سورة المائدة
فلقاؤنا مع سورة المائدة إحدى السبع الطوال سورة مدنية نزلت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، منصرفة من الحديبية
وكل ما نزل بعد الهجرة مدني، وإن كان نزل في الأسفار أو بعض الطريق وكل ما نزل قبل الهجرة مكي، نزل آيات السورة في يوم الفتح، ونزل بعض آيات السورة في حجة الوداع، لكن معظم السورة نزل ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، على راحلته منصرفا من الحديبية بعد أن صُد عن المسجد الحرام، وحدثت المعاهدة بينه وبين مشركي مكة، وحين نزلت السورة لم تحتمل الراحلة وكادت تمس بطنها الأرض فنزل عنها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سُميت السورة سورة المائدة لأن فيها قصة المائدة التي نزلت تكريما وتعظيما وتشريفاً لعيسى ابن مريم بناءً عن تعنت أتباعه، سورة المائدة كالسور المدنية تهتم بالتشريع لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، بعد الهجرة بدأ يكوِّن الدولة، دولة الإسلام، الأمة التي لا بد وأن ينظم التعامل فيها قانون، وربنا، تبارك وتعالى، أنزل التشريع في السور المدنية ومنها المائدة كي يحيا الناس في ظل التشريع الرباني فالله يعلم وأنتم لا تعلمون، اشتملت السورة على أحكام كثيرة منها العقود، أحكام التعاقد البيع والشراء وعقد النكاح وعقد الإجارة وعقد الانتفاع والمساقاة والمزارعة، فيها أحكام الذبائح، أحكام الصيد، أحكام الطهارة، نكاح الكتابيات، نزل فيها أحكام الخمر والميسر، أحكام الردة، حد السرقة، حد البغي والإفساد في الأرض ومحاربة الله ورسوله، الوصية عند الموت، كفارة اليمين، قتل الصيد في الحرم، الإحرام وأحكامه.
أحكام نزلت تشرِّع وخير مشرِّع هو الخالق، سبحانه وتعالى، لذا تضمنت السورة أحكاما خاصة بمن تركوا تشريع الله، تبارك وتعالى، فلم يحكموا به، وخُتمت السورة بموقف تشيب من هوله الرؤوس وتنفطر من فزعه النفوس، إذ ينادى ملك الملوك، جل وعلا، على عيسى ابن مريم ويوقفه على رءوس الأشهاد ويسأله: ( ءأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [سورة المائدة آية: ١١٦] تبكيتاً لمن عبدوه، فضحاً لهم في يوم الفزع في يوم الحشر الأكبر، تضمنت السورة أيضا كيف تكون المناقشة كيف يكون المنطق كيف تكون الحجة في مناقشة ومجادلة أهل الكتاب من يهود ونصارى فيما زعموه من إفراط وتفريط في شأن عيسى ابن مريم، ألزمتهم السورة الحجّة، واشتملت أيضا على قصص للعبرة وللعظة، اشتملت على ثلاث قصص رئيسية:
القصة الأولى: قصة تعنت بني إسرائيل مع نبيهم ورسولهم موسى كليم الله وكيف اجترأوا عليه وقالوا (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)) [سورة المائدة آية: ٢٤].
وذكرت السورة أيضا قصة الصراع الأزلي بين قوى الخير وقوى الشر يذكر قصة ابني آدم حيث قتل الأخ أخاه وكانت أول جريمة ارتُكبت على الأرض، واشتملت أيضا على قصة المائدة وكيف أنزلها الله، تبارك وتعالى، استجابة لدعاء عيسى ابن مريم تلك نظرة عاجلة على سورة المائدة السورة المدنية وعدد آياتها مائة وعشرون آية يقول الله، تبارك وتعالى:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴿1﴾
والعقود نوعان: عقد مع الله، عز وجل، وهو العمل بأوامره والانتهاء عن نواهيه ما عقَدهُ الله على بني الإنسان وعهد إليه فيه أو عهد إليه به وما عقده الإنسان مع ربه في أداء الطاعات وعمل الصالحات واجتناب المنكرات.
النوع الثاني: من العقود هو العقود بين الناس عقد النكاح عقد الطلاق عقد الإجارة عقد الانتفاع عقد المزارعة عقد المساقاة. العقود بشرط ألا تخالف شرع الله لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ)، وفي رواية: (فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، عز وجل؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، عز وجل، فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ، تبارك وتعالى، أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ، عز وجل، أَوْثَقُ) وقوله، صلى الله عليه وسلم: (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ)، فكذلك العقود التي أمر الله بالوفاء بها هي العقود المباحة.
ويأتي التحليل ثم يأتي الاستثناء بعد الاستثناء: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) بهيمة الأنعام إضافة بيان كقولك خاتم فضة ثوب صوف كأنها إضافة بيان وذاك أرجح أقوال النحويين، البهيمة: ذوات الأربع التي ترعى وسُمَّيت بهيمة لأنها تفتقد النطق إذ لا نُطق لها وصوتها مُبهم غير معلوم تفتقد التمييز وأنت لا تستطيع أن تميِّز ما تخرجه من أصوات فأصواتها مُبهمة مُغلقة على الإنسان فسُمِّيت بهيمة والبهائم، ذوات الأربع من الدواب البرية والبحرية.
والأنعام: الإبل والبقر والغنم يلحق بالبقر الجاموس والغنم يلحق به الماعز الأنعام ثمانية أزواج كما جاء في سورة الأنعام، وسُمِّت الأنعام كذلك لنعومة مشيها على الأرض حين تمشي، تمشي ناعمة مشيها فيه نعومة فسميت الأنعام، وأُلْحِق بالثمانية أزواج التي جاء ذكرها ما يشابهها في الاجترار وعدم الأنياب إذ يحرم أكل ما كان له ناب كالظباء تحلّ وبقر الوحش يحلّ أُلحق ذلك ببهيمة الأنعام، ولذا قال بعض الناس (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ)، البهيمة: الظباء والبقر الوحشي والبهائم، والأنعام الإبل والبقر والغنم، فكأن التحليل شمل الكُل في الآية (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) الاستثناء، إلا ما يُتلى عليكم في المستقبل فيما يلي من أحكام فيما ينزل من قرآن كقوله (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ) إلى آخر المحرمات (إِلَّا مَا يُتْلَى) في القرآن أو يخبركم به سيد الأنام، صلى الله عليه وسلم، ويأتي الاستثناء الآخر (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) أي غير مستحلين، مُحِلِّي جمع مُحِلّ أي مستحل، أي لا تستحلوا الصيد وأنتم حُرُم الصيد مصدر أو الصيد اسم للحيوان المصيد (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) عملية الاصطياد لا تستحلوا الاصطياد أو لا تستحلوا المصيد ما صاده أحدكم أو ما صاده غيركم (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) حُرُم، جمع حرام والحرام المُحرِم والمُحرِم من حرّم على نفسه أشياء طواعية واختياراً كالطيب والنساء، والمخيط والمحيط بدخوله في إحرامه، أيضا إذا دخل في الحرم فهو حرام إذاً (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) أي وأنتم محرمون أيضا وأنتم في الحَرَم، فيحُرم صيد الحرم للحلال والمُحرم ويحرُم الصيد عموما لمن أحرم بالحج أو بالعمرة، وتُختم الآية بالقرار الإلهي الذي يؤكد (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)) أي كل أحكام الجاهلية من بحائر وسوائب وذبح على النصب وذبح على الأصنام وأكل للميتة وأكل للدم المسفوح إلى آخر الأحكام، كل ذلك باطل ينفيه الله، تبارك وتعالى، ويلغيه (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)) هو الملِك هو الخالق هو الحَكم العدْل والحاكمية لله، عز وجل، فهو يحكم ما يريد فيشرع ما يشاء وقتما يشاء.
ثم يقول الله، عز وجل، منبها:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَـٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًۭا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴿2﴾
(وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) إباحة بعد الحظر والجملة جملة اعتراضية (فَاصْطَادُوا) أمر إباحة وليس أمر وجوب، وإلا كان كل محرم إذا فك إحرامه ذهب ليصطاد، لأن الله يأمر، هذا أمر إباحة أي يباح لك الصيد بعد التحلل من الإحرام (وَإِذَا حَلَلْتُمْ) من إحرامكم (فَاصْطَادُوا) إن شئتم، (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا) لا يجرمنكم، لا يحملنكم ولا يكسبنكم جَرَمَ أصل الجرْم، قطع الثمرة من الشجرة جَرَمَ، اكتسب لأنه انقطع لتحصيل الرزق لكنه يستخدم في كسب ما لا خير فيه ومنه الجريمة والمجرم (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ) لا يكسبنكم، أولا يحملنكم (شَنَآَنُ) بُغض قوم شدة الكراهية والبغضاء تسمى الشنأن أو البغض إذا كان مصحوبا بالتقزز لا يحملنكم هذا البغض للقوم (أَنْ صَدُّوكُمْ) لأن صدوكم (عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ) حين ذهبتم عام الحديبية لأداء العمرة فمنعوكم فكرهتموهم لذلك وأبغضتموهم لذلك (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) [سورة الفتح آية: ٢٥]، فلا يحملنكم هذا الكره وهذا البغضاء أن تصدوهم كما صدوكم (أَنْ تَعْتَدُوا) تجاوز الحد والعدوان (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) البر: التوسع في كل خير والتقوى: الاتقاء أن تتقي الشرك أن تتقي المعصية أن تتقي غضب الله أن تتقي أن يشغل قلبك غير الله التقوى درجات، وحين أمر ربنا بالبر والتقوى البر يجلب رضا الناس والتقوى تجلب رضا الله فمن اجتمع له رضا الناس ورضا الله فقد تمت نعمته وتمت سعادته إذ ألسنة الخلق سهام الحق، لذا أمر ربنا بالبر والتقوى (وَتَعَاوَنُوا) والتعاون مجرد الدلالة لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ).
(وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) الإثم: المعصية الإثم، ترْك ما أمر الله أن يُفعل أو فعل ما أمر الله أن يُترك، والعدوان: التعدّي على الغير التعدِّي على الغير في ماله أو في عرضه أو في دمه مسلما أو ذميا أو معاهداً وَاتَّقُوا (اللَّهَ) أمر مرة أخرى للتأكيد التقوى في نفوس المؤمنين إذ التقوى ملاك الأمر كله بالتقوى تبلغ ما تريد وبالتقوى يلين لك الحديد، (إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)) تهديد ووعيد لهؤلاء الذين انصرفوا عن تقوى الله لم يتعاونوا على البر التقوى وإنما تعانوا على الإثم والعدوان.
فقد جاء ما يتلى علينا من المحرمات حين قال ربنا، تبارك وتعالى، في أول السورة (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) يقول الله، تبارك وتعالى:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًۭا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿3﴾
أيها الأخ المسلم يدخل في الاستقسام بالأزلام قراءة الكف، قراءة الفنجان، ضرب الودع، فتح المندل، التنجيم، قراءة الطالع، كل ما هو بحث عن الغيب، كما فعل بعض الفسقة السفلة والفنجان والورق مكتوب وما إلى ذلك، كل ما هو بحث عما كُتب لك في الغد أو بعد لحظة هو استقسامٌ بالأزلام يقول الله فيه: (ذَلِكُمْ فِسْقٌ) (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) جاءت جملة اعتراضية أن من تقيد بالأحكام السابقة كان ممن ذُكروا في هذه الآية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ثم (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ) تأتي بعد ذلك والكلام يلحق بالمحرمات (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) هذا اليوم كان يوم الجمعة وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، واقفاً بعرفة وكان راكبا على ناقته العضباء وحين نزلت الآية بركت الناقة (الْيَوْمَ)، يُقصد اليوم نفسه، يوم عرفة، أو يُقصد اليوم وما يأتي من أزمنة (أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) الدين كان التوحيد فقط في مكة ثم الصلاة ثم بعد ذلك فُرض الصيام، بعد الهجرة، فُرضت الزكاة بعد الهجرة، ثم فُرض الحج وأصبح الدين كاملا لا مقالة لقائل ولا اجتهاد لأحد (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) [سورة الأنعام آية: ٣٨].
(وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) تمت نعمة الله، تبارك وتعالى، بتطهير البيت الحرام من الشرك والمشركين، وحج النبي، صلى الله عليه وسلم، حجة الوداع ما حج معه مشرك وما طاف بالبيت عريان، وحج المسلمون معه واكتمل الدين واكتمل التشريع واكتملت الأحكام، ولذا قالت عائشة: (آخر ما نزل من السورة سورة المائدة؛ أحلّوا حلالها وحرّموا حرامها). وهي آخر ما نزل فعلا، وإن كان بعض الآيات كآية الربا وآية الكلالة نزلت بعد ذلك.
(وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) رضيه الله، تبارك وتعالى، متى؟ في نفس اليوم؟ ربنا رضيَ الإسلام من الأزل (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [سورة آل عمران آية: ١٩]، (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) أي أعلمتكم برضائي عن هذا الدين لأنه راضٍ من الأزل، أو تحمل معنى ورضيت إسلامكم الذي أنتم عليه وهي شهادة لصحابة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، أي رضيت إسلامكم هذا الذي أنتم عليه ومن تبعكم إلى أن تقوم الساعة (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)) تأتي الآية تلحق بالمحرمات الاستثناء (فَمَنِ اضْطُرَّ) الاضطرار، الدخول في ضرورة والضرورات تبيح المحظورات (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ) المخمصة: رجلٌ خمصان وخميص المخمصة خلو البطن من الغذاء تضمر البطن وتدخل للداخل هذه المخمصة من شدة الجوع، فمن اضطُر في مجاعة يباح له أن يأكل من المحرمات بشرط ألا يتعدى دفع الهلاك ولا يأكل متلذذا (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ) التجانف: جَنَفَ ويُجْنَفُ ويَجْنف مال إلى الباطل (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ) غير مائل لإثم لمعصية بأن يأخذ حق غيره أو يتجاوز الحد أو يتجاوز الضرورة.
(فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)) أي فإن الله له في هذه الحالة الاضطرارية (غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)).
أيها الأخ المسلم وهكذا نجد الإعجاز في الآيات أحكام متتالية في نَسَق وإيجاز معجز وتكفي الآية الأولى التي أذهلت فصحاء العرب إذ أمر بالوفاء ونهى عن النُكث، ثم بيّن التحليل ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم وصف نفسه بأنه يحكم ما يريد كل ذلك فيما لا يتعدّى السطرين، إعجاز كتاب الله معجز لكل متأمل ولا يمكن أن يصدر إلا من لدن حكيم حميد سبحانه وتعالى.
أيها الأخ المسلم نزل القرآن لنعمل به لم ينزل القرآن لنقرأه في المياتم أو نقرأه في التعازي أو نضع المصحف للتبرك به نزل لنعمل نزل تشريعا يُحل ويحرّم ويبيّن الأحكام، عودوا إلى كتاب الله أحلّوا حلاله وحرّموا حرامه.
فقد كان يوم العيد يوم الحج الأكبر ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، واقفٌ بعرفة على ناقته العضباء ونزلت أكرم وأعز وأغلى بشرى من الله، عز وجل، لأمة النبي المختار، عليه الصلاة والسلام، نزلت الآيات وفيها بشرى دنيوية وبشرى أخروية، نزل جبريل الأمين يخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، وأمته إلى أن تقوم الساعة (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) نعم يئس الكفار من دين محمد، صلى الله عليه وسلم، دين محمد الذي ارتضاه الله، تبارك وتعالى، له ولأمته إلى أن تقوم الساعة وهو الدين المرضي عنده أزلا وأبداً (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [سورة آل عمران آية: ١٩] (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ) اليوم أي في عهد محمد، صلى الله عليه وسلم، وإلى أن تقوم الساعة، أو اليوم أي يوم عرفة حيث اكتمل الدين واكتمل الشرع واجتمعت الأمة حول نبيها المختار، صلى الله عليه وسلم، لكن هذا أمر مع البشرى يئس الكفار أن يعيدوا أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، إلى عبادة الأوثان أو إلى عبادة الأصنام لا شرك بعد ذلك اليوم وقد أخبرنا النبي، صلى الله عليه وسلم، بذلك في أحاديث كثيرة: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا آخِرَ الزَّمَانِ)، وقوله: (وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا)، نعم يئس الكفار أن يعيدونا إلى ملتهم وإلى دينهم، فإن كان الله، تبارك وتعالى، قد أيأسهم من ذلك إلا أن علينا واجباً أمرنا الله به وهو خشية الله في السر والعلن، ألا نخاف في الحق لومة لائم، لا نخشى في كلمة الحق لومة لائم (فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) هو الرزاق هو المحيي هو الميت هو النافع هو الضار هو الناصر هو سبحانه وتعالى الفعّال لما يريد، يئسوا من دينكم، إذاً فالخشية والخوف ليست على دين الإسلام، فدين الإسلام ظاهر إلى أن تقوم الساعة، وإنما الخوف كل الخوف على المسلمين وليس على الإسلام، الإسلام ظاهر ورايته مرفوعة، ووعد الله، تبارك وتعالى، بإظهاره ليظهر الإسلام على الدين كله، وعدٌ من الله، تبارك وتعالى، أن يظهر الإسلام على الدين كله وإلى أن تقوم الساعة، وإنما الأمر أمر المسلمين إذا خاف المسلمون من الكفار سلطهم الله عليهم ونزع الرهبة من قلوبهم، أما إذا خافوا الله وخافوا الله فقط حكموا بحكم الله وكان شرعهم متفقاً مع شرع الله وأعدوا ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل لإرهاب عدو الله، كان ديدنهم الخوف من الله والعمل للآخرة، فإن فعلوا ذلك عزّوا بالإسلام وعزّ بهم الإسلام، (فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) وحين أكمل الله، تبارك وتعالى، لنا الدين إذاً فليس هناك مقالة لقائل، وما فرّط الله في كتابه من شيء، فلسنا في حاجة إلى أن نستمد الشرع من غير الله، ولسنا في حاجة إلى أن نسنّ القوانين من غير المصدر الرئيسي ألا وهو كتاب الله، (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) إذاً فما من شيء من أمور الدنيا أو من أمور الآخرة إلا وبيّنه الله، تبارك وتعالى، في كتابه إجمالاً أو تفصيلاً وما بينه إجمالاً فصله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [سورة النحل آية: ٤٤]، فلا حاجة لنا في أن نستمد القوانين والتشريعات من غير الله أياً كانوا وعلى أي مستوىً كانوا، فالحاكمية لله سبحانه وتعالى يحكم ما يريد.
وذُكرت المحرمات وكلها خبائث وكلها أضرار، وكلها ضرر، وشرع الله لا ضرر فيه ولا ضرار، لكن الناس سألوا ومنهم عدي بن حاتم، سأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الصيد بالكلب والبازي والصقور فلما سأل عدي بن حاتم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نزل جبريل بالبيان:
يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴿4﴾
(مُكْلبين) أي أصحاب كلاب وذلك قراءة من أحلّ الصيد بالكلاب فقط (مُكَلِّبِينَ) كلّبه درّبه ودرّاه عوّده على الصيد والاقتناص والافتراس.
( تُعَلِّمُونَهُنَّ ) أي الجوارح (مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ) إذ لولا فضل الله لتوحشت وما استؤنست فضل الله هو الذي جعلنا نستأنس هذه الوحوش فتسمع لأمرنا وتنزجر بزجرنا وتأتمر بأمرنا وتطيع، (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) أي مما صاد الكلب أو صاد الصقر وأمسك لك، (أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) أي حبس ما صادته الجوارح على الصائد (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) واذكروا اسم الله على الجارح حين ترسل الكلب تذكر اسم الله على الكلب كما تُرسل السهم تذكر اسم الله على السهم لأنك لا تدري أي طائر يصيب، ولا تدري أي شيء يصيد الكلب وكذلك الصقر، ذكر اسم الله على الجوارح، (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) وقال بعضهم ذكر اسم الله على المصيد بعد أن يُصاد حين التذكية بالذبح أو ذكر اسم الله حين الأكل (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أمر عام بالتقوى في كل ما نأتي وما نَذَر ويأتي التهديد، (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)) ربنا تبارك وتعالى لا يحتاج إلى عدّ وإلى عقد كما يفعل الحُسّاب، فسبحانه وتعالى، قد أحاط بكل شيء عِلما وأحصى كل شيءٍ عدداً، فيحاسب الخلائق جميعا دفعة واحدة وفي وقت واحد وفي لحظة واحدة فهو سريع الحساب، أو إن الله سريع الحساب وكأنه تهديد بأن عقوبات الله في الدنيا محيطة بنا إحاطة السوار بالمعصم كالزلازل والخسف والتدمير وتسليط العدو والأمراض والأسقام والأوجاع والبلاء بجميع أنواعه، سريع الحساب كأن الحساب ممكن أن يلحق بالعبد في الدنيا عقوبة له، أو (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)) كلام عن يوم القيامة وكل آتٍ قريب إنما البعيد مما ليس بآتٍ.
تلك آية التحليل لأكل الطيبات والمصيد إجابة على سؤال لكن الأمر يحتاج إلى التفصيل أي كلب يصيد؟ وكيف يصيد؟ وأي صقر يصيد؟ وكيف يصيد؟ هناك أمر متفق عليه بين جميع الفقهاء والعلماء وهو: ما صاده الكلب حلال لصاحبه بشروط اتُفق عليها والكل متفق عليها فإن انخرم شرط منها نشأ الخلاف فما اتفقوا عليه:
١ - أن يكون الكلب المعلَّم غير أسود اللون؛ لأن (الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ شَيْطَانٌ) كما أخبرنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بل وأمر بقتله، فإذا كان الكلب المعلّم أسود اللون حَرُم أكل ما صاده.
٢ - أن يكون الكلب مُعلّما بمعنى أنه يأتمر بأمر صاحبه ولا يهجم على الفريسة إلا بأمر صاحبه إذا أغراه فيسترسل إذا أُرسل وينزجر إذا زُجر ويهجم إذا أُمر ويطيع.
٣ - ألا يأكل من المصيد فإن أكل فقد أمسك على نفسه.
٤ - أن يكون المعلِّم له مسلماً.
٥ - أن يكون الصائد به مسلماً.
٦ - أن يجرح الكلب المصيد بالتنييب أو بالعض فيجرح.
٧ - أن يذكر الصائد اسم الله، تبارك وتعالى، حين إرسال الكلب على الكلب.
٨ - أن ينوي بذلك التذكية فلو صاد لاهياً حَرُمَ الأكل إذ يحرُم إتلاف الحيوان ويحرُم إتلاف النفْس التي لا يجوز إتلافها شرعا من حيوان أو من طيور أو من حشرات، فالصائدون للهو صيدهم حرام آثمون بالصيد وأكل الصيد حرام تلك شروط إذا توافرت حل المصيد للصائد ولغيره.
ألا يكون الكلب أسود اللون، أن يكون المعلِّم له مسلما وأن يكون المالك له مسلما، أن يكون الصائد به مسلما أن يكون الكلب مُعلّماً وشروط التعليم أن يأتمر بأمر الصائد لا يهجم إلا بأمره ينزجر إذا زُجر، لا يُمسك على نفسه الصيد ولا يأكل منه ولو قضمة واحدة، أن يجرح الصيد، أن يرسله مسلم، أن يذكر اسم الله عليه، أن ينوي التذكية، وكذلك الصقر غير شرط السواد أسود أو غير أسود، أن يكون مُعلّماً وأن يأتمر بأمر الصائد لا يهجم إلا بأمره، ينزجر إذا زُجر، لا يُمسك على نفسه الصيد، ولا يأكل منه ولو قضمة واحدة، أن يجرح الصيد أن يرسله مسلم أن يذكر اسم الله عليه، أن ينوي التذكية جميع الشروط فإن انخرم شرط يحدث الخلاف بمعنى إذا كان الكلب أسود اللون أجاز بعض العلماء ومنع الآخرون، المانعون مستندون لحديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ)، المبيحون استدلوا بعموم الآية، فالآية عامة: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ) ولم تستثن لوناً.
إذا كان المعلم غير مسلم: منع البعض إذ شرط إسلام المعلّم قائم، وأجاز البعض بشرط أن يكون المعلم كتابيا يهوديا أو نصرانيا، أما إن كان المعلم مجوسيا أو وثنيا حرم الأكل عند الجميع، المانعون لكلاب اليهود والنصارى قالوا: إن الله أحلّ لنا ذبائحهم ولم يحل لنا صيدهم (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) [سورة المائدة آية: ٥]، المبيحون قالوا: العموم (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) [سورة المائدة آية: ٥]، كلام عام، إذا كان المعلم للكلب كتابيا فيه الخلاف، إذا كان المالك للكلب كتابيا منعه بعض الفقهاء وأجازه البعض.
إذا أكل الكلب أو أكل الصقر يُمنع الأكل مستدلين على ذلك بحديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَسَمَّيْتَ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْكَ كَلْبُكَ، وَإِنْ قَتَلَ، فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ)، فإن أكل الكلب أو الصقر حرُم أكل ما تبقى، قال المبيحون مهما أكل الكلب أو الصقر لك أن تأكل ما بقي؛ لأن الله، عز وجل، يقول: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) (من) للتبعيض إذاً إن أكل الكلب أو الصقر جاز أكل ما تبقى، وقال الآخرون: (من) هنا ليست للتبعيض وإنما زائدة للتأكيد ولتحلية الكلام كقوله (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ) [سورة الأنعام آية: ١٤١]، واستدلوا بالحديث.
وقال فريق ثالث: إن أكل الكلب لا تأكل، أما إن أكل الصقر فكُل، وسر التفرقة أن الكلب ينزجر ويعاقب بالضرب فيمكن ضرب الكلب ويمكن زجر الكلب ويمكن عقاب الكلب إن أكل، أما الصقر هل يُضرب؟ لا يحتمل من هنا فالزجر في الكلب أوْقع وممكن، والزجر في الطير غير ممكن فإن أكل الكلب فهو غير مُعلَّم فلا تأكل، أما إن أكل الصقر فلك أن تأكل وحدثت التفرقة.
وقال آخرون: هناك فارق في الأكل؛ إن أكل الكلب عن جوع جاز الأكل، أما إن أكل عن غير جوع حَرُم الأكل؛ لأنه طالما كان جائعا، حيوان بهيم لا يملك الإرادة ولا يملك أن يمتنع، فإن كان الأكل عن شدة جوع جاز وإلا فلا.
إذا ترك الصائد التسمية: قالوا ربنا يقول: ( وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) أمر فإن ترك التسمية عمدا أو سهوا حرُم الأكل.
وقال الآخرون: الأمر بالتسمية على الندب وليس على الوجوب، فإن ترك التسمية عمداً أو سهواً جاز الأكل ولا تُشترط التسمية ( وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ)، أمر على الندب يندب لهم ذلك.
وقال فريق ثالث: إن ترك التسمية عمداً حرُم الأكل وإن ترك التسمية سهوا جاز الأكل.
النية شرط: نية التزكية كما تنوي حين الذبح التطهير والتذكية والتطيب وليس تعذيبا للحيوان كذلك إن تركت النية امتنع الأكل، إن تركت النية أو لم تكن هناك نية أجاز البعض.
إذا كان الصائد سكرانا أو كان الذابح سكرانا حرُم أكل ذبيحته وحرُم أكل صيده لأن السكران لا قصد له ولا نية له فيحرُم أكل ذبيحة السكران كم يحرُم أكل الصيد إذا صاد بالجوارح سكران.
إذا كان الصائد كتابيا منع البعض وأجاز البعض واتفقوا على أن الصائد إذا كان وثنيا أو مجوسيا حرم الأكل.
إذا انطلق الكلب نفسه فصاد أو انطلق الصقر من نفسه فصاد حرُم الأكل لأنه يصيد لنفسه ولا بد من إغراء الصائد وعلامته أن يرى الصقر الفريسة فلا يتحرك إلا إذا أغراه صاحبه، وكذلك الكلب يرى الغزال أو يرى الأرنب فلا يتحرك إلا بإغراء الصائد فإن تحرك، وكذلك الطير وكأنه ماسك له فإن تحرك من نفسه حرُم الأكل، وقال آخرون بل إذا تحرك من نفسه وقد خرج صاحبه للصيد أصلا جاز الأكل.
إذا أرسلت كلبك المعلَّم فصاد فوجدت معه كلبا أو كلابا آخرين فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسمّ على الآخر وذاك أمر متفق عليه، فإذا كان الكلب الآخر كلب صيد أرسله مسلم جاز الأكل وهما، الصائدان، شريكان في المصيد.
إذا أرسل الكلب والصقر فصاد فإذا بالمصيد غير مجروح لم يسل دمه لا يؤكل لأنه كالمنخنقة لا بد من الجرح فإن وجدت المصيد مجروحا سال بعض دمه ومات كُلْ فقد ذكرت اسم الله ونويت التذكية فكانت أنياب الكلب كالشفرة كالسكين، أما إذا لم يجرح ولم يسل منه دم فهو مخنوق والمنخنقة حرام، وقال آخرون بل لو مات المصيد من صدمة الكلب جاز أكله ولو لم يحدث تنييب، وفرّق بعضهم بين ما صاده الكلب وما صاده الصقر فشرطوا الجُرح فيما صاده الكلب ولم يشرطوا الجُرح فيما صاده الصقر، والبعض أمر بالتذكية فيما صاده الصقر على وجه الخصوص لا بد من التذكية أو الذبح.
تلك أحكام مختصرة عن أحكام الصيد وطبعا يسري عليها ما صيد بالسهام، لكن هناك نقطتان:
الأولى إذا أطلقت سهمك على الفريسة أو على المصيد ثم غاب عن عينيك فوجدته بعد ذلك غريقا أو مترديا من علو فلا تأكل فإنك لا تدري أقُتل بسهمك أم قُتل غرقا أو ترديا فلا تأكل.
أيضا الصيد بالبندقة بنادق الرش التي يصيد بها الأطفال على شجر الشوارع وذاك حرام إذ لا تؤكل مثل هذه العصافير وهؤلاء الصبية يصيدون للهو فحرام عليكم أن تأتوا لأبنائكم بهذه البنادق لتعذيب الطيور بها ما صيد بالبندق أكله حرام، كل ما صيد بالبنادق والرش أكله حرام رأي، لأنه ليس آلة صيد كالسهم الذي يجرح، وقال بعضهم بل فيه الجواز الصيد بالبندق جائز بالشروط أن يكون الصائد مسلما وأن يذكر اسم الله، تبارك وتعالى، وأن ينوي بذلك التذكية وأن يكون صيده بنيّة الأكل، لأن من صاد وهو لا ينوي الأكل فصيده حرام والأكل من المصيد حرام، فقد نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، عن قتل الحيوان وعن قتل الطير.
بعد ذلك يأتي التأكيد مرة أخرى بحل الطيبات:
ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ﴿5﴾
قالوا أيضا ذبائح أهل الكتاب تحلّ ولكن تحلّ بالتذكية بالذبح، أما ذكر اسم الله فنحن نذكر اسم الله عليها حين الأكل، هناك أصناف حُرِمت عليهم فلو ذبحوا أتحلُّ لهم هذه الأشياء؟ لا تحل بالذبح لقول الله (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) [سورة الأنعام آية: ١٤٦]، فهل يحلّ لنا أن نأكل ما حُرِّم عليهم إذ أن ذبحهم لا يحل لهم الشحوم مثلا وعليه فإن أكلنا ذبائحهم نأكل ما حلّ لهم منها ولا نأكل ما حُرم عليهم منها رأي، ورأي آخر قال بل نأكل كل شيء طالما كان مذبوحا إذ الذبح تذكية.
أيجوز الأكل في آنيتهم والطبخ في آنيتهم؟ نعم بعد غسلها لا يتحرون الطهارة ويأكلون النجاسة فيجوز الأكل في آنية أهل الكتاب بعد غسلها ما عدا آنية الذهب والفضة إذ يحرم الأكل فيها على الإطلاق وعلى العموم (وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) إذاً يحل لأهل الكتاب أن يأكلوا من طعامنا ومعنى ذلك أنه يجوز إهداؤهم من طعامنا ويجوز إطعامهم من طعامنا كما يجوز البيع والشراء بيننا وبينهم طالما حل لهم طعامنا وحل لنا طعامهم جاز التعامل بالبيع وبالشراء فيصح أن نبيع منهم وأن نبيع لهم وأن نشري ونشتري منهم، لكن ذبائح المجوس والوثنيين محرمٌ علينا باتفاق، تلك أحكام تليها أحكام الزواج من الكتابيات، فقد أحلّ الله، تبارك وتعالى، لنا طعام أهل الكتاب وأحلّ لنا كذلك الزواج من الكتابيات، (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) المحصنات من المؤمنات أي الحرائر العفيفات من المؤمنات والمحصنات كذلك الحرائر من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذاً فلا يحل الزواج من الأَمَة الكتابية وذاك قلناه من قبل في آيات الزواج والطلاق في سورة النساء، (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) إذاً فما أُحل لنا هو الحرائر فقط من الكتابيات، ولكن البعض شرط أن يكنّ ذميات أي لسن في دار الحرب، أي الحربيات، يُمنع الزواج منهن بمعنى إذا كنا في حرب مع أهل كتاب بعينهم فيحرم الزواج من نسائهم لكن الآخرين أجازوا والآية على العموم (إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) شروط: أول شرط الصداق أن يكون الزواج بصداق، بمهر، يؤكد ربنا، تبارك وتعالى، على ذلك بذكر هذا الصداق (إِذَا) شرط (آَتَيْتُمُوهُنَّ) النساء (أُجُورَهُنَّ) أي المهور وسُمِّيَ المهر أجرا لأنه أجر النكاح، لكن الآية فضلت حرائر المؤمنات على حرائر الكتابيات إذ قُدمنَّ في الذكر (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) فإذا وُجدت الحرة المسلمة فهي أوْلى من الحرة الكتابية، لكن شرط الصداق قائم إذا آتيتموهن أجورهن.
الشرط الآخر (مُحْصِنِينَ) متعففين بهذا الزواج أي زواج حلال زواج يقصد الزواج زواج بنيّة العفة بينة الإحصان بنية العشرة وليس بنيّة الوقت أن يتزوج لشهر أو لسنة، (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) غير زانيين، السفاح أصل الكلمة من السفح والسفح الصب سفح وسفك صب ومنه سفح الدماء سفح الماء، فالسفح الصب، وعُبِّر عن الزنا بالسفاح لأن الزاني لا يقصد إلا صب المنيّ فقط لا يقصد ذرية ولا يقصد الإحصان ولا يقصد العفة وكلّ قصده وكل ما ينويه أن يصب هذا الماء لذا سُمي الزنا سفاح، (وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) أخدان، جمع خِدْن والخِدْن الصديق ذكر أو أنثى فهو خِدن وهي خِدن الخدِن: الزنا سراً ذاك المقصود (وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ)، أي عشيقات صديقات تزنون بهن سراً، إذ كان العرب في الجاهلية يحرمون الزنا علناً ويحلونه سراً ويبيحونه سراً، فأشار الله، تبارك وتعالى، إلى ذلك بقوله: (مُحْصِنِينَ) أي أعِفّاء بالزواج (غَيْرَ مُسَافِحِينَ) أي غير سافحين للماء غير زانين علنا (وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) ولا زانين سراً أي غير زانين سراً وغير زانين علناً، وعليه وكما قلنا من قبل في شروط صحة الزواج كل زواج سرى في رأينا باطل وإن كان على يد مأذون وإن كان بوثيقة رسمية إذا استُكتم الشهود فإذا جاء رجل بامرأة ورضيها ورضيته واستكمل الشروط بشاهدين وتم العقد ووُثق العقد فاستكتم الزوجان الشاهدين، استكتم الزوجان الشهود إياكم أن تبوحوا بهذا وأرادوا أن يكون الزواج سراً بطل الزواج قلنا ذاك على هذا المنبر من قبل في تفسير شروط صحة الزواج في آيات الطلاق وفي آيات الزواج وعليه فتؤكد الآية هذا المعنى بقول الله عز وجل: (إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) شرط (مُحْصِنِينَ) شرط (غَيْرَ مُسَافِحِينَ) شرط (وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) شرط.
ثم يأتي التهديد بعد ختام الآيات (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)) حَبَطَ قراءة حَبِطَ قراءة ما هو الكفر بالإيمان؟ الإيمان ضد الكُفر فكيف يكفر بالأيمان؟ يكفر بالله يكفر برسول الله يكفر بالرسل يكفر بالملائكة يكفر باليوم الآخر، لكن ما معنى الكفر بالإيمان؟ الكفر بالإيمان هو الامتناع عن تنفيذ شرائع الله الكفر بالإيمان الامتناع عن الائتمار بأمر الله إذ الإيمان قول وعمل، الإيمان قول باللسان وإقرار بالجنان وعمل بالأركان، فإذا تُرك العمل فلا إيمان مهما زعم أنه مؤمن مسلم بقلبه وبلسانه ما لم يتحقق القول بالعمل فلا إيمان إذ الإيمان ليس بالتمني الإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) الحبوط حبِط وحبُط الحبوط يُطلق على البهيمة إذا تركتها ترعى فأكلت واستحلت المرعى وظلت تأكل وتأكل حتى انتفخت فماتت من كثرة الأكل ومن الانتفاخ يقال حبطت الناقة أو حبطت البهيمة من هنا يقول الله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) هلك وضاعت أعماله لأنه لم يعمل شيئا (وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)) إذ يبحث عن شيء عن حسنة عما ينقذه فلا يجد شيئا ووجد الله عنده فوفّاه حسابه.
فقد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، إذا خرج في سفر أو غزو أقْرع بين نسائه فمن خرج سهمها خرجت معه، وفى غزوة من غزواته خرج سهم عائشة أم المؤمنين وأحب الناس إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على الإطلاق خرجت معه ونزل سيد الخلْق، صلى الله عليه وسلم، منْزلا في طريق عودته إلى المدينة ثم أذّن مؤذن بالرحيل فذهبت السيدة عائشة بعيداً عن الجيش لقضاء الحاجة وحين عودتها تلمّست عقدا لها فلم تجده فبحثت عنه فتأخرت قليلا، وحين عادت إلى الجيش قبل أن تجد عقدها شكت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقد العقد فأمر الناس بالبحث عنه أخذ الناس يلتمسون عقد عائشة وتأخروا في البحث وفرغ الماء وحضرت الصلاة فصلى بعضهم بغير وضوء ولم يصلِّ البعض الآخر، ودخل أبو بكر الصديق على عائشة رضي الله عنها يلومها ويعاتبها وكانت جالسة ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، نائم واضعا رأسه في حجرها فأخذ أبو بكر يطعنها في خاصرتها حبست الناس وحبست رسول الله على غير ماء، تألمت ألما شديداً وتقول، والله ما يمنعني من التحرك إلا رأس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في حجري وقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من نومه ونزل جبريل بالرخصة بالنعمة بالفضل نزل بآية التيمم وحين أذن رسول الله بالرحيل وبعثوا ناقة عائشة وجدوا العقد تحتها وجاء أسيد بن حضير إلى عائشة، رضي الله عنها، يقول: ما هذه بأول بركاتكم يا آل أبي بكر، يقول الله، تبارك وتعالى:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿6﴾
لكن العلماء على خلاف ذلك، والإجماع على خلاف ذلك، وسنّة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على خلاف ذلك وإن كان قد ورد عنه أنه كان لا يحب أن يذكر الله إلا وهو على طهارة، عَنْ مُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ، قَالَ: سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَقُمْتُ مَهْمُومًا، فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ، وَرَدَّ عَلَيَّ، وَقَالَ: (إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ)، فقال بعض الناس: الآية لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، على الخصوص ثم نُسخ الحكم وأُمر بالسواك عند كل وضوء، وقال بعضهم بل الآية أمر على الندب إذ الوضوء على الوضوء نور على نور فإذا قمتم إلى الصلاة فتوضؤوا وإن كنتم متوضئين وذاك يُندب لكم وهو أفضل وأحب، وقال بعضهم وهو القول الأرجح - والله أعلم بمراده - الآية لا بد فيها من التقدير فيها كلمة محذوفة تُقدَّر وعليه فيكون المراد: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة محدثين فاغسلوا وجوهكم) محدثين حدثا أصغر ولابد من هذا التقدير حتى يستقيم المعنى (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) الغْسل إمرار الماء على العضو مع الدَلْك ذاك هو الغسل ولذا شَرَط بعض الفقهاء الدَلْك الغْسل بمعنى الدلك إذ هناك فارق بين الغسل وبين المسح فلا بد من الدلك، وقال بعضهم لا يشترط الدلك لكن الأرجح هو دلك العضو بالماء، إمرار اليد على العضو مع دلكه بالماء، (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) الوجه ما واجهت به الناس ولذا قالوا حد الوجه من منابت الشعر إلى أسفل الذقن ومن الأذن إلى الأذن ولكنهم اختلفوا في أمرين:
الأمر الأول: المضمضة والاستنشاق أهما فرض أم هما سُنّة؟ فمن قال إنهما من الوجه والمضمضة أي غسل داخل الفم والاستنشاق بغسل داخل الأنف ذاك من الوجه ولا بد من المضمضة والاستنشاق في الوضوء إذ هما فرض، وقال بعضهم بل المضمضة والاستنشاق سُنة وليستا فرض الفارق هو إذا كانت المضمضة والاستنشاق فرضا بطل الوضوء إذا لم يتمضمض ويستنشق وإذا كانتا سُنَّة صح الوضوء لكنه خالف السنّة.
الأمر الثاني: الذي حدث فيه الخلاف اللحية، اللحية من الوجه ولذا وجب تخلل الشعر بالماء فإذا طالت اللحية وابتعدت عن الوجه هل هي أيضا من الوجه؟ هل يكفي فيها إمرار الماء أم لا بد من تخليل اللحية بالكامل إن طالت عن الوجه؟ والأرجح هو وجوب تخليل شعر اللحية بالكامل.
ثم يأتي بعد ذلك أمر آخر الأذنان أهما من الوجه أم هما من الرأس؟ قال بعض الناس الأذنان من الوجه ولذا وجب غسل الأذنين وإدخال الأصابع في الصماخ وذاك ورد عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واستدلوا على ذلك بقول النبي، صلى الله عليه وسلم، في سجوده حين سمعته عائشة يقول: (سَجَدَ لَكَ سَوَادِي وَخَيَالِي، وَآمَنَ بِكَ فُؤَادِي، هَذِهِ يَدِي وَمَا جَنَيْتُ بِهَا عَلَى نَفْسِي، يَا عَظِيمٌ يُرْجَى لِكُلِّ عَظِيمٍ، اغْفِرِ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ)، إذاً فالسمع من الوجه إذا فالأذنان من الوجه ويجب الغسل، وقال بعضهم بل الأذنين من الرأس فتُمسح ولا تُغسل ثم اختلفوا أتمسح بماء جديد أم تُمسح بماء المسح الذي مُسح به الرأس واستدلوا على أن الأذنين من الرأس بحديث لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: (فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ)، وقال بعضهم رأياً وسطاً الأذنان ظاهرهما من الوجه إذ الظاهر يواجه الناس وخلف الأذنين من الرأس فيُغسل الظاهر ويُمسح خلف الأذنين، لكن الأرجح هو غسل الأذنين كما يُغسل الوجه (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) والمرفق هو المفصل الذي يفصل بين العضد وبين الكوع (إلى) انتهاء الغاية فقالوا هل تدخل المرافق في الغسل أم لا؟ فقالوا إذا كان ما بعد (إلى) من جنس ما قبلها دخل فيها وعليه (إِلَى الْمَرَافِقِ) دخلت المرافق في الغسل وقال بعضهم (إلى) بمعنى (مع) (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) أي مع المرافق كقوله عز وجل: (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) [سورة هود آية: ٥٢]، أي قوة مع قوتكم وقد ورد عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه دار بالماء وبالغسل على مرفقيه (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) مسح الرأس قال بعضهم الباء زائدة للتأكيد والمعنى وامسحوا رءوسكم وعليه فالمسح واجب للرأس جميعها، فالمسح واجب لجميع الرأس، وقال بعضهم الباء للتبعيض (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) أي ببعض رءوسكم فأجازوا مسح بعض الرأس ولكنهم قالوا أي بعض؟ قال بعضهم لا بد أن يكون ناصية الرأس ولا يصح أي مكان آخر، وقال بعضهم بل أي مكان في الرأس يُمسح جائز أيمسح بيديه الاثنتين أم بيد واحدة؟ قالوا بالاثنين وقالوا يجوز بيد واحدة.
كيفية المسح: قال بعضهم المسح كما مسح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وورد عنه: (ثُمَّ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي مِنْهُ بَدَأَ)، وقالوا المسح ذهابا فرض والعودة سُنّة وقالوا بل ذهابا وفرض والعودة سُنّة وقالوا بل ذهابا وإيابا من الفرض أو هو فرض، وقال بعضهم المسح لكل الرأس والباء باء الأداة إذ كل ممسوح أو مغسول لا بد له من شيء يُمسح أو يُغسل به إذ لو قال امسحوا رءوسكم لمسح الإنسان بغير ماء فحين قال (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) إذا فامسحوا رءوسكم بالماء فالباء جاءت لبيان أن المسح لا بد أن يكون بالماء (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) وأرجلَكم وأرجلِكم وأرجلُكم ثلاث قراءات.
(وَأَرْجُلَكُمْ) بالنصب عطف على أيديكم إذا فالمطلوب الغسل (الْكَعْبَيْنِ) والكعبان هما العظمتان الناتئان في جانبي القدم أسفل الساق وأعلى العقب هذان هما الكعبان وعليه فغسل الرجلان فرض والكعبان داخلان وورد عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قوله حين رآهم يتوضؤون ويمسحون: (وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)، ولا يُعذب بالنار إلا تارك الفرض إذاً فغسل القدمين إلى الكعبين فرض، أما من قرأ وأرجلُكم فعلى تقدير وأرجلُكم مغسولة أو وأرجلُكم فاغسلوها من قرأ وأرجلِكم عطف على رءوسكم فاستغل بعض الناس هذه القراءة وقالوا الواجب في الرجلين المسح وليس الغَسْل وغفلوا عن أن قراءة الجر، الجر فيها ليس عطفا على الرءوس بمعنى المسح وإنما الجر للجوار، في اللغة تُجر الكلمة لمجاورتها لكلمة مجرورة والعطف عطف جر فقط وليس عطف معنى، كقوله، عز وجل: (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)) [سورة البروج آية: ٢٢]، والأصل فيها (محفوظٌ) ولكن جُرت الكلمة للجوار وكقوله (عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)) [سورة هود آية: ٢٦]، والأليم هو العذاب وليس اليوم، فالعرب تجر الكلمة للجوار، (وأرجلِكم) وإن كانت القراءة إلا أن المقصود بها الغسل إذ هي معطوفة في التشكيل على الجوار معطوفة في المعنى على الغسل كما ورد عن النبي، صلى الله عليه وسلم، غسل الأقدام.
وأما تخليل أصابع القدمين ففيه خلاف والأرجح التخليل كتخليل أصابع اليدين، قال بعض الناس لم يرد في الوضوء إلا الوجه واليدين والرأس والقدمين، لكن الترتيب ترتيب فعْل وكان التقدير: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برءوسكم) فلما جاء بقوله (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) بين غسل اليدين والرجلين أفاد الترتيب فهل يجب الترتيب في الوضوء؟ قال بعضهم لا يشترط الترتيب كما يحدث في الطهارة في الغسل من الجنابة لا يشترط الترتيب، وقال بعضهم بل الترتيب يُشترط لأن الله رتب في كلامه ونبينا، صلى الله عليه وسلم، في السعي قال: (أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، بِهِ (* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ).
الموالاة هل يصح أن تغسل وجهك ويديك وتمسح برأسك ثم تذهب لتفعل شيئا ثم تعود فتغسل رجليك؟ قال بعضهم يجوز العبرة بإتمام الوضوء ولا تُشترط الموالاة، وقال بعضهم بل الموالاة شرط لصحة الوضوء كالموالاة في الصلاة.
هل يصح الوضوء بغير نية؟ قال بعضهم نعم يصح إذ الوضوء واجب لواجب والفرض الأصلي هو الصلاة والوضوء استعداد للصلاة فهو فرض من أجل الصلاة وليس فرضا بذاته فلا تشترط فيه النية، وقال بعضهم بل النية واجبة إذ ما لا يصح الواجب إلا به فهو واجب والنية واجبة إذ الأعمال بالنية كما وأن الوضوء يُكفّر الذنوب فإذا لم يكن بنيّة لم تُكفَّر الذنوب فشرطوا النية وشرطوا الترتيب وشرطوا الموالاة.
(وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) الجنابة شُرحت من قبل في شرحنا لسورة النساء وسُميت جنابة لأن المنيّ يجانب - ينفصل - عن الإنسان والجنابة بالجماع والاحتلام وكذلك الحيض والنفاس وما إلى ذلك (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) بالاغتسال، والاغتسال كما فعله النبي، صلى الله عليه وسلم، وشُرح من قبل في سورة النساء تعميم الجسد بالكامل وتخليل الشعر بالماء إذ تحت كل شعرة جنابة، ومن قال إنه لا يشترط للمرأة أن تفك ضفائرها وما إلى ذلك قول مردود لا بد من تعميم الجسد والشعر وتخليل الشعر وفك ضفائر المرأة في حالة الطهارة من الحيض أو من النفاس أو من الجنابة، (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدِ اسْتَبْرَأَ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ)، كما يحدث في الوضوء ذاك هو غَسل النبي، صلى الله عليه وسلم، والذي ورد وصفه في كثير من الروايات، وقال بعضهم: لو أنه سقط في الماء بغير نيّة وخرج طَهُرَ من الجنابة ولم يشترطوا النية، وشرط الآخرون النية وذاك أرجح (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) لا تقدرن على استخدام الماء أو على سفر فلم تجدوا الماء، حالة فقد الماء وحالة عدم القدرة على استخدام الماء، (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ ) الغائط، المطمئن من الأرض المنخفض ومنه الغيْط للزراعة لا بد وأن يكون منخفضا حتى يأتي إليه الماء فكانوا يتخيرون الأماكن الوطيئة المنخفضة لقضاء الحاجة وربنا، تبارك وتعالى، يكنّى فجاءت الكلمة كناية عن قضاء الحاجة عن التبرز والتبول وما إلى ذلك وبالتالي فمن نواقض الوضوء قضاء الحاجة أو خروج شيء من السبيلين واختلفوا فيما إذا خرجت حصوة أو دودة أتنقض الوضوء أم لا؟ والأرجح أن كل خارج من أحد السبيلين ناقض للوضوء (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) الملامسة شرحت في سورة النساء البعض قال الملامسة اللمس مجرد اللمس والبعض قال الملامسة الجماع، والآية هنا تؤكد أن الملامسة الجماع لأن نواقض الوضوء ذكرت.
(فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ) اقصدوا ( صَعِيدًا ) الصعيد وجه الأرض وحدث خلاف وشرح هذا في سورة النساء في الآية الشبيهة وجه الأرض فيصح التيمم على النجيل على المزروعات على الشجر على الرخام المصنوع على الحائط كل ذلك تم شرحه في شرحنا لسورة النساء (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) وهنا تأكد أن الباء زائدة للتأكيد لأن مسح بعض الوجه في التيمم لا يصح فالباء هنا كالباء في (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ)، (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) المسح إلى هنا أو إلى هنا وذاك هنا وذاك شُرح في سورة النساء.
الخلاف ما هي اليد إذ تُطلق كلمة اليد عن كل العضو حتى الإبط فما هو المقصود باليد؟ (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) أي من هذا الصعيد الطيب، التراب الطيب، (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) بهذا الوضوء والرخصة بالتيمم لا يريد ربنا، تبارك وتعالى، أن يضيّق علينا أو أن يكلفنا بما لا نطيق وَلَكِنْ (يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) التطهير هنا التطهير من الذنوب، وقال بعضهم بل التطهير من الأقذار والأوساخ والنجاسات وما إلى ذلك (وَلَّيْتُمْ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) من قوله (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي).
(وَلَّيْتُمْ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) بالرخصة برخصة التيمم في حالة فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)) تشكرون نعمة الله عليكم.
وتبقى نقطة: ذكرت الآيات الوضوء والغُسل وبينت كيفية الوضوء وبيّنت التيمم في حالة فقد الماء ولم تبيّن أمراً آخر وهو إذا فقد العبد الماء والصعيد الطيب وحضرت الصلاة فماذا يفعل؟ إن كان طريح الفراش وضأه غير أو يممه غيره وجاز ذلك أن يوضئك آخر أو ييممك آخر هذا في حالة أن يكون الإنسان مريضا طريح الفراش لا يقو على الحركة لأن الصلاة لا تسقط عن الإنسان ما دام عقله ثابت ولو صلّى بعينيه ولو أجرى الصلاة على قلبه، لكن إذا فقد الماء وفقد الصعيد هل يمكن؟ افترضها الفقهاء قبل اختراع الطيران ولو كان الإنسان في الجو وانتهى أو فرغ الماء من الطائرة فما العمل؟ قال بعضهم إذا فقد الطهورين الماء والصعيد لا يصلي ولا يعيد ولا شيء عليه لأنه فقد الشرط، وقال بعضهم بل يصلي بغير طهارة بغير ماء وبغير وضوء فإن كان محدثا حدثا أصغر صلى صلاة كاملة وإن كان محدثاً حدثاً أكبر صلّى وسبح وامتنع عن القراءة فلا يقرأ قرآن - الفاتحة أو السورة - إنما يسبح سبحان ربي الأعلى سبحان ربي العظيم ويكبر ويقرأ التشهد ولا يقرأ القرآن يصلي فاقد الطهورين بغير وضوء وبغير تيمم ثم يعيد الصلاة حين يجد الماء أو يجد الصعيد، وقال بعضهم بل يصلي ولا يعيد واستدلوا على ذلك بأن النبي، صلى الله عليه وسلم، حين نزل والتمسوا عقد عائشة وفرغ الماء صلى بعضهم بغير طهور ولم يكن التيمم قد نزل بعد فحين فقدوا الماء صلوا بغير وضوء فلم يأمرهم بالإعادة فقالوا: يصلي ولا يعيد، وقال بعضهم وذاك نستريح إليه إذا كثرت الفرائض فلا إعادة صلى بغير طهور ولا إعادة عليه، أما إذا كان عدد الفرائض التي صلاها بغير طهور قليل يسهل عليه الإعادة فعليه أن يعيد بعد أن يجد الماء أو يجد الصعيد.
يقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَمَضْمَضَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ، فإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ قَالَ: ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلاَتُهُ نَافِلَةً لَهُ).
فقد أتمّ الله، تبارك وتعالى، نعمته على أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، ونزلت رخصة التيمم، والعبد إذا ارتكب من الذنوب أو من الصغائر ثم توضأ خرجت ذنوبه مع الماء وخرج هو من ذنوبه فإذا وقف في الصلاة وقف طاهراً من الذنوب بريئا من الآثام والعيوب بمجرد الوضوء. ولذا إن بقي شيء ولا يبقى شيء إذا وقف في الصلاة فكبّر وقرأ فإذا ركع تساقطت الذنوب من على ظهره فإذا قام تساقطت فإذا سجد تساقطت فإذا جلس تساقطت وهكذا مع كل حركة من حركات الصلاة تتساقط الذنوب من عليه من هنا قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (الصَّلَاةُ إِلَى الصَّلَاةِ كَفَّارَةٌ لَمَّا بَيْنَهُمَا، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا كَفَّارَةٌ لَمَّا بَيْنَهُمَا، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ)، و (تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ).
فإذا كان الوضوء ينفي الذنوب، إذا كان الوضوء يجعل الذنوب تتساقط مع قطرات الماء ثم الصلاة ثم الصيام إذاً فرحمة الله، تبارك وتعالى، عامة تامة لذا يقول الله، تبارك وتعالى، بعد آية التيمم:
وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴿7﴾
هل القيام بالعبادات فيه مشقة؟ هل الوضوء يؤذى؟ هل الوضوء يضر؟ هل الوضوء يتعب؟ هل في الوضوء مشقة؟ هل في الصلاة مشقة؟ خمس فرائض في اليوم والليلة خمس فقط أيّ وقت تستغرقه الصلاة؟ وكم من الوقت يستغرقه الوضوء والصلاة، في اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة ماذا تستغرق الصلاة من الأربع وعشرون ساعة؟ رحمة نعمة: (قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَقُولُ الْعَبْدُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)) يَقُولُ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١))، يَقُولُ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)) فَهَذِهِ الآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)) فَهَؤُلاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ).
الصلاة صلة بين العبد وربه الصلاة نعمة الصلاة من رحمة الله، تبارك وتعالى، بالعبد، وأول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة يُسأل عن صلاته فإن صلحت صلح سائر عمله لأنها كفارة وإن فسدت فسد سائر عمله هؤلاء الذين لا يقربون الصلاة هؤلاء الذين غفلوا عن فضل الصلاة هؤلاء انصحوهم ونبهوهم أن يعودوا إلى الله وأن يحسّنوا علاقتهم بالله وأن يداوموا الصلة مع الله بالصلاة (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ) أي ميثاق؟ الميثاق، قالوا هو الميثاق الأول في عالم الذّرّ حين خلق الله، تبارك وتعالى، آدم وأخرج من صلبه الذرية إلى أن تقوم الساعة، وأوقف الجميع أمامه صفا واحدا وكلنا شهد هذا الموقف ثم قال، (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) [سورة الأعراف آية: ١٧٢]، فأقَّر الجميع خلقهم بيده وأوقفهم أمامه فأقر الجميع فأعادهم إلى صلب أبيهم ونسى الناس هذا الميثاق لكن النبي، صلى الله عليه وسلم، ذكّرنا به وذكرنا القرآن به (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) [سورة الأعراف آية: ١٧٢]، من هنا يذكرنا ربنا، تبارك وتعالى، بهذا الميثاق (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) وقال آخرون الميثاق هو بيعة النبي، صلى الله عليه وسلم، حيث بايعه الصحابة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره كما حدث في بيعة العقبة، وكما حدث في بيعة الرضوان وهكذا، وينسحب الأمر على كل الأمة فنحن لم نشهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم نصافحه لكنا آمنا به وصدقناه فدخل ضمن الإيمان به والتصديق دخل الميثاق، لكن الميثاق هنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وربنا يقول: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ)، أي ميثاق الله (الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ) فكيف تقولوا هو ميثاق رسول الله قالوا الميثاق مع رسول الله ميثاق مع الله ألم تسمع قول الله (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) [سورة الفتح آية: ١٠]، إذا فالميثاق مع رسول الله ميثاق مع الله (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)) أمر عام بالتقوى اتقوا الله في مخالفة أمره، اتقوا الله في عصيان رسوله، اتقوا الله في أنفسكم والتقوى درجات ومقامات أهمها: تقوى الشرك أن يتقي الإنسان الشرك والشرك منه الجليّ ومنه الخفيّ أعاذنا الله وإياكم منه، الشرك الخفيّ كالرياء أن ترائي بعملك فتُعاقب عقوبة المرائين والعياذ بالله، وتقوى المعاصي وتقوى الكبائر، ثم تقوى الصغائر ثم تقوى الخواطر ثم أن تتقي أن يشغل قلبك غير الله (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)) آية رغم أن فيها التهديد أو الوعيد للبعض (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)) فالناس ترى منك الظاهر تسمع منك حلو الكلام ترى منك أحسن ما فيك بستر الله، لأن الله ستّير وستر الله أنواع وأصناف، منها ما هو ظاهر ومنها ما هو باطن.
من الستر لمجرد التذكرة جسدك غير شفاف فستر القبيح وانظر إلى ما في داخل هذا الجسد من دم، من فرث، من بول لم يظهر ستر، أنزل الثياب سترا للعورة بل ستر أفكارك وتخيل لو اطلع الناس على ما في فكرك تخيّل، ستر ما في الضمائر، ستر ما في الصدور أنواع من الستر لا تعد ولا تُحصى، من هنا يذكّرنا ربنا، تبارك وتعالى، وإن كان داخلك لا يُرى فإن الله يسمع ويرى لا تفوته لفتة ناظر ولا تغيب عنه فلتة خاطر يرى خفايا الوهم والتفكير ويسمع هواجس الضمير (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)) فالآية فيها التهديد أو فيها الوعيد وفيها التذكرة أيضا فيها الرحمة الكبرى وفيها الأمان وفيها الاطمئنان، فكم من بريء اتهم ظلما وكم من مسجون سُجن ظلما وكم من صالح شُوِّهت سمعته بغيا، وكم من عامل لم ير الناس عمله وكم وكم، ألم تظلم عائشة، رضي الله عنها، في قصة الإفك ألم يُعتدى على رسول الله بالقول وباليد، أما قذفوه بالحجارة، أما كذّبوه، أما اتهموه بالسحر والجنون، كم عُذِّب الصحابة وكم نالوا من الأذى والتعذيب من صهْرٍ في الشمس وكيّ بالنار حتى وصل الأمر إلى القتل كما قتلت سُمية حيث قُذف الرمح في أحسّ وأدق وأخطر مكان في جسدها بالحربة سمية وهي ترفض أن تعود إلى الكفر وتقول، أحدٌ أحد والله لا أعود إلى الكفر أبداً بعد أن نجاني الله منه، كم من بري يُتهم كم من مظلوم كم من خير تفعله فتُقابل بالإنكار، كم من معروف تُسديه ولا تجد إلا الجحود، كم أحسنت وأسيء إليك، كم فعلت وشُّوه فعلك وكم وكم، من هنا أشعر ويشعر العارفون بأن الآية وإن كان ظاهرها التهديد إلا أنها في باطنها رحمة وأمان واطمئنان لكل بريء يتهم في عرضه، لكل مسدٍ لمعروف ينكر فضله، (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)) كفى بالله شهيدا وكفى بالله عليما وكفى بالله حسيبا هو الله ولا إله إلا الله.
فقد ذكّر الله، تبارك وتعالى، الأمة بنعمته عليهم ونعمة الله لا تُعد ولا تُحصى كما ذكّرهم بميثاقه الذي واثقهم به فقال عز من قائل: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)).
(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ) ذكّرهم بنعمته وذكّرهم بميثاقه وأمرهم بتقوى الله في النعم، وأمرهم بتقوى الله في العمل بالميثاق، وأخبرهم أنه عليمٌ بذات الصدور يسمع هواجس الضمير ويرى خفايا الوهم والتفكير، وتقوى الله في نعمته أن تُستغل النعم فيما خُلقت له، فحين أعطاك الله، تبارك وتعالى، نعمة البصر وجب عليك أن تستخدم هذه النعمة فيما خُلقت له فتنتفع بالنعمة فيما يعود عليك بالنفع دنيا وأخرى دنيا بإبصار الطريق وأخرى بالتأمل في آيات الله مثال من الأمثلة إذا أعطاك نعمة المال فتقوى الله في هذه النعمة أن تضع المال فيما يجب وأن تمنعه عما لا يجب وأن تخرج حق الفقراء فيه وهكذا، أمرنا بتقواه في نعمه وأمرنا بتقواه في ميثاقه الذي أخذه علينا.
ثم يأمر ربنا، تبارك وتعالى، الأمة العام منها والخاص الحاكم والمحكوم الراعي والرعية يأمرهم، عز وجل، بما فيه عز الأمة ودوام الملك وسيادة الدنيا، يأمرهم بالعدل وينهاهم عن الجَوْر يأمرهم بالعدل الذي به تدوم الممالك والذي به يسود المسلمون، وينهاهم عن الجوْر الذي يخرب البيوت ويهلك الأمم فكم من أمة أهلكت بالظلم (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا) [سورة النمل آية: ٥٢]
يحذرهم من الظلم إذ الظلم لا يعود إلا على الظالم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) [سورة يونس آية: ٢٣]، يحذرهم من الظلم للغير، يحذرهم من ظلم أنفسهم فمهما ارتكب الإنسان من معاص أو شرور فهو بذلك يظلم نفسه لقول الله عز وجل: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)) [سورة الزخرف آية: ٧٦]، (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) [سورة هود آية: ١٠١]، (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)) [سورة آل عمران آية: ١١٧]، الإنسان يظلم نفسه بأن يوردها موارد التهلكة ويزكي نفسه ويعْدل معها بأن ينتصف منها وأن يواجه نفسه وأن يحاسب نفسه وأن يوردها موارد الطاعة (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)) [سورة الشمس آية: ٩ - ١٠]، يقول الله، عز وجل:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿8﴾
أمرنا الله بالشهادة أي بالعدل على أنفسنا أو على الوالدين أو على الأقارب ومهما كان من يُشهد عليه غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا يمنعنا غناه من الشهادة بالحق ولا يحملنا فقره على الشهادة بالباطل الله أرحم بعباده من أنفسهم هو أوْلى بهم فلا تخشى الغني لغناه ولا تشفق على الفقير فتعطيه ما ليس له بحق، والأمر بالعدل يشمل الحاكم والمحكوم: (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) والإمام العادل لا ترد له دعوة في الدنيا وهو من ضمن سبعة يظلهم الله في يوم القيامة بظله يوم لا ظل إلا ظله وعدل الحاكم للرعية وظلم الحاكم على الرعية، لذا قال العلماء الحاكم العادل وإن كان فاسقا أفضل من الحاكم الظالم وإن كان صالحا فعدل الحاكم للرعية وفسقه على نفسه، وظلم الحاكم على الرعية وصلاحه لنفسه، والحاكم عبادته لله في الرعية وبابه للوصول إلى رضوان الله العدل في الرعية، فالأمر للحاكم والأمر لكل راع بتحري العدل وبعد أن أمر ربنا، تبارك وتعالى، بتحري العدل في الشهادة وأمر بالقيام لله، عز وجل، نهى عن الجوْر وقال: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) وقرئت: (ولايُجْرِمنكم) يُدخلكم في الجُرم ( يَجْرِمَنَّكُمْ ) يحملنكم من الجرْم وهو الكسْب، (شَنَآَنُ قَوْمٍ)، بغض قوم والشنئان، البغض والكراهية أو هو البُغض مع التقزز (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) وعَدّى الفعل بكلمة (على) ليشعرك بأن النهي عن الجوْر والنهي عن الهوى يُعمى ويُصم الهوى يُضل، ولذا وجّه ربنا، تبارك وتعالى، نبيه داود بقوله: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [سورة ص آية: ٢٦]، اتباع الهوى يُعمى اتباع الهوى يُصم اتباع الهوى يجعل الإنسان يظلم ولا يرى الحق ولا يحكم بالحق، (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) فعداوتك لإنسان قد تحملك على ظلمه أو عدم الشهادة له إن كان الحق له.
من هنا تقرر الآية أمراً هاما ألا وهو وجوب العدل في الرضا والغضب ونفاذ الحكم على العدو مهما كانت العداوة طالما كان الحكم أو الشاهد متقٍ لله، عز وجل، مبتعدا عن الهوى، إذ لو لم يكن كذلك ما أمرهم بالعدل مع العدو (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) إذاً فوجود العداوة ووجود البغضاء لا يمنع من الحكم فيهم، أيضا ينهانا ربنا أن يتحكم فينا الهوى فلبغضهم ولعداوتهم لنا نتبع الهوى فلا نحكم فيهم بالعدل لذا قال بعض العلماء إذا كان العدو يرتكب من الفظائع ما لا قِبَلَ لنا به أو ما يُلزمنا الهمّ والغمّ لا يصح أن يُقابل بمثل فعله فلا مُثْلة فإن مَثّل العدو بموتانا لا نمثَّل بقتلاه، وإن قتل النساء والصبيان لا نقتل نحن النساء والصبيان، إذ مقابلة الظلم بظلم عين الظلم، وربنا، تبارك وتعالى، أجاز للمظلوم أن ينتصف لنفسه وأن ينتصر لنفسه بغير تجاوز للحد بقوله، عز وجل: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)) [سورة الشورى آية: ٤١]، الانتصار بشرط عدم تجاوز الحدود (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)) [سورة الشورى آية: ٤١]، ثم يهدد ويتوعد من ظلم بقوله (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢)) [سورة الشورى آية: ٤٢]، من هنا تقرر الآية أن المسلم إذا كان في موقف القضاء وفي منصب الحكم أو الشهادة له أن يشهد على عدوه وشهادته مقبولة، وله أن يحكم على عدوه وحكمه نافذ بشرط تقوى الله والابتعاد عن الهوى (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ويكرر ربنا الأمر أمر بالعدل بالقيام لله ثم نهى عن الجوْر، ثم أمر مرة أخرى بالعدل تأكيدا لأهمية العدل في هذه الدنيا خاصة عدل الحاكم إذ الحاكم ظل الله في أرضه يأوي إليه الضعيف ويلجأ إليه المظلوم، فالقوى عنده ضعيف حتى يأخذ الحق منه، والضعيف عنده قوى حتى يأخذ الحق له (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) تهديد ووعيد بعد الأمر بالتقوى وتكرر الأمر بالتقوى في أكثر من موضع في كافة الأوامر التي شملتها سورة المائدة ها هنا يأمر ربنا، تبارك وتعالى مرة أخرى ويحذر بالتقوى (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) أي عدلكم في أنفسكم وفي غيركم يقربكم من تقوى الله، ثم يأمر مرة أخرى ويؤكد (وَاتَّقُوا اللَّهَ) ويهدد ويتوعد (إِن اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)) فيجازيكم عليه.
ويأتي تفصيل الجزاء:
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌۭ ﴿9﴾
أي لو كنتم أحباب الله ما عذبكم بذنوبكم بل غفرها لكم من هنا يعد ربنا، تبارك وتعالى، الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة ولم يبيّن، فالكلمة مطلقة والكلمة عامة وكأن الإيمان والعمل الصالح يكفّر جميع السيئات ويكفّر جميع الذنوب مصداقا لقول الله، عز وجل، في مواضع كثيرة مثل (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) [سورة النساء آية: ٣١]، إذاً فمجرد اجتناب يغفر الصغائر ولو لم يستغفر عنها العبد، ويقول في موضع آخر: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ) [سورة النساء آية: ١٤٧]، إذاً فالإيمان والشكر على النعمة يقي الإنسان عذاب الله في الدنيا والآخرة (وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)) أجر نكرة، الرب العظيم الرب الكريم الرب القادر على كل شيء يقول تارة: (أجر عظيم)، وتارة: (أجر كبير)، وتارة: (أجر كريم)، والعظيم غير الكبير غير الكريم، فهي ليست مترادفات فما في اللغة العربية من مترادفات، لكن كل كلمة تضيف معنى آخر فإذا قال ربنا، تبارك وتعالى، ووعد بالأجر الكبير والأجر العظيم والأجر الكريم إذاً فهي أجور متنوعة متعددة لا يقدر قدرها إلا الله ويستحيل على عبد مهما أوتي من فطنة أو حكمة أو فكر أو علم أن يعرف ما أعد الله، تبارك وتعالى، لأحبابه وصدق الله، تبارك وتعالى، حين يقول عما أعده للناس، بعد أن وصف الجنة ووصف الحور ووصف النعيم ووصف الأنهار ووصف الثمار، أعطى أوصافا كثيرة (وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)) [سورة الواقعة آية: ٢٢ - ٢٣]، (وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣)) [سورة النبأ آية: ٣٣]، (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)) [سورة الواقعة آية: ٣٥ - ٣٦]، (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)) [سورة الرحمن آية: ٥٨]، (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)) [سورة الرحمن آية: ٧٢]، (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [سورة البقرة آية: ٢٥]، (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)) [سورة محمد آية: ١٥]، (قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)) [سورة الحاقة آية: ٢٣]، ظلالها وارفة أوصاف، أوصاف لكنه نكّر الأجر إذ يستحيل تقديره بموازين الدنيا ويستحيل معرفة قدره بمعايير الدنيا فقال: (أجر كريم) (أجر عظيم) (أجر كبير)، ثم قال: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت في قوله، عز وجل: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [سورة السجدة آية: ١٧]، فلا تعلم نفس، نبي أو رسول أو ملك مقرَّب أو حملة العرش (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)) [سورة السجدة آية: ١٧]، ذاك وعد الله، عز وجل، لمن آمن وعمل صالحا.
ويهدد ربنا، تبارك وتعالى، الآخرين والعياذ بالله إذ بضدها تتميز الأشياء:
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ ﴿10﴾
فقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في سفره من أسفار ونزل بعسفان موضع بين مكة والمدينة وأَذِّن لصلاة الظهر وقام النبي، صلى الله عليه وسلم، وقام أصحابه فصلُّوا الظهر جميعا وبعد انتهاء الصلاة قال المشركون لبعضهم وكانوا يراقبون النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه كيف لم ننزل عليهم ونستأصل شأفتهم وهم يصلون مشغلون عنا بصلاتهم ندموا أشد الندم في أنهم لم ينتهزوا الفرصة ويهجموا على النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه فقال بعضهم لبعض لا تيأسوا ولا تندموا فعما قليل لهم صلاة أخرى فإذا قاموا لها هجمنا عليهم هجمة رجل واحد وأخذوا السلاح وتربصوا بهم صلاة العصر فنزل جبريل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ليعلمه صلاة الخوف وحين قام المسلمون لصلاة العصر صلى بعضهم مع النبي، صلى الله عليه وسلم، ووقف الآخرون بسلاحهم في اتجاه العدو ففوّت الله عليهم الفرصة نعمة، منّة، من يحمي المؤمن؟ من يعصم دم المسلمين؟ الله وكفى بالله وليا وكفي بالله نصيرا وفي يوم من الأيام اضطر النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يقترض من اليهود اضطر أن يقترض منهم ليدفع دية قتيل أو قتيلين قُتلا خطأ من أحد المسلمين فذهب إلى قريظة أو بني النضير يستقرضهم وأخذ معه الخلفاء الأربعة أصحابه الذين كانوا دائما أمامه في القتال وخلفه في الصلاة أبو بكر وعُمر وعثمان وعلى ذهب إليهم يستقرضهم فاستقبلوه أحسن استقبال وقالوا اجلس يا أبا القاسم نطعمك ونقرضك وأجلسوا النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى جوار جدار فجلست آمنا مطمئنا يحضروا الطعام ويحضروا ما طلبه من مال، وصعد أحدهم من فوق الجدار من خلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صعد وتسوّر البناء وجاء بالرحى رحى عظيمة وجاء بها على طرف الجدار كي يُلقيها على النبي، صلى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه فنزل جبريل وقال قُم يا محمد فقام النبي، صلى الله عليه وسلم، وقام أصحابه معه وانصرف مسرعا حماية عناية رعاية من يرعانا؟ من يرعى الجنين في بطن الحوامل، حادث من الحوادث وأغرب الحوادث جميعا هي غزوة من غزوات النبي، صلى الله عليه وسلم، وتُسمى غزوة ذات الرقاع كانت المسافة بعيدة وسُميت غزوة الرقاع لأن النعال بليت فأصبحوا يربطون أقدامهم بالخَرِق حتى يتقوا حرارة الشمس سيد الخلْق وأسياد القرون جميعا في الشمس في الحر حفاة العشرة لهم بعير واحد رجل يركب وتسعة يمشون، في هذه الغزوة، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُونَا، وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: (إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي، وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: اللَّهُ، ثَلاَثًا)، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ، في مثل هذه الأحداث والحوادث يقول الله، عز وجل، مذكّرا:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴿11﴾
(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)) توجيه رباني لكل مؤمن أن يجعل اعتماده وأن يكل أمره وأن يُلقي بحمله على الله الذي لا ينام ولا يسهو الذي لا يُعجزه شيء الذي يرى ويسمع، (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)) إذاً لا تعتمد على جاهك فالجاه إلى زوال ولا تعتمد على مالك فالمال إلى زوال، ولا تعتمد على سلطانك فالسلطان إلى زوال أين فرعون؟ أين قوم عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد؟ أين ثمود الذين جابوا الصخر بالوادي؟ أين قارون؟ أين كنوزه؟ أين أمواله؟ أين هامان؟ أين سلطانه؟ أين جنوده؟ في اليمّ؟ أين الحكام؟ أين السلطان؟ أين الأمراء؟ أين القواد؟ الكل إلى تراب (* مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)) [سورة طه آية: ٥٥].
استند فرعون إلى جنوده فأخذه الله وجنوده فألقاهم في اليم، استند هامان إلى سلطانه واستند قارون إلى ماله فأخذ الله قارون وكنوزه (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)) [سورة القصص آية: ٨١].
إياك أن تغتر بمنصب، إياك أن تغتر بمركز، إياك أن تغتر بزي، إياك أن تغتر بسلطان أو بسلاح، إياك أن تغتر بمساندة أحد، فالله هو الواحد الأحد، إياك أن يحملك البُغض أو تحملك البغضاء أو الكراهية أو الهوى على الظلم، إياكم والظلم فالظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب، اتقوا الله في الماء فالمرء في فسحة من دينه ما لم يُصب دما، اتقوا الله في الأعراض اتقوا الله في الأموال فكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، إياكم والدماء وتذكروا قول المصطفى، صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع يعظ الأمة وينصح: (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)، وكان يكرر كلامه ثلاثا، صلى الله عليه وسلم، حتى يُحفظ ويُعلم: (إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ)، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ قَالَ: (إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)، وكأنه هلك بمجرد النية ولم يفعل شيئا قُتل ولم يقتل ومع ذلك هلك (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)) فإن آمنت بالله حقا فكيف تستند إلى سواه، واحذر فإن من تستند إليه أو تعتمد عليه قد يكون من الظالمين فتهلك ولو لم تظلم لقول الله، عز وجل: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)) [سورة هود آية: ١١٣].
التوكل على الله والاعتماد على الله هو الشافي هو الكافي هو الناصر هو الرازق هو المحيي هو المميت هو الحامي، ربنا، تبارك وتعالى، (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)) والتوكل سبق وأن شرحناه التوكل له شروط وله نتائج، والتوكل له علامات، والتوكل معناه إلقاء الأمر بالكلية إلى الله، الأخذ بالأسباب وترك النتائج لله، وإتمام العمل بالله فترك الأسباب جهل، وترك التوكل فسق، وشرط صدق التوكل أن ترضى بالنتائج فإن عزمت على أمر وأقدمت عليه وتوكلت على الله فجاءت النتيجة بغير ما تشتهي وجب عليك أن تحمد وجب عليك أن تشكر إذ ما جاء على غير هواك جاء على إرادة الله فكيف تفضَّل ما تريد على ما يريده هو الفعال لما يريد.
وتأتي الآيات من كتاب ربنا تحدثنا عن خُلُق اليهود، تأتي الآيات تقص علينا فضائحهم، نقضهم للعهود نقضهم للمواثيق تحريفهم لكتاب الله، إيذاءهم لرسل الله، ادعاءهم بأنهم أبناء الله وأحباؤه، تأتي الآيات لتقص علينا ذلك محذِّرة منذِرة فذك ديْدَن يهود وإلى أن تقوم الساعة، ناكثون للعهود ناقضون للمواثيق، ملعونون على كل لسان إلى أن تقوم الساعة.
يقول الله تعالى:
وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًۭا ۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ﴿12﴾
النقباء: جمع نقيب، أصل الكلمة من النَقَب والنُقْب، النَقَب والنُقْب الطريق والثُقب في الجبل، وعليه فالنقيب هو الذي يدخل في شئون الناس ويتدخل فيها فهو ينقّب عن أحوالهم، فهو ضمين لهم وكفيل لهم يعرف أسرارهم ويعرف أحوالهم، ويضمن سلوكهم ويضمن كذلك تنفيذهم للعهود والمواثيق (اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) من كل سِبْط نقيب زعيم ضمين كفيل كما فعل نبينا، صلى الله عليه وسلم، ليلة العقبة حين جاء معشر الأنصار يبايعوه وكانوا سبعون رجلا وامرأتان فأخذ منهم اثني عشر نقيبا النقباء ليلة العقبة، يقول الله، تبارك وتعالى: (* وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) والميثاق العهد المؤكد باليمين، وعهد الله، تبارك وتعالى، مع العباد هو عهد بالتسليم لله والإيمان برسله وكتبه، واتباع الرسل وعدم مخالفة الرسل فيما يأمرون، ويتغير السياق (* وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) تحوّل الخطاب في هذا السياق بدلاً من أن يقول: (وبعث) (ولقد أخذ الله وبعث) قال: (وَبَعَثْنَا) للتأكيد على الاهتمام الذي أوْلاه الله، تبارك وتعالى، لهؤلاء القوم (وَقَالَ اللَّهُ) الوعد والشرط والجزاء (إِنِّي مَعَكُمْ) (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) لئن، اللام هنا للتأكيد بمعنى القَسَمْ، لكن الله أعطاهم وعدا، أعطاهم الله الوعد قبل أن يشترط عليهم فقال: (إِنِّي مَعَكُمْ) وكفى بالله وكيلا، وكفى بمعيّة الله معيّة (إِنِّي مَعَكُمْ) الجملة مؤكدة والوعد مؤكد بـ (إن) (إِنِّي مَعَكُمْ) ما هي الشروط التي تحقق معيّة الله؟ إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، من هنا نعلم أن الصلاة والزكاة كانتا مفروضتان على الأمم من قبلنا وكما جاء حكاية عن قول عيسى (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)) [سورة مريم آية: ٣١]، (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ) وإقامة الصلاة، الإتيان بها على وجهها بالنية الصادقة بالطهارة، بالاتجاه إلى القبلة إلى آخر الشروط التي تستلزمها إقامة الصلاة، أي جعلها قائمة معتدلة سليمة الأركان لا خلل فيها ولا نقص، (وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ) والزكاة طهارة ونماء للمال زكى الزرع يزكوا، نما وترعرع وكأن الزكاة نماء للأموال (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) [سورة سبأ آية: ٣٩]، و (مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ) (وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ)، أخرجتم حق الفقراء، والزكاة حق للفقراء في أموال الأغنياء والله ما ضاقت خزائنه والله ما حرم الفقراء لهوانهم عليه ولكنه جعل لهم حقاً في أموال الأغنياء يبتلي الأغنياء بذلك كيف هم في أداء الحق ويبتلي الفقراء بذلك كيف هم في الصبر على القضاء (وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي) ولم يقل وآمنتم برسولي موسى ولكن قال: (وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي) لأن الإيمان بالرسل شرط الإيمان بالله لأن من آمن برسول وكفر برسول فقد كفر (وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي) آمنتم برسلي السابقين لموسى واللاحقين على موسى (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) التعزير، النصر والإعانة مع التعظيم والتفخيم. ذاك هو التعزير ويطلق التعزير على التأديب بالعقوبات دون الحد الضرب أو الجلد دون الحد في العقوبات التي لم يرد فيها حدود يُطلق عليه التعزير لأن التعزير أي التأديب منع العاصي عن المعصية بالعقوبة أو منع غيره عن ارتكاب مثل ما ارتكب حين يرى ما نزل به من عقاب، وأصل كلمة التعزير، المنع وعزرتم الرسل، بمعنى منعتم الرسل من أعدائهم وأن تمنع الرسول من أعدائه يكون ذلك بالجهاد بنصره، بنصر كلمته بالعمل على نشر دعوته، (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) منعتموهم من أعدائهم ونصرتموهم وعظمتموهم وفخمتموهم.
(وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) أي وأنفقتم في سبيل الله ومن عجب أن يسمى الله، تبارك وتعالى، ذلك قرضا إذ هو المالك والملك، إذ هو الذي منحك الحياة وهو الذي منحك المال وحين يأمر بالإنفاق من ماله الذي استخلفك فيه يعبَّر عن ذلك بالإقراض وكأنك أنت صاحب المال وكأن الله يقترض منك مالك (وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) والقرض الحسن أي الإنفاق في سبيل الله يشترط له شروط حتى يكون قرضا حسنا.
أولا: أن يكون بنية التقرب إلى الله النية الصادقة أن تُخرج المال طيبةً به نفسك لا كرها ولا تخرج المال بضيق أن تكون النفس طيبة أن يكون المال من حلال لأن الله طيب لا يقبل إلا الطيب وألا تتبع النفقة بمنٍ أو أذى (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) [سورة البقرة آية: ٢٦٤] ذاك هو القرض الحسن النية الصادقة أن يخرج المال بطيب نفس ذاك المال، أن يكون ابتغاء مرضاة الله، أن يكون من حلال، ألاّ يُتبع بمن ولا أذى.
إن فعلوا ذلك (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) الجزاء (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) وكأن الإنسان مهما آمن بالله وبالرسل وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأقرض الله قرضاً حسناً مهما فعل ذلك لا يخلو من الهفوات، فالكمال المطلق لله والعصمة لأنبيائه والمعصوم من عصمه الله والإنسان مهما تحرّى الطاعة ومهما تحرّى البعد عن المعاصي لا يخلو من الهفوات من السيئات من الصغائر من الخواطر من هنا يعد ربنا، تبارك وتعالى، بتكفير السيئات (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ) واللامات للقَسَم وكأن الله يُقسم وهو الصادق ومع ذلك يُقسم لنا وما هو بحاجة للقَسَم سبحانه وتعالى (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي من تحت أشجارها أنهار اللبن وأنهار العسل وأنهار الخمر وأنهار الماء غير الآسن ذاك هو الجزاء وذاك هو الوعد ويأتي التهديد (فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)) فمن كفر بنعمة الله أو نقض الميثاق أو نقض العهد (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)) ولا عذر له ولا شبهة له فقد ضل سواء السبيل، والسبيل الطريق والسواء المعتدل ضل سواء السبيل انحرف عن القصد السليم.
ورغم ذلك ورغم الوعد والعهود والمواثيق يحكي ربنا عنهم فيقول:
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةًۭ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿13﴾
الإيمان بشيء أو بجزء أو ببعض والكفر ببعض كُفْر والإيمان كلٌ لا يتجزأ فكيف تزعم أنك آمنت بالله وأنت تعصيه أو تحاربه؟ كيف تزعم أنك آمنت بالله وأنت لا تقيم شرع الله؟ كيف تزعم أنك آمنت بالله وأنت تحكم بغير حكم الله؟ الإيمان كلٌ لا يتجزّأ ( وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) ومن أغرب ما قيل في هذه الآية ما قاله ابن مسعود، رضي الله عنه، الصحابي الجليل حيث قال: إن بعض العلم يُنسى بالمعصية أي إذا كان الإنسان عالما بعلوم ومنّ الله عليه بعلوم فعصى أو ارتكب بعض المعاصي نزع الله منه العلِّم أو بعض العلْم إن بعض العلم ينسى بالمعصية وصدق إمامنا الشافعي حين قال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي *** فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني أن العلم نورٌ *** ونور الله لا يُهدي لعاصي
وكيع شيخ الإمام الشافعي، ثم ينبه الله رسولنا، صلى الله عليه وسلم، وينبّه أمة محمد فيقول أصدق القائلين (وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) ولا تزال، الاستمرار استمرارية الخيانة استمرارية الغدر ولا تزال يا محمد والخطاب لسيد الخلْق، صلى الله عليه وسلم، ولأمته من بعده وإلى أن تقوم الساعة (وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ) تُفاجَأ وتشاهد وتكتشف (عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ) والخائنة كلمة لها ثلاث معان؛ خائنة خيانة كقائلة بمعنى القيلولة، خائنة، أي خائن شديد الخيانة والتاء للمبالغة كقوله رواية لراوي الحديث ونسّابة وعلاّمة فالتاء للتأكيد خائنة على تقدير محذوف على فرقة أو طائفة خائنة (وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ) أي خيانة وقوم خائنون وخائن شديد الخيانة (إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) القليل ليسوا هم اليهود وليسوا هم منهم وإنما القليل من آمن منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه (إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) أي الذين آمنوا بك واتبعوك (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) الآية تحتمل أمرين الأمر الأول أن يكون الأمر مطلقا والأمر الثاني أن يكون الأمر مقيداً بمعنى فاعف عنهم واصفح إن عاهدوك وإن استقاموا لك وإن تركوك وشأنك ولم يحاربوك فاعف عنهم واصفح إن صاروا من أهل الذمة فالكلام مقيد وليس على إطلاقه مقيد بوفائهم للعهد مقيد بتركنا وشأننا وعدم الدس بيننا وعدم محاربتنا هنا يحدث العفو والصفح ونتركهم لله يحاسبهم وقد يعني الكلام الإطلاق فاعف عنهم واصفح عموما وفي هذه الحالة حكم الآية منسوخ بآية السيف (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) [سورة التوبة آية: ٥].
وتُختم الآية بتنبيه غريب (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)) إذا كان العفو والصفح عن الكافر إحسان فكيف يكون العفو والصفح عن المسلم، يأمره بالعفو والصفح عن كفار عن ناقضي عهود عن ناكثي مواثيق عن هؤلاء اليهود الملعونين يأمره بالعفو والصفح عنهم ويقول (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)) فمن عفا عن هؤلاء الكفار فهو من المحسنين فكيف إن كان العفو عن أخيك في الإسلام تنبيه إشعار حث من الله على العفو والصفح والله هو العفو الغفور.
ويأتي الكلام عن النصارى بعد الكلام عن اليهود، النصارى جمع نصران، لكن كلمة نصران لم تأت أبداً أو لم تُستعمل أبداً إلا بياء النسب فيقال نصراني من الذي سمّاهم نصارى؟ النصارى من النصر والمقصود بالنصراني هو من نصر الله (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) [سورة محمد آية: ٧]
كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) [سورة آل عمران آية: ٥٢]، هم الذين أطلقوا على أنفسهم الكلمة ولم يطلقها عليهم ربنا، تبارك وتعالى، لأن الله يعلم ما سوف يؤول إليه أمرهم.
لذا تأتي الإشارة غاية في الدقة في قول الله، عز وجل، في أحسن الحديث: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا) [سورة الزمر آية: ٢٣] وانظر وتأمل في الإشارة في قوله، عز وجل:
وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ﴿14﴾
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) [سورة آل عمران آية: ١٠٥]، نهى بعد الأمر لكن اختلافنا وتناحرنا هذا هو الذي شجعهم هذا هو الذي أطمعهم فينا نحن في خلاف نتحارب نتصارع من أجل أمتار من الأرض من أجل توافه، من أجل الدنيا التي لفظها محمد، عليه الصلاة والسلام، ويأتون هم يصلحون بيننا ألا تري ما يفعلون في الصومال البلد الإسلامي ينتظر الزعماء المسلمون هناك أن يأتي النصراني فيجتمع الزعماء في بيته ويلتقون بالأحضان والقبلات واصطلحوا، أليست هذه مهزلة! أليست هذه معيبة! أن تعتدي دولة إسلامية على دولة إسلامية فتستغيث بالنصارى ويأتي النصارى لنصرتهم أليست هذه مهازل؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويأتي التهديد (وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)) وطالما ينبئهم إذا فسيحاسبهم لا يحكي لهم ما فعلوه فقط طالما علم ورأى وسمع وأتى بهم جميعهم لا بد وأن يحاسبهم.
رغم كل ذلك الرحمن الرحيم سبحانه وتعالى يتوجه إلى هؤلاء النافضين للعهود ويفتح لهم أبواب التوبة وأبواب الرحمة يقول لهم:
يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَـٰبٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿15﴾
يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿16﴾
(يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)).
أيها الأخ المسلم في يوم من الأيام كان نبينا، صلى الله عليه وسلم، جالسا ويجلس معه الصديق المسمَّى بأبي بكر والملقَّب بعتيق صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الغار وفي الطريق إذا نبينا، صلى الله عليه وسلم، يدفع شيئا براحتيه، ولم يكن هناك شيء وهنا تعجب أبو بكر، رضي الله عنه، صاحبه في الأسفار وأمينه في الأسرار تعجب وقال: يا رسول الله بأبي وأمي، وأنت يا رسول الله ماذا تدفع عنك ولا أرى شيئا؟ قال: (يَا أَبَا بَكْرٍ، هَذِهِ الدُّنْيَا جَاءَتْنِي بِزِينَتِهَا، فَقُلْتُ: إِلَيْكِ عَنِّي، فَقَالَتْ: أَمَا إِنْ نَجَوْتَ مِنَّي فَلَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ بَعْدَكَ).
فقد قصت علينا الآيات جرائم لأهل الكتاب كيف نقض اليهود عهدهم مع الله كيف حرّفوا كلام الله كيف كفروا بآياته فاستحقوا اللعن والطرد من الرحمة وقص علينا أيضا جرائم النصارى وكيف نسوا حظا مما ذكروا به فاستحقوا أن يُلقي الله العداوة والبغضاء في قلوبهم إلى أن تقوم الساعة، ومع ذلك يفتح ربنا، تبارك وتعالى، أبواب التوبة وأبواب الرحمة لأهل الكتاب المعاصرين لنبينا، صلى الله عليه وسلم، ولأولادهم وأحفادهم وأمثالهم إلى أن تقوم الساعة يحاورهم بالمنطق بالعقل بالحجة بالبرهان، ويفتح أبواب الرحمة لمن تاب منهم والإسلام يجب ما قبله وقد كان الله، تبارك وتعالى، قادر على إهلاكهم بما قالوه وبما فعلوه يقول الله، تبارك وتعالى، مخاطبا اليهود والنصارى:
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) ). [سورة المائدة آية: ١٥]
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) الكلام فيه رحمة واستدراج باللطف للاستماع لأن من كان أهل الكتاب فهو مُقر بوجود الله مقر ببعثة الرسل مقرٌ بالبعث مقرٌ بالحساب فلا يصح لمن كان من أهل الكتاب أن يكفر بالكتاب نزل مصدقا لما معه من الكتاب وكلمة الكتاب هنا اسم جنس (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) أي كل من كان من أهل الكتاب يهود ونصارى (قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا) ونسبهُ لذاته الشريفة رسولنا رفعة لقدر النبي، صلى الله عليه وسلم، تشريفا لذاته، صلى الله عليه وسلم، (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) هذه الآية دليل على صدق بعثة النبي، صلى الله عليه وسلم، وبرهان على صدقه في دعوته، فالكُل يعلم أنه، صلى الله عليه وسلم، كان أميا لا يقرأ ولا يكتب والخطاب لمعاصريه ولمن يجيء من بعدهم إلى أن تقوم الساعة أخبرهم نبينا، صلى الله عليه وسلم، بأمور كانوا يخفونها عن قومهم بل حتى على أنفسهم فكيف عرفها هذا العربي القرشي الأميّ؟ من أخبره بها؟ كتبهم في أيديهم هم الذين حرّفوها وهم الذين بدلّوها وهم الذين أخفوها أخبرهم بآية الرجم وكانوا يخفونها أخبرهم بما حدث لأسلافهم من مسخ، الذين مسخهم الله، تبارك وتعالى، قردة وخنازير، أخبرهم بأوصافه التي محوها من كتابهم، أوصاف النبي، صلى الله عليه وسلم، أخبرهم بقصة موسى وأخبرهم بكل ما أخفَوّه مما يدل على نبوته فمن أين له العِلْم بذلك أخبر النصارى ببشرى المسيح برسول يأتي من بعده اسمه أحمد كيف علم؟ ومن أين علم (جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ) يظهر ويوضح (مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ) بعض ما أخفوه ( وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) ويستر عليكم الكثير أو ما لا حاجة إلى توضيحه وكشفه يكفي أن يبين ما أُخفى من أدلة على نبوته ( وَيَعْفُو ) ويتجاوز ويسكت (عَنْ كَثِيرٍ) هذا في شأن النبي، صلى الله عليه وسلم والدليل على نبوته والدليل على صدقه، ثم يقول (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) النور، القرآن النور، الإسلام الكاشف لظلمات الشك والشرك والضلالة والكتاب، القرآن فهو كتاب ولم يكن كتابا بعد كانت الآيات تنزل على قلب النبي، صلى الله عليه وسلم، فيقرأها على أصحابه فيتلقونها بقلوبهم ولم يكن قد جُمع بين دفتين هذا الكتاب المعجز في نظمه في أسلوبه في بلاغته في إخباره بالغيبيات، (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) شيء واحد أو النور هو محمد، صلى الله عليه وسلم، النور الذي يخرج الناس من ظلمات الجهل إلى رحابة العلم (وَكِتَابٌ مُبِينٌ)، كتاب واضح القرآن مبين واضح بلغة عربية سليمة بلغتهم مُعجز.
( يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)) [سورة المائدة آية: ١٦]
(يَهْدِي بِهِ اللَّهُ) (به) لم يقل (بهما) وحّد الضمير إذاً فالنور هو القرآن والكتاب هو القرآن، أو إذا كان النور هو محمد، صلى الله عليه وسلم، وهو نور لا شك في ذلك وقد كان دائما يدعو (اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي قَلْبِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَعَنْ أَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا) فإن كان كذلك فقد وحد ربنا الضمير (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ) وهما اثنان محمد، صلى الله عليه وسلم، والقرآن وكأن محمد والقرآن شيء واحد وكأنهما شيء واحد فهو الرحمة المهداة والنعمة المسداة وقرآن الله كذلك هو رحمة ونعمة.
(يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)).
ربنا، تبارك وتعالى، يهدي من يشاء ويضل من يشاء ومشيئة الله، تبارك وتعالى، لا تعني أن الله يظلم الناس فيُضّل الناس أو يُضل الضلاَّل بغير ذنب اقترفوه، وإنما ربنا، تبارك وتعالى، يهدي من أراد الهدى كقوله (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) فإن أردت الهدى وألقيت بسمعك وفتحت قلبك لكلام الله وفّقك وهداك وإن أصم أذنيه وأغمض عينيه وأغلق قلبه أضله الله بفسقه وبما جنته يداه (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [سورة فصلت آية: ٤٦] لذا يقول الله، تبارك وتعالى: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ) يهدي بمحمد، صلى الله عليه وسلم، ويهدي بالقرآن (مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ) أي من أراد الطريق إلى رضا الله، عز وجل، والرضا لمن يرضى من أراد رضا الله هداه (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ) السُبل، جمع سبيل والسبيل: الطريق السلام ربنا، تبارك وتعالى، هو السلام سبُل السلام أي يهديه إلى طريق الله السلام، السلامة في الدنيا والسلامة في الآخرة السلام، مقام ودرجة وجنة، دار السلام، يهديه إلى الطريق الموصل إلى دار السلام الجنة المنزّهة عن كل آفة والمؤمِّنة من كل مخافة (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ) السلام من الآفات في الدنيا، والسلامة من العذاب والسؤال والعتاب في الآخرة (وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ) يُخرج هؤلاء الذين اتبعوا رضوانه الذين أرادوا الهدى (مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) الظلمات جمع والنور مفرد لأن طريق الله واحد وأما الضلالات كثيرة والجهالات متعددة وطرق الضلالة لا عدّ لها ولا حصر وطريق الله واحد من هنا قال: (وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ) ظلمات الجهل ظلمات الشرك ظلمات العصيان (إِلَى النُّورِ) إلى نور الله، تبارك وتعالى، وإلى طريق هداه ينوِّر بصائرهم ما لا يراه غيرهم ويفهموا مالا يفهمه غيرهم وكأنهم يرون يوم القيامة ويروْن الحشر وكأنهم يرون العرش وما حول العرش ويخرجهم من الظلمات إلى النور (بِإِذْنِهِ) بتوفيقه بإرادته لأنه هو الفعال لما يريد (وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) المستقيم أقصر الطرق الموصّل للهدف أي يهديهم إلى أقصر الطرق وأقوم الطرق وأعدل الطرق التي تؤدي إلى رضا الله، تبارك وتعالى، باب توبة باب رحمة مفتوح فيه دليل على نبوة محمد، صلى الله عليه وسلم، وفيه دليل على أن ما جاء به حق وصدق وفيه دليل على أنه لم يأمرهم بمعصية لم يأمرهم بضلالة لم يأمرهم بعبادته لم يأمرهم بشرك لم يأخذ منهم أموالا لم يتسلّط عليهم بسلطان لم يطلب جاها ولا مالاً وإنما أراد أن يهديهم إلى سواء السبيل باب مفتوح لكل من يعقل.
ويأتي الحوار بالمنطق وتأتي الحجج الدامغة والكشف لضلالات النصارى:
لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿17﴾
(يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)) فقد خَلَق من غير أصل، كان الله ولم يكن شيء كان الله هو الأول ولم يكن معه شيء فخلق الوجود خلق السموات من أي شيء؟ من لا شيء، إذاً فهو قدير على أن يخلق من غير أصل قدير على أن يخلق من أصل وحين يخلق من أصل إن شاء خلق من جنس الأصل ومن غير جنس الأصل، فخلق السموات والأرض من غير أصل ولم يكن هناك شيء، ثم خلق آدم من أصل لكنه ليس من جنس الأصل فقد خلقه من تراب أتجد نفسك ترابا؟ أتجد هذا اللحم والعظم والعروق والدماء والأعصاب والتفكير كل ذلك أتجده ترابا إذاً فقد خلق من أصل لكنه من غير جنسه فخلق آدم من تراب، ويخلق من أصل من جنسه فخلقك من أب وأم فأنت من جنس الأصل خلق حواء من آدم وخلق آدم من تراب، ثم خلق الناس من حواء وآدم فهو يخلق ما يشاء وكيف شاء ويخلق من أصل ويخلق من غير أصل وحين خلق من جنس الأصل نوّع فخلق حواء من آدم من أب فقط وبغير أم وخلق عيسى من أم ومن غير أب ثم خلق الناس من أب وأم (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧))، أيها الأخ المسلم آيات واضحات بينات لا يغفل عنها إلا جاهل ولا يعارضها إلا معاند، فاتقوا الله وصححوا عقائدكم وسلوه أن يهديكم إلى سواء السبيل وأن يجعلكم ممن يتبعون رضوانه.
فمن أعجب ما ادعته اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه وحين خاطب بعض الأنصار جيرانهم من اليهود وحذروهم وحين حذرهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من عقاب الله زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه وبالتالي فلن يعذبهم كيف يعذب الإله أبناءه! كيف يعذب أحبابه والحبيب لا يعذب حبيبه فتأمل واستمع، استمع إلى قول الحق، يقول الله تبارك وتعالى:
وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴿18﴾
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [سورة الأعراف آية: ١٥٧] يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء من كفر ومات على كفره، ( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)) تأكيد مرة ثانية على أن الملك لله وحده وعلى أنه يملك في السموات وما في الأرض وأنه الملك وأنه الحكم العدل (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)) فيحاسب ويثيب ويعاقب.
ثم يتوجه الخطاب مرة أخرى لأهل الكتاب بعد هذه الحجج وهذه البراهين:
يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍۢ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍۢ وَلَا نَذِيرٍۢ ۖ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌۭ وَنَذِيرٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿19﴾
والنذير، المنذر الذي يُنذر العاصين والكافرين بعذاب الله حتى لا تقولوا هذا في يوم القيامة ألزمكم الحجة بأن أرسل إليكم البشير والنذير محمد، صلى الله عليه وسلم، (فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ) محمد، صلى الله عليه وسلم، (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)) [سورة الأحزاب آية: ٤٥ - ٤٦].
(وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)) يرسل من يشاء إلى من يشاء وقتما يشاء.
أيها الأخ المسلم هناك أمر يجب الإيمان به إيمانا راسخا لا يتزعزع ألا وهو أن الله، تبارك وتعالى، ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب إلا بطاعته، والناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة.
فعَوْدٌ إلى جرائم اليهود، عودٌ إلى شعب وأمة فضّلها الله، تبارك وتعالى، على سائر الأمم في زمانهم أكرمهم وحفظهم ونصرهم وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين، وكلما منّ الله عليهم بنعمة قابلوها بعصيان وفتنة قابلوا نعم الله، تبارك وتعالى، بالكفر والعصيان بدلاً من الشكر والعرفان عودٌ إلى جرائم اليهود الملعونين على كل لسان إلى أن تقوم الساعة قتلة الأنبياء ناقضوا العهود والمواثيق، استعبدهم فرعون وسخرهم وقتل أبناءهم واستحيا نساءهم، ومنّ الله عليهم بموسى وآتاه من الآيات ما لم يؤت غيره العصا , اليد , فلق البحر , نجّاه ربنا، تبارك وتعالى، وقومه من فرعون وجنوده ورأى بنوا إسرائيل بأعينهم رأوا موسى يضرب البحر بعصاه فينفلق فإذا بكل فرقٍ كالطود العظيم طُرُق في البحر والماء مرتفع كالجدار اثنا عشر طريقا وفي الماء طاقات مفتوحة يرى كل أهل طريق إخوانهم عن اليمين وعن الشمال، وما كادت أقدامهم تجف من ماء البحر حتى قالوا لموسى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ) [سورة الأعراف آية: ١٣٨]، نجّاهم الله، تبارك وتعالى، من فرعون وأورثهم الأرض وأورثهم مصر أورثهم كنوز فرعون، أورثهم نعمة كانوا فيها فاكهين، ثم أمر الله، تبارك وتعالى، موسى أن يتوجه إلى الشام إلى بيت المقدس بقومه ينشروا دين الله يرفعوا راية الإسلام تلك البقعة المباركة المقدسة التي طُهرت باستقرار الأنبياء وسكنى المؤمنين فيها وهنا اختار موسى من قومه اثني عشر نقيبا (* وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) [سورة المائدة آية: ١٢] والنقيب زعيم طائفة عريف قوم يعرف أخبارهم ينقل آراءهم ينقل إليهم أوامر موسى، يفتش عنهم من العقْب، اختار موسى اثني عشر نقيبا وأمرهم بالتوجه إلى بيت المقدس والأخذ بالأسباب من سنة الأنبياء نعم إن الله ينصر من يشاء لكن الله أمرنا بأن نستعد وأن نأخذ الأسباب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) [سورة النساء آية: ٧١]، وقال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) [سورة الأنفال آية: ٦٠].
أمرهم موسى أن يذهبوا ويتجسسوا ويتحسسوا أخبار القوم، هؤلاء العماليق من بقايا قوم عاد الذين استولوا وسكنوا الأرض المقدسة، ذهب النقباء وأُمروا أن يكتموا الخبر فوجئوا بعِظَم أجسام هؤلاء القوم ورُويت روايات كثيرة كلها من الإسرائيليات التي تبرر خوف بني إسرائيل كقول أحدهم في بعض الكتب: إن هؤلاء العماليق كان الرجل منهم يأخذ النقباء في كُمِّه مع فاكهة كلها أغاليط وكلها إسرائيليات تهوّل من شأن القوم، ذهب النقباء وفوجئوا بقوة أجسامهم وضخامة أحجامهم، عادوا واتفقوا على أن يكتموا الخبر عن قومهم ويخبروا موسى، وحين وصلوا نقض عشرة منهم العهد فأذاعوا الخبر بين بني إسرائيل ولم يكتم منهم سوى اثنان فقط من النقباء اثنان فقط حافظوا على العهد ولم يخبروا أحداً من قومهم وعشرة خانوا العهد ونقضوا الميثاق وخوفوا بني إسرائيل وسارت الإشاعة عن هؤلاء القوم أُمروا أن يذهبوا إليهم ويخرجوهم.
ويحكي ربنا، تبارك وتعالى، القصة في إعجاز فيقول عز من قائل:
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًۭا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿20﴾
يَـٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ ﴿21﴾
(كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) أي كتبها لكم وجعلها من نصيبكم إن آمنتم وأطعتم وليست من نصيبهم على التأبيد لأنه حرمها عليهم بعد ذلك، أو كتبها لكم بمعنى كتبها عليكم أي فرض عليكم دخولها (وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ) لا ترجعوا إلى مصر لأنهم حين علموا بنبأ العماليق والجبارين تشاوروا وقرروا أن يؤمروا عليهم أحداً منهم ويعودوا إلى مصر حيث الدعة والأمن والأمان بعد غرق فرعون وقومه، (وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ)، لا تعودوا والدُبر خلف الرجل كأنه يستدير (فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١)) فتخسروا بهذا الرجوع إلى مصر تخسروا رضوان الله تخسروا الأرض المقدسة أو (وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ) من الطاعة إلى العصيان (فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١)) فتخسروا الدنيا والآخرة بعصيان رسولكم وبعصيان الله، تبارك وتعالى.
قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًۭا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ﴿22﴾
فكانوا يقولون: يا رسول الله، يا نبي الله، بأبي وأمي أنت يا رسول الله، هؤلاء نادوْا موسى باسمه مجردا دلالة على سوء أدبهم (إنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ) الجبار من الجَبْر الجبار من يقهر غيره ويُكرهه على ما يريد ذاك هو الجبار المعتز بنفسه المعتز بقوته يقهر الناس ويُكرههم على ما يريده هو لا ما يريدون (وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا) وانظر إلى التأكيد في العصيان (وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا) أي بغير قتال يخرجوا منها من تلقاء أنفسهم استحالة كيف يخرج أناس من ديارهم من تلقاء أنفسهم دون حرب كيف يحدث هذا؟
(فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا) وذاك حرف الشك إن حرف شك شرط فيه الشك (فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)) تعودوا على التدليل فكم دللهم ربهم سبحانه وتعالى، أبَعْدَ أن يقولوا لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة؟! أَبَعْدَ أن يقولوا هذا وغير هذا من أقوال وجحود.
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿23﴾
(إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ) [سورة آل عمران آية: ١٦٠]، الإيمان يأتي بالثقة، الإيمان يأتي باليقين، الإيمان تصديق بوجود الله تصديق بصفات الله، تصديق بقدرة الله تصديق بوعد الله ذاك هو الإيمان فإن كنت مؤمناً حقاً فلا بد من أن تتوكل على الله.
واسمع لرد بني إسرائيل بعد هذه المقالة النيّرة وهذه النصيحة المضيئة وهذا التذكير بالله:
قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًۭا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ ﴿24﴾
(فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ) ولم يقولوا ربنا ربك أنت إن كنت رسولا وإن كان لك رب حق، ومن سوء الأدب وبشاعة المقالة أنهم نسبوا لله، تبارك وتعالى، الحركة والانتقال (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ) أي وربك يذهب معك، وكأن الله، تبارك وتعالى، يذهب ويجيء والحركة والانتقال لا تصح في ذات الله، عز وجل، المنزه عن المكان والزمان، المنزه عن الحركة والانتقال، ولذا كفّرهم بعض العلماء بهذه المقولة لأنهم أجازوا على الله ما لا يصح ولا يجوز، وبعض الناس أراد أن يتلطف لهم فقال هم يقصدون اذهب أنت وربك يعينك، أيا كان فلا شك أن المقالة غاية في الجرأة والوقاحة وسوء الأدب والتمرد والعصيان تمرد وعصيان (إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا) قرار يقرروها (إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا) وربنا يأمرهم بالدخول (إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)) وهنا لجأ موسى إلى ربه هو المستعان وعليه التكلان.
قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى ۖ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴿25﴾
نعم لجأ موسى إلى الله (رَدِفَ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥)) (فَافْرُقْ)، فافصل سأل موسى ربه أن يفصل بينه وبين قومه بينه وبين الفسقة، إما فصلا في الدنيا، وإما فصلا في العمل فيعصمه ويعصم أخاه من العصيان الذي وقع فيه قومه، وإما طلب الفصل يوم القيامة يوم الفصل فلا يكون مع قومه الذين عصوا الله ورسوله في النار، فَافْرُقْ بَيْنَنَا) فاحكم بيننا فافرق من الفرق والفرقان: القرآن الذي فرق بين الحق والباطل (فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥)) دعاء أجيب في التو واللحظة، يتوقف الموقف بعد ذلك على الدعوة فإن كان الفصل في الدنيا فقد نجا موسى وهارون من التيه إذ حدث الفصل وعوقبوا هم بالتيه ولم يكن موسى وهارون في التيه أبدا، وإن كان الفصل أي لا تجعلنا معهم في عصيانهم فذاك أمر حدث باستمرار موسى وهارون على الطاعة والعصمة، وإن كان الأمر هو طلب الفصل في الآخرة فلا شك أن الله، تبارك وتعالى، يفصل يوم القيامة ويحكم يوم القيامة ويعطي كل إنسان ما يستحقه.
جاء رد الله، تبارك وتعالى، على موسى في التو واللحظة:
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴿26﴾
(يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)) التيه والتوهان تَاهَ يتيه ويتُوه توهاً وتيهاً تحيّر وتردد توهه غيره حيّره والتيه الأرض المضِلَّة التي يضل فيها السائر ولا يعرف أين يتوجه (يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) فكانوا يسيرون طوال الليل ويصبحون فإذا هم قد عادوا إلى مكانهم الأول، أربعون سنة يتيهون في الأرض حكم قاس؟ أبداً، حُكم فيه اللطف لأن الله لو أراد أن يعاقبهم بحق لأهلكم ولخسف بهم الأرض ولأغرقهم كما أغرق فرعون، أو سلّط عليهم ريحا كما سلّطها على عاد، لكنه حكم عليهم بالتيه فقط، وانظر إلى اللطف أهو اللطف أم هي بركة وجود موسى وهارون، فالأرجح أن موسى وهارون كانا مع قومهما في التيه ومات هارون في التيه، أما موسى فمختلف فيه هل مات في التيه؟ وطلب من الله، تبارك وتعالى، أن ينقله برمية بحجر من بيت المقدس فنقل جسمه، أم مات بعد ما دخل بيت المقدس، إذ من الثابت أنهم دخلوا بيت المقدس بعد ذلك إما مع موسى وإما مع يوشع أحد النقيبين اللذين ثبتا لم ينقضا العهد ونُبئ وأصبح نبيا وأخبرهم موسى بذلك موته أيا كان، نحن نريد أن نتأمل ونتدبر في لطف الله، تبارك وتعالى، لم يخسف بهم الأرض، لم يهلكهم، لم تأخذهم صاعقة من السماء، لم يرسل عليهم الطير الأبابيل، خسف بقارون لأنه قال: (إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) [سورة القصص آية: ٧٨].
أغرق فرعون، سلّط على عاد الريح الصرصر في أيام نحسات، فعل وفعل بثمود وعاد، لكن الله حكم عليهم بالتيه فقط لُطف أيضا في هذا التيه صحراء قاحلة لا زرع ولا ضرع من أين يأكلون ومن أين يشربون، فأنزل الله عليهم المنّ والسلوى الطائر ينزل إليهم طواعية فيأخذوه ويأكلوه لا يتعبون في صيده لا مشقة في تحصيله بل ينزل إليهم في حجورهم فيأخذوه ويأكلوه، وأنزل عليهم كذلك العسل الشراب الطيب الطاهر الحلو المنّ والسلوى فكانوا يجدون المن على أغصان الأشواك والأشجار، أيضا كانوا يشربون من الحجر الذي يحمله موسى معه فكلما عطش القوم ضرب الحجر بعصاه فانفلقت منه اثنتا عشرة عينا، (فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) [سورة الأعراف آية: ١٦٠]، يأكلون ويشربون دون مشقة دون جهد، في الصحراء لا توجد ظلال لا توجد البيوت ولا توجد الأشجار الوراقة فكيف يستظلون من حر الشمس؟ أربعون سنة كان الغمام يظللهم في النهار، (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) [سورة البقرة آية: ٥٧].
يظللهم ربنا، تبارك وتعالى، بالغمام في النهار وينزل عليهم المن والسلوى وفي الليل ماذا يفعلون؟ يُنزل لهم ربنا من السماء عمودا من النور يضيء لهم طريقهم لطف، أهو لطف بالعصاة أم لأنهم تابوا وتاب الله عليهم! أم لوجود موسى وهارون معهم وبركة الأنبياء لا شك فيها وبركة الصالحين كذلك هذا من لطف الله، تبارك وتعالى، أربعين سنة يتيهون في الأرض ويسرّي ربنا، تبارك وتعالى، عن موسى قائلا له:
(فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)) أسى يأسى أسىً حزن لا تأس، لا تحزن وكأن موسى أصابه الحزن على قومه هؤلاء الذين كلما جاءتهم النعمة قابلوها بالكفران ولم يقابلوها بالشكر والعرفان (فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)) نسبهم ربنا، تبارك وتعالى، إلى الفسق والفسق يُطلق على العاصي بمعنى فسق أي خرج فسقت الرُطبة إذا تفسخت الرطبة وخرجت من قشرتها يُقال فسقت الرطبة والخارج عن طاعة الله خارج عن لباس التقوى الذي أخبرنا به ربنا: (قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) [سورة الأعراف آية: ٢٦]، فالخارج عن طاعة الله كأنه خرج عن لباس التقوى كما خرجت الرطبة عن قشرتها، فيقال للخارج عن طاعة الله فسق كما تُطلق الكلمة أيضا على الكافر، من هنا نسبهم ربنا، تبارك وتعالى، إلى الفسق فهُم إما فسقوا، وإما كفروا، والأرجح أنهم فسقوا، لأنهم لو كفروا ما صاحبهم موسى أو لو كانوا قد كفروا بمقالتهم: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا) [سورة المائدة آية: ٢٤]، فقد عادوا وهادوا وتابوا كما عبدوا العجل وكفروا بعبادتهم العجل ثم تاب الله عليهم بعد ذلك (فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)) ظلوا في التيه، ومن الأقوال أنهم لم يدخلوها أبدا وماتوا جميعا في التيه ما عدا النقيبين وموسى، أما هارون فمات في التيه، بل من جرائمهم حين مات هارون اتهموا موسى بقتله، وقيل بل الذي دخل أولادهم بقيادة يوشع من نُبئ بعد موسى، أو بقيادة موسى الأمر في كل هذا لا يعنينا، فالقرآن ليس كتاب تأريخ، وإنما يعنينا العبرة وتهمنا العظة والتدبر في آيات الله، تبارك وتعالى، كي نخرج بفائدة ما هي فائدة القصة؟
أولا: يسرِّي ربنا، تبارك وتعالى، عن حبيبه المصطفى، صلى الله عليه وسلم، إن كنت تحزن من معاملة اليهود لك، إن كنت تأسى على نقضهم المواثيق والعهود، فانظر كيف فعلوا بنبيهم ورسولهم الذي بُعث منهم والذي أُجريت على يديه المعجزات وجاءتهم على يده البركات، فإن كانوا فعلوا بموسى ذلك إذاً فما فعلوه معك لا يُقاس بما فعلوه مع موسى فالقصة تشريع وتسلية لنبينا، صلى الله عليه وسلم، أيضا لا بد وأن القصة طالما هي في القرآن وطالما يُتعبد بتلاوتها وطالما هي قائمة إلى أن تقوم الساعة فهي عظة وعبرة لأمة محمد، صلى الله عليه وسلم، فربنا، تبارك وتعالى، يعرفنا باليهود، ولو نظرت في القرآن لوجدت سيرة اليهود وذكرى اليهود كثيرا ما تكررت لم تكرر قصة يوسف هي مرة واحدة، تكررت قصة نوح في بعض المواضع، تكررت بعض القصص في بعض المواضع، لكن التأكيد والتكرير والحكاية عن بني إسرائيل في القرآن كثيرة، أكثر من غيرها مرارا، وكأن الله، تبارك وتعالى، يُعْلمنا بأن العدو الأبدي الأزلي هم اليهود لا تأمنوا لهم، لا تثقوا بعهودهم لا تطمئنوا لمواثيقهم فقد نقضوا المواثيق مع الله حتى أنه قال لنا (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) [سورة المائدة آية: ١٣] اليهود الملعونون على لسان كل نبي إلى أن تقوم الساعة لعنهم الله ربنا، تبارك وتعالى، يحكي ويقول: (لَعَنَهُمُ اللَّهُ) [سورة البقرة آية: ٨٨]، فهل يصح أن نأمن لهم أو نثق في عهودهم ومواثيقهم بعد كل هذه الحكايات التي يحكيها أصدق القائلين، عز وجل، ربنا، تبارك وتعالى، هو الذي يحكي لنا عن اليهود وعن مآسيهم وعصيانهم وتمردهم ونقضهم للعهود وقتلهم الأنبياء وافترائهم على الله وقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه كيف نثق فيهم؟ كيف نثق في عهودهم كيف؟ أيها الأخ المسلم أن تتسول السلام وأن تستجدي الأمان، وأن نثق في الخائن الذي درج على خيانة وورثها من أسلافه، فأنت مسكين، ربنا، تبارك وتعالى، رسم لنا طريق السلام إن كنتم تريدون السلام والأمان رسمه الله لكم حيث قال: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)) [سورة الأنفال آية: ٥٨]، وقال (فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)) [سورة الأنفال آية: ٥٧]، وقال (خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)) [سورة النساء آية: ٧١]، وقال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) [سورة الأنفال آية: ٦٠]، فالسلام يأتي مع الخونة حين يرى الخائن أنك قوي تستطيع أن تؤدبه إذا لزم الأمر، أما أن يراك ضعيفا هزيلا متشتتاً متفرقا ليس أمركم جميع أمم شتى متفرقون مختلفون متباغضون متباعدون، فكيف يعطيكم السلام، ولم يعطيكم السلام وأي سلام هذا وهو يطعمك ويسقيك، أي سلام هذا، أيها الأخ المسلم الجهاد في سبيل الله مشروعٌ إلى يوم القيامة، مأمور به إلى يوم القيامة، فرض كفاية إلى يوم القيامة، وقد يتحول من فرض الكفاية إلى فرض العين إذا لزم فيتعين الجهاد على الجميع.
أيها الأخ المسلم يقول النبي، صلى الله عليه وسلم، محذرا: (يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا) قالوا أمن قِلة نحن يومئذ يا رسول الله (قَالَ: أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ) ألف مليون مسلم سُدس سكان العالم صدقت يا رسول الله (وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ) هل رأيت السيل، هل رأيت النهر يجري، هل رأيت ماء الترعة يجري في أوقات الفيضان، هل رأيت ما يحمله الماء؟ قش وقَذَى وقَذَر أشياء يحملها الماء على سطحه في جيرانه لا قيمة لها ولا يبالي بها إنسان، هكذا الوصف (وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، تُنْتَزَعُ الْمَهَابَةُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ) قالوا وما الوهن يا رسول الله (قَالَ: حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ)، فبعد أن حكى القرآن عن بني إسرائيل حكى عنهم تعنتهم، حكى عنهم سوء أدبهم، حكى عنهم مراجعتهم لموسى عليه السلام، يأمر ربنا، تبارك وتعالى، نبيه، صلى الله عليه وسلم، أن يقص عليهم قصة ابني آدم، تلك القصة التي لم يعلمها نبينا، صلى الله عليه وسلم، إلا من الوحي وهي عندهم مكتوبة في التوراة، استمرارا للتدليل على صدق نبوته، صلى الله عليه وسلم، قصة ابني آدم قصة أول جريمة ارتُكبت في الأرض، قصة أول حسد حدث في الأرض ولكنه ليس الأول في الوجود فقد سبقه حسد إبليس لآدم، فأول جريمة ارتكبت في السماء كان سببها أيضا الحسد، فقد حسد إبليس آدم على تكريم الله له وأول جريمة ارتكبت في الأرض كان سببها أيضا الحسد، آدم رزقه الله، تبارك وتعالى، بحواء جُعلت له سكناً وأُنساً، وكانت كلما حملت ولدت توأماً ذكراً وأنثى وقد قضى الله، تبارك وتعالى، أن يتزوج الذكر من هذا البطن من الأنثى من البطن الآخر ولا يتزوج من توأمته ذلك قضاء الله، وحدث أن أراد آدم أن يزوّج ابنه هابيل من توأمة أخيه قابيل، وأن يزوج قابيل من توأمة أخيه هابيل، فأطاع هابيل وانصاع لأمر أبيه، ورفض قابيل فقد كانت توأمته أجمل من الأخرى أو هكذا زَيْنت له نفسه، وحين وعظه أبوه لم يتعظ وحين زجره لم ينزجر، فطلب منهما آدم أن يقربا قربانا فأيهما قُبل قربانه تزوج بمن يشاء، وكان هابيل صاحب غنم كما قيل وكان قابيل صاحب زرع، فقدم قابيل أسوأ ما عنده وقدم هابيل أحسن ما عنده، فتُقُبل قربان هابيل وعلامة القبول للقرابين في ذلك الوقت هو نزول نار بيضاء من السماء تأخذ القربان تأكله أو تأخذه أو تخفيه فيتلاشى، تلك كانت العلامة فتُقُبل قربان هابيل ومع ذلك لم يرض قابيل بحكم الله وازداد غضباً وازداد حسدا لأخيه وقرر قتله، يقول الله تبارك وتعالى:
وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًۭا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿27﴾
(قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ)، لجأ إلى حيلة العاجز، القتل، التخلص من أخيه، صلة الرحم لا أثر لها في نفسه أقرب الناس إليه وأحق الناس بمودته، وأقرب الناس من صلته وأجدر الناس بدفع الأذى عنه.
(قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)) وكأن الكلام فيه حذف، اختصار بالحذف، وكأن حوارا قد دار بينهما (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)) أي لم تقتلني أو ما ذنبي في أن يُقبل قرباني ولا يُتقبل منك قربانك ما ذنبي في هذا وإنما ربنا، تبارك وتعالى، يتقبل الطاعة من الأتقياء (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)) إذاً فعدم قبول قربانك هو أنك لست متقياً لله ولست من المتقين ولا ذنب لي في هذا فلِمَ تحمّلنّي جريرة عملك وسوء نيتك، ثم يقول بعد ذلك.
لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍۢ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿28﴾
أيضا لم توقف هابيل عن الدفاع عن نفسه؟ هذه الآية اختلف فيها العلماء: (لَئِنْ بَسَطْتَ) وبسط اليد وبسط اللسان مدُه بالأذى (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ) والتعبير اللغوي في الآية مُلفت للنظر حيث القياس بعقولنا (لئن بسطت إلىّ يدك لتقتلني فلن أبسط يديّ إليك) فحين تغير الأسلوب (مَا أَنَا بِبَاسِطٍ) وكأنه يتبرأ تماما من أن يوصف بذلك أو أن يرتكب ذلك وأكد التبِّري بالباء (مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ).
فقال العلماء: معنى ذلك أن الدفاع عن النفس لم يكن مشروعا في وقتهم، وعلى التقيّ أن يتقبل أن يُظلم ولا يظلم ولا يرفع يداً أو سيفا أو سلاحا في وجه أحد من الموحدين، ولم يشرع الدفاع عن النفس إلا بعد ذلك من هنا نفى عن نفسه بسط اليد للقتل، وقال بعضهم بل كان الدفاع عن النفس مشروعا وإنما تحرّج من القتل وتحرّج من الإثم، ومعنى الكلام إن بدأت أنت ببسط يدك لقتلي لن أكون أنا البادي وتم القتل وهو نائم استغل الظالم نوم أخيه فشج رأسه بحجر قيل هذا، وقيل كلام كثير في هذه الآية حتى أنهم قالوا ونسبوا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، قوله: (كُنْ عَبْدَ اللهِ الْمَقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللهِ الْقَاتِلَ) (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)) ذكّره بالله ذكّره بصلة الرحم سَالَمَه بيّن له الخوف من الله وهو الذي ردعه وهو السبب في عدم دفاعه عن نفسه خشية أن يكون ظالما لأخيه، أو لم يكن الدفاع عن النفس قد شُرع عندهم في ذلك الوقت، أو بمعنى إن بدأت أنت فلن أكون أنا البادئ معان مختلفة.
إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿29﴾
فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ﴿30﴾
لكنه لم يدرِ ماذا يفعل بجثة أخيه، فهو أول ميت في الأرض إذ لم يمت قبل هابيل أحد من بني آدم، ولم يكن الدفن معهودا، تحيّر فيه وقيل إنه حمله على عنقه سنة يجوب به القفار لا يدري ماذا يفعل، قيل هذا، المهم أراد الله، تبارك وتعالى، أن يسن لنا الدفن ورحمة الله، تبارك وتعالى، واسعة:
فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًۭا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ ﴿31﴾
يقول الله، عز وجل، بعد هذه القصة:
مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴿32﴾
(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)) [سورة النساء آية: ٩٣] وكأن الجزاء لقاتل النفس هو الجزاء لقاتل الناس جميعا، وقيل بل سن القتل وسهله وجرأ الناس عليه (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) وقيل بل هو التغليظ الذي نزل على بني إسرائيل لوضع المهابة في قلوبهم للنفس البشرية ولحرمة الدماء، (وَمَنْ أَحْيَاهَا) المحيي والمميت هو الله من هنا القاتل لم يُمت القتيل وإنما أفسد الجسد وآخذ الروح حوادث فظيعة ينجو منها أناس، وكم من حوادث بسيطة يهلك فيها أناس، إذا فالمحي والمميت هو الله وإنما نُسبت الإماتة والإحياء إلى الإنسان باعتبار السببية فالقاتل يتلف جسد القتيل، أما قابض الروح هو الله (وَمَنْ أَحْيَاهَا) كيف يحي الإنسان نفساً، قيل يحيي الإنسان نفساً بالعفو بمعنى أنك لك الحق في القصاص قُتل لك قتيل وأُخذ القاتل وحكم عليه بالقصاص فأنت تعفو عنه وترضى بالدية والإحياء في معناه الأشمل هو الاستنقاذ من كل هلكة بمعنى رأيت رجلاً يغرق فأنفذته، رأيت رجلا يحرق فأنقذته، عفوت عن حقك في القصاص أحييته، وهكذا يؤخذ معنى الإحياء (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) وكأن الثواب عاد عليه كما لو كان أحيا الخلائق جميعا، (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، كُتب ذلك على بني إسرائيل وعلى بني إسرائيل بالذات، ومع ذلك مع هذا التهديد والوعيد والحكم والقضاء والذي نزل مكتوبا لأول مرة جاءت الرسل ( وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ) رسل ورسل كثيرة وعدد الرسل والأنبياء في بني إسرائيل يفوق الحصر وذكّرهم موسى بذلك (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا) [سورة المائدة آية: ٢٠].
(جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ) بالمعجزات فماذا حدث؟ قتلوا الأنبياء وتصور قوما يقتلون أنبيائهم، وهمّوا بصلب المسيح عيسى ابن مريم وزعموا أنهم صلبوه وما قتلوه وما صلبوه (ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ) بعد ذلك بعد التهديد بعد الوعيد بعد الرسل بعد البينات بعد كل ذلك (فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)) والإسراف تجاوز الحد في الباطل، الإسراف التعدي وتجاوز الحق وتجاوز حد الاعتدال في كل شيء ( ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)) وذاك حكم الله عليهم وذاك خبر الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
أيها الأخ المسلم الملفت للنظر وكما قلنا من قبل القصص عن بني إسرائيل في القرآن ما أكثره، ما أكثر القصص عن بني إسرائيل وما أكثر التهديدات التي نزلت في شأنهم، وما أكثر الحكايات عن عصيانهم وتمردهم وتجرؤهم على الله حين قالوا لموسى:
(لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) [سورة البقرة آية: ٥٥]، وحين قالوا لموسى ولم تكد أقدامهم تجف من البحر (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ) [سورة الأعراف آية: ١٣٨]، (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ) [سورة البقرة آية: ٦١] عدم الرضا بقضاء الله العديد من الانتهاكات لشرع الله العديد من الجرائم والقصص يتكرر في سورة البقرة في سورة آل عمران في سورة النساء في سورة المائدة، وكأن القرآن لم تخل منه سورة تتحدث بعض الآيات فيها عن جرائم هؤلاء القوم هم أصل كل بلاء وهم أصل كل داء، ومسالمة هؤلاء لا تفيد ولا تأتي بجديد، وربنا، تبارك وتعالى، ينبه أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، لعدوهم الأكبر إن لم يكن عدوهم الوحيد ويذكرنا ذلك بقوله، عز وجل:
(* لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) [سورة المائدة آية: ٨٢]، والحل الوحيد هو اتباع شرع الله هو تحكيم شرع ربنا، تبارك وتعالى، بين الناس، هو العمل بنصيحة القرآن، (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) [سورة الأنفال آية: ٦٠]، ذاك هو الحل الوحيد أما إذا دعت ظروف ضعف الأمة وتشتتها وتفرقها واختلافها وإيثارها للدنيا على الآخرة، فإذا دعت الظروف للمهادنة أو المسالمة فلا بأس بشروط وهي أن تعلم أنك إن كنت تهادن وتسالم فإنك تهادن وتسالم عدوا يكرهك ويتمنى لك الهلاك وتسالم عدوا لا يؤتمن جانبه ولا يؤمن شره، فقد نقضوا العهد مع الله ونقضوا المواثيق مع الأنبياء فليس بمستبعد أن ينقضوا المواثيق مع الناس.
ففي سنة ست من الهجرة جاء قوم من قبيلة عُقل أو من عُرينة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في المدينة يبايعونه أسلموا مكثوا بالمدينة قليلا ثم شكّوْا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يتلاءموا مع جو المدينة فأصابهم الجَوَى - اجتووا المدينة مرضوا فشكوْا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأمرهم بالخروج إلى البادية وأمر لهم بنُوق لقاح وخرج الراعي راعي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان غلاما نوبيا يسمى يسار خرج يسار معهم باللقاح وأمرهم النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يشربوا من ألبانها وأبوالها ليتداوَوْا بذلك فإن صحوا رجعوا عطف وحنان وشفقة من سيد الخلْق، صلى الله عليه وسلم، خرجوا وصحّوا وحين صحوا قتلوا الراعي واستاقوا النعم وكان ذلك في أول النهار وبلغ خبرهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأرسل في إثرهم فلم ينتهي النهار حتى جيء بهم، وحين جيء بهم أمر بهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقُطعت أيديَهُم وأرجلُهم من خلاف، وسمل أو سَمَرَ أعينهم، فقأها، وقيل أُتي أو أتوا بمسامير مُحماة فكُحلت بها أعينهم وتُركوا في الحرة، أطراف المدينة صخر أسود، يستسقون فلا يُسقون حتى ماتوا عطشاً، ونزل قول الله، عز وجل:
إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿33﴾
الأمر الثاني: الآية يفتتحها الله، تبارك وتعالى، بقوله: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وربنا لا يُحارب لأن الله منزه عن الأنداد والأضداد، وربنا، تبارك وتعالى، هو الواحد الأحد القوى الجبار صفاته صفات الكمال المطلق فكيف يحارَب؟ قالوا: المقصود إنما جزاء الذين يحاربون شرع الله ويحاربون أولياء الله فعبِّر بذاته الشريفة عن أوليائه تعظيماً للجُرم وإكباراً لإذايتهم (مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ) والمحاربة ليست لله وإنما المحاربة لشرع الله لسنّة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأولياء الله وأولياء رسول الله ويأتي بعد ذلك كلمة (أو) (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) قيل ما جاء في القرآن (أو) فصاحبه مخيّر أو للتخيير كقول الله، عز وجل: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) [سورة البقرة آية: ١٩٦]، فإن كانت للتخيير فالإمام مخيَّر في إيقاع ما يشاء من عقوبة على المحاربين: إن إن شاء صلب، إن شاء قطع إن شاء نفى من الأرض فالإمام مخير، وقال بعضهم بل هي للتفصيل أو للترتيب أو هنا للترتيب وللتفصيل بمعنى هذه العقوبات تتوقف على نوع الجُرم فلكل جريمة عقوبة وعقاب، فإن قَتلوا قُتلوا وإن قتلوا وأخذوا المال قُتلوا وإن أخذوا المال فقط ولم يقتلوا قُطعت الأيدي والأرجل تُقطع اليد اليمنى من أطراف الأصابع تُقطع وتحسم، أي تكوى بعد القطع حتى يتوقف نزيف الدم، تُقطع اليد اليمنى من أجل السرقة، وتُقطع الرجل اليسرى من أجل إخافة الطريق وقطعه هذا إن سرقوا الرجل وتحسم، أما إن أخافوا الطريق فقط ولم يقتلوا ولم يسرقوا نُفُوا من الأرض، وأصل كلمة النفي تعني الإعدام أو الإهلاك ومنها النفي والإثبات، الإثبات: الوجود، والنفي: عدم الوجود، النفي ما هو النفي؟ قالوا يُنفى من البلد التي ارتكب فيها الجُرم إلى بلد آخر ويُطلب وهكذا من بلد إلى بلد أخرى حتى لا يستقر في أرض أبداً، وقالوا بل إذا من البلد إلى بلد أخرى وجب الحبس وقالوا يُحبس حتى تتبين التوبة فإن صلُح حاله سُرّح وإن خيف منه يظل محبوسا وإلى أن يموت، وقيل بل يحبس في نفس البلد ولا يُخرج فيؤذى البلاد الأخرى ذاك اختلاف في النفي أهو إخراج أو هو حبس هل هو سجن وهكذا. من المحارب؟ من هو المحارب؟ هل نزلت الآية في المشركين في اليهود والكلام فيما سبق كان عن اليهود؟ (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) [سورة المائدة آية: ٣٢]، (* وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ) [سورة المائدة آية: ٢٧]، قول ضعيف مردود بأنها نزلت فيهم لأن المُشرك إذا قدر عليه فأسلم سقط عنه الحد، فالإسلام يهدم ما قبله، وإن تاب قبل القدرة عليه سقطت عنه الحقوق حق الله وحق الآدميين، كل ذلك يسقط لأن الإسلام يجب ما قبله، فلا تختلف التوبة بالنسبة للمشرك قبل القدرة عليه أو بعد القدرة عليه، أما هنا فالحكم يكون (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) فشرط أن تكون التوبة قبل القبض عليهم وقبل التمكن منهم، إذاً فالآية في المسلمين نزلت الآية في المسلمين الذين يرتدون عن دينهم، أو في المسلمين الذين يقطعون الطريق على غيرهم.
المحاربة كيف تُحدد؟ ذاك هو المسلم الذي يقطع الطريق على غيره من أجل سلب ماله أو من أجل إخافة الطريق، فأين تقع المحاربة ويُحكم بأنها محاربة وكيف؟ قالوا يشترط للمحاربة أن تكون خارج المصر أي خارج المدن أي في الطرق طرق الناس، طرق السفر الطرق المأهولة أو المهجورة التي يسافر فيها الناس، أما ما يحدث في المدن من هرج ومرج وما إلى ذلك فلا يطلق عليه محاربة، والرأي الأرجح والأشبه أن المحاربة محاربة سواءًً أتمت في المِصْر أي في المدن أو في القرى أو في الطريق المأهولة أو في الطريق المهجورة، المحاربة محاربة ذاك هو الرأي الأرجح والأشبه، وعليه فكل من رفع السلاح على مسلم أو هدده بالسلاح ولو لم يرفع سلاحه من أجل سلب المال أو الإخافة دون ثأر سابق أو عداوة، لأن الرجل قد يعادي رجلا فيرفع عليه السلاح هل تكون محاربة؟ لا، أمر آخر، قد يكون له ثأر مطالب بدم قتل أباه فرفع عليه السلاح أهي محاربة؟ لا بل هي شيء آخر له أحكامه، أما المحاربة فهي رفع السلاح دون علاقة سابقة بين المسلح المحارب وبين من رفع عليه السلاح، ليست هناك عداوة وليست هناك معرفة وليس هناك ثأر سابق تلك هي المحاربة، وعليه يدخل فيها الاغتيال بمعنى سافر رجل مع آخر في طريق فدس له السم في الطعام اغتاله هو حارب لله ولرسوله وتنطبق عليه أحكام الحرابة، خَطَف امرأة من الطريق وأخافها من أجل الاعتداء عليها واغتصابها حرابة ينطبق على الفعل أحكام الحرابة يُقتل أو يصلب وهكذا، لو دخل اللص عليك في بيتك فسرقك وأنت نائم فإن استيقظت فدافعت عن نفسك فرفع عليك السلاح وأخذ المال تحت تهديد السلاح أي السرقة بالإكراه ولو في البيت، وكذلك في الطريق طبعا انطبقت عليه أحكام الحرابة، فإن قتل قُتل وإن أخذ المال وهكذا بالأحكام المترتبة فيدخل في الحرابة الاغتيال، يدخل في الحرابة قطع الطريق، يدخل في الحرابة السرقة بالإكراه، يدخل في الحرابة خطف النساء واغتصابهن، يدخل في الحرابة قطع الطريق ولو للإخافة.
من الأحكام المستفادة من الآية أيضا إذا دخل البيت عليك أو في الطريق أو أخافك لكنه طلب شيئا زهيداً تافها لا قيمة له أتقاتله أم لا، وإن كان في الطريق وقطع عليك الطريق وسرق منك شيئا تافها لا يصل إلى نصاب حد السرقة إن حد السرقة حد القطع لا ينفذ في كل سرقة فمن سرق رغيفا لا تقطع يده هناك نصاب وهو ربع دينار في بعض الأقوال وسوف يأتي التفصيل فإن كان المسروق زهيدا تقطع اليد أم لا؟ في حال الحرابة قالوا قالوا لا تُقطع اليد إلا في حالة السرقة لمال أو ما يقوّم بمال يتجاوز أو يصل إلى نصاب القطع في السرقة، وذاك رأي مردود وضعيف لأن الله، تبارك وتعالى، في شأن السرقة أنزل حد القطع ووقّت لنبيه، صلى الله عليه وسلم، في أي شيء يكون القطع، أما في الحرابة لم يحدد ولم يوقّت وقال: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ).
ولم تحدد قيمة للمسروق فمنها كان المسروق زهيدا، قُطعت يد المحارب وقُطعت رجله من أجل إخافة الطريق، إن دخل عليك البيت هل تقاتله (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) أم تستسلم له، كان بعض شيوخ الصوفية يقولون، كُن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل، ويفضلون الاستسلام يخافون من رفع السلاح على مسلم، لكن أحكام أهل السنة والواجبة النفاذ يسوقون أهل السنة يسوقون حديثا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، حيث (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ).
إذاً فيجب على المسلم أن يدافع عن عرضه وأرضه وماله ونفسه، لكن التعريف أو التوصيف أو التكييف الشرعي لدفاعك عن نفسك وقتالك للص أهو من باب دفع الضرر أم من باب مقاومة المنكر؟ دخل اللص عليك أنت تقاتله دفعا للضرر الذي يصيبك من السارق أم أنك تقاتل من أجل دفع المنكر النهي عن المنكر ومقاومة المنكر (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ)، فأنت تقاوم المنكر بيدك هذا التكييف المختلف فيه يترتب عليه اختلاف في الحكم بمعنى: إذا كانت المسألة من أجل دفع الضرر فإن كان السارق يطلب طعاما أو يسرق رغيفا أو أو يسرق قميصا، أو يسرق شيئا تافها فلا يصح لك أن تقاتله أو أن ترفع عليه السلاح، لأن الضرر الواقع قليل يسير لا يحتاج للقتال، إن كان القتال من أجل دفع الضرر، طالما لم يقع ضرر أو الضرر يسير، أما إن كان التكييف هو مقاومة المنكر وجب أن يقاتل هذا اللص حتى وإن دخل ليسرق سيئا من تراب، (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ).
واختلفوا في بعض التفصيل في مسألة الصلب: هل يُقتل ثم يُصلب أم يُصلب ثم يُقتل؟ وإن صُلب أيُصلب ويُترك حتى يموت أم يصلب ثم يُطعن فيُقتل؟ أم يقتل أولا ثم يصلب؟ خلاف، لكن الأرجح في الأقوال أن يُقتل أولا ثم يُصلب، وحجة القائلين بذلك أنه إذا صُلب قبل القتل فقد مُنع من الصلاة وهذا لا يصح منطق: إن صلب قبل القتل وترك أو حتى طعن بعد ذلك منع من الأكل والشرب والصلاة وذاك ممنوع شرعا فالقتل أولاً ثم الصلْب والقتل والصلب إن قتل وسرق، ولا يُشترط النصاب كما شرط في قطع اليد، إن سرق ولم يقتل قطعت اليد من أجل السرقة وقُطعت الرجل من أجل الإخافة، إن فعل الجميع سرق وقتل وأخاف قيل يُقتل ويُصلب، وقيل تُقطع اليد وتُقطع الرجل ثم يُقتل ثم يُصلب وهكذا، أما إن أخاف الطريق فقط فالنفي على اختلاف بينهم أهو إبعاد فقط أم إبعاد مع الحبس وهل يكون الحبس في بلد آخر أم يكون الحبس في نفس البلد، تلك خلاصة لهذه الأحكام.
إن كان المحارب ذمياً وليس مسلما هل تنطبق عليه الأحكام؟
نعم تنطبق عليه الأحكام أيضا، فالذين يحابون الله ورسوله تنطبق عليهم الأحكام، وإن كانوا من أهل الكتاب المعاهدين الذميين.
سؤال: هل تتكافأ الأحكام في الحرابة كما في القصاص؟ العقوبة في الحرابة حد، والفرق بين الحد وبين القصاص: أن الحد حق الله وحكم الله كقطع يدي السارق ورجم الزاني المحصن وجلد الزاني البكر، أما القصاص فهو حق المخلوق إن شاء عفا وإن شاء أخذ الدية وإن شاء طالب بالقصاص، ويشترط في القصاص تكافؤ الدماء (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة آية: ١٧٨].
في الحرابة لا يشترط تكافؤ الدماء بمعنى: لو أن المقتول كان عبداً قُتل الأحرار الذين قتلوه وبالتالي لا تشترط الكفاءة في الدماء، أيضا المحاربون جماعة كما حدث مع قوم عُكل أو العرنيين الذين قتلوا راعي النبي، صلى الله عليه وسلم، جمع عشرة قتل ثلاثة منهم الرعاة أو الناس أو من قطعوا عليهم الطريق القتلة ثلاثة وسبعة لم يقتلوا ولم يشتركوا في القتل من يُقتل؟ يُقتل الجميع القاتل منهم وغير القاتل الكل يقتل طالما قتل إنسان واحد، فلو كانوا مائة وقطعوا الطريق على رجل وقتلوه قتل المائة حداً وليس قصاصا قُتل أبي في الطريق قُطع عليه الطريق وقبض على القاتل هل من حقي أن أذهب إلى الإمام وأعفو عن القاتل؟ أبداً فالقتل هنا للقاتل حداً وهو من حدود الله ومن حقوق الله وولىّ الدم هو الإمام، أما وليّ الدم من أهل القتيل لا حق لهم في العفو ولا حق لهم في أي شيء، هل يحق لي أن أطالب بدم أبي أو أن أقتل المحارب؟ لا يحق لك، فذاك من واجبات الحاكم واختصاصه، قبض على المحاربين الذين سرقوا ووُجد المال ماذا نفعل بالمال؟ يُرد المال إلى أربابه إذا جُهلت أربابه لا ندري من أين أخذوا المال ومن أي الناس أخذوه، يُرد المال إلى بيت المال، قطعوا عليك الطريق أو سرقوا منك ألفاً وحين أخذوا وجدنا معهم مائة ردت إليك المائة وطولبوا بالباقي، وقال بعض الناس بل يؤخذ ما وُجد معهم فقط وما استُهلك سقط كما يحدث في السرقة، والأمر هنا مختلف، ونحن نرجح قول القائلين بأن المال لا بد وأن يعاد إلى أربابه فإن استُهلك منه شيء طُولب به المحاربون، أحكام وسبحان الحكم العدل هو الذي عز فحكم وما ظلم في حالة أن يكون المحاربون ذوي شوكة غير مقدور عليهم، بمعنى أن الحاكم يحاول أن يطاردهم هنا وجب على المسلمين معاونة الحاكم في القتال المحاربين ومنعهم من إذاية الناس، وجب على المسلمين على الأمة معاونة الحاكم في ذلك.
(وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) قطع السُبل قطع الطريق على الناس إرهاب الناس إخافة الناس والناس لا تستغني عن الطرق في التجارة والتكسب فإن قطع عليك الطريق جلست في بيتك خائفا فتوقفت الأرزاق وتوقفت الأعمال من هنا كان الجرم عظيما وكانت الخطيئة كبيرة، لذا رُتب عليها العقوبة في الدنيا ورُتب عليها العقوبة في الآخرة.
(ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)) (ذَلِكَ) أي هذا الحكم لهم خزي في الدنيا، وفي الآخرة عذاب عظيم، وهنا توقف العلماء، فقال بعضهم: الخزي في الدنيا لمن أُقيم عليه الحد عار وفضيحة وذل وهوان، وفي الآخرة عذاب عظيم لمن يُقدر عليه لمن لم يحد أي لم يتمكن الحاكم من إقامة الحد عليه وهرب، أن نفذ بجريمته، أولم يُعلم شخصه حتى مات يعذب في الآخرة بالعذاب العظيم، لكن هناك حديثا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، تكلم فيه الكبائر وقال: (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) بمعنى أن مرتكب الكبيرة إذا قبض عليه وأقيم عليه الحد كانت الحدود كفارة كما حدث في جلد الزاني أو في رجم الزانية التي تابت، أو في قطع يد السارق كما قطع النبي، صلى الله عليه وسلم، يد فاطمة المخزومية، فكانت الحدود كفارة، أما من سرق ولم تُقطع يده ولم يُعلم ومات فهو في المشيئة إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، هنا ربنا، تبارك وتعالى، يقول بعد إقامة الحد عليهم: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)) فقالوا هذه الجريمة الشنعاء مستثناة من حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، السابق والحد هنا لا يكفر الذنب بمعنى: قطع الطريق فأخذ فقُتل فصُلب فقطعت يده قطعت رجله هذا الحد يكفّر عنه؟ أبداً، له في الدنيا خزي بإقامة الحد، وفي الآخرة عذاب عظيم لكن لا يخلد في النار فيخرج بعد ذلك إما بالشفاعة وإما بأمر الله تبارك وتعالى، إذاً ففي جريمة الحرابة بالذات لا تكفر الخطيئة بالحد لعظم الجُرم ولشناعة الخطيئة حتى إن الله، تبارك وتعالى، يقول: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ) وهم لم يحابوه ولا يقدر أحد على أن يحاربه تعظيما للجريمة. إذاً فمن قطع الطريق أو سرق تحت تهديد السلاح أو اغتصب امرأة تحت التهديد والإخافة أو قتل أو فعل فعلا من الأفعال التي ينطبق عليها أحكام الحرابة إذا أقيم عليه الحد وقتل لم يكفر عنه الخطأ وأوخذ به في الآخرة ((لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)) والقول الآخر الذي قال الآية فيها وقف ((لَهُمْ خِزْيٌ) الذين أقيم عليهم الحد وهو كفارة ((وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)) الذين لم يقدر عليهم ولم ينفذ فيهم الحد.
وتأتي بعد ذلك أحكام التوبة، والتوبة لها شروط ويترتب عليها أحكام في هذا الموضوع شرط ربنا، تبارك وتعالى، أن تكون التوبة قبل القدرة عليه فقال عز من قائل:
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿34﴾
(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا) (فَاعْلَمُوا) في هذه الحالة في حالة التوبة قبل القدرة، (فَاعْلَمُوا أَن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)).
يدعونا الله، تبارك وتعالى، بواسع رحمته ويرسم لنا الطريق وما أسهله وما أعظمه وما أعدله يقول، عز من قائل:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَـٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿35﴾
(وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)) الجهاد شُرع وما زال مشروعا وإلى أن تقوم الساعة والجهاد أنواع والجهاد ودرجات والجهاد في هذه الآية يُقصد به الجهاد لرفع راية الإسلام ولتثبيت دين الله إذ جهاد النفس جاء في قوله (اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)، فتقوى الله وابتغاء الوسيلة: هو مجاهدة النفس وحبسها على الطاعة ومنعها عن المعصية يدخل فيه الصبر يدخل فيه الزهد يدخل فيه التقوى يدخل فيه العمل يدخل فيه الإيمان واليقين (وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ) لعزة الإسلام ولنصر المسلمين فإن حدث ذلك كان الفلاح من الفَلْح والفلْح الشق وسُمِّي الفلاح فلاحا لأنه يشق الأرض ويبذر الحب فالفلاح، الوصول للبُغية الفلاح أن تصل إلى ما تبتغيه والفلاح للمؤمن العفو والعافية الجنة والنعيم لذة النظر إلى وجه الكريم.
يأتي بعد ذلك بيان الضد وبضدها تتميز الأشياء.
يقول الله، عز وجل:
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفْتَدُوا۟ بِهِۦ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿36﴾
يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ ﴿37﴾
ثم يتوجه الخطاب لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولأولي الأمر من بعده وإلى أن تقوم الساعة ببيان وبحفظ أموال الناس رحمة من الله بالخلائق فيقول الله، عز وجل:
وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ﴿38﴾
السرقة كتعريف هي: أن يأخذ الرجل أو المرأة ما ليس له بمِلْك من حرز والحرز، المكان الحافظ للشيء تلك هي السرقة، أن يكون السارق مستترا، أن يأخذ شيئا لا ملك له فيه لا يملكه، كذلك أن يكون المسروق من حرز وبالتالي تختلف السرقة عن الاختلاس، عن الاستلاب، عن الغصب، وتختلف بالتالي الأحكام أولا: هناك شروط في السارق وشروط في المسروق وشروط في المكان الذي يُسرق منه الشيء ثم بعد ذلك إذا استوفيت الشروط ثم القطع والقطع له أحكام اليد كل هذا يسمى اليد من أطراف الأصابع إلى المنكب هل يقطع من المنكب أم يقطع من المرفق أم يقطع من الرسغ ذاك هو القطع.
أما الشروط في السارق فهي:
١ - البلوغ إذ لو سرق الصبي لا تُقطع يده لأنه لم يُكلَّف بعد فلا تقام عليه الحدود.
٢ - العقل فلو سرق المجنون لا تُقطع يده.
٣ - ألا يكون له في المسروق مِلْك أو شُبهة مِلْك بمعنى أن يسرق شيئا غير مملوكا له أما إن سرق سيئا مملوكا له أو فيه شبهة الملك فلا قطع، من هنا لو سرق السيد من عبده لا يُقطع لأن العبد وما ملكت يمينه مِلْكٌ لسيده ولو سرق العبد من سيده لا يُقطع لأن مولاه سرق ماله فملْكه سرق مِلْكه وذاك هو الشرط الرابع.
٤ - ألا يكون له على المال ولاية، الشروط البلوغ، العقل، ألا يملك المسروق أو لا تكون له شبهة ملك فيه كالسرقة من بيت المال وهو فقير فقد يكون له فيه شبهة الملك، أن لا تكون له على المسروق ولاية أو على من سرق منه ولاية كولاية العبد على مال سيده والعبد راع في مال سيده فله ولاية على المال تلك الشرط في الشخص في السارق أو السارقة.
أما شروط المسروق فأولا:
١ - أن يبلغ نصابا فلو سرق رغيفا لا يُقطع، لو سرق شيئا تافها لا يُقطع فما هو النصاب الذي إذا سرقه أو سرق ما يساويه قطعت يده؟ ربع دينار على ذاك هو أرجح الأقوال أو ما يقوّم بربع دينار، وفرّق البعض إن كان ذهبا فرُبع دينار وإن كان مما يُقوّم كعروض التجارة كالأشياء والملابس وما إلى ذلك فثلاثة دراهم غلا الصرف أو رخص وقيل عشرة دراهم خلافات، لكن الأرجح ربع دينار لما ورد من أحاديث في هذا الشأن سواء كان المسروق ذهبا أو فضة أو شيئا يقوّم بمال، أن يبلغ المسروق نصابا ذاك الشرط الأول في المسروق بعد الشروط في السارق أن يبلغ المسروق نصابا.
٢ - أن يكون مما يتملك ويُتموّل ويحل بيعه، يُتموّل بمعنى أن يكون مالا أو يُقوّم بمال، فما لا يقوم بمال لا قطع فيه ومما يُتملّك فلو سرق ترابا من الأرض هل يتمول التراب؟ هل يتملك التراب؟ مما يُملك أي يتملكه الناس ومما يحلّ بيعه، فلو سرق خمرا هل يقطع؟ لا لأن الخمر لا يحل بيعها، لو سرق خنزيراً هل يقطع؟ لا لأن الخنزير لا يحل بيعه، لو سرق المعازف، آلات العزف، يقطع؟ لا يقطع لأن المعازف لا يحل بيعها ولا شراؤها، لو سرق كلبا اختلفوا إن كان الكلب كلب صيد، كلب حرث جاز التملك ولم يجز البيع، فافتقد شرطا، مما يتمول ويتملك ويحل بيعه، لا يحل بيع الكلب فقد حرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَحِلُّ ثَمَنُ الْكَلْبِ وَلاَ حُلْوَانُ الْكَاهِنِ وَلاَ مَهْرُ الْبَغِيِّ)، وبالتالي لو حلّ لك أن تتملك كلبا لكن لا يحل لك بيعه فالكلب كلب الصيد كلب الحرث كلب الغنم يحل تملكه لكن لا يحل بيعه وبالتالي لا قطع فيه، وهناك من يقول بل يُقطع إن سرق الكلب لأنه ملْك يتملكه الشخص فأخذ شيئا مملوكا. خلاف.
الشرط الثاني في المسروق الشرط الأول أن يبلغ نصابا الشرط الثاني: أن يكون مما يتملك ويتمول ويحل بيعه.
الشرط الثالث: أن لا يكون فيه مِلْك للسارق نفس الشرط في السارق نفس الشرط في المسروق، أن لا تكون فيه شبهة ملك للسارق أي لا يكون مملوكا للسارق ولا يكون المسروق فيه شبهة ملك للسارق.
ويأتي بعد ذلك الشرط في المكان: أن يكون حرزاً، حرزا بمعنى حافظا إذ لو أن شيئا متروكا غير مصان غير محرز، وأخذه السارق لا يُقطع بمعنى وأنت تسير في طريقك سقطت منك نقودك في الأرض وسِرت ولم تنتبه فجاء رجل فالتقطها وأخذها لنفسه أيعد سارقا؟ أتقطع يده؟ لا، إذ يُشترط في القطع أن يكون المسروق محرّزا مصانا.
فما هو الحرز؟
البيوت حرز، الحوانيت حرز، السفينة حرز لما فيها، الغرفة في الفندق حرز لكن القاعة والتي يشترك فيها النزلاء والمطعم ليست حرزا لكن الغرفة حرز، صحن الدار ليس حرزا، لكن الدار طالما لها باب حرز، الدابة حرز لما حُمل عليها رغم أنه ليس هناك أبواب ولا جدران بمعنى أنك وضعت مالا أو ما يقوّم بمال على عربة أو على حمار، الحمار عليه ثياب مثلا فجاء رجل فأخذ الثياب من على ظهر الحمار هل أخذ من حرز؟ نعم، فالدابة حرز لما وُضع عليها، ورباط الدابة حرز لها فإن سرق الدابة وهي في المربط قُطع، فالسيارة حرز فلو كسر زجاج السيارة وأخذ منها شيئا أخذ شيئا محرزا قطع فيه، المسجد حرز؟ قالوا نعم وقال بعضهم لا، فإن سرق مصحفا من المسجد قُطعت يده إذا كانت القيمة تصل إلى النصاب ربع دينار، وقال بعضهم لا تقطع وإذا سرق الحصير قُطع وقيل لا يقطع إلا إن كان ذلك ليلا، خلافات.
النشال، وما يطلقون عليه أو ما يُطلق عليه الطرار في اللغة القديمة الطرار، بلغتنا هذه النشال وهو الذي ينشل ويسرق من جيبك هل يقطع؟ قالوا نعم لأن الملابس الكُم، الجيب، كل ذلك حرز فإن مدّ يده في جيبك وسرق مالا من جيبك قُطع لأنه أخذ مالاً غير مملوك له محرزاً، إذا استوفى الشروط كان بالغا كان عاقلا وكان وكان .. تلك عض الشروط التي توضح الأمر، ثم هناك بعض الأمور التي يجب توضيحها:
الثمر المعلق على الشجر أهو محرّزا أم لا؟ هنا يأتي حديث لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما ترك شيئا إلا وبينه حين سُئل قال: (مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ) بمعنى لو دخل حديقة فواكه فأكل من الثمار فقط لا قطع فيه فإن أخذ منها في جيبه (خُبنة) أي خبّأ في صدره خبّأ في ملابسه لو أخذ معه شيئا من الفاكهة وخرج بها من الأرض قُطع إن بلغت نصابا إن لم تبلغ نصابا غُرِّمَ أو جُلد أو حُبس وكذلك في الزرع عموما.
هل يُقطع الأب أو الأم إن سرقا من أبنائهما؟ لا قطع للأب أو الأم إن سرقا من أولادهما فالابن وماله لأبيه، إن سرق الابن من الأب قالوا، يُقطع وقال بعضهم لا يُقطع لشبهة الملك، ذوي المحارم الخالة العمة ابن العم وابن الخالة إن سرق هؤلاء يُقطعوا لعموم الآية (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) وقال بعض الناس لا قطع في ذوي المحارم حتى لا تحدث القطعية للرحم لكن يحدث التنكيل بالسجن أو بالتعزير أو بأي عقوبة لا يُقطع السارق من جوع أبدا من سرق عن جوع لا قطع له باتفاق ليس معنى ذلك أن يسرق خزينة بنك أو يدخل في بيتك ويسرق ما غلا ثمنه وخف حمله، السارق من جوع هو السارق لطعام، أو لمبلغ زهيد يأتي بطعام ذلك السارق من جوع لا يقطع.
هل يتم القطع وإقامة الحدود في السفر والغزو؟ قال بعضهم لا حتى لا يلحق المُقام عليه الحد بأهل الشرك حتى لا تحدث الفتنة وقيل بل يتم القطع في السفر والغزو بأمر الوالي كقائد الغزوة أو كأمير القافلة وما إلى ذلك.
هناك أمر آخر في شأن السارق والمسروق وهو: إذا اشترك جماعة في السرقة خمسة عشرة سرقوا ربنا يقول (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) فإن كان السراق جماعة: قالوا يُقطع الجميع وحكمهم حُكم من اشترك في القتل وكما قلنا في الحرابة فكذلك إذا اشترك جماعة في سرقة قطعت يد الجميع وشَرَطَ بعضهم شرطا قالوا يحدث القطع في حالة واحدة إذا كان المسروق حين يُقسّم عليهم يصيب كل منهم نصابا فلابد أن يكون المسروق بحيث لو وزع أي يصيب السارق منهم ربع دينار فإن لم يُصب نصابا لا قطْع، وقال البعض بل القطْع على الكل ولو لم يبلغ نصيب كل واحد منهم نصابا، لكن لا بد أن يكون المسروق عموما قد بلغ النصاب وتفاصيل كثيرة في مسألة الحرز واشتراك السراق بمعنى لو أخذ احدهما المال من الحرز إلى خارج الحرز ثم انصرف وجاء آخر فأخذه من غير حرز فالأول هتك الصيانة ولم يسرق فلا قطع والثاني سرق من غير حرز فلا قطع إلا أن يكونا قد اتفقا على ذلك تفاصيل مختلفة وتلك فكرة ونُبذة حتى نكون على بينة من الحدود والأحكام التي إن أُقيمت في الأرض أمن الناس يقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) البيضة ما يوضع على رأس المحارب لحماية رأسه من طعنات الرماح وضربات السيوف قالوا الحبل الحبْل والبيْضة تقوّم في ذلك الوقت بما يزيد عن النصاب، وقال بعضهم الحديث ضرب مثل بالقليل عن الكثير، قطع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمعنى أمر بقطع يد السارق وتعلق اليد المقطوعة في عنقه، فضيحة وخزي والعياذ بالله.
القطْع: أرجح الأقوال، وما ورد عن سنّة النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يكون القطع من الرسغ، من أطراف الأصابع إلى الرسغ ذاك حد اليد المأمور بقطعها أي يد تقطع؟ اليمنى وتعلق في صدره وتُحسم، تكوى، حتى لا ينزف بعد القطع، فإن عاد وسرق قالوا تُقطع رجله اليسرى، وقطع الرجل من المفصل وقيل بل يترك له العقب، فإن عاد تقطع اليد اليسرى، فإن عاد تُقطع الرجل اليمنى، فإن عاد فرضا بعد قطع اليدين والرجلين، بما يسرق؟ يسرق بفمه؟ فإن عاد قُتل، وقيل لا يُقتل وإنما يُحبس رأى، قال آخرون إن عاد بعد قطع اليمنى قُطعت الرجل اليُسرى، ولا قطع بعد ذلك وإنما الحبس، وقيل تقطع اليد اليمنى ثم اليد اليسرى، الرجل اليمنى ثم الرجل اليسرى، خلاف، والله، تبارك وتعالى، أعلم لكن الأرجح هو قطع اليد اليمنى ولا قطع بعد ذلك بل يكون الحبس.
السارق قد يتوب فلا مانع وباب التوبة مفتوح لذا يقول الله، تبارك وتعالى:
فَمَن تَابَ مِنۢ بَعْدِ ظُلْمِهِۦ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ﴿39﴾
من هنا نعلم أن السارق إذا عفا عنه صاحب الشيء المسروق قبل أن يُرفع إلى الحاكم أو يُقدّم إلى القضاء فلا بأس ولا قطع، أما إذا قُبض عليه أو رُفع إلى الحاكم أو قُدِّم إلى القضاء فالعفو لا يصح ولا بد من القطع، أما في شأن المال فالمال يُرد إن وُجد، وإن لم يوجد يُغرَّم بالمال أو بقيمة ما سرق (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ) أصلح ما أفسده رد المسروق أو أصلح بمعنى عمل الصالحات وابتعد عن باقي المعاصي، إذ قال العلماء: لو تاب عن السرقة وشرب الخمر لا توبة له، لو تاب عن السرقة وزنا لا توبة له، يؤخذ بالسرقة ويؤخذ بالزنا، فيُشترط للسارق بالذات إن تاب عن السرقة أن يتوب عن كل معصية وإلا لا تُقبل توبته، وذاك معنى وأصلح (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ) فإن الله يغفر له ويتوب عليه. (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)).
ثم يتوجه الخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، وللكافة:
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿40﴾
(يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)) من هنا وإن بدا لبعض الفلاسفة وسفهاء الأحلام وخفاف العقول أن قطع اليد عاهة كما يقول الغربيون وتشويه وقطع ليد منتجة وعجز في الإنتاج وقسوة وما إلى ذلك هل هم أعلم أم الله أعلم (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)) [سورة النحل آية: ٧٤].
هو الخالق وهو الصانع له ملك السموات والأرض يحكم بما يشاء ذاك حكم الله ولو تأملنا في مدينتنا وتقليدنا لغيرنا في حبس السارق وعدم تنفيذ الحد وتقرأ القبض على نشال هذا النشال له سبع عشرة سابقة جميع السّراق يدخلون الحبس ويخرجون أشد عتواً وإجراما سرق سرقة أولى يحكم عليه بالسجن أو الحبس ستة شهور، أقصى عقوبة ثلاث سنوات يتعلم خلالها بعد أن كان نشالا يتعلم خلالها هتك الأستار وفتح الخزائن والقتل، يتعلم بعدها أشد مما كان يعلم ويزداد إجرامه ويدخل في الحبس يطعم ويكسى ثم يخرج إذا لا بد وأن يعود لكنه لو قُطعت يده ما عاد إلى السرقة ولخاف غيره ولو تأملنا في بعض البلاد التي تقيم شرع الله تجد الحوانيت بضائعها في الشارع على الأرصفة تُقام الصلاة ويؤذن لها فيترك الرجل حانوته ويترك بضاعته ويدخل للصلاة بالمسجد ولا يجرؤ مخلوق أن يمد يده، أمام يد واحدة تُقطع تُمنع السرقة ونأمن على أموالنا وأعراضنا، والسارق قد يقتل سرق وقتل قالوا يقتل وفي القتل قطع يكتفى بالقتل، وقال بعضهم أبدا لإقامة شرع الله وحده لا بد وأن يقطع أولا ثم يقتل يقطع من أجل السرقة ثم يقتل من أجل القتل، شرع الله وحكم الله مالك الملك، ماذا يقول المشرعون وماذا يقول الممثلون للشعب في المجالس النيابية وماذا يقول الحكام حينما يقفون أمام الله ويقول لهم ألم تسمعوا قولي ألم يبلغكم رسولي ألم يُقرأ عليكم قُرآني ألم تعلموا أن الله له ملك السموات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير فماذا يكون الجواب؟ إني أشفق عليهم، ماذا يكون الجواب، ماذا تقول ولو سأل واحد منهم نفسه هل يرضى أن يعود إلى بيته فيجد أن امرأته قد باعت أساس المنزل هل يرضى؟ هل يرضى أن يراها قد اختلست شيئا من ماله، هل يرضى أن تعصيه في أمر من الأمور وهو بشر وهي بشر؟ فكيف يجرؤ على معصية الواحد الأحد؟ كيف يجرؤ على معصية القهار؟
أيها الأخ المسلم الحدود تشريع، الحدود أحكام، الحدود حددها من يملك حددها المالك حددها صاحب المُلك حددها الخالق حددها الصانع، (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)) [سورة البقرة آية: ٢٣٢]، لم لا نقيم الحد؟ لم لا نقطع يد السارق هل كلنا سراق؟ الذي يخاف أن يقطع يد السارق مما يخاف، طالما أنك لم تسرق فلم خوفك؟ لم معارضتك؟ لإقامة حد القطع وفيها الأمان وفيها الضمان وفيها السلام لكل الناس، فيما خوفك، هل تخاف أن تكتشف فتقطع يدك؟ فأنت تعمل نفسك؟ أم تخاف أن يقال عنك من الكفار أنك همجي؟ أما تعلموا أن القطع من سنن الجاهلية قبل الإسلام فجاء الإسلام فأقره إي وربي، كان قطع يد السارق موجودا من قبل الإسلام وهو موجود في الشرائع الأخرى حتى في جاهلية قريش كانوا يقطعون يد السارق فجاء الإسلام وأقر العقوبة فكيف لا نقطع يد السارق! كيف نواجه الله، تبارك وتعالى، ماذا نقول وكيف ندافع عن أنفسنا وكلنا مسئول، العالم مسئول بأن يتكلم ولا يخشى في الحق لومة لائم، والمشرِّع مسئول بأن يرفض أي تشريع يخالف حدود الله وخاصة أن دستور البلاد ينص على أن القرآن والإسلام والشرع والدين الحنيف المصدر الأساسي للتشريع وهناك محكمة دستورية عليا تقرر القوانين إذا كانت متفقة مع الدستور أو لا، ما حجة أعضاء مجلس الشعب الذين يتكلمون عن الزلزال ويتكلمون عن المدارس ويتكلمون عن الطفولة ويتكلمون عن معرض الكتاب ويتكلمون عن السد العالي، ويتكلمون عن الزراعة وما أكثر كلامهم وما أقل فعلهم، ماذا يقول هؤلاء وقد انتخبناهم ليمثلونا، ماذا يقول هؤلاء الذين لا يطالبون بإقامة الشريعة وإقامة حدود الله، كيف سيدافعون على أنفسهم ولا حول ولا قوة إلا بالله، فالحكم مما أنزل الله عدل محض، والحكم بما أنزل الله أمن للناس وأمان والحكم بما أنزل الله تصديق بكتبه وإيمان والانحراف عن الحكم بما أنزل الله فسوق وعصيان، جهل وجهالة خزي وندامة.
وأول من حرّف كتب الله اليهود وأول من كفر بما أنزل الله اليهود، وأول من اشترى بآيات الله ثمنا قليلا يهود ولذا كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يحزن بعد هجرته إلى المدينة فيها اليهود أهل كتاب، أما مكة فكان فيها المشركون عبدة الأصنام والأوثان سفاهة وجهالة حين هاجر إلى المدينة توقّع أن أول من يؤمن به أهل الكتاب الموحدون بالله العارفون بأن الله أرسل رسله وكتبه فإذا بهم أول من كفر به فكان يحزنه ذلك ويشتد به الأمر فنزل قول الله يسلّيه ويسرّي عنه:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ﴿41﴾
(أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) الحكم والقضاء الأبدي والأزلي ما أراد الله كان وما لم يرد لم يكن، (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) أي يطهرها من الكفر والغلّ والحقد والحسد (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ) فضيحة وهوان وإذلال (وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)) وقصة نزول الآيات من أغرب القصص روى القصة الأئمة مالك والبخاري ومسلم والترمذي وأبي داوود وإن اختلفت بعض الروايات وخلاصة الموضوع أن رجلا من يهود خبير، من أشرافهم، زنا بامرأة شريفة من يهود خبير فجاء جماعة من يهود، القساوسة أو الأحبار أو الحكام، أرسلوا الرجل والمرأة إلى بني قريظة مع وفد منهم وقالوا لبني قريظة وكان بينهم وبين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عهد، اذهبوا إلى محمد وسلوه عن الحكم في الزانيين فإن أفتى بالجلد فاقبلوا الفتوى ونحتجّ بها عند الله فنقول له نبي من أنبيائك أفتى بذلك وتأمل نبي من أنبيائك أفتى بذلك وقد بعث بالتخفيف، وإن أفتاكم بالرجم وقد كان الزانيان محصنان أفتى بالرجم فلا تقبلوا فتواه وذهبوا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال، ماذا تجدون في التوراة قالوا نجد التحميم والتجبية والجلّد أربعين جلدة، التحميم يسودون وجه الزاني بالفحم، والتجبية يؤتى بالزاني والزانية على حمار وظهورهما لبعض ويطاف بهما في البلدة أو في القرية، والجلد أربعين جلدة، فسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واحداً أو اثنين من علمائهم فقال: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى وفلق له البحر ونجاه وأغرق آل فرعون أتجدون في التوراة الرجم؟ قالوا، أو قالا: أما وقد نشدتنا بالله فإن في التوراة الرجم، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: ولم تفعلون ذلك؟ قالوا انتشر الزنا في أشرافنا فكان الشريف إذا زنا تركناه وكان الضعيف إذا زنا أقمنا عليه الحد، فقلنا تعالوا إلى أمر وسط فغيرنا الرجم وأمرنا بالتحميم والتجبية والجلد للشريف والوضيع فيصبح الكل في ذلك سواء، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك بعد إذ أماتوه وأمر بهما فرُجما، تلك رواية، ورواية أخرى، مُرَّ على النبي، صلى الله عليه وسلم، بيهودي ويهودية قد زنيا وقد حُمِّمَ وجوههما إلى آخر الرواية فسأل: ما بال هؤلاء؟ فقالوا، ورواية أخرى أنهم استدعوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وذهبوا إلى بيت المدراس حيث يدرسون التوراة، الروايات متعددة والنتيجة واحدة فنزلت الآيات:
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)).
(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) أي الذين هادوا أو (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) والكلام عن الفريقين، عن المنافقين وعن اليهود (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ) واللام في كلمة (لِلْكَذِبِ) سماعون الكذب لكن التعبير (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) واللام للتأكيد، اللام لبيان العلة والمفعول محذوف أي سماعون لك من أجل الكذب على الناس فيكذبون عليك فتقول شيئا ويقولون هم للناس شيئا آخر (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) أو (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) واللام تفيد القبول فقد تسمع الكذب ولا تقبله فإذا قال (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) فاللام تفيد القبول، القبول لما يسمعون إذا فهُم يسمعون الكذب ويقبلونه فاللام تفيد القبول لما يسمعون (سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ) وهم اليهود الذين لم يجيئوا إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يحضروا إليه ولم يجيئوا إليه تكبّرا وبطراً وعناداً وجحودا وأرسلوا غيرهم، فالذين جاءوه سماعون لكذب الذين أرسلوهم (سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ) أهل خيبر (لَمْ يَأْتُوكَ) الآخرون لم يأتوك، فالذين جاؤوك سماعون للكذب أو سماعون لك ليكذبوا عليك أو سماعون لكذب الأحبار القابلين لكذبهم وسماعون أيضا لقوم آخرين لم يأتوك، (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) وتحريف الكلام نوعان: تحريف الكلام بتغيير الألفاظ إزالة لفظ ووضع لفظ آخر كما أزالوا الرجم ووضعوا الجلد كما أزالوا صفة النبي، صلى الله عليه وسلم، ومحوها من كتبهم، والتحريف الآخر أو النوع الآخر وضع المعاني المختلفة عمّا أراده الله، إذا فالتحريف تحريف لفظي أو تحريف للمعنى بغير ما أراده الله (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) أي المواضع التي وضعها الله وضع الكلام هكذا فهم يبدلون يقدمون ويؤخرون إذا فقد غيروا المواضع أو غيروا المعاني.
( يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ) أي إن أفتاكم محمد بما نقول فاقبلوا فتواه، وإن قال غير ذلك فارفضوه (وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ) أي نفس الكلام (فَاحْذَرُوا) أي فاحذروا فتوى محمد ولا تقبلوها ولا تنفذوها (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ) والكلام عنهم الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ) بالأمر بالإجلاء كما أجلى بني النضير وقريظة وخبير وبالجزية، بالهوان بالفضيحة حيث فضحهم الله واعترفوا وأقروا بتغييرهم للتوراة (وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)).
سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ﴿42﴾
(فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) وهنا بدأ تفريع الأحكام الكلام للنبي، صلى الله عليه وسلم، وظاهر الأمر التخيير (فَإِنْ جَاءُوكَ) أي رفعوا إليك الأمر لتقضي بينهم (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) أي احكم بينهم إن أردت أو أعرض عنهم وقل احتكموا إلى رهبانكم واحتكموا إلى قساوستكم واحتكموا إلى كتابكم ولا تحكم بينهم، فهو مخير، لكن إن حكم فليحكم بحكم الله (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) أي بالعدل (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)) لأن العدو إذا حكّمك في أمره وجب أن تحكم بالعدل، العدل عدل مع الصديق ومع العدو (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا) [سورة المائدة آية: ٨]، العدل عدل الحكم بما أمر الله عدل على الغني على الفقير على القريب على البعيد على الصديق على العدو (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) بالعدل لأن الله يحب المقسطين، في هذه الآية، الحكم: هل يحكم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والأئمة من بعده على الكفار؟ وهل يحكم على أهل الذمة؟ وإذا كانت القضية بين ذمي ومسلم فما الحكم؟
من المعلوم ومن المتفق عليه إذا كان المتحاكمان مسلمين وجب على الحاكم أن يحكم بينهما بحكم الإسلام بحكم الله إذا كان المتحاكمان مسلم وذمي وجب أن يكون الحكم بالإسلام، وفرْض على الحاكم أن يحكم بينهما، أما التخيير ففي الكفار وفي أهل الذمة، إذا كان الخصام أو إذا كان التقاضي بينهم بمعنى: مسيحي ومسيحي بينهما قضية هل يحكم الحاكم المسلم بينهما أم يتركهما؟ يحكم إن أراد ويعرض عنهما إن أراد على أهل التخيير، رأي، يحكم بينهما بحكم الإسلام، رأي، إن رضيا بحكم الإسلام حَكَم بينهما وإن لم يرضيا لم يحكم بينهما، وهناك أراء أخرى هي الأقرب إلى الصواب والأصح، حيث اختلف العلماء بسبب آية أخرى في سورة المائدة وسوف نصل إليها بإذن الله وهي قول الله، عز وجل: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) [سورة المائدة آية: ٤٩].
فقالوا الآية ناسخة للتخيير فلا تخيير، خُيّر أولا وكان الإسلام ضعيفا وحين قويت شوكة الإسلام لا تخيير هناك والحكم على المسلم وعلى غير المسلم طالما كان مستظلا بدولة الإسلام فالآية والتخيير منسوخ رأي، والرأي الآخر أن التخيير باق على ما هو (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ) [سورة المائدة آية: ٤٩].بينهم ليست ناسخة وحين نصل إليها نتكلم في شأنها والتقدير: (وأن احكم بينهم إذا احتكموا إليك) ذاك هو التقدير، من هنا قال الأئمة: الإمام مالك والإمام الشافعي لا يُقضى بينهم بالحدود أبداً، أبدا لا تقام الحدود على أهل الذمة وبالتالي معنى ذلك إذا زنا مسيحي بمسيحية وكانا محصنين لا رجم عليهما ولا إقامة للحد، أما إن زنا مسلم بمسيحية وكان مُحصنا رُجم هو وتُركت هي، وكذلك إن زنا مسيحي بمسلمة محصنة رُجمت أما هو فلا يُرجم لا تقام الحدود على أهل الذمة رأي، وجرى عليه العمل في كثير من العصور وهو رأي مالك ورأي الشافعي، أما في مسائل الظلم والغصب والنهب والقتل فيجب الحكم عليهم بحكم الإسلام حتى لا ينتشر الفساد.
وقسموا الأمور: الخلافات المالية بين أهل الذمة هم وشأنهم فيها.
الأحوال الشخصية كالطلاق والزواج والانفصال والميراث وما إلى ذلك هم وشأنهم يحكم لهم القساوسة يحكم لهم الرهبان بما شاءوا ولا نتعرض للحكم في هذه الشئون مطلقا، أما إن حدث القتل أو الغصب أو النهب مما يعرض الدولة أو المجتمع للفساد هنا وهنا فقط على الحاكم المسلم أن يحكم بحكم الإسلام.
ربنا، تبارك وتعالى، يقول معجبا لحبيبه المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وكأنه يقول له تعجب يا محمد تعجب:
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿43﴾
ثم يمدح ربنا، تبارك وتعالى، التوراة فهي كلامه وهي كتابه فيقول:
إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًۭى وَنُورٌۭ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ﴿44﴾
ويتوجه الخطاب لعلماء بني إسرائيل ولعلماء اليهود ولكل من يصلح للخطاب (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) خشية الناس شرك لأنك إذا خشيت الناس ولم تخش الله شِرْك، أما الخشية خشية الناس خشية الظلم خشية القهر لا بأس إذا لم تتعارض مع خشية الله، أما خشية الناس وعدم خشية الله بمعنى إذا تعارضت خشية الحاكم خشية الناس مع خشية الله فخشيت الناس ولم تخش الله شرك لكن الخوف غريزة وقد خاف موسى (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨)) [سورة طه آية: ٦٧ - ٦٨]، لكن خشية الناس هنا بمعنى أن يغيّر أحكام الله ألا يحكم بما أنزل الله مخافة الناس وهذا ما فعله اليهود خافوا أشرافهم، علماء اليهود خافوا أشرافهم فغيّروا أحكام التوراة حتى لا يقيموا الرجم على الشريف فغيروا الأحكام ويوجههم ربنا، تبارك وتعالى، ويوجه الحكام في كل زمان وينهاهم عن ثلاثة أمور:
١ - عن خشية الناس (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ).
٢ - عن الهوى (وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) وهو الدنيا لأن تغيير حكم الله وتغيير الآيات كان الهدف منه هو الدنيا هو الجاه.
٣ - عن الحكم بغير ما أنزل الله (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ (٤٤)).
وهنا كلام وآراء للفقهاء والعلماء والصحابة إذ هناك ثلاث آيات وثلاث صفات:
(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ (٤٤)) [سورة المائدة آية: ٤٤].
وَمَنْ (لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ (٤٥)) [سورة المائدة آية: ٤٥].
(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ (٤٧)) [سورة المائدة آية: ٤٧].
فكيف؟ ومن يتصف بهذا؟ وما معنى هذا الكلام؟ ففي صحيح مسلم رواية عن البراء بن عازب، رضي الله عنه، في سبب نزول الآية وقصة اليهودي واليهودية، في رواية البراء قال في آخرها فأنزل الله، تبارك وتعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ (٤٤)) [سورة المائدة آية: ٤٤].
وَمَنْ (لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ (٤٥)) [سورة المائدة آية: ٤٥].
(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ (٤٧)) [سورة المائدة آية: ٤٧].
كلها في الكفار ذلك رأي، واستدلوا على هذا بأن الخطاب عن اليهود الكلام عن اليهود الذين حرفوا التوراة واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فالكلام عنهم وقال بعض الناس وصفهم بالكفر لرفضهم حكم الله وتبديله وتغييره أزالوا الرجم ووضعوا الجلد والتحميم ووصفهم بالظلم لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله والعدل المطلق في الحكم بما أنزل الله وطالما حكمت بغير حكم الله فقد ظلمت، ظلمت الناس وظلمت من حكمت بينهم حكمت لهم أو حكمت عليهم ووصفهم بالفسق لأنهم خرجوا عن طاعة والحكم بغير ما أنزل الله.
ورأي آخر: يقول الآية، الأولى في المسلمين الآية الثانية في اليهود والآية الثالثة في النصارى، (وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) خطاب عام (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ (٤٤)) [سورة المائدة آية: ٤٤]، وأما الآية الثانية فعن اليهود (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) [سورة المائدة آية: ٤٥] إلى قوله (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)) [سورة المائدة آية: ٤٥].
ثم بعد ذلك (وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) [سورة المائدة آية: ٤٦] وفي آخرها: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ (٤٧)) [سورة المائدة آية: ٤٧]، إذاً فهي في النصارى، لكن رغم ذلك قال العلماء أن المؤمن إذا وُصف بالكفر فهو ليس الكفر المُخرج عن الملة وإنما للتغليظ والتشديد وكفرٌ دون كفر ككفر النعمة مثلا لأن المؤمن لا يكفر بالكبيرة.
والحكم بغير ما أنزل الله نوعان: إذا لم يحكم بما أنزل الله جاحداً بآيات الله أي منكرا لها وجاحدا بقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كَفَر وخرج من الملة.
أما إذا لم يحكم بما أنزل الله عصيانا مع إقراره بأن هذا الحكم هو من عند الله مع تصديقه بالقرآن وبحديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فهو فاسق عاص ولا يُكفَّر، والكبائر في حق المسلمين أمرها إلى الله إن شاء غفر وإن شاء عذّب ولا يخلد مسلم في النار، وإذا وصف الكفار بالظلم والفسق يراد بذلك العتو والتمرد في الكفر، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ (٤٤)) [سورة المائدة آية: ٤٤].
إن قصد بها المسلمين فهو كفر دون كفر ليس الكفر المخرج عن الملة (ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ (٤٤)) أي إن أنكروا حكم الله وجحدوا به، وأما الظالمون والفاسقون والتي جاءت في شأن الكفار من يهود ونصارى فهو بيان لتمردهم وعتوهم وخروجهم عن طاعة الله واشتداد كفرهم، ذاك رأي آخر، وهناك من العلماء إن الآية لا علاقة لها مطلقا بالمسلمين ولا بالأمة، خاصة أن بعد ذلك الكلام يتوجه لرسول الله صلى الله عليه وسلم (َأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ) [سورة المائدة آية: ٤٨]، فالآيات في الكفار أو في أهل الذمة، ورتبوا على ذلك أمورا كثيرة منها كما قلنا أن الحاكم المسلم لا يحكم أبدا بين أهل الذمة إلا فيما يخشى منه فساد الأمة، كما أن على الحاكم المسلم أن يمنع أهل الذمة من تجارة الخمور جهارا، وإن سمح لهم بها يشربونها سراً يصنعونها سراً وليس جهارا ولا يجاهرون بالزنا حتى لا يفسد من ذلك سفهاء المسلمين فإن غْض الطرْف عن بعض أفعال أهل الذمة لأنهم غير مخاطبين بالإسلام ويدفعون الجزية، إلا أنه يجب عليه أن يمنعهم من أن يجهروا بما يخالف أحكام الإسلام، أما إذا زنيا الكافر والكافرة أو الذمي والذمية فلا حد هناك ولا رجم هناك، وقال بعضهم بل يُجلد فقط المحصن والمحصنة ولكن الرجم لا، وإن سرق الذمي من ذمي فلا قطْع، لا قطْع، أما إذا سرق الذمي من مسلم قُطعت يده، وكذلك إن سرق المسلم من الذمي قطعت يده، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ (٤٤)) [سورة المائدة آية: ٤٤].
وَمَنْ (لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ (٤٥)) [سورة المائدة آية: ٤٥].
(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ (٤٧)) [سورة المائدة آية: ٤٧].
الكلام يحتاج لمزيد من الشرح ويحتاج لمزيد من التفصيل أيا كانت النتائج وأيا كانت الآراء وأياً كان التفسير للعلماء حُكم الله ماذا يمنع من إقامة حكم الله؟! يهود حرّفوا خافوا من أشرافهم نبينا بينما يحذرنا، عليه الصلاة والسلام، وينبّه: (إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ، تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ، أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ)، الناس أمام القانون سواء هكذا يُقال أي قانون؟ قانون الناس أم قانون رب الناس؟ (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)) [سورة المائدة آية: ٥٠].
(وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ (٨٧)) [سورة الأعراف آية: ٨٧].
(أَلَا لَهُ الْحُكْمُ) [سورة الأنعام آية: ٦٢].
(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [سورة آل عمران آية: ١٨٩].
هو المالك وهو الملك وهو الخالق وهو المحاسب وهو المعاقب وهو المثيب هو أدرى بخلقه، هو أعلم بخلقه، هو الذي قرر وهو الذي حكم وهو الذي أنزل الأحكام، فما يمنع من إقامة أحكام الله؟ خشية الناس، خشية الفرنجة، خشية الغرب أن يقولوا إننا متخلفون ما يمنع ممثلونا ما هؤلاء الممثلين للشعب من المطالبة بتقنين الشريعة الإسلامية؟! ما الذي يمنعهم أعضاء مجلس الشعب، أعضاء مجلس الشورى ما الذي يمنعهم عن المطالبة بتحكيم القرآن بتقنين الشريعة الإسلامية، وينص دستور البلد على ذلك الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع أهل الذمة لهم أحكامهم، إن كانوا يخشون أهل الذمة في مصر فلا خوف على أهل الذمة فليسرقوا فليفعلوا ما شاءوا في أنفسهم لن نحكم الإسلام فيهم يحكم بينهم القساوسة والرهبان، أما أهل الإسلام فما عذرهم في عدم تحكيم الإسلام؟ هل هو الجهل، هل يخشون أحكام الإسلام، جهلهم بأحكام الإسلام؟ هل يخشون الأجانب السياح، جاء سائح فسرق أتقطع يده؟ لا تقطع يده، زنى أجنبي أو ذمي هل يقام عليه الحد؟ لا يقام عليه الحد، يقام على امرأتنا إن كانت منا تستحق أما هو فلا يقام عليه الحد، العلماء الإمام مالك والشافعي العلماء قالوا لا حدود عليهم، على أهل الذمة، إذاً فلا خشية هناك ولا خوف هناك ولا قلق على السياحة، أو على أهل مصر من القبط لا خوف عليهم، نريد أن نحكم الإسلام في المسلمين ونطالب بذلك، لأن إقامة الحدود وتحكيم الله في شئون المسلمين هو إيمان بالله، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ (٤٤)) [سورة المائدة آية: ٤٤].
وَمَنْ (لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ (٤٥)) [سورة المائدة آية: ٤٥].
(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ (٤٧)) [سورة المائدة آية: ٤٧]. ثلاث آيات في الكفار كما قال البراء بن عازب، ومع ذلك عندما سئل حذيفة بن اليمان الصحابي الجليل صاحب سر رسول الله يا حذيفة أفي اليهود نزلت هذه الآيات قال نعم ولتتبعن سننهم شبرا بشبر.
فقد أخذ الله، تبارك وتعالى، على الحكام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا الهوى وألا يخشَوْا الناس ويخشَوْه، وألا يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا وفي قوله، عز وجل: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ (٤٤)) [سورة المائدة آية: ٤٤].
وَمَنْ (لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ (٤٥)) [سورة المائدة آية: ٤٥].
(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ (٤٧)) [سورة المائدة آية: ٤٧].
هذه الآيات الثلاث انحصرت أقوال العلماء في شأنها في أربعة اتجاهات:
القول الأول أو الاتجاه الأول: أن الآيات الثلاث نزلت في الكفار وحامل لواء هذا الرأي هو الصحابي الجليل البراء بن عازب، رضي الله عنه وأرضاه، كما أورد ذلك صحيح مسلم في حديث البراء بن عازب الآيات الثلاث في الكفار ولا شأن لأمة محمد بها.
الاتجاه الثاني أو الرأي الثاني: أنها جميعا في اليهود فسياق الآيات يدل على ذلك الكلام عن اليهود (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) [سورة المائدة آية: ٤٢].
الكلام عن اليهود (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا) [سورة المائدة آية: ٤٤].
الكلام عن اليهود (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) [سورة المائدة آية: ٤٥].
فالآيات الثلاث في اليهود حتى الآية الأخيرة (وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) [سورة المائدة آية: ٤٦].
إذ كان عيسى رسولا لبني إسرائيل وصاحب هذا الرأي أو متزعم هذا الرأي الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان حيث سُئل حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه وأرضاه، أفي بني إسرائيل هذه الآيات قال نعم إلا أنه أضاف، أضاف قائلا ولتسلكنّ سبيلهم حِذو النعل بالنعل.
الرأي الثالث: وهو لابن عباس، رضي الله عنه وعن أبيه، حيث قال إن الآية عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله ولكن في الكلام إضمار، إضمار بمعنى كلمات مضمرة يفهما السامع حذفت ثقة بفهم السامع وعليه فيكون التقدير للكلام حسب هذا الرأي ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا بكتبه أو منكراً للقرآن جاحداً لرسول الله أو بكلام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأولئك هم الكافرون، أي كفرٌ دون كفر، وكلمة الكفر هنا لا تعني الكُفر المُخرج عن الملة إذ لا يكفر المسلم بارتكاب الكبائر وعدم الحكم بما أنزل الله مع الإقرار بأنه حق كبيرة، وطالما أقر المسلم أو أقر الإنسان بالتوحيد وأقر بأحكام الله فاتبع هواه ولم يحكم بها فهو مرتكب للكبيرة يفسَّق ولا يكفر ويسري عليه ما يسري على عصاة المسلمين والمذنبين أمرهم إلى الله إن شاء عذَّب وإن شاء غفر وعليه فإذا وُصف من لم بحكم بما أنزل الله بالكفر فهو نوعان: من لم يحكم بما أنزل الله منكراً فهو كافر كفر بما أنزل الله كفر بالآيات أو كذّب بأحاديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم. أما إن أقّر كتارك الصلاة فإذا تركها منكراً لفرضيتها ومن ترك الصلاة تكاسلا فقد عصى وأمره إلى الله إن شاء عذّبه وأخذه وإن شاء غفر له (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)) [سورة النساء آية: ١١٦].
أما الاتجاه الرابع، فقد قسّم الآيات قالوا: الأولى في أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)) [سورة المائدة آية: ٤٤].
والثانية: في اليهود (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)) [سورة المائدة آية: ٤٥].
الثالثة: في النصارى (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)) [سورة المائدة آية: ٤٧]، في النصارى.
وقال أصحاب الرأي الرابع: إن وصف المسلم بالكفر للتغليظ والتشديد وليس الكفر الذي ينقُل عن الملة أما وصف الكفار بالظلم والفسق فهو للتدليل على عتوهم وتمردهم في الكفر. تلك آراء الأئمة والفقهاء وهي منحصرة في هذه الأربع وجوه لا تتعداها فلا رأي هناك بعد ذلك.
وتتوالى الآيات لتحكي عن تشرع القصاص لبني إسرائيل فيقول عز من قائل:
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌۭ لَّهُۥ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ﴿45﴾
(وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ) أي تُفقأ العين بالعين، تصلم الأذن بالأذن تجدع الأنف بالأنف تقلع السن بالسن، (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) وعليه قال بعضهم: (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) إذاً لو قلع أو فقأ اليمنى تُفقأ اليمنى أو تُفقأ يُسراه أو اليسرى، وقال بعضهم المماثلة مطلوبة والقصاص بمعنى المماثلة من قص الحديث أتى بمثله أو أتى به على وجهه، كذلك إذا قطع اليد اليمنى قطعت يد اليمنى وقال بعضهم قطعت يده اليمنى أو اليسرى، السن كذلك، (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ)، فإن كان أعورا فقأ عين مبصر بعينين إن اقتصُ منه صار أعمى إذ لا يملك إلا عينا واحدة قال بعضهم القصاص، وقال بعضهم فيها الدية ولا قود فيها، ودية العينين حددها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإن فُقأت عين الأعور أو فقأ الأعور عين المبصر دفع الدية كاملة بدلا من عينه لأن الأعور يستحق عن العين الواحدة دية كاملة ولا يستحق نصف الدية وهناك تفصيلات كثيرة لا يتسع المجال لذكرها وإنما نحن نحيطكم علما بالعناوين (وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ) الأنف في إصابتها أنواع الإزالة كاملة، الكسر، قطع الأشياء البارزة وعليه فرّق الفقهاء بين كل ذلك (وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ) الأذن عضو ظاهر وفيه منفعة باطنة ألا وهي السمع فإن قطع الأذن إذاً فقد أزال الجارحة أو العضو ولم يُزِل المنفعة، قالوا في هذا حكومة.
ما هي الحكومة عند الفقهاء؟ الحكومة أن يُستشهد رجلان من ذوي الخبرة وأهلا للثقة لو هذا الرجل كان عبداً ماذا ينقص من ثمنه بهذا العيب فما حدداه من نقص هو التعويض هو الدية، وقيل بل رجل واحد يكفي من أهل الثقة والخبرة، حكومةً، أما إذا كان السمع فقال بعضهم فيه القصاص، وقال بعضهم كيف يُقتص ونحن لا ندري ما بطل من سمعه، المقدار، قال بعضهم يؤتى به ويُنادى عليه من بعيد وتُحدد المسافة ومقدار نقص السمع وعلى أساسه تُحدد الدية أو التعويض (وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ) الرباعية الثنية الأسنان الأمامية هل تتساوى مع الضروس؟ قالوا لا وقال بعضهم، بل تتساوى لحديث ورد أورده أبو داود: (الأَسْنَانُ سَوَاءٌ وَالأَصَابِعُ سَوَاءٌ)، بمعنى أصابع اليدين والأسنان والضروس تتكافأ فالسن بالضروس والضرس بالسن، لا بأس (وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ) السن عظم وعليه بدأ القياس، فقال بعض الناس في جميع الأعضاء القصاص الكلام عن العمد قلع السن عمدا، أما إن ضربه عن غير قصد فأسقط السن أمره يختلف في العمد القصاص، في الخطأ الدية قالوا يُقاس العظم على السن في كل كسر، كسر قدمه تُكسر قدمه، وقال بعض الأئمة: لا، إلا الكسر فالكسر لا يمكن تقديره ولا تمكن المماثلة، كيف؟ كسر يختلف عن كسر، فلا يمكن لنا أن نكسر نفس الكسر في القصاص، إذاً ففيه الدية، وقال بعضهم الكسر في جميع العظام ما عدا الرأس، واتفقوا على أن القصاص في عظام الرأس ممنوع، إذ يُخاف منه الموت. ضربه على رأسه فكسر جمجمته جئت به وضربته على رأسه لتكسر جمجمته فمات، كيف يكون.
فالخلاصة أنهم اختلفوا في مسألة العظم لكنهم اتفقوا في عدم القصاص في عظام الرأس واتفقوا في عدم القصاص في العظام التي يُخشى منها الموت كالسلسة الفقرية مثلا كعظام الفخذ كعظام الصدر، قالوا لا قصاص فيها وإنما فيها الدية، وفرقوا بين العضو الذي تبطل منفعته ويبقى على وضعه كالأذن، لطمه على أذنه لطمة فأذهب سمعه لكن الأذن باق فكل عضو بقي على حاله وبطلت منفعته فيه الدية، لأن القصاص لا يتُمكن منه والبعض قال بل القصاص إن تمكنا من ذلك وضربوا الأمثلة أبطل بصره وبقيت العين كما هي لكن البصر زال، قالو يؤتى بمرآة وتُحمى في الشمس وتوضع أمام عينه حتى يسيل ماء عينه أو حتى يضيع بصره وهكذا خلافات، لكن المتفق عليه هو: كل قصاص يُخشى منه الزيادة أو أن يؤدي إلى التلف أو الموت يُمنع وفيه الدية في أي شيء، وتكلموا عن الأعضاء التي انفردت بالجمال دون المنفعة كالحاجب، حلق حاجبه أزال شعره، كذلك ثُدَيَ الرجل إليتي الرجل قالوا فيها الحكومة أو فيها الدية فقط، ولا قصاص فيها، الشفتان خلاف والرأي الأرجح الدية، اللسان جاء رجل برجل فأخذ لسانه فقطعه، قالوا لا قصاص فيها، لا قصاص في اللسان وإنما فيه الدية، وتمّسك البعض الآخر بالقصاص في كل شيء قالوا إن قطع جزءاً من لسانه فذهبت بعض حروفه فكيف يكون الحكم كاللثغة مثلا؟ قالوا تُحسب الحروف، اللغة العربية ثمانية وعشرون حرفا ويؤتى بالرجل ويقال انطق ألف باء فما نقص من حروف تحسب بالنسبة إلى ثمانية وعشرين حرفا وتُحسب الدية على هذا الأساس علماء الأمة ما ترك الأوائل من كلمة لقائل.
(وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) وتكلموا عن الجروح وفرّقوا بين الجرح السطحي الذي يجرح الجلد، وبين الجرح الذي يصل إلى اللحم، وبين الجرح الذي يصل للغلالة الرقيقة أو القشرة الرقيقة الفاصلة بين اللحم والعظم، وبين الجروح التي تصل إلى العظم فرقوا بين كل ذلك، وفي كل الأحوال فالقصاص في المخوف ممنوع حتى اللطمة، قالوا إن لطمه على العين فلا قصاص، إن لطمه على الخد فيها القصاص، لأنه إن لطمه على العين ولم يذهب بصره لو اقتصصت فلطمت على العين ربما أذهبت بصره فلا قصاص أما الخد فنعم، وقال بعضهم أبداً ولا الخد لم ذلك؟ قالوا لا قصاص في اللطمة لأن الضارب يختلف في القوة والضعف عن المقتص فلا يمكن أن تتحرى المماثلة والهدف من القصاص هو المماثلة فلطمه لطمة وكان اللاطم قويا إذا اقتص منه لا تدري أتزيد أم تنقص.
(فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) من تصدق؟ من؟ صاحب الحق وكانت الدية ممنوعة عليهم وما تكلما عنه في شأن الدية فنحن نتكلم عن الحكم في الإسلام لا في التوراة إذ في التوراة لا دية هناك إما القصاص وإما العفو (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ) العفو إما القصاص السن بالسن والعين بالعين وإما العفو (فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) لمن؟ قالوا للجاني بعفو المظلوم يعفو الله عن الجاني إذ قد عفا صاحب الحق، رأي ضعيف، والرأي الآخر (فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) أي للمظلوم للمجني عليه طالما تصدق فهو كفارة له أي يغفر الله، تبارك وتعالى، له ذنوبه بهذا العفو (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)) [سورة الشورى آية: ٤٣]، (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) [سورة البقرة آية: ١٩]، (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [سورة الشورى آية: ٤٠]، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)) على التفريع الذي تكلمنا فيه، تلك نبذة مختصرة عن الأحكام التي فرعها علماء الأمة هؤلاء العلماء الذين بذلوا الجهد وأمضوا الوقت أي العمر في البحث واستنباط واستخراج الأحكام رضي الله عنهم وأرضاهم وجعلنا على قدمهم.
فقد تكلم العلماء في هذه الآية وفرّعوا عليها أحكام القصاص والدية، ولكنهم فرّقوا بين الرجل والمرأة، وقال بعضهم بل تتكافأ أعضاء المرأة مع أعضاء الرجل إلى ثلث الدية، وقال بعضهم بل إلى نصف الدية بمعنى إصبع الرجل مثل إصبع الرجل، قطع الرجل إصبع امرأة تُقطع إصبعه قصاصا تتكافأ الأعضاء إلى أي حد؟ إلى حد مقدار ثلث دية الرجل، ثم بعد ذلك دية المرأة على نصف دية الرجل، بمعنى إن قطع الرجل إصبع امرأة تقطع إصبعه قصاصا، فإن قبلت الدية دية الرجل تساوي دية المرأة في الإصبع إلى درجات إلى الثلث ثم بعد ذلك على النصف من دية الرجل، وقال بعضهم بل تتكافأ أعضاء المرأة مع أعضاء الرجل إلى نصف الدية ثم بعد ذلك دية المرأة على النصف من دية الرجل.
ويقول ربنا، تبارك وتعالى، عن بني إسرائيل أنه أرسل إليهم بعد ذلك عيسى:
وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًۭى وَنُورٌۭ وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ ﴿46﴾
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ﴿47﴾
أيها الأخ المسلم الإسلام دين ودولة، الإسلام، عقيدة وشريعة، الإسلام فيه الخلافة والخلافة بيعة، وحريات الناس مصونة ورقابتهم على الحكام مشروعة، أنزل الله، تبارك وتعالى، في الإسلام وفي تشريع الإسلام نوعين من الأحكام:
النوع الأول: هو الأحكام القطعية وهي الأحكام التي لا تتأثر بالزمان أو بالمكان وهذه الأحكام القطعية لا جدال فيها ولا مراء لا تغيير فيها ولا تبديل، ولا يملك إنسان مهما بلغ أن يغير أو يبدّل أو يعدّل أو يزيد أو ينقص، ومن الأحكام القطعية أحكام العبادات إذ لا بد من عبادة الله، تبارك وتعالى، بما شرع وبما ارتضاه، هو الذي يبيّن لنا كيف نتقرب إليه، هناك نوع من الأحكام نزل بالكليات وترك الجزئيات لاجتهاد الأئمة حفزاً للعقول وتلاءما مع تغير الزمان والمكان، إذ الأصل في هذه الأحكام هو منفعة الناس، ومنفعة الناس قد تتغير وتتبدل بحسب الزمان بحسب المكان لكن الأصل فيها الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى كلهم لآدم وآدم من تراب، العدل أساس الملك، وترك ربنا بعض الأشياء بلا تقرير لعقوبتها في الدنيا فهناك الحدود والحدود هي حق لله، حد الزنا، حد السرقة، حد الحرابة، وهناك عقوبات لم تذكر لكن الله، تبارك وتعالى، ذكر الكليات لبعض الجنايات كالربا، الربا حرام فما عقوبة المتعامل بالربا؟ لم تنزل في القرآن ولم تظهر في سنّة سيد الأنام، لكن الربا حرام من هنا كان التعزيز في مثل هذه الجنايات أي التأديب وترك ربنا، تبارك وتعالى، التعازير للحكام وللأئمة، الأئمة والعلماء يقرروا الجنايات التي تحتاج للتعازير كالسباب، رجل سبك في الطريق سبك أيقام عليه الحد لا حدود هنا، ماذا تكون العقوبة التعزير، هل السباب مباح في الإسلام؟ أبدا (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) [سورة الحجرات آية: ١١]، من هنا كان على الحكام أن يفرقوا بين ثلاثة أنواع من الأحكام:
النوع الأول الحدود: وهو حق الله، تبارك وتعالى، لا يملك الحاكم أن يغير فيه بالزيادة أو بالنقصان أو يمنع تنفيذ الأحكام.
النوع الثاني: القصاص وهو حق العباد حق الخلق فيه القواعد العامة إما القصاص على تفصيل فيه، وإما الدية على تقسيم لها، وإما العفو على أجر موعود من الله، تبارك وتعالى.
والنوع الثالث التعازير: وهي العقوبات التي يقررها الحاكم وهذه العقوبات على جنايات تعد في الإسلام محرمة لكن لم تنزل فيها أو في شأنها عقوبة، عقوبات محددة، وهذه التعازير تبدأ من اللوم والعتاب لا تفعل ذلك إياك أن تفعل هذا، ليس هذا من خلق الأبرار، ليس هذا من سلوك المتقين، اللوم والعتاب، تبدأ من اللوم والعتاب وتتدرج للجلد والحبس والسجن وتتدرج حتى تصل إلى القتل إن شئت، كل ذلك ليعيش الناس في أمان، في سلم وسلام وربنا، تبارك وتعالى، أدرى بصنعته وهو أعلم بخلّقه (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)) [سورة الملك آية: ١٤]، بلى سبحانه وتعالى إذاً فربنا، تبارك وتعالى، في تشريعه من مقاصد تشريع الإسلام بل من أهم المقاصد إيجاد الفرد الصالح وإيجاد المجتمع الصالح الفرد الصالح الذي لديه الوازع الديني والضمير الحي الذي يخشى رقابة الله، من أجل ذلك جُعلت العبادات للوصول إلى مكارم الأخلاق، والمجتمع الصالح الذي يبني على التوادد والتآلف والتراحم والمحبة والعفو والصفح، كم من الآيات حضت على الصفح وعلى العفو (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [سورة البقرة آية: ٢٣٧]، (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ) [سورة الشورى آية: ٤٠] وهكذا العفو والصفح والتسامح والتراحم والتوادد والتآلف والتضامن والتعاون على الخير (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [سورة المائدة آية: ٢]، والمسلم أخو المسلم، المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمؤمن من يحب لأخيه ما يحب لنفسه لكن في كل زمان وفي كل مكان يوجد البشر بصور مختلفة ويوجد الإجرام، من هنا وجب الضرب على أيدي المجرمين، وجب الضرب بقسوة على أيدي المجرمين كي يأمن الناس (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)) [سورة المائدة آية: ٥٠]، لا أحد فارجعوا إلى كتاب الله، وارجعوا إلى حكم الله وارجعوا إلى سنّة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تصلحوا وتسودوا الأمم ويرفع الله، تبارك وتعالى، عنكم المقت والغضب والسخط ويبسط لكم الأرزاق لقوله، عز وجل: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) [سورة المائدة آية: ٦٦]، فالعمل بما أنزل الله فيه السعة في الرزق والبسط في الرحمة، الحكم بما أنزل الله نعم، فالحكم بما أنزل الله.
وقع اليهود في شر أعمالهم قالوا سمعنا وعصينا، بدّلوا القول قيل لهم قولوا حطة فقالوا قولا غير ذلك ادخلوا الباب سجدا فعصوا قالوا أرنا الله جهرة قالوا وقالوا، كل ذلك شيء وتحريف التوراة شيء آخر، أشد الظلم وأشد أنواع الظلم أن يفتري الإنسان على الله الكذب أن يكتب الكتاب بيديه ثم يقول هذا من عند الله ذاك ما وقع فيه اليهود، واليهود هم اليهود، وحين بُعث عيسى بُعث لليهود والذين كفروا به هم اليهود، والذين حاولوا أن يصلبوه هم اليهود، والذين حرّفوا الإنجيل هم اليهود، وكفار النصارى هم كفار اليهود، فقد بُعث عيسى في بني إسرائيل، حاولوا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وألزمهم الحجة وثبت أن الرجم في التوراة ثم بعد ذلك يحكّموه، ويقول الله، تبارك وتعالى، معجبا: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ) [سورة المائدة آية: ٤٣]، سبحان الله (ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) [سورة المائدة آية: ٤٣]، بعد أن يتركوا التوراة ويذهبوا إلى محمد بن عبد الله يحكمونه فحين يحكم يتولون عن حكمه ماذا تريدون؟ لذا ينبّه الله، تبارك وتعالى، حبيبه المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وبين السطور كلام والخطاب للحبيب، صلى الله عليه وسلم، ولكل من يعقل ولكل من هو أهلٌ للخطاب.
وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿48﴾
منها: أن الصيام في السفر أفضل من الفطر ولا يصح الأخذ بالرخصة لأن الله قال (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) والصلاة أول الوقت لأن الله قال (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) والإسراع بإخراج الزكاة والإسراع بالخير ولا تؤجل الخير أبدا لأن باب الخير فُتح بلطفه وبرحمته وبفضله عليك، فإياك أن تتراخى أو قد يغلق الباب (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)) يظهر الحق من الباطل ويجازي الناس بأعمالهم في يوم الحكم يوم القيامة، حيث يحكم الله، تبارك وتعالى، بين الأمم جميعا حيث تدعى كل أمة إلى كتابها (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) [سورة الجاثية آية: ٢٨] على الركب، على الركب، في ذلك اليوم يحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون، يتوجه الخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، مكررا فالسابق بالخيرات (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)) وطالما أنبأهم فقد حدث ينبئهم يحكي يقص، يسلّي إذا أنبأ الله، تبارك وتعالى، أحداً بعمله فذاك يعني المؤاخذة يعني الحساب، أما الصالحون فلا ينبئهم أحد بأعمالهم ولا يُسألون وإنما هم الذين يقولون (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)) [سورة الحاقة آية: ١٩ - ٢٠]، يفتخرون بصحائفهم، (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)) يظهر الحق من الباطل ويُقضى بين العباد فيما اختلفوا فيه.
ويتكرر الكلام تأكيدا وتقريرا:
وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ ﴿49﴾
أيها الأخ المسلم من أغرب وأعجب ما صادفني من أحاديث قدسية حديث يقول الله، تبارك وتعالى، فيه لأحد أنبيائه: (إِذا رَأَيْت عَبدِي كثر ذكري فَأَنا أَذِنت لَهُ فِي ذَلِك وَأَنا أحبه وَإِذا رَأَيْت عَبدِي لَا يذكرنِي فَأَنا حَجَبته عَن ذَلِك)، فإن الله، تبارك وتعالى، أنزل القرآن آخر الكتب أنزله مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا على جميع الكتب، وكأن القرآن جمع الله فيه كل الشرائع والأديان وكأن القرآن جُمع فيه كل الفضائل، وكأن القرآن صالح لكل مكان وزمان ولكل نوع من أنواع الإنسان، آخر الكتب المهيمن على الكتب، إذاً طالما كان مهيمناً على الكتب فلا شيء في كتاب إلا وفيه ولا خير في كتاب إلا وفيه، كما أن القرآن لا بد وأن يصلح كحكم بين الناس إلى أن تقوم الساعة، ركبوا البعير أو ركبوا الصاروخ ركبوا السفينة أو ركبوا الطائرة، أياً كان لا بد وأن يكون الكتاب الذي نزل من الصانع، الخالق أدرى بصنعته منا، هل تدري الصنعة عن أمرها شيئا؟ هل يمكن لجهاز مهما بلغ من التقدم أن يحكم نفسه؟ هل يمكن لسيارة أن تسير بغير قائد؟ هل يكمن؟ ما من جهاز وما من أداة إلا ومعها كتيب يشرح لمستخدمها كيف تُصان، كيف تُغذى تعمل بالكهرباء أم تعمل بالماء أم تعمل بالغاز أم تعمل بماذا، كيف يتم التشغيل، كيف تصان، كيف كذا، الجهاز وما الإنسان إلا جهاز مركب معقّد فيه من الأسرار ما لم يصل إليه أحد حتى الآن في الطب في النفس في العقل في الأعصاب في الدورة الدموية في كل شيء جسم ونفس وروح تراب وطين وحرارة أشياء مختلطة ممتزجة بمزاج وبنظام منتهى الدقة أي خلل لثانية تنهار العمارة الإنسانية بالكامل (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠))، لا أحد من هنا حين نزل القرآن نزل وفيه نوعان من الأحكام لنوعين من المسائل:
النوع الأول من الأحكام: أحكام قطعية لمسائل لا تتغير ولا تتبدل باختلاف الزمان والمكان، الله واحد، هل تختلف في زمان أو في مكان (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)) [سورة الإخلاص آية: ١]، هل تختلف (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) [سورة فصلت آية: ٤٦]، يتغير هذا الحكم بتغير الزمان بتغير المكان أو بتغير الناس (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)) [سورة المدثر آية: ٣٨].
هل يتغير هذا (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)) [سورة القيامة آية: ١٤]، يتغير الكلام؟ (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) [سورة الإسراء آية: ١٣]، هل يتغير هذا الكلام؟ هل يتغير؟ (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) [سورة الأنعام آية: ١٢٥]، أحكام قطعية في العقائد في العبادات، لا يُعبد ربنا إلا بما شرعه هو وبما أراده هو، هو الملك، كيف تدخل عليه كيف تقف بين يديه كيف تتقدم في حضرته هو الذي يقول وليس الناس فلا يُترك لأفهامهم وإنما هو يقول أحكام قطعية في العقائد وفي العبادات أيضا في الجرائم وفيما تواجه به هذه الجرائم الحدود (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) [سورة الطلاق آية: ١] (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) [سورة البقرة آية: ١٨٧]، (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا) [سورة البقرة آية: ٢٢٩]، (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) [سورة النور آية: ٢].
حكم صدر، لا نقض له ولا إبرام، صدر من الأزل وإلى الأبد هل يتغير بتغير الزمان؟ هل يأتي زمان يسمح فيه الرجل لابنته بالزنا؟ هل ممكن أن يتغير المكان فإذا بالزوج يسمح لزوجته بمعاشرة الرجال؟ هل يمكن أن يتغير الرجل وتتغير المرأة إلى مخلوق آخر ممسوخ؟ أحكام هذه أحكام قطعية لا تتغير. (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ) [سورة المائدة آية: ٣٨]، حكم قطعي، لا تغيير فيه ولا تبديل، لا يتغير بالزمان ولا يتغير بالمكان، ولا يملك حاكم أيا كان مهما ملك من تأييد شعبي أو بيعة عامة أن يرفع أو يخفض من مقدار العقوبة التي قدرها الملك، أنى للعبد أن يعترض على الملك، ملك الملوك.
النوع الثاني من الأحكام: نزل لمسائل تتأثر باختلاف الزمان والمكان أحكام عامة مثل: (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) [سورة الحجرات آية: ١١]، التنابز بالألقاب فسق الشتائم والتهارج فسق فما عقوبته؟ لم تنزل تُركت للمحاكم اختلاف الزمان والمكان هناك شعوب طبيعتها أن تتكلم بأسلوب يبدو أنه سباب الحكم هنا يختلف الحكم في زمن أو لشعوب الكلمة لا تخرج إلا بمقدار، الربا حرام نزل التحريم في القرآن لكن كيف يُجرّم؟ كيف يعاقب مرتكب جريمة الربا؟ كيف يعاقب مرتكب جريمة تلويث الشارع بالقاذورات أو البناء في غير ملكه، نحن نعلم أن إماطة الأذى عن طريق لك صدقة إذا وضع الأذى في الطريق إثم مجرَّم كيف يعاقب؟
من هنا نزل النوع الآخر من الأحكام أحكام كلية أحكام عامة ولك أنت أيها البشر طبقا لظروف الزمان وظروف المكان ولمصالح الناس أن تشرِّع من خلال الإطار العام وتحت المظلة العامة: (لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ)، مع نفي الحرج ودفع الضرر وجلب المنافع ودفع المفاسد والناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى كلكم لآدم وآدم من تراب إذا فقد ترك الله، تبارك وتعالى، للعقول البشرية أن تجتهد وترك للناس أن يمارسوا السلطان في تقرير القوانين وتحديد الجرائم التي تضر بالمجتمع أما ما حدده ربنا من جرائم فإياك وأن تمتد يدك إليه بالتعديل وإلا أحاط بك غضب الجبار، ترك لك أشياء، الرشوة ما عقوبتها؟ لا علاقة لها بالسرقة فيها التعزير التأديب من سلطة الحاكم السجن النفي الحبس الإعدام اللوم العتاب، ما عقوبة الاختلاس سرقة المال العام، ما عقوبة المرأة التي تخرج إلى الشارع متبرجة؟ ما عقوبة من يسب الدين؟ ما عقوبة من يرفع صوت المذياع؟ لك الحق أن تحدد الجرائم التي أنها تضر بالصالح العام ولك الحق أن تحدد العقوبات بدءا من اللوم إلى الإعدام كي تحقق الأمن والأمان كي تحافظ للناس على دينهم وعقولهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم ونسلهم.
أيها الأخ المسلم تختم الآيات بقول الله، عز وجل، بسؤال فيه التوبيخ فيه اللوم فيه التقريع:
أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًۭا لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ﴿50﴾
ويقول: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)) [سورة آل عمران آية: ٣٨]، ويقول (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)) [سورة آل عمران آية: ١١٩]، ويقول (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)) [سورة آل عمران آية: ١٢٠].
تحذيرات لا يتسع المقام لذكرها لا عد لها ولا حصر، ومن الغريب أن في سورة المائدة والتي نحن بصددها والكلام عن الحكم بما أنزل الله والخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، والتعجيب من شأن أهل الكتاب يهود ونصارى حرّفوا الكتب وحكموا بأهوائهم وتركوا حكم الله ونبّه الله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)) [سورة المائدة آية: ٤٤]، وَمَنْ (لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)) [سورة المائدة آية: ٤٥]، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)) [سورة المائدة آية: ٤٧].
ويتوجه الخطاب لسيد الخلق وخاتم الرسل، صلى الله عليه وسلم: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) [سورة المائدة آية: ٤٨]، تختم الآيات (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)) [سورة المائدة آية: ٥٠].
وإذ بالخطاب يتوجه للمؤمنين فيقول الله، عز وجل:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿51﴾
نعم، هل تأكل عنده؟ نعم هل يأكل عندك؟ نعم، تتزوج من نسائهم؟ نعم، (وَطَعَامًا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [سورة المائدة آية: ٥]، فما معنى لا تتخذوا منهم أولياء؟ أين هو الفارق أين هو الفاصل الدقيق بين حسن المعاملة وحسن الجوار وبين الموالاة؟ حسن الجوار الأمن، ما هو الفاصل الدقيق؟ (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) [سورة التوبة آية: ٦]، حسن الجوار الأمن، ذمة المسلمين يسعى بها أدناهم هم أهل ذمة أهل جوار نتعامل معهم نتاجر معهم لا نظلمهم (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا) [سورة المائدة آية: ٨].
تعامل من حيث الظاهر أما ما انطوت عليه القلوب من حب ومودة فهي للمؤمنين، إذاً فمن حيث الظاهر القسط والعدل والصدق والأمانة كل الصفات الحميدة يتعامل بها المسلم مع المسلم وغير المسلم، أما الاستنصار أما الحب أما الموالاة أما التآلف التوادد فلا يكون إلا بين المسلم والمسلم ذاك ما نفهمه من الآية ونفهم أيضا أن ورود الآية بعد تحذير النبي، صلى الله عليه وسلم، من تغيير أحكام الله (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [سورة المائدة آية: ٤٩].
(* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) أولياء يتولون أموركم قانون إلهي نزل صالحا لكل زمان ومكان على أشرف وأفضل خلق الله خاتم رسل الله محمد بن عبد الله، عليه الصلاة والسلام، إذاً فقد تولانا الله بالعناية وحدثنا عن جرائم خطيرة قد تُرتكب وحدثنا عن عقوبات يجب أن توُاجه بها الجرائم حتى يصلح أمر الناس وتصلح المجتمعات ويتكون مجتمع الأمة الصالحة، لكنك جعلت اليهود والنصارى يتولون التقنين لك فإذا تولى اليهود والنصارى التقنين لك ووضع القوانين لك فهُم أولياءك، أن تتولى أمر أحد بالعلاج ممكن فلان مريض تولى أمره فلان الطبيب تولى أمره، الطالب في المدرسة يخطئ فيقال له هات ولي أمرك، من هو ولي أمره، وهكذا، من يتولى أمر المسجد؟ خدمه وعماله، من يتولى أمر كذا، فالكلمة واسعة لمعان عديدة، فارتباط الآية بما قبلها من آيات يجعل المتأمل يعجب أن القانون المصري قانون العقوبات مستمد ومأخوذ ومنقول عن القانون الفرنسي، فيجرّم المرأة الزانية إن شكى زوجها فإذا لم يشكو الزوج بُرئت ولا يجرّم الرجل الزاني إلا أن يزني على فراش الزوجية، أما إن زنى خارج بيته فلا جرم عليه القانون الفرنسي، والقانون الذي جاء ذكره من آيتين أو ثلاث (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) [سورة المائدة آية: ٤٩]، في هذا القانون نسمع المشرِّع يقول (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)) [سورة النور آية: ٢].
(* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) هم الخبراء هم واضعو القوانين هم مصلحو الاقتصاد هم منشئو المصانع هم الذين يرتبون لك حياتك الاقتصادية والانتقال من الشمولية إلى القطاع الخاص، هم الذين يخططون لك، هم الخبراء في القوى هم الخبراء في البترول هم الخبراء في التعليم هم الخبراء في المسرح هم الخبراء في الفن هم الخبراء في الثقافة هم الخبراء في السياحة أين أمة محمد؟ أين هي؟ أين نفتش عنها؟ وإلى متى؟ (* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) أي هم وإن بدت العداوة ظاهرة بينهم إلا أنهم يتولون أمر بعض فهُم كلٌ عليكم وهم واحدٌ عليكم وهم ضدّ لكم، من الذي حاول صلب المسيح وزعم أنه صلبه؟ اليهود إذاً كان من المفروض أن يكون النصارى أشد عداوة لليهود منا، اليهود لم يؤثروا في نبينا وحماه الله منهم اليهود نحن قتلناهم وسبينا ذراريهم وأجلاهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من بني النضير وقتل قريظة وسبى نساءها، وأجلاهم عُمر من خيبر، لم يحدث أي ضرر من اليهود لأنه محمد، صلى الله عليه وسلم، في عصر النبوة وعصر الخلفاء الراشدين وعصر عزة الأمة عصر العلم، عصر العمل بكتاب الله، فكان من الواجب ومن المنطقي أن يكون العداء الشديد بين اليهود وبين النصارى لكن الله العليم الخبير يقول (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) هم مع بعض، أما أنتم فأنتم العدو لهم، والمتأمِّل الآن فيما حولنا ما يحدث للمسلمين في الخارج في جميع الأماكن، المسلّحون اليهود، والقاتلون النصارى الذين يقتلون المسلمين ويقتلون المسلمين، ويذبحون النساء ويغتصبون النساء نصارى الصرب المسلحون لنصارى الصرب يهود إسرائيل، يهود العالم، التعاون بين اليهود وبين النصارى، من الذي أنشأ إسرائيل وجعلها شوكة في ظهر الأمة العربية؟ النصارى، من الذي يسلّح اليهود في إسرائيل؟ النصارى، من الذي عاونهم في العاشر من رمضان من الذي عاونهم بعد أن كادت الدائرة تدور عليهم؟ النصارى، فافهم واسمع لكلام الحكيم الخبير أصدق القائلين هو الله: (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) تنبيه وإخبار ثم يأتي التهديد (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)) إذاً من تولاهم دون المؤمنين حُكمه حُكمهم ومصيرهم، ومصيرهم، ما معنى فإنه منهم (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) منهم: حكمه حكمهم ومصيره مصيرهم ثم يُختم الكلام وتُختم الآية والتحذير والتهديد بلهجة شديدة في وعيدها (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)) الذين ظلموا أنفسهم باتخاذ اليهود والنصارى أولياء دون المؤمنين يحبونهم، وربنا ينبه (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) [سورة آل عمران آية: ١١٩].
ربنا يقول: أنت تحبهم وهم لا يحبونك، ربنا ينبه: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) [سورة آل عمران آية: ١١٨]، أنت تؤمن بكل الكتب السماوية وبكل الرسل وهم لا يؤمنون بكتابك ولا برسولك، تحذيرات متتالية لكن:
فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌۭ ۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍۢ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَـٰدِمِينَ ﴿52﴾
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَأَصْبَحُوا۟ خَـٰسِرِينَ ﴿53﴾
(أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) أي أيمان مغلظة حلفوا وأقسموا بالله مرة واثنتان وثلاث، بذلوا الجهد في اليمين اليمين المغلظ كما تقول حلفت بالله ثلاثا يمين مغلظة غير أن تقول أقسم بالله أقسم بالله تختلف أُقسم بالله ثلاثا، أقسم بالله الحي القيوم ثلاثا وهكذا، هؤلاء أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم، فالمؤمن يخاطب المؤمن هذا الذي حلف أنه مؤمن معك حبط عمله لأنه كان منافقا وكان يوالي اليهود والنصارى المؤمن يقول لليهودي ويقول للنصراني بعدما حاقت الدوائر وكما يقال للدولة التي انهارت الآن أين جنودها في مصر الشيوعيون الاشتراكيون الذين زعموا أن أبا ذر أول اشتراكي في الإسلام وأن الإسلام دين الاشتراكية وغنوا لها بالأهازيج والأغاني والأشعار، أين هؤلاء أين كلاب موسكو أين هم الآن؟ فالآن يقول المؤمن لهم (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ) ها هم تحولوا إلى الخصخصة، تحولوا إلى أمور أخرى، تحولوا إلى اتجاهات أخرى، كذلك العبرة يقول الذين آمنوا لليهود والنصارى، أو يقول الذين آمنوا للمؤمنين (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ) مع المؤمنين ظهر نفاقهم مع الكفار ظهر جبنهم حبطت أعمالهم دنيا وأخرى حبطت هلكت ضاعت انتهت حبطت البقرة أو الناقة إذا استحلت المرعى وأكلت أكلت أكلت حتى انتفخت فماتت وعبَّر بكلمة الحبوط عن الهلاك، الهلاك نتيجة فعل المُهلَك، وليس نتيجة فعل المُهلِك أي هلك بنفسه بفعله وليس بفعل الله مثلا فممكن أن يهلكه الله لكن الحبوط حبطت أعمالهم لم يحبطها الله بل أحبطها نفاقهم وأحبطها تصرفهم وأحبطها غشهم (فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)) خسروا الدنيا والآخرة.
أيها الأخ المسلم الغرب يتحف أمة الإسلام بكل جديد، وما يحدث من إرسال عبر الأقمار الصناعية لماذا؟ مجانا بغير ثمن لماذا؟ فهُم يتكلفون بغير شك في إنتاجها والمسلم يستقبلها بلا أي جهد وبلا ثمن لم ذلك؟ هل حبا في المسلمين أم إفسادا؟ (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)) [سورة النساء آية: ٢٧].
فمن اللافت للنظر أن الله، تبارك وتعالى، حين نهى عن موالاة أهل الكتاب (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) [سورة المائدة آية: ٥١]، عقب ذلك بالتهديد والوعيد للمرتدين ورباط الآيات غاية في الأهمية، وقد تكلمنا عن الرباط المستنتج بين قوله، عز وجل: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) [سورة المائدة آية: ٤٩]، وقوله: (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) [سورة المائدة آية: ٥١]. ما علاقة الحكم بما أنزل الله بالنهي عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، واليوم يقول الله، تبارك وتعالى:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ﴿54﴾
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) (من يرتدد) قراءة (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ) تهديد بالاستبدال والمستبدل قادر على الاستبدال، (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)) [سورة محمد آية: ٣٨] قادر على الاستبدال، قادر على إهلاك الأرض بمن عليها يبدأ الخلّق ثم يعيده، معظم النار من مستصغر الشرر ومن اجترأ على الصغائر وقع في الكبائر ومن اجترأ على الكبائر وقع في الكفر والشرك والعياذ بالله، طريق الله واضح درجات كلما صعدت درجة كلما أخذ الله بيدك إلى الدرجة التالية، درجات لا تنتهي إلا بالنظر إلى وجه الكريم، وطريق الضلال دركات لا تنزل إلى درك إلا ويجذبك الشيطان إلى درك تال له وآخره هاوية الجحيم، طريقان وفريقان فريق في الجنة وفريق في السعير، رباط قد يتأمل المتأمل فيجد هذا الرباط، أما الانصراف عن أحكام الله عدم الحكم بما أنزل الله اتباع هوى أهل الكتاب اتخاذ أهل الكتاب أولياء نستنصر بهم ونستعين بهم ونودهم ونحبهم ونقلدهم في مأكلهم ومشربهم ومزاجهم وفي كل شيء ثم ماذا يكون بعد ذلك؟ ينشأ جيل من الصغار في وضع وفي بيئة وفي ظروف هكذا هو الوضع لا يميّز بين الخطأ والصواب، فتجد السباب على الألسن ولا يستحيي شيء عادي لأنه يسمعه ويراه في وسائل الإعلام شيء عادي، وكذلك ++ وإبداء الزينة شيء عادي ينشأ الطفل والطفلة على ذلك، لم يعرف العيب لم يعرف الحرام والحلال، المباح مما لا المباح، فإذا نشأت هذه الأجيال بعيدة عن الحكم بما أنزل الله، بعيدة عن الفضائل، لا تميز بين الفضائل والرذائل ماذا بعد ذلك؟ الارتداد، فما هو الارتداد وما هي الردة؟
الردة: هو خروج المسلم بعد إقراره بالشهادتين عن الإسلام، ويُعتبر مرتدا من قال بصريح العبارة أو فعل فعلاً يدل على إنكاره لوجود الله، أو إنكاره لما عُلم من الدين بالضرورة، وقد ينكر الكُل وقد ينكر البعض مثال: من أنكر الزكاة وأنكر فرضيتها ارتد، من أنكر فرضية الصلاة أو فرضية الحج ارتد، من أحلّ حراما ومن حرم حلالا ارتد، من قال إن الخنزير يحل أكله كفر وارتد عن الإسلام، من قال أن البرتقال يحرم أكله خرج عن الإسلام (أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [سورة يونس آية: ٥٩ - ٦٠].
من هنا قال العلماء من أحلّ حراماً أو حرم حلالاً حُكم بارتداده من أهان المصحف حُكم بارتداده، من أهان الملائكة بالقول أو بالإشارة أو بالرسم، كما يفعل رسام الكاريكاتير، من أهان الأنبياء أو نسب إليهم النقص كأن قال عن نبي من الأنبياء أنه كان أعور العين أو قال عن نبي من الأنبياء أنه كان أعرج كما فعلت يهود واتهموا موسى وآذوه فنهانا ربنا (لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)) [سورة الأحزاب آية: ٦٩]، فمن نسب النقص البدني أو الخلقي أو الخلقي إلى نبي من الأنبياء كفر، ومن أنكر نبوة نبي من الأنبياء علمت نبوته من الدين بالضرورة بالقرآن أو بحديث رسول الله كفر، ومن أهان الملائكة أو أساء إليهم كفر وارتد، من أهان المصحف من قلب صفحاته ببصاقه استهزاءً خرج عن الملة هكذا كما يفعلون خرج عن الملة، من أفتى بحل الخمر، من أفتى بحل الخنزير، كثير من الأمور تخرج الإنسان عن دينه فيُحكم بارتداده، فإذا ارتد فما حكمه؟ حكم من ارتد هو حكم الله هو الحد والقتل حداً، الكافر لا يقتل الكافر يدعى إلى الإسلام الكافر لا يعلم (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)) [سورة التوبة آية: ٦]، فالكافر لا يُقتل والذمي لا يقتل، لكن المسلم إذا ارتد قُتل حداً، كقطع يد السارق وكجلد الزاني، القتل عقوبة المرتد القتل، لكن العلماء في تنفيذ الحد اختلفوا: بعضهم قال إذا طلب المرتد مهلة للتفكير مُنح ثلاثة أيام، وقال البعض الآخر بل يجب على الإمام أن يمهل المرتد ثلاثة أيام بلياليها يستتاب فيها يستتاب إذ ارتداد المسلم غالبا ما يكون عن شبهة جلس مع أحد الكفار، جلس مع هؤلاء الذين نهانا ربنا أن نتولاهم أخذ وأعطى في الكلام وهو لا حصيلة له من العلم غير محصن بالعلم الديني لا حصيلة له فتولى هؤلاء الذين نهى الله عن موالاتهم وأخذوا معه في الكلام فأوقعوه في الشبهات غالبا ما يحدث ارتداد المسلم نتيجة لذلك من هنا قال الأئمة يجب أن يمهل ثلاثة أيام بلياليها يظهر الشبهة فيزيلها عنه العلماء، يا بني كذا، كذا، فإن تاب فالحمد لله في خلال الأيام الثلاثة أو بعدها، وإن أبى وأصر على ما هو عليه قُتل حداً، وفي هذه الحالة إذا قُتل المرتد حداً لا تورث أمواله، إذ أن المسلم لا يصح أن يرث الكافر فلا تورث أمواله وتؤخذ أمواله إلى بيت المال، وقال بعضهم بل ما اكتسبه من مال حال إسلامه يورث، يأخذه الورثة المسلمون، وما اكتسبه من مال حال ارتداده يعود إلى بيت المال، وأحكام الردة لها تفصيلات مجالها في الدروس إن شاء الله. يقول الله، تبارك وتعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) حب الله هل ربنا، تبارك وتعالى، يحب أولياءه بالحب الذي نفهمه؟ حاشا وكلا سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء، من هنا وجب التأدب في فهم الكلام فقال العلماء حب الله للعبد هو إرادة ثوابه أي يريد ربنا أن يهديه ويوفقه في الدنيا ويعد له الثواب في الآخرة، فحب الله للعباد هو إرادة هدايتهم وتوفيقهم في الدنيا وسترهم ومجازاتهم بحسن الثواب في الآخرة، لكن ليس الحب الذي فيه الانفعال، ليس الحب الذي نعرفه نحن بشر وربنا ليس كمثله شيء، أما حب العبد لله (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، كيف نحب الله؟ طريق الحب مرسوم (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [سورة آل عمران آية: ٣١] فقد رسم الطريق، من هنا قال العلماء حب العباد لله هو إرادة طاعته والتزام أمره والجهاد في سبيله، كي تعرف هل أنت محبوب وهل أنت محب كلنا يود أن يعرف، كلمتان إياك أن يفتقدك الله حيث أمرك وإياك أن يجدك حيث نهاك، إياك أن يجدك حيث نهاك، وإياك أن يفتقدك الله حيث أمرك فمثلا يقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) [سورة الجمعة آية: ٩] إياك أن يفتقدك في المسجد إياك فقد أمرك بالتواجد فيه، ونهاك عن التواجد في دور اللهو والاستهزاء وتولى غير المسلمين، فإياك أن يجدك بينهم، فالحب الحقيقي ألا يجدك الله حيث نهاك وألا يفتقدك حيث أمرك، فإن لم تفعلوا وتوليتم أهل الكتاب وأخذتم تشريعات القوانين منهم وجهوكم وخططوا لكم وسيروكم وقادوكم واتبعتم خطواتهم حذو النعل كما قيل: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ) لو فعلتم ذلك واستمررتم على ذلك سوف يُذهب بكم الله يُذهبكم ولا يبالي بكم، وقد ورد: أن الله أمر ملكا بتدمير قرية (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي) [سورة الفرقان آية: ٧٧] هل يعبأ (لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) [سورة الفرقان آية: ٧٧] أي دعاء الصالحين منكم الذين يقولون يا رب سترك سترك على العباد لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا (أَوْحَى الله، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنِ اقْلِبْ مَدِينَةَ كَذَا وَكَذَا بِأَهْلِهَا، قَالَ: فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ فِيهِمْ عَبْدَكَ فُلَانًا لَمْ يَعْصِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، قَالَ: فَقَالَ: اقْلِبْهَا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ وَجْهَهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ فِيَّ سَاعَةً قَطُّ)، أي لم يتغيّر وجهه لم يتضايق لم يحزن لم يجاهد ترك المعاصي وأهل المعاصي وقال: وأنا مالي أنا في حالي.
(فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) صفة (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) يتذلل للمسلم عدى الفعل بكلمة (على) ليفيد معنى الحنان، يحنوا فالغنى يعطف على الفقير والكبير يأخذ بيد الصغير، والفقير يدعو للغني ولا يحقد عليه (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) بعضهم قال من الذلول والذلول، المذلل (إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ) [سورة البقرة آية: ٧١] غير مذللة وقال بعضهم أنها من الذُل لأن الذلول يجمع على ذُلل ليس على أذلة، أذلة جمع ذليل والذلة هنا ليست بمعنى الانكسار والضعف والخزي وإنما أن تذلل لأخيك المؤمن كقول الله لسيد الخلق، صلى الله عليه وسلم، (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)) [سورة الحجر آية: ٨٨]، (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)) [سورة الشعراء آية: ٢١٥] (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) [سورة الإسراء آية: ٢٤]، هذا هو المطلوب التواضع الانقياد التساهل التآلف مع المؤمنين إخوانك في الدنيا إخوانك في الآخرة، المؤمن أخو المؤمن والمسلم أخو المسلم (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) العزة هو ما يجعلك ممتنعا العزة صفة تجعل الإنسان يتمنع ويمتنع عن الإذلال وعن الخزي وعن الهزيمة، عزه غلبه ومنه قوله (فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)) [سورة ص آية: ٢٣] (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)، معتزين بأنفسهم بكرامتهم لا يذلون لهم لا يمدون لهم أيديهم وإن جاعوا، كم ربط سيد الخلائق الحجر على بطنه هل مد يده؟ كم مرت شهور ولا طعام له ولا لأهل بيته إلا التمر والماء! كم أكلوا ورق الشجر حتى كان أحدهم يضع كما تضع الشاة زادهم الخمط! لماذا أقبلتم على الدنيا! لماذا كرهتم الموت؟! نبّه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسلم لذلك:
(وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ)، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهَنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ) أقبل الناس على الدنيا ما ينقص شيء من الطعام أو الشراب أو الكماليات إلا وهاج الكل فنريد أن نزود الناس بما يحتاجون من كماليات مشمش وفستق وبندق ولوز وتستورد من الخارج بمال، أين المال؟ هلموا أعطونا يا أهل الصليب أين العزة.
(يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ) اللومة، المرة من اللوم واللوم، العتاب هؤلاء يجمعون بين الذل للمؤمن والعز على الكافر والجهاد في سبيل الله والتصلب في الدين وقولة الحق يجمعون بين كل ذلك يأتي بهم الله والله قادر على ذلك (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)) واسع فضله لا حد له عليم بمن يستحق هذا الفضل فإذا كنتم لا تستحقون فسوف يأتي بغيركم ممن يستحق، قال العلماء الآية علامة من علامات النبوة كيف؟ قالوا حين نزلت الآية لم يكن هناك ارتداد ولم يعلم أحد من المسلمين بأن هناك ارتداد أو أنه ممكن أن يرتد مسلم فالآية أنبأت بأمر حدث في أواخر عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى وحدثت حروب الردة في عصر أبي بكر الصديق من هنا قالوا ُنزلت الآية في أبي بكر وأصحابه (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ) فارتد أُناس سبع فرق ارتدت في عهد أبي بكر ارتدوا عن الإسلام، فأبو بكر وأصحابه والأنصار حاربوهم وقتلوهم، ورفعوا راية الإسلام وقضوا على الفتنة في مهدها فكأن الآية تتحدث عما سوف يحدث (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) أبو بكر وأصحابه والأنصار الآية نزلت في هؤلاء، وقيل بل الآية نزلت في الأشعريين فبعد نزول الآية لم يلبث قليلا إلا وجاء الأشعريون بسفائنهم من اليمين في الهجرة إلى المدينة حين جاءوا يقال أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أشار إلى أبي موسى الأشعري وقال هم قوم هؤلاء ولذا قالوا إن الفتوحات في عهد عمر بن الخطاب كلها كانت بجهاد اليمن وأهل اليمن، وقيل أيضا إن الآية نزلت في أقوام حاربوا أهل الردة لم يكونوا موجودين عند نزول الآية فالآية علامة من علامات النبوة الآية حين نزلت حكمها سارٍ إلى يوم القيامة، (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)) وحدثت ردة في آخر عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من ثلاث قبائل:
بنو مُدلج: قبل اليمن بزعامة الأسود العنسي ادعى النبوة، فأرسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من يحاربه فقُتل ليلة قُبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأَخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، الصحابة بذلك فكانت علامة من علامات النبوة.
بني حنيفة: برئاسة طليحة ابن خويلد وذلك قاتله أبو بكر بعد ذلك أو أُرسل إليه جيوش في عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، وفر إلى الشام ثم أسلم بعد ذلك وحسُن إسلامه.
والفرقة الثالثة هم بنو حنيفة: بزعامة أو برئاسة مسيلمة الكذاب حيث ادعى النبوة ومسيلمة قتل في عهد أبي بكر قتله وحشي الذي قتل حمزة، وأرسل أبو بكر خالد بن الوليد سيف الله الذي ما هُزم في معركة قط فقد كان يلبس الخوذة البيضة على رأسه وفيها قُصة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فحين حلق النبي، صلى الله عليه وسلم، في الحج أخذ خالد هذه الغُرة أخذها وما دخل معركة إلا وهي على رأسه تحت الخوذة فما هُزم في معركة قط، حين تنبأ مسيلمة الكذاب وادعى النبوة أرسل للنبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد فإنّي أُشْرِكتُ في الأمر معك، فلي نصف الأرض ولك نصفها، ولكن قريشًا يعتدون، فكتب إليه: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
فاعرفوا الحق بالحق، فإن للحق نوراً، واعرفوا الرجال بالحق ولا تعرفوا الحق بالرجال ها هو مسيلمة الكذاب يرسل للنبي، صلى الله عليه وسلم، يطلب منه مناصفة المُلك وها هو النبي، صلى الله عليه وسلم، يرسل له بكلمة الحق (إِن الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)) [سورة الأعراف آية: ١٢٨]، ربنا، تبارك وتعالى، يبيّن لنا الولاية الحقة لمن تكون، نهانا عن تولّى أهل الكتاب (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) [سورة المائدة آية: ٥١]، وها هو يحذر من الردة (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)).
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ ﴿55﴾
الآية الأولى (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ) مفرد والكلام جمع (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) صفاتهم (يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) الذين يؤدونها على وجهها بأركانها محافظين عليها أن يقع فيها ما ليس منها أو يشوبها رياء والصلاة عماد الدين وهي الركن الأساسي للدين، (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) الزكاة هي الركن الأساسي للمجتمع: فالصلاة لإيجاد الفرد الصالح، والزكاة لإيجاد المجتمع الصالح، فيتكامل الكل الفرد الصالح والمجتمع الصالح، (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)) اختص الركوع بالذكر لتشريفه، إذ كانوا يركعون للملوك وجاءت أمة محمد لا تركع إلا لله، أو (وَهُمَا رَاكِعُونَ (٥٥)) كناية عن الخشوع أي وهم خاشعون لله كهؤلاء الذين قال في شأنهم: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) [سورة المؤمنون آية: ٥٧ - ٦٠]، مهما عمل من الصالحات ومهما عمل من الحسنات فهو خائف وجل، من يضمن لك القبول فكذلك وهم راكعون أي يقيمون الصلاة ويؤدون الزكاة ويتولون الله ويتولاهم الله وهم في قمة الطاعة والتقوى ومع ذلك الخشوع غالب عليهم والخوف من الله غالب عليهم، ها هو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أرأيت حين غُفر له في التنزيل قلّ خوفه أو فارقه الوجل، غُفر له ما تقدم وما تأخر ومع ذلك كان خائفا وجلا.
في هذه الآية نلاحظ إيجاد المظهر بدلا من المضر (حِزْبَ اللَّهِ) كلمة مظهرة والقياس (فإنهم غالبون) وكلمة (حِزْبَ اللَّهِ) لم ترد في السياق وكأن التقدير (ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فأولئك حزب الله وحزب الله هم الغالبون)، إذاً فبهذا النسق القرآني المعجز وبهذا الأسلوب البلاغي بيّن لنا ربنا، تبارك وتعالى، أن من يتولى الله ورسوله والمؤمنين انضم إلى الحزب وكأنه اشترك في حزب وأخذ بطاقة العضوية، حزب ما معنى كلمة حزب؟ كلمة حزب في اللغة أصلا من حزبه الأمر أهمّه وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا حزبه أمر قال: (أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلالُ: الصَّلاةَ) حزبه أهمّه تطلق على النائبة من نوائب الدهر تحدث لفلان مصيبة فنقول حزبه الأمر أو حزبه كذا من هنا أصبح التحزب، التجمع فإذا حدث للإنسان مصيبة اجتمع والتئم شمله وجمع فكره وجمع قوته لمواجهة النائبة، فكذلك الإخوان والأحباب والأصحاب إذا أهمتهم نائبة وتجمعوا وتحزبوا لمواجهة النائبة فهل تتخيل أيها المسلم أنك بتوليك الله ورسوله وللمؤمنين أن تصبح مع الله في حزبه في جماعة شيء فوق الخيال تعجز العبارات عن توفية المعنى حقه، لم جاء الله بالمظهر بدلا من المضمر؟ لبيان أن هؤلاء هم حزب الله على الحقيقة وليس بالشعارات، فكم من أحزاب تسمي حزب الله، كأن الله، تبارك وتعالى، أراد أن ينوّه بذكر هؤلاء الذين تولوا ورسوله تشريفا لهم ورفعا لشأنهم وتعظيما لقدرهم وتنويها بذكرهم فهُم حزب الله جنوده الذين ينصرون الله هم ناصروه وهم رجاله، وطالما وعد الله، تبارك وتعالى، بذلك فحزب الله هم الغالبون إلى أن تقوم الساعة، أيضا يفيد الكلام أنه طالما وُجد حزب فلا بد وأن يوجد حزب مضاد وإلا لم وُجد الحزب أصلا؟ يوجد الحزب حينما ترى خطراً داهما فتتحزب لمواجهة الخطر، فطالما وُجد حزب لله فلا بد وأن يكون هناك حزب آخر ألا وهو حزب الشيطان (أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)) [سورة المجادلة آية: ١٩]، فاختر لنفسك أيها المسلم أي حزب تنضم إليه حزب الله أم حزب الشيطان فإذا أردت الانضمام إلى حزب الله فاعلم أن للعضوية شروط هذه الشروط مذكورة في قوله، عز وجل: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) [سورة المائدة آية: ٥٤]، تلك شروط العضوية في حزب الله، هل اكتملت فيك؟ إذا اكتملت فأنت منهم، وإذا لم تتكامل فاسع لاستكمال شروط العضوية لأنه لا يوجد سوى حزبين فقط حزب الله وحزب الشيطان، حزب الله هم الغالبون وحزب الشيطان هم الخاسرون، واعلم أنك بين مخافتين بين عاجل قد مضى لا تدري ما الله صانع فيه، وبين آجل قد بقي لا تدري ما الله قاضٍ فيه، فخُذ لنفسك من نفسك خُذ من شبابك لهرمك، خذ من غناك لفقرك، خذ من فراغك لشغلك، خذ من صحتك لمرضك، خذ من حياتك لموتك، سل الله، تبارك وتعالى، أن يتولاك وأن يجعلك من أوليائه.
وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ ﴿56﴾
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿57﴾
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا) هؤلاء الذين اتخذوا ديننا هزوا، أي استهزاءً ولعبا هُم يحتقرون ديننا هم يعتقدوننا على الباطل هم يتخذوننا مجالا للسخرية نحن متأخرون في نظرهم نحن رجعيون في فكرهم هكذا يقولون، من هؤلاء؟ من الذين اتخذوا ديننا هزوا ولعبا؟ بيّن ربنا، تبارك وتعالى، (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ) من هنا للبيان وليست للتبعيض والذين أتوا الكتاب من قبلنا والكفار أي عبدة الأصنام أو منكرو الألوهية، هؤلاء هم الذين اتخذوا ديننا هزوا ولعبا، فإذا كانوا قد اتخذوا ديننا هزوا ولعبا واحتقروا ديننا وعقيدتنا واستهزؤوا بنا هل يصح أن نتخذهم أولياء؟ هل يصح أن نستنصرهم؟ هل يصح أن نطلب منهم النصر والإعانة؟ هل هم جديرون بالولاية؟ أم هم جديرون بالعداوة؟ (لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ)، نفس المعنى نفس التوجيه: (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [سورة المائدة آية: ٥١]، (لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) [سورة آل عمران آية: ١١٨]، الآيات واضحة ومع ذلك هل ينصر المسلمين المحاصرين في البرد أو الواقعين تحت التهديد والضرب بالسلاح من اغتصبت نساؤهم وقتل أولادهم هل ينصرهم أو يعينهم أهل الكتاب؟ هل يعقل هل تتوقعون ذلك أنتم تقرءون الأخبار أخبار المسلمين في البوسنة والهرسك يرسلون إليه المعونات، أين المسلمين؟ (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)) وكأن اتخاذ هؤلاء أولياء لا يتفق مع تقوى الله، وكأن تقوى الله تمنع من ولاية هؤلاء، فمن والاهم فليس من التقوى في شيء.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ) تهديد بعد الإنذار بعد التحذير بيّن لك ربك ونصح وبين فإذا لم تنتصح فإليك التهديد (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)) بوعده ووعيده إن كنتم مؤمنين حقا فإياكم وموالاة هؤلاء.
ويأتي بيان آخر عن مشاعر هؤلاء فيقول الله، تبارك وتعالى:
وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْقِلُونَ ﴿58﴾
ثم يوجه ربنا، تبارك وتعالى، نبيه، صلى الله عليه وسلم، لفضح اليهود فقد صبر عليه كثيرا، الآيات نزلت بمناسبة استهزاءهم بالصلاة فالأذان لم يكن موجودا وجمع النبي، صلى الله عليه وسلم، أصحابه وسألهم كيف نعلن عن الصلاة حتى يأتي الناس إلى المسجد؟ فأشار بعضهم بالناقوس قال، لا الناقوس للنصارى، وأشار بعضهم بالنار قال: النار للمجوس، وأشار بعضهم وأشار بعضهم وهكذا، فلم يعجبه أي من الآراء وقام، صلى الله عليه وسلم، مهتما أهمّه الأمر دخل بيته ونام وفي صلاة الفجر جاءه أحد الأنصار عبد الله بن زيد قال: يا رسول الله، رأيت في منامي أني أدعو إلى الصلاة وتلقنني الملائكة أذاناً لها، وإذا بعمر بن الخطاب يأتي ويقص نفس الرؤيا فقد رآها هو الآخر نفس كلمات الأذان وحين قرئت أو تُليت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نزل جبريل يقول ذلك هو الأذان يا محمد وربنا كان يُكرم أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، بكرامات تُساق على أيديهم فمنهم من يقول كلمة فإذا بها تنزل في القرآن نزل بعض آيات القرآن على ألسنة الصحابة كما قال عُمر للنبي احجب نساءك فنزلت آية الحجاب وكما قال أحد الصحابة (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)) [سورة المؤمنون آية: ١٤]، فنزلت فكان الله يُكرم الصحابة بأمور: منها هذا الإكرام لعبد الله بن زيد الأنصاري أن جاءه الأذان في منامه وزاد بلال في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم زادها بلال لم تكن في رؤيا عبد الله بن زيد وأقره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ذلك، هذا هو الأذان الذي اتخذوه هزوا ولعبا، فحين قُصت الرؤيا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونزل جبريل يؤكد الخبر، من الغريب أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يأمر صاحب الرؤيا بالأذان، بعقلنا أولى الناس بالأذان من؟ الذي رآه الذي حفظه في منامه الذي أقرأته الملائكة إياه قال: فقال: (أَلْقِهِ عَلَى بِلاَلٍ، فَإِنَّهُ أَنْدَى مِنْكَ صَوْتًا)، هو أكرم برؤية الأذان، وأكرم بلال بأداء الأذان، كما أن المؤذن لا بد وأن يكون حسن الصوت حتى يحبب الناس في سماع أذانه وفي الحضور إلى المسجد، لأنها دعوة من الله، ربنا هو الذي يدعوك ويقول لك، حي على الصلاة أي هلمّ تعال إلى الصلاة، حي على الفلاح أي هلمّ وتعال حيث الفلاح حيث تُفلح دنيا وأخرى، فحين أذن بلال بالمدينة ولم يكن الأذان بمكة معلوما أو معروفا، كانوا في مكة يقولون الصلاة جامعة بغير أذان الأذان بدأ في المدينة حين سمعه اليهود اغتاظوا، اغتاظوا من الأذان من أذان بلال بصوته الندي والذي كان يُسمع في أرجاء المدينة في ذلك الوقت فيُسرع الناس إلى المسجد، يسرعون إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإلى الصلاة بالمسجد، كلما رأى اليهود ذلك اغتاظوا يوم جمعنا الله فيه ضلوا هم عنه وقد كان يومهم يوم الجمعة فيه ساعة إجابة فالأذان يجمع الناس أخوة ومحبة وجماعة فبدءوا يتخذون هذه المسألة استهزاء وتضاحك ما هذا الصوت ما هذا الأذان ما هذه البدعة من هنا نزلت الآيات تنبه الصحابة بعدم الجلوس مع هؤلاء اليهود والمشركين والمنافقين الذين اتخذوا النداء والصلاة والأذان الشعائر هزوا، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، حين فعلوا ذلك وبدءوا يتضاحكون ويتغامزون تنفيراً للناس عن الصلاة حداث الإسلام الشباب إذا وجد الكبار في السن يجلسون على قوارع الطريق ويتضاحكون ويتغامزون عليه وهو ذاهب إلى الصلاة وهم يسمعون الأذان وهكذا، فأراد ربنا، تبارك وتعالى، أن يعطي النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه سراً عن اليهود إذا واجههم به أخرسهم بعد أن صبر عليهم الكثير، فقال:
قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ ﴿59﴾
من يهد من أضل الله؟ من؟
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ﴿60﴾
مسألة القردة والخنازير لم يعلمها أحد على الإطلاق كانت سر يتناقله الأبناء عن الآباء في ذرية اليهود أصحاب السبت وأنتم تعلمون، إذ نهاهم ربنا، تبارك وتعالى، عن الصيد في السبت وكان يوم الطاعة عندهم فعصَوْا الله، تبارك وتعالى، فمسخهم قردة وخنازير مسخ الشباب قردة ومسخ الكبار خنازير، وقيل بل أصحاب السبت مُسخوا قردة، وأما الذين مُسخوا خنازير فهُم الذين كفروا بالمائدة التي طلبوها من عيسى، (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) [سورة المائدة آية: ١١٢]، فلما نهاهم قالوا (نُرِيهِمْ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا) [سورة المائدة آية: ١١٣]، فتوجه عيسى إلى الله يطلب إنزال المائدة فقال الله: (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)) [سورة المائدة آية: ١١٥]، فكفر يهود بالمائدة فمسخهم الله خنازير، (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ) إذا فهم ملعونون (وَغَضِبَ عَلَيْهِ) وحاق بهم الغضب (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ) مسخهم و المسخ قد تكلمنا فيه وسوف يأتي الكلام فيه بالتفصيل أهو مسخ في الخِلْقة أم مسخ في القلوب (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) أي وعبدة الطاغوت عَبَدَ جمع عابد، كخَدَمْ جمع خادم وأزيلت التاء للإضافة وقرأت باثنا عشرة قراءة عَبَدَ عُبَّاد عبِد اثنا عشرة قراءة كلها تصل إلى نفس المعنى، الطاغوت العجل الذي عبدوه بعد ما جفّت أقدامهم من الماء بعدما نجاهم الله، تبارك وتعالى، من فرعون، وذهب موسى لأخذ التوراة من الله، تبارك وتعالى، في الطور عبدوا العجل بل عبدوا رهبانهم (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) [سورة التوبة آية: ٣١] أطاعوهم وعصوا الله من أطاع أحداً في عصيان الله اتخذه رباً حين نزلت الآية (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) [سورة التوبة آية: ٣١] عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، وَفِى عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ. قَالَ: (أَجَل، وَلَكِنْ يُحِلُّونَ لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيَسْتَحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَيُحَرِّمُونَهُ، فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ لَهُمْ) طاعة المخلوق في معصية الخالق شِرْك عبادة للمخلوق، فهُم عبدوا العجل عبدوا الرهبان عبدوا المال، من هنا عُبِّر بكلمة الطاغوت عن كل رأس في الضلال وعن كل ما عُبد من دون الله، والطاغوت: من الطغيان من طغى من الطغيان وهو تجاوز الحد فالطاغوت مبالغة من الطغيان فكل ما عُبد من دون الله يسمى طاغوت، هؤلاء هم شر الناس مكانا الذين لعنهم الله وغضب عليهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أو وعباد الطاغوت، (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)) السواء، المتوسط السواء، المعتدل، السواء، المستقيم، هؤلاء أبعد الناس وأضل الناس عن الطريق المستقيم. أيها الأخ المسلم التحذير تلو التحذير لمن يسمع ولمن يعقل، (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)) [سورة المائدة آية: ٥٥ - ٥٦].
ومما كان يفعله يهود المدينة أنهم كانوا يقولون، والرهبان منهم على وجه الخصوص لقومهم، آمنوا بالذي آمن به محمد والمسلمون وجه النهار أي اذهبوا وازعموا الإيمان نهارا فإذا جاء الليل عودوا عن هذا الإيمان، وكأنهم آمنوا صبحا ثم تفكروا وبحثوا فوجدوا أن الإيمان بما يدعو إليه محمد خطأ فأفاقوا وعادوا إلى رشدهم، فيتشكك المسلمون ويتشكك الضعفاء منهم، ومما قالوه أيضا من مكرهم: اذهبوا إلى محمد وبايعوه وأظهروا له الإسلام فإذا خرجتم من عنده وعدتم عودوا إلى عقيدتكم وإلى دينكم حتى تتمكنوا من معرفة أسراره، وحتى تختلطوا بالمجتمع الإسلامي وتبذروا فيه بذور الشقاق والنفاق والشكوك (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)) [سورة البقرة آية: ١٤] هكذا دبر اليهود، ومن هنا نشأ المنافقون من هم المنافقون؟ هم الذين أظهروا الإسلام وأخفوا الكفر، والمنافقون كانوا من اليهود ومن بعض الأعراب الذين دفعهم اليهود لذلك يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر كي ينتشروا بين المسلمين فيثروا بينهم الخوف من الحرب الهلع (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢)) [سورة النساء آية: ٧٢]، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي) [سورة التوبة آية: ٤٩] (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ) [سورة التوبة آية: ٤٨].
اندساس المنافقين بين المسلمين هو الخطر الماحق فينبه ربنا، تبارك وتعالى، لذلك ويقول:
وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ ﴿61﴾
وَتَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿62﴾
(وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ) هناك فرق بين أن يقع الإنسان في المعصية شاب ومرت به فتاة قد تزينت وتعطرت استرقت منه النظر فنظر إليها ثم استغفر معصية يغفرها الله، تبارك وتعالى، طالما ندم وتاب فارق بين من يقع في المعصية رغم أنفه وبين من يسارع إليها لا يكتفي بالمسارعة في المعصية بل يدعوا الناس إليها ويزينها لهم (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)) أي أنهم عملوا أفظع وأسوأ وأخطر ما يؤدي بهم إلى البؤس في الدنيا وفي الآخرة.
أيها الأخ المسلم، الآيات والقرآن نور والمتأمل يجد فيه الكثير وفي حياتنا الآن الكثير مما نطق به القرآن، ولو تأملت في الآيات ونظرت حولك، نظرت إلى الأمة الإسلامية والتمزق والتفكك فيها، ونظرت إلى الدول الإسلامية التي تستعين بأهل الكتاب في نصرهم وفي تسليحهم وفي تخطيط اقتصادهم وفي إقراضهم وفي إعانتهم وخبراء في كل مجال ومكان لو نظرت إلى كل ذلك لأسفت على الإسلام والمسلمين. لو نظرت إلى المسلمين في فلسطين وإلى المبعدين في البرد وكيف يسكت المسلمون كيف؟ ولو نظرت إلى النساء اللاتي يغتصبن والأطفال الذين يقتلون والكبار والصغار هذه الهجمة الشرسة على مسلمي البوسنة والهرسك ثم بعد ذلك المعونة من أهل الكتاب، والمعونة تتوالى الأنباء توقفت الشاحنات لماذا؟ لأن الصرب لم يسمحوا لها بالمرور منذ ثلاثة أيام إلى متى هذا الخنوع؟ إلى متى هذا الخضوع؟ إلى متى هذا التمزق إلى متى؟ وفي نفس الوقت يسلط أعداؤنا فئة منا تفعل من الأفعال ما يشوه صورة الإسلام قتل لمجندين مفرقعات في أماكن عامة ضرب لأجانب جاؤوا للسياحة هل هذا هو الإسلام لم يفعلون ذلك؟ يفعلون ذلك بقصد هو أن الإسلام والمسلمين خطر فيضرب الإسلام في عقر داره.
الكلام عن المنافقين الكلام عن اليهود الذين ابتدعوا النفاق إذا دخلوا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زعموا الإيمان وإذا خرجوا من عنده عادوا إلى كفرهم يندسون بين المسلمين يشككونهم في دينهم ويشككونهم في رسولهم، صلى الله عليه وسلم، ويبيّن الله، تبارك وتعالى، ذلك لنبيه، صلى الله عليه وسلم، ويقول له (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) [سورة المائدة آية: ٦١]، لم يستفيدوا شيئا ولم يؤثر فيهم لأنهم دخلوا وقلوبهم مغلقة لم يدخلوا وقلوبهم مفتوحة، إن كان خيراً سمعناه وقبلناه، وإن كان غير ذلك رفضناه لكنهم كفروا من البداية حسدوا من البداية وحقدوا من البداية، كيف يبعث رسول من العرب وليس من بني إسرائيل فكفرهم كفر حسد وليس كفر شك أو كفر تردد أو كفر جهل، بمعنى أنهم لا عذر لهم في كفرهم لأنهم كانوا يعلمون أن محمدا، صلى الله عليه وسلم، رسول الله حقاً إي وربي، وربنا قال لنا ذلك (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) [سورة البقرة آية: ١٤٦]، فالكفر كفر حسد، دخلوا بالكفر وخرجوا بالكفر وضرب لهم علامة (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢))، لكن الأنكى والأدهى من ذلك هو موقف العلماء، العلماء فئة من الناس اصطفاهم الله، تبارك وتعالى، اصطفاهم ليكونوا ورثة للأنبياء، فالنبي يُبعث فيصطفي الله له أناسا هم الحواريون هم الأصحاب هم الأتباع يحفظون منه ويتلقَوْن عنه والفضل لله في هدايتهم لذلك كما قال (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي) [سورة المائدة آية: ١١١] هؤلاء العلماء الذين يصطفيهم الله، تبارك وتعالى، يحيطون بالرسل يتلقوْن عنهم يأخذون منهم يحفظون الكتاب من التبديل ومن التحريف كما فعل صحابة النبي، صلى الله عليه وسلم، حملوا إلينا القرآن، وحملوا إلينا حديث سيد الأنام، وحملوا إلينا العلم، في كل أمة توجد هذه الفئة فئة العلماء، خطورة هذا المنصب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: (الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ)، وحديث: (يُسْأَلُ الْعُلَمَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ الْأَنْبِيَاءُ)، فموقف العلماء خطير، مطلوب من العلماء ما ليس مطلوبا من العامة مطلوب من العامة تقوى الله والعبادة والطاعة فيما استطاعوه، واجتناب ما نُهوا عنه، أما العلماء فمطلوب أمور مطلوب منهم بالإضافة إلى ما هو مطلوب من العامة أن يكونوا قدوة، أن يكونوا أسوة كما كانت الأنبياء (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) [سورة الممتحنة آية: ٤]، وأيضا (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [سورة الأحزاب آية: ٢١]، وأيضا (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ) [سورة الأحزاب آية: ٢٢]، فالمطلوب من العلماء أن يكونوا قدوة وأسوة في سلوكهم وفي تصرفهم، أيضا ومطلوب منهم أن يحافظوا على العلم من التحريف، وتعليم الناس، وبيان الحق فيما أُشكل على الناس، والفتوى بالحق لا بالهوى يقولون الحق ولا يخافون لومة لائم مطلوب من العلماء أمورا كثيرة، فهُم الحافظون لحدود الله، وهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، فإذا أصبح العلماء علماء سوء اشتروا الدنيا بالآخرة أفتَوْا بغير علم أو أفتَوْا لإرضاء السلطان، أو خافوا على مناصبهم، أو خافوا على أرزاقهم ضاعت الأمة بكمالها، فمسئولية العلماء مسئولية خطيرة خاصة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو وظيفتهم، إذ ليس كل الناس يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لكي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر لا بد أن تكون عالما بالمعروف عالما بالمنكر بأسلوب الدعوة، متى تكون بالحكمة ومتى تكون بالموعظة الحسنة، ومتى تكون بالجدال وهكذا، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة العلماء الأساسية، لذا يقول الله، تبارك وتعالى، عن علماء بني إسرائيل:
لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ﴿63﴾
واسمع قول الله تعالى:
وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًۭا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًۭا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴿64﴾
وماذا حدث فلك نفس الوزر كما لو كنت فعلت ما فعله الحاكي من لم يشهد المعصية ورضي بها كان كمن ارتكبها ومن شهد المعصية ولم يرض عنها كان كمن لم يشهدها (وَقَالَتِ الْيَهُودُ) اليهود اُتهموا جميعا بالمقالة لأنهم سكتوا عن مقالة السوء سكتوا عن القائل لم يردعوه ولم يمنعوه (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) اليد (مَغْلُولَةٌ) كناية عن البخل هم يزعمون أن الله بخيل وأن الله فقير (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) [سورة آل عمران آية: ١٨١]، حين نزلت الآيات (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) [سورة البقرة آية: ٢٤٥]، كما أن القحط أصابهم فقالوا كيف ذلك ويد الله مغلولة أي ممسك عنهم كناية عن البخل، واليد في اللغة العربية تُستخدم في معانٍ كثيرة كذلك في القرآن، فاليد تعني الجارحة] (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [سورة المائدة آية: ٣٨]، (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ) [سورة ص آية: ٤٤]، تعني أيضا المِلْك وتعني القدرة كقول الله، عز وجل: (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) [سورة آل عمران آية: ٧٣]، أي يملك ويقدر أن يمنح اليد أيضا تعني القوة (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)) [سورة ص آية: ١٧]، اليد تعني أيضا النعمة هل لك يد علي؟ تعني أيضا الصلة بمعنى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)) [سورة يس آية: ٧١]، تأتي أيضا لنسبة الفعل للتشريف لمن أخبر عنه كقول الله، عز وجل: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [سورة ص آية: ٧٥]، فهي لتشريف آدم وليس المقصود اليد الجارحة تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، يعبر بها عن الكرم ويعبر بها عن البخل (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ) [سورة الإسراء آية: ٢٩]، فاليد لها معان واستخدامات كثيرة وهنا يقصد بهذا الاستخدام قبض اليد البخل (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا)، قال العلماء في هذا هل هو دعاء يعلمنا ربنا كيف ندعو عليهم، أم هو خبر؟ فإن كان دعاء فهو دعاء يدعو به المؤمنون عليهم، وإن كان خبر إذاً فقد رُزقوا البخل (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا)، كناية عن البخل فأبخل أهل الأرض اليهود (وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا)، طردوا من رحمة الله، عز وجل، أو هو خبر عما سوف يحدث يسحبون على وجوههم في النار حيث الأغلال في أيديهم وإلى أعناقهم فهو خبر عن غل أيديهم بالأغلال، (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)، (بَلْ يَدَاهُ) إضراب عن كلامهم وبيان للواقع والحق، هم قالوا يد وهو قال يداه قالوا التثنية لتثنية النعمة لأن اليد تعني النعمة (بَلْ يَدَاهُ) أي نعمتاه نعمة الدنيا ونعمة الآخرة (بَلْ يَدَاهُ) أي نعمتا الدنيا الظاهرة والباطنة ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [سورة لقمان آية: ٢٠]، فالنعمة الظاهرة والنعمة الباطنة (بَلْ يَدَاهُ) الثواب والعقاب لأنهم قالوا يد الله مغلولة عن عذابهم زعموا ذلك (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) القدرة والقوة يثيب ويعاقب كيف شاء وقيل التثنية للتأكيد والمبالغة وذاك أرجح، والمعاني كلها مرادة في الآية (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) إذاً فحين يبسط الرزق يبسطه لحكمة وحين يقبض يقبض لحكمة يبسط ويقبض يعطي ويمنع بحكمة وليس لتوالي السعة والضيق في يده لأن الإنسان قد يقل ما في يده فيقل إنفاقه وقد يكثر ما في يده فيكثر إنفاقه ربنا، تبارك وتعالى، لا يتوالى عليه السعة والضيق ربنا، تبارك وتعالى، هو الغني فالقبض والبسط لحكمة تتفق مع مشيئته (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا)، الكلام للنبي، صلى الله عليه وسلم، يبيّن له أن الآيات كانت تنزل بالتدريج ربنا يقول للنبي، صلى الله عليه وسلم، خلاف ما هو متوقع، المتوقع عندما أتكلم معك في أمر لأقنعك به كلما سقت لك حجة كلما زاد اقتناعك كلما سقت لك كلاما كلما ازداد فهمك وهكذا، وبالتالي القرآن كلما تنزل يزداد الإنسان إيمانا كلما تنزل الآيات كلما يقتنع الإنسان ويترسخ اليقين في قلبه، أما هؤلاء كلما نزلت آية زادتهم كفرا ولذلك يقول: (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا)، بمعنى أنه كلما تنزلت الآيات عليك سوف يزدادون كفرا بنزول الآية مصداقا لقوله، عز وجل: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)) [سورة التوبة آية: ١٢٤ - ١٢٥]، وكذلك القرآن كلما ينزل القرآن يزدادوا في الكفر والطغيان.
( وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) بين من؟ قيل بين اليهود والنصارى لأن الكلام في أوله (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) [سورة المائدة آية: ٥١]، وقيل بين طوائف اليهود، ( وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ) والعداوة أخص من البغضاء فكُل عدو مبغض وليس كل مبغض عدو فقد يبغضك من هو قريب منك وليس بينك وبينه عداوة ألقى بينهم ربنا العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، طوائفهم مختلفة وحتى رغم ما هم فيه الآن في إسرائيل كدولة وتنظيم إلا أن يهود المشرق يختلفون عن يهود المغرب فيهود أوربا هم الذين يتولون السلطة والحكم والمناصب، ويهود المشرق الذين جاءوا من اليمن ومن مصر ومن الجزائر هم العمال والفعلة ذوى الوظائف الحقيرة (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ) أوقدوا نارا للحرب أي سعوا في الشرور والحرب ليس لها نار توقد لكن اليهود بُعث النبي، صلى الله عليه وسلم، ومنذ هاجر إلى المدينة وهم يحاولون أن يطفئوا نور الله، يريدون أن يطفئوا نور الله يتحالفون مع المشركين وعبدة الأصنام حتى أنهم يقولون لهم: أنتم ودينكم خير منه (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (٥١)) [سورة النساء آية: ٥١]، هؤلاء اليهود يحاولون إطفاء نور الله يحاولون حرب النبي، صلى الله عليه وسلم، دسوا له السمّ في الشاة وحين أخبرته الشاة، أُتِىَ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ مَصْلِيَّةٍ أَهْدَتْهَا لَهُ امْرَأَةٌ يَهُودِيَّةٌ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، هُوَ وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ فَمَرِضَا مَرَضًا شَدِيدًا عَنْهَا، ثُمَّ إِنَّ بِشْرًا تُوُفّيَ فَلَمَّا تُوُفِّيَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إِلَى الْيَهُودِيَّةِ فَأُتِيَ بِهَا فَقَالَ: (وَيْحَكِ مَاذَا أَطْعَمْتِينَا؟) قَالَتْ: أَطْعَمْتُكَ السُّمَّ، عَرَفْتُ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَضُرُّكَ، وَأَنَّ اللَّهَ سَيَبْلُغُ فِيكَ أَمْرَهُ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيحَ النَّاسَ مِنْكَ، وذهب إليهم مرة أخرى ومعه أبو بكر وعمر في مسألة استقراض دية قالوا، على الرحب والسعة وهمّوا بإلقاء الرحى العظيمة على رأسه فأخبره جبريل فقام مع أصحابه هل آمنوا؟ أبداً، تحالفوا مع أبي سفيان في غزوة الأحزاب وغيرها وغيرها لكن الله يقول مبشراً المؤمنين (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ) أي لحربك يا محمد (أَطْفَأَهَا اللَّهُ) فلن ينتصروا عليه أبدا (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)) هذا ديدنهم يسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين.
ولو نظرت حولك الربا من اخترعه ووضعه في الأرض؟ اليهود البنوك الربوية هم الذين يملكونها، دور الدعارة هم المشرفون عليها وهم المؤسسون لها، الأفلام المرسلة عبر الأطباق من كل مكان هم الذين يرسلونها، هم الذين فعلوا الفاحشة، هم الذين يسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين.
لذا وجب علينا أن ننتبه ولا نسير في نفس الاتجاه هم يقودوننا ونحن وراءهم ولنحترس كما نبهنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ)، انتبه أيها الأخ المسلم انتبه وعد إلى ربك وتمسك بدينك وإياك وإياك وهؤلاء الدعاة على أبواب جهنم الذين لا يعرفون من الدين شيئا إلا الاسم حتى أن الراقصة ترقص بحركات خارجة وتقول وتغني رمضان كريم الله أكبر هذا هو التعبير الذي تقوله الراقصة أثناء الرقصات والنغمات والتي تذاع في الإذاعة المرئية لجمهورية مصر الإسلامية.
فيدلنا ربنا، تبارك وتعالى، ويدل الناس على الطريق إلى الرزق الواسع والرزق الوفير، زعمت يهود أن يد الله مغلولة وقالوا (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) هم يشتكون من قلة الرزق هم يشتكون من الجدب أو يشتكون من القحط فينبئهم ربنا، تبارك وتعالى، أن الرزق يُحرم منه العبد بالذنب يصيبه، فقد يكتب للعبد الرزق لكن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه، يبيّن لهم ربنا، تبارك وتعالى، أن الجدب أو الضيق أو القحط ليس لأن يد الله مغلولة، ولكن لأنهم استمرءوا المعاصي والكفر فيقول:
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَـٰهُمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴿65﴾
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌۭ مُّقْتَصِدَةٌۭ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴿66﴾
(وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ) أي أقاموها مقام التنفيذ جعلوها قائمة وليست ميتة لو فعلوا ذلك ليس القرآن والكتب السماوية للتعليق على الجدران أو في صدور الفتيات وإنما نزلت للعمل لو أنهم فعلوا كذا وكذا ما النتيجة؟ (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) بالقروض من السياحة من الاستثمار بفتح الأبواب للأموال بتشريع قوانين تشجع على الاستثمار ماذا يقول الله الذي خلق الدنيا وقدر الرزق وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام نسأل الله، تبارك وتعالى، يا رب كيف نرزق وكيف تتوسع لنا الأرزاق نسأله فيقول: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) هذه هي الإجابة وفي موضع آخر (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)) [سورة الأعراف آية: ٩٦]، هذا هو الأسلوب التقوى تقوى الله تقوى الله تأتي بالرزق، والأمثلة حولنا كثيرة دولة من الدول لا شيء فيها إلا الصحراء الجو قائظ الحر شديد ليست هناك أنهار ولا ماء ولا أمطار ورغم ذلك حين أراد الله أن يرزقهم تفجرت الأرض ينابيع البترول، الذهب الأسود، وإذا بهم من أغنى دول العالم، بلا ماء وبلا مطر وبلا شجر، فربنا، تبارك وتعالى، قادر على أن يبسط الرزق وقادر على تحقيق الوعد (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)) الاقتصاد، الاعتدال وآمنوا بالنبي، صلى الله عليه وسلم، كعبد الله بن سلام وبعض علماء اليهود الذين آمنوا بالنبي، صلى الله عليه وسلم (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)) (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ) الاقتصاد الاعتدال مقتصدة في عداوة النبي، صلى الله عليه وسلم، لم تؤمن به لكن هذه الفئة لم تحِكْ له المؤامرات لكن الأرجح (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ) معتدلة اتجهت إلى السبيل السليم وآمنوا بالنبي، صلى الله عليه وسلم، (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ) من اليهود (سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)) ساء ما يعملون في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل.
أيها الأخ الكريم إنسان فقير إلى أن يُبسط له الرزق إلى أن يوسِّع الله له أي شيء أفضل هل توجهه إلى الدين أم توجهه إلى الفساد؟ إذا وجهته إلى الفساد احتاج لمال لماذا؟ لأن جهنم يدخلوها بالنقود والجنة تُدخل مجانا، فالفساد يحتاج لمال هذا الفقير لا مال لدبه ماذا يفعل؟ يبحث عن المال بأي وسيلة حتى يستطيع أن يرتكب المعاصي، المعاصي محتاجة لمال، لكنك لو وجهته إلى الدين لقنع وصام إذا لم يجد ما يأكله، وكثيرا ما يحدث، كان النبي، صلى الله عليه وسلم، إذا لم يجد طعاما قال إني صائم، يصوم وعند المغرب يحلها ربنا، تبارك وتعالى، ويرزقك فالدين يأتي بالقناعة ويأتي بالرضا وبالتالي هناك شباب كثير في القرى والنجوع والصعيد لا يجد عملا، طابور الخريجين طويل من عشر سنوات هؤلاء الشباب ماذا نفعل لنحميهم من التطرف ومن الإرهاب؟ نحن نقول الدين حصن منيع، الدين يرزق الفقير القناعة فيقنع، وبتقوى الله تُفتح له أبواب الرزق هذا ما نقوله ونؤمن به والآخرون يقولون بالتلهية، كيف؟ بالبرامج بالمسلسلات بالرقص بالغناء نلهيه، لأن الدين هو منبع ومنبت الإرهاب والتطرف، أناس يقولون ذلك بالتلهية سنفتتح قنوات جديدة ونبث برامج جديدة ونسمح بالأطباق التي تستقبل البرامج الخارجية وفرق الفنون الشعبية مثلما رأيتموه في رمضان، ماذا قدم لكم في رمضان؟ ما الذي قدم أنتم أعلم أنتم أدرى أنتم رأيتم ما قدم لكم هل هذا هو الاحتفال بشهر الصيام شهر القرآن شهر القيام؟ إذاً فاتجاه بعض الناس يتوقع أن بالتلهية وباضمحلال الدين وحصار الدين في الجوامع والمساجد وبالتالي لن يكون هناك إرهاب، خابوا وخسروا لأن الله، تبارك وتعالى، لا يُغلب (وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)) [سورة البروج آية: ٢٠]، بل المتدين لا يأتي منه الشر أبدا، إنما الشر يأتي من الفاسق من الفاجر الذين أطلق الله عليهم اسم مجرمون (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)) [سورة القمر آية: ٤٧]، (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤)) [سورة الزخرف آية: ٧٤]. إجرام الإجرام يأتي من الفسق والمعاصي أما الدين فلا يأتي بهذا، أما إن كان هناك تطرف أو إرهاب فلا علاقة له بالدين وإنما هي حسابات محسوبة وخطط مرسومة وألعاب يلعبون كالكبار لا شأن للدين بذلك.
قد تكون تكئة لضرب الدين، وقد تكون تحريض لضرب الدين، وقد تكون اندفاع من الخارج أناس من الخارج يفعلون ذلك لكي يثيرون الحكام فيضربون الدين والمتدينين، لكن لا علاقة له بالدين ونحن أول من ندين هذا وأول من نطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية على الإرهابيين فرصة لتطبيق الشريعة. ربنا أعطى الحكام قوة لتطبيق الحق لكنهم لا يريدون ذلك.
فقد وعد الله، تبارك وتعالى، الأمم التي تقيم كتاب الله وتحكم بما أنزل الله بالرزق الوفير في الدنيا وبالسلامة والسعادة في الآخرة، ولكي تقيم الأمم كتاب الله لا بد وأن يُبلّغ لهم، ولا بد وأن يُشرح لهم، ولا بد من كلمة الحق، ولا بد من البيان، لذا كان التوجيه الإلهي لخاتم المرسلين، صلى الله عليه وسلم، بالتبليغ وبإظهار الإبلاغ وبعدم كتمان شيء من الوحي، وإن كان الأمر لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلا أنه توجيه عام لمن حمل الرسالة بعده من العلماء يقول الله، عز وجل:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿67﴾
الأمر الثاني: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أُمر بإبلاغ كل ما أُوحي إليه بلا استثناء، وإن كان بعض العلماء قالوا أنه أُمر بإبلاغ ما وجب إبلاغه للناس، فمن الأمور الخاصة والأسرار الخاصة التي اختص بها والتي لا تصلح للناس ولا تفيدهم في دنيا أو دين لم يؤمر بإبلاغها مثل ما رآه على الحقيقة ليلة أُسرى به إلى المسجد الأقصى وعُرج به إلى السموات العلى وإن كان قد أشار إلى بعضها، إلا أن هناك من الآيات ما لم يُذكر وربنا يقول (لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)) [سورة النجم آية: ١٨]، لكن ما يتعلق بالدين وبأمور الدين وبالعبادة وبالأمر والنهي وكل ما يتعلق بالتشريع أُمر بإبلاغه، لذا تقول عائشة، رضي الله عنها: من حدثك بأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كتم شيئا من الوحي فقد كذب، والله يقول: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) تعني أولا: أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أُمر بإبلاغ الدعوة كاملة فأدى الأمانة دون نقص أو مزيد وبلّغ الرسالة على التمام لم يخف شيئا ولم يختص أحداً من البشر بشيء سواء من أهل بيته أو من أصحابه، فما أبلغه لفرد أبلغه للأمة، ولم يكتم شيئا على الإطلاق.
الأمر الثاني: أن كتمان شيء من الوحي ككتمان الوحي كله (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) أي أن الكمال مطلوب في أداء الأمانات وأعظمها، أمانة الرسالة، والنقص في أداء الأمانة يبطل الأداء، وكأنك لم تفعل شيئا كقول الله، عز وجل: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) [سورة المائدة آية: ٣٢].
لأنه أهدر دماً حراما، أيضا ربنا، تبارك وتعالى، يعلم أن نبيه، صلى الله عليه وسلم، المصطفى والمختار لم يكن ليكتم شيئا من الوحي أبداً فحين يقول له (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) أي وإن لم تبلّغ الرسالة كاملة (فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) كأن نقص ولو آية يبطل الإبلاغ كنقص ركن من أركان الصلاة يبطل الصلاة، والأمر لعلماء الأمة إذ لا يمكن للمصطفى المختار، صلى الله عليه وسلم، أن يكتم شيئا من الوحي ولو كان كاتما شيئا من الوحي لكتم قول الله (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) [سورة الأحزاب آية: ٣٧]، كما قالت عائشة، رضي الله عنها، إذا فالأمر لورثة الأنبياء من هم؟ علماء الأمة كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ)، ويُسأل العلماء يوم القيامة عما يسأل فيه الأنبياء، من هنا كانت الآية وكأنها أخذّ للعهد على علماء الأمة ألا يخفوا شيئا من التشريع وألا يخشوْا في الحق لومة لائم وألا يهابوا سلطانا وألا يعملوا من أجل الدنيا، وألا يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا وعليهم إبلاغ ما تركه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمانة فإن النبي لا يورث درهما ولا دينارا ولكنه أورث العلم فمن أخذه أخذه بحظ وافر (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يُحرس وكانت الصحابة تتنافس في حراسته.
وتروى عائشة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه سهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مقدمه المدينة ليلة، فقال: (لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ)! قالت: فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال: (مَنْ هَذَا)؟ قال: سعد بن أبى وقاص، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (مَا جَاءَ بِكَ)؟ قال: وقع في نفسي خوفٌ على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم نام، وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فَأَخْرَجَ رَسُول اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَأْسَهُ مِنْ الْقُبَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ)، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ أَصْحَابُهُ، فَخَرَجُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ يَقُولُ: (خَلُّوا ظَهْرِي لِلْمَلَائِكَةِ).
(وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) دليل على نبوة النبي، صلى الله عليه وسلم، هي وعد من الله أولا وضمان وعد بعصمة نبيه، صلى الله عليه وسلم، من أذى الناس فلا يقتل هي وعد وهي ضمان في نفس الوقت دليل على نبوته، صلى الله عليه وسلم، إذ قد تحقق الوعد وما كان لأحد يزعم أنه بني أن يصرف الأحراس مدعيا أن من أرسله عاصم له، يخاف، أما وقد قالها سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم، مخبراً عن وعد ربه له وصرف الحراس عنه فذاك دليل دامغ على صدق نبوته، صلى الله عليه وسلم، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)) تحمل معنيين:
المعنى الأول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)) فيما أراده بك من قتل أي لا يوافقهم ولا يرشدهم ولا يتم لهم مرادهم فلن يضروك، وتحمل معنى آخر أن عليك البلاغ وعلينا الهداية فرسول الله، صلى الله عليه وسلم، يبلغ أما الهدى فمن الله، عز وجل، إذا لا يفيدهم الإبلاغ، وإنما الإبلاغ حجة وإظهار للحجة.
ثم يتوجه الخطاب لأهل الكتاب ولكل أهل كتاب:
قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿68﴾
(فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)) فلا تأس: فلا تحزن أَسِىَ يأْسَى أسيً، حزن حزناً أهو نهي عن الحزن؟ وهل بيد الإنسان أن يكف نفسه عن الحزن؟ أم أن الحزن خارج عن إرادة الإنسان، وربنا يقول (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)) [سورة النجم آية: ٤٣] هل يمكن لك أن تكف نفسك عن الحزن؟ أبدا يستحيل، إذاً فكيف يقول (فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)) إذا فهو ليس نهي عن الحزن وإنما نهي عن التعرض للحزن ونهي عن زيادة الحزن وهو تسرية لسيد الخلق، صلى الله عليه وسلم، كأنه تسرية له، فأنت تذهب إلى من مات له عزيز فتربت على كتفه قائلا لا تحزن إنا لله وإنا إليه راجعون فهو لا يكف عن الحزن لكنك تسري عنه وتمسح عنه جروحه فكأن الله، تبارك وتعالى، يسّري عن حبيبه المصطفى، صلى الله عليه وسلم.
رغم ذلك نجد أن الله، تبارك وتعالى، يفتح أبواب التوبة على مصراعيها لجميع الخلق مهما فعلوا فيقول:
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿69﴾
قيل الذين آمنوا بلسانهم ولم تؤمن قلوبهم أي الكلام عن المنافقين من أمة النبي، صلى الله عليه وسلم، لأنهم جُمعوا مع هؤلاء في آية واحدة، وقيل بل الكلمة عامة إذ الإيمان بغير عمل كَلاَ عمل إذ ليس الإيمان بالتمني وإنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، فالإيمان إقرار باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان ( وَالصَّابِئُونَ ) من صبأ أو صبا: مال، والصابئون قيل هم فئة من الناس كانوا يعبدون الكواكب، وقيل بل الصابئون هم الخارجون عن كل دين من لا دين له فلا دين لهم، وعليه إذا كان التقدير (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك) إذا فالكلام معناه إذا كان الله، تبارك وتعالى، قد فتح أبواب توبته للصابئين الذين أنكروا وجود الله الذين لا دين لهم، ففتح أبواب التوبة لغيرهم من أهل الكتاب أوْلى، وكأن الآية فيها تشجيع لأهل الكتاب وترغيب في التوبة والإيمان بالنبي، صلى الله عليه وسلم، فإذا كان الله، تبارك وتعالى، يتوب على من لا دين له على من جحد وجوده، إذا فتوبته على أهل الكتاب الذين أقروا بوجود الله وأقروا ببعض الأنبياء أوْلى، فكأن الآية فيها التشجيع والحض على التوبة، كما أن الآية تعني أيضا أن الإيمان بغير عمل كَلاَ إيمان إذ الشرط من آمن، ذاك شرط، والعمل الصالح، الشرط الثاني، والعمل الصالح لا يرفع ولا يُقبل إلا إذا كان من قلب مؤمن وبإخلاص لله، إذاً فهما متلازمان الإيمان والعمل، من آمن ولم يعمل كمن لم يؤمن، ومن عمل ولم يؤمن كمن لم يعمل كالذين يعلمون الصالحات ويبنون دور الاستشفاء والملاجئ وينفقون وما إلى ذلك، ولكن بغير إيمان توفّى لهم أعمالهم في الدنيا بالصحة البركة في الأولاد أن يجد ما يريد، إلى آخره، أما في الآخرة فلا يجد شيئا (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)) [سورة الشورى آية: ٢٠] من هنا يتبين لك أن الإيمان مشروط بالعمل الصالح، والعمل الصالح لكي يُقبل مشروط بأن يكون الدافع له هو الإيمان (مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)) الخوف دائما يكون مما هو آت مما يُتوقع، والحزن يكون على شيء فات فإنك لا تحزن على شيء في المستقبل لأنك لا تدري ما يأتي به الغد، لكن الحزن يكون على شيء قد فاتك، والخوف ترقّب تتوقع الأذى أو تتوقع الضر أو تتوقع الشر في المستقبل فيلزمك الخوف، بشرى الله، تبارك وتعالى، لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات تتناول الماضي والمستقبل (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من أي شيء نخاف؟ نحن نخاف أمور عديدة، نخاف المرض نخاف الفقر نخاف الكفر نخاف عدم قبول العمل، نخاف الموت نرتعد منه حتى أن بعض الصحابة حين جاءه الموت بكى بكاءً مراً وهو من المبشرين وحين قيل له كنت تحدثنا عن الموت وكنت، وكنت فكيف تبكي الآن؟ قال نعم كنت أحدثكم عنه أما حين استيقنته نفسي كرهته كلنا يخاف الموت كلنا يخاف الموت، إذاً فحين يقول الله، تبارك وتعالى، (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) وهو الوعد الصادق من الصادق سبحانه وتعالى (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)) [سورة النساء آية: ١٢٢] لا أحد (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)) [سورة النساء آية: ٨٧] لا أحد إذاً بالإيمان والعمل الصالح لا بد وأن يطمئن قلبك لرعاية الله وكفاية الله وحماية الله وعناية الله، حتى المرض إن جاء وكان مكتوبا سوف يرزقك الله الصبر عليه والاحتمال له والشفاء منه، وإن مُت تقبّلك الله بأحسن القبول وأخرجك من الدنيا ولا ذنب لك، فالمرض كفارة وإن كنت قد خفت من الموت وتخاف الموت فاطمئن لأن الموت لهؤلاء ما هو بفناء وما هو بنهاية بل هو بداية، أرأيت الطفل حين يولد كيف يصرخ كيف يبكي؟ هل الدنيا أوسع أم رحم الأمهات، يخرج إلى الدنيا باتساعها سوف يرى ولم يكن يرى، سوف يسمع ولم يكن يسمع، سوف يُحمل بالسرور، سوف يُحنّ عليه ويُعطف ويُراعى ومع ذلك هو لا يدري بكل ذلك، فكذلك العبد إذا مات خرج من ضيق الدنيا إلى وسع الآخرة، خرج من سجن الجسد إلى الحرية والانطلاق في الملأ الأعلى مع الملائكة، الدنيا سجن المؤمن، فإن مات المؤمن خرج من السجن وانطلق بلا حدود، الأهم من كل ذلك كيف يموت وكيف يشعر بالموت؟ خروج الروح من كل شعرة ويبدأ خروجها من أظافر القدمين حتى تصل إلى الحلقوم فكيف يموت وماذا يشعر؟
أولا: هم درجات منهم من يُخبر برؤيا يعلم ويستعد، ومنهم يمرض ويعلم أنه مرض الموت، ومنهم، ومنهم، أقلهم درجة إذا جاءه الموت يُفاجأ بملائكة الرحمن أبهى وأجمل صورة، لا أقول تخطر على بال فلا يخطر بالبال، ملائكة الرحمة هل تتخيل الرحمة رحمة الله، تبارك وتعالى، الذي نزل منها جزء واحد في الأرض ومن هذا الجزء ترفع البهيمة قدمها عن وليدها خشية أن تؤذيه، ملائكة الرحمة تُرى كيف يكون شكلهم! هؤلاء إذا جاءوا إليه رآهم ولا يراهم أحد سواه جاءوه مستبشرين مضيئين وأول ما يبدءون بقولهم، سلام الله عليك نحن رسل الله إليك ربنا يقرئك السلام سلام عليكم بما صبرتم وهنا وفي هذه اللحظة يُسأل أتود البقاء أم تود المجيء معنا؟ فيقول هلم هلم مرحبا بحبيب جاء على فاقة، إذاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ويلي بعد ذلك البشارة بالأمان بعد الموت في القبر سؤال الملكين في القبر ضيق القبر وظلمة القبر، البعث والنشور النشر والحشر، السؤال لا خوف عليهم منذ لحظة إيمانهم وتمسكهم بالعمل الصالح وإلى الأبد، ولا نهاية لهذا الأمان أمان أبدي (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)) ما الذي يحزن الإنسان في الماضي؟ أمور:
أولا: يحزن على التقصير فما منا إلا مقصر، كلنا مقصرون لكن الله، تبارك وتعالى، حين يحاسبه يأتي بأحسن أعماله وبأتم أعماله وبأكمل أعماله فتوزن وعلى أساسها تُحسب كافة الأعمال (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)) [سورة التوبة آية: ١٢١]، لا بأسوأها بل بأحسن ما كانوا يعملون فلا حزن على التقصير يحزن على ارتكاب الصغائر أو بعض المعاصي أو كبائر تاب عنها، يحزن عليها فيجد أن الله محاها بل وأُمرت الملائكة أن تنقل معاصيه من صحيفة السيئات فتدونها في صحيفة الحسنات، فإذا بالمعاصي أصبحت حسنات كرم الكريم إذا أعطى فلا تسأل ولا تتعجب (يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) [سورة الفرقان آية: ٧٠]، يحزن على أولاده أو على ما فاته من الدنيا فيقال له أنت ترعى أولادك أكثر أم يرعاهم ربنا، كفالتك لهم أم كفالة المولى عز وجل، رعايتك أم رعاية المولى عز وحل؟ فكيف يحزن من ترك ما وراءه لمن لا تضيع عنده الودائع للقادر الرحيم، فعلى أي شيء يحزن إذاً فأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
يحكي القرآن عن جرائم يهود وقد قلنا من قبل إن القرآن من حافل بالحديث عن اليهود وكأنه يحذر الأمة إلى أن تقوم الساعة بأن العدو الأول والأكبر والأخطر هم أعداء الله هم اليهود قتلة الأنبياء، يقول الله تبارك وتعالى:
لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًۭا ۖ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًۭا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًۭا يَقْتُلُونَ ﴿70﴾
وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿71﴾
الحمد الله الذي نجانا من تفريط اليهود وإفراط النصارى، وهدانا إلى سواء السبيل، أما تفريط اليهود فكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون، وأما إفراط النصارى فقد زعم فريق منهم أن رسولهم هو الإله، وزعم فريق آخر أن رسولهم ابن للإله، وزعم فريق ثالث أن الله ثالث ثلاثة الأب والابن والروح القدس، فدمغ الله، تبارك وتعالى، الجميع بالكفر وتوعدهم بالعذاب الشديد والخلد في جهنم، ومن رحمته، عز وجل، أنه بيّن لهم بالحجة الواضحة والدليل القاطع والبرهان الساطع أن تلك المقولات كذب وافتراء ولا تتفق أبداً مع العقل السليم والمنطق القويم فقال عز من قائل:
لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ ﴿72﴾
ثم يدمغ ربنا، تبارك وتعالى، الفريق الآخر بالكفر أيضا فيقول:
لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَـٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّآ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿73﴾
ويأتي استفهام تعجيبي ولكنه يفتح أبواب التوبة:
أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿74﴾
وتأتي الحجة الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار:
مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌۭ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴿75﴾
(صِدِّيقَةٌ) مريم صديقة شاركها في هذه الصديقية الكثير من النساء، هذا الكمال لا يوجب ألوهية ولا يوجب ربوبية فقد شاركها في الصديقية الكثير، أما عيسى فقد شاركه الرسل حين وُلد من غير أب أمر عجيب ومن وُلد من غير أم وأب أعجب، آدم، لا أم له ولا أب، شاركه في كماله الكثير من الرسل وكذلك مريم شاركها في الكمال الكثير من النساء، (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) وبعد ما بين لهما من كمال لا يوجب لهما الألوهية بيّن ما فيهما من نقص يمتنع معه أن يتصفا بالربوبية (كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ) إذاً فقد احتاج عيسى للطعام فهل يحتاج الإله لشيء يقيمه؟ احتاج للطعام لقوامه ولحياته، واحتاجت مريم للطعام فكيف يكون الإله محتاجاً؟ ومن شروط الألوهية وصفاتها الغنى المطلق، وأكل الطعام يقتضي بالطبيعة وبالعقل إخراج الفضلات فكيف يخرج إله فضلات نجسة ذات رائحة كريهة يتقزز ويتقذر منها الإنسان، (كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ) إشارة إلى إخراج الفضلات والأرياح هل كان يخرج ريحا؟ نعم، هل كان يتبول؟ نعم، هل كان يتبرز؟ نعم، هل كانت أمة كذلك؟ نعم، هل كانت تحيض؟ نعم، فكيف يتصف هو أو هي بالألوهية، هل كان عيسى جنينا في بطن أمه؟ وهل كانوا يقرون بذلك؟ نعم يقرون بأنه كان جنينا في بطن أمه، فمن كان يدير الملك حينئذ؟!!
(انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)) انظر يا محمد ويا من تعقل ويا من تسمع تعجب من أغرب شيء (انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ) كيف تبين لهم الأدلة، الوضوح المنطق ما يتفق مع العقل والفطرة (ثُمَّ انْظُرْ) إذا فهو يتطلب منك أن تتعجب ثم تتعجب مرة أخرى (ثم) هنا بدلاً من الواو انظر وانظر وهي أصلا في اللغة تفيد الترتيب مع التراخي وكأن (ثم) هنا لبيان التفاوت بين العجيبين أي انظر كيف تبين لهم الآيات وتعجب وإعراضهم عن الآيات أعجب وأغرب فبيان الله لآياته عجب وإعراضهم عن الآيات أعجب وأغرب (ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)) يؤفكون، ينقلبون ويصرفون ويبتعدون عن الحق أفكه، يأفكه قلبَهُ وحرفه، الآيات تثير العجيب، الأدلة تثير الاندهاش لكن إعراضهم عن هذه البراهين بعد بيانها أعجب وأغرب.
ثم يواجههم بدليل دامغ:
قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿76﴾
ومع ذلك العناد وإغلاق العقل عن التفكير وسد القلب عن التأمل من هنا كانت النهاية الحتمية الخلد في جهنم وبئس المصير.
ومن هنا كان الإسلام أكبر نعمة وكان التوحيد أعظم منة والحمد لله الذي نجانا من تفريط اليهود ومن إفراط النصارى وهدانا إلى سواء السبيل.
ويتوجه النداء الرحماني من العليّ الأعلى لأهل الكتاب بعد سوْق الأدلة البراهين لعلهم يفيقون:
قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍۢ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًۭا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ﴿77﴾
(قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا) أي كانوا سبب في ضلال غيرهم ممن اتبع أهواءهم كانوا سبب في ضلال أمم وأقوام وقرون وأجيال (وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)) السواء الوسط السواء المعتدل السبيل الطريق وهو سبيل محمد، صلى الله عليه وسلم، ضلوا وضلوا وكأنهم ضلوا عن مقتضى العقل مرة، وضلوا عما جاء به الشرع مرة، ضلوا من قبل بعثة محمد، صلى الله عليه وسلم، وضلوا من بعثة محمد، صلى الله عليه وسلم، الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل باسمه وصفته يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر علامات وأمارات.
ويأتي الخبر عما حاق بالأسلاف وما يمكن أن يحيق بالأخلاف ألا وهو اللعن، واللعن هو الطرد من رحمة الله، عز وجل، بيان لجرائم اليهود، وبيان لجرائم النصارى، بيان لتفريط اليهود بقتلهم الأنبياء وتكذيبهم الرسل، وبيان لإفراط النصارى في ادعائهم الألوهية لغير الله للمركبات هل كان عيسى ذا يدين؟ هل كان ذا قدمين؟ هل يحتاج في مشيه إلى رجلين؟ هل يحتاج في بصره إلى عينين؟ هل يحتاج في كلامه إلى لسان وشفتين؟ هل يحتاج في سمعه إلى أذنين؟ إذا فهو مركّب من أجزاء تتجمع وتتفرق ويحتاج كل جزء منها إلى الجزء الآخر فهو حين يأكل الطعام محتاج إلى الأسنان والأضراس محتاج إلى اللسان محتاج إلى الفم البلعوم، فإذا دخل الطعام إلى المعدة وحين أفرزت المعدة العصارة الهاضمة هل كان له دخل في ذلك؟ هل كانت له إرادة في انتقال الطعام من المعدة إلى الاثنا عشر إلى الأمعاء؟ هل كان له دخل أو أمر أو فعل في احتفاظ الجسم بما ينفع وطرد الحسم لما يضر؟ هل كان يملك شيئا من ذلك؟ فمن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا كيف يملك ذلك لغيره؟ هل خلق طعاما، أم هل احتاج لكساء، هل له عورة؟ هل احتاج لستر العورة؟ هل كان يتألم؟ هل كان يمرض؟ هل كان ينام؟ فكيف ينام الإله والله حي قيوم لا تأخذه سنة ونوم، وكيف وكيف، ما من عاقل يسأل نفسه هذه الأسئلة أو يتأمل في هذه التساؤلات بصدر مفتوح وبقلب سليم إلا ويصل إلى وجود الإله الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، المنزه عن الشريك والولد سبحانه وتعالى جل شأنه حجج وأدلة وبراهين ومع ذلك يصمون آذانهم فهل بلغهم كل ذلك؟ نعم، هل يدعوهم العقل والفطرة إلى التفكير؟ نعم، هل لهم عذر؟ أبدا (وَمَنْ رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)) [سورة فصلت آية: ٤٦]، وصدق حين قال (وَمَنِ كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)) [سورة الإسراء آية: ١٥].
فيقول سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتَّقِّ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ، فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ) ثُمَّ قَالَ:
لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ﴿78﴾
كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍۢ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ﴿79﴾
(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) لسان داود هو الزبور، ولسان عيسى هو الإنجيل، أي لُعنوا في الزبور ولُعنوا في الإنجيل، وقيل بل حين اعتدوا في السبت في زمان داود دعا عليهم فمسخهم الله قردة وحين كفروا بالمائدة في زمن عيسى دعا عليهم عيسى فمسحهم الله خنازير، وقيل بل اللعن تم لمن كفر منهم بمحمد، صلى الله عليه وسلم، إذ كان يعلم داود ويعلم عيسى ويعلم موسى ببعثة الخاتم، صلى الله عليه وسلم، فلعنوا من يكفر به من بني إسرائيل الملفت للنظر في الآية أن الله، تبارك وتعالى، نسبهم لنبيه يعقوب (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) ولم يقل من الذين هادوا أو من اليهود (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وإسرائيل نبي مخلص إسرائيل هو يعقوب عليه السلام وإسرائيل هو اللقب، فنسبهم ليعقوب وكأن اللعنة حاقت بأولاد نبي من المخلصين الذين كفروا منهم (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) من أولاد يعقوب عليه السلام وذاك يدل على أن الله، تبارك وتعالى، ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب إلا بطاعته، والناس شريفهم ووضعيهم في ذات الله سواء هو ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة ونتبين أن النسب لا ينفع إذ حين يأتي يوم القيامة ويُحشر الناس جميعا يقول الله، تبارك وتعالى، للخلق: (فَالْيَوْمَ أَرْفَعُ نَسَبِي وَأَضَعُ أَنْسَابَكُمْ)، ونسب الله هو الطاعة ويحذر نبينا، صلى الله عليه وسلم، أهل بيته قائلا: (ائْتُونِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَعْمَالِكُمْ لَا بِأَنْسَابِكُمْ)، ويقول: (يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، لاَ أُغْنِى عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ، لاَ أُغْنِى عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)، من هنا نتبين أن الأنساب توضع يوم القيامة (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)) [سورة المؤمنون آية: ١١] فمهما كانوا من الأنبياء طالما كفروا بالله وعصوا رسله حاقت بهم اللعنة وحل عليهم الغضب.
(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)) أي حاق بهم اللعن بسبب عصيانهم وبسبب عدوانهم أي تجاوزهم للحد فهُم في أنفسهم عصاة ولا يكتفون بظلم أنفسهم بل يتجاوزون ذلك إلى ظلم الناس فهُم في أنفسهم آثمون ويعتدون على غيرهم بالإضلال، ويعتدون عليهم بالظلم بالقتل والنهب والسلب (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)).
من أسباب اللعن أيضا أمر غاية في الخطورة: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)) [سورة المائدة آية: ٧٩]
الآية تدل على أنهم فعلوا ثلاثة أشياء:
أولا: أتوْا المنكر، ثانيا: فعلوه جهرا، ثالثا: لم ينه بعضهم بعضا عن ذلك (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ) لكي تنهى أحد عن المنكر لا بد وأن تراه فإذا رأيته إذاً فقد فعله جهارا لم يكتفوا بفعل المنكر بل فعلوه جهرة لم يستتروا، فعلوه مجاهرين ونبينا، صلى الله عليه وسلم، يحذر ويقول لهؤلاء الذين لا يملكون أنفسهم عن الوقوع في المعصية (فَمَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ) وهناك مقولة كلنا يعلمها: (إذا بُليتم فاستتروا)، ونبينا، صلى الله عليه وسلم، يبين خطورة المجاهرة بالمنكر فيقول: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ) الذين يجاهرون بالمعصية، إذ العبد إذا ابتلى بمعصية فاستتر واستتر بستر الله ولم يفعلها جهارا ولم يحدث بها أحداً كان ذلك علامة على أن باب التوبة له لا زال مفتوحا وكان ذلك علامة على أن ستر الله في الآخرة محقق فمن ستره الله في الدنيا ستره في الآخرة من فضحه الله في الدنيا فضحه في الآخرة (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)) تعجيب من فعلهم وتحقير لهم وتعجيب مؤكد بالقَسَم (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)) أي والله ما أسوأ وما أبأس ما قدموه لأنفسهم من فعل منكر ومن عدم تناهي عن المنكر (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)) ومعظم النار من مستصغر الشرر، فالصغائر تؤدي إلى الكبائر والكبائر تؤدي إلى الكفر والعياذ بالله، (لَبِئْسَ) أي والله (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)).
تَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَـٰلِدُونَ ﴿80﴾
(لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ) قدمت لهم أنفسهم بأي شيء ما الذي فعلوه (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) ها هي الجريمة تولوا الكافرين والوهم حالفوهم وصاحبوهم وصادقوهم ضد محمد، صلى الله عليه وسلم، والمسلمين (لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)).
وَلَوْ كَانُوا۟ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِىِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ ﴿81﴾
أيها الأخ المسلم، لا يزال القرآن يحذرنا من اليهود، لا يزال القرآن يحكي عن جرائمهم عن نفاقهم، عن غدرهم عن قتلهم الأنبياء بغير حق عن خيانتهم عن كفر بموسى وبالتوراة إذ لو كانوا يؤمنون بموسى وبالتوراة ما حرفوها ولو كانوا يؤمنون بموسى وبالتوراة لآمنوا بمحمد، صلى الله عليه وسلم، ففي كتبهم وصفه وفي كتبهم اسمه، وفي كتبهم وصف أمته أمة النبي، صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كفروا به بل كانوا أول كافر به، كفروا به وكانوا أول كافر به، ولذا تجد النبي، صلى الله عليه وسلم، بين لنا مسار التاريخ تاريخ الإيمان وكيف يتلاشى مع مرور الأزمان فيقول، صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيون وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَنِهِ وَيَقْتَدُونَ بِهَا ثُمَّ يَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ).
والدليل على ذلك أننا نجد في القرآن أن الله يحكي عن الأوائل من بني إسرائيل الذين آمنوا بموسى وصدقوا بالتوراة وكانوا من الحواريين ومن الأصحاب الذين أخذوا بسنة موسى واقتدوا بأمره يحكي عنهم ربنا يقول: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)) [سورة السجدة آية: ٢٤] أي من اليهود في ذاك الوقت ثم يحكي عنهم بعد ذلك حين مرت بهم الأزمان والعصور وتباعدوا عن سنة نبيهم وكتاب ربهم فيقول: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ) أي التوراة (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى) أي الدنيا يأخذون الدنيا ويعملون لها (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) ويقولون سيغفر لنا تمنى بغير عمل (وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩)) [سورة الأعراف آية: ١٦٩]، إذاً فقد كان بني إسرائيل أئمة يهدون بأمر الله لما كانوا يأخذون بسنة نبيهم ويعلمون بكتاب ربهم ثم تطاول عليهم الزمن وجاءت الذرية من بعدهم وابتعدوا عن الكتاب وابتعدوا عن السنة فكان من نتيجة ذلك أن لعنهم الله، عز وجل، وذاك يبين كما نبّه نبينا، صلى الله عليه وسلم، أن أول النقص هو عدم التناهي عن المنكر إذ يتعجب الإنسان كيف يتحول الناس من أئمة للهدى إلى أئمة في الضلال أيحدث طفرة واحدة يتحول الناس من الإيمان إلى الكفر فجأة؟ يتحولون من أئمة للهدى إلى أئمة للضلال فجاءة؟ أبداً وإنما مع الوقت؟ كيف؟ بأن يرى المؤمن المنكر فيسكت أو ينهى فاعل المنكر ثم لا يمنعه ذلك من أن يؤاكله ويشاربه ويقاعده ويجالسه ويناسبه ويمشي معه وهكذا، فكيف ينتهي عن المنكر كيف؟ ذاك معنى الحديث: (إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ، فَيَقُولُ: يَا هَذَا، اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ، فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ). أو كما قال.
ويقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ)، ويقول، صلى الله عليه وسلم، ضاربا لنا الأمثال: (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا)، تصوير لا يأتي إلا ممن يوحى إليه، نبينا، صلى الله عليه وسلم، لم يركب البحر في حياته ولم ير البحر في عمره ووصف النبي، صلى الله عليه وسلم، للسفينة لا يتحقق أبدا إلا في أيامنا هذه أو في قرننا هذا حين يقول كان بعضهم في أسفلها ويصف حين يريدون الماء أنهم يصعدون إلى أعلى إذا فهُم تحت خط الماء بحيث لو خرقوا في نصيبهم خرقا غرقت، السفن ذات الطوابق والأدوار، والتي يكون فيها من الطوابق ما هو تحت خط الماء لم تُصنع إلا في عصورنا هذه، فكيف وصفها النبي، صلى الله عليه وسلم، ولم ير البحر ولم يركب سفينة ولم ير السفن ولم تكن السفن في ذاك الوقت تصنع بطوابق تحت الماء لم يصلوا إلى هذه الدرجة من العلم، بل كانت سفنهم مسطحة كمراكب الفراعنة مثلا، لكن النبي، صلى الله عليه وسلم، يريد أن يوضح أمورا:
الأمر الأول: القائمون في حدود الله هم المحافظون على الطاعة العاملون بكتاب الله وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم، والواقعون في حدود الله هم المبتعدون عن كتاب الله، وسنة رسوله الواقعون في المعاصي الفاعلون للمنكر، كأن الجميع في سفينة واحدة يسري على الكل ما يسري على الجزء والسفينة تبحر في عباب البحر أي فعل فيها ينفع يفعله أحد منهم ينفع الكل وأي فعل يفعله أحد منهم يضر، يضر الجميع فهم في سفينة واحدة.
الأمر الثاني: أنهم استهموا أرادوا أن يسكنوا في السفينة ويركبوها تسير بهم إلى حيث يريدون من يسكن فوق ومن يسكن تحت، فاستهموا أي أجروا القرعة بينهم بالسهام فكان أعلى السفينة من نصيب الطائعين وكان أسفل السفينة من نصيب العاصين وكأن الطائع حظه ونصيبه الشمس والنور والهواء والراحة، فصار بعضهم أعلاها وهم الطائعون في الهواء الطلق في الشمس في الضوء في النور يأخذون الماء بسهولة ويسر وأما الآخرون من العصاة فكانوا في قعر السفينة بعيدون عن الشمس بعيدون عن النور يعيشون في ظلام يحصلون على رزقهم من الماء بصعوبة بشدة محرومون من الهواء النقي وهكذا حال الطائعين والعاصين في الدنيا ما من طائع إلا ويحيى حياة سعيدة كريمة ولو كان فقيرا لأن الله يقول وهو أصدق القائلين (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)) [سورة النحل آية: ٩٧] يحيى حياة طيبة مطمئن البال مستريح هادئ النفس بشوش الوجه قانع راض إن جاءته النعمة شكر الله، وإن جاءته مصيبة صبر وفوض أمره إلى الله فهو كخامة الزرع أينما جاءتها الريح كفأتها، أما العصاة فلا يستريح لهم ضمير ولا يجتمع لهم شمل ولا يصلح لهم شأن، ولا يستريح لهم بال، ولا يطمئن لهم قلب، ولا تصلح لهم أحوال، بل تفسد أحوالهم وأعمالهم وأولادهم، أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيصلح الله، تبارك وتعالى، أحوالهم وبالهم وأصلح بالهم.
الأمر الثالث: أن أهل المنكر مزيفون مزورون كاذبون مدعون لا يريدون أن يبذلوا جهدا بل يريدون أن يحصلوا على ما يريدون بأقصر الطرق وأسهلها بغض النظر عن حلّها أو حرمتها، فيرتزقون من حرام، ويأخذون ما ليس لهم ولا يبالون بمصلحة غيرهم، فها هم في أسفل السفينة، يدعون أنهم لا يريدون إيذاء من فوقهم فيقولون: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، يا سلام أهكذا كانت النية أهم يريدون فعلا عدم الإيذاء؟ لكنه التزوير التزييف، كلمة الحق يراد بها الباطل، تذويق الكلام تزييف الأمور خداع الناس ولم نؤذ من فوقنا تزييف، تزييف للكلام، الطائعون الذين صاروا في أعلى السفينة ينبههم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيقول: فإن تركوهم وما أرادوا أي صدقوا كلامهم أو انخدعوا بتزييفهم أو قالوا وما لنا وما لهم، هلكوا وهلكوا جميعا، لأنهم إذا خرقوا في السفينة خرقا في نصيبهم نعم هو في نصيبهم نعم في دورهم نعم هو في بيوتهم يفعلون المنكر في نواديهم لكن الغضب يحل بالجميع، فإن خرقوا في نصيبهم خرقا دخل الماء فكانوا أول الغارقين نعم، لكن الطائعين غرقوا معهم لم ذلك؟ لأنهم لم يأخذوا على أيديهم فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا أي إن أخذ الطائع على يد العاصي نجا الطائع ونجا العاصي بفضل الطائع، من هنا قال العلماء إن النهى عن المنكر فرض لمن أطاقه وأمن الضرر على نفسه والمسلمين، فإن خاف الضرر على نفسه أو على المسلمين بأن تكون فتنة مثلا أنكر بقلبه وهجر أهل المنكر.
إذاً فهناك ثلاثة مسائل لمقاومة المنكر لا بد منها، فإن تُركت حاق الغضب بالجميع (لَتَأمُرُنَّ بالمعرُوفِ، ولتنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أو لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ فليَسُومُونكمْ سُوءَ العذابِ، ثُمَّ ليَدْعون اللَّه خيارُكُمْ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ)، (لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيَعُمَّنَّكُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ)، النهي عن المنكر فرض بوسيلة من الوسائل كلٌ بحسب طاقته كلٌ بحسب إمكانه إما اليد وإما اللسان وإما بالقلب، والكل مأمور بذلك، الكل مأمور بذلك وهو فرض على جميع الأمة الشريف والوضيع الغني والفقير الكبير والصغير القوي والضعيف الحاكم والمحكوم، فكيف يكون ذلك؟ التعبير باليد يملكه الحاكم بما يشرع من قوانين رادعة زاجرة تتفق مع ما أنزل الله في كتابه من أحكام وما جاء في سنة سيد الأنام، صلى الله عليه وسلم، فالله، تبارك وتعالى، يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ونزلت التشريعات الإلهية من أجل صالح الفرد وصالح المجتمع من أجل إيجاد الأمة التي يتمتع أفرادها بالأمن والأمان والسلامة والسلام، نزلت العقوبات محددة لجرائم محددة، ونزل في القرآن بيان لجرائم ولم تحدد لها العقوبات تاركاً ذلك ربنا، تبارك وتعالى، للحكام بحسب ظروف الزمان والمكان، فيشرعون ويسنون من القوانين ما به يكون صلاح المجتمع وصلاح الأمة، وأمن الناس وأمانهم، فالحاكم مخاطب مسئول مفروض عليه تغيير المنكر بما يسنه ويشرعه من قوانين (فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ)، ليس الحاكم فقط بل أنا وأنت وهو فيما نطيق ونملك فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالرجل في بيته راع وهو مسئول عن رعيته فأنت تملك تغيير المنكر في بيتك بيدك جعل الله لك القوامة فكيف تسمح لامرأتك وابنتك أن تخرج إحداهما إلى الطريق عارية كاسية فتنة ضالة مضلة أنت تأتيهم تأتي الأسرة زوجتك تأتيها ابنتك تأتي الجميع بالطعام والشراب وتنفق عليهن مما أعطاك الله بل أنت ما تدفع ثمن ما تلبس امرأتك وابنتك، فكيف تلقى الله وأنت محارب له وهل هو محارب لله؟ نعم إذا أذن لامرأته وأذن لابنته أن تخرج لتفتن الناس عاصية ضالة كشفت عن شعرها وكشفت عن ساقيها فكيف تلقى الله وأنت محارب له؟ وهل هو محارب لله؟ نعم إذا أذن لامرأته وأذن لابنته أن تخرج لتفتن الناس عاصية ضالة كشفت عن شعرها وكشفت عن ساقيها وكشفت عن ذراعيها وخرجت متعطرة متزينة وأذن لها بذلك أهو حرب؟ نعم ذاك حرب لله وربنا لا يحارب حرب الله معناه العصيان، العمل على رفض ما أنزله الله من أوامر الابتعاد عن سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا فعلى الرجل أن يغير المنكر في بيته بيده ولذا لا عذر له إن شب أبناؤه لا يصلون لا عذر له ويقول كبر الولد وكيف أسيطر عليه لقد أمرك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن تعلمه الصلاة لسبع في سن سبع فإن بلغ العشر ولم يصل أو يحافظ على الصلاة رغم أنه غير مكلف فعليك ضربه (مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ)، ولو كنت فعلت ذلك لشب أولادك يحافظون على الصلاة، إذا على الرجل في بيته أن يغير المنكر بيده وهو مسئول، وكذلك على الرئيس في مصلحته على الوزير في وزارته، على المدرس في فصله، على رئيس الجامعة في جامعته، لو أنه سن قانونا اتفق عليه مجلس الجامعة على توحيد زي الفتيات زي جامعي مواصفاته كذا وكذا هل يلومه أحد؟ فإن لم يفعل سُئل أم لا؟ ذاك هو التغيير باليد، كلنا مسئول عن التغيير باليد فيما يطيق وفيما يملك دون تجاوز للحد ودون اعتداء فأنت لا تملك أن تغير المنكر في شقة جارك، ولا تملك أن تقول لامرأة في الطريق احتشمي يا امرأة فهي لا تخضع لك فيما تطيق دون تجاوز للحد ودون اعتداء على غيرك أنت تملك أن تغير المنكر بيدك فيما يطيق ويملك حاكما كنت أو محكوما.
أما التغيير باللسان فهو مسئولية العلماء الذين يبينون للناس ما يحل وما يحرم ما يجوز وما لا يجوز، ما يصح وما لا يصح، العلماء، لا بد وألا يمل العالِم من التذكير من التحذير من البيان من النصح من القول للحاكم والمحكوم وتلك بيعة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأصحابه، (بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)، وحين أمرهم بالنصيحة: (إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)، فتلك مسئولية العلماء لا تكون وظيفة العالم أن يبيّن للناس ما اعتقدوه حراما فيحلل ويحلل ويحلل،، ويبرر ويبرر، ليس ذلك فقط بل مسئوليته أيضا أن يبيّن ما يرتكبوه من فعل بمعنى يجئ للعالم الناس يسألونه هل كذا حرام أم حلال هل كذا يجوز أو لا يجوز، الناس تريد أن تستبيح الأفعال، فيسألون عن الأموال أين يضعونها، هذه الأرباح والفوائد حلال أم حرام؟ هل استماع الأنغام والأغاني يباح أو لا يباح، هل لعب الكرة مباح أم غير مباح، وانشغل العالم بالإباحة وببيان ما يريده الناس أخطأ إذ يجب على العالم أن يبين للناس ما هم عليه من منكر، ما هم عليه من معصية ذاك هو التناهي عن المنكر لأن دفع المضار مقدم على جلب المنافع ودرء المفسدة مقدم على جلب المنفعة فوظيفة العلماء مجاهدة المنكر باللسان هم أيضا مسئولون عن التناهي عن المنكر وعن دفع المنكر باليد في بيوتهم فيما يطيقون فيما يملكون فالعالِم يجاهد المنكر ويجاهد أهل المنكر بيده فيما يطيق في بيته فيمن له القوامة عليهم، ويجاهد بلسانه كذلك.
والجهاد بالقلب للكل للحاكم والمحكم لمن يغيّر باليد ويغيّر باللسان ويغيّر بالقلب أيضا فيم؟ فيما لا يملك فيما لا يستطيع تغييره بمعنى لو أن حاكما مسلما في بلد مسلم يحكم بما أنزل الله وإلى جواره بلد آخر يحكم فيه مسلم بغير ما أنزل الله ولا يملك أن يحاربه ولا يملك أن يغيّر بيده فينكر بقلبه، وكذلك العالِم ينكر بقلبه فيما لم يجد من يستمعون له بمعنى أن العالِم ينصح في مسجده في المسجد في دروسه فيما يملك لكن هناك أماكن فلا يملك أن يتكلم فيها فلا يملك فينكر بقلبه، والإنكار بالقلب أن يقول المنكر اللهم إن هذا منكراً لا يرضيك اللهم إني أبرأ إليك مما يفعلون، ذاك هو الإنكار بالقلب أن تكره، من شهد المعصية ولم يرض عنها كمن لم يشدها، ومن لم يشهد المعصية ورضي عنها كان كمن شهدها وله نفس العقاب له نفس الوزر، بمعنى: لو جاءك رجل فحكى لك عن معصية ارتكبها فعل كذا بالأمس وفعل كذا بالأمس وأنت تسمع وترضى عليك الوزر كما لو كنت قد شاركته في الفعل وأنت لم تفعل شيئا نعم، إنما الأعمال بالنيات، فذاك هو الإنكار باليد وباللسان وبالقلب.
أيها الأخ المسلم يشترط للمنكرين والمجاهدين للمنكر ولا يشترط لهم، فهناك ما يشترط وما لا يشترط:
يشترط لهم يشترط لهم أن يتكلموا إذا قاوموا باللسان بما يعملون فلا يحلون حراما ولا يحرمون حلالا لكن ينهى حيث يعلم ويأمر بما يعلم أنه متفق مع ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله.
أيضا يشترط لهم أيضا أن يهجروا أهل المنكر، فكيف تنهى عن المنكر وأنت تجالس أهل المنكر كيف تقول له إياك والخمر فالخمر ملعونة وهي أم الكبائر ثم تجلس معه وتأكل معه وتشرب معه وتأتنس به وتصاحبه؟ لا يصح ذلك أول النقص الذي دخل على بني إسرائيل كان الرجل أول ما يلقى الرجل يقول له اتق الله ودع ما تصنع فإذا كان من الغد أكل معه وجلس معه وشرب معه إذاً فهناك مقاومة إيجابية للمنكر وهي المقاومة باليد والمقاومة باللسان والمقاومة بالقلب لكي تكون إيجابية لا بد من هجر أهل المنكر وهي تكون في هذه الحالة مقاومة سلبية، لو أننا هجرنا أهل الخمر لو هجرناهم ولم يجد شارب الخمر أحداً يجلس معه من الناس يُقلع أم لا؟ لو أننا امتنعنا عن الشراء من التاجر الذي يبيع الخمر ضمن ما يبيع، يبيع الجبن ويبيع، ويبيع، ويبيع، ويبيع الخمر أيضا لو امتنعنا عن ذلك، لو امتنعنا عن شراء أي مثلجات من ذلك الذي افتتح كشكا وباع فيه مثلجات إلى جوار المشروبات الأخرى لو امتنعنا لامتنع، هجر أهل المنكر شرط لمن ينهى عن المنكر ولمن يغير المنكر بيده أو بلسانه أو بقلبه، يشترط له مع ذلك أن يهجر أهل المنكر فلا يؤاكلهم ولا يشاربهم ولا يجالسهم ذاك شرط.
أما ما لا يشترط فهو لا يشترط للناهي عن المنكر أن يكون بعيداً عن المعصية بمعنى لا يشترط لكل من ينهى عن المنكر أن يكون بريئا من المعاصي خاليا عنها أبدا، أبدا، بل يجب على العاصي أن ينهى العاصي بمعنى يجب على شارب الخمر أن ينهى شارب الخمر فيقول له إياك والخمر فالخمر حرام، فيقول وأنت تشرب! فيقول نعم ذاك خطأ وذاك حرام كما أنهاك وعليك أن تنهاني، نهيتك ونهيتني نهيتك ونهيتني تناهينا وهذا ما جاء في الآية حيث يقول الله، تبارك وتعالى: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ) إذاً فالناهي مرتكب للمنكر والمنهي مرتكب للمنكر (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ) أي ينهى هؤلاء هؤلاء وينهى هؤلاء هؤلاء فلا يشترط للناهي عن المنكر أن يكون بعيدا عن المعصية بل ينه العصاة بعضهم بعضا فإذا لم ينه العاصي زميله العاصي وقع في إثم مضاعف ارتكب المنكر ثم جاهر به فقد رآه العاصي الآخر جلسوا سويا إذا فقد شرب مع أحد من الناس فشرب الخمر علنا فأولا: عصى بشرب الخمر، ثانيا: عصى بشربها جهراً، ثالثا: عصى بعدم النهي عن شربها، إذاً فلا يشترط للناهي عن المنكر أن يكون منتهيا هو عما ينهى عنه، ولذا حين يقول الله، تبارك وتعالى: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)) توضح هذا المعنى، ومن أعظم الذنوب على الإطلاق التي حذرنا منها النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يُقال للرجل اتق الله فيقول اتقه أنت، من أعظم الذنوب إذا قال رجل لك أو إذا قال رجل لواحد آخر اتق الله يا فلان فيقول اتقه أنت وقع في معصية من أخطر المعاصي التي تورد موارد التهلكة إذاً فماذا يقول ومتى يقول ذلك؟ يقول حين يجد من يقول له اتق الله واقع في المعصية هو واقع في المعصية فيقول له اتق الله فيقول له اتق أنت فأنت تفعل يمنع من ذلك فقد وقع في معصية فماذا يقول، يقول، آمنت بالله.
فإن قال لك أحد من الناس اتق الله صادقا كان أو غير صادق طائعا كان أو عاصيا كان أيا كان من يقول لك اتق الله، عليك بالرد آمنت بالله.
فينبئنا الله تبرك وتعالى بعدونا الأكبر يخبرنا ربنا، تبارك وتعالى، بألد الأعداء في هذه الدنيا ولم يكتف الله، عز وجل، بالإخبار المجرد بل أقسم على ذلك وربنا، تبارك وتعالى، غير محتاج لقَسَم فقوله الصدق وقوله الحق يخبرنا فيقسم، ويقول عز من قائل:
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًۭا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿82﴾
(* لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)، والكلام عن الماضي وعن الحاضر وعن المستقبل فهُم العدو اللدود إلى أن تقوم الساعة عداوتهم واضحة غدر وخيانة ونقض للعهد وكذب وخديعة وفساد وإفساد في الأرض وإيقاع للعداوة والبغضاء، ولا يمنع ذلك من مسالمتهم إذا جنحوا للسلم كما سالمهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في بدء هجرته إلى المدينة ولكن حتى وإن حدث السلام أو حدثت المسالمة والمعاهدة وجب على المؤمنين أن يكونوا على حذر وأن يأخذوا حذرهم فهم الذين قال في شأنهم ربنا الأعلم بهم (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) [سورة البقرة آية: ١٠٠] كما يجب على المؤمنين أن يستعدوا لهم بالقوة وبتقوى الله، يعدوا لهم من السلاح ومن العتاد ما يرهبونهم به ولا يأمنوا مكرهم ولا يأمنوا خديعتهم وبالمقابل يقول الله، عز وجل: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)) النصارى أتباع عيسى ابن مريم عليه السلام الذين آمنوا به وصدقوه الذين وضعوه في مكانه دون إفراط أو تفريط الذين صدّقوا بنبوته ورسالته وبطهارة أمه هؤلاء هم النصارى المقصودون في هذه الآية وقد نزلت الآية بسبب ألا وهو إيمان النجاشي ملك الحبشة فقد رُوى أن النجاشي أرسل في طلب جعفر بن أبي طالب والمسلمين الذين هاجروا من مكة إلى الحبشة في الهجرة الأولى أرسل إليهم يسألهم عن دينهم ويعطي لهم الفرصة في الدفاع عن أنفسهم أمام من أرسلهم كفار مكة فقد أرسلت قريش عمرو بن العاص وأرسلت معه رجلا آخر يثيران النجاشي على من هاجر إليه من المسلمين وحين سألهم وطلب من جعفر أن يقرأ له من القرآن قرأ عليه سورة مريم، وقد جمع النجاشي حوله القساوسة، وحين سمعوا القرآن من جعفر فاضت الدموع من أعينهم وآمن النجاشي وآمنت النصارى فنزلت الآية، ورُوى أيضا أن جعفر حين عاد من الحبشة إلى المدينة جاء ومعه سبعون نصرانيا ثلاثة وستون من الحبشة وسبعة من الشام وحين دخلوا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يسألونه قرأ عليهم سورة يس كاملة فبكوا وآمنوا بالله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، إذاً فالآية عن النصارى الذين آمنوا بالله وبرسوله، صلى الله عليه وسلم، وأسلموا (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) ونصارى أصلاً من النصر وهم من الذين قال لهم عيسى من أنصاري إلى الله قالوا نحن أنصار الله فأطلقت عليهم التسمية (ذَلِكَ) بيان يبيّن ربنا، تبارك وتعالى، العلة في مودتهم القريبة من المؤمنين (بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)) قسيسين، جمع قسيس ويجمع أيضا على قساوسة والقسّ والقسيس في الأصل من كلمة قسّ الشيء تتّبعه وتتّبعه ليلا على وجه التحديد من هنا أُطلق على هؤلاء الذين تتبعوا العلم الصحيح فتعلموه وعلّموه ذلك اللفظ من قسّ الشيء تتّبعه وهم علماء النصارى، (بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)) الرهبان جمع راهب والراهب في الأصل من الرهبة رهب، خاف وترهّب، عَبَد الله، تبارك وتعالى، في خلوة من شدة رهبته رَهِبَ الله رهبةً ورَهَباً أي خاف ومن خوفه اعتزل الناس ورفض الدنيا وعَبَدَ الله في صومعة أو محراب أولئك هم الرهبان (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)) أي لا يستكبرون على الحق عرفوه أو فهموا أو دُعوه إليه.
وَإِذَا سَمِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا۟ مِنَ ٱلْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ﴿83﴾
وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿84﴾
فَأَثَـٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُوا۟ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿85﴾
وبضدها تتميز الأشياء.
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ ﴿86﴾
أيها الأخ المسلم مهما كان الإنسان فطنا أو ذكيا أو ذا بصيرة قد لا يتبين عدوه لأن الله يقول (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)) [سورة البقرة آية: ٢٠٤] والمنافقون كانوا على عصر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفي عصر النبوة أشرف العصور وأفضل العصور ومع ذلك لم يسلم عصر النبوة من النفاق والمنافقين فكيف بعصرنا هذا؟ وكيف بغيره من العصور؟ من هنا قال الحكماء اعرفوا الرجال بالحق ولا تعرفوا الحق بالرجال ورغم كل ذلك ينبهنا ربنا، تبارك وتعالى، ويمُن علينا ببيان العدو الذي يجب أن نحذره كما قال في موضع آخر عن المنافقين (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) [سورة المنافقون آية: ٤] بل وحين وصفهم وصفهم بصفات خادعة حيث قال (* وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) [سورة المنافقون آية: ٤] واحذروا احذروا العدو والعدو هو من بينه الله لنا وعدوك عدو دينك وإياكم والاختلاف وإياكم والفرقة وعليكم بالاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله.
(جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أُخْبِرُوا بِهَا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ فَلا أُفْطِرُ، وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ وَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي).
وقد اجتمع قوم آخرون بدار عثمان بن مظعون رضي الله عنه اجتمع بعض الصحابة في داره وتعاهدوا أن يصوموا الدهر ولا يفطروا أبدا وأن يقوموا الليل ولا يناموا أبدا وألا يناموا على الفّرس وألا يأكلوا اللحم أو الودك - الدسم - ويعتزلوا النساء ويرفضوا الدنيا ويلبسوا المسوح ويسبحوا في الأرض حتى أن بعضهم اقترح أن يجُبَّ أو يجبّوا مذاكيرهم أي يقطعوا العضو حتى يترهبوا فلما بلغ ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نهاهم ونزل قول الله، عز وجل:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴿87﴾
وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ ﴿88﴾
وراعها وهي في الأعمال سائمة وإن هي استحلت المرعى فلا تسم
وخالف النفس والشيطان واعصمها وإن هما محضاك النصح فاتهم
قالوا إن فعل ذلك فهو على صلاح ولا شيء عليه هو لا يحرم شيئا ولا يدعو إلى هذا ولكنه أخذ نفسه بالشدة وقهر نفسه حتى تنصاع إليه ويسلس له قيادها، وقال القسم الثاني ذاك مرفوض فلمن خلق الله، تبارك وتعالى، اللحم؟ ولمن خلق الله، تبارك وتعالى، العسل ولمن خلق الفواكه وطالما خلق ذلك وأحله لعباده فكيف تحرّم على نفسك ما أحله الله وأباحه لك ومن أين يأكل العاملون في هذا، الزارعون للفواكه إن زهد الناس فيها لمن يبيعونها ولم يبيع صاحب العسل عسله ولمن ولمن؟ أيضا إن النفس إذا مُنعت واشتهت ومُنعت عن الحلال المباح تمردت ولا يسهل قيادها بل ولا تقوى على الطاعة فإن أكلت وشبعت وأخذت مما اشتهت بالحلال قويت على الطاعة وانصاعت لصاحبها فلا يصح مطلقا أن يمتنع الإنسان عن مباح حلال جاز له ومَلَك أن يستمتع به دون اعتداء ودون تجاوز وليس الزهد في عدم تملَك الأشياء بل الزهد ألا تتملكك الأشياء وحقيقة الزهد أن تزهد في الزهد إذ أقام سبحانه العباد فيما أراد فما أوقفك الله فيه هو الطيب وهو الأحق وهو الحق فإن رزقك الغنى فلا تسعى إلى الفقر لأن مراد الله هو الواجب أن ترضى به، وإن أراد بك الفقر فلا تسعى إلى تغييره ذلك هو الزهد على الحقيقة أن ترضى بما قسمه الله لك، وجاء القسم الثالث أو الفريق الثالث فقالوا: خير الأمور الوسط فمن منع بالكلية على خطأ، ومن أباح بالكلية على خطأ ولكن إذا أعطيت نفسك مرة ومنعتها مرة تمرنت على ذلك وسهلت لك وسلس قيادها فعليك بالتوسط في الأمور طالما ترتزق من حلال وتتمتع بالحلال وتتلذذ بالحلال فلا بأس ولكن دون إفراط ودون تفريط فخير الأمور الوسط، وربنا تبارك وتعالى، يقول: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [سورة الأعراف آية: ٣٢]، من هنا وجب على الإنسان أن يتحرى الحلال أولا ثم يرضى بما قسمه الله له ثانيا ثم لا يحرم على نفسه شيئا أحلّه الله له وأباحه الله له أما أن يسوس نفسه فلا بأس بسياسة النفس ولكن مع التوسط والاعتدال رزقنا الله وإياكم القناعة.
فحين علم النبي، صلى الله عليه وسلم، بما تعاهد عليه بعض أصحابه من أنهم لا يأكلون الطعام الدسم لا ينامون على الفرش يصلون الليل ولا ينامون يصومون النهار ولا يفطرون يلبسون المسوح لا يتزوجون النساء حين علم بذلك ووعظهم وتكلم عن نفسه، صلى الله عليه وسلم، وهو أخشى الخلق لله وأتقى الخلق لله يصوم ويفطر يصلي وينام ويتزوج النساء وأفهمهم أنه من رغب عن سنته فليس منه.
قالوا وماذا نفعل بأيماننا تلك التي حلقوها على أن يفعلوا كذا كذا فنزل قول الله: عز وجل:
لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَـٰنَ ۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍۢ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿89﴾
ولغو اليمين متفق على أنها قول الرجل بالله تالله لا والله لا يقصد بذلك يمينا ولا يقصد بذلك حلفا، لا نية ولا قصد، كقولك لأخيك بالله تجيء والله تأكل لا والله وهكذا، ذلك هو يمين اللغو وقد رفع الله، تبارك وتعالى، المؤاخذة والمقصود بالمؤاخذة أي بالمؤاخذة الدنيوية بالكفارة (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) في بمعنى من أي من أيمانكم أي المؤاخذة في الدنيا بالكفارة إذاً فلغو اليمين لا إثم فيه ولا كفارة، هناك نوع آخر يعد من اللغو أيضا في رأي بعض العلماء وهو أن يحلف الرجل على الشيء يعتقد أنه فيه صادق ثم يتبين له خلاف ذلك، حلف على شيء معتقد أنه صادق في يمينه ثم تبين له خلاف ذلك اعتبره البعض من اللغو كأن يقول الرجل لقد رأيت فلانا فقيل له، بل ليس هو فقال والله إنه هو ثم تبين أنه أخطأ فما الحكم؟ قال البعض هي لغو لا إثم فيها ولا كفارة وقال البعض هي لغو لا إثم فيه نعم لكن يجب فيه الكفارة إذا اتضح له أنه أخطأ ولم يكن صادقا كما كان يعتقد ذاك هو اللغو، واعتبروا الكفارة في هذا النوع من الأيمان واجبة واعتبروا المؤاخذة أي المؤاخذة في الآخرة بمعنى لا إثم عليه إن حلف معتقدا أنه صادق ثم تبين له غير ذلك لكنه مطلب بالكفارة (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) (بما عَقدْتم) (بما عاقدتم) ثلاث قراءات وتؤدي نفس المعنى، اليمين المنعقد هو اليمين الذي انعقد القلب على فعل شيء أو عدم فعل شيء في المستقبل فيه النية وفيه القصد كقول الرجل والله لأفعلن كذا أو والله لا أفعل أو إن فعلت كذا أو لئن لم أفعل كذا، كذا في المستقبل ذاك هو اليمين المنعقد الذي أذن الله، تبارك وتعالى، في كفارته إذا حنث الرجل أو حنث الحالف فيه ذاك هو اليمين المنعقد.
(فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) والكلام فيه حذف ثقة بهم السامع (يؤاخذكم بما عقدتم فكفارته إن حنثتم إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة) كيف يتم الحنث؟ وكيف يكون؟ ومتى يباح؟
يباح حين يحلف الرجل على شيء لا يصح كقطيعة رحم أو على عدم فعل خير أو أن يحلف أن يفعل شراً أو سوءاً لقول النبي، صلى الله عليه وسلم، كما يروي عنه الإمام البخاري: (وَإِنِّي وَاللَّهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، أَوْ: أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي)، إذاً فمعنى ذلك أن التكفير مباح حين ترى أن في التكفير خيرًا، وأن في الحنث خيرًا وأن إبرار اليمين أو البر فيه إثم أو فيه قطيعة رحم متى تصح الكفارة ومتى تجوز؟ يتضح من الحديث: (وَإِنِّي وَاللَّهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، أَوْ: أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي)، إذا فالكفارة تأتي بعد الحنث لكن هناك حديث آخر فيه تقديم وتأخير أو فيه عكس الكلام: (وَإِنِّي وَاللَّهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، أَوْ: أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي)، هنا اختلف العلماء اتفقوا جميعا على أن الكفارة بعد الحنث صحيحة وجائزة واختلفوا في الكفارة قبل الحنث فأجازها البعض للحديث ومنعها البعض كيف يكفِّر عن شيء لم يفعله فكيف يكفر فلا بد من الحنث أولا ثم الكفارة، وجاء ثالث فقال: تصح الكفارة قبل الحنث في الإطعام والكسوة والعتق ولا تصح في الصيام قبل الحنث أبدا لأن الصيام من أفعال البدن وأفعال البدن لا تُقدَّم على وقتها أبداً كصوم رمضان وصلاة الفرائض وما إلى ذلك، تلك أقوالهم في الكفارة أهي قبل أم هي بعد؟ أما الكفارة فقد حددها الله، تبارك وتعالى، بثلاثة أمور للمكفِّر فيها الخيار ( إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) قَدّم الإطعام على الكسوة مراعاة لحال العرب في ذاك الوقت من هنا كان التخيير للمكفّر في الأمور الثلاثة مما دفع بعض العلماء أن يقول يُراعى الحال أو تراعى المصلحة فإن كان الجوع غالبا فالإطعام وإن كان العري غالبا فالكسوة وهكذا، أما الإطعام فشَرَط بعضهم التمليك لما يُطعم بمعنى أن تملك المسكين الطعام الواجب، وشرط البعض الآخر العشرة كما قال ربنا ( إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) وعليه لا يصح إطعام فرد واحد لا بد من إطعام العشرة وقال بعضهم بل يصح إطعام الواحد إذا تعددت الأيام بمعنى أنك تطعمه عشرة أيام أو تطعم اثنين خمسة أيام، أما نوع الطعام فقد حدده الله، تبارك وتعالى، بقوله: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) والوسط خير شيء وقيل الوسط هو بين طرفين أي متوسط ما يُطعم به الأهل (أَهْلِيكُمْ) الزوجة والولد جمع (أهل) أهاليكم أو أهليكم وتحديد الطعام مُد أو مُد وثلث وما إلى ذلك يبيّن ويوضح بكلمة غذاء وعشاء أي أكلتان في اليوم ذاك هو الإطعام مما تطعم به أهلك فإن كنت ممن يأكل اللحم فالإطعام من اللحم وإن كنت ممن يأكل البُر فالإطعام من البُر وهكذا، من طعام الأهل من طعام بيتك ذاك هو الشرط.
هناك شرط آخر إذ لا يصح إطعام غني كما لا يصح إطعام ذوي الرحم الذين تجب عليك نفقتهم كالأولاد كالأب كالأم ذوي الرحم الذين تجب عليك نفقتهم لا يصح الإطعام لا بد إطعام المساكين هل يشترط أن يكون المسكين مسلما؟ أ وحر؟ لأن العبد يطعمه سيده، شرط بعض العلماء أن يكون المسكين مسلما حراً وقال بعض العلماء لا يشترط في المسكين الإسلام بل يجوز إطعام الكافر إن كان مسكينا ففي كل كبد رطبة صدقة كما يجوز إطعام العبد (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) الكساء أيضا اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال قالوا ثوب يستر العورة فقط الواجب سترها، وقال آخرون بل ستر البدن كاملا قميص ورداء قميص وسروال وما إلى ذلك، وقال البعض الآخر ما تعارف عليه الناس في زمن الكفارة ما هو الكساء في زماننا الآن؟ ما تعارف الناس عليه أنه كسوة، كسوة وكسوة لغتان بمعنى واحد بالضم والكسر كقدوة وقدوة أسوة وأسوة الكسوة أو الكسوة ساترا للعورة أو ساتر لجميع الجسم أو ما تعارف عليه الناس في الزمان والمكان الذي يحدث فيه الكفارة، والكفارة اسم من فعلة التي تمحو الخطيئة تسترها لأن الكفْر التغطية فالتكفير تغطية والتغطية ستر والستر كالمحو (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) رقبة مطلقة فهل يصح عتق الرقبة الكافرة غير المسلمة؟ شرط بعضهم أن تكون الرقبة مسلمة وعبر عن الكل بالجزء والرقبة جزء من الجسد والمقصود العتق الكامل لمملوك لا شِرْك فيه لأحد وعبر بالجزء عن الكل لأن الرقبة موضع الغل حيث يوضع القيد يوضع الغل في الحيوانات وغيرها فشرطوا أن تكون الرقبة مسلمة قياسا على الرقبة في القتل الخطأ، (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) [سورة النساء آية: ٩٢].
وقالوا يُحمل المطلق على المقيد فكل رقبة جاءت في القرآن بغير تقييد الإيمان تُحمل على المقيد فيشترط فيها الإيمان، وقال بعض الآخر لا تقييد إلا بنص وطالما أُطلقت فيصح عتق الرقبة مسلمة كانت أو غير مسلمة (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) أي لم يجد الأشياء الثلاثة عدم الوجد إما عدم القدرة أو عدم الوجود، (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) من هذا؟ قالوا من لا يملك نصابا تخرج عليه الزكاة وقال بل من مَلَك قوت يومه وجب عليه الإطعام ولا يصح له الصيام مطلقا، فالصيام يصح لمن لا يجد الإطعام ولا يجد الكسوة ولا يجد العتق، أما من وجد الإطعام فالصيام غير مقبول وقالوا إن من وجد الإطعام هو من مَلَك قوت يومه ولم يخش الفقر أو لم يخش أن يجوع في الغد (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) الأيام الثلاثة أهي متتابعة أم يجوز فيها التفريق؟ قالوا بل هي متابعات وقد قُرأت هكذا ولكنها قراءة شاذة (فصيام ثلاثة أيام متابعات) لكنهم قاسوا الصيام هنا على الصيام في كفارة الظهار (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) [سورة المجادلة آية: ٤]، قاسوا الرقبة هنا على الرقبة في القتل الخطأ كذلك، قالوا يُحمل المطلق على المقيد فيشترط في الصيام التتابع ثلاثة أيام متابعات، وقال بعضهم الذين لم يشترطوا الإيمان في الرقبة المُطلق لا يقيد إلا بنص فيجوز التفريق في الأيام الثلاثة.
(ذَلِكَ) أي ذلك البيان وذلك التبيين (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ) بين الله، تبارك وتعالى، الكفارة محو الخطيئة سترها كذلك (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) قالوا الحفظ كيف يكون؟ قالوا الحفظ بألا تحلف أصلا أن تضن باليمين لقول الله، عز وجل: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)) [سورة القلم آية: ١٠].
فلا تجعل الله عرضة ليمينك ذاك هو الحفظ لا تحلف إلا إذا اضطررت لذلك كالشهادة أمام القاضي، لكن ما الذي يضطرك للحلف إن صدقك صاحبك فيه فبها وإن لم يصدقك فهو ليس أهلا لأن تحلف له فهو لا يثق فيك فكيف تحلف بالله وقالوا حفظ اليمين بالبر (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) أي برُّوا بأيمانكم التي حلفتم ما لم يكن في البر بها إثم أو قطيعة أو ضرر ولا تأخذ الرخصة سهلة تحلف وتكفّر يجب أن تبر باليمين، وقالوا (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) بالكفارة إذا اضطُررتم إليها.
وعليه فحفظ اليمين بثلاثة أمور الأمر الأول عدم الحلف أصلا الأمر الثاني البر أن تنفذ ما حلفت عليه الأمر الثالث أن تكفّر عن اليمين إذا رأيت غيرها خيرا منها (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)) أي كذلك التبيين الذي حدث عن اليمين وكفارة اليمين يبيّن الله لكم أعلام شعائره وأعلام عباداته وآياته المختلفة يبينها لكم تشكرون نعمه ولعلكم تشكرون الترخيص واللطف والرحمة، لأن الله، تبارك وتعالى، حين يجيز لك أن تحنث في يمين باسمه الأعْظم بجلاله، عز وجل، بذاته وصفاته أن يرخّص لك في ذلك أن تقول والله لن أفعل وتحلف بالذات العلية ثم يأذن لك ببعض الطعام أو بالصيام أن تحنث في اليمين تلك رحمة كبرى ونعمة عظمى تستحق الحمد والشكر (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)) هناك أمور مترتبة على هذا وهي:
كيفية الحلف، وبأي شيء نحلف، نية الحالف كيف تكون، الكذب بالحلف عمداً وهو اليمين الغموس، أمور متركبة يجب العلم بها.
اليمين الغموس ما هو؟ قيل هو ما يغمس صاحبه في النار وقد قال عبد الله بن عمر بن العاص، رضي الله عنهما، كما يروي عنه الإمام البخاري: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الكَبَائِرُ؟ قَالَ: (الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ) قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: (ثُمَّ عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ)، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: (اليَمِينُ الغَمُوسُ) قُلْتُ: وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ؟ قَالَ: (الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ)، كما يروى الإمام مسلم عن أبي أمامة، رضي الله عنه قوله عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، أي بالحلف، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)، وكأنه كفر كبائر شرك كالشرك بالله والعياذ بالله، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ أي شيئا تافها لا قيمة له، قَالَ: (وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ) القضيب من أراك السواك أتعرفون السواك الذي يتسوك به المرء وينظف به أسنانه، هذا هو القضيب من أراك، الأراك الشجر الذي يؤخذ منه السواك، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ)، ذاك هو اليمين الغموس أعاذنا الله وإياكم منه وقال العلماء خطورة اليمين وعظم العقوبة لأن الحالف جمع أمورا في يمينه أولا، الكذب، وإنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله، (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ) [سورة النحل آية: ١٠٥].
والمؤمن لا يكذب ثانيا، أكل مال بغير حق ثالثا الاستهانة بعظمة الله وجلاله الاستهانة باليمين رابعا: عظَم ما حقَّره الله وهو الدنيا إذ سعى إليها بيمينه وحقّر ما عظّمه الله ألا وهو اليمين من أجل ذلك استحق جهنم وبئس المصير فما العمل إن حدث؟ قال العلماء اليمين الغموس لا كفارة لها صاحبها آثم مصيره جهنم ولا كفارة لها وإنما عليه التوبة النصوح والإصلاح أي أن يكذب نفسه فإن كان في المحكمة أما القاضي وجب أن يذهب ويكذب نفسه حتى يعود الحق إلى أصحابه، وإن كان لأناس فلابد أن يذهب إليهم ويعترف بكذبه وإن كانت شهادة وجب أن يرجع عن شهادته أياً كان ما يشهد عليه أو ما شهد عليه فيشترط الإصلاح والتوبة حتى يرتفع عنه الإثم ولا كفارة فيها، وقال بعض العلماء وعلى رأسهم الإمام الشافعي بل تجب عليه الكفارة فاليمين منعقد لأنه محلوف به مقصود فيه النية مرتبط بالخبر إلى آخر التعليل وعليه قالوا يكفّر عن اليمين الغموس والإثم قائم فإن لم يكفر تضاعف الإثم بعدم الكفارة وبالإثم في الكذب باليمين أصلا إذاً فقد شرطوا مع التوبة والإصلاح والعودة أن يكفر أيضا كما شرط الله، تبارك وتعالى، الذين أخفَوْا صفة النبي، صلى الله عليه وسلم، وغيّروا في كتاب الله (تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا) [سورة البقرة آية: ١٦٠]، من هنا وجب على الحالف كذبا متعمدا التوبة والإصلاح والكفارة في رأي بعض العلماء ذاك هو اليمين الغموس، إذاً فالأيمان أنواع اللغو لا يقصد اليمين اللغو أن يحلف على شيء يحسب أو يعتقد أنه فيه صادق ثم يبيّن له خلاف ذلك، اليمين المنعقد، أن يفعل في المستقبل ألا يفعل في المستقبل، اليمين الغموس، اليمين المنعقد ولا بد من البيان بيان كيفية الحنث حتى لا يخطئ بعض الناس إذا حلف أن يفعل فهو حانث في التو واللحظة حتى يفعل كأن قال والله لآكلن هذا الرغيف حنث في يمينه حتى يأكل فمن حلف أن يفعل فهو في حنث حتى يفعل ومن حنث ألا يفعل فهو في بر حتى يفعل فإن قال والله لا أدخلن هذه الدار هو في بر طالما لم يدخل أما إن حلف على الفعل فهو حانث حتى يفعل أي آثم حتى يتم الفعل فإن فعل فقد بر يمينه.
هناك أيضا أمر يجب توضيحه: الحلف على الفعل من باب الأمر، الحلف على عدم الفعل من باب النهي، أما باب الأمر فلا يتم البر إلا بالإتيان به جميعا وأما من باب النهي فهو مجرد إتيان شيء أو جزء فقد حنث كيف، لو قال والله لآكلن هذا الرغيف البر أن يأكل الرغيف كله فإن أكل بعضه وترك البعض فهو حانث فالحلف على فعل الشيء لا بد من الإتيان بالشيء كاملا، وإن حلف ألا يفعل أقل الفعل فيه الحنث كأن قال والله لا أدخلن هذه الدار فأدخل رجلا واحدة حنث بذلك فيقال له إن لم تدخل قدم واحدة، لا تم الحنث بدخول جزء من بدنه ولو كف اليد فقط.
قد لحق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بركب فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فسمع عمر يحلف بأبيه فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ)، ورُوى عنه، صلى الله عليه وسلم، قوله: (لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ).
من هنا قال العلماء الحلف بأي شيء؟ الحلف بالله، عز وجل، بالذات العليّة، باسم الجلالة الله والله بالله تالله وكذلك الحلف بأسمائه الحسنى القوي الجبار القهار الرحمن الرحيم وكذلك بصفاته ذاك هو الحلف وفي هذا الكلام تفصيل.
أيضا حين تكلموا عن الحلف بالمصحف الحلف بالنبي الحلف بأفعال الله قالوا الحلف بالذات العلية هو اليمين المنعقد الله والله بالله تالله وكذلك بأسمائه أما الحلف بأفعاله فيها الخلاف وكذلك الحلف بغير القديم بمعنى، والسماء وخلق الله ورزق الله أهو يمين؟ يمين في رأي غير يمين في رأي يترتب على ذلك إن كان يمينا وجبت فيه الكفارة أو وجب البر به إن كان في البر خير، وقالوا الحلف بالمصحف وكتاب الله القرآن والمصحف قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: " إن الحلف بالمصحف يمين منعقد الكفارة فيه بعدد آيات المصحف" بسم الله الرحمن الرحيم، يمين، الحمد لله رب العالمين يمين وهكذا، فكل آية يمين فمن حلف بالمصحف ثم حنث في يمينه أو أراد التكفير فعليه أن يكفّر بعدد آيات المصحف ستة آلاف ويزيد، وقال بعضهم بل هو يمين واحد فيه كفارة واحدة فهو كلام الله، تبارك وتعالى، القديم وكله كلمة من حيث ذات التوحيد وقالوا: كل كلمة كلام لا حد له ولا حصر من حيث سعة العلم الأزلي، من هنا كان الخلاف، وقال بعضهم ليس بيمين، أما الحلف بالنبي، صلى الله عليه وسلم، فأنكره البعض ومنعه البعض وأجازه البعض وقالوا، الحلف بالمصطفى، صلى الله عليه وسلم، يمين منعقدة لأن الحالف حلف بما لا يتم الإيمان إلا به هل يتم الإيمان بغير الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم إذاً فمن حلف بالنبي، صلى الله عليه وسلم، فقد حلف بما لا يتم الإيمان إلا به وعلى رأس المجيزين لذلك الإمام أحمد بن حنبل لكن اعترض عليه العلماء الآخرون وقالوا يرده حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ)، لكن في كل الأحوال لا يصح الحلف بغير الله ولا بالنبي، صلى الله عليه وسلم، مع شرف ذاته وعظم جاهه ولا يتم الإيمان إلا بالإيمان به لكن لا يصح الحلف به، صلى الله عليه وسلم، فإن حدث فهو يمين منعقد تجب فيه الكفارة.
إذا حلف الرجل بغير الله قالوا عليه التوبة وعليه فورا أن ينطق بشهادة التوحيد لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ)، من هنا قالوا من حلف بغير الله بأبيه بأمه ببيت الله بعلم الله وجب عليه أن يتوب في التو واللحظة وأن ينطق بشهادة التوحيد لأن رجلا جاء النبي، صلى الله عليه وسلم، وسأله: (حَلَفْت بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، فَأَتَيْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْت: إنِّي حَلَفْت بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، قَالَ: قُلْ: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ).
الحلف بألفاظ تعورف عليها مثل وأيم الله أهو يمين؟ وحق الله أهو يمين؟ وعلم الله أهو يمين؟ قالوا هو لا شك يمين لأنك حلفت بما هو من صفات الله، عز وجل، أو من أسمائه أو من أفعاله أو مما ينبغي له فهو كالحلف بالذات وساقوا على ذلك دليلا وهو قول النبي، صلى الله عليه وسلم: (لاَ وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ) (يمين)، وفي رواية: (لَا وَمُصَرِّفِ الْقُلُوبِ) وايم الله قالها النبي، صلى الله عليه وسلم، في قصة أسامة بن زيد وأبيه: (وايمُ الله إنْ كَانَ لَخَلِيقاً لِلْإمارَةِ)، إذاً فقد أقسم النبي، صلى الله عليه وسلم، بقوله وأيم الله وبقوله لا ومقلب القلوب إذاً فهي أيمان.
وقال بعض الناس وعلم الله ليست يمين لأنه قد يقصد وعلم الله واسع وحق الله ليس بيمين لأنه قد يقصد وحق الله واجب تلك حيل، وقال البعض إن قصد بها اليمين فهي يمين وإن لم يقصد بها اليمين فليست بيمين إذا قال الرجل أقسم بأن هذا الأمر قد حدث ولم يقل بالله أو قال أشهد على أن هذا الأمر حدث ولم يقل بالله أهو يمين؟
قالوا يمين بأي شيء يقسم؟ بالله إذا حلفتم فاحلفوا بالله إذاً فإن قال أقسم فهو يمين وقال بعضهم إن قصد اقسم بالله فهي يمين وإن لم يقصد فهي ليست بيمين، لكن الأرجح أنها يمين يحنث إذا لم يبر بها قالوا النية. اليمين المنعقد هو ما قصده القلب أو ما تم العزم عليه فجاء الرجل فحلف والله كذا النية هنا نية من؟ قال بعض الناس نية القاضي الذي يأمره بالحلف وليست نية الحالف لأن بعض الناس يقول والله لم أفعل كذا ثم يقول في سره بالأمس فهذا لا يصح يمين غموس وقال بعضهم ليست نية الحالف بل نية القاضي وقال البعض بل نية المظلوم لكن الأرجح والأصح نية المستحلفِ من طلب اليمين قاضيا كان صديقا كان لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ)، وفي رواية أخرى: (يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ صَاحِبُكَ)، وفي رواية: (يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ صَاحِبُكَ) إذاً فالنية اليمين نية المستحلف أو نية المحلوف له وليس نية الحالف، ماذا نفعل؟ لا نحلف نحفظ أيماننا كما أمرنا ربنا، تبارك وتعالى، في هذه الآية وفي قوله (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ) [سورة البقرة آية: ٢٢٤].
هناك أيضا مخرج سنه لنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو الاستثناء والاستثناء هو قول العبد (إن شاء الله) لأنك قدمت المشيئة إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، فالأمر متوقف ومتعلق بمشيئة القادر سبحانه وتعالى من هنا إذا قال الرجل والله لأزورنك غداً إن شاء الله فلم يحدث يكفر؟ أبدا لا يكفّر لأن الله لم يشأ حتى وإن تعتمد عدم الزيارة لأنه مهما تعمّد فالله خلقكم وما تعملون ولا يقع في ملكه إلا ما يريد ولذا سيق في حديث لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: (مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى، فَإِنْ شَاءَ مَضَى، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ غَيْرَ حَنِثٍ)، رحمة بالمؤمنين رءوف رحيم يعلّمنا وبيّن بنا ويفهمنا ويقودنا إلى طريق السلامة، صلى الله عليه وسلم، يكون في الإيمان التي تحلف بالله الأيمان الصحيحة وليس في غيرها وإن كان أجاز البعض الاستثناء في أيْمان الطلاق كأن يقول الرجل عليه الطلاق إن شاء الله إن فَعَلَت كذا لكن الناس قالوا الاستثناء مبيّن في كلام النبي، صلى الله عليه وسلم: (مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى) والحلف لا يكون إلا بالله، عز وجل، وعليه شرطوا أن يكون الاستثناء في أيْمان منعقدة وهي الأيمان على فعل شيء في المستقبل أو على عدم فعل شيء في المستقبل، أما أن تحلف في المحكمة والله إن شاء الله لم يعطيها النفقة هذا يمين غموس لا تقديم ولا استثناء إلا في المستقبل (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [سورة الكهف آية: ٢٣ - ٢٤]، فبعض الناس الذين يتكلمون بما لا يعلمون إذا سألته ما اسمك يقول اسمي محمد إن شاء الله، أو ذهبت بالأمس إلى مكان كذا إن شاء الله، الاستثناء في المستقبل فقط، هل تزوجت الحمد لله لكن لا تقل إن شاء الله، ماذا يعني هذا تزوجت أن لم تتزوج فتقديم المشيئة يكون في المستقبل وليس في الماضي.
والاستثناء لكي يصح له شروط:
الشرط الأول: أن يكون فيما يستقبل.
الشرط الثاني: ألا يتعمد المستثني الكذب والخديعة هو لا يريد أن يأتيك يقول لك إن شاء الله، إنما الاستثناء من أجل الحفاظ على اليمين وأن يكون مقدم المشيئة الحالف مستثنيا بالمشيئة قاصداً البر لا قاصدا ً الحنث. الشرط الثالث: أن تكون المشيئة باللفظ متصلة باليمين منطوقة لا أقول والله لآتينك غدا وأقول في سري إن شاء الله يشترط أن تكون المشيئة ملفوظا باللفظ منطوقا مسموعا من المحلوف له، متصلا باليمين، قال بعض الناس لا يشترط الاتصال حلفت منذ عشرة أيام ثم تبين لك أنه لا يمكن أن نبر باليمين فنقول إن شاء الله هذا لا يصح مطلقا بدليل حين حلف أيوب على ضرب امرأته وأراد الله، تبارك وتعالى، أن يبر بيمينه لم يقل له أيوب قل إن شاء الله وإنما قال (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ) [سورة ص آية: ٤٤]، إذاً لا بد للمشيئة أو لا بد للاستثناء أن يكون ملفوظا منطوقا مسموعا متصلا باليمين تلك بعض أحكام وليس في المجال متسع للمزيد.
ألف العرب في جاهليتهم شرب الخمر ألفوا شربها وتعلقوا بها وأدمنوها وتغنوا بها بل وقال فيها الأشعار، ولم تكن تجارتهم تخلو منها، فكانت سمرهم وكانت رزقهم، كانت تسليتهم وكانت صناعتهم، وحين نزل الإسلام دين الفضيلة دين العفة دين العفاف دين الفطرة والعقل السليم شاءت إرادة المولى، عز وجل، أن لا يحرِّم دفعة واحدة فيشق الأمر على الناس وشاءت إرادته وحكمته أن ينزل التحريم على التدريج، فأول ما نزل في شأن الخمر قول الله، عز وجل، بمكة (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)) [سورة النحل آية: ٦٧]، بنزول الآية فطن بعض الصحابة إلى أن المقابلة في الآية بين السَكَر وهو الخمر والرزق الحسن تفيد أن الخمر ليست من الرزق الحسن، (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا) خمرا (وَرِزْقًا حَسَنًا) إذا الرزق الحسن شيء والخمر شيء آخر ليس من الرزق الحسن، حين فطنوا لذلك امتنعوا عنه واستمر الآخرون في شربها باعتبارها من المباحات، لكن بعض الصحابة توجسوا منها شراً وهدتهم فطرتهم السليمة للسؤال فذهبوا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب يسألونه عن الخمر والميسر يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال فسكت حتى نزل جبريل بقول الله، عز وجل: (* يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) [سورة البقرة آية: ٢١٩].
ففطن بعض الصحابة للتحريم المرتقب إذ وضحت الآية أن في الخمر والميسر والإثم ضد البر وأن الإثم أكبر من النفع، النفع بعض الأرزاق من التجارة أو بعض الأرباح أو بعض الانتشاء أو بعض التسلّي والتسلية والتسري، وحين فهموا ذلك وفهموا أن كلمة الإثم لا تُطلق إلا على كل مكروه امتنع البعض عنها وبقى البعض على شربها، وفي يوم من الأيام اجتمع بعض الصحابة على الصلاة وقد شرب بعضهم وسكر إمامهم فصلى بهم فقرأ: (قل يأيها الكافرون أعبد ما تعبدون) لم يدر ما يقول فذهبوا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يشكون له فنزل قول الله، عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) [سورة النساء آية: ٤٣]، من هنا أصبح التحريم واضحا وإن كان تحريما جزئيا فقد أصبح من المحرّم أن يصلى العبد وهو سكران أو شارب للخمر، ولما كانت الصلاة واجبة خمس مرات في اليوم والليلة وأصبح من الممنوع على المصلي أن يشرب خمراً، فكان التحريم تحريما جزئيا طوال النهار وجزءا من الليل فامتنع الكثير وبقى القليل يشربها ليلا بعد صلاة العشاء متخذاً في اعتباره ألا يسكر سكرا بيّنا حتى يستطيع أن يقوم للفجر وهو في حالة صحو حتى تصح صلاته، ومضت الأيام واجتمع بعض الصحابة في بيت من بيوت الأنصار فشربوا كما يروى سعد بن أبي وقاص وحين شربوا سكروا وتشاتموا وتضاربوا وأصيب سعد بن أبي وقاص وهنا نزل التحريم القطعي بقول الله، عز وجل:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌۭ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿90﴾
إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ﴿91﴾
وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُوا۟ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ﴿92﴾
وهنا جاء بالعلة ليبيّن لك خبث الخمر وشرارة الميسر فيقول: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)) [سورة المائدة آية: ٩١]
(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ) مرة أخرى كأن الشيطان هو الدافع وهو المحرِّض وقد تبيّن أن الخمر والميسر يؤديان إلى مضار ومبادئ دينية ودنيوية وخُلُقية في شأن الدنيا (يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ) في شأن الدين (وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ) فهي تؤدي إلى مفاسد دينية ودنيوية وخلقية، وتُختم الآية بسؤال استنكاري معناه النهي المشدد (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)) أم أنكم ماضون على ما أنتم عليه (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)) مبتعدون ممتنعون عن هذه الأشياء أم أنكم مستمرون ماذا سوف تفعلون منتهي التهديد والوعيد.
ثم يأتي الأمر بالطاعة: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)) [سورة المائدة آية: ٩٢]
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا) كرر كلمة أطيعوا للتأكيد على الطاعة (وَاحْذَرُوا) المحذِّر من يملك الثواب والعقاب المحذِّر من خلق الجنة والنار المحذِّر من يحاسب يوم الحساب الصادق المصدق ويأتي وعيد آخر غاية في الشدة (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ) أي أعرضتم عن الطاعة وامتنعتم عن الطاعة ( فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)) أي أنكم لن تضروا رسولنا فهو عليه البلاغ فقط وقد أبلغكم ولقد أعذر من أنذر وماذا بعد البلاغ؟ أشد العقاب آيات غاية في الردع والزجر.
وترتبت على الآيات أحكام:
الخمر في اللغة هو ما خامر العقل أي خالطه وستره وغطاه وكلمة خمر شرعا تعني كل ما أسكر وأذهب العقل، وأما الميسر فهو القمار وما يجري مجراه وسُمِّي ميسر من اليسر مصدر ميم من اليَسَر واليَسَر اشتق منه كلمة ميسر لأن المكسب فيه بسهولة كسب المال فيه بيسر بسهولة، فسمي ميسرا من يسر جاءه الرزق جاءه المكسب بيسر وبسهولة.
أما الأنصاب فهي الأحجار التي كانوا ينصبونها حول الكعبة يذبحون عليها القرابين ويلطخونها بالدماء وهي غير الأوثان، الأوثان التماثيل ذات الصور أما الأنصاب في ما نصبت حول الكعبة الأحجار يذبحون عليها ويلطخونها بالدماء ويقربون إليها القرابين، والأزلام، وتسمى الأقداح سهام كانت لهم في الجاهلية عند سدنة البيت وسدنة الأوثان ثلاثة: مكتوب على أحد السهام أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، وعلى الثالث لا شيء، تُضرب السهام أو القداح وتُختلط ثم ينزع الرجل سهما إذا أراد تجارة أراد سفرا أراد زواجا أراد شيئا، فإذا خرج السهم المكتوب عليه أمرني ربي فعل، وإذا خرج السهم المكتوب عليه نهاني ربي لم يفعل، إذا خرج السهم الثالث الغفل من الكتابة أعاد ضرب القداح.
الغريب أن الله، تبارك وتعالى، قرن بين الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وكأن الخمر تعادل الشرك، (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ) شرك، ولذا ورد عن النبي، صلى الله عليه وسلم قوله: (مُدْمِنُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ الْوَثَنِ)، إذ قرن الخمر بالشرك، (رِجْسٌ) الرجس، والرجز والرِكْس، الرِكْس يُطلق على الفضلات العذرة، والرجز على العذاب، والرجس تطلق عليهما، يُطلق على النجاسة ويطلق على العذاب أيضا، الخمر ثبت تحريمها بالقرآن والسنة وأجمع العلماء كافة على تحريم شرب الخمر قليله وكثيره وكلمة (خمر) تُذكَّر وتؤنث وقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)، وقال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ)، وقال: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)، (وما أسكر الفرق، الفرق يسع أربعة عشر رطلا، منه فملء الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ)، وقال: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، وقال: (وَإِنَّ عَلَى اللهِ، عَزَّ وَجَلَّ، عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ، فَقَالَوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ)، حين حرمت الخمر لم يمتنع بعض الناس، وقد جيء ببعض الشراب إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأمر بضربهم بالنعال والجريد والأيدي، أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَكْرَانَ، فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ، فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ: مَا لَهُ أَخْزَاهُ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لاَ تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ)، لكنه أجاز لعن مدمن الخمر إذ مدمن الخمر كعابد الوثن.
حين تكرر ضرب النبي، صلى الله عليه وسلم، لشرّاب الخمر أو تكرر أمره بضربهم امتنع الكثير منهم، لكن في خلافة أبي بكر الصديق حين جيء ببعض الشرّاب أمر كذلك بضربهم، وجاءت خلافة عمر بن الخطاب فجلدهم أربعين جلدة لأن هناك حديثا فيه كلمة الأربعين واعتبر بعض الصحابة أن الخمر فيها الحد وحد شرب الخمر أربعين جلدة، وفي خلافة عمر بن الخطاب كثر الشراب نتيجة الفتوحات وما إلى ذلك وكثرة المال فرفع العقوبة إلى ثمانين جلدة رفعها بعد استشارة الصحابة وكان ممن استشارهم علي بن أبي طالب، فقال علي: إذا شرب سكر وإذا سكر هذي وإذا هذى افترى أي قال كلاما غير حقيقي وأساء إلى الناس وسبّهم وهتك أعراضهم، وعقاب المفترين في كتاب الله ثمانين جلدة فرفع عمر العقوبة إلى ثمانين جلدة، وقالوا في شأن العقوبة كلها حد (رأي).
أربعون حداً وأربعون تعزيزا (رأي) كل العقوبة تعزير (رأي آخر) لكن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أيدوا عمر بن الخطاب في قراره وشهدوا إقامته الحد ولم ينكروا عليه فأصبح إجماعا من الصحابة بالجلد لشارب الخمر ثمانين جلدة.
واشترطوا لذلك أن يكون الشارب مسلما إذ لو كان ذميا أو من أهل الكتاب لا يجلد، أن يكون مسلما، أن يكون بالغا، أن يكون عاقلا، أن يكون قاصداً، أن يكون مختاراً، أن يكون غير مضطر، تلك شروط إقامة الحد، أيضا كي يقام الحد عليه يجب أن تقوم البينة، والبينة تقوم بإقراره أن يعترف ويريد أن يكفر عن نفسه فيعترف أو أن يشهد عليه شاهدان عدلان أو أن تنبعث من فمه رائحة الخمر وفي ذلك تفصيل في الفقه، ويُجلد الرجل قائما بعد أن يجرَّد من ثيابه فيما عدا ساتر العورة وتُجلد المرأة جالسة بعد أن يُشد عليها ثيابها ثمانين جلدة.
وللجلد شروط فيما يجلد به، وللجلد شروط في التتابع وشروط في الجالد الضارب ألا يرفع يده أو لا يخفض يده وأن يتوسط لها شروط:
الخمر أم الفواحش كما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (هِيَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ وَأُمُّ الْفَوَاحِشِ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَوَقَعَ، أي زنا وجامع، عَلَى أُمِّهِ وَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ)، الخمر يدخل في حكمها كل ما أدى إلى أثرها كالمخدرات طبيعية كانت كالحشيش والمزروعات المختلفة أو تخليقية أي تُخلًّق في المعامل فسواء كانت المخدرات طبيعية أو تخليقية فحكمها حكم الخمر في التحريم، أما في إقامة الحد فهذا شيء آخر فالبعض ومنهم الإمام بن تيمية أوجب إقامة الحد على شارب المخدر، وبعضهم قال بل هو التعزير وليس الحد، أما بيع الخمر وتجارتها والتداوي بها وتخليلها كل ذلك فممنوع، وأجمع على منعه وتحريمه العلماء فقد رُوي: أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلى الله عَلَيه وَسَلم رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ النبي صَلى الله عَلَيه وَسَلم: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا)؟ فَسَارَّ الرَجُلٌ إنسانا إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ النبي صَلى الله عَلَيه وَسَلم: (بِمَ سَارَرْتَهُ)؟ فَقَالَ: أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلى الله عَلَيه وَسَلم: (إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا)، من هناك أصبح بيع الخمر وشراء الخمر محرّما حكمه في الحرمة حكم الشرب وإن كان الحد لا يقام إلا على الشارب وبالتالي أجمع العلماء على أن الاقتراب من الخمر بأي وسيلة من الوسائل أو سبب من الأسباب فيه التحريم وتحل اللعنة بهذا المقترب إذ قد (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً؛ عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَالْمَعْصُورَةَ لَهُ وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ لَهُ وَبَائِعَهَا وَالْمَبْيُوعَةَ لَهُ وَسَاقِيَهَا).
من هنا حرم على المسلم أن يجالس شارب الخمر وحرم على المسلم أن يتواجد في مكان فيه الخمر، وحرم على المسلم أن يشتري أو يبيع من رجل يتاجر في الخمر وهكذا، لذا كان الأمر بالاجتناب، (فَاجْتَنِبُوهُ). كما أجمع العلماء على نجاسة الخمر من قوله (رجس) إذاً فهي نجسة تنجس اليد وتنجس الثياب وتنجس الإناء ومن مسكها تنجس يده فهي نجسة بالإضافة إلى حرمتها الشديدة، وأفاد العلماء أن الخمر لا قيمة لها فمن أهرقها أو كسرها لشخص لا يُطالب بالتعويض عنها إذ لا قيمة لها ولا تتمول ولا تتملك للمسلمين إذ لا قيمة لها، لكنهم أجازوا لأهل الكتاب تصنيعها وبيعها لبعضهم وشربها وتخزينها وما إلى ذلك بشرط ألا يتم ذلك جهارا نهارا فيفسد سفهاء المسلمين، فلهم أن يخزنوها يصنعوها يبيعوها بينهم وبين بعض دون مجاهرة حتى لا تشيع الفاحشة وينتشر الفساد ويقلدهم السفهاء من المسلمين، (وَكُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ) والخبيث لا يصلح الخبيث فلو تاجر في الخمر أو المخدر ثم جاء بربحه فبنى به مسجدا لا يقبل منه، وما تركه وراء ظهره ومات زادُه في النار إي وربي أخبرنا بذلك الصادق المختار، لا ينفق نفقة فتتقبل منه ولا يبارك له فيه، وكل لحم نبت منه فالنار أولى به، وما يترك منه من شيء فزاده في النار، ولا يتصدق به فيقبل، الخبيث لا يصلح الخبيث.
أيها الأخ المسلم اتق الله، اتق الله وانصح وعلِّم وعظ ومر الناس وبيّن لهم أن الخمر والمخدر مذهبة للعقل والعقل أشرف ما في الإنسان يل أحب الخلق إلى الله إن لم يكن أحب الخلق إليه، (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، الْعَقْلَ قَالَ لَهُ: قُمْ، فَقَامَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ، فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ، فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اقْعُدْ، فَقَعَدَ، فَقَالَ: مَا خَلَقْتُ خَلْقًا هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، بِكَ آخُذُ، وَبِكَ أُعْطِي)، بل ويتفاضل الناس يوم القيامة بعقلهم، ويتفاضلون في الجنة بالعقول، وحين سُئل النبي، صلى الله عليه وسلم، قال وهل يدخل الجنة إلا من عقِل، فالناس يتفاضلون بعقولهم وكلمة سكّر أغلق سكّرت الباب، أغلقه وكأن السكر غلق للعقل والعقل أداة التمييز وأداة الإدراك به يُدرك الحلال والحرام به يميّز بين القبيح والحسَن وبه تعرف الأحكام العقل وسيلة لتحصيل العلوم والمعارف فكيف تغيّب عقلك، وكيف تتلف هذا الجوهر الشريف الذي ميّزك الله به عن الحيوان وفضلك به عن سائر الخلائق، وبه يحاسبك الله، تبارك وتعالى، وعقل المرء محسوب عليه من رزقه، فانتبهوا لذلك وقاوموا الشر قاوموا الخمر قاموا الميسر والميسر وهو القمار يدخل فيه الرهان يدخل فيه اليانصيب يدخل فيه سبق الخيل يدخل فيه لعب الطاولة والشطرنج والنرد والزر كل ما كان فيه لهو وإلهاء عن ذكر الله وعن الصلاة ما ألْهى قليله فكثيره حرام وما صد كثيره فقليله حرام، وما أدى إلى العداوة والبغضاء فحكمه حكم الخمر والميسر، كل ذلك من المحرمات فانتبهوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.
يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: كنت ساقي القوم في بيت أبي طلحة وذاك قبل التحريم فسمعنا مناديا فقال أبو طلحة، اخرج فانظر ما هذا الصوت، فقلت منادي يقول ألا إنما قد حرمت الخمر. فقال: يا أنس انظر ما عندنا من خمر فأهريقها، وكأني أنظر إلى سكك المدينة تجري أنهارا بالخمر فما سمع أحد بالتحريم أو صوت المنادي ينادي من قبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ألا حُرمت الخمر، إلا وصب ما عنده من خمر وأهرقها، ونزلت آية التحريم فقال أناس من الصحابة: كيف بأصحابنا الذين قُتلوا أو ماتوا وقد شربوها وطعموها وطعموا الميسر؟ وآية التحريم حين نزلت، نزلت في السنة الثالثة من الهجرة بعد غزوة أحد وبالتالي فقد قُتل واستشهد ناس قبل ذلك ومات أُناس قبل ذلك فتساءل الأصحاب: ما حالهم وقد ماتوا ولم يعلموا بالتحريم ولم ينزل التحريم فنزل قول الله، عز وجل:
لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌۭ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿93﴾
أما باعتبار الأحوال فالتقوى الأولى (إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) إذا اتقى بينه وبين نفسه، (ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا) إذا اتقى بينه وبين الناس، (ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا) بينه وبين الله حيث سُئل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الإحسان قال: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ). فباعتبار الأحوال التقوى الأولى بينك وببن نفسك، التقوى الثانية بينك وبين الناس، التقوى الثالثة بينك وبين الله.
أما باعتبار ما يُتقى به فقيل التقوى الأولى (إِذَا مَا اتَّقَوْا) اتقوا الشرك، والثانية (ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا) اتقوا الكبائر، والثالثة (ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا) اتقوا الصغائر، فإذا اتقوا الشرْك واتقوْا الكبائر واتقوا الصغائر فلا جناح عليهم فيما فعلوه قبل التحريم، وقيل بل المقصود بالتقوى هنا تقوى الله، تبارك وتعالى، في الأولى وفي الثانية تقوى المعاصي بكافه أنواعها، والتقوى الثالثة تقوى بعض ما لا بأس به حذراً من الوقوع فيما فيه البأس وهم المجتنبون للحلال مخافة الوقوع في الحرام، المجتنبون للشبهات المجتنبون للأمور المشبهة التي اختلف فيها بعض العلماء (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)) ودل ذلك على أن الإحسان أعلى مرتبة من الإيمان ومن صل إلى مرتبة الإحسان وصل لحب الله، عز وجل، ومن أحبه الله أحبه كل ما في الوجود، (إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلانًا، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ).
لله، تبارك وتعالى، أن يبتلي عباده بما شاء وكيف شاء، فالعبادات تكاليف والتكاليف اختبار، والأوامر والنواهي ابتلاء، والمصائب ابتلاء، والاختبار مهم تباين قوة وشدة، واختلف كثرة وقلة فهو اختبار من الله ليتميز الطائع من العاصي، وقد يكون الاختبار شديدا وقد يكون الاختبار خفيفا، والله، تبارك وتعالى، لطيف بعباده فإن شدد في بلائه رزق الصبر على ذلك.
وكما ابتلى ربنا، تبارك وتعالى، بني إسرائيل بتحريم الصيد عليهم يوم السبت ابتلى أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، كذلك بتحريم الصيد في الحرم أو حال الإحرام، وفي عمرة الحديبية كان الناس محرمين وبعضهم غير محرم، وكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم فيمسكونها بأيديهم دون جهد فنزل التحريم بقوله، عز وجل:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿94﴾
(وَرِمَاحُكُمْ) واختص الرمح بالذكر ويسري مسراه السهم والنبْل والبندق وكل سلاح يصاد به في البر أو في الجو، سوف تمتحنون بشيء من هذه الطيور والحيوانات ما يؤكل لحمه مما يصاد تحصلون عليه سواء بسهولة أو بصعوبة ويستوي في الحكم صغيره وكبيره (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) ربنا، تبارك وتعالى، بعلم ما كان وما هو كائن وما يكون ويستوي في علمه الجليل والحقير، الكثير والقليل وعلم الله واسع وعلم الله أزلي فحين يذكر كلمة ليعلم الكلمة تعبّر عن العلم والمراد وقوع المعلوم وظهور المعلوم إذ هو بعلم ما سوف يكون تعني أن يقع معلومة في الواقع فيشاهده الناس يشاهده فاعله ويشاهده غيره فيقع المعلوم يعد أن كان غيبا فإذا هو شهادة أي ليقع علمه بأفعالكم التي علمها من الأزل (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) لأنك إذا امتنعت عما حرمه الله معنى ذلك أنك تخشى عقابه تخشى العقاب بالغيب فأنت لم تر النار وأنت لم تر الله ومع ذلك امتناع العبد عن المنهيات معناها خوفه من العقاب خشيته من الله لم ير الله ولم ير العقاب ولكنه آمن بالغيب (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)) بعد هذا الإنذار أو بعد هذا التحذير أو بعد هذا التحريم أو بعد هذا البيان (فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)) لأنه تجاوز الحد ولأنه تعدى حدود الله بارتكاب المحذور.
ويأتي البيان بقوله، عز وجل:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌۭ ۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآءٌۭ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّـٰرَةٌۭ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًۭا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ ۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ ﴿95﴾
(فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) المثلية ترى أهي في الخِلّقَة والصورة أم هي في القيمة؟ رأيان: الرأي الأول، قال إن المثلية هنا في الخِلْقة والصورة وقد فعل الصحابة ذلك ففي النعامة بَدَنة - ناقة - فهي مثل في الشكل والصورة، في حمار الوحش بقرة - في الظبي والغزال شاة، في الأرنب عناق - الأنثى من ولد المعز - وأجمعوا على أن في حمام الحرم في الحمامة شاة، حمام الحرم بالذات) أما حمام غير الحرم ففيه القيمة، وقالوا ما لا مثل له كالعصفور كالجراد فيعوّض بالقيمة أي يكون الجزاء القيمة قيمة الشيء المقتول أو الشيء المصيد يُطعم به المساكين أو ما يقابل الإطعام بالصيام (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) مثلية في الخلقة والصورة أم مثلية في القيمة رأيان ويترتب على ذلك أحكام تفصيلية (النَّعَمِ) بيان لما يُهدى الناقة البقرة والشاة وما إلى ذلك (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) إذاً فالحكمان اثنان من العدول الذين تُقبل شهادتهم في الأموال وغيرها يحكمان بنوع الجزاء بمعنى إذا قتل محرِم صيداً أو مُحل موجود بالحرم صيداً جيء بالحكمين العدلين فيقولان في هذا الصيد بقرة، في هذا الصيد ناقة، ذاك إذا كانت المثلية في الخلقة والصورة، وإذا كانت المثلية في القيمة فالحكم ذاك المصيد يساوي كذا بهذا المال يخيّر الجاني أن يشتري به هدياً أو أن يشتري به طعاما أو أن يصوم عن كل مسكين يوما كاملا إذا اتفق الحكمان فالحكم نافذ ولا رجوع فيه، إذا اختلف الحكمان في التقدير جيء بغيرهما متى يتفق الحكمان ولا يصح أن يكون الجاني من بين الحكمان (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) أي ما حُكم به من الهدى لا بد وأن يصل إلى الحرم الكعبة لا ذبح فيها ولكن ذُكرت الكعبة (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) للتعظيم والتشريف والمقصود الحرم (هَدْيًا بَالِغَ) أي واصل (الْكَعْبَةِ) والمقصود الحرم (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ) أو كفارةُ طعامِ (قراءة) (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ) (أو) في الجزاءات والكفارات في القرآن تفيد التخيير فالمكفِّر مخيِّر بين الهدى أو الإطعام أو الصيام، كم عدد المساكين؟ وما مقدار ما يطعمهم؟ قالوا إذا كانت المثلية في الخلقة أو الصورة وجبت البقرة كم تطعم البقرة من الناس؟ كم تطعم الشاة بين الناس؟ مثلا تطعم ستة أفراد إذاً فعليه إطعام ستة أفراد.
ما مقدار الإطعام؟ قالوا مُد لكل واحد وقيل بل نصف صاع من بُر أو صاع من غيره ومعنى ذلك ما يشبعه في يوم كامل غذاء وعشاء طبقا لاختلاف الأماكن والظروف وما إلى ذلك (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) أي الإطعام العَدْل، المساوي للشيء من غير جنسه والعِدْل: المساوي للشيء من جنسه وقيل هما لغتان بمعنى واحد وقُرأ بهما (أو عَدْل ذلك صياما) (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) إذاً يصوم عن كل مسكين يوما فإن كان عدد المساكين عشرة فعليه صيام عشرة أيام وإن كان عدد المساكين ستين مسكينا فعليه صيام ستين يوما، زاد العدد قيل يصوم بحسب العدد وقيل لا يزاد الصوم عن ستين يوما وهي أعلى صيام في الكفارة كفارة القتل الخطأ.
(لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) الذوق يُستخدم في حاسة اللسان لكن يتوسع في الكلمة وتستعار لكل ما يشعر به الإنسان من ألم أو من عذاب أو من مرض ومنه قول الله، تبارك وتعالى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)) [سورة الدخان آية: ٤٩]، ومنه قوله (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)) [سورة النحل آية: ١١٢]، (لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) الوبال، الشدة، الثقل ومنه المطر الوبيل الشديد (لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) ويعيّر بكلمة وبال عن عاقبة السوء (لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) أي حين يغرم مالا أو يصوم أياما فذاك لا شك يضيره تلك عقوبة لما فعل وكفارة للذنب وكفارة للإثم.
(عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) عاد (وَمَنْ عَادَ) قالوا ومن عاد ينتقم الله منه متى يكون ذلك قالوا إن الله، تبارك وتعالى، يقول: (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) فتعلقت هذه الجملة بما قبلها (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) عما سلف في الجاهلية ومن عاد بعد التحريم فينتقم الله منه بالكفارة والجزاء بالأحكام وقالوا (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) في هذه المرة أي الأولى (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) بالعذاب الشديد في الآخرة وترتب على ذلك حُكم قتل الصيد وهو محرِم أو وهو في الحرم فحُكم عليه بالجزاء ثم عاد فقتل صيداً آخر قالوا يحُكم عليه بجزاء وكلما كرر الخطأ كلما تكرر الجزاء، وقال بعضهم أبداً إنما الجزاء في المرة الأولى أما من عاد بعد ذلك في المرة الثانية فلا جزاء عليه ولا كفارة تصلح له يُترك ويقال له ينتقم الله منك إن الله لم يحدد له كفارة وحُكم العود في قتل الصيد بعد المرة الأولى حُكم اليمين الغموس لا كفارة له (وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)) عزيز غالب عزيز، ممتنع عزيز يحكم ما يريد ذو انتقام أصناف العقوبات دنيا وأخرى لا يعلمها إلا الله ولا يقدر عليها إلا الله.
في هذه الآيات بعض الآيات بعض الأحكام التي ترتبت عليها وإن لم يرد لها تفصيل في الآية مثال ذلك (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) من هذه الأحكام الحرم حرم مكة والكلام عن حرم مكة وعن المحرم بالحج والعمرة فما الحكم في حرم المدينة؟ قالوا لا شيء في حرم المدينة من الجزاءات وقال آخرون وهو الأرجح المدينة حرم كحرم مكة لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا حَرَامٌ)، لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ حَرَامٌ مَا بَيْنَ حَرَّتَيْهَا وَحِمَاهَا كُلُّهُ لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا)، إذا فهي حرم وبالتالي لا يصح مطلقا الصيد في المدينة ولا أخذ فراخ أو بيض الطيور أو غيرها ومن قتل صيدا في المدينة وجب عليه من الجزاء ما يجب عليه في مكة أو وهو محرم، وقال بعضهم لا يجب الجزاء وإنما يأثم، لكن الأرجح أن عليه الجزاء.
أيضا من الأحكام التي ترتب على هذه الآيات هناك ما يُقتل ولا جزاء فيه لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ)، وفي رواية الحية بدلا من العقرب يُقتل في الحل والحرم ولا شيء على القاتل، لكن البعض قال تُقتل هذه الأشياء إذا اعتدت، فما الحكم في السبع والنمر والذئب والثعلب؟ قالوا، السباع التي لا تعدو كالهرة والكلب غير العقور والثعلب والضبع يحرم قتلها فإن قتل فعليه الفداء، أما السبع والنمر والفهد فتُقتل ولا شيء عليه وقالوا أبداً لا تُقتل إلا أن تبتدئ بالعدوان وهنا يكون القتل دفاعا عن النفس، أما أن ترى أسداً بعيداً عنك فتتعمد إصابته أو قتله فعليك الجزاء لأنه لم يعدو عليك.
وقالوا أيضا في مسألة الحشرات القمل البرغوث الصراصير أيجوز للمحرم بالحج أو الموجود في الحرم أن يرش تلك الكيماويات أو تلك السوائل التي تقتل هذه الحشرات المبيدات هل يجوز له ذلك؟ قالوا لا شيء في قتل شيء من ذلك لأنها تؤذي والعلة في تحليل قتل الغراب أن الغراب ينزل على ظهر الرواحل على الجمل على الناقة ينقر الظهر ليأكل لحمه وهو حي والحدأة تخطف اللحم والعقرب يلدغ والحية كذلك والكلب العقور يعقر بلا مناسبة، إذاً فالعلة في التحليل الإيذاء هل يؤذيك القمل؟ نعم هل يؤذيك الصرصار؟ نعم إذاً فقتله مباح للمحرم ومن هو في الحرم قال بعضهم إن قتل هذه الأشياء يتصدق بشيء من الطعام وحين سيق حديث بن عجرة الذي كان محرما وجلس في الشمس وتساقط القمل على وجهه وقال له الرسول، صلى الله عليه وسلم: (أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْلِقْ رَأْسَكَ قَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا، أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ نُسُكٍ) قَالَ: فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفِرْقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ بِنُسُكٍ مَا تَيَسَّرَ) قالوا الفدية هنا ليس في قتل القمل وإنما الفدية في قص الشعر فإن كان هناك قمل واستطعت أن تأخذ القمل وتقتله دون أن يتساقط شعرك فلا شيء عليك من هنا قتل الحشرات رأى نعتقد أنه أقرب للصواب إذ أن هذه الحشرات تنقل الأمراض وتنقل الأوبئة وما إلى ذلك وتفسد الأطعمة فإذا كان الحاج في بيت فيه حشرات كثيرة أيتركها تسعى وتمشي على جسده وهو نائم كالصراصير وغيرها يتركها أم يقتلها؟ يقتلها واحتياطا يتصدق ببعض الطعام لكن لا يتركها لأنهم قالوا إن قتلها فلا شيء عليه وقال الآخرون إن قتلها فشيء من الطعام إذا فاقتل واحتط لنفسك بشيء من الصدقة والطعام.
من الأحكام أيضا المترتبة إذا اشترك جماعة في قتل صيد إذا قتله واخد فالجزاء معلوم فإذا اشترك جماعة: قالوا عليهم كفارة واحدة وقال الآخرون بل على كل واحد منهم كفارة كما يشترك الجماعة في قتل إنسان جميعا به هنا نفس الحُكم وعلى كل واحد منهم جزاء وفرّق الآخرون بين الجماعة المشركون أمحرمون هم أم محلّون في غير الحرم، قالوا المحرم حين يقتل الصيد أخطأ في نفسه وخرج عن إحرامه بارتكاب المحظور أما الحلال الموجود في الحرم فخطأه في ارتكاب محظور في الحرم ولا يتعلق به من هنا إذا كان المشركون في القتل محلون في الحرم فعليهم جزاء واحد وإذا كانوا محرمون فعلى كل واحد منهم جزاء، وقال آخرون بل إن كان محلاّ في الحرم وإن كان محرما في الحرم وإن كان محلاً في غير الحرم إذا اشترك جماعة في قتل صيد فعلى كل واحد منهم جزاء دون تفرقة لقول الله، عز وجل: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)، سواء محرمين أو في الحرم الهدي بالغ الكعبة يذبح في الكعبة، فإن كان عليه إطعام أو صيام هل يشترط أن يصوم في الحرم؟ أنت في الحج وأخطأت ووجب عليك صيام ستة أيام والقافلة تعود تنتظر حتى تنتهي من صيامك أم تعود؟ عُد وصُم شئت، واتفقوا على أن الهدي بالذات لا بد من ذبحه بالكعبة (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) واتفقوا على أن الصيام حيث شاء واختلفوا في الإطعام البعض قال لا بد من الإطعام بالحرم لأن الهدي في الحرم للمساكين بمكة والحرم فإن لم يكن هديا وجب أن يكون الإطعام أيضا لمساكين الحرم تلك بعض الأحكام والأحكام كثيرة لا يتسع المقام لكلها لكن هذا بعض ما استنبطه العلماء. واستنتجه الحكماء لنعلم مدى ما أفادنا به الأصحاب والسلف الصالح فندع الله أن يجزيهم عنا وعن الإسلام خير الجزاء.
وتأتي أحكام أخرى في قوله، عز وجل:
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَـٰعًۭا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًۭا ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿96﴾
من الأحكام أيضا حكم الضفادع (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ) ما هو الطعام الذي أحله الله لنا؟ قالوا كل ما يعيش في البحر يحل أكله حيا كان أو ميتا كان والبحر هنا يسري على البحر والنهر والترعة والبركة والغدير والساقية كل ماء يعيش فيه مائيات يسرى حكمه كلمة بحر تعم وكل ما يعيش في الماء مالح أو عذب يحل أكله بالصيد قذفه البحر غاض عنه الماء كما يحدث في المصارف يغيض الماء فإذا السمك في الأرض يجمعه الناس ما مات وطفا على السطح يُجمع كل ذلك حلٌ أكله (رأي)، وهناك آراء أخرى قالوا: لا يحل من طعام البحر إلا ما صيد فقط وما قذفه البحر فقط أما ما طفا على الماء فلا يحل أكله لأنه ميتة وقالوا في حديث: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ)، إنك إذا اصطدت السمك مات بالصيد إذا خرج من الماء مات أي لا يزكي بالذبح فهو حلال أما إذا مات السمك وهو في الماء وطفا فذاك شيء آخر وعليه لا يجوز أكله البعض قال ذلك أن تأخذ بأي رأي شئت، قالوا أيضا يحرُم أكل التمساح وهو من حيوانات البحر لكن يحرم أكله ويحرم أكل الضفادع أيضا يحرم أكل الدرفيل وحرموا أكل سمك القرش هناك من أحل كل ما في الماء وهناك من حرّم كل ذي ناب من وحوش الماء وماله شبيه في البر مما لا يؤكل لحمه هل يحل أكل الكلب أو الخنزير؟ لا يحل من حيوانات البر المحرمة فكذلك خنزير الماء وكلب الماء حرّم النبي، صلى الله عليه وسلم، من الطيور كل ذي مخلب وحرّم من السباع كل ذي ناب أَلأِسماك القرش أنياب؟ نعم قاتلة وكذلك الدرفيل وكلب البحر فكل ذي ناب منعوا أكله ومنعوا الكاف من السمك هناك من أباح أكل السمك وما سوى ذاك منعوه وهناك من أباح البعض ومنع البعض ثعبان السمك السام منعوه ونشأ الخلاف من كلمة (وَطَعَامُهُ) أهي ما يحل أكله؟ ما قذفه؟ ما اصطاده المسلم.
هناك حكم آخر وهو هل يصح للمسلم أن يذبح ما يؤكل لحمه ليس من الصيد وأنت بمكة مثلا هل يصح أن تذبح دجاجه؟ قالوا لا يصح للحرم أن يذبح أبدا وإن ذبح يحرم عليه أكل ما ذبح وعليه الجزاء.
من الأحكام الغريبة أيضا قالوا حرّم ربنا القتل ولم يحرّم الأخذ بمعنى إذا أمسكت بحمامة فترة أو نتفت الريش ثم نما الريش وطار الحمام لاشيء عليك تأثم بتنفير الصيد بإيذاء الصيد لكن لا شيء عليك من الجزاء.
من الأحكام أيضا صيد أهل الكتاب أيصح أم لا يصح الأرجح أن صيد أهل الكتاب يصح لأن الله أحل لنا طعامهم إذا كان الصيد في شريعتهم مباح إذا ذبح المحرم صيدا هل يصح لغير المحرم أن يأكل منه؟ بمعنى أنت حلال وأنت في منطقة غير الحرم لست محرما ولست في الحرم في جدة مثلا وجاءك رجلا كان محرما وقد صاد غزالاً هل يحل لك أن تأكل منه أم حكمه حكم الميتة وحكم الخنزير لأنه ليس أهلاً للذبح أو القتل قالوا إذا صاد المحرم شيئا فقتله أو ذبحه حكم هذا المذبوح حكم الميتة لا يصح لأي مسلم أن يأكل منه.
الأحكام كثيرة تدل على ثراء الفكر الإسلامي وتدل على جهد علماء الإسلام وتدل على حرص السلف رضي الله عنهم وجزاهم عنا كل خير في بيان أحكام الإسلام، الإسلام أحكام أوامر ونواه الإسلام أمور تعبدية الإسلام معرفة الله ومعرفة ما أمر به ومعرفة ما ينهى عنه الإسلام علم الإسلام ثقافة الإسلام تفكير واستنتاج واستنباط الإسلام ثراء للعقل وليس الإسلام مظهر فقط الإسلام جهد ومجهود وبحث وتمحيص وبيان ونبينا، صلى الله عليه وسلم، يقول: (وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا) فيجب علينا أن نتعلم ديننا وكلما تعلّم المرء دينه ووجد العلوم الكثير والأحكام المختلفة عَلم أن الإسلام حق وأن هذا الدين حق وأن نبينا، صلى الله عليه وسلم، حق وأن الله جلّت قدرته وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق أيها الأخ المسلم العلم نور وأول من قال ذلك الإمام الشافعي في قوله:
شكوت لوكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني أن العلم نور ونور الله لا يهدي لعاصي
خلق الله، تبارك وتعالى، الخلق وهو أعلم بهم خلق الله، تبارك وتعالى، الناس فيهم التحاسد والتدابر والتباغض خلقهم وفيهم العجلة (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [سورة الأنبياء آية: ٣٧]، من أجل ذلك جعل الله، تبارك وتعالى، الخلافة في الأرض كي يجتمع أمر الناس على رجل منهم يتولى تدبير الأمور ويدفع عادية الجمهور يحق الحق ويبطل الباطل ويمنع الظالم وينصر المظلوم، لما كان وجود الحاكم لا يغني من التظالم والتدابر والإغارة والسلب والقتل والغصب، جعل ربنا، تبارك وتعالى، مكانا للأمن واختار مكة موضعا لبيته الحرام، مكان يأمن فيه الناس يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضعيف ويربح فيه التاجر وعظّم حرمته ووضع في قلوب الناس هيبته، مكان حتى الوحش يأمن فيه (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) [سورة المائدة آية: ٩٥] جعل تلك الكعبة وما حولها من حرم مثابة للناس وأمنا تنصلح فيه معايشهم وتنصلح فيه آخرتهم بالعبادة بالطواف بالسعي إليه، ولما كان الناس متباعدين وفي أماكن قد لا يصلون إلى الحرم فيها بيسر فليس الكل يأمن فيه وإنما يأمن فيه من وصل إليه أو استعاذ به أو لجأ إليه أو استجار به من أجل ذلك جعل من الزمان زمانا آمنا فاختار ثلث الزمان فجعلها أشهرا حرما ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وشهر آخر في منتصف العام ألا وهو رجب الأصم، في هذه الشهور الحرم التي عظمت حرمتها في نفوس الناس يلقى الرجل قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يتعرض له ولا يؤذيه، زمان فيه الأمان تُحفظ فيه الدماء يسافر فيه الناس وهم آمنون على دمائهم وأموالهم وأعراضهم فيتزودون في خلال هذا الزمان الآمن من التجارات ومن الأرباح ومن الطعام ومن المال ما يكفيهم لباقي العام، ثلث العام أمان ولكي يشعر الفقير بالعطف بالرحمة ولكي يأكل ما هو منه محروم شرع ربنا، تبارك وتعالى، الهدْي والقلائد فيُطعم المسكين ويُطعم ابن السبيل ويُطعم الفقير، كل ذلك من لطف الله ورأفته بخلقه مع ما هم عليه من كفر وجحود واستمع لقوله عز وجل يبيّن ذلك في أوجز عبارة وأبلغها حيث يقول عز من قائل:
جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَـٰمًۭا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَـٰٓئِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿97﴾
(جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ) أي صيّرها بإرادته وبحكمه والكعبة التي بناها إبراهيم، عليه السلام، وإسماعيل، عليه السلام، سُميت كعبة لتكعبها إذ هي مربعة وبيوت الناس مدوّرة في ذلك الحين، أو سُمت كعبة لنتوئها وبروزها وكل ناتئ بارز يسمى كعبة ومنه كعب القدم، والبيت أُطلق أيضا على الكعبة لأنها ذات سقف وجدران وتلك حقيقة البيوت أن تكون ذوات سقف وجدران (الْبَيْتَ الْحَرَامَ) أي محرمة أي من الحرمات لا يُقطع شجرها ولا ينفر صيدها ولا يُختلى خلاها أي لا يُقطع الخَلْى، النبات والرطب الطري، ولا تلتقط لقطتها إلا لمنشد أو معرِّف لا يقتل فيها الصيد ولا يُنفر فيها الصيد، ومكة حرام مذ بُنيت ومنذ وضعها الله للناس لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ).
(قِيَامًا لِلنَّاسِ) القيام والقوام: ما به صلاح الشيء وما به معاشه، أي جعل الله وصيّر الكعبة بيتا حراماً يؤمه الناس يلوذ به المظلوم، يستجير به الخائف جعلها كذلك لصلاح أحوال الناس دنيا وأخرى، (قِيَامًا لِلنَّاسِ) أي ما به صلاح أمرهم وصلاح معايشهم وصلاح آخرتهم، (مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ).
(وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ) الشهر هنا شهر ذو الحجة أو الشهر اسم جنس أي الأشهر الحُرُم وذاك أرجح (وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ) أي جعل الشهر الحرام أيضا قياما للناس فيه يسافر الناس في تجاراتهم وهم آمنون، فيه يتنقل الناس في سلام وفي أمان في هذه الأشهر الحُرُم تُحقن الدماء ويأمن الناس على أموالهم وأعراضهم (وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ) أي والهدي والقلائد كذلك والهدْي ما يهدى إلى الحرم وشُرحت الكلمة في أول السورة وكذلك القلائد تلك الأنعام التي كانوا يقلدونها بنعل أو بغصن شجرة أو شيء من القلائد في عنق الناقة أو عنق البقرة كي يُعلم أن هذا من الهدْي التي لا يصح أن يُتعرض لها بأذى (ذَلِكَ) أي ذلك الجعل ذلك التصيير (ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي يعلم مصالح الناس وما به قوامهم وما به صلاح أمرهم وما به معاشهم فيشرِّع من الشرائع ما فيه درء للمفسدة وجلب للمنفعة (وَأَن اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)) تعميم بعد تخصيص.
ثم يسوق لنا الوعيد والوعد الوعيد لمن انتهك الحرمات وغير ما جعله الله وصيّره، ووعد لمن حافظ على الحرمات وأطاع الله.
ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿98﴾
مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴿99﴾
ثم يقول الله، تبارك وتعالى، لحبيبه المصطفى، صلى الله عليه وسلم:
قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ ۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿100﴾
سيد الخلْق، صلى الله عليه وسلم؟ أبداً من هنا قال العلماء، (وَلَوْ أَعْجَبَكَ) أي ولو تعجبت من انتشار الخبيث وكثرة الحرام وقلة الحلال وكثرة الكفار وقلة المؤمنين، لو تعجبت من ذلك فاعلم أنه لا يستوي الخبيث ولا الطيب قول، والقول الآخر وهو أرجح وأشبه الخطاب له والمراد الأمة وكل من يعقل الخطاب لقوله عز وجل في ختام الآية (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) من يعقلون أولى الألباب: أصحاب العقول اللب: العقل الخالص من شوائب التقليد، العقل الخالص من الخزعبلات العقل السليم ذاك هو اللب (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)) اتقوا الله بالبعد عن الخبيث اتقوا الله بالبحث عن الطيب اتقوا الله بتجنب الخبائث والخبيث في أقوالكم وأعمالكم وأموالكم وأصدقائكم وفي كل شيء، وعليكم بالطيب والرضا بالطيب مهما قل فالقليل ببركة الله كثير.
ثم يتوجه التنبيه للأمة:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ ﴿101﴾
قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌۭ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا كَـٰفِرِينَ ﴿102﴾
قال العلماء: لا زال الحكم ساريا بمعنى إن من السائلين من يسأل ليتعلم من يسأل ليتفقه، فذاك المباح له السؤال، وإن من السائلين من يسأل ليتعنّت أو يسأل ليجادل أو يسأل عما لا يعينه وذاك ممنوع، أيضا السؤال عن أحوال الناس، ورحم الله من شغلته عيوبه عن عيوب الناس أي لا تسألوا عن أحوال الناس ولا تتبعوا عورات الناس وانشغل بنفسك وانشغل بعيوبك.
أيضا من الأسئلة الممنوعة السؤال عن ذات الله، تبارك وتعالى، أين الله؟ لماذا فعل كذا وكيف فعل كذا أين؟ وكيف؟ ولم؟ ولماذا؟ أسئلة، تمنع، الأسئلة عن المتشابهات كما حدث مع الإمام مالك رحمة الله حيث طرد رجلا من المسجد من مسجد النبي، صلى الله عليه وسلم، لأنه سأل عن كيفية الاستواء على العرش وهكذا فكل ما يجر ضرراً أو بلبلة أو فتنة أو تشديد أو يكون الغرض منه التعنت أو المجادلة أو العداوة أو البغضاء يُمنع. من هنا نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم عن كثر السؤال.
فقد نهى الله، تبارك وتعالى، الأمة عن السؤال فيما لا يعني أو فيما لا ينفع أو فيما يضر أو فيما تكون الإجابة عليه مسيئة للسائل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) وكأن الآية نهت عن السؤال في أولها وأباحت السؤال في آخرها، نهت عن السؤال في وقت وأباحت السؤال في وقت، (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ) إذاً فقد أباح السؤال بعد نزول الوحي، والفارق بين المسألتين أن السؤال بعد نزول الوحي سؤال تعلم سؤال استيضاح، سؤال من يريد أن يفهم ليعمل بما علم، وأما السؤال قبل نزول الوحي فهو سؤال تعنت سؤال لاستدار مما قد لا يصح له أن يعلم عنه شيئا (إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) وحين يقول الله، تبارك وتعالى، (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) العفو بمعنى الترك أي أن هذه الأشياء التي تسألون عنها معفو عنها بمعنى أن الله، تبارك وتعالى، فرض فرائض وحرّم محرمات وحد حدوداً وسكت عن أشياء من غير نسيان عفو تركها رحمة بالأمة تخفيفا على أمة النبي، صلى الله عليه وسلم، فإذا تركها الله، تبارك وتعالى، من غير نسيان رحمة بالأمة فيأتي سائل فيسأل فينزل التحريم بمسألته: (إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ) وقد يُشعر التعبير (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) بعفو الله عن السائلين قبل نزول النهي أي عفا الله عن أسئلتكم التي سألتموها والتقدير (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم عفا الله عنها) أي عفا عنكم لأن الرجل سأل من أنا، والآخر سأل عن الحج في كل عام، والثالث سأل عن البحائر وما إلى ذلك، ومن هنا نبّه العلماء إلى أمور لا يصح للمسلم أن يسأل عنها أو فيها، المباح معلوم أن تسأل عما يهمك في أمر دينك أو أمر دنياك أن تستوضح، ما هي نواقض الوضوء، ما هي مفسدات الصيام، ما هي موجبات الفداء في الإحرام وهكذا، تلك أمور مباحة تسأل عما ينفع، أما المنهي عنه فمنه السؤال عن المتشابهات كما حدث وسأل أحد الناس الإمام مالك في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الاستواء على العرش كيف هو فطرده من المسجد وأخرجه لأن السؤال بدعة وتلك متشابهات والاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، فالسؤال عن المتشابهات ممنوع، ممنوع أيضا أن تسأل عما لا حاجة لك فيه طالما لا تدعوا الحاجة إليه فلا تسأل، ممنوع أن تسأل سؤال تعنت أو ابتغاء الغلبة أو مجادلة العلماء أو مماراة السفهاء أو أن تسأل كي لا يحر المسئول جوابا تسأله إحراجا له أو لتبدي علمك، أيضا منعوا عن كيف ولم ولماذا في أفعال الله عز وجل، ونُهوا أيضا عن السؤال عن علل الأحكام، لماذا جُعلت المغرب ثلاث ركعات والعشاء أربع، لماذا قراءة النهار سرية وقراءة الليل جهرية في الصلوات، لماذا يُجهر في الصلاة بالقراءة في صلاة الجمعة، علل أحكام، لماذا حُرم الخنزير ولماذا حرم الربا، أيضا يُمنع السؤال عما لم يرد فيه نص أو لم يرد فيه حكم، المعفو عنه من الأمور التي تركت، لا يصح السؤال عن أحوال الناس وعليك أن تنشغل بحالك بأمورك بعيوبك، أمور كثيرة نهي عن السؤال عنها، وتفرع من هذه الأحكام أمور كثيرة عن المسائل، وقد منعوا السؤال عن الأمور التي تُسمى بالأغلوطات أو المسائل الصعبة أو ضرب القرآن بعضه ببعض مثلا آية (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)) [سورة المؤمنون آية: ١١]، فتأتي بها وتسأل بعد ذلك عن قوله (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)) [سورة الأعراف آية: ٦]، وهكذا نهو عن ذلك.
وضرب الله، تبارك وتعالى، مثلا بما حدث من الأمم السابقة حين سألوا وأجيبوا فكفروا بعد ما علموا: (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)) [سورة المائدة آية: ١٠٢] أصحاب عيسى سألوا (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) [سورة المائدة آية: ١١٢]، سؤال ونزلت المائدة وكفر بها البعض وهكذا وبيّن ربنا، تبارك وتعالى، أنه صاحب الحق في التحليل والتحريم ويُعبد بما شرعه هو لا بما شرّعه الناس (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ) وبيّن هذه الأسماء التي افتعلوها افتراءاً على الله.
ويضرب القرآن مثلا ببعض الأشياء التي سأل عنها الصحابة والتي حرّمها أهل الجاهلية دون تحريم الله لها لم يحرمها شرع ولم تحرّم من قبل:
مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍۢ وَلَا سَآئِبَةٍۢ وَلَا وَصِيلَةٍۢ وَلَا حَامٍۢ ۙ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿103﴾
أيها الأخ المسلم تحريم الحلال كتحليل الحرام سواء بسواء وربنا يقول (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [سورة يونس آية: ٥٩ - ٦٠] ويقول (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [سورة الأعراف آية: ٣٢]، وينهى ربنا عن التحليل والتحريم إذ التحريم والتحليل منه سبحانه وتعالى يتعبد عباده وخلقه بما يشاء وكيف يشاء فاتقوا الله في أنفسكم ولا تتكلموا إلا بعلم فتصابوا بما لا يخطر لكم على بال، فمن حرم حلالا كان كمن حلل حراما.
إن من أخطر ما يصاب به الإنسان فيضل ويفقد التمييز هو التقليد الأعمى التقليد بغير حجة التقليد بغير دليل، أمّا من عُلم أنه قدوة وعلى هدى فالتقليد هنا يُباح بل يُندب بل يُطلب (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [سورة الأحزاب آية: ٢١]، فقلّد الأصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لحسن سمته وحسن خلقه، وقلد التابعون الأصحاب، وتقليد العلماء مطلوب، أما التقليد بغير فكر بغير عقل بغير حجة بغير دليل بغير برهان فهو الممنوع بل هو آفة من الآفات بل هو أضر ما يصاب به الإنسان، لذا يحكي ربنا، تبارك وتعالى، عن هؤلاء الذين حرموا الحلال وشرعوا ما لم يشرع ربنا، تبارك وتعالى، وجعلوا البحائر والسوائم والوصائل والحوامي قال عنهم (لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)).
ثم قال عنهم:
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُوا۟ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۚ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴿104﴾
ثم يأتي بعد ذلك التوجيه الأعظم:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿105﴾
ثم يأتي من بعد ذلك التوجيه الأعظم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) الآية في ظاهرها تفيد أن الإنسان يهتم بأمر نفسه لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ولا شأن له بالناس ولا شأن له بضلال الآخرين، هو يهتم بنفسه وبنفسه فقط، لكن الأحاديث والآيات الأخرى توضح أن الأمر ليست كذلك من هنا قال العلماء (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) بمعنى إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فلم يستجب لك فعليك نفسك، (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) طالما أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يستجب لكم ولم يسمع لكم هنا عليك بنفسك، وقال بعضهم بل الآية ليست لزماننا لزمان آخر لزمان سوف يأتي لا يُقبل فيها الحق ويرد نصح الناصح كقول ابن مسعود "قولوا الحق ما قُبل منكم فإن رُد عليكم فعليكم أنفسكم"، وقال يعضهم من علامات هذا الزمان ما أشار إليه المصطفى، صلى الله عليه وسلم، بقوله لأصحابه: (أَنْتُمْ فِي زَمَنٍ مَنْ تَرَكَ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ، وَسَيَأْتِي زَمَنٌ مَنْ عَمِلَ بِعُشْرِ مَا أَمَرَ بِهِ نَجَا)، أي أن في زمن الصحابة لو ترك الصحابة عشر ما أمروا به هلكوا ولو عمل الآخرون في آخر الزمان بعشر ما أمروا به نجو، زمان يختلط فيه الحابل بالنابل تضيع الحقوق ويضع الحق ويظهر الباطل، وقال بعضهم بل الآية (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) أي يا أيها الذين آمنوا مروا بعضكم بالمعروف وانهوا بعضكم عن المنكر ولا يضركم الكفار من المشركين ومن أهل الكتاب والآية سارية وحكمها سار إلى أن تقوم الساعة، (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) كما قال في موضع آخر (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [سورة النساء آية: ٢٩] أي لا يقتل بعضكم بعضا، (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) أي على المسلمين أمر المسلمين عليهم أمر أنفسهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بعضكم بعضا، لا يضرهم كفر الكفار من الأمم الأخرى، وقال بعضهم مشيرا إلى خطبة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، يوما حيث: " قَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) وَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ ثُمَّ لَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكُوا أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ)، إذا فذاك رأي أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أن هذه الآية لا تعني أن يهم المسلم بنفسه فقط لأن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
(لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) أي الكفار أو الآباء خاصة أن الآية جاءت بعد قوله (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣))، فمن أسلم من الصحابة كان منهم من هو ابن لمن حرّم البحائر والسوائب، فحين عُلم أن هذا افتراء على الله قيل لهم سفهتم آباءكم وكفّرتم آباءكم فحزن بعض الصحابة على آبائهم وأجدادهم فهُم الذين افتروا على الله الكذب وحرموا ما لم يحرم فقيل لهم (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)، وخلاصة الكلام: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعيّن واجب لا بد منه طالما أَمِنَ الآمر بالمعروف على نفسه وأمن على المسلمين الفتنة، فلا يُتهم بشق عصا الطاعة، أو تحدث الفتنة بين المسلمين والتقاتل فإن أمن على نفسه الضرر وأمن الفتنة على المسلمين أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وإلا فعليه نفسه لا يضره من ضل إذا اهتدى هو أي عمل به، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مأمور به في كل حين بالأسلوب الذي يتلاءم مع الزمان والظروف لقول النبي، صلى الله عليه وسلم، (بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ)، ولكن أباح العلماء رغم كل ذلك الامتناع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمن الفتنة وفي أواخر الزمان حيث أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، الناس في ذلك الوقت أن تسعهم بيوتهم: (وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ)، كن حِلساً من أحلاس بيتك كالذي يُفرش على الأرض عن الكُلُم ولجاد أو كن جليس بيتك وابك على خطيئتك أحاديث كثيرة تدل على أن الزمان إذا تغيّر ولم يُقبل قول الحق واختلطت المسائل وأصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجر إلى الفتن أو إلى المفاسد هنا وهنا فقط (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ).
(إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)) ختام الآية يشعر بأمرين، الأمر الأول: الوعد والوعيد وعد لمن أطاع وعيد لمن عصى، عليكم أنفسكم إذا اهتديتم وعد لا يضركم من ضل وعيد للضلال، أيضا تُشعر الآية أن كل امرئٍ بما كسب رهين ولا تزر وازرة وزر أخرى ولا يُسأل المرء عن عمل غيره وكلٌ مرهون بعمله (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا) وعد ووعيد لأن المرجع معناه الحساب ومعناه السؤال معناه جنة ومعناه نار.
(فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)) إذاً معنى ذلك هناك حساب وكلُ ٌ مسئول عن عمله.
وتأتي بعد ذلك آية الوصية آية الشهادة وهي من الآيات التي حار كثير من العلماء في إعرابها من حيث اللغة وحار الكثير أيضا في أحكامها:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًۭا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلْـَٔاثِمِينَ ﴿106﴾
إِنْ (أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) سبحان الله سمّى الموت مصيبة، إذاً فالخوف من الموت جائز، والحزن على الميت جائز، الموت مصيبة كبرى لأن الإنسان إن كان صالحاً يحب أن يستزيد من عمله الصالح، وإن كان غير ذلك يحب أن يُمهل حتى يتوب، فالموت مصيبة بكل المعايير، ومصيبة لكل الناس، لأن الله أطلق عليه هذا اللفظ، ولكن المصيبة الأعظم أن تغفل عن الموت أو لا تعمل حساب هذا الموت، أو أن ينسى العبد أنه ميت لا محالة. تَحْبِسُونَهُمَا (مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) الحبس هنا بمعنى الصبر وليس بمعنى الحبس في السجن وإن كانت الآية تجيز حكم الحبس في حالة الامتناع من أداء الحقوق: (لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ).
مِنْ (بَعْدِ الصَّلَاةِ) قالوا صلاة العصر لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ بَعْدَ الْعَصْرِ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)، قالوا لأن صلاة العصر من أهم الصلوات وقالوا بعد العصر وقت اجتماع ملائكة النهار وملائكة الليل، وقيل بل أي صلاة.
(فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) إذاً فالقَسَم في حالة واحدة حالة الارتياب حالة الشك، مات الرجل في الحج وجاء اثنان وقالا ها هي ملابسه ها هي أمواله ها هي وصيته وصدق فلا يمين ولا حبس بعد الصلاة طالما هم ما العدول ووثق فيهم الورثة، أما إن شك الورثة قالوا خرج ومعه كذا وجئتم بكذا أين ما بقي، إن حدث الشك هنا وهنا فقط يحدث الحبس للحلف بعد الصلاة، ويحلف الوصيان بالنص (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ) أي اليمين (ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى (١٠٦)) أي ولو كان ما نوصي إليه أو ما نبلغ أن الوصية له من أقاربنا فيقول الحالف منهم أقسم بالله لا أشترى بيميني هذا عرضا من أعراض الدنيا ولو كان الوارث أو غير الوارث قريبا لي، (لَا نَشْتَرِي بِهِ) أي باليمين أو برضا الله (ثَمَنًا) أي ثمنا دنيويا (وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى (١٠٦)).
(وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ) أي لا نكتم الشهادة التي استودعنا الله إياها وأعلمنا بها (إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (١٠٦)) إنا إذا لمن المخطئين يقال ذلك في الحلف يقال هذا في يمين الحلف.
فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْمًۭا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَـٰنِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴿107﴾
ذلك ملخص ما قاله العلماء في الآية ويختم ربنا، تبارك وتعالى، الحكم بقوله:
ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوٓا۟ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌۢ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴿108﴾
أيها الأخ المسلم الصدق، الصدق من البر والبر يهدي إلى الجنة والكذب من الفجور والفجور يهدي إلى الجنة والكذب من الفجور والفجور يهدي إلى النار، فقد قال العلماء مستخلصين من هذه الآية الجامعة أن على المسلم أن يكتب وصيته حتى وإن كان صحيحا قويا شاباً معافا، طالما كان هناك ما يستحق أن يُكتب له أموال، عليه أموال، وما إلى ذلك.
الأمر الثاني: أن خلاصة أقوال العلماء وإن كان الاختلاف في بعض النحو والإعراب أو في بعض التفاصيل ( مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) استحق عليهم، أي جُني عليهم بكذب الشهود أو من الذين استُحق عليهم وصية الميت أو استُحق عليهم إيصاء الميت أي هم أوْلى الناس بالوصية وهم المنتفعون من الميراث اختلافات، والخلاصة في النهاية هي: أن الإنسان إذا شعر باقتراب أجله فعليه أن يستدعي من العدول اثنين من عشيرته من أقرب الناس إليه من العدول أو يخبرهما بوصيته ويُشهدهما، ذاك إن كانت الوصية شفاهة، فإن كانت مكتوبة فلها أسلوبها كأن يودعها في خزينته كأن يودعها لدى أحد المحامين وما إلى ذلك، فإن كان في سفر والسفر مطلوب فيه اختيار الرفيق قبل الطريق فلا بد أن يكون الإنسان في رفقة، (الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلاَثَةُ رَكْبٌ) هكذا بيّن لنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإذا سافر الثلاثة وجب أن يؤمروا أحدهم وعلى الاثنين الطاعة، فإن كان في سفر وشعر باقتراب أجله فلا بأس من أن يحضر اثنين ذوي عدل ويشهدهما على وصيته، فإذا عاد الرجلان وشهدا ولم يحدث ارتياب انتهى الأمر، إذا لم يجد من أهله أو من عشيرته فليختر من الناس من المسلمين وذاك رأي لبعض الناس (أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) إذ لا تصح شهادة غير المسلم مطلقا، والبعض الآخر أجاز شهادة غير المسلم حال الضرورة وذاك أرجح خاصة أن الحكم نزل وكان من حضر الوصية غير مسلم، فإذا جاء الآخران من أهل الكتاب أو من الأجانب من غير المسلمين وأودعا الوصية وقالا وصُدِّقا فلا حلف ولا يمين واليمين فقط في حالة الارتياب، في حالة الشك فإن حُلف اليمين في حالة الارتياب والشك وجاء بعض الورثة فليكن أولى الناس (الْأَوْلَيَانِ) الأقربان من الولي وهو القرب (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) [سورة التوبة آية: ١٢٣] الأقرب (الْأَوْلَيَانِ) الأقربان أقرب الورثة لى الميت هم الذين يشهدون بكذب الأوصياء أو من حضر الوصية. الحلف هنا في الآية قالوا بعد صلاة العصر لأن ذاك الوقت يُعظم لدى جميع الملل والنحل ومن هنا تفرع حكم وهو التغليظ في اليمين ما هو التغليظ في اليمين؟ أولا اليمين بالله: (مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ) فيقسم بالله ومنه والله وبالله وتالله وتكلمنا عن الأيمان والأقسام أيصح الحلف بالمصحف أيصح كذا أيصح كذا وكفارة اليمين وما إلى ذلك.
هنا ما هو التغليظ في اليمين؟ التغليظ في اليمين بأربعة أمور: اليمين العادي والله بالله أقسم بالله فإن أردت فأمامك أربعة أمرو للتغليظ.
الأمر الأول، الزمان: كما جاء في الآية بعد الصلاة (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ) إذا فالقَسَم بعد الصلوات أو صلاة العصر على وجه الخصوص تغليظا لليمين فمن حلف بالليل يمين من حلف بعد العصر يمين مغلظة أشد وعقوبة الكذب فيه أنكى وأمر تغليظ بالزمان وتغليظ في الأوقات كوقت صلاة الجمعة أو وقت عرفة.
الأمر الثاني، التغليظ بالمكان: فالقَسَم في المسجد غير القسم في السوق، ولذا قالوا التغليظ بالمكان أن يُقسم عند المنبر أسفل الدَرَج عند نهاية المنبر ويقسم تغليظ بالمكان.
الأمر الثالث، التغليظ بالحال: كيف يكون التغليظ بالحال من أقسم واقفا غير من أقسم جالسا يوقف مستقبلا القبلة ويقسم واقفا متجا للقبلة تغليظ بالحال.
الأمر الرابع، التغليظ باللفظ: زيادة في صيغة القَسَم أقسم بالله قسم أردت التغليظ في اللفظ أقسم بالله الذي لا إله إلا هو أردت زيادة في التغليظ أقسم بالله الذي لا إله إلا هو الحي الذي لا يموت عالم الغيب والشهادة كذا وكذا وكذا، إذاً فالتغليظ في الأيمان بأربعة أمور بالزمان بالمكان بالحال باللفظ، أما الزمان فمن بعد الصلوات وخاصة صلاة العصر، أما التغليظ في المكان ففي المسجد وعند المنبر أو المحراب مكان وقوف الإمام أشرف مكان في المسجد المحراب وأشرف مكان المنبر وذاك تغليظ بالمكان، التغليظ بالحال أن يقف مستقبلا القبلة، التغليظ باللفظ أن يزيد في الكلام عن لفظ الجلالة بصفاته العليا الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة وهكذا.
أيها الأخ المسلم من أحكام الإسلام ما يحفظ العرض، ومن أحكام الإسلام ما يحفظ المال، ومن أحكام الإسلام ما يحفظ الدماء، ومن أحكام الإسلام ما يحفظ الإخاء، ومن أحكام الإسلام ما يحفظ الوفاء، ومن أحكام الإسلام ما يحفظ ماء الوجه، وهكذا وما ترك الإسلام شيئا من أمور الدنيا أو من أمور الآخرة لم يقض فيها ورُب سائل يقول تلك الأشياء التي عفا عنها ما هي؟ أمور لا تهم في الدين ولا في الدنيا لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوهَا، وَغَفَلَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا)، إذاً فهي أمور لا تهم لا في العقيدة ولا في الدين تلك التي سكت الله عنها فلا تسأل ولا نبحث، أما ما سوى ذلك ما من أمر من أمور الدنيا حدث أو يحدث الآن أو سوف يحدث إلى أن تقوم الساعة إلا ولله فيه حُكم، إلا ولله فيه أمر، إلا ولله فيه قضاء، ومن ارتضى حكم الله سعد في الدنيا وسعد في الآخرة، أحكام القرآن وأحكام الإسلام وأوامر الله، تبارك وتعالى، تجعل المجتمع يحيى في أمان في سعادة في وئام في محبة، الغش وما نراه الآن من غش في التجارة وفي الصناعة وفي كل شيء: (مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا) أليس ذلك بحكم؟ كتمان الشهادة وإحجام الناس عن الشهادة، عن القتلة وعن وعن أليس هذا في القرآن؟
(وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ) [سورة البقرة آية: ٢٨٣] الاختلاف على الديون والمحاكم والقضايا (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) [سورة البقرة آية: ٢٨٢]، الاتهام في العرض (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) [سورة النور آية: ٤]، حتى لا يتكلم ولا يقع في أعراض الناس، الزناة فاجلدوهم الشباب المحصنين والمحصنات فارجموهم.
أحكام الهدف منها صلاح المجتمع وصلاح الفرد لا أكثر ولا أقل، كان الله ولم يكن شيء، كان الله ولم يكن عرش ولا فرش لك يكن ناس ولا ملائكة لم يكن سماء ولم تكن أرض لم يكن بحر ولم يكن جو، كان الله فقط حتى القلم مخلوق واللوح مخلوق والعرش مخلوق كان الله، ربنا مستغن بذاته عما سواه خلق الخلْق ليعبدوه (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)) [سورة الذاريات آية: ٥٦]، والعبادة هنا بمعنى الطاعة أي إلا ليطيعون، خلق الجنة وخلق النار وبيّن للناس طريق السلامة وطريق الهلاك، وأرسل الرسل وأنزل الكتب ولا حجة لأحد على الله، وحجة الله بالغة فما شرعه الله لنا حتى كلمة شرع فأصل كلمة الشريعة في اللغة هي الطريق المؤدي إلى الماء في الصحراء، وكأن كلمة شريعة تعني الحياة، إذ المسافر في الصحراء حياته الماء وهلاكه فقد الماء فإذا وجد الطريق المؤدي إلى الماء فهو الطريق، وكأن الدين والطريق إلى الله هو المؤدي إلى الحياة الأخروية حياة الأرواح كما أن الماء حياة الأبدان حتى الكلمة الشريعة الطريق إلى الحياة الأبدية.
أيها الأخ المسلم كتاب الله، عليكم بكتاب الله، اقرأوه وافهموه واعملوا به ولا يضركم من ضل إذا اهتديتم وائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر كلٌ فيما يقوى وفيما يقدر وفيما يملك ولا تمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بعد ذلك عليك نفسك لا يضرك من ضل طالما أديت ما عليك، ولا يشترط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون عدلا صالحا تقيا من الأولياء بل ينهى شارب الخمر عن شرب الخمر وهو مأمور بذلك فإن لم يفعل عوقب على شرب الخمر وعوقب على أنه لم ينه عن شرب الخمر لأن الكل مأمور بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولذا قال لا يشترط في الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أن يكونوا من العدول أو من الصلاح أو من الأتقياء بل ينهى العاصي، العاصي فإذا تناهى العاصيان ربما هداهم الله، (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ) [سورة المائدة آية: ٧٩] أي ينهى بعضهم بعضا طالما أنهاك وتنهاني، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر لأننا جميعا في سفينة واحدة وارجعوا إلى قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ)، فقد بيّن الله، تبارك وتعالى، كيف تكون الوصية عند الموت وكيف يكون الاستشهاد عليها، وحذر جلّ وعلا الشهود من الكذب أو من إخفاء الحقائق، وبيّن أنه لا يهدي القوم الفاسقين.
ويأتي التحذير بيوم القيامة يوم يُسأل كل راعٍ عن رعيته، وكل نبي عن أمته، وكل عالم عن علمه، وكل مالك عن مِلكه، وكل صاحب مال عن ماله يقول لله، عز وجل:
يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ ﴿109﴾
يسأل الله، تبارك وتعالى، الرسل (مَاذَا أُجِبْتُمْ) ماذا أجابكم قومكم؟ إجابة قبول أم إجابة ردٍ وإنكار وجحود، وربنا، تبارك وتعالى، يعلم ما أجابت به الأقوام ولكن السؤال ليُظهر الحقائق ويوبخ ويقرِّع الكفار ويرفع درجة الصديقين والمرسلين والشهداء، يجمعهم ربنا، تبارك وتعالى، يوم القيامة ويسأل ماذا أُجبتم يسأل رسولارسولا نبينا نبيناً عالماً عالماً، لا يشغله شأن عن شأن، ولا يشغله سؤال أحد عن أحد سبحانه وتعالى (قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)) الغُيوب بضم الغين وبكسرها (الغِيوب) لغتان عجباً للإجابة (لَا عِلْمَ لَنَا) أما علموا، أما شاهدوا، أما عُذبوا في الله، أما أوذوا في الله، أما حوربوا، ألم يوقد الكفار النار لإبراهيم؟ ألم يحاول اليهود قتل عيسى ابن مريم! ألم يتبع فرعون وجنوده موسى وقومه؟ (قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا) لا عِلْم لنا إلى جانب علمك، لكنهم كانوا يعلمون أو لا عِلْم لنا بما حدث بعدنا بعد ما توفيتنا، أو لا علم لنا ببواطنهم فأنت تعلم السر وأخفى وأنت علام الغيوب، آمنوا بظواهرهم وكفروا ببواطنهم كما حدث مع منافقي المدينة على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو لا علم لنا إلى جوار علمك أو لا علم لنا إلا ما علمتنا وأعلمتنا أو من هول السؤال لا علم لنا، أو فيه الشكاية من أقوامهم (لَا عِلْمَ لَنَا) ينئ بالشكوى مما لَقيَ الأنبياء من أقوامهم وقد قيل إن جهنم إذا بها زفرت زفرة فما يبقى من نبي أو صديق إلا وجثى لركبتيه (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)) الغيوب كل ما غاب عن الحس وكل ما غاب عن العقل وكل ما غاب أياً كان وفي أي مكان كان، فالله، تبارك وتعالى، يعلم ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى.
ويتوجه الكلام لروح الله عز وجل لآيته الكبرى ومعجزته العظمى لعيسى ابن مريم:
إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى ۖ وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿110﴾
(يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) ناداه ربنا، تبارك وتعالى، باسمه منسوبا لأمه فلا أب له (اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ) يذكّره بالنعمة عليه إذ خلقه من غير أب، وبالنعمة على مريم إذ اصطفاها وطهرها واصطفاها على نساء العالمين، وجعل عيسى آية على براءتها إذ أنطقه في المهد، ألم يكن عيسى يذكر ذلك؟ بلى كان يذكر فلِمَ يذكّره؟ يذكّره وهو يعلم أنه يذكر ليُرفع شأنه ويُعلى مكانته ومكانة أمه أمام الخلائق على رءوس الأشهاد تكريما له وتشريفا له ورفعا لمنزلته وإعلاما للخلائق جميعا بما فعله الله، تبارك وتعالى، من مَنٍ وجودٍ وكرم.
(اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ) أيدتك، قويتك من الأيْد أي القوة (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)) [سورة ص آية: ٤٥]، (بِرُوحِ الْقُدُسِ)، جبريل أو بالروح التي اصطفاه بها (وَرُوحٌ مِنْهُ) [سورة النساء آية: ١٧١] (تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ) المهد هو فراش الصبي ما يمهد للصبي من فراش ناعم لين (وَكَهْلًا) الكهل، من خَطَهُ الشيب أو الكهل، ما اكتملت قوته من تعدى الثلاثين من عمره الكهولة، الشباب أو اكتمال الشباب واكتمال القوة واكتمال العقل واكتمال العلم، أي أنك تكلم الناس في المهد كما تكلمهم في الكهولة بلا فرق إذاً فقد تكلم عيسى بعد ميلاده بكلام الرجال تكلم بصوت الرجال وبحكمة الأنبياء لا يفترق كلامه في المهد عن كلامه وهو في حال الكهولة، وقال بعض الناس الآية دليل على نزول عيسى إذ رُفع عيسى قبل الكهولة وطالما رُفع قبل الكهولة إذاً فلا بد وأن يكلم الناس كهلا إذا فلا بد من نزوله.
(وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) علمتك الكتاب أي الكتابة أو الكتاب الكتب السابقة كالزبور مثلا (وَالْحِكْمَةَ) النبوة الحكمة، إتقان العلم، الحكمة الإصابة في القول والعمل (وَالتَّوْرَاةَ) كتاب موسى حين جاء عيسى علّمه ربنا التوراة التي نزلت من قبله على موسى التوراة الصحيحة التي لم تُحرّف ( وَالْإِنْجِيلَ ) الذي أُنزل عليه، وَإِذْ (تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي) تصور وتمثل وتقدِّر من الطين شكل الطير (فَتَنْفُخُ فِيهَا) في هذه العجينة في هذه الطينة في هذه الصورة التي صورتها (فَتَكُونُ طَيْرًا) فتطير وتصبح طيراً ذا روح يطير أمام الناس (بِإِذْنِي) وتكررت كلمة (بِإِذْنِي) ليبين للناس أن معجزات عيسى لم تكن من لدن عيسى بل كانت من فضل الله، تبارك وتعالى، وخلقه وإيجاده وتقديره.
(وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي) الأكمه: من وُلد أعمى وتلك كانت المعجزة، لأن من عَمِي في كبره قد يُشفى بعلاج أو بسبب، أما من وُلد بغير عينين من وُلد أعمى بالخلقة فتلك معجزة أن يلمسه عيسى أو يمسح على عينييه فإذا به ذا عيني.
(وَالْأَبْرَصَ) البرص مرض لا شفاء له لكن عيسى بمسحه على الأبرص كان يعود سليما معاف (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي) أي يحيي الموتى بالنداء على الميت أو بالمسح عليه فإذا به يقوم ويكلم الناس (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ) كففت، منعت من الكف وهو المنع (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ) حين أرادوا أن يقتلوه حين حاصروه وهيأوا له الصليب فرفعه الله، تبارك وتعالى، إليه وألقى شبهه على غيره (إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) البينات، المعجزات من إحياء الموتى من إخبارهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم من إبراء الأكمه والأبرص من النفخ في الطين فيصبح طيرا من الكلام في المهد كل ذلك لم يُجد مع يهود كل هذه المعجزات الخارقة للعادة المذهلة رغم كل ذلك لم يؤمن اليهود بعيسى بل اتهموا أمه بأنه ولد من زنا اليهود وما أدراك ما اليهود. (فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)) إن هذا إلا ساحر مبين قراءتان سحر، أي المعجزات ساحر، أي عيسى سحر مبين، سحر واضح سحر ظاهر سحر بين لا يحتاج إلى دليل.
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّـۧنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴿111﴾
(وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي) الإيحاء أنواع: الوحي، الإعلام في خفاء أو إلقاء المعنى في النفس خُفية والوحي أنواع: الوحي بإرسال جبريل إلى من يصطفيه الله، تبارك وتعالى، لرسالته الوحي: الإلهام (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) [سورة النحل آية: ٦٨] (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) [سورة القصص آية: ٧]، الوحي: الأمر أوحيت أمرت ومنه قوله (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)) [سورة الزلزلة آية: ٤ - ٥]، أي أمرها أن تلقي ما في باطنها، الوحي الإعلام في اليقظة أو المنام، وهنا (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ) ألهمتهم وقذفت في قلوبهم الإيمان بك، أو أمرتهم على لسانك (أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي) عيسى ابن مريم (قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)) أسلمنا لك يا رب وآمنا بك وبرسولك عيسى ابن مريم، كل ذلك من النعم، إذ حين يُبعث نبي من الأنبياء أو يُبعث رسول من الرسل عليه البلاغ أن يؤمن الناس أو لا يؤمنوا فذاك ليس من شأنه وإنما من شأنه الله (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) [سورة الشورى آية: ٤٨]، فإن الله هدى الله، تبارك وتعالى، الناس للإيمان برسول من رسله فتلك منّة من الله وفضل من الله من هنا يمن الله على عيسى (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)) واشهد يا ربنا بأننا مسلمون أو واشهد يا عيسى بأننا مسلمون وأسلمنا لله.
إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۖ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿112﴾
حين سمع عيسى المقالة وسمع السؤال خاف عليهم فقال (قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)) أي اتقوا الله أن تسألوه ما لا ينبغي (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [سورة المائدة آية: ١٠١] وذاك هو الارتباط بين الآيات إذ لا يصح أن يسأل الإنسان ربه ما لا يجوز أو ما يستحيل أو ما لا يصح أو ما لا ينبغي. (اتَّقُوا اللَّهَ) أن تسألوه ما لا يجوز وما لا ينبغي (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) بقدرته إن كنتم مؤمنين بقدرته فلم تسألون ذلك أن يبين لكم القدرة.
قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ﴿113﴾
قال بعضهم كذلك كانوا في سفر فوقعوا في مغارة أو في تيه وفرغ الزاد وأرادوا الطعام، وقال بعضهم أبداً وإنما إرادة الأكل من أجل التبرك، (نُرِيهِمْ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا) أي تسكن كما قال إبراهيم (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [سورة البقرة آية: ٢٦٠] (وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا) أي نعلم علم يقين وكانوا يعلمون أنه رسول الله وروحه لكنهم أرادوا العلم اليقيني الناشئ عن المعاينة والمشاهدة (وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا) في رسالتك قد صدقتنا في أن الله أجاب دعاءنا قد صدقتنا في أنا أهلا لذلك ( وَنَكُونَ عَلَيْهَا) أي على المائدة (مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)) أي من الشاهدين لك أو من الشاهدين لله بالواحدانية ومن الشاهدين لك بالرسالة، أو من الشاهدين على المائدة لمن لم يرها نحن شاهدناها وعاينها فنشهد بأنها نزلت لمن لم يحضر ولم ير.
هنا توجه عيسى إلى الله تبارك وتعالى بالدعاء وقد علم حجتهم أو قبل عذرهم واقتنع بمنطقهم.
قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًۭا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةًۭ مِّنكَ ۖ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ﴿114﴾
( مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ) تكن لنا عيداً تكون لنا عيدا قراءتان، (لأوْلنا وآخرنا) (لأُولانا وأُخرانا) قراءتان العيد من العَوْد لأنه يعود كل عام عليكم بالسرور والهناء والرفاهية (تَكُونُ لَنَا عِيدًا) تكون هذه المائدة يوم نزولها عيداً (لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا) يأكل منها أولنا وآخرنا تكفي الجميع أو أولنا في أول الزمان وآخرنا آخر الزمان إلى أن تقوم الساعة.
( وَآيَةً مِنْكَ) معجزة ودلالة وعلامة على أنك تحبنا وتستجيب دعاءنا وأن عيسى رسولك ونبيك وحبيبك (وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)) ذاك كان دعاء عيسى ابن مريم (وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)) هل هناك رازق غير الله؟ (وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)) إذاً فناك رازق ورازق ورازق، ذاك لأن ظاهر الأمر يوحي بأن من يعطيك الرزق وكأنه رازق بالتبعية حين يعطيك صاحب العمل أجرك أعطاك رزقك أعطاك أجرك أي رزقك، والأب في إطعامه لأبنائه، وهكذا وتسمى المرتبات الأرزاق كانت تسمى كذلك يوزع القائد الأرزاق على الجنود لكن الرازق هو الله، فمن حيث ظاهر الأمر هناك من يرزق أي يعطي الرزق، ربنا خير الرازقين لأن الله هو الخالق للرزق أولا، ثانيا هو العاطي للرزق دون عوض وكل رازق في الدنيا يرزق بعوض أجر مقابل عمل هدية مقابل عوِض مودة أو محبة، أو أو .. ، أما الله ماذا قدمت أنت حتى تستحق الرزق؟ وإن كنت قد قدمت الطاعة فما باله يرزق العصاة وإن كنت من الطائعين ومن أجل ذلك فقد رزقك فهل كنت كذلك وأنت في بطن أمك؟ كيف رزقك وأنت في بطن أمك؟ وكيف ألهمك التقام الثدي بعد ميلادك؟! وكيف غرس الحنان في قلب أمك والعطف في قلب أبيك ففضلوك عن أنفسهم وأعطوك مما أعطاهم الله فالله هو العاطي للرزق دون عوض وها هو يرزق الجميع ألا تراه يرزق الدودة في باطن الأرض والسمكة في أعماق المحيط والطير في أجواء السماء هو الله، والله خير الرازقين.
فقد استجاب ربنا، تبارك وتعالى، لعيسى ابن مريم ولدعائه فقد رُوي أنه لبس المسوح وخرج إلى العراء وأخذ يبكي ويسأل الله، تبارك وتعالى، إنزال هذه المائدة، وإن كان هناك رأي يقول إن المائدة لم تنزل لأن الله شرط شرطا حيث قال (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)) [سورة المائدة آية: ١١٥]، حين قال ذلك خاف صحابة عيسى خاف الحواريون وقالوا لا نريد فلم تنزل وذاك قول قلنا لأمانة العلم وهو قول ضعيف مرجوح، والراجح أن المائدة نزلت بل نزلت أكثر من مرة، لأن الله، تبارك وتعالى، يقول: (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) ، والإنزال مرة واحدة والتنزيل مرات لذا (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) [سورة آل عمران آية: ٣] على محمد، وحين تكلم عن التوراة قال: (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)) [سورة آل عمران آية: ٣]، أنزل التوراة لأنها نزلت دفعة واحدة، وحين تكلم عن القرآن قال: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)) [سورة آل عمران آية: ٣]، فالقرآن منزّل نزل على دفعات نزل منجما مرات كثيرة.
قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿115﴾
(فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ) من هؤلاء الذين شهدوا المائدة وحضروها لذا قال منكم (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ) أيها الطالبون لها السائلون لإنزالها (فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا) أي تعذيبا (لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)) العالمين: جمع عالم عالمي زمانهم وقيل بل العالمين على الإطلاق من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة، ولذا قال العلماء أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة طوائف:
الذين كفروا بالمائدة وخانوا بعد إنزالها حيث أمروا ألا يخونوا أمروا ألا يدخروا منها لغد ألا يأكل من طعام المائدة فيخفيه ولا يأخذ ليدخر للغد بل يأكل حتى يشبع ويقوم فخانوا وأخذوا وادخروا للغد فمسخوا قردة وخنازير، أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة طوائف الذين كفروا بالمائدة لقول الله هذا (أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)) وقوم فرعون كذلك ( أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)) [سورة غافر آية: ٤٦] والمنافقون في كل مكان وزمان (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)) [سورة النساء آية: ١٤٥] هؤلاء هم أشد الناس تعذيبا يوم القيامة.
وقد جرت سنّة الله، تبارك وتعالى، في خلقه أن يبعث الرسل وينزِّل الكتب ويؤيد الرسل بالمعجزات فمن آَمن سَلِم ونجا ومن طلب البديل وطلب المعجزة وطلب الآية أصبح على خطر شديد، والغريب أنك لو تتبعت آيات القرآن لوجدت أن ما من قوم سألوا آية إلا وكفروا بها، ها هو فرعون (إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)) [سورة الأعراف آية: ١٠٦ - ١٠٨].
ماذا حدث من فرعون (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِن هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩)) [سورة الأعراف آية: ١٩] هل آمن؟ أبداً، قوم صالح حين سألوه أن يُخرج ناقة من الجبل فخرجت هل آمنوا؟ أبداً، عقروها وهكذا، ولذا حين طلب مشركو العرب بمكة الآيات من النبي، صلى الله عليه وسلم، وتعنتوا (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)) [سورة الإسراء آية: ٩٠ - ٩٣]، ومع ذلك كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يطمع في إيمان قومه هو الرءوف الرحيم لأمته، فكان من شدة الحزن يكاد ينفطر قلبه من الحزن حتى أن الله لهاه عن الحزن فقال (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)) [سورة الكهف آية: ٦]، هل تقتل نفسك؟ سوف تقتل نفسك من الحزن عليهم (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) [سورة يونس آية: ٩٩] نهاه عن الحزن من شدة حزنه من شدة خوفه على قومه من شدة رحمته ورأفته بالناس كاد أن يسأل الآيات كاد، كي يؤمنوا فنزلت جبريل يقول الله عز وجل (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)) [سورة الإسراء آية: ٥٩]، إذاً فحين ينزل ربنا الآية والمعجزة بناء عن طلب الناس ينزلها للتخويف لا لاستدرار الإيمان، فالإيمان لا بد وأن يكون إيمانا غيبياً بالغيب، إذ أن إيمان المشاهدة كَلاَ إيمان لذا حين يبعث الله الناس ويرون الحق هل ينفع الإيمان، حين تشرق الشمس من مغربها هل ينفع؟ ربنا يقول (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) [سورة الأنعام آية: ١٥٨]، لذا أثنى الله على المؤمنين بالغيب في أول كتابه (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [سورة البقرة آية: ٢ - ٣].
ذاك الشرط أن تؤمن بالله ولم تره، أن تؤمن بيوم القيامة ولم تره، أن تؤمن بالجنة وبالنار، أن تؤمن بالملائكة، أن تؤمن بكل ما أخبر الله، تبارك وتعالى، به الناس على لسان رسوله، صلى الله عليه وسلم، ذاك هو الإيمان، الإيمان غيبا الإيمان بالغيب الإيمان بما غاب ذاك هو التصديق جاء محمد، صلى الله عليه وسلم، يقول آمنا وصدّقنا ولذا كانت إجابة الناجين في قبورهم واحفظوها ألهمني الله وإياكم الثبات في القول.
حين يسأل الإنسان في قبره ماذا كنت تقول في ذلك الرجل فيفهم أنهم يسألونه عن محمد بن عبد الله ماذا كنت تقول فالناجي جعلنا الله وإياكم من الناجين يقول هو عبد الله ورسوله جاءنا بالحق والهدى فصدقناه واتبعناه فيقال له نم آمناً لقد علمنا إن كنت لموقنا ذاك هو الإيمان الإيمان بالغيب.
من هنا حين سأل أصحاب عيسى نزول المائدة كان التهديد لأن الإيمان حينئذ ليس إيمانا بالغيب، عيسى قال إنه رسول الله (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي) [سورة مريم آية: ٣٠]، هذا قول عيسى فمن آمن بمقالته ذاك هو المؤمن أما من انتظر حتى تنزل المائدة ليصدّق أن عيسى رسول وأنه مبعوث من لدن الله فذاك ينتظر أن يؤمن بعينه لا يؤمن بقلبه، من هنا جاء التهديد (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)).
من هنا كانت رحمة الله، تبارك وتعالى، بأمة محمد، صلى الله عليه وسلم، لأن الله لو كان استجاب لطلب مشركي مكة ففجّر له ينبوعا من الأرض أو حوّل جبال مكة ذهبا كما سألوه أو جعل له بيتا من زخرف أو رأوه يطير في السماء ويرتفع في السماء أو أو، لو فعل ذلك فكفروا به لأهلكهم بصاعقة كصاعقة عاد وثمود وما كنا الآن نجلس ونسمع من أين كنا نأتي من أصلاب قوم أهلكوا كيف لأن الله، تبارك وتعالى، حين ينزل الآية ويكفر بها القوم يستأصل شأفتهم (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦)) [سورة الفجر آية: ٦]، (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)) [سورة الفيل آية: ١]، وهكذا، فمن فضل الله، تبارك وتعالى، أنه لم ينزل الآيات لأنها لو نزلت وكفروا بها لضعنا وضاعوا لكن الله تلطف بالأمة ورحم محمدا، صلى الله عليه وسلم، وأمته فلم ينزل هذه الآيات لأنه كان يعلم ويقضي بحكمته وإرادته أن يخرج من أصلاب هؤلاء الكفار من يقول لا له إلا الله محمد رسول الله.
فقد خاطب الله، تبارك وتعالى، عيسى ابن مريم يوم القيامة مذكّرا له بنعمه عليه وعلى أمه كيف وُلد من غير أب كيف تكلم في المهد كيف علّمه الكتاب والحكمة، كيف علّمه التوراة والإنجيل كيف وفقه لإبراء الأكمه والأبرص وإخراج الموتى وإحيائهم، كيف أنبأه بما يأكلون في بيوتهم وما يدخرون، كيف ألهم الحواريين الإيمان به والتصديق له، كيف أجابه لسؤله بإنزال المائدة فأنزلها عليه، وفجأة يتوجه ربنا، تبارك وتعالى، بالسؤال إلى عيسى على رءوس الخلائق والكل يرى ويسمع:
وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ ۚ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ ﴿116﴾
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ﴿117﴾
الوفاة بمعنى الموت: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) [سورة الزمر آية: ٤٢]، والوفاة بمعنى النوم (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ) [سورة الأنعام آية: ٦٠]، والوفاة بمعنى الرفع إلى السماء والأخذ وافيا بالجسد والروح كاملا وذلك رفع عيسى ابن مريم بقوله عز وجل (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) [سورة آل عمران آية: ٥٥]، ولم يتوفى عيسى وفاة الموت وإنما وفاة الرفع، إذ لو رُفع روحه فقط فما ذلك بغريب وما تلك بمزِّيَّة وما ذاك بفضل فأرواح الأنبياء جميعا في السموات العلى، وقد لقيهم محمد، صلى الله عليه وسلم، حين عُرج به إلى السموات العلى، ولو كان قد مات ورُفع ميتا فما ذاك بفضل وما ذاك بما يُمتنَّ به عليه، إذ لو مات حين حاصره أعداؤه فما الفضل في ذلك وما جعل، تبارك وتعالى، السماء مقبرة وقد نزهها عن أن تكون قبراً لجثث الموتى، إذا فقد رُفع عيسى حياً بجسده وروحه وهو في السماء ولسوف ينزل كما أخبرنا الصادق المصدوق، صلى الله عليه وسلم، ينزل ليقتل الدجال وليكسر الصليب وليقتل الخنزير وليضع الجزية وليحكم بما أنزل الله، (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) الرقيب، المراقب لأعمالهم الشاهد على أفعالهم الحافظ عليهم، فالمراقبة بمعنى المحافظة بمعنى المشاهدة بمعنى المعرفة والعلم.
(وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)) شاهد بكل شيء عالم بكل شيء تعرف كل شيء، سؤال وإجابة ينبئنا بأن ما من مخلوق إلا وهو مسئول يوم القيامة نبياً كان رسولا كان عالماً كان إنساناً أياً ما كان (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)) [سورة الأعراف آية: ٦]، وما من نبي إلا ويشهد على قومه ويأتي الشاهد الأعظم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيشهد على الجميع (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)) [سورة النساء آية: ٤١]، وبهذه المقالة كذّب عيسى هؤلاء الذين اتخذوه إلهاً وعبدوه من دون الله وادّعوا أن عبادة عيسى أو عبادة مريم موصِّلة إلى عبادة الله فكانوا كعبدة الأوثان والأصنام الذين قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) [سورة الزمر آية: ٣].
ثم بدأ عيسى في الاستعطاف لقومه أو التسليم لأمر الله والالتجاء إليه والخوف من عذابه فقال:
إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿118﴾
أجاب عيسى ابن مريم، عليه السلام، بما لقّنه الله، تبارك وتعالى، فكانت شهادته دامغة وحجته واضحة على أولئك الذين اتخذوه إلها أو زعموا أنه ابن الإله فعبدوه من دون الله، وهنا قال الله تبارك وتعالى:
قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّـٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴿119﴾
(لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) والجنات، جمع جنة وسُميت الجنة لأنها كثيرة الأشجار والأغصان قد تكاثفت والتفت أغْصانها فسترت ما تحتها والجنّ: الستر، (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا) أي من تحت قصورها من تحت غرفها، أو تجري فيها أنهار، أنهار خلقها الله، تبارك وتعالى، خصيصاً لأهل الجنة، أنهار من ماء غير آسن أنهار من لبن لم يتغير طعمه أنهار من خمر لذة للشاربين، أنهار من عسل أنهار ليست كأنهار الدنيا تشابهها في الاسم فقط، أما في الحقيقة فلا يعلم حقيقتها إلا الله، قيل في شأنها الكثير، قيل أن الرجل في الجنة إذا سار حيث سار سارت الأنهار معه شواطئها اللؤلؤ والزبرجد قاعها الذهب والفضة قيل فيها ومهما قيل ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [سورة السجدة آية: ١٧]، الاسم أنهار والحقيقة لا يعلمها إلا الله (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) إذا فالثواب غير مقطوع غير ممنوع، والبقاء والمُكث فيها إلى ما لا نهاية، فلا زمان انتهى الزمان مخلوق الخلد لا نهاية لما هم فيه من نعيم (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) رضي الله عنهم رضاءً لا سخط بعده ورضوا هم عن الثواب الذي أعدّه لهم والجزاء هم راضون، وهو قد رضي عنهم (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)) الفوز الذي عظم خيره وكثر وارتفعت منزلة صاحبه وشرُف، (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)) الفوز النجاح الفلاح الوصول لما تبتغي وتشهي وتتمنى، رضوا رضاء كاملا فقد قيل إن الله تبارك فقد قيل أن الله تبارك تعالى بعد دخول أهل الجنة إليها واستقرارهم فيها ينادي يا أهل الجنة سلوني فيقول أهل الجنة يارب نسألك رضاك فيقول الله عز وجل رضائي أسكنكم جنتي أي أن الرضا تحقق يا أهل الجنة سلوني فيقول أهل الجنة متحيرين ماذا نسأل فيقول أهل الجنة يا رب وماذا نسألك نعيم لم يخطر على عقل ولا قلب بشر لا ينقصهم شيء فيقول الله، تبارك وتعالى، سلوني المزيد فيقول أهل الجنة يا رب نسألك المزيد فيكشف فينظرون إلى الله عز وجل فما من شيء أعطوه خير من ذلك، النظر إلى وجه الكريم.
وتُختم السورة بقول الله، عز وجل: