سورة الأعراف
مقدمة
فلقاؤنا اليوم مع سورة الأعراف، سورة الأعراف، من أطول السور المكية، سورة الأعراف سورة مكية نزلت بمكة ماعدا ست آيات من قوله (عز وجل)( وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ)، سورة الأعراف افتتُحت بحروف، كما افتتُحت البقرة، وآل عمران، حروف أول السورة يُقال فيها ما قيل في أول سورة البقرة، وخير ما يقال، وأرجح ما يقال، وأثمن ما يقال: هو سر الله فلا تطلبوه، سورة الأعراف ست ومائتان من الآيات، سورة الأعراف اهتمت بتقرير أصول العقيدة من توحيد الله (عز وجل) وتقرير البعث والجزاء وكذلك تقرير الوحي والرسالة كالعهد بالسور المكية؛ إذ كلها يهتم بتقرير أصول العقيدة، سورة الأعراف أبرزت قصة آدم مع إبليس، وكيف وسوس إليه إبليس فأهبطه من الجنة تبين السورة كيف اصطفى الله (تبارك وتعالى) آدم، وكيف اصطفى بني الإنسان، وحين تحكي لنا تفاصيل الغواية وما حدث يتوجه الخطاب إلى بني آدم بالتحذير، ويأتي النداء بصيغة اختصت بها سورة الأعراف أربع نداءات نداء لا تجده إلا في سورة الأعراف، أربع نداءات تحذِّر بني الإنسان من عداوة إبليس، وتبين كيف أنه حسد آدم وأخرجه حسده من الجنة وأهبطت المعصية آدم من الجنة.
وتحكي سورة الأعراف بالتفصيل قصص بعض الأنبياء قصة نوح، وقصة هود، وقصة صالح وقصة لوط، وقصة شعيب، وقصة موسى، وتحكي سورة الأعراف عن ابتلاء بني إسرائيل وحين صبروا أنعم الله (تبارك وتعالى) عليهم واختصهم بالفضل وفضلهم، ومنحهم النعم وحين جحدوها حوّلهم ربنا (تبارك وتعالى) ومسخهم إلى قردة وخنازير، ومن أعجب ما في السورة أنها عرضت لمشهد من مشاهد يوم القيامة، أبرزت لنا مشهدا من مشاهد يوم القيامة على الحقيقة دون تمثيل أو تخييل؛ وبيّنت أن هناك فرقا ثلاثا .. فريقا في الجنة، وفريق في النار وفريق ثالث لم يأت له ذكر إلا في سورة الأعراف ألا وهم أصحاب الأعراف، وسُميت سورة الأعراف لذلك لورود ذكر الأعراف فيها هذا الفريق الثالث لم يرد له ذكر في أي سورة أخرى، والأعراف سور فاصل بين الجنة، وبين النار، عليه رجال العالم بشأنهم ربهم قيل في أمرهم الكثير، منه أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فمنعتهم حسناتهم من دخول النار وحجبتهم سيئاتهم من دخول الجنة، وأمرهم إلى الله، يقضي فيهم بما شاء، وتحكي السورة حوارا دائرا بين الفرق الثلاث، حوار دائر بين أهل الجنة وأهل النار، سؤال وجواب، واستغاثة، بل وحوار لأصحاب الأعراف، تحكي لنا سورة الأعراف هذا المشهد على الحقيقة وتبيّن أن الأعمال توزن، وتبيّن أن الكل مسئول، رسول أو مرسلٌ إليه، وتُختتم السورة أيضا بالتوحيد كما بدأت به، سورة الأعراف من السبع الطوال، ابتدأت وافتُتحت بقوله (عز وجل).
الٓمٓصٓ ﴿1﴾
كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌۭ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿2﴾
أي ضيق؛ لأنه ما جاء أحد بمثل ما جيء به إلا عودي وكُذِّب، فيمهد له ربه (تبارك وتعالى) وينبئه بأنهم سوف يكذبونه، ويجحدون بما جاء به، فيمهد له وينبّه، (فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌۭ) من إبلاغه، من الإنذار به، من القرآن (لِتُنذِرَ بِهِۦ) أي لتنذر به الكفار (وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ) أي ولتذكر به ذكرى، والذكرى لا تكون إلا لمؤمن إذ هو المنتفع بالتذكير، فكأن المعنى هذا هو القرآن أُنزل إليك لتُنذر به من كفر وتبشّر به من آمن وتذكّر به المؤمن، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، فلا تضيق بأقوالهم ولا يضيق صدرك بتكذيبهم إياك إن عليك إلا البلاغ.
ثم يتوجه الخطاب للكافة قيل للنبي (صلى الله عليه وسلم) وللأمة وقيل بل هو للأمة
ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ ﴿3﴾
( وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ ) لا تتبعوا من دونه، من دون الله، ولا تتبعوا من دونه، من دون الكتاب أولياء، تولونهم أموركم كالأصنام، أو الأوثان، أو الكهان، أو رؤساء الكفر وصناديد الضلال، اتبعوا القرآن، ولا تتبعوا غيره، اتبعوا السنّة اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وإياكم واتباع الهوى، وإياكم واتباع رؤساء الضلال، ورؤوس الكفر، ولا تتبعوا من دونه أولياء تولونهم أموركم يحلون ويحرمون (قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ) أي زمانا قليلا تتذكرون؛ إذ يتذكّر الإنسان زمانا قليلا ثم ينسى، ويتبع الهوى ويضل، (قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ) وقتا قليلا أو القليل منكم يتذكر أو تذكركم قليل، ويجب أن يكون تذكّر الإنسان آناء الليل، وأطراف النهار في كل وقت وحين مع كل نَفَسٍ أنت لا تملك أن تُدخل أو تُخرج النَفَس فوجب على الإنسان أن يتذكّر مع كل نَفَسٍ يتنفسه أن المانح هو الله، والخالق هو الله، وأن الروح بيد الله، والرزق بيد الله، تلك الأنفاس أرزاق، فأنت تتنفس من هوائه الذي أوجده لك، وما تفعله الرئتان في هذا الهواء، وما تخرجه من هواء فاسد أو بعضه فاسد كل ذلك بمشيئته، وفعله، وتقديره (قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ)، ويحكي ربنا (تبارك وتعالى) عن الأمم الماضية.
وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ﴿4﴾
فَمَا كَانَ دَعْوَىٰهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ ﴿5﴾
(فَمَا كَانَ دَعْوَىٰهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ) ، الدعوى تأتي بمعنى الدعاء كقوله (عز وجل) (وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (١٠)) [سورة يونس آية: ١٠] والدعوى تأتي بمعنى الإدعاء (فَمَا كَانَ دَعْوَىٰهُمْ) أي دعاؤهم، أو استغاثتهم حين فوجئوا بالعذاب (إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟) واعترفوا وأقروا (إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ)، فهل نفعهم الندم؟ أبداً ندموا حيث لا ينفع الندم (وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍۢ (٣)) [سورة ص آية: ٣] ، حين رأوا العذاب أقروا واعترفوا، واستسلموا، ولم ينفعهم ذلك؛ إذ الإيمان لابد وأن يكون اختياريا، وليس اضطرارا (فَمَا كَانَ دَعْوَىٰهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ)، ذلك حدث مع القرون الماضية حدث في الدنيا أما في الآخرة فيقسم ربنا (تبارك وتعالى) على أنه سائل كل عبد وكل راع عما استرعاه.
فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿6﴾
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍۢ ۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ﴿7﴾
نجوى بين ربنا وبين العبد شرف وأي شرف وإن كان فيه ما فيه من الخجل؛ لأن هذا الذي يُدنى للمناجاة لا يجد سيئات في صحيفته، فيعتقد أنها قد أغفلت أو يُهيأ له أنها قد نُسيت فيذكّره الله (تبارك وتعالى) (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍۢ ۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ) بها ذاك نوع والآخرون والعياذ بالله يُفضحون على رءوس الخلائق، ويُنصب لهم الألوية كما يُنصب لكل غادر لواء، ويُقال هذه غدرة فلان بن فلان، وآخرون يقول الأشهاد علنا (وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَـٰدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ (١٨)) [سورة هود آية: ١٨]، سلّمِ يارب سلِّمْ، وهناك نوع يدخل الجنة بغير حساب، بغير سؤال، ويطمئن وبعد اطمئنانه إذا بالملك يأتيه بصحيفة ويقول هذه صحيفة أرسلها الله إليك لتقرأها فيفتح الصحيفة ويُفاجأ بأنه قد دوِّن فيها معاصي أو سيئات لم تُذكر ولم يُسأل عنها، ولم يرها في صحائفه، ودخل الجنة حين يرى الصحيفة يصفر لونه، يصيبه الهلع فيقول الملك إن الله (تبارك وتعالى) أمرني أن أعطيك هذه الصحيفة، فإذا رأيت أن لونك قد اصفر وارتعدت منك الفرائص أقول لك قد غفرها الله لك ولكنه استحيى أن يسألك عنها لشيبتك أولئك الذين شابوا في الإسلام وماتوا على الطاعة.
وهناك رجل يُدعى إلى ربه يوم القيامة على رءوس الخلائق ويُنشر عليه تسعاً وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر ثم يقول الله (تبارك وتعالى) له أتنكر شيئا من هذا؟ فيقول لا يا رب فيقول أظلمك كتبتي الحافظون، الذين كتبوا هذا؟ فيقول لا يا رب، فيقول الله (تبارك وتعالى) ألك عذر؟ ألك حسنة فيصاب بالهلع، فيقول لا يا رب فيقول الله بلى إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك اليوم، وتُخرج له بطاقة مكتوب فيها أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول الرجل يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله (تبارك وتعالى) ..احضر وزنك فإنه لا ظلم عليك اليوم فتوضع السجلات في كفة وتوضع البطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء، فالقيامة مواقف، يُقسم ربنا (تبارك وتعالى) بأنه سائل كل إنسان عن عمله، (فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍۢ ۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (٧)).
وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿8﴾
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَظْلِمُونَ ﴿9﴾
(وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُم) خسروها لأنها دخلت في جهنم، وضاع عليها الثواب، وضاع عليها الرضوان (خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَظْلِمُونَ (٩))، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، فهؤلاء الذين ظلموا بآيات الله، وضعوها في غير موضعها (كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)) موضع الآيات الإيمان في القلب، فوضعوها موضع الإنكار والتكذيب، موضع الآيات الامتثال، والطاعة، والخضوع، فوضعوها موضع المتروك المنسي، لا يقرؤون القرآن، ولا يعملون به، ولا يمتثلون أمره، ولا يجتنبون نهيه، ظلموا أنفسهم، وضعوها حيث لا يجب؛ لأن الله يحب أن يراك حيث أمرك، ولا يحب أن يراك حيث نهاك، ربنا لا يحب أن يراك حيث نهاك، ولا يحب أن يفتقدك حيث أمرك، (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُم) ضيعوها، غشوها، وأهلكوها؛ لأنهم ظلموا؛ وضعوا الآيات في غير موضعها من التصديق، والاحترام، والتوقير، والإعمال والعمل
ما الذي يوزن؟ ما هي الموزونات؟ هل توزن الأعمال أم توزن الصحائف أم توزن الناس؟ أقوال، فمن الناس من قال إن الأعمال يوم القيامة تُجسَّد، الصلاة كيف توزن الصلاة، حركات أداها، وكلمات تلاها، فكيف توزن الحركات والكلمات، صدق، صام فكيف يوزن صيامه، فقالوا: هذه الأعمال وإن كانت أعراضا إلا أن الله يجسّدها في جواهر أو في أجساد فإذا وُضعت في الميزان قد وُزنت، والميزان له كفتان ولسان، يراه الخلائق جميعا إظهارا للعدل، وقطعا للعذر، لا عذر لأحد، لا ظلم اليوم، وهذا الميزان الذي يوضع أمام الخلائق وله كفتان وله لسان إظهاراً للمعدلة وقطعا للمعذرة لا عذر لأحد إظهاراً لعدل الله، وتجسد الأعمال في أجساد، وقال بعضهم: بل الموزون الصحائف، بدليل الحديث الخاص بالسجلات، ينشر عليه تسعة وتسعون سجلا، والبطاقة التي وُضعت في الكفة والسجلات التي وضعت في الكفة الأخرى فطاشت السجلات وثقلت البطاقة إذن الذي يوضع في السجلات هي الصحائف، صحائف الأعمال، وهناك من قال بل الذي يوضع في الميزان العامل، الإنسان نفسه، هو الذي يوزن، يؤتى بالإنسان ويوضع في الميزان إن ثقل أو خف، كيف؟ هل يوزن الإنسان؟ وهل جسمه وحجمه في الدنيا فمنا السمين ومنا الضعيف، الخفيف، ومنا الطويل، ومنا القصير، قالوا لا إنما الإنسان في ذلك اليوم شيء آخر، واستدل بعضهم بحديث لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال فيه (يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالأَكُولِ الشَّرُوبِ الْعَظِيمِ ، فَيُوزَنُ فَلا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ) قد يكون الكلام مجازا، تخريج هؤلاء الناس، العلماء، أسيادنا، وأشياخنا تخريجهم في أوقاتهم، وفي أزمانهم، وما أتيح لهم من علوم في ذلك الوقت، تحيروا كيف توزن الأعمال، كلمة، الكلمة الطيبة صدقة، قلت لفلان صل لعل الله أن يرضى عنك، كلمة كيف توضع الكلمة في الميزان؟! من هنا جاءت التخريجات، هل تجسد الأعمال، هل توزن الصحائف، هل يوزن الإنسان، ونحن في زماننا هذا نجد أن هناك أموراً توزن لم يكن يخطر على بالٍ أن توزن مثال هل توزن الحرارة نعم ألا تسمع خبراء الأرصاد يتوقعون درجات الحرارة كيف علموها؟ بميزان، ميزان الحرارة يقاس به حرارة الإنسان فتعرف، هل قيست الحرارة ووُزنت؟ نعم، هل وُزن الضغط الجوي؟ هل هو ملموس؟ هل هو جسد؟ هل هو جوهر؟ الضغط الجوي، أليس له ميزان يُعلق في بعض البيوت، وفي بعض المراصد، هل يوزن ضغط الماء؟ هل يوزن البرد؟ هل توزن الرياح؟ كل ذلك يوزن الآن بموازين علّمها الله للإنسان، أليس ذلك بقادر على أن يزن الأعمال؟ إذا كان الإنسان قد توصل إلى وزن الحرارة، ووزن البرودة، ووزن الضغط، ضغط الدم، وضغط الجو، وضغط البحر، توصل إلى وزن أمورا كثيرا ليست من الأجساد أو الماديات أليس الله بقادر على أن يزن الأعمال، بلى قادر (سبحانه وتعالى) الميزان حق لا مراء فيه ولاشك نؤمن به، كما أخبرنا ربنا (تبارك وتعالى) كيف هو؟ الله أعلم، كيف توزن الأعمال؟ الله أعلم، المهم أن الذي يزن الحكم العدل، والذي ينادي في خلقه لا ظلم اليوم، والذي يقول: (وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ ﴿٤٧﴾) [سورة الأنبياء آية: ٤٧]، فنحن نؤمن بالميزان، وبأن هناك ميزان، وبأن هناك وزن للأعمال، كيفية الميزان، شكل الميزان، كيفية الوزن، كيف توزن الأعمال أمور نفوّض العلم بها إلى الله (عز وجل).
(وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ۚ ) حقا، وصدقا آمنا بالله، أيها الأخ المسلم ميزان وصحيفة وكتبة وحفظة والله من وراء ذلك شاهد، مطلِّع، حاضر، ولا ظلم من أخطر ما يُهلك الإنسان التبعات، والتبعات معناها حقوق الآخرين قِبلَكَ، تلك هي التبعات، والعبد في حسابه الذي يُحاسب عليه أمران: حق الله (عز وجل) وحق الخلائق، حق الله كالصلاة والصيام، أما حقوق الله (تبارك وتعالى) فربنا كريم، والمحاسِب رحمن رحيم، وقد تُمحى سيئات العبد جميعها فيما يتعلق بحق الله بحسنة كما حكى لنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) عن بغيّ من بغايا بني إسرائيل مرت على بئر فوجدت كلبا يلهث من العطش، نزلت وملأت خُفّها وصعدت، ورقت، وسقت الكلب فشكر الله لها، فغفر لها، فما بينك وبين الله يُغفر، وقد تنجو بالشفاعة، شفاعة المختار (صلى الله عليه وسلم) أو بشفاعة أبيك إن كان صالحا، ومن أهل الشفاعة أو بشفاعة ابنك أو بشفاعة أخيك، أو بشفاعة صديقك في الدنيا أو جار لك، لكن حقوق العباد لا تُجدي فيها الشفاعة ولا تمحوها الأعمال الصالحة، إذ هي حقوق وربنا يقول:( لَا ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ ۚ ) [سورة غافر آية : ١٧]، وقد شتمت فلان، واغتبت فلانا حق، كيف يُمحى، وصاحب الحق ينادي، أريد حقي، والكل يومئذ يبحث عن حسنة، عن مثقال حبة من خردل، فقد رُوي في الخبر أن الله (تبارك وتعالى) ينادي آدم ويقول: يا آدم ادنو إلى جوار الكرسي وانظر إلى الميزان، وانظر إلى أفعال وأعمال أبنائك، فمن رجح خيره نجا، ومن رجح شره هلك، ولو بمثقال حبة، حقوق العباد أين تذهب منها؟ أكلت مال فلان يأتي يوم القيامة يسعى وراءك، ويقول: أكل مالي يا رب، ولا درهم ولا دينار فيؤخذ من حسنات الظالم للمظلوم، فإن فرغت، أُخذ من سيئات المظلوم فطُرحت على الظالم، فيعود الرجل بأمثال الجبال من السيئات، وإذا بالرجل دخل النار بسيئات جاره، ودخل الجار الجنة بحسنات جاره، أنت تصلي وتصوم وتغتاب، فيؤخذ من صلاتك وصيامك إلى من اغتبته فتزاد في حسناته فيدخل الجنة بحسناتك أنت، ثم يوضع من سيئاته عليك -شرب خمرا، شرب مخدرات، زنا، فعل كذا- يؤخذ من سيئاته، فتوضع عليك، فترجح سيئاتك فتدخل النار بسيئات غيرك.
أيها الأخ الكريم إياك، والتبعات؛ لذا كان التحذير النبوي في آخر خطبة الوداع ( أَيُّ شَهْرٍ هَذَا ؟ " قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ : فَسَكَتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ : " أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ ؟ " قَالُوا : بَلَى قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَيُّ بَلَدٍ هَذَا ؟ " قُلْنَا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ ، فَقَالَ : " أَلَيْسَ الْبَلَدَ الْحَرَامَ ؟ " قُلْنَا : بَلَى قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا ؟ " قُلْنَا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، فَسَكَتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ ، فَقَالَ : " أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ ؟ " قُلْنَا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ , قَالَ مُحَمَّدٌ : وَأُرَاهُ قَالَ : وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَلا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ، أَلا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ، فَلَعَلَّ مَنْ يَبْلُغُهُ أَوْعَى مِنْ بَعْضِ مَنْ يَسْمَعُهُ)، هذا هو الخطر أموال الناس، أعراض الناس، والأعراض .. موضع الذم والمدح من الإنسان، فمن اغتبته أو اتهمته بالفسق فقد وقعت في عرضه، الدماء والأموال والأعراض، بل قيل إن الرجل يُمنع عن الجنة بعد أن ينظر إليها بملء محجمة من دم يهريقه من مسلم بغير حق، الفتوة ليست بالصراع ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب، لطمته فسال الدم من أسنانه هذا الدم يأتي يوم القيامة يمنعك من دخول الجنة، فإياكم والتعبات، والميزان قائم وما بينك وما بين الله مهما فعلت (يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي ، غَفَرْتُ لَكَ مَا كَانَ فِيكَ . ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ إِنْ تَلْقَانِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ، لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً بَعْدَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا ، ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ إِنْ تُذْنِبْ حَتَّى يَبْلُغَ ذَنْبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ، ثُمَّ تَسْتَغْفِرُنِي أَغْفِرْ لَكَ وَلَا أُبَالِي ) ، لكن حقوق العباد لابد فيها من السماح، فمن كان له مظلمة عند أخيه فليتحلله منها قبل أن يأتي يوم لا درهم فيه ولا دينار، إياكم والتبعات فإنها المهلكة.
فيمتن الله (تبارك وتعالى) على عباده، ويذكرهم بنعمة الإيجاد، وكيف أنه أكرمهم، وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا، ويحكي قصة أبيهم آدم، وكيف خدعه إبليس، وكيف دلاّه بغرور، وكيف كان سببا في إهباطه إلي الأرض بمعصية تُعد من الصغائر، وليست من الكبائر يقول، عز من قائل:
وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ ۗ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ ﴿10﴾
المعايش .. جمع معيشة والمعيشة ما يُتعيشّ به أو ما يُتوصل به إلى العيْش خلقنا ربنا (تبارك وتعالى) وهيّأ لنا الأرض، مهدها وقدّر فيها أقواتها، وألهمنا كيف نسكنها، ونسكن عليها ووفقنا لاستنبات الثمار، وألهمنا استخراج الكنوز المختلفة من معادن الأرض، وهيأ لنا ما به أسباب العيش الكريم، أنواع، وألوان، وأصناف لا عد لها ولا حصر من النعم من المطعومات ومن المشروبات، ومن التمكين فقد ذلَلَ الأرض لنا، لكنه يعاتب قائلا: (قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ (١٠)) كما قال في موضع آخر (وَقَلِيلٌۭ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ (١٣)) [سورة سبأ آية: ١٣]، أي شكركم، شكر قليل، لا يوازي النعم، أو الشاكرين منكم قليل، والجاحدين كثير، وتحكي الآيات قصة بدء الخلق.
وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ ﴿11﴾
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ ﴿12﴾
قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ ﴿13﴾
قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿14﴾
قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ﴿15﴾
قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴿16﴾
ثُمَّ لَـَٔاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ ﴿17﴾
قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًۭا مَّدْحُورًۭا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿18﴾
خلقناكم ثم صورناكم في أحسن تصوير في أحسن تقويم، والناظر إلى خلْقة الإنسان، وإلى هيئته يرى أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، في وضع كل مكان في موضعه، التصوير .. التركيب .. تركيب الأجزاء، وانظر أين وضع الرأس، وأين وضع القدم، وانظر أين وُضعت الأذن، وأين وُضعت الأنف، وأين وُضعت العيون، وأين وضع اللسان، وانظر إلى الأسنان، وانظر إلى كل جزء من أجزاء الجسم، وكيف صوّرنا ربنا (تبارك وتعالى) وجعل الجسم غير شفاف فلا يُرى ما بداخله، وتخيّل لو رؤيت العروق والدماء فيها، وتخيّل لو رؤيت المعدة والكرش والأمعاء وما يدور فيها أحسن تصوير.
وبعد هذا التكريم بالإيجاد فما كان الإيجاد واجب عليه، وما كان التكليف لنفع يحصل لديه، وإنما منّة، نعمة، نعمة الإيجاد نعمة الحياة، وهذا التصوير ويأتي بعد ذلك التكريم الذي ليس بعده تكريم.
(ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ) الخطاب للملائكة على التغليب، وقد كان هناك من هو ليس من الملائكة كابليس، والسجود لآدم كما قلنا قبل ذلك في سورة البقرة ليس سجوداً لشخص، فالسجود لله، وإنما آدم كان للملائكة كالكعبة للناس، فهو قبلة السجود، 09كما نسجد متجهين لى الكعبة، والمسجود له على الحقيقة هو رب الكعبة، وما آدم إلا قبلة واتجاه للسجود؛ لأن الله (تبارك وتعالى) ليس له اتجاه منزّه عن الجهة، فالفَوْق، والتحت، والأمام والخلف، واليمين، والشمال، كل ذلك من خلْقه، وإيجاده فقد كان قبل أن تكون الجهات فليس فوقه إذ هو (سبحانه وتعالى) فوق كل شيء وليس تحته تحت هو الله.
(ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟) وقد يكون السجود بمعنى التعظيم، بمعنى التحية كما سجد يعقوب، وبنوه ليوسف (وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًۭا ۖ ) [سورة يوسف آية: ١٠٠]، سجود تعظيم، والله (تبارك وتعالى) أعلم بمراده، وبمعنى كلامه.
سجد الملائكة المأمورون بالسجود كلهم أجمعون لم يتخلف منهم أحد، ولا يشترط أن يكون من ضمن المأمورين جبريل، أو ميكائيل، أو إسرافيل، المأمورون بالسجود، يعلمهم الآمر لهم بالسجود، (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ) الحاضرين للمشهد من هم؟ ما عددهم؟ ما صفتهم؟ هو أعلم بهم.
(فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ) الاستثناء ليس من الجنس، فإبليس ما كان من الملائكة طرفة عين بل (كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ ۗ ) [سورة الكهف آية: ٥٠]، ظل قائما، وكأن إبليس قد قصد ذلك، وعمد، وانطوت نفسه على العصيان من قبل الأمر من حين سمع الله يقول: (إِنِّى خَـٰلِقٌۢ بَشَرًۭا مِّن صَلْصَـٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ ﴿٢۸﴾ فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِينَ ﴿٢۹﴾) [سورة الحجر آية: ٢٨ : ٢٩] فأضمر في نفسه العصيان، الكِبْر أول معصية ارتكبت في الوجود، وأول معصية ارتُكبت في الملأ الأعلى، وهذا العصيان سببه الحسد، فالحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. (لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ) ظل قائما والكل سجود.
(قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ ) سؤال التوبيخ، سؤال التقريع، وليس سؤال استفهام؛ إذ العليم الخبير لا يحتاج لمن يقول له أو يُعْلمِه، فلا يخفى عليه شيء، إذاً فالسؤال هنا سؤال تقريع، سؤال توبيخ، سؤال يترتب عليه العقوبة، (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) أي ما منعك أن تسجد (لا) قد تزاد لتأكيد معنى الفعل، كما في قوله: (لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍۢ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ ۙ ) [سورة الحديد آية: ٢٩] أو هي ليست زائدة، وإنما المعنى ما اضطرك إلى ألا تسجد، إذ المنع عن الشيء اضطرار إلى خلافه، الممنوع عن الشيء مضطر إلى خلافه، الممنوع عن القيام مضطر إلى القعود، فكأن السؤال ما ألجأك، ما اضطرك إلى ألا تسجد، لبيان المعصية التي تمت، ولبيان إصرار إبليس على عدم السجود، وأنه حُمل على ذلك، أو اضطر إلى ذلك، فما الذي اضطره؟ حسده، وكِبْره، والآية دليل على أن مطلق الأمر يوجب الوجوب.
(قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ ) والإجابة هناك ليست عين الإجابة، ما منعك؟ كان المفروض أن يقول: منعني الكِبرْ، منعني الحسد، لكنه أجاب على المعنى (أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ) أي لا يُعقل أن يسجد من هو خير، لمن هو أدنى، وعلل الخيرية بقوله: (خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ ) ونظر إبليس إلى العنصر بالقياس، والقياس هو الذي أودى به وأهلكه، فقد كان أوْلى به الطاعة؛ ولذا من قاس أمور الدين بعقله، أو برأيه كان مع إبليس، حيث قاس، وأول من قاس هو إبليس، هذا القياس الذي أوْدى به، فنظر إلى الطين وإلى اسوداده، وإلى ظلامه، ونظر إلى النار وإلى إشراقها وضيائها، فنظر إلى عنصر النار، وعنصر الطين، أيّها خير؟ أيها أفضل؟ فهل كان محقا في قياسه؟ النار تتصف بالخفة، تتصف بالطيش، تتصف بالإهلاك، جعلها الله تبارك وتعالى للعذاب، تلك هي النار، أما الطين يتصف بالرزانة، يتصف بالثبات، فيه الإنبات، فيه النمو، فيه الزرع، فيه الإصلاح، فيه الحِلْم، الطين غير محتاج لمكان، والنار محتاجة للمكان، لم يكن إبليس محقا في قياسه، الطين والتراب، تراب الجنة، مِسْك ، وليس في الجنة نار، بل في الجنة تراب، أرضها تراب، ولكنه مِسْك، نظر إلى العنصر وقاس، وأخطأ حتى في قياسه، ذاك أمر، والأمر الآخر الذي أوْدى به، وأهلكه باستخدامه لعقله، وامتناعه عن الطاعة حين نظر إلى العنصر وقاس النار بالطين، غفل عن الآمر، من الآمر؟ الآمر هو الله، الذي لا يُعصى، وأمره كله حكمة، خُلق من طين، لكنه غفل عن قول الله (عز وجل) (فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى) [سورة الحجر آية: ٢٩]، فنظر إلى الطين، ولم ينظر إلى الصورة تلك الصورة التي صُوِرت بالنفخ، كذلك لم ينظر إلى الغاية من إيجاد آدم، فحين تعجبت الملائكة، وسألت، وأجابهم ربهم (إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)) [سورة البقرة آية: ٣٠]، أثبت لهم أن آدم هو الأوْلى، بأن علّمه الأسماء كلها، وحين سُئلوا لم يجيبوا، أجابهم آدم، فتبين أنه مستحق للخلافة، وأنه مُهيأ لذلك، وأن الغاية من خلقه هو خلافة الله في الأرض، وعمارة هذه الأرض، فلم ينظر إبليس إلى الآمر، ولم ينظر إلى الصورة، ولم ينظر إلى الغاية، واستخدم عقله فقاس، ونظر إلى العنصر، وأخطأ حتى في قياسه.
(قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ ) الهبوط، قيل: أهبطه الله من السماء إلى البحار، والجزر في البحار، وقيل: الهبوط من الصورة، اعتز إبليس بأنه خُلق من النار، ورأى نفسه مشرقا مضيئا، فأهبطه الله من صورته، فجعله مظلما مسوداً قبيح المنظر، وأهبطه من الصورة التي دعته للكبْر، والاستكبار.
(قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا) من الجنة، من السماء (مِنْهَا) من صورتك التي حملتك على هذا القياس ما يصح (أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا) في السماء، أو في الجنة؛ إذ هي مكان الخاشعين، الطائعين (فَٱخْرُجْ) كرر الأمر لبيان الإذلال، والتحقير (إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ) الصغار: الذل، والهوان، حين أظهر الاستكبار عاقبه الله بالذل، والصغار، فمن تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر على الله، وضعه الله.
(قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) كثيرا ما لفت نظري هذا الطلب، حين طلب إبليس ذلك كان يعلم تماما أن الله مجيب، يجيب الداعي إذا دعاه، وأن الله لا يعجزه شيء، لِمَ لِمْ يطلب المغفرة؟ لمَ لمْ يطلب الرحمة؟ لِمَ لمْ يبدِ الاعتذار، وكما فعل آدم حين أخطأ، ولِم أصر؟ كثيرا ما تأملت في هذا لكن قضاء الله نافذ، وكأن الكِبْر يدفع صاحبه إلى الهلاك لا محالة، وكأن الحسد يودي بصاحبه لا محالة، فالدافع للعصيان الحسد، والدافع للعصيان الكبِرْ، والكِبْر من صفات الله (عز وجل) هو المتكبر بحق، أما أي متكبر من الناس، فهو متكبر بالباطل؛ لأنه إن تكبّر بجماله فالله خلق فيه الجمال، والجمال غير دائم، زائل بالكِبَر، زائل بالموت، وإن تكبّر بالجاه، فالجاه عطيّة، ومنحة من الله، ولابد يوما وأن يزول، وإن تكبّر بالمال فالمانح للمال هو الله، وكل شيء زائل؛ لذا أي متكبر من الناس متكبر بالباطل، متكبر بشيء لا يملكه، متكبرّ بشيء لا يدوم، متكبّر بشيء منفصل عنه، لو أزلت منه الجاه لصار ذليلا، لو أزلت منه المال لصار فقيرا، أما الله فهو المتكبر بحق، هو الدائم الذي لا يزول، هو الملك، والمالك، هو صاحب السلطان والجاه، من نازعه في هذه الصفة أذاقه النار (الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي ، الْعَظَمَةُ إِزَارِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي فِي شَيْءٍ مِنْهُ ، أَدْخَلْتُهُ النَّارَ) فلم يُلهم إبليس الاستغفار، ولم يُلهم الاعتذار، بل أصر على كِبْره، واستكباره، فقال (أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أي أمهلني إلى يوم البعث، إلى النفخة الثانية، هل كان خائفا من الموت؛ لذا كان الطلب أن يُمهل إلى النفخة الثانية؟ أم أنه أراد أن يبقى حتى آخر إنسان من ذرية آدم حتى يغويه؛ لأنه لو مات قبل فرد واحد من الناس لم تُتح له الفرصة في إغواء الكل، فأراد أن يُغوي الجميع، ولا يتم ذلك إلا بأن يكون آخرهم موتا، ما السبب؟ يعلم الله.
(قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ) الجواب في سورة الأعراف يفيد أنه أعطاه ما سأل على إطلاقه، لكن هذه الآية تُحمل على المقيد في غيرها كسورة (ص) مثلا: (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ﴿۸۰﴾ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴿۸١﴾) [سورة ص آية: ٨٠ - ٨١]، فالمعنى يؤخذ من الآية الأخرى (إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴿۸١﴾) [سورة ص آية: ٨١] أي إلى النفخة الأولي، فيموت مع من يموت، ويُصعق مع من يُصعق، أو إلى يوم الوقت المعلوم، الوقت الذي يحدد فيه ربنا (تبارك وتعالى) انتهاء أجل إبليس، يعلم الله (قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَـَٔاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ (١٧)) هل هو قَسَمْ؟ فالباء هنا للقسم، هل قَسَم بإغواء الله له؛ تعظيما لإرادة الله، وقدرته في الإغواء، وخلْق الضلال؟ أم الباء هنا باء السببية، أي فبسبب إغوائك لي لأفعلن كذا، وكذا، يعلم الله.
وقد تكون الباء بمعنى (مع) أي مع إغوائك لي، أو لإغوائك لي، وكأن بعض الناس فهم من الآية أن إبليس اعتقد أن آدم كان سببا في إغوائه، وكان آدم سببا في خيبته، وخسرانه، ولولا آدم لظل إبليس في الملأ الأعلى، إذاً فآدم فتنة لإبليس، كان اختباراً لإبليس؛ لإظهار نواياه، وما انطوت عليه نفسه، فكأن آدم كان سببا لخسرانه، فأراد أن ينتقم من آدم، الخطأ الآخر لم ينظر إبليس إلى نفسه من أن الخطأ نشأ من استكباره، وحسده، بل اعتقد أن ما وقع هو فيه من خطيئة، كان السبب فيها هذا الذي أُمر أن يسجد له، كما يفعل بعض الناس حين يُلقى باللائمة على الشيطان، يقع في الخطيئة فيقال له لم فعلت، فيقول الشيطان شاطر (إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)) [سورة النساء آية: ٧٦].
أو يلقي الواقع في الخطيئة باللائمة على غيره من الناس، فلان أغواني، أو يُلقى باللائمة على الله، فيقول مكتوب، ومقدّر، الهلاك بعينه أن يقول الإنسان ذلك (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ) أترصد كقاطع الطريق الذي يترصد، ويقعد للسابلة، فيقطع عليهم طريقهم، إذاً فهو قاعد لا وظيفة له إلا الترصّد لبني آدم (صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ) طريقك المستقيم المؤدي إلى رضوانك، والمؤدي إلى جنتك (ثُمَّ لَـَٔاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ (١٧)) لم يكتفي بذلك، بل وتوعد وتعهد أن يأتي الإنسان من جميع جهاته (لَـَٔاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ ) أربع جهات قيل (مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) من قِبَل الدنيا يزيّن لهم الدنيا، يجعلهم يتنافسونها فتهلكهم، يعبدونها ويسعون إليها ويخدمونها (وَمِنْ خَلْفِهِمْ) الآخرة، فيذهلهم عنها، ينسيهم أمر الآخرة، لا يعملون لها (وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ) عن طريق الحسنات، فيصدهم عن فعلها (وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ ) من طريق السيئات، فيحضهم على ارتكابها، ويصدّق هذا ما جاء في موضع (قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ ﴿٢۸﴾ قَالُوا۟ بَل لَّمْ تَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ﴿٢۹﴾) [سورة الصافات آية: ٢٨ - ٢٩] وقيل: بل الجهات الأربع أي من حيث يتوقع الإنسان، من أمام، أو من خلف، أو عن اليمين، أو عن الشمال، من جميع الجهات، وغفل إبليس عن جهتين من فوقهم، ومن تحت أرجلهم، إذاً فإبليس يحيط بالإنسان، ويأتيه من كل جانب، ومن جميع الاتجاهات ماعدا الفَوْق؛ إذ الفوق محل لنزول الرحمة، والفوق محل لصعود الدعاء (إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ ۚ ) [سورة فاطر آية: ١٠] فلم يأت إبليس من فوق، وغفل عن ذلك، ولهّاه الله عن هذا، ومنعه حتى لا يكون حائلا بين رحمة الله وعباده، وأما من تحت أرجلهم فالإتيان من تحت الأرجل يوحش الناس، يخافون، أما الإتيان من الجهات الأخرى فلا يوحشهم، أو من تحت أرجلهم، وذاك مصير الإنسان (مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ (٥٥)) [سورة طه آية: ٥٥] فذاك مصيره حيث ينزل الإنسان إلى قبره، وأرحم ما يكون الله بعبده حين يوضع في قبره، أو لو أن الإنسان نظر إلى مواضع قدميه لعَلِم أين يخطو قبل أن يخطو، فهي رحمة من الله، ولو نظر إلى مواضع قدميه، ونظر إلى التراب لعرف المنشأ، وما غفل عن أصله، ولعرف أن ذاك مصيره، فلم يغفل عن الله، ولو نظر إلى أعلى لتذكّر الله (تبارك وتعالى) فلجأ إليه.
(وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ (١٧)) أكثر الناس لا يشكرون، إذاً فيحضهم إبليس على عدم الشكر، يحضهم على الكفران، على الجحود، حين قال إبليس: (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ (١٧)) قالها عالما، أم قالها ظناً؟ قالها ظناً؟ قالها ظناً؛ لأن الله يقول في موضع آخر (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٢٠)) [سورة سبأ آية: ٢٠]، الغريب أن كفر إبليس لم يكن عن جهل، ذاك في الملأ الأعلى، يرى، ويسمع، ويعلم ما لا يعلمه غيره، بل كان كفره عن عناد، واستكبار، وحسد.
(قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًۭا مَّدْحُورًۭا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)) مرة أخرى يأتي الأمر بالخروج، باللعن، بالطرد، بالذم، بالتحقير(ٱخْرُجْ مِنْهَا) من الجنة، من السماء، من الحضْرة، من الصورة (مَذْءُومًۭا) ذأمه: ذمّه وحقّره، الذأم والذم شيء واحد، أو الذأم: ذم فيه تحقير(مَّدْحُورًۭا ۖ ) مطروداً، دحره: طرده (لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ) من ذرية آدم (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)) أي منك ومنهم، إذاً فقد أقسم الله (تبارك وتعالى) على أن يملأ جهنم بالعصاة الذين تبعوا إبليس، وعصَوْا ربهم، أمهل الله إبليس، تُرى لِم أمهله؟ لِمَ أجابه إلى طلبه؟ أمهله اختباراً للناس، أمهله ابتلاءً للناس؟أمهله كي يستحق الإنسان الثواب بمخالفته؛ إذ طريق الجنة يتحصل بمخالفة إبليس، مجرد المخالفة لإبليس تؤدي بالعبد إلى الجنة، فكأن إنظاره، وكأن إمهاله كان ابتلاءً للعباد، فمن أطاع الله وخالف إبليس دخل الجنة، ومن أطاع إبليس، وخالف الله دخل النار، ولله (تبارك وتعالى) في خلقه شئون، توجّه النداء بعد طرد إبليس إلى آدم، توجه النداء من العليّ الأعلى إلى آدم، شهد آدم الموقف، وشهد سجود الملائكة له، وتبين له أن إبليس لم يسجد، وحسده، وعصى، تبيّن له ذلك، ورآه رأي العين، وبعد ذلك، وبعد ما طُرد إبليس من الرحمة، وأُهبط من الملأ الأعلى، توجّه الخطاب لآدم.
وَيَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿19﴾
(وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ (١٩)) أي الذين ظلموا أنفسهم، والظلم في الأصل وضع الشيء في غير موضعه.
فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ ﴿20﴾
(لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا) اللام هنا لام الغرض، لام بمعنى (لكي)؛ لكي يبدي لهما، وسوس لهم لكي يكشف عنهم الستر، أم هي لام العاقبة أي لتكون العاقبة أن يحدث كذا وكذا (لِيُبْدِىَ) ليظهر (مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا) المواراة: الستر، ليظهر لهما ما سُتر عنهما (مِن سَوْءَٰتِهِمَا) من عوراتهما، إذاً فلم يكن آدم يرى عورته، ولم يكن يرى عورة زوجته، ولم تكن حواء ترى عورتها، ولم تكن ترى عورة زوجها، وسُميت العورة سوْءة؛ لأن كشفها يسوء صاحبها، وكأن ستر العورة من الفطرة، وكشف العورة لغير سبب شرعي لا يصح (وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ (٢٠)) كأنه يعلل النهي، نهاكما ربكما عن هذه الشجرة؛ خشية أن تكونا ملكين، إذا أكلتما منها، أو تكونا من الخالدين في الجنة ولا تموتوا، شيء غريب، هل أراد آدم أن يكون ملكا؟ كيف وانظر إلى الخداع، وتأمل في الغرور؛ كي نتعظ، يقص ربنا (تبارك وتعالى) علينا القصة؛ لنعيها، ونفهم، هل سجد آدم للملائكة، أم سجدت الملائكة لآدم؟ سجدت الملائكة لآدم، فكيف يطمع آدم في أن يكون ملكا، وقد سجد له الملك؛ لدرجة أن بعض الناس قرأها (إلا أن تكون ملِكين) من المُلك (أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ) لا يصبكم الموت، فهل يمكن أن يُدرك ما عند الله بالمعصية؟ وهل يمكن لآدم أن يصل إلى الخُلد بغير إرادة الله، كيف اغتر آدم؟ كيف اقتنع؟ حين يتساءل المرء كيف خُدع آدم يأتيه الجواب بالآية التالية.
وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ ﴿21﴾
فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٍۢ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ﴿22﴾
قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ﴿23﴾
قَالَ ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّۭ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ ﴿24﴾
قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ﴿25﴾
يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًۭا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًۭا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿26﴾
(لِبَاسًۭا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًۭا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ ۚ ) ريشا ورياشاً (قراءتان) لباسَ التقوى (بالنصب قراءة) ولباسُ التقوى (بالرفع قراءة) الرياش: الزينة، الفاخر من الثياب، الأثاث، المال، وكان من المكن أن يستر الإنسان بقطعة قماش من صوف، أو من وبر، أو من جلد البهائم، لكن الله نوّع لنا ما ينفع في الصيف، وما يُدفئ في الشتاء، وما يحفظ في الحرب، وأنزل لنا الريش، والريش، كل ما يُتزين به مأخوذ من ريش الطائر؛ إذ ريش الطائر زينة له، (أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًۭا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ) ذاك ستر العورة (وَرِيشًۭا ۖ ) مال وأثاث وفخامة، وزينة، وجمال يتزين بها الإنسان (وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ ۚ ) إذاً فهناك أنواع من اللباس، لباس للبدن، يستر العورة، ولباس للزينة، والجمال، والتجمل، والتزين.
ولباس آخر، وهو لباس التقوى، والتقوى هي خشية الله في السر والعلن، فمن اتقى الله، (عز وجل) في سره وعلانيته، كان مستوراً بلباس التقوى، ومن عصى الله (عز وجل) نُزع عنه لباس التقوى، فبانت سوءته، وظهرت سوءته.
(وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ ۚ ) أي خير لباس هو لباس التقوى، فكم من متجمل بزينة، وكم من لابس لرياش، وقد تعرّى من التقوى (ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ) ودلائل قدرته، ودلائل وجوده، أرأيت الأرض! أرأيت التراب! أرأيت الماء حين نزل! القطن حين خرج أبيض ناصع، لا لون التراب فيه، ولا ميوعة الماء فيه!، أبيض ناصع، يُغزل فيُحلج، وتُصنع منه الثياب، نِعَم ودلائل على وجود الله، وقدرته، وتفضله، ورحمته، أرأيت الدود كيف أكل ورق الشجر؟ كيف أخرج لنا خيوط الحرير؟ (ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) لعل الإنسان يتذكر قدرة الله، ويتذكر فضل الله، ويتذكر نعمة الله (تبارك وتعالى) ويأتي النداء التحذيري بعد ذلك.
يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ ۗ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿27﴾
(كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ) هل هو الذي أخرجهما، أم أن الله هو الذي أهبطهما؟ الله أهبطهما، لكن إبليس كان السبب، فنسب الفعل إليه (يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ ۗ ) هل نزع اللباس بيده؟ هل كشف عورتهما بيده؟ تسبب في ذلك، إذا لقد كان الهدف الرئيسي لإبليس كشف العورة، والآية تدل على ذلك فاللام في (لِيُرِيَهُمَا) لام الغرض، لام لكي تُرى هل تغير هدف إبليس؟ لو كان هدف إبليس قد تغيّر، ما رأينا العاريات، الكاسيات في الشوارع، إذاً فكل من حض المرأة على التعرّي، وكشف السوءة قرين لإبليس عدو لها، ولبني آدم، أليس كذلك؟ مساعد له على تحقيق الهدف؛ إذ بكشف عورة المرأة في الطرقات، وفي الأماكن العامة، ولغير المحارم يحرك شهوة الرجل، فإذا تحركت شهوة الرجال حققوها من الحرام، سعوا إلى المال حتى يحصلوا بالمال على هذا المكشوف المعروض المباح لمن يدفع الثمن، فإذا تصارعوا على المال حدث الظلم، حدث العدوان، حدث البغي، حدث الغش، حدث نقص المكيال، حدثت كل الموبقات، تلك هي البداية أن تكشف المرأة عورتها، فيراها الرجال، فيطعمون فيها، فيحدث العدوان كيف يصل إليها؟ بالمكر بالخديعة، بالخيانة، بالسعي وراء المال حتى يغريها بماله، بالسعي وراء الجاه حتى يغريها بجاهه، بالتصارع، بالصراع، وصدق الصادق، المصدوق حين قال (مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ).
إذاً سوءة البدن من كشفها كان جنديا من جنود إبليس، أما المعاصي الأخرى، فهي تكشف سوءة أخلاقيات الإنسان، وسوءة معدنه، فبالمعاصي يُنزع عنه لباس التقوى، فيُصبح سهلا للأبالسة، يصبح هدفا للشياطين؛ لأن لباس التقوى لباس حامي، لباس مصفح، لباس لا ينفذ منه الشيطان أبدا (إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (٢٠١)) [سورة الأعراف آية: ٢٠١] فنزع اللباس أنواع: إما نزع اللباس الذي نزل لمواراة السوْءة، وإما نزع لباس التقوى هذا هو هدف الشيطان (إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ ) الآية دليل على أن الجن لا يُرى، ومن زعم أنه رأي عفريتا، أو رأى جنياً، فإما في عقله جنون، وإما قد فسق؛ لأن الله حين يقول (يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ ) هو الصادق، هو الخالق، هو الأدرى، والأعلم، فمن زعم أنه رأي الجن كذّب الله، وكذّب ما جاء في القرآن، فسق بذلك، أو في عقله جنون، لكن الجن يُرى في زمن الأنبياء كمعجزة سليمان، إذا خرج من صورته، أما إذا بقي على صورته التي خلق عليها فيستحيل أن يُرى، ولا يرى إلا هو متشكلا، وهذا لا يحدث إلا في زمن الأنبياء، كنوع من أنواع المعجزات، كما رُوي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن شيطانا تفلّب عليه فأخذه، وأوشك أن يقيّده، حتى يصبح الناس فيلعبون به، كان متشكلا، إذ لو كان على هيئته ما استطاع أن يقيده، وكما رُوي عن أبي هريرة ومخزن الزاد، وما إلى ذلك، تلك معجزات تحدث في زمن الأنبياء للتدليل على صدقهم، أما في غير ذلك فيستحيل أن يرى الآدمي جنياً، أيضا الآية تحذير من عدو لا يُرى وأنت حين تواجه عدواً تراه، تأخذ الحرص، تأخذ الحذر، تستطيع أن تقاوم، تستطيع أن تتقي الضربات يُمنة، أو يُسرى، أن تقفز، أن تبتعد، لكن العدو إذا كان غائبا عنك لا يمكن لك أن تراه، فقتاله، أو مقاومته من أعثر الأمور؛ لذا ينبه ربنا (تبارك وتعالى) لخطورة العدو، هو يراك، وأنت لا تراه، من هنا هذه القوة وهذا السلطان الذي منح له حيث يرانا، ولا نراه، يمكن التغلب على ذلك السلطان بالتوكل على الله، والالتجاء إليه، بلباس التقوى، إذا لبس العبد لباس التقوى، لا يمكن للشيطان أن يتسلّط عليه (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ) [سورة الحجر آية: ٤٢] (إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) إذاً الشيطان يتولى أمر الكافر، سلّط الله (تبارك وتعالى) الشياطين يتولون أمر الكفار أولياء، أي يتولون أمورهم، يضلونهم، يخرجونهم من النور إلى الظلمات، إذاً فالمؤمن لا ولاية للشيطان عليه، فالملجأ والملاذ الإيمان بالله، ويحكي ربنا (تبارك وتعالى) عن نتيجة هذه الولاية، وكيف حدث لكفار مكة حين تولّتهم الشياطين، وتولّت أمورهم.
وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةًۭ قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿28﴾
(قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) طبيعة الإنسان، وفطرة الإنسان ترفض الفواحش، يأباها العقل السليم، فكيف يأمر بها السبوح، القدوس، كيف يأمر بها المنزه عن النقائص! (أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) وصل بكم الإجرام إلى حد الافتراء على الله، هل يأمر ربنا بالفحشاء؟ هل يأمر ربنا بالمنكر؟ هل يأمر بكشف العورة؟ هل يأمر بالمعاصي؟ هل يأمر بالإثم؟
قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴿29﴾
فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۗ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴿30﴾
(كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) إذاً فهو تحذير، وتنبيه لابد من العودة، وإذا كانت هناك عودة فلابد وأن يكون هناك حساب، ولابد وأن يكون هناك ثواب أو عقاب (فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۗ ) (أنهم اتخذوا الشياطين أولياء) (أنهم) لأنهم قراءة، ربنا (تبارك وتعالى) خلق الناس فريقين: فريقاً هدى، وفريقا حقت عليهم الضلالة، الذين هداهم الله (تبارك وتعالى) هداهم بفضله، هداهم برحمته، هداهم باستعداد فطرهم للهداية، أما الذين أضلهم الله (تبارك وتعالى) وخلقهم للضلالة، ما ظلمهم، لكنه خذلهم، فكأنه أعان فريقا وتولاّهم، وهيأ لهم الأسباب فهُدوا إلى السعادة، وفريقا خذلهم، وأوكلهم إلى نفوسهم، فضلّوا، وحقت عليهم الضلالة، وكأن العلة لهذا (إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) إذاً من اتخذ الشيطان ولياً ضل، وزاده الله ضلالاً، ومن اتخذ الله وليا هُدِي، ومُهد له طريق الهداية، ووجبت له السعادة، إذاً فالمسألة أساسها الإيمان في البداية، من آمن بوجود الواحد الأحد، شرح الله صدره، وقذف في قلبه نور الإيمان، وزاده هدى، ومهّد له سبل السعادة، ووفقه للطاعة، ومن أنكر وجود الله في البداية، أو أشرك به أحداً، أو صنما، أو زعم له ولداً، أو أنكر وجود الله أصلاً، تخلّى الله عنه؛ إذ أنكر وجوده؛ إذا أنت آمنت بوجود الله، وعلمت أن لك رباً خالقا، لابد وأن يتولاك، أما إذا أنكر العبد وجود الإله، تركه الله، وإن تركه الله من يتولاه؟ تولاّه الشيطان، فإن تولاه الشيطان سد المنافذ، وسد السبل، سبل النور، والهداية، فضلّ، وزاده الله ضلالة، ويسّر له طريق الغواية، ذاك الضال.
أيها الأخ المسلم، ربنا (تبارك وتعالى) خلق الإنسان، وترك له الخيار، ولم يكل الإنسان لعقله، بل أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ونبّه، وبشّر، وحذّر، وأنذر، وها هو يحكي لك قصة أبيك، وماذا حدث، وكيف بمعصية لا تعد من الكبائر، كُشفت عورته، وظهرت سوءته، وأهبط من الجنة، وبعد أن كان في نعيم، في راحة، والتذاذ لا كدح، ولا تعب، نزل إلى الدنيا في كد في شقاء، في تعب، في صراع، وها هي الفرصة، والفرصة الأخيرة؛ إذ ليس هناك هبوط بعد ذلك من الأرض إلا إلى النار، النِعَمْ كيف تزول؟ تزول النعم بالمعاصي، زالت النعمة عن آدم بمعصيته، فإياك واحترس، فأنت في فرصة، ومن لطف الله ورحمته بالعبد، أنه أتاح له فرصة أيضا في التوبة، كما أتاحها لآدم، فحين تاب آدم، واستمع الله إليه، قبل توبته، ولم يعاقبه في التو واللحظة، لكنه أنزله إلى الأرض، وأفقده النِعم، ونزل إلى الكد، والشقاء، لكن الله بلطفه، ورحمته، أعطانا الفرصة، وحذرنا ونبهنا، وفي نفس الوقت أذِن لنا في أن نتوب، وتكرّم علينا، وفتح أبواب توبته، فتوبة العبد مقبولة ما لم يغرغر، والتوبة العامة مباحة ومتاحة ما لم تطلع الشمس من مغربها، فقد كان من جهالات العرب قبل البعثة أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، منهم من يقول كيف أطوف في ثوب عصيت الله فيه؟ منطق معكوس وكأن المعصية قد لصقت بالثياب، فإذا ذهبوا إلى الكعبة للطواف خلعوا ثيابهم، وطافوا عراة، وكانت النساء كذلك يتعرَّيْن في طوافهن، وبعضهم كان يُكسى من قريش، فإن كُسي من قريش طاف في ثيابه الجديدة التي أُعطيت له، وإلا طاف عريانا، كان طوافهم تصفيق، وصفير، وكلام لا معنى له.
من أجل ذلك أرسل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منا مناديا ينادي في عام تسع من الهجرة في حجة أبي بكر الصديق، لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريانا، ينزل قول الله تعالى منبهاً، وموجهاً، متلطفاً، راحما.
يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴿31﴾
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ۚ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةًۭ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ﴿32﴾
(قُلْ هِىَ) أي الطيبات، والزينة، والمستلذات للذين آمنوا في الحياة الدنيا يشاركهم فيها الكفار، لكنها في الآخرة خالصة لهم لا يشاركهم فيها أحد، فإن كان الكفار والعصاة قد شاركوا المؤمنين في طيبات الرزق، والزينة، والمستلذات في الدنيا، فإنهم لا يشاركهم في الآخرة أبداً، وكلنا يذكر دعوة إبراهيم حين دعا ربنا (تبارك وتعالى) (وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًۭا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًۭا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ (١٢٦)) [سورة البقرة آية: ١٢٦]
وكأن الله (تبارك وتعالى) أجاز، وأباح، ووسّع على الكُل المؤمن، والكافر، فإنه رحمن الدنيا ورحيم الآخرة عمّت رحمته في الدنيا الخلائق جميعا، ثم اختص المؤمنين برحمته في الآخرة، وكذلك المستلذات، والزينة، والمطاعم وما إلى ذلك، وكذلك الذين آمنوا في الحياة الدنيا، إن حُرموا من بعضها، فكلها لهم يوم القيامة؛ لأن المؤمن قد يُحرم من المستلذات، قد يبتليه الله بالفقر لكنه يوم القيامة مباح له، خالص له (كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ) نفصل الآيات: نبيّن، ونوضح، وكما بيّنا وفصلنا الآيات، وفصلنا الأوامر، وبينا الحلال والحرام كذلك نبين لكم ما أُحل لكم، وما حرم عليكم، ونحكي لكم القصة؛ لتأخذوا العبرة، ثم يأتي بيان المحرمات.
قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًۭا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿33﴾
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴿34﴾
يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى ۙ فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿35﴾
(فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) فمن اتقى العصيان، فمن اتقى الله، فمن اتقى التكذيب، وأصلح ما بينه وبين الله ، وأصلح ما بينه وبين نفسه، أصلح ما بينه وبين الناس، أصلح العمل، أصلح القول، وأصلح الفعل، أصلح الخُلُق، والسلوك (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) مما هو آت (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) على شيء فات.
هل معنى ذلك أن في يوم القيامة، في يوم الفزع، حيث يفزع الناس، ويخاف الناس، لا يخاف هؤلاء، ولا يحزنون؟ قال بذلك بعض العلماء، الآية وعد، فمن اتقى، وأصلح، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، كأولئك الذين هم على منابر من نور، جعلنا الله وإياكم منهم، المتحابون في جلال الله، المجتمعون على كلامه، قُراء القرآن، وعُمار المساجد، الذين يُنادى بهم يوم القيامة، والمنادي هو الله، (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ : أَيْنَ جِيرَانِي ؟ فَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ : رَبَّنَا ، وَمَنْ يَنْبَغِي أَنْ يُجَاوِرَكَ ؟ فَيَقُولُ : أَيْنَ عُمَّارُ الْمَسَاجِدِ)، وهؤلاء المتحابون في جلال الله، على منابر من نور، عن يمين العرش، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، فذاك وعد، وقال بعض العلماء: يوم القيامة، يوم يشيب فيه الولدان، يوم ترى الناس فيه سكارى، وما هم بسكارى، يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، يوم ترى فيه كل أمة جاثية، كل أمة تُدعى إلى كتابها، يوم التغابن، يوم الزلزلة، يوم يقول فيه الرسل كلٌ منهم يقول نفسي، ثم نفسي ماعدا سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) فكيف لا يخاف هؤلاء، وقد خاف الرسل؟ كيف لا يحزن هؤلاء؟ لابد من الخوف، لابد من الوجل إذاً (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) تعني أنهم يخافون كما يخاف الكل، ويفزعون حين يفزع الكل، ويترقبون حين يترقب الكل، ويترك ربنا (تبارك وتعالى) الموقف، والناس في الحشر دون تصريف، متى، وأين، وكيف؟ ذاك في علم الله (تبارك وتعالى) لكن الناس يتمنى كل منهم يومئذ أن ينصرف، ولو إلى النار حتى يشفع سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) الشفاعة العامة في أن يقضي الله بين العباد، وأن يُنصب الميزان، ويُنشر الديوان، ثم يشفع الشفاعة الخاصة لأمته، يا رب أمتى، أمتي، حينئذ لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، لكن ينالهم من الخوف، ما ينال غيرهم.
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿36﴾
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوٓا۟ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ ﴿37﴾
قَالَ ٱدْخُلُوا۟ فِىٓ أُمَمٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ فِى ٱلنَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌۭ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُوا۟ فِيهَا جَمِيعًۭا قَالَتْ أُخْرَىٰهُمْ لِأُولَىٰهُمْ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمْ عَذَابًۭا ضِعْفًۭا مِّنَ ٱلنَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّۢ ضِعْفٌۭ وَلَـٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ ﴿38﴾
وَقَالَتْ أُولَىٰهُمْ لِأُخْرَىٰهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۢ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴿39﴾
يحكي ربنا (تبارك وتعالى) لنا ذاك المشهد (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌۭ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ ) أختها في الملة، في الدين الباطل، في الكفر، في الفجور، تدخل الأمة، فتلعن من سبق، يدخل الابن فيلعن أباه، أورثه الكفر(حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُوا۟ فِيهَا جَمِيعًۭا) (حتى إذا تداركوا فيها جميعا) قراءة أخرى، أي أدرك هؤلاء أولئك، أدرك بعضهم بعضا (قَالَتْ أُخْرَىٰهُمْ لِأُولَىٰهُمْ) الخطاب ليس بين أخراهم، وأولاهم، وإنما قالت أخراهم لأولاهم في شأنهم، في حقهم كقوله (وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْ كَانَ خَيْرًۭا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ۚ ) [سورة الأحقاف آية: ١١] أي في شأنهم، وفي حقهم، ماذا قالت أخراهم في حق أولاهم؟ (رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمْ عَذَابًۭا ضِعْفًۭا مِّنَ ٱلنَّارِ ۖ ) إذا فالخطاب مع الله، قالوا: ربنا هؤلاء، أورثونا الضلال، أورثونا الكفر (فَـَٔاتِهِمْ عَذَابًۭا ضِعْفًۭا مِّنَ ٱلنَّارِ ۖ ) ضِعف الشيء: مثله وزيادة عليه مرة، أو مرات، يطلبون لهم ضعف العذاب؛ لأنهم سبب الضلال، وكل من أضلّ إنسانا فهو مضِّل، والضال بالتقليد يطلب العذاب المضاعف لهذا الذي قلّده، يقاس على ذلك كل من سنّ سنّة سيئة، فمن افتتحت بيتا للبغاء، واستدرجت الفتيات، وعلمتهن الانحراف، أضلتهم، وكل من زعم في نفسه عِلماً، وأضلّ أتباعه، وادعى لنفسه ما ليس له، توجّه بهم وجهة الضلال، والبعد عن الله كذلك، وهكذا كل من أضل غيره، وسن به سنّة تخالف سنّة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هؤلاء يلتقي بعضهم ببعض في ذاك اليوم، ويلعن بعضهم بعض (قَالَ لِكُلٍّۢ ضِعْفٌۭ وَلَـٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ) (ولكن لا يعلمون) قراءة، والمعنى ربنا يقول لهم لكلٍ، أي المضِلّ، والضالّ، أولاهم لها الضعف، وأخراهم أيضا لها الضعف، ولكن لا يعلمون ما بهم من عذاب، كأن إذا علم بعض أهل النار بأن غيرهم ينال من العذاب أشد، وأقسى كان في ذلك سلوى له، كقول القائل: من رأى بلايا الناس، هانت عليه بلوته، ومن تألم من الصداع، ورأى من بُترت ساقه، حمد الله على ما هو فيه، فكأن أهل النار أصناف، وألوان، منهم من هو أشد عذابا من غيره، فلا يعلم من خُفِف عنه العذاب من هو أشد عذابا، حتى لا يتسلّى بذلك، أو يكون فيه شيء من السلوى؛ لذا يقول الله (لا يعلمون) لا يعلم كل فريق ما بغيره من العذاب (لِكُلٍّۢ ضِعْفٌۭ) لمن أضل ضعف العذاب، بسبب الكفر، والإضلال، ولمن ضل ضعف العذاب، بسبب الكفر والتقليد؛ إذ التقليد ممنوع، ها هو قرآن الله، ها هو سنّة رسول الله، تغنينا عن كل تقليد، كما فعلت الأمم السابقة (وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ (٢٢)) [سورة الزخرف آية: ٢٢] التقليد ممنوع؛ إذ الأصل موجود (لِكُلٍّۢ ضِعْفٌۭ وَلَـٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ) الخطاب لهؤلاء الذين سألوا الضعف لمن أضلوهم، تسألون لهم الضعف، وأنتم لا تعلمون ما ينالهم من العذاب، أو الخطاب لنا نحن السامعون، ولكن لا تعلمون يا بني آدم، نحن الذين نادانا ربنا في البداية لا تعلمون ما سوف ينال هؤلاء من عذاب، فاتقوا الله، وكونوا ممن اتقى، وأصلح، هؤلاء لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون.
وجاء الرد؛ إذ سمع الأولون ما قاله الآخرون (وَقَالَتْ أُولَىٰهُمْ لِأُخْرَىٰهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۢ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ) أي فضل لكم علينا؟ كقول الشيطان للناس يوم القيامة (وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ) [سورة إبراهيم آية: ٢٢]، هل أخذ الشيطان بالإنسان جبراً؟ هل أجبر إبليس آدم على الأكل من الشجرة؟ دعاه، إبليس يدعو، وأنت تستجيب، أو لا تستجيب (إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴿٢۰١﴾) أما غير الأتقياء لا يتذكرون، ويغفلون، ويسيرون وراء الشيطان (وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ ) [سورة إبراهيم آية: ٢٢] فكذلك يقول أتباعه المضلون (وَقَالَتْ أُولَىٰهُمْ لِأُخْرَىٰهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۢ ) بأي شيء تميزتم عنا؟ هؤلاء كفروا، وهؤلاء كفروا، دعوهم إلى الكفر فقلدوهم،لِم يخفف عنكم العذاب؟ ولِم يصيبنا ما هو أشد؟
(فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ) نكاية، وشماتة، ولعنة، وبغضاء، وكراهية، وذوقوا العذاب بأعمالكم، وما أجبرناكم عليها إلى متى يكون ذلك؟ ربنا (تبارك وتعالى) يبيّن أن العذاب لا نهاية له، وأن من كُتب عليه الخُلد في جهنم، فهو فيها خالداً أبدا مؤبداً.
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿40﴾
لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌۭ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍۢ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿41﴾
الجُمَّلْ الجَمل: الحبل الغليظ، حبل السفن، لكن قراءة الجَمَلْ أرجح، وأفصح؛ إذ هو ضرب المثل بما هو عظيم الجُرم، كالجمل بما هو صغير الحجم كثقب الإبرة، سَمِّ سُمّ سِمّ: ثقب (ثلاث قراءات والمعنى واحد) الخياط: ما يخاط به، الإبرة والولوج: الدخول بشدة متى يدخل هؤلاء الذين كذبوا بالآيات، واستكبروا عنها الجنة؟ إذا استطاع الجمل أن ينفذ من ثقب الإبرة، كما تقول أنت لأحد الناس سأعطيك إذا شاب الغراب، وهل يشيب الغراب؟! فكذلك علّق مستحيلا على مستحيل، فما عُلِّق على المستحيل فهو مستحيل.
(لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ) ما معنى ذلك؟ قالوا: أبواب السماء تُفتح، وتُغلق، تُفتح إذا توجّه التقى إلى الله، فقال يا رب، ووصلت الكلمة إلى الملأ الأعلى، وإلى الله: فيقول الله: لبيك عبدي ماذا تريد؟ إذا عمل العبد الصالح، عملا صالحا، فُتحت أبواب السماء، وارتفع العمل، وتنافست الملائكة، وتزاحمت أيهم يصعد بالكلام الطيب، أو العمل الصالح (إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ ۚ ) [سورة فاطر آية: ١٠] وقد ورد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان في صلاته، فسمع رجلا من خلفه يقول(الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) صَلاتَهُ قَالَ : " أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِكَلِمَاتٍ ؟ " فَأَرَمَّ الْقَوْمُ , فَقَالَ : " أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا ؟ " فَأَرَمَّ الْقَوْمُ ، فَقَالَ : " أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا " فَقَالَ رَجُلٌ : جِئْتُ وَقَدْ حَفَّزَنِي النَّفْسُ فَقُلْتُهَا ، فَقَالَ : " لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا) وحكى لنا عن رجل قال (أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ , قَالَ : يَا رَبِّ , لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ , وَلِعَظِيمِ سُلْطَانِكَ , فَعَضَّلَتْ بِالْمَلَكَيْنِ , فَلَمْ يَدْرِيَا كَيْفَ يَكْتُبَانِهَا , فَصَعِدَا إِلَى السَّمَاءِ , وَقَالَا : يَا رَبَّنَا , إِنَّ عَبْدَكَ قَدْ قَالَ مَقَالَةً , لَا نَدْرِي كَيْفَ نَكْتُبُهَا , قَالَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ ): وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا قَالَ عَبْدُهُ , مَاذَا قَالَ : عَبْدِي ؟ قَالَا : يَا رَبِّ , إِنَّهُ قَالَ : يَا رَبِّ , لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ , وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ , فَقَالَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) لَهُمَا : اكْتُبَاهَا كَمَا قَالَ عَبْدِي , حَتَّى يَلْقَانِي , فَأَجْزِيَهُ بِهَا).
أبواب السماء تُفتح لكل كلمة طيبة، تُفتح لكل ضراعة من صالح، تُفتح لكل عمل طيب يُبتغى به وجه الله، تُفتح لكل إعانة، لكل إغاثة، إعانة الناس، تيسير الطريق لهم، إماطة الأذى عن طريقهم، تسهل أمورهم، كل عمل فيه نفع تُفتح له أبواب السماء، وتبتدره الملائكة، وتبتدر الأقوال الطيبة فتصعد بها، أما الذين كذبوا بآيات الله، واستكبروا عنها فلا تُفتح لهم أبواب السماء، تُغلق دونهم، فيعمل الرجل منهم العمل الصالح في نظر الناس، فلا يصعد به أحد، ولا تُفتح له أبواب السماء، يقول القول الطيب، فلا تُفتح له أبواب السماء؛ لأن أساس فتح أبواب السماء شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، تلك الشهادة التي أقرت بها الطيور، والأسماك في البحور، وكذا اللآلئ والأصداف، فمن لم يشهد بها لا تُفتح له أبواب السماء، وقالوا أيضا في شأن تفتيح أبواب السماء، أن المؤمن إذا مات تلقته الملائكة بالسلام، سلام عليكم، إن الله يقرؤك السلام، هلمّ فيتمنى الإسراع، فتصعد به الملائكة كأطيب ريح في الوجود، وكلما مر على ملائكة في الأجواء العليا مَن هذا؟ فلان بن فلان بأطيب، وأجمل، وأبهى الأسماء والصفات، أما الكافرون والعياذ بالله، إذا مات وقُبضت روحه، تخرج كأنتن ريح، وإذا مرت بها ملائكة الموت على ملأ من الملائكة، قالوا: أعوذ بالله من هذا؟ فيقال: هذه روح فلان بن فلان، بأقبح الأسماء، والصفات، حتى إذا وصلوا إلى السماء الدنيا، غُلِّقت الأبواب، ولم يُسمح لهذه الروح بالدخول إلى الملأ الأعلى، وصدق ربي حيث يقول: (كَلَّآ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍۢ ﴿۷﴾ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سِجِّينٌۭ ﴿۸﴾ كِتَـٰبٌۭ مَّرْقُومٌۭ ﴿۹﴾) [سورة المطففين آية: ٧ - ٩] ويقول عز من قائل: (كَلَّآ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ ﴿١۸﴾) [سورة المطففين آية: ١٨] فأرواح المؤمنين تُفتح لهم أبواب السماء، وأرواح الكفار تُغلق دونها أبواب السماء، فالكلام عن هؤلاء الذين كذّبوا، واستكبروا بآيات الله، يصف أحوالهم، ويأتي بصيغة تيئسهم من النجاة (وَلَا يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ۚ ) وذاك مستحيل، والغريب أن الله (تبارك وتعالى) نعتهم بصفتين: صفة الإجرام، وصفة الظلم، نعتهم بصفة الإجرام حين بيّن أنهم لا يدخلون الجنة (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ) نعتهم بصفة الظلم، حين بيَّن ما يحصل لهم في النار(لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌۭ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍۢ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ) فراش (وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍۢ ۚ ) غطاء، كأن جهنم بالنسبة لهم فراش، وأغطية، إذاً فهي محيطة بهم من كل جانب، فوق رأسه جهنم، تحت قدمه جهنم، فوق صدره جهنم، خلف ظهره جهنم، عن يمينه جهنم، عن شماله جهنم، أحاطت به من كل جانب، ليس فيها مهاد، بل هي نفسها مهاد، والمهاد ما يُمهد من فراش للنوم عليه، والمفروض في الفراش أن يكون مريحا، ليناً، طرياً حتى يستريح عليه الجسم، ومنه مهد الصبي، فهؤلاء النكاية بهم، والاحتقار أن جهنم هي نفسها الفراش، ومنها الغطاء (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ) كأن حرمانهم من الجنة كان بسبب إجرامهم، وعذابهم في النار كان بسبب ظلمهم، فوصفهم بالإجرام، وبالظلم، أعاذنا الله وإياكم منهم، أما من اتقى، وأصلح، فما وصفهم، وما حالهم، يصف لنا ربنا لنا أحوالهم فيقول:
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿42﴾
وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ۖ وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿43﴾
اليوم أربع وعشرون ساعة، الصلوات الخمس ماذا تستغرق من الوقت؟! فيستحيا أن تكون الطاعة فوق الطاقة بل هي دون الطاقة بكثير، فكلفنا من العمل اليسير.
العام اثنى عشر شهرا، الصيام شهر، وفي النهار فقط، وبغروب الشمس لك أن تأكل وتشرب، وتفعل ما تشاء، الزكاة ربع عُشر المال، وها هي الحكومات تقرر من الضرائب ما يزيد عن الأربعين، والخمسين، والستين والسبعين في المائة، نصف ما كسبت، أو ثلاثة أرباع ما ربحت، أما الله فرض ربع العُشر.
الحج مرة، الكلمة الطيبة هل تكلفك شيئا، أن تخالق الناس بخلق حسن، هل هذا فوق طاقتك؟ أن تكف أذاك عن الناس، هل هذا فوق طاقتك؟ أن تنفع غيرك لا ضر ولا ضرار، يبين الله لك أن هؤلاء الذين حُرموا من الجنة، ما حُرموا منها لأنهم كُلفوا بما لا يطيقون أبداً، وأن هؤلاء الذين دخلوا الجنة، دخلوها بالرحمة لأن العمل يسير(لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَآ) حتى الصلاة، لا تستطيع أن تصلي قائما، صلي وأنت جالس، لا تستطيع صَلِّي وأنت نائم، صلي بعينيك، عليك أن تجري أفعال الصلاة على قلبك، وعقلك، لو فقدت الحركة لا تستطيع الصيام، أطعم في اليوم مسكينا، وأفطر، لا تملك ما تحج به سقط عنك الحج، ليس لديك من المال ما بلغ النصاب، أو حال عليه الحول، لا زكاة عليك، سقطت عنك الزكاة (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ) وقد نتساءل، دخلنا الجنة برحمة الله، وبفضله، منا من هو في الدرجات العلى كحملة القرآن الذين عملوا به في ديناهم؛ إذ عدد درج الجنة، بعدد آيات القرآن، ومنا من هو في وسط الجنة، ومنا من له سبعون زوجة، ومنا من له ألف زوجة، ومنا من له ألف خادم، ومنا من له مائة ألف خادم، ومنا من له جنة، ومنا من له جنات، فكيف يكون الحال حين تدخل، وترى غيرك مميزا عنك؟ هل تتمنى ماله، كما كنت في الدنيا؟ هل تشعر بالحسد؟ هل تشعر بالغيرة؟ لكي يزيل عنك ربنا (تبارك وتعالى) هذه الخواطر، والأفكار فيطمئنك ويقول: (وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّۢ ) الغل: الحقد الكامن في النفس، الذي يُشعر الإنسان بالحسد، والغيرة، والنزع: الاستخراج، والغريب أن بعض العلماء، تأمل في الآية، وقال كيف يُنزع؟ ربنا قادر على كل شيء، كما خلق الغل، والحقد في الدنيا قادر على أن ينزع ذاك من صدور وقلوب المؤمنين في الآخرة، وهكذا تأمل بعضهم فقال أتدري كيف يُنزع الغل؟ يُنزغ الغل بشراب يشربه أهل الجنة، فإذا شربوه تطهرت صدورهم من الغل، والحقد، واسمع لقوله: (وَسَقَىٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًۭا طَهُورًا (٢١)) [سورة الإنسان آية: ٢١] طهور لأنه طهر الصدور من الغل، والحقد، والحسد، فلا يرى أحد من أهل الجنة لغيره منزلة أفضل من منزلته، بل هو سعيد بما نال، فرح به، لا يتمنى غيره، ولا يمكن أن ينظر لغيره، نظرة الحسد، أو الغيرة، بل كلٌ راضٍ، ويكفي أن الذي أرضى هو الله، أعطاهم، فأرضاهم.
(تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ ) تجري من تحت قصورهم الأنهار، وفيها أوصاف فوق الخيال، في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قيل: فيها الكثير، وكل ما قيل شيء، والحقيقة شيء آخر، ما في الجنة من ديناكم إلا الأسماء فقط، لكن الحقائق لا نعلمها حتى نراها، ونراها بإذن الله ورحمته وفضله جميعا، ونحن مجتمعون جميعا في حب الله، وجلاله، وتحت ظل عرشه، مما يقال عن الأنهار أنك تجلس، والنهر يجري من تحتك، فإذا أردت أن تنتقل بعيدا حيث نظرك يصل إلى أقصى مملكتك، ففي الجنة حيثما جلست ونظرت أحطت ببصرك جميع ملكك، فإن أردت أن تنتقل إلى مكان آخر، حين تسير، يسير النهر وراءك، يجري نهرك معك.
(وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ ) من أجمل الأقوال، نقولها في الدنيا، ونقولها إن شاء الله في الآخرة، ونقولها جميعا بفضل الله وبرحمته حين يرون ما هم فيه من نعيم، يحمدون الله (تبارك وتعالى) ويشعرون بالفضل، والنعمة كما كانوا يشعرون بها، فأنت الآن تشعر بفضل الله عليك أن هداك، وتقر بالحق، بحقيقة الرسل، ببعثة الرسل، وتؤمن بهم، وتصدق بمحمد (صلى الله عليه وسلم) فكذلك حين الآخرة تكتشف أن ما كان يقينا لك في الدنيا، أصبح عين اليقين في الآخرة، من هنا يقولون بكل يقين، وإيمان (وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ ) اللام في (لِنَهْتَدِىَ) لتأكيد نفي الاهتداء إلا بفضل الله، يستحيل أن يهتدي إنسان دون أن يهديه الله، هو الذي هدانا لهذا الثواب، أو هدانا لما أوصلنا لهذا النعيم (وَمَا كُنَّا) يستحيل أن نهتدي أو نصل، أو نعلم، أو نعرف ما يوصلنا إلى ما نحن فيه من نعيم (لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ۖ ) فعلا عين اليقين ترى الجنة، وترى النار، ترى كل شيء، لقد جاءت رسل ربنا بالحق، ذاك قولنا بإذن الله، ورحمته، وفضله، ومشيئته، وهنا يحدث النداء من العلي الأعلى، نداء الرحمة، نداء الحنّان، المنّان سبحانه.
(وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) هل أورثناها بما كنا نعمل فعلا؟! المنّ، الفضل، الحنان، وكأن رفعة المنزلة في الجنة يشار إليها بذاك، أو قيل النداء قبل الدخول بعد ما اطمأنوا، وعرفوا مصيرهم، ورأوا الجنة، ورأوا منازلهم فيها (وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ۖ ) إقرار ينادي المؤمن في ذلك الوقت، تلكم الجنة، هذه المنزلة، تلك الجنة التي تراها والتي سوف تدخلها الآن (أُورِثْتُمُوهَا) أي أورثتم منازلها (بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) أي بعملكم الصالح، والآية تدل على أن العمل هو الذي يورث الجنة، ولكن الحديث النبوي الشريف هو الذي يوضح، ويشرح المعنى حيث جاء في صحيح مسلم عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قوله (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، قَالُوا : وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ، قَالَ : " وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ) صدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفي نفس المعنى بروايات أخرى أنهم سألوه وفيما العمل يا رسول الله؟ قال تدخلون الجنة برحمة الله وتقتسمونها بأعمالكم، إذاً حين ينادي على المؤمنين: تلكم الجنة أورثتموها، أي أورثتم منازلها بما كنتم تعلمون، فالميراث للمنازل بالعمل، والدخول بالرحمة.
أيها الأخ المسلم، ما من عبد خُلق إلا وله مكان في الجنة، وله مكان في النار، فللرسل أماكن في جهنم، ولفرعون، والطغاة أماكن في الجنة، أماكن الجنة تكفي الخلْق جميعا، فإذا دخل أهل الجنة، الجنة، وأهل النار، النار، قالت النار: هل من مزيد (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍۢ (٣٠)) [سورة ق آية: ٣٠] فأماكن الذين نجاهم الله من النار فارغة (وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)) [سورة الزمر آية: ٦١] فتضيق جهنم بأمر الله، فيما ورد من حديث فيضع قدمه، أو رجله، تضيق على أهلها بعدما كانت متسعة، وتقول هل من مزيد؟ فتقول حسبي، حسبي، وتضيق، تضيق، وذاك إشارة إلى قوله (وَإِذَآ أُلْقُوا۟ مِنْهَا مَكَانًۭا ضَيِّقًۭا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا۟ هُنَالِكَ ثُبُورًۭا (١٣)) [سورة الفرقان آية: ١٣] أما الجنة، فعلى اتساعها، وفيها الأماكن، أماكن ضَيّعها أصحابها، كفرعون، وهامان، وقارون ضيعوها بكفرهم يرثها المسلمون (أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ ﴿١۰﴾ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ﴿١١﴾) [سورة المؤمنون آية: ١٠ – ١١].
فتأتي الآيات وتتوالى، تبرز لنا مشهداً من مشاهد يوم القيامة وتقص علينا حواراً بين طوائف ثلاثة، ويا له من حوار، بل ويأتي الحوار بصيغة الماضي، وهو لم يحدث بعد، وإتيانه بصيغة الماضي لإفادة تحقق الوقوع، وكأنه قد حدث بعد أن بينت الآيات أن المستكبرين لا يدخلون الجنة (لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ۚ ) استحالة لدخولهم الجنة، واستحالة لفتح أبواب السماء لأرواحهم، أو دعائهم، وبينت الآيات أن أهل الجنة أقروا، واعترفوا بأن الهدى هدى الله، وأنه لولا هداية ربهم ما اهتدوا، تجري من تحتهم الأنهار، نزع الله ما في صدورهم من غل، إخوانا على سرر متقابلين، منتهى السرور، وغاية النعيم، هل استقر أهل الجنة في الجنة، واستقر أهل النار في النار، ثم دار الحوار؟ أم أن الكل منتظر واقف، أهل الجنة واقفون بالباب، وأهل النار مصفدون بالأغلال؟ يقول الله (تبارك وتعالى) حاكيا عن حوار هؤلاء، وهؤلاء.
وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّۭا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّۭا ۖ قَالُوا۟ نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿44﴾
ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ كَـٰفِرُونَ ﴿45﴾
(فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّۭا ۖ ) سؤال فيه التوبيخ، فيه الشماتة، سؤال معروف الإجابة، سؤال فيه الإخبار، والاستخبار، لكن الغريب حين تكلموا عن نعيمهم قالوا:(وَعَدَنَا) وحين تكلموا عن عذاب الكفار قالوا: (وَعَدَ) القياس في الكلام (لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم) لكنه قال (مَا وَعَدَنَا) ليبيّن ربنا (تبارك وتعالى) أن وعده لأهل الجنة وعد مخصوص بهم، فلا يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة الله، أما الوعيد لأهل النار فلم يكن مخصوصا بهم على وجه التعيين، بل كانت لهم الفرصة مهيأة للتوبة، فأبواب التوبة مفتوح للعبد ما لم يغرغر، وهي مفتوحة للعامة ما لم تطلع الشمس من مغربها، فكأن الوعد بالنعيم خاص بمن أدخلهم الله في رحمته، وكأن الوعد بالعذاب والجحيم خاص بمن أبى واستكبر، وليس بهم على وجه الخصوص، ورسولنا (صلى الله عليه وسلم) (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟، قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى)
فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا (قَالُوا۟ نَعَمْ ۚ ) قالوا: (نَعِم) (قراءة) أجابوا بأن الوعيد قد تحقق، وبأن ما أنذرهم الله (تبارك وتعالى) به قد وقع، (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ) أنَّ لعنة الله، إن لعنةَ اللهِ (قراءات ثلاث) الأذان: الإعلام بصوت، ومنه الأذان للصلاة، أي إعلام بدخول الوقت، من هو المؤذن؟ قيل: هو صاحب الصور الذي ينفخ فيه النفخة الأولى، نفخة الصعق، وينفخ فيه النفخة الثانية، نفخة الإحياء، هو المؤذن.
أو هو ملك من ملائكة الله (تبارك وتعالى) أذّن مؤذن أي أعلم، ونادى بصوت مرتفع يسمعه جميع أهل الموقف (أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ) واللعنة: الطرد من الرحمة، هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم، والظلم: وضع الأمور في غير موضعها، فهؤلاء الذين كفروا بالله وضعوا الأمور في غير نصابها، بدلاً من الإيمان بالخالق الرازق، آمنوا بالأصنام اتبعوا الشياطين، اتبعوا أئمة الكفر، فظلموا أنفسهم، ويأتي التعريف، كيف ظلموا، وكيف وُصموا بالظلم؟
(ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ كَـٰفِرُونَ) الصد: المنع إذاً فهُم يمنعون الناس عن الإيمان بالله، والسير في طريق الحق، يصدون أنفسهم، ها هو سبيل الله واضح، ها هو طريق الله بيّن، ها هي السنّة، وها هو القرآن، وها هو المنطق، ها هو الحق أبلج، تركوا الحق واتبعوا الباطل، أعرضوا عن سبيل الله، وصدوا غيرهم (يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا) العِوج بكسر العين في المعاني، كقوله عن القرآن (غَيْرَ ذِى عِوَجٍۢ) [سورة الزمر آية: ٢٨] أما العَوَج بفتح العين ففي الأشياء المحسوسة، في الأجسام كالرمح، كالعمود، الحائط، الجدار، الشجرة، عوج الشيء خرج عن طريق الاعتدال، والاستقامة، يبغونها عِوجاً: أي يبغون طريق الله، وسبيل الله عوجا، فيها الابتعاد عن الاستقامة، كيف يتسنى لهؤلاء الكفار أن يبغونها عوجا؟ والبغاء: أشد الطلب، بغاه وبغيته وبغيت له، أبغيه بغاء وبغية، يبغونها يطلبون طريق الله معوجا فيها العوج غير مستقيمة، بتحريف القرآن، بلَىّ الآيات عن المقصود منها، بالإيمان ببعض، والكفر ببعض، بإيقاع العداوة بين المسلمين، والتحريش بين المؤمنين، حتى تختلف كلمتهم، وتتفرق بهم السبل، فيخسروا دينهم، ودنياهم، ألا ترى المسلمين كيف يختلفون! ألا تراهم لا يجتمعون على كلمة واحدة، ألا تراهم يقتل بعضهم بعضا، ألا تراهم يتنازعون على الملك والسلطان، ألا تراهم يشكلون أحزابا، وفرقاً، وجماعات، تختلف على الفروع، وتختلف على الصغائر، وقد حذرهم ربهم (تبارك وتعالى) قائلا: (وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ ۚ ) [سورة آل عمران آية: ١٠٥] من بعد ما جاءهم العلم، جاءنا العلم، وجاءتنا البينات، وجاءنا القرآن، ومع ذلك اختلفوا، فيصبح الإسلام مشوها، طريقه معوج، ليس فيه اتفاق، بل اختلاف، وتباين، فرق وأحزاب، من الذي حرّش بينهم؟ من الذي أوقع العداوة بينهم؟ من الذي فرّق بين قلوبهم؟ من الذي شتت كلمتهم؟ (وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ كَـٰفِرُونَ) أي كانوا في الدنيا كافرين بالآخرة، هؤلاء هم الظالمين، الذين وصفهم ربنا (تبارك وتعالى) بذلك حين أذن المؤذن (أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ) من هم (ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ).
وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌۭ ۚ وَعَلَى ٱلْأَعْرَافِ رِجَالٌۭ يَعْرِفُونَ كُلًّۢا بِسِيمَىٰهُمْ ۚ وَنَادَوْا۟ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴿46﴾
وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ قَالُوا۟ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿47﴾
وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْأَعْرَافِ رِجَالًۭا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمْ قَالُوا۟ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴿48﴾
أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿49﴾
اختلف العلماء في شأنهم اختلافا كثيرا، فمن قائل: إن أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم، وسيئاتهم، لم تزد الحسنات عن السيئات، ولم تزد السيئات عن الحسنات، فما مصيرهم؟ إذ توزن الأعمال يوم القيامة، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صآبة - بيض القمل- مثقال ذرة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صآبة دخل النار، أما من استوت حسناته وسيئاته، قيل: إنهم أصحاب الأعراف، لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون، ينتظرون قضاء الله فيهم، ومن قائل: إن أصحاب الأعراف استشهدوا في سبيل الله، فاستحقوا الجنة، ولكنهم عقوا آباءهم، فاستحقوا النار بعقوقهم، فمنعتهم شهادتهم في سبيل الله عن دخول النار، ومنعهم العقوق عن دخول الجنة، فأوقفوا على الأعراف، ومن قائل: إنهم أولا الزنا، ومن قائل: بل هم الشُهداء، فضلاء المؤمنين الذين يشهدون على الناس، الذين يشهدون بأن الرُسل قد أبلغت، يشهدون على الكفار بأنهم أنكروا، وجحدوا.
ومن قائل: بل هم الأنبياء، ومن قائل: بل هم ملائكة، وينفي القول (رِجَالٌۭ) إذ الملائكة ليسوا برجال، ولا نساء، وقيل: بل هم ملائكة في صورة الرجال، ومن قائل، ومن قائل، لكن التعيين لم يرد، وكله اجتهاد، واستنباط من المفسرين، والأفضل، والأصوب، والأسلم؛ أنهم أناس لم يعيّينهم الله لنا، فلندع أمرهم إلى الله، هم أناس لم يدخلوا الجنة مع أهل الجنة، ولم يدخلوا النار مع أهل النار، وهم على الأعراف ينتظرون قضاء الله فيهم.
(وَنَادَوْا۟ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۚ ) نادى أصحاب الأعراف على أصحاب الجنة، فهم مرتفعون عنهم، يرونهم من الشرفات، ويعرفونهم بسيماهم، نادوا عليهم: سلامٌ عليكم، أي قالوا: لهم السلام عليكم، أو سلام عليكم، كأنهم يبشرونهم، سلمتم من العقوبة، أي أنزل الله (تبارك وتعالى) عليكم، وحفّكم بالسلام، فسلمتم من العتاب، والعقاب (لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) الموقف لازال أبواب الجنة مغلقة، وأبواب النار مغلقة، والناس في الموقف، وأهل الجنة يطعمون في دخول الجنة، ينتظرون دخولها، ينتظرون أن تُفتح لهم الأبواب، فيحكي عنهم القرآن لم يدخلوها لكنهم يأملون، ويطمعون في دخولهم، ويعلمون أنهم داخلين لا محالة، بسيماهم عرفوا المصير، أم لم يدخلوها أصحاب الأعراف أي كأنهم يقولون لأهل الجنة هنيئا لكم بشراكم، سلمتم من العقوبة، نحن لم ندخل بعد، ونطمع في الدخول معكم، وكأن أصحاب الأعراف في موقف الانتظار، تأييدا لقول من قال: إنهم قوم استوت حسناتهم، وسيئاتهم، ينتظرون قضاء الله فيهم (وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ قَالُوا۟ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٤٧)) الغريب في التعبير(صُرِفَتْ) حُملت، ودُفعت، وأُجبرت على النظر إلى أهل النار، إذاً فكل نظرهم وغالب نظرهم إلى أهل الجنة باختيارهم، ورغبتهم، ليروا ما هم عليه من نضرة النعيم، ويتمنون اللحاق بهم، وأما من ناحية أهل النار فهم لا يريدون أن ينظروا إليهم، وكأن النظر إلى أهل النار فيه الألم، فيه الشقاء، فيه لون من ألوان العذاب، فهُم لا ينظرون إلى أهل النار، يُحملون على ذلك لقوله: وإذا (صُرِفَتْ) إذا لم ينظروا بمحض إرادتهم، وإذا صُرفت أبصارهم تلقاء مصدر بمعنى جهة اللقاء، جهة المقابلة، ولم يأت المصدر بفتح التاء إلا في كلمتين (تلقاء) (تبيان) فقط.
وكأن الله (تبارك وتعالى) حوّل وجوهم، وحوّل وجوهم وحوّل أبصارهم دون رغبة منهم جهة أهل النار، وحين رأوا زرقة العيون، سواد الوجوه رأوا ما عليهم من قطران، رأو ما هم فيه من فضيحة وعار، وذل وصغار، لجئوا إلى الله ضارعين (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ) إن كانوا من الأنبياء فالدعاء في محله؛ لأن لا يجب عليه شيء، وإن كانوا من الشهداء العدول، الذين يشهدون على الناس بأعمالهم يوم القيامة، فالدعاء أيضا في محله؛ لأنهم لم يدخلوا الجنة بعد، ودعاء الله عباده، ثم التفت أصحاب الأعراف إلى رجال بعينهم، رأوهم في زمرة أهل النار، هم صناديد الكفر ودعاة الفسق، والفجور، المتألهون في الأرض، الجبارون، الظلمة، والبغاة توجهوا إليهم بالخطاب (وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْأَعْرَافِ رِجَالًۭا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمْ) علامات خاصة بهم، أهل النار عموما، معلومون بسيماهم، من زرقة العيون، وسواد الوجوه، وهكذا أما الجبارين فلهم سيما خاصة، وعلامة خاصة: كالغادر يُحشر لكل غادر يوم القيامة، لواء يُعرف به، يقال هذه غدرة فلان بن فلان، فحين عرفوا الجبارين بسيماهم قالوا: (مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) جمعكم: كثرتكم، جمعكم للمال، جمعكم للسلطان والجاه، هل أُغنى عنكم؟ يقول أحدهم (مَآ أَغْنَىٰ عَنِّى مَالِيَهْ ۜ ﴿٢۸﴾ هَلَكَ عَنِّى سُلْطَـٰنِيَهْ ﴿٢۹﴾) [سورة الحاقة آية: ٢٨ - ٢٩] ما أغنى عنكم جمعكم، وكثرتكم وسلطانكم، وأسلحتكم، وجبروتكم، وما كنتم تستكبرون عن الحق، وتستكبرون عن الخلْق، (أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ) يشيرون إلى الضعفاء كبلال، وصهيب، وعمّار، هؤلاء الفقراء الذين استُضعفوا في مكة، والذين استُضعفوا في كل مكان، والذين كان الكفار يهزءون منهم، أهؤلاء يدخلون الجنة؟ استهزأوا بهم، وضحكوا منهم يقال لهؤلاء الجبارين (أَهَـٰٓؤُلَآءِ) والإشارة إلى ضعفاء المؤمنين (ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ) حلفتم في الدنيا لا ينالهم الله برحمة (ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ) وقُرأت (أُدخِلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون) من قال: إن أصحاب الأعراف من الأنبياء أو الشهداء فهم القائلون (أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ) يبشرونهم، ومن قال: إن أصحاب الأعراف ينتظرون قضاء الله فيهم فقد انتهى حوارهم وكلامهم عن قولهم (مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) والقائل بعد ذلك هو الله، أو مَلَك من الملائكة مأذون له بذلك، يشير إلى أصحاب الأعراف؛ إذ أن أصحاب الأعراف حين خاطبوا أهل النار(مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) قال لهم أهل النار (مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) قال لهم أصحاب النار: (إنكم واردونها معنا)، فأصحاب الجنة قد دخلوها، أما أنتم فمصيرك إلينا، وأقسموا على ذلك، فيُرد عليهم (أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ) (ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ) فالأمر لأصحاب الأعراف رحمهم الله (تبارك وتعالى) وتفضّل عليهم فأدخلهم الجنة، أو الكلام عن أصحاب الجنة، ولم يدخلوها بعد، والموقف خارج الجنة، والنار، وأصحاب الأعراف يشيرون إلى ضعفاء المسلمين قائلين للجبارين (أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ) فالحوار بعد الدخول، ولم يبق إلا أصحاب الأعراف، وهم آخر الناس دخولا الجنة،وحين دخل أهل الجنة، الجنة، ودخل أهل النار، النار، ودخل أصحاب الأعراف الجنة، حينئذ تحوّل النداء، وأصبح المنادي هم أهل النار.
وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا۟ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ ۚ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿50﴾
ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًۭا وَلَعِبًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿51﴾
(قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ) يرد عليهم أهل الجنة، إن الله منعهما عن الكافرين، منع التحريم على المكلّف، من هم الكافرون؟ (ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًۭا وَلَعِبًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ ) اللهو: صرف الهَمّ إلى ما لا يحصل، الصرف إليه، وللعب: الفرح بما لا يحسن، اللعب به، اللهو يلهى الإنسان عن الجادة، اللهو ما يلهيك عما يجب، إلى ما لا يجب، واللعب أن تشغل نفسك بما لا يجب، فتفرح بما لا يحسن الفرح به، هؤلاء اتخذوا دينهم أي عبادتهم، أي اتجاههم إلى الله، أي عملهم لهو، ولعب، وما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب (وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ ) غرّ يغره غراً، وغروراً، وغِرة: خدعه بالباطل، وهكذا الدنيا تغر، وتضر، وتخدع، ثم تصرع.
( وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ ) خدعتهم بباطلها، خدعتهم بزخرفها، خدعتهم بما فيها من ثمار ومال، وجاه، وسلطان دائم (فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا) هل ينسي ربنا؟ أبداً، والله لا يضل، ولا ينسى، فالكلام خرج مخرج التمثيل، أي نعاملهم معاملة الناس، وهو سبحانه لا يضل، ولا ينسى.
هل نسوا لقاء يومهم فعلا؟ أبداً، لكنهم تلهوا عنه، تلهوا بما لا يصح، ولعبوا بما لا يجب، وغرتهم الحياة، وانشغلوا بجمع المال، وانشغلوا بالمال والسلطان، فنسوا الآخرة، ونسى الموت، نسى اللقاء، كما فعل ذلك وتناسى يوم اللقاء، ويوم الحساب، ينساه ربهم (تبارك وتعالى) ويعامله معاملة الناس فيتركه في جهنم، فإذا تُرك في جهنم ونسيه الله (والله لا ينسى) أي عامله معاملة الناس، إذاً فلا خروج ولا نجاة، إذا خُلد في جهنم (نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ) أي بسبب ما كانوا بآياتنا ينكرون مع علمهم بصحتها، هل حين كذّب كفار مكة محمداً (صلى الله عليه وسلم) هل كانوا يعتقدون أنه كاذب فعلا، وأنه جاء بالقرآن من عند نفسه؟ أبداً والله، لكن الله يقول: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)) [سورة الأنعام آية: ٣٣] هل علموا أنه الحق؟ نعم، هل عرفه أهل الكتاب؟ إي والله يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، إذاً فجحودهم بالآيات، إنكارهم لحقيقتها، ولصحتها مع علمهم بأنها الحق، هل لهم عذر؟ هل ظلمهم الله (تبارك وتعالى)؟ أبداً والله؛ لأن الله أرسل لهم الرسل، وأنزل إليهم الكتب، وقال:
وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُم بِكِتَـٰبٍۢ فَصَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ﴿52﴾
هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا۟ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿53﴾
(هُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ) واختص المؤمنون بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون به، الذين يستمعون له، فيتبعون أحسنه.
( هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ ) ماذا ينتظر الكفار؟ وانتقل الكلام إلى الكفار، بعد بيان هذا المشهد، مشهد متحقق جاء بصيغة الماضي لبيان أنه واقع متحقق ثابت، يتوجه السؤال لمن تأخر عن الإيمان، وتخلّف عن الركْب ماذا تنتظر؟ أي شيء تنتظر، والزمان يمر، والعمر يمر، واللقاء آت لا محالة، لا عذر لأحد؛ ولذا إذا جاء الكفار يوم القيامة لا يؤذن لهم فيعتذرون، وهم أيضا لا يستعتبون، لا عذر؛ لأن الله (تبارك وتعالى) أرسل الرسل، وما كان إرسال الرسل واجبا عليه، وربنا (تبارك وتعالى) أنزل الكتب، وما كان إنزال الكتب لنفع يحصل لديه، وأرسل الرسل بلسان الأقوام الذين أُرسلوا إليهم (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ ) [سورة إبراهيم آية: ٤]؛ لذا يقول عز من قائل عن هؤلاء الذين خسروا أنفسهم، عن هؤلاء الذين أُدخلوا النار، عن هؤلاء الذين عُوملوا معاملة المنسيين (وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُم بِكِتَـٰبٍۢ فَصَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ ) ماذا ينتظر الناس؟ التأويل: العاقبة، آل يؤول، آل الأمر إلى كذا، أي صار عاقبته كذا.
هل ينظرون، هل ينتظرون نظر ينتظر بمعنى واحد، (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ ) أي نهاية المطاف القرآن فيه وعد، وفيه وعيد، فيه حكاية عن البعث، فيه بيان ليوم القيامة، فيه مشاهد، وحوارات، هل ينتظرون إلا أن تتحقق هذه الأمور وتقع، وإذا بالوعد، وإذا بالوعيد، وإذا بأهل الجنة ينادون قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، إذا بأهل النار ينادون أفيضوا علينا من الماء، هل ينتظرون إلا تأويل هذا الكتاب، ما يصير إليه، ما يتبيّن به صدقه، ما يتبيّن به حقه، ماذا ينتظرون! وتأويله آت لا محالة (يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ) تتحقق الوعود، وتتحقق المواعيد، ويقع الوعد والوعيد (يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ) هؤلاء الذين عاملهم الله معاملة الناس، ماذا يقول حينئذ، حين البعث، حين ظهور الحق يقولون:( قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ) اعتراف حيث لا ينفع الاعتراف، والندم حيث لا ينفع الندم، ربنا يطلب الاعتراف بالغيب، ذاك شرط الإيمان، أما إذا رأيت واعترفت فأنت تعترف اعتراف المضطر، وليس اعتراف المختار، من هنا يقول الذين نسوه (قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ) وكأنهم يقسمون على ذلك يومئذ، أو يقسمون على أنهم قد جاءوا في الدنيا، ولكنهم لم يتبعوهم! (يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ) أي في الدنيا (قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ) ها هو الإقرار، والاعتراف، حين جاءت رسل ربنا بالحق لمَ لمْ تؤمنوا بهم؟ لم كذبتموهم؟ لا ينفع الاعتراف لكنهم يستغيثون (فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا۟ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ)، أو (نردَ فنعملَ)، أو (نردُ فنعملُ)، أو (نردُ فنعملَ) (قراءات) سؤال فيه الاستغاثة، والتمني الباطل، يسألون هل يشفع فيهم أحد؟ الشفع: الزوج، والوتر: الفرد، والشفاعة معناها أن الإنسان يكون مفردا، يسأل الإعانة فيأتيه آخر، فينضم إليه فيصيرون شفعا بعد أن كان وتراً، فسُميت الشفاعة شفاعة؛ لأن هناك من يأتي لهذا المنفرد، فيقف إلى جواره يدافع عنه، أو يسأل رد العذاب عنه، فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا، أو نرد إلى الدنيا، فنعمل غير الذي كنا نعمل، هل يمكن! هل يحدث! تمني باطل، ويُختم المشهد الحوار بالنهاية المحتومة، والشهادة عليهم (قَدْ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ) كيف يكون خسران النفس؟ خسران بأن يحرم العبد نفسه من النعيم، ويجعلها تخسر رضوان الله، وتخسر نعيم الجنة، خسران النفس يكون بألا تستعين بنفسك على تحصيل الفوز والنجاة، خسروا أنفسهم أي لم تنفعهم أنفسهم في الدنيا، نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، نفسك أعدى أعداءك (وَنَفْسٍۢ وَمَا سَوَّىٰهَا (٧)) [سورة الشمس آية: ٧] (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ﴿۹﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا ﴿١۰﴾) [سورة الشمس آية: ٩ - ١٠] خسروا أنفسهم أي لم تنفعهم أنفسهم بالعمل الصالح في الدنيا، بل غرتهم أنفسهم، هم خسروها، وعرضوها للعذاب (وَضَلَّ عَنْهُم) غاب، وانتهى (مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ) يكذبون، ويختلقون أن الأصنام تشفع لهم (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ)[سورة الزمر آية: ٣] ما كانوا يفترون من أن لله الولد، وأن هذا الولد قد تحمّل العذاب عنهم بقلبه، وأن، وأن، وأن، ومن رحمة الله (تبارك وتعالى) ومن مزيد فضله بعد هذا الحوار الذي بينته الآيات، وبعد هذا المشهد الذي صوّرته الآيات ليس هناك كلام، لكن الله بمزيد رحمته يعاود التنبيه، يعاود البيان، والتوضيح يفصِّل، ويدلِّل، وتأتي آيات دلائل على التوحيد، وعلى وحدانية الله، دلائل على قدرته لكل متأمل، تلفت النظر لهؤلاء الذين نسوا لقاء يومهم هذا، لهؤلاء الذين نسوا القرآن، وغرتهم الحياة الدنيا، تأتي الآيات برحمة الله، ومن رحمته لتلفت نظر المتأملين (إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٥٤﴾) فتأتي آيات التوحيد، تأتي الدلائل على وحدانية الخالق، تأتي البينات على انفراده بالسلطة، والحكم، وصف وبيّن مشهدا من مشاهد يوم القيامة، أصحاب الجنة، أصحاب الأعراف، حوار دائر، حق وصدق ومصير، تحقق نعيم دائم، وجحيم لا يزول، ويتوجه الخطاب لكل من يعقل، ولكل من يسمع، لهؤلاء الذين زعموا أن لله شركاء، لهؤلاء الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعا، لهؤلاء الذين زعموا أن لله الولد، لهؤلاء الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، لهؤلاء الذين زعموا أن هناك إله للخير، وإله للشر، وإله للريح، وإله للحرب، وإله للحب، لهؤلاء الضالين الذين لو استخدموا عقولهم للحظة لعلموا أنه إله واحد، لا إله إلا هو، يقول نبينا مبينا عز من قائل، قاطعا لكل عذر، مانعا لكل حجة.
إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿54﴾
(ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ) والآية من المتشابهات، الاستواء في اللغة: استوى، استولى، اعتدل، ومنه استووا، وسووا الصفوف في الصلاة، استوى إلى: قصد إليه، استوى: علا، وارتفع، وظهر العرش من حيث اللغة: المُلك، والسلطان، العرش: سرير المُلك (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ) [سورة يوسف آية: ١٠٠]، وكذا قوله: (نَكِّرُوا۟ لَهَا عَرْشَهَا) [سورة النمل آية: ٤١] العرش: سقف البيت (ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ) استواؤه (عز وجل) على المعنى الذي أراده، وعلى الوجه الذي يليق بكماله، وجلاله، استواءً لا ينافي وصف الكبرياء، استواءً منزّها عن المماسة، والاستقرار، منزّها عن الحلول، أو التمكّن، أو الانتقال، والعرش لا يحمله، بل العرش وحملة العرش محمولون بقدرته، مقهورون في قبضته، فاستواء الله (تبارك وتعالى) على العرش نؤمن به، ونصدّق به بلا كيف، فالكيفية غير معلومة، بل غير معقولة، بلا تشبيه بلا تمثيل، بلا تحديد، بلا انحصار، وعرش الله (تبارك وتعالى) جسم مخلوق، وهو أعظم الأجسام على الإطلاق، وهو محيطٌ بكل الأجسام التي هي في الوجود، ذاك عرش الله، دون تحديد للجهة، فهو سبحانه وتعالى منزّه عن الجهات، مقدّس عن الاختصاص بجهة، فقد كان ولم تكن الجهات، فهو فوق كل شيء، فوقية لا تماثل فوقية الأجسام؛ إذ ليس كمثلِه شيء وهو السميع البصير.
وقد قال الأئمة: الاستواء غير مجهول من حيث اللغة، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهناك من المتكلمين من تكلّم وجاء بمعانٍ استوى أي ظهر ملكه، وتقدست ذاته، ونفذ حكمه وما إلى ذلك، وذاك ممنوع نحن نؤمن بأن استواء الله على العرش صفة من صفاته العليا، لا يعلمها إلا هو، هو الله (يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًۭا) يُغَّشِي (قراءة) التغشية: التغطية، والستر، أي أن الله (تبارك وتعالى) يغطي النهار بالليل، ويغطي الليل النهار، تارة الليل النهار، وتارة النهار يغطي الليل (يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًۭا) أي أن الله جعل الليل يطلب النهار، يتعقبه سريعا، وكأن الليل يجري وراء النهار حتى يدركه، فإن أدركه غطاه، وستره، الكلام كناية عن أن الليل يأتي بعد النهار سريعا بغير فاصل (وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ ) أهي شمس واحدة؟ هي شموس، أهو نجم واحد؟ هي نجوم، أهو قمر واحد؟ أقمار، وشموس، ونجوم، ومجرات، وكون، وفضاء، واتساع لا يصل إليه العقل، بل لا يصل إليه الحساب، بل عجزت التلسكوبات، وأجهزة الرصد على كفاءتها، وتطورها عن رصد مساحة الكون، أو أين ينتهي أو إلى أي مدى يمتد.
(مُسَخَّرَٰتٍۭ) مذللات (بِأَمْرِهِۦٓ ۗ ) بتصريفه وبتدبيره (وَكُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ (٤٠)) [سورة يس آية: ٤٠] (لَا ٱلشَّمْسُ يَنۢبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ ) [سورة يس آية: ٤٠]، ما من كوكب، وما من شمس، وما من نجم إلا وله مدار، وله طريق، وله شروق، وله غروب، نظام لا يخل، ولا يختلف، ولا يختل (أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ ) فصل بين الخلْق والأمر، وقال العلماء: الخلْق: المخلوق، والأمر: كلامه غير مخلوق فهو قديم أزلي، خلقهم، وأمرهم بما يحب (أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ ) الخلق: الإيجاد، الأمر: التدبير، الخلق خلق السموات والأرض، والشمس والقمر، والنجوم، والليل والنهار، أوجد كل ذلك، والأمر: التسخير، والتدبير، والتصريف (تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ) تبارك: تفاعل من البركة، وهي من المتشابهات أيضا، نحن نتكلم عن معاني الألفاظ، ولا نجرؤ على أن نقترب من المعاني التي أرادها الله، هو أعلم بمراده.
البركة: النماء، الزيادة، البركة: الثبات، بَرَكَ البعير ثبت في محله، ومنه البِركة لثبات مائها، تبارك كثُر خيره، وإحسانه، تعاظم وارتفع وعلا، ثبت ودام، كما لم يزل، ولا يزال هو الله، هو الأول، والآخر الدائم، الثابت الذي لا يزول، ولا يحُول.
العالمين: جمع عالَمْ، والعالم كل ما سوى الله، هل علمتم من هو ربكم؟ هل عرفتم من هو المستحق للعبادة؟ هل عرفتم من هو الأول، ومن هو الآخر؟ هل عرفتم الموجود الأزلي، الدائم الأبدي بغير زوال؟ هل عرفتم الموجد لكل الموجودات، والخالق لكل المخلوقات؟ هل تيقنتم بأنه المربي، والمدبر، والمصرِّف، والمتصرف، والمالك، والحاكم، والحكم، والآمر، والناهي لكل شي؟ عرفتم إذاً فاتجهوا إليه
ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴿55﴾
قالوا: الاعتداء في الدعاء رفع الصوت بالدعاء؛ لذا فضّل بعض الأئمة الإسرار ب (آمين) وعدم الجهر بها؛ لأنها من الدعاء.
وقالوا: من الاعتداء أن تطلب محالا، كأن تطلب أن تكون نبيناً مثلا، أن تطلب الخلد، طلب ما لا يجوز، طلب المعصية، رجل أعجبته امرأة، فأراد أن يوقع بها، فيسأل الله أن تقع له، دعاء السارق أن ييسِرِ له أمر سرقته، دعاء شارب الخمر أن يكون الخمر غير مغشوشة، الدعاء على الغير بلا مناسبة، الدعاء بالشر (وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ ) [سورة يونس آية: ١١] أنواع الاعتداء في الدعاء كثيرة؛ ولذا فصّل العلماء آداب الدعاء، وقالوا:
يستحب أن يكون الدعاء على طهارة، وأن يكون باتجاه القبلة، وأن يرفع يديه، وأن يمسح بهما على وجهه، فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال (إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ ، فَيَرُدَّهُمَا صِفْرًا أَوْ قَالَ خَائِبَتَيْنِ)، فعلمنا أن رفع اليدين في الدعاء جائز، وقد ورد في البخاري أنه رفع (صلى الله عليه وسلم) يديه حتى بياض إبطيه، ومع ذلك يصح الدعاء في عكس اتجاه القبلة، وفي أي اتجاه فقد دعا النبي (صلى الله عليه وسلم) على المنبر في غير اتجاه القبلة؛ إذ السماء قبلة الدعاء، والكعبة قبلة الصلاة، وللدعاء آداب كثيرة بينها العلماء.
وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًۭا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿56﴾
(وَٱدْعُوهُ خَوْفًۭا وَطَمَعًا ۚ ) خوفا من عدم قبول العمل خوفا من عقابه، طمعا في ثوابه، طمعا في رضوانه، طمعا في جنته، طمعا في قبوله، والخوف والرجاء هما للإنسان كجناحي الطائر، يطير بهما على طريق الاستقامة، فإن غلب أحدهما على الآخر هلك العبد؛ إذ لو غلب الخوف هلك، ويأَسَ، ولو غلب الرجاء تكاسل، وقصّر، وهلك، فيجب أن يكون هناك خوف، وأن يكون هناك رجاء؛ لذا يقول عز من قائل: (نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿٤٩﴾ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ ﴿٥٠﴾) [سورة الحجر آية: ٤٩ - ٥٠] وأثنى على عبده الذي دعاه سراً فقال: (إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيًّۭا ﴿۳﴾) [سورة مريم آية: ٣] وأثنى على عباده الذين يدعونه خوفا وطمعا فقال: (ِنَّهُمْ كَانُوا۟ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًۭا وَرَهَبًۭا ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا خَـٰشِعِينَ ﴿۹۰﴾) [سورة الأنبياء آية: ٩٠] (وَٱدْعُوهُ خَوْفًۭا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ) وقال أشياخنا: في حياتك الدنيا غلِّب خوفك على رجائك بقدرٍ ما، فإذا اقترب منك الموت غلِّب الرجاء على الخوف بقدرٍ كبير، حتى ينمحي الخوف تقريبا، ولا يبقى إلا الرجاء؛ لقول المصطفى (صلى الله عليه وسلم) (لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ) إن الدعاء مخ العبادة، الدعاء معناه الافتقار إلى الله، الدعاء معناه أنك أقررت بوجود الله، وبأنه القادر على إيصال النفع إليك، ومنع وصول الشر إليك، الدعاء معناه أنك أقررت بضعفك، واحتياجك، وافتقارك إلى الله، الدعاء مخ العبادة، والدعاء له آداب كما بيّنها الله تبارك وتعالى بقوله: (ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ) والدعاء له أسلوب كما قال (وَٱدْعُوهُ خَوْفًۭا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ) قريب بمعنى قريبة، والتذكير هنا بمعنى أمرها قريب، أو لأن التأنيث غير حقيقي، المحسنون من هم؟ الإحسان كما بيّنه النبي (صلى الله عليه وسلم) (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)، الإحسان: الإتقان في كل شيء، إتقان العمل، إخلاص العبادة لله، إخلاص التوجّه إلى الله، الرحمة: العفو، الغفران الرضوان، الإنعام، الإفضال، الرحمة: كل خير يساق إليك، دنيا أو أخرى، ثم يأتي الكلام بآية أخرى بدليل آخر على التصريف، والتدبير، والخلق، والإيجاد، ويذكر الله أثرا من آثر رحمته.
وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًۭا ثِقَالًۭا سُقْنَـٰهُ لِبَلَدٍۢ مَّيِّتٍۢ فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿57﴾
وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ وَٱلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًۭا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَشْكُرُونَ ﴿58﴾
البشرى من البشير: نشرا من النشر، وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته، أي قُدّام رحمته - المطر من أعجب الأمور، وأدل الدلائل على وجود المدبر المطر، هناك مسائل معلومة، ومعروفة، رأيناها بالتجربة، وعرفنا مواعيد، وسبب المطر، أمور أعلمنا الله بها (عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)) [سورة العلق آية: ٥] الشمس حرارة، سخونة على ماء البحر، على ماء المحيط، تتبخر المياه من السخونة، فتصعد إلى السماء بخار. هذا البخار يتجمع، ويصبح سحاب، هذا السحاب يتكاثف في المناطق الباردة، فينزل منه المطر، بعد أن كان الماء مالحا أصبح الماء عذبا؛ لأن البخر يبخر الماء عذبا، ويترك الملح في مكانه، كل ذلك علّمنا الله، فيبخّر الماء، وارتفاع البخار إلى أعلى بسنّة كونية خلقها الله، قوانين هو الذي قننّها، ولكن كي يتم نزول المطر، أمر آخر كيف ينزل؟ وبأي قدْرٍ ينزل؟ وأين ينزل؟ ذاك هو السؤال الذي يجيب عنه الآية (وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ) من أين يأتي الريح؟ كيف يأتي الريح؟ الهواء يهب، ما معنى يهب؟ من أين يهب؟ وإلى أين يهب؟ وكيف يهب بلا سبب؟ وما سبب توجّه الرياح شمالية غربية!! جنوبية شرقية!! هو الذي يرسل الرياح بلا سبب (وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ) (بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۖ ) فإذا هب الرياح - الصبا- علمت أن المطر قادم، فاستبشرت يبشرك قبل أن يرسل إليك رحمته، ونعمته، يبشرك، ويدخل السرور على قلبك حتى لا تيأس، ولا تقنط، فالمطر آت بعد فترة، أنت قلق على زرعك، قلق على ماء شربك، فلا يتركك في قلقك، وتربصك، وترقبك، بل يبشرك بأن المطر قادم، فيرسل إليك الريح بشرا بين يدي رحمته (حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًۭا) أقلّت: حملت أصل الكلمة، أقل الشيء: رآه قليلا، فحين رآه قليلا أقلّه، واستقله: حمله، كأن الحامل للشيء استقل الشيء، ورآه قليلا، وهو قادر على حمله (حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًۭا) والسحاب يذكّر، ويؤنث؛ لأنه جمع سحائب وسحابة (سَحَابًۭا ثِقَالًۭا) ثقالا: جمع ثقيلة، ثقُل الشيء: أصبح ثقيلا، جمع ثقيلة أنّث باعتبار المعنى (سُقْنَـٰهُ) أفرد باعتبار اللفظ (لِبَلَدٍۢ مَّيِّتٍۢ ) البلد، والبلدة واحد البلاد، والبلدان، والبلد: الأرض عامرة، أو غير عامرة، خالية، أو ساكنة، وكأن السحاب محمول بالريح يجمّعه، فإذا جمّعه، وأصبح كثيفا، وحمل السحاب فيه المطر، الماء المتبخّر، تأتي الريح فتجمعه، وتسوقه كما يسوق أحدكم راحلته، تسوقه حيث أراد الله، تسوقه بأمره (لِبَلَدٍۢ مَّيِّتٍۢ ) إلى بلد، أو اللام لام لأجل، لأجل البلد الميت (فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ) بالرياح، بالسوْق، بالأرض، بالبلد الميت (فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۚ ) أخرجنا بالماء من كل الثمرات، أحمر، أخضر، أصفر، حلو، مر، مالح، أنواع خضروات، وفواكه و.. و.. فاكهة، وأبا، نخيل زيتون، رمان أصناف لا عد لها، ولا حصر(كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) أرأيت البلد الميت! أرأيت التربة السوداء لا شيء فيها! أرأيت الماء حين نزل كيف نزل! أرأيت كيف ساقه رب القدرة! أرأيت كيف انتفخت الأرض! أرأيت كيف خرج منها الزرع ألوانا، وأصنافا، أرأيت ذلك، كذلك خروج الموتى من الأرض، كخروج النبات، وهل يخرج بماء؟ نعم، إذا أراد الله نشر الخلْق، وبعث الخلائق، أمطرت السماء مطرا كالطلّ، فنزل على الأرض، فنبتت منه أجساد الناس، ثم دخلت فيها الأرواح، ثم قال الملك (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ (٢٤)) [سورة الصافات آية: ٢٤] ثم يضرب الله مثلا من أروع الأمثال، وتشبيها من أبلغ التشبيهات (وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ وَٱلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًۭا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَشْكُرُونَ (٥٨)) الأرض: أرضان، والبلد: بلدان، بلد طيبة تربتها، طيبة خصبة، فإذا نزل عليها الماء خرج منها الثمر، والزرع، أصناف، وألوان، وبلد خبيثة، حجارة رمل، شوك، خبيثة لا يخرج منها إلا الخبيث، إن خرج.
(وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ ) هو لا يخرجه، لكن المخرج هو الله، خلق البلد الطيب، وأذِن في خروج النبات الطيب منه، (وَٱلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًۭا ۚ ) نكْدَا نَكَدا
النكد: العسر، النكد: قليل النفع، نكد الشيء: اشتد، وعسر(لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًۭا ۚ ) أي لا يخرج منه نبات ينفع، لا يخرج منه شيء، وإذا أردت أن تستخرج منه شيء لا تستخرجه أبداً إلا بشدة، وبعسر، فإن خرج، خرج قليلا خبيثا (كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ) أي كما نصرف الآيات في كل شيء، نصرّف: ننوِّع، يأتي بآيات متتالية، يحدثنا عن الجنة، يحدثنا عن النار، يحدثنا عن الحوار بين الفرق الثلاثة: أصحاب الجنة، وأصحاب النار، وأصحاب الأعراف، يأتي بآيات عن المطر، يأتي عن الخلْق، يأتي بآيات عن التوحيد، ينوّع ويصرّف الآيات (لِقَوْمٍۢ يَشْكُرُونَ) أي يشكرون نعمة الله، فيتدبرونها، ويعرفونها، ويتأملونها، والآية مثال، واسمع واعي، الكلام عن المطر، الكلام عن الريح، الكلام عن سوْق السحاب، الكلام عن رحمته (تبارك وتعالى) وكيف يبشر بها قبل مجيئها، وكيف يخرج من كل الثمرات، وكيف أن القادر على إخراج النبات من الأرض قادر على إخراج الأجساد من القبور، وبمناسبة كل ذلك أنت وقلبك كالأرض، والقرآن النازل كالمطر، فمن كان طيبا، وقلبه طيبا، خرج عمله طيبا، مقبولا بإذن ربه، بعد أن نزل القرآن على قلبه، فاستقام، وآمن، والكافر خبيث كالأرض الخبيثة، قلبه خبيث، فإذا نزل القرآن عليه لا يخرج منه إلا الخبيث، وكذا الآية تنزل: (وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِۦٓ إِيمَـٰنًۭا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿١٢٤﴾ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ ﴿١٢٥﴾) [سورة التوبة آية: ١٢٤ - ١٢٥] فمثال الأرض الطيبة، والأرض الخبيثة، مثال للناس المؤمن، والكافر، فالمؤمن طيب، وعمله طيب، والكافر خبيث، عمله خبيث، والعمل الصالح بإذنه وتوفيقه، فقد بينت الآيات أن الله (تبارك وتعالى) هو الخالق للوجود، وهو رب كل موجود، وهو المدبِّرْ، وهو المهيمن، وهو الرازق، وهو المتصرف، وهو الملك، وهو المالك، وحثت الآيات الخلائق جميعا على التضرع لله، وللجوء إليه، فهو الملجأ، وهو الملاذ، وعلمتهم كيفية الدعاء، وحذرتهم من الفساد في الأرض، ووجهتهم لعقيدة التوحيد الخالصة، وبينت أن رحمة الله (تبارك وتعالى) وسعت كل شيء، وضربت الآيات مثلا للقلوب المستجيبة كالأرض الطيبة، نباتها طيب، وضربت مثلا للقلوب المنكرة، والمستكبرة، كالأرض الخبيثة نباتها خبيث، ثم تسوق الآيات بعض قصص الأمم السابقة، إعذاراً، وإنذاراً، تسوق الآيات، وتسرد علينا قصص بعض الأمم المكذبة، المنكرة، وترد علينا قصص بعض الأمم المكذبة، المنكرة التي استكبرت عن دعوة الرسل، وكيف كان عاقبتها، وبدأت بقصة أول أمة، وأول رسول بعد آدم، عليه السلام، (نوح) عليه السلام.
يقول الله (تبارك وتعالى):
لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ﴿59﴾
قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿60﴾
قَالَ يَـٰقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَـٰلَةٌۭ وَلَـٰكِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿61﴾
أُبَلِّغُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿62﴾
أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا۟ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿63﴾
فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا عَمِينَ ﴿64﴾
(أُبَلِّغُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)) (رِسَـٰلَـٰتِ) وهو صاحب رسالة واحدة، جُمعت لتعدد الأوقات، فالأوامر، والنواهي، قد تنزل بالتدريج، أو لتعدد أنواع الرسالة، أو الرسالات، أو الأوامر التي أمر أن يبلّغها لهم (وَأَنصَحُ لَكُمْ) نصحه، ونصح له، النُصح: الخلوص، نصح العسل، نصح اللبن، زاد بياضه، وخلص من الشوائب، والنُصح في الأصل هو بيان وجه المصلحة للغير، مع خلوص النية من كل شائبة (وَأَنصَحُ لَكُمْ) أي أتحرّي رشدكم، وما فيه صلاحكم، وأخلص لكم في القول، خالصا من قلبي، لا أبغي سوى مصلحتكم (وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) أعلم من عقابه، وأعلم من انتقامه، وأعلم بالوحي ما ليس لكم به علم، فالرسل أعلم الناس بالله، لبث نوح في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما؛ ولذا قيل: إنه حين أرسل كان ابن خمسين سنة، أو ابن أربعين سنة، أو ابن ثلاثمائة وخميسن سنة، اختلاف لا يهمنا في شيء، وقيل: عاش بعد الطوفان ستين سنة، لكن ما يهم أنه ظل يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، منتهى الصبر، منتهى الحِلْم (أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا۟ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)) من أين جاء العجب؟ من أين جاء التكذيب؟ عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم، أي وحي (عَلَىٰ) رجل (مِّنكُمْ) على لسان رجل منكم، أو منزّل على رجل منكم تعرفون نسبه، وتعرفون صدقه، فهو من أوسطهم نسبا، ومن أفضلهم، ولو نزل الذكر على رجل آخر من قوم آخرين لا يتكلم بلسانكم، أو نزل على ملك كيف يكون الحال؟! من الأمر المنطقي، والطبيعي أن ينزل الذكر على رجل منهم، يفهمون قوله، ويعقلون كلامه (لِيُنذِرَكُمْ) يحذركم، ويبيّن لكم (وَلِتَتَّقُوا۟) تتقوا عذاب الله، تتقوا غضب الله، تعلمون حسابا ليوم الحساب (وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) تتعرضون لرحمة الله (تبارك وتعالى) وهنا لفت نظرنا بعض لعلماء في هذه الآية (لعل) حرف ترجّي، القياس العقلي (ولتتقوا كي ترحمون)؛ لأن التقوى تؤدي إلى الفلاح، والرحمة، لكنه جاء بحرف الترجّي ليبيّن أن التقوى وحدها ليست موجبة للرحمة، إذا الرحمة محض فضل من الله، فلا يعتمد التقي على تقواه، ولا يركن عامل إلى عمله، فلن يدخل أحدكم الجنة عمله، بل الكُل يكون على خوف، وعلى وجل (ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةً ۚ )، (وَٱدْعُوهُ خَوْفًۭا وَطَمَعًا ۚ ) فكذبوه، واتهموه بالكذب، فنجاه الله (تبارك وتعالى) في الفلك، وجاءت قصة الفلك تفصيلا في مواضع أخرى (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ) الذين آمنوا به (فِى ٱلْفُلْكِ) الفُلك يذكّر، ويؤنّث، ويُطلق على المفرد، ويطلق على الجمع (وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا عَمِينَ) عمين: جمع عمٍ، أي أعمى عن الحق أعمى، البصيرة ليس من عمى البصر، بل من عمى البصائر والعياذ بالله، قصة الطوفان جاءت في سوره أخرى - في سورة هود- وجاءت قصة نوح في سورة قائمة بذاتها، سورة نوح، وهنا جاءت القصة مختصرة للتذكير، والعظة، وللعبرة، وانتقلت الآيات لقصة أمة أخرى.
وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۗ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿65﴾
قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى سَفَاهَةٍۢ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ﴿66﴾
قَالَ يَـٰقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌۭ وَلَـٰكِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿67﴾
أُبَلِّغُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّى وَأَنَا۠ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴿68﴾
أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍۢ وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَصْۜطَةًۭ ۖ فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿69﴾
قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿70﴾
قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌۭ وَغَضَبٌ ۖ أَتُجَـٰدِلُونَنِى فِىٓ أَسْمَآءٍۢ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍۢ ۚ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ﴿71﴾
فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۖ وَمَا كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ ﴿72﴾
عاد: قوم جاءوا بعد قوم نوح، زادهم الله (تبارك وتعالى) في الخلق بسطة، وتكلمت الكتب عن قوتهم، وطولهم، أقصرهم طوله ستون ذراعا، أطولهم طوله مائة ذراع، فقد كانوا في الخلق أضخم، وأعظم، وأطول من آدم، وذرية آدم، وقوم نوح، قالوا في شأنهم الكثير، قالوا: إن الرجل منهم إذا ضرب الأرض برجله غاصت رجله في الأرض، كانوا يسكنون باليمين، بين عمان، وحضرموت، بالأحقاف، (هود) رسول، بُعث إلى عاد، من أفضلهم حسباً، ومن أفضلهم نسباً (قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۚ ) نفس دعوة نوح، هي دعوة الرسل جميعا (ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ) سؤال ألا تخافون عذابه، ألا تخافون عقابه، ألا تلجئون إلى رحمته (قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى سَفَاهَةٍۢ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ (٦٦)) في قوم نوح قال (ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦٓ) إذاً فقد كفر الأشراف جميعا من قوم نوح، وكفر الأغنياء جميعا، ولم يؤمن بنوح إلا الضعفاء حتى قيل لم يكن معه إلا أربعون رجلا، وأربعون امرأة، ألف إلا خمسين عاما يدعوهم يوصي الأب ابنه، وهو على فراش الموت إياك أن تؤمن بهذا الرجل، أما قوم هود فيبدو أن بعض الأغنياء، وذوو السلطان آمنوا به؛ لذا نجد التعبير في الآية (قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦٓ) إذاً هناك بعض الملأ الذين آمنوا قال: (إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى سَفَاهَةٍۢ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ) السفاهة: خفة العقل، السفاهة، سفاهة الأحلام، الثوب السفيه: الخفيف، الشفاف.
(إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى سَفَاهَةٍۢ ) مبالغة في اتهامه بخفة العقل، والجنون (وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ) الظن هنا ليس بمعنى الشك، بل هو بمعنى اليقين، متيقنين من أنه كاذب، أو هُم في شك أهو كاذب، أم هو مجنون، أم ما يقوله ناشئ عن ادعاء، وكذب، أم ناشئ عن سفاهة العقل، وخفته، وكان الرد المنطقي بحلم الرسل، وبأدب الدعاة.
( قَالَ يَـٰقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌۭ) رد في منتهى الأدب، منتهى الحلم، خُلُق الرسل ليس بي أي نوع من أنواع السفاهة (وَلَـٰكِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ) (أُبَلِّغُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّى وَأَنَا۠ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)) إذاً فقد اشتهر بينهم بصفتين: صفة الأمانة، وصفة النصح الإخلاص توجيهه إلى ما فيه صلاحهم (أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ ) نفس السؤال من الطبيعي، ومن المنطقي أن يكون الرسول متكلما بلغة من أُرسل إليهم، وأن يكون بشرا، وأن يكون معلوما، معروفا لديهم هل هذا يثير العجب؟ لينذركم، ليحذركم وقد أعذر من أنذر، ثم ذكّرهم بالنعم، واذكروا نعمة الله عليكم، ونعمة الله على قوم هود أن جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح، المدة بين قوم نوح، وقوم هود غير معلومة، وإن كان البعض قد تكلم فيها، والعبرة في القصص أن يتذكر الإنسان، وأن يتعظ حتى لا يقع فيما وقع فيه الهالكون (وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَصْۜطَةًۭ ۖ ) بسط: وسّع، البسط ضد التضيق، والتقدير، الخلق: الأجسام، أي زادكم في قوة الأجسام.
(فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) الآلاء: النعم، جمع إِلْي كحِمْل، أو جمع أَلَى كقَفَا، و أقفاء، أو جمع أُلْي، كقُفْل، وأقفال، أو جمع إِلًى كمِعىً، و أمعاء.
(فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ) نعمِة التي لا تعدوا لها، ولا تحصى (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) حتى يحدث لكم الفلاح، والنجاح في دنياكم وأخراكم، حين ذكرهم بآلاء الله (تبارك وتعالى) من كفر من ملئه، (قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا ۖ ) تحدوا دعوة نبيهم، تحدوا دعوة رسولهم في أنه يدعوهم إلى عبادة الواحد الأحد، إذاً فقد أقروا، وفي كلمة (أَجِئْتَنَا) شيء من الاستهزاء كأنه كان بعيدا عنهم، أو كأنه نزل من السماء، أو كأنه جاء من مكان غير معروف (أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُۥ) هل في هذا تعجب؟ هل في هذا سؤال؟ (وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا ۖ ) إذاً فقد ألفوا ما هم عليه، وأعمالهم تقليد الآباء، فقد كانوا يعبدون الأصنام (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ) إن كنت صادقا في دعواتك، ورسولا حقا هلمّ وائتي بالعذاب الذي توعدتنا به، ومن الغريب في شأن الأمم المكذبة، وفي حال المنكرين أنهم ما سألوا الله الهداية أبدا، لِمَ لمْ يطلبوا الهداية؟ وكذلك فعل مشركوا مكة، حيث قالوا: (وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٢)) [سورة الأنفال آية: ٣٢] ولم يقولوا: إن كان هو الحق من عندك فاهدنا إليه، تعنّت، وتحدّي، واستكبارا، وكأن الكفر نشأ من الكبر، وكأن خطيئة إبليس التي حكت عنها الآيات، وكان سببها الكبْر سرت من إبليس إلى الكفار، هؤلاء الكفار في جميع الأمم ما منعهم من الإيمان إلا أمر واحد، الكِبْر، كيف يُبعث رجل منهم؟ كيف يتميز، ويتفضل عليهم؟ كيف يصبحون له أتباعا بعد أن كانوا سادة؟ وكانوا أشراف القوم، دفعهم هذا الاستكبار ليس للكفر بنبيهم، أو الكِبْر عليه فقط، بل دفعهم الكِبْر على الله، والاستكبار عن كلامه، والاستكبار عن الحق (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ) (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌۭ وَغَضَبٌ ۖ ) وهكذا ربنا تبارك وتعالى يجيب كل داع لما سأل، وقد حذّرنا من الدعاء بالشر، فأمرنا بالدعاء الطيب، والسؤال الطيّب، ونبّهنا رسولنا (صلى الله عليه وسلم) أما القرآن فقد قال عز من قائل: (ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ (٥٥)) [سورة الأعراف آية: ٥٥] وقال رسولنا (صلى الله عليه وسلم) (اسْأَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ) فقد طلب قوم هود العذاب، قالوا له: ائتنا بعذاب الله، وكأن الأمر بيده، استكبار، وسوء أدب، وتعنّت، كأن الأمر بيده يأتيهم بالعذاب إن شاء هو، فردّ عليهم (وَقَعَ عَلَيْكُم) حق وواجب ما طلبتموه، وأنتم الطالبون له (مِّن رَّبِّكُمْ) وليس مني، فليس بيده شيء (رِجْسٌۭ وَغَضَبٌ ۖ ) الرجز: من الارتجاز، والارتجاز الاضطراب، أُطلق على العذاب؛ لأن من نزل به العذاب لابد وأن يصيبه الاضطراب، فالرجز هو العذاب الذي ينشأ منه اضطراب شديد، والغضب إرادة الانتقام، فإذا نُسب الغضب، أو نُسب الحب إلى المولى (عز وجل) فالله ليس كمثله شيء، فيقال عن الحب، إرادة الثواب، ويقال عن البغض إرادة الانتقام؛ لأن الله (تبارك وتعالى) منزه عن مشابهة الحوادث، ومشابهة الناس، والحب انعطاف، وميْل وما إلى ذلك، والبغض تغيّر في النفس، وربنا (تبارك تعالى) يغيّر ولا يتغيّر، من هنا إذا أحب أراد أن يثيب المحبوب، وإذا أبغض أراد أن ينتقم (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌۭ وَغَضَبٌ ۖ ) ومع ذلك بدأ هود يجادلهم بالمنطق (أَتُجَـٰدِلُونَنِى فِىٓ أَسْمَآءٍۢ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍۢ ۚ فَٱنتَظِرُوٓا۟) الجدْل، والجدال: المناقشة والأخذ بدفع الحجج، من جدْل الحبل لَىّ الحبْل، وكأن المجادل يستخرج ما عند الآخر باللف، بلَي الكلام، وهكذا.
(أَتُجَـٰدِلُونَنِى فِىٓ أَسْمَآءٍۢ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم) لو أن الأصنام آلهة مستحقة للعبادة كان لابد من وجود ما يدل على استحقاقها، فالمستحق للعبادة هو النافع، هل تنفع؟ المستحق للعبادة هو الضار، هل تضر؟ لا تنفع، ولا تضر نفسها، فكيف بغيرها هل خلقت؟ هل رزقت؟ هل أوجدت؟ إن كان هناك ما يستحق للعبادة في الأرض من دون الله فلابد أن يكون مستحقا للعبادة، أو أنزل الله أمراً، أو سلطاناً، أو حجة، أو بيان لاستحقاقها للتعظيم، فهل هي كذلك؟ إذاً فكل ما هناك من دليل على أنها آلهة أنها تسمى بأسماء الآلهة فقط، هي حجارة زعمتم وأطلقتم عليها أسماء الآلهة كاللات والعزة (اللات من الله)، (العزة من العزيز) مجرد أسماء وضعتموها أنتم، وآباؤكم، فما هو الدليل؟ منتهى الحجة، منتهى البرهان منه، منتهى الحق، فهل إذا سميت ولدك كريم فهل معنى ذلك أنه كريم فعلا، أو سميت ولدك صالح فهل معنى ذلك أنه من صالحين وأنه من المستحقين للجنة فهو اسم فقط، (فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ) طالما بقيتم على كفركم واستكباركم، فانتظروا إني معكم من المنتظرين؛ لنرى النتيجة، ونرى لنهاية.
(فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا) إذاً فالنجاة بالرحمة، هود بعد إهلاك قومه قيل قد هاجر إلى مكة هو الذين آمنوا معه، عبدوا الله (تبارك وتعالى) في مكة حتى ماتوا، حتى قضيت أعمارهم، فنجاه والذين آمنوا معه برحمة منه، فها هو هود نبي مُرسل بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، هل نجا لإيمانه؟ هل نجا بتقواه؟ هل نجا لأنه أبلغ رسالة الله؟ كيف نجا وبما نجا؟ برحمة الله.
(وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۖ وَمَا كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ) الدابر: الآخر، آخر القوم: أي قطعنا آخرهم، أي أن الله (تبارك وتعالى) لم يترك لهم نسلاً، وأن الله (تبارك وتعالى) استأصلهم عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا هؤلاء الذين آمنوا بهود (وَمَا كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ) أي أن الله (تبارك وتعالى) نفى عنهم الإيمان، الكِبْر آفة، الكبر أعظم الأمراض، الكبر أخطر الجرائم، والكبر أنواع، والكِبْر معناه أن يضع الإنسان نفسه حيث لا يجب، يرفع نفسه على الآخرين، هذا المتكبر بماله، حين وُلد لم يكن له مال، والمال زائل، والمال مِلْك الخالق المال، فكيف يتكبّر الغني بماله! كيف يتكبر القوي بقوته، ومع الأيام تتساقط الأسنان، ويضعف البصر، ويقل السمع، وترتعش الأيدي، وتضعف الأرجل، فكيف يتكبر بقوته، والأيام تطوى وتطوى معها قوته!! والمتكبر بسلطانه، أي سلطان دائم، وأي جاه بقي! أين سلطان فرعون؟ أين مال قارون؟ أين بطش عاد، وإرم التي لم يُخلق مثلها في البلاد؟ أين قوتهم؟ أين أجسادهم؟ أين الرؤساء، والملوك في كل عصر وفي كل حين؟ فالمتكبر غافل، مخدوع، مغرور؛ لأنه يتكبر بما ليس له، وما ليس بدائم، لا يدوم إلا الله، هو الدائم، ولا يبقى إلا العمل الصالح، والاتجاه إلى الله (تبارك وتعالى) بالدعاء، والعبادة، والطلب والاضطرار، والضعف، والاستكانة، إذا شعرت بضعفك، وأقررت باحتياجك إلى الله (عز وجل) رُحمت، الغاية والهدف من هذه الدنيا، ومن الرسالات، ومن بعثة الرسل هو شيء واحد، أن تعلم أنك مخلوق ضعيف، وأن لَك خالِق، هذا الخالق الموجِد أرسلك في هذه الدنيا، وأوجدك فيها لاختبارك، وامتحانك فرصة أخرى بعد أن وقع أبوك في امتحانه الأول، ونسي، وعصى، مُنح الفرصة الأخرى، ومُنحت ذريته الفرصة الأخيرة، فأنت في امتحان كل ما على الأرض زينة تُبتلى بها (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةًۭ لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا (٧)) [سورة الكهف آية: ٧]، ثم بعد ذلك (وَإِنَّا لَجَـٰعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًۭا جُرُزًا (٨)) [سورة الكهف آية: ٨]، إذاً صحتك سؤال، ماذا تفعل بصحتك؟ جمالك سؤال، مالك سؤال، جاهك سؤال، امرأتك سؤال، أبناؤك سؤال، كل ما أعطاك الله في هذه الدنيا أسئلة أنت مطالب بالإجابة عليها، المهم أن الله (تبارك وتعالى) من رحمته أملى علينا الإجابة مسبقا، فقال (وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ (٢٨)) [سورة الأنفال آية: ٢٨]، أعطاك الإجابة، فماذا تنتظر بعد ذلك؟! من أعرض عن السؤال، وأعرض عن الإجابة رغم وضوحها، ذاك هو الأعمى، وأعمى البصيرة، وأعمى القلب، ما أنت فيه من عَرَض كان لغيرك قبل أن يصير إليك، وهو صائر لغيرك من بعد، إذا علمت أن ليس لك من هذه العَرَض إلا ما أخذت لنفسك، ماذا أخذت لنفسك؟ ماذا أنت مجيب؟ وأعلم أنك واقف أمام الله (تبارك وتعالى) ليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان، من نوقش الحساب هلك، ذاك قول المصطفى؛ لأن السائل يسأل ليعلم، وربنا العليم، العلاّم، السائل يسأل ليختبر، وقد مضت فترة الاختبار بانقضاء الدنيا، إذاً لا يسأل ليعلم، ولا يسأل ليختبر السائل، والسائل يسأل ليعاتب، لما فعلت ذاك ولما فعلت ذلك، فتعتذر، وربنا (تبارك وتعالى) حين يسأل لا يقبل العتاب، لا يستعتبون (وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)) [سورة المرسلات آية: ٣٦] إذاً فحين يسأل، يسأل ليعذب، يسأل ليُلزم المسئول الحُجة، يسأل ليقال للمسئول (كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًۭا (١٤)) [سورة الإسراء آية: ١٤]؛ ولذا يقول النبي، صلى الله عليه وسلم، حين سألته إحدى زوجاته كيف يا رسول الله وربنا تبارك وتعالى يقول: (مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ ﴿۷﴾ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًۭا يَسِيرًۭا ﴿۸﴾) [سورة الانشقاق آية: ۷ - ٨]، قَالَ: ذَلِكَ الْعَرْضُ)
أيها الأخ المسلم، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) (اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ) وحين سُئل عن حق الحياء، أمرنا بحفظ الرأس وما وعى، وحفظ البطن وما حوى،الرأس الفكر، العقيدة، الرأس يدخل فيها النية، ويدخل فيها كل ما تحدث به نفسك، والبطن يدخل فيها كل أنواع الشهوات ربنا (تبارك وتعالى) لطيف بعباده من رفع إليه يديه، لا يردها أبدا، ومن لجأ إليه يستحيل أن يخيب، ومن توكلّ عليه يستحيل أن يضام، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، فيجب على الإنسان أن يقر بضعفه، وأن يقر بخالقه، وأن يلجأ إليه، فإن العاقل من اتعظ بغيره، والكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، أهلك ربنا (تبارك وتعالى) عاد، وجاءت أقوام من بعدهم، واستخلف ثمود، ولا شك أنهم علموا بما حاق بسابقيهم، والعاقل من اتعظ بغيره، ولكن الكافر لا عقل له، والكفار كالأنعام، بل هم أضلّ، وسّع الله عليهم في الأرزاق، وأطال في أعمارهم حتى قيل: إن البيوت كانت تبلى قبل فناء أعمارهم، فسكنوا الجبال، وسّع الله (تبارك وتعالى) عليهم، وبارك لهم في الثمرات، وأنعم عليهم، لكنهم استمرؤوا العصيان، وغرتهم الدنيا، وتبعوا مترفيهم، وغفلوا عن الواحد الأحد، واتخذوا الآلهة، وعبدوا الأصنام، فبعث الله (تبارك وتعالى) فيهم رجلا منهم، من أوسطهم نسبا، ومن أفضلهم حسبا، واسمه يدل عليه (صالح)، دعاهم صالح إلى عبادة الله الواحد الأحد، دعاهم إلى عبادة المنعم المتفضل، فاستهزؤوا به، هو يدعوهم إلى النجاة، وهم يستهزئون به، ويؤذونه ويؤذون من آمن معه، ثم جاء الأمر الفيصل؛ إذ قال له كبير منهم: يا صالح تزعم أن لك إلها يقدر على كل شيء، وهو الذي أرسلك، هلمّ معنا نخرج إلى البراح، فندعو آلهتنا، وتدعو إلهك، فمن استجيب له تبعه الناس، وخرج معهم صالح، ودعوا آلهتهم بأشياء، فلم يستجيبوا لهم، وهل تستجيب الأحجار، وهل تستجيب الأصنام؟! فقال لهم صالح: ماذا تطلبون قالوا: وأشاروا إلى صخرة صلدة صمّاء، قالوا: إن كنت صادقا حقا، فسَلْ إلهك أن يخرج لنا أمام أعيننا من هذه الصخرة الصماء ناقة عاشوراء، براء لا عيب فيها، ولا شية فيها، فدعا صالحٌ ربه، وإذا بالصخرة يخرج منها صوت كصوت الأم، حين تضع، وتتفتح، وتشقق، وتخرج ناقة عظيمة الحجم، جميلة الشكل، حامل في شهرها الأخير، فآمن له بعض الناس، آمن المستضعفون منهم، وآمن بعض الأشراف، وولدت الناقة، وجاء وليدها في مثل عظمها من الحجم، وجمال الشكل، وحذرهم من أن يقتربوا منها بسوء، وقال رزقها على خالقها، فلم يكلفهم بمؤنة رزقها، وأمر أن يتركوها يوما تشرب، ولا يشاركوها الشرب، وهم يشربون يوما، وهي لا تشاركهم في الشرب، فكانت الناقة تشرب في يومها، وتظل تشرب حتى يفرغ ماء البئر، وفي اليوم التالي لا تقترب من الماء، وتترك ضرعها فيحلبون لبنا أشهى، وألذ من العسل، يكفيهم جميعا، يشربون منه، بل ويدخرون منه، ولكن الكفار لا يستسلمون للحقيقة، والحق، وكبرهم يمنعهم من الانصياع لأمر الله، فتآمر تسعة منهم بليْل، وانبعث أشقاهم، رجل عزيز في رهطه، وأمروه بعقرها، فعقرها، ولما عقرها هرب الفصيل - الوليد-، حين هرب الفصيل، وعلم صالح، خاف على قومه، فصرخ فيهم أدرِكوا الفصيل، أدركوا الفصيل، فلم يدركوه، وذهب الفصيل إلى الصخرة، ورغى ثلاثة - أخرج صوتا ثلاث مرات - فانفتحت الصخرة، فدخل الفصيل، وغُلقت عليه الصخرة، هذا الفصيل الذي دخل في الصخرة من أيام هود ربما يكون هو الذي يخرج في آخر الزمان، وهو الدابة التي جاء ذكرها في القرآن (وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةًۭ مِّنَ ٱلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)) [سورة النمل آية: ٨٢] حينئذ قال لهم صالح: موعدكم بعد ثلاث، إذ رغى الفصيل ثلاث، فكأنه أعطاهم المهلة ثلاثة أيام، قال في اليوم الأول تصبحون وجوهكم مصفرة، وفي اليوم الثاني وجوهكم محمرة، وفي اليوم الثالث وجوهكم مسودة، ثم يحيق بكم العذاب، يحكي ربنا تبارك و تعالى علينا قصة ثمود، بعد أن قص علينا قصة آدم في أول السورة التي نحن بصددها، قصة آدم وما فيها من عظة وما فيها من عبرة، وكيف عُهد إليه فنسى، وكيف أعطى فرصة أخرى، وكيف رحم الله تبارك وتعالى ذريته، وتعهدهم بالرسالات، وساقت السورة الأدلة على وحدانية الله، قدرته، وإنعامه، وتفضله، وبينت لنا مشهد من مشاهد يوم القيامة، وكيف يكون الحوار بين أهل الجنة، وأهل النار، وبينت المصير، وأنه ليس بعد هذه الدار من دار إلا الجنة أو النار، وحذرنا من نزع لباس التقوى، وبيّن لنا عداوة إبليس، وكيف أنه يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم، وقصّ علينا قصص الأمم السابقة عظة وعبرة، وقص علينا قصة نوح مع قومه، وقصة هود مع قومه، وها هو يقص علينا قصة ثمود يقول عز من قائل:
وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًۭا ۗ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ هَـٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةًۭ ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍۢ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿73﴾
وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ عَادٍۢ وَبَوَّأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًۭا وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتًۭا ۖ فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿74﴾
قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحًۭا مُّرْسَلٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِۦ مُؤْمِنُونَ ﴿75﴾
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا بِٱلَّذِىٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ﴿76﴾
فَعَقَرُوا۟ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿77﴾
فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ ﴿78﴾
فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَـٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِينَ ﴿79﴾
(فَعَقَرُوا۟ ٱلنَّاقَةَ) نحروها، العقر أصلا: قطع عرقوب البعير، وكانوا حين ينحرون الإبل يعقرونها قبل النحر، حتى لا تتحرك، فعُبر عن النحر بالعقر، عقروا الناقة، لم يندموا على هذا الفعل، فمن غريب أن الكفار لا يتعظون، ومن عجيب أن المستكبرين لا ينتصحون، ها هي ثمود آية، معجزة، بيّنة، واضحة، حية، معجزة دائمة، يرونها ليل نهار عقروها، يبيّن ربنا (تبارك وتعالى) أن العقر كان نتيجة الاستكبار، والتشدد، والغلّو في الفجور، فيعبر القرآن عن ذلك (فَعَقَرُوا۟ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ) عتى يعتوا عُتوَّاً، وعِتِيّاً وعُتِيِّاً: اشتد في العلو، والاستكبار، وبلغ الحد، والنهاية. فالعصيان أنواع: هناك عاص لظروف لضعف إرادة، لمزيد شهوة، لفقر مدقع، لجهل بالأمر والنهي، وهناك عصيان فيه العناد، كعصيان إبليس، وفيه الكبر، وفيه التحدي هؤلاء حين عقروا الناقة لم يعقروها جهلا، وإنما حين عقروها، عقروها عناداً لله، ومحاربة له؛ لذا يقول: (وَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ) ترفعوا عن الطاعة، ترفعوا عن الاستجابة، لم يطلبوا الهداية، وطلبوا العذاب، فجاءهم العذاب بناء على طلبهم، كما طلب قوم هود (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿۳٢﴾) [سورة هود آية : ۳٢] وانظر وتأمل لحلم الله ورحمته، وما ربك بظلام للعبيد، يترك الفاجر، ويترك الكافر، ويترك العاصي، ويرزقه، ويستره، ويحلم عليه لعل وعسى، فإذا تعجل الكافر العذاب، وطلبه فنزل به، وما ربك بظلام للعبيد.
(وَقَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ) لم يقولوا: أدع لنا ربنا أن يهدينا، أن يغفر لنا، أن يوفقنا، أن ينير لنا الطريق، أن يأتينا بمزيد من المعجزات، والبينات، أن يشرح صدورنا للحق (ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ) عتو، وجبروت، وظلم (فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ) الرجفة: الاضطراب، الحركة مع صوت
كي نوفّق بين هذه الآية، وآية سورة هود (وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ (٦٧)) [سورة هود آية: ٦٧] فالصيحة شيء، والزلزلة شيء، فحين يقول (فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ) فاعلم أن الرجفة حدثت نتيجة الصحية، صِيِح بهم من السماء، فيه جميع الأصوات التي خلقها الله في الدنيا، صوت الأسد، صوت الثعبان، صوت الحية، صوت الكلاب، صوت الرعد، جميع الأصوات، جُمعت في صيحة واحدة، فتزلزلت الأرض بهم، ورجفت، فوقعوا على صدورهم خامدين (فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ) الجثوم للإنسان، والطير، بنزلة البروك للبعير، جثم الطائر أي وقع على صدره ولم يتحرك، جثم الإنسان: وقع على صدره، على رُكبه، وصدره، ووجهه، إذاً فقد انقلبوا على وجوههم، بلا حراك، العاقر واحد (إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشْقَىٰهَا (١٢)) [سورة الشمس آية: ١٢] وفي موضع آخر (وَكَانَ فِى ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍۢ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴿٤۸﴾ قَالُوا۟ تَقَاسَمُوا۟ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِۦ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِۦ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ﴿٤۹﴾) [سورة النمل آية: ٤۸ - ٤٩] كانوا تسعة، ثمانية محرِّضون، وواحد فاعل، لم يهلك ربنا التسعة، بل أهلك الجميع؛ لأنهم رضوا بفعل الفسقة، والكفار، نجّا الله صالحا، والذين آمنوا معه برحمته، وأخرجهم من الأرض قبل أن يحل بها ما حلّ، (فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَـٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِينَ) كل كافر في كل زمان، وكل فاسد في كل زمان، معاند، متكبر، يرفض النصح ولا يقبله، هل قال صالح ذلك قبل إهلاكهم، حين لم يستجبوا له، وعقروا الناقة، أم قال ذلك بعد موتهم؟ يعلم الله (فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ) قبل إهلاكهم (وَقَالَ) مودِّعا (يَـٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ) أخلصت لكم في التوجيه، والإرشاد مع خلوص نيتي عن الشوائب (وَلَـٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِينَ) شأنكم شأن الكفار في كل زمان ومكان، أو بعد ما أهلكوا نظر إليهم كما فعل محمد (صلى الله عليه وسلم) يوم بدر حينما خاطب الكفار في القليب بعد ما قُتلوا، وأخزاهم الله وقال لهم: (هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا) قالوا: يا رسول الله إنهم أموات قال: (مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا قُلْتُ مِنْهُمْ) فربما قال لهم صالح ذلك قبل أن يهجرهم، وقبل الهلاك، وإما قال لهم ذلك بعد الهلاك، وخاطبهم في قبورهم أو في أماكنهم، ثم تأتي بعد ذلك قصة قوم ارتكبوا فاحشة لم يسبقهم فيها أحد من العالمين، فلم يُرى ذكر فوق ذَكَر، قبل قوم لوط، لم يحدث لا في البهائم، ولا في الناس، ولا في الطيور، ولا في أي مخلوق، اخترعوها، وابتدعوها، هاجر إبراهيم (عليه السلام) من أرض بابل، مع من آمن به، وكان من ضمن المؤمنين به لوط، وهو ابن أخيه، نزلوا في الشام، نزل إبراهيم بفلسطين، ونزل لوط بالأردن، وأرسله الله (تبارك وتعالى) إلى قوم سدوم، وما حولها من القرى لينذرهم، ويحذرهم، فقد ابتدعوا فاحشة لم تحدث على الأرض من قبل.
وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿80﴾
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ مُّسْرِفُونَ ﴿81﴾
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌۭ يَتَطَهَّرُونَ ﴿82﴾
فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ ﴿83﴾
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًۭا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿84﴾
والإسراف: تجاوز الحد في كل شيء، وانتبه كيف يأتي الإسراف، المعاصي منها الصغير، ومنها الكبير، الصغائر قبلها الخواطر، إذا استسلم الإنسان للخواطر السيئة أدت به إلى الصغائر، فإذ استمرأ الصغائر، أدت به إلى الكبائر، وإذا أحب الكبائر وألِفها واعتادها، أدت به إلى الكفر، ذاك هو الإسراف، لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار، فمن أصر على الصغائر فهو مرتكب للكبائر، ومن استغفر بعد الكبائر غُفرت له الكبائر، والصغائر (إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا (٣١)) [سورة النساء آية: ٣١] ها هم يخبرهم لوط بأن الإسراف أدى بهم إلى ذلك، الإسراف في كل شيء ممنوع، الإسراف في الطعام (وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ (٣١)) [سورة الأعراف آية: ٣١] الإسراف في العواطف ممنوع (أحبِبْ حبيبك هونا ما، عسى أن يصبح عدوك يوماً ما، وابغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يصبح حبيبك يوماً ما).
الإسراف في المال ممنوع، الإسراف في كل شيء ممنوع (لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ (٣١)) [سورة الأعراف آية: ٣١] لذا قال لوط مخبرا: (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ مُّسْرِفُونَ) ماذا كان الجواب؟ رجل مخلص ناصح، أمين يتكلم بالمنطق والعقل، وأهم من ذلك كله أنه رسول الله ينصح، يوبخّ، يقرِّع، ثم يخبر عن السبب ناصحا لهم، هل أجابوه بمنطق؟ هل أجابوه بعقل؟ هل أجابوه بحجة؟ هل بيّنوا سبب ما يأتون، أو سبب ما يرتكبون؟
( وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ) حين يقول الله ذلك كأنه يقول لك: لم يكن لهم أي جواب، لم يجيبوا (إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ ) اطردوهم، واتقوهم، وتأمل في سبب الإخراج (إِنَّهُمْ أُنَاسٌۭ يَتَطَهَّرُونَ) سبحان الله، عابوهم بغير عيب، كما يعيب أهل زماننا المتمسكين بدينهم بقولهم الأصوليين، الأصولية الإسلامية ما هي؟ التمسك بكتاب الله، وسنّة رسوله، الأصولية: أن نرجع إلى الأصل، ما الأصل؟ الأصل سيد الخلق، وسنّة سيد الخلْق، وأمر رب الخلْق، ها هو الزمان يعيد نفسه، عابوهم بغير عيب، عابوهم بما يُمدح به الناس والله يقول (إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)) [سورة البقرة آية: ٢٢٢]، (إِنَّهُمْ أُنَاسٌۭ يَتَطَهَّرُونَ) التطّهر: التنزه، الترفع عن النجاسات، الترفع عن السخافات، التطهّر: معنوي، ومادي، التطهّر المادي: تطهير البدن بالاغتسال الدائم، والتطِيب الثياب.
التطهّر المعنوي: البعد عن الفُحش، البعد عن المعاصي، البعد عن الخواطر، وتطهّر القلب كذلك بخلّو القلب من الغِلّ، والحسد، والغش، والحقد، وتطهّر اللسان بالبعد عن النميمة، والغيبة، والوقوع في أعراض الناس، وتطهر اليد بالعفة عن الحرام.
فالتطهّر: هو التنزه عن كل ما لا يليق، التنزه عن النجاسات، والأقذار المعنوية، والحسية
(فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ) أنجاه الله (تبارك وتعالى) والذين آمنوا به، وبناته كن مؤمنات بأبيهم إلا امرأته، زوجته أقرب الناس إلى قلبه، التي كان من المفروض أن تكون صدرا حنوناً له، كما كانت سيدة نساء العالمين، وكان حنانها الدواء الناجح حين عاد يرجف فؤاده، ضمته إلى صدرها، وأجلسته إلى حجرها، وقالت: والله لن يخزيك الله أبدا؛ لذا كانت مستحقة لهذا اللقب سيدة نساء العالمين، خديجة بنت خويلد، لم تحج، لم تصل، لم تزك، آمنت بالله، صدّقت برسول الله، ها هي امرأة لوط خائنة، الخيانة هنا بمعنى أنها كفرت بزوجها، لم تؤمن به، لم تكن بردا وسلاما له، فلم يغن عنها أنها زوجة رسول الله، كانت تخبر الكفار عنه، بل وأنبأتهم بالضيفان، فهي التي وشت، لم تخنه الخيانة التي نعرفها، بمعنى أنها واقعت غيره من الرجال، إذ ما أدخل الله على نسب نبي حراما، ولكن الخيانة، خيانة في الدين، كقول الله (عز وجل) محذرا (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)) [سورة الأنفال آية: ٢٧] خانت الدعوة، وخانت الرسالة (إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ) الباقين في العذاب (غبر) فعل من الأضداد بمعنى بَقي، وبمعنى مضى.
(وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًۭا ۖ ) (مطر) لم يقل ما هو، كأنه يقول لك جاءهم العذاب على هيئة المطر، كيف يكون المطر؟ مدرارا، مستمراً، وكأنه العذاب استمر نزوله عليهم، استمرار نزول المطر، وأي مطر؟ مطراً، ولك أن تتخيل، وإن كان المطر جيء وصفه بعد ذلك (حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍۢ مَّنضُودٍۢ (٨٢)) [سورة هود آية: ٨٢] (فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ) هل أنت متعظ أم لا؟ عقوبة اللواط في شرعنا اختلف فيها الفقهاء، فمنهم من أمر برجم الفاعل، ورجم المفعول به، أُحصنا، أو لم يُحصنا.
ومنهم من قال: إن عقوبة اللواط كعقوبة الزنا، يُرجم المحصن، ويُجلد الأعزب، منهم من قال: بل الحد مذكور في القرآن، ومن وضع حد في غير حد فقد تعدى، وظلم، إذا فهي جريمة يجب فيها التعزيز، والتعزيز يصل من اللوم، والعتاب إلى القتل، ومنهم من أمر بتحريق الفاعل والمفعول به، وفعله بعض الصحابة.
ومنهم من قال: بل يُقتل الاثنان معا، وجاء حديث لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يؤيد هذا الرأي أورده ابن ماجه، والترمذي (مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ) فهي جريمة شنعاء فظيعة، أما القائلون بالتعزير كالإمام أبي حنيفة، فقال: إنه وطأ في فرج لا يتعلق بإحلال، ولا إحصان، ولا يوجب مهرا، ولا يثبت نسباً.
خلافات بين الفقهاء، وإن كنا نرى أن الحديث النبوي، والذي سيق في بعض الكتب منها الصحاح (اقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ) أن عقوبة هذه الجريمة يجب أن تكون القتل، وأخْوَف ما يخاف على الأمة هذا الفعل.
ومن الغريب أن الصحف تتحفنا بنشر أخبار الشواذ، وكيف يقومون بالمظاهرات في الدول الديمقراطية، يطالبون بالحقوق، وكيف أباحت بعض الدول في دساتيرها، وقوانينها الزواج بين الرجال والرجال، بل ويتحفنا الإعلام أيضا بشاشاته المرئية بالمطربين الشواذ على الشاشة، المشهود لهم بهذا يعلقون الأقراط في آذانهم، والقرط في أذن الذكر علامة على أنه منهم، وفي الخارج يعرفون ذلك، ويراه أطفالنا على الشاشة فيعجبون به، ويتغنون بأغانيه، ويؤتى بهم فيستقبلون استقبال الفاتحين، استقبال المصلحين، وتُعقد لهم الندوات، والمهرجانات، والجوائز، والحفلات.
أيها الناس أفيقوا فالدنيا إلى زوال، وما اعتز قوم إلا بتمسكهم بسنّة نبيهم، وبكتاب ربهم، العزة من الله (وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [سورة المنافقون آية: ٨]، وانتبهوا فقد حذرنا رسولنا، صلى الله عليه وسلم، (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ) بل ونبهنا ربنا (تبارك وتعالى) من فوق سبع سموات (وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ ) [سورة البقرة آية: ١٢٠] مهما فعلتم من مدينة، ومن حضارة، ومن أصدق من الله قيلا! لا أحد، ومن أصدق من الله حديثا! لا أحد، ترضون من؟ الدول العظمى التي سارت في طريق قوم لوط، ألم تَرَوْا كيف فعل ربكم بعاد؟! ألم ترَوْا كيف فعل ربكم بثمود؟! ألم تروْا كيف فعل ربكم بقوم لوط؟! لا تغرنكم الزخارف، لا تغرنكم القوة، فكل ذلك إلى زوال، وقد زالت دولة عظمى، خلع رئيسها حذاءه وخبط به على منصة الأمم المتحدة كأنه يهدد العالم فأين هو وأين دولته؟ يتكففون الناس، يبيعون أعراضهم، ويبيعون أسلحتهم، بل ويبيعون دورهم وملاعب الكرة عرضوها للبيع، (وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌۭ شَدِيدٌ (١٠٢)) [سورة هود آية: ١٠٢] اتقوا الله، وعودوا إلى كتاب الله، وسنة نبيكم، وعودوا إلى الأصولية، وطالبوا الحكام بتقنين الشريعة الإسلامية، حتى يصلح أمرنا، وحتى يعز كبيرنا، وصغيرنا.
فما زالت الآيات توالى تقص علينا قصص الأمم التي كذبت، وعتت عن أمر ربها فأُهلكت، قصص عبرة، وعظة لكل سامع، حق لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، أمة خلَفَت ما قبلها من أمم، وسَّع الله (تبارك وتعالى) عليها، استقبلت نِعم الله (تبارك وتعالى) بالكفر، فعبدت غيره، وآثروا الارتزاق من حرام، وابتعدوا عن الحلال، ولم يكتفوا به فبخسوا الناس أشياءهم، وكان الغش ديدنهم، بل وتمادوا في طغيانهم فمنعوا الناس عن الخير، وترصدوا بهم الطرق، والسبل، ضلال وإضلال، طغيان وكفر، فأرسل الله (تبارك وتعالى) إليهم رسولا قيل فيه: إنه خطيب الأنبياء، لحسن محاورته لقومه، ومن تتبع حواره مع قومه والذي جاء طرفا منه في أكثر من موضع في سورة الأعراف، والتي نحن بصددها، وفي سورة هود، وفي سورة الشعراء، لوجد تلطفاً غريبا في حواره معهم، واسمع لقول الله (عز وجل):
وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۗ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿85﴾
وَلَا تَقْعُدُوا۟ بِكُلِّ صِرَٰطٍۢ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًۭا ۚ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًۭا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴿86﴾
وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌۭ مِّنكُمْ ءَامَنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٌۭ لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ فَٱصْبِرُوا۟ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ ﴿87﴾
(وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا ۚ ) نهاهم عن الفساد، قل أو كثر، بعد كل صلاح قل أو كثر، قيل: الفساد في الأرض، الكفر بعد أن أُصلحت ببعثة الرسل، والتنبيه إلى عبادة الواحد الأحد، وقيل: الفساد في الأرض المعاصي، والشرور، والتظالم بعد أن صلحت ببعثة الأنبياء، وبيان الحلال والحرام.
ولكن الآية تدل على أنهم كانوا يفسدون، ولا يصلحون، بل ويفسدون كل شيء بعد صلاحه قل أو كثر (ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (ذَٰلِكُمْ) أي ما أدعوكم إليه خير لكم في الدنيا والآخرة (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) أي إن كنتم مصدقين؛ إذ الإيمان: التصديق، إن كنتم مصدقين لما أقول، ثم نهاهم عن أمر آخر اشتهروا به (وَلَا تَقْعُدُوا۟ بِكُلِّ صِرَٰطٍۢ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًۭا ۚ ) القعود على كل صراط، على كل طريق (تُوعِدُونَ) من الإيعاد، وهو توقّع الشر، أي لا تقعدوا بكل صراط تتهددون الناس، قيل: كانوا يقطعون الطرق السابلة، على المسافرين، وقيل: كانوا يفرضون الإتاوات على الناس بغير حق، وقيل: كانوا يقعدون على رءوس الطرق المؤدية إلى شعيب، فإذا رأوا قادما يريد الوصول إليه والاستماع منه، أو الإيمان به صدُّوه، كما كان يفعل كفار قريش، ويصدون الناس عن الذهاب إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) نهاهم عن القعود بالطرق، بكل طريق للخير، بكل طريق يؤدي إلى شعيب، بكل طريق من طرق الناس، تهددونهم، وتتوعدونهم، وتصدون عن سبيل الله (مَنْ ءَامَنَ بِهِۦ) به: بالله، به: بالسبيل بالطريق المستقيم، به بشعيب، الضمير يعود على واحدة من هذه (وَتَبْغُونَهَا عِوَجًۭا ۚ ) ديدن الكفار في كل مكان ابتغاء العوج، (العِوج) بكسر العين في المعاني، وبفتحها في الأجسام، عَوِجَ الشيء على وزن (تعِب)، والبُغاء: أشد الطلب، أي يطلبون أن تكون طريق الله (تبارك وتعالى) معوّجة غير مستقيم، كيف يكون ذلك؟ بتزهيد الناس في الإيمان، بخداع الناس بقولهم كما يقول بعض معاصرينا: إن الدين لا يتفق مع العقل، أو إن الدين يتعارض مع العلم، أو إن التدين رجعية، أو الإيقاع بين المؤمنين لتختلف كلمتهم، وتتشتت مقاصدهم، فتعوج السبيل بدل الاتحاد والوحدة، والاستقامة، والتآلف، والتراحم، ويحدث الاختلاف، والتفرق، فتعوج، ويتحير الشاب الصغير من يتبع ومن يصدق، ثم ذكّرهم بنعم الله عليهم، الله الذي تركوه، وعبدوا غيره (وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًۭا فَكَثَّرَكُمْ ۖ ) إذ كنتم قليلا في العدد، أو في العُدد فكثركم فمن الذي كثركم؟ الله من الذي رزقكم بالأولاد؟ الخالق، ثم يهددهم (وَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ) أي تأملوا، واعتبروا، كيف كان عاقبة المفسدون: عاد، وثمود، وقوم لوط!
ثم يأتي بجملة من ضمن الحوار غاية في الإبداع، جملة تجعل المتيقن وكأنه مشكوك فيه؛ ليبرز الوعد، والوعيد فيقول: (وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌۭ مِّنكُمْ ءَامَنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٌۭ لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ فَٱصْبِرُوا۟ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ) وكأنه، ومن آمن معه على طرفي سواء مع من لم يؤمن، وكأنه الأمر مشكوك فيه، أنتم لا تعرفون، ولا تدرون أينا على الصواب وأينا على الحق، فلننتظر نحن، وأنتم، دعونا نؤمن بربنا، ونعبد، ونحن ندعكم، وما تعبدون لا تتعرضوا لنا بالمنع، والإيذاء، ولا نتعرض لكم كما قال نبينا (صلى الله عليه وسلم) لكفار مكة (لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلَآ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴿۳﴾) [سورة الكافرون آية: ٢ - ٣] (فَٱصْبِرُوا۟ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا ۚ ) الأمر بالصبر هنا ليس معناه البقاء على الكفر؛ لأنه يدعوهم للإيمان، ولكن الأمر بالصبر هنا معناه الانتظار، والتربّص، انتظروا نرى ماذا يكون وماذا يؤدي إليه الأمر إذ لا معقّب لحكمه، ولا جَوْر في حكمه وقضائه، وهو خير الحاكمين؛ إذ هناك حكام في الأرض يحكمون بين الناس كالقضاة وغيرهم، لكن الله خير الحاكمين؛ لأن حكم الله لا جوْر فيه، ولا ظلم، كان الرد على هذا الحوار المتعقّل، الحوار الهادئ، الحوار المنطقي، الحوار الواضح، رد المستكبرين الذي عَتوْا في الأرض، واستكبروا، واستمرؤوا المعاصي، والكفر.
الجُزءُ التاسع
قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ ﴿88﴾
قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ ﴿89﴾
(رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ) وطالما طلب من الله أن يحكم، إذاً لابد وأن يظهر الحق، ولابد وأن ينمحق الباطل، فاستجيب له، ورغم هذا الحوار ها هم الكفار يعودون مرة أخرى بعد التهديد، بعد الوعيد، بعد التذكير بالنعمة، بعد بيان، وتوضيح دعوة شعيب، التي هي عدل محض، وتراحم بين الناس، ونفي للتظالم، ونهي عن القعود على الطرق، ونهى عن الإفساد في الأرض بعد ذاك.
وَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًۭا لَّخَـٰسِرُونَ ﴿90﴾
فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ ﴿91﴾
هنا يحكي عنهم ربنا فيقول (فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ) وفي سورة هود يقول (وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ) [سورة هود آية: ٦٧] وفي سورة الشعراء يقول (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ ۚ ) [سورة الشعراء آية: ١٨٩]، قال بعض العلماء: ما من نبي إلا وأُرسل إلى أمة واحدة ونبينا (صلى الله عليه وسلم) أُرسل للناس كافة، أما شعيب فقد أُرسل إلى أمتين: أُرسل إلى مدين، وأُرسل إلى أصحاب الأيكة، أما أهل مدين فأُهلكوا بالرجفة، والصيحة إسناد الإهلاك للرجفة هنا من باب الإسناد للسبب القريب، وإسناد الإهلاك إلى الصيحة في سورة هود إسناد للسبب البعيد؛ إذ جاءتهم الصيحة أولا، صِيح بهم صيْحة قيل فيها: كل صوت خلقه الله، فنشأ من الصيحة، الزلزلة، الرجفة، والرجفة: هي الحركة، والاضطراب مع الصوت، فكأن الصيحة أُرسلت، فحدث منها الرجفة، فجثوا، وسقطوا على وجوههم، وصدورهم خامدين، ميتين، أما أصحاب الأيكة فأهلكوا بيوم الظلة.
وقال بعض الناس: بل أصحاب الأيكة هم أهل مدين، وأصلهم أمة واحدة أُهلكوا بالصيحة والرجفة، وعذاب يوم الظلة.
هنا يحكي ربنا (تبارك وتعالى) عما أصابهم بعد ما دعا عليهم شعيب، وبعد ما استكبروا، وتحدوا وقالوا: لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون (فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ) والجثوم للإنسان والطير بمنزلة البروك للبعير، جثم يجثم جثوما: انقلب على وجهه، وسقط على صدره، فلم يتحرك، فأصابتهم الرجفة، فأصبحوا في دارهم جاثمين.
ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًۭا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَا ۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًۭا كَانُوا۟ هُمُ ٱلْخَـٰسِرِينَ ﴿92﴾
غَنِي المكان: أقام به، وعاش في رغد، في نعمة مدة طويلة، والمغنى: المكان، أي ما حدث لهم من إهلاك لهم، ولبيوتهم، ولمواشيهم، ولأموالهم، ولأولادهم، ولكل شيء كأن لم يكن هناك قوم يوما ما في ذاك المكان، إهلاك، قطْع دابر، محو للأثر(كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَا ۚ ) (ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًۭا كَانُوا۟ هُمُ ٱلْخَـٰسِرِينَ) خسروا دنياهم، وخسروا آخرتهم، أخذتهم الرجفة، أخذتهم الصيحة، أُهلكوا بأنواع من العذاب لا نعرفها، ونسأل الله (تبارك وتعالى) ألا يرينا إياها، أما شعيب والذين آمنوا معه، نجوا برحمة من الله (تبارك وتعالى) ولكن الأنبياء في قلوبهم الشفقة، في قلوبهم الرحمة، وتذكرون سيد الأنبياء (صلى الله عليه وسلم) حين كان يبكي ويحزن على قومه، (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)، ونهاه ربنا (تبارك وتعالى) عن حزنه الذي كاد أن يودي بحياته (فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ) [سورة الكهف آية: ٦] أي مهلك لنفسك من الحزن عليهم، لو شاء لهداهم، دع الأمور لله، كذاك الأنبياء يحزنون، حين رأى شعيب ما حلّ بقومه، أخذه الحزن، يحكي عنه ربنا (تبارك وتعالى):
فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍۢ كَـٰفِرِينَ ﴿93﴾
قصص، عبرة، قصة نوح مع قومه، قوم هود، قوم صالح، قوم لوط، قوم شعيب، لكل أمة قصة، لكل أمة إهلاك، ولكل أمة معاصي جمعوها مع كفرهم، قوم فعلوا الفاحشة، وقوم بخسوا الناس أشياءهم، وقوم نقصوا المكيال والميزان، عتوا معاصي متعددة، فإذا جُمعت المعاصي في أمة كيف يكون الحال؟!! يبين ربنا (تبارك وتعالى) أن ديدن الكفار في كل الأزمان واحد، ويحذر، وينبه، ويوضح أن سنته في خلقه منذ الأزل، أن يبتليهم بالبأساء، والضراء، أو يبتليهم بالنعمة، والرخاء، وأن يرسل لهم الأنبياء يدعوهم إليه، إلى رضوانه، إلى جنته، إلى رحمته، من آمن نجا، ومن عصى هلك.
وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍۢ مِّن نَّبِىٍّ إِلَّآ أَخَذْنَآ أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴿94﴾
ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا۟ وَّقَالُوا۟ قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿95﴾
لكن الكلام فيه إضمار ثقة بفهم السامع.
البأساء: ما يصيب المال، والضراء ما يصيب الأبدان، يبتليهم ربنا (تبارك وتعالى) بالفقر، بالقحط، بقلة المطر، بخسارة التجارات، ثم يبتليهم في أبدانهم بالأمراض المعروفة، الأمراض المجهولة العلاج أي يتضرعون إلى الله، ويلجئون إليه، مستجيرين به، فلا يكشف السوء إلا الله، ولا يكشف البلاء إلا الله، كأنها رحمة حتى لا تنسى، فإذا رأيت المرض جاء بلا سبب معهود، لابد وأن تعلم أن هناك شيء، من الذي جاء به؟ القادر الخالق من الذي يصرفه؟ هو، فالجأ إليه، فلعله يقول لك هلمّ إلىّ، لقد نسيت، وها أنا أذكرك بأن لك إلهاً قادرا على كل شيء، من هنا كان الابتلاء في المال، والأولاد، والابتلاء في الأبدان تذكير من الله لعباده، حين غفلوا، ونسوا، فيذكرهم (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ (١٥٥)) [سورة البقرة آية: ١٥٥]، (لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًۭى كَثِيرًۭا ۚ ) [سورة آل عمران آية: ١٨٦]، وهكذا ابتلاءات، فإذا أرسل إليهم نبي آمنوا ليس هناك داع للابتلاء، وليس هناك داع للاختبار، طالما عُلم منك الإيمان، طالما ظهر منك اليقين، لكن إذا كذبوا لا يأخذهم فجأة، بل يحلم عليهم، فيبتليهم بالبأساء، والضراء، لعلهم يضرعون، لم يتضرعوا، ماذا قالوا؟ قالوا: أمراض نسعى إلى اكتشاف أسبابها دون اللجوء إلى الله، ماذا أصابكم من فقر، ولم أُصيب الناس بالفقر؟ كثرة السكان، وما العلاج؟ بتنظيم النسل، أليس هناك علاج يدعونا إلى اللجوء إلى الرزاق؟! يا رب خزائنك لا تنضب، وخزائنك لا تنفد، وأنت خلقت هذا الخلق الكثير، وكثّرتنا بعد أن كنا قلة هل خلقتهم، ونسيت أرزاقهم؟ هل لجأتم إلى الله حين كثر عدد الناس، وكثر النسل؟! وإن جاءت السيول، وإن امتنع المطر، وإن توقف النهر عن الجريان ماذا تفعل؟ نقتل أولادنا، كما فعلوا في جاهلية قريش، يقتلون أولادهم خشية الإملاق (فَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)) [سورة الأنعام آية: ٤٢] ما تضرعوا، وما لجئوا إلى الله، بل اخترعوا الأسباب، وتفننوا، وتكلموا، وحددوا، وخططوا وما إلى ذلك، فقلب ربنا (تبارك وتعالى) لهم الأيام وداولها (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا۟ وَّقَالُوا۟ قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ) أي بدلنا مكان البأساء الذي أصاب الغنى، والأموال، والكثرة، ومكان الضر، والمرض، أُزيلت الأمراض، وشُفيت الأبدان، وقويت الأجساد، وكثرت الأعداد (حَتَّىٰ عَفَوا۟) عفا: كلمة من الأضداد عفا: درس، وانتهى، وعفا: كثر، عفا الزرع: كثر ونمى (حَتَّىٰ عَفَوا۟) كثروا، وكثر عددهم، وكثرت أموالهم، ونمت تجارتهم وانظر إلى الاستدراج حين ذهب عنهم البأساء والضراء، جاءتهم النعمة والرخاء (وَّقَالُوا۟ قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ) قالوا: ونسبوا ما أصابهم من ضر، أو من خير إلى الأيام، تلك عادة الأيام، وذلك ديدن الدهر، يداول الأيام بين الناس، أمة تصعد، أمة تنزل، مرة رخاء، مرة جدب، مرة قحط، تلك عادة الأيام دون داع لذلك، أو تبعة تترتب على ذلك، كأن البأساء والضراء حين يأتيان، يأتيان بلا داعية إليهما، ليس هناك ابتلاء من الله، ولا تبعة تترتب عليها كما يقول رجال الاقتصاد، هي الأسباب، والأيام لا علاقة بالدين، ولا علاقة بالتوجه إلى الله، ولا علاقة بالمعاصي، ولا علاقة بالكفر، ولا علاقة بربنا، كأن الله (تبارك وتعالى) تركنا نتصرف كيف نشاء في هذه الدنيا، دون أن يحاسبنا أو يؤاخذنا، أو حتى يذكّرنا
(فَأَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أخذهم فجأة من حيث لم يحتسبوا، ابتلاهم بالضراء فما نفع، ابتلاهم بالسراء، جاءهم بالفقر، جاءهم بالمرض، ما رفعوا أيديهم إلى السماء، ثم وسّع عليهم ما رفعوا أيديهم إلى السماء، لا في الأولى تضرعوا، ولا في الثانية شكروا، نسبوا المسائل للأيام، أين الرب المتصرف؟! أين الرب المطلع؟! أين الرب المحيط؟! أين هو من الناس (أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)) [سورة القيامة آية: ٣٦]، وليس هناك يوم حساب أليس رب الآخرة هو رب الدنيا؟ بلى، أليس الله موجود من الأزل، ولم يزل؟ بلى، هو الله، لابد أن نلجأ إليه في الضراء، ولابد أن نلجأ إليه في السراء، نشكره حين الرخاء، ونتضرع إليه ونستغفره حين الضراء (فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًۭا ﴿١۰﴾ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا ﴿١١﴾ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍۢ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍۢ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًۭا ﴿١٢﴾) [سورة نوح آية: ١۰ - ١٢] إذا الفقر، والقحط سببه المعاصي، والاستغفار يأتي بالخير، يأتي بالماء، والمطر، يأتي بالرخاء، إذاً علاج قلة الرزق الاستغفار، واللجوء إلى الله، وليس بالنظريات، وليس بقتل الأولاد (نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ ) [سورة الإسراء آية: ٣١] فقد اتضحت سنة الله (تبارك وتعالى) في خلقه، وتعهدهم بالرسالات السماوية، ويرسل لهم الأنبياء، وينزل عليهم الكتب، فإن آمنوا فبها، وإن كذّبوا واستكبروا ابتلاهم، وامتحنهم بالبأساء والضراء؛ لعلهم يضرعون، وكأنه يذكّرهم به، وكأنه يلفت الأنظار إليه، من أتى بهذا الضُر؟ من أصابكم بهذه البأساء علّهم يلجئون إلى الله، ويؤمنون بنبيه ورسوله، الذي أرسله إليهم، فإن لم يفعلوا، ونسبوا الضر والبلاء إلى الدهر والأيام، وهبّ فلاسفتهم بنظرياتهم من أجل كذا، حدث كذا، ولولا كذا لكان كذا، يبدل الله تبارك وتعالى عليهم الأحوال، ويصرف عنهم البأساء، ويرفع عنهم الضراء، ويفتح عليهم أبواب نعمه، يبدل مكان السيئة الحسنة، تكثر أموالهم، وتكثر أولادهم، وتثمر زراعاتهم، ويُفتح عليهم أبواب كل شيء، علّهم يشكرونه، أو يلجئون إليه، أو يتبينون أنه الفعال لما يريد، فإذا لم يفعلوا أخذهم فجأة على غير انتظار وربنا إذا أخذ لم يُفلت، وتأتي الآيات لتبين متى تُفتح أبواب الرزق، ومتى يحيا الناس في نعيم، ورخاء، وما هو السبب، أو الأسباب الموصِّلة للرخاء، ولسعة الرزق، ولشفاء الأبدان، وما هو الطريق إلى العفو، وما هو السبيل إلى العافية، فيقول عز من قائل:
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا۟ فَأَخَذْنَـٰهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿96﴾
(لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ) بالمطر ومن الأرض كذلك بالثمار بالزروع، بالمعادن بما يُستخرج منها، إذا هذا هو الباب، فهل انتبهت إليه الأمم؟ هل سمعوا قول الله (عز وجل): (فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًۭا ﴿١۰﴾ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا ﴿١١﴾ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍۢ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍۢ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًۭا ﴿١٢﴾) [سورة نوح آية: ١۰ - ١٢] هل عرفوا الباب؟ هل عرفوا الطريق، أم أعطوا آذانهم لأصحاب النظريات الممجوجة، فتارة يقدمون نظرية تقول: إن اتساع الرزق وانتشار العدالة بالتأميم، ثم يكتشفون أن ذاك لم يأت بنتيجة فتبرز نظريات أخرى لابد لكي يتسع الرزق وينتهي عنهم الفساد من الخصخصة تلك نظرية، وتلك نظرية أيتهن أصح، أيتهن أجدى، وحين ننظر في كلام الله، تبارك وتعالى، الخالق الذي تكفّل بالأرزاق، ووعد، وقال وهو أصدق القائلين (وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا) [سورة هود آية: ٦] هو المتكفل بالأرزاق، لو سمعنا كلامه لعرفنا أن الرزق ينقص بالمعصية، ولعلمنا أن الرزق يتسع بالطاعة (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم) وكأن الأرزاق في خزائن لها أبواب، فإذا فتحت الأبواب نزلت الأرزاق بغير حساب، وإذا تخيلت صندوقا بابه إلى أسفل، والصندوق في علو، فانفتح الباب لانهمر الصندوق بما هو فيه، فربنا يقول: (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا۟ فَأَخَذْنَـٰهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ) أخذناهم بكسبهم، وما ربك بظلام للعبيد.
وتأتي الآيات بأسئلة تعجبية، أسئلة لكل سامع يعقل، هل سمعتم ما حاق بالأمم المكذبة؟ هل سمعتم بما حدث لأناس كانوا قبلكم يعمرون هذه الأرض؟ إن كنتم قد سمعتم، وعلمتم، فكيف تأمنون أن يحدث لكم، ما حدث لهم؛ لذا يقول الله تبارك وتعالى:
أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتًۭا وَهُمْ نَآئِمُونَ ﴿97﴾
أَوَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًۭى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿98﴾
أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ﴿99﴾
(أَوَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًۭى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) الضحى: ضحوة النهار، ضوء الشمس إذا ارتفعت (وَهُمْ يَلْعَبُونَ) فيما لا ينفع، في لهوهم، مشغولون في لعبهم، وهم لا يشعرون هل أمِنوا ذاك، أم أمِنوا ذاك، إن أمِنوا أن يأتيهم العذاب ليلا، فلن يأمنوا أن يأتيهم العذاب نهارا.
والآيات فيها لفتة تفيد أن الليل في مكان يقابله النهار في مكان آخر؛ إذ لو أتى البأس هؤلاء ليلا لأصاب الآخرين نهارا، آمن ما يكون الناس وهم نائمون، غير مستعدين لشيء، وإذ بالبيوت قد تهدمت، وإذا بالأرض قد خسفت، وإذا بالصواعق قد نزلت، وهم نائمون، هل أمنوا ذلك؟ أم أمِنوا أن يأتيهم هذا العذاب، وهذا البأس في النهار، وهم في أشغالهم، أو في ملاعبهم، أو في لهوهم منشغلين بما لا ينفع في الدنيا، ولا ينفع في الآخرة، فاللعب: الانشغال بما لا يضر، ولا ينفع في الآخرة، فاللعب: الانشغال بما لا يضر، ولا ينفع.
(أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ ) ما هو مكر الله؟
المكر في الناس: الحيلة، التخطيط بليْل، مكر الله استعارة لاستدراج العبد، وأخذه من حيث لا يحتسب؛ ولذا قيل: إذا رأيت الله منعما على عبد، وهو مقيم على معصيته، فاعلم أن ذلك منه استدراج، كما استدرج القرى السابقة.
(بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا۟ وَّقَالُوا۟ قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةًۭ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (٤٤)) [سورة الأنعام آية: ٤٤]
هذا هو مكر الله بمعنى أن يُستدرج العبد، فإذا به في نعمة، في رخاء، في صحة، كثر ماله، وكثر ولده، وعزّ جاهه، فينسى وهو في أوْج هذه الغفلة، وهذا الاستمتاع بالدنيا، يؤخذ من حيث لا يحتسب.
(فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ) ومن عجب أن الخاسرين يأمنون مكر الله، يأمنون استدراجه، ومن عجب أنك ترى الطائع المؤمن الصالح، يأتي بالطاعات، وهو خائف، وجل، مشفق، ويبكي من شدة خوفه (وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ (٦٠)) [سورة المؤمنون آية: ٦٠] والعاصي، والكافر يأتي بالمعاصي وهو آمن تماما، مطمئن، عجبا كيف تؤدي الطاعة إلى الخوف؟! وكيف تؤدي المعصية إلى الأمن؟! إذا رأيت ذلك فاعلم أن هذا هو الاستدراج، استدراج الله للعاصي من حيث لا يدري، أنت تصلي، وتصوم، وتأتي بالطاعات، ومع ذلك تسل الله القبول، وتخشى أن تُرد، تخاف الموت، وتخاف الساعة، وتخاف الحساب، وتستعظم السيئات، تستعظم الصغائر وكأنها كالجبال، وتستصغر الطاعات وكأنها لا شيء، والعاصي يستصغر المعاصي، بل يستصغر الكبائر، بل يباهي بها، وهو آمن مطمئن، وكأن الله لا يرى ولا يسمع؛ لذا يقول الله تبارك وتعالى (أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ)؛ ولذا كان الصديق، ضي الله عنه، يقول: (والله لا آمن مكر الله، ولو كانت إحدى قدمي في الجنة)؛ لأن الله لا يجب عليه شيء، فإن هداك فبفضله، وإن أدخلك الجنة فبرحمته، وإن أدخلهم النار فبعدله، وهم لا يُظلمون، والعبد في هذه الدنيا يتقلب بين الفضل، والعدل، إن أصابه خير فبفضل الله لا لأنه يستحق، وإن أصابته الضراء، فبعدل الله وما كان الله ليظلم أحدا، يتوجه الكلام لكل من يسمع، لنا، ولمن قبلنا، ولمن بعدنا، ولأهل مكة الذين كذبوا الصادق الأمين يقول الله (تبارك وتعالى):
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿100﴾
(لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) لا يصيبهم بذنوبهم فقط، بل يجعل الذنوب والمعاصي تسوِّد القلوب، وتعمى البصائر، فيطبع ربنا على تلك القلوب الكافرة فلا يعقل، ولا يبصر، ولا يسمع، والطبْع: الختم، وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث يقول، ويبين لنا: (إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةً سَوْدَاءَ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ صَقَلَ قَلْبُهُ، فَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ، قَالَ: فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى، (كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ (١٤)) [سورة المطففين آية: ١٤]) العبد يذنب، ويعصي، ولو آخذه الله في التو واللحظة لخسف به، أبسط شيء يقبض روحه على معصية، ولا يمهله حتى يتوب، أو حتى يصبح فيتوب (وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍۢ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)) [سورة النحل آية: ٦١] هل أمِن الناس ذلك؟ لو شاء ربنا لفعل ذلك، لكنه بفضله ورحمته لم يشأ، فأمهل الناس لعلهم يتوبون.
تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآئِهَا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿101﴾
وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍۢ ۖ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَـٰسِقِينَ ﴿102﴾
أو العهد الذي عُهد إليهم من أنبيائهم بالإيمان، أو العهد الذي قطعوه على أنفسهم حين أصابهم الضُرّ، فالإنسان إذا أصابته الضراء، لجأ إلى الله لئن كشف عنه الضر ليؤمنن، وليكونن كذا، وكذا ثم لم يف بالعهد (وَمِنْهُم مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَىٰنَا مِن فَضْلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ) [سورة التوبة آية: ٧٥]، ومع ذلك حين أوتى مالاً خان العهد، ولم يف به (وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَـٰسِقِينَ (١٠٢)) (إن) بمعنى لا النافية (واللام) بمعنى (إلا) أي (وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين)
أو المعنى أن القرى والكفار بعضهم لا أمان لهم، ولا عهد مع فسقه، والبعض الآخر قد تجد فيه الأمانة لكنه فاسق.
أيها الأخ المسلم، قصص لا للتسلية، ولكن كي تعتبر، وكي تنتبه، وتعلم أن ما أصاب القرى المكذبه سنّة إلهية (فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًۭا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)) [سورة فاطر آية: ٤٣] فأنت بين أمرين: إما أن تسير على نهج القرى التي حاق بها ما حاق، وإما أن تتعظ، وتعتبر وتلجأ إلى الله، لا يكشف السوء إلا الله، ولا يسوق الخير إلا الله.
بعد قصص الأمم السابقة تأتي قصة أعتى الجبابرة في الأرض، تأتي قصة فرعون، وما أدراك ما فرعون، فرعون اسم لكل من حكم مصر في الأزمان السابقة، كما أن (كسرى) لقب لكل من حكم الفرس، (قيصر) لقب لكل من حكم الروم (وتُبَّع) لقب لكل من حكم اليمن وهكذا فرعون اسمه لا علاقة له بالقصة، والعبرة وزمنه كذلك ما يعنينا هو العبرة، ذلك الجبار الذي زعم أنه رب الناس، ذلك المستكبر العاتي الذي أمر الناس أن يسجدوا له من دون الله، يحكي ربنا (تبارك وتعالى) فيقول:
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴿103﴾
وَقَالَ مُوسَىٰ يَـٰفِرْعَوْنُ إِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿104﴾
حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ﴿105﴾
(حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ) ، (حقيقٌ علىَّ ألا أقول على الله إلا الحق) قراءة أخرى، والمعنى على تلك القراءة أي وجب علىّ، وحق علىَّ أن أقول الحق، والمعنى على القراءة الأولى: القول لحق وجب عليه، وحق علىّ أن أكون أنا قائله، ولا يرضى القول الحق بغيري ناطقا به، أو (على) بمعنى الباء (حقيق) أي حريص بألا أقول على الله إلا الحق
(قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ (١٠٥)) كان بداية الحوار أن هناك رب ليس أنت يا فرعون، رب العالمين، ربك ورب الجميع، أنا رسول من عنده، معي البينة، ومعي الدليل، معي الآية، ثم بيّن الغرض من الرسالة (فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ (١٠٥)).
قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِـَٔايَةٍۢ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ﴿106﴾
فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿107﴾
وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّـٰظِرِينَ ﴿108﴾
الجان: الحية الصغيرة، لكن العصا حين انقلبت، انقلبت إلى ثعبان عظيم، وكأنه في حجمه حجم الثعبان العظيم، وفي سرعة حركته كأنه جان، أو هي ذات أحوال، مرة في يد موسى حين انقلبت كي لا يخاف خوفا شديدا يهلكه، كانت كأنها جان، فلما انقلبت أمام فرعون كانت ثعبانا ضخما، حكايات كثيرة وردت، منها أنه حين تحولت العصا إلى ثعبان فغر فاه فوضع الفك الأسفل على الأرض، والفك الأعلى فوق جدار قصر فرعون، وكان اتساع الفك ثمانون ذراعا، مات من الرعب خمس وعشرون ألفا، حكايات كثيرة لا تعنينا، ولكن يعنينا العبرة، والعظة؛ لأن ذاك لم يرد في القرآن، لكنها حكايات المفسرين، وبعض التابعين
(وَنَزَعَ يَدَهُ) من تحت إبطه، أو من جيبه - فتحة الجلباب- (فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّـٰظِرِينَ (١٠٨)) كان موسى أسمر اللون، بل شديد الأُدمة، ومع ذلك حين وضع يده في جيبه وأخرجها أضاءت كضوء الشمس، خرجت بيضاء كلون الثلج لها نور يغلب شعاعه شعاع الشمس، فإذا أعادها عادت لما كانت، معجزات، بيّنة، واضحة، وانظر إلى الطبع كيف يكون، الذي حذّر ربنا منه في الآيات السابقة (وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)) [سورة الأعراف آية: ١٠٠] انظر إلى الطبع، عصا خشب تُلقى في الأرض فتتحول إلى ثعبان يسعى، ويجري أمام الناس، يد لونها أسمر توضع تحت الإبط، أو في الجيب فإذا هي بيضاء تضيء كضوء الشمس، معجزات كيف استُقبلت؟ هل بالإيمان؟ أبداً.
قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌۭ ﴿109﴾
يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ ۖ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴿110﴾
قَالُوٓا۟ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ ﴿111﴾
يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍۢ ﴿112﴾
(قَالُوٓا۟ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ (١١١)) (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍۢ (١١٢)) أرجيته وأرجأته: أخرته؛ ولذا قُرأت أرجه، وأرجئهُ بالضمة، وأرجئهُ بإشباع الضم، وأرجئهِ بإشباع الكسرة، قالوا: دعه ينتظر، (وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ) جميع المدن، والقرى حاشرين، ناس يأتوك (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍۢ (٣٧)) [سورة الشعراء آية: ٣٧] ، (بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍۢ (١١٢))، إذاً فقد أجمعوا أمرهم على مواجهة موسى بسحرهم، سحر مقابل سحر، ومحاولة المستميت، فهل نجحوا؟ أرسل فرعون، وأرسل، وأرسل، وانتظر موسى مجيء السحرة وانتظر الناس مجيء السحرة، السحرة الذين كانوا في أول يومهم كفارا، سحرة، وفي آخر يومهم شهداء بررة، فتصور لنا الآيات موقفا، بل تصور لنا منطقا، تصور موقف الطغاة، ومنطق البغاة، تعطي لنا الآيات صورة لحكم الطغاة، صورة لبطانة الشر، صورة لقلب الحقائق في دولة الظلم، والطغيان، فصدق قول النبي (صلى الله عليه وسلم) والذي نبهنا إليه (مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ) ما من رجل يتولى ملكا، أو سلطانا، أو جاهاً، إلا وتُسخر له جماعتان من الحاشية: جماعة خير تذكّره بالله، وتدعوه إلى العدل، والعدالة، والمساواة بين الناس، وجماعة شر جماعة المنتفعين، جماعة الوصوليين، تدعوه إلى الشر، وتحضه عليه، لا عاصم من أمر الله إلا من رحم، فمن التجأ إلى الله، واستعان به، وتوكل على الله حُسمت مادة الشر في ملكه، وأدام الله (تبارك وتعالى) عليه ملكه؛ إذ هو يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك عمن يشاء، قصة موسى مع فرعون تصور حكم الطغيان، تصور كيف استقبل فرعون، وحاشيته، وبطانة السوء، معجزة الله الباهرة التي جاء بها موسى، كلمات حق واضحة (إِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿١۰٤﴾) أيّد دعواه بمعجزة (جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍۢ) ثم حدد طلبه في أمر واحد، العدل، لشعبه، ذاك كان طلبه (فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ﴿١۰٥﴾) كل طلبه أن يسمح لهم بالهجرة، يسمح لهم بالخروج إلى أرض أجدادهم مع موسى، لم يطلب مالا، لم يطلب أجرا، لم يطلب سلطانا، لم يطلب جاها، وكان التحدي أين الآية؟ أين المعجزة؟ فبهره موسى (فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿١۰۷﴾ وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّـٰظِرِينَ ﴿١۰۸﴾) ذاك هو الدليل، يبقى المطْلب، كيف يرسل فرعون بني إسرائيل وقد استخدمهم، وسخّرهم، واستذل أعناقهم كيف؟ هنا ظهر رأى بطانة السوء المنتفعون، المستفيدون من إذلال الناس قالوا: (إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌۭ ﴿١۰۹﴾) تلك كانت المشورة، و ذاك كان الرأي، كان تقدير بطانة السوء لمعجزة موسى، واقترحوا أن يأتي فرعون بالسحرة من كل مكان، وكان السحر منتشراً في ذاك الزمان، وأُرجئ موسى، وأُجِّل وحُدد الموعد خارج عاصمة ملك فرعون، في الصحراء، وجيء بالسحرة، السحرة الذين كانوا في أول نهارهم كفره، وكانوا في آخر نهارهم بررة، قيل: خمسة عشر ألف ساحر، وقيل: بل ثلاثمائة ألف ساحر، وقيل: بل كانوا سبعين ساحراً، جاء السحرة، واسمع، وتنبّه للحوار وللقصة.
وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوٓا۟ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ ﴿113﴾
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ﴿114﴾
والتفتوا لموسى.
قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ ﴿115﴾
قَالَ أَلْقُوا۟ ۖ فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ سَحَرُوٓا۟ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍۢ ﴿116﴾
سحروا أعين الناس، وقيل: أول ما سُحر في عينيه موسى، إذ خُيل إليه من سحرهم أنها تسعى، أول تأثير وقع وقصدوه عيون موسى، وعيون فرعون بعد ذلك، ثم عيون الناس وهُيئ للناس أن الحيّات، والثعابين تسعى في الساحة، خافوا، وارتعدوا، وابتعدوا، وبهذا الخوف والارتعاد، والبعد، هُيئ للجميع أن هناك واقعا حادثا، ولو وقفوا مكانهم، ولم تحدث الرهبة، والهيبة، وتأملوا، لزال سحر العيون بعد لحظات، لكن أوقعوا الرهبة في صدورهم (وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍۢ (١١٦)) لم يكن سحراً، ولم يكن عظيما لكن جاءوا بسحر في عيون الناس عظيم في فنه، ولم يكن عظيم على الحقيقة ذاك ما حدث، وارتعد الناس، وابتعدوا، وتزاحموا، وقيل مات أناس، وهُيئ للجميع أن الساحة قد امتلأت بالحيات، والثعابين، ماذا فعل موسى؟ انتظر الوحي، وذاك فارق بين السحر والمعجزة (إذا الفروق بين السحر والمعجزة ثلاثة):
الفارق الأول: أن موسى لم يطلب أجرا، وطلب السحرة الأجر.
والفارق الثاني: أن السحرة يستطيعون الإتيان بسحرهم وقتما شاءوا، وأينما شاءوا، أما النبوة، والمعجزة، فلا يمكن لصاحبها أن يأتي بها وقتما يشاء، أبداً، لابد من الوحي، لابد من الإذن (وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ) لم يلق موسى عصاه إلا بالأمر؛ إذ لو ألقاها بنفسه ما تحولت لشيء، إذا المعجزة من الله، وليس منه، ذاك فارق هام بين المعجزة والسحر، وبين الدجل، وبين الكرامة، فكرامة الأولياء لا يأتى بها الأولياء، ولا يستطيعون، ولا يقدرون، وإنما تُجري على أيديهم من غير أن يشعرون، فإذا جاء الرجل بكرامة وزعم ذلك فهو دجّال؛ لذا لم يلق موسى عصاه إلا بعد ما أوحى إليه؛ ليكون الإلقاء عبادة؛ ليكون الإلقاء طاعة، كما أرضعت أم موسى، موسى لم ترضعه غريزة؛ لأنها لو أرضعته غريزة كما ترضع الأمهات أولادهن لجاع، ولصرخ، ولَالتقم ثدي أول مرضعة، لكن الله قال لها أرضعيه، فحين أرضعته طاعة، أرضعته طاعة فلما أرضعته طاعة رفض المراضع، وبقي مدة طويلة لا يشعر بالجوع حتى جاءه ثدي أمه، فالتقمه بالوحي، وهكذا الطاعة، تورث الصحة، تورث كل خير، كل فعل تفعله طاعة لله لا يأتي إلا بالخير، ولو صعدت أدواراً كثيرة لزيارة مريض، ما ترددت أنفاسك، وما شعرت بالتعب، ولو صعدت دوراً واحد من أجل معصية لتأثرت صحتك، لو استيقظت ثلثي الليل ويزيد طاعة، وقراءة ما شعرت بالتعب، ولا بالكلالة، وإذا استيقظت ساعة من أجل لهو، أو لعب لأصبحت كسولا تشعر بالتعب، طاعة الله، من هنا انتظر موسى الوحي.
وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴿117﴾
الكلام فيه اختصار (وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ) السامع يفهم، فسمع وحي الله وأطاع أمره، وألقى العصا، فإذا بالعصا تلقّف ما يأفكون.
أفِكَ يأْفَك، وأَفَكَ يأْفِك: كذب، أصل الكلمة من الأفْك والأفْك: صرف الشيء عن وجهه الذي يجب أن يكون عليه، قلب الحقائق، وقلب الأشياء، كقلب قرى لوط (وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ (٥٣)) [سورة النجم آية: ٥٣] ، (تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)) أي ما يكذبون إذاً فقد كانت المسألة كلها وهما، وخيالا، وكذبا، وادعاء، لم تكن حقيقة، وحين تحولت العصا إلى حية عظيمة، أو ثعبانا سعت في الساحة، كلما صادفت شيئا مما ألقاه السحرة التقمته.
واللقف: في اللغة التناول بسرعة مما يدل على أن المسألة لم تستغرق وقتا، إذا صادفت حبلا ابتلعته بسرعة مذهلة، لم يقل تناول أو تلهم، أو تأكل، بل قال تلقف، وكأنها تجذب الأشياء إليها بجاذبية شديدة، فتبتلع الأشياء بمنتهى السرعة، حمل ثلاثمائة بعير كما قيل، دارت في الساحة، فالتقمت كل شيء، وخاف الناس، وعادت إلى موسى، فأخذها فعادت، عصا كما كانت، وخلت الساحة من أي حبل، أو عصا؛ لذا يقول الله (تبارك وتعالى):
فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿118﴾
فَغُلِبُوا۟ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُوا۟ صَـٰغِرِينَ ﴿119﴾
وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ ﴿120﴾
قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿121﴾
رَبِّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ﴿122﴾
قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌۭ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا۟ مِنْهَآ أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿123﴾
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍۢ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿124﴾
(ءَامَنتُم بِهِۦ) بموسى (ءَامَنتُم بِهِۦ) بالله (قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ) هل يستأذن المؤمن غيره في أن يؤمن بالله أم لا؟ كِبْر، جبروت، طغيان لا مثيل له (هذه واحدة)، الثانية الاتهام (إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌۭ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا۟ مِنْهَآ أَهْلَهَا) أي إن ما حدث بينكم وبين موسى لمكر مكرتموه في المدينة، إن هذا مؤامرة، ليس حقا، وليس معجزة، وليس إيمانا برب العالمين كما تزعمون، ولكنها مؤامرة دُبرت بينكم، وبين موسى في المدينة أي قبل أن تخرجوا إلى الموعد إلى الصحراء حيث قال: (فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًۭا لَّا نُخْلِفُهُۥ نَحْنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانًۭا سُوًۭى ﴿٥٨﴾ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًۭى ﴿٥۹﴾) [سورة طه آية:٥٨ : ٥٩] في عز النهار وخرجوا، ها هو يتهم بالمؤامرة التي دُبرت بالمدينة قبل الخروج، أي قبل أن تجيئوا، تمت المؤامرة بينكم وبين موسى أن تنغلبوا له ظاهراً وأن تسجدوا أمام الناس حتى يؤمن الناس بموسى وحتى يتم لكم السيطرة والسلطان على البلاد وعلى الحكم، فالتهمة أنها كانت مؤامرة لقلب نظام الحكم تهمة الطغاة لأهل الحق في كل مكان، وفي كل زمان، مع أن أبناء الآخرة لا يرجون إلا الله، ولا يطلبون الثواب إلا من الله، ويهربون من الدنيا هربهم من الأسود، لكن منطق الطغاة (إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌۭ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ) ها هو أيضا يُؤلِّب الجماهير؛ لأنك حين تسمع أن فلانا أراد بما فعل بما قال أن يخرجك من بيتك، ماذا يكون شعورك، حين تشعر أن أهل الحق في زعم أهل الطغيان يريدون أن يستولوا على أموالك، وبيتك، وذريتك، وأن يخرجوك من دارك، لا شك أنك سوف تقف ضدهم، ولا تبحث عن الحق، أو الحقيقة، والقائل مَلِك إله في زعمه، وجاء بالتهديد (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣)) تهديد مُجمل، ثم فصَّل تهديده (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍۢ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)) أول من سن سنة الصلب، وقطع الأيدي، والأرجل من خلاف معا فرعون، لكن الصلب كان موجودا من قبل ذلك، لكن أن يُجمع الصلب مع قطع الأيدي، والأرجل من خلاف، أول من سنه فرعون، قطع الأرجل والأيدي من خلاف: هو أن يخالف بين العضو المقطوع، والآخر، يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، أو يقطع اليد اليسرى والرجل اليمنى.
والصلب: هو تعليق الرجل على شجرة، أو على خشبة طويلة، ويتركه كذلك حتى يموت من نزيف الدم، أو تأكله الصقور، والغربان.
ذاك كان قرار فرعون، تقطيع الأرجل، والأيدي من خلاف، والصلب دون الانصياع، ها هو يجابه الحق بطغيانه، تُرى هل يخاف المؤمنون الذين آمنوا بالله، وخروا له سجدا؟ هل يخافون من يقضي في الدنيا، ولا يخافون ممن يقضي في الدنيا وفي الآخرة؟ أبداً، كانت مقالتهم استسلاما، وتشوقا للقائه، فقد استمع السحرة لتهديد فرعون، فلم يؤثر فيهم، ولم تدخل في صدورهم الهيبة، فقد عرفوا الطريق، وأنار الله قلوبهم بنور الإيمان، واليقين، وكان الرد في وجه الطغيان، كلمة الحق، والاستسلام في وجه الجبروت.
قَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ﴿125﴾
وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِـَٔايَـٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا ۚ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴿126﴾
ما الذي تكرهه فينا؟ ما الذي تعيبه علينا؟ أهو مكر فعلا، أهي مؤامرة؟ ونحن نعلم، والله من فوق سبع سموات يعلم، فأي شيء تعيبه علينا تعيب علينا أفضل شيء في الوجود على الإطلاق، مفتاح الخيرات كلها، ومغلاق الشرور كلها (وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِـَٔايَـٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا) أيضا الإيمان؟ أيعاب الحق؟ هذا هو العيب الذي عابهم به، هذا هو ما أخذه عليهم في الحقيقة، ليس مؤامرة، وليس مكرا، وليس، وليس، وإنما عاب عليهم أن آمنوا بالله، عاب عليهم ما به يُمتدح الناس، ويُثنى عليهم، ثم لجئوا إلى الله؛ لأن الإنسان إذا اتكل على نفسه خسر، وإذا وثق في قدرته خاب، لكن الإنسان مهما بلغ من إيمان، ويقين، ومهما بلغ من قوة الإرادة، والعزيمة لابد وأن يضعف أمام الله؛ لذا رغم القوة التي بدت وظهرت في سجودهم الفوري في وجود فرعون، في وجود الطاغية، ورغم استقبالهم للوعيد، والتهديد بهذه القوة، والإيمان، وهذا الرد القوي على فرعون، إلا أنهم لجئوا إلى الله؛ إذ هو المعين، وهو المساعد (رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)) ؛ لأن الإنسان إذا وُكل لنفسه خاب؛ لذا كان رسولنا (صلى الله عليه وسلم) يقول: (اللَّهُمَّ لا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي، طَرْفَةَ عَيْنٍ) (رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا) الإفراغ: الصبر، وكأنهم طلبوا مزيدا من الصبر، بل الكثير من الصبر الذي يُفرغ كأنه يصب صب الماء؛ لأن المسألة خطيرة، قطع الأيدي والأرجل، والتصليب في جذوع النخل، ألم شديد جدا، فظيع، ثم الأهل، ثم الأولاد.
(أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)) سبحان الله ألم يسجدوا منذ قليل، ألم يخّروا لله ساجدين منذ قليل، لِم قالوا:( وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)) ؟ لأن الإنسان لا يضمن نفسه طرفة عين، آمنوا وخروا لله سجدا، حين يصاب أحدهم بالألم الشديد، والدماء تنزف وهو حي، وتأتي الغربان، والصقور تنهش من لحمه، هل يظل على إيمانه أم لا؟ لا يثق في نفسه إلا شيطان، أو فاسق، أو فاجر، لكن المؤمن لا يأمن مكر الله، من هنا سألوا الله الثبات على الإيمان، وأن يبقى كل منهم على إسلامه، وإيمانه، حتى يموت عليه، ذاك كان دعاؤهم.
هل قتلهم فرعون؟ هل صلّبهم حقيقة؟ قيل: نعم، وقيل: لا، لم يُسلَّط عليهم، ونجاهم ربنا، القائلون بذلك يستدلون بقول الله (عز وجل) في موضع آخر(بِـَٔايَـٰتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ (٣٥)) [سورة القصص آية: ٣٥]، فهل قُتلوا أم لم يقتلوا؟ هل أنفذ فرعون فيهم وعيده، أم لم يسلّط عليهم، ذاك رأيان، ولا يعنينا في شيء، وإنما يعنينا التصوير الذي تم، والقصة التي حدثت، وكيف آمن السحرة، وكيف كُسر فرعون بمن أراد أن يكسر بهم موسى، وهنا بعد هذا الوضوح، واستقرار الحق، وإيمان السحرة، وانقلاب فرعون ذليلا صاغرا، هو وحاشيته، وبطانته، المتصور منطقيا وعقليا، أن يؤمن فرعون، أن تؤمن الحاشية، أن يؤمن الطغاة، أن ينصاعوا للحق، أبداً طُبع على قلوبهم، واسمع نصيحة حاشية السوء (وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ) سبحانك يا رب، وكأنهم خافوا أن يتراجع فرعون، أو يتردد، أو يسلم، أو يؤمن، أين يذهب سلطانهم؟ أين الأموال التي يغتصبوها من قوت الشعب؟ أين الخدم، والحشم من بني إسرائيل الذي استغلوهم في خدمتهم، سيذهب سلطانهم، ويذهب جاههم، خافوا على جاههم، وسلطانهم، وأموالهم، يدفعون فرعون دفعا إلى الهلاك، وهو يظن من جهله، وغبائه أنهم مخلصون له، وأنهم ناصحون، وهكذا الطغاة في كل مكان، يصم الله آذانهم، ويعمي أبصارهم.
ويحيطهم بحاشية السوء، وبطانة السوء، فيزينوا له الدنيا، ويزينوا له عمله، ينافقونه، ويمتدحونه بما ليس فيه، ويصدقونه بكذبه، وصدق الصحابي الجليل الذي وعظ التابعين، فقال لهم: إياكم وأبواب الفتن، قالوا: وما هي أبواب الفتن يا أبا الدرداء، قال: أبواب الأمراء، تدخلون عليهم فتصدقونهم بكذبهم، وتمتدحونهم بما ليس فيهم، تلك أبواب الفتن، فقد علمنا من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ)، ومن الطبيعي أن تكون بطانة الخير هم أهل الله، هم طلاب الآخرة، هم الذين يؤمنون بالله، ويخشون عقابه، ويحبون الخير للناس، ولا يبتغون الأجر إلا من الله، فهم المخِلصون، والمخلَصون، ومن البديهي أن بطانة الشر، هم طلاب الدنيا المنتفعون، الذين لا يحبون الخير للناس، ولا يؤمنون بالآخرة، ولا يعملون لها، بل هم زرّاع الدنيا، وطلاب حرثها، يزينون للحاكم كلامه، ويرفعون من مقامه، ويؤيدونه في كل شيء دون معارضة، دون نصح، ويحاولون قدر إمكانهم استغلال الناس لمنافعهم، ولمصالحهم، مستغلين قربهم من الحاكم، وهو إن لم يكن معصوما أعطاهم أُذنه، فأصبحوا عيونه التي يرى بها، وآذانه التي يسمع بها، بل عقله الذي يفكر به، فما من قرار يُتخذ إلا ولمصلحتهم، ولمنفعتهم، هؤلاء طلاب الدنيا، إذا ظهر صوت الحق ليعيد إلى الحاكم صوابه، أو يوقظ الناس من غفلتهم، هاجوا، وماجوا، واستعْدوا السلطة عليه، فهيّئوا للحاكم أن طلاب الحق يريدون إزالة ملكه، يريدون ما في أيديهم من دنيا، فيدلّسون عليه، ويزيّفون له الحقائق، وباعتياده على نفاقهم ومدحهم ينصاع إليهم، وأكبر مثل لذلك قصة فرعون مع موسى، وكأن الزمان لا يتغير، وكأن سنّة الله في خلقه لا تتبدل، واسمع، وافهم، واعتبر، فالزمان هو الزمان، والناس هم الناس، والحق أبلج، والباطل لجلج، ساحة امتلأت بالدجل، امتلأت بالسحر، تحدي تُرى هل أيقن فرعون أن موسى رسول الله، وهل أيقن الملأ من قومه ذلك؟ نعم، إي وربي، أيقنوا ذلك بمجرد ما رأوا أنه لا يبتغي إلا الصلاح، ورأوا المعجزات الباهرات، لكن العناد، والاستكبار، والخوف على ما في أيديهم من دماء الناس، وأموالهم، فاخترعوا التحدي، وأتوا بالسحرة، وأراد فرعون أن يكسر موسى بسحرته، فكسره الله بهم، وخروا الله سجدا، وظهر الحق لكل ذي عينين، أكلت عصا موسى الحيات، والتعابين التي هيئ للناس أنها تسعى، وأنها حقيقة، أكلت الدجل، أكلت الإفك، حق، خلْق، حياة؛ إذ لا يأكل إلا ذو حياة، وخالق الحياة هو الله بلا جدال، بلا شك، ومع هذا الحق الأبلج، اجتمع الملأ، طلاب الدنيا، بطانة الشر، واتهموا موسى بأنه ينازع فرعون سلطانه، ويريد أن يأخذ منه ملكه، ويريد أن يتملك مصر، ويصبح هو الحاكم الأعلى، اتهموه بتدبير مؤامرة لقلب نظام الحكم، وانظر إلى استعدائهم للسلطة.
وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ ﴿127﴾
وقُرأت: ويذرُك بالرفع، ويذرَك بالنصب، ويذرْك بالحزم، وقُرأت أيضا من أجل المعنى (أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ونذرك وآلهتك) أي في حالة إذا ما تركت موسى، ولم تعاقبه، ولم تقتله نحن سوف نترك عبادتك، وننصرف عنك، وقال البعض: بل كان هناك آلهة، فقد كان فرعون يصنع أصناما، ويأمر قومه بعبادتها تقرباً إليه، فهي آلهة صغرى، وهو الرب الأعلى، فقد كان يصنع لهم آلة يلهيهم بها، ها هو الاستعداء، استعداء السلطة، هؤلاء المفسدون يبتغون الحكم، يبتغون إزالة ملكك، هل تخضع لهم؟ هل تضعف في هذه الحالة؟ نحن منك براء، سندعك، وننفصل عنك، انتفخ من الكِبْر، لمسوا فيه العناد، لمسوا فيه حب التسلّط (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ (١٢٧)) التنكيل، والتعذيب، قتل الأولاد، والولد: عون لأبيه في كبره، والناس مهما طال بهم الزمان يحبون الولد؛ إذ هو يعاون الأب، ويرثه، ويرث اسمه، وهو القوة، وهو السند، فإذا قُتل الأولاد لم يبق الإ النساء، والنساء ضعاف، عوان، يستخدمهن كيف يشاء، قرر فرعون أن يقتل أبناء بني إسرائيل من الذكور، ويستبقي النساء تستحي، أي نترك لهم الحياة، يستبقي النساء، البنات للخدمة، ولغير ذلك، فالمرأة من غير رجل يحميها، ويدافع عن عرضه، وعرضها ضعيفة (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ (١٢٧)) متسلّطون، متغلبون بالقوة، بقوة السلاح، بجنوده الذين أغرقهم الله؛ لأنهم ساروا معه على منهاجه، هنا اتجه موسى لقومه، لا يملك للشر دفعا، لكن الله يصرف السوء، فاتجه إلى قومه، ولجأ إلى الله.
قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۖ إِنَّ ٱلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿128﴾
قَالُوٓا۟ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنۢ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴿129﴾
إذا يبدو أنهم طلبوا الدنيا، فحذرهم موسى؛ إذ لو طلبت الدنيا ابتُليت بها، نصحهم، وبيّن لهم، ووعدهم، لبث موسى بعد ذلك وبعد المعجزات، وظهور الآيات، يقال عشرون سنة مع فرعون وقومه يدعوهم للإيمان، ويُظهر لهم الآية، تلو الآية، وقيل: بل أربعين سنة مدة لم يحدثنا عنها القرآن، لكن القرآن حدثنا عن ديدن الكفار، وعن حلم الله معهم، يقول الله (تبارك وتعالى):
وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿130﴾
فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُوا۟ لَنَا هَـٰذِهِۦ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ ۗ أَلَآ إِنَّمَا طَـٰٓئِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿131﴾
وَقَالُوا۟ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِۦ مِنْ ءَايَةٍۢ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿132﴾
(إذا) حرف إيجاب، و(إن) حرف شك؛ ولذا حين حدّث ربنا رسوله عن النصر، قال (إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ (١)) [سورة النصر آية: ١]، ولم يقل (إن جاء نصر الله) لتحقيق المجيء (فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ) إذاً فالحسنة آتية لا محالة، والحسنة معرّفة بالألف واللام (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ) (سيئة) نكرة، (إن) حرف شك؛ ليتبيّن لك أن الحسنات كانت أكثر من السيئات؛ ولتعلم أن الله يريد الخير لذاته، والشر في بعض الأمور براقع، أي أن الشر من أجل التربية، أو الفتنة، أو الابتلاء، أو العقوبة، وليس مراداً لذاته، ربنا لا يريد الشر لذات الشر، وإنما يريد الخير لذات الخير(فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ) الثمار، والزروع (قَالُوا۟ لَنَا هَـٰذِهِۦ) بجهدنا، بعقلنا، باستحقاقنا، نحن بناة كذا، ونحن صناع الحضارة، ونحن كذا، تمجيد في النفس، كما يحدث في زماننا هذا من بعض الشعوب (لَنَا هَـٰذِهِۦ) أي أن الحسنة من أجلنا، ونحن مختصون بهذا الخير(وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ) ماذا يقولون (يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥ) يتشاءمون: التطيّر في الأصل كان الناس في الجاهلية إذا أرادوا معرفة الخير والشر في المستقبل، ذهبوا إلى أوكار الطيور، فنقروها، فإن طار الطائر جهة اليمين سُمِّى (بالسامح) تيامنوا، وتفاءلوا، وإن طار جهة الشمال سُمِّي بالبارح، تشاءموا، والطائر يُعبَّر به عن الحظ، والنصيب، خيراً كان، أو شراً، لكنه قد غلب استعماله في الشر(يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥ) أي ما أصابنا من سوء، أو نقص من الثمرات، أو جدب، أو قلة من مطر، فبشؤم هذا الرجل، ومن معه، يرد الله (تبارك وتعالى) عليهم (ألا إنما طَيْرهم) قراءة (أَلَآ إِنَّمَا طَـٰٓئِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ) أي أن حظهم ونصيبهم مكتوب، فرزق ابن آدم مكتوب من قبل أن يولد، مقرر عند الله، وما أصابهم من سوء فبسبب أعمالهم التي علمها الله، وكتبها عليهم، ورآها فيهم، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك، ولا يعلمون الحق.
ورغم الجدب، والقحط، ورغم المجاعات، رغم قلة الثمار (وَقَالُوا۟ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِۦ مِنْ ءَايَةٍۢ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)) التحدي، والعناد، والاستكبار كلمة (مَهْمَا) هي في الأصل ما..ما (ما) الأولى الشرطية و(ما) الثانية زائدة للتوكيد، فقُلبت الألف الأولى هاء فأصبحت (مهما).
أو هي مكونة من حرفين (مه، ما) ، (مه) يقولها الزاجر حين تتكلم بما لا يليق، أو تفعل ما لا يحسن، أي انزجر، أي قالوا لموسى (مه) يزجرون موسى، ما تأتنا به من آية لتسحرنا،
أو هي كلمة واحدة تحل محل (إن) التي هي للجزاء (مهما) ساكنة يُجزم ما بعدها (تأتنا) جزم (مِنْ ءَايَةٍۢ) هل أقروا أنها آية؟!! لكنهم رجعوا (لِّتَسْحَرَنَا بِهَا) الآية لا تسحر الآية لا علاقة لها بالسحر، فقالوا: (ءَايَةٍۢ) ثم قالوا (لِّتَسْحَرَنَا) وكأن الأمر متنازع بين ضلوعهم، وكأن لسانهم يفضحهم، وصدق ربي حين يقول: (لَمَّا جَآءَتْهُمْ ءَايَـٰتُنَا مُبْصِرَةًۭ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿١۳﴾وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًۭا وَعُلُوًّۭا ۚ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴿١٤﴾) [سورة النمل آية:١٣ : ١٤].
إذاً فقد علموا أن موسى يأتي بالآيات، وعلموا صدقه في نفوسهم، لكن لسانهم نطق بغير ذلك (وَقَالُوا۟ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِۦ مِنْ ءَايَةٍۢ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)) وهنا لا شك أن موسى لجأ إلى الله، ولا شك أن العناد قد ظهر، والاستكبار قد اتضح، ولا أمل في هؤلاء، لكن الله بلطفه، وبحلمه أرسل عليهم آيات: آية، تلو آية، تستمر الآية معهم سبعة أيام، أو شهر -أقوال - ثم يريحهم مدة باستجابتهم لموسى، وبدعائه، ثم يعودون، فينكثون فيسلِّط عليهم آية أخرى، آيات مفصلات، فما أجدى ذلك معهم (مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيًّۭا مُّرْشِدًۭا (١٧)) [سورة الكهف آية: ١٧] توالت الآيات على آل فرعون.
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَـٰتٍۢ مُّفَصَّلَـٰتٍۢ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ ﴿133﴾
فالماء الذي خُلق منه كل شيء كان نقمة، والجراد مخلوق ضعيف، بل يأكله الإنسان، وتحلّ ميتته (وَٱلْجَرَادَ) جمع جرادة في المذكر والمؤنث، فإذا أردت التذكير قلت جرادة ذكر
أرسل الله عليهم الجراد، فأكل المزروعات التي فرحوا بها، وأكل الثمار، وأكل أوراق الشجر، بل بدأ يأكل سقوف البيوت، وجدرانها، ذلك المخلوق الضعيف، غطى السماء عنهم الشمس، وها هي المزروعات، والكلأ، والثمار التي فرحتم بها، وقلتم لنا هذه، وبمجهودنا، وبزراعتها، أكلها الجراد، فاستغاثوا بموسى، أدركنا يا موسى، فخرج موسى إلى الصحراء، وأشار بعصاه إلى المشرق، وأشار بعصاه إلى المغرب، فتفرق الجراد يمنة، ويسرى وبقي لهم من الزرع شيء قليل، ولكنهم عادوا إلى كفرهم، وقالوا: آفة من الآفات، قد مس آباءنا الضرّاء، والسرّاء، كما قال غيرهم، وحكى عنهم ربنا في الآيات السابقة، ديدان الدهر، والزمان، وهكذا الأيام، ويكفينا ما عندنا من مزروعات، وما هو مخزون يكفينا، فأرسل عليهم ربنا (تبارك وتعالى) القُمَّلْ، القُمَّلْ: السوس، وقيل الجراد قبل أن يطير، وقيل بل هو القُراض، وقيل بل هو القَمّل المعروف، وقيل بل هي البراغيث.
(وَٱلْقُمَّلَ) حشرات صغيرة أكلت ما تركه الجراد، وأبقى من الزروع، وما هو مخزون في مخازنهم، وما إلى ذلك، ودخلت إلى أجسامهم بين ثيابهم، وجلودهم، فامتصت دماءهم، لجئوا إلى موسى، أدركنا يا موسى، وانظر إلى حلم الحليم سبحانه، كيف صبر عليهم، ولماذا صبر عليهم؛ لأنك حين تسمع كل ذلك، وترى الحلْم في أجلى معانيه، تتيقن، وتعلم أن الله لا يريد ظلما للعباد، وأن من كتب عليهم الشقاوة ما ظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، استغاثوا فلجأ موسى ودعا، وانصرف القُمَّل وهلك بغير مجهود منهم، عادوا إلى كفرهم، وإلى تقتيل الأبناء، واستحياء النساء، والتعذيب في بني إسرائيل، فأرسل ربنا عليهم مخلوقا غريبا وهو الضفدع.
الضِفدع، أو الضَفدع المفرد، والجمع ضَفادع أرسل ربنا عليهم الضفادع، نقيق يصم الآذان، وملأت طرقهم، بل ملأت بيوتهم، بل كانت القدور إذا فتحوها قفزت منها الضفادع، بل كان الرجل إذا تثاءب قفز الضفدع إلى فمه، كثرة، وعدد من الضفادع لا يتخليه العقل، نقيق، صداع مزمن، أصوات تمنع السامع، ملأت فرشهم، وبيوتهم، وثيابهم في كل مكان ماعدا بيوت بني إسرائيل لم تدخلها الضفادع، ولم يدخلها القمل، استغاثوا بموسى، فلجأ إلى الله ما أصبره، لجأ إليه ليكشف عنهم الضر أملاً في إيمانهم، ولم يلجأ إليهم ليهلكهم، لجأ إليه ودعاه فانصرفت الضفادع، عادوا إلى كفرهم فأرسل الله (تبارك وتعالى) عليهم آية لا يشكّ أنها من عند الله؛ إذ تحول ماء النهر إلى دم، وماء الآبار إلى دماء، والغريب إذا دلّى الإسرائيلي الدلو في البئر خرج بالماء الزلال، فإذا دلاّه رجل من آل فرعون خرج بالدم الأحمر، فإذا أراد أن يأخذ من دلو المؤمن ماء، ويريد أن يشرب فيرجوه، ويستجديه قليل من الماء، فيعطف المؤمن على الكافر، فيصب من ماء دلوه إلى دلو الكافر، يتحول في دلو الكافر إلى دم (ءَايَـٰتٍۢ مُّفَصَّلَـٰتٍۢ) مبينات، موضحات، أو آيات مفصلات، أي آية ثم فترة، ثم آية
التفصيل: الترتيب مع الزمن، وإعطاء المهلة، عشرون سنة يريهم الآيات، آية، ثم آية على التفصيل ظاهرة لكل ذي عقل أنها من عند الله، كيف يقدر موسى على كل ذلك (فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ ﴿١۳۳﴾) هنا انتهى الأمل فيهم، فأرسل ربنا (تبارك وتعالى) عليهم الرجز.
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُوا۟ يَـٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ﴿134﴾
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَـٰلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ﴿135﴾
فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ ﴿136﴾
وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟ ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُۥ وَمَا كَانُوا۟ يَعْرِشُونَ ﴿137﴾
(فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَـٰلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ﴿١۳٥﴾) إلى أجل هم بالغوه، الذي ضربه الله لهم لإنهاء أعمارهم، ووجودهم في هذه الدنيا بالإغراق، أو أنهم ضربوا لموسى موعدا إن كشفت عنا الرجز في بحر ثلاثة أيام، لا يمضي عليك أسبوع إلا ونكون قد آمنا معك، وأرسلنا معك بني إسرائيل، الطلب الذي طلبه موسى، لم يطلب معجزة، ولم يطلب مستحيل، طلب الحرية لقومه، وأن يُخلِىَ لهم الأرض بما فيها، وأن يخرج إل أرض الله الواسعة (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَـٰلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ﴿١۳٥﴾) النِكث في الأصل: فك طاقات الغزل، ليُغزل من جديد، صنعت ثوبا من صوف، وأردت أن تعيد غزله، فإذا فككت الخيوط ونقضت الغزل، يسمى ذاك النكث، واستعير اللفظ لنقض العهد بعد إبرامه، كنقض الغزل بعد أن كان ثوبا، فإذا هو خيوط (فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ) [سورة الفتح آية: ١٠].
(فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ ﴿١۳٦﴾) وهنا وجب الانتقام، وما ظلمهم الله (فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ) أي أردنا الانتقام منهم، وأردنا معاقبتهم (فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ) البحر: اللجة لا قعر له (بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا) تلك الآيات أيكذب بها عاقل، وانظر إلى حلم الله فيهم، كذبوا بها، وكانوا عنها غافلين (وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا) ألف لام الأرض للجنس، أو العهد أرض مصر، وأرض الشام (ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا) بكثرة الثمار، وبالخصب (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟) ما هي الكلمة التي وقعت، وتحققت وتمت؟ حين أخبرنا قائلا عن نفسه: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةًۭ وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَٰرِثِينَ (٥)) [سورة القصص آية: ٥].
(وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) الوعد الذي وعده لهم موسى (عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴿١٢۹))
(وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ) تأنيث الأحسن، على بني إسرائيل بما صبروا على أذى فرعون، وأذى جنوده (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُۥ) دمرنا بيوتهم، وقصورهم، ومعابدهم، ومساكنهم، وكذلك (وَمَا كَانُوا۟ يَعْرِشُونَ ﴿١۳۷﴾) من الزروع، والثمار.
وانتهت قصة موسى مع فرعون، وبدأت قصة موسى مع قومه، وكما رأيتم من عجب في قصة موسى مع فرعون، سترون الأعجب من قصة موسى مع قومه.
فقد انتهت قصة فرعون، أغرقه الله (تبارك وتعالى) وأغرق جنوده، وتلك عاقبة الطغيان، عاقبة الاستكبار، وتتحرك بنا المشاهد لنرى مشهدا غاية في العجب، والغرابة، مشهد الجحود، مشهد النكران، مشهد الجهالة بعد علم، بعد يقين، أغرق الله فرعون، ونصر موسى، وعبر البحر، ومشهد النجاة، مشهد يستحيل أن يُتخيَّل، أو يصادف الخيال فيه واقعا، موسى يسعى ومعه قومه المؤمنون من بني إسرائيل، وهم على عجل يخشون أن يدركهم فرعون، وما أن أصبح الصباح، أو أشرقت الشمس، أو أشرق الفجر إلا وقد لاحت جنود فرعون - خضم من الجنود- أمم مع فرعون يسعون وراء موسى، وراء المستضعفين، وراء أناس غير مسلحين، وفرعون بعرباته، وجنوده، وسلاحه، ودروعه، وخشي القوم، وخافوا، وارتعدوا، وتيقنوا من الهلاك، لكن الواثق بالله، كليم الله ورسوله قال: (إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ (٦٢)) [سورة الشعراء آية: ٦٢] هذا المشهد، شُرح، وُوصف في بعض سور القرآن، وأما في سورة الأعراف فاختُصر الموقف في كلمتين (وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ).
وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْا۟ عَلَىٰ قَوْمٍۢ يَعْكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصْنَامٍۢ لَّهُمْ ۚ قَالُوا۟ يَـٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهًۭا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌۭ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌۭ تَجْهَلُونَ ﴿138﴾
إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٌۭ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَـٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿139﴾
قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهًۭا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿140﴾
وَإِذْ أَنجَيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ ﴿141﴾
(قَالُوا۟ يَـٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهًۭا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌۭ) أريتم هذا القصص عن بني إسرائيل الذين هم الصفوة في عصر موسى، فالكلام عن يهود عصر موسى الذين أورثهم الله الأرض، وجعل منهم الأئمة، وكانوا يهدون بأمره، أفضل أمة موسى على الإطلاق، الذين تتكلم عنهم الآيات، فما بالكم بيهود يومنا هذا، هؤلاء صحابة موسى كصحابة النبي (صلى الله عليه وسلم) كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم) بل أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) لم يروا من المعجزات شيئا، لم يكن هناك سوى القرآن، وهؤلاء رأوا ما لم يره أحد من المعجزات، تارة عصا، وتارة ثعبان، وتارة كأنها جان، تارة تضرب البحر فيجف الماء، وتارة تضرب الصخر فينبع الماء، أشياء أغرب من الخيال، لولا الإيمان ما صُدق هذا الكلام، تناقضات في العصا، يد تخرج بيضاء، معجزات غريبة بعد النجاة يروا هؤلاء الناس الجهلاء، يعكفون على الأصنام، فإذا بهم يطالبون موسى أن يصنع لهم صنما (ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهًۭا) والغريب في الطلب أنهم يعلمون أن الصنم مجعول، فإذا كان مجعولا فكيف يُعبد؟! (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌۭ تَجْهَلُونَ ﴿١۳۸﴾) أدب النبوة، أدب الرسل كان رده (إِنَّكُمْ قَوْمٌۭ تَجْهَلُونَ ﴿١۳۸﴾) ولولا أنه رسول ربما كان الرد خلاف ذلك، والجهل: الجزم بما ليس واقعا، فالجهل ليس عدم العلم، فالجاهل هو الذي يعلم الخطأ، ويصر عليه، أن يجزم بغير واقع، أن يجزم بما ليس بصحيح، من لا يعلم أن الشمس مشرقة لا يعلم، لا يرى، أعمى، أو أُغلقت النوافذ، أما من يرى الشمس، ثم يزعم أننا في بالليل ذاك هو الجاهل (إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ) الذين تريدون تقليدهم (مُتَبَّرٌۭ مَّا هُمْ فِيهِ) مُتبّر: مهلك، التتبير: التدمير، والإهلاك.
(مُتَبَّرٌۭ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَـٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿١۳۹﴾) أما المُلك، أما السلطان، أما الأصنام، أما المعابد، أما الآلهة، فكل ذلك إلى دمار، وإلى تتبير، وإلى تدمير، وإلى إهلاك، أما العبادة التي يظنون أنهم يتقربون بها إلى الله، فهي باطلة، ولا ثواب عليها، إذاً فما هم فيه هالك، وأعمالهم باطلة.
ثم يتكلم بمنطق الرسل (قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهًۭا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿١٤۰﴾) أنت في القمة، كيف تقلّد من في السفح! أنت في الطهارة، كيف تقلّد من هو في النجاسة! أنت قد منّ الله عليك فاصطفاك، وطهّرك، وهداك، وعرّفك الطريق إليه، كيف تسعى إلى تقليد هؤلاء الذين هم كالأنعام بل هم أضل! (وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿١٤۰﴾) العالمين في زمانهم، وليس العالمين على الإطلاق، أي فضّلهم على آل فرعون، فضّلهم على الذين كانوا يعبدون الأصنام، ويعكفون عليها (وَإِذْ أَنجَيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ) (وإذ أنجاكم من آل فرعون) قراءة أخرى، ويكون الكلام لموسى يحكي (أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهًۭا) ثم يذكّرهم بالنعم، النعمة القريبة، نعمة النجاة، مشهد العبور (وَإِذْ أَنجَيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ) الكلام لله تبارك وتعالى (يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ) السوْم: الذهاب في طلب الشيء، أو مطلق الذهاب، والسائمة: البهائم ترتع، وترعى، سامَهُ: طلب له، (يَسُومُونَكُمْ) أي يطلبون لكم سوء العذاب أي يطلبون لكم بأشد المجهود أسوأ العذاب، وتفصيله، (يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ) وليس بعد ذلك عذاب، أن يرى الرجل ابنه يُقتل بين يديه، أن يرى الرجل ابنته تؤخذ للخدمة، تستباح، ويستباح عرضها (يذبّحون .. يقتَّلون..يقْتلون) جاءت بعدة ألفاظ في سور متعددة، هنا يقتّلون وقُرأت يقْتلون.
(وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ) يبقونهن على الحياة (وَفِى ذَٰلِكُم) إشارة للعذاب، وإشارة للنجاة (بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ ﴿١٤١﴾) امتحان، واختبار، والمحنة، والمنحة، ابتلاء، يبتلي ربنا الناس بالضراء والسراء، فابتلاهم بالتعذيب، وابتلاهم بالقتل لأولادهم، ابتلاهم بفرعون، ثم نجّاهم، وهذا المشهد يذكّرهم موسى به، وكأنهم ارتدعوا، وكأنهم أفاقوا، ووعدهم موسى، أنتم تريدون شرعاً ودينا، بأن يذهب لجبل يناجي ربه، وقد وُعد من الله أن ينزّل عليه كتابا فيه بيان للحلال والحرام، والتشريع والأوامر، والنواهي، كانوا يريدون العبادة فهُم لم يُكلَّفوا بشيء، وكانوا في وقت الأسْر متخذين من بيوتهم قبلة، كلٌ يذكر الله في بيته ويحكي ربنا (تبارك وتعالى) مشهداً آخر لموسى:
وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةًۭ وَأَتْمَمْنَـٰهَا بِعَشْرٍۢ فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَـٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴿142﴾
إذاً (وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةًۭ) لأن الموعد نُسُك، ذهابٌ إلى المناجاة طاعة لله، أُمر موسى بالصيام ثلاثين ليلة، وفي سورة البقرة (وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ (٥١)) [سورة البقرة آية: ٥١] ، وهنا (وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةًۭ وَأَتْمَمْنَـٰهَا بِعَشْرٍۢ فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ) ثلاثين، وعشرة أربعين، ألا ندري ذلك لما قال (فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ) ؟ أمر موسى بالصيام شهرا استعداداً لجبل المناجاة، استعدادا للقاء، استعدادا للموعد، كان الشهر ذي القعدة، صامه كاملا لكي يتواجد مهيئا للقاء في أول ذي الحجة.
وقيل: إنه صام الأيام والليالي، وقيل بل صام الأيام فقط، أحس موسى بعد الصيام بتغير في رائحة فمه، فاستاك، نظف أسنانه، وفمه بالسواك، حين فعل ذلك بتمام الثلاثين ليلة نودي كيف تفعل ذلك، أما علمت أن رائحة فم الصائم أحب إلى الله من ريح المسك، عُد إلى الصيام عشرا حتى يعود إلى فمك ما كان فيه من ريح، فزيد الصوم عشرة أيام؛ لأنه أفسد رائحة فمه بالسواك، فلما استاك كرهت منه الملائكة ذلك، وقالوا: كنا نستأنس برائحة فمك، وقيل: إن الله أوحى إليه، أما علمت أن خلوف فم الصائم أحب إلىّ من ريح المسك، فأُمر بصوم عشرة أيام أخرى؛ لكي يتم الميقات أربعين ليلة، لكي لا يتوهم القارئ أو السامع أن العشرة التي تم بها الميقات من ضمن الثلاثين فلكي تعلم أن العشر بالإضافة إلى الثلاثين قال: (فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ) ، ولكي تعلم أن اللقاء تم بعد أربعين ليلة متصلة وليست متفرقة قال في سورة البقرة (وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ) [سورة البقرة آية: ٥١].
( وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَـٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴿١٤٢﴾) حين أخبر موسى قومه أنه سوف يذهب لسماع كلام الله، ويناجي ربه، ويأتي بالتوراة أعطاهم موعدا ثلاثين ليلة، لم يدر أن الموعد سوف يؤجل، لم يخطر له ببال، فواعدهم ثلاثين، فلما أجل الموعد بعشر ليال أخر، قال قومه عنه: أنه نسي، فضلوا باتخاذ العجل في العشرة أيام الأخيرة، قال موسى: وهو خارج لأخيه هارون، وهارون نبي ورسول، ولكنه تابع لموسى، وكانت نبوءة هارون إجابة لدعوة موسى (وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًۭا مِّنْ أَهْلِى ﴿٢۹﴾ هَـٰرُونَ أَخِى ﴿۳۰﴾) [سورة طه آية:٢٩ : ٣٠] قال موسى لهارون (ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى) أي كن خليفة في قومي (وَأَصْلِحْ) أصلح نفسك أولا، لكي تكون قدوة، وأصلح عملك، وأصلح بين الناس (وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴿١٤٢﴾) وإياك، إياك وسبيل المفسدين، والمفسدون الذين يحيطون بالحكام للانتفاع، يحيطون بالمشهورين للانتفاع، وكلنا يعلم المفسدون في كل زمان، ومكان هم المنتفعون من الفساد، ومن الإضرار، فإياك وسبيلهم، إياك والسماع لكلامهم، وتكلمنا عن البطانة ورأينا بطانة فرعون كيف فعلت (ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى) أي قوم موسى؛ لأنه حين يعلم أنهم قوم موسى لا ينازعه السلطان، وإن كان ذاك لا يحدث بين الأنبياء، والرسل، فالمسئولية مسئولية موسى أساسا، وأن القوم ينتسبون إليه، وإصلاح هارون لقومه، والذي كان يتوقعه موسى منه لم يحدث، حيث خدعهم السامري، وهيأ لهم عجلا، هذا العجل له شأن، وقصة، جاءت في سورة البقرة، وسوف تأتي بعد ذلك، قصة السامري، وهو من أتباع موسى، وقيل: إن الذي رباه جبريل، وأما الذي ربى موسى ففرعون، فالذي رباه فرعون أصبح رسولا، والذي رباه جبريل أصبح كافرا، والله يهدي من يشاء.
فقد خرج موسى للقاء، وللموعد، وأوصى أخاه هارون بأن يحسن خلافته، وأن يُصلح أمره، وأن يصلح شأن قومه، ووصل موسى لجبل المناجاة، مشهد من أهم المشاهد التي حدثت في هذه الدنيا، بل ربما هو مشهد لم يتكرر.
وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِى وَلَـٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّۭا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًۭا ۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿143﴾
قالوا: رؤية الله (تبارك وتعالى) في الدنيا جائزة ممكنة، ورؤيته في الآخرة واقعة متحققة للمؤمنين، وهناك من قال: إن رؤية الله (تبارك وتعالى) في الدنيا مستحيلة، ورؤيته في الآخرة ممكنة، وهناك من قال: إنه لا يرى لا في الدنيا، ولا في الآخرة كفريق من المعتزلة، وذاك رأي مردود بالقرآن (وُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍۢ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌۭ ﴿٢۳﴾) [سورة القيامة آية:٢٢ : ٢٣]
(قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ) الآية فيها بعض التأملات، تركيبة اللفظ تحتاج إلى توقف وتأمل، لم يقل مكنِّي من النظر إليك، بل قال (أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ) وكأن موسى كان يعلم أنه لكي ينظر إلى الله لابد من أداة للرؤية تختلف عن الأداة التي يملكها.
(قَالَ لَن تَرَىٰنِى) في كلمة (لَن تَرَىٰنِى) تأمّل يفيد أن الرؤية جائزة، وامتناع الإمكان في الرائي، وليس المرئي، حيث قال (لَن تَرَىٰنِى) أنت لن ترى، أنت غير قادر على الرؤية، أما أنا فأُرى، إذاً فهو يرى (سبحانه وتعالى)؛ لأنه لو كان لا يُرى لقال: لن أُرى، وكأن المعنى يفيد أن امتناع الرؤية ناشئ من موسى، لا يملك الوسيلة، أو الأداة، أو الإعداد اللازم للرؤية، ويأتي التفصيل، والتشبيه، والتأكيد للمعنى، لا تحتمل أن تراني، والضعف فيك أنت، وعدم الرؤية منك أنت، وأنت غير مؤهل لذلك، أما إن أُهِلت كما يؤهل المؤمنون يوم القيامة فيروّن الباقي بالباقي، حيث يمنحون أبصارا باقية لا تفنى كأبصار الدنيا تفنى، وتتحول إلى التراب، وكيف يُرى الباقي بالفاني؟
أما في الآخرة فجسد المؤمن باقي، وعيناه باقيتان، مخلّد، والخلد معناه انتفاء الفناء، فيرى المؤمن الباقي (سبحانه وتعالى) ببصره الباقي.
(لَن تَرَىٰنِى وَلَـٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ) الجبل أقوى منك، وأثبت منك، وأعظم منك، وأقوى منك (فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى) إذاً الرؤية ممكنة؛ لأنه علّق الرؤية على ممكن، وإذا عُلِّق الشيء على الممكن كان معنى ذلك أنه ممكن، الجبل أقوى، فإن صمد الجبل واستقر، تمكن موسى، أما إذا لم يستقر هذا الجبل الأشّم، العظيم، الكبير، الصلب، فكيف يحتمل موسى! ونظر موسى إلى الجبل (فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ).
تجلّى: انكشف، وظهر، والآية كما قلنا من المتشابهات، تجلّى للجبل أمره، فدُّك، تجلّى باقتداره، وعظمته، بقبس من نوره، خلق فيه حياة، فرأى فدُّك، قال ابن عباس في بعض التفاسير: إن ما ظهر للجبل من نور الله قيد أنملة البنصر، أو الخنصر.
لكن الآية كما قلنا من المتشابهات (فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ) انكشف، وظهر على الوجه الذي يليق بجلاله، وكما (جَعَلَهُۥ دَكًّۭا) دكّاً: مفتتاً، تراب.
(جعله دكّاء) قراءة أخرى، دكاء: مستوٍ كالأرض، وقيل: إن الجبل ساخ في الأرض، وهو يسيخ إلى يومنا هذا (وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًۭا) أُغشى عليه، وقيل: بل مات، آراء للعلماء، والصعق: موت، والصعق: إغماء (فَلَمَّآ أَفَاقَ) يدل على أنه أُغشى عليه فقط، ولم يمت، وإنما كان إغماء، كان ذلك في يوم العيد الأكبر، العاشر من ذي الحجة، الصعق كان في يوم عرفة، في اليوم التاسع من ذي الحجة، والكلام، والمنحْ كان في اليوم العاشر، مُنح التوراة في اليوم العاشر، وهو اليوم الذي فُدى فيه إسماعيل بالذبح العظيم، وهو اليوم الذي أتم الله على محمد (صلى الله عليه وسلم) وأمته نعمته، وقال (ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى) [سورة المائدة آية: ٣]، (فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ) تنزيها لك، لا يشبهك شيء، وليس كمثلك شيء (تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿١٤۳﴾) واحتار العلماء، من أي شيء تاب موسى؟
قالوا: السؤال بغير استئذان، أما السؤال نفسه (أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ) فليس بخطيئة، وليس بإثم، وإلا كان الله زجره، كما أن الأنبياء معصومون عن سؤال الله ما لا يليق، وإن كان السؤال لا يجب لقيل له كما قيل لغيره (فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ (٤٦)) [سورة هود آية: ٤٦]، كما قيل لنوح، وقيل بل هو لجوء إلى الله، وتواضع لعظمة الله، وتوجّه إليه، والإنسان إذا تاب لا يُشترط أن يتوب من شيء معلوم، وإنما يتوب مما يعلم، ومما لا يعلم، فالتوبة معناها الإنابة إلى الله، معناها الرجوع إلى الله، معناها الخشية من الله، وليست التوبة قاصرة على العودة عن الذنب، أو الندم على الإثم.
(وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿١٤۳﴾) أول المؤمنين من قولي بأنك لا تُرى، أو أول المؤمنين عموما من الناس؛ لأنه لم يحدث هذا السؤال قبل موسى، أنا أول المؤمنين بأنك لا تُرى في الدنيا أو أول المؤمنين من بني إسرائيل، باعتباره أول مؤمن؛ لأن الرسالة كانت له أولا، ثم خاطب بها قومه.
أيها الأخ المسلم، رؤية الله (تبارك وتعالى) في الآخرة متحققة بنص حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وبالقرآن، فقد سُئل النبي (صلى الله عليه وسلم) سأله الصحابة هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) ونبههم في ليلة البدر حين يكون القمر بدراً هل يُضام أحدكم في رؤية البدر؟ بمعنى هل يغطي أحدكم على أحد؟ هل لو أراد أهل الأرض أن ينظروا للقمر ليلة البدر، هل يغطي أحد على الآخر، أم كلنا نراه؟ كلنا نراه، ليس بيننا وبينه سحاب، أو غيم، إذاً فهو واضح ظاهر، كذلك رؤية الله (تبارك وتعالى) يوم القيامة، فهي بالكيفية التي يشاءها الله (تبارك وتعالى) دون إحاطة؛ إذ هو المحيط (سبحانه وتعالى) ولا يحيط به شيء، وتلك مسألة متروكة لله (سبحانه وتعالى) لكنه وعد بذلك، ونسأل الله (تبارك وتعالى) أن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم، أما رؤية الله (تبارك وتعالى) في الدنيا فهي جائزة للأسباب التي ذكرها أهل السنّة، أن موسى سألها، وإن كانت مستحيلة، فلا يمكن لموسى أن يسأل مستحيلا، وهو من أولي العزم، سأل موسى الرؤية، ولم يعنفه الله (سبحانه وتعالى) ولأن الله علّق الرؤية على شيء ممكن، وهو استقرار الجبل، هل كان من الممكن للجبل أن يستقر؟ نعم من الممكن، كان له أن يستقر إذا أراد الله ذلك له، ذلك والله على كل شيء قدير، لكن الناس لا ترى الله (تبارك وتعالى)؛ لأن الناس غير مهيّئين لذلك (سبحانه وتعالى) احتجب عن الخلْق بنوره، وخفي عنهم بشدة ظهوره.
فقد أفاق موسى من الصعق، أفاق تائبا منيباً إلى الله (عز وجل) علم موسى أن الله (تبارك وتعالى) لا يُرى في الدنيا؛ إذ كيف يرى الفاني الباقي، تجلّى ربه للجبل وجعله دكاً، وهنا صعِق موسى، أفاق من الصعق؛ لذا قد لا يُصعق يوم القيامة؛ لأن نبينا (صلى الله عليه وسلم) قال: (فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَصُعِقَ مِمَّنْ صُعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ حُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ الْأُولَى) أناب إلى الله من سؤال ما لا يجب، أو من سؤال ما لا يصح، أو من السؤال في غير الوقت المناسب (تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿١٤۳﴾) بأنك لا تُرى في هذه الدنيا الفانية، فجاءه نداء من العلي الأعلى فيه العتاب ضمنا، فقد كفاه الصعق، فيه الأمر بالقناعة، وفيه الحنان كله.
قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِى وَبِكَلَـٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿144﴾
الاصطفاء: الاختيار، التفضيل، الاجتباء.
(عَلَى ٱلنَّاسِ) الناس في زمانه، وليس الناس على الإطلاق (بِرِسَـٰلَـٰتِى وَبِكَلَـٰمِى) فلم يكلم ربنا بشرا قبل موسى، أو بعد موسى، كما توحي بهذا الآيات مع الاستثناء لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) ليلة عُرج به إلى السموات العُلى (فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ) أي كن راضيا بما أعطيتك، ولا تطلب المزيد؛ لأنه طلب الرؤية (وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ (١٤٤)) كن راضيا به، قنوعا به، شاكرا عليه.
وَكَتَبْنَا لَهُۥ فِى ٱلْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْعِظَةًۭ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍۢ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴿145﴾
قيل: الكاتب جبريل، وكتب بالقلم الذي كتب به الذّكر، ونسب ربنا الكتابة إلى نفسه لتشريف التوراة، وكأنه هو الكاتب، وقيل: بل خلق الله (تبارك وتعالى) فيها الكتابة، الألواح: جمع لوح، اللوح: اللمع، اللوح: ما يكتب فيه، وسُمِّيَ لوحا؛ لأن المعاني تلوح فيه لصاحبها (وَكَتَبْنَا لَهُۥ فِى ٱلْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْعِظَةًۭ) أي كتبنا له مواعظ في كل شيء، في أمور الدين والدنيا، لم نفرِّط في شيء، كتب فيها الأحكام، والأوامر، والنوهي (وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ) مما يحتاجه بنو إسرائيل في أمور دنياهم، وأمور أخراهم من الأحكام وأومر ونواهي.
(فَخُذْهَا بِقُوَّةٍۢ) خذها بجد، ونشاط، خذ بالعزائم، وموسى من أهل العزائم، من أولي العزم؛ لذا أمره الله أن يأخذ التوراة بمنتهى الجد، والنشاط، يأخذ بعزائمها، ولا يأخذ برخصها.
(وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا) ليس هناك حسن، وأحسن، وإنما بأحسنها، أي بحسنها، أي بأوامرها، مبتعدين عن نواهيها، ورأى آخر بأن الأحسن: العزائم، والحسن: الرخص
وقد قيل في كتاب الإسلام - القرآن - (وَٱتَّبِعُوٓا۟ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم) [سورة الزمر آية: ٥٥] فالأحسن العفو والحسن الانتصار(وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا) أمر حسن (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ) [سورة الشورى آية: ٤٠] أحسن، (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا) بما فيها من مكارم الأخلاق، إذ في الأوامر العدل، والفضل، فإن انتقمت لنفسك دون تجاوز فهذا العدل، فإن عفوت فهذا الفضل، وكل ما نزل من ربنا حَسَن (سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ (١٤٥)) دار فرعون بعد ما خلت من أهلها، وأصبحت خرابا، فقد غرق فرعون، وجنوده، أو(دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ (١٤٥)) : ديار عاد، وثمود في طريقهم إلى الشام، يمرون عليهم فيروْا كم من بئر معطلة، وقصر مشيد، يروْا مساكنهم خاوية على عروشها، يروا بيوتهم خاوية بما ظلموا، فيتعظوا، ويتذكروا، ويعرفوا مغبة العصيان، ونتيجة الكفر، والجحود، والعاقل من اتعظ بغيره.
وقُرأت (سأورثكم دار الفاسقين) أي ديار فرعون، وقومه، فقد ورثوا ديار فرعون، ورثوا مصر، وفتحت لهم مصر، والشام بعد ذلك.
سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ ﴿146﴾
ربنا تبارك وتعالى يهدد ويحذّر (سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ)
كأن من صُرف لا ينتفع، لا يرى الآية، يغفل عنها، وإن غفل عن الآية كيف يلجأ إلى الله! فقد مُنع منه الإيمان.
الكِبر يؤدي إلى جهنم، يؤدي الى الكفر، الكِبرْ: أن يرى الإنسان في نفسه أنه أكبر من غيره أعظم، أياً كان هذا الغير، وحين يقول (بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ) لأنه ما من متكبر بحق إلا الله، وكل متكبر بعد ذلك فهو متكبر بالباطل؛ لأن المتكبر متكبر بما ليس من إيجاده، فمن يتكبر بالقوة هل هي قوة ذاتية، أم ممنوحة له من الله؟ هل هي دائمة، أم زائلة بالشيب، والعجز، والكِبرْ، والمرض، والموت، إذا فالمتكبر بالقوة متكبر بغير حق؛ لأن الحق هو الثابت، الحق هو الواجب، ما الذي ثبت، وما الذي وجب لهذا المتكبر من قوة؟! لا هي ثابتة، ولا هي واجبة له، المتكبر بماله حين وُلد، وُلد من غير مال، المال مال الله، من خلْقه هو الذي خلق المال، وهو الذي أعطاه المال، فكيف يتكبر بالمال، والمال زائل، إذاً فهو متكبر بغير حق، المتكبر بجماله المتكبر، بجاهه، ما من متكبر إلا وهو متكبر بغير حق، الكِبرْ داء، الكِبرْ أول خطيئة حدثت في الملأ الأعلى، الكِبرْ هو الذي منع إبليس من السجود لآدم، ودفعه إلى عصيان أمر مولاه، الكِبر لا ينبغي إلا لله، المتكبر سبحانه وتعالى بحق، وهو القائل في حديثه القدسي ( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ)؛ لذا يقول الله (تبارك وتعالى) متوعدا المتكبرين (سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ) هل هناك كِبرْ بحق؟ أبداً لكنه حين يقول (يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ) يبيّن لك أنه ما من كِبرْ إلا بغير حق (وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍ) (وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ) (وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ) إذا فهناك ثلاثة أشياء يراها الإنسان: آيات كالشمس والقمر، فهما آيتان من آيات الله، السماء، تقلّب الفصول، البرد، الحر، الجبال، آيات يراها الإنسان، فيسأل نفسه ما هذه؟ وكيف وُجدت؟ ومن أوجدها؟ ومن الذي أبقاها؟ الطير في السماء يرفرف بجناحيه ثم يبسطها، ولا يقع، لِمَ لا يقع! من الذي يمسك الطير في لجو؟ من الذي أقام السماء بلا عمد؟ لابد أن يصل إلى الخالق (سبحانه وتعالى) المتكبر مهما رأى من آية لا تؤثر فيه، ولا يؤمن بها، ولا ينفعل بها، أو تتأثر مشاعره من الذي فعل فيه ذلك؟ المتكبر بحق لأنه نازعه في حقه (وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا) (وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا) (وإن يَروْا سبيل الرَشَد) قراءة
الرُشد، والرَشَد، والرشاد بمعنى واحد ضد الغيّ، والضّلال: الطريق المستقيم طريق السلامة في كل شيء، إن يَروْا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، إذاً يرى الطريق المستقيم، ولا يمشي فيه (وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا) إن يروْا طريق الضلال طريق الندامة، يتخذوه سبيلا أين عقولهم؟ ختم على قلوبهم، وقلب العبد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلّبه كيف شاء، ثم يعلّل ربنا (تبارك وتعالى) لنا، ويبيّن لماذا فُعل بهم ذلك؟ ليس بسبب الكبر فقط، وإنما هناك أسباب أخرى (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ (١٤٦)) وكأنه السبقْ في الغفلة، كان منهم السبق في الإلتهاء، رأوْا الآيات فلم يؤمنوا بها، رأوا الآيات فأعرضوا عنها، رأوا الآيات فكذّبوا بها فزادهم الله (تبارك وتعالى) ضلالا على ضلال، وختم على قلوبهم بعصيانهم، وكِبّرهم.
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلْـَٔاخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿147﴾
حبطت: بمعنى انتهت، اضمحلت، هلكت، أصل الكلمة إذا استحلت الناقة، أو الشاة
المرعى، وأكلت، وظلّت تأكل حتى انتفخت من كثرة الأكل، وماتت من التخمة يقول الناس عنها: حبطت الناقة، من هنا يشبّه عمل الكافر بهذا، فيقال عن عمله أنه حبط بمعنى أنه مهما عمل من خير، أطعم المساكين، أنفق من ماله، عمل أعمال طيبة، نافعة، تهلك، وتضمحل، ولا تُكتب، ولا يُثاب عليها كالناقة التي أكلت، حتى انتفخت، فماتت؛ لأن شرط قبول العمل هو الإيمان، آمنوا، وعملوا الصالحات، أما عمل الصالحات بلا إيمان فلا تُقبل.
(وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلْـَٔاخِرَةِ) أي لقاءهم للآخرة أي البعث، كذّبوا بالآيات وكذّبوا بالبعث، ويأتي السؤال الذي لا يحتاج لإجابة (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (١٤٧)) إذاً فالجزاء من جنس العمل.
حين أمر موسى قومه بالاستعداد للخروج، والهروب من أرض الظلمة، من أرض فرعون، استعاروا حلياً من قوم فرعون، وقيل: بل كانت لهم حلىّ يستخدمونها وقت الأعياد، وقيل: بل ورثوا الحلىّ بعد غرق آل فرعون، واعتُبرت غنائم، أياً كان مصدر الحلي يقول الله (تبارك وتعالى) حاكياً عنهم:
وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًۭا جَسَدًۭا لَّهُۥ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُوا۟ ظَـٰلِمِينَ ﴿148﴾
وَلَمَّا سُقِطَ فِىٓ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا۟ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا۟ قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ﴿149﴾
(وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِ) أي من بعد رحيله للمناجاة، نُسب الاتخاذ لجميع القوم؛ لأنهم سكتوا، والساكت عن الحق شيطان أخرس، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مطلوب (وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًۭا جَسَدًۭا لَّهُۥ خُوَار) ثم يأتي التقريع، والتوبيخ، والتبكيت (أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا) لا يتكلم، فكيف يُتخذ إله، وهو لا يعبّر عن نفسه، أو يأمر، أو ينهى، أو يعاقب، أو يعاتب، طالما لا يتكلم فتستوي لديه الأشياء (وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا) (وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا) لا يبيّن لهم الطريق السليم، أو يبيّن لهم طريق الرشاد، جماد قطعة من الذهب على هيئة عجل، كيف تُعبد؟
(ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُوا۟ ظَـٰلِمِينَ (١٤٨)) تأكيد للوم، والعتاب كرّر كلمة (ٱتَّخَذُوهُ) ولتقرير أنهم ضلوا حقيقة، وكانوا ظالمين؛ لأنهم وضعوا الأمور في غير مواضعها.
(وَلَمَّا سُقِطَ فِىٓ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا۟ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا۟) كيف سُقط في أيديهم؟ هذا التعبير جديد على اللغة العربية لم يكن يعرفه العرب، جاء به القرآن.
(وَلَمَّا سُقِطَ فِىٓ أَيْدِيهِمْ) كناية عن شدة الندم، النادم ماذا يفعل؟ يعض على يده، ويحني رأسه، فكأن النادم يسقط رأسه في يده، كيف سُقط في أيديهم، وكيف علموا أنهم أخطأوا؟ بعودة موسى، والكلام فيه تقديم وتأخير؛ إذ يأتي بعد ذلك (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِ) حين جاء موسى، وعاتبهم، وأفهمهم، وبين لهم قالوا: (لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ﴿١٤۹﴾) إذاً فقد تابوا، وأنابوا إلى الله (تبارك وتعالى) بهذا النداء.
أيها الأخ المسلم، موسى كليم الله، كان مشهوراً عنه الغضب، كان سريع الغضب، ألم تروْا كيف وكز الرجل فقضى عليه، لكن غضب موسى دائما أبداً كان في الله، وليس لنفسه، وكذلك كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصبر على الأذى، حليم لكنه كان يغضب لله، وليس لنفسه، والناس في الغضب أربعا: سريع الغضب، سريع الرضا، فهذه بتلك، يغضب بسرعة، لكن بمجرد الاعتذار، أو تطييب الخاطر، ويرضى، وينسى، بطيء الغضب، بطيء الرضا، حليم صبور، لا يغضب بسرعة، لكنه إن غضب قلما يرضى بصعوبة، فهذه بتلك، وسريع الغضب بطيء الرضا، يغضب بسرعة، ولا يرضى، وذاك شر الناس، وبطيء الغضب، سريع الرضا، وذاك خير الناس، فلم يكد موسى يفرح بالتوراة، أول كتاب ينزل من السماء مكتوبا بيد القدرة: لم يكد يفرح بتلقّي التوراة، كتاب التشريع، كتاب الهدى، كتاب النور، كتب الله له فيها من كل شيء موعظة، وتفصيلا لكل شيء، لم يكد يفرح حتى فوجيء بالخير الذي لم يخطر له على بال، حيث أخبره الله (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ (٨٥)) [سورة طه آية: ٨٥] مفاجأة لا تخطر على بال رسول ترك قومه منذ أربعين ليلة فقط، تركهم ولم تجف أقدامهم بعد من البحر، تركهم وقد أصل عقيدة التوحيد في نفوسهم على مدار سنين عديدة، منذ كانوا يسامون سوء العذاب على يد فرعون، كيف اتخذوا بيوتهم قبلة، وأقاموا الصلاه؟! كيف نبههم موسى، وكيف قالوا: (عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا) [سورة يونس آية: ٨٥] كيف نبّه وقال (إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ (٨٤)) [سورة يونس آية: ٨٤] أقرّوا، وتوكلوا على الله ولجأوا إليه (فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةًۭ لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿۸٥﴾ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿۸٦﴾) [سورة يونس آية:٨٥ : ٨٦] وأنجاهم، وفرق بهم البحر، فوجئ موسى بذلك، وعاد مسرعا إلى قومه، يسبقه غضبه، ويحيط به حزنه، وموسى دون الرسل جميعا (عليهم الصلاة والسلام) كان سريع الغضب لكنه كان يفيء بسرعة، فهذه بتلك، وقصص غضبه كثيرة، منها أنه صفع ملك الموت حين جاءه يقبض روحه، قصص غضبه كثيرة، حكى القرآن بعضا منها، وحكى نبينا (صلى الله عليه وسلم) البعض الآخر، رجع موسى إلى قومه يحكي ربنا (تبارك وتعالى) عن ذلك الموقف.
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَـٰنَ أَسِفًۭا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنۢ بَعْدِىٓ ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا۟ يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿150﴾
(أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) أي سبقتم أمر ربكم، هل جاءكم الأمر كيف تعبدون الله؟ هل جاءكم التشريع؟ لم تنتظرون حتى أرجع بالتوراة، وأخبركم بالأوامر والنواهي، فتعجلتم وعبدتم العجل، أو سبقتم موعدي، وأخلفتم موعدي عشرة أيام، لم يصبر بنو إسرائيل حيث قال: إن الموعد بعد شهر، وكلنا يعلم أنه صام، ثم تسوّك بعده، فقيل: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، صُم عشرة أُخر، فصام هذه العشرة أيام الزائدة، هي المدة التي فُتن فيها بنو إسرائيل (وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ) حينما أخذ موسى برأس أخيه هارون، وبلحيته يجره إليه، أراد هارون أن يستعطفه، ويسكّن غضبه، وهو يعرف أخاه، وهارون كان أكبر من موسى بثلاث سنين، وكان على عكس موسى؛ إذ كان هادئا جدا، ليّنا جدا، لا يغضب أبدا بسهولة؛ ولذا كان أحب إلى بني إسرائيل من موسى، أراد أن يستعطف موسى، ويستدر رحمته، ويذكّره بصلة الرحم (قَالَ ٱبْنَ أُمَّ) بالفتح تركيبة كخمسة عشر، وقُرأت (ابن أُمِّ) مع حذف الياء، والإبقاء على الكسرة، للدلالة على وجود الياء.
قال (قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا۟ يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿١٥۰﴾) هارون شقيق لموسى من أبيه وأمه، لكنه قال (ٱبْنَ أُمَّ) أي إني كنت أنا، وأنت في بطن واحدة، ورحم واحد، استدرار للعطف، وتهدئة لموسى (إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى) لأنه طيب، وهاديء الطبع، بعكس موسى قوي، شديد البأس، سريع الغضب (وَكَادُوا۟ يَقْتُلُونَنِى) وصل بهم الأمر أن يقتلوا هارون، أن يقتلوا نبيهم، ذلك ديدنهم، قتلة الأنبياء (فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ) الشماتة: إظهار السرور مما يصيب الغير من مصائب، والشماتة مذمومة، الشماتة داء وبيل، وإثم عظيم، وقيل: (لا تظهر الشماتة بأخيك، فيعافيه الله ويبتليك)، وعلمنا النبي (صلى الله عليه وسلم) الاستعاذة بالله منها ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ، وَمِنْ جَهْدِ الْبَلاءِ) هارون يستدر عطف موسى، ويقول الأعداء حولنا، عبدة العجل، والسامري لو رأوك تبطش بي شمتوا فيّ (فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿١٥۰﴾) أنت (فلا تَشمت بي) قراءة، (وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿١٥۰﴾) أي في قائمة الذين ظلموا أنفسهم، لم يكن بيدي شيء، أمرتهم، ونهيتهم، وحاولت، كادوا يقتلونني، هنا هدأ موسى بعض الشيء، واستعاد نفسه، ضعف أخيه، واستدرار عطفه، ورقة كلامه، وتواضعه جعل موسى يلين، ويلجأ إلى الله.
قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ﴿151﴾
( قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ) أراد أن يجمع ربنا بينه، وبين أخيه في رحمته دنيا وأخرى، الغريب في الآية أن موسى حين دعا، دعا لنفسه وأخيه فقط، ألم يكن هناك أحد يدعو له موسى سوى نفسه وأخاه؟ هل معنى ذلك أن الكل عبد العجل؟
قال ذلك بعض العلماء: لأنه لو كان هناك من عبد الله، وقاوم لقال موسى: اغفر لي، ولأخي، ولمن استمر على إيمانه، لجاء بذكر يبين الذين ثبتوا على الإيمان، لكنه لم يدعو إلا لنفسه، وأخيه فقط، وكأنه الكل قد فُتن، والكل قد ضل، والكُل قد عبد العجل.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ ﴿152﴾
وَٱلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِهَا وَءَامَنُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿153﴾
يقول الله (تبارك وتعالى) (إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ) أي عبدوا العجل من دون الله (سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ) والغضب قيل: إنه الأمر بعد ذلك بأن يقتلوا أنفسهم علامة على توبتهم (وَذِلَّةٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا) قيل: الذلة، التشرد، والخروج من الأرض، وقيل: الذلة: وضع الجزية، وما إلى ذلك، الذّل: الصغار، والهوان، حكم ربنا على متخذي العجل بالغضب في الدنيا، والآخرة، والذل (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ (١٥٢)) أي كما عاقبنا هؤلاء بالغضب، والذلة نعاقب كل من افترى على الله الكذب، وهل هناك فرية أعظم من أن يُتخذ عجل إلهاً من دون الله، كما أنه علم أن الله (تبارك وتعالى) يغفر الذنوب مهما عظُمت، إذا تاب المذنب، فبعد التهديد، والوعيد، جاءت بشرى التوبة، أو فتح باب التوبة، بقوله: (وَٱلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِهَا وَءَامَنُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (١٥٣)) السيئات هنا: الكفر، أي عبادة العجل، والتوبة أنواع: توبة وعمل صالح، توبة - وإصلاح - توبة وإيمان، فمن أشرك لابد لتوبته من إيمان، ومن أفسد لابد لتوبته من إصلاح، ومن ضر نفسه وظلم نفسه لابد لتوبته من عمل صالح؛ ولذا جاءت كلها في القرآن (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًۭا (٧١)) [سورة الفرقان آية: ٧١].
(تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِهَا وَءَامَنُوٓا۟) (تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟) [سورة البقرة آية: ١٦٠] هنا (وَٱلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِهَا وَءَامَنُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿١٥۳﴾) مهما عظُم الذنب، ومهما كثر الإثم، عبادة العجل بعد ما نجاهم من آل فرعون، بعد ما جاوزوا البحر، بعد الكرامات، وبعد الإكرام، وبعد المعجزات، وبعد الآيات اتخذوا عجلا إلها، ومع ذلك بشرهم بالتوبة إن آمنوا، ووعدهم بالمغفرة، والرحمة، وذلك يدل على عظم مغفرة الله (تبارك وتعالى) سعة رحمته، وأن العبد مهما فعل من معاصي، وسيئات حتى وصل إلى الكفر والشرك إن تاب، تاب الله عليه، إن رجع إلى الله فتح له ربنا أبواب رحمته، وتوبته، وصدق الله إذ يقول في حديثه القدسي ( يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي لَغَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ أَتَيْتَ بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً) فقد جاءت البشرى بفتح أبواب التوبة، وأن العبد مهما أذنب، ومهما كبر إثمه إذا استغفر الله غُفر له، وصدق ربي حيث يقول (وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا (١١٠)) [سورة النساء آية: ١١٠]
وعد من يملك، وعد من الصادق، مهما أذنبت، ومهما ارتكب من شرور لابد وأن تثق بأن باستغفارك يُغفر لك، وإن استغفارك قد أُذن لك فيه، وهو علامة على أن المغفرة قد تحققت، إذ لو لم يرد أن يغفر لك ما ألهمك الاستغفار، وطالما ألهمك الاستغفار إذاً قد غفر لك من قبل أن تستغفر؛ إذ يستحيل أن ترفع يديك إلى السماء، ويردها صِفراً، الاستغفار يمحو الذنوب مهما عظُمت، كل ما هنالك أن الذنوب أنواع، ذنب يتعلق بحق الله (عز وجل) وذاك يُغفر بمجرد الاستغفار والعمل الصالح، وذنب يتعلق بالعباد، وذاك يُغفر إذا أصلحت ما أفسدت، أو رد الظالم المظلمة، بمعنى أخذ مالاً من غيره، فإن أعاد المال واستغفر الله غُفر له، هناك من الحقوق ما يصعب ردها مثال: رجل سرق لكنه لا يدري ممن سرق، كيف يرد المال المسروق؟ ينفقه في المنافع العامة، ما ينفع المسلمين، وذاك صدقة لمن سُرق منه المال، رجل اغتاب رجلا، وقد مات، كيف يستسمحه، وقد مات؟ تدعو له بالخير، فالدعاء له يمحوا ما فعلته أنت من اغتياب، فإذا لم يمكن أن ترد الظالم، فالعمل الصالح، وكثرة الحسنات تعوّض، وتلجأ إلى من لا تضره المعاصي، ولا تنفعه الطاعات، أن يتحمل عنك ما للخلائق من حقوق، فإذا واظبت على العمل الصالح، وكثرت حسناتك، رُدت الحقوق إلى من ظُلم منك، وبقي لك رصيد يدخلك الجنة.
وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ ۖ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴿154﴾
(وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ) لم يسكت الغضب عن موسى فجأة إلا بعد استرضاء أخيه، واسترضاء النقباء، والزعماء، جاءت البشرى، وسمع موسى الوحي، وسكن غضبه،
والتعبير في الآية تعبير دقيق (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ) وكأن الغضب هو الذي جاء، وكأن الغضب هو الذي ثار، وكأن الغضب هو الذي سكت، كأن الغضب فاعل، والقياس والتقدير (ولما سكت موسى عن الغضب) وليس سكت الغضب عن موسى، لكن المبالغة في التعبير تبيّن كيف أن غضب موسى كان أكبر من كل غضب، حتى أن غضب موسى هو الفاعل (أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ) التي ألقاها، وهناك من يقول: إن الألواح كانت سبعة أسباع، تكسّرت، وبقي سُبع الهدى، والرحمة، وذهبت الأوامر، وذاك الرأي مرجوح؛ لأنه لم يرد في القرآن، ولم يرد في أحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الألواح تكسّرت، أو أنه قد رُفع منها شيء (أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ) ولم يقل (ما بقي من الألواح ) (أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ ۖ وَفِى نُسْخَتِهَا) أي مكتوب فيها منسوخ، النسخة، بمعنى منسوخة، وفي نسختها أي في التوراة، قد نُسخ، قد نقل لأن النسخ: النقل من كتاب إلى كتاب، فهي منقولة من اللوح المحفوظ (وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)) هدى: دلالة، وبيان للحق، ورحمة: الدلالة، وبيان، وإرشاد ما فيه الصلاح، والخير لك في الدنيا وفي الآخرة
اللام زائدة للتوكيد، أو اللام (لام لأجل) أي أن رهبتهم خالصة لوجه الله، لا يمثلون الخشوع، لا يمثلون التواضع، لا يمثلون الرهبة، والخوف، وإنما الرهبة في قلوبهم حقيقة خالصة لوجه الله،
أخذ موسى الألواح، واستقرت نفسه، وحمد ربه، ولكن لابد من إعلان التوبة، كيف يُعلن هذه التوبه؟ أُوحي إلى موسى أن يرجع إلى جبل المناجاة، ومعه زعماء قومه، أو رؤساء العشائر، أو النقباء كما كان يسميهم موسى.
وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُۥ سَبْعِينَ رَجُلًۭا لِّمِيقَـٰتِنَا ۖ فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّـٰىَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ۖ إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ ﴿155﴾
قيل: ماتوا يوما، وليلة، ودعا موسى ربه، ثم أحياهم الله بعد ذلك، ذاك رأي.
والرأي الآخر وهو الأرجح، إذ الميقات غير الميقات، والسبعون غير السبعين، وسياق الآيات يفيد أن الرأي الثاني هو الأرجح، وهو أن السبعين جاءوا للاعتذار عن عبدة العجل، وليس هم الذين قالوا: أرنا الله جهرة.
جاء موسى ومعه السبعون يستغفرون الله، ويتوبون، ويعتذرون عن السفهاء الذين اتخذوا العجل إلها، فوجئ وهو يتجه إلى ربه مع السبعين بالرجفة، والزلزلة، وإذا بأصحابه خيار قومه، إذا بهم ينزلزلون حتى كادت تبيّن مفاصلهم، تنفصل أعضاءهم عنهم من شدة الزلزلة، والرجفة من شدة الارتعاش، وخرّوا فخاف موسى عليهم، فسجد لله، وأخذ يبكي، ويتضرع إلى الله لو كنت تريد إهلاكهم، كنت تركتهم لفرعون عذّبهم، وسامهم سوء العذاب، وذبّح أبناءهم، واستحيا نساءهم، كان من الممكن أن تغرقهم في اليم، نجيتهم من فرعون، ونجيتهم من اليم، ووسعتهم رحمتك، والآن تريد أن تهلكهم، وكأن موسى يستعظم على الله (تبارك وتعالى) أن يُهلك أحداً بسبب ذنب أحد، أو يؤاخذ أحد بجريرة أحد، فقال: (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّا) ولم يكن موسى من ضمن الذين أُخذوا في الرجفة، نسب إلى نفسه حبا في قومه، وشفقة عليهم، والسفهاء هنا هم الذين قالوا: أرنا الله جهرة على الرأي الأول، أو هم الذين عبدوا العجل على الرأي الثاني، وهذا رأي أرجح، والاستفهام هنا للجحد، أو قيل للاستعظام، أو قيل الاستفهام مقصود به الدعاء، أي لا تفعل ذلك (إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) أي حدث بإرادتك امتحان منك للناس، وهنا نلتفت لأسلوب خالف ما اعتدنا عليه من مخاطبة الأنبياء لربهم، حيث كانوا ينسبون الشر إلى أنفسهم كقول إبراهيم (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)) [سورة الشعراء آية: ٨٠]، ولم يقل (وإذا أمرضتني)، وكقول أيوب (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ (٨٣)) [سورة الأنبياء آية: ٨٣]، ولم يقل مسستني (وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍۢ وَعَذَابٍ (٤١)) [سورة ص آية: ٤١]، وكقول صاحب موسى في شأن الحوت (قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُۥ ۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًۭا (٦٣)) [سورة الكهف آية: ٦٣].
فكيف يقول موسى هنا (إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) كانت الإجابة على هذا في رأي العلماء، أن موسى كان يردد ما أخبره به ربه في المرة الأولى، حين جاء لأخذ الألواح، وفرح بالألواح، وفرح بالمناجاة، لم تكد فرحته تتم حتى قال الله له: (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ (٨٥)) [سورة طه آية: ٨٥]. إذاً فقد قال عن نفسه (قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ) من هنا يقول موسى (إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) أي امتحانك، وابتلاؤك (تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ) اعتذار، وخوف، واستجداء، وطلب للرحمة، وفي نفس الوقت تفويض، لكن الرجاء غلب موسى فقال: (أَنتَ وَلِيُّنَا) أنت متولّيِ أمورنا، وأنت القيم علينا (فَٱغْفِرْ لَنَا) ما سلف من أمرنا (وَٱرْحَمْنَا) بواسع رحمتك (وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ ﴿١٥٥﴾) هل هناك من يغفر سوى الله؟ نعم هناك من يغفر من الناس، ويعفو لكن الله في غفرانه يضع مكان السيئة حسنة، من يفعل ذلك؟ يبدل السيئات حسنات، فالله تبارك وتعالى خير الغافرين؛ إذ يمحو الذنب، ويمحو أثره، ويُنسي الكتبة، ويرفعه من الصحائف، ويضع بدله حسنات، بل يُنسي الجوارح ما ارتكبت من ذنوب، وهو على ما يشاء قدير.
وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ ۖ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍۢ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿156﴾
الأعمال الحسنة: التوفيق إلى الطاعة التي يصلح بها حالنا، ويحسن بها مآلنا (وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ) وحسنة الآخرة هي الجنة، هي الراضوان (إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ) هاد يهود: رجع يرجع، (هُدْنَآ إِلَيْكَ) أي رجعنا إليك، وتبنا إليك، وأنبنا إليك.
كانت إجابة الله (تبارك وتعالى) لدعاء موسى إجابة عظيمة، لكن القرآن حين عبّر عنها بأسلوب يحتاج للتأمل (فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ ﴿١٥٥﴾) مطلب، (وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ) مطلب (إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ) مطلب رجعنا إليك، فاقبلنا قال (الله تبارك) وتعالى في إجابته (قَالَ عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ ۖ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍۢ) إجابته فيها تأمل وللعلماء فيها أقوال مختلفة:
قال بعضهم: المقصود يا موسى لا تخشى على قومك، فليسوا هم المختصون بالعذاب؛ إذ عذابي أصيب به من أشاء، لا يُشترط أن أصيب قومك بعذابي، وكأنه يقول هل عذابي لا يجد من يصيبه إلا هؤلاء، وكأنها إجابة إلى أنه قد رحمهم، قد رحمهم، وقبِلهم، وغفر لهم.
وبعض الأقوال تقول: (قَالَ عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ) أي من يستحق التعذيب، وقومك طالما تابوا فقد برئوا من استحقاق العذاب.
(وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍۢ) في التعبير لفتة (عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ) فعل مضارع (وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍۢ) فعل ماض؛ لكي تفهم أيها المتأمل أن الرحمة سبقت الغضب، وأن الرحمة بمقتضى الذات العلية، فهو الرحمن الرحيم، أما الغضب، والعذاب فبمقتضى معاصي العباد، أي أن الغضب لا ينال إلا من يستحق، والرحمة تعم المستحق، وغير المستحق، فرحمة الله تعم المؤمن، والكافر في هذه الدنيا ألا تراهم يعبدون غيره ويرزقهم، ألا تراهم يزعمون له الولد والصاحبة، ومع ذلك يعطيهم، ويمهلهم، رحمته وسعت كل شيء، مؤمن وكافر، حتى أن الشيطان طمع فيها، وقال عن نفسه طالما رحمته وسعت كل شيء، أنا شيء، فقال الله (عز وجل) (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٥٦﴾) فخرج إبليس منها، هو شيء تسعه الرحمة لكنه خرج منها؛ لأن الله قدرها وكتبها في الآخرة للذين يتقون، وهل كان إبليس من المتقين.
(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّۢ ۚ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلًۭا (٥٠)) [سورة الكهف آية: ٥٠]
(فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) يتقون المعاصي، يتقون الشرك، يتقون الكفر (وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ) واختص الزكاة بالذكر، ولبعض العلماء رأي أن اليهود عُرفوا بالبخل، وكانت أصعب عبادة عليهم الزكاة، فاختصها هنا بالذكر.
( وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٥٦﴾) يؤمنون بجميع الآيات، كلامه، وكتبه جميع الآيات: كلامه وكتبه، جميع الآيات في هذا الموقف يلفت النظر ما يأتي من آيات بعد ذلك، الكلام مع موسى، هو يناجي، هو يستغفر، معه سبعون رجلا من خيار قومه، ها هو الدعاء الإجابة إجابة عامة (عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ ۖ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍۢ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا) إجابات عامة، ليست خاصة، ليست موجهة لموسى كما حدث في كثير من الإجابات (قِيلَ يَـٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍۢ مِّنَّا وَبَرَكَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌۭ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (٤٨)) [سورة هود آية: ٤٨].
فالخطاب هنا خطاب عام، يدعو للتأمل، والأغرب ما يلي (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٥٦﴾
ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ) كأن الاختصاص اختُصت به أمة محمد، الذين يتبعون النبي الأمي، من هنا قيل: إن بعد ما اعتذر موسى وتاب، وقال الله (تبارك وتعالى) له: رحمتي وسعت كل شيء، فلن تضيق على قومك، وقد جاءوا تائبين، مستغفرين، راجعين، منيبين إلىّ، قيل: إن الله (تبارك وتعالى) أوحى إلى موسى، أو أن موسى سأل قومه أن يضع الله السكينة في قلوبهم، أن يجعلهم يقرأون التوراة عن ظهر قلب حفظا من قلوبهم، أن يبيح لهم التيمم، أن تُجعل الأرض لهم مسجدا، حيثما أدركتم الصلاة فصلوا فرادى، أبى اليهود، وقالوا: نريد السكينة في التابوت، ولا نريدها في قلوبنا، في الصندوق التي جاء ذكرها.
(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِۦٓ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَـٰرُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٤٨)) [سورة البقرة آية: ٢٤٨].
فقد كانت السكينة في الصندوق يحملونه معهم حيثما ساروا، وقالوا: نريد الصلاة في الكنائس، وليس في أي مكان، واشترطوا أن يكون تطهرهم بالماء ليس بالتيمم، وطلبوا أن تكون قراءة التوراة من الصحائف وليست عن ظهر قلب، فكانت النتيجة أن كل ذلك أخذته أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) وينتقل الكلام عن أمة محمد نحن التابعون للنبي الأمي.
ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿157﴾
أيها الأخ المسلم، كفاك فخراً أنك من أمة النبي (صلى الله عليه وسلم) أمة سيد البشر، أمة خاتم الرسل، أمة الشافع المشفع (ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ) كل رسول لابد وأن يكون نبي، لكنه قال (ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ) (ٱلرَّسُولَ) بالإضافة إلى الله فهو الذي أرسله (ٱلنَّبِىَّ) بالإضافه لمن أُرسل إليهم للناس (ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ) الذي لا يقرأ، ولا يكتب، ومع ذلك كان العلم فيه على التمام، والكمال، بلغ الغاية، فإذا كان هذا الأمي الذي لا يقرأ، ولا يكتب على هذه الدرجة من العلم، وهذه العلوم والفنون التي انسابت من بين شفتيه، فذاك إعجاز، ذاك يدعو كل من يسمع به أن يؤمن (ٱلْأُمِّىَّ) نسبه إلى أصل الخلقة، أصل الولادة، نسبه إلى أمه، أي لم يتعلم القراءة، والكتابة، وقيل: بل (ٱلْأُمِّىَّ) نسبه إلى الأمة، أمة العرب (ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ) وكأن الآيات بالسياق بغض النظر عن كلام الآخرين الذين قالوا: إن الوفادة جُعلت لأمة محمد، وأن موسى عرض عليهم كذا فرفضوا، إلا كذا كل ذلك من أقوال الصحابة، وأقوال العلماء والناس، لو رجعنا إلى سياق الآيات كأن الله (تبارك وتعالى) يقول لموسى في المناجاة (عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ) ليس قومك مختصون به، وإنما أصيب به المستحقين له؛ لأن الله لا يشاء إلا ما يريد، وهو لا يريد إلا ما هو حق (وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍۢ) فلن تضيق على قومك أدخلتهم في رحمتي، ولكني سأعطي النصيب الأوفر من رحمتي لذرية هؤلاء، بشرط إذا صادفوا آخر زمانهم، إذا صادفوا آخر أنبياء زمانهم، آمنوا به، واتبعوه (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٥٦﴾ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ) جاءت سيرة التوراة، والإنجيل فكأن الكلام بشارة برسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتشجيعا لنبي إسرائيل على الدوام على التوبة، وانتظار نبي آخر الزمان، وإيصاء أبناءهم إذا صادفتم نبي آخر الزمان فآمنوا به؛ إذ النصيب الأوفر من رحمة الله لمن اتبعه، وشَرَطَ شرطان: الإيمان به، والاتباع؛ إذ الإيمان به بغير إتباع لا يفيد.
هل كان مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل باسمه وبصفته؟ نعم ولا زال عندهم، لكنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، واسمع عن عبد الله بن عمرو بن العاص حين سُئل هل ذُكر النبي (صلى الله عليه وسلم) في التوراة باسمه وصفته قال: نعم كما يروى الإمام البخاري عنه في التوراة ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ، وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا) هذا النص في التوراة، من هو المتوكل؟ من هو الأمي؟ بل قيل أيضا: مولده بمكة، هجرته بطيبة، مُلكه بالشام، أمته الحامدون الذين يحمدون الله على كل حال، وفي الإنجيل مثلنا كزرع أخرج شطئه، فآزره، فاستغلظ، فاستوى على سوقه.
فربنا (تبارك وتعالى) يقول لموسى: إن النصيب الأوفر، والحظ الأكبر، رحمتي سينالها، ويناله ذرية هؤلاء إن آمنوا بهذا النبي الحبيب المصطفى.
بشّر ربنا (تبارك وتعالى) بالنبي الأمي (صلى الله عليه وسلم) في التوراة والإنجيل (ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ) وعلامته (يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ) والمعروف: ما عُرف حُسنه بالشرع، والعقل يأمرهم بالطاعة ببر الوالدين، بصلة الأرحام يحفظ الجوار بالصدقة، بالنفقة، بالرحمة (وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ) والمنكر: ما ينكره العقل وينكره الشرع، وتنكره الفطرة السليمة.
(وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ) كانت الطيبات لبني إسرائيل حلالا، لكنهم بمعصيتهم وعودتهم يتوبون، ثم يعصون، بكثرة المعاصي، كان الله يحرّم عليهم الطيبات عقوبة، فحرّم عليهم الشحوم مثلا، ووضع عليهم أثقال، وقيود، وشدّد عليهم على ألسنة الأنبياء، فقد كان الطعام حلاً لبني إسرائيل من قبل أن تنزل التوراة، لكن إسرائيل حرّم على نفسه أشياء، وحرّم الله (تبارك وتعالى) على بني إسرائيل أشياء بمعصيتهم، وشدّد عليهم، فمثلا من قتل قتيلا قُتل به سواء أكان القتل عمداً أم خطأ، إذا أصابت النجاسة بعض الثياب فالغسل لا يطهرها لابد من قطعها، وقرضها، الخروج عن الملّة التوبة تكون بقتل النفس، إذا حاضت المرأة لا يساكنها زوجها، ولا يؤاكلها، ولا يشاربها، ولا ينام إلى جوارها، بل ولا يلمسها أمور كثيرة عاقبهم الله بها.
(وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ) الخبائث: ما خبث طبعاً، وطمعاً، وشرعاً (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ) الإصر: الثقل، والثِقْل، سُمِّي إصراً؛ لأنه من شدة ثقله يقصر صاحبه عن الحركة، أي يحبسه من الحركة (وَٱلْأَغْلَـٰلَ) جمع غل، والغُل: الحديدة التي تجمع بين المعصم والعنق، يقيد بها العبيد، والأسرى، والمجرمين، والظلمة وما إلى ذلك (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِهِۦ) ممن يحضروه؛ لأن موسى آمن به حين أخبره الله وقوم موسى آمنوا به؛ لأنه مذكور في التوراة فالعبرة بمن جاء بعد ذلك (فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِهِۦوَعَزَّرُوهُ) التعزير في الأصل: المنع، ومنه عقوبة التعزير لمنعه من ارتكاب ما لا يليق، عزروه: منعوه ممن يريدون به شراً، منعوه مما يمنعون منه أنفسهم، وأزواجهم، وأولادهم (وَنَصَرُوهُ) نصروه بالله، نصره بأنفسهم، وبأموالهم (وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ) وهو القرآن وسُمِّيَ القرآن نوراً؛ لأنه كاشف للحقائق، مُظهر لها، ظاهر في نفسه بإعجازه، مظهر لغيره (أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿١٥۷﴾) الذين فازوا بمطلبهم، فازوا بالنجاة أفلحوا في الدنيا وفي الآخرة، ثم يتوجّه الأمر إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تلك كانت بشارة، وذاك كان الكلام والموقف، موقف المناجاة، والتوبة، والكلام كلام موسى عن قومه، توبة موسى، واعتذار موسى عن قومه، والكلام لله يبشر بالنبي (صلى الله عليه وسلم) ويُذّكَر في التوراة باسمه، وصفته، ويُذكر في الإنجيل كذلك، يتوجه الكلام لسيد الخلق، يأمره ربه أن يقف معلناً على الدنيا دعوته، يعلن عن نفسه.
قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿158﴾
تعريف بالله، وتحذير من العصيان، وكأن النبي (صلى الله عليه وسلم) سوف يُبعث في وقت شِرْك (لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) مَلَك كل شيء، طالما كان مالكا لكل شيء، فهو الإله الحق، بل ومزيد لتقرير اختصاصه بالألوهية (يُحْىِۦ وَيُمِيتُ) ولا يحي ويميت إلا الإله (فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِۦ) أي كتبه ورسله (وكلمته) الكلمة هنا القرآن، الكلمة: اسم لكل الكتب السماوية.
الكلمة: عيسى، وكأن الكلام فيه تعريض باليهود، إذا لم تؤمنوا بعيسى حتى لو آمنتم بمحمد، فإيمانكم مرفوض، إذ شرط القبول الإيمان بالله وملائكته وكتبه جميعا، ورسله جمعيا دون تفرقة
(وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)) ، إذ علّق الهداية أو رجاء الهداية على الإيمان، وعلى الاتباع، وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث يقول ( لَيْسَ الإِيمَانُ بِالتَّمَنِّي، وَلا بِالتَّحَلِّي، لَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ، وَصَدَّقَهُ الْفِعْلُ) وإن أناسا خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، يقولون نحسن الظن بالله، وقد كذبوا فلو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل، إن الله (تبارك وتعالى) منذ خلق الدنيا وأراد أن يتصارع فيها الخير والشر، فهو خلق الخير وقدّره، وهو خلق الشر وقدّره، فطوبى لمن خلق الله له الخير، وأجرى الخير على يديه، وويلٌ لمن قدّر له الشر، وأجرى الشر على يديه، حكت لنا الآيات من سورة الأعراف عن بني إسرائيل، كيف استقبلوا النعم بالجحود، كيف ارتكبوا أكبر عظيمتين حيث قالوا لنبيهم (أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ) [سورة النساء آية: ١٥٣]. تلك عظيمة والعظيمة الأخرى أنهم اتخذوا العجل من بعد ما تركهم موسى للذهاب إلى جبل المناجاة، ومع ذلك كان ربنا (تبارك وتعالى) يُحسن إليهم، ويتوب عليهم، ويغفر لهم، فهل كان كل بني إسرائيل كذلك؟ لم يكونوا كلهم كذلك؛ إذ لا تخلو أمة من الصالحين، ولا يخلو زمان من الأولياء، يوم أن تخلو الدنيا من الأولياء والصالحين تقوم الساعة؛ إذ لا يمكن أن تقوم الساعة ورجل واحد في الأرض يقول: لا إله إلا الله؛ إذ لا تقوم الساعة إلا على لُكع ابن لُكع، أي على كافر ابن كافر، أما المؤمنون في هذه الدنيا إذا أراد الله للساعة أن تقوم، أرسل عليهم ريحا حقيقية كالنسيم، قبضت أرواحهم جميعا دفعة واحدة، حتى لا يبقى في الأرض رجل يقول: لا إله إلا الله؛ لذا يبيّن الله (تبارك وتعالى) أن في بني إسرائيل كان فيهم الصالحون، فيقول عز من قائل:
وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ ﴿159﴾
وَقَطَّعْنَـٰهُمُ ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًۭا ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسْتَسْقَىٰهُ قَوْمُهُۥٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنۢبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًۭا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍۢ مَّشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَـٰمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿160﴾
والغريب أن الله (تبارك وتعالى) قسّم العيون بينهم حتى لا يختلفون، وكأنهم أهل خلاف وشقاق، ولا يمكن أن يرضى منهم أحد، فإرضاء بني إسرائيل من الأمور الصعبة، يكفي أنهم لم يرضوا عن الله، أنعم ربنا تبارك وتعالى عليهم بنعم كثيرة، فاستقبلوا النعم بالجحود وبالكفران (وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَـٰمَ) الغمام: جمع غمامة: السحاب الأبيض الرقيق، الغريب أن الله (تبارك وتعالى) سلّط الغمام، وسخّره معهم حيثما ساروا، سار معهم الغمام يظللهم من الشمس
(وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ) قيل: إن المن هو شراب حلو كالعسل، كانوا يجدونه على جذوع الأشجار في الفجر، والسلوى: طائر يقال: هو السمان.
وقيل: بل النعم امتنان، وتسلية، قيل: المن مأخوذ من الامتنان، منّ عليهم، والسلوى: تسليتهم وقد كان شيئا واحداً.
المهم أن الله (تبارك وتعالى) يمنّ عليهم ويقول (وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَـٰمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ) الأكل هنا أمر إباحة، أي كُل ما شئت، واحمد الله (تبارك وتعالى) الذي رزقك، ولم يؤمروا باختزان الطعام، وكان الطعام يأتيهم بصفة مستمرة، ولكن اليهود بما عُهد فيهم، خزنوا اللحم - لحم الطيور - وحين خزنوها دخل إليها الفساد، ولم يكن اللحم يفسد قبل بني إسرائيل: لولا بنو إسرائيل ما خنز لحم أبداً، لم يثقوا بالله، فكنزوا اللحم، وخزنوه، فأدخل الله عليه التلف، والفساد.
( وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿١٦۰﴾) يحكى ربنا تبارك وتعالى أنه ما ظلمهم، وما ربك يريد ظلما للعباد، ولكن هم ظلموا أنفسهم بعدم اتباع أوامر الله، فالكلام عن بني إسرائيل في القرآن كثير، ما يلفت للنظر لا تكاد تخلو منه سورة من السور الطوال، وكأن الله يخبرنا بعلمه أن العدو الرئيسي للمسلمين إلى أن تقوم الساعة هم اليهود، وأن عدواتهم يستحيل تنتهي (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟) [سورة المائدة آية: ٨٢].
واليهود كانت تعرف النبي (صلى الله عليه وسلم) كما تعرف أولادها، ويعتقدون فيه لكنهم حسدوه؛ لأنه من العرب، وليس منهم، ورغم معرفتهم بصدقه، لكنهم أنكروا، فأرسل الله تبارك وتعالى جبريل بكثير من الأسرار لنبينا (صلى الله عليه وسلم) ومن الأسرار التي لا يعرفها غيرهم، قصة القرية التي كانت على شاطيء نقلهم ربنا (تبارك وتعالى) من قرية إلى قرية، ومن بلد إلى بلد، وفضلهم، وفتح لهم الأمصار:
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُوا۟ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا۟ حِطَّةٌۭ وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيٓـَٔـٰتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿161﴾
(نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيٓـَٔـٰتِكُمْ) ، (تُغفر لكم خطيئتكم) ، (تُغفر لكم خطاياكم) قراءات.
(سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ (١٦١)) الغريب في صياغة (سَنَزِيدُ) اسئناف كأن الله (تبارك وتعالى) يقول: أعمالكم تُوفَّى إليكم في الدنيا وفي الآخرة، ثم يتفضل ربنا (تبارك وتعالى) بمزيد فضل، وبمزيد إحسان، فيزيدهم ويعطيهم.
فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ ﴿162﴾
(فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ) إذاً كان منهم غير ظالمين، كان منهم أمة يهدون بالحق وبه يعدولون، يؤكد كل ذلك أن الآية خاصة ببعض بني إسرائيل في عصر موسى، بدلاً من الاستغفار، والتوبة، دخلوا طامعين، دخلوا جشعين، دخلوا متزاحمين، دخلوا متكالبين كلٌ يريد أن يجوز أكثر ما يمكن له، بدلا من الدخول ساجدين.
(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ (١٦٢)) أي أُرسل على الذين ظلموا، والرجز في الأصل الاضطراب الشديد، عُبِّر عن العذاب؛ لأن العذب يصاحبه اضطراب، فهو ملازم له، أنزل الله عليهم عذابا من السماء (بِمَا كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ (١٦٢)) أي بسبب ظلمهم قيل: إن الرجز هو مرض الطاعون، أصابهم فاجتاح منهم ألوف كثيرة، وقيل: بل نوع من العذاب الله (تبارك وتعالى) أعلم به.
أيها الأخ المسلم، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًۭا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ (٥٣)) [سورة الأنفال آية: ٥٣] ،
فإن كنت في نعمة، وبدأت النعمة تزول، فاعلم أنه بسببك بعملك، بخطئك، بعصيانك، بقلة شكرك، أمة في علوّ، وإذا بها في سفل إذا بها تستجدي (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٤٦)) [سورة فصلت آية: ٤٦]، وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث يقول (قَيّدُوا النِّعَمْ قالوا: وَمَا قَيْدُ النِّعَم يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الشُّكرُ، ثم تلى قول الله (عز وجل) (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [سورة إبراهيم آية: ٧].
تحكى الآيات أسرار أخرى عن بني إسرائيل يقول الله (تبارك وتعالى) لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم):
وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًۭا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ﴿163﴾
وسَبَتَ: أي قَطَعَ، وبالتالي يسبتون أي ينقطعون عن الأعمال؛ لذا سُمِّي بيوم السبْت أي القطع، لكن العصيان، والفسق في بعضهم، وتقصير الصالحين في النهي عن المنكر جعلهم لا ينقطعون بالكلية ويتحايلون، حين يتحايل العبد على الله تلك علامة فسقه؛ لأن الله يعلم السر وأخفى، تلك علامة فسقه، أن يسمي الأسماء بغير أسمائها، وهذا هو آفة زماننا، تسمية الفجور بالفن، هؤلاء الذين فسقوا بالتحايل على الله، أراد الله ابتلاءهم، وازداد ابتلاؤه لهم، المؤمن يلطف به الله، وكلما هممت بطاعة أعانك وسهلها لك، ويسرها لك، وحبّببها إلى قلبك، كما حبّب إليهم الإيمان وكره إليهم الكفر، والفسوق، والعصيان - للصحابة-، فكذلك يحبّب لك الطاعة، ويسهلها، ويشعرك بلذتها، ثم يعطيك، ويثيبك عليها، أما إذا كان الإنسان على غير المستوى، ابتلاه الله، ويسّر له طريق الشر، سهّل له الارتزاق من حرام صعّب عليه الطاعة، عسّر عليه طريق الهدى والرشاد بسبب فسقه، فيصعب عليه الامتحان، فلا ينجح، وانظر إلى العبرة في هذه القرية حين تحايلوا، وبدأوا يعتدون في السبت أمر الله (تبارك وتعالى) الأسماك أن تمتنع عن الاقتراب من الشاطيء طوال أيام الأسبوع، فيذهبون بسفنهم للصيد، ويعودون بلا شيء، ويوم السبت يأمر ربنا (تبارك وتعالى) ليس الأسماك الصغيرة فقط، بل الحيتان أن تذهب إلى الشاطيء، وتتلاعب بزعانفها، وتخرج زعانفها وتقفز، فتصبح كشراع ظاهره على الشط، تتلاعب بكثرة لا تحتاج لآلة، ولا عدد، ولا مجهود يكفي أن تمسكها بيدك ابتلاء (وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ) أي قريبة من البحر(إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ) يعدون من العدوان (يُعِدُّون) قراءة أخرى أي يعدِّون الصيد إشارة إلى التحايل، ما هو التحايل؟ مأمورون بعدم الصيد يوم السبت، إذاً ما عليهم إلا أن يعدّوا الشباك يوم الجمعة، وينصبوا الفخاخ حتى إذا جاءت الحيتان يوم السبت شدوا الخيوط وحبسوها، شقوا الأرض وجعلوا الحياض، وجعلوا بوابات من الشباك، أو الحبال، تأتي الحيتان يوم السبت تدخل في الحياض يغلقون عليها الأبواب، لا يأخذونها ويتركونها ليوم الأحد، التحايل على الله لا يجدي، إنما الأعمال بالنية، والنية سر بين العبد وربه لا يطلّع عليها ملك مقرّب فيكتبها، ولا شيطان مارد فيفسدها، الوحيد العالم بالنية ربنا.
(إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًۭا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ) نسب الحيتان إليهم وهي حيتان الله، كأن الله سلّطها عليهم، وسخّرها لهم، وجعلها من نصيبهم إن أطاعوا وامتنعوا عن السبت، لجاءتهم كل يوم مستسلمة راضية، بأن تصاد من أجلهم طاعة لله
(تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًۭا (٤٤)) [سورة الإسراء آية: ٤٤]
وإذا استسلمت لك الدجاجة، أو الحمامة وأنت تذبحها ثق أنها طاعة لله قد سُخرت لك، تستسلم لك، (شُرَّعًۭا). أي ظاهرة واضحة، الشارع: الواضح.
شرع عليه: ظهر عليه، أي تأتي الحيتان واضحة للعيان قريبة (وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ) أي يوم لا يمتنعون عن الأعمال، وهي باقي أيام الأسبوع، أي في الأيام غير السبت لا تأتيهم، أي فتنة! أي ابتلاء! الجوع كافر كما يقولون، الأولاد تريد الطعام، الحياة صعبة، الإنسان لابد وأن يأكل، محتاج، فإذا خرج للارتزاق، ولا يجد، وجاءته الحيتان في يوم السبت ماذا يفعل؟ يبدأ واحد، ويجترئ، ثم يبدأ الثاني، ثم تعمّ المعاصي، ثم تنتشر، ويقلّد البعض، البعض.
يقول الله قي ختام الآية (كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ﴿١٦۳﴾) يبلوه: يمتحنه بلاءاً، أو بلوة، كذلك نبلوهم، أي بهذا الأسلوب الذي حدث في القرية، نمتحنهم بما كانوا يفسقون، كأن الامتحان كان في غاية الصعوبة، فكان لابد وأن يرسب فيه أكبر عدد، لم صعّب عليهم الامتحان؟ لأنهم فسقوا، كالمدرس، إذا وجد الطلبة مشاغبون طوال العام لا يؤدون الواجبات، فإذا وضع في آخر العام يضعه صعبا حتى يؤدبهم، فكذلك يقول الله (كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ﴿١٦۳﴾) الغريب في أمر هذه القرية - وذاك السر - أنهم حين تفشّت المعصية بينهم، وانتشر المنكر، أراد الطائعون أن يعتزلوا قومهم، حاولوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هؤلاء الذين يهدون بالحق، وبه يعدلون، فحين يئسوا اعتزلوهم، وأخذوا أنفسهم مكان منعزل، وبنوا بيوتا لأنفسهم، ثم بنوا سور فاصل بينهم وبين أهل الفسق، وأهل المعصية، وجعلوا بينهم وبينهم باب حتى لو احتاجوا شيئا من التبادل إلى غير ذلك، وفي يوم من الأيام أصبح الطائعون لم يسمعوا صوتا للآخرين، أين الهرج، والمرج؟ أين الطبل والزمر؟ لم يسمعوا شيئا فتعجبوا، فتسلّقوا السور لينظروا، فلم يجدوا إنسانا، وإنما وجدوا مجموعة من القرود، ومجموعة من الخنازير، مُسخ الشباب قردة، ومُسخ الكبار خنازير، وتعّجب الصالحون ما هذا؟ وكيف هذا، وحاولوا، وفتحوا الأبواب، فإذا بالقردة والخنازير تتوجه إليهم، وكل قرد يتوجه إلى أحدٍ بعينه يتشمم ثيابه، عرف القرد أباه، وعرف الخنزير أمه، فلجأوا إليهم يتشمموهم، ويبكون حيث لا ينفع الندم.
والمسخ له أحكام، وقال فيه العلماء أمورا، هل انتهى المسخ؟ هل قدرة الله على المسخ، انتهت وتلاشت؟ هو قادر أزلاً، ولم يزل، سميع، عليم أزلاً، ولم يزل، آمر وناهي أزلاً، ولم يزل، المعبود بحق أزلاً، ولم يزل، فاعتبروا بما حدث للأمم قبلكم، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وليس شهر الفوازير وشهر اللعب، شهر السخرية من الدين، الإفطار على الأغاني والرقص، هل هذا هو رمضان، رمضان عبادة، طاعة، قرآن، فأين المستمعون لقول الله (عز وجل) (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ) [سورة الأحزاب آية: ٢١]، أين المستمعين لقول الله، عز وجل، (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذْ قَالُوا۟ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُا۟ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥ) [سورة الممتحنة آية: ٤] أيها الناس أين الغيرة على الدين، أين الغضب لله، أين الحمية على الدين أين ذهب هؤلاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فمنذ خلق الله (تبارك وتعالى) الدنيا، والخير والشر، يتصارعان، فقد خلق الخير (سبحانه وتعالى) وقدّره، وخلق الشر وقدّره، وما من زمان إلا وفيه خير وفيه شر، وفي زمن موسى (عليه السلام) ورغم ما فعله بنو إسرائيل من تعنّت، من أسئلة لا تصح، من طلبهم لرؤية الله (عز وجل) جهرة عدم صبرهم على طعام واحد، من سؤالهم أن ينزلوا إلى مصر حيث الفوم، والعدس، والبصل، من طلبهم التخفيف، من رفضهم التوراة والتكاليف، رغم كل ذلك، لكن الله (تبارك وتعالى) يقرر أن منهم الصالحون، الداعون إلى طريق المتمسكون به.
عاش بنو إسرائيل مدة كأمة متماسكة جمعهم بنوّتهم ليعقوب، كما جمعهم موالاة إرسال الأنبياء فيهم، فمن بعد موسى وهارون توالت فيهم الأنبياء، بل وتوالى فيهم الملك، فجمعوا الملك والنبوة، من هنا كانت الأمة الإسرائيلية أمة مجتمعة يرحلون معا، وينتقلون معا، ويحاربون معا، وهكذا بعكس أي أمة أخرى قد تتعدد أماكنها، من هنا كانت أهمية بقاء بني إسرائيل في أرض واحدة في نظرهم أهمية قصوى، إذا لا وطن لهم كجنس، فهم ليسوا مواطنين، أي ليس لهم وطن، ليس لهم أرض من جنس اليهود، بعكس الأمم الأخرى لها أوطانها، ولها دينها، أمة النبي (صلى الله عليه وسلم) منهم العرب، ومنهم العجم، ومنهم من هم في الصين، في جميع أقطار الأرض، مواطنون لهم أوطانهم، وهويتهم، وعقيدتهم الإسلامية، أما اليهود فهُم اليهود، بلا وطن، بلا جنسية، بلا هوية، يجمعهم دينهم، وياليتهم حافظوا عليه، فاليهود المشتتون وحَكَم الله عليهم بالتشتت في الأرض، الأمة الوحيدة المقطعة في الأرض، فاليهود لا ولاء للبلد التي وُلد فيها، ولكن ولاؤه لمجموعة اليهود، وتلك خاصية يجب الانتباه لها انتباها شديدا، ربنا (تبارك وتعالى) يحكي عنهم، وعن فسوقهم، وعصيانهم، وعن المنن، والمنح التي أعطاها لهم، وكيف قابلوها بالجحود، والكفر، كفروا خالقهم، ألا يكفروا الناس؟! تلك القرية التي احتالوا فيها، واصطادوا يوم السبت بدأ العصيان لقلّة، وبدأ الآخرون ينظرون هل حدث لمن اصطاد في السبت شيء؟! إذاً فهلمّ بنا، واستشرت المعصية، وانتشرت، بعدما كانت سراً أصبحت علانية، وبعد ما كان المرتكبون لها قلة أصبح المرتكبون لها كثرة، لكن الصالحين منهم ظلوا على طاعتهم، وعلى الوعظ، ويحكي لنا ربنا (تبارك وتعالى) ذاك الموقف، فيقول:
وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌۭ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا ۖ قَالُوا۟ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿164﴾
الجماعة من الناس (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌۭ مِّنْهُمْ) تطلق على الإمام القدوة، معلم الخير.
(إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةًۭ قَانِتًۭا لِّلَّهِ حَنِيفًۭا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (١٢٠)) [سورة النحل آية: ١٢٠] ،
تطلق أيضا على الدين، وعلى الشريعة (بَلْ قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ (٢٢)) [سورة الزخرف آية: ٢٢].
وهي هنا في الآية بمعنى الجماعة (قَالَتْ أُمَّةٌۭ مِّنْهُمْ) من أهل القرية (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا ۖ قَالُوا۟ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿١٦٤﴾) من القائل؟ من الواعظ؟ من اللائم؟
قيل: من عتوّ الفسقة، كان الواعظون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؛ إذا خاطبوهم ووعظوهم، وقالوا لهم: لا تعتدوا في السبت، إياكم ومعصية الله، يتهكمون بهم، ويقولون: طالما كان الله مهلكنا لم تعظوننا، وما فائدة الوعظ طالما كانت النتيجة معروفة (قَالَتْ أُمَّةٌۭ مِّنْهُمْ) أي المرتكبين للجرم (لِمَ تَعِظُونَ) يخاطبون الواعظين (قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ) كما تدّعون (مُهْلِكُهُمْ) في الدنيا (أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا) يوم القيامة، فيرد الصالحون (مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ) وقرأت (معذرةٌ) أي قولنا، وموعظتنا معذرةٌ إلى الله أو (مَعْذِرَةً) أي نعتذر إلى الله معذرةً حتى لا نُنسب إلى التفريط؛ إذ يجب على الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع الأديان، وفي جميع الشرائع (وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿١٦٤﴾) أمل طالما لم يحدث الإهلاك، ولم ينزل العقاب بعد، فهناك الأمل في هداية الله، أو أن يرحمكم، أو أن تجدي الموعظة فتتقون، فما عليك إلا أن تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، أجدى ذلك أو لم يجدي، نفع ذلك أو لم ينفع، لكن عليك أن تأمر وتنهى، كما قيل للرسل ولسيدهم (صلى الله عليه وسلم) (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ) [سورة الشورى آية: ٤٨]، آمن الناس فبفضل الله كفر الناس فبعدل الله، وقيل: بل السائلون ليسوا هؤلاء المتالهكون، وإنما السائلون فئة وعظت ولم يُجد الوعظ، ولم ينفع، تقول للفئة التي لم تيأس (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ) أي لم ينفع معهم الوعظ، وحق عليهم الهلاك (قَالُوا۟ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ).
وقيل: بل هم ثلاث طوائف: طائفة عصت، وفسقت، وطائفة لم تعص، واعتزلت العصاة، لم تأمر بالمعروف، ولم تنه عن المنكر، ولم ترتكب منكرا، وطائفة لم تعتزل، وأصرت على الإصلاح، وأصرت على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فالمعتزلون لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر يقولون للواعظين (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا) قالوا: معذرة إلى ربكم، ولعلهم يتقون، إذاً فهُم ثلاث طوائف، يحكي ربنا (تبارك وتعالى) عنهم فيقول:
فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ﴿165﴾
والبعض يقول: إن المسخ هو بيان للعذاب، إذاً فالآية الثالثة بيان للآية الثانية (وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ) ما هو؟ (قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ ﴿١٦٦﴾) إذاً كانوا ثلاث طوائف، فالفئة الواعظة نجت لا محالة، والفئة العاصية مُسخت، وهلكت لا محالة، والفئة التي اعتزلت اختلف الناس فيها، قيل: بل نجت، وقيل: بل هلكت.
فَلَمَّا عَتَوْا۟ عَن مَّا نُهُوا۟ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ ﴿166﴾
رأيان: رأي يقول: المسخ استمر لمدة ثلاثة أيام، ثم ماتوا، ورأي يقول: بل المسخ استمر، وتناسلوا؛ ولذا يحرم أكل الخنازير، والقرود؛ لأنهم في الأصل بشر، بل اليهود لا تأكل الخنازير أبداً، فاسقهم، وطائعهم، من المسلمين فسقة يشربون الخمر، يأكلون لحم الخنزير، ومن النصارى كذلك، لكن اليهود يستحيل أن يأكل لحم الخنزير، ولو كان أفسق أهل الأرض؛ ولذا في جميع خطوط الطيران وجبات الأكل تجد ورقة مطبوعة مختومة بلغتهم مكتوب عليها (لا خنزير).
(قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ ﴿١٦٦﴾) الخاسئ: المطرود، الملعون: خسأَهُ يخسئه، فانخسأْ، فالخسأ، والخسوء: الطرد، والإبعاد.
(قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ ﴿١٦٦﴾) إذاً مسخ صورتهم، وأبعدهم من رحمته، وطردهم.
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿167﴾
(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ) أي آذنهم، وأعلمهم، أعلم بنو إسرائيل، ومن بقى منهم أنه سوف يبعث عليهم إلى يوم القيامة من يعذبهم بأشد ألوان العذاب، وينكِّلْ بهم إذا استمروا على جحودهم، وعصيانهم، وأفعالهم (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ) سامه: طلب له، وابتغاه (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ) في الدنيا إن أراد (وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (١٦٧)) هل يُسام اليهود سوء العذاب؟ نعم، وإن وعد الله صدق، وإن جاءت فترات راحة، لو نظرت إلى كتب التفاسير؛ لقالوا: سوء العذاب هو ضربه الجزية التي ضربها محمد (صلى الله عليه وسلم) وتقرأ في تلك الكتب، ولا تزال الجزية مضروبة عليهم إلى أن تقوم الساعة، ولم يكن يدري رحمه الله، أن الجزية لن تستمر إلى أن تقوم الساعة، لكن في كل عصر للعلماء رأي.
ما هو سوء العذاب؟ قالوا: بختنصر ملك من الملوك ذهب فسبى نساءهم، وقتل رجالهم، وسبى ذارريهم، وفعل، وفعل بهم، وذاك قبل الإسلام، نحن لا نعلم ما هو سوء العذاب، لكن ما نراه أنهم مقطّعون في الأمم، لا وطن لهم، ولا جنسية، هو يهودي فقط، ولا يقال يهودي مصري، أو يهودي سوري، هو يعرف أنه يهودي فقط، آخر ما نالهم من العذاب كان على يد الجبار الألماني الذي أوقد لهم الأفران، وحرّقهم بالغاز، وشتتهم كل مشتت، وذاك كان منذ حوالي أربعين سنة، ثم ها هم الآن في عزة ظاهرة، في سلاح، في قوة، في وطن لكن تعداد الموجودين في هذا الوطن بالنسبة لتعداد الموجودين في العالم تعداد بسيط، بحيث لا يمكن أن يقال هذا وطنهم، والموجودون في بلاد أخرى مغتربون، ها هي مهلة يعطيها ربنا لهم، فإن استمروا على غيهم، وظلمهم، وطغيانهم، ماذا يحدث؟ يسلّط ربنا عليهم مرة أخرى من يسومهم سوء العذاب، لكنها أجيال لا يستمر العذاب في الأجيال، لكن لابد وأن تُعطى فرصة للأجيال الصغيرة، نزل العذاب بالمكلفين، لكن لابد وأن تُعطى الفرصة للأطفال، والشباب حتى يشبوا، فإن استمروا على ما استمر عليه أسلافهم، وأجدادهم سلّط عليهم جباراً من جبابرة الأرض، إلى أن يأتي الموعد الأخير، حيث يسلّط ربنا (تبارك وتعالى) الصالحين من أمة محمد على اليهود، فيقتلونهم قتل عاد، وثمود، فقد أوجب الله (تبارك وتعالى) على نفسه أن يسلط على العصاة من بني إسرائيل من يعذبهم سوء العذاب إلى أن تقوم الساعة، وما نراه الآن من أمان لهم، وانتصار لهم من الدول الكبرى، ما هو إلا استدراج فإنك إن رأيت الله منعما على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أن هذا منه استدراج (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ (١٨٣)) [سورة الأعراف آية: ١٨٢- ١٨٣] حتى أن بعض الناس قال: إنه فرح بهجرة اليهود إلى فلسطين، ويتمنى أن يُجمع يهود الدنيا جميعهم في إسرائيل، حتى يسهل إحصاؤهم، وحتى يسهل قتلهم، حيث بشّرنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) بأنه سيأتي الزمان الذي ينادي فيه الحجر: (فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ)، وربنا على كل شيء قدير، الحجر قد يكون أجهزة مع التطور، وقد يكون الكلام على حقيقته، وقد يكون حجر فعلا، وقد يكون الكلام مجاز عن شدة القتل، عن انكشافهم، عن فضحهم، ربما يمسخهم الله، ويغيّر ألوانهم، ربما يفعل فيهم ما يشاء، ألم يصبح القوم فإذا بهم قردة، وخنازير، هل يمكن أن يتكرر ذاك، فإذا بدولة إسرائيل دولة من القردة وتصبح محمية يذهب إليها السياح، يقدر ربنا على ذلك، وقد فعل فيهم من قبل، هم لا ينكرون ذلك، ونحن لا نسب أحداً، وإنما نحكي عما حكاه الله.
وَقَطَّعْنَـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أُمَمًۭا ۖ مِّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَـٰهُم بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿168﴾
الأمر الأول: التقطيع، فلا تكون لهم دولة، حتى لا تكون لهم شوكة؛ لأنهم لو أصبحت لهم شوكه لعاثوا في الأرض فسادا، ولأهلكوا الحرث والنسل؛ لأنهم يعتقدون في أنفسهم أنهم شعب الله المختار، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن دماء الناس لهم حلال، وأموال الناس لهم حلال، وأن كل ما من بشر على الأرض ما هم إلا خدم لهم في الدنيا، ووقود في النار في الآخرة، تلك عقيدتهم.
الأمر الثاني: أن يسلّط عليهم كل فترة، من يسلّط عليهم كل فترة من يسومهم سوء العذاب، وجاء ذلك في سورة الإسراء (عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا) [سورة الإسراء آية: ٨] ، وهكذا (وَقَطَّعْنَـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أُمَمًۭا) طوائف (مِّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ) الذين يتمسّكون بالكتاب، وهل في اليهود صالحون؟ أبداً، ما فيهم إلا كافر، أو فاجر، وأما الصالحون الذين يحكي عنهم القرآن هم الذين تمسّكوا بالتوراة في عصر موسى، ولم يبدَّلوها من بعد موسى، وماتوا من قبل نسخ شريعة موسى؛ إذ ببعث عيسى ابن مريم، ونزول الإنجيل، انتهت التوراة، ونُسخ شرْع موسى، فمن بقي على دين اليهودية من بعد مجيء عيسى كافر؛ إذ لابد له أن يؤمن بعيسى؛ ولذا كفّرهم ربنا (تبارك وتعالى) ولعنهم حين قالوا لمريم (لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًۭٔا فَرِيًّۭا (٢٧)) [سورة مريم آية: ٢٧]، والقرآن ملئ بقصص اليهود، يحذرنا ربنا من هؤلاء، أبالسة الإنس، شياطين الإنس في كل زمان ومكان، والصالحون هم الذين كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بعد موسى، هم الذين تمسكوا في عصر موسى، هم الذين لم يحرّفوا التوراة من بعد موسى، هم الذين ظلوا على الإيمان بالتوراة، أو آمنوا بعيسى حين مبعثه، أو ماتوا قبل بعثة عيسى، ونسخ شريعة التوراة، وهم أيضا الذين آمنوا بمحمد (صلى الله عليه وسلم) وآمنوا بعيسى فهُم الصالحون، ولكن بعد إيمانهم بعيسى لم يصبحوا يهوداً، وبعد إيمانهم بمحمد في عصر محمد (صلى الله عليه وسلم) لم يصبحوا يهودا، إنما يصبحوا مسلمين (مِّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ) انحطوا عن درجة الصلاح والتقوى (وَبَلَوْنَـٰهُم بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ) بلاه: يبلوه، وابتلاء: امتحنه، واختبره، اختبرهم بالحسنات، والسيئات، تارة غنى، ورخاء، وأمان، وخير كما يحدث لهم الآن، وتارة بالسيئات، والتعذيب، بالإجلاء: بالتقتيل، بالتشريد، بالحرق في الأفران، كما فعل بهم ذلك النازي (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿١٦۸﴾) يرجعون عن كفرهم، وغيّهم، وجحودهم، فهل رجعوا! يقول الله (تبارك وتعالى) عنهم:
فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌۭ وَرِثُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌۭ مِّثْلُهُۥ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَـٰقُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن لَّا يَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ وَدَرَسُوا۟ مَا فِيهِ ۗ وَٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿169﴾
أيها الأخ المسلم، علامة ضياع الأمم أمران:
الأمر الأول: المجاهرة بالمعصية، والأمر الثاني انكفاف الصالحين عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا رأيت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد امتنع، وإذا رأيت الفسق قد انتشر جهرا، فاعلم أن تلك علامة على هلاك الأمة التي يحدث فيها هذه العلامات.
وإذا نظرنا إلى أمتنا لوجدنا علامة واضحة ظاهرة، وهي العصيان المجاهر به، أي لا يعصي العاصي سرا، وكلكم يشاهد، وكلكم يرى، وكلكم يسمع، أن المعاصي ترتكب جهارا نهارا دون حياء، أما العلامة الأخرى فهي ولله الحمد لم تحدث بعد، فلم تزل المنابر عامرة، والمساجد حافلة بالآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، فإذا استمر الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومع ذلك كثر الفسق وكثر الفجور، نجى الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر في الدنيا من الهلاك، ونجوا في الآخرة من العذاب.
فقد فضحت الآيات بني إسرائيل الذين حرّفوا التوراة، الذين خلفوا قوم موسى بشرّ خلْف، بيّن صفاتهم، ولفت النظر إلى طبيعتهم، وخلاصة الكلام ينحصر في أمور أساسية:
أولا: هم متعنتون، هم قتلة الأنبياء، هم متشددون، هم طلاّب دنيا، محبون لها، راكنون إليها، مستمتعون بلذاتها، يحبون المال حبا جماً، المال إلههم والدنيا معبودهم، لا ينصاعون إلى الحق إلا بالقهر، حتى من كان منهم في زمن الرسالة، والنبوة في زمن موسى (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (٥٥)) [سورة البقرة آية: ٥٥].
في زمنه رفضوا التوراة، رفضوا أن تكون في قلوبهم بعد ما عرض ذلك عليهم، قالوا: نقرأها ولا تكون في القلوب حتى يستأثر بها الأحبار، فيظهرون ما يشاءون، ويكتمون ما يشاءون، ويحرفون الكلم عن مواضعه، فإذا جاءهم صاحب الحق أخرجوا الكتاب، وحكموا له بما فيه، وإذا جاءهم صاحب الباطل أخذوا الرشا، وأخرجوا كتابهم (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًۭا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)) [سورة آل عمران آية: ٧٨]
يكتبون الكتاب بأيديهم، كل ذلك يدعو للتأمل، أمة وانتهت كقوم عاد، كقوم ثمود، كقوم نوح، قصص، عبرة وانتهى، وذكرهم في القرآن قليل للعظة وللعبرة (لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًۭا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ (١١١)) [سورة يوسف آية: ١١١] ، (وَكُلًّۭا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ وَجَآءَكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌۭ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)) [سورة هود آية: ١٢٠]
أما هؤلاء فالقرآن عامر بأخبارهم، والسور لا تخلو من قصصهم، حتى القصة التي ذُكرت في مواضع؛ إذ بها تُذكر في موضع آخر بصياغة أخرى، وكأن التكرير مراد حتى يعي المسلمون عدوهم، ويعرفون صفات العدو، فيكونوا على حذر منه، ربنا ينبئ نبيه (صلى الله عليه وسلم) بأسرارهم، وبما كتموه من أحوال أسلافهم، من الذي أنبأه بأن الله مسخهم قردة وخنازير وقد أخفَوْا ذلك؟! عرفوه كما عرفوا أبناءهم، وحسدوه، وأنكروا، بل كانوا منتظرين له، وإذا وقع بينهم وبين العرب مشاكل استفتحوا عليهم، وقالوا: نحن ننتظر نبي آخر الزمان سيقتلكم، ويُبعث بالسيف، وينصرنا عليكم.
( فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ) [سورة البقرة آية: ٨٩]؛ لذا يقول الله (تبارك وتعالى) عنهم مواسيا لنبيه (صلى الله عليه وسلم) الذي كان يطمع في إيمانهم، بل توقع محمد (صلى الله عليه وسلم) أن أول من يؤمن به وبرسالته أهل الكتاب؛ إذ الأوْلى بالإيمان أهل الكتاب يقرّون بوجود الله، ويقرّون بالبعث، ويقرّون ببعثة الرسل، فهُم أوْلى الناس بالإيمان، من هنا كان يطمع النبي (صلى الله عليه وسلم) في إيمان اليهود حيث لم يكن في جزيرة العرب من أهل الكتاب إلا اليهود، أما النصارى فكانوا في نجران، وفي جنوب الجزيرة، وقلة؛ لذا كان عتاب الله لهم.
(وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ (٤١)) [سورة البقرة آية: ٤١] لكنهم كفروا، وجحدوا، ومكروا، ونقضوا العهود مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينبئه الله (تبارك وتعالى) بأسرارهم، وبصفاتهم، وبطبيعتهم (فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌۭ) والكلام عن ذرية قوم موسى الذين كان منهم الصالحون، ومنهم دون ذلك، الموجودون في عصره (صلى الله عليه وسلم) (وَرِثُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ) [سورة الأعراف آية: ١٦٩] التوراة بين أيديهم ومع ذلك (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلْأَدْنَىٰ) [سورة الأعراف آية: ١٦٩] والعَرَض: متاع الدنيا الزائل ، (وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) [سورة الأعراف آية: ١٦٩] إذاً فهُم مرتكبون للمعاصي عن عِلْم، وعن عمْد، زاعمين أنهم مغفور لهم كما قالوا: (وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَةًۭ) [سورة البقرة آية: ٨٠]، أيام عبادتهم للعجل، فيرتكبون الكبائر والمعاصي، ويأكلون أموال الناس ويقولون:
(لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٌۭ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)) [سورة آل عمران آية: ٧٥]، أي لا يؤاخذهم الله عن أموال، ودماء غير اليهود، وكأن الله قد أباح لهم أموال غيرهم، ودماء غيرهم، وأرض غيرهم، يسلبون، وينهبون، ويقتلون، ويفعلون ما يشاءون، كل ذلك مباح لهم، ويقولون سيغفر لنا (وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌۭ مِّثْلُهُۥ يَأْخُذُوهُ) إذاً فتوبتهم توبة الكذابين؛ لأن التائب حقا هو الذي يقع في المعصية عن غير عمد، تزل قدمه، ينسى، يتبع هواه لحظة، ثم يفيق فيتوب، ويندم، ويعزم على عدم العود ولا يعود، تلك توبة الصادق، أما توبة الكاذب فهو المجترئ على الله، يقع في الذنب عامداً، ويقول: ثم أستغفر، أفعل، ثم أستغفر مفتريا على الله الكذب، مجترئاً عليه، إذاً فهُم غير تائبين، مرتكبين للكبائر، والمعاصي عمداً، مدعين على الله المغفرة، زاعمين أنهم أبناء الله، وأحباؤه، وأنهم أبناء الأنبياء، ويقول الله (تبارك وتعالى) (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَـٰقُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن لَّا يَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ وَدَرَسُوا۟ مَا فِيهِ) (وادّارسوا ما فيه) قراءة، أي أن هذا القول (سَيُغْفَرُ لَنَا) من أين أتوا به؟ هل أخذوا على الله عهدا؟ كيف يزعمون ذلك؟ ألم يأخذ عليهم ربنا في التوراة ألا يقولوا على الله إلا الحق، وأن يحكموا بالعدل، وألا يأخذوا الرشا، وها هم يقولون على الله الباطل، بقولهم: (سَيُغْفَرُ لَنَا) درسوا: علموا، وذاكروا، وفهموا ما فيه (وادّارسوا ما فيه) تدارس بعضهم، ودرّس بعضهم لبعض. ومعنى آخر، درس: انمحى درست الريح الأثر: محت، درسوا ما فيه: أي محوا ما فيه من أوامر، ونواهي، ومعاني، بدلوا الكلام وحرّفوا الكلم، وحوّلوه عن المعاني التي قصدها الله (تبارك وتعالى) عمداً.
(وَٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿١٦۹﴾) (أفلا يعقلون) قراءة أخرى، فالدار الآخرة عند الله خير من الدنيا وما فيها، لكنها مكتوبة لمن اتقى الشرك، واتقى المعاصي، واتقى الغضب، والدار الآخرة خير للذين يتقون كما هي في القرآن، هي أيضا في التوراة.
وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ ﴿170﴾
(وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ) (والذين يمسِكون بالكتاب) قراءة
تفيد استمرار التمسك بالكتاب، أهي من ضمن ما جاء في التوراة؟ نعم هي من ضمن ما جاء في القرآن، وفي جميع الكتب، ولكن إن كان المقصود أن هناك منهم من تمسّك فهُم الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) كعبد الله بن سلام، وآخرون من اليهود الذين عرفوا الحق فاتبعوه.
مسَّكَ، ومَسَكَ، وأمسك، واستمسك، وتمسَّكَ بمعنى القبض على الشيء، والحفاظ عليه، والالتزام به، والذين يمسِّكون بالكتاب يتمسكون بما جاء في التوراة من أحكام، من أوامر لم يحرِّفوها، واتبعوا الحق وعلموا صفة النبي (صلى الله عليه وسلم) وأقروا بها (وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ) والدين ليس صلاة فقط، توحيد، وصلاة، وزكاة، وحج، وصيام لكل الأمم، وجاء ذلك في القرآن (وَأَوْصَـٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّۭا (٣١)) [سورة مريم آية: ٣١] وإبراهيم حين قيل له: (وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ) [سورة الحج آية: ٢٧]، ولكن الله اقتصر على ذكر الصلاة، وخصها بالذكر لأهميتها؛ إذ إن الصلاة صلة العبد بربه، والحبل الممدود إلى الله، بغيرها تنقطع الصلة، ولا يُرفع العمل، ولا يُصعد، وأول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة الصلاة إن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله، أهم أركان الدين الصلاة، من أقامها أقام الدين، ومن تركها ترك الدين.
(إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ ﴿١۷۰﴾) قياس الكلام (إنا لا نضيع أجرهم) ، ولكنه جاء بالمظهر مكان المُضمر؛ لتعلم أن من تمسّك بكتاب الله، وأقام الصلاة، هو المصلح لا غير، وما سواه مُفسد بدليل قول الله (عز وجل): (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ (٨١)) [سورة يونس آية: ٨١]، فإن أردت أن تعلم عن الرجل أمصلح هو أم لا؟ فانظر إليه، أمقيم هو للصلاة؟ أمتمسك هو بكتاب الله؟ هو مصلح، وإن كان غير عالم يتعلم علوم الدنيا، وإن كان غير كفء يرزقه الله الكفاءة، يلهمه الصواب، ينوِّر له طريقه، وهكذا كان اختيار الخلفاء الراشدين للولاة، معيار الاختيار، فالصلاح يأتي بالكفاءة، والكفاءة لا تأتي بالصلاح، بل قد تأتي الكفاءة بضد الصلاح، قد يستغل علمه، وكفاءته في الفساد والإفساد، وأخذ الرشا والتحايل على القانون، إذاً فالمصلحون هم الذين يتمسكون بالكتاب، المقيمون للصلاة، هم أهل الصلاح، والإصلاح، أما غيرهم فهُم المفسدون في الأرض.
ويذكر ربنا (تبارك وتعالى) نبيه (صلى الله عليه وسلم) أو يخبره، ويذكر بني إسرائيل، بعد ما بيّن أنهم محبون للدنيا فهي رأس كل خطيئة، بعد ما بيّن ربنا (تبارك وتعالى) مدى حبهم للدنيا، ومدى حرصهم عليها، حتى إنهم ارتكبوا الكبائر، زاعمين أنهم مغفور لهم، يبيّن أنهم لا ينصاعون إلى الحق أبداً إلا تحت سلطان القهر.
وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌۭ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿171﴾
والظُلَّة: كل ما أظلك من غمام، أو سقف، فهو ظُلة وظلال.
حين جاء موسى بالتوراة وقرأها عليهم، وجدوا فيها الأوامر والنواهي، قبل ذلك لم يكن هناك أمر ولا نهي كان هناك توحيد، وأمر بالصبر على إيذاء فرعون وقومه، واتخاذ البيوت مساجد، أي أن الصلاة كانت في البيوت سراً؛ خوفا من قهر فرعون، حين جاءت التوراة إذا فيها تحريم الزنا، تحريم الربا، تحريم الخمر، تحريم الخنزير، محرمات، ومباحات، وأوامر، ونواه، إذا فيها الزكاة، وإذا فيها الصيام، وفيها، وفيها حين قرأها عليهم موسى، وعلموا ما فيها هاجوا، وماجوا، ورفضوها ماذا يفعل موسى؟ ها هم قومه رفضوا كتاب الله الذي نزل عليه من السماء مكتوبا، لجأ إلى الله وهم في الصحراء، وهم في التيه رافضين الأخذ بالتوراة، نتق ربنا الجبل، قلع منه قطعة كبيرة تكفي لأن تظل القوم جميعا، وعلّقها في الهواء فوق رءوسهم، وقال لهم موسى: إما أن تقبلوا التوراة بما فيها، وإما أن ينزّل ربنا (تبارك وتعالى) عليكم هذا الجبل فتموتوا جميعا، وإلى النار، فخرّوا ساجدين باكين، وقبلوا التوراة، يذكرهم ربنا بهذه القصة، وينبئ نبينا (صلى الله عليه وسلم) ويخبرنا من بعده أن اليهود لا يقبلون الانصياع إلى الحق إلا تحت سلطان القهر، لا بالمنطق، ولا بالحق، ولا بالعدالة، ولا سماحة، ولا سخاء، ولا دين، القوة، والقهر هي التي تجعلهم ينصاعون للحق، وانتبه وهؤلاء هم صحابة موسى، أعلمتم عن أصحاب محمد شيئا، الذين كانوا يفدونه بأرواحهم، منهم طلحة الذي وقف وصدره لصدر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وظهره للعدو يحيطه، ويقول: يا رسول الله روحي فداء روحك، وجسدي وجسدك، ووقع وبه بضع وسبعون ضربة، حتى قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لقد أوجب طلحة، ونزل فيه القرآن (مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌۭ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُۥ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبْدِيلًۭا (٢٣)) [سورة الأحزاب آية: ٢٣].
فقال سيد الخلْق (صلى الله عليه وسلم) (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهَ الأَرْضَ فَلْيَنْظُرْ إِلَى طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ).
أما أصحاب موسى فلم يأخذوا التوراة إلا بعد أن نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة، وتيقنوا أنه واقع بهم (خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ) خذوا ما ءاتيناكم بعزيمة، وجد، واذكروا ما فيه لا تعاملوه معاملة الناسي، واعملوا به، واحفظوه، واحفظوا الأحكام (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿١۷١﴾) ذاك ميثاق يذكّرهم ربنا (تبارك وتعالى) به، يذكّرهم بهذه القصة، وينبّه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كي يستعد بالقوة حتى إذا مالوا سلّط عليهم سلطان القهر، فخضعوا، يذكّر ربنا (تبارك وتعالى) اليهود بالميثاق الأول، إذاً فهما ميثاقان: ميثاق أزلي، وميثاق آخر، ميثاق التوراة، وهناك ميثاق آخر.
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ ۛ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ ﴿172﴾
أَوْ تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةًۭ مِّنۢ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴿173﴾
وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿174﴾
القول الآخر: أن الكلام مجاز تمثيلي، بمعنى أن الله (تبارك وتعالى) نصب للناس في كل شيء خلقه دلائل على وجوده، دلائل على توحيده، دلائل على قهره، وسلطانه، وتدبيره، وركّب فيها عقولاً، وبصائر، لو استخدموها لوصلوا لوجوده، ولعلموا به، لو نظرت إلى أي شيء لعلمت أن له خالقا مدبراً، مصرفا بالعقل، والبصيرة التي رُكزت في كل إنسان، لو نظر إلى الدلائل لكان كمن سْئل فأقّر، فشهد على نفسه، فالكلام مجاز تمثيلي فقط، والرأي الأول أرجح لورود حديث يؤيده أن الله (تبارك وتعالى) أخرج فعلا الذرية، وأوقفهم أمامه كقوله (عز وجل) يوم القيامة للناس:
(وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ) [سورة الأنعام آية: ٩٤]
وقوله: (وَعُرِضُوا۟ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّۭا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۭ) [سورة الكهف آية: ٤٨]، فربنا تبارك وتعالى مسح ظهر آدم، أو أمر أو قال كن فيكون، والآية من المتشابهات التي لا يصح الخوض فيها.
وسألهم وكل صنعة تدل على صانعها، وكل مصنوع يقر بصانعه (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) أي خالقكم، وواجدكم من العدم (قَالُوا۟ بَلَىٰ) (بَلَىٰ) إجابة مثل نعم، لكنها لا تكون إلا لسؤال سبقه نفي، أو في مضمونه، ولو قالوا: نعم لكفروا (قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ) إذاً أنت ربنا خالقنا، شهدنا على ذلك، أو شهد بعضنا على بعض بذلك أو قالوا (بَلَىٰ) وقُف حيث نرى في المصحف علامة الوقف، وانتهى كلامهم (شَهِدْنَآ) قول الملائكة، والملأ الأعلى حيث كانوا حاضرين شاهدين، أي شهدت الملائكة، والملأ الأعلى على إقرار بني آدم جميعا بربوبيتهم لله (عز جل) وبعبوديتهم له.
(أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ ﴿١۷٢﴾) أي فعلنا ما فعلنا، وأخرجناكم من صلب أبيكم، وسألناكم، وأقررتم، وشهدنا على إقراركم، كل ذلك لئلا تقولوا يوم القيامة حين الحساب، أي كراهة أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا الميثاق غافلين.
والسؤال: هل منكم من يذكر هذا الميثاق؟ لا نذكره؛ لأن لو ذكرناه لكان الإيمان إيمانا جبرياً، لكن لما نسينا هذا الميثاق، ذكرنا ربنا (تبارك وتعالى) بتوالي الرسل، وإنزال الكتب، ذكرنا بهذا الميثاق حتى لا ننساه، فمن صدّق، وآمن فقد ذكر، ومن أنكر وجحد فقد غفل؛ لذا يقول ربنا (تبارك وتعالى) لسيد المذكِّرين، وسيد المرسلين (فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌۭ ﴿٢١﴾ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴿٢٢﴾) [سورة الغاشية آية:٢١ : ٢٢]
فذكّرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالميثاق الأول، ولازلنا نذكره، نحيا عليه، وعليه نموت، وعليه نُبعث جميعا إن شاء الله آمنين (أَوْ تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةًۭ مِّنۢ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴿١۷۳﴾) إذاً فهناك قولان للكفار، قول يدّعي أنه نسي الميثاق ولم يذكّره به أحد، وينكر بعثة الرسل وما إلى ذلك، وقول آخر للمقلدين كأهل الكتاب الذين قلّدوا أسلافهم في قولهم: عزيز ابن الله، وقولهم: المسيح بن الله، وقولهم: سيُغفر لنا وقولهم: (وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَةًۭ) [سورة البقرة آية: ٨٠]. وقولهم:
(وَقَالُوا۟ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ) [سورة البقرة آية: ١١١].
وقولهم: إن إبراهيم كان يهوديا، أو إن إبراهيم كان نصرانيا، وقولهم، وقولهم ، هؤلاء أتوا بهذه الأقوال من أسلافهم شر خلف، لشر سلف.
(أَوْ تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ) أي أنهم يعتذرون عن كفرهم بأنهم قلدوا الآباء، أي أن الذنب أو الإشراك أو ما حدث من خطأ، من ذنب الآباء، ونحن جئنا وراء الآباء فقلدناهم، حجة مرفوضة، فالتقليد حين لا يكون هناك دليل، أو سند مخالف، لكن مع وجود الدليل، مع وجود السند، مع وجود الرأي الصحيح، ينتفي التقليد، ويُمنع.
(وَكُنَّا ذُرِّيَّةًۭ مِّنۢ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴿١۷۳﴾) أي لست تفعل ذلك، هم المبطلون، هم الذين أبطلوا دينك، هم الذين اخترعوا الشرك، نحن جئنا من بعدهم، ما ذنبنا، فيلزمهم ربنا الحجة، أي أن من قال هذا يوم القيامة لن يُقبل منه؛ لأنه قد أُخذ عليهم الميثاق كما أُخذ على أبيه، وذُكروا جميعا بالميثاق على ألسنة الرسل (وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ) كما بينا لك أحوالهم، وبيّنا لك ما يضمرون في نفوسهم، وقصصنا نفصّل لك الآيات، ونبين المواثيق، وأنه قد أخذ عليهم الميثاق في التوراة، وأُخذ عليهم أيضا الميثاق في الأزل في عالم الذر(وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿١۷٤﴾) يرجعون عن قولهم الباطل، يرجعون عن افتراءتهم، ويرجعون عن شركهم، فبعد أن ذكّر الله (تبارك وتعالى) اليهود، وذكّر الناس عموما بالميثاق الأول، يذكّرهم بقصة أخرى، وهي عبرة لكل من يعقل، ولكل من يسمع، ويتأمل فيقول عز من قائل:
وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴿175﴾
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۚ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿176﴾
سَآءَ مَثَلًا ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ ﴿177﴾
ويمنّ علينا، ويقول: (يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًۭا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًۭا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ) [سورة الأعراف آية: ٢٦].
كأن التقوى والعمل بالآيات لباس يلبسه التقي، فيحيمه من كل شيء، يحميه من غضب، يحميه من النار، يحميه من العذاب، يحميه من الشيطان، يحميه من كيد الكائدين، يحميه من عدوان المعتدين، يحميه من نفسه، من كل شيء، فإذا ترك التقوى، خلع لباسه كالمحارب يخلع درعه، تعرض للهجوم بلا مقاومة، هنا التعبير(ءَاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا) طالما انسلخ منها، أصبح بلا غطاء كالحية بلا جلد (فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ) فلو لم ينسلخ لما قدر عليه الشيطان، وما سار الشيطان وراءه ولحقه، وأصبح قرينا له كقول الله عن هؤلاء: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآ) [سورة فصلت آية: ٢٥]
القيض: قشر البيض، وتخيّل التشبيه، من اتبّعه شيطانه، واتبّع هو شيطانه، كان الشيطان له كالقيض للبيض، هل للبيض متنفس؟ كيف وقد أحاطت به القشرة من جميع أجزائه، وجوانبه، فكذلك (فَٱنسَلَخَ مِنْهَا) أصبح عاريا، أصبح مجرداً من كل سلاح، وحماية، ووقاية فاتبعه الشيطان (فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴿١۷٥﴾) ضد الرشاد، والهدى (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا) ولكن لم يشأ، وكل شيء متعلق بمشيئته، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد؟
لم يشأ ربنا؛ لأن الذي أوتي الآيات انسلخ منها باختياره، واشترى الدنيا، وأخلد إلى الأرض وسكن إلى الأرض ورضي بها (وَلَـٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ) إذاً المانع للمشيئة بالرفع كانت مشيئة العبد، وكأن مشيئة الله (تبارك وتعالى) رغم أنها هي الأساس في كل شيء إلا أنها مترتبة، أو متعلقة بمشيئة العبد، أي من شاء الهدى هداه الله، وتعلقت مشيئة الله بهدايته، ومن اختار الضلال شاء الله له الضلالة وأرادها منه، وخلقها فيه، ربنا من الأزل يعلم هؤلاء المختارون للهدى، فركّب فيهم الهدى، وخلقه فيهم، ويسّرهم لعمل أهل الجنة، وأولئك علم منهم اختيارهم للضلالة، فركّب فيهم الضلالة، وخلقها فيهم وأرادها منهم فوقعت بمشيئته.
(أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ) والهوى يعمي، ويصمّ، وحذّر ربنا من اتباع الهوى
(يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ) [سورة ص آية: ٢٦].
هذا الذي تحكي عنه الآيات، أخلد إلى الأرض، واتبع هواه، واسمع للمثل من أعجب الأمثال التي ضُربت في القرآن (فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) الكلب مخلوق نجس، ضُرب به المثل للكافر، ولكي تعلم أن الظاهر غير الباطن، وأن ما ظهر من صفات طيبة للكلب لا تحجب نجاسته، كي لا تغتر بظواهر الأمور، واللهث: هو تحريك اللسان بشدة مع تنفس شديد، واللهث لأي مخلوق لا يكون إلا مع إعياء، أو من عطش، لهث يلهث لهثاً ولهثاناً، أما الكلب فهو يلهث على كل أحواله، يلهث في الصحة، ويلهث في المرض، يلهث في العطش، ويلهث في الرِيّ، شددت عليه وزجرته يلهث، تركته في سلام ولم تتعرض له يلهث.
(فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) معنى الكلام أن الكافر والذي انسلخ عن الآيات، وترك طريق الله، إن دعوته ضل، وإن تركته ضل، فمثله كمثل الكلب إن تعظ يكفر، وإن تترك الوعظ يكفر، كأن الوعظ لا يجدي كذلك الكلب في كل الأحوال فهو لاهث، والكافر أيضا على كل الأحوال ضال (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْا۟ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (٥)) [سورة المنافقون آية: ٥]
(وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ (١٩٣)) [سورة الأعراف آية: ١٩٣]
(ذَّٰلِكَ) تلك القصة، وذلك المثل (مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۚ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿١۷٦﴾) ذكِّر وأنذر إنما أنت مذكّرِ، إن عليك إلا البلاغ حتى تكون حجة الله على عباده بالغة يوم القيامة، فاقصص لعلهم يتفكرون (سَآءَ مَثَلًا ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا) أي ساء مثلاً مثلُ القوم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، (ساء مثلُ القومِ) قراءة أخرى.
ساء: قبح أي قبح أن يشبّه بالكلب.
(ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ ﴿١۷۷﴾) أي أن ظلمهم لأنفسهم عاد وباله عليهم؛ إذ إن الله تبارك وتعالى لا تضره المعاصي، ولا تنفعه الطاعات، فقد كان قبل الخلق وكان قبل الإيجاد، أوجد الخلق وأنشأهم، كان قبل الزمان والمكان كان (سبحانه وتعالى) متقدساً ذاته ولم يكن شيء، فهو غير محتاج لعباده، من هنا كان الظالم لنفسه لا يعود وبال ظلمه إلا عليه، ضُرب المثل لهؤلاء الذين تركوا كتاب الله (عز وجل) بعد أن بينه لهم، ضرب المثل لهؤلاء الذين حرّفوا كتاب الله، وحرّفوا معانيها عن المراد بها، أو المراد لها مثل هو أسوأ مثل (فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ) ساء مثلا هؤلاء القوم يأتي بعد ذلك التصريح من الله (تبارك وتعالى) بأنه هو المصدر الوحيد للهداية من الضلال يقول عز من قائل:
مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ﴿178﴾
أولا: أن الهدى والضلالة بيد الله.
ثانيا: تدل على أن هدى الله يختص ببعض دون بعض.
ثالثا: أن من هداه الله لابد وأن يهتدي، فهدايته تستلزم الاهتداء.
الأمر الرابع: أنه أفرد في الأول وجمع في الثاني (مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى) (وَمَن يُضْلِلْ) (لم يقل فهو الضال بل قال) (فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ (١٧٨)) ليدل لكل متأمل على أن المهتدين كأنهم واحد؛ لأن طريق الهدى طريق واحد، الضلال كثيرة، وشُعب هذا الضلال متفرقة
الأمر الخامس: قال (مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى) ولم يبيّن عاقبة ذلك ونتيجته (وَمَن يُضْلِلْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ (١٧٨)) ولم يقل فأولئك هم الضالون على قياس الكلام، بل قال: هم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة: تلك نتيجة، أما في الاهتداء فيكفي أنه قد اهتدى، وكأن النتيجة، وهي الاهتداء لعظيم شأنها وجسيم أمرها وكمالها، تكفي في حد ذاتها، ويكفي العبد أن يكون مهتديا، أما النتائج بعد ذلك فشيء آخر، آية فيها لفتات خمس لكل متأمل، ثم يقول الله (تبارك وتعالى):
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌۭ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌۭ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ ﴿179﴾
ذرأ: خلق (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا) أي خلقنا (لِجَهَنَّمَ) اللام هنا لام الصيرورة، لام العاقبة، أي خلقهم لتكون صيرورتهم، أو لتكون عاقبتهم إلى النار، يسِّروا لعمل أهل النار، وكلٌ ميسر لما خُلق له. (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًۭا) إذاً فأهل النار كثرة، أما أهل الجنة فهم القلة، ولقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال عن يوم القيامة ( يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ، قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ، قَالَ: " أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ) تلك هي النسبة واحد في الألف (كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ) الثقلان، المسئولان، المكلفان (لَهُمْ قُلُوبٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا) أي لا يفقهون، ولا يتدبرون القرآن، ولا يتأملون في خلق، لا ينتفعون بقلوبهم في التفكير فيما ينفعهم، وما يضرهم (وَلَهُمْ أَعْيُنٌۭ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا) لا يبصرون بها الآيات في الملك، في الملكوت، في السماء، في الأرض (وَفِى ٱلْأَرْضِ ءَايَـٰتٌۭ لِّلْمُوقِنِينَ ﴿٢۰﴾ وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٢١﴾) [سورة الذاريات آية:٢٠ : ٢١]
فهُم لا يبصرون الحق والآيات، وما نصبه الله (تبارك وتعالى) من دلائل على توحيده، وكمال قدرته، وعظيم صنعته، ووحدانيته، وتفرده في خلقه (وَلَهُمْ ءَاذَانٌۭ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ) أي لا يسمعون الحق: يُعرضون عنه؛ ولذا كان الثناء على الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه (أُو۟لَـٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) اضراب عن التشبيه الأول إلى أمر آخر، أولئك كالأنعام في أي شيء؟ في أنهم يأكلون، ويتمتعون كما تأكل الأنعام، همهم الدنيا، همهم جمع المال، همهم السعي وراء السلطان، همهم الاستمتاع، والالتذاذ بالشهوات، وبمتع الدنيا، لا يبالون أحصلوا عليها من حلال أو من حرام، فهُم كالأنعام جُل همهم الأكل والشرب، وانكبابهم على الملذات، والشهوات الدنيوية دون تفكّر، بل هم أضل من الأنعام، فالأنعام تعرف ما ينفع وما يضر، أرأيت كلبا يشرب الخمر؟! أرأيت حماراً يأكل السمّ! أرأيت بهيمة تسعى إلى حتفها، البهائم تسعى إلى ما ينفع، وتبتعد قدر جهدها عما يضر فإشارة بسيطة ليدك تحت شجرة تجعل جميع الطيور تطير بعيداً خوفا، واحترازاً مما قد يصيب، فالأنعام عموما تعرف منافعها وتسعى إلى جلبها، وتعرف المضار وتسعى إلى اجتنابها، أما هؤلاء فلا يفعلون ذلك، يشربون الخمر وهي ضارة بالصحة، يفعلون المحرمات وهي مهلكة مردية، مؤدية إلى جهنم وبئس المصير، أيضا الأنعام تعرف مالكها، فالحمار يعرف صاحبه، وينقاد له، وكذلك الحصان والكلب، أما هم فلا يعرفون مالكهم، وينفرون عنه. الأنعام تعرف الله (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ) [سورة الإسراء آية: ٤٤]، وهم لا يعرفون الله، الأنعام تطيع مالكها وهم لا يطيعون مالكهم، بل هم على العصيان، الأنعام تطيع ربها وإلا ما قدر صبي على قيادة جمل، وما قدرت جارية على حلب بقرة، ذُلِّلت فأطاعت، وانصاعت.
(أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ ﴿١۷۹﴾) في تمام الغفلة، غافلون عما ينتظرهم، غافلون عما ينفعهم، وعما يضرهم، والسؤال الذي يتبادر للذهن طالما خلقهم الله للنار فلِم يحاسبهم؟ ربنا (تبارك وتعالى) بعلمه الأزلي علم اختيارات الناس، خلقهم وأشهدهم على أنفسهم فأقروا، أقروا ظاهرا، لكن الله بعلمه القديم علم اختيارهم، إذا أنزلهم إلى الدنيا في مواقيتهم، ومواعيدهم، فمن اختار الهدى هيأ له أسبابه، وخلق الهدى في قلبه، ويسّره لعمل أهل الهدى والرشاد، وكتب له الجنة، ومن علم منه اختياره للضلالة أزلاً، خلق الضلالة فيه؛ لأنه اختارها ويسّر له طريق الضلال، وكتب مكانه في جهنم التي استحقها بعمله، وبسوء اختياره.
وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَـٰٓئِهِۦ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿180﴾
هذه الأسماء حُددت في حديث لأبي هريره (رضي الله عنه) ساقه الترمذي في صحيحه، وساقه البخاري، ومسلم والصحاح للنبي (صلى الله عليه وسلم) حديث يقول فيه (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) إحصاء: الحفظ، والعد، وجاءت الأسماء بترتيبها في حديث الترمذي، وقد يتساءل سائل هل من حفظ الأسماء التسعة وتسعين يدخل الجنة؟ نعم، رحمة فهل أنت تقدر؟ ذاك هو التحدي، هل تستطيع أن تحفظها عن ظهر قلب، وترددها في كل وقت؟ فإن فعلت فأنت من أهل الجنة، وإن لم تفعل فقد حُرمت (وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَـٰٓئِهِۦ) (يَلحدون) قراءة ذروا: اتركوا.
لحد وألحد: مال عن القصد، انحرف، أي اتركوا الذين يميلون بها عن معناها، أو عن حقيقتها، أو يزيدون عليها، أو ينقصون منها، أما الزيادة في الأسماء فتؤدي إلى التشبيه، وأما النقص في الأسماء فيؤدي إلى التعطيل، وأساس التوحيد إثبات ذات غير مشبَّهة بالذوات، ولا معطلة من الصفات، فتسمية الله بغير ما يأذن به تشبيه، كقولهم في بعض الكتب يا أبيض الوجه، المهندس الأعظم، ما يقول بعض المثقفين في مقالاتهم، وكتبهم، والله ليس كمثله شيء، أما نقص الصفات، والإنقاص منها تعطيل؛ لأنك منعت صفة اتصف هو بها، والتشبيه والتعطيل خروج عن الملة، أيضا من ضمن الإلحاد أن تطلق أسماء الله على غيره، مثل ما فعل مشركوا مكة حيث أطلقوا اسم مناة على صنم، من المنّان، العُزَّى من العزيز، اللات من الله، فمالوا بالأسماء عن حقيقتها، ولفظها، ومنطوقها، حرّفوها، وأطلقوها على الأصنام، والأوثان
(وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَـٰٓئِهِۦ) أو هي للتهديد، والوعيد، اتركوهم وأنا كفيل بهم، وأنا محاسبهم، كقوله في مواضع آخر (ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًۭا (١١)) [سورة المدثر آية: ١١]
فهي تهديد (سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (١٨٠)) جاء ذكر الخلق الذين خلقوا للنار بسوء اختيارهم، وعلمنا أنهم الكثرة، وبضدها تتميز الأشياء، ويأتي ذكر من خُلقوا للجنة بتوفيق الله لهم، وبحسن اختيارهم، فيقول عز من قائل:
وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ ﴿181﴾
انتهى زمن الصحابة، وانتهى زمن التابعين، وتابعيهم، وهكذا وتغيّر الزمان، وتغيّرت الناس وانقبض العلم إلا قليلا، فهل لا يزال، وهل لم تزل تلك الأمة؟ نعم، لا يخلوا منها زمان ولا مكان لقول الصادق المصدوق (صلى الله عليه وسلم) ( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ) هذه الأمة القائمة بالحق والظاهرة بالحق موجودة في أمة النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى أن تقوم الساعة، لا يخلو منها زمان مطلقا بإخبار الصادق المصدوق (صلى الله عليه وسلم) وبإخبار الله (عز وجل) بقوله: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ (١٨١)) ، أما الكفار فصنيع الله (تبارك وتعالى) معهم في الدنيا، صنيع عجيب، كان الله قادراً على أن يظهر لهم من الآيات ما يلجئهم للإيمان، لكنه لم يرد، ولم يشأ؛ لأن الإيمان في هذه الحالة سيكون إيمانا جبريا، كان الله (تبارك وتعالى) قادرا على هدايتهم لقوله: (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) [سورة يونس آية: ٩٩]
لكنه لم يشأ؛ لأنهم اختاروا الضلالة، ومشيئة الله (تبارك وتعالى) وإن كانت هي الأساس، وهي الأصل إلا أن مشيئة العبد لها دخل لقوله: (وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٢٩)) [سورة التكوير آية: ٢٩].
ربنا تبارك وتعالى في صنيعه مع الكفار، يتركهم في غفلتهم، ويمد في أعمارهم، وييسر لهم ما اختاروه من طريق الضلالة، وينعم عليهم كلما أحدثوا معصية أحدث لهم نعمة، كلما أحدثوا فجوراً أحدث لهم فضلا، ونِعَمْ، ومد لهم، فيستمرون في غفلتهم، ويستمرئون ضلالهم؛ لذا يقول الله (تبارك وتعالى):
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿182﴾
وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ﴿183﴾
ومنه أدْرَج الميت في أكفانه، أو من الدرجة، والاستدراج الاستصعاد، أو الاستزال درجة بعد درجة (سَنَسْتَدْرِجُهُم) أي نستدنيهم، أي نستنزلهم في مهاوي الضلالة درجة بعد درجة (مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١۸٢﴾) إذاً فهُم في غفلة (وَأُمْلِى لَهُمْ) أمد لهم من الإملاء، تركهم ملاوة من الزمان: مدة من الزمان، وأطيل في أعمارهم (إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ﴿١۸۳﴾) شديد، وأصل كلمة (مَتِينٌ) من المتْن، والمتْن: اللحم الغليظ، والعضل الشديد إلى جانب الصلب، العمود الفقري في الإنسان، وفي غيره، عن يمينه، وعن شماله، عضلات طولية ممتدة من اللحم القوي، بل هي أقوى ما في الإنسان من عضلات، هذا هو المتن، والكيد: الحيلة، والتدبير في خفاء، والتدبير بحيلة تخفى على من يُدبَّر له، سمّاه ربنا (تبارك وتعالى) كيدا، ما يفعله بالكفار، وبالمكذبين، استدراج بالنعم، بالأرزاق، بالصحة، بطول العمر، بإعطائهم ما يشاءون مع كل كفر، وكل فجور، ومع كل معصية، ومع كل اختراع السفالات، والانحطاطات يعطيهم ظاهر الأمر، وسّع عليهم بالأرزاق، والأولاد، والأموال، والسهولة في كل شيء، باطن الأمر هو خذلان؛ إذ هو يستدرجهم، يستنزلهم من رحمته درجة بعد درجة، حتى يصلوا قعر جهنم؛ ولذا سُمِّي كيدا، ثم يأتي السؤال التعجيبي.
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ ﴿184﴾
أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ وَأَنْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ ﴿185﴾
أولم يتفكروا: يعملوا عقولهم ما بمحمد (صلى الله عليه وسلم) جنون، لو تفكروا في كلامه، لو تفكروا فيما يطلبه منهم، لو تفكروا في حياته، وهو منهم، يعرفون نسبه، ويعرفون صدقه، هم الذين لقبوه بالصادق الأمين من قبل البعثة، هل في هذا القرآن ما ينافي العقل، والفطرة السليمة، لمَ لمْ يتفكروا؟ ذلك خطأهم (مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ) (مَا) نافية الجنون والجنة من الجنّ، والجَنْ: الستر والتغطية، ومنه الجن لأنه مستور عن الأعين، والجنون؛ لأن العقل قد غُطى (مَا) قد تكون استفهامية، إنكارية، أي جنون هذا الذي نسبوه إليه، ما صاحبكم بمجنون (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ ﴿١۸٤﴾) ينذر، ويوضح إنذاره. كلامه متزن، عاقل، يتفق مع كل فطرة سليمة، ومع كل عقل سليم، تلك نقطة التفكر في مدعي الرسالة، وتنظر إلى ما يقوله، وتتأمل في كلامه، إلى ما ماذا يدعوك؟ هل يطلب ملكا؟ هل يطلب مالا؟ هل يطلب جاها؟ هل يأمر بمعروف؟ هل يأمر بمنكر؟ أن تتفكر في كلامه، وفي شخصه إن تفكرت بعقل محايد، تيقنت أنه الصادق المصدوق، لم يكن ملكا، ولا جباراً، ولم يطلب الملك، ولم يجمع المال، ها هي هجرته إلى يومنا هذا شاهد على زهده، بل قال معلنا قوله: (نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لا نُوَرَّثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ ) ألم يربط على بطنه الأحجار من الجوع ( رُؤِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْضِعٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَخْرَجَكَ؟ قَالَ: " الْجُوعُ "، قَالَ: وَأَنَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ أَخْرَجَنِي الْجُوعُ) ما شبع من خبز الشعير، أمر بصلة الأرحام، نهى عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، أمر بحسن الجوار، أمر بالصدق، أمر بالعفاف، أمر بالعفة (وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ) أمر بالصبر، أمر بمكارم الأخلاق، ونهى عن مساوئها، تلك المرحلة الأولى: التفكر في الشخص القائل، وفي كلام القائل، ثم بعد ذلك ننتقل إلى مرحلة أخرى: هو يدعي أن الكون له مبدع، وله خالق، وأنتم لا تعلموا ذلك، ولم تعهدوه، ولم تسمعوه، بعد التفكر في شخصه، وتبين صدقه، تفكروا فيما حولكم، ألا تدل على البعرة على البعير، ألا يدل الأثر على المسير، ألا تدل سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج على العليم الخبير.
(أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) ملكوت: المُلك العظيم، صيغة مبالغة كجبروت، ورهبوت، المُلك العظيم الذي لا حدود، ولا نهاية، في السموات والأرض لمَ لمْ ينظروا، ويتفكروا، ويستدلوا على كمال قدرته؟ هذا الملك العظيم يدل على كمال قدرة الصانع، وانفراد الخالق بالوحدانية، وعظيم شأن المالك الذي تولى العناية، والرعاية بكل ما خلق، (أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ (٥٠)) [سورة طه آية: ٥٠].
أرأيت الفرخ كيف نقر بيضه وخرج في الوقت المناسب! أرأيت الوليد كيف التقط ثدي الأم دون علم سابق أو تجارب! أرأيت النحل كيف رشف رحيق الزهور، فأخرج الشفاء مشارب! أرأيت النمل كيف خزن طعامه! وهل في النمل كاتب، أو حاسب، أرأيت العنكبوت كيف نسجت خيوطها وفي الخيوط مصائد ومصائب! أرأيت الإنسان كيف ضحك! أرأيت كيف تثاءب! أرأيت نفسك، وقد ذهبت بك الأحلام مذاهب! أرأيت الأرض، وما خلق فيها من جاذبية فتمسكت بكل ثابت وسائب! أرأيت الشموس، والنجوم في أفلاكها، كيف عُلقت وتعلقت بنجم ثاقب! كل ذلك أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض.
وأمر آخر لابد وأن تتأمل فيه، أين الأب، وأين الجد، وأين الأم؟ أين الخال، وأين العم؟ أين وأين كل هؤلاء؟
أين ذهبوا، ألا تتفكروا وتنظر (وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ) الجبال: الوديان، الأنهار، البحار، القارات، ذاك النظام الغريب العجيب، ما في الأرض من جاذبية كيف تدور، السماء وما فيها من نجوم، وما فيها من وكواكب، السحب، الرياح، المطر العذب من أين جاء؟ من ماء مالح! أرأيت الزهرة كيف تفتحت من أين خرجت؟ من طين لها جذر له لون، وخامة لها ساق، له لون، وخامة أوراق لها لون وخامة وإذا بها مغلقة خضراء، وإذا بها تصفر، ثم تتفتح، وبها حبوب للقاح، ورق الورود والأزهار لو لمسته بيدك لخشيت عليه من شدة رقته، هذه الرقة نسيج الزهرة، والأغرب أن تشتم لها رائحة (سبحان الله) من أين أتت هذه الرائحة؟ ألِلْتراب رائحة؟! أللطين رائحة؟! هل للماء لون؟ هذه الزهرة خرجت من طين وماء، فمن هذا التراب، والطين، الورد والأزهار، النخل صنوان، وغير صنوان، فاكهة، وأعناب، ورمان أنواع من الخضروات لا عد لها، ولا حصر، أشكال وألوان، وأصناف في النبات، ولو نظرت إلى الحشرات بلايين الأنواع، والأصناف: ما يزحف على بطنه، ما يطير، ما يمشي، بل هناك من المخلوقات ما لا تُرى إلا بالمجهر كالميكروبات، والفيرسات، وكلما ضئُل الحجم كلما عثُر عليك التحكم فيه، فيروس الإيدز، فيروس السرطان، فيروسات، وميكروبات، لا تُرى ومهلكة، مُردية تصيب بالألم، والهلاك، ولا سلطان لك عليها، كيف لو نظرت في خلايا الإنسان، وجينات الوراثة، كما يسمونها، ما حجمها؟ هل تعرف المليمتر هل تعرفه، السنتيمتر: عشرة مليلمتر، الملليمتر شَرْطة، حجم هذه الجينات التي تحمل صفاتك الوراثية، اللون، الشعر، حجم الأنف، سعة العين، لون الشعر، طول الجسم، كل الصفات حجم هذه الجينات واحد من الألف من الملليمتر كيف هذا؟ كيف خُلقت؟ كيف وُضع فيها هذه الصفات الوراثية؟ كيف فإذا بالجنين يخرج وعيونه زرقاء نسبة لعيون أمه من أين هذا؟ أي كمال في الصنع!! أي قدرة في الخلق!! أي عظمة في الشأن!!
(وَأَنْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) الموت أقرب إليك من شراك نعلك (فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ ﴿١۸٥﴾) الهاء عائد على القرآن، على ما قاله النذير الذي أمركم أن تتفكروا فيه، فالهاء عائدة على القرآن الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم) هذا النذير المبين، هذا كلام الله بأي حديث يريدون أن يؤمنوا بعد القرآن، هل بعد كلام الله كلام؟!
أو الهاء (بَعْدَهُۥ) ضمير تعود على الموت، فبأي حديث بعد الموت يؤمنون، حيث لا ينفع الإيمان، تأمُل، وتساؤل، وتعجيب، وعلى ذلك التساؤل تأتي الإجابة بالتعليل، والتقرير.
مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُۥ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿186﴾
أيها الأخ المسلم، الإيمان بالله (عز وجل) ويصفاته بأفعاله يأتي عن طريقين:
الطريق الأول: التوفيق من الله له، فيؤمن العبد دون تفكير، وينشرح صدره للإسلام، وينفتح قلبه للإيمان، هذا الطريق أساسه الانصياع، والاستسلام ظاهرا؛ إذ الإسلام هو الإنقياد الظاهري.
الطريق الثاني: طريق الاستدلال، والنظر، النظر في ملكوت السموات والأرض، النظر في ما خلقه الله (تبارك وتعالى).
النظر في كل ذلك، ثم الاستدلال بكل ذلك على وحدة الصانع، كمال قدرته، وسعة علمه، وعظيم شأنه، أما النظر، والاستدلال فذاك فعل العلماء، وعليهم أن يبينوا ما وصلوا إليه للعامة، وأما الإيمان السابق للنظر والاستدلال الناشئ عن الاستسلام، فذاك إيمان العامة والموفّقِ للإيمان في كلا السبيلين، وبكلتا الطريقتين هو الله السلام، المؤمن، المهيمن (سبحانه وتعالى) فقد ذكرت لنا الآيات من سورة الأعراف طرفا من سفاهة الكفار، وحكت لنا عنهم وكيف أنهم لم يستغلوا حواسهم فيما ينفعهم، وكأنه الله (تبارك وتعالى) حرمهم من الانتفاع بها فقد اختاروا الضلالة، ثم بيّن ربنا (تبارك وتعالى) طرفا من تعنتهم، وطرفا من جهالتهم، أما التعنّت فهو سؤالهم عن الساعة يقول عز من قائل:
يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةًۭ ۗ يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿187﴾
(يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ) أي يسألونك عن وقت قيام الساعة (أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا) أيان: ظرف زمان مبني على الفتح يتضمن معنى الاستفهام كمعنى (متى)، أي متى وقت قيامها، مرساها: مصدر ميمي من أرساها.
أرساه: أثبته، وأقره، أيان مرساها، أيان مثبتها، أيان وقتها؟ أين تثبت؟ أين تستقر، ومتى أو متى وقت قيام الساعة؟
السؤال سأله اليهود، وسأله مشركوا العرب، أما اليهود فترددوا في السؤال، قال بعضهم سلوه عن الساعة، فإن أخبركم فهو ليس بنبي، وقال بعضهم: لا تسأله فيأتي بما لا تحبون، فأصروا على السؤال، وهو مار بهم في يوم، فحين سألوه سكت (صلى الله عليه وسلم) وأطرق، ويروي عنه صاحبه الذي كان يرافقه أن الوحي نزل عليه، فسكت، وأطرق حتى إذا سُرِّى عنه تلى قول الله (عز وجل) (يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى) فتيقنوا من نبوته، ولكنهم لم يؤمنوا، ولم يسلموا حسدا، وحقدا (لَا يُجَلِّيهَا) لا يُظهرها (لِوَقْتِهَا) اللام لام الصيرورة بمعنى (إلى وقتها) كقوله (أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ) [سورة الإسراء آية: ٧٨].
(لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ) إذاً، فعلم الساعة أي علم وقت، وقوع الساعة لا يعلمه ملك مقرّب، ولا نبي مرسل، الله (تبارك وتعالى) استأثر بعلم قيامها، ولم يخبر بها أحداً، وتقوم فجأة وبغتة.
(ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) ثقلت: عظمت وشقت، من الثقل ضد الخفة، أي خفى علمها على أهل السموات وأهل الأرض، أو عظمت عليهم لشدة أهوالها فالكواكب تندثر (إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴿١﴾وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ ﴿٢﴾وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ ﴿۳﴾وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴿٤﴾) [سورة الانفطار آية:١ : ٤].
عظمت، وشقّت لهول ما فيها، وعظم السؤال عنها، وخفى علمها على أهل السموات والأرض (لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةًۭ) فجأة، يفاجأ بها كل من في السموات، ومن في الأرض، حتى المقربون، حتى حملة العرش لا يعرفون وقت قيامها، وصدق الصادق المصدوق (صلى الله عليه وسلم) حيث يشرح لنا أنها حين تقوم فجأة، يقف البائع والشاري، وقد بسطا الثوب بينها لا يطويانه، ولا يأخذانه، ويرفع الرجل اللقمة إلى فِيه فلا ينزلها، ولا يأكلها، ولكنها بفضل الله لا تقوم إلا على شرار الناس، فلا تقوم الساعة وفي الأرض رجل يقول: لا إله إلا الله، وكما أخبرنا الصادق المصدوق (صلى الله عليه وسلم) حين يأذن ربنا بقيامها يأمر ريحا كالنسيم تمر على الأرض، فما تصادف نفساً مؤمنة إلا وتقبضها، فلا يبقى إلا شرار الأرض: شرار الخلْق هم الذين يحضرون أهوالها، نجانا الله منها، (يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا) كررّ الإخبار عن سؤاله، الحفيّ: العالمِ بالشيء، والحفيّ المستقصي عن الشيء، المتتبع لأخباره، أو الملحِفْ، والملِّح في السؤال.
(كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا) أي كأنك حريص، مستقصي، ملِّح في السؤال عنها، وقيل: هي من الحفاوة، والكلام فيه تقديم وتأخير(يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا) أي من حفاوتك بأهل مكة، وقريش، وأنت منهم، ولاهتمامه بهم، وبأهله رحمة، يسأل، ويستقصي، السؤال مرتان، والإجابة مرتان، والتكرير للتأكيد، أو السؤال الأول عن وقت قيامها، والسؤال الثاني عن كُنهها، ولا تكرير هناك، وإنما الإجابة مرة عن الوقت، ومرة عن كنهها أي ماهيتها.
(قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١۸۷﴾) أي أن علمها عند الله لا يعلمها إلا هو، ولا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن أكثر الناس لا يعلمون الحكمة، لا يعلمون الحكمة من إخفائها، تُرى لو علم الناس بموعد الساعة ماذا يحدث؟ لو علمت أن الساعة سوف تقوم بعد خميسن ألف سنة؛ لتَرك الطائعون طاعتهم، ولاطمأن الناس، لكن إخفاء وقت قيامها يدعو إلى الحذْر، والحكمة من إخفاء وقت قيامها لا يعلمه إلا الله، سؤال عن الساعة وهي من أخطر الأمور نهاية الدنيا، بدء الآخرة، يوم الحساب، يوم التغابن، يوم الفضيحة، يوم الزلزلة، يوم القارعة، أقل من ذلك لا يعلمه؛ لذا يتبّري رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويتبرأ من علم الغيب، ومن أن يملك لنفسه نفعا، ولا ضراً، فيأمره ربه بهذا التبري فيقول:
قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ﴿188﴾
(إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)) (صلى الله عليه وسلم) ينذر الناس، وينبههم، ويحذرهم، (وَبَشِيرٌۭ) يبشر الطائعين المؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بالإنذار، فيرتعدون، وينتفعون بالتبشير، فيأملون ويطمعون في رحمة الله، هو نذير للناس وبشير للناس جميعا، لكن الذي ينتفع هو المؤمن، تقول عائشة (رضي الله عنها وأرضاها): (من زعم أن محمداً يعلم ما يكون في غد، فقد لأعظم على الله الفرية، والله يقول: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)) [سورة النمل آية: ٦٥] ينتقل الكلام بعد ذلك عن قصة الخلق، خلق الإنسان، وكيف أنه يسهو عن خلقه، وكيف يلجأ إليه وقت الشدة، وينساه وقت الرخاء يقول عز من قائل:
هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًۭا فَمَرَّتْ بِهِۦ ۖ فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَـٰلِحًۭا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿189﴾
فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَـٰلِحًۭا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَا ۚ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿190﴾
أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿191﴾
وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًۭا وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴿192﴾
الغشاء: الشيء المحيط بالشيء، الغطاء، تغشّاهاً: كناية بديعة، راقية يُكنى بها عن الجماع، والوقاع، يعلمنا ربنا (تبارك وتعالى) الأدب في اختيار الألفاظ، فإن الله لا يحب الفحش، ولا التفحش، والفحش: التعبير عن الأشياء المستقبحة بألفاظ صريحة، لكن الله يعلمنا الكناية (فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا) وكأنه صار غطاء لها، صارت غطاء له، أو ما إلى ذلك
(حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًۭا) النطفة، العلقة، خفيف لا تشعر به المرأة في أول الحمل، لا تشعر بالحمل، الحَمْل ما كان في البطن، أو في رءوس الشجر، الحِمْل: ما كان على الظهر أو على الرأس، فإن حملت شيئا على رأسك، أو على ظهرك، فهو حِمْل، أما ما في بطن المرأة فهو حَمْل، وقال بعضهم: قد تُستخدم الكلمة مكان الأخرى.
(حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًۭا فَمَرَّتْ بِهِ) فاستمرت به: لم تلق له بالا ذهبت، وقعدت، وقامت وجلست، وقرأت (فمارت به) من المَوْر (يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْرًۭا (٩)) [سورة الطور آية: ٩] أي ذهبت، وجاءت، وقعدت، وقامت، وانصرفت، وجلست، وقرأت (فَمَرَت به) من المِرية: الشك، جاءها الشك أهي مريضة! أهي حامل، وكل النساء يحدث لهن ذلك تتقيأ، أهو برد؟ أهو وهم؟ امتنعت الدورة، أتأخرت، أم هو الحمل؟.
(فَلَمَّآ أَثْقَلَت) صارت إلى الثقل (فلما أُثقلت) أثقلها الحمل، وأثقل حركتها، وضعفت عن المجهود (فَلَمَّآ أَثْقَلَت) إذاً فقد تيقنت من الحمل، وتيقّن زوجها كذلك أنها تحمل في بطنها جنينا، هنا لجأ إلى الله؛ إذ لا يدري ما في بطنها، ولا يعلم الغيب إلا الله، وكل ما يزعمون هؤلاء بالأجهزة المختلفة لتعيين نوع الجنين محض افتراء، قد يصادف، وكثيرا ما تكذب تلك التقارير، وكثيرا ما تُخدع تلك الأجهزة (فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا) (دَّعَوَا) هما الإثنان (رَبَّهُمَا) ، إذاً فالتوحيد قائم: أقروا بالألوهية، وأقروا له بالربوبية؛ لأنهم رأوا أنه خلق من الماء بشراً؛ لأنهم رأوْا لحظة اللذة، والاستمتاع، والتي لم يخطر على بالهما نتيجتها أثمرت، وإذا بالبطن خفيفة، وإذا بالبطن بعد ذلك ثقيلة، وإذا بها تنتفخ، وإذا بالحركة فيها، لا دخل لهم بها، ولا سيطرة لهما عليها، هنا علما بوجود الله، وحين أحسّت بالتطور في الخلق، التطور في الشكل، التطور في الوضع، إذا فهذا الذي ينمّي النطفة، ينمّي العلقة، هذا التضخم من أين؟ من المربِّي الذي يأتي بالشيء، وينّميه، ويوصّله إلى كمال شيئا، فشيئا بحسْب استعداده.
(دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَـٰلِحًۭا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿١۸۹﴾).
الصالح هنا ليس بمعنى الصلاح في الدين، وإنما الصالح هنا بمعنى الصلاح في الخلقة، فهي لا تدري ما في بطنها، أينزل سليما، أم ينزل معيبا؟ أينزل كاملا أم ينزل ناقصا؟ أينزل مبصرا أم ينزل أعمى؟ أينزل سمعيا أم ينزل أصماً؟ لا تدري، ولا يدري زوجها، ولا دخل لهما فيسألان الله، يلجآن إلى الله أن يرزقها بالسليم، والسالم من الولد (لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَـٰلِحًۭا) شرطا على أنفسهما (لَّنَكُونَنَّ) بالتأكيد (مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿١۸۹﴾) على نعمائك المقرين بفضلك (فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَـٰلِحًۭا) استجاب الله؛ لأن يستجيب للمؤمن، والكافر (أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ) [سورة النمل آية: ٦٢].
استجاب لهما، ونزل الولد سليما صارخا كامل الأعضاء (جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَا) والشرك هنا أنواع: منه الجليّ، ومنه الخفيّ، منه ما أخبرنا به الصادق المصدوق (صلى الله عليه وسلم) ( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) نوع آخر نزل الولد، عبد الله، عبد الرحمن، عبد الشكور، عبد الإله، فإذا بهم يسمونه عبد العُزى، عبد مناة، عبد الحارث، عبد النبي، وهكذا عبد المسيح، شرْك، هل هو كذلك، أم هو عبد الله؟!.
من بعض أنواع الشرك الخفي: ما يفعله بعض الجاهلية: لولا الطبيب لمات الجنين، لولا حذق الطبيبة المولدة لماتت الأم أثناء الولادة، لولا كذا ما كان كذا، وذاك نوع من أنواع الشرك؛ إذ لولا الله ما كان شيء، وهو الخالق للأسباب كلها.
والمسببات، وكما قال ابن عباس: (قد يشرك أحدكم كلبه مع الله، قالوا: كيف يكون ذلك؟ قال: لولا الكلب لسُرقنا البارحة، وكأن الكلب هو الحامي، والحارس، والحافظ).
(فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١۹۰﴾) تقدّس، وتعظّم وارتفع سبحانه وتعالى عما يشركون، يشركون معه الأصنام، يشركون معه الأوثان، يشركون معه بعض خلْقه، تعالى الله عما يشركون، ويأتي السؤال التوبيخي، والتقريعي، والاستنكاري (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿١۹١﴾) تعجب أيها السامع من سفاهة القوم، من سفاهة المشركين، من سفاهة عبدة الأصنام، والغريب في الآيات التالية أن الكلام عن الأصنام، والأوثان بصيغة العاقل؛ لأنهم اعتقدوا النفع، والضر في الأصنام، وحين اعتقدوا ذلك خاطبهم بما يعتقدونه تقريعا لهم، وتوبيخا لهم، واستنكارا (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـًۭٔا) هل خلقوا ذبابة.
(إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُوا۟ ذُبَابًۭا وَلَوِ ٱجْتَمَعُوا۟ لَهُۥ) [سورة الحج آية: ٧٣]
هل يخلقون حبة؟ هل يخلقون شعيرة؟ هل علماء الدنيا بأسرها بعلومهم، وفنونهم، وما وصلوا إليه حتى صعدوا إلى القمر والنجوم، هل يمكن بجميع المعامل أن يخلقوا حبة قمح؟ هل يخلقون ذبابة؟ أبداً والله، ليس ذاك فقط، واسمع إلى الكلام عن ضعفهم (وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْـًۭٔا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ) [سورة الحج آية: ٧٣] وها هو الذباب ضعيف يحط على الطعام، يرشف رشفة من ماء، أو من عسل، هل جميع معامل الأرض تستطيع أن تستخلص من الذبابة تلك القطرة، أو تلك الرشفة؟ أبداً والله (ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ (٧٣)) [سورة الحج آية: ٧٣]، (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿١۹١﴾) الأصنام مخلوقة، الأصنام مصنوعة بالقادوم، بالأزميل، بالأدوات، تقتطع الخشب، وتقتطع الحجر، وتشكل، تُصنع، وتُعبد، في بدء الإسلام كان لعمرو بن الجموح من سادات العرب صنم يعبده من صنع يده، وكان له ابن اسمه معاذ بن عمرو بن الجموح، وأسلم مع معاذ أيضا، معاذان شابان أسلما، فذهبا إلى ذلك الصنم في يوم ولطخوه بالأوساخ، والأقذار، فأصبح عمرو وجد صنمه وإلهه قد تلطخ بالأقذار، والأوساخ، فطيّبه، وطهّره، ووضعه، وفي اليوم التالي ذهبا ليلا إلى الصنم فلطخاه بالأوساخ، والأقذار، وعلقا في رقبته سيفا، وأصبح عمرو فإذا بالصنم في رقبته السيف لم يستخدمه، ولم يدفع عن نفسه تلك الأقذار، فأخذه ورفع السيف، وطهره وطيّبه، ووضعه، في اليوم الثالث وجاءا بكلب، وربطاه مع الصنم، وأخذ الصنم بالكلب الميت قرينان، وألقياه بكلبه في البئر، فجاء عمرو بن الجموح يبحث عن صنمه فلم يجده، فبحث فوجده ملقى في بئر مهجور، مربوط مع الكلب ميت، فأنشد شعرا يسفّه فيه فكره، وعقيدته، وخرّ ساجداً، وأسلم، وحسُن إسلامه، واستشهد عمرو بن الجموح في غزوة أحد (رضي الله عنه وأرضاه) يقول الله (تبارك وتعالى) منكراً عليهم، موبخا، مقرعا (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿١۹١﴾ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًۭا وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴿١۹٢﴾) هل ينصر الصنم نفسه؟!
وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ ﴿193﴾
ادعو الصنم ما شئت لا يتبعوكم، والخطاب قد يكون للمسلمين، للمؤمنين، خطاب لنا، يقول: إن تدعوا هؤلاء المشركين إلى الهدى، فلا فائدة، ولا فائدة كذلك من دعوة الكافر، ختم الله على قلوبهم (سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ) استوى الأمر (أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ (١٩٣)) أو الكلام للمشركين تبكيت، ها هي الأصنام سكت، أو ناديت استوى عليك الأمر هل يجيبك الصنم؟ هل يجيبك الوثن؟ إذا سألت الوثن أن يهديك هل يهديك؟ (سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ (١٩٣)).
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿194﴾
أصنام من الحجارة، والحجارة تعرف ربها، من الخشب، والخشب يعرف ربه
( عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَٱدْعُوهُمْ) فعل أمر، لكنه أمر تعجيزي، هلم أروني (فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (١٩٤)) أروني إن دعوت الصنم أيأتي إليك؟ هل يسمعك؟ هل يراك؟ هل يمشي؟ هل يتحرك إن كنتم صادقين في أنها تشفع، أو تنفع، ثم يبيّن ربنا (تبارك وتعالى) كيف هم في سفاهة، وجهالة، وكيف أن الأكمل يعبد الأنقص، والأدون فيقول:
أَلَهُمْ أَرْجُلٌۭ يَمْشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍۢ يَبْطِشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌۭ يُبْصِرُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌۭ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ﴿195﴾
إذاً فهم أدنى منكم، وأقل منكم، فكيف يعبد الأشرف الأدْوَن، والأكمل الأخس.
(أَلَهُمْ أَرْجُلٌۭ يَمْشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍۢ يَبْطِشُونَ بِهَا) يبطشون بها، وجاء مع كل عضو بفائدته، لأنهم حين صنعوا الأصنام جعلوا لها عيونا من الجواهر، وجعلوا لها آذان، وجعلوا لها أيدي وأرجل، لكن هل يمشون، أو يبطشون، أو يبصرون، أو يسمعون.
(قُلِ ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ (١٩٥)) حين سب أصنامهم، وأوثانهم خوّفوه بها تضرك، وتفعل فيك، وتفعل بك كذا، وكذا، ها هو يتحداهم (قُلِ) يا محمد لهم (ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ) جميع لأصنام، وجميع الأوثان (ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ (١٩٥)) ذاك هو الأصل حُذفت الياء لدلالة الكسرة عليها.
الكيد: المكر الحيلة أي دبروا، واحتالوا، وامكروا كي تضروا بي، أو تفعلوا بي، أو تقتلوني أو تفعلوا ما تريدون أنتم وأصنامكم (فَلَا تُنظِرُونِ ﴿١۹٥﴾) فلا تمهلون: لا تعطوني مهلة، كلمة قالها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقالها إبراهيم من قبله، وقالتها الأنبياء جميعا للمشركين والكفار من أقوامهم، وقالها نوح (فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةًۭ ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ (٧١)) [سورة يونس آية: ٧١].
قالها نوح، وقالتها الأنبياء، هل أضر المشركون بهم؟ هل استطاعت الأصنام أن تنفع أو أن تضر؟.
(قُلِ ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ (١٩٥)) هذه القوة وعدم الخوف، والعصمة، والتحدي كيف؟ من يحميه؟ من يحفظه؟ من ينصره؟ (إِنَّ وَلِـِّۧىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ (١٩٦)) اعتصم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بربه كما اعتصم الأنبياء جميعا بالله، وقال قولة الواثق المطمئن، كما أنبأه ربه وأخبره.
إِنَّ وَلِـِّۧىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿196﴾
تحدي علني يدل على صدقه (صلى الله عليه وسلم) فلولا أنه الصادق المصدوق الواثق من ربه، ما تحداهم وما قالها، هل يصعب عليهم قتله؟ هل يصعب عليهم الإضرار به؟ هل يصعب عليهم ذلك، لو كان بشراً؟ إنما لأنه رسول الله المعصوم، الموعود من الله بالعصمة، والعناية، والرعاية، والكفاية، والحماية، بقوله:
(يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ) [سورة المائدة آية: ٦٧] وعد من يملك تنفيذ الوعد.
(إِنَّ وَلِـِّۧىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ) أي القرآن الذي جئتكم به: الحق الصدق (وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ (١٩٦)) إذاً فتلك بشارة لكل من آمن بمحمد (صلى الله عليه وسلم) لكل من سار على نهجه، ودربه فهو يتولى الأنبياء، لم يقل (يتولى المرسلين) إذاً لحصرت فيهم، ولضاقت عن الخلائق، لكنه يقول (يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ (١٩٦)) من عباده في كل زمان ومكان، كما يتولّى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالحماية، والرعاية، والكفاية، والعناية، يتولى كل صالح من قومه، وأمته إلى أن تقوم الساعة، وذاك هو الولي، نعم المولى، ونعم النصير.
وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴿197﴾
وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا۟ ۖ وَتَرَىٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴿198﴾
أشعرت بنفسك بعد ما أصبحت علقة؟ هل كان لك في التعلّق بجدار الرحم! أشعرت بنفسك حين جاءك غذاءك من خلال حبل سري يربط بينك وبين من تحملك! أرأيت نفسك محفوظا في ظلمات ثلاث، أغشية مانعة للماء، للهواء، مانعة للضياء، أشعرت بنفسك! أرأيت كيف تحولت من قطعة لحم تشبه المضغة التي مضغت بالضروس، أشعرت بنفسك حين تحولت من هذه المضغة إلى هيكل عظمي! أشعرت بنفسك حين شُكلت هذه العظام، ورُكبت ثم كُسيت باللحم؟ الغذاء واحد، والآتي من الحبل السرّي واحد، وإذا بهذه النطفة التي تحولت عظاما، ثم كُسيت لحما، يخرج منها شعر متنوع، منه ما ينمو كشعر الرأس، ومنه لا ينمو إلى حد محدود، كرموش العيون، وشعر الحواجب، لم لا يطول شعر الحواجب كشعر الرأس، لمَ لا تطول الرموش، وتتدلى، شعر، شعر، وأذن وطبلة، وسمع، وبصر، وعيون، وشبكية، وأعصاب، وعروق، وأوردة، وقلب، وكلية، أعضاء وأجزاء كيف رُكب، وكيف دُبر، وفي وقت محدد لا شأن لأحد به، ولا دخل تنزل إلى الدنيا، وتخرج من هذا الضيق إلى الوسع، والغريب أنك في بطن أمك غارق في ماء ، الرئتان مملوءتان بالماء لا تتنفس، ولكن القلب يدق حين تنزل، ويُشفط ذاك الماء وتستهل صارخا، إذا بك تتنفس الهواء، ولو وُضعت في الماء بمجرد الولادة لمت غرقا، ولو دخل إليك الهواء وأنت في رحم أمك قبل الولادة بلحظة لمُت مختنقا، كيف ذاك؟!
ما من فكرٍ للحظة إلا ويدلك على الله، ما من تفكر ساعة، إلا ويثبت اليقين في قلبك، بعد كل ذلك، وحين يسمع رسول الله ذلك، لابد وأن يحدث له شيء من التأثر فيدركه ربه قائلا له (خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ (١٩٩)) فيأمر الله (تبارك وتعالى) نبيه (صلى الله عليه وسلم) بثلاث كلمات، ثلاث كلمات تضمنت قواعد الشريعة من المأمورات، والمنهيات فيقول عز من قائل:
خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ ﴿199﴾
(أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) [سورة الأعراف آية: ١٨٥]
أمره بالأخلاق الكريمة، ونزلت الآية لتبين له سلوك الصفوة من الأبرار، وإن كان الخطاب للحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) والأمر له إلا أنّا مأمورون باتباع سنته، والأخذ بما أخذ به، ما لم يرد نص بالتخصيص (خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ (١٩٩)) نزل بها جبريل فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) ما معنى هذه الكلمة يا جبريل قال انتظر حتى أسأل العالم - وفي روايه أخرى - حتى أسأل ربي انصرف، ومكث ساعة، ثم عاد فقال: يا محمد، إن الله يأمرك ( أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ) وقد أوصانا النبي (صلى الله عليه وسلم) بقوله في إيجاز شديد، وحكمة بالغة ( إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ).
(خُذِ ٱلْعَفْوَ) العفو: ضد الجحد، خُذ العفو أي إقبل من الناس، ومن أخلاقهم ما تيسّر لا تكلفهم بما لا يطيقون، أو بما يشق عليهم، تعامل مع الخلْق بالسهولة، واليسر، خُذ ما عفا من أخلاقهم، وتصرفاتهم، وقال بعضهم: ما تبقى أو ما جادت به نفوسهم من مال، (وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ) والمعروف: ما عُرف حسنه بالشرع والعقل، ما استحسنته الفطرة السليمة، واستحسنه العقل، وحسّنه الشرع.
(وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ ﴿١۹۹﴾) تجنّب هؤلاء الجاهلين، الجهل ضد العلم، والجهل منه: الجهل بما ليس واقع، كما زعم المشركون أن الأصنام تشفع لهم، وزعم غيرهم أن المسيح ابن الله، وعزير ابن الله، تجنّب هؤلاء، ولا تقابل سفاهتهم بسفاهة، فإياك ومنازعة السفهاء، أو التدنّي لمنزلة الجهل، والأغبياء.
حين نزلت الآية بهذا الأمر قيل: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (يَا رَبِّ، وَكَيْفَ وَالْغَضَبُ)-فالإنسان يغضب - وكان رسولنا (صلى الله عليه وسلم) يغضب في الحق، ويغضب لله، ولا يغضب لنفسه، فنزل قول الله (عز وجل):
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌۭ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿200﴾
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴿201﴾
اتقوا المعاصي (إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ) مجرد مس، لأن المتقي قد تدثر بلباس التقوى، ولباس التقوى خير درع مصداقا لقوله، عز وجل، (يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًۭا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًۭا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)) [سورة الأعراف آية: ٢٦] (تَذَكَّرُوا۟) تذكروا الله (تبارك وتعالى) تذكروا الأمر والنهي (فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴿٢۰١﴾) وبضدها تتميز الأشياء.
وَإِخْوَٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴿202﴾
(إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم) [سورة آل عمران آية: ١٢٥]
(يَمدونهم)، (يُمدونهم)، (يمادونهم) قراءات (يمادونهم) صيغة مفاعلة، كأن الشيطان يمدهم في المعنى، وهم يزيدون في المعصية، ولا يرتدعون، ولا يتوبون، ولا يرجعون، إذاً جاء الشيطان لأهل التقوى مسّهم مسّاً، وحاول أن يأتيهم من كل جانب فتذكّروا، فأبصروا مواقع الزلل، ومكائد الشيطان، فلم يقعوا في حبائله، وأما الآخرين إذا جاءهم الشيطان استمعوا له، وانقادوا له، فلا يزال يمدهم، ويزيدهم من الإغواء، والوسوسة، والإضلال (ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)) (لا تقصرون) قراءة أخرى.
أقصر عن الشيء: كف ونزع مع القدرة عليه ( يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَبْشِرْ، يَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ) أقصِر: أي كف وامتنع عن الشر، فأقصر عن الشيء امتنع عنه مع القدرة على الإتيان به، لا يمتنع عن الشر لعجزه، وإنما يمتنع عن الشر لقوة إرادته، الغيّ: الضلال، غوى يغوي غواية، والغي ضد الرشد، وضد الرشَد، وضد الهداية، وضد الهدى.
(وَإِخْوَٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)) لا يتوقفون، ولا يمتنعون، ولا يتوبون، والكلام عن العاصين أو (ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)) الكلام عن الشياطين أي يمدونهم في الغي ولا يتوقفون عن مدهم في الضلال، والاستمرار في إغوائهم.
وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِـَٔايَةٍۢ قَالُوا۟ لَوْلَا ٱجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ مِن رَّبِّى ۚ هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ﴿203﴾
(لَوْلَا ٱجْتَبَيْتَهَا) أي اختلقتها، واخترعتها، وتكلمت بها، مالك لا تأتي بالآيات، والكلام عن آيات القرآن إذا توقّف الوحي قليلا، أو لم يأت النبي (صلى الله عليه وسلم) بقرآن جديد من وحي الله (عز وجل) قالوا ذلك.
أو المقصود بالآية ما اقترحوه من معجزات، والآية تُطلق على الطائفة من القرآن، والآية تُطلق على المعجزة (قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ مِن رَّبِّى) يعلمه ربنا (تبارك وتعالى) كيف يرد، قل لا آتي بشيء من عندي، ولا أختلق الكلام، إنما أتبّع ما يوحى إلىّ من ربي، والوحي هو الإعلام بخفاء (هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)) البصائر: جمع بصيرة، والبصيرة للقلب، كالبصر للجسم.
والبصيرة في القلب بها يُعرف الحق، ويُدرك الصواب، وكأنه يريد أن يقول (هَـٰذَا بَصَآئِرُ) أي هذا كالبصائر، وسمّى آيات القرآن بصائر، كأنها هي بصائر لشدة وضوحها، ولشدة نورها، وإنارتها الطريق العارف بها، والحامل لها (وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ) رُشد، ورشاد، ورحمة، ونعمة، فالقرآن نعمة من الله، وأي نعمة، بل هي أجلّ نعمة (وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ﴿٢۰۳﴾) وسوسة الشيطان، ونزغات الشيطان التي تأتي للإنسان لا تنتهي عند حد، وأعظم درع وسلاح هو الاستعاذه بالله (عز وجل) والتعرض لرحمة الله، والتعرض لرحمة الله (تبارك وتعالى) بأن ترى أين الرحمة، أو أين مواقع الرحمة، أو كيف تتعرض للرحمة، فالكلام عن القرآن (هَـٰذَا) القرآن (بَصَآئِرُ) تبصر به القلوب (مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًۭى) يبيّن لك الطريق الرشد من الغي، ويضيء لك الطريق (وَرَحْمَةٌۭ) إذاً فالقرآن رحمة، والتعرّض للقرآن تعرّض للرحمة، كيف تعرّض له؟ وإن كنت لا أعرف القراءة، والكتابة ماذا أفعل؟ وانظر إلى علامات الرحمة، وسعة الرحمة، وشُمول الرحمة في قوله (عز وجل):
وَإِذَا قُرِئَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥ وَأَنصِتُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿204﴾
أيها الأخ المسلم، ماذا نفعل مع همزات الشياطين؟ ماذا نفعل مع وساوس الشيطان؟ وماذا نفعل مع نفوسنا الأمّارة؟
نفعل ما أمر به الله الاستعاذة بالله (عز وجل) ومهما بلغت الوسوسة من قوة، ومهما تعدّت الخواطر كل الحدود، ولا يؤاخذ المسلم عليها ما لم يتكلم أو يفعل، فمن رحمة الله بأمة النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه رفع عنهم ما تحدثت به نفوسهم ما لم يتكلموا، أو يفعلوا، ومهما كانت الوقاية الاستعاذة، وانظر إلى ما نصح به النبي (صلى الله عليه وسلم) وطمأن بعض أصحابه حين جاءهم الشيطان، وتعدّى الحدود في الخواطر، التشكيك في الله كما نبهنا يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا؟ ومن خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ربك؟ فمن وجد ذلك، فليستعذ بالله ولينته، من هنا جاء بعض الشباب من الصحابة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) يشكون أنفسهم قائلين: ( يَا رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَنِ الْوَسْوَسَةِ الَّتِي يَجِدُهَا أَحَدُهُمْ، لأَنْ يَسْقُطَ مِنْ عِنْدِ الثُّرَيَّا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): " ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي الْعَبْدَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ، فَإِذَا عُصِمَ مِنْهُ وَقَعَ فِيمَا هُنَالِكَ) وانظر إلى رد الرحيم بأمته الرءوف بهم، رغماً للشيطان، كما نطق به القرآن (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ) [سورة الحجر آية: ٤٢] إذ معنى ذلك أن الشيطان لا يأتي إلا للمتقين، يبذل الجهد معهم، فمهما أتاك، ومهما جاءك حتى وصل إلى التشكيك في العقيدة، فلا تخشى شيئا، دع وساوسه، وانته، ولا تتكلم بها، واعلم إن تمكّن الإيمان في قلبك هو الذي جعل الشيطان يحاول، ويحاول ويروى لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيقول: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ، قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ، لا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ. فَقَالَ الرَّبُّ (عَزَّ وَجَلَّ): وَعِزَّتِي وَجَلالِي، وَارْتِفَاعِ مَكَانِي، لا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي).
ذكْر الله (تبارك وتعالى) أعلى مقام، وأكبر، وأعظم، وأجدى سلاح، وربنا عز من قائل يقول: (إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ) [سورة العنكبوت آية: ٤٥]
وكأن ذكر الله في السر والعلانية حصن أمين؛ لذا بعدما نبّه ربنا (تبارك وتعالى) حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) والأمة كيف يستعيذون به من الشيطان، وكيف يتقون وساوسه، يبيّن لهم سلاحاً آخر هو قوله (عز وجل):
وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًۭا وَخِيفَةًۭ وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ ﴿205﴾
الغدو: من وقت طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس، وقيل: هو أيضا النهار.
الآصال: جمع أُصُلّ، وأْصُل جمع أصيل، والأصيل: الوقت من العصر إلى المغرب، كأن الله (تبارك وتعالى) أخذ طرفي النهار، يبيّن لنا أن الذكر لابد وأن يكون في غالب الأوقات، أو في كل الأوقات، وخاصة أوقات الشغل، حتى لا تلهيك الدنيا، ولا تأخذك بعيدا عن ربك، وحتى لا يلهيك السعي على الرزق دون الجهر من القول، أي فوق السر، وأقل من الجهر
(وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ ﴿٢۰٥﴾) الذين غفلوا عن ربهم، والغفلة تعرّض العبد؛ لأن يقال له: (إنا نسيناكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا) الغفلة عن الله تعرّض العبد لمكائد الشيطان، وحبائله، الغفلة عن الله تجعل العبد بغير حماية، بغير حصن، أما ذكر الله (عز وجل) فهو الحصن، وهو الأمان، وهو الأمن، وهو الرحمة، وهو الصلة بينك وبين الله، وصدق ربي في حديثه القدسي حيث يقول: ( فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ)
استدل العلماء على أن رفع الصوت بالذكر ممنوع من هذه الآية، وعليه فالتمايل على الأنغام، والدفوف، والمزامير والنطق باسم الجلالة بالأنغام المختلفة، كل ذلك ممنوع بنص الآية، فإنكم لا تدعون أصما، ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، ويضرب المثل بالمكرّمين، والمُكْرمين، والمقربين حملة العرش.
إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ يَسْجُدُونَ ۩ ﴿206﴾
سجدة التلاوة يشرط لها ما يشترط للصلاه من طهارة من الحدث، والخبث، يشترط لها ستر العورة، استقبال القبلة فهي صلاة.
تتضح سجدة التلاوة في القرآن برسم خط مستقيم فوق الكلمة التي توجب السجود أو تبرر السجود؛ لأن سجدة التلاوة واجبة عند البعض، مستحبة عند البعض الآخر، وتجد في هامش المصحف علامة مكتوب فيها (سجدة) أي إذا قرأت هذه الآية، ووصلت إلى النهاية إلى العلامة هنا تسجد؛ لأن السجدة قد تكون في الآية التالية، أو بعد الكلمة المبررة للسجود بكلمات. وفي هذه الآية تجد الخط فوق كلمة (يَسْجُدُونَ ۩ (٢٠٦)) وتجد العلامة في آخر الآية
والقائلون بوجوب سجدة التلاوة قالوا: إذا قرأت الآية في الصلاة يسجد لها، واستدلوا بحديث أبي رافع الذي رواه البخاري عن أبي هريره حيث يقول أبو رافع: صليت خلف أبي هريره فقرأ (إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ (١)) [سورة الانشقاق آية: ١] فسجد فقلت ما هذه؟ قال سجدت بها خلف أبي القاسم (صلى الله عليه وسلم) ولا أزال أسجد بها حتى ألقاه، إذاً قرأ القارئ في الصلاة سجد، لكن الخلاف إذا كان إماما في صلاة نافلة، أو صلاة فريضة، قال بعضهم: إذا صلى الإمام جماعة، وأمن التخليط سجد، أما إذا لم يأمن التخليط أي ينشغل الناس، أو لا يعرفون، لا علم لهم بسجدة التلاوة منعها الإمام مالك.
وقال بعضهم يصلي، ويسجد في النافلة، ولا يسجد في الفريضة.
(خارج الصلاة) قالوا: إذا قرأ القارئ ووصل إلى سجدة التلاوة سجد إذا كان على طهارة، مستوفيا لشروط صحة الصلاة، وإذا كان مستعما إن سجد القارئ سجد المستمع، وإن لم يسجد القارئ لم يسجد المستمع، إذ هي تجب أصلا على القارئ.
وقال بعضهم: إذا كنت في الحضر اتجهت إلى القبلة، أما إذا كنت في سفر وأنت راكب فاسجد حيث توجهت بك راحلتك، ولا يشترط التوجه إلى القبلة.
قالوا: يشترط لها تكبيرة الأحرام، ويُشترط لها أن تؤتى من وقوف وهي سجدة واحدة، يعقبها تسليمتان؛ لأنها صلاة، وهي جميع الأوقات بما فيها أوقات الكراهة؛ لأنها صلاة لها سبب؛ لذا قالوا: يأتي بها القارئ، والمستمع في جميع الأوقات، وقال بعضهم: إلا بعد الفجر وبعد العصر، قال البعض: ممكن أن يأتي بالسجدة من قعود لا يشترط أن يقام لها، وقال البعض: لا يشترط لها التسليمتين، وأرجح الأقوال فيما نعتقد والله أعلم. أن سجدة التلاة يؤتى بها من قيام، ويكبَّر لها، ويُسلّم بعدها التسليمتين، على الإمام أن ينبّه المصلين لموضع السجود، حتى يسجدوا وراءه، ولا يحدث التخليط، وبذلك يكتسب أنه سجد، ويكتسب أن الناس سجدوا معه، ويكتسب أيضا تعليم الناس. عليه أن ينبه، وإن كانت الصلاة سرية، أو يصلي بغيرها في الصلوات السرية، سجدة التلاوة لها ذكر خاص، هو أن يقول الساجد بعد الأذكار المعهودة ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ بِهَا ذَنْبًا، وَاحْطُطْ بِهَا وِزْرًا، وَأَعْظِمْ بِهَا أَجْرًا) تمثلا بما حدث مع داوود حين خر راكعا، وحكى عنه ربنا (تبارك وتعالى) فيما ورد في سوره (ص) كيف حط الله عنه وزره، وكيف غفر له من الأذكار أيضا ( اللَّهُمَّ سَجَدَ لَكَ سِوَادِي وَخَيَالِي، وَبِكَ آمَنَ فُؤَادِي، أَبُوءُ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَهَذَا مَا جَنَيْتُ عَلَى نَفْسِي، يَا عَظِيمُ، يَا عَظِيمُ، اغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ الْعَظِيمَةَ إِلا الرَّبُّ الْعَظِيمُ)
(سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ) (اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ)
وقد ورد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه قرأ آية السجدة على المنبر، فنزل وسجد، وسجد الناس معه، وجاء في الجمعة التالية، فقرأ آية السجدة، فتهيأ الناس للسجود فلم ينزل، وقال: على رسلكم أيها الناس، فإن الله (تبارك وتعالى) لم يوجبها علينا إلا أن نشاء، من هنا أخذ البعض أنها ليست واجبة، خارج الصلاة، ولكن إن شاء الإمام أن يأخذ بالمستحب فهو أفضل، وقد روى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ( إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: يَا وَيْلِي، أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِي النَّارُ).