سورة الأنفال
مقدمة
لقاؤنا مع سورة الأنفال، سورة الأنفال سورة مدنية وقيل: هي مدنية ماعدا سبع آيات من قوله (عز وجل) (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ ).
سورة مدنية نزلت بعد غزوة بدر في رمضان من العام الثاني للهجرة، سورة نزلت بتشريعات القتال، وكيف يخطط له، ولِمَ كتب ربنا (تبارك وتعالى) على المؤمنين الجهاد، وأحكام الأسرى، وأحكام الغنائم.
نزلت تبشر المجاهدين في سبيل الله وتطمئنهم، وتعلمهم أن النصر من عند الله وأن العبرة بالتوكل على الله وليس بكثرة العدد والعُدد، وإنما العبرة بالصدق، والصبر، والإخلاص والتوكل على الله.
سورة الأنفال خمس وسبعون آية سميت السورة، بسورة الأنفال، والأنفال .. الغنائم، الأنفال جمع نَفَل بتحريك الفاء، وهو الزيادة والنفْل بسكون الفاء .. التطوع، وما زاد عن الواجب في العبادات، سُميت الغنائم بذلك؛ لأن الله (تبارك وتعالى) أحلها لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) وقد كانت محرمة من قبل على الأمم السابقة، فما غنموه في حرب جمعوه، وتركوه فنزلت نار من السماء تأكله، أما النبي (صلى الله عليه وسلم) فقد اختُص بأمور، لم يختص بها نبيّ قبله منها أن الغنائم أُحلت له ولأمته.
في غزوة بدر والتي كانت على غير توقّع ثلاثة عشرة سنة في مكة يدعو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أهلها للإسلام، ولا يلقى منهم إلا الجحود والإيذاء، إيذاء باللسان، إيذاء باليد، تعذيب مقاطعة نفي من مكة إلى شعاب أبي طالب، وحين يشتد الأذى بالمسلمين ويسألون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: لم أومر بالقتال، وأذن الله لهم بالهجرة وهاجروا ،خرجوا من ديارهم، وأموالهم ، فقدوا الكثير في سبيل الله ثم نزل الأمر بالقتال.
بدْر اسم لماء في طريق مكة للخارج من المدينة بلغ النبي (صلى الله عليه وسلم) في رمضان أن أبا سفيان قادم من الشام في تجارة لقريش فقرر أن يخرج بمن كان حاضراً أو جاهزاً لملاقاة العير وهي الإبل المحملة بالتجارة والاستيلاء عليها عوضا عمّا أصاب المهاجرين من أضرار في أموالهم وديارهم، وانتدب النبي (صلى الله عليه وسلم) أصحابه للخروج فخرجوا على غير استعداد وكانوا رَجَّاله ولم يكن معهم سوى فارسان فقط، خرج في ثلاثمائة وبضع عشرة رجلا لملاقاة العير ولم يتوقف نبينا (صلى الله عليه وسلم) ولم ينتظر أحداً وخرج وخرجوا معه وفي بعض الطريق بلغ أبا سفيان خروج النبي (صلى الله عليه وسلم) لملاقاة العير والاستيلاء عليها، فاستأجر رجلا يُدعى ضمضم بن عمرو الغفاري وأرسله إلى مكة ليستصرخ أهلها للخروج لإنقاذ العير من أيدي النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ووصل ضمضم إلى مكة، واستصرخ أهلها، وخرجوا بقيادة أبي جهل في ألف مقاتل كلهم تجهّز للقتال على أفراس معهم السلاح في أتم استعداد وأكمله، ونزل جبريل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ينبئه بوعد الله (عز وجل) بإحدى الطائفتين، إما العير وإما النفير - والنفير الجيش الذي استنفره أبو سفيان والعير: الإبل المحمّلة بالبضاعة- ثم علم النبي (صلى الله عليه وسلم) بإخبار جبريل أن العير نجت غيّر أبو سفيان طريقه وأخذ ساحل البحر فابتعد عن ملاقاة النبي (صلى الله عليه وسلم) إذاً فلم يبق إلا النفير، فجمع النبي (صلى الله عليه وسلم) أصحابه، ومن خرجوا معه في بدر وأخبرهم الخبر.
وأخبرهم بوعد الله (عز وجل) ثم أخبرهم بعد ذلك بأن العير نجت، ولم يبق إلا النفير، قال بعضهم: يا رسول الله ما خرجنا لقتال، وما استعددنا له، وما أعددنا له العدة، ولو أخبرتنا بقتال لأخذنا له العدة، وخشى النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يأمرهم بالقتال دون رضاً منهم، فقال: أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ، فَقَامَ أَبُوبَكْرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، فَقَالَ فَأَحْسَنَ، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ فَتَكَلَّمَ فَأَحْسَنَ، ثُمَّ قَامَ الَمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو، وَقَالَ: يَا رَسُولَ الله وَاللهِ لَوْ اسْتَعْرَضّتَ بَنَا أَوْ لَوْ سُقْتَنَا أَوْ قُدْتَنَا إِلَى بَرْكِ الْغُمَادِ - بلدة بعيدة - لَسِرْنَا مَعَكَ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى (فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ (٢٤)) [سورة المائدة آية: ٢٤]، لَكِنَّا نَقُولُ: (اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ ، إِنَّا مَعَكُمْ مُقَاتِلُونَ)؛ الثلاثة من المهاجرين. نبينا (صلى الله عليه وسلم) يريد رأي الأنصار، ثلاثمائة وبضعه عشر رجلا، نيفا وثمانين من المهاجرين ومائتان وأربعون من الأنصار. فالغالبية من الأنصار؛ لِمَ يريد أخذ رأي الأنصار؟ حين هاجر النبي (صلى الله عليه وسلم) من مكة إلى المدينة، وأخذ البيعة الأولى والبيعة الثانية وعد الأنصار بحماية النبي (صلى الله عليه وسلم) ومنعه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم إذا وصل إليهم في المدينة، إذاً فالحماية والمنعة والنصرة في المدينة. تُرى لو خرج خارج المدينة لقتال هل العهد قائم؟ هل يسري خارج المدينة كما يسري على داخلها؟ من هنا أراد أخذ رأي الأنصار، فقال: أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاس وكرر مقالته، فقام سعد بن معاذ وقيل سعد بن عبادة سيدا الأنصار، تكلم سعد بن معاذ أو سعد بن عبادة أو تكلما معا فقالا: يَاْ رَسُولَ اللهِ لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ قَالَ: أَجَل قَالَا: يَا رَسُولَ اللَهِ إِنَّا آمَنّا بِكَ، وَصَدَّقْنَاكَ وَعَرَفْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عُهُودَنَا، وَمَوَاثِيقَنَا فَسِرْ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى مَا أَرَدْتَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِ لَوِ استَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ. إِنَّا قَوْمٌ صُبُرٌ فِي الحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ، وَلَعَلَّ اللَهَ أَنْ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَامْضِ عَلَى بَرَكَةِ الله. فاستبشر النبي (صلى الله عليه وسلم) وسار بهم ثم نزلوا في مكان قبل بدر، نزل على غير ماء، وناموا واحتلم بعضهم، قاموا من نومهم، وبدأ الشيطان مهمته، ولا ينجوا من الشيطان مهما بلغ من تقوى لكن الفارق (إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)) [سورة الأعراف آية: ٢٠١ -٢٠٢].كما جاءت في سورة الأعراف جاءهم الشيطان يقذف في قلوبهم الرعب والهلع، أنتم على غير عدة ليس معكم سلاح، اجتنبتم وأجنبتم على غير ماء، فكيف تلقون العدو وأنتم جنبا غير متطهرين. وسوسة وإلقاء للخواطر السيئة. وتجلّت رحمة الله (تبارك وتعالى) بهم فإذا بالسماء تتلبد بالغيوم، وإذا بالمطر ينهمر فاغتسلوا وصلّوا وتوضؤوا وشربوا وسقوا، وثبتت الرمال التي كانت متحركة تحت أقدامهم كلما ساروا فيها ساخت، وتحركوا إلى بدر. بدر مجموعة مياه وآبار، نزل النبي (صلى الله عليه وسلم) عند أدنى ماء، أقرب ماء إلى المدينة، نزل وأمر بالنزول يليه بعد ذلك آبار ومياه أخرى في اتجاه مكة، فجاءه الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح، قال: يَا رَسُولَ الله هَذَا الْمَنْزِلَ، أَمَنْزِلاً أَنْزَلَكَهُ الله لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدّمَهُ ولا نَتَأَخّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ فَقَالَ (صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَسَلّمَ): (بَلْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ)، فَقَالَ: الحُبَابُ يَا رَسُولَ اللّهِ إذاً فَلَيْسَ هَذَا لَكَ بِمَنْزِلٍ، قُمْ يَا رَسُولَ اللّهِ وَنَسِيرُ حَتّى نبَلُغَ أَقْصَى مَاءٍ فَنَنْزِلَ عِنْدَهُ وَنُغَوِّرَ مَا وَرَاءَهُ مِنْ قُلُبٍ- من آبار- ونُحَوِّضَ- نبني حوضاً- نَجْمَعُ فِيهِ المِيَاهَ، فَنَشْرَبُ وَنَسْقِي وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَسْقُونَ؛ فعمل النبي (صلى الله عليه وسلم) بمشورة الحباب وانتقل حيث أشار عليه الحباب بن المنذر ونظر النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى بعيد ورأي أبا جهل قادما في ألف من الناس، فيهم الصناديد شيبة بن ربيعة، عتبة بن ربيعة، أمية بن خلف. أبو جهل في أناس صناديد وكلهم سلاح، وهنا بدأ الخوف يدخل في نفوس البعض. قام النبي (صلى الله عليه وسلم) يدعو ربه متجها إلى القبلة ماداً يداه ودعا: (اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لي مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ)، وأخذ يدعو ويبكي حتى سقط رداؤه فجاء أبو بكر (رضي الله عنه) من خلفه وأخذ الرداء ووضعه على منكبي النبي (صلى الله عليه وسلم) ثم التزمه - احتضنه من الخلف- وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ لِرَبِّكَ، وَاللَهُ سَوْفَ يُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ. وَنَزَلَ جِبْرِيلُ يُبَشِّرُ النبي (صلى الله عليه وسلم) بنزول الملائكة. من أغرب ما حدث في هذه الغزوة، وهي أول غزوة في تاريخ الإسلام أن الخوف الشديد ليلة لقاء العدو يمنع من النوم من الأمر الطبيعي، أما الأمن ينيم والخوف يُسهر؛ مع شدة الخوف وإلقاء الشيطان الوساوس على الصحابة الذين خرجوا في بدر، إذا بالنوم يغشى الجميع فما منهم أحد إلا وقد نام إلا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يجلس تحت شجرة يدعو ويبكي، والكل قد نام. تحكي السورة هذه الأمور، وتبيّن أن العبد قد يكره الشيء وفيه كل الخير، وقد يحب الشيء وفيه كل الشر، وقد حدثت كراهتان في هذه الغزوة أعقبهما رضا وتسليم، وأمن وأمان، وخير كثير.
أما الكراهة الأولى: فكانت بعد النصر في مسألة تقسيم الغنائم، لم ينزل وحي ولم ينزل فيها أمر؛ ترى لمن الغنائم؟ للشباب الذين قاتلوا أم للشيوخ الذين حملوا الرايات؟ أم لمن التف حول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لحمايته؟ فحدث خلاف في توزيع الغنائم، وكرهوا ما قرره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو التوزيع بالسوية؛ تلك كراهة أعقبها بعد التوزيع الرضا والإذعان لأمر الله والتسليم لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأصلح الله بهذا الرضا والتسليم ذات البيّن، وحلّت الإخوة والإيثار والمحبة محل الخلاف والشقاق.
الكراهة الثانية: هي كراهة خروج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لملاقاة النفير؛ كراهة الحرب - ما خرجنا لحرب وما أخذنا العدة لذلك فكرهوا - وأعقب هذه الكراهة نصر مبين، وإظهار الحق، وإزهاق للباطل، ومقتل صناديد قريش حتى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال مبشرا: (وَاللَهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ)، بل وأشار بعود في يده إلى أماكن هذا مصرع فلان، وهنا مصرع فلان، وهنا مصرع فلان؛ فوالله ما تعدّى أحد منهم المكان الذي أشار إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول الله (عز وجل):
يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿1﴾
(وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ ) ذات كلمة تعني صاحبة، ولا تستخدم إلا مضافة إلى الظاهر مثل: ذات الصدور، ذات الشوكة، البيْن: كلمة تستخدم في الوُصلة والفُرقة، أصلحوا ذات بينكم أي أصلحوا أحوالكم حتى يحدث الاتصال بينكم والوُصلة لا تتفرقوا أو أصلحوا أحوالكم حتى لا تكون الفُرقة التي تتسبب في اختلافكم وشذوذكم وغضب الله عليكم (وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (١)) أي كاملي الإيمان، ويأتي وصف المؤمنين كاملي الإيمان.
إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿2﴾
ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ﴿3﴾
أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ﴿4﴾
(وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)) يفوضّون أمورهم جميعها إلى الله (عز وجل).
أعمال القلب .. الخشية، الإخلاص، التوكل.
(ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ) من أعمال الجوارح، يعدّلون أركانها، ويأتون بشروطها، ويخشعون فيها، ويواظبون عليها، ويأتونها في مواقيتها، متطهرين، محصلين لشروط صحتها.
(وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ (٣)) الصدقة، ولأنهم جمعوا مكارم أعمال القلوب، ومكارم أعمال الجوارح قال فيهم (أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ ) إذ لكل حق حقيقة، أي كاملوا الإيمان، كمل الإيمان فيهم. رقي في درجات الجنة، منازل عالية لا يعلم شأنها إلا الله. (وَمَغْفِرَةٌۭ) لما فرط منه أمرهم إذ العصمة للرسل والكمال لله وحده (وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ (٤)) في الجنة، أي رزق دائم غير منقطع مع التكريم، والإكرام، والتعظيم.
سُئل أحد الصالحين هل أنت مؤمن؟ فقال: الإيمان، إيمانان: إن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والجنة والنار، والحساب، والبعث فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله (عز وجل) (أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ ) فوالله لا أدري هل أنا منهم أم لا، إذ المؤمن الحقيقي هو المحكوم له بالجنة، جعلني الله وإياكم منهم، فيشبّه ربنا (تبارك وتعالى) كراهة أهل بدر لقسمة الغنائم بالسوية، بكراهتهم لخروج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للقتال على غير استعداد، فيقول عز من قائل:
كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـٰرِهُونَ ﴿5﴾
أرجح الأقوال أن الكاف، كاف التشبيه كما أخرجك ربك من بيتك من المدينة لملاقاة العير، ثم إذا بك تلقى النفير كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الثابت، الصدق، وإن فريقا من المؤمنين لكارهون أي لكارهون لخروجك.
يُجَـٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ﴿6﴾
(يُجَـٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (٦)) من أصعب الأمور على ابن آدم أن يُساق إلى الموت، وهو ينظر إلى أسبابه كالمحكوم بإعدام يساق إلى السياف، ويرى السيف ناصعا صارما في يد السياف، وهو ذاهب إليه، كيف يكون حاله؟ هؤلاء كان حالهم كذلك حين علموا أن العير نجت، وأن الأمر، أمر النفير، وأن القتال قادم لا محالة شعروا بخوف، كخوف من يساق إلى الموت وهو ينظر إلى أسبابه، وتأتي الحكاية.
وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿7﴾
لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴿8﴾
(وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) إرادة الإنسان أنت تريد، وأنا أريد والله يفعل ما يريد، تودون: تحبون أن غير ذات الشوكة، والشوكة واحدة الشوْك، الشوكة تستعار للشدة، وتطلق أيضا على السلاح، ومنها شاكي السلاح، والأصل فيها شائك
(وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) الذات: صاحبة، والشوكة: أي العير ليس فيها شدة، وليس فيها مشقة قافلة عظيمة بها أربعون رجلا فقط على رأسهم أبو سفيان، (وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ (٨)).
تلك إرادة الله أن يحق الحق، فالحق حق أبدا، يحق الحق يظهر الحق، يجعله عاليا ظاهرا؛ لأن الحق إذا لم يظهر أشبه الباطل، ليحق الحق، يظهره، ويثبته، ويجعله عاليا، ويزهق الباطل إعدام للباطل، إذهاب للباطل، إذلال لأهل الباطل ويريد الله أن يحق الحق (بكلمته) قراءة، بكلماته قراءة، بكلماته أي بأوامره لكم بالقتال، أو بوعده لكم بالنصر وبإظهار الحق آخرهم ، دابر: آخر من يدبر القوم من يأتي آخرهم.
يقطع دابر الكافرين .. يستأصل آخرهم.
(لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ (٨)) تلك إرادة الله أن يحق الحق يظهر الحق ويجعله عاليا ظاهراً لأن الحق إذا لم يظهر أشبه الباطل (وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ) يعدمه (وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ (٨)) تلك كانت إرادة الله وتحققت إراداته وانتصر الحق، وعلا وأُزهق الباطل وفنى وقُتل صناديد قريش، وكانت هذه الغزوة فاتحة خير على الإسلام، وعلى المسلمين تبيّن بها أن العبرة ليس بالعدد، ولا بالعُدد، وإنما العبرة بالصدق بالإخلاص، بالإيمان بالله بالوثوق بالله بالتوكل على الله.
أيها الأخ المسلم لو نظر المسلم إلى حال الأمة الآن ماذا يرى؟ يرى المسلمون يقتلّون في كل مكان، يحاصرون حتى يموتوا جوعا، وبردا، يرى المسلمون لا يتناصرون، يرى الإسلام يحارب في كل مكان، يرى الوعود، والعهود التي لا تُنفّذ، ولا يرى إلا كلاما، وشجبا، واعتراضا، لا يرى اتحاداً، ولا يرى قوة في وحدة المسلمين، نخاف من الأسلحة المتطورة، نخاف من فقد المعونات، نخاف من تأييد الدول الكبرى، نخاف من المجتمع الدولي، نخاف من هيئة الأمم، ونخاف من مجلس الأمن، كيف لنا بنصر الإسلام والمسلمين، لا سلاح ولا قوة، هل النصر بالسلاح؟ فهل النصر بالعدد؟ هل النصر بالعُدد؟ هؤلاء ثلاثمائة رجل رجّالة لا ركائب معهم، وأمامهم ألف رجل كلهم شاكي السلاح، وانظر إلى النصر الذي تحقق، كان السلاح في ذلك الوقت سيف، ودرع، والسلاح في يومنا هذا قنابل، وطائرات، وما إلى ذلك، فالسلاح سلاح، والنصر نصر، والتأييد من الله تأييد، وربنا (تبارك وتعالى) لا يعجزه شيء، الهزيمة، هزيمة الأمة ليست لقّلة العدد، وإنما هو الوَهَن الذي أصاب الأمة الوَهَن الذي حذّر منه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بقوله: (يُوشِكُ أَنْ تَتَكَأْكَأَ عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ كَمَا تَتَكَأْكَأُ الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا)، القصعة: الإناء الكبير فيه الطعام، فيه الثريد، مجموعة من الناس تريد أن تأكل، كل يمد يده، فتختلط الأيدي، وكل يريد أن يأخذ النصيب الأكبر ويتركون القصعة ولا أثر للطعام بها هذا هو التشبيه، تتكأكأ عليكم الأمم تلتفت حولكم وتجتمع كما يجتمع الأكلة على طعام في إناء واحد، تعجب المسلمون من قول النبي (صلى الله عليه وسلم) وقالوا: أَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ - الأمر الذي تبادر إلى أذهانهم- قال: (لَا بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ)، المسلمون في العالم الآن يزيدون عن المليار أي سدس سكان العالم بل يزيدون (وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ)، السيل: إذا نزل المطر على الجبال وسال الماء يمشي في طريقه القش، والقذى، والتراب فيطفوا على السطح، كل ذلك يسمى غثاء لا قيمة له، (وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ الرَّهْبَةَ مِنْ قُلُوبِ أَعْدَائِكُمْ)، الرهبة التي يقذفها الله في قلوب الأعداء، والاطمئنان والوثوق، الذي يقذفه الله في قلوب المسلمين، ينزع ربنا الرهبة من قلب العدو (وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَمَا الوَهَنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيةُ الْمَوْتِ).
الآن نحن نحب الدنيا، ونتبع سنن من قبلنا كلٌ منا يريد الرفاهية المال، المسكن، الأجهزة المختلفة، التطور كل منا مشغول باللهو، أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة، أخذتنا من نفوسنا، بل أخذتنا من تذكّر ربنا، وتذكر البعث والموت، تسلية، لهو مسلسلات روايات حكايات مواضيع أخذت الإنسان من نفسه، بل من زوجه وولده، ترى الناس يتزاورون ولا يتحدثون، يجلسون كالخشب المسندة أمام هذه الأجهزة يشاهدون ما ورد عليهم دون اختيار، كيف نقف أمام الدول العظمى؟ أضعف الإيمان ألا نأخذ بضائعهم، هل يجبرك أحد على أن تشتري سلعا أمريكية، أو سلعا بريطانية، هؤلاء منعوا السلاح عن مسلمي دولة، وتركوا أعدائهم بسلاحهم، وعتادهم من دبابات، وطائرات، ومدافع، يحصدونكم حصدا، واتخذوا قرارا بمنع السلاح عنهم، واحترمنا القرار، لكنهم لم يحترموه، جعلوا بلدة آمنة بأمر الأمم المتحدة، والمجتمع الدولي، فهل احترم العدو القرار حتى نحترم نحن القرار، هل يجبرنا أحد على أن نشتري السلع الأمريكية، أو البريطانية، أو الفرنسية، أو الروسية، هؤلاء المجتمعون على تقتيل المسلمين، ومحو الإسلام من هذه المنطقة لما لا نمتنع عن شراء هذه المنتجات، والله لو امتنع المسلمون عن شراء منتجاتهم؛ لخروا صاغرين بلا حرب لكنه حب الدنيا، وكراهية الموت، والله ليسألن الحكام عن كل هذا يوم القيامة كما تسأل الشعوب أيضا وصدق القائل (عز وجل) (فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿٦﴾ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍۢ ۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ﴿۷﴾ وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿۸﴾) [سورة الأعراف آية: ٦ : ٨]
فيمتن الله (تبارك وتعالى) على رسوله، وعلى صحابته، في يوم بدر ويُذكّرهم بنعمه الجليلة، التي أسبغها عليهم في ذلك اللقاء، لقاء الحق والباطل، لقاء الإيمان والكفر، لقاء أحباب الله وأعدائه، يذكّرهم ربهم (تبارك وتعالى) فيقول:
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿9﴾
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿10﴾
(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ) الاستغاثة: طلب الغوث، والغوث: التخليص من الشدة أيا كانت.
(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ) تطلبون منه الغوث، التخليص من الشدة والنصر.
(فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ) أجاب دعاءكم، وأعطاكم ما أردتم.
(أَنِّى مُمِدُّكُم) يقول: إني ممدكم، إجراء الاستجابة إجراء القول، كأنه قال: (فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم) الإمداد: الإعانة، والزيادة (بِأَلْفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ)، في سورة آل عمران جاء ذكر الملائكة، ولكن العدد كان ثلاثة آلاف، وقيل: إن الله (تبارك وتعالى) أمدهم بألف، ثم زاد العدد إلى ثلاثة آلاف؛ ولذا كلمة (مُرْدِفِينَ (٩)) متتابعين، أردفه، وردفه: جاء بعده تبعه، قرأت (بألف من الملائكة مرْدَفين) يأتي بعدهم من يتبعهم، وقرأت (مُردِّفين)، و(مُردَّفين) و (مُرْدِفِينَ (٩))، (وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ) الإمداد بالملائكة بشرى لتطمين القلوب لتهدئة النفوس، أي هذا الإمداد للبشرى فقط، (وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمْ ۚ ) والطمأنينة: ذهاب الخوف، وسكينة القلب.
(وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۚ ) إذاً فالإمداد بالملائكة كثرة العدَد، كثرة العُدد، وسائط، وأسباب، إن وُجدت، فالنصر من عند الله وإن فُقدت فلا يأس من رُوح الله (وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ)، يبشرهم، ويطمئن قلوبهم، ويشعرهم بأن الملائكة معهم، وأنهم يؤيدونهم، وأنهم يحاربون معهم، لكن إياكم أن تعتمدوا على ذلك، على قوتكم، أو على عددكم، أو على عُددكم؛ إذ إن النصر من عند الله (وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)) عزيز: غالب لا يُغلب، قاهر لا يُقهر، حكيم: يجري الأمور بحكمته، وله في جميع أموره حكمة، وإن خفيت على أولي الألباب، ويمتنّ بمنّه أخرى.
إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةًۭ مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ ﴿11﴾
(إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ)، أي يغشيكم الله: يغطيكم الله النعاس: ألقى النعاس عليكم.
(إذ يُغْشِيكم النعاس) قراءة، (إذ يغشاكم النعاسُ أمنة منه) قراءة، أي أن النعاس هو الذي غطاهم، فالنعاس هنا الفاعل، أي يغشيكم الله (تبارك وتعالى) النعاس إذا الله هو الفاعل، ألقى النعاس عليهم.
(أَمَنَةًۭ مِّنْهُ) الأمنة: مصدر بمعنى الأمن، أَمِن الرجل أمنة، وأمناً، وأماناً، والأمان: زوال الخوف، (يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةًۭ مِّنْهُ) أي تشعرون بالأمان، والاطمئنان، والسكينة؛ إذ إن الخوف يُسهر، والأمن ينيم، وهم على وشك اللقاء مع عدو يفوقهم في العَدد، والعُدد، ويبعد عن العقل أن ينام الإنسان، وقد امتلأ بالخوف، فإذا نام إذاً فقد حدث الأمن، وكانت معجزة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولأصحابه.
(وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ) السماء جهة العلو، والماء ينزل من السحاب (لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ) من الجنابة التي ألقى الشيطان في روعهم أنها تمنع عنهم النصر، والمؤمن لا ينجس؛ لذا لا يصح إطلاق كلمة نجاسة، أو نجس على الجُنب رجلا كان، أو امرأة، وإنما يقال: جُنب أي جانبه المني: خرج منه، وابتعد عنه في جانب آخر، أما النجاسة فهي على المشركين (إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌۭ) [سورة التوبة آية: ٢٨]، أما الماء فلا ينجس أبدا.
(لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ) رجز الشيطان: الوساوس، الخواطر، الرجز في الأصل: الاضطراب، والرجز: ما يعتري النفس من مشقة أياً كان نوع المشقة؛ لأن الإنسان يضطرب عند الخوف، يضطرب عند الرعب، يضطرب إذا نزلت به نازلة، (وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ) بالوثوق بالله والاطمئنان بهذه الدلائل، والعلامات، جاء الشيطان وألقى في روعهم، ووسوس إليهم، فنزل الماء، فتطهروا من الجنابة.
جاءت البشارة بنزول الملائكة، فاطمأنوا لنصر الله جاءهم النعاس فاستراحوا من السفر وعناؤه، حتى يكونوا على أهبة الاستعداد في الغد.
(وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ (١١)) الماء، فالرمال كانت متحركة، وكانت الأقدام تسوخ فيها، من ضمن ما ألقاه الشيطان في صدورهم، كيف، ولا تثبت لكم قدم، فمكن أن يلقي الإنسان على ظهره، أو على وجهه، أو تنزلق قدمه، أو تسوخ في الرمل، فلا يستطيع التحرك، فحين نزل المطر تلبد الرمل، وثبت الأرض، وثبتت عليها الأقدام، (وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ (١١))، ويذكّرهم بنعمة أخرى.
إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍۢ ﴿12﴾
(إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ) أي بأني معكم، إذا قرأت (إني معكم) يجرى الوحي مجرى القول، (إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ) بالنصر، والمعونة، والتأييد، (فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ )، بالخواطر الطيبة، باللّمة، بلمة الملَك، لمة تصديق بالحق، وإيعاز بالخير، (فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ )، إما بظهور الملائكة أمامهم، كما قيل: كان الرجل من المسلمين يرى أمامه الكافر، وحين يتبعه يجد أن رأسه قد طار في الهواء، ولا يدري من قتله، فيتثبت ويطمئن، قيل هذا، وقيل بالخواطر الطيبة ولمّة الملك إيعاذ بالخير.
(سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ) شدة الخوف، والهلع (فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍۢ (١٢)) فوق الأعناق، أعلى العنق، أو بمعنى اضربوا الأعناق، وفوق زائدة للتأكيد، كقوله (عز وجل) (فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ) [سورة محمد آية: ٤]، أو فوق الأعناق المقصود الرؤوس؛ إذ الضرب على الرأس قاتل، ومميت، (وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍۢ (١٢))، وكأن الله (تبارك وتعالى) يعلّمهم كيف يكون الضرب في القتال، الضرب المميت على الأعناق في المذابح على الرؤوس، والبنان: مفرده بنانة، والبنان الأطراف، الأصابع، إذ لو ضربت يد المقاتل كيف يقاتل، يُشل عن الحركة، فيسهل قتله، ويسهل أسره، يعلّمهم أين يكون الضرب المؤثر، القول، والأمر للملائكة، أو الأمر للمؤمنين.
البنان: الأطراف أصل الكلمة أبَنَّ الرجل بالمكان، يبن به أقام، ولكي تقيم في المكان لابد أن تعد المكان للإقامة، حين تعدّ المكان للإقامة تعدّه بأي شيء؟ تعده بالأصابع، فأطلق البنان على الأصابع؛ لأن بها يستعين المرء في تجهيز المكان الذي يبنُّ به.
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴿13﴾
ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴿14﴾
ومن يخالف الله ورسوله فيما أمر به، ونهى عنه، فإن الله شديد العقاب في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
(ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ) أي ذلكم واقع العقاب، واقع بهم، والقتل واقع بهم (فَذُوقُوهُ) أي ذوقوا ذلك العقاب في الدنيا في العاجل (وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ (١٤)) في الآجل، فهو شديد العقاب لهم في الدنيا، معذبهم بالنار في الآخرة، ذوقوه فعل أمر، أمر بذوق العذاب، والأسر، والقتل، هل هو أمر ليطاع؟ أم لإهانة كقوله (ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ (٤٩)) [سورة الدخان آية: ٤٩].
(ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ (١٤)) لم يقل (ذلكم فذوقوه وأن لكم). سياق الكلام، وإنما جاء بالمظهر، مكان المضمر، (وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ (١٤))؛ ليبيّن أن عذاب النار سببه الكفر، ثم يأتي التوجيه الإلهي للأمة، وللمؤمنين في كل مكان، وزمان لإعلاء كلمة الحق للجهاد في سبيل الله والجهاد فرض كفاية، وقد يصبح فرض عين إذا اجتاح العدو أرض المسلمين.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًۭا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ ﴿15﴾
وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍۢ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفًۭا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍۢ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴿16﴾
(فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ (١٥)) الأدبار: جمع الدبر، الدبر: الخلف، خلاف القُبُل: الأمام، والكلمة غاية في الفصاحة، بل هي متمكنة في الفصاحة، فإذا علمت أن استخدام الكلمة، كلمة الدبر بدلا من كلمة الظهر، (فلا تولوهم الظهور)، فلا تنسحبوا، فلا تفروا؛ لكي يعلم المسلم أن الفرار يوم الزحف مهين؛ لأنه أعطى لعدوه دبره، فالكلمة تُشعر بالإهانة، لم يقل الظهر، قال: الدبر، وكلنا يعرف القبل والدبر.
(إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًۭا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ (١٥) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍۢ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفًۭا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍۢ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ (١٦))، هناك استثناءان في الفرار من الزحف:
الاستثناء الأول: أن يخدع المقاتل عدوه، والحرب خدعة، فيُظهر له أنه منسحب، أو أنه يفر من الساحة، وقصده من الفرار أن يفر من جهة أخرى، أو من مكان آخر، أو يخدع عدوه حتى يطمئنه، ثم يعود إليه.
(إِلَّا مُتَحَرِّفًۭا لِّقِتَالٍ) التحرّف: ترك الاستواء إلى الحرف، والطرف، المتحرف هو الذي يترك الاستواء أو الوسط، والاتجاه الذي هو عليه، ويذهب إلى الحرف، أو إلى الطرف، إلا متحرفا لقتال أي مبتعداً عن اتجاهه المستقيم إلى الأجناب، يُظهر ذلك ليخادع، ويخدع عدوه، فذاك لا يُعد فاراً أو منسحبا، ولا يسري عليه التهديد، والوعيد.
(أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍۢ ) منضما إلى جماعة.
التحيز: وحاز الشيء يحوزه ضمه إليه، الحيازة: الضم، حاز الشيء ضمه، وسُميت الجماعة المترابطة فئة؛ لأن بعضهم يفيء إلى بعض، أي يرجع إلى بعض في التعاضد، والتناصر، استثناءان، فإذا لم يكن ذلك كذلك وفر لغير ذلك (فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ (١٦))، غضب الله إرادة العذاب، والمأوى: ما يُرجع إليه، ما يأوى إليه، ما يستقر فيه (وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ (١٦)) أي بئس المرجع، والمآل.
الجهاد في سبيل الله ولقاء العدو في هذه الآيات، وبظاهر القرآن، يظهر لنا أن الفرار من ساحة القتال كبيرة، وهي من الموبقات، وقد حذر النبي (صلى الله عليه وسلم) في حديث له من السبع الموبقات، ومنها: وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، إذاً فالفرار أمام العدو كبيرة موبقة، من السبع الموبقات، ولكن أياً كان العدو، مهما كان عدده، مهما كانت قوته، أو قدرته، أو سلاحه، وعدده، أم أن في الأمر استثناء؟
ففي هذه السورة حدث لطف من الله؛ إذ إن الآية تفيد أن الفرار ممنوع مهما كان العدد، ثم نزل التخفيف في قوله (عز وجل).
(ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًۭا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ صَابِرَةٌۭ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ) [سورة الأنفال آية: ٦٦].
فحدث التخفيف، وأصبح الفرار ممنوع، منعا قطعيا، إذا كان العدو مثلي المحاربين، أما إذا زاد عن ذلك، فأصبح ثلاثة أضعاف، أو أربعة أضعاف، جاز في هذه الحاله الانسحاب، إذاً فالانسحاب أمام العدو، إن كان بغير سبب، أو غير مستوف للشروط التي تبيح الانسحاب، فهو كبيرة موبقة، أما إذا كان الانسحاب للخداع أو للانضمام إلى جماعة أخرى تقاتل للاستنصار بها أو نصرها، فلا بأس، وإذا كان الانسحاب؛ لأن في عدده أكثر من الضعفين جاز ذلك، ومع ذلك يسمع الجميع عن جبل يدعى جبل طارق، أتدرون من هو طارق، طارق مولى موسى بن نصير، ذهب لافتتاح الأندلس بألف وسبعمائة فقط من المؤمنين الصابرين، وجاءه ملك الأندلس في سبعين ألف عنان، في سبعين ألف مقاتل، وثبت طارق بألف وسبعمائة فقط، أمام سبعين ألف فارس، فهزمهم، وتم الفتح بإذن الله وفضله وسمي الجبل هناك، جبل طارق، وفي غزوة مؤتة، التي كان القائد فيها زيد بن حارثة (رضي الله عنه وأرضاه) كان الجيش ثلاثة آلاف مقاتل، وثبت أمام جيش الروم، وكانوا مائتي ألف مقاتل.
من هنا حدث الخلاف بين العلماء، تُرى أيجوز الانسحاب أم لا يجوز، وهل الأمر باق إلى يوم القيامة، أم خاص بيوم بدر، منهم من قال: إن الأمر خاص بيوم بدر، لقول الله (عز وجل) (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًۭا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ (١٥) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍۢ دُبُرَهُۥٓ) يومئذ: يوم بدر، أما بعد ذلك فالفرار ليس كبيرة موبقة، وإنما هو ذنب، أو خطيئة، ودللوا على هذا بقولهم: إن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) خرج في سرية بأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يروي كما يروي عنه أبو داود في صحيحه، يقول عبد الله بن عمر: حاص الناس حيْصة، فكنت فيمن حاص، ارتبكوا، وفروا في كل اتجاه، فلما برزنا، قلنا لو دخلنا المدينة، فتثبتنا فيها، يختفون في المدينة، وننظر، دخلوا المدينة، ثم قالوا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فإن كان لنا توبة، تبنا، وإن لم تكن لنا توبة، خرجنا: أي يهيمون على وجوههم، ودخلوا المسجد، وانتظروا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لخروجه لصلاة الفجر، خرج النبي (صلى الله عليه وسلم) قبل الفجر إلى المسجد، فجاء عبد الله بن عمر لرسول (صلى الله عليه وسلم) شاكيا نفسه نادما قائلا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الفَرَّارُونَ، فَقَالَ النبي (صلى الله عليه وسلم) وأقبل عليهم: لَا بَلْ أَنْتُمُ العَكَّارُونَ، العكارون: أي الكارّون للقتال مرة أخرى، بَلْ أَنْتُمُ العَكَّارُونَ ، وَأَنَا فِئَتَكُمْ، وَأَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ، فيقول عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) فدنونا من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقبلنا يده؛ فرحا بالطمأنينة التي نزلت بكلام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اعتبر نفسه فئة أو متحيزاً إلى فئة فاعتبر نفسه فئة المسلمين، ومن عاد وانحاز إليه أصبح ممن استثنى الله (تبارك وتعالى) من غضبه إذا فر، ورووا أيضا ما حدث من عمر بن الخطاب حين بلغه مقتل أبي عبيدة بن الجراح (رضي الله عنه) فقال عمر: (رضي الله عنه) لو انحاز إليّ لكنت له فئة، وأنا فئة المسلمين، إذاً فالرجوع أو الانحياز للأمة الإسلامية، أو للجماعة المسلمة، انحياز، وليس فراراً ذاك قول، والآخرون يعتبرون أن الأمر سارٍ إلى يوم القيامة، مع الأخذ في الاعتبار الضعف، أي ألا يزيد العدو عن الضعف، العُدة، عُدَّة العدو - لو أن مائة من المسلمين التقوا بمائة من الكفار، والمسلمون سلاحهم الحجارة، والكفار سلاحهم المدافع، أيقفون؟ إذاً فلابد من الأخذ في الاعتبار الضعف، ثانيا: أن تكون القوة أو العُدة أو السلاح متساو على الأقل، أو يزيد قليلا في يد الكفار، أما إذا كان السلاح لا يقاوم كما اختُرع الآن من قنابل ذرية ومن .. ومن ... فالأمر مختلف.
أقوال اختلف فيها العلماء، وأهم ما في الموضوع أو ما يحسم الموضوع هو قول سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) رحمة بالأمة: (مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ).
فقد نصر الله (تبارك وتعالى) جنده المسلمين في بدر على قلة عددهم، وعُددهم، فأسروا من الكفار سبعين، وقتلوا سبعين، وتركهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثلاثة أيام، ترك القتلى ثلاثة أيام، ثم أمر بهم، فجمعوا، وتم إلقاؤهم في القليب حفرة، ووقف عليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يناديهم بالاسم، يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ ، وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَيَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَيَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقَّاً، فسمعه عمر بن الخطاب، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله (صلى الله عليه وسلم): وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ بَمَا أَقُولُ مِنْهُمْ ، انتهت المعركة بالنصر والبشرية، قد تؤثر في الإنسان في بعض سلوكه، وتصرفاته، وأقواله، مهما بلغ من الدرجات العلا في التقوى، والصلاح، من هنا جلس المسلمون بعد النصر، يقولون، ويفتخرون، قتلت فلانا، وأسرت فلانا، وهذا يقول، وذاك يقول، شيء من التفاخر، فنزل جبريل بوحي الله يؤدبهم.
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ﴿17﴾
(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ) أي إن افتخرتم بقتل هؤلاء، لم يكن القتل منكم، بل ربنا قتلهم بأن سلطكم عليهم، وساقهم إليكم، وقذف الرعب في قلوبهم، ونصركم عليهم، (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ ).
(وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ ) وما رميت - يا محمد - إذ رميت، ولكن الله رمى أي وما أوصلت الحصباء إلى عيونهم، بإلقائك التراب في وجوههم، ولكن الله أوصل التراب إلى عيونهم، ألف من الناس هل تكفي قبضة من تراب لإصابة العيون جميعا؟ وإن كيف تصيب الجميع في كل مكان، فما أوصلت ذلك حين رميت، ولكن الله أوصل إليهم التراب وما ألقيت في قلوبهم الرعب حين رميت بالتراب، وقلت شاهت الوجوه، بل الله هو الذي ألقى الرعب في قلوبهم.
والرمي: الإصابة، إذ الأفعال تطلق على المقاصد، وتطلق على الغايات، وتطلق أيضا على البدايات، رمى: ألقى، ورمى: أصاب، (وَمَا رَمَيْتَ) أي وما أصبت (إِذْ رَمَيْتَ) إذا ألقيت (وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ ) أصاب. إذاً فالفعّال هو الله فلم تقتلوهم ولكن اللهُ قتلهم برفع (اللهُ)، (وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ ) البلاء: والابتلاء الاختبار، وكما يكون الاختبار بالنعمة لإظهار الشكر، يكون الابتلاء بالمحنة لإظهار الصبر، فالبلاء والابتلاء: الاختبار، (وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)) [سورة الأنبياء آية: ٣٥]، (وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ) والبلاء هنا: الإنعام عليهم، بما حدث، يمنّ عليهم بهذه النعمة، وبالنصر في هذه المعركة؛ ليظهر الحق، وليعرف المسلمون أنهم على الحق (وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ ) فيثابون على قتالهم، وعلى جهادهم، وعلى طاعتهم لله ورسوله، (إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ (١٧)) سميع لدعائهم، واستغاثتهم، عليم بنيّاتهم، وصدقهم، من أجل ذلك فعل ما فعل، فأيدهم، ونصرهم، وربط على قلوبهم، وأذهب غيظ قلوبهم، وقتل صناديد قريش في هذه الغزوة.
ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿18﴾
يوهّن، وموهن: إلقاء الوهن، والوَهَن: الخوف، الضعف، التخاذل.
الكيد: الحلية، كأن الله (تبارك وتعالى) فعل ذلك، فأذهب كيد الكافرين، وأضعفهم، ونصر عليهم المسلمين.
ويتوجه الخطاب للكافرين على طريقة الالتفات، فالكلام مع المؤمنين (ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ (١٨)).
إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿19﴾
حين بلغ أبا جهل خروج المسلمين؛ لأخذ العير بعدما أرسل أبو سفيان إليه، يستصرخه أرسل إليه ضمضم بن عمرو الغفاري، كما قلنا، حين علم ذلك، وصرخ في الناس أدركوا العير وخرجوا بسلاحهم، وعُددهم بطراً، ورئاء الناس تعلّق أبو جهل بأستار الكعبة، وتعلّق معه بعضهم، ودعوا ربهم، واستفتحوه أي طلبوا النصر.
الاستفتاح: طلب الفتح، والفتح: النصر، وقال أبو جهل وهو يدعو: اللهم انصر أهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، وأعلى الدينين، ذاك هو الاستفتاح، كان يعتقد أنه على حق. ها هو يدعو ربه متعلقا بأستار الكعبة، وكأنه كان يدعو للنبي (صلى الله عليه وسلم) دون أن يدري، فيتهكم بهم ربنا (تبارك وتعالى).
(إِن تَسْتَفْتِحُوا۟) إذ الاستفتاح طلب النصر، (فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ )، فقد جاءكم النصر، هل جاء النصر للكفار؟ إذا فهو على سبيل التهكم، ما رأيكم هذا ما حدث هل تؤمنون به؟ هل تصدقونه (صلى الله عليه وسلم)؟ هل ترجعون عن غيّكم وعنادكم؟
(وَإِن تَنتَهُوا۟) عن معاداة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وحربه، (فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ ) خير لكم في الدنيا، وخير لكم في الآخرة، (وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ) إن تعودوا لحربه، وملاقاته، وإن تعودوا لمعاداته، وإن تعودوا لتكذيبه، نعُد أي نعود لكم، وقد جربتم، ورأيتم (وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَوْ كَثُرَتْ) مهما كانت كثرتكم، ومهما كانت جماعتكم، لن تغني عنكم شيئا مهما كثرت، وإن الله مع المؤمنين على الاستفتاح، بكسر الهمز، (وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (١٩)) عطف على (وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ (١٨)). أي أن الله (تبارك وتعالى) مع المؤمنين بالنصر، مع المؤمنين بالتأييد، مع المؤمنين بالمعونة، مع المؤمنين بالتوفيق، مع المؤمنين بالهداية، معيّة لا يعلمها إلا المؤمن، ولا يستشعرها إلا الصادق، معيّة لا يعرف كُنهها إلا الله معيّة الله (تبارك وتعالى) للمؤمنين لا يمكن معها أن يصيبهم ضرر، أو ينتصر عليهم عدو، مهما بلغ عدده، ومهما كثرت عُدده.
أيها الأخ المسلم، الجهاد في سبيل الله أنواع أعلاها، وأجلها، وأعظمها على الإطلاق الخروج لقتال الكفار، ولنشر الإسلام، ولرفع راية التوحيد، ذاك هو أعلى درجات، ومقامات الجهاد.
ومن الجهاد أيضا الدفاع عن العِرض، الدفاع عن الدين، الدفاع عن أرض الأمة، الدفاع عن أرض الإسلام، الدفاع عن المسلمين، في حال ما إذا هوجم المسلمون في ديارهم، فالخروج والانتداب للدفاع عنهم، من أعلى درجات الجهاد أيضا.
هذان النوعان من الجهاد فرض كفاية أي إذا قام به البعض سقط عن الكل، يحدد الحاكم الخارجين للجهاد، ينتدب ويختار كما كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينتدب فلانا وفلانا، وكما دوّن عُمر الدواوين بعد ذلك، كل فصيلة، كل جيش، كل جماعة لها قائد بالاسم، يصبح الجهاد عليهم فرض عين؛ لأن الحاكم انتدبه بالاسم، إذا حدث اجتياح بمعنى هجم المشركون، أو الكفار على المسلمين، أو على أرض المسلمين من فُرض عليهم القتال لا يكفون أصبح الجهاد فرض عين على الجميع، على كل قادر ماعدا من استثناهم الله ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج جرح، ولا على المريض من استثناهم الله.
ومن الجهاد أيضا أن يدافع الرجل عن ماله، ومن قُتل دون ماله فهو شهيد، أن يدافع عن عرضه، وعن أرضه، ومن قُتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قُتل دون أرضه فهو شهيد، أيضا من أنواع الجهاد، ومنه جهاد النفس بالتعلم، بالكف عن المعاصي، بالتعليم وما إلى ذلك، فأنواع الجهاد كثيرة.
ونحن الآن في هذا الزمان أصبح الجهاد مطلوبا؛ إذ إن الإسلام يُضرب في كل مكان، والمسلمون يُقتلون ويُذبحون، وتستباح أعراضهم في كل مكان، وما بلاد البلقان عنكم ببعيد، والبوسنة، والهرسك بلاد مسلمة، افتتحها الأوائل من هذه الأمة، والأندلس كانت مسلمة وضاعت، وها هو جبل طارق يشهد على ذلك، وقبرص كانت مسلمة وضاعت، وافتتحها معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنه) وكانت فيها المساجد، وكانت راية الإسلام عليها مرفوعة عالية، خفاقة.
أيها الأخ المسلم الوهن، حب الدنيا، وكراهية الموت، مالم نتخلص من الوهن، ومالم تجتمع كلمة الأمة، ومالم تجتمع الشعوب المسلمة على كلمة سواء، سوف تستباح بيضتهم، وها هي بلاد الإسلام تقتطع بلدة، وراء بلدة، وما بخارى منكم ببعيد، بخارى مسقط رأس الإمام البخاري، أمير المؤمنين في الحديث، والتي كانت تحت لواء الاتحاد السوفيتي البلدة التي تعلن الكفر جهاراً، وها هي بلاد المسلمين تقتطع قطعة، قطعة، وها هم المسلمون يحاربون في البلاد التي يشكلون فيها أقلية، وكلكم يسمع، وكلكم يقرأ ونرى بدلا من الوحدة نرى الفرقة، اليمن الذي أشار إليه سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم): (الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ) ودعا لأهل اليمن أرق الناس أفئدة بالبركة: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا)، ها هم يقتلون بعضهم بعضا صراعا على الحكم، صراعا على الدنيا، ها هو الحال، فطاعة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) طاعه لله، وطاعة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في كل ما جاء به من ربه، وفي كل ما تكلم به عن ربه، وفي سورة الأنفال، وبعد أن توعّد الله (تبارك وتعالى) المشركين، توعدهم إن لم يستجيبوا، وتهكّم بهم في استفتاحهم، حيث تعلقوا بأستار الكعبة، وطلبوا النصر والفتح لأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، فتهكم بهم قائلا: (إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ )، ها هو قد فتح لهم أبواب التوبة، والعودة، ثم توعّد (وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ)، وبيّن أن النصر من عنده، وأن فئة الكفار مهما كثرت، فلن تغلب فئة المؤمنين، ولو قلّت، يتوجه الخطاب بعد ذلك للمؤمنين الصادقين، بالنصح للمداومة على الطاعة، فيقول عز من قائل:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ﴿20﴾
وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿21﴾
(وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)) عنه الضمير مفرد، وقياس الكلام (ولا تولوا عنهما) لكنه أفرد الضمير فقال: عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) وكأن الأمر أمر بطاعة رسول الله فذُكر اسم الجلالة، وجيء بذكر الله (عز وجل) توطئة، وتمهيد، وبيان أن طاعة رسول الله طاعة لله.
التولّي: الإعراض، والانصراف، تولَّوا، الأصل فيها تتولَوْا، وحُذفت إحدى التاءين تخفيفا (وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ) عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)) تسمعون القرآن، تسمعون المواعظ، تسمعون الأوامر، تعقلون الأوامر، لأن الإعراض بعد الفهم، وبعد السماع، والمعرفة خطير.
(وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)) قالوا: سمعنا أي سمعوا بآذانهم، (وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)) سماع تدبر، وتفهّم، وتعقّل؛ إذ إن استخدام حاسة السمع لمجرد السماع، فهو كسماع البهائم، دعاء ونداء لا عقل، لا يعقل الحيوان معنى الصوت، هو يسمع أصوات لكن ماذا تعني هذه الأصوات ما الذي وراء هذه الأصوات من معان، هذه الألفاظ لها مدلولات ما هي، ثم يحذر ربنا (تبارك وتعالى) الإنسان، إذا لم يستخدم ما مُنح من حواس، وما فُضِّل، ومُيِّز به عن البهائم.
إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴿22﴾
وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ﴿23﴾
(ٱلصُّمُّ) إذاً هو له حاسة السمع، لكن إذا لم تُستخدم حاسة السمع فيما خُلقت له، أصبحت كلا سمع، وإذا لم يستخدم اللسان فيما خلق له بالنطق بالحق، والتعبير بالحق، وشهادة الحق، كلا لسان، فهؤلاء صم عن الحق، بكم عن النطق به، لا يعقلون الآيات، ويتدبرون الآيات، فيعلمون أن الله (تبارك وتعالى) خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل.
(وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ ) سماع تدبّر، سماع انتفاع، سماع تفهّم، لكن الله علم من الأزل فساد فطرهم، وسوء نيّاتهم، فلم يوفقهم، لو علم فيهم خيرا لأسمعهم، ولو فرضا أسمعهم، وقد علم أنهم لا يهتدون، فماذا يفيد السماع (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ (٢٣)) لانصرفوا بعد ذلك، أو رُدوا عن إيمانهم، أو ارتدوا عن إسلامهم، لكنه علم أن لا خير فيهم، فلم يسمعهم، فلو أسمعهم مع علمه الأزلي بأن لا خير فيهم ما أفادهم السماع، وتولوا وهم معرضون.
وقيل: إن الآية نزلت في معنى آخر حيث قال بعض مشركي مكة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا كنت نبينا حقاً ورسولا حقا، فأحي لنا قُصي الجد الأكبر، كان شيخا مباركا فأحي لنا قصيا يشهد بأنك رسول الله أسمعنا هلمّ بنا إلى قبره، وأسمعنا كلامه يشهد لك، فنزلت الآية (وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ ) أي لو أن الإسماع يجدي لأسمعهم؛ لأنطق قُصيا من قبره، وأجابهم بما سألوا، أسمعهم كلام قُصي من القبر ولو أسمعهم كلام قصي الذي طلبوه لتولوا أيضا وهم معرضون، (وَمَا تُغْنِى ٱلْـَٔايَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ (١٠١)) [سورة يونس آية: ١٠١]، ثمود أتاهم الله الناقة مبصرة، فماذا فعلوا؟ ظلموا بها، فالآيات لا تجدي مع الكافر، الآيات التي سألوها ما سألوها إلا تعجيزا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ لكي يتخذوا تكِئَة لكفرهم، وعذرا لانصرافهم، يتوجه الخطاب للمسلمين، والمؤمنين الصادقين أيضا مرة أخرى.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿24﴾
وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةًۭ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةًۭ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴿25﴾
(وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤))، يروى الإمام البخاري عن أبي سعيد بن المعلّي قوله: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلم أجبه، ثم أتيته، فقلت: يَا رَسُولَ الله إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلِ الله (عز وجل) (ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ) إلى آخر الحديث، حيث علمه بعد ذلك الفاتحة، وقال: إنها أعظم سورة في القرآن، من هنا أخذ الفقهاء حكما واضحا، وهو أن إجابة الرسول (صلى الله عليه وسلم) فرض، وعليه إذا نادى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على رجل يصلي، وجب عليه أن يرد عليه وهو في صلاته، لبيك يا رسول الله وهذا الرد، وهذه الإجابة لا تقطع صلاته، بل له أن يستمر في صلاته بعد ذلك، أما إذا كان الأمر متطلبا لخروجه من الصلاة، خرج من الصلاة ولبى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ لهذه الآية، ولحديث أبي سعيد بن المعلّي حين قال: كُنْتُ أُصَلِّي يَا رَسُولَ الله فقال: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ (ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ) أي كان من الواجب عليك أن تجيبه، وأنت في صلاتك ، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّ السُّوءَ إِذَا ظَهَرَ السُّوءُ فِي الْأَرْضِ أَنْزَلَ اللهُ بِأَهْلِ الْأَرْضِ بَأْسَهُ قَالَتْ عائشة: وَفِيهِمْ أَهْلُ طَاعَةِ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ)؟ قَالَ: نَعَمْ ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى)، إذا ظهر السوء في الأرض، أنزل الله بأهل الأرض بأسه، وأهل طاعة له يا رسول الله قال: نعم، ثم يصيرون إلى رحمة الله أي يحشرون على نياتهم، وتسأل السيدة زينب بنت جحش (رضي الله عنها وأرضها) أم المؤمنين، رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتقول: يا رسول الله (أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ)، ويقول (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ)، وكيف يحدث هذا؟ ومتى يحدث هذا؟ يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا ، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ -أجروا القرعة بينهم بالسهام، من يكون في أعلاها، ومن يكون في أسفلها، الاستهام إجراء القرعة- فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا ، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا...)، الحديث ذلك هو الوهم، والتمثيل الذي يشرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمة، إذا انتشر المنكر، إذا ظهر الفساد إذا عم الظلم، إذا لم يقاوم أهل التقى، إذا لم يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، إذا لم يأخذوا على أيدي الظلمة، ولنا في الأمم السابقة عبرة واسمع قول الله (عز وجل): (لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ﴿۷۸﴾ كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍۢ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ﴿۷۹﴾) [سورة المائدة آية: ٧٨ : ٧٩]، من هنا نرى أن حكمة الله (تبارك وتعالى) قد اقتضت، أن يجعل الراضي بالمنكر كفاعله، فينزل بأسه على الاثنين، هذا بفعله، وهذا برضاه، (وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةًۭ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةًۭ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ (٢٥)) [سورة الأنفال آية: ٢٥]، ويذكّرهم ربنا (تبارك وتعالى) بنعمته، والمانح مانع.
وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌۭ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿26﴾
(وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌۭ) قلة (مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ) ضعفاء (تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ) والخطف: الأخذ بسرعة، وهذا كان حال المسلمين الأوائل قبل الهجرة إلى المدينة، بل هو حال العرب جميعا، قبائل متناثرة، قبائل متفرقة، فقراء، أذلّة، يخافون الفرس، يخافون الروم، ويخافون الأحباش، كانوا قلة، فبظهور النبي (صلى الله عليه وسلم) رزقهم الله العزة، والمنعة، والكثرة، (فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)) تشكرون نعمة الله وتعرفون قدرها، وتعرفون فضله، فتتبعوا أمره، ولا تعصون أمره.
حاصر نبينا (صلى الله عليه وسلم) بني قريظة إحدى وعشرين ليلة، بنو قريظة فئة من يهود المدينة، تحالفوا مع الأحزاب، وتحالفوا مع قريش، ونقضوا عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومكروا به، وأرادوا أن يحاربوه وأن يألبوا عليه العرب جميعا، رغم ما كان بينه وبينهم من عهد، فأمره جبريل بأن يسير إليهم، فسار إليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وحاصرهم إحدى وعشرون ليلة، أرادوا أن يستسلموا، وأرادوا أن يكون التصرف معهم كما حدث مع إخوانهم من بني النضير، لكن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يرد ذلك، وكل تصرفاته بوحي، فاختار محكِّما بينهم، وبين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان المحكِّم هو سعد بن معاذ (رضي الله عنه وأرضاه) وكان قد أصيب في غزوة الأحزاب، ونكأ جرحه بعد ذلك، المهم أن من الصحابة رجل كان له في بني قريظة أموالا، وأولاداً ذاك هو أبو لبابة بن عبد المنذر من أجلّة الصحابة، أبو لبابة اطمأنت إليه يهود بني قريظة، وأرادوا أن يستشيروه لمكانه عندهم، ولمكان أمواله، وأولاده فيهم، فطلبوه، وسألوه: يا أبا لبابة، ما رأيك في أن يكون المحكم سعد بن معاذ، فأشار إلى حلقه، أي أن حكم سعد هو الذبح، يقول أبو لبابة عن نفسه: فو الله ما زالت قدماي عن مكانها حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، ونزل جبريل بتوجيه الله (تبارك وتعالى) وتحذيره (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧))، فقال أبو لبابة: والله لأقيدن نفسي بسارية، من سواري المسجد، ولا أذوق طعاما، ولا شرابا حتى يتوب الله عليّ، وذهب إلى المسجد، وقيّد نفسه بسارية من سواري المسجد، للآن مكانها محفوظ عليه الاسم اسطوانة أبو لبابة، قيد نفسه، وامتنع عن الطعام، والشراب سبعة أيام، حتى غُشِي عليه، ونزلت توبة الله عليه، وجاءوا يبشرونه لقد تاب الله عليك يا أبا لبابة، فحلّ نفسك، فقال: لا، والله لا أحل نفسي حتى يحلني رسول الله فجاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فحله، قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَلَامَةَ تَوْبَتِي أَنْ أَخْرُجَ مِنْ مَالِي، - هذا المال الذي خفت عليه فأوقعني، أخرج من مالي وأترك داري-، قال: لَا يَكْفِيكَ الثُّلُثُ. ، يقول الله تبارك وتعالى محذراً.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿27﴾
وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ ﴿28﴾
والخيانة من الخوْن، والخون: النقص، وخوّنه: نسبه إلى الخيانة، والخائن: نقص مال المخون عنده. ما هي الخيانة المقصودة هنا؟
قالوا: الخيانة أن يفشى المسلم أخبار المسلمين لغير المسلمين، خيانة، الخيانة ما فعله أبو لبابة، حيث حذرهم من حكم سعد بن معاذ، وقد حكم فعلا بقتل مقاتلتهم، وسبي نساءهم، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ.
قالوا أيضا: الخيانة: منع الفرائض، منع الحدود، فشْو المعاصي، كل ذلك من الخيانة، عدم إحياء سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إماتة السنة، البدع كل ما يخالف شرع الله وسنّة رسول الله خيانة.
(أَمَـٰنَـٰتِكُمْ) الأمانات أنواع: منها ما يأتمنك أخوك، أو صاحبك، أو جارك عليه، فتنقص منه، أو تغدر به، وفي هذه يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ)، بل ويعلمنا الدعاء فيقول: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ، فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ) .
أيضا من الأمانات: الأعمال، والتكاليف الشرعية؛ لقوله (عز جل) (إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ ۖ ) [سورة الأحزاب آية: ٧٢].
فقال العلماء: الصلاة أمانة، الصيام أمانة، التكاليف الشرعية التي أمر الله بها، وأمر بها رسوله، هذه هي الأمانات.
خيانة الأمانات هنا هي عدم القيام بالتكاليف الشرعية، وأداء الأعمال التي فرضها الله (تبارك وتعالى) على عباده، عدم الأداء للصلاة خيانة، عدم أداء الزكاة خيانة.
(وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ) فتنة: امتحان.
ما الذي يدعو العبد للخيانة؟ ما الذي دعا أبو لبابة لفعل ما فعل؟ خوفه على ماله، وولده، فالأموال، والأولاد هي المحرِّض، وهي السبب الأساسي لحب الدنيا، والسعي إلى الدنيا، والعب، والملء منها، هي الداعية إلى الخيانة الأموال والأولاد، خوفك على المال يدعوك لأمور كثيرة تخالف ما أمر الله به، حب المال رأس كل خطيئة، حب المال يدعو إلى الغش في الميزان، والغش في المكيال، حب المال يؤدي إلى عدم أداء الحقوق إلى ظلم الحقوق، حب الأولاد يؤدي إلى الارتزاق من حرام، حب الأولاد يؤدي إلى الجبن، والتخلف عن الجهاد، وهكذا، الأموال أو الأولاد فتنة أي امتحان، وعليه فإن رزقك الله (تبارك وتعالى) بولد، فهو سؤال، سؤال في امتحان تجيب عليه يوم القيامة، ماذا فعلت فيه؟ وماذا فعلت به؟ هل علمته الصلاة؟ هل دعوته إلى الله؟ هل، وهل، فإن قبضه فهو امتحان أتصبر؟ استودعه إليك أمانة أعطاك ولدا ثم أخذه، لله ما أخذ ولله ما أعطى هل تصبر؟ منعك الولد هل ترضي؟ رزقك بالبنات هل تحسن تربيتهن؟ وتعلم أنهن حجاب من النار، رزقك بالبنين هل أخرجت شبابا طائعا، تقيا يعلم حدود الله؟ الأموال أديت حق الله فيها؟ أديت حق الناس فيها؟ هو استخلفك في المال، وُلدت، ولا مال لك، وميّت ومالك صائر إلى غيرك، ماذا فعلت في المال؟ إذا فالمال سؤال، وامتحان، والأولاد سؤال وامتحان، وإنما من رزقه الله مالا فهو ممتحن، مبتلى، ومن رزقه الله أولادا فهو ممتحن، ومبتلى، ، (أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ) فينا من ينجح، وفينا من يرسب واعلموا أن الله عنده أجر عظيم كذلك، لمن الأجر العظيم؟
الأجر العظيم لمن لم يشغله ماله، ولا أولاده عن حقوق الله وعن حقوق الناس يقول الله (تبارك وتعالى) في موضوع آخر:
(يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ (٩)) [سورة المنافقون آية: ٩] إياكم وأن تشغلكم الأموال، إياكم وأن تشغلكم الأولاد عن ذكر الله أو أن تدعوكم إلى معصية الله.
كما أن الله (تبارك وتعالى) يحول بين المرء وقلبه، فيفسد عزائمه، ويغيّر مقاصده، ويحول بينه وبين ما يريد، فهو أيضا (سبحانه وتعالى) أيضا يثبت القلوب على الدين، وعلى الإيمان، وينيرها، يرزقها البصيرة؛ ولذا كان سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) يقول: (يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ).
يرسم ربنا (تبارك وتعالى) لنا الطريق؛ لثبات القلوب، يعطينا الإشارة، ويصرح بالعبارة، فيقول عز من قائل:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًۭا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ﴿29﴾
هذا الفرقان، هذه البصيرة، هذا الضياء، يقي الإنسان شر الزلل، يقي الإنسان سوء الاختيار، فالحياة كلها اختيار، الإنسان شريكة حياته، الإنسان يختار وظيفته، يختار عمله، يختار أصدقاءه، يختار سكنه، الحياة كلها اختيار، والاختيار قد يودي، ويردي.
(وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ ) [سورة البقرة آية: ٢١٦].
أين الصواب؟ أين الخير؟ عاقبة الأمور بيد الله من هنا كان اختيار العبد أساسا لما يحدث من نتائج، فأنّى لي بالاختيار السليم؟ أنّى لي بحسن التمييز؟ بشيء واحد، بالفرقان الذي يجعله الله (تبارك وتعالى) لعبده المؤمن الذي اتقاه.
(يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًۭا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ ) كفارة السيئات، إخفاؤها، محوها والغفران كذلك، حتى يأتي العبد يوم القيامة، ولا شاهد عليه بذنب، فالأعضاء تشهد، (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٢٤)) [سورة النور آية: ٢٤]، فضيحة يوم التغابن، فتكفير السيئات، وغفران الذنوب، معناها أن تُمحى السيئات من الصحائف، أن ينساها الكتبة، ألا يوجد عليها شهود، حتى الأعضاء تنساها، وذاك هو ستر الله في الآخرة، وقيل: السيئات: الصغائر، والذنوب: الكبائر.
(وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ (٢٩)) إذاً فعطاء الله (تبارك وتعالى) تفضلا، وليس استحقاق للعبد؛ إذ إن العبد مفروض فيه أن يطيع أمر السيد، وأمر مولاه بلا أجر، وبلا مقابل، تقوى الله واجبة، فإن أُعطيت عليها أجراً، فذاك فضل من الله خاصة أن الموفق للتقوى هو الله.
ويذكّر ربنا (تبارك وتعالى) نبيه، وحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بنعمة كبرى، وكأن التذكير لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) بهذه النعمة الكبرى، إشارة للوعد (إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًۭا)، ترى كيف يكون الفرقان، لو تساءلنا كيف الفرقان؟ كيف تميز بين الحق والباطل؟ كيف تُلهم الصواب؟ كيف تضيء منك البصيرة؟ كيف ينتصر الحق ويزهق الباطل؟ إن كنت تتساءل فاسمع:
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ ﴿30﴾
(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ (٣٠)) مكرهم فاسد، مكرهم مذموم، مكر الله محمود، مكر الله نصر حبيبه، مكر الله رد كيدهم إلى نحورهم (وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ (٣٠))؛ لأن مكر الله دائما وأبداً واقع نافذ لنصر الحق، وإزهاق الباطل.
اجتمعوا فقال قائل منهم: احبسوه، وابنوا عليه سورا، وسدوا عليه المنافذ ماعدا كوة تناوله منها طعامه وشرابه، قالوا: وهل أمنتم أن يجتمع أصحابه، فيقاتلون دونه ويخرجونه من حيث حبستموه، ليس ذاك بالرأي، وقيل الشيطان تجسد في شيخ كبير، وكان هو الذي يدعوهم ويحضهم، قال آخر: إذا نضعه على بعير، ونخرجه خارج مكة، فلا يعود إليها، فقال لهم ذاك الشيخ الكبير، أو ذاك الشيطان كما قيل كيف؟ لو فعلتم ذلك، وأنتم تعرفون حسن منطقه، وحلاوة كلامه، وطلاوة لسانه، يؤمن به الناس، ويجتمعون عليه، فيحاربونكم، ويخرجونكم من أرضكم بئس الرأي، قال آخر: قيل أنه أبو جهل إذاً فلنجمع من كل قبيلة شابا، يافعا قويا بيده سيف صارم، فيضربونه ضربة رجل فيتفرق دمه بين القبائل فلا يستطيع بنو هاشم أن يقاتلوا قريش جميعها، فيقبلون الدية، وننتهي منه، قال ذاك الشيطان: نِعْم الرأي ذاك اجتمعوا على ذلك، وجمعوا من كل قبيلة شابا قويا جلدا، وأعطوه سيفا، صارما، قاطعا، بتاراً، فنزل جبريل للحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) يخبره بهذه المؤامرة، ويطمئنه، ويأمره بالهجرة، أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) على بن أبي طالب أن ينام في فراشه حتى يخدعهم، إذ تلصصوا عليه، وجدوا شخصا نائما في الفراش متغطي ببرده، حسبوه النبي (صلى الله عليه وسلم) فأمر علياً أن ينام في فراشه، ويبقى ليرد الأمانات إلى أهلها، يرد الأمانات إلى هؤلاء الذين اجتمعوا عليه ليقتلوه، وصدق (صلى الله عليه وسلم) بفعله، وبقوله حيث يقول: (أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ)، وحاصروه، وخرج النبي (صلى الله عليه وسلم) فوجدهم جميعا نائمون، ألقى الله عليهم النوم، فأخذ التراب من الأرض، وأخذ يحثو التراب على رؤوسهم، وهو يتلو قول الله (عز وجل): (فَأَغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)) [سورة يس آية: ٩].
هكذا يكون الفرقان، هكذا يكون النصر، هكذا يكون الفرق بين الحق والباطل، (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟) أي اذكر يا محمد، وجاء بصيغة المضارعة؛ لاستحضار الهيئة (لِيُثْبِتُوكَ) إذا ثبت أي بقي مكانه بالحبس، أو بالإسخان بالجراح بالعاهة، (أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ (٣٠)).
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا قَالُوا۟ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَآ ۙ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿31﴾
وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ ﴿32﴾
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿33﴾
(وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) المانع الآخر.
الاستغفار، إذاً فهناك أمانان للعصاة: الأمان الأول: وجود سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) وهذا الأمان قد رُفع بانتقاله (صلى الله عليه وسلم) إلى الرفيق الأعلى، أما الأمان الثاني: فهو الاستغفار، ما أصر من استغفر، من هم المستغفرون؟
قيل: بمكة كان هناك المستضعفون من المسلمين، يستغفرون الله ويعبدون الله فببركة وجود الصالحين، رُفع العذاب، عذاب الاستئصال عن المنكرين، وما كان الله معذبهم، معذب المنكرين الجاحدين والمؤمنون بينهم يستغفرون، فببركة استغفار الصالحين، كما جاءت في الحديث إن الله (تبارك وتعالى) يبارك، ويرحم، ويعطي وما إلى ذلك وجيران وأهل دويرة الرجل الصالح، فكذلك استغفار المسلمين بمكة، وذاك مصداقا لقوله (عز وجل) (لَوْ تَزَيَّلُوا۟ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)) [سورة الفتح آية: ٢٥].
الرأي الآخر: (وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) أي الكفار، فهل كانوا يستغفرون؟ قيل: كانوا يقولون: اللهم غفرانك، فاستغفار المشرك يؤجل عذابه، أي يخفف عذابه، وقيل: (وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)) أي وهم يسلمون - الكفار والصناديد - كل يوم يُسلم منهم أحد، إذاً فهناك في علم الله من يُسلم، فكيف يستأصلهم، وفيهم من يُسلم في المستقبل، أو في أصلابهم من يُسلم، وقيل: بل هي دعوة لهم، أي إن استغفرتم، وتبتم، وعدتم، رُفع عنكم العذاب، (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)).
وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ ۚ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿34﴾
(وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ) ما يمنع من تعذيبهم، (وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ ۚ )، ليسوا هم أولياء المسجد، أو ولاة المسجد، أو المسئولون عن المسجد، لأن أولياء المسجد بحق، المتقون (إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)) أي المستحق لتولّي أمر المسجد الحرام، وأن يكون وليّاً له، المتقون الذين اتقوا الشرك، وعبدوا الله حق عبادته، فهم مستحقون للعذاب، بدليل صدهم عن المسجد الحرام، وبشركهم، بل وانظر إلى عبادتهم.
وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءًۭ وَتَصْدِيَةًۭ ۚ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿35﴾
كانوا يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون، لا دعاء ولا استغفار، ولا عبادة، ولا توجّه إلى الله بل قرابين، وذبائح لأصنامهم، وأوثانهم وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا أراد أن يقرأ القرآن حتى يسمعه الناس، أو يصلي هو والمسلمون يشوشون، (لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)) [سورة فصلت آية: ٢٦]، ويظنون أن ذاك عبادة (فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)) إذاً فهناك تهديد من الله (تبارك وتعالى) أن العذاب واقع بهم لا محالة، وقد وقع بهم في بدر، وقُتل الصناديد جميعا في بدر، وما تعدى أحد منهم موقعه الذي أشار إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال: (كَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ)، نصره الله (تبارك وتعالى) عليهم.
أيها الأخ المسلم الفرقان النور، البصيرة، الهداية، التمييز الصحيح، حسن الاختيار كل ذلك يأتي بتقوى الله.
فقد استنجد أبو سفيان بأهل مكة؛ لإنقاذ العير في بدر، وخرج الكفار بخيلائهم، وخيلهم إلى بدر؛ لمحاربة النبي (صلى الله عليه وسلم) خاصة بعدما نجا أبو سفيان بالقافلة حين سار بها اتجاه البحر، واتخذ طريق الساحل، خرج الناس في بدر بسلاحهم، وخيلهم، وخيلائهم بطرا ورئاء الناس، خرجوا وهم ألف أو يزيد، فمن أين يأكلون في هذا السفر، ومن أين ينفقون، فتطوع اثنا عشر رجلا من صناديد مكة بالإنفاق على هذا الجيش الخارج لمحاربة النبي (صلى الله عليه وسلم) وكان كل واحد منهم ينحر في اليوم عشرة أبعرة، عشرة جمال، هؤلاء المطعمون يوم بدر، المنفقون أموالهم لمحاربة الله ورسوله، وكذلك من أنفق ماله لمحاربة الدين إلى أن تقوم الساعة، يقول الله (عز وجل) في شأنهم.
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةًۭ ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴿36﴾
(فَسَيُنفِقُونَهَا) سوف يُسمح لهم بذلك، ويأذن، ويعطيهم، ويجعلهم ينفقونها كاملة، (ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةًۭ ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ )، قد ينفق الإنسان في أمر، ويتبيّن له عدم جدوى الإنفاق فيتراجع بمشورة، بنصح، بتفكير، أما هؤلاء المنفقون للصد عن سبيل الله لن يتراجعوا، يستدرجهم الله حتى يسلبهم أموالهم، فسينفقونها أي سيسمح بذلك ويأذن بذلك، حتى إذا أنفقوها لزمهم الندم، والغم، والحسرة أشد درجات الغم، والندم، حَسِرَ: أصل الكلمة الكشف، حسر، يحسر، وكأن المتحسر قد انكشفت قواه، فسينفقونها، ثم تكون عليهم حسرة في الدنيا وفي الآخره وفي القبر، (كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ ۖ ) [سورة البقرة آية: ١٦٧].
(ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ )، كأن المال أُنفق، وضاع المال، وهُزموا، وغُلبوا في الدنيا، أما في الآخرة (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦))، أي استمروا على كفرهم حتى ماتوا، وثبتوا على كفرهم حتى ماتوا يحشرون إلى جهنم.
لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُۥ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فَيَرْكُمَهُۥ جَمِيعًۭا فَيَجْعَلَهُۥ فِى جَهَنَّمَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ﴿37﴾
قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا۟ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿38﴾
وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ﴿39﴾
(فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟) إذاً فهناك فرصتان منحهما ربنا لهؤلاء الكفار الفرصة الأولى العقل والتعقل (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ) بالحساب بالعقل بالمنطق كل ما مضى يُمحى، وتصبح تقيا، صالحا، مسلما لك ما للمسلمين (وَإِن يَعُودُوا۟ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلْأَوَّلِينَ (٣٨))، وانظر إلى من مضى قبلك، ها هي قبورهم، أهرامات فأين القصور؟ أين تركة عاد؟ أين تركه ثمود؟ أين قوم لوط؟ أين قصر فرعون؟ أين هؤلاء وأولئك، يخاطب ربنا عقولهم بالفكر، ويفتح لهم أبواب التوبة، فإن لم، بالقتال، الفرصة الثانية، فإن حدث القتال فتراجعوا أيضا لازال باب التوبة مفتوح، فمن ارتدع، وعاد وانتهى بتفكيره، وبعقله غُفر له ما قد سلف، ومن خُوِّف بالسيف، وأُرهب بالسيف فانتهى غُفر له ما قد سلف (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا۟ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلْأَوَّلِينَ (٣٨))، (وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ (٣٩)). فإن انتهوا عن القتال، وعن الكفر فإن الله بما يعملون بصير، عالم بنياتهم، يرى قلوبهم، ويسمع أقوالهم، ويرى أعمالهم، فيجزيهم على توبتهم، ويجزيهم على إسلامهم، (فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ (٣٩)).
وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَىٰكُمْ ۚ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ ﴿40﴾
الجُزءُ العاشر
لقد نصر الله (تبارك وتعالى) حبيبه ورسوله (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون في بدر نصرهم، على قلتهم وقلة عددهم وعُددهم، وكانت غزوة آية، حدث فيها من المعجزات، ومن الآيات الباهرة مالم يدع مجالا لشك شاك، أو تردد متردد، أو توّهم وَهِم في أن هذا النبي حق وأن ما يدعو إليه هو الحق، غنم المسلمون في بدر غنائم والغنائم لم تحل لنبي من قبل نبينا (صلى الله عليه وسلم) فكانت الأنبياء إذا خرجت في الحروب، وغنمت غنائم، حرم عليهم الأخذ أو الأكل منها، فكانت الغنائم تُجمع في مكان وتُترك، فتنزل نار من السماء تأكلها تحرقها جميعها دلالة على قبول الله (عز وجل) لجهاد المجاهدين، وأُحلت الغنائم لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) وجُعل رزقه تحت ظل رمحه، وحين غنم المسلمون، وحدث اختلاف في البداية، وتساءلوا، ونزل قول الله (عز وجل) (يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ )، هذه العطايا، هذه المنح، هذه الغنائم التي أُحلت لكم، ولم تُحل لأحد من قبلكم، أمره أن يخبرهم أن هذه الأنفال، وهذه الغنائم والحكم فيها لله (عز وجل) هو الذي يحكم في شأنها، لكن الآية عامة؛ لذا قال بعض العلماء: الأنفال هنا ليست الغنائم، وإنما الأنفال ما ينفّله الإمام الحاكم، القائد للمقاتلين دون قسْم، دون قسمة، وقال بعضهم: بل الآية عامة، ثم نزل بعد ذلك تفصيل الحكم. نزل قول الله (عز وجل):
وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ﴿41﴾
أما الغنيمة في الشرع: إذا ذكرت في القرآن، وفي شرع الإسلام، فقد جرى العرف باعتبارها ما يحصل عليه المسلمون من الكفار بالغلبة، والقهر، فإذا حصل المسلمون على غنائم، أموال، خيول، ما حصل عليه المسلمون نتيجة حرب، إيجاف للخيل قتال يُسمى غنيمة.
أما ما يحصل عليه المسلمون بغير حرب، بغير قتال، كأن استسلم الناس يسمى فيئاً، من فاء يفيء إذا رجع، أحكام الفيء تختلف عن أحكام الغنيمة، والفيء له أحكام جاءت في سورة الحشر. (مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ) [سورة الحشر آية: ٧].
(أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍۢ) قَلّ أو كثر، وهنا حدثت الآراء والاجتهادات، فمنهم من قال: ما غنمتم من شيء قَلّ أو كثر: أسر، أرض، زرع، دراهم، منقول، وغير منقول، غنيمة يسري عليها الحكم التالي، وهو التقسيم الذي أمر الله به، وقال بعضهم: وإن كانت الآية عامة أو الحكم عام، ولكنه مخصوص بأمور.
الخصوص هنا مَن قتل قتيلا، فله سلبه؛ أشياؤه الشخصية: درع، سيف، واختلفوا فيها إذا كان القتل مقبلا، وليس مدبراً، بمعنى أن الفار لا يقتل، ولا يصح قتله، ولابد أن يكون الكافر مقبلا عليك حتى يحل لك قتله، أما إن فر منك فلا تزففوا على جريح، ولا تتبعوا فاراً من مبادئ الإسلام الأخلاقية التي لم يعرفها الناس قبل الإسلام.
قالوا أيضا: الأسرى أمرهم للإمام، فليس الأسرى من الغنائم، وإنما إن شاء الإمام فداهم، وإن شاء عفا عنهم، وكذلك الأرض، وإنما الغنائم هي المنقول، المنقول فقط الذي يصح توزيعه، وتقسيمه، أما الأرض فكيف تُقسم، واختلفوا في شأن الأرض، فالبعض خصص والبعض قال الكُل مقسوم، الذي قال بالقَسْم استند لفعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في خيبر، والذي منع قسمة الأرض استند لفعل عمر حين قال: لولا آخر الناس لقسمت الأرض كما قسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خيبر، فأبقاها، وقال بعضهم: بل الأمر متروك للإمام يحكم بما يراه.
(وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ) لله الدنيا والآخرة، هو المالك، وهو الملك هل يُقسم لله من الغنائم، وهل يأخذ ربنا من الغنائم؟ قالوا: ذكْر الله هنا للتبرك، لتشريف ذكر الرسول، إذ ما فعله الرسول فهو بأمر الله، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله، ومن أرضى الرسول فقد أرضى الله وهكذا، فسهم الله، هو سهم رسوله، وقال بعضهم: هي ستة أقسام: لله، وللرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، أما سهم الله فيصرف على الكعبة، وقال بعضهم: بل يصرف لبيت المال، ذاك رأي مرجوح، والأرجح أن سهم الله، وسهم رسوله، سهم واحد.
والمعنى في (وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَأَنَّ لِلَّهِ) الآية أي فأن لله الحكم فيه، ما هو الحكم؟ التخميس: تُخمس الغنائم خمسة أقسام: أربعه أخماس الغنيمة توزع على المقاتلين، والمجاهدين، للراجل أي المحارب على أقدامه الماشي سهم، أي نصيب، وللفارس سهمان، سهم له، وسهم لفرسه، وقال بعضهم: بل ثلاثة أسهم، سهم للفارس، وسهمان لفرسه، ومهما كان عدد الأفراس معه، فكأنها فرس واحد؛ إذ هو يركب حال القتال فرسا واحداً، أربعة أخماس للمقاتلين، والخُمُس الذي جاء في هذه الآية جاء ذكره، وسكت عن ذكر الأربعة أخماس، وقد جاء بذكر الخمس، وسكت عن ذكر الأخماس الأربعة وتركت لفعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي علمناه بعد من قسمة الأربعة أخماس على المقاتلين:
الخُمس يجنب: سهم لرسول الله، سهم لذي القربى، سهم لليتامى، سهم للمساكين، سهم لابن السبيل.
أما سهم ذي القربى من هم؟ قالوا: قرابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
(قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ ۗ ) [سورة الشورى آية: ٢٣].
قرابة رسول (صلى الله عليه وسلم) من هم؟ قالوا: قريش، قالوا: لا، ليست قريش، وإنما بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، وقال بعضهم: بل بنو هاشم على الخصوص.
أرجح الأقوال بنو هاشم، وبنو عبد المطلب؛ لما جاء في البخاري قول النبي (صلى الله عليه وسلم) عنهم: (إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ )، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ .
ذي القربى: الغني منهم، والفقير، والرجال والنساء فيه سواء، وقال بعضهم: بل للفقراء منهم فقط.
تلك أحكام كانت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولذا قال بعض العلماء: ما العمل الآن، وقد انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى؟ فقال بعضهم يُصرف فيما كان يصرفه الرسول فيه، فيما كان يصرف الخمس أو نصيبه من الخمس؟ كان يصرفه في مصالح الناس بدليل قوله (صلى الله عليه وسلم): (لَا يَحِلُّ لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قَدْرُ هَذِهِ إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ)، لم يأخذ منه شيئا، إذا يُصرف فيما كان يصرفه في مصالح المسلمين، وكذلك في القرابة، وقال بعضهم: بل ارتفع الحكم، لا سهم لرسول الله، ولا سهم لذي القربى، وانتهى الحكم بوفاته (صلى الله عليه وسلم) وأصبح الخُمُس إلى الإمام يصرفه كيف يشاء، مع مراعاة المصلحة، وقال بعضهم: بل يصرفه في ثلاثة وجوه فقط: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، أما رسول الله فقد انتقل إلى الرفيق الأعلى، والقرابة لا تُعلم الآن. تلك أقوال في شأن هذا الحكم، وقد يتساءل سائل هل سائر الحكم إلى الآن؟
قال بعضهم: نعم الحكم سائر إلى أن تقوم الساعة.
وقد يقال: الغنائم في ذاك الوقت كانت لمن؟ كانت للمجاهدين في سبيل الله، المقاتلين لكي تكون كلمة الله هي العليا، لكي يرفعوا كلمة لا إله إلا الله، ولم يكونوا يحصلون على أجور أو مرتبات، كان الرجل يخرج بفرسه، وبسلاحه، وبدرعه، يخرج واثقا من الصفقة التي عقدها الله معه.
(إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ۚ ) [سورة التوبة آية: ١١١].
فمن أين يأكل؟ ربط فرسه، وحبس أدرعه في سبيل الله، فهو مجاهد مقاتل يخرج للدفاع عن الدين، ولرفع راية الإسلام، لا أجر له، ولا مرتب، أما الآن فهم معينون، حاصلون على أجور ومرتبات، والسلاح سلاح الدولة، وليس سلاحهم الشخصي، أو الخاص فكيف يكون الحكم؟ تلك مسألة تحتاج إلى رأي العلماء.
(وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ) شرط أي إن كنتم آمنتم بالله حقا، فنفذوا هذا الحكم، واعلموا أن الغنائم لله يقسمها كيف شاء، ويحكم فيها بما شاء إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا على محمد (صلى الله عليه وسلم) من قرآن ومن بيان، ومن تشريع، ومن ملائكة (يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ) يوم بدر، والفرقان: الفارق؛ إذ في هذه الغزوة فرق الله بين الحق والباطل؛ لذا سمى اليوم يوم الفرقان.
(وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ ) من هنا علمنا أن يوم الفرقان هو يوم بدر، الذي التقى فيه الجمعان: جمع المسلمون، وجمع الكفار.
(وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ (٤١)) كان الله قادرا على إهلاك الكفار بغير القتال، ولكن كيف يكون منا الشهداء؟ كيف يتضح المنافق والمجاهد بحق؟ كيف يميز الخبيث من الطيب؟ كيف يُؤجر الناس؟ والله على كل شيء قدير، ينصر من يشاء، بغير عدد وبغير عُدد، ويأتي الوصف الغريب لساحة المعركة، . يصف ربنا ساحة المعركة، وصف موجز غاية في الدقة، يُفهم منه
إِذْ أَنتُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَٱخْتَلَفْتُمْ فِى ٱلْمِيعَـٰدِ ۙ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿42﴾
العدوة: جانب الوادي وشفيره.
الدنيا: تأنيث الأدنى الأقرب، دنا يدنو اقترب.
القصوى: تأنيث الأقصى، قصا، يقصو، ابتعد أي كان المسلمون بالعدوة الدنيا، أي كان المسلمون قريبين من المدينة والكفار بالعدوة القصوى، بالجانب البعيد عن المدينة القريب من مكة هذا الوصف يُفهم منه أمور أولها: أن الكفار كانوا في الأمام وهم مهاجمون وأرضهم صلبة وكانوا على الماء، وكان المسلمون في أرض رخوة تسيخ فيها الأقدام من أجل ذلك منّ الله عليهم بنزول المطر، وأغاثهم ليثبت به الأقدام.
(وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ ) الركْب: جمع راكب، ولا يطلق الركب في اللغة إلا على راكب الإبل، أما من ركب فرسا أو غيره فلا يقال عليه راكب، الراكب والركب هم راكبوا الإبل خاصة، ذاك في استخدام اللغة، والركب أي العير، عير أبي سفيان التي نجت، والتي خرجوا لها (أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ ) بعيدا عنكم قريبا من الساحل، فقد نجت العير، خرجوا لملاقاة العير فنجت، أصبحوا بالعدوة الدنيا، والكفار بالعدوة القصوى (وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ) على هذا اللقاء (لَٱخْتَلَفْتُمْ فِى ٱلْمِيعَـٰدِ ۙ ) لتخلفتم، وما نفذتم الوعد، وما جئتم في الموعد لقلة عددكم، وانعدام عُددكم؛ ولكثرة عددهم، وقوة عُددهم كما أن الأرض والساحة كانت لهم، والميزة لهم والفضل في ساحة القتال للكفار وليس للمسلمين؛ ولذا لو كان على موعد وعلمتم حالكم، وعلمتم حالهم؛ لفررتم وما جئتم في الموعد أبداً (وَلَـٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا)، ولكن الله فعال لما يريد جمعهم، وجعلهم يلتقون، وأنجى العير حتى يلتقوا بالنفير لماذا فعل كل ذلك؟ (وَلَـٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا)، قضاء الله نافذ لا مفر ولا مهرب، ولا ملجأ قضاؤه نافذ مبرم.
(وَلَـٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا) ما هو ذاك الأمر الذي قضاه الله، وأراد بهذا اللقاء على غير موعد، واستدرج الكفار وجاء بهم، وكذلك جاء بالمسلمين يظنون العير وقد قضى بالنفير؟ (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ ۗ ) إذا فقد جمع الله (تبارك وتعالى) بين المسلمين والكفار في غزوة بدر؛ لتظهر الحجة، فمن كفر وهو يعلم الحق إذاً فهو معاند، ولا حجة له ولا عذر، ومن اهتدى فقد هُدي عن بيّنة، وبرهان باستعارة الهلاك للكفر؛ لأن الكفر يؤدي إلى الهلاك، والحياة للإسلام لأن الإسلام حياة الأبد.
(أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا) [سورة الأنعام آية: ١٢٢]
أو الكلام على معناه (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ) من مات في بدر كأبي جهل، وعقبة بن أبي معيط، ولبيب بن عتبة، وصناديد قريش يموتوا عن بيّنة أي عن برهان، لا عذر لهم ولا حجة، ها هم قد رأوا كيف نصر الله رسوله على قلة عدد المسلمين، وقلة عُددهم (وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)) سميع للأقوال، عليم بالأفعال، سميع لأقوالهم عليم بنيّاتهم، وجاء بالصفتين: صفة السمع، وصفة العلم؛ ليدلل على أمرين: أن الإيمان قول، وعمل، سميع لأقوال الناس، عليم بنيّاتهم، وما انطوت عليه صدورهم، ثم يبيّن ربنا تبارك وتعالى كيف تم الاستدراج للكفار، وكيف دبّر ربنا اللقاء على غير موعد، وانظر لفعل الله وانظر لقوة الله وضعف الإنسان.
إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًۭا ۖ وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًۭا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴿43﴾
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًۭا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ﴿44﴾
نام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فرأى الكفار في منامه قلة، لا عدد لهم، ولا عُدد، فقام متفائلا، مستبشرا، وأخبر أصحابه أن الكفار قليل الذين جاءوا لإنقاذ العير، ولملاقاتنا لا تبالوا بهم فهم قلة -حسب المنام- فتشجع الصحابة على قلة عددهم وسلاحهم، فلم يكن معهم إلا فارسا واحدا، أو فارسان، المقداد بن عمرو وآخر، فتشجعوا وتثبتوا (إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًۭا ۖ )، ولم فعل ذلك وأراه غير الحقيقة؟ لأنه لو أراه الحقيقة (وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًۭا) كما هو الواقع (لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ) الفشل: الضعف مع الجبن، يعني جبنتم وضعفتم والغريب في الآية في اللفتة الكلام للرسول (صلى الله عليه وسلم) (إِذْ يُرِيكَهُمُ) يا محمد (وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ) يا محمد كثيرا (لَّفَشِلْتُمْ) الكلام ليس له تحوّل الكلام، القياس (لفشلت) لكنه قال (لَّفَشِلْتُمْ)؛ لأن الرسول لا يفشل فهو المعصوم (صلى الله عليه وسلم) فتحوّل الكلام إلى الصحابة، لفتة إعجاز في القرآن وفي التعبير، (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًۭا كَثِيرًۭا (٨٢)) [سورة النساء آية: ٨٢] هو المعصوم (صلى الله عليه وسلم) كيف يفشل، والله لو لم يخرج معه أحد لخرج وحده، أشجع الناس قاطبة؛ لذا يقول الله: (وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًۭا لَّفَشِلْتُمْ) الصحابة، وليس أنت (وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ) حدث الخلاف، نخرج، ولا نخرج، نقاتل، لا نقاتل، كثير لا نقوى عليهم، يحدث الجبن، يحدث الضعف، يحدث الخوف (وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ۗ ) إذاً رؤية النبي (صلى الله عليه وسلم) في المنام كانت للسلامة، تسليم من الله له، وللصحابة، تثبيت لهم حتى يقبلوا على القتال؛ لأن الله يريد أن يحدث القتال، وهو القادر على النصر، والله على كل شيء قدير، هم يخافون والله عليم بذات الصدور، يعلم ما يلقى الرعب في الصدور ويعلم ما يلقى به الاطمئنان في صدور.
(وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ۗ ) سلمكم من المعصية والخلاف، سلمكم من التنازع، سلمكم من الهزيمة، سلمكم من التخلّف (إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ (٤٣)) من هنا بعلمه بذات الصدور، وبأن الإنسان ضعيف، وبأن الرؤيا لو كانت على حقيقتها لخاف الناس، عليم بما يطمئن الناس، بما يثبت القلوب عليم بما يخيف.
هذا حدث وحدث اللقاء أما المسلمون فهم واثقون من كثرة عددهم، ومن قلة الكفار لرؤيا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أما الكفار حين رأوا المسلمين على بُعد قلل الله المسلمين في أعين الكفار حتى يجترئ الكفار عليهم؛ إذ لو رأوهم كثيرا لفرُّوا، والله لا يريد فرار الكفار، وإنما يريد استدراجهم، ومن الغريب حين التقى الجمعان، رأى المسلمون الكفار قلة مصداقا للرؤيا لدرجة أن ابن مسعود يقول: (قلت لمن جانبي أتراهم سبعين قال بل أعتقد أنهم مائة ) ثم تبيّن لهم بعد ذلك أنهم يزيدون عن الألف، ولكنهم رأوا بأعينهم بالحاسة، وانظر إلى قدرة الله (عز وجل) كيف يسيطر على حواس الإنسان، وعلى قلبه يحول بين المرء وقلبه إذا كان كذلك، فهو قادر على أن يغير المسائل في نظر الإنسان وفي عينه، وفي سمعه، هذا هو ابن مسعود يقول: حسبناهم سبعين، وقال جابر: بل هم مائة، أما أبو جهل فحين رأى المسلمون قال: إنما هم أكلة جذور أي يكفيهم جمل واحد، فلا يزيدون عن عشرة، خمسة عشر، ثلاثين إنهم أكلة جذور هلم فخذوهم، واربطوهم بالحبال، فتجرأ الكفار، وتجرأ المسلمون، من هنا حدث التلاحم، بمجرد حدوث التلاحم تغير الموقف، إذ فوجئ الكفار بأن المسلمين يزيدون في العدد عنهم، وعدد المسلمين لا يقل عن ألفين أو ثلاثة آلاف، ولم يكونوا كذلك كانوا ثلاثمائة وذاك كما جاء في سورة آل عمران.
(قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌۭ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌۭ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌۭ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ ۚ ) [سورة آل عمران آية: ١٣].
هنا حدثت الربكة، في البداية قال أبو جهل: إنهم أكلة جذور، خذوهم واربطوهم بالحبال، فهجموا هجمة رجل واحد، وفجأة فوجئوا بالعدد المهول في أعينهم، فولوا الفرار، فنزل المسلمون فيهم قتلا، وأسراً واسمع لقول الله يمنّ عليهم (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًۭا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ (٤٤))
يعلم ما يصلح أمرنا ويثبت قلوبنا (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ) رؤية عين، وليست رؤية منام كتلك (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًۭا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا ۗ )، القتال يحدث، ويحدث نصر الحق، ويحدث الفرقان، ويحدث نصر المؤمنين (وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ (٤٤)).
أيها الأخ المسلم، ما حدث في غزوة بدر من أمور كثيرة، ومعجزات جعلت الغزوة مفتاح لكل خير، وجعلت الغزوة دليلا، وبرهانا على صدق النبي (صلى الله عليه وسلم) وعلى صدق دعوته؛ ولذا قال الله عنها الفرقان.
يأتي بعد ذلك الأمر للمسلمين حال لقاء الكفار، ها قد رأيتم فعل الله، كيف أراكهم في منامك قليلا رحمة، وكيف أراكموهم حين اللقاء قليلا، ثم كيف كثركم في أعين الكفار، ثم كيف حدث النصر، كيف كنتم بالعدوة الدنيا، وكيف كانوا بالعدوة القصوى، من هنا يتيقن الكل أن النصر من عند الله، فيزداد إيمانهم، ويزداد شكرهم، ويعملوا أنه لا حول ولا قوة إلا بالله من هنا يتوجه الأمر.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةًۭ فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿45﴾
وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ﴿46﴾
(وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)) الفلاح: الفوز منه، الفلاح يفلح الأرض؛ لأن الفلح: شق الأرض، شق الطريق، فالفالح هو من شق طريقه إلى النجاح، الظافر بما أراد (لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥))، بالثبات، وبذكر الله تنتصرون على عدوكم، وتفوزون بما تريدون، بذكر الله تطمئن القلوب، وذكر الله أنواع، وألوان، وأشكال، ذكر الله بالقلب، وذكر الله بالجوارح، وذكر الله باللسان، وذكر الله بالعقل، أنواع وأنواع الذكر بالجوارح .. الطاعة الانقياد للأمر، والأمر بالعلم، فهناك أمر بالعلم، وهناك أمر بالعلم الذي يفضي إلى العمل كقوله (وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ) علمنا وانتهى الأمر؟ أي المقصود بالعلم هنا، العلم هنا، العلم العملي أن تعمل، علمنا بذلك فماذا يريد ربنا؟ أن ننفذ وأن نرضى وأن نعطي الخمس لمن ذكرهم الله، إذا فذكر الله بالجوارح، هو العلم العملي، العلم بالله لقوله (عز وجل) (فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ) [سورة محمد آية رقم : ١۹]، فالعلم بوحدانية الله، وبقدرة الله، وبوجود الله، والعلم بالله، والمعرفة بالله، تقتضي العلم بصفاته، والعلم بأفعاله، ذاك علم يقتضي الخشوع، ويقتضي التذلل، ويقتضي العبودية في نفس الوقت، يقتضي الطاعة، ويقتضي العمل، وذكر اللسان بالثناء على الله، وبتسبيحه، وبتحميده، بتحميده، بتكبيره بما ذكره في كتابه، وعلمنا، كيف علمنا (سبحانه الله) ؟ هو الذي علمنا إياها، (فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)) [سورة الروم آية: ١٧]، (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا (٣)) [سورة النصر آية: ٣]، من الذي علمنا الحمد ؟ هو (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٢)) [سورة الفاتحة آية: ٢].
وهكذا فذكر الله (تبارك وتعالى) بالقلب، باللسان، بالتفكر في آيات الله (أو لم ينظروا) (أو لم يتفكروا) إذاً فقد أمرنا بالتفكر، وذكر الله (عز وجل) بالتفكر، التفكر في آياته، وفي صفاته وليس في ذاته؛ إذ لا يصل إلى كُنه ذاته عقل، ولا مخلوق، ليس كمثله شيء، وإنما التفكر في أفعاله، في صفاته، في رحمته، فالتفكر في آياته في الكون، في الخلق في كل ما تراه من خَلَقه؟ من دبّره ؟ من فعل؟ من، ومن ؟ هو الله، ترى الله في كل شيء، ترى صنعة الله في كل شيء، فالصنعة تدل على الصانع، متى يكون الذكر؟ الذكر أنواع، وأوقات، فمنه الذكر المفروض، كالصلوات الخمس لها وقت محدد، كصلاة الجمعة، أوقات مطلوب فيها الذكر على وجه مخصوص، وهناك الذكر الحر المطلق في أي وقت، وعلى أي حال، منه المستغفرين بالأسحار ومنه (وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ (١٧)) [سورة آل عمران آية: ١٧]، (ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ) [سورة آل عمران آية: ١٩١]، إذا فلا يطلب الله حال معين، وأنت نائم، وأنت مضجع، وأنت متربعا، وأنت جالس واضعا قدم على قدم متكئا، قائما، ماشيا، جالسا فالذكر ليس له حال مخصوص، أو لبس مخصوص أو هيئة مخصوصة أو اتجاه مخصوص وفي موضع آخر، (فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ قِيَـٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ ) [سورة النساء آية: ١٠٣]
وهكذا تجد (وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) [سورة آل عمران آية: ١٩١]، هذا التفكر يؤدي إلى ماذا؟ إلى نتيجة هو قولهم (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًۭا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ (١٩١)) [سورة آل عمران آية: ١٩١].
إذا فالذكر ليس له هيئة مخصوصة، ليس له حالة مخصوصة، ليس له زي مخصوص، لا يطلب فيها الوضوء، حتى لا يُطلب فيه الطهارة حتى لو كان جنبا، نعم، فقد جاء رجل مر عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فسلّم عليه النبي، فلم يرد، فذهب وجاء رأسه يقطر ماء قال: يا رسول الله أم أرد عليك السلام، فذهبت لأغتسل، قال: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ)، فكان من الواجب أن يرد عليك السلام، ولذا قالوا: حتى لو كان جنبا يذكر الله، وهو جنُب حتى قبل الجماع: ( اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ ، وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا) قبل دخول دورة المياه: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ)، بعد الخروج: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي مَا يُؤْذِينِي ، وَأَمْسَكَ عَلَيَّ مَا يَنْفَعُنِي).
الأذكار كثيرة، وفي كل الأحوال، وأنت نائم، وأنت قائم، وأنت جالس، وأنت ماشي وبكل الطرق، بالتفكر باللسان بالقلب بالعقل، ذكر الله فهل هو فرض أم هو سنّة أم هو مستحب أم هو مندوب إن شئت ذكرت، وإن شئت سكت؟ هو فرض، وفرض عين، وويل لمن لم يذكر الله، وها هو القرآن مليء بالأوامر (وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا)، فذكر الله فرض على كل مسلم، ومسلمة مكلف عاقل، الأغرب من هذا لا يسقط عنك هذا الفرض مطلقا مهما كانت الأحوال والظروف، جوعان، شبعان، ارتويت، عطشان، نائم يقظان حتى في الجماع حتى في اللهو، حتى في الحرب، ولو سقط الذكر عن العبد في حالة من الأحوال، لسقط حال القتال والتلاحم بالسيوف، والرءوس تطير في الهواء ها هو ربنا (تبارك وتعالى) ينبّه إذا لقيتم فئة في الحرب لقاء التحام بالسلاح الأبيض كما يسمونه في عصرنا هذا بالسيوف بالخناجر، في هذه الحالة يأمر (وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا)،لم يقل اذكروا الله فقط، بل قال (وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا)، فإذا كان الأمر بذكر الله حال الالتحام في القتال، فكيف يا رجل وأنت تجلس تأكل من رزق الله، كيف وأنت تمشي في طريق مهده لك الله، كيف وأنت تشعر بالأمن والأمان لست خائفا، لست في حال قتال، كيف تغفل عن مولاك، كيف وأنت في أشد حالات الأمن والرخاء، الأغرب من هذا أسمعتم عن زكريا نبي الله الذي جاءته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب فبشرته بيحيي سيدا وحصوراً، زكريا حين تعجب كيف يرزق بغلام وقد وهن منه العظم، واشتعل الرأس شيبا، وكانت امرأته عاقرا، طلب من ربنا آية، علامة على حدوث الحمل، حتى يطمئن ويعلم أن المرأة قد حملت، قال ربنا له: ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًۭا ۗ ) [سورة آل عمران آية: ٤١]، إذا فقد منعه عن الكلام مع الكل، ومع الناس إلا رمزا (وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًۭا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ (٤١)) [سورة آل عمران آية: ٤١]، أما مع الناس فقد منعه عن الكلام، أما عن الذكر فلا، فلا يصح أن يغفل الإنسان عن ذكر الله، ولو لحظة فلو كان الله مانع للذكر في حال لمنع ذكريا، أو لمنع المسلمين حال القتال، إذا فذكر الله (عز وجل) فرض عين لا يسقط عن العبد، ويجب أن يداوم العبد على ذكر الله آناء الليل وأطراف النهار، بلسانه وبقلبه وبالتفكر في آيات الله ولا يغفل عن الله أبداً، فمن نسي الله نساه، وجاء يوم القيامة كما حكى ربنا، (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًۭا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌۭ ﴿۳٦﴾ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴿۳۷﴾ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَـٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ ﴿۳۸﴾) [سورة الزخرف آية: ٣٦ : ٣٨]، يعش عن ذكر الرحمن: يغفل، يسهو، ينام، يعمى، إياكم والغفلة عن ذكر الله إياكم، فربنا قد حذر هؤلاء الذي يأتي يوم القيامة أعمى (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِىٓ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًۭا ﴿١٢٥﴾ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ ﴿١٢٦﴾)[سورة طه آية: ١٢٥ : ١٢٦]، ويقول عن آخرين: (فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا)[سورة الأعراف آية: ٥١]، إذا فلا بد من تذكر يوم القيامة، لابد من تذكر الله، لابد من ذكر الله في كل الأحوال، كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يذكر الله على كافة أحواله، وفي كافة أحيانه، كما تخبرنا بذلك عائشة.
أيها الناس ما أضعفنا، وما أهلكنا، وما أطمع العدو فينا، إلا غفلتنا عن ذكر الله، ذكر الله يطمئن القلوب، ذكر الله يبشر، ويجعلك تعمل للآخرة، ذكر الله يصغر الدنيا في عينيك، مهما رأيت شيئا كبيرا، اذكر الله تراه صغيرا، مهما خفت من العدو اذكر الله تجده أكبر، كلما ذكرت الله في شدة وجدته، كلما ذكرت الله في الرخاء وجدته، ولو ذكرته في الغنى وجدته في الفقر وهكذا، فاذكروا الله حيثما كنتم، واذكروا الله على كل أحوالكم وإياكم والغفلة عن ذكر الله، فلو أسقط الله الذكر لأسقطه عن المقاتلين حين القتال، أو لأسقطه عن زكريا وقد أمره ألا يكلم الناس إلا رمزا.
(وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ) في كل أمر فيما أمر، وفيما نهى، وطاعة الرسول، طاعة لله (وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟) تحذير من الخلاف والاختلاف، تحذير من التنازع، كلمة المسلمين واحدة، وأمرهم واحد إذا اجتمعوا على كلمة واحدة فهم على الحق فلا تجتمع الأمة على ضلالة، والله معهم ويد الله مع الجماعة، والتفرق مهلك (وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟) تضعفوا، وتجبنوا (وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ )، تذهب دولتكم كما ذهبت دولا وشيعا أصبحت الدولة الواحدة، تنقسم شمالا وجنوبا، أصبح القتال بين المسلمين على الدنيا، وعلى المُلك، وعلى الحكم، دويلات ممزقة، وربنا يحذر(وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ ) الريح: استعارة للدولة، باعتبار الدولة التي هي دولة أمرها نافذ، أمرها سائر اتجاه معلوم مستقيم فيه الخير، فيُعبر عن الدولة القوية بالريح الباقية الثابتة، أما إذا ذهبت الريح أي ذهبت الدولة، وقال بعضهم: بل الريح أي الريح لأن الله قضى أن ينصر عباده وأحبابه والمسلمين بريح يقذفها في وجوه الكفار فينهزمون لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (نُصِرْتُ بِالصَّبَا -الريح- ، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ)، (وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ (٤٦)) الصبر: الثبات أوامر وتعليمات وتوجيهات لكل ذي عين، ولكل ذي عقل يعلم أن الإسلام هو الحق، وأن طاعة الله فيها العز، وأن طاعة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيها النصر، وفيها الغلبة، وفيها النجاة، من هنا ينبه ربنا (تبارك وتعالى) حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) وينبّه المسلمين في عصره، وكذلك من يجيء من بعده ينبههم إذا التقوا بالعدو فلابد وأن يكون اللقاء عن صدق نية ولابد وأن يكون اللقاء بخشوع لله وتواضع لله، ومعرفة بالله ويقين بأن النصر من عند الله.
(إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةًۭ فَٱثْبُتُوا۟) الثبات، وذكر الله حتى في حالة الالتحام، واللجوء إليه، وطلب النصر منه، أيضا عدم التنازع، عدم الفرقة، تقوى الله بطاعته وطاعة رسوله (وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟)، فقد نجت عير قريش أخذها أبو سفيان، واتجه بها إلى ناحية ساحل البحر، وأرسل يستغيث في البداية، وتحزب الكفر في صلف وكبر، واجتمع أبو جهل بصناديد قريش، وخرجوا بالسلاح والقوة والعتاد؛ بل الأغرب من ذلك أنهم خرجوا بكثير طعام، وبنوق كثيرة ليطعموا الناس ومن حضر، بل خرج معهم المغنيات، القيّنات والمعازف، صلف، كبِر، عناد، غرور، بطر استدرجهم الله، حين نجت عير أرسل أبو سفيان رسولا إلى أبي جهل يلقاه في الطريق، فلقيه الرسول فقال: يا أبا جهل نجت العير، فارجع ومن معك، قال: أبدا لا والله لا نرجع حتى نرِد بدر، فنشرب الخمور، وننحر الجزور، ونطعم من حضرنا من العرب، فبدر سوق من أسواقها تسمع بنا العرب، فتخافنا الأبد، وصمم على ذلك، وذهب إلى مصرعه.
فما كل ما يتمنى المرء يدركه.
(وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟) إلا الاختلاف فالاختلاف يفرّق، ويبدد، نصحهم بذلك ثم حذرهم من فعل الكفار ومن خلق الكفار ومن أن يكونوا مثلهم فقال:
وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَرًۭا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ ﴿47﴾
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّى جَارٌۭ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴿48﴾
الآية قال فيها بعض المفسرين فيها: إن ذلك حدث بالفعل، جاء الشيطان وتمثل في صورة سُراقة بن مالك، وادعى أنه مناصر لأبي جهل ومن معه، وادعّى كذا وكذا وخرج معهم، وحين رأى جبريل، ورأى الملائكة ولّى مدبرا، فقيل له: إلى أين يا سراقة، كيف تخذلنا؟ قال: (إني) (إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ )، ثم بعد ما عاد من نجا منهم من بدر، قالوا: خذلنا سراقة فجيء به، قال: والله ما سمعت بكم إلا بعد ما رجعتم، وما غادرت مكة، وهؤلاء شهود على ذلك، فعرفوا بعد ذلك أنه الشيطان قول من الأقوال.
والأرجح والأقرب أن هذا الحديث حديث النفس، تمثيل وتشبيه لما يحدث مع الإنسان في كل زمان، (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ)، وسوسة الشيطان، غرور الشيطان، خداع الشيطان، فذاك حديث النفس زين لهم الشيطان أعمالهم، (وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ) أي غرتهم كثرة عدهم، وغرّهم ما معهم من عُدد، كذلك غرّهم قلة المؤمنين حين رأوهم، (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًۭا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ)، فحين رأوا المسلمين قليلا حدث هذا الحديث، والوسوسة من الشيطان لا غالب لنا؛ لكثرة عددنا ومن كثرة قوتنا، (وَإِنِّى جَارٌۭ لَّكُمْ ۖ ) الجار المعين، الجار الناصر، ودخل فلان في جوار فلان في حمايته ورعايته.
(فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ) التقى الفريقان حينئذ حين اللقاء، إذا بالمسلمين في أعين المشركين كثير، فحدث الرعب كما قلنا، في البداية رأوهم قليلا فاجترأوا عليهم، وحين حدث اللقاء إذا بهم يرونهم كثيرا، فحدث الرعب والهلع، من هنا فلما تراءت الفئتان (نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ) النكوص: الرجوع القهقري، والرجوع عما كان عليه الإنسان من خير، والعقب: مؤخر القدم، نكص على عقبيه أي رجع القهقري وهرب، بمعنى ما كان يوسوسه لهم من غرور - ونحن قوة، ونحن عدد، ولن نُغلب، ولن يقدر علينا هؤلاء-، في هذه الحالة حين تملكهم الرعب ذهبت الوساوس، وجاء اليقين، وجاء الحق، وقُذف في قلوبهم الرعب، كما قال ربنا: سألقي في قلوبهم الرعب، (نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ) تمثيل لحديث الشيطان، ووسوسته، ثم ظهور الحق واليقين.
(وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكُمْ) تبرأ الشيطان منهم (إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ) وكأن الشيطان حدّث نفسه بذلك حين رأي النصر، حين رأى الملائكة حين رأى جبريل (إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ ) هل خاف الله فعلا؟
من هنا قال العلماء: إني أخاف الله عليكم، يفعل بكم، ويفعل بكم، فهرب حتى لا يصاب بما يصاب به المشركون، وقال بعضهم: بل كذب عدو الله، وقال (إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ )، وهو كاذب، وقال بعضهم: بل خاف فعلا حين رأى بشائر النصر، وحين رأى راية الحق توشك أن ترفع، وحين رأى جبريل، ورأى الملائكة خاف أن يكون ذاك يومه، (فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)) [سورة الحجر آية: ٣٦] فأبى الله عليه ذلك (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ﴿۳۷﴾ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴿۳۸﴾) [سورة الحجر آية: ٣٧ : ٣٨] ما هو الوقت المعلوم؟ توقّع إبليس أن يكون ذاك هو الوقت في بدر، من هنا خاف، (وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ (٤٨)) تعقيب على الكلام، أو هو استكمال لكلام إبليس إقرار لواقع، ذاك كلام إبليس، وتلك وسوسته، وذاك غروره، وذاك خداعه، فهل من الناس كذلك، شياطين الإنس؟ نعم المنافقون، والذين في قلوبهم مرض، أما المنافقون: فهم الذين أظهروا الإسلام، وأبطنوا الكفر حتى يأمنوا على أنفسهم، وأم الذين في قلوبهم مرض: فهؤلاء ضعاف الإسلام، حديثو عهد بهم، لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، ولم يتمكن منهم اليقين، وإنما لازالوا في شك، وكأن القلوب مريضة، وقيل: بل هم، هم.
إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ﴿49﴾
(ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ (٣)) [سورة البقرة آية: ٣] هؤلاء هم هؤلاء، (إِذْ يَقُولُ) في ذلك الوقت حين خرجوا بطرا ورئاء الناس (إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ ) حين رأوا المسلمين قلة، بغير أفراس ثلاثمائة، ومع ذلك اعتقدوا أنهم أكلة جزور، كما قال أبو جهل: خمسون ستون مائة عشرون، اعتقدوا قلتهم، فحين رأوا قلة المسلمين، وقلة العدد قالوا: (غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ ) أي اغتروا بدينهم، واعتقدوا أنهم منصورون، واعتقدوا أنهم على الحق، بل هم على الباطل حتى أنهم من غرورهم، وادعائهم قالوا: اللهم انصر أهدي الفئتين، وأصلح الدينين، ويجيبهم رب العزة: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ (٤٩)) أي من يوكل أمره إلى الله، ويفوّض أمره إلى الله، ويعتمد على الله، ويلجأ إلى الله، فكأن الله وكليه، يتولى أمره، كما يوكل الإنسان محاميا في قضية، ويترك له الأمر، هو أدرى، هو أعلم بشؤن المحاكم، وهو أعلم بالقوانين فكذلك التوكل الله تدع له الأمور كلها، يصرفها كيف شاء، تلقي بحملك عليه، من يتوكل على الله حقا وصدقا (فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ (٤٩)) عزيز: غالب لا يُغلب لا يذل من توكل عليه
واستجار به أبداً؛ لأنه عزيز لا يُغلب قوي لا يفوته هارب، حكيم من حكمته أمور يعجز العقل عن إدراكها في تصريفه، كما حدث من نصر في بدر، وكما حدث أن قللهم، قلل المسلمين في أعين الكفار، وقلل الكفار في أعين المسلمين، وما إلى ذلك بحكمته يفعل ما لا يقدر عليه البشر، ويفعل ما تعجز عن إدراكه العقول.
وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ﴿50﴾
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ ﴿51﴾
(ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) [سورة الزمر آية: ٤٢]، بأمره من هنا (وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ) في بدر حين تقبض أرواحهم، (يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ) الأدبار: الظهور أي أن الضرب من كل جانب من جميع الجهات من الوجه ومن الظهر (وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ (٥٠)) أي يقولون لهم حال ضربهم بالمقامع: ذوقوا عذاب الحريق، وقيل: بل الكلام عن الكفار يوم القيامة يقال لهم: (وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ (٥٠)).
وقيل: بل هو عن كل كافر حال الموت، كل كافر حين يموت تأتيه الملائكة في أبشع صورة ترهبه، تخيفه، ترعبه، وتضربه بالمقامع على وجهه، وعلى ظهره، على كل جانب، ويقال له: ذوقوا عذاب الحريق.
(ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) أي الأمر ذلك أو ذلك الجزاء من ضرب الملائكة لهم حين الوفاة أو الموت أو في المقابر أو القبور أو في يوم القيامة، هذا التعذيب سببه ما كسبت أيديهم بفعلهم، بكفرهم، بما جنته أيديهم (وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٥١)) لا يعذب أحدا بغير جريرة، ولا يعاقب أحداً بغير ذنب.
(ظلام) ليست صيغة مبالغة، فربنا ليس بذي ظلم أصلا، وإنما هي صيغة نسب، كقولك لبائع اللبن المتخصص فيه لبّان، بقّال صيغة نسب، تمار بائع التمر، جزار صيغة نسب وهكذا، فكلمة ظلام هنا صيغة نسب، وليست صيغة مبالغة؛ لأن صيغة المبالغة إذا نفت المبالغة في شيء لا تنفي عدم المبالغة، فإذا قلنا عالم غير علام، فإذا لم تقل عنه علام فقد يكون عالما، وليس علاما، فإن قلت: إن ظلام صيغة مبالغة، فقد يكون ظالما، وليس ظلاما أي كثير الظلم، وإنما قليله، لكن الله (تبارك وتعالى) ليس بذي ظلم أصلا (وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًۭا لِّلْعِبَادِ (٣١)) [سورة غافر آية: ٣١]، والمثل، والدليل، والحكاية، كدأب آل فرعون.
كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّۭ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴿52﴾
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًۭا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ﴿53﴾
كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّۭ كَانُوا۟ ظَـٰلِمِينَ ﴿54﴾
(ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًۭا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ (٥٣)) ربنا (تبارك وتعالى) إذا أنعم على عبد، فقدم الشكر، وشكر الله على نعمته، بقيت معه النعمة حتى يموت بل زادت، (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ ) [سورة إبراهيم آية: ٧]. أما إذا أنعم الله على العبد فاستقبل النعمة بالكفر، وليس بالشكر، واستخدم النعمة في معصية الله، وتقوّى بها على عصيانه، تتحول النعمة إلى نقمة، فيقرر لنا ربنا (تبارك وتعالى) أنه لا يغير النعمة أبدا إلى نقمة إلا في حالة واحدة، إذا غيّر المنعم عليه ما يجب أن يكون عليه، فاستقبل النعمة بالكفر واستخدم النعمة في محاربة الله أو في عصيان الله.
(ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًۭا) يك أصلها يكون، فجُزمت فأزيلت الضمة، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين، ثم حُذفت النون تخفيفا (لَمْ يَكُ مُغَيِّرًۭا نِّعْمَةً) إلى نقمة (أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ ) هم يبدؤون أولاً يغيرون الشكر إلى كفر، الطاعة إلى عصيان، واستخدام النعمة في طاعة الله إلى استخدامها في عصيان الله (وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ (٥٣)) سميع لأقوالهم، عليم بأفعالهم، ونيّاتهم، فيجازيهم بعلمه، وبأعمالهم التي ظهرت موافقة لعلمه فيهم.
(كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّۭ كَانُوا۟ ظَـٰلِمِينَ (٥٤)) التكرير مرة أخرى (كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ ) التكرير هنا إما للتأكيد، وإما أن التمثيل في الأول (كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ)؛ لبيان المثلية في الكفر، وعقوبة الكفر، والآية الثانية، لبيان المثلية والعادة في تغيير النعمة إلى نقمة.
(كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ ) كانوا في جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، فأخرجهم ربنا منها، وأورثها قوما آخرين، كقوم ثمود، وقوم عاد، وقوم لوط (كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ) منهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسف الله بهم الأرض، ومنهم من أرسل عليهم حاصبا (وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّۭ كَانُوا۟ ظَـٰلِمِينَ (٥٤)) أي كانوا ظالمين لأنفسهم.
(وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)) [سورة آل عمران آية: ١١٧]
أيها الأخ المسلم النعمة حين ينعم ربنا (تبارك وتعالى) على العبد، ينعم تفضلا منه، محض فضل وليس باستحقاق العبد، من هنا كان الواجب على العبد أن يستقبل النعمة بالشكر لا بالكفر، ولو حاول عبد أن يعد نعمة الله عليه، ما عدها وما أحصاها (وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ) [سورة إبراهيم آية: ٣٤ ، سورة النحل آية: ١٨ ]
وكفى بالإسلام نعمة.
من هنا كان نبينا (صلى الله عليه وسلم) يعلمنا الدعاء، ومن دعائه يقول: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ تَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ ، وَمِنْ فُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ).
فقد عاهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) يهود المدينة حين هاجر إلى المدينة ووجد فيها اليهود، ودعاهم إلى الله، ودعاهم إلى الإيمان بنبي آخر الزمان الذي يجدونه عندهم مكتوبا في التوراة، منهم من آمن، ومنهم من بقي على دينه، لم يرغمهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على الإيمان به، ولم يرغمهم على الإسلام، عاهدهم ألا يمالئوا عليه (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ (٦)) [سورة الكافرون آية: ٦]، وتعامل معهم بالتجارة، وتعامل معهم بجميع أنواع التعامل، وتعاهد معهم ألا يحاربهم وألا يحاربونه، ولا يمالئوا عليه، فلم ينفذوا عهدهم، وأمدوا قريشا بالسلاح، وتأمل في الماضي فالتاريخ يعيد نفسه - حين علم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعاتبهم قالوا: نسينا لم نكن نعلم وتعللوا واعتذروا، فعاهدهم مرة أخرى، فنقضوا العهد يوم الخندق، وذهب كبيرهم كعب بن الأشرف إلى مكة، وتحالف مع الأحزاب وهكذا (أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُوا۟ عَهْدًۭا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌۭ مِّنْهُم ۚ ) [سورة البقرة آية: ١٠٠] كما حكى عنهم ربنا (تبارك وتعالى)؛ لذا يقول الله (عز وجل) محذراً ومنبهاً.
إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿55﴾
ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍۢ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ﴿56﴾
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿57﴾
النقض: الفك، فك الغزل، وكأن العهد رباط، وكأن العهد نسيج، وكأن العهد مغزول مرتبط معقود، فنقض العهد كفك ونكث الغزل، هؤلاء ينقضون عهدهم في كل مرة (وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦)) مغبة ذلك، لا يتقون الله في نقضهم للعهود، ولا يتقون الله فيمن عاهدوهم، لا يتقون الله في أن يوقع بهم، وهم لا يتقون.
(فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)) ثقفه: لقيه مصادفة وظفر به.
(فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ) أي تصادفنهم في حرب، وتظفر بهم أو تقيدهم في ثقاف (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ) أي حرب (فَشَرِّدْ بِهِم) التشريد: التفريق، والتبديد على غير نظام على اضطراب، كالشارد من البهائم. شرد البهيم: خرج عن جماعة الجمال، وشذ وخرج على غير هدي.
(فَشَرِّدْ بِهِم) أي افعل بهم من الأفعال ما يفرق، ويبدد من روائهم يتربصون، ويريدون أن يقلدونهم، فإذا رأوا ما حل بهؤلاء، خافوا، وارتعدوا، وتراجعوا كما يقال في أمثالنا: (اضرب المربوط يخاف السائب)، فكذلك ربنا ينبه ويقول: هؤلاء ينقضون العهد، هؤلاء كفار لا يؤمنون ولا يتوقع منهم إيمان، ولا أمل يُرجى منهم، فإن حدثت الحرب نكِّل بهم قتلا، وتأسيرا، وجرحا، وافعل بهم الأفاعيل حتى يخاف من خلفهم، فكأن من خلفهم مجتمعين متربصين منتظرين النتيجة، فإذا رأوا ما فُعل بهؤلاء ماذا يفعلون؟ يشردوا كلهم، يتفرق ويتبدد جمعهم، خوفا أن يحدث لهم ما حدث بهؤلاء، فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم مِن خلفهم قراءة، افعل بهم، ونكل بهم ما ينتج عنه تفرق وتبدد المجتمعون الآخرون الذي يتربصون بك، وينتظرون النتائج، (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)) لعلهم المشردين من خلفهم يذكرون، فيتنبهوا فلا يعزموا على قتالك، ولا يتجمعوا على عداوتك، أي لعلهم هؤلاء الذين نكل بهم لعلهم يذكرون، فلا يعودون إلى مثل ذلك لما رأوه من تنكيل وشدة وقوة.
وتلك صفة المسلم، رحيم رقيق، حليم هين ليّن، موطأ الكنف مع المسلم، غليظ، قوي، شديد عنيف مع الكافر، تلك صفة أمة محمد، أشداء على الكفار رحماء بينهم.
وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةًۭ فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ ﴿58﴾
ربنا يقول له: إذا عاهدت قوما، وتوقعت الخيانة منهم بأمارات تلوح، وعلامات تظهر، فلا تقدم على قتالهم أبدا حتى تنبئهم بأن العهد بينك وبينهم قد انتهى، فإذا أنبأتهم بذلك علموا أنهم في حالة حرب، وأنك مستعد لقتالهم، فاستعدوا لك، فتكون أنت وهم في نقض العهد أو العلم بنقض العهد سواء، ما هذه العدالة !! ما هذه الرحمة !! ما هذا الخلق !! خلق الإسلام.
(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةًۭ) أي خيانة للعهد (فَٱنۢبِذْ) النبذ: الطرح، وعدم المبالاة، الرمي، نبذ الشيء: طرحه، وألقاه بعيدا (فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ) أي انبذ إليهم العهد على سواء منك ومنهم، فتستوي أنت وهم في المعرفة بانتهاء المعاهدة، فلا تسبقنهم أو تأخذهم على غرة، (فَٱنۢبِذْ) اطرح وألقى إليهم العهد (عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ ) عدل، توسط عدالة أنت وهم في العلم بانتهاء المعاهدة سواء (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ (٥٨)) تعليل للأمر؛ لأن نقض العهد دون علم المعاهَد خيانة، وربنا لا يحب الخيانة، ولا يمكن أن ينصر خائنا.
قد يتساءل البعض منا وممن يسمع، كيف ذلك، والحرب خدعة كما قال نبينا (صلى الله عليه وسلم): (الْحَرْبُ خُدَعَةٌ)، خُدعة ، أو خَدعة أو خِدعة تقرأ على الثلاث، قالوا: إذا نُقض العهد علنا وحدث فعلا نقض العهد، فكيف تنبذ إليهم عهدهم هنا يحدث القتال، فقد علموا بنقض عهدهم، بل نقضوه فعلا حدث اليقين كأن استعدوا للغزو كأن قاتلونا كأن هاجمونا كما حدث من أهل مكة في نقضهم للعهد ففتح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مكة، وقال في طريقه: (الَّلهُمَّ أَخْفِ خَبَرَنَا عَنْهُمْ). ولم يخبرهم أما إذا كان نقض العهد توقع، والخوف ظن لا يقين معه، أي خفت، وتوقعت أمارات، لكن لا يقين هناك في هذه الحالة انبذ إليهم، أما إذا حدث اليقين واعتدى العدو علينا نقف حتى ننذرهم، ونقول سوف ننقض العهد وتنتهي المعاهدة أو ندافع ونقاتل فورا؟ نقاتل فورا (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةًۭ) هذه الحالة فقط، ، (فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ (٥٨)) يتساءل البعض أين الخدعة؟ وإذا عرفوا أننا أنهينا المعاهدة، استعدوا لنا وقاتلونا وقد يكونون أكثر منا عددا، وعدة فيهزموننا فيقول الله:
وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَبَقُوٓا۟ ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴿59﴾
أيها الأخ المسلم، الإسلام خلق، الإسلام سلوك، الدين المعاملة، كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مثلا يُحتذى وقدوة يقتدي به (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ) [سورة الأحزاب آية: ٢١].
وكان في أصحابه كذلك خير مثل، وخير قدوة للسلوك والخلق، ليس الدين طقوسا تؤدى وعبادات فقط، إنما الدين معاملة، الدين خُلق، الدين سلوك، الدين وفاء، الدين أمانة، حين سُئلوا عن دين الإسلام ذاك الدين الجديد ماذا قالوا؟ قالوا: يأمرنا بالصدق، والعفاف، والصلة، هذا هو الدين يأمر بالصلاة من أجل أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، الصيام من أجل التقوى، وهكذا العبادات وسائل ليست العبادات غايات، وإنما الغاية الكبرى الخُلُق، وصدق ربي حيث يثني على حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بقوله (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ (٤)) [سورة القلم آية: ٤].
فلا زالت سورة الأنفال ترسم لنا سياسة الحرب والسلام، لو اتبعها المسلمون لصاروا أعزة وما غلبهم قوم مهما كثر عددهم، أو كثرت عدتهم، ربنا (تبارك وتعالى) أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) بالوفاء وربنا لا يحب الخيانة والأمر للنبي (صلى الله عليه وسلم) أمر للخلفاء وللأئمة من بعده، بيننا وبين قوم عهد خانوا العهد ونقضوه علنا، حاربنهم وتوكلنا على الله وعلمنا أن النصر من عند الله. ظهرت أمارات وتخوفنا من نقض العهد، والخوف ظن لا يقين معه، مجرد الظن والخوف وليس اليقين لابد وأن نخبرهم ونخطرهم بنقض العهد حتى نكون نحن وهم في العلم بقيام الحرب بدلا من السلم سواء؛ ولكي لا يخاف من يسمع هذا الكلام كيف نخطرهم، والحرب خدعة، وقد علموا بنقض العهد فيستعدون لنا، لا تخشى ذلك؛ لأن الوفاء عاقبته خير؛ ولأن الغدر عاقبته شر (وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَبَقُوٓا۟ ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)) لابد وأن تكون هذه عقيدة المسلم، أن الكافر لا يعجز، ولا يفوت، وربنا بكل شيء محيط، فمهما كنت وفيا ومهما نبذ العهد إليهم، ومهما كنت وإياهم في العلم بنبذ العهد سواء فلا تخشى شيئا فإن الله معك، ولكن النصر الذي حدث في بدر لا يحدث في كل الأزمان، ولا يحدث في كل الأحيان، فبدر كانت علامة لإظهار الحق ولخذلان الباطل، كانوا قلة بغير عُدد وكان الكفار كثرة مع كثرة العَدد والعُدد، من هنا يأمر ربنا (تبارك وتعالى) بالأخذ بالأسباب إذ إن ترك الأسباب جهل، وترك التوكل فسق، الأخذ بالأسباب لابد منه فيقول عز من قائل:
وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴿60﴾
(وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ) القوة المادية بحسب الزمان، ففي زمان النبي (صلى الله عليه وسلم) حين قال: ( أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ)، كان الرمي، فبحسب الزمان؛ لذا لم يحدد ربنا (تبارك وتعالى) نوع القوة لتشمل كلمة (مِّن قُوَّةٍۢ) تشمل القوة المادية سلاح الزمان، سلاح الوقت القوة المعنوية، القوة الروحية بالإيمان، والتقوى والاعتماد والتوكل على الله، جميع أسباب القوة.
(وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ) رباط، بمعنى فعال أي بمعنى المفعول أي المربوط، الرباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، وتُعد لذلك وأقلها خمسة.
(تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ) الكفار (وَعَدُوَّكُمْ) إذ إن عدو الله هو عدو المؤمن، ليس بين المؤمن وبين أحد عداوة إلا في الله، من هنا أعداء المؤمن هم أعداء الله، وأعداء الله هم أعداء المؤمن؛ لذا يقول (تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ ) إذاً فمهما طال بنا الزمان لابد وأن يكون للإسلام عدو مجهول، لا يُعلم، وعدو معلوم قال المفسرون: في شأن هؤلاء الأعداء المجهولون، بعضهم قال كلاما عجيبا قال: الجن، الجن ماله، ومال الخيل، ومال الرباط، ومال الأسلحة؟
بعضهم قال: بنو قريظة، وبعضهم قال: الفرس، ولا يصح أي من هذه الأقوال؛ لأن الله قرر وحدد (لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ ) هل هم المنافقون؟ هل هم من جلدتنا ؟ هل يتكلمون بألسنتنا قد، من هم؟ متغيرون طبقا للزمان، فتارة اليهود، وتاره كذا، وتارة كذا، يعلمهم الله، العمل مع هؤلاء المجهولون هو إعداد القوة. (وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ)، رباط الخيل من ضمن القوة لكن الله خصها بالذكر لما فيها من خير، ولأن الخير معقود بنواصي الخيل إلى أن تقوم الساعة، وقد يأتي زمان تنتهي فيه العلوم، وتُهدر كل هذه الأسلحة وتتوقف هذه الكيماويات وهذه الإلكترونات قد، بانفجارات شمسية، أو بأمور طبيعية أو بأسباب يخلقها الله، ولا يبقى إلا الخيل، والخير معقود في نواصي الخيل إلى أن تقوم الساعة، وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ذلك (تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ ) يكفينا أن نُعد القوة، وكلنا الآن في أمتنا الإسلامية هل نفذنا هذه الآية، سلاحنا ليس مصنوع بأيدينا، وذخيرتنا لا تنتجها مصانعنا حتى الطعام الذي نزرعه لا يكفينا، ونبوِّر الأرض الزراعية، ونصلح الأرض الصحراوية (وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ) نحن المعدون لها، نحن الصانعون لها، لابد وأن يكون كذلك؛ لأنك لو مددت يدك إلى غيرك، فكيف تُعد له قوة والقوة مستمدة منه، ثم يبيّن ربنا (تبارك وتعالى) أن هذه العُدة، وهذه القوة، كيفية وتعد لابد لها من مال وإنفاق ولابد وأن ينفق المسلم من ماله في سبيل إعداد القوة التي ترهب عدو الله، لذا يقول (وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)) أي ما من نفقة تنفقونها من أجل الاستعداد بالقوة، بالسلاح، بالخيل ما من نفقة تُنفق في هذا السبيل إلا يضاعف لكم ثوابه يوم القيامة أضعافا كثيرة، (وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ ) قلّ أو كثر (فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ)، أي يُعطي إليكم جزاؤه كاملا (وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)) بنفس هذا الثواب، ثم بعد الكلام عن الحرب ينتقل للكلام عن السلام، السلام أصل والحرب عارضة، الحرب ليست هي الأصل في هذه الدنيا، وإنما الأصل في هذه الدنيا التعارف، (وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ ) [سورة الحجرات آية: ١٣]، أما الحرب فهي عارضة لرد العدوان ولحرية الأديان، ولتطهير الأرض من الظلم والطغيان، تلك هي الحرب أما السلم: فله أسبابه، وله سياسته؛ لذا يقول الله (عز وجل) موجها نبيه (صلى الله عليه وسلم).
وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿61﴾
(وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا) فإن جنحوا للسِّلم، فاجنُح قراءات، إي إذا مالوا للسلم، وطلبوه فمِل أنت أيضا لها، فما كانت الحرب غاية، وإنما الحرب وسيلة كما قلنا لرد العدوان أي لتطهير الأرض من الظلم والطغيان أي لحرية الأديان، حتى يعبد الناس ربهم في حرية، إذا مالوا إلى السلام وطلبوه فمل إليهم ووافقهم على ذلك فاجنح إليها، السلم مؤنث، لأن ضد السلم مؤنث، الحرب مؤنثة ، من هنا يقول: (وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ ) ختام الآية ملفت للنظر قد يقول قائل، أو يتساءل سائل، عرضوا علينا السلام، وزعموا أنهم مطالبون به راغبون فيه، ونحن نعلم أنهم مخادعون، أو نتوجس منهم شراً، فكم نقضوا من عهود، فهل إن طالبوا بالسلم والسلام نوافق؟ نعم لنا الظاهر (وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ) أمر ظاهر (فَٱجْنَحْ لَهَا) أما باطنهم، وأما نيتهم، وأما خديعتهم إن كانت موجودة توكل على الله هو كافيك هو يحميك، إنه هو السميع لأقوالهم العليم بنياتهم، (فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ ) فوض أمرك إليه، هو سميع، يسمع أقوالهم خفيت أو ظهرت، عليم بمقاصدهم، ونياتهم من طلب السلام أصادقون هم أم مخادعون؟ فيجزي كلا بعمله؛ ولذا يؤكد بعد هذا الأمر.
وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿62﴾
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ﴿63﴾
حكيم: كل أموره لا تخلو من الحكمة، يتصرف كيف شاء بما فيه مصالح العباد، (لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ (٦٣)).
الكلام عن الحرب وعن السلم وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وهكذا، فإذا كانت الأمة في حالة سلْم وسلام هل تسكت على ذلك؟ أبداً الإعداد مستمر، إعداد القوة مستمر، وإعداد المقاتل مستمر؛ إذ العدة بغير مقاتل لا تصلح، والمقاتل بغير عدة لا يصلح لابد من الآلة ولابد ممن يستخدم الآلة أما إعداد الآلات فقد أُمرنا بها، وأما إعداد الناس فقد أمر الله بها في قوله:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿64﴾
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ ﴿65﴾
(يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٦٤))
إذا فحين أمر بالتحريض على القتال طمأنه الله (تبارك وتعالى) قبل ذلك وقال له، حسُبك الله ومن اتبعك من المؤمنين في موضع رفع بمعنى حسبك الله وحسبك أيضا من اتبعك من المؤمنين؛ لأنهم معك يناصرونك ويعينوك، ويساعدونك، أو هي في موضع نصب حسب الإعراب، ويكون المعنى حسبك الله كافيك ومن اتبعك من المؤمنين هم أيضا حسبهم الله، هذا المعنى هو الأرجح والأقرب إلى الحق.
(يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ) إذ إن الحسب لله وحده، والأمر لله وحده، والكفاية من الله وحده، من هنا فالمعنى الأرشد والأقرب هو يا أيها النبي حسبك الله كافيك، ومن اتبعك من المؤمنين أيضا حسبهم الله، وهي بشرى للمؤمنين في كل زمان ومكان كما كفى الله محمداً فهو كافٍ لكل مؤمن إلى أن تقوم الساعة، لكل عامل لصالح الأمة الإسلامية، لكل حاكم يسير على نهج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدين. (حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٦٤))، وهو في الأمر بالقتال بالتحريض على القتال.
التحريض: الحث، أصل كلمة التحريض من الحَرَض، الحَرَض: الإشراف على الهلاك من الدنى، ومنه في القرآن (قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ (٨٥)) [سورة يوسف آية: ٨٥]
هالكا أو مشرفا على الهلاك، التحريض كأنه إزالة الحرض، كالتمريض إزالة المرض، (حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ) حث المؤمنين، وادعوهم وزيّن لهم أمر القتال، وطيّب نفوسهم بذلك إذ التحريض: الحث والتزين، حرِّض المؤمن أن يكون مقاتلا، أن يكون شجاعا رامياً أن يكون فارساً؛ إذ إن الفروسية، وتعلم الرمي، وتعلم ركوب الخيل فرض كفاية إن قام به البعض سقط عن الكل؛ وإن لم يقم به أحد أثمت الأمة جميعها، وقد يتعين ويصبح فرض عين إذا اجتاح الكفار، والأعداء أرض المسلمين.
(إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ (٦٥)) الآية في صياغتها اللغوية صيغة الخبر، (إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ )، ولكن الآية وإن كانت الصيغة في ظاهرها خبرية إلا أنها تحمل معنى الأمر والوعد، بشرط إن تصبروا حال الصبر، وأنتم بهذا العدد القليل كما أن تكرار العدد (عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ ) النسبة (مِّا۟ئَةٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًۭا) نفس النسبة فلم كرر العدد؟ نفس النسبة واحد إلى عشرة لِم كرر العدد مع أن المعنى واحد؟ ليبيّن لك أن القليل والكثير في هذا الشأن أمره واحد، قلّ العدد فالنسبة واحد إلى عشرة، كثر العدد النسبة أيضا واحد إلى عشرة. (إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ ) وإن يكن أو قراءة أخرى، وإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون أي لا يفقهون ما يقاتلون عليه، وهذه هي القوة المعنوية، أنتم تقاتلون محتسبين راجين ثواب قُتلتم أو قَتلتم فأجركم واقع، أما هم فبأي شيء يقاتلون؟ حميّة جاهلية الروح المعنوية كما يسمونها مهمة، المؤمن في القتال يقاتل ويستوي لديه أن يَقتل أو أن يُقتل، بل قد تكون الشهادة أحب إليه، أما الكافر في قتاله فلا روح له؛ لأنه لا يرجوا ثوابا ولا يخاف عقابا لذا يقول الله (عز وجل) (إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ (٦٥)) أي لأنهم قوم لا يفقهون، كان ذلك في أول الإسلام الواحد يقف للعشرة، ولا يحل للمؤمن أن يفر من أمام العدو، ولو بلغ عشرة أمثاله عدداً؛ لأن المؤمنين في ذلك الوقت كانوا قلة، حين كثر العدد، وكثر المؤمنون وأصبحوا أعزة خفّف الله عنهم ذلك، وأصبح الفرض ألا يضر المؤمن إذا واجه ضعف عدده، كان الواحد أمام عشرة، فإن فر المسلمون من عدوهم الذي بلغ عشرة أمثالهم أثموا، لا يصح (وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍۢ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفًۭا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍۢ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ) ذاك كان في أول الإسلام، واحد إلى عشرة، خفف الله عنهم.
ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًۭا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ صَابِرَةٌۭ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ﴿66﴾
ثم تنتقل الآيات لأمر آخر أخطأ فيه المسلمون في غزوة بدر، ويبدأ الكلام بالعتاب للمسلمين الذين كانوا مع النبي (صلى الله عليه وسلم) وخرج نبينا (صلى الله عليه وسلم) من العتاب وذاك قول أكثر المفسرين حين قال الله (تبارك وتعالى):
مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ﴿67﴾
فبعد أن نصر الله (تبارك وتعالى) رسوله (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين في غزوة بدر حدث نتيجة المعركة أن قُتل من المشركين سبعون، وأُسر سبعون، وبدأ الكلام عن كيفية التصرف في الأسرى، والأسير سُمى بذلك لأن الأخيذ في الحرب كان يُقيد بالقِد أي الإسار فسُمى كل أخيذ في الحرب أسير، ولو لم يُقيد بالإسار، وقيل: الأسرى غير الموثوقين، غير المربوطين والأسارى الذين رُبطوا.
استشار النبي، صلى الله عليه وسلم، أصحابه في شأن الأسرى سأل أبا بكر، فقال أبو بكر: يا رسول الله هم قومك بنو العم والعشيرة لعل الله يتوب عليهم، خذ فداء تتقوى به على المشركين والكفار، وأما هؤلاء فلعل الله أن يهديهم إلى الإسلام، وأشار بالفداء وإطلاق سراح الأسرى مقابل الفدية، وأما عمر حين سأله النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله صناديد الكفر، وأئمة الكفر كذبوك، وآذوك، وأخرجوك، وقاتلوك اضرب أعناقهم يا رسول الله، فكان هناك رأيان قيل: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) جلس ولم يرد بشيء وقالت الصحابة: يأخذ برأي أبي بكر، وقال بعضهم: بل يأخذ برأي عمر، وقيل: بل يأخذ برأي عبد الله بن رواحة، الذي قال: اضرم عليهم النيران في واد من الأودية، سعد بن معاذ أشار أيضا بالقتل، تحيّروا بأي الآراء يأخذ خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إليهم وقال: يا أبا بكر مثلك، ومثّل بالأنبياء الذين طلبوا المغفرة لقومهم، وشبّه عمر بنوح حين قال: (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى ٱلْأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)) [سورة نوح آية: ٢٦]، وشبه أبا بكر بإبراهيم الخليل حين قال: (فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (٣٦)) [سورة إبراهيم آية: ٣٦].
وقال: ( إِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ ، لَيُلِينُ قُلُوبَ عِبَادٍ فِيهِ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ عِبَادٍ فِيهِ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَارَةِ )، قيل هذا، المهم أخذ، نبينا (صلى الله عليه وسلم) برأي أبي بكر، وقرر أن يفادي الأسرى، فعل ذلك وانتهى الأمر، وفي صبيحة اليوم التالي دخل عمر على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في العريش فوجده مع أبا بكر يبكيان، فقال: يا رسول الله ما يبكيك وصاحبك؟ أخبرني، فإن كان أمراً يستحق البكاء بكيت لبكائكما، وإن لم يكن تباكيت، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِكُمُ الْفِدَاءَ ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ)، ونزل القرآن يبيّن أن الفداء لم يكن في محله، ثم نزلت الرحمة من الله والعفو.
(مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ ) ثخن الشيء: اشتد وقوى وصلب، الإثخان: القوة والشدة في أي شيء (حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ ) يشتد في القتل، والجرح، وكأن الإثخان هو جعل الشيء ثخين، والثخن لا يسير ولا يتحرك، فكثرة القتل في الكفار والجرحى تجعلهم بلا حراك (مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ ) إذاً فقد كان أخذ الأسرى من الأصل خطأ، بمعنى في الغزوة نصرك ربنا (تبارك وتعالى) على الكفار اقتل منهم ما شئت، وما استطعت أما أن تأخذ أسيرا فذاك ممنوع في ذلك الوقت، (حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ ) أي يكثر من قتل الكفار والمشركين وأعداء الله حتى يخاف الكل، ويرهب الكل، ولو فعل ذلك ما كان هناك بعد ذلك غزوة أحد ولا غزوة الخندق ولا .. ولا... لأنك إذا ضربت ضربة، قوية، شديدة في أول الأمر خاف الكل، وأمن بعد ذلك الكل (تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا) والكلام للأصحاب تريدون عرض الدنيا وهو الفداء المال (وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۗ ) أي يريد لكم ثواب الآخرة، وعرض الدنيا هو العارض الزائل لكن الله يريد لكم الثواب الدائم الباقي.
(وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ (٦٧)) غالب على أمره، حكيم يأمر بما فيه المصلحة، فحين يأمر بالإثخان في الأرض ففيه المصلحة، حين يأمر بالمن والفداء في وقت آخر؛ ولذا في سورة القتال، في سورة محمد يقول الله (تبارك وتعالى) (فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ )، إذاً فقد أجاز المنّ أي الإفراج عن الأسير بغير فدية، أو الإفراج عن الأسير بفدية ذاك في وقت، أما في بدر وفي أول الإسلام، وقلة المسلمين وضعفهم، وقلة عُددهم كان من الواجب أن تنتهز الفرصة التي أتاحها الله من نصر القلة على الكثرة من إزالة الشرك من إظهار الحق كان الواجب أن تنتهز الفرصة لأنهم قليل، فلا يطمع فيهم المشركون كما طمعوا واستعدوا لهم بعد ذلك بعد عام واحد في غزوة أُحد، أما إذا كثر المسلمون، وكثر عددهم وقوتهم من هنا يجب العفو عند المقدرة، (وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ (٦٧)) يأمر بما فيه المصلحة في الوقت المناسب، (مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ (٦٧)) امتنع المسلمون عن أخذ الغنائم وخافوا وبكى النبي (صلى الله عليه وسلم) وبكى أبو بكر وقيل إن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (لَوْ نَزَلَ عَلَيْنَا العَذَابُ، مَا نَجَا مِنَّا سِوَى عُمَرُ)، وسعد بن معاذ أو الذين قالوا: بالقتل.
لَّوْلَا كِتَـٰبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ﴿68﴾
(لَّوْلَا كِتَـٰبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ) أي حكم قضى به الله أزلا (لَمَسَّكُمْ) يا أهل بدر(فِيمَآ أَخَذْتُمْ) من فداء (عَذَابٌ عَظِيمٌۭ (٦٨)) هذا الذي أخاف النبي (صلى الله عليه وسلم) هذا الذي أبكاه، أن العذاب الذي قاله الله، وقال عنه عُرض على نبينا (صلى الله عليه وسلم) فرآه بعينه قريبا منه أدنى من الشجرة التي كانت أمامه من هنا بكى، وبكى معه أبو بكر وامتنع الصحابة عن أخذ الغنائم، والفداء، والأكل فربنا تلطّف بهم ورحمهم.
(لَّوْلَا كِتَـٰبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ) ما هو الحكم السابق الأزلي الذي أشارت إليه الآية؟ قالوا الحكم الأزلي الذي أشارت إليه الآية أن الله لا يعذب أحدا باجتهاده إن أخطأ، فالمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر، وقد اجتهدوا هل يقتلوا الأسرى أم يأخذوا الفداء، اجتهدوا فأخطأوا وربنا لا يعذب المجتهد ولو أخطأ.
قالوا: الكتاب السابق أن الله أحل الغنائم لأمة محمد، ولذلك لم يعذبهم، فالآيات نزلت من حيث الأمر برأي عمر، من حيث القضاء والقدر، برأي أبي بكر، فصادف عمر الأمر، وصادف أبو بكر القضاء.
وقيل: بل الكتاب السابق هو قول الله (عز وجل) الذي بشّر به نبينا (صلى الله عليه وسلم) أهل بدر: (فَلَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ).
وقيل: الأمر السابق أن الله (تبارك وتعالى) لا يعذب المخطئ إذا أخطأ قبل بيان الخطأ، بمعنى حين شرب المسلمون الخمر في أول الإسلام لم يكن التحريم قد نزل هل عاتبهم؟ هل عاقبهم؟ هكذا إذا الأمر السابق والحكم السابق، والذي أشارت إليه الآية هو أن الله لا يعذب المخطئ، (وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًۢا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ ) [سورة التوبة آية: ١١٥]. إذا نبين لك أولا الخطأ، فإن ارتكبت الخطأ أوخذ، أما إذا لم يبين الخطأ فلا يؤاخذ من يقع في الخطأ.
فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿69﴾
فقد أحل الله تبارك وتعالى للنبي (صلى الله عليه وسلم) ولأصحابه الغنائم في بدر أحل لهم فداء الأسرى بعد ما عاتبهم على ذلك بقوله: (مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ ) وتلّطف الله (تبارك وتعالى) بهم، وأنزل التحليل بقوله: (فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (٦٩)) وتقرر أخذ الفداء، وأرسلت قريش في فداء أسراها، ومن المفارقات الغريبة أنه كان من بين الأسرى العباس عم النبي (صلى الله عليه وسلم) وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه في البداية: (مَنْ لَقِيَ مِنْكُمُ العَبَّاسَ فَلَا يَقْتُلْهُ فَقَدْ خَرَجَ مُكْرَهَاً)، أرسلت قريش في فداء أسراها، قال الأنصار لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) أو بعض رجالهم يا رسول الله نترك لابن أختنا العباس فداء، فقال: ( وَاللَّهِ لَا تَذَرُونَ مِنْهُ دِرْهَمًا)، بل وأمر بمضاعفة الفداء للعباس، وقد كان الفداء أربعين أوقية، فأمر أن يكون فداء العباس ثمانين أوقية من الذهب، بل وأمر العباس أيضا أن يفدي ابني أخويه، قال: افدي ابن أخيك عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فقال العباس لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) لقد تركتني أتكفف قريشا ما بقيت، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم): فَقَالَ لِيَ: ( فَأَيْنَ الذَّهَبُ يَا عَبَّاسُ؟ ) فَقُلْتُ : أَيُّ ذَهَبٍ ؟ قَالَ : (الَّذِي دَفَعْتَهُ إِلَى أُمِّ الْفَضْلِ يَوْمَ خَرَجْتَ ، فَقُلْتَ لَهَا : إِنِّي لا أَدْرِي مَا يُصِيبُنِي فِي وَجْهِي هَذَا، فَهَذَا لَكِ وَلِعِيَالَكِ)، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ أَخْبَرَكَ بِهَذَا ؟ فَوَاللَّهِ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ غَيْرِي وَغَيْرُهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : ( اللَّهُ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ ) ، فَقُلْتُ لَهُ : فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا ، وَأَنَّكَ لَصَادِقٌ ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. كذلك زعم بعض الأسرى أنهم قد أسلموا، ومن المفارقات أيضا أن كان من بين الأسرى أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وحين أرسلت فداء زوجها وُوضع أمام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجد من بين الفداء قلادة كانت للسيدة خديجة (رضى الله عنها وأرضاها) وأهدتها لزينب عند زواجها، فحين رأى القلادة رق رقة شديدة، وتأثر تأثراً شديدا، وظهر ذلك على وجهه الشريف (صلى الله عليه وسلم) فقال الأصحاب: يا رسول الله نرد عليها فداءها، ونطلق لها أسيرها، فعاهدهم أبو العاص عاهد النبي (صلى الله عليه وسلم) على أن يُطلِق زينب بمجرد الرجوع إلى مكة، فلم تكن هاجرت كانت مع زوجها، وكانت مسلمة وكان كافراً، فتعاهد بالسماح لزينب بالهجرة بمجرد العودة إلى مكة، وصدق في عهده، وأرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار للإتيان بالسيدة زينب (رضى الله عنها وأرضها).
في شأن الأسرى الذين زعموا الإسلام، في شأن العباس ومن معه فقد أسلم عقيل بن أخيه ونوفل بن الحارث ابن أخيه الحارث، فنزل قول الله (عز وجل) مخاطبا النبي (صلى الله عليه وسلم).
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًۭا يُؤْتِكُمْ خَيْرًۭا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿70﴾
وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿71﴾
(وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)) عليم بنياتهم، حكيم فيما يقضي به، ويأمر به، ثم ينزل الأمر بالموالاة بين المهاجرين والأنصار، بين المؤمنين بعضهم وبعض، والأوامر الخاصة بالميراث بنسب الإسلام، وليس بعلاقة القرابة فيقول الله (عز وجل):
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ ۚ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌۭ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ﴿72﴾
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌۭ كَبِيرٌۭ ﴿73﴾
أثنى الله (تبارك وتعالى) عليهم آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله بالقتال، بالحرب بالصرف، بالإنفاق على السلاح وعلى الركائب (وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟) آوَوْا الأنصار، آوَوْا المهاجرين في بيوتهم، ونصروهم، وآزروهم، ووقفوا معهم، وخرجوا معهم للقتال (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ ) في الميراث أي هم أوْلى بالمؤاخاة بالإسلام (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ ۚ ) أي لا تتولوا أمورهم ولا تشركوهم في الميراث إلا بعد هجرتهم، فالذين آمنوا ولم يهاجروا وهم في مكة لا ميراث لهم من أقاربهم الذين هاجروا إلى المدينة لو ماتوا إلا بعد هجرتهم (وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ) أي المؤمنون الذين لم يهاجروا، إن وقع عليهم ظلم أو قهر، وطلبوا النصر من المؤمنين المهاجرين إلى المدينة بمعنى أنهم فُتنوا في دينهم أو أوذوا على إسلامهم، أو حوربوا من أجل إيمانهم، فعليكم أن تنصروهم أي واجبا عليكم أن تنصروهم، فالميراث شيء، والمناصرة والمؤازرة في الدين شيء آخر (إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌۭ ۗ ) بمعنى لو أن المؤمنين بمكة استنصروا المؤمنين بالمدينة على قوم من الكفار لكن النبي (صلى الله عليه وسلم) لكن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان قد عاهدهم، فلا يصح أن تنقض العهد الوفاء الذي علّم الله نبيه إياه، وعلّم الأمة الوفاء من شيم الإسلام، وخُلُق الإسلام، مهما كان مؤمنا واستنصرك في الدين ووقع عليه ظلم، عليك بنصره أياً كان مكانه بشرط ألا تنصره على قوم قد تعاهدت معهم لأنك بذلك تكون قد نقضت العهد، ونقض العهد ممنوع فلا يصح في هذه الحالة أن تناصروهم أو تنصروهم.
(وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ (٧٢)) بيان بأن الأمر إن نُفذ فالله يرى ويسمع، وإن لم يُنفذ فالله يرى ويسمع (وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ ) هم يتناصرون بينهم، هم يتوارثون بينهم (إِلَّا تَفْعَلُوهُ) الأوامر بالموالاة بين المهاجرين والأنصار، نصر المؤمنين إلا على قوم بينهم وبينهم ميثاق، ترك الكفار وما تركوا، فلا يرث المسلم كافرا، ولا يرث الكافر مسلما، والآية تؤكد وتدلل على أنه لا توارث بين أهل ملتين، المسلم لا يرث الكافر، ولو كان أبوه، والكافر لا يرث المسلم ولو كان أبوه، فإن لم تفعلوا هذه الأوامر (تَكُن فِتْنَةٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌۭ كَبِيرٌۭ (٧٣)) فساد للملة، فساد للدين، فتنة لأهل الإسلام؛ لأن الكافر إذا ورث المسلم أخذ ماله، واستعان به على حرب المسلمين، والمسلم لو أخذ مال الكافر رق قلبه، وانضوى إليهم.
والتناصر: لو نصر المسلم كافرا أو والاه، تحدث الفتن، وتضمحل الأمة، ويضمحل الدين، ويحدث الفساد في الأرض، تلك كانت الأحكام التي نزلت في شأن الميراث، والتوارث بين المهاجرين والأنصار، وبين المهاجرين وبعضهم البعض، إذا كانت القرابة موجودة أما إذا مات المهاجر ولا وارث له من أهله في المدينة ورثه أخوه الأنصاري، هذه الأوامر وهذه التوجيهات الإلهية نُفذت بحذافيرها إلى أن نسخ الله (تبارك وتعالى) ذلك الحكم، ونزلت آيات المواريث وأصبح أهل القرابة أوْلى، كل ذلك بعد فتح مكة، وبعد انتهاء الهجرة؛ لأن الهجرة انتهت بالفتح لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) (لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ)، تنزل الآيات بالثناء على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وبالوعد لهم، والبشارة بالرزق الكريم وبجنات النعيم، فيقول الله، عز من قائل:
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ﴿74﴾
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ ﴿75﴾
(وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌۭ ۚ ) [سورة الحشر آية: ٩].
هؤلاء الذين آووْا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصدقوه وآووْا المهاجرين وأحبوهم ونصروا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هؤلاء وهؤلاء (هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ ) حيث تحقق إيمانهم بتحصيل مقتضاه من الجهاد، ومن الإنفاق، ومن القتال في سبيل الله، ومن الهجرة، ومن المؤاخاة، ومن الموالاة تحقق إيمانهم، وهذا ثناء من الله عليهم، في نفس الوقت لهم البشرى والوعد بقوله: (لَّهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ (٧٤)) مغفرة لجميع ذنوبهم صغائر أو كبائر مغفرة لكل ما سلف (وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ (٧٤)) والرزق الكريم لا يعلمه إلا الله، لكن التفسير للمعنى اللفظي الرزق الكريم، لا تبعة له ولا منّة فيه، لا تبعة له مهما حدث لا يُسأل الإنسان عنه والرزق الكريم ولا منّة أي لا يمنّ عليه بهذا، قسّم الله (تبارك وتعالى) المؤمنين ثلاثة أقسام:
المؤمنون المهاجرون - الأنصار - المؤمنون الذين لم يهاجروا وجاء بقسم رابع: (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنكُمْ ۚ ) آمنوا من بعد وهاجروا متى هاجروا؟ الهجرة الأولى إلى الحبشة، والهجرة الثانية إلى المدينة لكن ذاك يُعتبر هجرة واحدة، هجرة أولى أما الهجرة الثانية والتي جاء ذكرها في الآية هي هجرة تمت بعد صلح الحديبية، فمن هاجر قبل صلح الحديبية فتلك هي الهجرة الأولى ومن هاجر بعد صلح الحديبية وكان ذلك في السنة السادسة من الهجرة في الهجرة الثانية، وبعد الفتح لا هجرة، فجاء ربنا بذكر القسم الرابع هؤلاء الذين آمنوا من بعد كإيمان العباس بعد غزوة بدر، وغيره وغيره ممن آمنوا بعد ذلك بعد غزوة بدر، وبعد غزوة أحد، وبعد غزوه حنين آمنوا بعد ذلك، ثم هاجروا بعد صلح الحديبية، درجة أقل، لكن الله بشّرهم وضمهم إلى السابقين فقال: (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنكُمْ ۚ ) لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم لهم نفس البشرى، لهم مغفرة ورزق كريم، طالما قال فأولئك منكم، أيضا فأولئك منكم في التوارث، ثم قال (وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ ) أولوا الأرحام: أهل القرابات، الميراث بالنسب، وليس بالسبب كان الميراث في أول الإسلام بالسبب أي بالإسلام، والهجرة أصبح الميراث بعد ذلك، بالقرابة بالنسب من هنا قال (وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ ) في ميراث أُولى القرابة ، أَولى بالميراث من غيرهم (فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ ۗ ) أي في حكم الله، في قضاء الله في اللوح المحفوظ، إذا فقد كان التوارث بالإسلام عارضا، أما الأصل والقضاء والحكم الأزلي فالتوارث بالقرابة.
والمقصود بأولو الأرحام هنا يقصد بها أهل القرابة من العصب - الورثة -، وليس بمعنى الرحم، إذ إن الميراث بالرحم غير موجود، أهل الرحم مثل: أولاد البنت، العمة، الخالة، العم غير الشقيق من أم، الجدة لأم، الجد لأم، أولاد الأخت، وبنات الأخ، أولوا الأرحام لا ميراث لهم، من هنا قالوا: إن كلمة وأولوا الأرحام يُقصد بها الورثة من ذوي العصب، وقال البعض الآخر: بل أولوا الأرحام لهم من الميراث، ونصيب العمة كنصيب الأب في عدم وجوده، ونصيب الخالة كنصيب الأم خلاف في الميراث قد بيناه في شرحنا لآيات المواريث، وقالوا: الآية هنا مجملة فصلتها آية المواريث، فمن ذُكر في المواريث، وذُكروا في القرآن هم أصحاب الفرائض الذين قال في شأنهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ( أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا).
خلاف في المسألة، وأولوا الأرحام أهل القرابة، من لهم حق الميراث بالنسب، أولى في الميراث فنسخ التوارث في الإسلام بين المهاجرين والأنصار (إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ (٧٥)) وخُتمت السورة بخير ختام، يعلم السر وأخفى يعلم المصلحة، يعلم ما فيه صالح الإنسان يعلم ما يقضى به وما يكون وما هو كائن.
أيها الأخ المسلم، سورة الأنفال كانت تعلم السياسة في الحرب، والسياسة في السلام، وحكم الغنائم، بيّنت كثيرا من الأحكام، وخُتمت بتقرير علم الله (عز وجل) الأزلي، الأبدي ولكن في الآية التي يأمر ربنا (تبارك وتعالى) فيها النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه بمناصرة المؤمنين الذين يستنصرونهم في الدين، (وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ) هؤلاء آمنوا ولم يهاجروا ولقد كانت الهجرة في ذاك الوقت فرضاً، ومن مات ولم يهاجر مات ميتة جاهلية مهما زعم الإسلام إلا المستضعفين؛ لقول الله (عز وجل): (إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا (٩٧)) [سورة النساء آية: ٩٧] وتكلم ربنا تبارك وتعالى عن هؤلاء واستثنى منهم (إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًۭ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًۭا (٩٨)) [سورة النساء آية: ٩٨]، هؤلاء عفا الله عنهم لضعفهم، وعجزهم عن الهجرة، فقد كانت الهجرة فرضا، بل ووُعد المهاجر بالثواب الجزيل حتى ولو مات بمجرد النية، (وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ ) [سورة النساء آية: ١٠٠]، رغم ذلك يلفت النظر قول الله (عز وجل) (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ) لا توارث، ولا مؤازرة، ولا موالاة، ولا مناصرة، رغم الشهادة لهم بالإيمان، (حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ ۚ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌۭ ۗ )؛ لأن المؤمنين كالجسد الواحد مهما تباعدت بينهم الشقة، ومهما اختلفت الأمصار، أن يستصرخ مسلم أو يستنصرك مؤمن يجب عليك النصر إلا على قوم بينك وبينهم معاهدة، فلا تنقض المعاهدات، وها نحن نرى المسلمين في كل مكان يُقتلون، ويُذبّحون، ويحاربون، ويُقصفون بالمدافع، والقنابل وتُيتم الأطفال، وتُغتصب النساء، فهل استنصرونا؟ هل استصرخوا الأمة الإسلامية هل استصرخ أهل البوسنة هل استصرخونا، هل استصرخوا الأمة الإسلامية أم لم يحدث، وغيرهم في بلاد كثيرة في بورما في الفلبين في كثير من البلاد يُحارب المسلمون بلا هوادة، لا ذنب لهم ولا جريرة إلا أن يقولوا ربنا الله، الإسلام فقط هو الجُرم الذي ارتكبوه، والأغرب أنك تجد الوصف، هم يدعون أن الحرب، حرب عرقية أي حرب بين أجناس، ومع ذلك يقرون ويعترفون في جميع النشرات، أن الحرب بين الصرب بغض النظر عن دينهم لم تذكر عقيدتهم، وبين مسلمي البوسنة، ألم يلفت نظرهم هذا، ألم يلفت نظركم هذا، إذا كانت الحرب، حرب عرقية، فأي جنس لهؤلاء الحرب بين الصرب وبين من مسلمي البوسنة، فما دين الصرب لم يذكر، وتجد الحرب الشعواء على الإسلام في كل هذه الدول في الوقت الذي تسمح فيه هذه الدول أن تقام دولة على أرض غيرها، دولة دينية باعتراف الكل إسرائيل دولة اليهود، جيء باليهود من كل مكان بغض النظر عن الجنس، من مصر، من اليمن من المغرب من أي بلاد في العالم من كل بلاد العالم جوازه، جواز المرور دينه أن يكون يهوديا، فإذا كان يهوديا سُمح له، وأصبح مواطنا إسرائيليا، حتى الاسم يا بني إسرائيل حتى اسم الدولة، دولة إسرائيل يعقوب، نسب يعقوب عليه السلام، ففي الوقت الذي يُسمح فيه بإنشاء دولة أساسها الدين، يُحارب المسلمون في دينهم، وفي عقيدتهم في أرضهم، وفي بلادهم، ولا يشفع لهم جنس فالمقتولون من المسلمين في كل البلاد هم مواطنون في هذه البلاد، لكنهم أجرموا بإسلامهم، فماذا فعلت الأمة الإسلامية لنصرة هؤلاء يقتلون، يذبحون، ويُمنع عنهم السلاح الذي يدافعون به عن أنفسهم، لا تنصروهم لا تناصروهم أعطوهم ما به يدافعون عن أنفسهم، ممنوع أي ظلم هذا، وكيف تسكت الأمة الإسلامية على ذلك، وتعدادها يوازي كذا وكذا، بل وثروتها كذا وكذا وأموالها كذا وكذا في بنوك هؤلاء القتلة ولو سُحبت هذه الثروات من البنوك لاهتز اقتصادهم ولركعوا على ركبهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.