُحسب كافة الأعمال، بنزول آيات العتاب وبالتنبيه على الخروج وبقول الله، عز وجل‫: (إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) [سورة التوبة آية‫: ٣٩]، خاف المؤمنين، وأصبحوا كلما أراد النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يرسل سرية، أو أن يغزو غزاة، أو أن يُخرج طائفة لجهاد، أو لقتال انتدب المؤمنين جميعا، الكل يريد أن يخرج خوفاً من التخلّف، رغبة في الثواب العظيم، فنزل القرآن يبيّن إن خروج الكل للجهاد لا تصلح به المعايش، فمن يرعى الحريم؟ من يرعى الأطفال؟ من يرعى الأرض؟ من يحفظ العِرض؟ من يتفقه في الدين؟ من يستمع للوحي النازل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من يحفظ السُنة؟ من هنا نبّه الله (تبارك وتعالى) لذلك.
وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةًۭ ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍۢ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌۭ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴿122﴾
‫‫(وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةًۭ) أي لا يصح، ولا يستقيم أن يخرج المؤمنون جميعا للجهاد من يحفظ الديار؟!
‫(فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍۢ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌۭ) من كل جماعة كثيرة، تخرج جماعة قليلة، أو تخرج جماعة على قدر الاحتياج، ويبقى الآخرون (لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ) الذين خرجوا للجهاد (إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)) لعل الذين خرجوا حين يعودون ويستمعون، يحذرون أي يتنبهون، ويتعلمون، ويتقون الله (تبارك وتعالى).
‫‫‫(وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةًۭ) جميعا (فَلَوْلَا) أي أولى (نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍۢ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌۭ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)) فَقِة يفْقَه، فَقُة يفقُه‫: فهم، وعلم.
‫والآية تبين أمورا:
‫أولا‫: أن التفقه في الدين فرض كفاية، إذ ها هي طائفة تخرج للجهاد، وطائفة تبقى للتفقه، ولدعوة المجاهدين بعد عودتهم إلى الله، وإنذارهم، وتحذيرهم، وتعليمهم.
‫ثانيا‫: أن العلم، علْمان‫: علم فرض عين، وعلم فرض كفاية، فرض العين‫: العبادات‫: الصلاة، الصيام، الزكاة، الحج، والعقيدة وما إلى ذلك، هذه العلوم فروض عين، يتعين على كل مسلم أن يعلمها، طلب العلم فريض هذا العلم، وهناك من العلوم ما هو فرض كفاية يتعلمها البعض كالزراعة، كبناء الحصون، كشق الترع، كالتفقّه في الدين بمعنى العلم بالأحكام، والفصل في الخصومات، والعلم بأحكام المواريث والفرائض، وما إلى ذلك.
‫ثالثا‫: يتضح أيضا من الآية أن من تفضل الله عليه، وجعله ممن يتفقهون في الدين (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) عليه أن يكون الهدف من تفقهه أن يعلّم الناس (وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ) أن يرشدوا الآخرين، وأن يعلّموهم، وأن يكون الهدف الإنذار لهم، لا الاستكبار عليهم، وأن يكون هدف المتعلم أن يخشى الله؛ لذا قال‫: (لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)) ، ولم يقل (لعلهم يتفقهون) ، أو لعلهم يتعلمون؛ لأن التعليم للمتعلم الهدف منه خشية الله.
‫فلابد أن يكون هدف المعلِّم إرضاء لله، إنذار الناس، بيان الأخطاء التي لا يجب أن يقعوا فيها، تحذير الناس من الآخرة، من عذاب القبر، من السؤال، من الحساب، بيان ما أمر وما نهى ربنا، تبارك وتعالى، بيان الحلال والحرام، وأن يكون هدف وغرض المتعلم الوصول إلى خشية الله، العلم وفضل العلم فيه أحاديث لا عد لها ولا حصر منها قول النبي (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)، منها قول النبي (صلى الله عليه وسلم) ومنها قوله‫: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) ومنها قوله‫: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) أحاديث كثيرة تحض على العلم، وتزكّي العلماء، وتبيّن أن التعلم وطلب العلم من أعظم القربات إلى الله (عز وجل) يبيّن ربنا (تبارك وتعالى) بعد أمره بالقتال للأمة، كيف يكون القتال؟ وكيف يكون ترتيب القتال ترتيبا صحيحا؟ فيقول، عز من قائل:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا۟ فِيكُمْ غِلْظَةًۭ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿123﴾
إذا فيعلمنا الله، تبارك وتعالى، أن في حالة القتال والجهاد مع الكفار، يجب أن نبدأ بالأقرب، فالأقرب؛ لكي نصل إلى الأبعد، فالأبعد وهكذا كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يفعل الأقرب فالأقرب (قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم) أي يقتربون منكم، ويجاورونكم، (وَلْيَجِدُوا۟ فِيكُمْ غِلْظَةًۭ) وقرأت غَلظة بفتح الغين، وهناك قراءة بضمها.
‫الغِلظة‫: الشدة، والصبر على القتال، والحرص على النصر، واعلموا أن الله مع المتقين بالنصر، بالمعونة، وبالتأييد.
وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِۦٓ إِيمَـٰنًۭا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿124﴾ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ ﴿125﴾
يبين ربنا، تبارك وتعالى، أن الإيمان يزيد و ينقص، ويبين ربنا (تبارك وتعالى) أن السورة من القرآن أو الآية من القرآن إذا نزلت اختلف وقعها على الناس، أما المنافقون والذين فضحتهم هذه السورة، فيحدثنا ربنا عنهم أنه في حالة نزول سورة جديدة، أو آيات تُتلى ‫(وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ فَمِنْهُم) من المنافقين من يقول مستهزئا، أيكم زادته هذه إيماناً، أي من منكم زاد إيمانه بنزول السورة الجديدة، أو الآيات الجديدة، فيرد الله (تبارك وتعالى) ويقول‫: (فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)) ، السورة تزيد المؤمن إيمانا كيف ذلك؟
‫في زمن الصحابة ينزل القرآن متدرجا بهم في النهي وفي الأمر، كما تدرج معهم في تحريم الخمر، وكما تدرج معهم في العبادات، فقد فُرض الحج في الأواخر، وفرض الصيام، والزكاة في السنة الثانية من الهجرة، وعليه فكلما نزلت سورة بينت أمورا واجبة، يجب أن تُعمل فعملوا بها، فازداد ثوابهم، وازداد إيمانهم، وبينت السورة أموراً يجب الانتهاء عنها، والابتعاد عنها، فابتعدوا، وأطاعوا الله، إذاً زاد ثوابهم، وزاد عملهم، وبالتالي زاد إيمانهم، أيضا السورة إذا نزلت نزل فيها الدلائل والبراهين على وجود الله (عز وجل) وقدرته، وتدبيره، فيزداد المؤمن انشراحاً، ويزداد المؤمن إيمانا، وهم يستبشرون بنزول القرآن؛ لأنهم يريدون المزيد من التقرب إلى الله (وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ) المنافقون المترددون الشاكون (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ ﴿١٢٥)).
‫الرجس‫: كل مستقذر من الأشياء، هؤلاء المنافقون في قلوبهم مرض، هم أرجاس، وأنجاس، إذا نزلت السورة، وقد كفروا بما سبق من قرآن كفروا بالسورة الجديدة، فضموا كفرا إلى كفرهم، وضموا عصيانا إلى عصيانهم، من هنا زاد رجسهم رجساً على رجس، أما السورة فهي شفاء لما في الصدور، ورحمة للمؤمنين، القرآن كلام الله القديم، القرآن كلام الله به تنشرح الصدور، به تنفتح القلوب، هذا القرآن إذا نزل على المؤمن زاده إيمانا، وإذا نزل على الكافر بكفره به ازداد كفره، وازداد رجسه، ويحذرهم ربنا (تبارك وتعالى) ويعجّب المؤمنين، والسامعين.
أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍۢ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿126﴾
أولا يرون أنهم يفتنون ويفضحون في كل عام مرة أو مرتين، تنزل الآيات، وتنزل السور، تفضح المنافقين، تكشف سرهم، وتهتك سترهم، ومع ذلك لا يتوبون، ولا يتذكرون، ولا يفقهون ولا يتعلمون، ماذا يفعلون واسمع‫:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَىٰكُم مِّنْ أَحَدٍۢ ثُمَّ ٱنصَرَفُوا۟ ۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ ﴿127﴾
‫‫(وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَىٰكُم مِّنْ أَحَدٍۢ ثُمَّ ٱنصَرَفُوا۟) أي إذا ما أنزلت سورة فيها الخبر عنهم، فيها الفضح لهم، فيها الكلام عن أعمالهم، وما أسروه في أنفسهم، وأحاديث المنافقين التي دارت سراً ينزل بها القرآن فيفضحهم، إذا نزلت هذه السور تفضحهم، وتلاها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في مجلسه نظر بعضهم إلى بعض نظر سخرية، نظر استهزاء بالغمز، وباللمز، أو نظر رعب، حيث تحدثنا السورة عنهم، ثم قال بعضهم لبعض هل يراكم من أحد من الجالسين، إن رأوهم أقاموا، وإذا لم يروهم قاموا، فيحترسون؛ لكي لا يسمعون فضيحتهم في القرآن؛ كي لا يسمعون ما نزل في شأنهم من قرآن، مع أن القرآن رغم أنه فضح أعمالهم، لم يذكرهم بالاسم، سترهم وكان الله قادرا على أن يذكر أنسابهم، وأحسابهم، وأسماءهم، وأن يفضحهم، ومنهم أولاد الزنا، وأولاد السفاح، لكن الله لم يذكر أسماءهم، ذكر أفعالهم، بل وفتح لهم أبواب التوبة، ومع ذلك ‫(وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَىٰكُم مِّنْ أَحَدٍۢ ثُمَّ ٱنصَرَفُوا۟) ؛ لذا كانت عقوبتهم (صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ (١٢٧)) أي صرف قلوبهم عن الهداية، وعن التوفيق؛ لأنهم لا يفقهون، لا يعلمون، لا يتفكرون، لا يتذكرون، لا يعطون أنفسهم الفرصة، أن يسمعوا القرآن بصدر منفتح؛ لعل وعسى يهتدوا كقول الله‫: (وَإِذَا قُرِئَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥ وَأَنصِتُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)) [سورة الأعراف آية‫: ٢٠٤]، رجاء، ورحمة، لكن هؤلاء انصرفوا، فصرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون.
‫أيها الأخ المسلم، من ضمن توجيهات الشيوخ أن المؤمن لا يعبر بكلمة (انصرف) أو أنصرف، وإنما يعبر بكلمة (انقلب) أو أنقلب؛ لأن الله أثنى على قوم، فقال في شأنهم (فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌۭ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ) [سورة آل عمران آية‫: ١٧٤].
‫وفي هؤلاء قال (ٱنصَرَفُوا۟ ۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم) فقالوا‫: إذا كان الناس في صلاة، أو في صلاة جنازة أو في عمل من أعمال الخير أو في حج، لا يقال لهم انصرفوا، بل يقال لهم انقلبوا إلى بيوتكم راشدين‫.‬‬‬
‫تُختم سورة التوبة، سورة براءة، الفاضحة، المبعثرة، سماء كثيرة لهذه السورة تُختم بآية من أعظم ما جاء في وصف سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم، حتى قيل‫: إن في جمع القرآن في عهد أبي بكر (صلى الله عليه وسلم) وكان عمر (رضى الله عنه) يُشرف على ذلك، وزيد بن ثابت يجمع، ويكتب، وهو كاتب الوحي لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومعه جماعة، جاء خزيمة بن ثابت الأنصاري بهذه الآية لعمر، الآية التي ختمت بها سورة التوبة.
لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿128﴾ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ﴿129﴾
حين جاء خزيمة بهذه الآية لعمر بن الخطاب، لم يطلب شهوداً عليها، حيث قال حقاً، حقاً هكذا كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ‫(لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ أَنفُسِكُمْ) من أنفَسكم (قراءة) الخطاب للعرب من أنفُسكم، أي عربيا، قرشيا، تعرفون نسبه، تعرفون أصله، تعرفون صدقه، أو الخطاب للناس (جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ أَنفُسِكُمْ) أي بشراً من البشر لم يرسل ربنا ملكا، فلا نراه، أو جناً لا نراه، أرسل بشراً تطمئنون إليه تفقهون عنه.
‫أو الخطاب للعرب من أنفَسكم، النفاسة‫: القدر العالي، الشيء النادر، نفيس الأشياء هو أشرف الأشياء، هو ما يحرص عليه كل إنسان‫. (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ).
‫العنت‫: المشقة، والتعب، وكأن النبي (صلى الله عليه وسلم) يشق عليه أن يرى الأمة في ضيق أو في كرب (حَرِيصٌ عَلَيْكُم) الحرص‫: الشح بالشيء أن يناله مكروه، الحرص‫: الحفاظ على الشيء، والشح به أن يناله مكروه، فهو حريص عليكم أن ينالكم مكروه، حريص أن يدخلكم الجنة، حريص أن يشفع لكم يوم القيامة.
‫عزيز عليه ما عنتم أي يشق عليه أن تغلبوا، أو أن تقعوا في المعاصي، أو تتعرضوا للحساب، أو تتعرضوا للنار، حريص عليكم، وعلى دخولكم الجنة، كما قال عن نفسه‫: إنه آخذ بحجز الناس، وهم كالفراش يتساقطون في النار، وهو يحاول أن يمنعهم.
‫(بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ (١٢٨)) والرأفة‫: شدة الشفقة، لم يجمع الله (تبارك وتعالى) لأحد من الأنبياء، وصفين من أوصافه إلا لنبينا (صلى الله عليه وسلم) حيث قال‫: ‫(بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ (١٢٨)) وقال عن نفسه (إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ (١٤٣)) [سورة البقرة آية‫: ١٤٣] هذا هو وصف النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يبكي خوفا على أمته حيث قُرِأ عليه (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًۭا (٤١)) [سورة النساء آية‫: ٤١]، قال‫: (حَسْبِي، حَسْبِي)، فنظر إليه القارئ فوجد دموعه (صلى الله عليه وسلم) قد سالت على وجهه؛ خشية على أمته؛ لأن شهادة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إما يشهد لهم، وإما يشهد عليهم (فَإِن تَوَلَّوْا۟) أعرضوا عنك، ولم يؤمنو بك رغم هذا، رغم حرصك عليهم، رغم المشقة التي تتعرض لها من أجلهم، فإن تولَوْا وأعرضوا عنك (فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ) أي يكفيني الله، تبارك وتعالى، يكفيني الله، يشهد لي بنبوتي، ورسالتي، يحميني، وينصرني (لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ) تأكيد للعقيدة وللصدق فيها (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) ، فوضت أمري إليه، واعتمدت عليه (وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ﴿١٢۹﴾) (العظيمُ) قراءة صفة لله تعالى، (ٱلْعَظِيمِ) نعت للعرش، العرش‫: أعظم المخلوقات على وجه الإطلاق، والعرش جسم، العرش محيط بكل خلق الله، عز وجل‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‫أيها الأخ المسلم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يشفع لأمته يوم القيامة، ويسقي المؤمنين من حوضه، من نال منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تُعرض عليه أعمال الأمة، رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان حناناً يمشي على الأرض، رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من شفقته، ورحمته بقومه وعشيرته وأمته، نزل القرآن ينهاه عن هذه الرقة الزائدة، ليحذره من أن يهلك بسبب حزنه (فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)) [سورة الكهف آية‫: ٦] أي كأنك من شدة أسفك عليهم، تكاد أن تهلك نفسك، كثير من القرآن نزل ليخفف عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من إحساسه بالأسى، والحزن على من كفر من قومه، سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) هو الشفيع الأوحد في يوم القيامة، وكلنا يعرف كيف يلجأ الناس إلى الأنبياء، وكلهم يقول‫: نفسي، ثم نفسي أما هو فيقول‫: (أَنَا لَهَا) وبسجوده تحت العرش وبشفاعته، يُقضى بين الناس، ويُقضى بين أمة محمد، أول الأمم، ثم تأتي الشفاعة الخاصة بعد ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأمته، ثم تأتي الشفاعة للأنبياء، والأولياء، والعلماء.
‫أيها الأخ المسلم قدر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أكبر من أن يحيط به الأفهام، أو يُعبَّر عنه بالكلام، هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو سيد الخلق، هو حبيب الرحمن، هو محمد بن عبد الله هو رسول الله‫.