سورة الأنعام
لقاؤنا اليوم مع سورة الأنعام، وسُميت سورة الأنعام لورود ذكر الأنعام فيها، سورة الأنعام سورة مكية، سورة الأنعام لها من الشرف ما لا يُقدر، سورة الأنعام نزلت بمكة ليلا يشيعها سبعون ألف ملك، لهم زجل بالتسبيح، ترتج بهم الأرض، ونبينا (صلى الله عليه وسلم) يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سورة الأنعام نزلت كاملة ماعدا ست آيات أو ثلاث آيات، سورة الأنعام تختلف عن السور المكية، وتختلف عن الطوال السبع، الطوال: كالبقرة، وآل عمران، والنساء، وما نزل بالمدينة، سورة الأنعام لم تُذكر فيها العبادات: كالحج، والصيام، والصلاة، والزكاة، سورة الأنعام لم يأت فيها ذكر للمنافقين، سورة الأنعام تناولت أصول العقيدة، والإيمان، سورة الأنعام تناولت ثلاث قضايا أساسية: قضية الألوهية، قضية الوحي والرسالة، قضية البعث والجزاء، وسورة الأنعام أصل بنى عليه المتكلمون كلامهم في محاجة المشركين، تناقش سورة الأنعام هذه القضايا الثلاث بأسلوب معجز، تسوق الدلائل، والبراهين القاطعة، والحجج، وتتناول السورة قضايا الإيمان، وقضايا العقيدة بأسلوبين، متميزين: أسلوب التقرير، وأسلوب التلقين.
أما أسلوب التقرير: فتُساق الدلائل على وجود الله (عز وجل) وعلى قدرته، وتوحيده، وإرادته، وعلمه بأسلوب الأمر المسلَّم به، وتعبّر عن الذات العلية آيات السورة في سياقها لهذه الدلائل بضمير الغائب عن الحس، وكأنه أمر وشأن مسلَّم به، لا ينكره عقل سليم، مثل(هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًۭا ۖ وَ)،( وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۚ وَ) ،(وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ )هو.. هو.. هو الله، أمر مسلَّمْ به،(وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ) هو... هو... هو...أسلوب يقرر واقع لا مراء فيه، ولا جدال، ذك أسلوب التقرير.
أما أسلوب التلقين: فهو تلقين الحجة لنبينا (صلى الله عليه وسلم) وتعليمه كيف يقذف بها في وجوه المعاندين، والمنكرين، فتنقطع حجتهم فيُبهتوا، ويُكبتوا، ولا يحيرون جوابا، وذاك الأسلوب بواسطة السؤال، والجواب (قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ )، (قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدَةًۭ ۖ قُلِ ٱللَّهُ)، سؤال وجواب، سارت السورة على هذا النهج، وذكرت بعض الأمم السابقة، وما حاق بالمكذبين منهم؛ إنذارا ووعيداً لمكذبي عصر النبوة، وذكرت أبا الأنبياء إبراهيم، وبعضا من ذريته، آمرا لنبينا (صلى الله عليه وسلم) أن يقتدي بهداهم، وخُتمت السورة بالوصايا العشر التي نزلت في جميع الكتب السابقة، وبشر بها، وأمر بها الأنبياء السابقون.
ثم تُختم السورة ببيان الحكمة من خلق الإنسان، ألا وهي عمارة الأرض، والابتلاء بتفاضل الناس فيما مكنهم الله (تبارك وتعالى) فيه.
وبدأت السورة بالحمد تعليما للخلائق كيف يحمدون الله (تبارك وتعالى) وإعلاما للخلق بأنه (سبحانه وتعالى) هو المستوجب للحمد، المستحق له، بل هو المستحق لجميع أنواع الحمد والثناء.
ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿1﴾
وإذا كان قد خلق السموات والأرض فقد خلق كل شيء، فهي تقرير لوجوده، ووحدانيته، وإرادته، وعلمه (خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ) أنشأ الظلمات والنور (خلق)، و(جعل ) خلق لأن الخلْق يتضمن التقدير، والجعْل فيه التضمين، والنور من العوارض والعارض لا يستقل بنفسه (وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ) أنشأ الظلمات، وأنشأ النور جمع (ٱلظُّلُمَـٰتِ ) وأفرد (وَٱلنُّورَ ) الظلمات متعددة، متباينة، مع كثرة الأجرام المتعرضة لها، والنور واحد لأن مصدره واحد، ألا وهو الرحمن منوِّر الأكوان، والظلمات تعبّر عن الضلالة والضلالات مسالك، والضلالات كثيرة، متنوعة، والنور يعبّر عن الهدى، وطريق الله واحد وهدى الله هو الهدى.
(وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)) (يَعْدِلُونَ) أي يسوون بربهم الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور،(يَعْدِلُونَ): يسوون به الأصنام، والأوثان، يسوون به من لا يخلق، يسوون به من لا يقدر، ومن لا يملك (ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)) من العِدل، يعدل يسوي، أو (يَعْدِلُونَ) أي ينصرفون من العدول، عدل عن كذا انصرف عنه، انصرفوا عن الذي خلق السموات والأرض، وثبت ذلك، هل ادعى أحد من الناس خلْق السموات والأرض؟ هل ادعى أحد من الناس أنه تسبب في إيجاد الظلمات والنور؟! إذن فقد ثبت أن الخالق هو الله، ومع ذلك ومع ثبوت ذلك ترى الكفار والمشركين ينصرفون عن الخالق، ويسوون بينه وبين من يُخلق، ولا يَخلق.
( ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ)، والسياق الحمد الله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا به، به بالذي خلق، ذاك سياق الكلام في عقولنا لكنه قال: (ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ) وجاء بلفظ الرب، والربوبية تعني التربية، تعني التنشئة، وكأن الله يشير لهؤلاء أن خلْق السموات والأرض، وجعْل الظلمات والنور كان من أجل الناس، كان من أجل الخلائق، كان من أجل معايشهم، كان من أجل منفعتهم؛ إذ لولا الظلمات ما استراح الناس بالنوم، ولولا النور ما سعى الناس على المعايش، ثم الذين كفروا بربهم الذي رباهم، ونشأهم وأنشأ كل ذلك من أجلهم، ومن أجل منفعتهم، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، وبعد ذكر خلق السموات والأرض، الأجرام الكبيرة العظيمة التي لا حد لعظمها وكبرها وسعتها، جاء بذكر خلْق الإنسان ذلك الجُرم الصغير، الذي جمع الله فيه ما جمع في الأجرام الكبيرة.
هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًۭا ۖ وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴿2﴾
( ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿١﴾هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًۭا ۖ وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴿٢﴾) وكأن الكلام يشعرنا باستبعاد الكفر، واستبعاد الشرك بعدما ظهر وتبين واتضح من دلائل تدل على وجود الواحد القهار، ها هي السموات، هل ينكر وجودها أحد؟ ها هي الأرض تمشون عليها هل أوجدها أحد؟ ها هو الليل يأتي بعد النهار، ويأتي النهار بعد الليل، هل ادعَى إيجادهما أحد؟ مع كل ذلك يكفر الناس ويشرك الناس (خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ) هل يزعم مخلوق أنه خلق إنسانا؟ هل خلقت الأصنام شيئا؟ خلقكم من طين ثم قضى الأجل الموت، هل لأحد مدخل في الحياة أو الموت؟ هل يمكن تأجيل الموت؟ هل يمكن تبديل الحياة؟ تلك امرأة حامل، هل يمكن لها أن تضع وقتما تشاء؟ متى تضع؟. متى يبدأ الوليد في الخروج؟ ومتى يصيح، متى يستهل صارخاً؟ هل لأحد مدخل في ذلك؟ متى يموت الإنسان وأين يموت؟ وبأي سبب يموت؟ هل لأحد مدخل في ذلك؟ فإذا كان الأمر كذلك فكيف تكفرون وكيف تشكون؟ وكيف تجادولون؟
لذا جاء بثم كأنك تقول: فعلت لك، وفعلت لك، وفعلت لك، ثم بعد كل ذلك تفعل كذا (ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴿٢)).
وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴿3﴾
وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴿4﴾
فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَـٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿5﴾
أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَـٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ ﴿6﴾
مكنّاهم من المكِنة: أعطيناهم المكنة، أي القوة والشدة التي بها تمكنوا من الأرض، وتمكنوا من معايشهم (مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ) جاء بالصيغتين مكنّاهم، ومكنّا لكم مكة غير ذات زرع، غير ذات ضرع، مكة بيوت ضعيفة، بيوت من الحجارة، أو من اللبن خيام، لم تكن فيها إمكانيات، ولم يكن لأهلها قدرة لا زرع، ولا ضرع، كانوا يعتمدون على القوافل، وعلى التجارة، أين هم من قوم عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد؟ أين هم من ثمود الذين جابوا الصخر بالواد؟ أين هم من فرعون؟ أين هم من كل هؤلاء الذين أهلكهم الله، يذكرهم، وينبههم ويحذرهم (أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّـٰهُمْ) أمكنّا الناس في تلك الأزمنة ما لم نمكن لكم يا أهل مكة، ما لم نعطكم، وآتيناهم ما لم نؤتكم (وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا) أرسلنا المطر، وعبِّر عنه بالسماء؛ لأنه ينزل من السماء، والسماء ما علاك، كل ما علا فهو سماء، ويطلق على السحاب كذلك، السماء: العلو، مدرار: مغزارا، غزيرا، كثيرا، متتابعات وقت الحاجة، من درّ يدِّرُ ويدُرُّ دروراً أي أقبل، ونزل بسرعة، اللبن إذا در اللبن، ونزل بكثرة للحالب يقال: درّ يدِّرُ أو يدُرُّ دروراً نزل بكثرة وتدافع، فكذلك المطر نزل متتابعا غزيرا، كثيرا على هؤلاء الذين أُهلكوا نزل بكثرة وقت حاجتهم له، فعاشوا في الخصب، عاشوا في النعمة، وأهل مكة كانوا يفتقدون الماء، وليس لهم إلا بئر زمزم..
( وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَـٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ) ليس المطر فقط بل الأنهار تجري من تحتهم أي من تحت بيوتهم، ومن تحت أرضهم، ومن تحت أشجارهم (فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ) بسبب المعاصي، بسبب الذنوب، بسبب الكفر، رغم ما أعطاهم ورغم ما مكنهم، ورغم ما منحهم كفروا بالنعم، فأهلكهم الله (وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ (٦)) وأوجدنا من بعد إهلاكهم قرنا آخرين، دعوة للتأمل، دعوة للتفكر، دعوة للتدبر، وهي في نفس الوقت تحذيرا أن يحيق بالمكذبين ما حاق بمن قلبهم.
وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰبًۭا فِى قِرْطَاسٍۢ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿7﴾
القرطاس: الصحيفة التي يكتب فيها الورق (وَلَوْ نَزَّلْنَا) ، ولم يقل (أنزلنا) وكأن الكتاب إذا نزل من السماء مكتوبا في ورقة، في صحيفة، في قرطاس، سيظل معلقا بين السماء والأرض مدة، لو نزلنا تعبير يفيد مكوث الكتاب المنزل مدة، لو حصل ونزل الله كتابا مكتوبا معلقا بين السماء والأرض (فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ) أمسكوه، وتحسسوه بأيديهم، وهل يكون اللمس إلا باليد، فلم قال فلمسوه بأيديهم؟ تأكيد حتى يصرف عن ذهنك المجاز، فالأمر حقيقة وليس مجازا، لو فعلنا كل ذلك لقال الذين كفروا بعد هذا (إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ (٧)) لو نزل الكتاب ورأوه بأعينهم (لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌۭ مَّسْحُورُونَ (١٥)) [سورة الحجر آية: ١٥]؛ لذا لو نزل حتى يمسكوه بأيديهم لقالوا في هذه الحالة لا يمكن أن يكون سكرت أبصارنا، بل هم يلمسون، ويمسكون بأيديهم، لو حدث لقالوا هذا سحر مبين، سبحان الله، إذاً الكافر كافر مهما أتاهم الآيات، لا يمكن أن يؤمن، وسبب هذه الآية أنهم قالوا للنبي (صلى الله عليه وسلم) في مكة لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا من السماء نقرأه، فربنا (تبارك وتعالى) يجيب على هذا الطلب ويقول لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) لو حدث، وأجبناهم إلى طلبهم، فأنزلنا عليك ورقا مكتوبا من السماء، ومكث هذا الورق معلقا بين السماء والأرض مدة تتناوله أيديهم، ويمسكونه بأيديهم، ويتحسسونه بأيديهم؛ لقال الذين كفروا منهم هذا سحر مبين، هذا هو الذي منع إنزال الآية.
وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ﴿8﴾
وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكًۭا لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلًۭا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ﴿9﴾
(وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ) طلب آخر، طلبوا ملك، طلبوا طلبات كثيرة منها: أن يرقى في السماء، منها أن يكون له بيت من زخرف، منها أن يحول جبال مكة ذهبا، منها أن ينزل عليه ملك يؤيد دعوته، ويشهد له بالنبوة، ملك ينزل ليقول ويشهد بأن محمدا بن عبد الله رسول الله، كلام عناد، كلام جحود، كلام غير منطقي، الملائكة خُلقت من نور، فأمر من اثنين: أن ينزل الملك على هيئته الأصلية، وإن حدث ونزل الملك بصورته لن يراه الناس؛ لأن النور لا يُرى فكيف يعرفون أن الملك نزل؟ ولو أراد الله لهم أن يرَوْه على صورته فمكّن العيون من ذلك كما مكّن عيني النبي (صلى الله عليه وسلم) من رؤية جبريل على هيئته الملائكية، لو أعطاهم القدرة على ذلك، لماتوا، لو رأوا الملك على حقيقته لماتوا، رسولنا (صلى الله عليه وسلم) حين رأى جبريل وهو النبي والرسول المؤيد، والمعصوم، والمحمي، والمحفوظ، والمؤهل، والمهيأ لرؤية الملك، حين رأى جبريل خرّ مغشياً عليه، فلو نزل على صورته ما رأوه، ولو مكنهم من رؤيته لماتوا، ولو أراد لهم أن يروه بغير أن يصعقوا، أو يفزعوا لنزل الملك على صورة البشر كما جاءت الرسل إبراهيم حين جاءته بالبشرى، وجاءهم بعجل سمين، وهل الملائكة تأكل؟! جاءهم بالعجل؛ لأنه اعتقد أنهم بشر، وكما جاءت الرسل لوطا وخاف منهم، وقالوا: لا تخف إنا رسل ربك جاؤوا على هيئة البشر، وكان جبريل ينزل على النبي (صلى الله عليه وسلم) في كثير من الأحيان على صورة بشرية، فلو نزل الملك على صورة البشر، وقال لهم: إنه ملك أكانوا يصدقونه؟! رجل يمشي على الأرض، ويتكلم بلسانهم حتى يعقلوا منه، هل كانوا يصدقون أنه ملك مهما قال؟ أم كانوا يكذبونه؟ لذا يقول الله (تبارك وتعالى) جواباً لسؤالهم (وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ (٨))؛ لأن سنّة الله (تبارك وتعالى) جرت على أن العباد إذا سألوا آية فنزلت، فكفروا أهلكهم؛ كما فعل مع الأمم السابقة؛ ولعلم الله (عز وجل) بأنهم لا يؤمنون، لم يُنزل الملك؛ لأن الملك لو نزل لكفروا، وإذا كفروا أهلكهم، وإن أهلكهم أهلك ما في أصلابهم من ذرية تؤمن بالله (عز وجل) والأمة آخر الأمم، ونبينا آخر الأنبياء (صلى الله عليه وسلم) ولو أهلك أمته، ونجّاه، كيف يكون الحال في الأرض؟! كفر.
فأراد الله (تبارك وتعالى) وشاء أن تبقى الأمة؛ إذ الإسلام آخر الأديان ونبينا (صلى الله عليه وسلم) آخر الرسل (وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ) ؛ أي قُضى أمرهم، وانتهوا، وماتوا من الفزع، أو أهلكهم لكفرهم (ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ (٨)) لا يمهلون، ولا يؤخرون، نظرته، وأنظرته: أمهلته، وأخرته (لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ (٨)) أي لهلكوا في التو واللحظة دون إمهال.
( وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكًۭا لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلًۭا) ولو جعلناه ملكا أي الرسول؛ لأنهم قالوا: لولا أُنزل عليه الملائكة، وطلبوا أن يكون الرسول إليهم مَلك، وليس بشرا، مرة طلبوا أن ينزل مع النبي (صلى الله عليه وسلم) ملكا يؤيده، ويصدقه، ويقول: إن محمداً عبد الله ورسوله، ومرة قالوا: لا نريد الرسول بشرا، بل نريد رسول ربنا أن يكون ملكا، فقال ربنا: (وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكًۭا) أي لو جعلنا الرسول إليهم ملكا بدلا من البشر، بدل محمد (صلى الله عليه وسلم) كيف يعقلون عنه؟ لابد وأن يتكلم بلغتهم، فإذا تكلم بلغتهم، تكلم بلسان، إذاً لابد أن يكون له لسان، واللسان محتاج إلى فم، وأسنان، والفم محتاج لوجه، والوجه محتاج لجسم، إذاً فلا بد أن يكون الرسول متكلما بلسان من أُرسل إليهم، فلو نزل الرسول ملكا لابد وأن يكون رجلا، حتى يكلمهم، ويسمع منهم، يسمع بأي شيء؟ بالأذن، إذاً لابد وأن يكون له أذن، لابد وأن يكون له فم، لابد وأن يكون له لسان، لابد وأن يكون له عين، لابد وأن ينزل بصورة البشر، وفي هذه الحالة (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (٩)) لبست عليه: خلطت عليه، لبس يلبس لبساً: خلط، لبس الحق بالباطل، واللبس أصلا التستر بالثواب، فكأن الخلط ستر الحق بشيء آخر، أو ستر الأمر بشيء آخر، أي بمعنى لو نزل الرسول على هيئة البشر، ونزل على هيئة الرجال ليكلمهم، وليسمع منهم، وليفهموا عنه، لاختلط عليهم الأمر، وما وصلنا لنتيجة، ثم يسرِّي ربنا عن نبيه، وحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم):
وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿10﴾
حاق: أحاط (فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ (١٠)) أحاط بهم، ونزل بهم ما كانوا به يستهزئون، أي العذاب، ولو شئنا لعذبناهم، ونزل بهم العذاب، كما نزل بمن قبلك، ولكن رحمة الله تبارك وتعالى اقتضت الإمهال.
أيها الأخ المسلم، الدلائل واضحة، والبراهين ساطعة، فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق، يحض الله (تبارك وتعالى) هؤلاء المنكرين، والمكذبين على السفر في الأرض ورؤية الآثار، من أجل التبصر والاعتبار، فيقول عز من قائل:
قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴿11﴾
قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿12﴾
( ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢)) هؤلاء هم الخاسرون حقا، الذين لم يؤمنوا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم يؤمنوا بكتابه، خسروا الدنيا، وخسروا الآخرة، وخسروا أنفسهم، وخسروا أهليهم، هؤلاء الذين لم يؤمنوا هم الخاسرون، وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ( الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مْنَ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ )، وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (فَإِنَّ كُلَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، أَلا إِنَّ بَعِيدًا مَا لَيْسَ آتِيًا) وطالما القيامة آتية والساعة آتية لا ريب فيها، فهي قريبة، تتوالى آيات سورة الأنعام بين التقرير والتلقين، تلقِّن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الحجة الدامغة، يقذف بها في وجوه المشركين، والمعاندين، من التلقين قوله (عز وجل) لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) (قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ) ثم تأتي آية التقرير، فيقول (عز وجل) قائل:
وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿13﴾
قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّۭا فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿14﴾
الفطر في الأصل: الشق، وفصل شيء عن شيء.
فطر السموات والأرض: ابتدعهما، أخرجهما من العدم إلى الوجود، (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ) أي يرزْق ولا يُرزق، وعبّر عن الرزق بمعظم مقصوده وهو الطعام؛ إذ أهم ما في الرزق الطعام، وقُرأت (وهو يُطعم ولا يَطعَم) أي يرزق، ولا يُرزق، ولا يحتاج للأكل، كما يحتاج الخلائق، وقُرأت (وهو يَطعَم ولا يُطعِم) الكلام عن الولي (قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّۭا فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) هو الله، أما الولي من دون الله يَطعم ولا يُطعم، يُرزق، ولا يَرزُق، فكيف أتخذ وليا يُرزق، ولا يملك أن يَرزُق! أو كيف أتخذ وليا غير الله، والله هو الرزاق، وهو الرازق الذي يرزق ولا يُرزق!
(قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (١٤)) تلقين للحجة تلو الحجة، قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم من أمتي؛ إذ أول المسلمين على الإطلاق في أمة النبي (صلى الله عليه وسلم) هو رسول الله (قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) وقيل لي (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (١٤)).
أي أُمرت بالإسلام، ونُهيت عن الشِرك، أُمرت بالتوحيد، ونُهيت عن الشرك، ويأتي تلقين آخر.
قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ﴿15﴾
مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍۢ فَقَدْ رَحِمَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ﴿16﴾
وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍۢ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿17﴾
خالق النفع، وخالق الضُرّ هو الله، خلق الخير وقدّره، وخلق الشر وقدّره، وما لأحد في الأمور تدبير، هو الذي خلق النفع، وهو الذي خلق الضر، فإن مس الإنسان ضر، من يصرف هذا الضر؟ لا كاشف له إلا الله، لا يصرف السوء إلا الله، (وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍۢ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ (١٧))، الخير: النفع، الغنى، الصحة، الستر، الأولاد، وصلاح الأولاد، الحياة المستقّرة، الحياة المنعّمة الهادئة، (فَهُوَ) أي فهو الله، الله (تبارك وتعالى) هو الذي منحك ذلك، وهو على كل شيء قدير، فيوصل الخير إليك، ويحفظ الخير عليك، فلا يصرف السوء إلا الله، ولا يأتي بالخير إلا الله، ولا شك أن من الناس من ينفع، ومن يضر بإرادة الله، وبتقدير الله، وبفضل الله، لكن الناس حين ينفعون لا يملكون خلق النفع، ولا يملكون تقدير ما ينفع، فقد يود أن ينفعك ولا يدري أي شيء ينفعك، أو ما الذي أنت محتاج إليه، لكن الله يعلم ما ينفع، وما ينفع لفلان قد لا ينفع لفلان، وما يضر فلان قد لا يضر فلان، فهو القادر على خلق النفع، ومعرفة النافع لكل إنسان، وهو القادر على إيصال النفع، فقد تود أن تنفع ولكنك لا تقدر على إيصال النفع للمنتفع، فقد يحول بينك وبينه حائل، أما الله فلا يحول دون مراده حائل، فهو القادر على إيصال النفع، ثم هو القادر على إعطاء المنتفع الإمكانيات، كي ينتفع بما وصل إليه من خير، فقد يأتيك الخير ولا تنتفع به، أو لا تدري كيف تنتفع به، لكن الله هو العاطي، وهو الملهِم للمنتفع كي ينتفع بما سيق إليه من خير، ثم هو القادر على حفظ الخير عليك، وعلى إدامة الخير لك، فيدوم ويبقى، ولا يزول، وهو على كل شيء قدير، وفي هذا المعنى يقول ابن عباس (رضي الله عنهما) كنت رديف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أي يركب خلفه على البعير، فقال: ( يَا غُلَامُ أَوْ يَا غُلَيِّمُ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ؟ "، فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ: " احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْتَ، فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ، فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) ثم يأتي التقرير.
وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ﴿18﴾
(وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ (١٨)) الحكيم في كل أفعاله، الخبير بكل أعمال عباده.
تقرير، وتلقين في سورة الأنعام التي افتُتحت بالحمد، ضمن خمس سور افتتحت بالحمد في القرآن، تلك السورة التي نزلت يشيّعها سبعون ألف ملك، حين دعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مشركي مكة للإيمان، وأنبأهم أنه رسول الله حقا، قالوا: من يشهد لك بذلك، سألنا اليهود، والنصارى عنك، فقالوا: ليس لك عندهم ذكر، ولا صفة، فأتِ بمن يشهد لك أنك رسول الله، فيلقنه ربنا (تبارك وتعالى) الحجة.
قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدَةًۭ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿19﴾
والمعنى (قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدَةًۭ ۖ ) فإن أجابوك وإلا فقل: الله أكبر شهادة، هم يطلبون منك شاهدا على صدق نبوتك، وصدق رسالتك، فقل لهم: أي شاهد تطلبون، وأكبر شهيد، وأعظم شهادة في الوجود، فإن قالوا: أو أجابوا كان بها، إذ يتعين الإجابة بالقول: الله، فإن أجابوك بما يجب، وإلا فأجب أنت، وقل: الله أكبر شاهد (قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ) (وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ) إذ القرآن أيضا شاهد بإعجازه، بإخباره عن الأمم السابقة، بإعجاز لغته، ونظمه، بصدقه، يُصدِّق بعضه بعضا، جاء بذكر الإنذار، ولم يأت بذكر التبشير، أي لأنذركم وأبشِّر؛ إذ الإنذار مقدّم على البشارة، فهو ينذر، فإن استجبت بشّرك على استجابتك بالنعيم المقيم.
(لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ) أي ولأنذر من بلغه هذا القرآن، فكأنما قد شافهه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والآية دليل على أن القرآن باق إلى يوم القيامة، سارية أحكامه على من نزل عليهم، وعلى الناس جميعا إلى أن تقوم الساعة؛ لأن من بلغه القرآن، أو بلغته بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) وجب عليه الإسلام، وإلا عوقب على كفره، وعلى جحوده؛ ولذا قال النبي (صلى الله عليه وسلم) (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)
(أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ) سؤال التوبيخ بعد التقرير، وبعد التلقين، أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى، أحقاً ذلك؟ أحقاً ما تقولون؟ أحقاً تشهدون أن هناك آلهة غير الله، أو مع الله، أو يُقربوكم إلى الله زلفى (قُل لَّآ أَشْهَدُ) أما أنا فلا أشهد بذلك. (قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ) فرد، صمد، منزّه عن الشريك، والولد، لم يكن له كفواً أحد، تلك الحجة (وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)) تبرأ النبي (صلى الله عليه وسلم) من شركهم، ومن أوثانهم، وأصنامهم، هاهم قد سألوا اليهود، وسألوا النصارى، وزعم يهود، وزعم النصارى أنه لا ذكر لمحمد عندهم (صلى الله عليه وسلم) فيرد عليهم ربنا مكذبا لهم:
ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿20﴾
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿21﴾
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿22﴾
ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿23﴾
ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿24﴾
موقف مهول، ليس بينهم وبين الله حجاب، ولا ترجمان، زعموا أن الأوثان والأصنام تشفع، أين هي؟ دُمّرِت مع ما دُمِّر، حيث سيرت الجبال فكانت سرابا، حيث سُوِّيت الأرض فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، حيث هُدِّمت القصور، والمعابد، والبيوت، حيث بُعثرت القبور، والأرض منبسطة، أرض بيضاء، لم يُعص الله بها قط، يسألهم ربنا أو تسألهم الملائكة (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢)) الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى، أين شركاؤكم؟ أين هُم؟ وقيل: إن الله فصل بينهم، وبين شركائهم أياً كان هؤلاء الشركاء، فيبحثون فلا يجدوا شيئا، فتكون الإجابة كما يحكي لنا ربنا (ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)) والفتنة في الأصل من الفَتْن، فتن الذهب، إدخال الذهب في النار ليُعلَم فساده، ليُعلم صحيحه من غير صحيحه، يتخلص من الشوائب،
والفتنة تطلق على العذاب، تُطلق على المعذرة محاولة في الخلاص؛ لأن المعتذر في هذه الحالة يحاول أن يتخلص، وتُطلق على الكفر، وتُطلق على البليّة، وتُطلق على الامتحان، وتطلق على الابتلاء.
وهنا الفتنة تُطلق على عاقبة كفرهم، أيضا أريد بها المعذرة (ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ) أي معذرتهم (إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)) الكذب، بل القَسَم بالله بين يدي الله كذباً، قيل: إن ذلك بمعنى ما كنا مشركين في ظننا، أو عند أنفسنا، وقيل: وهو الأرجح إن المشركين في يوم القيامة إذا رأوا فضل الله على الموحدّين، وإذا رأوا أن الله لا يغفر أن يُشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وفوجئوا بأن الموحدين رغم ذنوبهم قد نجوْا، وغُفرت لهم الذنوب، قالوا لبعضهم: تعالوا نزعم، ونحلف أننا ما كنا مشركين، فتُغفر جميع الذنوب، وننجوا، وظنوا أن الله لا يعلم كثيرا مما يعملون، فحلفوا بين يديه (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًۭا فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ (١٨)) [سورة المجادلة آية: ١٨]، وكأن الكاذب في الدنيا يحلف ويكذب وإذا به يفضح يوم القيامة فيكذب ويحلف كذبا على رؤوس الأشهاد وبين يدي الله في يوم لا ينفع فيه إلا الصدق، (يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ ) [سورة المائدة آية: ١١٩].
(ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ) انظر، نظر اعتبار، لا نظرا بالعين، نظر اعتبار، وتأمل، انظر يا محمد، ويا من تعقل، كيف كذبوا على أنفسهم، وادعوا بأنهم لم يكونوا مشركين، كذبوا على أنفسهم؛ إذ لا كَذِب على العليم الخبير، الذي يعلم خفايا الأمور، يرى خفايا الوهم، والتفكير، ويسمع هواجس الضمير.
(ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ (٢٤)) ، ضل عنهم، تاه، بَعُد، ضاع ما كانوا يفترون، وما كانوا يكذبون، ويدّعون من الشرك، ومن الشفعاء، ومن الشركاء الذين يقربوهم إلى الله زلفى.
قال العلماء في يوم القيامة تحدث أمور كثيرة، يوم القيامة مواطن، ومواقف، يوم القيامة يوم واحد فاصل بين الدنيا والآخرة، بين الفناء وبين البقاء، بين ما لا دوام له، وبين ما هو دائم باق، هو يوم ولكن ذلك اليوم يطول خمسين ألف سنة، لا ليل ولا نهار خمسون ألف سنة، هو مواقف، ومواطن، في موطن يحلفون، يسألون: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟ فيكذبون على الله، كما يكذبون عليكم، ويحلفون له، كما يحلفون لكم قائلين: (وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)) وهنا يُختم على أفواههم، ولا تنطق ألسنتهم، ويعلمون أن الله لا يُكتم حديثه، ويود أحدهم لو تسوَّى به الأرض؛ لأن الجلود تشهد، والأيدي تشهد، والأرجل تشهد، فيختم على أفواههم، وتشهد عليهم أيديهم، وأرجلهم بما كانوا يكسبون، يأتي بعد ذلك بيان لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتوضح الأمور، ربما تعجب منها، وتعجب لها، هو الأمين بشهادتهم، هو الصادق باعترافهم، فقد كانوا يلقبونه قبل البعثة بالأمين، وبالصادق، ويستودعونه على ودائعهم، وأموالهم، فما بالهم كذّبوه! فما بالهم يجحدون بآيات الله، يعرفون أنه لا يقرأ، ولا يكتب، يعرفون كذلك العربية، هم فصحاؤها، وهم أساطين اللغة العربية، ها هو القرآن معجز، كيف لم يؤمنوا به، أسئلة كثيرة، وكان الحزن يستبد بالنبي (صلى الله عليه وسلم) مشفقاً على قومه، خائفا عليهم، فربنا (تبارك وتعالى) يبيّن له فيقول:
وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَـٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿25﴾
الوقر: الصمم، وقَرت أذنه، وقِر ووقرت توقر، وقَرت تقِر، وقرِ الله أذنه:، أصمها، وقرت أذنه، توقر: صمّت، وثقلت، وأصل الكلمة من الوقر: الحِمل الذي يوضع على ظهر البعير فلا يحتمل فوقه شيئا آخر، إذاً جعل ربهم في آذانهم الصمم، وضع فيها الثقل، فلم ينفذ إليها ما يقرأه النبي (صلى الله عليه وسلم) (وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا) لا أمل يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، من يهدي الله فلا مضلّ له، ومن يضلِل فلا هادي له، (وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَـٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ (٢٥)) الأساطير: قصص الأولين، التُرَّهات، والأباطيل، الأساطير: جمع أسطورة، قصة: خرافة، أو أساطير جمع: أسطار، والأسطار: جمع سطر، والسطر خط، ويطلق على الكتابة، مكتوبات، قال الذين كفروا عن القرآن: (إِنْ هَـٰذَآ) أي هذا الكلام أساطير الأولين، وقد علموا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لا يقرأ، ولا يكتب، فكيف يأتي بأساطير الأولين، ومن أين يأتي بهذا، لكنه الجحود، لكنه الإنكار: لكنه الكفر.
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿26﴾
الغريب أنهم لم يكتفوا بالكفر، وبالابتعاد عن النور، وعن الإيمان، بل أبعدوا غيرهم، وارتكبوا الوِزْر مرتين، لم يرحموا أنفسهم، ولم يَدَعوا رحمة الله تنال غيرهم، (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ)عن القرآن، وعن الاستماع، لأنهم قالوا (لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)) [سورة فصلت آية: ٢٦]، (وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَلَا بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ ) [سورة سبأ آية: ٣١]، فهُم نهوا الناس عن الإيمان، وابتعدوا أيضا عن الإيمان.
(وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)) أي (وما) وإن نافية، أي وما يهلكون إلا أنفسهم، وما يشعرون، نعم من ضل هلك، ومن أضل غيره هلك؛ إذ لا يقوى على الإضلال إلا الله، هو المضِلّ، هو الهادي، فإذا دعا رجل آخر إلى معصية أهلك نفسه، إذ الآخر المدعو إلى المعصية لم يعص إلا إذا كانت قد كُتبت عليه، إذاً فالداعي إلى المعصية، والعامل على إضلال الغير لا يضر، ولا يحيق الضرر إلا بنفسه.
أيها الأخ المسلم، كل ذلك فعلوه تمسكا بالدنيا، تمسكا بالسلطان، قريش كان لها السقاية، وكان لها السدانة، ولها الشرف، والإطعام، ها هم يُبعث منهم نبي، فكيف ينافسونه؟ العند، الحسد الذي يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب، التمسك بالدنيا، كونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن كل أم يتبعها ولدها، وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث يقول: ( الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلا مَا كَانَ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ شَرِيكَانِ فِي الأَجْرِ، وَسَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ لا خَيْرَ فِيهِمْ) فقد توالت الآيات بالتقرير تارة، وبالتلقين تارة، تقرر الآيات وحدانية الله وقدرته، وإرادته، ومشيئته، هو الخالق للسموات والأرض، هو الخالق للإنسان من طين، هو الذي حدد الأجل، وهو الذي قدّر الأجل، له ملك السموات والأرض، وله ما في السموات والأرض، وهو المعبود بحق في السموات، وفي الأرض، هو النافع، هو الضار إن يسمك بخير فلا راد لفضله، وإن يمسسك بضر فلا كاشف له إلا هو، هو القاهر فوق عباده، هو الحكيم الخبير، تقرير للألوهية، تقرير للوحدانية، أمور لا ينكرها عقل سليم، ولا يجحدها بصر سليم، ويعلِّم ربنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) كيف يجادل، كيف يلزم المعاندين الحجة، (قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدَةًۭ) (قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) هل ادّعى أحد ملكية شيء من ذلك؟!(قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّۭا ) تقرير، وتلقين، وتهديد من خلال التقرير والتلقين، ودعوة لم يرى أن يسير، ويرى (أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) [سورة فاطر آية: ٤٤]،(قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ (١١)) [سورة الأنعام آية: ١١]، وحكاية عنهم لِمَ لمْ يؤمنوا؟ كيف يسمعون الحق ولا ينصاعون إليه؟ كيف يرون النور ويغمضون أعينهم عنه؟ (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ) كيف ذلك؟ ولِم كل ذلك؟ ثم تأتي الآيات لتبين النتيجة، ولتبين النهاية، ولتعلِّم نبينا (صلى الله عليه وسلم) أن الأمر أمر معاندة، وأن الأمر لا يخرج عن حسد، وحقد، وأن الأمر لا يخرج عن مكابرة، فقد ظهر الحق، وتبيّن الأمر، فيقول عز من قائل:
وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ يَـٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿27﴾
بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ﴿28﴾
وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴿29﴾
لو ترى يا محمد هؤلاء الذين ينهوْن عنك، وينأون عنك، وينهوْن عن القرآن، وينأوْن عن القرآن، حين يُحبسون على أبواب جهنم، أو على شفيرها، أو وهم على صراطها، أو وهم فيها؛ إذ وُقفوا على النار لرأيت شيئا فظيعا، لرأيت ما يشيب له الولدان، لرأيت ما لا يخطر على بال من الهول والفظاعة، والإجابة محذوفة، ولك أن تقدِّر أنت الإجابة، فيذهب وهمك كل مذهب للشدة، والفظاعة، والهوْل، فقال هؤلاء المكذبون (يا ليتنا نردُ ولا نكذّب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) بالرفع قراءة، (يَـٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٢٧)) بالنصب قراءة جواب مع تقدير (إن) مضمرة؛ ليكون النصب ماذا يقول هؤلاء الناس، حين يرون سعير جهنم التي يؤتى بها مسلسلة بالقيود، والسلاسل يجرها سبعون ألف ملك، فتتفلت منهم، أو تحاول التفلت، ولو فلتت لهلك أهل الموقف جميعا، وحينئذ يجث الجميع على الركب، هؤلاء يقولون: (يَـٰلَيْتَنَا نُرَدُّ) التمني حين لا ينفع التمني، يتمنون أن يعودوا إلى الدنيا، وقد سبق قول الله (عز وجل) أنهم إليها لا يرجعون، لا عود بعد الموت، (يَـٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٢٧)) ذلك زعمهم، ذاك قولهم، التمني للعودة إلى الدنيا، فإن عادوا لا يكذبوا بآيات الله، ويؤمنون بالنبي (صلى الله عليه وسلم) ويؤمنون بالقرآن، ويصدقون به، فيرد ربنا (تبارك وتعالى) والكلام جاء بصيغة الماضي (وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟) (إِذْ) ظرف زمان للماضي، لكن الأمر في المستقبل، وذاك معناه أنه قد وقع، وتحقق لا محالة، وما أخبرنا به ربنا (تبارك وتعالى) واقع لا شك فيه، ولا ريب، فجاء بصيغة الماضي لإفادة التحقيق، يقول الله (عز وجل) رداً على تمنيهم: (بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ (٢٨)) (بَلْ بَدَا لَهُم) بل إضراب عن التمني، أي دع تمني هؤلاء، وقد أخبرناك به، دعك منه، واعلم الحقيقة، ما هي؟ ظهر لهم ما كانوا يخفون من قبل، فالمنافقون أخفوا كفرهم، وأظهروا الإيمان، حينئذ بدا الكفر، وظهر حيث لا تخفى الخوافي، حيث تظهر الأعمال، وتظهر النوايا، ظهر لهم الكفر، والشرك، والمعاصي، الإخفاء، الستر، وهنا بمعنى الجحد، والإنكار، وقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) حين يخوِّف عظماء قريش، وصناديدهم، يخافون في دخيلة أنفسهم، ويخشون، ويدّعون الشجاعة، هنا ظهر خوفهم، هنا ظهر سيئ أعمالهم، هنا ظهر شركهم، هنا ظهرت نواياهم، ظهر حقدهم، وحسدهم، ظهر كل ما كان خافيا.
(بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ) ظهر لهم عذاب جهنم، ظهرت لهم النار التي كانوا يخفونها، أي يجحدون وجودها، وينكرون وجودها، أهناك جنة؟ أهناك نار؟ كانوا يقولون أساطير الأولين، (حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَـٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ (٢٥)) جحدوا بوجود النار أنكروها، ها هي قد ظهرت، تُرى لو أعادهم ربهم إلى الدنيا بعدما شاهدوا جهنم، ورأَوا سعيرها هل يؤمنوا؟ أبداً والله، وصدق العليم الخبير، حيث يقول (وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ (٢٨)) (وَلَوْ) حرف امتناع، لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، سبحان الله، وما ربك بظلام للعبيد، لعادوا إلى الشرك والكفر، والمجادلة، والتكذيب (وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ (٢٨)) لكاذبون في هذا الإدعاء، في أنهم لو ردوا لآمنوا، أو وإنهم لكاذبون في الدنيا، ومن ديدنهم الكذب؛ لذا جاءت الصياغة بمؤكدين (إن) واللام (وَإِنَّهُمْ) (إن) حرف تأكيد، واللام للتأكيد، فأكّد ربنا (تبارك وتعالى) بمؤكدين (وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ (٢٨)) كاذبون في ادعاءاتهم في الدنيا، كاذبون في ادعائهم في الآخرة (وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)) (إِنْ) نافية بمعنى (ما) أي (ما هي) (وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا) تلك الحياة التي يعيشونها، وليس هناك بعث، وليس هناك قيامة، وليس هناك جزاء، ولا حساب، ولا نار، ولا جنة، تلك مقالتهم، هل هو حكاية عن مقالتهم في الدنيا (وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩))؟ خبر عما يقولونه في الدنيا، أم الكلام كلامهم، والكلام معطوف على كلامهم بمعنى (لو ردوا لعادوا لما نهو عنه، وقالوا أي قالوا مرة أخرى بعد الرد، إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين وإنهم لكاذبون) ذاك هو التقدير، وكأن الله يخبرنا، ويحيطنا علما، بأن هؤلاء الذين تمنوا العودة إلى الدنيا، لو عادوا لعادوا إلى كفرهم، وعادوا إلى تكذيبهم، وعادوا إلى مقالتهم (وما نحن بمبعوثين) سبحان الله! وكيف ذلك؟ بعدما يروْا النار، ويعاينوها، ويُبعثون من قبورهم بعد كل ذلك لو عادوا لقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا؟ نعم؛ لأن الله إذا أعادهم إلى الدنيا سوف يمحوا من ذاكرتهم ما حدث من بعث ومعاينة للنار، حتى يظهر مكنون نفوسهم، حتى يكون الإيمان اختيارا، وليس إجبارا، كما حدث، فهل أحد منكم يذكر وقوفه بين يدي ربه حين سأله في عالم الذَرّ ألست بربكم، من يذكر هذا الموقف؟ لا أحد، هل حدث؟ إي وربي، أخرجنا من ظهور آبائنا في عالم الذَر، وسألنا بعد أن أوقفنا أمامه، ألست بربكم، قلنا ورددنا عليه بلى أنت ربنا، لكن الله محا هذا من ذاكرة الإنسان ولكي نتأمل في هذا، ولكي يقترب المعنى منك، هل تذكر نفسك حين كنت رضيعا؟ هل تذكر نفسك حين كنت طفلا صغيرا؟ هل تذكر الحوادث؟ لا تذكر، لكنها كانت، وكنت تعيها، وكنت تشعر بدفء أمك، وكنت تشعر بحنان أبيك، وكنت تلعب، وكنت تلهو، أين ذهب كل هذا مُحي من الذاكرة وكذلك، ولوردوا لعادوا لما نهوا عنه، وقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا، وما نحن بمبعوثين، موقف آخر.
وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿30﴾
وُقفوا على ربهم، وحُبسوا على الحساب، الكلام مجاز عن الحبس للحساب، والتوبيخ، وُقفوا على على ربهم أي على حسابه، على ما يكون من أمره فيهم، ولو ترى في تلك اللحظة لرأيت، وتخيل ما ترى (أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ) قال ربنا، أو قالت الملائكة بأمره، أليس هذا بالحق، هذا البعث، وهذا الموقف، ها هي القيامة، وها هي الجنة، وها هي النار، والسؤال للتقريع، والهمزة للتوبيخ (أَلَيْسَ) همزة التوبيخ (قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا) أقروا إقراراً مؤكد باليمين،( بَلَىٰ) حرف جواب مثل نعم، ولا تكون جواباً إلا لنفي متقدم لإبطاله سواءً دخل عليه استفهام، أو لم يدخل عليه استفهام مثل قوله:(أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ) [سورة الأعراف آية: ١٧٢]، ولو قالوا نعم لكفروا.
(قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)) أقروا، وأكدوا إقرارهم باليمين، واعترفوا بذنوبهم، وقيل: إن ذاك يكون حين ينكرون بقولهم (وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)) حينئذ يُختم على أفواههم، وتنطق جوارحهم، حينئذ يُقال لهم (أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)).
قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ قَالُوا۟ يَـٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴿31﴾
بغتة: فجأة، والبغت: إتيان الشيء بسرعة، وحدوثه بسرعة، دون استعداد منك، ودون توقع للحدوث، والحسرة: أعلى درجات الغم، والحزن، والندم، أصل الكلمة من حسر يحسر حسراً، حَسِر انكشف، الحسر: الكشف، والإعياء، حَسِر الرجل: أعيا، وكأن القوة والشدة فيه ذهبت، وانكشفت قواه من شدة الإعياء (قَالُوا۟ يَـٰحَسْرَتَنَا) نداء، ينادون على الحسرة أي يا حسرتنا هذا أوانك، أو يا أيها الناس تعالوا فانظروا كيف يكون الغم، والهم، فضيحة حين يتحسر الإنسان في نفسه شيء، وحين ينادي على الخلائق كي يشهدوا حسرته فضيحة، حين تأتيهم الساعة بغتة ينادون على حسرتهم، وغمهم، وندامتهم، قالوا: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها، في الدنيا، في الآخرة، أي في العمل للآخرة، والتفريط: التضييع، التقصير أصل الكلمة من فرط، تقدَّم، ومنه قول سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ( أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ) أي متقدم، والفارط الذي تقدم إلى الماء، فرّطنا جعلنا غيرنا فارط، أي جعلنا المسلمين، والمؤمنين هم المتقدمون يوم القيامة (قَالُوا۟ يَـٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) أي في الدنيا، لم نعمل من أجل الآخرة، أو فرّطنا في أمر الساعة، في أمر القيامة فلم نعمل حسابها (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ) الأوزار: جمع وزر، وهي كلمة تعبّر عن الذنوب الثقلية، وأصل الكلمة من الوَزَرْ، والوَزَر: الجبل الثقيل، ومنه سُمِّي الوزير وزيرا؛ لأنه يحمل أعباء ما كُلِّف به، وهو مسئول أمام الله، يحملون أوزارهم، أي يحملون الذنوب العظيمة على ظهورهم (أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)) (أَلَا): كلمة تنبيه كي يستمع الناس وينتبهوا، ولا يذهب عقلهم بعيدا، أي انتبهوا لما هو آت (سَآءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)) أي بئس حملٍ يحملونه، بئس وزر يزرونه، تُرى هل يحملون ذنوبهم على ظهورهم فعلا؟ هل تأتي الذنوب، والذنوب أعمال وانتهت، معاصي، كفر، شرك، أعمال القلوب، أعمال النوايا، هل تُجسَّد كأثقال، فيحملونها على ظهورهم؟ أم الكلام مجاز عن الخزي، والعار، وتحمل نتيجة المعاصي، نتيجة الكفر، نتيجة الذنوب، وكأنها أثقال؟
قيل: الأعمال يوم القيامة تتمثل، وتتجسد، أما الأعمال الصالحة تتمثل في أبهى، وأجمل صورة فيركبها صاحبها، ولا يمشي في الزحام، وأما الأعمال السيئة فتتمثل في أقبح صورة فتركب صاحبها، فينحني ظهره، وصدق حبيبنا، ورسولنا، وسيدنا، وسيد العالمين (صلى الله عليه وسلم) حين أوصى أبا ذر فقال: (خفِّف ظَهْرَك فَإِنَّ الْعَقَبَةَ كَئُودٍ، وَأَحْسِنِ الْعَمَلَ فَإِنَّ النَّاقِدَ بَصِيرٌ).
وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌۭ وَلَهْوٌۭ ۖ وَلَلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿32﴾
واللهو: كل ما ألهاك، شغلك، فهو لهو، والتلهي والالتهاء بالشيء حلالا كان أو حراما، انشغال، والدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ما كان فيها من ذِكر الله، أو أدى إلى ذِكر الله، والعالم، والمتعلم شريكان في الأجر، وسائر الناس همج لا خير فيهم، هكذا أخبرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الصادق، المصدوق، فإما أن تكون في شغل على المعايش، على الرزق، في شغل من أشغال الدنيا التي تعود عليك وعلى أسرتك، وعلى مجتمعك بالنفع، وإما أن تكون في شغل يعود عليك بالنفع في الآخرة، وما سوى ذلك لعب ولهو (وَلَلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ) (ولدار الآخرة خير) (قراءة) (أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢)) (أفلا يعقلون) قراءة.
الغريب في الآية قول الله (عز وجل) (وَلَلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ) إذاً فاللهو واللعب ليس من شغل المتقين، فالدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار غنى لمن تزود منها، الدنيا مزرعة للآخرة، الدنيا جنة الكافر، وسجن المؤمن، الدنيا لك، أو عليك، الدنيا خادمة لك، أو أنت خادم لها، وقد أوحى الله إلى الدنيا ( يَا دُنْيَا اخْدُمِي مَنْ خَدَمَنِي، وَأَتْعِبِي يَا دُنْيَا مَنْ خَدَمَكِ) (وَلَلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢))، أيها السامعون أفلا تعقلون أن الآخرة خير من الدنيا، الآخرة دائمة، الآخرة نعيم، الآخرة عز وشرف وجاه، الدنيا زائلة لا محالة بما فيها، هب أنك عشت عمر نوح، وهب أنك أوتيت ملك فرعون، وهب أنك أوتيت كنوز قارون، أين هم؟ أين ملكهم؟ أين كنوز قارون؟ انتهت، فالحياة الدنيا زائلة، والعبد إلى دار آتية أقرب منه إلى دار راحلة، فاعملوا لما هو آت، واعلموا للآخرة، ودار الآخرة خير، فمن شدة رأفة النبي (صلى الله عليه وسلم) ومن عظيم رحمته، ومن شديد شفقته على قومه، وأمته، وأهله، وأهل قرابته، كان الحزن يستبد به، وكان يغلب عليه الأسى، والأسف، ويتمنى لو يستطيع أن يفعل أي شيء مقابل أن يؤمن هؤلاء الذين كفروا به، وكذبوه، حزن كاد أن يودى به، ويقتله، أسى بلغ منه كل مبلغ، حتى نبهه، وأنبأه أن الحزن الشديد يودي به، أتريد أن تقتل نفسك حزنا عليهم، حين قال له (فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)) [سورة الكهف آية: ٦] في أكثر من موضع يبين له ربه أن الحزن لا طائل من ورائه، وأن المشيئة مشيئة الله، من شدة حزنه يقول الله (تبارك وتعالى) له، مسرِّياً عن حبيبه ملاطفا له.
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿33﴾
قالوا: شاعر، قالوا: ساحر، قالوا: مجنون، قالوا: أساطير الأولين تُملى عليه، قالوا: مسحور، قالوا: خُلِّط عقله، قالوا، قالوا، قالوا، فلم تذكر الآيات مقالتهم حتى لا يزيد الحزن على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أي أنت تعلم ما قالوه، وأنا أعلم كل ما قالوه، (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) أنت حزين هم لم يكذبونك، هم يعلمون أنك صادق، هم الذين لقبوك بالأمين من قبل البعثة، ولقبوك بالصادق، نبينا (صلى الله عليه وسلم) من شدة حزنه، وتكفيره كان يعتقد أن كفار قريش يتهمونه بالكذب، من هنا كان يريد أن يثبت لهم أنه صادق، كيف يثبت لهم صدقه؟ بآية؟ بمعجزة؟ بأمر ما؟ بنزول مَلكَ كما تمنوا، وقالوا: لولا أُنزل عليه ملك، كان يعتقد هذا، مثل أي إنسان من البشر، إذا أخبرت إنسانا بخبر فكذبك ماذا أنت فاعل؟ تحلف، فإن كذبك ماذا أنت فاعل؟ تسوق إليه الدليل، أنت تريد منه أن يصدقك، من هنا كان الحزن الشديد، وكان الأسى، وكان التمني لنزول الآية التي تثبت صدقه، من هنا كان الجواب لا يكذبونك، وبالتالي أنت عندهم صادق، نزلت الآيات، أو لم تنزل، وإنما الأمر والمسألة أنهم ظلمة، أنهم أنكروا، وكذّبوا الله، ولم يكذبوك، كذبوا الآيات، ولم يكذبوك، كذبوا ما جئت به أنت، ولم يكذبوك، فأنت تقول الصدق، تقول الحق، جاءك ملك، وجاءك الوحي، وها أنت تتلوا عليهم ما أُوحي إليك، هم يصدقونك فيما تدعيه، ولكنهن يكذبون ما جئت به عناداً، وكفراً، وجحوداً، وسياق الكلام، فإنهم لا يكذبونك، ولكنهم فالكلام بالضمير عن الغائب، لكنه جاء بكلمة الظالمين مكان الضمير؛ ليبيّن أنهم بإنكارهم ظلموا أنفسهم؛ وليبين أن ظلمهم أدى بهم إلى الجحود، وجاء بحرف الباء لتضمين الجحود التكذيب، جحد الآيات أنكرها، جحد بالآيات أنكرها مكذباً لها، فجاء بالباء، ويسرّى عنه، ويسليه، ويعزيه:
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿34﴾
(ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)) [سورة يونس آية: ١٠٣] من هنا يقول الله له مؤكدا، ومبشراً بالنصر (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ (٣٤)) ما الذي جاءه؟ جاءك نبأ، محذوف الكلمة اختصارا، ثقة بفهم السامع (وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ (٣٤)) أي ولقد قصصنا عليك من نبأ المرسلين نبأ.
وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًۭا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًۭا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍۢ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ ﴿35﴾
الأمر الأول: أن يوفقهم للإيمان كما وفّق الصدِّيق، كما وفّق عمر، كما وفّقنا بتوفيق الله، فيوّفق الجميع، فيؤمن الكل، لكن المشيئة لم تشأ ذلك؛ لأن التوفيق للإيمان وإن كان بإرادة الله ومشيئته لكن من آمن خلق لذلك، ومن كفر لا يجدي معه شيء.
الأمر الثاني: لو شاء الله لجمعهم على الهدى بالإلجاء، أن ترى السماء قد انشقت، أن ترى الملائكة قد نزلت، أن ترى الليل أصبح نهاراً، أو أصبح النهار ليلا، أن يحدث المعجزات والآيات الملجئة للكل، فيخر الكل، كما يحدث في البعث، هل يكفر أحد بعد البعث؟ لكن ذاك إيمان اضطراري، أين الاختيار؟ أين الامتحان؟ أين الابتلاء؟ أن تؤمن بالله من غير أن تراه، ذاك هو الإيمان، (وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ)، هل شاء؟ لم يشأ، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ (٣٥)) أي فلا تكونن من الجاهلين بمشيئة الله (تبارك وتعالى) أو هؤلاء الذين يجزعون في مواطن الصبر، أو هؤلاء الذين يحرصون على ما لا يكون، من يتمنى المستحيل، أليس بجاهل؟ بلى جاهل، من يجزع في مواطن الصبر جاهل، من يجبن في مواطن الشجاعة جاهل، من يجهل حكمة الله جاهل، من يجهل أن لله مشيئة جاهل، من هنا يقول (وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ (٣٥)) فلا تكونن من الجاهلين الذين جهلوا مشيئة الله، الذين جزعوا في مواطن الصبر، الذين حرصوا على ما لا يكون، وقيل: الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد الأمة؛ إذ حاشا وكلا أن يكون سيد الخلائق أجمعين خطيبهم إذا صمتوا، شفيعهم إذا حبسوا، قائدهم إذا نجوْا، فرطهم على الحوض، أكرم لخلق على الله، الآمن حين يفزع الكل، المتكلم حين يسكت الكل، الساجد حين يفزع الكل، الشافع حين يتهرب الكل، بيده مفاتيح الجنان، أول الداخلين إليها هو سيد الخلائق.
من شدة حزن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على قومه، ومن شدة حرصه على إيمانهم، ونجاتهم، فما يعلمه لا يعلمه أحد، وما رآه لم يره أحد، وما أُخبر به من صنوف العذاب التي أعدها الله (تبارك وتعالى) للكفار، لا يتخليه أحد، حرص زائد، وشفقة، وحزن كاد يودي به، ونهاه الله (تبارك وتعالى) عن الحزن مرة تلو المرة، يتمنى في نفسه لو استجاب الله (تبارك وتعالى) لطلباتهم من نزول الآيات، تحويل جبال مكة ذهبا، أن يرقى في السماء، أن ينزل كتابا من السماء مكتوبا يرونه، ويلمسونه بأيدهم، أي شيء فأنزل الله (تبارك وتعالى) (وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ) اشتد، وشق عليك، إعراض قومك، وبعدهم عن الحق، وتكذبيهم بالآيات، وقد قال له أنت عندهم مصدّق، وإنما هم ينكرون الآيات، هم لا يكذبونك ولكنهم يكذبون الله، لا تحزن فأنت لست عندهم مكذبا، بل أنت عندهم الصادق الأمين، هم يكذبونني، وأنا كفيل بهم، حنان من الله، ورأفة، ثم قال له: (وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًۭا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًۭا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍۢ ) هلمّ افعل ما بدا لك، هل يمكن؟! هل يحدث؟! هل تقدر؟! ثم نهاه عن كل ذلك فقال: (وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ)لآمن كل من في الأرض، وما كانت هناك حاجة للرسل، هل أرسل الله رسلا إلى الملائكة؟ لم يحدث، فطرهم على الإيمان، ولو شاء لجعل الناس كذلك، أو يُفطر الناس على الإيمان، ولا حاجة للرسل، أو يُنزل الله (تبارك وتعالى) من الآيات ما يلجئ الناس للإيمان، ولسوف يحدث حين تخرج الشمس من مغربها، فلا يبق في الأرض كافر، ولكن لا ينفع الإيمان حينئذ؛ لأنه إيمان المضطرين، إيمان المجبرين، وليس إيمان المختارين، فلا تكونن من الجاهلين، مشيئة الله، وحكمته، أو الواضعين للشيء في غير موضعه، أو المؤملين في المستحيل، ثم شرح له الأمر بلطف، وببيان ما بعده بيان، فقال له عز من قائل:
إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴿36﴾
أي افهم، واعلم أن الذي يؤمن بك، ويستجيب لك، هو من ألقى السمع وهو شهيد، من أراد أن يصل إلى الحق، أما من صم أذنه فذاك ميت، والميت لا فائدة منه، لكن الله سوف يبعثهم ويجمعهم، ويعلمون حينئذ أن ما جئت به الحق، حيث لا ينفعهم علمهم، والموتى هؤلاء الكفار الذين لم يسمعوا لك (يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)) لم يقل (ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) قدم كلمة (إِلَيْهِ) وهذا الأسلوب، والصياغة يفيد القصر، كأن الرجوع لا يكون إلا إلى الله، قصر الصفة على الموصوف.
وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةًۭ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿37﴾
وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَـٰٓئِرٍۢ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴿38﴾
أرأيت الشاة ذات القرون بلا سبب قامت، وهامت، وبطشت، ونطحت شاة لا قرون لها، أرأيت ذلك؟ رآه الله ودُوِّن، ويوم القيامة تأتي الشاة القرناء بغير قرون، وتأتي الشاة الجلحاء التي كانت في الدنيا بغير قرون بقرون، ويقال لها: انطحي كما نُطحت، القصاص، ثم بعد ذلك يقول لكل الوحوش، ولكل البهائم كوني ترابا، حينئذ يقول الكافر: ياليتني كنت ترابا كهذه البهائم، أرأيتم كلبا يسكر، أرأيتم حمارا يسرق، أرأيتم عصفوراً يسجد لصنم؟ إذا كانت الدواب، والطيور قد عرفت ربها ألا تعرفونه؟ ألا تتقونه؟ الطيور التي لا تزرع، ولا تحصد، وتجد طعامها وفيراً تسبِّح، وأنت الذي ترى الأرض ميتة، فإذا نزل عليها الماء اهتزت، وربت، وخرج منها الأخضر، والأحمر، والأصفر، والأزرق، والأبيض، خرج منها ذو الرائحة الجميلة، وذو الرائحة القبيحة، خرج منها الحلو، وخرج منها المر، كل ذلك ألا يدل على وجود الصانع؟ بلى يدل(وَمَا تُغْنِى ٱلْـَٔايَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ (١٠١)) [سورة يونس آية: ١٠١] نعم كلهم محشورون.
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا صُمٌّۭ وَبُكْمٌۭ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ ۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿39﴾
قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿40﴾
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴿41﴾
(بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)) وفي هذه الحالة، تنسون شرككم، أي في حالة الاضطرار، في حالة العذاب، في حالة الخوف الشديد، في حالة قيام الساعة، ساعته إذا اقترب منه الأجل، أو الموت نسي ما كان مشركا به، نسي عبادة الأصنام، والأوثان، ولجأ إلى الله حيث لا ينفع اللجوء إليه في ذلك الوقت، كما فعل فرعون ألم يقف فرعون مكابراً، ومعانداً لموسى! وللآيات التي رآها على يد موسى! العصا انقلبت إلى حية، فإذا هي ثعبان مبين، أكلت، وانتهت عدة السحرة، فسجدوا، هم ألقوا حبالهم وعصيهم، إذا هي يخيل إليهم من سحرهم أنها تسعى، حين ألقى موسى عصاه إذا هي تسعى، الأمر واحد من حيث الشكل، حتى أن موسى أوجس في نفسه خيفة؛ لأنه لم يأت بغريب، إذاً فشأنه شأنهم، وإذا بالعصا، عصا موسى، تلقف ما يأفكون، عصا موسى ثعبان يأكل كل ما في الساحة، وعاد الثعبان يسعى إلى موسى، ثم قام على على ذيله وقف برأسه، فمسكه موسى، فإذا هو عصا، فأين الحبال؟ أين العصي؟ طالما أكل إذا هو خلْق، ولا يقدر على الإعجاز إلا الله، من هنا كان سجود السحرة في التو واللحظة، ومع ذلك، ومع الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، تحولت الأنهار إلى دم، كان الرجل إذا تثاءب دخل الضفدع في فمه من كثرتها، آيات، هل آمن؟ بل وقف علنا ينادي في الناس (أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ) [سورة الزخرف آية: ٥١] جبروت (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى) [سورة القصص آية: ٣٨] جبروت، بل أراد أن يطلع إلى الإله، فجاء برئيس وزرائه هامان (فَأَوْقِدْ لِى يَـٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّى صَرْحًۭا لَّعَلِّىٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ (٣٨)) [سورة القصص آية: ٣٨] بل بلغ من عتوه أن قال (أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ (٢٤)) [سورة النازعات آية: ٢٤] وحين أوشك على الغرق، ماذا حدث؟ (حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ (٩٠)) [سورة يونس آية: ٩٠] فالأمر متعلق بالمشيئة، فكم كشف الله الضر عن الكفار! كم سترهم! وكم رزقهم! وكم كان حلمه! وما مقدار الإمهال، كم أمهلهم! ها هم يجاهرون بالمعاصي، ها هم يذبحون في عباده، ها هم يقتلون المسلمين بغير جريرة، ها هم يفعلون كل كبيرة، يرزقهم، بل ويبارك لهم في أرزاقهم، إمهال، ثم يأتي بعد ذلك التسرية، والتسلية لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم):
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴿42﴾
والضراء: ما يصيب البدن من الأسقام، والأمراض، والآية دقيقة، وكأنها عتاب كأن الله تبارك وتعالى حين يصيب الإنسان بالفقر، أو بنقص من مال، أو يصيبه بالمرض، والأسقام، كأن الله يدعوه كي يتضرع إليه، ويتذلل هؤلاء الذين أصابهم الله بالبأساء والضراء، أراد منهم أن يتذللوا إليه، يرفعوا أكفهم كي يتضرعوا إليه ليكشف عنهم، ولكنهم لم يفعلوا لقساوة قلوبهم، فالآية تشعر كل عاقل، وكل مسلم تذكّر الله في الرخاء، وتذكّر الله في الشدة، وادع الله في كل شيء، في أصغر الأمور، كما تدعوه في أكبر الأمور، إذا شعرت بمغص فسل الله، إذا لم يأتيك النوم فسل الله، كم من الدعاء علمنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كيف يُعالج الأرق؟ ليس بالمهدئات، والمنومات، وإنما باللجوء إلى الله حيث يقول ذاك الذي شعر بالأرق:
اللهم هدِئ ليلي، وأنِمْ عيني، لكن الإنسان الغافل يلجأ إلى الطبيب،
وإن للطبيب علما يدلى به مادام في أجل الإنسان تأخير
فإذا انقضت أيام مهلته حار الطبيب، وخانته العقاقير
الجأ إلى الله، أنت تقف تنتظر السيارة، تأخرت عليك، وتخشى موعد عملك، قل يالله، عجّل يا رب بالوسيلة، يعجِّل لك، سل الله في كل شيء، إياك أن تستحي أن تطلب من الله الشيء لأنه شيء حقير، إياك (مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍۢ) كل دقيق، وجليل مسطور، وربنا الفعّال لكل شيء، أي حركة، أي نفَسْ، أي سكون، له ما سكن في السموات والأرض، هو المالك، والقادر، والآخذ لناصية كل شيء، هو ربنا (تبارك وتعالى) سلوا الله في كل شيء دائما وأبداً، في نجاح الأولاد، حتى في إخراج الفضلات تلجأ إلى المسهلات، ولو واظبت على قول المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بعد الخروج (الْحَمْدُ اللَّهِ الَّذِي أَخْرَجَ عَنِّي مَا يُؤْذِينِي وَأَمْسَكَ عَلَيَّ مَا يَنْفَعُنِي) لما شعرت بذلك أبداً، ولما احتجت من أدوية أبداً، الجئوا إلى الله في كل أمر، فإن الله (تبارك وتعالى) يحب عبده اللحوح، إذا أعرضت عن السؤال غضب عليك، وإذا ألحفت في السؤال رضي عنك، من يجيب المضطر إذا دعاه؟ من يكشف السوء؟ هو الله، المناجاة مع الله ما هي؟ هؤلاء العارفون بالله، الواصلون إلى الله، أولياؤه، أحبابه، ماذا يفعلون؟ هل كثرة الصلاة، وكثرة الصيام هي التي أوصلتهم؟ أبداً، كثرة الذكر(أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ (٢٨)) [سورة الرعد آية: ٢٨] وهو يقول:(وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ ) [سورة العنكبوت آية: ٤٥]، ما هو ذكر الله؟ الذكر هو أن يكون الله في قلبك، وفي فكرك، وأن تلجأ إليه في كل شيء ونبينا (صلى الله عليه وسلم) ما ترك لنا لحظة إلا وعلّمنا الذكر، وكيف يكون، في الاستيقاظ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) في الأكل، في الشرب، في الخروج ( تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ) يقول لك الشيطان سلمت مني، ويتركك ويمشي ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَوْلَجِ وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ، بِسْمِ اللَّهِ وَلَجْنَا وَبِسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا) إذا لبست قميصا جديداً ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا)
(إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ قَمِيصًا أَوْ إِزَارًا أَوْ عِمَامَةً، يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ)
ذاك هو الذكر، أن تتذكر الله، أن تبقى على صلة معه، فإذا كنت كذلك كان سمعك، وكان بصرك، وكان يدك، بل وكان رجلك، وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث يروي عن جبريل ما يرويه جبريل عن رب العزة ( وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) يسرّي ربنا (تبارك وتعالى) عن حبيبه المصطفى، ويضرب له المثل، فيقول عز من قائل:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (٤٣)) يقول له: إن كان قومك قد كذبوك، فقد كُذبت رسل من قبلك من أمم لا عد لها، ولا حصر، منها ما قص علينا، ومنها ما لم يُقص، والكلام فيه إضمار والتقدير: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا ولكن كذبوا رسلهم فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون) البأساء: من البؤس: وهو ما يصيب الإنسان في ماله، أي الفقر والشدة، والضراء من الضُر: وهو ما يصيب الإنسان في بدنه من أمراض، وأسقام، وأوجاع، ولله أن يبتلي خلقه بما شاء، وكيف شاء، حين أرسل للأمم وكذّبت الأمم الرسل ابتلاهم ربنا تبارك وتعالى بالشدة، ابتلاهم بالفقر، بالجدب، بمنع المطر، بالآفة في الزرع، فأحسوا بالفقر، والحاجة، ثم ابتلاهم بالضُر في الأبدان، بالأسقام، بالأوجاع لعلهم يتضرعون، وكأن الله (تبارك وتعالى) تلطف بهم، فالبلية نعمة خفية، ابتلاهم ببعض المرض، ببعض الفقر لعل الإنسان منهم يعلم أن الله فعّال لما يريد، وأنه لا يقوى على جلب النفع لنفسه، أو دفع الضُر عن نفسه، فالمرض من الله، والشفاء من الله، والغنى من الله، والفقر من الله، فهل تضرعوا! والتضرع: الذلة، من ضَرَعَ: ذلّ وخضع، يتضرعون أي يبدو عليهم الخضوع، يخضعون: يعلمون أن للكون مدبرا، عالما، رازقا، قادرا، فيلجئون إليه لكشف الضُر، ولو لجئوا إليه لكشف الضُر عنهم، ولو لجئوا إليه يطلبون الهدى لهداهم، لكن اتباعهم للهوى، واتباعهم للشيطان، أعماهم، وأضلّهم، فبدلاً من أن يتضرعوا وقت الشدة، وبدلاً من أن يلجئوا إلى الله، ازدادوا كفراً على الكفر.
فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿43﴾
فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةًۭ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴿44﴾
فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ۚ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿45﴾
(حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةًۭ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (٤٤)) الفرح في القرآن مذموم كله، ماعدا فرح واحد، الفرح بفضل الله، وبنعمة الإسلام (قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)) [سورة يونس آية: ٥٨] وما سوى ذلك من فرح، يُعبَّر به عن البطر، أن يعتقد الإنسان أنه يستحق لما جاءه من خير، فإذا اغتنى فيقول بعقلي، ومجهودي، إذا صح جسده فلأنه يحافظ على نفسه، نسب كل ذلك لنفسه، وأنه مستحق لذلك، وأنه أهل لذلك، ولم ينسب الفضل إلى الله، أطغته النعمة وأعمته عن المنعم (حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةًۭ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (٤٤))
وأخذ الله أخذ عزيز مقتدر، ومن أخذه الله فلن يُفلت، أخذهم الله بغتة، أي فجأة على غير انتظار، على غير توقّع، أخذهم من حيث لا يدري الإنسان، ولا يحتسب، وكان نبينا (صلى الله عليه وسلم) يستعيذ بالله من الفجأة، فقد كان يقول: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مَوْتِ الْفُجَاءَةِ)، (أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي) نسوا ما ذكروا به، وفتح الله (تبارك وتعالى) عليهم أبواب كل شيء، وتركهم حتى أصابهم البطر، وفرحوا بالنعمة، ونسوا الله فأنساهم أنفسهم، أخذهم بغتة، فإذا هم مبلسون، والإبلاس أشد أنواع اليأس من الخير، اليأس من النجاة، اليأس من كل شيء يتمناه المرء؛ لذا سُمي إبليس، إبليس لأنه أبلس من رحمة الله.
مبلسون، يائسون، منقطعون، متحيرون.
( فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟)الدابر آخر القوم، دَبَرَ يدبُرُ، يدبِرُ، دَبَرَ القوم: جاء خلفهم، والدابر: الآتي في الخلف، آخر الناس مجيئاً، عُبِّر هنا بالدابر عن الذرية، والنسل، فحين قطعهم الله، قطعهم، وقطع نسلهم، حين أخذ الأب، أخذ ابنه معه، حين أخذ الأم أخذ جنينها معها، فلم يبق منهم شيء كما قال عن غيرهم: (فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٍۢ (٨)) [سورة الحاقة آية: ٨]، أي أهلكهم، وأهلك نسلهم، وأهلك ذراريهم، فمن كان غير مكلّف فأمره إلى الله، لا يُحاسب، أما المكلفون فهُم المقطوعون، المبلسون، المؤخذون، الذين ظلموا، الذين كفروا، الذين أشركوا، والظلم يعبّر به عن الكفر، يعبّر به عن الشرك، يعبَّر به عن ظلم الحقوق، الظلم في الأصل: وضع الشيء في غير موضعه، فحين يُعبّر عن الكفر بالظلم؛ لأن الإنسان وضع الشيء في غير موضعه، وضع الصنم موضع الإله، وضع الوثن موضع الرب، الظلم يخرب البيوت، ويخرب الأمم، ويزيل الأمم، عاقبة الظلم التدمير، عاقبة الظلم الإهلاك (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةًۢ بِمَا ظَلَمُوٓا۟ ۗ ) [سورة النمل آية: ٥٢] ولا يخرب الديار، ولا يهلك الأمم إلا الظلم(فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ۚ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٤٥)) تُرى هذا الحمد، أهو تعليم للعباد كيف يحمدون الله، عز وجل؟ هذا الحمد، أهو من أجل إهلاك الظلمة؟ نعم، إذا فهلاك الظالم يستحق ربنا عليه الحمد والثناء؛ لأن هلاك الظلمة أمان لأهل الإسلام، سلام لأهل الملة، سلام لأهل الأرض؛ لأن الظلم في الأرض يعاني منه الضعاف، ويعاني منه أهل الحق؛ لذا كان النصر من الله (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ (٥١)) [سورة غافر آية: ٥١]، لأن الباطل شديد، والباطل له جنوده، والحق دائما وأبداً مغلوب ظاهراً، منصور حقيقةً وباطناً، وربنا (تبارك وتعالى) ينصر الحق، ودولة الظلم ساعة، ودولة الحق والعدل إلى أن تقوم الساعة، ثم يلقِّن ربنا حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) حجة يجادل بها أهل الشرك، والكفر، والعناد.
قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴿46﴾
قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿47﴾
الإدراك الذي يميّز به الإنسان بين الحلو والمر، والنافع والضار، والحواس، هذه الحواس قد تنقل المعلومة إلى المخ خطأ فيصححها، حين ترى العود المستقيم قد مال إذا وُضع في الماء هل تعتقد ذلك أم يصحح العقل خطأ الحاسة، ويقول إن هذا الاعوجاج ناشئ عن الانكسار، انكسار الضوء، هذا العقل والإدراك الذي يميّز حين تشم أنفك رائحة الطعام يقول العقل تلك رائحة كذا، ذاك طعم كذا، إذاً فالمخ الموجود بالرأس وظيفته التمييز، والإدراك وظيفته الاختيار بين البدائل، هذا العقل من الله، الإدراك، الفؤاد، التمييز الذي لم يكن لك فقد كنت صغيرا تحبو، وتلتقط ما على الأرض، وتضع في فمك ما التقطت دون تمييز بين النافع والضار، أهو طعام؟ أهو حصى؟ فإذا بك تميّز وتدرك مع الوقت، من الذي منحك الإدراك؟ هو الله.
فيذكّرهم ربنا (تبارك وتعالى) بذلك، معكم سمعكم، ومعكم بصر، ومعكم إدراك، وهبكم الله ذلك، محض فضل من الله، ليس لاستحقاقك، ليس لأنك تستحق، هل قدمت شيئا حتى تسمع؟ هل دفعت شيئا كي تبصر؟ هل قدمت لله طاعة حتى يرزقك العقل والإدراك؟ رُزقت السمع، والبصر، والإدراك (وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)) [سورة النحل آية: ٧٨].
يذكرهم بهذه النعم التي غفلوا عنها (قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ) أصبحت فإذا بك لا تسمع الأصوات (وَأَبْصَـٰرَكُمْ) وكذلك أخذ نعمة الإبصار من العين (وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم) ثم ختم على الإدراك، وكلنا رأى من أصيب في عقله، وكلنا رأى ما يُسمى بالمجنون الذي لا يميّز بين أمه وأبيه، ولا يعرف النافع من الضار، ولا يعرف كيف يتكلم، أو كيف يأكل، أو كيف يمشي، اختلط عقله، هذا الخلط في العقل من الذي أحدثه؟ هو الله (قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ) هل هناك من تلجأ إليه فيعطيك سمعا بديلا، أو بصراً بديلا عن الذي أخذه الله؟
(ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦)) والخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) ولكل من يعقل، وتصريف الآيات: هو الإتيان بها من أوجه متعددة، تارة بالترغيب، وتارة بالترهيب، وتارة بالآيات الكونية، وتارة بالآيات اللفظية، تارة بالتبشير، بالإنذار، بحكاية الرسل.
صرّف ربنا الآيات أتى بها من كل وجه، جادلهم بكل حجة، ساق إليهم كل منطق، لفت أنظارهم لكل شيء، ومع ذلك أعرضوا (ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦)) يبتعدون، صَدَف يصدِف صدْفاً، وصدوفاً: ابتعد، من صدفة الجبل، طرف الجبل، نهاية الجبل، يصدفون يبتعدون عن الحق، يبتعدون عن النور، يبتعدون عن البيّنة، مهما صرّف من آيات، وكأن الله يبيّن له حين مالت نفسه للآيات، وقال له: (فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًۭا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًۭا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍۢ ) [سورة الأنعام آية: ٣٥]، ها هو يصرّف لهم الآيات (ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦)) حجة تالية (قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ) انظروا إلى أنفسكم نبئوني، وأخبروني (إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ (٤٧)) إذا أتى عذاب ربنا بغتة، أو جهرة، ليلا أو نهاراً، بغتة ليلا أو جهرة نهارا، بغتة: مفاجأة، جهرة له أمارات؛ إذ من الأمم من أتاهم العذاب بغتة بغير أمارات، وبغير مقدمات، ومن الأمم من أتاهم الأمارة (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًۭا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا۟ هَـٰذَا عَارِضٌۭ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌۭ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ (٢٤)) [سورة الأحقاف آية: ٢٤]، أمارة أخرى حين عقروا الناقة، وقال لهم في يوم تصبح السماء زرقاء، وفي يوم تصبح السماء كذا، وأعطاهم الأمارات حين قال لهم: (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍۢ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍۢ (٦٥)) [سورة هود آية: ٦٥].
قوم نوح: السفينة أمارة، الطوفان أمارة، ومع ذلك حين قال نوح لابنه هلمّ إلينا، واركب معنا، قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، انظر من رب الجبل؟ تلجأ للصنعة، أم تلجأ للصانع؟ تلجأ للمخلوق، أم تلجأ للخالق؟ يجب أن تأوي إلى رب الجبل، ولكن الشيطان يزيّن وهكذا: (قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ (٤٧)) سؤال تقريري، أي لا يهلك إلا القوم الظلمة، لكن المؤمنين لا يُهلكون، المؤمن حبيب الله، المؤمن كخامة الزرع إن أصابته السراء شكر، وإن أصابته الضراء صبر، المؤمن يرى أن كل ما يأتي من الله خير، المؤمن يرضى بما رضي به الله، المؤمن يرضى بقضاء الله، المؤمن واثق بالله، المؤمن يرى كل شيء نعمة، المرض نعمة، الفقر نعمة، الفقر كما أوحى الله إلى بعض أوليائه، وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحباً بشعار الصالحين، المؤمن في رضا دائم، المؤمن ربنا لطيف معه، ودود معه، يسارع إليه بالمودة، ويسارع إليه باللطف، ويسارع إليه بكل ما يرضيه، ولكن قد يطلب المؤمن الشيء، ويمنعه الله عنه لا لهوانه، ولكن لحمايته، كما يحمي أحدكم مريضه، وجاء في الحديث القدسي ( إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ سَأَلَنِي الْجَنَّةَ بِحَذَافِيرِهَا لأَعْطَيْتُهُ، وَلَوْ سَأَلَنِي عِلَاقَةَ سَوْطٍ لَمْ أَعْطِهِ، أُرِيدُ أَنْ أَدَّخِرَ لَهُ فِي الآخِرَةِ) ( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الدُّنْيَا، كَمَا يَحْمِي الرَّاعِي الشَّفِيقُ غَنَمَهُ عَنْ مَرَاتِعِ الْهَلَكَةِ) الحنان، الرعاية، الكفاية، المؤمن وليّه الله، لا يغفل عنه، يرى المؤمن في الدنيا ويرعاه في قبره.
يرعاه في كل آن وحين، وينصره، ويعزه، ويعطيه ما يصلح له، فمن العباد من يصلح له الفقر، ولو أغناه الله لفسد حاله، ومن العباد من يصلح له الغنى، ولو أفقره الله لفسد حاله،
فحين خلق الله (تبارك وتعالى) الخلق، خلقهم ليعبدوه (وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)) [سورة الذاريات آية: ٥٦] خلقهم لطاعته، خلقهم لعبادته، ولم يكلفهم أن يعرفوه بعقولهم؛ إذ إن العقل قاصر لا يصل إلى كُنه الله، ولا يصل إلى الطريق إلى رضاه، والناس في حظوظهم من العقل متفاوتون، وفي تقريرهم للحق مختلفون، من هنا كانت رحمة الله جلت قدرته ألا يعذب أناسا حتى يبعث إليهم رسولا(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا (١٥)) [سورة الإسراء آية: ١٥] فمن لم تبلغه دعوة الرسل لا يؤاخذ، ولا يحاسب، ولا يعاقب مهما فعل، تلك رحمة الله، وتلك مشيئته، لابد من البلاغ، من هنا كانت بعثة الرسل ضرورة؛ إذ كيف يعرف الإنسان ربه؟ كيف يعرف المطلوب منه؟ مهما وصل العقل البشري، مهما ارتفع إلى درجات الكمال أعقل الناس، أيمكن له أن يميز بين النافع والضار؟ هل يمكن أن يميز بين الحسن والقبيح؟ هل يمكن أن يميز بين ما يجب وما لا يجب؟ يمكن أن يصل إلى وجود مدبر خالق للوجود، ولكن ما صفته، وصل العقل إلى وجود خالق نعم، لكن هل يرى ويسمع؟ أين هو؟ ما وصفه؟ ماذا يريد مني؟ لماذا خلقني؟ كيف أصل إلى رضاه؟ كيف أتجنب غضبه؟ لذا كانت بعثة الرسل ضرورة. من هنا يقول الله (تبارك وتعالى):
وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۖ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿48﴾
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ﴿49﴾
وكما قال قوم محمد (صلى الله عليه وسلم) (لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)) [سورة فصلت آية: ٢٦] ولم يرسل ربنا (تبارك وتعالى) الرسل ليُقترح عليه، أو يُقدم بين يديه الكلام، كما نبّه (لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ ) [سورة الحجرات آية: ١] الرسول له وظيفة، يعرفك بالله، يقربك من الله، يبين لك أوامر الله، يوضح لك النواهي، يبشرك إن أطعت، وينذرك إن عصيت، تلك وظيفة الرسل، لكن الأمم حين جاءتها الرسل غفلت عن تلك الوظيفة، وبدأت تقترح هلمّ بنا إلى قوم النبي (صلى الله عليه وسلم) هو الصادق شهدوا له بذلك، هو الأمين شهدوا له بذلك، يعرفون نسبه، يعرفون صدقه، يعرفون خلقُه، حين جاءهم بشيرا ونذيراً قالوا:(أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)) [سورة الإسراء آية: ٩٢] طلبوا أن يروا الله، ويروا الملائكة، تعجبوا كيف يمشي في الأسواق (وَقَالُوا۟ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌۭ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ﴿۷﴾أَوْ يُلْقَىٰٓ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٌۭ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾[سورة الفرقان آية:۷ : ٨].
طلبوا منه طلبات غريبة، عجيبة، تخرج عن قدراته كرسول، وتخرج عن وظيفته كمبلّغ؛ لذا بين ربنا (تبارك وتعالى) ذلك فيقول:
(وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) مبشرين لمن آمن، ومنذرين لمن كفر (فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ) آمن بالرسل، بما جاءوا به، وأصلح عمله، وأصلح نيته، وأصلح ما بينه وما بين الله، وأصلح ما بينه وما بين الناس (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)) لا خوف عليهم من العذاب، ولا هم يحزنون على فوت ثواب، ولا يخافون مما هو آت، ولا يحزنون على ما فات (وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ (٤٩))
من آمن نجا، ومن كذّب وفسق وخرج عن الطاعة، يمسهم العذاب، وكأن العذاب هو الذي يمس، وكأن العذاب فاعل، وكأن العذاب هو الذي يسعى إليهم إشعار بأنه لن يفلت من عقابه أحد، ومهما ذهب فالعذاب وراءه يسعى إليه، حتى يصل إليه بما كانوا يفسقون، يخرجون عن طاعة الله (عز وجل) تلك وظيفة الرسل، والطلبات التي طلبوها، يرد عليهم فيقول الله (تبارك وتعالى) لنبيه (صلى الله عليه وسلم) ملقناً إياه الحجة
قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴿50﴾
خزائن الله: أي مقدورات الله، فأفعل ما تطلبوه مني، أسقط السماء عليكم، أو أمطر عليكم حجارة، أو أحول جبال مكة ذهباً، طلبوا منه أن يدلهم على الغد ماذا يصيبهم فيه، من الذي سوف يموت أول الناس؟ ماذا سوف يحدث في الشهر القادم، طلبوا منه أمور غيبية (لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ)
ولا أقول لكم إني ملك أستطيع أن أرقى في السماء، أو أحيا بغير طعام، أو أحيا بغير شراب، أو لا أنام، (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ).
الخلاصة هو بشر، ولكن الله فضّله بالوحي، إذاً فأنا مأمور ولست آمر، مبلّغِ ولست مبتدع، أبلغكم عن ربي، وأتبع ما يأمر به ربي، أتبع الوحي لا أستطيع أن أفعل شيئا ممن طلبتموه، لا أملك خزائن الله، ولا أملك مقدورات الله، ولا أملك أن أكون ملكا، ولا أملك أن أرقى في السماء، وما أنا إلا عبدٌ لله مأمورٌ متبع لوحيه، (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ) وفي موضع آخر (وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ (٩)) [سورة الأحقاف آية: ٩]، ويلقّنه حجة (قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)) الأعمى هو الكافر، الأعمى هو من رزقه الله (تبارك وتعالى) الإبصار، فلم يبصر الآيات، الآيات أوضح ما تكون، ما من شيء في الوجود إلا ويخبر عن الحي المعبود، فسبحان من احتجب عن الخلق بنوره، وخفي عنهم بشدة ظهوره، والبصير المؤمن، والعمى عمى البصيرة، العمى عمى القلب؛ لأن الله يقول:(فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ (٤٦)) [سورة الحج آية: ٤٦].
استعارة لبيان الفرق بين الكافر، والمؤمن، الضال، والمهتدي (أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)) تفكَّر، وتدبَّر، وما من عبد أعمل عقله، وطلب الهدى إلا وصل إلى الهدى، ربنا (تبارك وتعالى) يطلب منا أن نلجأ إليه، يبتلينا بالمصائب ليطهرنا، يبتلينا بالشدائد ليعالجنا، ربنا (تبارك وتعالى) يتقرب إلينا ويدعونا إليه، ويسألنا أن ندعو، وأن نسأل، وأن نلجأ، وما من رافع يديه إلى السماء إلا وهو واصل لما يريد، وما رد الله دعاء إنسان قط، ولكن ماذا تطلب؟ (كُلًّۭا نُّمِدُّ هَـٰٓؤُلَآءِ وَهَـٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)) [سورة الإسراء آية: ٢٠] طلاب الدنيا هي لهم، وطلاب الآخرة هي لهم (وَمَنْ أَرَادَ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًۭا (١٩)) [سورة الإسراء آية: ١٩] (مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًۭا مَّدْحُورًۭا (١٨)) [سورة الإسراء آية: ١٨].
المهم ماذا تطلب ماذا تريد (وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ) [سورة غافر آية: ٦٠] وهو الصادق لما وعد، ومن أصدق من الله قيلا؟ من هنا كان طلب التفكّر(أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)) لو أعمل الإنسان عقله، وتفكّر فيما حوله، لوصل إلى الله (تبارك وتعالى) وإلى وجوده، ولاستقر الإيمان في قلبه، ولعلم أن الدنيا دار زوال، ولعلم أن الآخرة آتية لا ريب فيه، وكل ما هو آت قريب، وإنما البعيد ما ليس بآت، ولعلم أنه بين مخافتين، بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، ولأخذ من نفسه لنفسه، ولأخذ من صحته لمرضه، ولأخذ من غناه لفقره، ولأخذ من فراغه لشغله، ولأخذ من نفسه لنفسه، ولعلم مقالة النبي (صلى الله عليه وسلم): (كُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ أُمٍّ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا)
يلقن الله (تبارك وتعالى) حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) الحجة تلو الحجة، ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم) لقومه الحق، وينطق بالصدق (قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ) تلك حقيقة النبي (صلى الله عليه وسلم) ويسأله قل هل يستوي الأعمى والبصير؟ ويدعوهم للتأمل، أفلا تتفكرون، ثم يقول الله (تبارك وتعالى) آمراً:
وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿51﴾
الإنذار: الإعلام أو الإخبار إخبار فيه تخويف، من الذي يجدي معه الإنذار، والتخويف والتحذير؟ الذين يخافون أن يُحشروا إلى ربهم، إذاً فهم متوقعون للسؤال، متوقعون للمؤاخذة والعتاب، فحين ينذرهم يجدي معهم الإنذار فيرتدعون؛ لذا قيل: إن الآية يقصد بها عصاة المؤمنين كي يعودوا عن عصيانهم، ويقلعوا عن ذنوبهم، أو مقصود بالآية كل من آمن بالحشر، فالإنذار يجدي مع كل من يتوقع الحشر، ويؤمن بالحشر لكنه لا يؤمن بالنبي (صلى الله عليه وسلم) كأهل الكتاب من يهود ونصارى، فهم مؤمنون بالحشر، مؤمنون باليوم الآخر، إذا فالآية مختصة بكل من أيقن بيوم الحساب وأقر به، سواء كان مؤمنا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) أو منكرا لنبوته (وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)) يتقون الوقوع في المعاصي إن كان الكلام عن عصاة المسلمين، ويداومون على التقوى إن كانوا من المتقين، أو إن كانوا ممن يؤمن بالحشر ولم يهد الله قلبه للإيمان بمحمد (صلى الله عليه وسلم) فلعلهم يؤمنون برسالتك ويصدقون بك، والوليّ: الناصر، المعين، الشفيع: من الشفع، وهو الزوج، والوتر: الفرد، وكأن الإنسان إذا كانت له حاجة فجاء آخر يقف إلى جواره، أو يؤيد مطلبه، أو يترجّى من أجله، فكأنه قد شفعه فأصبح شفعاً بعد أن كان وتراً، فالشفيع هو من ينضم إليك فيؤيد وجهة نظرك، أو يؤيد حجتك، أو يساعد في أداء حاجتك، أو في تحقيق مطلبك، والآية تفيد أنه لا ولاية، ولا شفاعة في يوم القيامة إلا لله (لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ ) وشفاعة النبي (صلى الله عليه وسلم) ثابتة، وشفاعة الصالحين ثابتة لكن الشفيع على الحقيقة هو الله، فإن شفع النبي (صلى الله عليه وسلم) وشفع الأنبياء، وشفع الصالحين، والعلماء فبإذن الله لهم (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ) [سورة الأنبياء آية: ٢٨] لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له، فالشفيع على الحقيقة هو الله، من هنا تنبّه الآية لهذا، أن الشافع مهما كان مقامه لا يشفع إلا بعد أن يأذن الله له في الشفاعة، ويرضى عن من يشفع له، فهو يأذن للشافع، ويرضى عن المشفوع فيه، فإن رضي عن المشفوع فيه أذن للشافع أن يشفع له (لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)) ويأتي الكلام عن الذين أجرى معهم الإنذار، هؤلاء الذين آمنوا بنبي الله (صلى الله عليه وسلم) ولم يسألوه آية، ولم يطلبوا منه المعجزات، بل استجابوا له في التو واللحظة، هؤلاء الفقراء البسطاء، الذين انفتحت قلوبهم لعقيدة الإيمان، كخباب، وصهيب، وعمّار، وسلمان هؤلاء الضعفاء الذين آمنوا في بدء الرسالة، وعُذِبوا في الله، وظلوا على عقيدتهم لا يتزعزعون، هؤلاء الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) من أول لحظة، وأحاطوا به، وتفرغوا للعبادة، كَبُر على المشركين من أهل مكة أن يستأثر هؤلاء السُقّاط، والأعبد كما يقولون بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وبمجلسه وكلما دعاهم للإيمان قالوا: كيف نأتي، ونجلس إليك وحولك هؤلاء الأعبد، فيجترئون علينا، اطردهم ونحن نأتيك، مقالة تكررت في الأقوام السابقة، ولو نظرنا في آيات القرآن وما حكى القرآن عن الأمم السابقة لوجدنا أن هذا المطلب طولب به نوح فرد قائلا: (وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ (٢٩)) [سورة هود آية: ٢٩].
كما طولب به الأنبياء: نوح، وصالح، وهود وجميع الأنبياء بذلك، كذلك طالب صناديد قريش نبينا (صلى الله عليه وسلم) أن يطرد هؤلاء، فقال وما أنا بطارد المؤمنين كما قال الأنبياء من قبل، قالوا: إذاً فاجعل لهم مجلسا، واجعل لنا مجلساً، واكتب لنا بهذا كتابا، ففكر النبي (صلى الله عليه وسلم) وهمّ بذلك طمعا في إيمان أشراف قريش؛ إذ لو آمن أشراف قريش لآمن الناس تبعاً لذلك، فهمّ أو حدثته نفسه، لكنه لم يحدث منه طرد (صلى الله عليه وسلم) فنزلت الآية:
وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍۢ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿52﴾
والطرد: إبعاد فيه إهانة.
(وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ ) الغداة، والغدوة: أول النهار، والعشي آخر النهار، والكلام يفيد أن هؤلاء يعبدون الله، ويذكرون الله، ويقرءون القرآن آناء الليل، وأطراف النهار، فعبّر عن اليوم كله بالغداة والعشي، أو قُصد بذلك الصلوات المكتوبة، يدعون: يذكرون، يدعون: يقرءون القرآن، هؤلاء الذين تفرغوا لحفظ القرآن، وصاحبوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ملْء بطونهم (يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ) شهادة، ويالها من شهادة، شهادة من العليم الخبير، أن هؤلاء قد أخلصوا عبادتهم لله، المخبر عنهم رب العالمين، الذي لا تخفى عليه خافية، الشاهد لهم الله (تبارك وتعالى) (وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا (٧٩)) [سورة النساء آية: ٧٩]، شهد لهم بالإخلاص، وبيّن لنا أن العبادة بغير إخلاص كَلاَ عبادة، وأن الإخلاص في الذكر، والإخلاص في العبادة هو مِلاك الأمر كله، ورد على هؤلاء الذين زعموا أن هؤلاء الفقراء أحاطوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) من أجل المأكل، والملبس، فقالوا ما اتبعك هؤلاء إلا لأنهم فقراء لا يجدون ما يقتاتون به، فصاحبوك كي تطعمهم فقط، وأما قلوبهم فهي خاوية من الإيمان، والتصديق، فردّ الله (تبارك وتعالى) وشهد لهم، فرد الله عنهم مدافعا فقال: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ) أي يخلصون العبادة له، ويبتغون مرضاته (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍۢ)
(مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ) (مِنْ) الأولى للتبعيض و(مِنْ) الثانية للتأكيد أي ليس عليك حساب بواطنهم، وإنما البواطن حسابها على الله، لك ظاهر الأمر، أما الباطن فالله تبارك وتعالى يعلمه، ويحاسب عليه، حسابهم عليه لا يتعداهم إليك، وحسابك عليه لا يتعداك إليهم، حساب البواطن لله أو بمعنى الرزق (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم) أي من رزقهم
فالآية تعبّر عن الرزق، وتعبّر عن الباطن، وتعبّر عن صدق العقيدة، وتعبّر عن المؤاخذة كقوله (عز وجل) (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ) [سورة الأنعام آية: ١٦٤].
( وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍۢ) وكذلك رزقك، وعملك، وإيمانك، وباطنك كل ذلك لا يتعداك إليهم، هم غير مسئولين عنك، كما أنك غير مسئول عنهم، وقد تُشعر الآية أن الكلام أيضا لصناديد قريش، وأشراف مكة (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ) أنت تطمع في إيمانهم، وهممت بطرد الضعفاء من أجلهم وإيمانهم، أنت لست مسئولا عنه، كما أن إيمانك ليسوا هم مسئولون عنه، وربك أعلم بمن آمن، وربك أعلم بمن يستحق الهدى (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍۢ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٥٢)) والآية تقديرها، ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، فتكون من الظالمين، ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء، ويبين ربنا (تبارك وتعالى) بعضا من حكمته فيقول:
وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿53﴾
وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَـٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿54﴾
وقيل: إن الآية نزلت بسبب أقوام جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) من المسلمين، وقالوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصَبْنَا ذُنُوبًا عِظَامًا فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ، فَنَزَلَ التوجيه الإلهي (وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا ) هؤلاء الذين يؤمنون بالله، ووقعوا في بعض الذنوب فجاءوك لتستغفر لهم، أو جاءوك يشكون ذنوبهم ويخافون من خطئهم (فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ )أي بشّرهم بسلام الله عليهم، والسلام والسلامة بمعنى واحد، أي سلمكم الله، وأبشركم بالسلامة في دينكم، وفي أبدانكم، وبشرهم بأنه كتب على نفسه الرحمة، فإن أذنب، واستغفر، فالتائب من الذنب لا ذنب له.
(كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ) أوجبها على نفسه تفضلا ورحمة أو كتبها في اللوح المحفوظ، حيث كتب في بدء الخلق (رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي) وعد وهو الصادق في وعده، تفضلا وإحسانا.
( أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَـٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (٥٤)) قرأت (أنه) و(إنه) (مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا) بدل من الرحمة (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُۥ) أي كتب أنه من عمل منكم سوءً، رحمة الله هي أنه من عمل سوءً بجهالة أي وهو جاهل بالتحريم، أو ارتكب عن غير عمد، وقال بعض العلماء: من آثر العاجل على الآجل فذلك هو الجاهل الذي لا يتوقع عاقبة الذنب، أو لا يفكر فيه قبل أن يرتكب، أو الذي ارتكبه عن غير قصد، أو الذي ارتكبه غير عالم بالتحريم، أو وقع فيه لضعف نفسه لم يتعمد (ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ) أصلح العمل، وعزم على عدم العود وندم على فعله (فَأَنَّهُۥ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (٥٤)) أي فإن الله (تبارك وتعالى) غفور رحيم، إذاً فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿55﴾
(وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ (٥٥)) أي لتتبين يا محمد طريق المجرمين، والكلام له، وللأمة أي كي تستبينوا أيها المؤمنون طريق المجرمين، وأسلوبهم، ومجادلتهم، وتصرفهم، وسلوكهم، فيتبين المؤمن من الكافر، والمجرم من الصالح (ولتسبين سبيلُ المجرمين) قراءة (ليستبين سبيلُ المجرمين) قراءة
والسبيل أي الطريق، يذكّر ويؤنث، سبيل المجرمين يتضح، وأين سبيل المؤمنين؟ قيل محذوف، كما قال (سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ) [سورة النحل آية: ٨١]، ولم يقل سرابيل تقيكم البرد للعلم بها، أو كما تبينت سبيل المجرمين، فإذا اتضح سبيل المجرمين، اتضح بالتبعية سبيل المؤمنين، وبضدها تتميز الأشياء.
أيها الأخ المسلم، الطريق واضح، والحجة واضحة، والدليل بيّن من شاء الله هداه، ومن شاء أضله وأعماه، وربنا (تبارك وتعالى) أعلم، فمن علم منه الشكر، وصدق النية يهديه، ومن علم منه الكفر، وخبث الطوية يخزيه.
فقد راود كفار مكة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كثيرا عن دينه بالترغيب تارة، وبالترهيب تارة، بل وقالوا له: هلمّ فاعبد إلهنا يوما، ونعبد إلهك يوما، والحق أبلج، والباطل لجلج؛ ولذا كان الحق دائما وأبداً ظاهراً بإظهار الله له، يقول الله (تبارك وتعالى) لحبيبه المصطفى:
قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًۭا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴿56﴾
(قُلْ إِنِّى نُهِيتُ) أي نهاني ربي، وزجرني (أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ) أي تعبدون، والدعاء عبادة، نهاني ربي أن أعبد، أو أدعو أو أتوجه بالتقرب لهذه الأصنام والأوثان.
(قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ) العلة إعجاز لغوي غريب، إذاً فعِلّة النهي أنهم يتبعون الهوى، لا يتّبعون الهدى، ومن اتبع هواه ضلّ، أيضا إشعار وتنبيه بأنهم مقلدون، متبعون للهوى غير متبعين للحق والهدى.
(قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًۭا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ (٥٦)) ضَلَلْتُ ضَلِلتُ (قراءتان)، وضَلَلتُ أفصح وأبْين، أي إذا اتبعت أهواءكم ضللت؛ لأن اتباع الهوى يضل، ويعمي، ويصم، ولن أكون في عداد المهتدين طالما اتبعت أهواءكم.
قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِۦ ۚ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦٓ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ ﴿57﴾
(قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى) دليل، وحجة، ومنطق متفق مع العقل (مِّن رَّبِّى) من إلهي الذي أدعوكم إلى عبادته، وأنه لا معبود سواه، وأنه الواحد الأحد، وأنه الحق، وما سواه باطل (وَكَذَّبْتُم بِهِۦ) بربي الذي أنا على بيّنه منه، ذاك معنى، والمعنى الآخر (قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ) القرآن (مِّن رَّبِّى) جاءني من ربي بوحي من السماء (وَكَذَّبْتُم بِهِۦ) القرآن (مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦ) الاستعجال: طلب تعجيل الشيء قبل أوانه، ما الذي استعجلوه؟
العذاب (وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ (٣٢)) [سورة الأنفال آية: ٣٢]، فقالوا للنبي (صلى الله عليه وسلم) أين العذاب الذي تحدثنا عنه، وتخوّفنا منه، فأُمر أن يقول لهم (مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦٓ) من أين آتيكم بالعذاب؟ من أين آتيكم بالحجارة تمطر عليكم من السماء؟ كيف أسقط عليكم السماء، لا أقدر على ذلك، وما عندي ذلك (إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) هو الحكم العدل، هو الذي يقضي بالحق، هو الذي يفصل بين الحق والباطل، هو الذي يأمر، هو الذي يعلم (يَقُصُّ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ (٥٧)) القص: قص الأثر، قص الحديث: أتى به على وجهه، يقص الحق: أي يقص القصص الحق، أي يخبرنا بالخبر الحق، باليقين، بالصدق (وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ (٥٧)) أي الحاكمين، إن الحكم: المنع، كأن حكم القاضي بمنع الباطل (يقضي الحق) قراءة أي يقضي القضاء الحق، والقضاء الفصل بتمام الأمر، يقضي القضاء الحق بيني وبينكم، متى يأتيكم بالعذاب هو أعلم، والقراءتان صحيحتان، وتأتي الحجة الأخيرة، والبيان لرحمة الله وحلمه، والتي لا يبلغها مخلوق مهما أوتي من الحلم، سيد الحكماء، وسيد الحلماء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولكن أنى هذا من حلم الحليم؛ لذا يقول ربنا له ملقّناً.
قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿58﴾
(وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ (٥٨)) أي كأنه يقول لو أن الأمر عندي، ولو أن الأمر بيدي لأهلكتكم، لكن الأمر بيد الله هو الحكم، هو أعلم بالظالمين، أعلم بمن يستوجبون تعجيل العذاب، وأعلم بمن يستحقون الإمهال، فإن عاجلكم بالعذاب فهو أعلم بأنكم تستحقون ذلك، وإن أمهلكم فهو أعلم بأنكم تستحقون ذلك، فأنتم في دائرة الإمهال، وإياكم فربنا يمهل ولا يهمل، ففيه التهديد، والوعيد (وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ) [سورة الأنعام آية: ٥٩] والغيب كل ما غاب عن الحس سواء كان حاضراً، أو ماضياً، أو مستقبلا ،ربنا (تبارك وتعالى) لا تخلوا أفعاله من الحكمة، وينزه ربنا، وتنزه أفعاله من العبث، يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، هو أعلم بالشاكرين، وهو أعلم بالظالمين، هو أدري بخلقه، هو الذي خلقهم، وهو الذي صنعهم، وهو القائل عن نفسه (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ (١٤)) [سورة الملك آية: ١٤]، ولا عجب أن نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألف ملك، سورة الأنعام التي نزلت بمكة تتناول القضايا الكبرى الأساسية لأصول العقيدة، والإيمان، تسوق الحجج الدامغة، والأدلة الباهرة، البراهين القاطعة، متبعة في ذلك أسلوبين: أسلوب التقرير، وأسلوب التلقين، أما أسلوب التلقين فتلقين الحجة للنبي (صلى الله عليه وسلم) يقرع بها أسماع المشركين، فيضحض حجتهم، وافتراءاتهم، ويبطل ادعاءاتهم، ويلزمهم الحجة، وأسلوب التلقين بطريق السؤال، والجواب، قل سؤال، قل جواب.
(قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ) [سورة الأنعام آية: ١٢] (قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدَةًۭ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ) [سورة الأنعام آية: ١٩].
وأسلوب التقرير: تأتي الآيات وتسوق الأدلة القاطعة فيما يتعلق بوجود الله (عز وجل) وتوحيد وقدرته، وعلمه، وصفاته القدسية، صفات الجلال، والكمال، والجلال، أسلوب التقرير بصياغة الآية كالأمر المسلّم به، والتعبير عن الذات العليّة بضمير الغائب عن الحس (هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ) [سورة الأنعام آية: ٢] (وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ) [سورة الأنعام آية: ٣] (وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ ) [سورة الأنعام آية: ٦٠] (وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ) [سورة الأنعام آية: ٦١] تقرير فلا عجب أن نزل يشيعها سبعون ألف ملك، تتوالى الآيات على هذا الخط، وتأتي الآيات لتبين بعض صفات الجلال والكمال.
وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿59﴾
(وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ) إذا فقد استأثر الله (تبارك وتعالى) بعلم الغيب،
والغيب: كل ما غاب عن الحس، عنده الغيب، والأمور الغيبية والطرق الموصلة إليها،
عنده خزائن الرزق، خزائن القدرة، خزائن كل شيء، وعنده أيضا الطرق الموصلة إلى العلم بما لا يملكها إلا هو، فإن شاء أن يُطلع أحداً من خلقه أطلعه، ومن شاء أن يحجبه، ولكن الله لا يطلع على غيبه إلا من ارتضى من الرسل لقوله (عز وجل) (عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍۢ فَإِنَّهُۥ يَسْلُكُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًۭا ﴿٢۷﴾) [سورة الجن آية: ٢٧:٢٦]، وكذلك قوله ( وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ) [سورة آل عمران آية: ١٧٩]
فعالم الغيب هو الله، فمن زعم أن أي إنسان يعلم ما يكون في غد فقد كفر؛ ولذا تقول عائشة (رضى الله عنها) (من زعم أن محمداً يخبر ما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية) لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) لا يعلم الغيب، ومن منذ بعض آيات كان يقول الذي لقّنه الله له (وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ) لكن الله إن شاء يطلع أحداً على الغيب أطلعه، ولا يطلع إلا من ارتضى من الرسل؛ لذا يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) ( مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) ساق الحديث مسلم في صحيحه، والعرّاف: هو الذي يزعم أنه يعرف ما يكون في غد: من العرافة، والكهانة، والعيافة كل ذلك من قراءة الكف، والفنجان، وضرب الودع، وضرب الرمل، وما إلى ذلك، كل ذلك كفر، والعياذ بالله (وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ) البر: الأرض الواسعة، والبحر معلوم، يعلم الجزئيات، كما يعلم الكليات، والآية ترد على بعض فلاسفة القرون الوسطى، الذين زعموا أن الله (تبارك وتعالى) يعلم الكليات، ولا يعلم الجزئيات، فيبيّن ربنا (تبارك وتعالى) أن علمه محيط بكل شيء، يستوي في ذلك الحقير، والخطير، الصغير والكبير، يعلم ما في البر والبحر، من حركة، ومن سكون، ومن مخلوقات، ومن كل شيء، ويأتي التفصيل ليؤكد العلم بالجزئيات.
(وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا) يعلم متى تسقط الورقة من الشجر؟ وأين تسقط؟ وكم تدور في الهواء؟ وكيف تدور في الهواء؟ وإن سقطت ما مصيرها؟ يراها بعينه التي لا تنام، عين الله على كل شيء صغير أو كبير.
(وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْأَرْضِ) في باطن الأرض أين توضع؟ ومن يضعها؟ وهل تنبت أم لا تنبت؟ حركتها تحت الأرض كيف يخرج منها الساق إلى أعلى، ويخرج منها الجذر إلى أسفل! وكيفما وُضعت الحبة، كيفما بذرها الباذر، كيفما تكون يخرج الساق إلى أعلى وينزل الجذر إلى أسفل(وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ) الرطب: الحي. اليابس: الميت، الرطب: المتحرك. اليابس: الساكن. اليابس: الجمادات بكافة أنواعها، والرطب كل ما فيه حياة، يعقل أو لا يعقل كالإنسان، والحيوان، والنبات وما إلى ذلك.
(إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ (٥٩)) أي إلا في اللوح المحفوظ الذي سطر بقلم القدرة من الأزل، كل ما هو كائن وكل ما هو يكون مسطور فيه، أو إلا في علمه (عز وجل) المحيط بجميع المعلومات إحاطة الكتاب بما فيه.
وقد رُوي أنه ما من حبة، ما من ثمرة، ما من مطعوم إلا ومكتوب عليه، على الحبة، وهي في ظلمات الأرض (بسم الرحمن الرحيم هذا رزق فلان بن فلان) أنت تأكل الرغيف، وقبل أن تأكل الرغيف الحب الذي صُنع منه الرغيف حيثما جُمع، وأينما جُمع، هذه الحبات كُتب عليها اسمك من قبل أن تُنبت، من قبل أن تُزهر، أو تُصنع، رزق فلان بن فلان (وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)) [سورة الذاريات آية: ٢٢] علم الله (تبارك وتعالى) محيط بكل شيء، لا يفوته شيء، وكلٌ مكتوب، وإذا كان ما ليس فيه ثواب ولا عقاب مكتوب، فكيف فيما فيه ثواب وعقاب، فاحذر فإن هذا مكتوب، فالأعمال مكتوبة، والعالم بكل شيء، المحيط بكل شيء، عالم بأعمالك، وأقوالك، مكتوبة مسطورة عليك.
وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰٓ أَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿60﴾
يتوفاكم بالليل: في المنام، بالليل قبض الأرواح في النوم مع إبقاء الصلة التي تجعل الإنسان يتنفس، وتتحرك أحشاؤه، وأعضاؤه، وتفرز المعدة ما يلزم للهضم، حركات الجسم الداخلية، ودقات القلب تظل رغم قبض الأرواح، فإذا قبضها حين الموت قبض كل شيء، وشُبه النوم بالموت؛ لأن النائم يفقد الحس كما يفقد الميت الحس، وكي يعلم الإنسان أن من قدر على أن ينيمك، ثم يوقظك قادر على أن يحيك بعد أن يميتك (وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ) جرحتم: كسبتم بالجوارح: باليد، والقدم، واللسان، والجوارح، قد ينام الإنسان نهارا، وقد يتكسب ليلا، لكن السياق والآية جاءت على الغالب، لكن هذا لا يمنع من أن الله (تبارك وتعالى) هو الذي يتوفى من نام بالنهار، ويعلم من تكسّب بالليل (وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ) والآية فيها التقديم، والتأخير،(وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ ) يبعثكم فيه: يوقظكم، ويعلم كل ما تكسبون من أقوال، وأفعال (ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰٓ أَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى) الأجل: المدة، وتُطلق الكلمة على نهاية المدة، أجل مسمى: معلوم، محسوب، مكتوب، مقدر، لا يتقدم، ولا يتأخر، أي يوقظ النائم حتى يستوفي عدد أيام حياته، وساعات حياته، وأنفاسه (ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)) فإذا أنبأنا بما نعمل فذاك هو الحساب، أي يحاسبكم على أفعالكم، وأعمالكم.
وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ﴿61﴾
ثُمَّ رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ ﴿62﴾
القاهر: الغالب لعباده، المقتدر عليهم، لا يستطيع أحد من خلقه أن يرد تدبيره، أو أن يخرج من تحت قهره، وتقديره (وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) الحفظة: ملائكة أرسلهم برسالة الحفظ، والملائكة الحفظة أنواع: منهم الكتبة (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ (١٨)) [سورة ق آية: ١٨]، لا يفارق الإنسان أبداً ملائكة الكتابة والحفظ، أي حفظ الأعمال، والأقوال وهناك حفظة يحفظونه من أمر الله، يحفظون الإنسان من الآفات، يحفظون الإنسان من أن تتخطفه الشياطين، يحفظونه من كل ما يضر إلا بأمر الله؛ ولذا اختلف العلماء في عددهم، فمن قائل أربعة، ومن قائل خمسة، والملائكة تتناوب، منهم ملائكة النهار، ومنهم ملائكة الليل، قيل هذا، والله (تبارك وتعالى) أعلم بجنوده (حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ) أي جاءت أسبابه.
(تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)) (توفاه رسلنا) (قراءة) (تتوفاه رسلنا) (قراءة) وهم لا يفرطون (قراءة ) وهو لا يُفْرطون (قراءة) الوفاة هنا: الموت نُسيت الوفاة أو نُسب التوفي تارة إلى الله (ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) [سورة الزمر آية: ٤٢] نُسبت إلى المَلَك (قُلْ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ) [سورة السجدة آية: ١١]، ونُسبت إلى الملائكة كما في هذه الآية (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) المتوفي على الحقيقة هو الله، هو الذي يحي ويميت، أما الملك والملائكة، فقد قال العلماء: إن الملائكة يسلبون الروح من الجسد، فإذا خرجت الروح من الجسد قبضها ملك الموت.
وقال بعضهم: بل القابض للروح ملك الموت أولا، ثم بعد ذلك يسلّم هذه الروح إلى الملائكة، بحسب الحال، فإن كان الميت صالحا أسلم روحه إلى ملائكة الرحمة، فبشرته بعفو الله، وبرحمته الله، وبغفران الله، وبسلام الله، وصعدت الروح إلى عليين، وإذا كان الميت غير ذلك والعياذ بالله، قبض ملك الموت روحه، وأسلمها لملائكة العذاب، يضربون وجوههم وأدبارهم، ويبشرونهم بالعذاب، وتساق الروح إلى سجين، أقوال والله (تبارك وتعالى) أعلم، فإذا جاء الأجل أي انتهت المدة، واستوفى أيام عمره (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١))لا يفرطون: لا يقصّرون، لا يتوانون، فلا يتقدم قبض الروح، ولا يتأخر، ولا يخطئون في شيء، ولا يتجاوزن الحد، فالبشارة بشارة بما أمر الله به، والإيعاد بالعذاب، أو ضرب الوجوه، والأدبار دون تجاوز، دون تفريط لا تقصير في ذلك، إذاً فالحفظة موجودون حتى لحظة الموت، وبالموت تنتهي رسالة الحفظ الأخير.
(ثُمَّ رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ) يوم البعث يردون إلى الله المتولي أمورهم في الدنيا، والآخرة (أَلَا لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ (٦٢)) له الحكم، هو الحكم العدل، هو الذي يحكم على أعمال الناس، هو الذي يحكم على نيّات الناس، وكم من أناس يوم القيامة تُفاجأ بالحساب، الحساب الذي ينتهي الله (تبارك تعالى) منه في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا، أو في مقدار حلب شاة كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ (٦٢)) لا يشغله حسابا عن حساب، كما لا يشغله شأن عن شأن، لا يحتاج إلى عد، لا يحتاج إلى فكر، لا يحتاج إلى بحث، لا يحتاج لشيء، هو أسرع الحاسبين، كما قيل يحاسب الخلائق جميعا في مدة تساوي مدة حلب الشاة، كم من أناس يوم القيامة يُفاجئون بمصيرهم، كقول النبي (صلى الله عليه وسلم) ( فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا، عَارِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وكقوله (صلى الله عليه وسلم) عن ذاك الذي يطيف به أهل النار، بعد أن يطوف هو يدور في النار كما يدور الحمار بالرحى، يا فلان ألم تكن تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر، فيقول كنت آمركم بالمعروف و لا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه، كم من أناس نالوا الجاه والسلطان في الدنيا، وداستهم الناس يوم القيامة بأقدامهم لهوانهم على الله، يُحشر المتكبرون يوم القيامة كهشيم الذر يطؤهم الناس لهوانهم على الله، وكم، وكم، وكم من متهم في الدنيا يبرئه الله يوم القيامة! كم من مظلوم في الدنيا ينصره الله يوم القيامة، أسلوب التقرير، الأدلة الساطعة، والبراهين القاطعة على وجود الله، عز وجل، على وحدانية الله (عز وجل) على سلطانه، وقهره، وتقديره، وتدبيره، وتأتي الآيات بأسلوب التلقين تارة أخرى.
قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةًۭ لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ﴿63﴾
قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍۢ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿64﴾
(مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ) شدائد البر، والبحر، ظلمات الغيّم، وظلمات الموج، الشدائد عموما يُعبر عنها بالظلمات، وكم في الأرض من شدائد، وكم في البحر من شدائد، من الذي ينجي؟ (تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةًۭ) وخِفية (قراءة) والخُفية، والخِفية في السر.
تدعونه تضرعا: أي بالصوت، يجأر الإنسان بالدعاء، أي تسرون، وتعلنون بالدعاء، والتضرع من الضراعة، من الذلة، اللجوء إلى الله، والكلام، وتحريك اللسان بالدعاء، ورفع الصوت (وخُفية) في أنفسكم، وفي سركم (وخِفية) من الخوف.
(لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ) قراءة (لئن أنجيتنا) قراءة أي لئن أنجانا من هذه الشدة (لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ (٦٣)) عتاب تقريع لوم، إذا أصابتك الشدة لمن تلجأ؟ تلجأ إلى الله، فإذا كنت تلجأ إلى الله وقت الشدة، فلم لا تعرفه وقت الرخاء؟ فلم تشرك معه غيره إذا أنجاك؟
(قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍۢ) جاءت الإجابة، الحجة، الله ينجيكم منها، ومن الشدة التي دعوتموه من أجلها (وَمِن كُلِّ كَرْبٍۢ) الكرب: الغم الذي يأخذ بالنفس، الغم الشديد، حتى ولو لم تدعو ينجيكم من كل شدة، ومن جميع الشدائد.
(ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)) والغريب في الآية، والمتأمل في الألفاظ، وفي السياق يرى أن التقدير (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةًۭ لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ (٦٣) قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍۢ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)) وكان التقدير أن يقول (ثم أنت لا تشكرون) لكن هذا التقدير لم يحدث،(قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍۢ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤))، وكأن عدم شكر الله على النعمة أو نسبة الفضل إلى غير الله شرك، وكفر، فجاء بقوله ثم أنتم تشركون بدلا من قوله ثم أنتم لا تشكرون (قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا) من هذه الشدة (وَمِن كُلِّ كَرْبٍۢ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)) حجة، تنبيه، وعيد، تهديد.
قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًۭا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًۭا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴿65﴾
يلبسكم شيعا، يخلطكم من اللبس، وهو الخلط، يلبسكم من الإلباس، من اللبس، يخلطكم فرق، وطوائف فتتقاتلون، وتتحاربون، وتختلفون، ويطعن بعضكم في بعض، ويقتل بعضكم بعضا (وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ) البأس الشدة بالقتل، والإيذاء، والظلم، وما إلى ذلك
(ٱنظُرْ) يا محمد والخطاب له، ولكل من يعقل (كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ) والتصريف. الإتيان بها من وجوه متعددة تارة بالترغيب، وتارة بالترهيب، تارة بالحجة، وتارة بالبرهان تارة بالتهديد، وتارة بالوعيد (ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)) يفهمون ويتفهمون فهل فهموا؟ يقول جابر بن عبد الله حين نزلت هذه الآية (يُروى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال حينما نزلت (قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًۭا مِّن فَوْقِكُمْ) قال: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ (أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) قال أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ،(أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًۭا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ)، قال هَذِهِ أَهْوَنُ ، أَوْ أَيْسَرُ ).
فقد فزع النبي (صلى الله عليه وسلم) لهذه الآية ورُوي أنه قال لجبريل حين نزل بها (يَا جِبْرِيِلُ وَمَا بَقَاءُ أُمَّتِي مَعَ ذَلِكَ؟ قال: إنما أنا عبدٌ مثلك، فسل الله لأمتك وسأل النبي (صلى الله عليه وسلم) ربه وأجابه الله (تبارك وتعالى) ( إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً، فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ)، أجابه الله (تبارك وتعالى) إلى ثنتين، ومنعه واحدة، استجاب له فرفع عنا العذاب من فوقنا، فلن تهلك أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) بالعذاب النازل من السماء كالصواعق، والأحجار، وما حدث مع الأمم السابقة، كذلك استجاب ربنا (تبارك وتعالى) فرفع عن أمة النبي (صلى الله عليه وسلم) العذاب من تحت أرجلها كالخسف، والتدمير، وقيل عذابا من فوقكم أي يسلط عليكم الحكام فيذيقوكم ألوان العذاب من فوقكم (أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) السفلة من الناس كأهل الفسق، والفجور، الذين دانت لهم الدنيا، وفتحت لهم الأبواب، وشاعوا أقلامهم وألسنتهم للهجوم على الإسلام والمسلمين، الحثالة التي حذر النبي (صلى الله عليه وسلم) منها وبيّن أن من علامات الساعة في آخر الزمان ألا يبقى في الأرض إلا الحثالة، حيث يُقبض العلم بموت العلماء، وحيث تنزع الأمانة من قلوب الرجال، حتى يقال في بني فلان رجل أمين، وتجد الناس يقولون على الرجل ما أعظمه، ما أعقله، ما أظرفه، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، تذهب القيم فيُرفع السفلة، ويسود الفسّاق، ويُتهم العلماء، تفترق أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار ماعدا فرقة واحدة ثنتا وسبعون في النار وفرقة واحدة ناجية تلك الفرقة التي قال عنها النبي (صلى الله عليه وسلم) ( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) العاملون بكتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) فرق كل فرقة تزعم أنها هي الناجية يتشيع الناس لبعضهم البعض، فرق متناحرة، والناظر في أحوال الأمة يجد أن هذا الأمر قد وقع، أمة الإسلام ليست مصر وحدها وليست سوريا وليست فلسطين، أمة الإسلام هم المسلمون في الأرض مهما اختلفت اللغات، والألوان، مهما تباعدت الدول والأقطار فالناظر إلى أحوال المسلمين في كل الدول يجد أن الدول متنافرة متحاربة، كما هو الحادث بين إيران، والعراق، والكويت، ودول الخليج، والسودان، ومصر وما إلى ذلك، الحكام اختلفت قلوبهم، وتباعدت أهواؤهم، وتجد المسلمين كأفراد فرق شيع: شيعة، سنّة، صوفية، وتجد جماعات، وتُسمى بأسماء ويطلقون على أنفسهم الألقاب، الناجون، الجهاد التكفير، الهجرة الكلُ يكفر بعضهم بعضا، والكل يقتل بعضهم بعضا، والكل يطعن بعضهم في بعض، أين جماعة المسلمين، وأين إمام المسلمين؟
وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍۢ ﴿66﴾
لِّكُلِّ نَبَإٍۢ مُّسْتَقَرٌّۭ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿67﴾
أيها الأخ المسلم، حذيفة بن اليمان (رضي الله عنه) (كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، " إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ، قُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهِ قَذَفُوهُ فِيهَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ جَمَاعَةٌ وَلا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ كَذَلِكَ) وقال (صلى الله عليه وسلم) ( يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ، يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ) ونحن في عصر لا نسلم فيه من الفتن.
فلا يخلو زمان من وجود المستهزئين بالأديان، في كل زمان نجد المستهزئين بالأديان، وينبهنا القرآن لذلك، ويرسم ربنا (تبارك وتعالى) لنا الطريق في معاملة هؤلاء المستهزئين، فيقول عز من قائل:
وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿68﴾
وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿69﴾
(وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا) الخوْض في الأصل: العبور في الماء، واستُعير اللفظ لكل خَوْض في الحديث وغيره، ولكنه لا يستعمل إلا فيما هو عبث، ولعب، واستهزاء، أي رأيت الذين يستهزئون بآياتنا، ويطعنون فيها (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) تجنبهم، وابتعد عنهم، وقُم عن مجلسهم (حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ)غاية، فإن خَاضوا في حديث غيره، وليس فيه استهزاء بالقرآن، ليس فيه استهزاء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) فلا بأس من الجلوس معهم (وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ) إذا الإنسان غير معصوم من النسيان، والنسيان جائز على كل إنسان، وربنا هو الذي لا ينسى، ولا يضل، وقد ورد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) صلى العصر ركعتين وسلّم، فسنّ لنا بعد ذلك سجود السهو حين ذكّره ذو اليدين، وقال: ( أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟) فليس هناك مُبرَّأ من النسيان، لكن نبينا (صلى الله عليه وسلم) لا ينسى ما أُمر بإبلاغه، لا ينسى التكاليف، لا ينسى الإبلاغ.
( وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ) إن حدث ونسي الإنسان، فجلس مع هؤلاء الخائضين في آيات الله، فبمجرد أن يتذكّر أمر الله، عليه بالقيام فورا (فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٦٨)) وجاء بالمُظهر مكان المُضمر؛ إذ السياق والتقدير (فلا تقعد بعد الذكرى معهم) فقال: (مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ (٦٨)) ليسجّل عليهم ظلمهم بذلك، فمن استهزأ بالنبي (صلى الله عليه وسلم) أو استهزأ بالقرآن، أو استهزأ بصفات الله (عز وجل) أو استهزأ بما هو معلوم من الدين بالضرورة كفرضية الصلاة، والزكاة، والصيام وما إلى ذلك، عُدَّ من الظالمين والظلم: الشرك لقوله (عز وجل) (وَإِذْ قَالَ لُقْمَـٰنُ لِٱبْنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَـٰبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌۭ (١٣)) [سورة لقمان آية: ١٣]
قال بعض الناس: الآية منسوخة بآية القتال، وقال بعضهم: هي منسوخة بقوله (عز وجل) (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ ۚ إِنَّكُمْ إِذًۭا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)) [سورة النساء آية: ١٤٠]
وقيل: بل هي محكمة غير منسوخة، وقيل: بل كان ذلك وقت التقية، والسورة مكية، والشرك غالب، والمشركون قوة، أما بعد الفتح، وبعد عزة الإسلام، فلا يصح مطلقاً أن يتعرض الإنسان لذلك (وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ) هذه هي الآية حدث فيها الخلاف، أهي منسوخة، أم لا؟ وكذلك الآية التي تليها حين نزلت هذه الآية، قال المسلمون: يا رسول الله إذا قمنا عنهم كلما خاضوا في القرآن، لن نتمكن من الطواف بالبيت، ولن نتمكن من دخول المسجد، ولن نتمكن من الصلاة؛ إذ هم كثرة، وهم غالبية، وهم يخوضون دائما في القرآن وخاصة كلما رأوا أحداً من المسلمين، فنزل قول الله (عز وجل) (وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ) بمعنى أن المؤمن إذا اضطر أو إذا مر على قوم، أو إذا استمع لقوم يستهزئون، ويخوضون في آيات الله، فلن يُحاسب على أفعالهم القبيحة، فكل امرئ بما كسب رهين (وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)) أي ولكن على المتقين أن يذكروهم، ويمنعوهم، وينبهوهم، وينصحوهم، لعلهم يتقون الخوض في آيات الله، ويمتنعون عن ذلك، وقالوا (وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ)أي ليس عليهم من حساب الخائضين من شيء، ولكنهم إذا تذكروا أمر الله بالقيام عنهم، قاموا حتى يستمروا على التقوى، أي لعل المتقين يداومون على التقوى؛ إذ الجلوس مع أهل المعاصي والكبائر والاستهزاء يضر، ويؤثر، والجليس جليس، ومن جالس جانس، ومن جالس الصالحين كان منهم، ومن جالس المفسدين والعاصين كان منهم، ومثل الجليس الصالح كمثل من يجلس مع تاجر المسك، ومثل جليس السوء كمثل نافخ الكير(وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ) لن يحاسبهم الله (تبارك وتعالى) على خوض الخائضين؛ إذ هم مضطرون للجلوس، أو للمرور، ولكن عليهم أن يذكّروهم بالحساب، بالقيامة، يقومون عنهم تارة، ويذكرونهم تارة، فلعل الحياء يمنعهم من ذلك.
وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَعِبًۭا وَلَهْوًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِۦٓ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌۢ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍۢ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَآ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟ ۖ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ﴿70﴾
(لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ) الولي: الذي يتولى الأمر، ويعين، ويساعد، والشفيع الذي يشفع لك، ويترجّى من أجلك، ويتوسط لأجلك، وقد قلنا: إن الشفاعة لله يمنحها لله من يشاء (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ) [سورة الأنبياء آية: ٢٨]، وقد ثبتت الشفاعة لسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) وللأنبياء، والعلماء، والأولياء، لكن الآذن هو الله، والمالك هو الله، فلابد لكي تحدث الشفاعة من أمرين:
الأمر الأول: أن يأذن للشافع.
الأمر الثاني: أن يرضى عمن يشفع فيه (وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍۢ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَآ) العدل: الفداء، أي لو افتدت هذه النفس بما في الأرض ذهبا ومثله معها لا يُقبل منها.
(أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟) هؤلاء الذين ذكّرهم فلم يذكروا، أولئك الذين يحذر الناس من مصيرهم، هؤلاء الذين إن قدّموا فداء لا يقبل منهم، حُرموا من الجنة، أو مُنعوا منها، أو أُسلموا للهلاك بسبب كسبهم، وأعمالهم (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ (٤٦)) [سورة فصلت آية: ٤٦] ، ما مصيرهم؟ يأتي التفصيل والتبيين لهذا الإبسال (لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ (٧٠)) الحميم: البالغ الغاية والنهاية في الحرارة، فهُم بين شرب الحميم، وأكل الزقوم، وبين العذاب في جهنم (هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ﴿٤۳﴾ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍۢ ﴿٤٤﴾) [سورة الرحمن آية:٤٣ : ٤٤]، ثم يتوجه الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) تلقينا للحجة.
قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَـٰبٌۭ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿71﴾
وَأَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿72﴾
وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ۚ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ﴿73﴾
ويطلق التعبير رُدَّ على عقبه لمن رجع بغير أن يفوز ببغيته، لم يحظ بما طلب، فإذا سعى الإنسان لشيء يفوز به، فعاد دون أن يفوز به، قيل: (رُد على عقبه) وتطلق على رجوع القهقرى، ويطلق أيضا كلمة العاقبة (العاقبة للمتقين) والعقاب، إذ هو كل آت بعد شيء لابد من مجيئه، وهو مرتب عليه، فسُمِّي العقاب عقابا؛ لأنه يأتي بعد الذنب، وهو مترتب على الذنب،( وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا) نرجع القهقرى نعود (بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ) بعد أن هدانا الله للإسلام، وللدين القويم، ندعو غيره فنرجع، ونرد على أعقابنا، وجاء المثل من أغرب الأمثلة التي جاءت في القرآن(وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا ٱلْعَـٰلِمُونَ (٤٣)) [سورة العنكبوت آية: ٤٣]،( (قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ).
(ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ) إما استهواه بمعنى أسلمه للهاوية، ساقه للهاوية، من هوى يهوي هُوياً، وإما من الهوى هَوِىَ يهوى هوىً: مال ومالت نفسه للشيء، هوى فلان كذا: أحبه، ورغب فيه، والهوى يعمي، ويصم (وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ) [سورة ص آية: ٢٦]، ليست الآية بمعنى أن الشيطان له سلطان على الإنسان، أو يذهب عقله، أو يلبسه، وإنما الآية معناها الشيطان إما يقودك إلى الهلاك إن سمعت له، يقود إلى الهاوية (وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا هِيَهْ ﴿١۰﴾ نَارٌ حَامِيَةٌۢ ﴿١١﴾) [سورة القارعة آية:١٠ : ١١]، وإما استهواه الشيطان أن جعله يتبع هواه زيّن له الأمر فمال الشخص بهواه لما زيّنه الشيطان له، والتمثيل: ونرد على أعقابنا كالذي استهوته الشياطين فتتبعها وسار وراء هواه وقادته الشياطين إلى الهاوية حيران: حار يحار حيْراً، وحيرةً: تردد ولم يدر ما يفعل، هذا الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، أفعاله مختلطة لا صواب في فعله، ولا رشاد في عمله، ولا صواب في قوله، ولا سداد في أفعاله، الشيطان استولى عليه، وسيطر عليه، فهو كرجل حيران في الأرض، تائه، ضال في مفازة ركب رأسه (لَهُۥٓ أَصْحَـٰبٌۭ) معه قافلته، أو في سيره يقولون له: يا فلان تعالى معنا، ولا تتفرد عنّا، إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، يركب رأسه، ويصر على ما هو فيه، وينصرف عن الجماعة، كيف يكون مصيره؟
(يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى) إلى الطريق المستقيم إلى النجاة، إلى الطريق الصحيح، ها هو الطريق نحن نعرفه، وقد سلكناه من قبل، فلا يسمع (قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ) السؤال والجواب، الحجة، والبرهان، ومن هداه الله فهو المهتدي، هدى الله هو الهدى وما سواه ضلال، الهادي هو الله ولا أحد سواه، ومن هدى من الناس، ومن البشر، ومن الأنبياء فقد هدى بُهدى الله (إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ) [سورة القصص آية: ٥٦].
والهداية أنواع وتكلمنا فيها من قبل (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٧١)) أي قُل ذاك، وذاك قل: إن هدى الله هو الهدى، وقل: إننا أُمرنا لنُسلم لرب العالمين، بمعنى كي نُسلم، أو بأن نُسلم واللام ثلاثة أنواع: لام الخفض، أي حرف جر، كهذه اللام (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٧١)) ولام الأمر كقوله (صلى الله عليه وسلم) ( وَلَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، ولام التوكيد، وتسمى لام القسم (فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ (٦)) [سورة الأعراف آية: ٦]
(وَأَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُ ۚ) كذلك تلك هي الأوامر، بعد أن بيّن أن الهدى هدى الله، وأعلمنا بذلك، أمرنا لنُسلم لرب العالمين، الاستسلام بالكلية، الدخول في السلم، والاستسلام بمعنى التسليم، وبمعنى الإخلاص لله؛ إذ مطلوب في العبادة الإخلاص، وبغير إخلاص لا يُقبل العمل، أمرنا كذلك أن نقيم الصلاة، وإقامة الصلاة: الإتيان بها كما يجب في أوقاتها، ومواعيدها بالكيفية المطلوبة، التي أمرنا بها النبي (صلى الله عليه وسلم) وبيّنها لنا ( صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)( وَٱتَّقُوهُ)اتقوا العصيان، واتقوا المخالفة، مخالفة الله (ۚ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)) أيها الأخ المسلم، الحشر واقع لا محالة، ومن قدر على الإفناء قدر على الإعادة بعد ذلك؛ إذ هو (سبحانه وتعالى) قدر على الابتداء، خلق الوجود من عدم، فالإعادة أسهل؛ إذ المادة موجودة، أما قبل ذلك فقد كان الله، ولم يكن شيء فأوجد الكائنات من غير شيء، فإعادة الكائنات بعد الفناء أيسر وأسهل في عقل كل متأمل، والله (تبارك وتعالى) ليس في قدرته سهل، وصعب، أو بسيط وكبير، أو يسير، وعسير؛ إذ كل الممكنات في قدرته سبحانه وتعالى سواء، تتوالى الآيات لتبين صفات الجلال، والكمال لله (عز وجل) صفات إذا سمعها المؤمن اهتز لها اهتزازات تتراوح بين الفرح، وبين الخوف، بين الأمن، وبين الاطمئنان، وبين الهيبة، قد تقشعر الجلود، ولكن الله (تبارك وتعالى) يُنزل سكينة على قلب المؤمن، فتلين الجلود، وتطمئن القلوب، ومن ذاق عرف، وحب الله (تبارك وتعالى) لا يعدله حب، والقرب من الله (تبارك وتعالى) لا يدانيه قرب، والتأمل في صفات الله (عز وجل) يعطي الإنسان مناعة ضد جميع الآفات المادية، والمعنوية، واسمع لبعض الصفات بعد البيان عن الرجوع إليه والحساب، هؤلاء الذين آمنوا بالرجوع إلى الله (تبارك وتعالى) يشتاقون إليه، والإنسان يشتاق إلى مكانه الأصلي، كلٌ منا مهما سافر، مهما ابتعد يشعر في طريق عودته إلى بلده، إلى بيته، إلى فراشه بالاشتياق، ويشعر بالسعادة إذا وصل، هكذا المؤمن فمكانه عند الله، وهو يعلم أنه كان هناك في وقتٍ ما، ثم سار في رحلة، وركبت روحه هذا الجسد، فكان مركبا لها في هذه الدنيا فهو في سعي في تجارة مع الله، في كدح، وهو يعلم تماما أن لهذا السير نهاية، ولابد أن يعود إلى مكانه الأصلي، هذا لمكان الأصلي الذي كان فيه هو الرضا، والرضوان، والروح، والريحان، فيعمل له، ويشتاق إليه؛ لذا يحكي لنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) عن دخول الجنة فيقول: (إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا َدَخَلَ الْجَنَّةَ يَعْرِفُ بَيْتَهُ فِي الْجَنَّةِ، وَمَكَانَهُ فِي الْجنَّةِ أَكْثَرَ مِنْهُ إِذَا عَرَفَ بَيْتَهُ فِي الدُّنْيَا)، هل يضل الإنسان عن داره؟ يستحيل، كذلك الأمر في الجنة، يدخل أهل الجنة وهم أعلم بمكانهم، وأدل بقصورهم منهم ببيوتهم في الدنيا، من هنا كان المؤمن عاملاً من أجل الآخرة، وكانت الدنيا مزرعة للآخرة، يقول الله (تبارك وتعالى) (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ (٧١)) بعد أن بيّن أن الهدى هداه، وليس هناك هدى، سوى هدى الله، أمرنا لنسلم لله الإيمان بقضائه، وقدره، الرضا بكل ما يأتي به القضاء (وَأَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)) فالتقوى واجبة لازمة (وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ) أفعال الله (تبارك وتعالى) لا تخلو من الحكمة، وهو (سبحانه وتعالى) أوجد السموات والأرض من العدم بكلمة الحق، بكلمة (كُن)(وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ) بل أمره (سبحانه وتعالى)كما قال بعض السادة، بين الكاف والنون (قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ) الصدق، الواقع، الثابت، قال العلماء (وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ) أو (قوله الحق يوم يقول كن فيكون) قوله الحق مبتدأ وخبر، أو قوله الحق قوله: مبتدأ، والحق: نعته مبتدأ مؤخر(وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ) خبر مقدم، والمعنى يختلف بمعنى: يوم القيامة كن فيكون ذاك هو قوله الحق: البعث حيث يقول: كن، أي يأمر أن يقوم الناس، أو أن تقوم الساعة، فتقوم الساعة، أو أذكر يوم يقول كن فيكون، أو اتق الله يوم يقول كن فيكون، أو خف ذاك اليوم، كل أقوال الله (تبارك وتعالى) حق (وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ) الصور: البوق ما يُنفخ، قيل: هو قرن من نور، فربنا (تبارك وتعالى) له نفختان والنافخ إسرافيل (عليه السلام) وذلك وارد في جميع الأديان: نفخة أولى نفخة الصعق، ونفخة ثانية نفخة القيام، ربنا (تبارك وتعالى) في الآيتين، أو في الثلاث آيات يبيّن بعض صفات الجلال، والكمال، والقدرة، والقهر(وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ) والملك لله أزلاً، وأبداً فلم قال(وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ) وهو المالك، والملك، ملك الملوك، وله الملك والملكوت أزلاً وأبداً؟ لأن في الدنيا ملوك الأرض، وهناك من يدعى الملكية، فأنت تملك جلبابك، وتملك بيتك، وتملك كذا، وتدّعي أنك مالك فادعاء الملكية، وادعاء الملك في الدنيا قائم ولو بالكذب، أو بالجهل، لكن يوم القيامة تسقط الدعاوى، حيث يقبض الله (تبارك وتعالى) على الأرض بيده، ويطوى السموات السبع بيمينه، ويرجّها على الأرض بيده، ويطوي السموات السبع بيمينه، يرجّها رجاً ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ وذاك مصداقا لقوله (عز وجل) (لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ (١٦)) [سورة غافر آية: ١٦]، ومصداقا لقوله(ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍۢ لِّلَّهِ) [سورة الحج آية: ٥٦]، فكذلك (وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ) ونفخة الصور نؤمن بها، ولكنا لا نعلمها، ولا ندري عن كيفيتها، لكن الله (تبارك وتعالى) أخبرنا بها كما أخبرنا عن العرش، وأخبرنا عن الصراط، وهكذا من السمعيات الواجب الإيمان، من ضمن الغيبيات التي نؤمن بها ولم نرها (عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ۚ ) (عالمِ) (بالجر) قراءة وله أي ولعالم الغيب، والشهادة الملك يوم ينفخ في الصور، قرأت بالرفع (عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ۚ )
الغيب: ما غاب عن الحواس والشهادة: المشاهد، والمدرك بالحواس هو عالم الغيب والشهادة، يعلم ما ظهر وما خفي (وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ (٧٣)) الحكيم في أفعاله، الخبير بشئون عباده، ساقت آيات سورة الأنعام الحجج الباهرة، والأدلة الساطعة على وحدانية الله (عز وجل) ساقت البراهين على توحيده، وانفراده بالخلق، والتدبير، والقهر، والتقدير، ساقت الأدلة على سلطانه، وملكه، وخلقه، وإيجاده، وأبطلت الشرك، وسفهت أحلامهم، ودللت على ذلك بما هو مشاهد آناء الليل، وأطراف النهار، وفي هذا المجال تسوق الآيات قصة إبراهيم، وإبراهيم أبو العرب، وينتسب أهل مكة إليه، ويفتخرون بأنهم من ولده، وإبراهيم، عليه السلام، مهاب معترف به من كل الأديان، بل الكل يزعم الانتساب إليه، حتى زعم اليهود أن إبراهيم كان يهوديا، وزعمت النصارى أن إبراهيم كان نصرانيا، وزعم مشركوا العرب أنهم على ملة إبراهيم، وهم من ذرية ابنه إسماعيل، وها هو القرآن يقص عليهم قصة إبراهيم يقول عز من قائل:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿74﴾
وقال آخرون بل (ءَازَرَ) اسم صنم، وتقدير الكلام؛ وإذ قال إبراهيم لأبيه: أتعبد آزر أو أتتخذ آزر، أتتخذ آلهة أصناما على حذف المضاف، وقال آخرون: آزر عَلَم، وتارح عَلَم، فله اسمان كيعقوب، هو يعقوب، وهو إسرائيل فهما عَلَمان، ويؤكد هذا الرأي قراءة الرفع (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزرُ) على اعتبار أنه منادى مفرد، هذه القراءة تؤكد أن آزر كان اسما لذلك الأب (وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً) الأصنام جمع صنم، والصنم ما اتخُذ من الحجارة، والخشب على هيئة الإنسان يُعبد ويدّعي من يعبده أن الإله حلّ فيه، وأنه يشفع له يوم القيامة، كما قال مشركوا مكة (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ) [سورة الزمر آية: ٣]، لقد كان أبو إبراهيم من المقربين إلى ملكهم في ذلك الوقت، النمرود، وقيل: إنه كان يصنع الأصنام، وقيل ها هو إبراهيم يعاتب الأب (أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً) إذا فقد تعددت الآلهة.
(إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ (٧٤)) كلهم كانوا عبدة للأصنام، والكواكب، والنجوم، وكانوا يعتقدون أن النجوم تنفع، وتضر، أراك وقومك في ضلال عن الحق، في بعد عنه، الضلال البعد عن الحق، والحق مبين، ظاهر، واضح.
وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ﴿75﴾
والملكوت: المُلك العظيم، ولا يطلق ملكوت إلا على ملك الله (عز وجل) فقط، التاء زيدت للمبالغة، كرهبوت، ورحموت، وجبروت.
(نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ (٧٥)) أي أريناه ذلك كي يزداد إيمانه، ويزداد يقينه، واليقين: شدة الإيمان، التصديق الذي لا تشوبه شائبة، من قولهم يقنت البئر إذا راق الماء، وشف، حتى بان وظهر قعر البئر، فاليقين منتهى التصديق، أعلى درجات الإيمان، ما هو الملكوت الذي رآه إبراهيم؟ قيل فيه الكثير، كُشف عنه الحجاب، فُتحت أبواب السموات حتى نظر إلى العرش، فتحت الأرض وانجلت بصريته فرأى كل ما فيها، رأى الأرضين السبع، والسموات السبع، رأى الجنة، رأى النار، قيل: رأى عبادة الملائكة، رأى عصيان أهل المعاصي، فكان يدعو عليهم، فنهاه ربنا لأنه كلما دعا على عاصي أهلكه الله، فنهاه ربنا فقال: يا إبراهيم أما علمت أن من أسمائي الصبور، فامتنع عن الدعاء عليهم،
الملكوت لا يعلمه إلا الله، وما رآه إبراهيم لا يعلمه إلا الله.
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًۭا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْـَٔافِلِينَ ﴿76﴾
فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًۭا قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ ﴿77﴾
فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةًۭ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿78﴾
إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿79﴾
قال بعض الناس ما حدث من رؤية إبراهيم للكواكب، والقمر، والشمس، وقوله هذا ربي حدث قبل التكليف، وهو يناهز الحُلُم، قيل: كان عمره سبع سنين، وقيل: بل كان خمس عشرة سنة، وقيل: إنه حين وُلد أخفاه أبوه في سرب حتى لا يُقتل؛ إذ بُشِّر النمرود بزوال ملكه على يد غلام، حكاوي وحكايات عن هذا، وقيل: إن إبراهيم في نظره لهذه الأمور باحثاً عن الحقيقة حتى هداه ربنا (تبارك وتعالى) وهذا الكلام كله مردود، وللأسف جاء في بعض الكتب ومنها كتب قصص الأنبياء، مردود لأسباب عديدة، ما كان الله متخذا لنبي عبد صنما في يوم ما، فجميع الأنبياء منزهون، معصومون في الشيبة، وفي الشباب، من نعومة أظفارهم، بدليل قول الله (عز وجل) عن إبراهيم (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُۥ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَـٰلِمِينَ (٥١)) [سورة الأنبياء آية: ٥١]، وبدليل دعاء إبراهيم (وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ (٣٥)) [سورة إبراهيم آية: ٣٥]، ويستحيل على نبي من الأنبياء أن ينحرف عن الصراط المستقيم يوما ما، من قبل النبوة أبدا، وإنما صنعت الأنبياء باصطفاء الله، وباجتبائه لهم من نعومة أظفارهم، والدليل القوي الدامغ على أن هذه الآيات، وهذه المقولات من إبراهيم (هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ) الدليل على ذلك أنه كان يناقش قومه عن طريق النظر، والاستدلال ليبيّن ضلالهم، أراد أن يبيّن لهم ضلالهم، وأن يرشدهم إلى الحق من طريق النظر، والاستدلال، وتلك أبلغ الأساليب في مناقشة أهل الباطل، أن تقِر بكلامهم كما يزعمون دون نقص، أو زيادة، دون تخيّر أو تحزب، ثم تعود على كلامهم بالإبطال بالحجة، بل وجاء القرآن بذلك في قوله، عز وجل، حين يخاطب المشركين ويسألهم يوم القيامة (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢)) [سورة القصص آية: ٦٢].
وهل لله شركاء؟ وإنما يقول مقالتهم أي أين شركائي كقولكم أو فيما تزعمون فحين يقول إبراهيم (هَـٰذَا رَبِّى) أي هذا ربي كما تزعمون أنتم، أو كما تدعون أو في اعتقادكم، فيقول مقالتهم، ثم يعود عليها بالإبطال، الدليل على كل ذلك قول الله (عز وجل) في هذه الآيات بعدما تبرأ إبراهيم منها وقال( إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ) وحدثت المحاجّة يقول الله (عز وجل) (وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ) إذاً فحين قال (هَـٰذَا رَبِّى) كانت هي الحجة التي حاجّ بها قومه، وغلبهم بها (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ) هذه هي الآيات بعد ما رأى الملكوت، فكيف يرى الملكوت ثم يبحث عن ربه بعد ذلك! كيف يريه ربنا ملكوت السموات والأرض ثم يقول للقمر والكوكب هذا ربي! جن عليه الليل: ستره، ومادة الكلمة تفيد الستر، والاستتار، منها الجنّة، البستان تستر أغصانه الأرض، الجنون لغياب العقل، الجن لأنه لا يُرى: الجنيين في بطن أمه، جن عليه الليل: أي ستره، أي أظلمت الدنيا، وجاء الليل، فظهرت النجوم، والكواكب، والكواكب بخلاف النجوم، النجوم رجوم، النجوم زينة، النجوم لهداية الناس في البر والبحر، ثلاثة اختصاصات اختص الله بها النجوم، أما الكواكب فهي كالأرض، ما تدور حول غيرها وما تستمد نورها من غيرها، فالقمر كوكب والأرض كوكب والزهرة، والمشتري كواكب، أما الشمس فهي نجم كالنجوم فما كان ضوءه منبعث منه فهو نجم، وإن كان ضوءه مستمداً من غيره فهو كوكب، فالشمس نجم من النجوم، والأرض كوكب من الكواكب؛ لأنها أقرب إلينا، وفي الحقيقة هي أصغر بكثير، ولرأيت الضوء المنبعث منها ثابتا كضوء القمر، أما ضوء النجوم تجده يتلألأ، ويبدي ألوانا مختلفة فلما رأى إبراهيم الكواكب في الليل رآه مضيئا مشرقا (قَالَ هَـٰذَا رَبِّى) هو الآن يسوق قومه، ويرشدهم، يبين لهم ضلالهم بأسلوب فذ في المجادلة، (فَلَمَّآ أَفَلَ) أَفَلَ: غاب واستتر غاب الكوكب في منتصف الليل أو في الصباح (قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْـَٔافِلِينَ (٧٦)) فضلاً عن عبادتهم لا أحب الآفلين، إذاً طالما رأى الكوكب مضيئا في وقت، ثم إذا به يأفل في وقت آخر، إذاً فهو متغير، فهو متنقل، إما ذهب ضوءه فانطفأ، وإما غاب وانتقل من محله، فإن غاب أو انتقل أو تغيّر فهو ليس بإله، إذا لا يجوز على الإله التغير، والحدوث، فقال لا أحب الآفلين، وبالتالي لا أعبد من لا أحب.
(فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًۭا) بازغا: طالعا، بزغ يبزغ بزوغا، أصل الكلمة بزغ: شق، فالبزوغ لأن القمر ببزوغه يشق الظلام بنوره، فلما رأى القمر بادياً في الطلوع والظهور(قَالَ هَـٰذَا رَبِّى) لأن القمر أكبر من الكوكب بحيث ما نراه (فَلَمَّآ أَفَلَ) غاب القمر، وذهب ضوءه (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ (٧٧)) وكأنه يعرّض بقومه على أنهم في ضلال، بل ويُشعر بهذا بأن الهدى هدى الله، وأن الهادي للحق هو الله، وأن الهداية منّة ونعمة، وتفضّل من الله، لئن لم يهدني ربي بفضله، ومنّه، وكرمه؛ إذ لا يجب عليه شيء، لأكونن من القوم الضالين الذين عبدوا الكواكب، والشموس، والنجوم، والأصنام فهو تعريض، وتلميح بأنهم على ضلال.
(فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةًۭ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ) الشمس نجم: كبيرة وضوءها منبعث منها متلألئة، تبعث الدفء، والضياء، وضوؤها أكبر، حجمها وجرمها أعظم (قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ) وكأنه يتدرج بهم باعتبار أن ما يُعبد لابد وأن يكون أكبر من غيره، وأكثر نفعا، فالكوكب لا نفع فيه إلا الضوء، والقمر أكبر وأضوأ، فإذا بالشمس أضوأ من الجميع، وأكبر من الجميع، إذاً فهي المستحقة إن كانت المسألة مسألة عبادة نجوم، وكواكب، وشموس (فَلَمَّآ أَفَلَتْ) الغريب في الآية اسم الإشارة (قَالَ هَـٰذَا رَبِّى) لم يقل هذه (فَلَمَّآ أَفَلَتْ) الفعل مؤنث والشمس مؤنثة فلم قال (هذا)؟ قال أهل اللغة تأنيث الشمس غير حقيقي، فهي ليست مؤنثة على التحقيق، وإنما التأنيث للتعظيم كقولك (رجل نسّاية) (رجل علاّمة) وبالتالي فهو تأنيث غير حقيقي، فيشار إليها بإشارة التذكر، وقيل بل ذكّر الإشارة لتذكير الخبر.
ومن أحسن ما قيل: إن التذكير في الإشارة لدفع توّهم التأنيث عن الذات العليّة (سبحانه وتعالى) فلما أفلت الشمس، وغابت، وغربت (قَالَ يَـٰقَوْمِ) هتف بهتاف الحق ها هي الحجة الواضحة، ها هو الضلال قد ظهر(قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)) أي مما تشركونه مع الله؛ إذ إن إبراهيم بيّن لهم أن هذه الأجرام متغيرة، هذه الأجرام حادثة، هذه الأجرام مخصصة، فلابد من وجود خالق لها، مدبّر لحركاتها، مخصص لها بما اختصت به، محرّك لها في أوقاتها التي لا تتعداها تقديما، أو تأخيرا (إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ) خلقهم على غير مثال سبق أوجدهم من العدم.
(حَنِيفًۭا) مائلا عن الباطل إلى الحق، مائلا عن الأديان الزائفة إلى الدين المستقيم (وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (٧٩)) التوحيد الصِرف، والتوجه بالكلية للواحد الأحد، الفرد الصمد.
وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًۭٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴿80﴾
وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًۭا ۚ فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿81﴾
ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿82﴾
وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ ﴿83﴾
(وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا) جميع المعلومات في علم الله سواء لا يشذ عنها شاذ، لا يمكن أن يكون هناك معلوما لا يعلمه الله أحاط علمه بكل شيء (أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)) التوبيخ أي كيف تسوون بين المقدور، والقادر، بين العاجز، والنافع، والضار، بين المصنوع والصانع، ويسوق الحجة تلو الحجة (وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ) سؤال ما أشركتم، وهي لا تنفع، ولا تضر نفسها، فكيف تنفع وتضر غيرها، (وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ) سؤال فيه الإنكار، وفيه التعجب، فيه التوبيخ، فالمفروض أن تخافون أنتم (وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًۭا) السلطان: الحجة، البرهان، الكتاب، هل نزّل عليكم سلطانا؟ هل نزّل عليكم كتاب بعبادة الأوثان، أو النجوم؟ هل جاءكم رسول وأمركم بعبادته؟ هل هناك دليل على استحقاق هذه الأصنام والأحجار للعبادة (فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)) أي الفريقين أحق بالأمن الموحدون، أم المشركون؟ سؤال والغريب في أدب إبراهيم، أدب النبوة، التقدير في الكلام هو يتكلم عن نفسه، وعنهم (ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا، وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون، وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزّل به عليكم سلطانا، فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم) هذا هو تقدير الكلام، لكنه قال (فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ) لأنه أراد أن يبتعد عن تزكية نفسه (فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)) إن كنتم تعلمون حقاً، أو لديكم علم، أو لديكم حجة، أو لديكم برهان، ويأتي الجواب (ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (٨٢)) تُرى أكانت إجابة إبراهيم، أم كانت الإجابة من الله؟ قيل: هو من قول الله، عز وجل، وقيل: بل هو من قول إبراهيم، استأنف، سأل، ثم جاوب بإلهام الله له، كما علّم ربنا تبارك وتعالى نبينا (صلى الله عليه وسلم) الحجة والتلقين.
(قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ) [سورة الأنعام آية: ١٢]
فكذلك لقنّه السؤال والجوال (ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ) لم يخلطوا لبس: خَلَطَ، لبْس الإيمان بالظلم، هو ما فعله مشركو مكة، والظلم هو الشرك كيف فعلوا ذلك؟ (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ) [سورة لقمان آية: ٢٥].
إذاً فهم معترفون بوجوده، معترفون بأنه الخالق، لم يخلقهم الأصنام، بل هم الذين عملوها، وخلقوها، وصنعوها، لكنهم مع إيمانهم بوجود الله أشركوا معه غيره، أشركوا معه المصنوع، أشركوا الأوثان قالوا:(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ) [سورة الزمر آية: ٣]، إذاً فقد لبسوا إيمانهم بشرك، وربنا تبارك وتعالى أغنى الأغنياء عن الشرك، ولا يقبل أبداً الإشراك (أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (٨٢)) لهم الأمن من عذاب الله، وهم مهتدون إلى الطريق السليم، حين نزلت هذه الآية شقّت على أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) وشقّ عليهم الأمر، وخافوا، وذهبوا مسرعين إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقولون: ( أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ:(يَـٰبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌۭ (١٣)) [سورة لقمان آية: ١٣] فاتضح أن معنى الآية هنا الذين آمنوا، ولم يلبسوا إيمانهم بشرك، الشرك أنواع: منه الجليّ، ومنه الخفيّ، بل منه ما هو أخفى من دبيب النملة، فالشرك الجليّ كمن يزعم أن لله الولد، وكمن يزعم أن الأصنام تنفع وتضر، فيقدم لها القرابين، أما الشرك الخفي فأخطر ما فيه هو الرياء، أن يُبتغي غير وجه الله بالعمل، فمن صلى ليقال عنه، ومن حج ليشتهر، ومن فعل حتى يقول عنه الناس، ومن تصدق ليقال عنه منفق، ومن تعلّم القرآن ليقال عنه قارئ، ومن جاهد ليقال عنه شجاع، كل أولئك في النار يعاقبون عقاب المرائين، فالشرك أنواع لدرجة أن بعض الصحابة قال قد يشرك أحدكم كلبه مع الله، فتعجب الناس كيف وهل يشرك أحد كلبه مع الله، قال: نعم إذا قال لولا الكلب لسُرقنا البارحة، إذا جاء اللصوص فنبح الكلب فهرب اللصوص، فقال صاحب البيت: لولا الكلب لسرقنا، وقد يقع الكثير منا في ذلك، كقولك لولا الطبيب لمات الولد، لولا الدواء لظل الألم، أنواع من الإشراك فانتبهوا، الفعال هو الله، لا يقع في ملكه إلا ما يريد، وهو الفعال لما يريد(وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)) [سورة الصافات آية: ٩٦] ، (وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ) إذاً فقد كان السياق كله محاجّة بين إبراهيم، وبين قومه، وكانت مسألة (هَـٰذَا رَبِّى) هي بيان لضلال القوم، إرشاده لهم من طريق النظر والاستدلال، وما من أحد ينظر ويستدل بما يرى إلا ويصل إلى وجود الواحد الأحد في أي شيء، انظر حولك في أي شيء في الأرض ولونها، ومادتها، ثم انظر ماذا يخرج منها، ألوان، أشكال، روائح طعوم لا عد لها، ولا حصر، نفس الأرض، نفس الماء، من أين وكيف! حيث تنظر تجد قدرة الله (تبارك وتعالى) وتجد صنع الله (تبارك وتعالى)؛ لذا يقول الله (عز وجل) (وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ) (نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ) وقرأت (نرفعُ درجاتِ) ومن رُفعت درجاته فقد رُفع، ومن رُفع فقد رُفعت درجاته، فالقراءتان بمعنى واحد.
(إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ (٨٣)) حكيم في رفعه، وخفضه، فهو الرافع الخافض، عليم بمن يستحق الرفع، ومن لا يستحق إلا الخفض، حين جادل إبراهيم قومه، وحين ألزمهم الحجة لم يؤمنوا بذلك، لم يستقيموا، ولم ينصاعوا إلى الحق، بل اجتمعوا عليه، وهمّوا بحرقه حياً، ترك إبراهيم قومه، وترك بلاده وهاجر إلى الله، فعوّضه ربنا (تبارك وتعالى) عن الأهل، والأب والعشيرة بالولد الصالح، وبكثرة الولد، بل ورَزَق أولاده النبوة تعويضا له، فيمنّ ربنا (تبارك وتعالى) على إبراهيم، ويحكي عن عطائه.
وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿84﴾
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿85﴾
وَإِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًۭا ۚ وَكُلًّۭا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿86﴾
وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوَٰنِهِمْ ۖ وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ وَهَدَيْنَـٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿87﴾
ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿88﴾
(وَمِن ذُرِّيَّتِهِ) من ذرية إبراهيم، أو من ذرية نوح، داود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، والغريب ترتيب الأنبياء (دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ) الأب وابنه، واشتراكهما في الملك، الملك الذي لم يخطر ببال اتسع اتساعا لم يحدث من قبل، ولا من بعد (وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ) اشتراكا في البلاء (وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ) أشقاء، وقُدِّم موسى لأنه الكليم (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ (٨٤)) أي كما جزينا إبراهيم نجزي كذلك كل محسن في كل زمان ومكان، نجزيه بالحياة الطيبة، بالولد الصالح، بالأمن، والأمان، بالهداية إلى الطريق المستقيم، إذاً الجزاء ليس حكرا على أحد دون أحد، بل يجازي ربنا (تبارك وتعالى) كل محسن في كل زمان ومكان (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ) أربعة زكريا الأب، ويحيى الابن، وعيسى الذي كُفلت أمه في كفالة زكريا، وإلياس الأربعة اشتركوا في الزهد، يحيى كان حصوراً، وسيداً، ونبينا من الصالحين، لم يأت النساء مع القدرة على ذلك، وعيسى لم يتزوج، ولم ينجب، اشتركوا في الزهد فقرنهم ربنا في آية واحدة (كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ (٨٥)) من الصالحين الكاملين في الصلاح، الصلاح: هو إتيان ما ينبغي، والتحرز عما لا ينبغي (وَإِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًۭا ۚ وَكُلًّۭا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ (٨٦)) بالنبوة وكلهم من الأنبياء (وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوَٰنِهِمْ) من للتبعيض أي كذلك مننا، وتفضلنا، وأنعمنا على بعض ذريتهم، وآبائهم، وإخوانهم (وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ) الاجتباء: الاصطفاء، أصل الكلمة (جبى) جبيت الماء. جمعته في الحوض، فكأن الاجتباء أن تأخذ ما تجتبيه، وتضمه إليك فيصبح من خاصتك، فمعنى (وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ) أي أخذهم الله إليه اصطفاهم، واختارهم، فأصبحوا هم خاصة الله (وَهَدَيْنَـٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (٨٧)) (ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ) كرر الكلمة؛ ليبين نوع الهدى، إذاً فالهداية نعمة، الهداية منة، الهداية تفضل من الله (تبارك وتعالى) (وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿۸۸﴾) (وَلَوْ)على سبيل الفرض، لو أشرك الأنبياء الذين هُدوا لحبط: بطل، وانمحى، وفسد عملهم، أي لو كان هؤلاء رغم اجتبائهم واصطفائهم وقعوا في الشرك، لذهب ثواب عملهم، فكيف بغيرهم!
أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰٓؤُلَآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًۭا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ ﴿89﴾
أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ ﴿90﴾
والحكم: الحكم على ما يقتضيه الحق النبوة (فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰٓؤُلَآءِ) قومك يا محمد (فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا) بالأمانة، بالهداية، بالاعتراف بالوحدانية (قَوْمًۭا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ (٨٩)) الأنبياء الذين جاء ذكرهم، أو هم أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) من الهاجرين، والأنصار أو هم كل مؤمن من الجن، والإنس، والملائكة (أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ) هؤلاء الذين أتى ذكرهم، تكرار لبيان المنة، والفضل والنعمة، وأن الهدى هدى الله (فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ) أي اقتدى، والاقتداء تحرّي موافقة الغير في فعله، تقتدي به في فعله، فيأمر ربنا (تبارك وتعالى) النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يقتدي بالأنبياء من قبله في الصبر، في اجتماعهم على التوحيد، وأصول العقيدة؛ إذ إن شرْع من قبلنا شرعٌ لنا فيما اتفقت فيه الشرائع، أصول العقيدة والدين، أما الخلافات فصلاتنا غير صلاتهم، وصيامنا غير صيامهم (قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ (٩٠)) من ضمن اقتدائه بمن قبله من الأنبياء (قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) إذ ما من نبي إلا وقالها لقومه (إِنْ هُوَ) القرآن (إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ (٩٠)).
أيها الأخ المسلم، ابتغاء الأجر ما كان من شيم الأنبياء، وما كان سلوكهم ابتغاء الأجر في الدنيا، وما من نبي إلا وقال لقومه لا أسألكم عليه أجر؛ إذ الدعوى إلى الله لابد وأن تكون خالصة لوجه الله (عز وجل) وذاك من أهم ما اقتدى به النبي (صلى الله عليه وسلم) بمن سلفه من الأنبياء (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ (٩٠)) القرآن نزل يهدي به من أراد الله هدايته ويضل به من أراد الله ضلاله، فالآية تنزل يسمعها اثنان - نفس الآية - الأول يزداد إيمانا، والثاني يزداد ضلال (وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌۭ وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًۭا (٨٢)) [سورة الإسراء آية: ٨٢]، (الٓمٓ ﴿١﴾ ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًۭى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾)[سورة البقرة آية:١ ١: ٢] (وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِۦٓ إِيمَـٰنًۭا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿١٢٤﴾ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ ﴿١٢٥﴾)[سورة التوبة آية:١٢٤ : ١٢٥] سبحان الله فالقرآن هو القرآن، يهدي به الله من يشاء، ويضل به من يشاء، ربنا (تبارك وتعالى) هو الهادي إلى سواء السبيل من شدة تكذيب اليهود، وتعنتهم وإنكارهم لنبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) رغم علمهم بأنه حق ادعوا أن الله (تبارك وتعالى) ما أنزل على بشر من شيء، تعدى التكذيب للنبي (صلى الله عليه وسلم) إلى باقي الأنبياء، وأنكروا رحمة الله (تبارك وتعالى) بخلقه، وأنكروا أن الله (تبارك وتعالى) يبتغي لخلقه الصلاح، ويهديهم إلى ما فيه الرشاد، عناد، كفر، جحود، طبيعة اليهود، وكان منهم حبراً سمينا يُدعى مالك بن الصيص، وكان يأتي للنبي (صلى الله عليه وسلم) يخاصمه، ويتعنت في سؤاله، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يخبرهم بما عندهم في التوراة مما يخفونه من صفته، ونعته، وآيات، وأحكام جاءه هذا الحبر السمين يخاصمه، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) ( أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَمَا تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْحَبْرَ السَّمِينَ؟ وَكَانَ حَبْرًا سَمِينًا، فَغَضِبَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ. فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ: وَيْحَكَ، وَلا مُوسَى؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ).
فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عز وجل:
وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍۢ مِّن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًۭا وَهُدًۭى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًۭا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴿91﴾
وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌۭ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿92﴾
(مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ ) أي يصدق ما جاء في الكتب السابقة من إبطال الشرك، وتأصيل العقيدة، وتأكيد التوحيد، لم يأت القرآن بما يخالف في أصول العقيدة، الاختلافات في الفروع في كيفية الصلاة، في كيفية الصيام، لكن أصول العقيدة في جميع الأديان واحدة لقول الله، عز وجل، لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) (مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ ) [سورة فصلت آية: ٤٣]، (وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا) (ولينذر أم القرى ومن حولها) قراءتان أم القرى: مكة وقيل: إنها سميت بأم القرى؛ لأنها قبلة الناس في الصلاة، قبلة الناس في كل مكان، أم القرى لأن الناس يحجون إليها، فهي كالأم يسعى إليها أولادها، وهي مجتمع الناس كذلك، يقال أيضا: إن الأرض دُحيت من تحتها، فهي الأصل، فهي أم القرى وما سوها من قرى فرع لها، وهي مركز العالم، ولو نظرت إلى الخرائط في يومنا هذا لتبينت أن مكة مركز الكرة الأرضية، ومركز العالم، وقد ثبت ذلك حديثا بوسائل التصوير الجوي، أم القرى لأن أول بيت وُضع للناس وُضع فيها (وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا) ومن حولها من مشارق الأرض، ومغاربها فقد بعث النبي (صلى الله عليه وسلم) للناس كافّة والإنذار ليس لأم القرى، ولكن لأهل أم القرى حُذف للعلم به كقوله (وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا) [سورة يوسف آية: ٨٢]، (وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)) والحمد لله الذي جعلنا منهم من يؤمنون به، يؤمنون بالقرآن، ويصدقون بمحمد (صلى الله عليه وسلم) وعلامة ذلك إقامة الصلاة، والمحافظة عليها، وخص الصلاة بالذكر لأنها علم الدين، وأشرف العبادات، وعماد الدين الصلاة.
(وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ) أي يصدقون بالبعث، ويؤمنون بالقرآن، فقد آمنوا بنبي الإسلام (صلى الله عليه وسلم) وكان من مظاهر هذا الإسلام، ومن أجلّ علاماته الصلاة (وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)) الصلاة عماد الدين، من أقامها أقام الدين، ومن تركها هدم الدين، ليس بيننا وبينهم إلا الصلاة.
الصلاة خصها ربنا بالذكر لأهميتها، ولعظيم شأنها، ولجلال قدرها، وينتقل الكلام لسؤال معناه النفى، فيقول الله (تبارك وتعالى) مشيراً إليهم، وإلى بعضهم كنضر بن الحارث.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌۭ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓا۟ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ۖ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ ﴿93﴾
وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿94﴾
أيها الأخ المسلم، من الغريب في بعض كتب التفسير أن العلماء قالوا: هذه الآيات وإن كانت في شأن المكذبين، والمدّعين، والمؤلفين الذين ألفوا الكلام على الله، وألفوا الأحكام، واختلفوا حين قالوا: أمرنا الله بذلك في فواحشهم، وفي عبادتهم للأوثان، وفي قولهم (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ) [سورة الزمر آية: ٣]، رغم إيمانهم بوجود الله، ورغم إيمانهم بأن الخالق هو الله، إلا أنهم أشركوا معه في العبادة الأصنام، رغم أن الآيات في أولئك إلا أن العلماء قالوا: أمراً غريبا، قالوا: مثل ذلك في شأن المسلمين الذين يحكمون بعقولهم في آيات القرآن، وينكرون بعض الأحاديث، وكذلك يُحكم على هؤلاء الذين امتنعوا عن تقليد العلماء، وأخذ العلم من مصادره، فأفتَوا برأيهم، فضلّوا، وأضلّوا، وإذا قيل لهم قوْل العلماء قالوا: إن هذا كلام لزمان مضى، فحين قرأت ذلك في كتب الأقدمين دُهشت، أكان في زمانهم ما نراه الآن من كتاب، وصحفيين، ومنكرين يزعمون في القرآن ما لا ينبغي، ويفسرون أحاديث سيد الأنام بما لا يجب، وبما لا يتفق حتى مع قواعد اللغة، هؤلاء الذين يزعمون أن أحكام الإسلام انقضى وقت تنفيذها، أكان عندهم مثل هؤلاء؟ فإن كان تفاءلت خيراً، أين هم؟ أين أفكارهم؟ بقي الإسلام، وبقيت أحكامه، وبقي العِلم، وبقيت كتبه، وبقي العلماء بأفكارهم في صدور الناس، أما الآخرون فقد ذهبوا، ولم تبق لهم باقية، وكذلك للدين رب يحميه، وللعلم رجال مخلصون يحملونه في صدورهم، وجعل الله صدورهم أوعية لكتابه ولكلام رسوله، وإن لم يكن في زمانهم مثل هؤلاء فلم قالوا ذلك؟ هل كُشف عنهم الحجاب؟ هل فتح الله عليهم لينبهونا؟ هل تكلموا بما سوف يكون، وكأنها من علامات الساعة أن يجترئ اللئيم على الكريم، والصغير على الكبير، أن تغيض الكرام غيضا، وتفيض اللئام فيضاً، أن يقبض العلم بموت العلماء، أن يتخذ الناس رءوسا جهالا فيفتون بغير علم فيُضلون، ويضلون، من عجب أن ذلك ذُكر في كتب السلف، وللدين رب يحميه، ولا يصح إلا الصحيح، والباطل لجلج، والحق أبلج، ودولة الظلم ساعة، ودولة الحق إلى أن تقوم الساعة.
فيكتمل التهديد، والوعيد، ويتضح البيان وتأتي النهاية، ولكل بداية نهاية، تقول ملائكة العذاب لهؤلاء الظلمة، (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ) يقولون بأمر الله (تبارك وتعالى) أو القائل هو الله (عز وجل) ماتوا ولو ترى كيف ماتوا! ولو ترى كيف نُزعت وانتُزعت أرواحهم من أبدانهم، من أظافر القدم إلى الحلقوم! لو ترى ما فعلوا فيهم! وكيف فعلوا، وكيف ذاقوا ألوان العذاب! وكيف نزلوا في القبر! وكيف وجدوا ظلمته! وكيف ضاق عليهم حتى اختلطت أضلاعهم فذهبت الميامن في المياسر والمياسر في الميامن! كيف، وكيف، ثم يأتي يوم القيامة فيقال لهم (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ) فرادى وفراداً (قراءات) أول مرة خُلقوا فرادى، فكذلك جاءوا يوم القيامة فرادى، لا زوج، ولا أب، ولا أم، ولا ابن، ولا صديق، ولا شفيع، ولا حميم، ولا جاه، ولا مال، ولا سلطان، ولا حراسة، ولا خدم، ولا عبيد، عارٍ، حافٍ، غير مختون، ما سقط من شعره عاد، وما قُطع واستُأصل من أعضائه أُعيد، وما قُص من أظفاره أُعيد كما خُلق أول مرة، ما نقص منه شيء (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ) ما خولناكم، ما أنعمنا به عليكم، وتفضلنا به عليكم، خوّله: أعطاه، ومّلكه، ومكّنه، الخَوَلْ: ما أنعم الله به على الإنسان من عبيد، ورقيق، مال وما إلى ذلك، والتخوّل: التملك، تركتم ما خولناكم: تركتم ما أعطيناكم، أعطاك ربنا (تبارك وتعالى) كل شيء في هذه الدنيا، الأب هو الذي رزقك بالأب، ولو شاء لخلقك بغير أب، وبغير أم، كما تنبت الأشجار، لخلق الناس دفعة واحدة، الأبناء، الزوجات، الأموال، المساكن، الجاه، السلطان كل ذلك خوّلك الله إياه، تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم (وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟) هؤلاء الذين عبدوا الأصنام، وعبدوا الأوثان، والذين اتخذوا الناس أرباباً من دون الله، هل يمكن للإنسان أن يعبدوا إنسانا؟ نعم ممكن، كيف؟ ربنا يقول عن اليهود (ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ) [سورة التوبة آية: ٣١]، فتعجب بعض الأحبار الذين أسلموا منهم كعبد الله بن سلام وجاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) سائلين ( يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، قَالَ: أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ ) إذا فطاعة المخلوق في معصية الخالق عبادة لمن أطعته (وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ) ذلك يحدث حين يتبرأ الذين أتبعوا من الذين اتبعوا، ورأوا العذاب، وتقطعت بهم الأسباب، وقال لهم أين شفعاؤكم الذين زعمتم أنهم شركاء لله فيكم، أي لهم فيكم شيء، ربنا خلقكم، ورزقكم، ومع ذلك اتخذتم الأصنام، وزعمتم أنها تنفع، وتضر، فأشركتموها مع الله فيكم.
(لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)) بالرفع (قراءة) (بين) مصدر أو اسم من الأضداد، مستخدم في الوصل، والفصل (تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) أي البيْن تقطع، وقد تستخدم ظرف، ينصب على الظرفية كتلك القراءة (تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) بمعنى، ولقد تقطع ما بينكم، تقطع الوصل بينكم، تقطعت الأسباب، ولم يبق إلا سبب واحد، وانتهت الأنساب، ولم يبق إلا نسب واحد، أما النسب فنَسب الله، حين ينادى في الناس، اليوم أضع أنسابكم، وأرفع نسبي، أين أهلي أين جيراني نداء من العليّ الأعلى أهله جيرانه من هؤلاء؟ قُرّاء القرآن، وعمّار المساجد، يقال لهؤلاء لقد تقطع بينكم، وضل عنكم ما كنتم تزعمون، لقد بطل، وانمحى، وذهب ما كنتم تزعمون كذبا أنهم شركاء، حين قرأت السيدة عائشة (رضي الله عنها وأرضاها) هذه الآية، قالت يا رسول الله حين قرأت (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ) - قالت ( يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاسَوْأَتَاهُ، إِنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ يُحْشَرُونَ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ): " لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، لا يَنْظُرُ الرِّجَالُ إِلَى النِّسَاءِ، وَلا النِّسَاءُ إِلَى الرِّجَالِ، شُغِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ)، وقد نبّه النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى ذلك بقوله: ( يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ، أَوْ قَالَ: النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا) غُرلاً: جمع أغرل غير مختون، بُهما: جمع بهيم والبهيم اللون الذي لا يخالطه لون سواه بمعنى أن الإنسان حين يُبعث يوم القيامة يُبعث بكافة خلقة وأعضائه، وجسمه الذي خُلق عليه أصلا وأزلاً، مهما قُطع منه أو زال منه، أو قُص منه، كل ذلك يعود حتى يأخذ كل عضو، بل كل جزء، بل كل خلية نصيبها من الثواب، أو العقاب.
أيها الأخ المسلم، كل سبب ونسب مقطوع يوم القيامة إلا نسب ونسب واحد، السبب: الصلة بالله، والإيمان برسول الله، النسب: النسب مع الله بإطاعة أمره، واعلم أن في ذاك اليوم يفر المرء من أخيه، وأمه، وأبيه، وصاحبته، وبنيه، فلكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، نفسي ثم نفسي، حتى الأنبياء يومئذ لا تسمع إلا همس الرسل فقط، يهمسون يا رب سلِّم سلِّم، يا رب، بل قيل: إن الأم تنادي على ابنها صارخة يا بني ألم يكن بطني لك وعاء، ألم يكن صدري لك غذاء، ألم يكن حجري لك وطاءا، يا بني هلم إلي، واحمل عني، فيقول: إليك عني فإني بنفسي عنك يا أمي مشغول، فلا تزال تتوالى آيات التقرير التي تدلل على وجود الخالق، وتبرز صفات كماله، وتدلل على كمال قدرته، وعلمه، وحكمته، يقول عز من قائل:
إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴿95﴾
(يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ) يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن، فالمؤمن حي، والكافر ميت الأحياء، يخرج النخلة الطرية، والشجر، والثمر من الحب الميت، يخرج البيض من الفرخ، ويخرج الفرخ من البيض، يخرج الأخضر الطرى من الصلب، ويخرج الصلب من الطرى، هو الله، الأرض ميتة تخرج منها الحياة، الإنسان حي يبصر، ويسمع، ويتكلم، ويتحرك، خرج من النطفة، والنطفة ميتة، وإن كان فيها متحرك، فالتحرك، والنمو شيء، والحياة شيء آخر، ويخرج النطفة من صلب الإنسان ميتة، ولا يطلق عليها حي، فالحياة لها مظاهرها، ولها معالم، الحي كثير، والميت كثير، يعلمه الله (تبارك وتعالى) وما نراه قليل بالنسبة لما هو موجود في الوجود، فالله يعلم، وأنتم لا تعلمون (ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (٩٥)) (ذَٰلِكُمُ) الذي يفعل ذلك هو الله، هو الذي يخرج الحي من الميت، هو خالق الحياة، هو خالق الموت، هو الذي يفلق الحب، والنوى، ويخرج منه الثمر، والشجر(فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (٩٥)) كيف تُصرفون، وكيف تبتعدون عنه، والسؤال إنكاري، الأفْك: القلب، والصَرْف، أفكه يأفِكه: قلبه، وصرفه (وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ (٥٣)) [سورة النجم آية: ٥٣]، قَلَبَها (فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (٩٥)) أي أنّى تقلبون، وكأن الله يسألهم، لم وضعتم رءوسكم موضع أقدامكم؟ لم انقلبتم على رءوسكم؟ كيف؟ ومتى؟ وأين؟ وما الذي دعاكم إلى الابتعاد عن الله المعبود، الحق الذي تقرر أنه يُخرج الحي من الميت، وأنه مخرج الميت من الحي.
فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴿96﴾
(وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًۭا): مصدر حَسَب، حَسَب يَحْسُبُ حِساباً، وحُسْبانا جعل الشمس والقمر أي بحساب، فالشمس دورة في عام، والقمر دورة في شهر، لا تتقدم عن موعدها، ولا تتأخر، ولا يتغير القمر في طلوعه، ولا يتبدل، حساب دقيق لا يمكن أن يختل على مر الأزمان والعصور، من الذي حسب هذا الحساب؟ من الذي جعل دورة الشمس ودورة القمر بحساب؟ من الذي حَسَب وحسابُه لا يخل، ولا يختل، بل وبهما يُعرف الحساب؛ إذ لولا القمر ما عُرفت الشهور، ولولا الشمس ما عُرفت الأيام، فجعلهما بحساب، وقدّرهما بحساب، وأدارهما بحساب، ومن أجل أن يتعلم الإنسان الحساب (ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ (٩٦)) هذا الحساب، وهذا الدوران، وهذا الاختصاص الذي قدّره، وعرف مقداره، وحدّد مقداره العزيز، الغالب، القوي، القاهر، الذي لا يُغلب، لا يعارضه ند، ولا يخالفه ضد، العليم بمصالح العباد، العليم بكل شيء، وتنقل الآيات إلى الأدلة، دليل وراء دليل: يسوق دليل وراء دليل.
وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ﴿97﴾
الوظيفة الثانية: أنها زينة (وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ) [سورة فصلت آية: ١٢] والوظيفة الثالثة: الحفظ، ورجوما للشياطين، فالنجوم رجوم للشياطين، وزينة للسماء الدنيا، ولهداية الناس في البر والبحر، ولا شيء سوى ذلك، ومن قال بغير ذلك فقد افترى على الله الكذب، هؤلاء المنجمون الذين يزعمون أن للنجوم أثراً في تصرّف الإنسان، أو في سعادته وشقاوته (وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ) خلق لكم النجوم (لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ) أي في ظلمات الليل حال سفركم في البر، وحال سفركم في البحر، النجوم ومواقع النجوم، وما أدراك ما مواقع النجوم، تلك المواقع التي أقسم بها الله على جلاله وقدرته (فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴿۷٥﴾ وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٌۭ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴿۷٦﴾) [سورة الواقعة آية:۷٥ : ٧٦] علماء الفلك الذين تحيّروا في هذا النظام الغريب، المجموعات الشمسية، أو لمجموعات النجمية بتعبير أدق، هذه المجموعات التي لا ترى منها إلا الضياء، ولا ترى منها إلا ما ظهر، أحجامها فوق الخيال، وأبعادها فوق الحساب، وانتظامها فوق العقل والتقدير، والتفكير، انتظام النجوم ومواقعها، مع البعد الشديد، والحجم الكبير، وانتظامها ودورانها، أفلاكها بين شروق وغروب، لا تخل ولا تختل، حتى أنك إذا سافرت براً في الصحراء، أو بحرا استطعت أن تعرف مواقع النجوم، فهي في مواقعها لا تتغير لها مدارات، فاليوم هنا وغداً هناك، في أول الليل هنا، وفي آخر الليل هناك، مواقع ومدارات رُسمت وحُددت، وعُلمِت، بل ودُونت في جداول يسير على أساسها الناس في البر، وفي البحر، يهتدون بها، ويعرفون اتجاهات المشرق والمغرب، والشمال والجنوب وما إلى ذلك، بل وقيست الارتفاعات قياسات رمزية، حتى يُعلم موقع النجم، وجُعلت في مجاميع معينة، فمنها ما يتحرك وحده، ومنها ما يتحرك من ضمن مجموعة، مجموعة الدب الأكبر، والدب الأصغر، منها الثريا، ومنها النجوم، ومنها الشموس، ومنها الأقمار، وكل في فلك يسبحون، والغريب أن الله (تبارك وتعالى)كان قادراً على أن يخلق نجما واحداً، أو عشرة نجوم تكفي فالأرض بالنسبة للسماء كحبة قمح في صحراء شاسعة، فتصور أن أعداد النجوم فوق الحصر والعد من أجل هداية الناس في الأرض، الكريم يعطي بلا عدد، وبلا حساب، زينة يهتدي بها الإنسان في الظلام، المؤمن والكافر، الطائع والعاصي، فرحمة الله (تبارك وتعالى) في الدنيا تعمّ الجميع، وتشمل الكافة (قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ (٩٧)) فصلنا الآيات آية تلو آية، تفصيل، بيان، وضوح لقوم يعلمون، إذ هم المنتفعون بذلك، وننتقل من الأجواء الخارجية إلى الإنسان، بعد أن نظر إلى الأرض ورأى الحب والنوى، وبعد أن نظر إلى المخلوقات ورأى الميت يخرج من الحي، والحي يخرج من الميت، بعد أن نظر إلى الشمس والقمر، بعد أن نظر إلى النجوم فلينظر إلى نفسه، وتزعم أنك جرم صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر.
وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ فَمُسْتَقَرٌّۭ وَمُسْتَوْدَعٌۭ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَفْقَهُونَ ﴿98﴾
( فَمُسْتَقَرٌّۭ وَمُسْتَوْدَعٌۭ) وقُرأت (فمستقِرٌ ومستودع) المستقر في الصلب، والمستودع في الرحم فهوى نطفة أو ذرة في صلب الأب، تنزل وتودع في الرحم إلى أجل مسمى، أي مستقَر، فلها مستقر، ومستقِر، أي هو مستقِر مخلوق، ومستودع عند الله لم يخلق بعد، كالأبناء الذين لم يأتوا، والأحفاد والخلْق الذين سوف يأتوا في الأزمان القادمة، فمستقر في الأرض، ومستودع في القبر، ويأتي اليوم فيؤمر القبر فيلفظك إلى الخارج، فالاستقرار والاستيداع له معانٍ كثيرة ((قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ (٩٧)) وفي خلْق الإنسان قال (قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَفْقَهُونَ (٩٨)) في النجوم أنت محتاج لعلم، والعلم يأتيك بمجرد النظر والاستدلال؛ لأن النظر إلى النجوم يكفي أن تراها، أو ترى النظام فيها، وترى الدقة في حسابها، ومداراتها لكي تعلم، أما في الإنسان فأنت محتاج لتدقيق النظر(وَفِى ٱلْأَرْضِ ءَايَـٰتٌۭ لِّلْمُوقِنِينَ ﴿٢۰﴾ وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٢١﴾) [سورة الذاريات آية:٢٠ : ٢١] في خلْق الإنسان، وأطواره: نطفة، علقة، مضغة مخلقة، وغير مخلّقة، ذكر، أنثى، أبيض، أسود، أصفر، صغير، وكبير، أشكال مختلفة، ألوان مختلفة، ألسنة مختلفة محتاجة إلى تدقيق النظر، محتاجة إلى استخدام الفطنة من أجل ذلك قال (يَفْقَهُونَ (٩٨)).
وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍۢ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًۭا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّۭا مُّتَرَاكِبًۭا وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌۭ دَانِيَةٌۭ وَجَنَّـٰتٍۢ مِّنْ أَعْنَابٍۢ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ ۗ ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ﴿99﴾
السماء كل ما علاك فهو سماء، فالسحاب يُطلق عليه السماء، والسقف يُطلق عليه السماء، والسماء المبنية يطلق عليها السماء، والفراغ الخارجي يُطلق عليه السماء (وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍۢ ) سبحانك يا رب!! الماء واحد، والأرض واحدة، وانظر إلى تنوع، وتعدد الأصناف، والألوان من النبات الحلو، والمر، النافع، والضار السام، وما تأكله، وما يأكله الحيوان، والماء واحد (يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ ) [سورة الرعد آية: ٤]، أنت الآن تزرع، تأخذ الحب وترميه في الأرض، فالحب موجود تأخذه من الثمر، تأخذه من الشجر، ثم تعيد الدورة من قبل أن توجد أنت هل زُرعت؟ هل كانت موجودة؟ حين نزل آدم وجد ما يأكله، أم خلق ما يأكله؟ وجد ما يأكله. فالأصل النخلة أم النواة؟ الأصل هو النخلة، آدم هو الأصل، والذرية فرع، وكذلك النخل، والشجر، والثمار أصل، ثم تعلّم الإنسان بتعليم الله له أن يستخرج من هذا الثمر الحب، حتى يعيد الزرع، وكيف عُلِّم؟ رأى النوى يتساقط بعد أن أكل الثمر، وفوجئ بخروج النوى مرة أخرى، فتعلّم الإنسان؛ لذا يقول الله (عز وجل) (وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ) والماء وهو سر الحياة (فَأَخْرَجْنَا بِهِ) هو المخرج (سبحانه وتعالى) ولم يقل (فأخرج به) مع سياق الكلام، ففنن في الخطاب، ولوّن فيه (فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍۢ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًۭا) الأخضر، الخضر الطري، ذا اللون المخصوص (نخرج منه) من الخضر(حَبًّۭا مُّتَرَاكِبًۭا) سبحان الله، الأخضر طري فإذا بهذا الطري يخرج منه الحب، فالذرة حبة، حبة صلبة في الأرض، فيخرج منها عود أخضر طري يتحرك مع الرياح، ثم يشتد، ثم يصبح له ساق، ثم إذا بالأوراق شيء آخر، ثم يخرج من الأوراق برغم صغير كوز له غلاف يحميه، أصفر، وليس أخضر كالأصل، وحين تفتح هذا الغلاف الأصفر، تجد داخله الحب الصلب، وتأمل هو الذي أنزل من السماء ماء، ما طبيعة الماء؟ لا لون، ولا طعم، ولا رائحة، على الأرض، ما طبيعة الأرض؟ تراب، طين، لا تؤكل، ولا ينتفع بها في الغذاء، ميتة فأخرج بهذا الماء نبات كل شيء، وحين أخرج النبات الجذع الصغير، أخرج منه الأخضر، ثم تعود الدورة، فتخرج من الأخضر حباً متراكبا، من الذي رص الحبوب فوق بعضها، أرأيت كوز الذرة؟ أرأيت سنابل القمح كيف رُتبت؟ هو الذي رتّبها، هو الله من فوق سبع سموات، هو الذي ركّبها.
(وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌۭ دَانِيَةٌۭ) الطلع: أول ما يبرز من النخل، وما يطلع وله أسماء كُفُرَّى، والإغريض الأبيض بداخله.
قنوان: جمع (قنو) والقنو في النخل، كالعنقود في العنب، قنو مفرد قنوانِ بالكسر، مثنى قنوانُ، جمع دانية: قريبة في متناول اليد، أو قريبة من بعضها البعض، أو منها دانية، ومنها غير دانية، فذكر الدانية للامتنان، وكان من الممكن أن تكون كلها قاصية كما قال (سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ) [سورة النحل آية: ٨١]، وسكت، أي وسرابيل تقيكم البرد (وَجَنَّـٰتٍۢ مِّنْ أَعْنَابٍۢ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ) وترى العنب بالذات أطلق عليه كلمة (جنات)، والجنة سُميت (جنة) لأنها تستر ما تحتها، تتكاثف الأغصان والفروع فتستر ما تحتها، وكذلك العنب حين يُستنبت، وتكون في ثماره، حين يُعلّق ويثمر فإنه يستر ما تحته (وَجَنَّـٰتٍۢ مِّنْ أَعْنَابٍۢ ) الأعناب متعددة مختلفة، منها الأصفر، والأحمر، والبناتي وما إلى ذلك (وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ )خص الزيتون والرمان بالذكر لقربهما من العرب، ولكثرة نفعها للعرب، كما قال (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)) [سورة الغاشية آية: ١٧]، لأنها مركبهم (وَجَنَّـٰتٍۢ مِّنْ أَعْنَابٍۢ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ) متشابه في الشجر، مختلف في الثمر، وإذا نظرت إلى شجرة الزيتون، وشجرة الرمان لم تستطع أن تفرق بينهما في البداية، فالشكل واحد أي متشابهة (وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ) مشتبهة الشكل في الحقيقة، متشابة في الشجر مختلف في الثمر، بل الزيتون والرمان نفسه مشتبه في الشكل، مختلف في الطعم، فالزيتون منه، ومنه، ومنه أنواع، ومنه الأخضر ومنه الأسود، والطعوم مختلفة، والأحجام مختلفة، وكذلك الرمان (ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦ) يأمرنا بالنظر نظر الاعتبار، نظر الرؤية، ثَمرِه ثُمْرِه ثُمُرِه (قراءات) الثَمَرَ الخارج من الشجر، الثُمُر المال المتحصل (ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦ) أي انظروا إلى الأموال التي تعود عليكم من هذه الزراعات التي لا فضل لكم فيها (ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦ إِذَآ أَثْمَرَ) إذا خرج (وَيَنْعِهِۦ) (ويُنعه)، (ويانِعِه) (قراءات) تونع الثمرة طابت للأكل، وأدركت، ونضجت، أي انظروا إلى الثمار التي خرجت من الحب، والنوى، التي خرجت من الأرض السوداء الميتة، انظروا إلى الطعوم، والألوان، والروائح، واختلافها، والنفع فيها، انظروا إلى كل ذلك كيف طاب؟ البلح في أوله هل جربته، البرتقال في أوله أخضر ناشف جامد، منه المالح، ومنه المر، ثم انظروا إليه بعد ما أينع، انظروا إلى طيبه الذي أدرك، ونضج، كيف تغير في اللون، كيف تحولت البرتقالة من أخضر إلى أصفر، وكيف تحوّل البلح إلى أحمر، وكيف، وكيف، وغيره، وغيره (إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ (٩٩)) إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون بأن الله هو الصانع، الحكيم، المختار، الذي اختار وقرر، وقدر، وخلق، وسوّى، وهدى، ذلك الآيات على وجود الله، وتوحيده، وقدرته، وحكمته، وعلمه، فكل ما في الوجود يدل على الموجود الأوحد الحق المستحق للعبادة، وكل ما هو في الوجود يدل على أن الصانع حكيم، مختار، عليم بالصالح والمصالح؛ إذ أخرج من الممكنات ما أراد، فدورة الشمس هل كان من الممكن أن تكون غير ذلك؟ نعم، فكل تلك الأمور ممكنات، أن يُختار من الممكنات ممكنٌ فذاك دليل على اختيار الواحد الأحد للوجود بالشكل الموجود، وأنه (سبحانه وتعالى) لا يوجد سواه، ولا إله غيره، فلا ند يعارضه، ولا ضد يعانده، فهو الفعال لما يريد، وفعله واقع باختياره، وإرادته، دلائل أوضح من الشمس، ومع ذلك أنظر إلى الآيات التالية التي تُعلمنا بما كان عليه أهل مكة.
وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَـٰتٍۭ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿100﴾
بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَـٰحِبَةٌۭ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ﴿101﴾
الجنّ الشياطين، وقيل الجن: الملائكة لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله، وسُميت الملائكة جنا لاجتنانهم، أي لاستتارهم، كيف جعلوا الجن شركاء لله؟ قالوا: لأنهم أطاعوهم، فمن أطاع غير الله في معصية الله أشرك بالله، كقوله (عز وجل) عن اليهود (ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ) [سورة التوبة آية: ٣١]، وحين ذهب أحد اليهود إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ( يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، قَالَ: أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ)، جعلوا الجن شركاء لله، أي عصوا الله، وأطاعوا شياطينهم في البحيرة، والسائبة، والوصيلة في التحليل، والتحريم، والإفتاء بغير علم (وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةًۭ قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) [سورة الأعراف آية: ٢٨]، (وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ) أي وخلق الجاعلين، فكيف تجعل لمن خلقك شريكا، هم يقرون بأن الخالق هو الله (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ (٩)) [سورة الزخرف آية: ٩]، أي وخلق الجن، فكيف يسوون بين المخلوق، والخالق، وقرأت (وَخَلَقَهُمْ) أي وما خلقته أيديهم من الأصنام جعلوها شركاء لله، وقالوا: إنما نعبدها لتقربنا إلى الله زلفى، إذاً جعلوا لله شركاء الجن تارة، والناس تارة، وما صنعته أيديهم تارة (وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَـٰتٍۭ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ) خرّقوا (قراءة بالتشديد) للتكثير خرقوا: اختلقوا: الخرق: الشق على سبيل الإفساد من غير تدبّر، أو تفكّر، إذاً فقد شقوا الحق، واختلقوا الباطل، وأبرزوا الكذب والافتراء (وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ) أي وخلقوا على الله، وافتروا على الله بنين، وبنات، قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال مشركوا مكة الملائكة بنات الله (سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)) سبحانه وتعالى علوا كبيرا، تنزهت ذاته، وتقدست أسماؤه عن كل ما يفترى، هؤلاء كيف يصفونه بذلك؟! كيف بعدما ذُكر وبعدما تراه الأعين.
( بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) البديع: المبدع، الذي ابتدع الشيء، أي خلقه على غير مثال سابق، هل كانت هناك سماء فقلّدها؟ هل كانت هناك أرض فقلّدها، أو صنع مثلها، فهو قد ابتدعها من غير مثال (أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَـٰحِبَةٌۭ) من أين؟ كيف؟ متى؟ ولم تكن صاحبة، فالولد يأتي من التزاوج، فالله لم تكن له صاحبة، وما كانت، ولن تكون، فكيف يأتي الولد، أنّى يكون، وقد بدع السموات والأرض، فالكل ملكه هو غير محتاج، كيف تسوي بين المخلوق، والخالق الأزلي، الأبدي، لا شبيه له، والولد شِبه أبيه، والولد صنوا أبيه، وربنا لا شبيه له، ولا كفء له، ولا مثيل له، ولا ند له (وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ) فطالما خلق كل شيء فهو المستغني بذاته عما سواه، وكل ما هو موجود مخلوق (وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ) عموم أريد به الخصوص، فلا يدخل في كل شيء كلامه (سبحانه وتعالى) فهو ليس مخلوق، ولا تدخل صفاته كقوله (وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍۢ) ولم تسع الشيطان، ولم تسع من مات كافراً، وكقوله (تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا) [سورة الأحقاف آية: ٢٥] ولم تدمر السموات والأرض (وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ (١٠١)) ولم يقل وهو به عليم، كررها ليبين أن كل شيء عموم أريد به الخصوص.
أيها الأخ المسلم، معرفة الله أشرف العلوم، توحيد الله سعادة الدنيا، والآخرة، بل هو العز في الدنيا والآخرة؛ لأنك بتوحيد الله تصبح حراً، تصبح قويا، تصبح شجاعا، تصبح من أهل المعروف، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة.
فقد بينت الآيات مدى جحود الكفار مع خالقهم (عز وجل) الذي منّ عليهم بالإيجاد، وخلق لهم ما به معاشهم، فلق الحب، والنوى، أخرج نبات كل شيء، جعل الليل سكناً، فلق الإصباح، أنزل من السماء ماءً، فأخرج الجنات، والثمار، والنبات، وكل ما يحتاج إليه الإنسان في حياته، بل وزاد من فضله، فقد كان قادراً أن يجعل طعام الإنسان صنفا واحداً كالبهائم: أكلة اللحوم صنفت، وأكلة النبات صنفت، ومن يأكل بعضه بعضا، وهكذا، ولكنه وسّع وتفضّل بالنعم المختلفة حتى أنك لو حاولت أن تعد أصناف الطعام، والشراب ما استطعت إلى ذلك سبيل، هذا المنّ، وهذا الفضل، وهذا الإحسان ومع ذلك يزعمون له الشريك، والولد، خرقوا له البنين، والنبات بغير علم، فقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال كفار مكة: الملائكة بنات الله، بل وخرقوا الأصنام، وصنعوها بأيديهم، ثم عبدوها، وزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وتأتي الآيات، وتجادل هؤلاء بالمنطق، فيقول الله (عز وجل) (بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَـٰحِبَةٌۭ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ (١٠١)) الذي أبدع السموات والأرض، فالسموات والأرض مخلوق، هل تلد؟ هل وُلدت؟ فإذا كان قد خلق من عدم ما لا يتولد منه شيء كالسموات والأرض، كيف يُنسب إليه الولد، وليس كمثله شيء، ومن المعلوم عقلا أن الولد يتولد من رجل وامرأة، من أب، وأم، من زوج وزوجة مجانسة، وربنا لا يجانسه شيء، وربنا لا يكافئه شيء، فكيف يأتي الولد، ولم تكن له صاحبة؟ والولد مثال لأبيه، والولد كفء لأبيه، الله (تبارك وتعالى) (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿۳﴾ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ ﴿٤﴾)[سورة الإخلاص آية:٣ : ٤] (وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ) وطالما قد خلق كل شيء فهو الغني، والأب يحتاج لولد ليعاونه، فهل ربنا يحتاج لمعاون، وهو الخالق لكل شيء، المستغني عن كل شيء، يحتاج الولد ليرث، وربنا (تبارك وتعالى) هو الذي يرث السموات والأرض، وهو الوارث، يحتاج الولد ليعاونه في كبره، وربنا (تبارك وتعالى) هو الموجود الأوحد، الكبير أزلا وأبداً،(وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ (١٠١)) أمر لا يتسنى لغيره أن يكون بكل شيء عليم، ويأتي التعريف، والبيان، والإشارة.
ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ فَٱعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌۭ ﴿102﴾
لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ ۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴿103﴾
(لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ) إذاً لا تحيط به الأبصار لا في الدنيا، ولا في الآخرة، لا تحيط به الأبصار على عظمته، وجلاله، كما هو، وإنما الرؤية ثابتة بالقرآن، والسنة (وُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍۢ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌۭ ﴿٢۳﴾) [سورة القيامة آية:٢٢ : ٢٣] وثابتة بالسنة لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): ( فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ) فالرؤية ثابتة بالقرآن والسنة، لكن الإدراك أي الإحاطة أن تحيط بالله (تبارك وتعالى) بماهية الله (تبارك وتعالى) بكُنه ذاته أبداً، (وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ) أي يحيط بها، وتشعرنا الآية بأن الإنسان لا يدرك الأبصار؛ لأن الله هو الذي يدرك الأبصار، أنت تبصر لكنك لا تعرف كيف تبصر، وما الذي جعل العين تبصر، وما هو سر الإبصار، ومهما قيل من انعكاس الصورة، وانقلابها على الشبكية صغيرة، ثم أن تنتقل عن طريق العصب البصري إلى آخر هذا الكلام، فالإحاطة بالإبصار كيف هو، لا يحيط الإنسان المبصر لكن الله يدرك الأبصار(وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ (١٠٣)) اللطيف بعباده، الخبير بمصالحهم.
قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ ﴿104﴾
وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَلِيَقُولُوا۟ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ﴿105﴾
(وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَلِيَقُولُوا۟ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ (١٠٥)) إذاً فقد صُرِّفت الآيات، أما الذين يعلمون بفضل الله علّمهم، وأفهمهم، وشرح صدرهم، وهداهم، فهم يعلمون، وقد بُينت الآيات، وجاءهم البيان، وأما الكفار فيزداد كفرهم، ويقولوا: درست، ويتهموه بأنه تعلّم من غيره، كقولهم أساطير الأولين، وكقولهم أنه تعلّم من أهل الكتاب، وأن القرآن آيات وانتهت، واندرست، وأعانه عليه قوم آخرون.
لذا قُرأت كلمة (درست) سبع قراءات على معانٍ مختلفة، وَلِيقُولُوا دَرَسْتَ، ولْيقولوا درست واللام هنا لام الأمر، بمعنى التهديد، بمعنى الزجر، كقوله (فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًۭا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًۭا) [سورة التوبة آية: ٨٢]، أمرهم بالضحك، لكنها في معنى التهديد، ولْيقولوا دارست، أي قارأت أهل الكتاب، قرأت عليهم، وقرؤوا عليك، وتعلمت منهم، (وليقولوا دَرَسَتْ) أي محت، وانتهت، وبطلت، آيات قديمة، أساطير الأولين، ها أنت تعيده علينا مرة أخرى، (وليقولوا دَرُسَتْ) مبالغة في درست، ثم يتوجه الأمر للنبي (صلى الله عليه وسلم)
ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿106﴾
وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟ ۗ وَمَا جَعَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍۢ ﴿107﴾
وقال بعض الناس: الآية منسوخة بآيات القتال، والبعض قال هي ليست بمنسوخة، وتأتي آية تبين أمراً هاما في غاية الأهمية (وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟) إذاً فقد حدث الشرك بمشيئة الله، إذ لا يقع في ملكه إلا ما يريد، إذاً هو أراد الإيمان من المؤمنين، وأراد الشرك من المشركين، ولم يرد منهم الإيمان، أي لو أراد هدايتهم لهداهم، ولو أراد أن يكونوا من المؤمنين لكان، لكنه لم يُرد ذلك منهم؛ لأنهم لا يستحقون ذلك، وهو أعلم بهم.
( وَمَا جَعَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا ) أي حافظا ترقب أعمالهم، أو تُسأل عنهم، أو تحفظهم من الشرك، أو تحافظ عليهم، (وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍۢ (١٠٧)) تتولّى أمورهم، أو تدبير حياتهم، أو أرزاقهم، إن عليك إلا البلاغ، تبين الآية أن الهدى هدى الله، وتبيّن أن الله أراد الكفر، ولم يأمر به، أمرهم بالإيمان، لكنه لم يرد منهم الإيمان، إذ لا يقع في ملكه إلا ما يريد، وتلك نقطة في غاية الأهمية، فالأمر غير الإرادة، أمر وأراد، أمر ولم يُرد، أراد ولم يأمر، ومثال ذلك أمر الملائكة بالسجود، وأراد منهم السجود، فسجدوا(ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ) [سورة البقرة آية: ۳٤] فسجدوا، أمر إبليس بالسجود، ولم يرد منه السجود، فلم يسجد، ولو أراد لسجد، أراد لآدم أن يهبط من الجنة، بأكله من الشجرة، فهل أمره بذلك؟ إذاً فقد أراد، ولم يأمر، أمر الكفار بالإيمان، ولم يُرد ذلك منهم، قال في محكم كتابه (تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍۢ وَتَبَّ (١)) [سورة المسد آية: ١] أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يدعوا أبا لهب للإسلام، فهل كان من الممكن أن يسلم، وربنا يقول: (تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍۢ وَتَبَّ (١)) [سورة المسد آية: ١]، من الأزل؟ ولذا تقابل: موسى مع آدم، وحين لقي آدم بادره يقول: أنت آدم أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلّمك الأسماء كلها، وأسكنك جنته، ثم بمعصيتك جنيت على ذريتك، وأكلت من الشجرة، فرد آدم قائلا لموسى: أنت موسى كلمك الله تكليما، وأنزل عليك التوراة مكتوبة، هل قرأت التوراة؟ قال: نعم، قال: بكم كُتبت قبل أن أُخلق؟ قال: أربعين، قال أوَجدت فيها أن الله يقول، وعصى آدم ربه فغوى؟ قال: أجل، قال فكيف تلومني على شيء كتبه الله علىّ قبل أن أُخلق، فحاجّ آدم موسى، أي غلبه بالحجة، ذاك معنى حديث لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذاً فلا يقع في ملكه إلا ما يريد، وهو الفعّال لما يريد، ولو شاء الله ما أشركوا، لو شاء ربنا لخلق الناس كالملائكة مفطورين على الطاعة، هل تعصي الشمس؟! هل يأبى القمر أن يطيع؟! هل تعصي الأرض؟! هل تندك الجبال من نفسها؟ هل تأبى الأرض أن تنبت؟ هل تنزل الحبة ولا تنفلق؟ الكل في طاعة، وقد كان قادرا على أن يخلق الإنسان كذلك، لكنه حمّله الأمانة، وترك له الخيار، فمن اختار هدى الله أزلا بما يكون عليه الاختيار، كتب فوقع المكتوب (سبحانه وتعالى) لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، رؤية الله (تبارك وتعالى) في الآخرة ثابتة بالقرآن والسنّة، ولكنها ليست رؤية إحاطة، أما رؤية الله (تبارك وتعالى) في الدنيا ففيها خلاف، فمن الناس من أجازها، ومن الناس من منعها، أما من أجاز الرؤية، فكانت حجته أن موسى سألها (قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ) [سورة الأعراف آية: ١٤٣]، ولو كانت مستحلية لم يكن يسأل، إذ يستحيل على نبي من الأنبياء أن يجهل ما يجوز على الله (عز وجل) وما لا يجوز، فكيف يسأل ما لا يجوز، إذاً فقد سأل جائزاً، وإلا لكان سؤاله مستحيلا، كما أن الله علّق الرؤية على شيء جائز عقلا، (قَالَ لَن تَرَىٰنِى وَلَـٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى) [سورة الأعراف آية: ١٤٣]، علّق الرؤية على ثبات الجبل، وهو جائز عقلا ذلك يحدث، لكنه حين تجلّى دُكّ الجبل؛ لأن الله لم يرد له الثبات، وهؤلاء الذين أجازوا الرؤية، أثبتوا رؤية النبي (صلى الله عليه وسلم) لله (عز وجل) حين عُرج به فوق السموات العلى، وقالوا: إن الله (عز وجل) قسّم الكلام، والرؤية بين موسى ومحمد، فجعل الكلام لموسى، وجعل الرؤية لمحمد، وجعل الخُلة لإبراهيم، وبعض الناس قال: إن محمد (صلى الله عليه وسلم) رأى ربه بقلبه، ولم يره بعينه، وقال آخرون يستحيل أن يُرى الله في الدنيا؛ لأن الله باق، ولا يمكن أن يرى الفاني الباقي، فإذا جاءت الآخرة رُزق المؤمنون أبصاراً باقية، فرأوا الباقي بالباقي، وذاك أرجح خاصة أن الإمام مسلم يروي في صحيحه عن مسروق وهو من كبار التابعين قوله: (كنت متكئا عند عائشة أم المؤمنين فقالت: يا أبا عائشة، كنية مسروق، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت وما هن؟ فقالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال وكنت متكئا فجلست، فقلت يا أم المؤمنين أنظريني، ولا تعجليني ألم يقل الله (عز وجل) (وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ (١٣)) [سورة النجم آية: ١٣]، فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض، فقالت عائشة لمسروق: أو لم تسمع أن الله يقول( لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ ۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ (١٠٣)) أو لم تسمع أن الله يقول (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًۭا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌۭ (٥١)) [سورة الشورى آية: ٥١] قالت: ومن زعم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كتم شيئا من القرآن أعظم على الله الفرية، والله يقول (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ) [سورة المائدة آية: ٦٧] قالت من زعم أنه يخبرك بما يكون في غد، فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)) [سورة النمل آية: ٦٥]، كان المسلمون في مكة يسبون الأصنام، والأوثان، فذهب مشركو مكة إلى أبي طالب، وقالوا له: لينتهين محمداً وأصحابه عن سب آلهتنا، أو لنهجونّ إلهه، إذاً فقد هددوا بسب الإله، سب إله محمد كما يسب محمد أو يسب أصحابه آلهتهم، وحين قالوا ذلك نزل قول الله (عز وجل)
وَلَا تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّوا۟ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿108﴾
ومن الغريب أن الآيات الواضحة، والدلائل، والبراهين، والتي نزلت بلسان عربي مبين، لسان العرب وهم أهل الفصاحة، تارة قالوا: ساحر، تارة قالوا: أساطير الأولين، تارة قالوا: دارس أهل الكتاب، ودرس معهم، وتعلّم منهم، رغم أنهم أهل فصاحة، وأهل بيان، ورغم الدلائل والبراهين، ذهب كفار مكة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يقولون له أنت تحدثنا أن موسى فلق البحر بعصاه، وتحدثنا أن عيسى أحيا الموتى، وأن ثمود كانت لهم ناقة كذا، وكذا، وكذا، فلم لا تأتينا بآية كما أرسل الأولون، قال وماذا تريدون؟ قالوا: حوِّل لنا الصفا ذهبا، جبل الصفا، سكت النبي (صلى الله عليه وسلم) وجاءه أصحابه يقولون: يا رسول الله، لم لا تدعو الله أن يحوّل الصفا ذهبا، لعلهم يؤمنون، ونكسب بذلك إيمان هؤلاء القوم، وأوشك النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يدعو، وأن يطلب ما طلبه المشركون، وجاءه جبريل يخيّره إذا استُجيب لك، وتحوّل الصفا ذهبا فلم يؤمنون، وجب عليهم العذاب (سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًۭا (٦٢)) [سورة الأحزاب آية: ٦٢] ما من أمة طلبت آية، فجاءت الآية، فلم يؤمنون إلا وأهلكهم، ودمّرهم، أم تنتظر بهم لعل كافرهم يتوب، فاختار النبي (صلى الله عليه وسلم) الانتظار، وخاف على أمته، وخاف على قومه، فسكت، ولم يطلب، فنزلت الآيات تبين أن اختيار النبي (صلى الله عليه وسلم) كان هو الأصوب، والأفضل، وأن التوفيق لهذا الاختيار كان من رحمة الله (عز وجل)
وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا ٱلْـَٔايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿109﴾
وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿110﴾
(وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)) (لَا) زائدة لتحسين الكلام، أو التوكيد (وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون) (لَا) زائدة كما حدث في آيات كثيرة مثل (وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَآ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)) [سورة الأنبياء آية: ٩٥] أي أنهم يرجعون، ومثل (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) [سورة الأعراف آية: ١٢]، والمعنى ما منعك أن تسجد، وقيل: (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون) فحُذفت أو يؤمنون لعلم السامع بها ثقة بفهم السامع،(وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)) أي لو أن الآية حدثت، وتحوّل الصفا ذهبا كما طلبوا لن يحدث الإيمان لماذا؟ لأن الله سوف يحول بينهم، وبين الإيمان، ألم يقل الله (وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)) [سورة الأنفال آية: ٢٤]، فكذلك لو تحول الصفا ذهبا لحوّل الله قلوبهم عن الإيمان،( وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ) قلوبهم (وَأَبْصَـٰرَهُمْ) أعينهم يراها ذهبا، ثم ينكر كما أنكر قوم فرعون، وقالوا: هذا ساحر مبين، رأوا العصا تأكل الحيات، والعقارب، والثعابين، تأكل وتعود عصا، ومع ذلك قالوا: أنه الساحر.
( كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ) كما لم يؤمنوا به: بالقرآن، وبالآيات، حين نزل القرآن أول مرة، ونزلت الدلائل، والبراهين، هو الذي خلق السموات والأرض، هو الذي أنشأكم من نفس واحدة، إن الله فالق الحب والنوى، هو الذي أنزل من السماء ماء، نزلت الآيات، والدلائل، والبراهين، تخاطب القلوب، وتخاطب العقول، فلم يؤمنوا به، فكذلك لو نزلت الآيات يقلّب ربنا أفئدتهم، وأبصارهم، ولا يؤمنوا به (وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)) الطغيان: تجاوز الحد، وليس بعد الكفر طغيان، نذر: نترك، أي يتركهم ربنا في طغيانهم يعمهون، يترددون، ويتحيرون، العمه: عمى البصيرة، والعمى عمى العين، والبصر.
أيها الأخ المسلم، انظر حولك في كل مكان في السماء، في الأرض، في الناس، في أولادك، في كل ما تراه عينك، وتأمل تجد الله (تبارك وتعالى) في كل حركة، في كل سكون، في جلستك، وجِلستك التي تجلسها، في جلدك، في الشعر، في البصر، في السمع، في النَفس الذي يتردد دون إرادة منك، أنت تتنفس منذ وُلدت، وأنت نائم تتنفس، وأنت ماشي تتنفس، وأنت جالس تتنفس، لو أُغمى عليك، وغُشي عليك تتنفس أيضا، كيف هل لك دخل؟ هل لك إرادة؟ من الذي جعل ذلك؟ الله، مهما أكلت تلتقم الطعام بأنواعه: الدسم، وغير الدسم، الحلو والمالح، وتأكل أنواع من اللحم، مشروبات، ومطعومات، أنواع تلتقمها من مدخل واحد، كيف تتوزع في الجسم، ويذهب كل شيء مكانه، وتستفيد بكل مادة، وتأخذ حاجتك، ثم ما زاد وكان فيه المضار، والسموم، توزع وتقسّم، خرج المائع، والسائل من مخرج، وخرج الجامد من مخرج آخر، من الذي وزع ذلك؟ ومن الذي هضم الطعام؟ ومن الذي جعل البنكرياس يفرز والمعدة، والمرارة والأنزيمات، قلبك يدق منذ كنت جنينا في بطن أمك، ولازال يدق، وسوف يدق إلى أن تأتي لحظة يتوقف فجأة، هل بإرادتك ذلك (وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٢١﴾ وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴿٢٢﴾) [سورة الذاريات آية:٢٠ : ٢١] فسبحان من احتجب عن الخلق بنوره، وخفي عنهم بشدة ظهوره، ما من نبي بُعث إلا ومعه دليل صدقه، وأكثر من برهان، وكان برهان النبي (صلى الله عليه وسلم) القرآن، وكان دليل صدقه في ذاته، في خلقه، في سلوكه، فقد سُمي ولُقِب بالأمين من قبل أن يُبعث، نعم كان مع الأنبياء براهين، وأدلة: العصا لموسى، إحياء الموتى لعيسى، ناقة صالح، آيات، دلائل انتهت بانتهاء أصحابها، آمنا بها لخبر الصادق المصدوق (صلى الله عليه وسلم) أما معجزة المصطفى المختار، فهي معجزة خالدة تالدة، القرآن ذاك هو دليل صدقه في إعجازه، في لغته، في نسقه، في أخباره، في مواعيده، في قصصه، في لغته، في مجادلته، في تقريراته، وكفى بالقرآن دليلا وحجة، ورغم نزول القرآن بلغة العرب، وهم أهل فصاحة إلا أن الكفار أنكروه، واتهموا النبي (صلى الله عليه وسلم) تارة بالكذب، وتارة بالسحر، وتارة بأنه يُعلَّم، ويتلى عليه من أساطير الأولين، وترّهاتهم، لم يكتفوا بالقرآن، وطلبوا الآيات تارة (لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا) [سورة الفرقان آية: ٢١] ، وتارة (فَأْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (٣٦)) [سورة الدخان آية: ٣٦] ، تارة (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌۭ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَـٰبًۭا نَّقْرَؤُهُۥ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًۭا رَّسُولًۭا (٩٣)) [سورة الإسراء آية: ٩٣] ، وتارة حوّل لنا الصفا ذهبا، طلبوا الآيات، واقترحوها، ولرأفة النبي (صلى الله عليه وسلم) بأهله، وعشيرته، وقومه، ولرحمة المؤمنين التي غرسها الله في قلوبهم بالإيمان، تمنى الجميع أن تنزل ولو آية مما اقترحها الكفار من آيات، علهم يؤمنون، خاصة أن الكفار مكة أقسموا بالله جهد إيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، أكذبهم الله (تبارك وتعالى) وأمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لهم (إِنَّمَا ٱلْـَٔايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ) ثم خاطب المؤمنين قائلا (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)) وما يدريكم أن محوّل القلوب، ومقلِّب الأبصار، قد يحوّل قلوبهم عن الإيمان، كما حوّلها أول مرة، فتأتي الآية، ومع ذلك يرفضوها، وحينئذ تحق عليهم الكلمة، وينزل بهم العذاب، وتُهلك الأمة.
الجُزءُ الثامن
وتأتي الآيات لتبين أن الله (تبارك وتعالى) لو استجاب، وجاءهم بجميع الآيات المقترحة، بل وأكثر منها، ما كان ذلك سوف يهديهم، أو يؤدي بهم إلى الإيمان؛ لأن الإيمان فضل من الله، فمن شاء الله هداه، ومن شاء أضله، وأعماه، فالإيمان بمشيئة الله، وقد اعتقد المشركون أن الإيمان بيدهم إن شاءوا آمنوا، وإن أرادوا كفروا، وقد يكفرون اليوم، ثم يعن لهم أن يؤمنوا في الغد، وتلك كانت مصيبتهم، والتي قد يقع فيها المسلم دون أن يدري، حين تقول له: صلى، يقول لك سوف أصلي، سوف أتوب، يعتقد أن التوبة بيده، يعتقد أنه يستمتع بما يشاء من زينة الدنيا، ولهوها، ولعبها، ثم إن شاء وقتما يشاء تاب، لا والله، فلا توبة إلا بتوفيق الله، ولا إيمان إلا بهداية الله؛ لذا يقول عز من قائل:
وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍۢ قُبُلًۭا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴿111﴾
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّۭا شَيَـٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴿112﴾
وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ﴿113﴾
في البداية الإيحاء: الخاطر، الوسوسة (يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ) فمن كان صدره سليما أوقف الخاطر، واستعاذ بالله (إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (٢٠١)) [سورة الأعراف آية: ٢٠١]، يتنبه فورا إلى أن هذا الذي يُلقى إليه من الشيطان، أما الذين هم أقل درجة في التقوى، قد يصغى، يميل، الكلام مزخرف، الكلام مزيّن، الباطل لبس صورة الحق، وقد نرى ذاك في عصرنا واضحا جليا، الفتاة التي خرجت عارية كاسية متزينة متعطرة، زُيّن لها ذاك، واعتبرته تمدين، ورقي، وهكذا في كل ما تراه من معصية فالوسوسة أولا، ثم ميل القلب، (وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ) إذاً فمن مال لخاطر الشيطان دخل في حزب هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، فإذا مال إلى ما وسوس به الشيطان تبدأ مرحلة الرضا، وارتضاه، همّ بالفعل (وَلِيَقْتَرِفُوا۟) إذا فذاك هو الترتيب، يوحي، تصغى، وليرضوه، وليقترفوا، كيف يتم الفعل؟ للشيطان لمّة ذاك هو الخاطر، وللملك لمّة ذاك هو النور، والرحمة، لمة الملك إيعاد بالخير، وتصديق بالحق، ولمة الشيطان، إيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، فكل ما حدثتك به نفسك، أو الشيطان، أو الخاطر، فمن البداية يجب أن توقف الخاطر، وأن تبتعد عنه، ولا تستمر، ومع ذاك من عظمة رحمة الله بأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) أن الله لا يؤاخذ المسلم بهذه الدرجات، فالخاطر غير مسئول عنه نهائيا، والإصغاء أي الميل، ثم الرضا قد لا يحاسب ربنا على ذلك رحمة ( إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تُكَلِّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ) فإذا وصل الأمر إلى الرضا، وارتضى، وهمّ بالفعل، ثم امتنع خشية الله لم تُكتب عليه، ( وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ) حين طلب المشركون الآيات، ورُدّ عليهم، قالوا: إذاً فأتِ بحَكَم يحكم بيننا وبينك من أهل الكتاب، هم أهل كتاب، وجاءهم أنبياء، هات حَكَم منهم، يحكم لك بأنك صادق، ويحكم بيننا، وبينك، فقيل له:
أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًۭا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مُفَصَّلًۭا ۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌۭ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴿114﴾
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًۭا وَعَدْلًۭا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿115﴾
وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴿116﴾
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴿117﴾
فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَـٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ ﴿118﴾
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ ﴿119﴾
وَذَرُوا۟ ظَـٰهِرَ ٱلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا۟ يَقْتَرِفُونَ ﴿120﴾
وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌۭ ۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴿121﴾
ما ذُكر اسم الله عليه مباح، مالم يُذكر اسم الله عليه كذبائح أهل الكتاب حلٌ لنا بشرط ذكر اسم الله عليها عند الأكل؛ إذ قد جاء قوم إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يسألونه ( يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لا، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوا) أما إذا سمعنا أهل الكتاب يذكرون اسما غير اسم الله على ذبائحهم، فيُمنع الأكل، كما لو ذكروا اسم عزير، أو المسيح، أو اسم غير اسم الله، أو اسم مع اسم الله، فلا تأكل.
أما ما ذُبح على النُصب، فهو ممنوع قطعا حتى وإن كان الذبح شرعيا، أي في المكان المحدد، وأنهر الدم، ونبينا (صلى الله عليه وسلم) (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ) والذبائح التي على النُصب لم يُذكر اسم الله عليها، أي افتقدت شرط من الشرطان، والشرطان هما: ذكر اسم الله عليه، ما أًنْهر الدم.
ذكر اسم الله على الذبيحة هل يجب أن يكون باللسان، أم بالقلب يكفي؟
قال بعضهم: الذكر بالقلب كافٍ، فقلب المؤمن عامر بذكر الله، وقال بعضهم: بل الذكر باللسان واجب؛ إذ قد عُرف عُرفاً أن الذكر على الذبح باللسان، حتى للمشركين الذين كانوا يذكرون أسماء الأصنام، أو أهل الكتاب من المعروف عرفاً أنهم يذكرون ما يشاءون باللسان، فالذكر على الذبائح باللسان خاصة أنه أُثر على نبينا (صلى الله عليه وسلم) حين ذبح بيده أنه سمى، وكبّر، وسمع المسلمون التسمية، والتكبير.
فإن ذبح المسلم ولم يذكر؟
قال بعض العلماء: إذا ترك المسلم ذكر اسم الله على الذبح عامداً، أو ناسياً حرُم الأكل، وقال بعضهم: إذا ترك الذابح المسلم اسم الله عامداً، أو ناسيا، أُكل، سمِي وكُل، وفرّق آخرون قالوا: إن ترك التسمية عمداً لا تأكل، وإن تركها سهواً فكُلْ.
تلك خلافاتهم في مسألة ذبيحة المسلم، واستدل كل منهم بأمور، استدل بعضهم بالحديث، واستدل بعضهم بالآيات،(وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)) الوحي: هو إخبار في السر، أو في الخُفية، أي الشياطين من الجن يوسوسون إلى أوليائهم من الإنس، أي شياطين الإنس يلقون في صدورهم من الوسوسة، ومن الباطل ليجادلوكم، والجدال قرع الحجة بالحجة، على سبيل القوة، الجدال من الجدالة، جدالة الأرض، كأن المجادل يجعل صاحبه مجدولاً، يصرعه بالحجة، فيجعله مجدولا، أو من الجدْل، الفَتْل، الحبل المجدول مفتول، والجدل الشديد، كأن المجادل قطع حُجة أخيه، أو حجة من يجادله،( وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ) يوسوسون إليهم بالجدال، تأكلون ذبيحتكم، ولا تأكلون ذبيحة الله.
(وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)) إن أطعتموهم بتحريم ما أحلّ الله، وتحليل ما حرّم الله، أصبحتم أنتم، وهم سواء في الشرك، علامة الإيمان أن تأتمر بأمر الله، وأن تنتهي عن نهيه، علامة الإيمان ألا تطع في معصية الله غير الله، فإن حرمت ما حرّمه المشركون، أو أحللت ما أحله المشركون، كنت كمن أشرك؛ إذ الإشراك وعبادة غير الله ليست بالسجود فقط لغير الله، أو التوجه بالدعاء لغير الله، وإنما الطاعة لغير الله في معصيته شرك؛ لأن الطاعة عبادة، والعبادة طاعة؛ ولذا حين قال الله (عز وجل) (ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ) [سورة التوبة آية: ٣١] وتعجب أحد أحبار اليهود الذين أسلموا جاء للنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: يا رسول الله ما عبدناهم، فكيف اتخذناهم أربابا فأجابه النبي (صلى الله عليه وسلم) موضحاً ( يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، قَالَ: أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ) إذا طاعة غير الله في معصية الله شرك، ثم يمثل ربنا (تبارك وتعالى) الفارق بين المؤمن والكافر، العالم وغير العالم، الطائع وغير الطائع.
أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍۢ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿122﴾
(كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (١٢٢)) أي كما بيّنا وزينا للمؤمن إيمانه، وحببنا إليه الإيمان، وزينّاه في قلبه، وكرهنا إليه الكفر، والفسوق، والعصيان، كما فعلنا ذلك نزيّن للكافر فعله، وعمله، والآية أدباً مع الله (أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا) الجاعل هو الله (يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ) هو في الظلمات، لم يقل جعلناه في الظلمات، إذا هو الذي دخل في الظلمات بسوء عمله، وسوء قصده، وسوء نيته، وفساد فطرته (كَذَٰلِكَ زُيِّنَ) لم يقل زينّا، وكذلك كما زينا (لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (١٢٢)).
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿123﴾
من تعنّت أكابر المجرمين، ومن غيرتهم، وحقدهم أنهم استنكفوا أن يتبعوا من هو أفقر منهم، أو أقل منهم شأنا وسلطانا، كما قال قوم نوح (قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلْأَرْذَلُونَ (١١١)) [سورة الشعراء آية: ١١١]، وكقول غيرهم (فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًۭا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ (٢٧)) [سورة هود آية: ٢٧]، هكذا أكابر المجرمين أصحاب السلطة، والسلطان حين يأتي نبي من الأنبياء بالوحي يخشون على سلطانهم، يخافون على أموالهم، فلا يتبعونه، بل يحاربونه، ويستخدمون أموالهم في النكاية بمن أسلم (إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةًۭ ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)) [سورة الأنفال آية: ٣٦].
من تعنّت هؤلاء، ومن أمثلة ذاك كان بمكة اثنان من أخطر صناديدها، الوليد بن المغيرة، وأبو جهل، أما الوليد بن المغيرة فقد قال للنبي (صلى الله عليه وسلم) إن كانت النبوة حقا فأنا أوْلى بها منك لأني أكبر منك سناً، وأكثر منك مالاً، وأما أبو جهل فقال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف، الشرف في ذلك الوقت سدانة البيت، والمحافظة على نظافة مكة، ومفتاح الباب، وزمزم، والشرب منها، وإطعام الجائع، وكسوة الفقير، وخدمة الحجيج الذين كانوا يحجون للأصنام وما إلى ذلك، يقول أبو جهل: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسَي رهان، قالوا منا نبي يوحى إليه، والله لا نرضى به، ولا نتبعه إلا أن يوحى إلينا كما يوحى إليه، قالوا: وكما حكى عنهم القرآن (وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴿۳١﴾أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ) [سورة الزخرف آية:٣١ : ٣٢] لذا يقول الله (عز وجل) عن أكابر المجرمين، وأمثلة عما فعلوه، وقالوه:
وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ ﴿124﴾
فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًۭا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿125﴾
وَهَـٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًۭا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ ﴿126﴾
(فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ) الشرح: التوسعة، الشرح في الأصل: الشق الانفساح، إذا شرحت الشيء انفسح، من يرد الله أن يهديه إليه، إلى طريقه، إلى نور الدين والإسلام يشرح صدره، يوسع صدره، فيدخل فيه النور ويقبل، والكلام كناية عن قبول النفس للحق، وتهيئتها لقبوله، ولدخوله، وتصفية النفس مما يمنعه، أو ينافيه؛ ولذا سئل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن هذا، وهل ينشرح الصدر يا رسول الله؟ وكيف ينشرح فأخبرنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) ( إِنَّ الْإِيمَانَ إِذَا دَخَلَ الْقَلْبَ انْفَسَحَ لَهُ الْقَلْبُ وَانْشَرَحَ، وَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ (فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ آيَةٍ يُعْرَفُ بِهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ، الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الْمَوْتِ) التجافي عن دار الغرور، أي البعد عن الدنيا دار الغرور، بالبعد عنها وعن أهلها ( كُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ أُمٍّ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا) والإنابة إلى دار الخلود التقرب، والشوق إلى دار الخلود الجنة، والعمل لها والاستعداد للموت قبل نزوله (وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًۭا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ) الحَرج في الأصل: الضيق، والحرِج: الضيّق، جاء بلفظين مختلفين يؤديان نفس المعنى للدلالة على منتهى وشدة الضيق، حَرَجاً مصدر حَرِج كأن الصدر هو نفسه الضيق ذاته، من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجاً كأنما يصعد في السماء، يصّعّد يتكلف الصعود، كأنما يصّعد يتكلف الصعود، كلها بمعنى واحد، أي أن هذا الذي أضله الله، وأراد له الضلالة ضاق صدره عن دخول النور، عن دخول الإسلام، حتى إن أراد كأنه يحاول الصعود إلى السماء، ويتكلف الصعود إلى السماء، وليس بصاعد، هل يمكن للإنسان أن يصعد ويطير في الهواء بذاته؟ يستحيل، فكأنه يتكلف ما لا طاقة له به.
وقال بعضهم: بل المعنى قد يفيد أنه لبعده عن الدين، ولبعد قلبه وصدره عن النور، يضيقه كأنما يهرب، ويحاول الهرب بقلبه وبصدره إلى السماء بُعداً عن هذا النور، وقال بعض حديثي العهد، أو علماء العلوم في هذا الشأن من باب الإعجاز العلمي في القرآن، قالوا إذا طار الإنسان في الهواء كلما صعد بطائرة أو بغيرها، أو ارتفع في علو كجبل قل نسبة الأكسجين في الهواء الذي يتنفس به الإنسان، ويعيش، ويحيا فيضيق صدره، ويشعر بالاختناق، من هنا تجهز الطائرات بأجهزة خاصة حتى تعادل الهواء في الأرض حيث يعيش الإنسان، ولو تعطلت هذه الأجهزة هناك أجهزة للطورئ تتدلى من سقف الطائرة، اسطوانات خاصة فيها الأكسجين الذي يُتنفس، المهم أن علماء الدنيا وعلماء العلوم قالوا: الآية إعجاز؛ إذ كيف يعرف محمد الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب أن الصعود إلى السماء والارتقاء إلى طبقات الجو العليا يجعل الصدر ضيقا، لا يستطيع أن يتنفس أنّى له أن يعلم ذلك، إذاً فهو وحي من الله لا محالة (كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)) أي كما يجعل صدورهم ضيقة حرجة كأنما يصعدون في السماء، يجعل الرجس كذلك الرجس: النتن، النجاسة، الإثم: القذارة كل عمل لا خير فيه، كل عمل يؤدي إلى العذاب، والهلاك، أصل الكلمة من الرجس، وهو الصوت المرتفع الشديد المزعج، كذلك يجعل الله الرجس: الخزي، الإثم، العذاب، القذارة، النتانة على الذين لا يؤمنون بآيات الله، أي كما فتح الله وشرح صدر المسلمين للنور وللإسلام، كذلك جعل العذاب في الدنيا، والآجرة، والذلة والخزي لهؤلاء الذين لا يؤمنون (وَهَـٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًۭا) هذا إشارة هذا البيان الذي سمعتوه، البيان الذي جاء به القرآن، الإسلام صراط ربك مستقيما، الطريق الموصِّل إلى رضوان الله (تبارك وتعالى) لا اعوجاج فيه ولا خلل فيه بيّناها من كل جانب لهؤلاء الذين يذكّرون يعلمون أن الله قادر على كل شيء، وأن الهدى هداه، وأن من أراد الله هدايته هو المهدي، ومن أراد الله إضلاله فلا يهديه أحد بعد الله (وَهَـٰذَا) إشارة إلى فتح الصدر، وشرْح الصدر للنور لمن أراد الله هدايته، وجَعْل الصدر ضيّق لمن أراد الله ضلالته، الإشارة لهذا التصرف لهذه الحكمة والإرادة (وَهَـٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ) عادة الله (مُسْتَقِيمًۭا) لا تبديل له سنّة الله في خلقه، من أراد أن يهديه شرح صدره، ومن أراد أن يضلّه جعل صدره ضيّقا (قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ) التفصيل الإتيان بالآية تلو الآية التبيين التوضيح (لِقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)) هؤلاء المتذكرون، هم الذين يعلمون أن الله (تبارك وتعالى) بيده مقاليد الأمور، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، وأن الهدى هداه، وأن من هداه الله هو المهتد، ومن أضله فلن تجد له وليا مرشدا.
أيها الأخ المسلم، التأمل في آيات الله (تبارك وتعالى) تزيد العبد إيمانا، وكلما قرأت في آيات الله، وتأملت في آيات الله لابد وأن يزداد إيمانك؛ لأن الله (تبارك وتعالى) بيّن ذلك (وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌۭ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِۦٓ إِيمَـٰنًۭا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)) [سورة التوبة آية: ١٢٤]، أخبرتنا الآيات أن الخلق فريقان: فريق اتبع الهوى، وأصم أذنه عن استماع الحق، فضيّق الله صدره وجعله حرجاً كأنما يصّعد في السماء، وسد عنه منافذ النور، فخذله وأوكله إلى نفسه، وفريق ترك الهوى وترك التقليد واستمع بقلب مفتوح، وأذن واعية، فشرح الله صدره، وأنار قلبه، ورزقه النور الذي يمشي به في هذه الحياة، فيرى النافع من الضار، ويتبين الصحيح من السقيم، هؤلاء الذين شرح الله صدرهم للإسلام، هم الذين تفكّروا في خلق الله، فقد بيّن الله (تبارك وتعالى) حال الفريقين ثم قال (قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)) فيعلمون أن القادر هو الله، وأن النافع هو الله، وأن الضار هو الله، وأن الهدى هداه، فمن شاء الله هداه، ومن شاء أضله وأعماه، هؤلاء المتذكرون يبشرهم ربهم بدار السلام، يبشرهم بالسلامة من العذاب، فكما رُزقوا السلامة في الدنيا من الأهواء، ومن نزعات الشياطين، سلمهم الله (تبارك وتعالى) في الآخرة من الحساب، والعتاب، والعذاب يقول عز من قائل:(قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)).
لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿127﴾
(لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ) السلام: اسم من أسماء الله، هو السلام سبحانه، أي لهم دار الله نسبها لنفسه تشريفا لها، ورفعة لقدرها، لهم دار السلام: أي السلامة من الآفات السلامة من كل سوء، السلامة من كل عيب، السلامة من العذاب، السلامة من السؤال، والعتاب
(لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ) الدار التي تحيتهم فيها سلام (لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ) العندية هنا ليست عندية مكان فربنا (تبارك وتعالى) منزّه عن المكان، مقدس عن الزمان، والعندية عندية مكانة، وليست عندية مكان، أي مضمونة لهم عنده، هو ضمين وضامن لها يوصلهم إليها بفضله، (وَهُوَ وَلِيُّهُم) ناصرهم ومتولي أمورهم دنيا وأخرى (وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ (١٢٧)) بسبب أعمالهم الصالحة أي متوَلّيِ إيصال الخير إليهم، ومسئول عن إيصالهم إلى دار السلامة دون عوائق، وتأتي الآيات لتصور موقفا هو الموقف، وما عداه ليس بمواقف، موقف الحشر، وموقف البعث، موقف السؤال حين تخضع الرقاب لله، حين تنتهي الدعاوى، حين يحشر المتكبرون كهشيم الذَر، حيث لا يكون مالك ومملوك، حين لا يكون قوي وضعيف، الكل عبيد، الكل في موقف السؤال:
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍۢ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ ﴿128﴾
(يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ) المعشر: الجماعة أمرهم واحد، والجن المخاطب هنا هم الشياطين؛ إذ الجن منهم المسلم، ومنهم الكافر، ومنهم الطائع، ومنهم العاصي كما جاء في قول الله (عز وجل) حكاية عنهم (وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ تَحَرَّوْا۟ رَشَدًۭا (١٤)) [سورة الجن آية: ١٤] ، الخطاب للعصاة، الخطاب للمردة
الخطاب للكفار، والفجار (يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ) رُب سائل يقول الخطاب لهؤلاء، فما بال الآخرون الصالحون هل لهم خطاب؟ الصالحون لا يعاتبون، الناجون لا يُسألون، فمن نوقش الحساب هلك؛ لذا لا يكون عتاب، ولا يكون تقريع إلا لمن كُتب عليه العذاب، أما الآمنون فهُم آمنون، (ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ) أي استكثرتم من الاستمتاع بالإنس، سؤال تقريع أي كان أتباعكم كثير، وكان استمتاعكم بمن تبعكم كثير.
( وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ) الذين تولوْا أمرهم في الدنيا، ووالوهم وأطاعوهم (رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍۢ) اعتراف، وإقرار أي استمتع الإنس بالجن، واستمتع الجن بالإنس (وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا) أي الموت والبعث، إذاً فقد أقروا بكفرهم وأقروا بعصيانهم، وأقروا بالبعث الذي كانوا ينكرونه، كيف كان استمتاع الإنس بالجن، استمتاع الجن بالإنس؟ استمتاع الإنس بالجن هو اتباع الوساوس التي يوسوس بها الشياطين للناس، حضوهم على صنع الخمور فصنعوها، دفعوهم لشربها، حضوهم على الفسق، والفجور والطمع، فوقعوا في الزنا، والفواحش، وكل ما تراه من فواحش، ومعاصي، ونفاق، وزيف وبهتان في هذه الدنيا يرتكبه الإنس، فهو مما أوحي به الجن، فذاك استمتاع الإنس بالجن، أما استمتاع الجن بالإنس، فهو استمتاع بالخيلاء، والفخر، فقد استمتعوا بطاعة الإنس لهم، بإشراكهم لهم مع الله، وباستماعهم لما وسوسوا به إليهم، حتى وصل الأمر بهم في الجاهلية أن الرجل إذا سافر في مفازة، في صحراء، وجنّ عليه الليل، وأراد أن ينام هتف من أعماقه أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهاء قومه، فكانوا يستعيذون بالجن يلجئون إليهم، يطلبون الحماية، فكان الجن يستمتعون بذلك كما حكى عنهم ربنا (وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٌۭ مِّنَ ٱلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍۢ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًۭا (٦)) [سورة الجن آية: ٦]، حين أقروا واعترفوا (رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍۢ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا) قال ربنا (تبارك وتعالى) لهم (قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ) مثواكم: أي مكان إقامتكم، ثَوِىَ بالمكان أقام به (خَـٰلِدِينَ فِيهَا) لا يُقضى عليهم فيموتوا، ولا يُخفف عنهم من عذابها، ولا يخرجون منها (إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ) ما معنى المشيئة هنا؟ هل يُخرجون من النار يوما؟ كيف وربنا يقول (خَـٰلِدِينَ فِيهَا) ؟ كيف وقد أنبأنا في قرآنه، أن المخلدين في النار لا خروج لهم أبداً، المشيئة هنا قال فيها العلماء (إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ) أي الوقت الذي أمهلهم فيه من الدنيا (ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ) مكان إقامتكم الدائمة، خالدين فيها إلا ما شاء الله، فترة الإمهال؛ لأنهم في الدنيا لم يكونوا في النار، وفي القبر لم يكونوا في النار، كانوا في حفرة منها، في البعث ليسوا في النار، في مواقف السؤال ليسوا في النار، إذا فانتفاء وجودهم أي وقت الإمهال، وقال آخرون (إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ) هنا وفي آيات أُخر (فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌۭ وَشَهِيقٌ ﴿١۰٦﴾خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ ﴿١۰۷﴾) [سورة هود آية:١٠٦ : ١٠٧] الغرض من كلمة (إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ) بيان أن دخول هؤلاء النار كان بمشيئة الله، ولا ينتفي وجودهم في النار إلا بمشيئة الله، وهو لا يشاء ذلك، والغرض من سَوق الأسلوب ليؤدي إلى هذا المعنى هو النكاية بهم، وتركهم في حيرة، وتردد، فهم بين طمع في الخروج منها، وبين يأس من الخروج منها (كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ﴿٢٢﴾) [سورة الحج آية: ٢٢]، فحين يقول (إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ) يتردد والكافر هل يشاء أم لا يشاء، وقال بعضهم: بل هناك فترات يخرجون منها خروجهم إلى أين؟ إلى الزمهرير، فهم يعذبون في الجحيم، فيستغيثون، ويصطرخون (رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا) [سورة المؤمنون آية: ١٠٧]، فيخرجون إلى وادي الزمهرير فيذوقون من الزمهرير ما هو أشد من الجحيم، حتى أنهم يستغيثون من الزمهرير، ويطلبون إعادتهم إلى الجحيم (قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ (١٢٨)) حكيم في صنعه، عليم بأحوال عباده، عليم بما يستحقونه من عذاب، وهم في هذا الموقف يسألهم ربنا (تبارك وتعالى) ولله الحجة البالغة على عباده، يسألهم لبيان العدل الإلهي، وقبل أن يأتي السؤال يحذر ربنا (تبارك وتعالى) الظلمة في الدنيا (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍۢ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ (١٢٨)) ويسأل يا معشر الجن (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ) سؤال بين الأمرين، والموقفين، موقف العتاب، وموقف السؤال، وهما موقفان متصلان تأتي آية:
وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ﴿129﴾
في هذا المعنى قيل: إن الله ينتقم بالظالم، ثم ينتقم منه، وقيل: إذا غضب الله على قوم ولّى عليهم شرارهم، وإذا رضي على قوم ولّى عليهم خيارهم، إذاً فهو تحذير لكل ظالم، أيها الظالم لا تنسى قدرة الله عليك، أيها الظالم لا تنسى أن الله يرى، ويسمع، فسوف يسلّط عليك من هو أشد منك ظلما، فربنا (تبارك وتعالى) يسلط الظلمة على الظلمة، ينتقم من الظالم بظالم، ثم ينتقم من الظالم بظالم، وهكذا؛ ولذا ورد في الخبر ( مَنْ أَعَانَ ظَالِمًا سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ)، ومن اعتز بغير الله ذلّ، وجعل ذلّه على يد من اعتز به.
آية تحذيرية في وسط موقف التصوير لموقف القيامة (يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ) ثم بعد ذلك.
يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ ﴿130﴾
(أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا) يحذرونكم ويخوفونكم من لقاء ذلك اليوم، يوم الحساب (قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا) اعتراف وإقرار أي شهدنا على أنفسنا بمبعث الرسل، وشهدوا كذلك على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ (١٣٠)) وفي وسط الشهادة تأتي جملة اعتراضية (وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا) كما انتزعك من الموقف التصويري يحذر من الظلم، كذلك في وسط الاعتراف جاءت جملة هم يقولون والحكاية عنهم لكن الجملة خطاب من الله لمن يعقل ويسمع (قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا) كأن الله ينبّه السامع، ويقول انتبه ما الذي أوقعهم في ذلك؟ ما الذي أوقفهم ذلك الموقف؟ أنهم اغتروا بالحياة الدنيا الزائلة، الجاه فيها زائل، والمال فيها زائل، ويخرج الإنسان منها كما ولدته أمه، لا يملك شيئا حتى الكفن يبلى، لا يملكه، فانتبه هذا هو سبب الموقف، إياك والدنيا هل شهدوا على أنفسهم باللسان؟ أبداً، شهدت عليهم جوارحهم؛ لأنهم حين يُسألون ينكرون (قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)) [سورة الأنعام آية: ٢٣]، (فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ) [سورة المجادلة آية: ١٨]، فحين يحلفون ويكذبون على أنفسهم يختم ربنا على أفواههم، فلا تنطق ألسنتهم، وإذا بالجوارح تشهد، ويتعجب الكافر من جلده كيف تشهد، وأنت الذي سوف تذوق العذاب؟! كيف تشهد الأيدي والأرجل وهي الداخلة في النار، كيف تشهد؟ حين يتعجبون، ويقولون لم شهدتم علينا، تنطق الجوارح قائلة (أَنطَقَنَا ٱللَّهُ) [سورة فصلت آية: ٢١]، إذاً ليس بإرادتهم، إذاً فكل شيء ناطق يوم القيامة مكان صلاتك ينطق لك، ويشهد لك يوم القيامة، أماكن الطاعة تشهد لك، كل عمل صالح يشهد لك، كما أن كل عمل سيئ يشهد عليك (وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ (١٣٠)).
ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ ﴿131﴾
من هنا نقول المعنى الأرجح (ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ) أي بسبب ظلم فعلوه (وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ (١٣١)) أي من غير إرسال الرسل، ومن غير الإنذار.
وَلِكُلٍّۢ دَرَجَـٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴿132﴾
( وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ): ما ربك بلاهٍ، ولا ناس، ولا ساه، إذاً فربنا (تبارك وتعالى) يرى ويسمع والعمل قد أحصاه (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ (١٨)) [سورة ق آية: ١٨]، (وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ (٤٧)) [سورة الأنبياء آية: ٤٧]، ربما يعتقد إنسان أن الله محتاج للعبادة، وربما يعتقد إنسان أن المعاصي تضره، أو أن الكفر يضايقه، وكما قال بعض كفار اليهود حين سُئلوا الإنفاق: رب محمد فقير(لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌۭ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ) [سورة آل عمران آية: ١٨١]، ربما يعتقد كافر هذا، ففي سياق الوعيد، وسياق التهديد، يزيل ربنا (تبارك وتعالى)كل توهّم في أنه محتاج فيقول:
وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنۢ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ ﴿133﴾
(وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ) إذاً فحين خلق الخلق خلقهم برحمته، وحين أرسل أرسلهم برحمته، فهو لا تضره المعاصي، ولا تنفعه الطاعات، إذاً فإرسال الرسل من منطلق الرحمة، والتكليف تكليف العباد من منطلق الرحمة، والتحليل والتحريم من منطلق الرحمة؛ لذا فحين يقول (ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّۢ دَرَجَـٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)) (وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ)إذاً فكل ما سيق وقُص عليك من تصوير، ومن إرسال الرسل لا لأنه محتاج لعبادة العباد، هو غني عن العباد، وعن العبادة (ذُو ٱلرَّحْمَةِ) فالتكليف رحمة، وإرسال الرسل رحمة، والإمهال رحمة، رحمة لأوليائه لأهل طاعته، وقالوا ذو الرحمة بجميع خلقه؛ لأن الإمهال رحمة، الإنذار رحمة، الجدال في القرآن والآيات (وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) [سورة النحل آية: ١٢٥]، وتلقينه الحجج لرسول الله، والتقرير هو الذي خلق، هو الذي ذرأ، جعل كل ذلك رحمة (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنۢ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم) ألستم أولاد أناس؟ أين آباؤكم؟ أين أجدادكم؟ أين القرون الأولى؟ ذهبوا، وجئتم بعدهم إن شاء أذهبكم جميعا في لحظة، وجاء بغيركم، إذاً فالإمهال رحمة، وربك الغني ذو الرحمة، إن يشأ يذهبكم بصاعقة: بصيحة بكن، ويستخلف من بعدكم أناس آخرون على طاعة، وليسوا على الكفر، ولا معصية، يخلقهم لطاعته إن شاء، كما أنشاكم من ذرية قوم آخرين، لم يقل كما أنشاكم من آخرين (مِّن ذُرِّيَّةِ) الذرية من ذرية، وهكذا.
إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَـَٔاتٍۢ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴿134﴾
( إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَـَٔاتٍۢ) أي من البعث، والحساب، والعقاب، والثواب الجنة، والنار آت لا محالة (وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)) بفائتين أعجزه: جعله عاجزا، إذا جريت وراء شخص وكان أسرع منك ولم تدركه، يُقال: إنه أعجزك، جعلك عاجزاً عن إدراكه، فهل يُعجز الخلق الخالق؟ كيف وقد أحاط بهم وربك على كل شيء حفيظ، وربك بكل شي محيط، وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين يقول: ( مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، أَلا إِنَّ الْبَعِيدَ مَا لَيْسَ آتٍ) ما ليس بآت ذاك هو البعيد، أما إذا كان آت فهو قريب، ولو بعد حين
يأمر ربنا تبارك وتعالى النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يهدد بأبلغ صيغ التهديد، والوعيد، وهي صيغة الأمر، فمن أبلغ صيغ التهديد صيغة الأمر، كأن تقول افعل ما تشاء، أي بفعل ما لا ترتضيه، فإذا هددت بصيغة الأمر كان معنى ذلك أنك تريد أن تعاقب لا محالة، وأنك تريد منه أن يصل إلى ما يوجب عقابه، فمن أبلغ صيغ التهديد التي جاءت في القرآن صيغة الأمر يقول الله (عز وجل) لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وسلم)
قُلْ يَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌۭ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿135﴾
أيها الأخ المسلم، المرء منا بين مخافتين: بين عاجل قد مضى، عمر انتهى لا تدري ما الله صانع به، أذنبت، واستغفرت هل غُفر لك؟ هل تضمن ذلك؟ صليت، وصُمت، هل قُبل منك؟ بين عاجل قد مضى لا تدري ما الله صانع به؟ وبين آجل قد بقي لا تدري ما الله قاضٍ فيه؟ ترى أنت في صحة أيصيبك المرض؟ أنت في غنى هل يصيبك الفقر؟ أنت في ستر هل تُفضح؟ ما الذي سوف يأتي به الغد؟ قضاء، هل تعلمه خُذ من نفسك لنفسك، اغتنم الفرصة أنت الآن في صحة فخُذ من صحتك لمرضك؛ إذ ربما تمرض، ولا تستطيع العبادة، خُذ من غناك لفقرك، تصدّق: أنت معك الآن فربما يأتي وقت لا يكون معك، خُذ من فراغك لشغلك، أنت الآن لديك من الوقت متسع قد يأتي إليك أشغال وهموم تجعل الحليم حيران، ولا تجد الوقت الكافي لتقرأ القرآن، أو: أو: إلى آخره، خُذ من نفسك لنفسك، خُذ من شبابك لهرمك خُذ من حياتك لموتك، خُذ من صحتك لمرضك، خذ من نفسك لنفسك.
فتتوالى الآيات من سورة الأنعام تقرر وتلقَّن، وتعلّم النبي (صلى الله عليه وسلم) أقوال المخالفين، وحجج المنكرين، ثم تعلّمه وتلقنه الحجج التي يرد بها عليهم، من هنا كان على العالم أن يتعلم قول من يخالفه، ولو لم يأخذ به كي يعلم فساده، ويعرف كيف يدفعه بالحجة والبرهان، يحكي ربنا (تبارك وتعالى) سفاهات العرب قبل البعثة، وتعجب من سفاهات أغرب من الخيال، وتناقض في كل مجال، يتلو القرآن سفاهات العرب قبل البعثة، أو بعض سفاهاتهم، ثم يرد بالحجة تلو الحجة، والبرهان بعد البرهان، منطق، وصدق، وحق، ونور(وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًۭا كَثِيرًۭا (٨٢)) [سورة النساء آية: ٨٢]، واسمع واستمع.
وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ نَصِيبًۭا فَقَالُوا۟ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ ۗ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿136﴾
ثم يقول الله (تبارك وتعالى) (فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ)
إذا انتهى، وفرغ نصيب الضيفان والجوعى، والفقراء، لا يأخذون من نصيب الأصنام إليهم، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله مطلقا (وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ) إذاً ظلموا بأنهم اتخذوا نصيب من خلق الله، وجعلوه للجماد الذي هو أيضا من خلق الله، حتى بعد ما قسموا جاروا في قسمتهم، فلم يعطوا ما لله لله، ولم يعطوا ما للأصنام للأصنام، وإنما جاروا في هذه القسمة، وأخذوا ما لله وأعطوه للشركاء والأصنام، وما هو للشركاء، لا يمكن أن يأخذوا منه لله (سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)) إذاً حكموا حُكما سيئا مجافيا للحق، مبتعدا عن الحق.
وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍۢ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴿137﴾
(وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍۢ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ) أي الشركاء سدنة الأصنام، ودعاة الضلالة، وأئمة الكفر، زينوا للناس أن يقتلوا أولادهم، قتل البنات، وأد البنات، ومنهم من كان يحلف بالأصنام لئن رُزق بكذا من الولد لينحرن أحدهم بالإضافة لوأد البنات، خوف العيلة، الفقر، أو السبي، أو العار فكما زيّن الضُلاّل للعرب، جعل نصيب لله، ونصيب للشركاء، زيّنوا كذلك لهم قتل أولادهم، إذاً الشركاء هم المزيّنون للمشركين، والكلام فيه تقديم وتأخير(لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) الردى: الهلاك، رَدِي: هلك، أرداه يرديه: أهلكه، إذاً فقد زيّنوا لهم قتل أولادهم ليردهم، أي ليهلكوهم (وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) اللبس: الخلط، خلْط الأشياء على الأشياء التي تشابهها في الشكل، وأصله ستر الجسد بالثياب.
(وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) أي دين؟ وهل كان للعرب دين؟ نعم كانوا على دين إسماعيل، إسماعيل كان بمكة، وهو الذي بنى الكعبة مع أبيه إبراهيم، فخلطوا عليهم الدين، وشوهوه، هذا التزين الذي حدث بقتل الأولاد بغير علم، بغير أمر من الله، بغير عقل، ولا منطق، هذا التزين الذي حدث من الشركاء للمشركين ليهلكوهم، وليخلطوا عليهم دينهم،(وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ) إذاً فشرك هؤلاء كان بمشيئة الله، ومعاصي هؤلاء كانت بمشيئة الله؛ إذ لا يقع في ملكه إلا ما يريد، أراده لكنه لم يأمر به، شاء وقوعه لكنه لا يرضى عنه، وكأنه تركهم، خذلهم، وأوكلهم إلى أنفسهم، وسمح بوقوع الخطايا حتى يحاسبهم عليها، إذا فلو شاء هدايتهم لهداهم، لكنهم لا يستحقون الهدى، لكنه شاء لهم الشرك الذي اختاروه لأنفسهم، فسمح به أن يقع في ملكه؛ لأنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد، كالأب حين يترك لولده الفرصة لكي يخطئ، ولو شاء لمنعه، لكنه يترك له الفرصة، ليخطئ فيعاقب، أو فينبّه (وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)) فعل أمر بالترك، والإعراض عنهم، (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)) وما يختلقون من كذب.
وَقَالُوا۟ هَـٰذِهِۦٓ أَنْعَـٰمٌۭ وَحَرْثٌ حِجْرٌۭ لَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَـٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَـٰمٌۭ لَّا يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿138﴾
وَقَالُوا۟ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلْأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌۭ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةًۭ فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ ﴿139﴾
ومعناها: الخلوص لأناس بعينهم لا يشاركهم فيها أحد، كانت الناقة إذا ولدت وجاء المولود حياً أكله الذكور دون الإناث، وإن نزل المولود ميتاً اشترك في أكله الذكور، والإناث.
(وإن تكن ميتة) قراءات (فَهُمْ فِيهِ) في الجنين الميت (شُرَكَآءُ) يأكل منه الرجال، ويأكل منه النساء (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) سيجزيهم ربنا (تبارك وتعالى) بهذا الوصف، وبهذا الاختراع، وبهذا الاختلاق (إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ (١٣٩)) حكيم في أوامره، حكيم في أفعاله، عليم بأعمال عباده، يجازيهم عليها بما يستحقونه من جزاء.
قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَهُمْ سَفَهًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَحَرَّمُوا۟ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا۟ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ﴿140﴾
(وَحَرَّمُوا۟ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ) حرموا كذلك ما رزقهم الله، ربنا رزقك كيف تحرِّم رزق الله! وهو الذي يحرِّم، وهو الذي يحلِّل، إذاً فالرازق هو الذي يحدد ما ترتزق منه، وما ترتزق به، هو الذي يحدد لمن هذا الرزق، وهو الذي يقرر الحلال من الحرام، وجاء بلفظ الجلالة بدل من الضمير(ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ) لم يقل (عليه) ليبين شناعة الفعل، وفظاعة الإثم
(قَدْ ضَلُّوا۟ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ (١٤٠)) قَسَمْ آخر، وحُكْم عليهم بالضلال، وما كانوا مهتدين أبداً إلى الحق، وإلى الطريق المستقيم.
الغريب في هذه السفاهات التي كان يعملها العرب أنها لا تقف أمام منطق، ولا أمام عقل، هم يقرون أن الخالق هو الله، (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ (٩)) [سورة الزخرف آية: ٩]، (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ) [سورة الزخرف آية: ٨٧]،(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ) [سورة العنكبوت آية: ٦٣]، إذا فهم كانوا يقرون بأن الله هو الخالق، فكيف يأخذون من خلقه أو مما خلق شركاء له، فيسوون بين الخالق والمخلوق، ثم يأخذون من الرزق المتاح لهم، والمباح، والحلال يأخذون منه نصيبا للأصنام، ويشركونها مع الله، ثم كيف يحرمون أنواعا من الأنعام، الحام، والوصيلة، بأي دليل ولماذا؟ وتارة يحرمون الذكور كالحوامي، وتارة يحرمون الإناث كالوصائل، وتارة يحرمون ما في البطون لا يسيرون على قاعدة واحدة، سفاهات يبينها ربنا، ويذكرها لنا كي نتعلم قول المنكرين، ثم يلقنا الحجج لنرد عليهم، واسمع للحجج الواضحة والبراهين الساطعة، يقول عز من قائل ردا على ذلك:
وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ جَنَّـٰتٍۢ مَّعْرُوشَـٰتٍۢ وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍۢ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَـٰبِهًۭا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍۢ ۚ كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴿141﴾
الأمر الثاني: أمر وجوب، أديت، أطعت، منعت، عصيت، أمران في آية واحدة، أمر إباحة، وأمر وجوب، وتأمل في هذه الآية، الأرض طين تراب، نزل الماء من المساء، أو من الأنهار، أو من الآبار خرج الزرع كيف خرج؟ لون الزرع يخالف لون الأرض، إذا خرج الساق، ساق النخلة كيف يصل الماء من الأرض إلى أعلاها؟ حين الري تضع الماء في الأرض سواء كان ماء جاري، أو كان الماء بالرش، بالنطح، أو استمد ماءه من جذوره، طبيعة الماء هل يقف في الهواء؟ يصعد الماء إلى أعلى، أم ينزل إلى أسفل، طبيعة الماء الرسوب فكيف لهذا الماء الذي لا تراه، ولا سلطان لك عليه أن يصعد في ساق النخلة، حتى يصل إلى أعلاها، ثم يخرج إلى الأوراق شكل مختلف، ولون مختلف، ونوع مختلف، وإذا بالثمار تتدلى، من الذي صعّد الماء؟ وكيف صعد الماء في الجذوع؟ وكيف سار في الفروع؟ كيف بهذا الماء خرج من الشجرة الواحدة خشب، ساق، ثم بعد ذلك في الفروع شكل آخر، الأوراق، شكل آخر، الثمار شكل آخر، أخضر، ثم أحمر، ثم أصفر، وكذا ألوان، وأشكال وروائح كل ذلك من الذي فعله؟ إذا فقد كان الله قادراً أن يخلق لنا صنفا واحداً من الطعام، فلم نوّع؟ البهائم تختار في طعامها أو لها طعام واحد؟ الوحوش تفترس، وتأكل اللحم، هل تأكل الخضروات، هل تأكل الفواكه، هل لها أصناف أخرى؟ كان الله قادراً أن يخلق صنفا واحداً فقط، فنوع فوق العد، وفوق الحصر، وإذا نوّع كان من الممكن أن يكون الشكل، أو اللون، أو الطعم قبيحا أو غير جميل، ومن الحيوانات ما تأكل النتن، وما تأكل القاذورات، ومن الطيور ما تأكل الميتة كالغراب، لكن الله حين رزقك نوّع الرزق، وحين نوّع الرزق جعل الشكل جميل، أرأيت التفاح، أرأيت الرمان، أرأيت الزيتون، هل هناك نوع من الخضروات، أو الفواكه، شكلها قبيح، أو يعافيها النظر؟ أعطاك الجمال في الشكل، والحلاوة في الطعم، والتنوّع، نعمة، ورحمة، حين كلّف بأداء الحق لم يأت التكليف إلا بعد الاستمتاع بالنعمة، (كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِ) إذاً فالأكل أولا، ثم إيتاء الحق ثانيا، إذا فاستمتع بما أعطاك الله وخولّك، وبعد أن تسمتع وتحمد ربك على النعمة، تذكّر الحق، وأخرج ما عليك (كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ) يبين أنه لا يصلح للأكل في حال، ويصلح للأكل في حال آخر، فالثمر في أول خروج البلح من النخلة لا يؤكل، أخضر ناشف، لكنه إذا احمّر أو اصفر يؤكل؛ لذا يقول (كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ) يبين لنا النافع، ليس كذلك فقط، بل يبيّن لك أن من جعله أخضر، ثم جعله أحمر، ثم لونه، ثم، ثم هذا التغيير بانتظام، يحتاج لمغير فسبحان من يغيّر ولا يتغير، هو الله فالمنبت هو الله، والمونع للثمار هو الله، ثم المبيح لك هو الله، ثم الموصل لك كل هذا الله، حتى إذا أكلت فانتفاع الجسم بما تأكل من الله، وتصريف المأكول من الجسد من الله، وإخراج الفضلات من الله (وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟) الحق هنا الزكاة إن كان كذلك فيجب إخراج الزكاة يوم الحصاد، لكن الآية تصبح مدنية إذ السورة كلها مكية، والزكاة فُرضت في المدينة، في السنة الثانية من الهجرة، إذاً فهذه الآية بالذات مدنية.
الرأي الآخر أن هذه الآية حين نزلت فهي أمر على الندب؛ إذ يستحب للزارع حين يحصد يخرج صدقة بخلاف الزكاة التي فرضت في المدينة بمقدار محدد؛ لأن يوم الحصاد الفقراء ينظرون، والمساكين يتطلعون، فإطعام العامل الذي يحصد لك، أو يجني لك، أو يجمع لك مطلوب إذاً فالأمر على الندب.
(وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟)الإسراف في النفقة: التبذير، الإسراف في العمل، الخطأ، الإسراف مجاوزة أمر الله، الإسراف أخذ الشيء بغير حقه، ووضع الشيء في غير حقه، ذاك الإسراف الخطأ، ومجاوزة أمر الله تُخرج ما عندك من مال، وتبقى بلا مال، ونبينا (صلى الله عليه وسلم) يقول: (خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى) ولا تسرفوا مثل قوله:(وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًۭا مَّحْسُورًا (٢٩)) [سورة الإسراء آية: ٢٩].
كلمة (وَلَا تُسْرِفُوٓا۟) متعلقة بالإيتاء للحق، كذلك متعلقة بالكلام السابق (كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦ) إذاً فالإسراف في الأكل، والشرب ممنوع (يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ (٣١)) [سورة الأعراف آية: ٣١] (وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ (١٤١)) لا يرضى عنهم، ولا يرضى عن فعلهم، قيل لحاتم الطائي، وكان أشهر العرب في الكرم في الجاهلية، وأكرم النبي (صلى الله عليه وسلم) ابنته حين وقعت في الأسر، وطلبت مقابلة النبي (صلى الله عليه وسلم) قالت: (أنا بنت حاتم) أجلها، وقال لها: (إنَّ أَبَاكِ كَانَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الْأَخْلاقِ)، قيل لحاتم الطائي لا خير في السرف، فقال: لا سَرَف في الخير، وكذا قال الشيوخ: لا إسراف في الخير، من الغريب أن مشركي العرب كانوا يئيدون البنات؛ لأن البنت لا تعمل، ولا تُرزق بعملها، أو بكسب يدها، فهم مسئولون عن إطعامها، أما الولد فيعاون الأب في الرعي، في الزرع، في التجارة، فكانوا يقتلون البنات خوف العيّلة، وخوف السبي، وحميّة طالما كنت تخشى الفقر، وطالما تقتل فلذة كبدك من أجل ألا يأكل معك في نفس الوقت، تأخذ من رزقك للأحجار، والأوثان، وسدنة الأصنام، كيف يتمشى هذا مع ذاك؟ سفاهة.
وربنا (تبارك وتعالى) يبين لهم بالحجة، بالدليل، وبالبرهان، هذا الحرث الذي جعلتم منه نصيبا لله، ونصيبا لشركائكم بزعمكم، من الذي أنشأه؟ (وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ جَنَّـٰتٍۢ) ووصف، وأباح، وأعطى، وأمر، وكلّف بعد استمتاعك بالنعم، ثم يأتي ذكر الأنعام التي حرّموا أصنافا منها: تارة يحرمون الذكور، وتارة يحرّمون الإناث، وتارة يحرّمون ما في البطون، فيقول الله:
وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ حَمُولَةًۭ وَفَرْشًۭا ۚ كُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ﴿142﴾
ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍۢ ۖ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّـُٔونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴿143﴾
وَمِنَ ٱلْإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿144﴾
(وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ حَمُولَةًۭ) يُحمل عليها (وَفَرْشًۭا) الفرش: قيل: الغنم الصغار؛ لأنها دانية من الأرض، كأن الأرض مفروشة، وقيل (وَفَرْشًۭا) أي الجلود، والأوبار، والأشعار، والصوف يؤخذ فتفرشونه، فتصنعون منه الفراش، فالأنعام أنواع: منه ما يُركب، ومنه ما يُحمل عليه، ومنه ما يُحلب، ومنه ما يؤكل، ومنه ما يؤخذ صوفه، ووبره، وشعره أثاثا ومتاعا إلى حين.
(كُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ) مرة أخرى أمر الإباحة، الامتنان بالنعمة، هو الذي رزقكم ذلك، وخلق لكم هذا الرزق، وأباحه لكم لتأكلوه، ولتستمتعوا به، ولتحمدوا ربكم على ذلك، فكيف تحرّمونه على أنفسكم متبعين في ذلك خطوات الشيطان في التحريم والتحليل، (إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ (١٤٢)) ظاهر العداوة، أرأيت الشيطان يأمر بخير، أرأيت الشيطان يسعى على مصلحتك، كل ما يأمر به الشيطان كفر، وفسق، وفجور يؤدي إلى الهلاك دنيا، وأخرى.
ويأتي التفصيل والحجة (ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍۢ) أي خلق لكم من الأنعام الحمولة، والفرش، أنواع وأصناف ليس صنفا واحداً، كما نوّع في الزرع، والتمر، والجنات، والفواكه، والخضروات، كذلك نوّع في الأنعام منه الحمولة، ومنه الفرش، وهي ثمانية أزواج مباحة، والأزواج جمع زوج، والزوج يطلق على الفرد الذي له مثيل من جنسه يتزواج معه.
(ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍۢ) أربعة ذكور، وأربعة إناث، والتفصيل (مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ) الضأن: اسم جنس، الضأن مفرد ضئين، أو جمع ضائن، أو لا جمع له (مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ) ذكر وأنثى، والضأن معلوم الكبش، والنعجة (وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ) المعز جمع ماعز، الماعز الأنثى، والتيس الذكر.
(قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ) تلقين للحجة، والمناقشة، أي قل يا محمد لهؤلاء (ءَآلذَّكَرَيْنِ) همزتان: همزة مسهلة، وهمزة منطوقة، سؤال استفهام، الهمزة الأولى استفهامية، والهمزة الثانية من أصل الكلمة، أي شيء حرمه؟ ذكور الضأن، وذكور المعز، أم إناث الضأن، وإناث المعز، أم الأجنّة؟ إذا كان قد حرّم الذكور فكل الذكور حرام، وإذا كان قد حرّم الإناث، فكل الإناث حرام، وإذا كان حرّم ما في الأجنة فكل ما في الأجنة حرام لاتحاد العلة، فهُم حين حرموا مرة، حرّموا الذكر حمى ظهره لا يُركب، ومرة تُحرّم الأنثى وصيلة، وصلت أخاها، أين العلة؟ العلة في نفس الشيء إذا كانت الذكورة فكل الذكور حرام، وهكذا.
(نَبِّـُٔونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ (١٤٣)) أي بشيء معلوم بدليل، أين العلم؟ أين المعلوم عندكم بأن هذا حرام،(وَمِنَ ٱلْإِبِلِ ٱثْنَيْنِ) ذكر وأنثى، الجمل والناقة (وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ) ذكر وأنثى (قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ) فهل حرّم ذكور الإبل، أم إناث الإبل، أم حرّم ذكور البقر، أم إناث البقر، أم الأجنة التي في بطون الإناث (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا) سؤال عجيب، أنت حين تقول هذا حرام، وهذا حلال لابد من دليل للتحريم، قول نبي تؤمن به، آية في الكتاب تتمسك بها، أما أن تخترع من عقلك فذاك هوى، ومن اتبع هواه ضل، هم لا يؤمنون بالنبي (صلى الله عليه وسلم) بل ولا يؤمنون بأنبياء من قبله، فهُم ليسوا أهل كتاب، مشركو العرب عبدة للأصنام لا يؤمنون بالأنبياء، وليس لديهم كتب يتمسكون بها، إذا فهذا التحريم طالما ليس من خلال كتاب، وليس من كلام نبي، وأنتم لا تؤمنون بالأنبياء، فيبقى أمر واحد أن تكون واقفا أمام الله تشاهد وهو يأمرك رأسا بالتحريم، هل حدث هذا؟ من هنا يقول(أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا) أي هل كنتم حاضرين مشاهدين لأمره بالتحريم هل حدث؟ لزمتهم الحجة، سكتوا ألزموا الحجة، فيقول الله (تبارك وتعالى) (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ) لا أحد أظلم من هؤلاء؛ لأنهم قالوا: إذا فعلوا فاحشة، قالوا: وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها، فحين حرموا قال هل عندكم كتاب؟ هل تؤمنون بنبي؟ لا، من أين التحريم؟ الله أمرنا بهذا، هل كنتم حاضرين حين الأمر، شاهدين، سامعين لكلامه (جل وعلا) (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ) لا يوفقهم، ولا يهديهم إلى الصواب، بل يخذِّلَهم، ويكلهم إلى أنفسهم، ولا يوفقهم إلى طريق الصواب، والحق.
أيها الأخ المسلم، آيات معجزات، كل آية معنى قائم، كل آية كتاب، كل آية صفحة مفتوحة تدل على صدق النبي (صلى الله عليه وسلم) تدل على صدق نبوته، تدل على وجود الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.
أيها الأخ المسلم من هذه الآية نخرج بأمر غاية في الأهمية، وهو إياك أن تحرِّم بغير علم، وإياك أن تحلِّل بغير علم، هؤلاء الذين حرّموا بغير علم، ماذا كان مصيرهم؟ وها هو الرد عليهم، ولذا ينبّه ربنا في مواضع كثيرة، منها قوله: (قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍۢ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًۭا وَحَلَـٰلًۭا قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)) [سورة يونس آية: ٥٩]. فإياك وكلمة هذا حرام، الفقهاء، والأئمة، والمجتهدون، والصحابة، والتابعون هؤلاء أهل الاجتهاد، ومنهم يؤخذ العلم، كانوا يتحرجون من كلمة (حرام) مالم يكن هناك نص؛ لذا قالوا: كل شيء في الوجود حلال، ما لم يرد نص بالحظر، ما لم يرد نص بالتحريم؛ لذلك حين استجدت أمور لم ترد فيها النصوص الواضحة، القاطعة، محرجاً من كلمة (حرام)، قالوا: يُكره خشية الوقوع في دائرة التحريم، فبقياسهم، واجتهادهم أوجدوا المكروهات، كمكروهات الصلاة، ومكروهات الصيام، وهكذا فإياك وكلمة (حرام) كثيرا ما تجري على ألسنة الناس في كل شيء لا يرتضونه، أو في كل شيء لا يعجبهم، حرام يا شيخ هذا حرام، إياك، الحرام ما حرّمه الله، والحلال ما أباحه الله، فقد بينت الآيات، وحكت لنا طرفا من سفاهات العرب قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) حكت لنا طرفا من سفاهاتهم، وبعضا من جهالاتهم، كيف قتلوا أولادهم سفها بغير علم؟ كيف حرّموا ما رزقهم الله افتراءً على الله؟ كيف ضلَّوا بالتحريم، والتحليل؟ وكيف اتبعوا أهواءهم في ذلك؟ حكت الآيات، جادلتهم، وقدمت الحجج البالغة، والبراهين الساطعة، وقال لهم نبينا (صلى الله عليه وسلم) ما أمره ربه أن يقول، وبيّن ووضح، حرمتم وحللتم بعض الذكور، وبعض الإناث من الأنعام، وبعض ما حملت الأرحام، بأي علة، بأي دليل، بأي سلطان!! إن كانت علة التحريم الذكورة، فكل الذكور حرام، وإن كانت علة التحريم الأنوثة، فكل الإناث من الأنعام حرام، وإن كانت العلة ما في بطون الأنعام، فكل ما في بطون الأنعام حرام، وإن كانت العلة ما في بطون الأنعام، فكل ما في الأرحام حرام، حجج، أدلة، ثم يتلو ذلك ببيان ما هو حرام على الحقيقة، وبيان أن المحرِّم هو الملك والمالك، والذي يملك أن يحرِّم ويحلِّل، ويكلف العباد بما يشاء، فما كان التكليف واجبا عليه، ولا بنفع يحصل لديه، وإنما اختبار للعباد، وابتلاء، ذاك ما حرمتم البحيرة، السائبة، الوصيلة، الحام، أسماء اخترعوها (حام) حمى ظهره فلا يُركب؛ لأن ولد ولده جاء بذرية، (وصيلة) وصلت أخاها، فقد جاءت البطن وراء البطن بكذا وكذا، وهكذا أسماء حرمتم بغير دليل، وبغير برهان، هلم تعالوا نرى من يملك التحريم، ماذا حرم ولتعلموا أن التحريم ولابد وأن يكون بوحي، وليس بالهوى، فالأشياء التي خلقها الله (تبارك وتعالى) كلها مباحة إلا ما ورد نص يحظره، أو بتحريمه، ولا تحريم إلا بنص، ولا نص إلا من كتاب الله، أو سنّة رسول الله، ويبيّن التحريم من هنا كان قول الله (تبارك وتعالى) لحبيبه (صلى الله عليه وسلم)
قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍۢ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًۭا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍۢ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿145﴾
(فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (١٤٥)) فمن اضطُر لأكل هذه المحرمات للضرورة، بشرط غير باغ، ولا عاد، أي غير باغ على مضطرٍ غيره أو غير آكل لها على سبيل التلذذ، والاستمتاع بغير اضطرار، أو يهيء لنفسه أنه مضطر، (وَلَا عَادٍ) أي ولا متعدي الحد، متجاوز الحد، بمعنى لم يجد ما يشربه إلا خمراً، وأوشك على الموت، لم يجد ما يشرب إلا البول، وأوشك على الموت، ما المقدار الذي يشربه؟ هو المقدار الذي يدفع عنه غائلة الموت فقط، فإن تعدى هذا القدر، فهو عاد (فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ (١٤٥)) لا يسائله، يتجاوز عنه، تلك هي المحرمات التي أوحيت إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بمكة، وتلاها على المشركين الذين حرموا من الأنعام ما لم ينزل به الله سلطانا، ثم يحكي ربنا عن محرمات أخرى حرمها على اليهود، وحين حرمها على اليهود، حرّمها بسبب ظلمهم، فكان التحريم عقوبة، فالتحريم نوعان:
تحريم تنزيه لك من أن تقع فيما يغضب الله.
وتحريم ابتلاء، واختبار، وما حرّمه الله فيه الضرر، فالميتة مضرة، والخنزير مضر، والدم تضر بالصحة، تضر بالإنسان، تضر بالعقل، تضر بالبدن، فالتحريم لفائدة الإنسان، ذاك هو الأصل في التحريم، وهناك تحريم آخر لطيبات، وليس لخبائث، حرّم طيبات عقوبة كما فعل مع بني إسرائيل لماذا؟ بصدِّهم عن سبيل الله كثيرا، بأخذهم الربا وقد نُهوا عنه، بأكلهم أموال الناس بالباطل؛ لذا قيل: إن العبد ليُحرم الرزق بذنب يصيبه، أما الطاعة فتتسع بها الأرزاق،
من هنا يحكي ربنا كيف حرّم عليهم بعصيانهم طيبات، فيقول:
وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍۢ ۖ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ﴿146﴾
الظفر والأظفار معلومة في الأنعام الظِلف يعتبر من الأظفار، ما ليس بمشقوق الأصابع من الطيور يعتبر من ذوي الظفر، (كُلَّ ذِى ظُفُرٍ) يدخل فيها الإبل، فلحوم الإبل حرام عليهم رغم أنها طيبة في الأصل، ومباحة، وألبانها وشحومها كذلك، النعام كذلك يشبه الإبل في الظلف، والطيور منها الأوز، والبط، لأنه ليس مشقوق الأصابع.
(وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍۢ) أباح لهم لحم البقر، والغنم، وحرّم الشحوم والدهون، (إِلَّا) واستثنى (مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا) أي ما كان على الظهر، ما أحاط بالسلسة الفقرية، (أَوِ ٱلْحَوَايَا) الحوايا جمع حاويا، أو الحوية، أو حاوية ما تحوّي من الأمعاء أي استدار: الحوايا: الأمعاء، أباح الشحم المحيط بالأمعاء (أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) الشحم المختلط بالعظم، شحم الإلية لأنه محيط بالعصعص، أتعبهم، وعاقبهم، وحرّم عليهم هذه الطيبات (ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ (١٤٦)) جزيناهم بظلمهم، بظلمهم وتجاوزهم للحد، اعتدائهم في السبت حيث نُهوا عن الصيّد فيه، أخذهم الربا ونهاهم ربنا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، إذاً بسبب معاصيهم حرّم الله عليهم طيبات، فهو تحريم تضييق، وليس تحريم من أجل التطهير، (وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ (١٤٦)) حقا من أصدق من الله حديثا، فإن أنكروا، وإن كذّبوبك، وإنا لصادقون في هذا بأننا حرمنا هذه الأشياء عليهم؛ لأن اليهود ادّعوا أنهم هم الذين حرّموا على أنفسهم، وكل شيء مباح، وكل شيء حلال، وقالوا: الحرام ما حرّمه إسرائيل؛ لذا في موضع آخر يقول الله (تبارك وتعالى) (قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) وفي موضع آخر يقول (كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ) [سورة آل عمران آية: ٩٣]، لذا يقول الله (تبارك وتعالى) (ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ﴿١٤٦)).
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍۢ وَٰسِعَةٍۢ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿147﴾
(فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍۢ وَٰسِعَةٍۢ) فقل ربكم ذو رحمة واسعة، من أجل ذلك أمهلكم، أي ترككم وما تفعلون، ترككم تكذبون، ترككم تجادلون من منطلق الرحمة الواسعة، لله أمهلكم، ولا يغرنكم الإمهال، فإنه إذا أراد إنزال بأسه نزل (وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ) أي عقابه إن أراد نزوله في الدنيا (عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ (١٤٧)) المستحقين للعذاب، أو(فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍۢ وَٰسِعَةٍۢ) فلا يغرنكم إمهاله، فهو يمهل ولا يهمل.
سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍۢ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴿148﴾
(قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍۢ) على كلامكم، هم قالوا: لو شاء الله ما أشركنا، هل عندكم دليل، برهان، كتاب، سنّة من نبي من الأنبياء (قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍۢ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا) فتظهروه لنا (إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)) كلامكم اتباع للظن، اتباع للأهواء، خرص، كذب، تخمين، ليس هناك دليل على ما حرّم المشركون، إن كان هناك دليل هاتوا الدليل، طالما لا يأتون بشيء من ذلك فهُم متبعون للأهواء، وللظن، والآيات تبين خطورة التحريم بالهوى، خطورة أن يحرِّم الإنسان بغير دليل، فالحرام ما حرّمه الله، والحلال ما أحلّه الله، وليس لمخلوق على وجه الأرض مهما بلغ أن يحرّم، أو يحلِّل إلا بنص، ما حرمه الله، أو ما أحله الله.
قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ ۖ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿149﴾
وطالما لا كتاب، ولا دليل، ولا حجة، ولا برهان، هاتوا الشهود.
قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿150﴾
(هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ) أي احضروا شهداءكم، الذين يشهدون أن الله حرم هذا، ما تدعون البحائر، والسوائم، والحوامي، والوصائل، من يشهد لكم أن الله حرّم هذا؟ من سمع الله يقول هذا؟ المفروض أن تنقطع الحجج، لكن الكافر فاجر، والأعمى أعمى البصيرة، الضال يزيده الله ضلال، هل يمكن ضلال، هل يمكن أن يدّعي أحد ذلك؟ قد، قد والفجور لا حدود له، لذا يقول الله (تبارك وتعالى) عقب هذا التحدي (فَإِن شَهِدُوا) إن حدث، وبلغ بهم الفجور ذلك (فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) أي لا تصدقهم، ولا تتركهم يفعلون ذلك (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا) إذاً المكذبون متبعون للأهواء، والمؤمنون متبعون للحق (وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ) لا يؤمنون بالبعث كما قالوا: (إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)) [سورة المؤمنون آية: ٣٧]، فلا تتبع أهواء هؤلاء، ولا الذين لا يؤمنون بالآخرة، (وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)) أي يجعلون له عِدْلا، يسوون بين الله، وبين الأصنام، يسوون بين الخالق والمخلوق، يسوون بين الحي الدائم وبين الجامد الميت الذي لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعا، فالحق أبلج، والباطل لجلج، خلط المشركون بين ما يريده الله، وبين ما يرضاه، خلطوا بين المشيئة، وبين التكليف، والإرادة، خلطوا في صفات الله (عز وجل) ربنا (تبارك وتعالى) لا يقع في ملكه إلا ما يريد، في نفس الوقت هو الفعال لما يريد، بمعنى هل المعاصي حين وقعت في الأرض، هل وقعت رغما عنه؟ حاشا، وكلا هل يُعص ربنا قهراً؟ كلا، إذا فحين وقعت المعاصي في الأرض علم بها قبل أن تقع، وأمر بكتابتها قبل أن يخلق الخلْق، فعلمه ليس جبراً للعباد، كالأب حين يعلم عن ابنه ما سوف يفعله في الغد، فقد ربّاه، وعاشره، وهو أدرى الناس به، فيقول لو خُيِّر ابني بين كذا وكذا لاختار كذا، فإن حدث واختار الابن ما قاله الأب، هل أجبره الأب؟ أبدا.
وإنما حين قال الأب ذلك، قاله بعلمه، وخبرته عن ابنه، من هنا قبل أن يخلق ربنا الخلق بعلمه الأزلي الأبدي، العلم الذي لا يخلّ، ولا يزاد، ولا ينتقص منه، علمه هي صفة من صفات ذاته، هي ذات عالمة، وليس العلم منفصلا عن الذات، بعلمه عَلِم من هؤلاء الإيمان، وعَلِم من هؤلاء العصيان، فكتب لهؤلاء الإيمان، وكتب على هؤلاء العصيان، حين خلقهم فعلوا ما يوافق العلم؛ لأنهم لو فعلوا العكس لانتقص العلم، وتصّرفوا على مقتضى العلم الأزلي، فوفّق من علم منهم الإيمان للإيمان، وزادهم هدى، وشرح صدورهم للإسلام، وخذّل الذين عَلم منهم الكفر والعصيان، وأوكلهم إلى أنفسهم، من هنا ما وقع في الأرض من كفر، أو معصية، أو فجور، وقع بمشيئة الله، ومعنى المشيئة هنا أنه لا يقع في ملكه إلا ما يشاء؛ إذ لا يمكن أن يقع في ملكه ما لا يعلم، أو ما لا يشاء، أو مالم يرد؛ إذ معنى ذلك ضعف، وحاشا، وكلا، فربنا (تبارك وتعالى) الملك القادر، القاهر، العالم، الفعّال لما يريد، من هنا حين يقول الله (تبارك وتعالى) (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ) [سورة يونس آية: ٩٩] نعم لو شاء لكنه، لم يشأ (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ) [سورة هود آية: ١١٨] ولكنّه لم يشأ خيّر الناس (فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ) [سورة الكهف آية: ٢٩] حذّر وبيّن وقال (إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا۟ يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ) [سورة الزمر آية: ٧] فإرادة الله ومشيئة الله ليس معناها جبر الإنسان على فعل شيء، فحين تقول كمؤمن لا شيء إلا بمشيئة الله لن أفعل كذا إلا إذا شاء الله (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌۭ ذَٰلِكَ غَدًا ﴿٢۳﴾إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ) [سورة الكهف آية:٢٣ : ٢٤] حين يقول المؤمن ذلك يخرج من حوله، وقوته إلى حول الله وقوته، بمعنى أن ما شئت كان وإن لم أشأ، وما شئت إن لم تشأ لم يكن، كما قالها إمامنا الشافعي: ما شئت يا الله كان، وإن لم أشأ أنا، وما شئت أنا إن لم تشأ أنت لم يكن، فحين تقول سوف آتيك غدا إن شاء الله، معناها إنك لا تملك عمرك، ولا تملك أن تأتي بالغد، ولا تملك الصحة، ولا تملك حركة الأقدام التي تحملك إليه، فقد ترقد، وقد تصبح طريح الفراش، ولا تملك إن ذهبت إليه أن تعرف الطريق، فقد يذهب البصر، ولا تملك إن فعلت كل ذلك وذهبت أن تجده في مكانه، فقد تذهب إليه تجده قد مات، فلأنك لا تملك شيئا، تقول سآتيك غداً إن شاء الله؛ لأن لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، فأنت حين تقول ذلك تقوله مسلّما، مستسلما، مؤمنا بأن مشيئة الله هي الغالبة؛ ولأن الله يقول(وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ)[سورة الإنسان آية: ٣٠] أما الكافر والعاصي حين يقول ماذا أفعل هكذا أراد الله لي حين يقال له كيف ارتكبت هذا؟ حين يقول ذلك إن قالها استسلاما لله، تائبا إلى الله، عائداً إليه لا بأس، أما إن قالها ملقياً التبعة على الله، معنى ذلك أن المخطئ ليس هو، وإنما المخطئ من تركه يفعل ذلك، كأنك تذهب إلى القاتل فتقول كيف قتلت هذا؟ فيقول لك هو تركني أقتله، هل يُعقل هذا الكلام؟! كقول بعض العوام إذا وقع في معصية، ولامه الناس، الشيطان شاطر، كذب فالشيطان ليس بشاطر(إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)) [سورة النساء آية: ٧٦]، هكذا يقول من خلق الشيطان، فقول الرجل الشيطان شاطر ملقيا التبعة على الشيطان، هل يعذّب الشيطان لأنه زنا؟ هل يعذب الشيطان على شرب الرجل للخمر؟ لا تزر وازرة وزر أخرى، فلا تلقي اللوم، أو التبعة على غيرك، من هنا لامهم الله، وأنبأ هم حين قالوا (لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا) لامهم على ذلك، ولم يلُم موسى حين قال (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ۖ إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ) [سورة الأعراف آية: ١٥٥]، لم يلمه على ذلك؛ لأنه قالها إيمانا واحتسابا، وتفويضا، التفويض لله شيء، وإلقاء التبعة في معصيتك على الله شيء آخر، واسمع وافهم، ربنا (تبارك وتعالى) أمر فهو آمر، وأراد فهو مريد، الأمر شيء، والإرادة شيء آخر، فقد يأمر بالشيء، ويريد وقوع الشيء، فإرادة الله معناها سماحه، وإذنه بوقوع الشيء سواءً يرضى عنه، أو لا يرضى عنه، فقد يريد الشيء ويرتضيه، وقد يريد الشيء ولا يرتضيه، فربنا يريد، ويرضى، ويريد لكنه لا يرضى، يأمر ويريد، ويأمر ولا يريد، ويريد ولكنه لا يأمر، وأمثلة ذلك كثيرة، هل أمر آدم بالأكل من الشجرة؟ أبداً، بل نهاه، هل أراد له الأكل أم لا؟ نعم، هل كان من الممكن أن يأكل رغم عن الله بغير علمه؟ هل كان الله يملك أن يمنع آدم من الأكل؟ نعم، طالما كان يملك أن يمنعه من الأكل، ولم يمنعه إذا أراد له أن يأكل حتى يؤاخذه، حتى يسأله ربنا (تبارك وتعالى) خلق آدم، ولم يأمره بالأكل من الشجرة لكنه علم من داخل آدم أنه لن يستطيع أن يصبر، حيث قال عنه (وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًۭا (١١٥)) [سورة طه آية: ١١٥] إذاً فقد علم ذلك منه أزلاً، فسمح لهذه الرغبة أن تتحقق، وتقع؛ لأن الله لا يؤخذ على النية، يؤاخذ على العمل، لو أراد الله تبارك وتعالى ألا يقع في الأرض معصية، ولا كفر كان، من الممكن أن يخلق الخلْق في البداية آدم، وذرية آدم إلى أن تقوم الساعة، وبدلاً من أن يشهدهم على أنفسهم ألست بربكم بدلاً من ذلك يخلق الخلق فريقين: فريق للجنة، وفريق للنار كان من الممكن أن يفعل ذلك، ملك لا يسأل عما يفعل، فإن حدث ذلك كله من الممكن أن يقول أهل النار: هذا ظلم، فإن قال لهم أنهم كفار، وأنهم سوف يكفرون، وسوف تعصون الأوامر، قالوا: هل أمرتنا فعصيناك، وجاء ذلك في القرآن (وَلَوْلَآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًۭا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ (٤٧)) [سورة القصص آية: ٤٧] من أجل ذلك أرسل الرسل، لم يؤاخذ على النية، علم المعادن، علم أن هؤلاء أهل النار، وهؤلاء أهل جنة، هؤلاء أهل طاعة، وهؤلاء أهل عصيان، وفجور، علم ذلك لكنه لعدله، ولرحمته، ولسعة حلمه لم يؤاخذهم على ما علمه منهم، بل أراد أن يؤاخذهم على أساس عملهم، ملك، وعدل، وقوة فتركهم، وأنزلهم إلى الأرض، وسمح للمؤمنين الطائعين أن يظهروا طاعتهم في صورة الخشوع، والركوع، والعبادة في صورة الطاعة، والالتزام، فخرجت نيّاتهم على صورة الأعمال، فأضاءت ما بين السماء والأرض بالنية، يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه، وسمح للكفار والعصاة، والفسقة، والفجار، أَذِن وسمح أن يقع ذاك في ملكه، ولو أراد ما وقع، ولو شاء لمنع، لكنه سمح، وأَذِن أن تخرج النيّات السيئة في صورة الأعمال القبيحة، فتلوّث الأرض، وتتنجّس الأجواء بأنفاسهم القذرة، وبكلمتهم القبيحة، بل وبسبّهم لله، أرأيت أحداً أصبر على الأذى من الله، يدّعون له الولد ويرزقهم، وحين سمح لهذه الخبايا الخبيثة أن تظهر إذاً فقد شاء، إذاً فقد أراد حتى تخرج هذه الخبايا إلى حيّز الوجود، فيأتي بهم فيقول: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، هذا معنى مشيئة الله، فحين أمر إبليس بالسجود لآدم، لو أراد لسجد، لكنه لم يرد منه السجود؛ لأنه علم بالحقد الدفين فيه، وبأنه أول مرتكب لمعصية تحدث في السماء، رغم وجوده في الملأ الأعلى أزمنة لا عدد لها، ولا حصر يسبح مع الملائكة في الملأ الأعلى، يرى ما لا يراه أحد، ويسمع ما لا يسمعه أحد، طاووس في الملأ الأعلى يخرجها للوجود، وإلا كيف يحاسبه لو حاسبه بالعلم، لقال متى؟ وأين؟ وكيف أعصي؟ أنا المسبّح، وأنا كذا، فجاء بآدم وحذره، ونهاه عن أكل الشجرة، وأمر إبليس بالسجود له، وهو يعلم أنه لن يسجد، وتركه حراً فلم يسجد، إذاً فقد أمره بالسجود ولم يرده منه، أراد لآدم أن يأكل من الشجرة وإلا لما أُهبط إلى الأرض، ولكنه لم يأمره بذلك، أراد من الملائكة السجود، وأمرهم فوقع ما يريد، إذاً أمر وأراد، وأمر ولم يرد، وأراد ولم يأمر، ربنا (تبارك وتعالى) يأمر بالخير، وينهى عن الفحشاء والمنكر، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يرضى الطاعة من أهل الطاعة، يرضى للناس الإيمان، ويكره لهم الكفر (إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ) [سورة الزمر آية: ٧] ذاك هو المفهوم لأهل السنّة، وهو الحق، والذي جاءت به الآيات (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) [سورة يونس آية: ٩٩] (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ) [سورة هود آية: ١١٨]،(وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟ ۗ) [سورة الأنعام آية: ١٠٧]، جاء به القرآن وجاء بمقالتهم (لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا) وشتان بين القولين: قول الله، قول الحق، وقولهم مقالة حق، أرادوا بها الباطل، حرّم أهل مكة بجاهليتهم أشياء، وأحلوا أشياء بالظن، والتخمين، باتباع الهوى، فضلُّوا وأضلوا، ناقشهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجادلهم بالحسنى، وبيّن الحجج، وساق البراهين، ثم أفادهم بما وجده محرّما فيما أُوحي أليه في ذاك الوقت، ثم ينادي كما أمره الله، عز وجل، في الكل من مشركي مكة، ومن يهود المدينة ينادي بآيات محكمات، اجتمعت عليها الشرائع، ولم تُنسخ في أي ملة، يأمره ربه (تبارك وتعالى) بتلاوة ذلك على الخلق جميعا، وإلى أن تقوم الساعة، فيقول:
قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًۭا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍۢ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿151﴾
وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۖ وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا۟ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿152﴾
(أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا) الأمر إذا كان بالتحريم فهو يعني الأضداد؛ لأن التحريم معناها لا تفعل، فإذا أمر أي أمر بمعنى نهى عن فعل الشيء، فالأمر بالتحريم، أو الأمر بالمنهيات،
(أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا) التقرير أتل ألا تشركوا، إذ المعنى حرم عليكم الإشراك، وليس حرّم عليكم ألا تشركوا؛ لأن عدم الإشراك توحيد، وذاك مطلوب، وليس محرّما، فقالوا: (لا) زائد، وقالوا: تخريجات من حيث النحو أحسنها أن الكلام عائد على قوله ، فذاك هو المتلوّ، ألا تشركوا بالله شيئا، والإشراك أنواع فأن تدعو مع الله آلهة أخرى إشراك، أن تدعو مع الله الولد إشراك، أن يدّعي أن لله ولد، أو أن لله زوجة، أو أن لله البنات كما قالوا إن الملائكة بنات الله إشراك، فالإشراك ضد التوحيد، والتوحيد وعدم الشِّرْك بالله هو أن تعلم أن الله واحد أحد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وأنه القادر، الرازق، العالم، الفعّال لما يريد، والإشراك منه ما هو ظاهر، ومنه ما هو خفي، والشرك الخفي وهو نوع من أنواع الرياء أن تبتغي بصلاتك مدح الناس، أن تبتغي بنفقتك ثناء الناس، بل قال بعض الصحابة: قد يشرك أحدكم كلبه مع الله، قالوا: كيف ذاك؟ قال: إذا قال لولا الكلب لسُرقنا البارحة، أي أن نباح الكلب منع السرّاق، والمانع هو الله، قد يقع فيه المرء عن غير قصد، لولا المدرس لرسب ابني، لولا الطبيب لمات، لولا الدواء لحدث كذا، فإياكم، وانتبهوا لا تشركوا بالله شيئا، أي شيء في التوحيد، في العقيدة، في العمل، تبتغي بعملك وجه الله (وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًۭا) وقياس الكلام (لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسيئوا إلى أبويكم) قياس الكلام لا تفعل كذا، ولا تفعل كذا، ولا تفعل كذا،( وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًۭا) جاءت في موضع ولا تسيئوا إلى الوالدين؛ لأن ترك الإساءة للوالدين غير كاف في حقهما، بخلاف غيرهما؛ لأنك لو تركت الإساءة إلى الجار فأنت تقيّ (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ) فمجرد ترك الإساءة للناس تقوى، وليس مطلوبا منك أكثر من ذلك، أن تكف أذاك عن الناس لك صدقة، أما بالنسبة للأب، والأم، مجرد كف الأذى وعدم الإساءة غير كاف، ومن ترك الأذى للوالدين فقط، ولم يحسن أُخذ يوم القيامة، وعوقب، فقد عصى؛ لذا قال (وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًۭا) لأن عدم الإساءة غير كاف، لابد من الإحسان، والإحسان إلى الوالدين بابه واسع: البر، الطاعة في غير معصية الله، بل وقال العلماء: إذا أمر الأب ابنه بعدم الذهاب إلى المسجد في غير يوم الجمعة، وجبت عليه الطاعة، وإذا منعه عن الجهاد في سبيل الله، إذا لم يكن الجهاد متعيناً وجبت عليه الطاعة، إذا منعه عن السنن، وجبت عليه الطاعة، أما إذا منعه عن الفرائض فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
الإحسان للوالدين في حياتهن، وبعد مماتهما، حيث سُئل النبي (صلى الله عليه وسلم) (هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ وَالِدَيَّ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قال: وساق أمورا منها (وَإِنْفَاذُ وَصِيَّتِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا رَحِمَ إِلا بِهِمَا)، أن تستغفر لهما، أن تصل أهل مودتهما، من كان يحبه الأب في حياته عليك أن تصله بعد مماته، وهكذا (وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍۢ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) الإملاق: الفقر، أملق الرجل افتقر، وأملقه غيره، أفقره،
كانوا يقتلون البنات خشية العيْلة، وخشية الفقر، وخشية العار، والبنت لا تتكسب، فيقول الله تبارك وتعالى (وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍۢ) أي من فقر، أو خشية الفقر، (نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) فالباسط للرزق هو الله، والمقيّد للرزق هو الله، (وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)) [سورة الذاريات آية: ٢٢]، فإذا خشيت الفقر فاعلم أن الرازق هو الله، والمُغني هو الله، والمفقِر هو الله، (وَأَنَّهُۥ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ (٤٨)) [سورة النجم آية: ٤٨].
(وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) الفواحش: كبائر الذنوب، قيل كل فاحشة في القرآن زنا، ما عدا موضع واحد (وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ) مجرد الاقتراب منها، وليس الفعل (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) ما ظهر ما أبدته الجوارح، وما بطن: ما انعقد عليه القلب؛ إذ ما انعقد عليه القلب من أمور يُسأل الإنسان عنها، هذا إذا كان الأمر بالنهي عن كبائر الذنوب، أما إذا كان الفواحش يُقصد بها الزنا (مَا ظَهَرَ) في الأماكن المخصصة لذلك (وَمَا بَطَنَ) اتخاذ الخدائن، اتخاذ الخليلات، وكانوا في الجاهلية، يعيبون على الزاني جهراً، ولا يعيبون على الزاني سراً، فنهاهم ربنا (تبارك وتعالى) عن الزنا ظاهراً، وباطنا، (وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ) النفس هنا كل نفس، وألف ولام هنا للجنس، فالكلام عن كل نفس مؤمنة كانت، أو معاهدة كانت، أو ذميّة كانت، ما هو هذا الحق الذي يبيح قتل النفس، أمور محددة أوضحها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مبيّنا ما نزل في القرآن، ففي القرآن (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا) [سورة المائدة آية: ٣٢] ، وفي القرآن (وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌۭ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)) [سورة البقرة آية: ١٧٩]، ومن أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ ، وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ) وقوله أيضا (صلى الله عليه وسلم) (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ) نهى عن قتل أهل العهد، وأهل الذمة، ومنها قوله (صلى الله عليه وسلم) (مَنْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَجِدْ رِيحَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ عَامًا) وفي رواية (أَرْبَعِينَ عَامًا) (ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (ذَٰلِكُمْ) أي هذه الوصايا والأوامر الوصية: الأمر المؤكد المقدور، أي الواقع تحت قدرة من أوصاه، وكلمة (وَصَّىٰكُم) فيها من الحنان ما فيها، وصاكم لمصلحتكم في الدنيا، وفي الآخرة (وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) لا تقرب مال اليتيم، أي لا تمد يدك إليه، ولا تأكل منه، تفرّط فيه، إنما تقرب المال بالتي هي أحسن، والتي هي أحسن في قربان مال اليتيم، هو تثمير المال، حفظ المال، وصيانة فروعه وأصوله، أن تحافظ على أصوله، وتثمير فروعه، أن تعمل فيه بما يرضى الله، لا تقترض منه، ولا تأكل منه، ولا تأخذ منه إلا بالمعروف، إن كنت في حاجة (حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) حتى: نهاية الغاية، الأشدّ: أصل النهار، ارتفع الأشُدّ القوة، والقوة المطلوبة في اليتيم قوتان: قوة البدن، وقوة العقل، أما قوة البدن فجاءت في موضع آخر(حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ) [سورة النساء آية: ٦]، أي البلوغ، والقوة الثانية (فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًۭا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ) [سورة النساء آية: ٦]، إذاً فالمطلوب القوة أو الأشد في البدن ببلوغ الحُلُم والقوة في العقل بإيناس الرشد، وحسن التصرف؛ لأنه لو قَوِي جسمه، وعظُم بدنه، وكان سفيه العقل، قليل الخبرة، والتجربة أضاع ماله في الشهوات، وربنا يقول (وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًۭا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا (٥)) [سورة النساء آية: ٥]، (حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) هل معنى ذلك أن أكل مال اليتيم بعد بلوغ الأشد جائز؟ أبداً، وإنما الكلام له تقدير (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، فإن بلغ أشده، فادفعوا إليه ماله) لأن أكل مال الناس محرَّم، ومعلوم تحريمه من الدين بالضرورة، ونهى ربنا (تبارك وتعالى) عن أكل الأموال (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا (٢٩)) [سورة النساء آية: ٢٩]، لكن الله اختص اليتيم هنا بالذكر لضعفه، ولعدم وجود من يدافع عنه، أما البالغ فهو قادر على الدفاع عن ماله، قادر على المطالبة بحقه، أما اليتيم قاصر، ضعيف، فاختصه الله (تبارك وتعالى) بالذكر، وأمر بالحفظ لماله (وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ) الكيل أي المكيال، والميزان كل ما يوزن، الأمر بالعدل في البيع والشراء واستيفاء الحق الذي لك، وإعطاء الحق لغيرك، أوفوا الكيل والميزان بالقسط أي بالعدل أخذاً وعطاءً، بيعاً وشراءً،( لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) الآية رحمة من الله (تبارك وتعالى)؛ إذ لو شاء لكلفنا ما لا نطيق، لكنه برحمته لم يكلفنا ما لا نطيق، بل كلفنا بما يدخل في طاقتنا، ويكفي في التكليف أن يكون العبد بحيث لو أراد أن يفعل ما أُمر به لأمكنه، من هنا يقول الله (عز وجل) (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) أي طاقتها، وقدرتها، وما هو دون القدرة، أو فوق الطاقة فمعفو عنه، لأن الكيل والميزان يعتمد على أمور كثيرة، منها أمانة من يكيل، ومن يوزن، تعتمد أيضا على دقة المكيال، ودقة الميزان، وهي تتفاوت، أو قد يحدث فيها بعض الخطأ غير المقصود، فبيّن الله (تبارك وتعالى) أنه برحمته أمرنا بما في وسعنا، وطاقتنا، وما نقدر عليه، وما خرج عن طاقتنا، وقدرتنا فمعفو عنه (وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ) أي ولو كان ما تقولون عنه قريبا لكم،(إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًۭا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟) [سورة النساء آية: ١٣٥] ، (وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا۟) ما هو عهد الله؟ ما عهد الله إلى بني آدم، فهو عهد الله (وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ) [سورة البقرة آية: ١٢٥]، فكل ما عَهِد الله به إلى بني آدم فذاك عهد الله، أوامره: نواهيه، وقيل أيضا كل ما عاهدت عليه إنسانا، طالما لم يكن في معصية، فهو عهد الله؛ لأن الله وكيلٌ وشهيد؛ ولأنه يقول (وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا) [سورة النحل آية: ٩١]، (ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿١٥٢﴾) تذكّرون: لا تنسون، التذكّر، ضد النسيان، التذكّر بمعنى التفكّر، التذكّر بمعنى الحرص، وعدم الغفلة
وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًۭا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿153﴾
(وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًۭا فَٱتَّبِعُوهُ) أي لا تختلفوا عليه، ولا تختلفوا عنه، ولا تبتعدوا عنه،(وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ) الطرق الأخرى، (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) تفرِّقكم، وتشتتكم، وتبعدكم عن سبيل الله، (ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)) أي تتقون الخروج عن الطريق المستقيم، اتقوا المخالفة تتقوا التحريف، تتقوا البدع، تتقوا الأهواء، تتقوا الشيع، يقول عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) (خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَوْمًا خَطًّا، فَقَالَ: " هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِ الْخَطِّ، وَعَنْ شِمَالِهِ، فَقَالَ: هَذِهِ السُّبُلُ، وَهَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ (وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًۭا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)) [سورة الأنعام آية: ١٥٣] يلاحظ في الثلاث آيات المحكمات، والتي بها عشر وصايا جاءت في كل ملة ودين، عشر وصايا لم تُنسخ منها وصية، عشر وصايا أوحى الله بها إلى موسى، وهي مفتتح التوراة بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) هي مفتتح التوراة، قبل التحريف، وموجودة في كل كتاب، يلاحظ ختام الآيات الثلاث، بثلاث كلمات مختلفات: الأولى (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١٥١﴾) الثانية (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿١٥٢﴾) الثالثة (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)) والمتأمل يرى أن ما نهى الله (تبارك وتعالى) عنه في الآية الأولى، لا يقع فيها عاقل، لا تشركوا بالله، بالوالدين إحسانا، لا تقتلوا أولادكم، لا تقربوا الفواحش، لا تقتلوا النفس، هل يقع في واحدة من هذه عاقل؟ لا يمكن؛ لذا ختم الآية الأولى بقوله (ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١٥١﴾) الآية الثانية: لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، أوفوا الكيل والميزان، إذا قلتم فاعدلوا، وبعهد الله أوفوا، هذه الأمور يقع فيها من اتبع الشهوات، فأكل مال اليتيم يحض عليه شهوة حب المال، الكيل والميزان والبخس فيها شهوة المال، القول بغير العدل في الحكم للرشا أو في الشهادة ابتغاء الجاه، أو لمال، كذلك نقض العهود من أجل الدنيا شهوة الدنيا، أو شهوة الغلبة، هذه الأمور لا يقع فيها إلا من اتبع الشهوة وغفل، من هنا ختمت بقوله (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿١٥٢﴾) لأن من حضته شهوته فتذكّر(إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (٢٠١)) [سورة الأعراف آية: ٢٠١]، تذكّروا فختمها بقوله (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿١٥٢﴾) الآية الثالثة (وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًۭا فَٱتَّبِعُوهُ) اتباع سبيل الله (عز وجل) واتباع طريق الله (عز وجل) معناه الإتيان بكل الفضائل، معناه الابتعاد عن كل الرذائل، ولا يبتعد عن كل الرذائل، ويأتي كل الفضائل إلا من تحقق بالتقوى؛ لذا ختمها بقوله (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣))
يقول العرباض بن سارية (رضي الله عنه) (وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: " قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، أي لو كان الخليفة، أو الأمير، أو الحاكم عبدا حبشيا، فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ) الأَنِف إذا أصيب الجمل في أنفه نتيجة للشوك، حين يأتي لأكل الشوك يصاب في أنفه، فيجرج، فإذا وضع صاحبه الخطام في الأنف وقاده، أقل حركة منافية لسير الخطام تؤلم، وتؤذي، فإذا أصيب الجمل في أنفه حيثما قاده صاحبه انقاد معه، حتى لا يحتك الخطام بالجرح، فيشبه نبينا (صلى الله عليه وسلم) المؤمن بذلك، فيقول (وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ).
جاءت الوصايا العشر: تلك الوصايا التي لو اتبعها المرء لنجا، ولوصل إلى رضاء الله (عز وجل) بعد هذه الوصايا، وبعد بيانها يقول ربنا (تبارك وتعالى):
ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿154﴾
(تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ) أي فيه بيان، وتفصيل لكل ما يحتاج إليه المرء في دينه، في زمن موسى، (وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ) هدى من الله لهم، لمن اتبعه، ولمن عمل به،ورحمة يُرحم به المتبع (لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)) أي يثقون، ويعتقدون اعتقاداً راسخا في الثواب والعقاب وفي البعث والجزاء.
وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌۭ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿155﴾
أَن تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَـٰفِلِينَ ﴿156﴾
أَوْ تَقُولُوا۟ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَـٰبُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَـٰتِنَا سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْدِفُونَ ﴿157﴾
(وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ) الهداية والرحمة في القرآن، والبيّنة التي تمشي على الأرض واضحة جليّة هو سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) فكيف عميت عن نوره العيون، لا حجة لأحد، ولا عذر لأحد؛ لذا يقول عز من قائل: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا) لا أحد، سؤال لا يحتاج لجواب، هذه البينات الواضحات التي يتلوها، البينة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صدقه في كلامه، في سلوكه، الهدى والرحمة في القرآن، من أظلم ممن كذّب بهذه الآيات، وصدف عنها: ابتعد عنها، صدف: صد غيره، وأضلّ، من صدفة الجبل، وهي طرف الجبل، من أظلم ممن أبعد الناس، أو صد الناس عن القرآن، أو صد هو نفسه عن القرآن، لا أحد أظلم من هؤلاء (سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَـٰتِنَا سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْدِفُونَ (١٥٧)) وعيد شديد من الله (عز وجل) بعقاب الضالّين، بعقاب المبتعدين عن القرآن، والعمل به، الصادّين عن سبيل الله غيرهم، الحاضين على الفسق، الداعين إلى المعصية، والفجور، الدعاة على أبواب جهنم، هؤلاء الذين يدعون الناس إلى النار، من أجابهم إليها قذفوه فيها، دعاة الفسق المبتعدين عن الفضيلة، دعاة الرذيلة، والذين كثروا في أيامنا هذه، الصوت والصورة، بالإبهار بالألوان، هؤلاء الذين يصدون الناس عن سبيل الله، هؤلاء الذين يدعون الناس إلى المعاصي بدعوى التمدن، يدعون الناس إلى الفجور، بدعوى الحضارة، يدعون الناس إلى الدنيا، والبعد عن الحكم بما أنزل الله، بدعوى أن ذلك لا يصلح لزماننا، هؤلاء يتوعدهم الله، ويهددهم بقوله: (سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَـٰتِنَا سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْدِفُونَ (١٥٧)) أي بسبب ضلالهم، وبسبب إضلالهم لغيرهم، ويأتي التهديد الأشد، والأقوى، والأفظع، التهديد العام، هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة، أو يأتي ربك، أو يأتي بعض آيات ربك، يوم يأتي بعض آيت ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها، قل انتظروا إنا منتظرون.
أيها الأخ المسلم، الوصايا العشر أي متأمل فيها هل تؤدي إلى الخير أم لا؟ هل يقع في المنهيات عاقل؟ هل يقتل ابنه خشية الفقر عاقل؟ هل يشرك بالله عاقل؟ هل يدعي لله الولد عاقل؟ هل يقتل نفسا بغير حق عاقل؟ هل يعق والديه عاقل؟ هل يأكل مال اليتم عاقل؟ هل يغش في الكيل والميزان عاقل؟ أوامر ونواهي للمتأمل فيها لابد وأن يصل إلى أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حق وأن ما قاله هو الصدق، بما يأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟ بكل خير، عن أي شيء ينهى؟ عن كل شر، القرآن خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، الذكر الحكيم، والحبل المتين، من تمسّك به هُدي إلى صراط مستقيم، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.
أيها الأخ المسلم، عليك بكتاب الله، عليك بتقوى الله، وعليك بطاعة الله، فالعمر يمضي، والزمان يجري، وعلامات الساعة قد ظهرت، ولم يبق إلا العلامات الكبرى، أما العلامات الصغرى تقريبا ظهرت جميعها لكل عاقل، ومتأمل، ولكل متابع لأحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم يبق إلا العلامات، العلامات الكبرى، كخروج الدابة، ويأجوج ومأجوج، ونزول الدجال، ونزول عيسى، وطلوع الشمس من مغربها، حيث لا ينفع الإيمان، حيث يُقفل باب التوبة، توالت آيات سورة الأنعام بالتقرير، والتلقين، ساقت من الحجج، والبراهين الساطعة، ما يقطع حجة كل منكر، آيات تدل على وحدانية الله (تبارك وتعالى) وعلى قدرته، وعلى إيجاده للخلق، حجج وبراهين تُلقَّن لنبينا (صلى الله عليه وسلم)لم يبق للكفار عذر، وحفلت سورة الأنعام بأدلة، وبراهين، ومجادلة بالتي هي أحسن، لم تحفل سورة بمثلها، ولم يبق بعد ذلك إلا الوعيد، لم يبق إلا الإنذار، لم تبق إلا النهاية، وتُختم سورة الأنعام التي نزلت دفعة واحدة، يشيعها سبعون ألف ملك، يقول الله (عز وجل)
هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَـٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَـٰنِهَا خَيْرًۭا ۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴿158﴾
(هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ) أي هل ينتظرون إلا أن تأتيهم ملائكة الله (تبارك وتعالى) لقبض أرواحهم بالموت، حيث سؤال القبر، حيث الحفرة الضيقة المظلمة، حيث يهال التراب عليهم بأيدي أقرب الناس إليهم، يتركون الأموال، والأبيات، ولا يدخل معهم إلا العمل، هل ينتظرون هذا، أو هل ينتظرون أن يأتي ربك، (أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ) أي يأتي عقاب ربك، أو يأتي أمر ربك بقتالهم، وقتلهم، حذف المضاف، يحدث في بعض آيات القرآن ويقدّر المحذوف طبقا لفهم السامع، مثل (وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا) [سورة يوسف آية: ٨٢] أي واسأل أهل القرية، فكذلك (أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ) أي أو يأتي أمر ربك، أو يأتي عذاب ربك، وقال بعضهم (أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ) أي يوم القيامة للفصل بين الخلائق، كقوله (عز وجل) (وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفًّۭا صَفًّۭا (٢٢)) [سورة الفجر آية: ٢٢]، ما جاء أيضا (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍۢ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ) [سورة البقرة آية: ٢١٠]. والإتيان، والمجيء، والنزول، كل ذلك ثابت لله (عز وجل) دون تكييف، فليس كمثله شيء، وقد أثبت أهل السنّة ذلك، فقد جاء في الحديث (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) فالإتيان، والمجيء، والنزول ثابت، بغير تكييف، لكن لا نشبّه، ولا نقول كيف؛ إذ ليس كمثله شيء، فالانتقال، والمجيء وما إلى ذلك بغير تكييف ليس فيه انتقال، ولا زوال، ولا حركة، وهي من المتشابهات التي لا يصح الخوّض فيها، كما قال جمهور أهل السنة؛ إذ ينزّه ربنا (تبارك وتعالى) عن الحركة، وينّزه عن الانتقال، وينزّه عن الزوال، وينزّه عن التغيّر، ونؤمن بها، ونفوّض العلم بمعناها إلى الله (عز وجل) (أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ) بعض الآيات أي العلامات الدالة على قيام الساعة، آخر العلامات (أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ) أي هذه الآيات التي ينتظرونها، وهم ما كانوا منتظرين، وإنما شبههم بالمنتظرين، ماذا تنتظر لكي نؤمن؟ ظهور الآيات، وإذا ظهرت (لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَـٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَـٰنِهَا خَيْرًۭا) أي إذا ظهرت الآية فآمن الكافر لا ينفع إيمانه؛ لأنه إيمان المضطر، وإذا ظهرت الآية، فأسرع المؤمن الذي لم يكتسب الحسنات قبل ظهور الآية، لم يفعل ذلك قبل ظهور الآية؛ لأن الإيمان هنا إيمان اضطراري، وربنا (تبارك وتعالى) يطلب من الناس أن يؤمنوا باختيارهم، وليس اضطرار، هذا الإيمان في تلك اللحظة كإيمان من حضره الموت، نبينا (صلى الله عليه وسلم) (إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) والغرغرة: وصول الروح إلى أعلى الحلْق، حنيئذ يرى الإنسان مقعده من النار، أو الجنة، فلا ينفعه الإيمان، ولا تنفعه التوبة؛ لأن التوبة حينئذ توبة المضطر، حيث ذهبت الشهوات، وانقطعت عن البدن، في هذه الحالة الإيمان الاضطراري لا ينفع، كنزول العذاب بالأمم السابقة حين نزل عليهم العذاب لم ينفعهم إيمانهم، حين أشرف فرعون على الغرق، وقال: آمنت، لم يُقبل منه الإيمان، لأن الإيمان المقبول هو الإيمان الاختياري (قُلِ ٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ (١٥٨)) أي انتظروا هذه العلامات أو واحدة من هذه الثلاث، ونحن منتظرون أن يحل بكم العقاب، ويحيط بكم العذاب، الآية تدل على أن الإيمان بلا عمل لا يجدي، إذاً فالإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، الإيمان قول وعمل، أما الإيمان بغير عمل فلا يجدي، علامات الساعة منها الصغرى، ومنها الكبرى، من العلامات الكبرى ما أنبأنا به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث يقول: (ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا، إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ) ويقول (صلى الله عليه وسلم) (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) ويقول (صلى الله عليه وسلم) (إِنَّ أَوَّلَ الآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى فَأَيَّتُهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا وَالأُخْرَى عَلَى أَثَرِهَا قَرِيبًا)
الآيات الكبرى عشر آيات، جاءت في حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث قال: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ، وَالدَّجَّالُ ، وَالدُّخَانُ ، وَالدَّابَّةُ ، وَيَأْجُوجُ ، وَمَأْجُوجُ ، وَخُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام ، وَثَلَاثُ خُسُوفٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنِ أَبْيَنَ ، تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ ، تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا وَتَقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا) عشر آيات كبرى، علامات الساعة أكبرها على الإطلاق طلوع الشمس من مغربها، حينئذ لا يُقبل الإيمان من الكافر، ولا يُقبل العمل الصالح من المؤمن الذي لم يعمل من قبل،
قال بعض الناس عن الحكمة من طلوع الشمس من مغربها لماذا؟ آية كبرى مذهلة مدهشة خاصة بعد ما وصل إليه العلم الآن من معرفة أن الأرض تدور حول نفسها، من غرب إلى شرق، وتدور حول الشمس كذلك من غرب إلى شرق، وأن الشمس تجري في خط مستقيم تجاه النجم القطبي، سابحة معها مجموعتها الشمسية كل تلك الحركة المنتظمة، لا يمكن أن تطلع الشمس من مغربها إلا إذا عادت، ورجعت، فإذا عادت ورجعت انعكست الحركة هنا تخرج الشمس من مغربها كيف يكون ذلك؟ ربنا (تبارك وتعالى) قادر على كل شيء، قالوا إن الشمس تغيب عن الناس ثلاث ليال، ثم تطلع من مغربها، وقالوا: إنها تذهب، وتسجد تحت العرش، وتستأذن في الطلوع كما جاء في الحديث، فيوشك ألا يؤذن لها، ويقال لها ارجعي من حيث أتيت، هذه الآية بالذات قال فيها بعض العلماء: إن إبراهيم حين جادله النمرود وقال إبراهيم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِـۧمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ) [سورة البقرة آية: ٢٥٨]، فأراد الله تبارك وتعالى أن يحقق قدرته في الإتيان بالشمس من المغرب الذي بُهت من أجله النمرود، من هنا كانت الآية بطلوع الشمس من مغربها؛ لأن الذي قدر على الإتيان بالشمس من المشرق، قادر على أن يأتي بها من المغرب، حينئذ يُغلق باب التوبة، يتوجه الخطاب بعد ذلك للنبي (صلى الله عليه وسلم) يسرِّي عنه ربه.
إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًۭا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ﴿159﴾
مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿160﴾
فرَّقوا دينهم: بددوه، وضيّعوه، فَرقَوا دينهم قسموه، آمنوا ببعض، وكفروا ببعض، فارقوا دينهم: تركوه وابتعدوا عنه، من المفارقة كأصحاب البدع، وأصحاب الأهواء، والناطقون بغير علم (إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًۭا) جماعات، وفرق، والشيع، كل جماعة تجتمع على أمر يشيّع بعضهم بعضا، ويتحزّب بعضهم لبعض، ويتحزبّون لفكر معين، أو لرئيسهم، هذا التشيّع، والتحزّب بالباطل، أولئك هم الشيع الذين بّرأ ربنا نبيه منهم (إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًۭا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ) أي لست مسئولا عن تفرقهم، وتشيّعهم، لست مسئولا عن تضييعهم لدينهم، لست مسئولا عن بدعهم، وأهوائهم، لست مسئولا عن عقابهم، أنت بريء منهم، تحتمل جميع هذه المعاني (إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ (١٥٩)) أي إنما حسابهم على الله، هو يحاسبهم، وهو العالم بكل شيء، ينبئهم بمعنى يحاسبهم (مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا) الحساب من منطلق الرحمة الكبرى، أي من جاء بالحسنة يجازيه بعشرة أضعاف، أما من عمل سيئة فلا يجزي إلا مثلها؛ لأن الله (تبارك وتعالى) قضى بذلك؛ لذا قال بعض الناس: (ويل لمن غلب آحاده أعشاره) لو أن إنسان عمل عشر حسنات، وعمل عشر سيئات نجا؛ لأن الحسنات العشر بمائة، والسيئات العشر بعشر، من عمل حسنة واحدة كانت بعشر، وعمل تسع سيئات كانت بتسع، إذاً تغلب الحسنة الواحدة تسع سيئات رحمة واسعة، (مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)) لا يظلمون بزيادة عقاب، أو نقص ثواب بعد ذلك يأمره ربنا تبارك وتعالى أن يقول متبرئا من الشرك، رداً على هؤلاء الذين دعَوه إلى عبادة أصنامهم.
قُلْ إِنَّنِى هَدَىٰنِى رَبِّىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ دِينًۭا قِيَمًۭا مِّلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿161﴾
قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿162﴾
لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴿163﴾
(وَبِذَٰلِكَ) أي بهذا التوحيد (أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ (١٦٣)) أول هنا قال فيها العلماء هو الأول في الخلْق معنىً، وقال بعضهم: الأول دخولا إلى الجنة حيث قال (صلى الله عليه وسلم) (نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أول الخلائق يُقضى بينهم يوم القيامة أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) أول من يجوز على الصراط النبي (صلى الله عليه وسلم): أول من يسجد على البساط النبي (صلى الله عليه وسلم) أول من يحاسب أمة محمد، بهذا الاعتبار، قيل أول الأنبياء من حيث الخلق، وآخرهم من حيث البعث، وقالوا: أول المسلمين، أي أول المسلمين من أمته، فكل نبي أول في أمته، يُسلم هو أولا، ثم يدعوا أمته للإسلام.
الأولوية هنا في كثير من الآيات قدّمه ربنا (تبارك وتعالى) على الأنبياء في الذكر (وَرُسُلًۭا قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًۭا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًۭا (١٦٤)) [سورة النساء آية: ١٦٤] ، هذه الأولوية لا يعرفها إلا الله (تبارك وتعالى).
راود المشركون في مكة نبينا (صلى الله عليه وسلم) على دينه، وكلكم يعرف قصة ما قاله النبي (صلى الله عليه وسلم) لعمه، (لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ مَا تَرَكْتُهُ) راودوه، ووعدوه بتحمّل الأوزار إن كانت هناك أوزار، إن كانت هناك أوزار، يرد عليهم نبينا (صلى الله عليه وسلم) بما أمره به ربه حيث يقول عز من قائل:
قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّۭا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍۢ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿164﴾
وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَـٰتٍۢ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۢ ﴿165﴾
وطالما ينبئهم إذاً يحاسبهم، يعاقبهم، يثيب الطائع، ويعاقب العاصي، وتختم السورة بآية تدل على حكمة الإيجاد، وحكمة الخلق، لم أوجدنا ربنا (تبارك وتعالى) ولم خلقنا (وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَـٰتٍۢ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۢ (١٦٥)) خلقنا ربنا (تبارك وتعالى) ورفع بعضنا فوق بعض درجات في البدن، والقوة، والصحة، في الغنى والفقر، في الجاه، في السلطان، الناس تتفاوت، وتتباين في كل شيء من أمور الدنيا، في الشكل، في الجسم، في القوة، في الصحة، في العمر، في طول العمر، في قصر العمر، في الغنى، في الفقر، هذا التفاوت من أجل الامتحان، والاختيار، والابتلاء، أغنى من أغناه، وابتلاه بالغنى، وأفقر من أفقره وابتلاه بالفقر، أمر الغني بالشكر لينظر أيشكر أم لا؟ وأمر الفقير بالصبر لينظر أيصبر أم لا؟ وابتلى الغني بالفقير أيعطيه من ماله أم لا؟ وابتلى الفقير بالغنى هل يحسد؟ هل يحقد؟ هل يسب؟ أم يصبر على هذه الابتلاءات، والاختبارات بالتفاوت، والتفاضل بين الناس (ِّيَبْلُوَكُمْ) يمتحنكم، ويختبركم فيما آتاكم، من جاه، ومال، سلطان، وصحة، ومرض، وفقر وما إلى ذلك.
(إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۢ (١٦٥)) وهذه الآية تحتاج لتأمل، فهي من حيث الظاهر ترغيب وترهيب كالكثير من أمثالها في القرآن، لكن في الآية لفتة هنا وصف ربنا (تبارك وتعالى) العقاب، ولم يضف العقاب إلى نفسه، وصف العقاب بالسرعة (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ) عقاب يوم القيامة، وكل آت قريب، إنما البعيد ما ليس بآت، أو سريع العقاب في الدنيا، إذا أراده، قالوا وصف للعقاب، ولم يضف العقاب إلى نفسه، لكنه وصف ذاته بالمغفرة، وأضاف إليها الرحمة (وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۢ (١٦٥)) إذاً معنى هذا للمتأمل أن المغفرة بالذات فهو ذات رحيمة، ذات غفورة، فالغفران بالذات، وأما العقاب بالعَرضَ؛ إذ ليس من صفاته أنه معاقب، لم يصف ذاته بذلك، من نعلم قول الله (عز وجل) في حديث قدسي (وَرَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي) إذاً فالرحمة أصل، وربنا حين عرَّف نفسه للناس عرّف نفسه بصفات الرحمة، فأول آية في القرآن (بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ (١)) [سورة الفاتحة آية: ١] ذلك هو التعريف، والفاتحة (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٢﴾ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴿۳﴾) [سورة الفاتحة آية:٢ : ٣] وصف ذاته بالرحمة، وصف ذاته بالمغفرة وسعة رحمته، أوسع من كل خيال، ومهما تخيلت في سعة رحمة الله تبارك وتعالى أرحم ما يكون بعبده، حين يوضع في قبره، حيث يتخلى عنه الجميع، بل وينبئنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) عن شمول الرحمة وسعتها، فيقول: (إِنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) قَسَّمَ رَحْمَتَهُ مِائةَ جُزْءٍ وَأَنْزَلَ جُزْءً وَاحِدًا إِلَى الدُّنْيَا يَتَرَاحَمُ بِهِ الخَلَائِقُ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةَ حَتَّى إِنَّ الشَّاةَ تَرْفَعُ حَافِرَهَا عَنْ وَلِيدِهَا، حَتَّى لَا تُؤْذِيَه مِنْ هَذَا الْجُزْءِ، وَادَّخَرَ تِسْعَ وَتِسْعِينَ يَرْحَمُ بِهَا الْخَلَائِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).